التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج6

- محمد طاهر الكردي المزيد...
777 /
253

و قد روى عنه أولاده الحسن و الحسين و محمد بن الحنفية و فاطمة الزهراء و عمر و ابن عباس و الأحنف و غيرهم، ولي الخلافة خمس سنين، و قيل إلا شهرا، بويع بعد عثمان رضي اللّه تعالى عنه، لكونه أفضل الصحابة حينئذ إجماعا.

و قد ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي الحميري بسيف مسموم أوصله إلى دماغه، «عامله اللّه على ذلك بما يستحقه»، و كان ذلك في ليلة الجمعة بالكوفة فمات بها ليلة الأحد تاسع عشر من رمضان سنة أربعين، عن ثلاث و ستين سنة على الأرجح.

و كان آدم اللون أصلع ربعة، أبيض الرأس و اللحية، و ربما خضب لحيته رضي اللّه تعالى عنه، و كانت له لحية كثة طويلة، حسن الوجه كأنه القمر ليلة البدر، ضحوك السن، و قبره بالكوفة، لكن أخفي خوفا عليه من الخوارج «أخزاهم اللّه تعالى» و ليس في الصحابة من اسمه علي بن أبي طالب غيره، و في الرواية غير الصحابة علي بن أبي طالب ثمانية، و باللّه تعالى التوفيق و هو الهادي إلى سواء الطريق. انتهى من كتاب زاد المسلم من الجزء السادس.

ترجمة و فضل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏

و لقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة في فضل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، في الصحيحين و غيرهما، نقتصر على بعضها على سبيل التبرك لا على سبيل الحصر و التعداد.

جاء في صحيح البخاري في باب فضائل أصحاب (صلى الله عليه و سلم)، في باب مناقب علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد فقال: هذا فلان لأمير المدينة يدعو عليا عند المنبر، قال: فيقول ماذا؟ قال: يقول له أبو تراب. فضحك قال: و اللّه ما سماه إلا النبي (صلى الله عليه و سلم) و ما كان له اسم أحب إليه منه، فاستطعمت الحديث سهلا، و قلت: يا أبا عباس كيف؟

قال: دخل عليّ على فاطمة ثم خرج فاضطجع في المسجد؟ فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): أين ابن عمّك؟ قالت: في المسجد. فخرج إليه، فوجد رداءه قد سقط عن ظهره، و خلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول: اجلس يا أبا تراب مرتين.

254

و جاء فيه أيضا عن الحكم سمعت ابن أبي ليلى قال: حدثنا علي أن فاطمة (عليها السلام) شكت ما تلقى من أثر الرحا، فأتى النبي (صلى الله عليه و سلم) سبي فانطلقت فلم تجده، فوجدت عائشة فأخبرتها. فلما جاء النبي (صلى الله عليه و سلم) أخبرته عائشة بمجي‏ء فاطمة، فجاء النبي (صلى الله عليه و سلم) إلينا، و قد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم، فقال:

على مكانكما، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، و قال: ألا أعلمكما خيرا مما سألتماني، إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعا و ثلاثين، و تسبحا ثلاثا و ثلاثين، و تحمدا ثلاثة و ثلاثين، فهو خير لكما من خادم. و جاء فيه أيضا عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: قال النبي (صلى الله عليه و سلم) لعليّ: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟

و جاء فيه أيضا عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:

لأعطين الراية غدا رجلا يفتح اللّه على يديه. قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول اللّه قال:

فأرسلوا إليه فأتوني به، فلما جاء بصق في عينيه و دعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال علي: يا رسول اللّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال:

انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، و أخبرهم بما يجب عليهم من حق اللّه فيه، فو اللّه لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم.

و جاء فيه أيضا عن سلمة قال: كان علي قد تخلف عن النبي (صلى الله عليه و سلم) في خيبر، و كان به رمد، فقال: أنا أتخلف عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؟ فخرج علي فلحق بالنبي (صلى الله عليه و سلم)، فلما كان مساء الليلة التي فتحها اللّه في صباحها، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

لأعطين الراية أو ليأخذن الراية غدا رجلا يحبه اللّه و رسوله، أو قال يحب اللّه و رسوله، يفتح اللّه عليه فإذا نحن بعلي و ما نرجوه، فقالوا: هذا علي فأعطاه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ففتح اللّه عليه. انتهى من البخاري.

و نكتفي بهذا القدر ففضل أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) معروف، و ما من مسلم إلا و هو يحبهم محبة عظيمة أكثر من نفسه و أولاده، كيف و هم قد فازوا بمشاهدة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و سعدوا بخدمته و خدمة هذا الدين السمح الحنيف.

255

اللهم صل على عبدك و نبيك «محمد» و على آله الأطهار و صحابته الأخيار، و أزواجه المصونات الطاهرات أمهات المؤمنين و سلم تسليما كثيرا.

ترجمة عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما

جاء في الجزء الرابع من شرح «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عند حديث: «من وضع هذا" يعني وضوءا" فأخبر، فقال: اللهم فقهه في الدين.

يعني الواضع ابن عباس» ما نصه:

أما فضائل ابن عباس رضي اللّه عنهما، المعنيّ في حديث المتن بقوله عليه الصلاة و السلام: اللهم فقهه في الدين، فهي كثيرة مذكورة في ترجمته في الكتب الجامعة لتراجم الصحابة كأسد الغابة لابن الأثير، و الاستيعاب للحافظ ابن عبد البر، و الإصابة للحافظ ابن حجر. و لنقتصر على ما نقله الأبي عن القرطبي منها فأقول: قال الأبي ناقلا عن القرطبي: هو عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، يكنى أبا العباس، ولد في الشعب و بنو هاشم محصورون فيه قبل خروجهم منه بيسير، و ذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، و اختلف في سنّه قبل موت النبي (صلى الله عليه و سلم) فقيل عشر سنين و قيل خمس عشرة، رواه عنه ابن جبير و قيل كان ابن ثلاث عشرة، و عن ابن عباس أنه كان في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام، و مات بالطائف سنة ثمان و ستين في أيام ابن الزبير، لأنه أخرجه من مكة. و توفي و هو ابن سبعين سنة رضي اللّه عنه و رحمه، و قيل ابن إحدى و سبعين، و قيل ابن أربع و سبعين سنة، و صلى عليه محمد بن الحنفية، و قال: اليوم مات رباني هذه الأمة، و ضرب على قبره فسطاطا. و يروى عن مجاهد أنه قال: رأيت جبريل عند النبي (صلى الله عليه و سلم) مرتين، و دعا لي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالحكمة مرتين. و قال ابن مسعود فيه: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. و كان ابن عمر يقول: ابن عباس فتى الكهول، له لسان سئول، و قلب عقول، و قال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت:

أجمل الناس، و إذا تكلم قلت: أفصح الناس، و إذا تحدث قلت: أعلم الناس، و كان يسمى الحبر لغزارة علمه، و البحر لاتساع حفظه و نفوذ فهمه. و كان عمر يقربه و يدنيه لجودة فهمه و حسن تأنيه. و جملة ما روى عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ألف حديث و ستمائة و ستون في الصحيحين، منها مائتان و أربعة و ثلاثون، قال الأبي:

و قبلت دعوات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيه، و ظهرت بركاتها عليه، فاشتهرت علومه‏

256

و فضائله، فارتحل طلاب العلم إليه، و ازدحموا عليه و رجعوا عند اختلافهم لقوله، و عولوا على نظره و رأيه، قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجا مع ابن عباس، فكان لمعاوية موكب و لابن عباس موكب ممن يطلب العلم، و قال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس، الحلال و الحرام و العربية و الأنساب و الشعر، و قال عبيد اللّه بن عبد اللّه: ما رأيت أعلم بالسنة و لا أجل رأيا و لا أثقب نظرا من ابن عباس، و لقد كان عمر يعده للمعضلات مع اجتهاد عمر و نظره للمسلمين، و كان قد عمي في آخر عمره، فأنشد في ذلك:

إن يأخذ اللّه من عيني نورهما* * * ففي لساني و قلبي منهما نور

قلبي ذكي و عقلي غير ذي خلل‏* * * و في فمي صارم كالسيف مأثور

و روي أن طائرا أبيض خرج من قبره فتأولوه: أن علمه خرج إلى الناس، و يقال:

بل دخل قبره طائر أبيض، فقيل: إنه بصره في التأويل. قال أبو الزبير: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر أبيض فدخل في نعشه حين حمل ما رؤي خارجا منه. و فضائله أكثر من أن تحصى. اه.

و هذا الحديث كما أخرجه الشيخان في صحيحيهما أخرجه النسائي في المناقب من سننه و أخرجه غيره و باللّه تعالى التوفيق و هو الهادي إلى سواء الطريق.

ترجمة عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما

جاء في شرح «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عن ترجمته ما نصه: و أما ترجمة عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما فترجمته شهيرة و هو أحد المكثرين من حديث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قد ثبت عنه أنه كان له يوم بدر ثلاث عشرة سنة، و بدر كانت في السنة الثانية، و قد أسلم مع أبيه و هاجر، و عرض على النبي (صلى الله عليه و سلم) ببدر فاستصغره ثم بأحد فكذلك، ثم في الخندق فأجازه و هو يومئذ ابن خمس عشرة سنة كما ثبت في الصحيح.

و أخرج البغوي في ترجمته من طريق علي بن زيد عن أنس و سعيد بن المسيب قالا: شهد ابن عمر بدرا و يؤيد هذه الرواية كونه روى حديث المتن جازما به كالحاضر له المشاهد، فهو متصل من روايته فيما يظهر لا مرسل صحابي فقط.

و المعروف أنه شهد الخندق و بيعة الرضوان و ما بعد ذلك. له ألف و ستمائة حديث‏

257

و ثلاثون حديثا، اتفق البخاري و مسلم على مائة و سبعين منها و انفرد البخاري بأحد و ثمانين و مسلم بأحد و ثلاثين.

روى عنه بنوه سالم و حمزة و عبيد اللّه و ابن المسيب و مولاه نافع و خلق كثير، كان إماما متينا واسع العلم، كثير الاتباع للسنة وافر النسك كبير القدر، متين الديانة عظيم الحرمة ذكر للخلافة يوم التحكيم، و خوطب في ذلك فقال: على أن لا يجري فيها دم. و قد تقدمت ترجمته بإطناب واسع في أواخر الجزء الرابع من كتابنا هذا عند حديث: نعم الرجل عبد اللّه لو كان يصلي في الليل. مات رضي اللّه عنه سنة أربع و سبعين كما قاله أبو نعيم و به جزم الحافظ في فتح الباري فقال:

مات في أوائل سنة أربع و سبعين، و زعم الحافظ ابن عبد البر أنه مات سنة ثلاث و سبعين بلا خلاف. و قد علمت مما ذكرناه هنا و في محل ترجمته السابق أنه خلاف الواقع فضلا عن أن يكون لا خلاف فيه، لكن الجمع بينه و بين قول الحافظ ابن حجر مات في أوائل سنة أربع و سبعين ممكن، بحمل كلام ابن عبد البر على آخر سنة ثلاث و سبعين، بحيث لم يبلغ السنة الرابعة و حمل كلام الحافظ ابن حجر على أنه بلغها و اللّه أعلم بالواقع.

جاء في الجزء الرابع من شرح «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عند الكلام على حديث «نعم الرجل عبد اللّه لو كان يصلي من الليل» ما يأتي:

و سبب هذا الحديث كما في الصحيحين و اللفظ للبخاري عن ابن عمر رضي اللّه عنه قال: كان الرجل في حياة النبي (صلى الله عليه و سلم) إذا رأى رؤيا قصها على النبي (صلى الله عليه و سلم)، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي (صلى الله عليه و سلم)، و كنت غلاما أعزب و كنت أنام في المسجد على عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) فرأيت في المنام كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، و إذا لها قرنان كقرني البئر، و إذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ باللّه من النار، أعوذ باللّه من النار، فلقيهما ملك آخر فقال لي: لن ترع. فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على النبي (صلى الله عليه و سلم) فقال: نعم الرجل عبد اللّه لو كان يصلي من الليل. قال سالم: فكان عبد اللّه لا ينام من الليل إلا قليلا. و قوله لن ترع كذا بالجزم بلن في لفظ البخاري، قال ابن التين: هي لغة قليلة، يعني الجزم بلن، قال القزاز: و لا أحفظ له شاهدا، قال الحافظ ابن حجر: و روى الأكثر بلفظ: لن تراع، و هي الوجه. اه. و قول‏

258

القزاز: لا أحفظ له شاهدا، تعقب بقول الشاعر في مدح سيدنا الحسن السبط، رضي اللّه عنه:

لن يخب الآن من رجائك من‏* * * حرك من دون بابك الحلقة

قال القرطبي: إنما فسر الشارع من رؤيا عبد اللّه بما هو ممدوح، لأنه عرض على النار، ثم عوفي منها، و قيل له: لا روع عليك، و ذلك لصلاحه غير أنه لم يكن يقوم من الليل، فحصل لعبد اللّه من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما تتقي به النار و الدنو منها، أعاذنا اللّه تعالى منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك.

و أشار المهلب إلى أن السر في ذلك كون عبد اللّه بن عمر كان ينام في المسجد، و من حق المسجد أن يتعبد فيه، فنبه على ذلك بالتخويف بالنار. و حديث المتن من مسند عبد اللّه بن عمر لا من مسند حفصة رضي اللّه عنها، فالذي هو من مسند حفصة هو ما أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة في مناقب عبد اللّه بن عمر بعد حديث المتن، و هو قوله (صلى الله عليه و سلم): إن عبد اللّه رجل صالح، و أعظم بها من شهادة منه (صلى الله عليه و سلم) فهي من أعظم مناقبه، رضي اللّه عنه، و لنذكر بعض مناقبه تبركا بها و إن كان لا يسعها إلا تأليف مستقل فأقول: هو أحد العبادلة، و فقهاء الصحابة، و أحد المكثرين منهم من حديث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المجموعين في قول صاحب طلعة الأنوار:

و المكثرون بحرهم و أنس‏* * * عائشة و جابر المقدس‏

صاحب دوس و كذا ابن عمرا* * * رب قنى بالمكثرين الضررا

- و أمه زينب- و يقال رائطة بنت مظعون أخت عثمان و قدامة ابني مظعون.

للجميع صحبة، و كان مولده في السنة الثانية أو الثالثة من المبعث، لأنه ثبت أنه كان يوم بدر ابن ثلاث عشرة سنة، و كانت بدر بعد البعثة بخمس عشرة سنة، كذا في فتح الباري، و قال في الإصابة: ولد سنة ثلاث من المبعث النبوي فيما جزم به الزبير بن بكار قال: هاجر و هو ابن عشر سنين، و كذا قال الواقدي حيث قال:

مات سنة أربع و ثمانين، و قال ابن منده: كان ابن إحدى عشرة و نصف و نقل الهيثم بن عدي عن مالك أنه مات و له سبع و ثمانون سنة. فعلى هذا كان له في الهجرة ثلاث عشرة، و قد ثبت عنه أنه كان له يوم بدر ثلاث عشرة، و بدر كانت في السنة الثانية، و أسلم مع أبيه و هاجر و عرض على النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم ببدر فاستصغره، ثم بأحد فكذلك، ثم في الخندق فأجازه، و هو

259

يومئذ ابن خمس عشرة سنة كما ثبت في الصحيح، و أخرج البغوي في ترجمته من طريق علي بن زيد عن أنس و سعيد بن المسيب قالا: شهد ابن عمر بدرا، و من طريق مطرف عن ابن إسحاق عن البراء: عرضت أنا و ابن عمر يوم بدر فرددنا، و حفظ وقت إسلام أبيه كما أخرج البخاري من طريق عبد اللّه، و قال البغوي:

أسلم مع أبيه لم يكن بلغ يومئذ. و أخرج من طريق أبي إسحاق: رأيت ابن عمر في السعي بين الصفا و المروة، فإذا رجل ضخم آدم و هو من المكثرين عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، و روى أيضا عن أبي بكر و عمر و عثمان و أبي ذر و معاذ و عائشة و غيرهم.

و روى عنه من الصحابة جابر و ابن عباس و غيرهما. و بنوه: سالم و عبد اللّه و حمزة و بلال و زيد، و ابن أخيه حفص بن عامر. و من كبار التابعين سعيد بن المسيب، و أسلم مولى عمر و علقمة بن أبي وقاص و أبي عبد الرحمن النهدي، و مسروق و جبير بن نفير و عبد الرحمن بن أبي ليلى في آخرين. و ممن بعدهم مواليهم عبد اللّه بن دينار و نافع و زيد و خالد بن أسلم و من غيرهم مصعب بن سعد و موسى بن طلحة و عروة بن الزبير و بشر بن سعيد و عطاء و طارق و مجاهد و ابن سيرين و الحسن و صفوان بن محرز و آخرون. اه.

و من مناقبه ما قاله فيه عبد اللّه بن مسعود: أن أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد اللّه بن عمر، و أخرج أبو الطاهر و الذهلي في فوائده عن ابن مسعود أيضا: لقد رأيتنا و نحن متوافرون فما بيننا شاب هو أملك لنفسه من عبد اللّه بن عمر. و عن جابر: ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به و مال بها غير عبد اللّه بن عمر، و في تاريخ أبي العباس السراج بسند حسن عن السدي: رأيت نفرا من الصحابة كانوا يرون أنه ليس أحد فيهم على الحالة التي فارق عليها النبي (صلى الله عليه و سلم) إلا ابن عمر، و في الشعب للبيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مات ابن عمر و هو مثل عمر في الفضل. و من وجه آخر عن أبي سلمة: كان عمر في زمان له فيه نظراء، و كان ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير، و في معجم البغوي بسند حسن عن سعيد بن المسيب: لو شهدت لأحد من أهل الجنة لشهدت لابن عمر.

و من وجه صحيح: كان ابن عمر حين مات خير من بقي. و أخرج السراج في تاريخه و أبو نعيم من طريقه بسند صحيح عن ميمون بن مهران قال: مرّ أصحاب نجدة الحروري بإبل لابن عمر فاستاقوها، فجاء الراعي فقال: يا أبا عبد الرحمن احتسب الإبل و أخبره الخبر قال: فكيف تركوك؟ قال: انفلت منهم، لأنك‏

260

أحب إلي منهم فاستحلفه فحلف، فقال: إني أحتسبك معها فأعتقه، فقيل له بعد ذلك: هل لك في ناقتك الفلانية تباع في السوق؟ فأراد أن يذهب إليها، قد كنت احتسبت الإبل فلأي معنى أطلب الناقة؟

و من طريق عبد اللّه بن أبي عثمان قال: أعتق عبد اللّه بن عمر جارية له يقال لها رمثة كان يحبها و قال: سمعت اللّه تعالى يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ‏ و قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري عن سالم قال: ما لعن ابن عمر خادما قط إلا واحدا فأعتقه. و عن نافع أن ابن عمر اشتكى فاشترى له عنقودا بدرهم، فأتاه مسكين فقال: أعطوه إياه. فخالف إنسان فاشتراه منه بدرهم، ثم جاء به إليه فجاءه السائل فقال: أعطوه إياه. فخالف إنسان آخر فاشتراه بدرهم، ثم أراد أن يرجع فمنع و لو علم ابن عمر بذلك لما ذاقه.

و في الزهد للبيهقي بسند صحيح عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد اللّه بن عمر سمعت أبي يقول: ما ذكر ابن عمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلا بكى، و لا مر على ربعهم إلا غمض عينيه. و أخرج ابن المبارك في الزهد عن عقبة بن مسلم أن ابن عمر سئل عن شي‏ء فقال: لا أدري، ثم قال: تريدون أن تجعلوا ظهورنا جسورا في جهنم تقولون أفتانا بهذا ابن عمر؟ و قال الزبير بن بكار: كان ابن عمر يحفظ ما سمع من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و يسأل من حضر إذا غاب عن قوله و فعله. و كان يتبع آثاره في كل مسجد صلى فيه، و كان يعترض براحلته في طريق رأى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عرض ناقته فيه، و كان لا يترك الحج، و كان إذا وقف بعرفة يقف في الموقف الذي وقف فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). و في تاريخ أبي العباس بسند جيد عن نافع كان ابن عمر إذا قرأ هذه الآية: أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ‏ يبكي حتى يغلبه البكاء. و عند ابن سعد بسند صحيح قيل لنافع: ما كان ابن عمر يصنع في منزله؟ قال: الوضوء لكل صلاة و المصحف فيما بينهما. و عند الطبراني و هو في الحلية بسند جيد عن نافع أن ابن عمر كان يحيي الليل صلاة ثم يقول: يا نافع أسحرنا. فيقول: لا، فيعاود فإذا قال نعم قعد يستغفر اللّه حتى يصبح.

و من طريق أخرى عن نافع قال: كانت لابن عمر جارية معجبة فاشتد عجبه بها فأعتقها و زوّجها مولى له، فأتت منه بولد فكان ابن عمر يأخذ الصبي فيقبله ثم يقول: واها لريح فلانة. و عند البيهقي من طريق زيد بن أسلم: مر ابن عمر براع‏

261

فقال: هل من جزرة؟ قال: ليس ههنا ربها. قال: تقول له: إن الذئب أكلها.

قال: فاتق اللّه. فاشترى ابن عمر الراعي و الغنم و أعتقه و وهبها له. قال البخاري في التاريخ: حدثني الأويسي حدثني مالك أن ابن عمر بلغ سبعا و ثمانين سنة. و قال غير مالك: عاش أربعا و ثمانين، و الأول أثبت، و قال ضمرة بن ربيعة في تاريخه:

مات سنة اثنتين أو ثلاث و سبعين و جزم مرة بثلاث و كذا أبو نعيم و يحيى بن بكير و الجمهور، و زاد بعضهم في ذي الحجة، و قال الفلاس مرة سنة أربع و به جزم خليفة و سعيد بن جبير و ابن زبر. اه ملخصا من الإصابة. (قال مقيده وفقه اللّه تعالى): و جزم الحافظ في فتح الباري بأنه مات أوائل سنة أربع و سبعين، و كانت وفاته رضي اللّه عنه بسبب من دسه عليه الحجاج بن يوسف الأمير الفاسق، فمس رجله بحربة مسمومة فمرض بها إلى أن مات. روى ابن وهب عن مالك قال: بلغ عبد اللّه بن عمر ستا و ثمانين سنة، و أفتى في الإسلام ستين سنة، و نشر نافع عنه علما جما. و قال ابن عبد البر في الاستيعاب بإسناده: أن مروان بن الحكم دخل في نفر على عبد اللّه بن عمر بعد ما قتل عثمان رضي اللّه عنه فعرضوا عليه أن يبايعوا له، قال: و كيف لي بالناس؟ قال: تقاتلهم و نقاتلهم معك، فقال: و اللّه لو اجتمع عليّ أهل الأرض إلا أهل فدك ما قاتلتهم. قال: فخرجوا من عنده و مروان يقول: و الملك بعد أبي ليلى لمن غلبا.

قال أبو عمر رضي اللّه عنه: مات عبد اللّه بن عمر بمكة سنة ثلاث و سبعين لا يختلفون في ذلك بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر أو نحوها، و قيل لستة أشهر، و قوله لا يختلفون في ذلك هو من قبيل إجماعاته التي حذروا من اعتقاد صحتها، لكن قالوا: إن أقلها قول الجمهور كما هو الواقع هنا، و كان أوصى أن يدفن في الحل فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج، و دفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين. و كان الحجاج قد أمر رجلا فسم زج رمح و زحمه في الطريق، و وضع الزج في ظهر قدمه. و من أسباب ذلك أنه كان يتقدم في المواقف بعرفة و غيرها إلى المواضع التي كان النبي (صلى الله عليه و سلم) وقف بها، فكان ذلك يعز على الحجاج ففعل ما فعله به، عامله اللّه بما يستحق. و لما مرض دخل عليه الحجاج يعوده فقال له: من فعل بك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: و ما تصنع به؟ قال: قتلني اللّه إن لم أقتله. قال: ما أراك فاعلا، أنت الذي أمرت الذي نخسني بالحربة. فقال: لا تقل يا أبا عبد الرحمن. و خرج عنه. اه ملخصا من الاستيعاب للحافظ ابن عبد البر. انتهى كل ذلك من شرح «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم».

262

ترجمة أبي هريرة رضي اللّه عنه‏

جاء في شرح «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عن ترجمته ما نصه: أما راوي الحديث أبو هريرة فهو في قول الأكثر عبد الرحمن بن صخر الدوسي، و هو حافظ الصحابة. و قد اختلف في اسمه و اسم أبيه على نحو عشرين قولا أو أزيد ذكرها الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب ثم قال: و اختلف في أيها أرجح، فذهب الأكثرون إلى الأول يعني عبد الرحمن بن صخر، و ذهب جمع من النسابين إلى عمرو بن عامر، و هو أحفظ المكثرين من الحديث، له خمسة آلاف و ثلاثمائة و أربعة و سبعون حديثا، اتفق البخاري و مسلم على ثلاثمائة و خمسة و عشرين منها، و انفرد البخاري بتسعة و سبعين و مسلم بثلاثة و تسعين.

روى عنه إبراهيم بن حنبل و أنس و بسر بن سعيد و سالم و ابن المسيب و تمام ثمانمائة نفس ثقاة، قال ابن سعد: كان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة.

مات سنة سبع أو ثمان أو تسع و خمسين، و هو ابن ثمان و سبعين سنة. و قد تقدم بسط ترجمته في هذا الشرح في أواخر الجزء الرابع عند حديث: من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي إلخ، فليرجع لها من شاء الوقوف على فضله و سر إكثاره من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و أصحابه و سلم، و باللّه تعالى التوفيق و هو الهادي إلى سواء الطريق.

انتهى من الجزء الخامس من شرح زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم.

و جاء في الجزء الرابع من كتاب زاد المسلم المذكور عن ترجمة أبي هريرة رضي اللّه عنه عند حديث: «من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه فلن ينسى شيئا سمعه مني. قال أبو هريرة: فبسطت بردة كانت عليّ فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئا سمعته منه» ... ما نصه:

و اعلم أن حفظ أبي هريرة رضي اللّه عنه للسنة و تميزه به عن الصحابة المكثرين، أحرى غير المكثرين أمر مشهور معلوم عند علماء الشريعة، و لا غرابة فيه إلا عند الجهلة بهذا الشأن، لأن أبا هريرة نال ذلك الحفظ الذي يتميز به عن سائر الصحابة بدعاء النبي (صلى الله عليه و سلم) الذي دل عليه حديث المتن عندنا. و في ذكر سببه عن أبي هريرة ما يزيل كل استغراب يقع للناس من من كثرة حفظه، و قد تميز كثير من أكابر الصحابة بأمور معلومة كان سببها دعاء النبي (صلى الله عليه و سلم) لهم بها كدعائه لسعد

263

بن أبي وقاص بقوله: اللهم سدد رميته و أجب دعوته، فكان لا يرمي شيئا إلا أصابه و لا يدعو بشي‏ء أو على أحد إلا أجاب اللّه دعاءه، و أمره في ذلك مشهور و كابن عباس حيث دعا له بقوله: اللهم فقهه في الدين و في رواية، و علمه التأويل فكان نابغة في الفقه و تأويل كتاب اللّه العزيز حتى نال من ذلك المنزلة المشهورة و رجع إليه أكابر الصحابة (رضوان اللّه عليهم) في المعضلات و أراد نافع بن الأزرق تعجيزه فعجز عن ذلك فكان يسأله عن غريب القرآن، و إذا أجابه على البديهة يقول: و هل تعرف العرب ذلك؟ فيقول له ابن عباس: نعم، أما سمعت قول فلان كذا و كذا كسؤاله له عن قول اللّه تعالى‏ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزِينَ‏ فقال ابن عباس: العزون حلق الرفاق، فقال نافع بن الأزرق: و هل تعرف العرب ذلك؟

قال ابن عباس: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص و هو يقول:

فجاءوا يهرعون إليه حتى‏* * * يكونوا حول منبره عزينا

و هكذا كان يسأله عن دقائق غريب القرآن فيجيبه ابن عباس على البديهة، فيقول له نافع بن الأزرق: و هل تعرف العرب ذلك؟ فيقول ابن عباس: نعم أما سمعت قول فلان كذا و ينشده بيت شعر للعرب، فينتقل لسؤاله عن مسألة أخرى من هذا النوع فيجيبه بنحو ما سبق و هكذا، حتى أيس من تعجيزه، و قد سرد الجلال السيوطي في النوع السادس و الثلاثين في معرفة غريب القرآن من كتابه الإتقان أسئلة نافع بن الأزرق لابن عباس و أجوبته له نثرا و شعرا بطولها، فليراجعها من شاء العجب من معرفة ابن عباس لغريب القرآن و ضبطه لشعر العرب. و كان عمر يقدم ابن عباس على معاصريه و يستشيره و يستحسن فهمه.

و كدعائه لأنس بن مالك بكثرة العلم و المال و الولد و طول العمر فأجاب اللّه دعاءه في ذلك كله، فكثر ماله حتى فاض على جيرانه، و كثر أبناؤه حتى دفن منهم ما ينيف على المائة، و كثر علمه حتى عد من المكثرين، و طال عمره كما هو معلوم.

و من ذلك دعاؤه لعليّ (كرم اللّه وجهه) في سيفه فكان لا يبارز أحدا إلا سبقه للضرب و قتله، حتى بلغ في ذلك وصفا صار سببا لإفراط الرافضة فيه، و ضلالهم الخارج عن حد التعظيم الشرعي، و كدعائه له بمعرفة القضاء، فكان أقضى الصحابة كما بسطته في رسالتي في مناقبه المسماة «كفاية الطالب لمناقب عليّ بن أبي طالب» و ربما شكى له (صلى الله عليه و سلم) بعض الصحابة من شي‏ء فدعا له أو علمه دعاء أو

264

ركعات يصليها، و يدعو بمراده فيحصل مراده كائنا ما كان كشكوى علي رضي اللّه عنه له من تفلت القرآن منه، فعلمه ركعات و دعاء لحفظه ففعل ذلك، فسهل اللّه عليه حفظ القرآن بعد خمس ليال أو سبع، فجاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه إني قد كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات و نحوهن، فإذا قرأتهن على نفسي تفلتن و أنا أتعلم اليوم أربعين آية و نحوها فإذا قرأتها على نفسي فكأنما كتاب اللّه بين عيني، و لقد كنت أسمع الحديث فإذا رددته تفلت، فأنا اليوم أسمع الأحاديث فإذا تحدثت بها لم أخرم منها حرفا فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عند ذلك: مؤمن و رب الكعبة أبا الحسن. رواه الترمذي في سننه و بوّب له بقول:

باب في دعاء الحفظ، و أخرجه الحاكم و البيهقي في الدعوات عن ابن عباس رضي اللّه عنهما.

و من ذلك تعليمه الأعمى حديث التوسل به (صلى الله عليه و سلم) الصحيح فدعا به فأزال اللّه عنه العمى، كما أخرجه الحفاظ و قد استوعبت ذكر من أخرجه في منظومتي المسماة بما نصه:

سميتها بحجج التوسل‏* * * و نصرة الحق بنصر الرسل‏

إلى غير ذلك ممن دعا له النبي (صلى الله عليه و سلم) بأمر فناله ببركة دعائه (صلى الله عليه و سلم)، و كل ذلك راجع لمعجزات النبي (صلى الله عليه و سلم)، فلا يستغرب حفظ أبي هريرة و يستعظمه إلا من لم يعرف سببه لجهله بأحاديث السنة و سير الصحابة و تراجمهم أو من كان ملحدا في معجزات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) غير معترف بما خص اللّه به الصحابة عليهم الصلاة و السلام الذين زكاهم اللّه في كتابه العزيز بقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً إلى آخر ما أثنى به تعالى عليهم.

فحفظ أبي هريرة لا غرابة فيه عند الصحابة و لا عند سلف الأمة المطلعين على سببه، كما اطلعوا على سبب ما اختص به كل صحابي دعا له النبي (صلى الله عليه و سلم) بشي‏ء، فسبب حفظ أبي هريرة بينه هو رضي اللّه تعالى عنه قبل ذكر هذا الحديث بقوله كما في الصحيحين و اللفظ للبخاري: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و اللّه الموعد إني كنت امرءا مسكينا ألزم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على مل‏ء بطني، و كان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، و كانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فشهدت من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذات يوم و قال: من‏

265

يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي إلخ. حديث المتن بلفظه، و لما تبرز على غيره من الصحابة استعظم الصحابة ذلك أولا، و اختبروه مرارا فما وجدوه روى حديثا إلا وجدوا له ما يصدقه من شهادة صحابي آخر أو وفاق ظاهر آية، فاعترفوا له بالحفظ و فهموا ظهور معجزة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيه، حيث قال: من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه، و في رواية يجمعه، فلن ينسى شيئا سمعه مني، ثم رجع له بعد النزاع من خالفه منهم لوجود من يشهد له من الصحابة على ما رواه، فمن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه بإسناده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه كان قاعدا عند عبد اللّه بن عمر إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال:

يا عبد اللّه بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة أنه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: من خرج مع جنازة من بيتها و صلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر كل قيراط مثل أحد، و من صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد، فأرسل ابن عمر خبابا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت. و أخذ ابن عمر قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة. فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. اه فحسبك برجوع ابن عمر له مع كثرة حفظه و شدة احتياطه، فلما شهدت له عائشة رضي اللّه عنها رجع له و اعترف بتفوقه عليه في الحفظ و قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة، و قد ورد أنه كان بعد ذلك لا يترك العمل بمقتضى حديث أبي هريرة هذا. فبهذا كله يعلم ضرورة أنه لا وجه للتعجب من كثرة رواية أبي هريرة مع قلة مدة صحبته، لأنه أسلم حين قسم غنائم خيبر، و كثير من الصحابة كان أقدم منه صحبة، لأن حفظه كان بسبب دعاء النبي (صلى الله عليه و سلم) له به كما تقدم، و ذلك يرجع لمعجزة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كما مر، و حينئذ فلا غرابة فيه و لا استبعاد عند المؤمنين، و قولي في المتن و اللفظ له أي للبخاري: و أما مسلم فلفظه: من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئا سمعه مني، فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه، ثم ضممته إلي فما نسيت شيئا سمعته منه.

و لنتبرك بذكر شي‏ء من ترجمة أبي هريرة الذي ورد هذا الحديث في فضله و بيان حفظه للسنة فأقول: قال الأبي: قال القرطبي: اختلف في اسمه و اسم أبيه اختلافا كثيرا بلغ إلى ثمانية عشر قولا و أشبه ما فيها أن يقال: كان له في الجاهلية

266

اسمان: عبد شمس و عبد عمرو، و في الإسلام عبد اللّه و عبد الرحمن بن صخر، و قد اشتهر بكنيته حتى كأنه ليس له اسم غيرها.

و كني بأبي هريرة لأنه وجد هرة في صغره فحملها في كمه فكني بها و غلب ذلك عليه. و قيل: إن الذي كناه بذلك حين رآه يحملها النبي (صلى الله عليه و سلم) عام خيبر و شهدها «أي شهد وقت غنائمها و قسم له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيها» ثم لازم النبي (صلى الله عليه و سلم) و واظبه رغبة في العلم، راضيا بشبع بطنه، فكانت يده مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و يدور معه حيث دار، و يحضر ما لم يحضره غيره. ثم اتفق أن حصلت له بركة النبي (صلى الله عليه و سلم) في الذي أعطاه، و ضمه إلى صدره فكان يحفظ كل ما سمعه و لا ينساه.

فلا جرم حفظ له في الحديث ما لم يحفظ لغيره من الصحابة و ذلك خمسة آلاف حديث و ثلاثمائة و أربعة و سبعون حديثا في الصحيحين منها ستمائة و تسعة أحاديث، قال البخاري: روى عنه أكثر من ثلاثمائة رجل من صحابي و تابعي، قال أبو عمر: استعمله عمر على البحرين ثم عزله ثم أراد رده على العمل، فأبى، و لم يزل يسكن المدينة و بها توفي سنة سبع و خمسين، و قيل سنة ثمان و قيل سنة تسع و قيل توفي بالعقيق، و صلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان و كان أميرا على المدينة و مروان معزول. و كان من علماء الصحابة و فضلائهم ناشرا للعلم، شديد التواضع و العبادة عارفا بنعم اللّه تعالى، شاكرا مجتهدا في العبادة. كان هو و امرأته و خادمه يعتقبون الليل أثلاثا، يصلي هذا ثم يوقظ هذا. و كان يقول:

نشأت يتيما، و هاجرت مسكينا، و كنت أجيرا لسيرة بنت غزوان بطعام بطني، فكنت أخدم إذا نزلوا، و أحدو إذا ركبوا، فزوجنيها اللّه فالحمد للّه الذي جعل الدين قواما. اه.

و من مناقبه و علو همته أنه كان يدعو أمه للإسلام فتمتنع، فأتى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو يبكي، فقال: يا رسول اللّه إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع اللّه أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اللهم اهد أم أبي هريرة فخرجت مستبشرا بدعوة النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى آخر الحديث الذي رواه مسلم و فيه أنها أسلمت. ثم سأل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن يدعو اللّه له أن يحببه هو و أمه إلى عباده المؤمنين و يحببهم إليهما. قال: فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اللهم حبب عبيدك هذا يعني أبا هريرة و أمه إلى عبادك المؤمنين و حبب إليهم المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي و لا يراني إلا أحبني، فمن هذا الحديث‏

267

يعلم أن من كان مؤمنا حقا لا بد أن يحب أبا هريرة رضي اللّه عنه لاستجابة دعاء النبي (صلى الله عليه و سلم) بمحبة المؤمنين له و عليه فمن أبغضه و كره حديثه أو زعم أنه يتقول على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فهو غير مؤمن حقا فليصحح توبته من ذلك كله لعل اللّه تعالى يرزقه قبول التوبة و محبة هذا الصحابي الجليل. و هذا الحديث كما أخرجه الشيخان، أخرجه النسائي في العلم من سننه، و أخرجه ابن ماجة في السنة من سننه، و باللّه تعالى التوفيق و هو الهادي إلى سواء الطريق.

ترجمة أبي ذر الغفاري رضي اللّه عنه‏

جاء في شرح «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عن ترجمته ما نصه: و راوي الحديث هو أبو ذر الغفاري رضي اللّه عنه، أحد النجباء من الصحابة، و في اسمه أقوال أشهرها و أصحها أن اسمه جندب بن جنادة، و قيل بربر، بموحدة مكبرا و مصغرا و كان من السابقين إلى الإسلام. و قصة إسلامه في الصحيحين على صفتين بينهما اختلاف ظاهر، كما قاله الحافظ ابن حجر و هو واضح لمن تأمل فيهما، و قد ذكرت في أوائل الجزء الثالث من هذا الشرح لفظ البخاري في أول إسلامه و قصته عند حديث ما أحب أن أجد لي ذهبا إلخ. و في صحيح مسلم من طريق عبد اللّه بن الصامت عن أبي ذر في قصة إسلامه و في أوله صليت قبل أن يبعث النبي (صلى الله عليه و سلم) حيث وجهني اللّه و كنا نزلا مع أمنا على خال لنا، فأتاه رجل فقال له: إن أنيسا يخلفك في أهلك. فبلغ أخي، فقال: اللّه لا أساكنك فارتحلنا، فانطلق أخي فأتى مكة ثم قال لي: أتيت مكة فرأيت رجلا يسميه الناس الصابئ، هو أشبه الناس بك إلخ ما ذكره. فراجعه إن شئت. و مناقبه رضي اللّه عنه كثيرة جدا و مع تقدم إسلامه قد تأخرت هجرته فلم يشهد بدرا، قال أبو إسحاق السبيعي عن هانئ بن هانئ عن علي: أبو ذر وعاء ملي‏ء علما ثم أوكئ عليه. أخرجه أبو داود بسند جيد، و أخرج أبو داود أيضا و أحمد عن عبد اللّه بن عمر: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: ما أقلت الغبراء و لا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر. و حسنه الترمذي، و مع كونه لم يشهد بدرا ألحقه عمر بهم، و كان يوازي ابن مسعود في العلم. و في السيرة النبوية لابن إسحاق عن ابن مسعود قال: كان لا يزال يتخلف الرجل في تبوك فيقولون: يا رسول اللّه تخلف فلان فيقول: دعوه فإن يكن فيه خير فسيلحقه اللّه بكم، و إن يكن غير ذلك فقد

268

أراحكم اللّه، فتلوم أبو ذر على بعيره فأبطأ عليه، فأخذ متاعه على ظهره ثم خرج ماشيا فنظر ناظر من المسلمين فقال: إن هذا الرجل يمشي على الطريق. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): كن أبا ذر. فلما تأملت القوم قالوا: يا رسول اللّه هو و اللّه أبو ذر. فقال: يرحم اللّه أبا ذر يعيش وحده و يموت وحده و يحشر وحده، له رضي اللّه عنه مائتا حديث و أحد و ثمانون حديثا، اتفق البخاري و مسلم على اثني عشر منها، و انفرد البخاري بحديثين منها و مسلم بتسعة عشر. روى عنه ابن عباس و أنس و الأحنف بن قيس و أبو عثمان النهدي و خلق. قال الحافظ في الإصابة:

و كانت وفاته بالربذة سنة إحدى و ثلاثين و قيل في التي بعدها و عليه الأكثر. و جزم في تقريب التهذيب بما قال في الإصابة أن عليه الأكثر و هو الذي عزاه صاحب الخلاصة لابن المدائني. و كانت وفاته في خلافة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، و يقال أنه صلى عليه عبد اللّه بن مسعود في قصة رويت بسند لا بأس به. و قال المدائني: إنه صلى عليه ابن مسعود بالربذة، ثم قدم المدينة فمات بعده بقليل.

و باللّه تعالى التوفيق و هو الهادي إلى سواء الطريق.

ترجمة أنس بن مالك رضي اللّه عنه‏

جاء في شرح «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عن ترجمته ما نصه: و أما أنس رضي اللّه عنه فهو ابن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر ابن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري الخزرجي، خادم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، خدمه عشر سنين، و هو أحد المكثرين من حديثه المجموعين في قول صاحب طلعة الأنوار:

و المكثرون بحرهم و أنس‏* * * عائشة و جابر المقدس‏

صاحب دوس و كذا ابن عمرا* * * رب قنى بالمكثرين الضررا

و قد صح عنه أنه قال: قدم النبي (صلى الله عليه و سلم) و أنا ابن عشر سنين، و أن أمه أم سليم أتت به النبي (صلى الله عليه و سلم) لما قدم فقالت له: هذا أنس غلام يخدمك فقبله، و أن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم كناه أبا حمزة ببغلة كان يجتنيها، و مازحه النبي (صلى الله عليه و سلم) فقال له:

يا ذا الأذنين. و قال محمد بن عبد اللّه الأنصاري: خرج أنس مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى بدر و هو غلام يخدمه، أخبرني أبي عن مولى لأنس أنه قال لأنس: أشهدت بدرا؟ قال: و أين أغيب عن بدر لا أم لك؟ قال ابن حجر في الإصابة: و إنما لم‏

269

يذكروه في البدريين لأنه لم يكن في سن من يقاتل. و أخرج الترمذي أنه خدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عشر سنين و دعا له، و كان له بستان يحمل الفاكهة في السنة مرتين و كان فيه ريحان و يجي‏ء منه ريح المسك. و كانت إقامته بعد النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بالمدينة ثم شهد الفتوح، ثم قطن البصرة و مات بها. قال علي بن المديني: كان آخر الصحابة موتا بالبصرة. قال ابن عبد البر: و ما أعلم أحدا مات بعده ممن رأى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلا أبا الطفيل. قلت: و أبو الطفيل هو عامر بن واثلة و هو آخر الصحابة موتا بلا نزاع كما جزم به صاحب نظم عمود النسب بقوله:

أبو الطفيل عامر بن واثلة* * * آخر من مات من الأصحاب له‏

قال ابن عبد البر: و يقال إن أنس بن مالك قدم من صلبه من ولده و ولد ولده نحوا من مائة قبل موته، و ذلك لأن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دعا له فقال: اللهم ارزقه مالا و ولدا و بارك له فقال أنس رضي اللّه عنه: فإني لمن أكثر الأنصار مالا و ولدا و يقال: إنه ولد لأنس بن مالك ثمانون ولدا، منهم ثمانية و سبعون ذكرا و ابنتان:

واحدة تسمى حفصة، و الثانية تكنى أم عمر.

و روى البخاري بإسناده عن موسى بن أنس: أن أنسا غزى مع النبي (صلى الله عليه و سلم) ثمان غزوات. و روى ابن السكن من طريق صفوان بن هبيرة عن أبيه قال: قال ثابت البناني: قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم- فضعها تحت لساني- قال: فوضعتها تحت لسانه فدفن و هي تحت لسانه.

و قال معمر عن أبيه: سمعت أنس بن مالك يقول: لم يبق أحد صلى القبلتين غيري. و ذكر ابن سعد أنه شهد بدرا. له رضي اللّه عنه ألف و مائتا حديث و ستة و ثمانون حديثا، اتفق البخاري و مسلم على مائة و ثمانية و ستين منها، و انفرد البخاري بثلاثة و ثمانين و مسلم بأحد و سبعين، روى أنس أيضا عن طائفة من الصحابة، و روى عنه بنوه موسى و النضر و أبو بكر و الحسن البصري و ثابت البناني و سليمان التيمي و خلق لا يحصون، قال العجلي: كان به وضح. و روى الطبراني بإسناده عن أنس قال: قالت أم سليم: يا رسول اللّه ادع اللّه لأنس فقال:

اللهم أكثر ماله و ولده و بارك له فيه. قال أنس: لقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي مائة و خمسة و عشرين و إن أرضي لتثمر في السنة مرتين. و اختلف في وقت وفاته فقيل: سنة إحدى و تسعين هذا قول الواقدي، و قيل: سنة اثنتين و تسعين، قيل: سنة ثلاث و تسعين قاله خليفة بن خياط و غيره.

270

قال خليفة: و مات و هو ابن مائة سنة و ثلاث سنين، و قيل: كانت سنّه إذ مات مائة سنة و عشر سنين، و قيل ابن مائة سنة و سبع سنين، و قيل أنه مات و هو ابن بضع و تسعين سنة. قال الحافظ ابن عبد البر: و أصح ما حدثنا به عبد اللّه بن محمد قال: حدثنا أحمد بن سلمان، حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا معتمر عن حميد: أن أنس بن مالك عمّر مائة سنة إلا سنة. قال ابن عبد البر قال الحسن ابن عثمان: مات أنس بن مالك في قصره بالطف على فرسخين من البصرة سنة إحدى و تسعين و دفن هناك (رحمه اللّه) و رضي عنه، و باللّه تعالى التوفيق و هو الهادي إلى سواء الطريق.

عمر بن عبد العزيز في أول توليته‏

جاء في كتاب «مثل عليا من قضاء الإسلام» للأستاذ محمود الباجي ما نصه:

جلس شيوخ بني أمية و كبراء الدولة الإسلامية في انتظار خروج الخليفة عمر بن عبد العزيز و قد عقدت المهابة ألسنتهم و غمرهم و قال خاشع و أقبل عبد العزيز ولد الخليفة، فهمس بعض الحاضرين يسأله عن أبيه فقال: «إن أبي منذ أن عقدت له البيعة و هو في خلوة مع نفسه يصلي و يبكي. و سرح كل من في بيته من الجواري و الخدم. و قد دخلت عليه أمي فاطمة الليلة البارحة فوجدته يبكي فقالت تسأله و هو في مصلاه و دموعه تسيل على لحيته: أتبكي لأمر حدث؟ قال: «يا فاطمة إني تقلدت من أمر أمة محمد أسودها و أحمرها فتفكرت في الفقير الجائع، و المريض الضائع، و العادي المجهود، و المظلوم المقهور، و الغريب الأسير، و الشيخ الكبير، و ذي العيال الكثير و المال القليل، و أشابههم في أقطار الأرض و أطراف البلاد فعلمت أن ربي سائلني عنهم يوم القيامة فخشيت أن لا تثبت لي حجة فبكيت».

و لقد خرج بالليل فوجد على الحرس خالدا، و هو الشديد القوي فقال: يا خالد ضع هذا السيف عنك، و قال: «اللهم إني قد وضعت لك خالدا فلا ترفعه أبدا» ثم نظر في وجوه الحراس فدعا عمرو بن مهاجر الأنصاري و قال: يا عمرو و اللّه لتعلمن أنه ما بيني و بينك قرابة إلا قرابة الإسلام، ولكن سمعتك تكثر تلاوة القرآن و رأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد فرأيتك تحسن الصلاة و أنت رجل من الأنصار، خذ هذا السيف فقد وليتك حرسي».

271

دخل الخليفة مجلسه الأول في ثيابه الاعتيادية و بعد أن أطرق و حمد اللّه و استغفره و أثنى عليه قال لأهله من بني أمية: يا قومي كانت لكم أعطية و أرزاق و لن يتسع مالي لكم، و أما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد.

و لما رأى تأثر بني أمية مما قرره في شأن أرزاقهم قال: «إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كانت له (فدك) ينفق منها و يعول منها على صغير بني هاشم و يزوج منها أيمهم.

و إن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، فكانت كذلك حياة أبي بكر و عمر، ثم أقطعها مروان، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز و إن غلاتها لتبلغ أربعة آلاف دينار، و قد رأيت أمرا منعه رسول اللّه فاطمة ليس لي بحق و إني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)».

و التفت أحد الحاضرين إلى الخليفة يسأله: أو هذا أول حكم حكمته على نفسك و على أهل بيتك يا أمير المؤمنين؟ ...

فقال عمر: و لهذا الحكم بقية!

ثم دخل على فاطمة زوجته بنت عبد الملك بن مروان و كانت تملك من الجواهر و الأعلاق و الذهب التي أهداها إليها أبوها عبد الملك بن مروان فقال: يا فاطمة اختاري ... إما أن تردي حليك إلى بيت المال، و إما أن تأذني لي في فراقك فإني أكره أن أكون أنا و أنت و هو في بيت واحد.

قالت: «لا، بل أختارك عليه و على أضعافه»، فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين. و رجع عمر إلى مجلسه و لم يزل شيوخ بني أمية في انتظاره.

و دعا صاحب بيت المال و سأله: «كم كانت نفقة من سبقني من الخلفاء في اليوم؟

فقال: عشرة آلاف درهم، فتمعر وجه عمر و سأل أصحابه: و كم ترون يحل لي من النفقة؟ فقالوا: إن شاء أمير المؤمنين نصف هذا العدد، فضحك عمر و قال:

لقد حكمت بأن لا تتجاوز نفقة بيتي درهمين في اليوم. ثم دعا الحراس و كانوا ثلاثمائة حارس، و ثلاثمائة شرطي، و كانت لهم أعطية و أرزاق تجل عن الحصر فقال: يا هؤلاء إن لي عنكم بالقدر حاجزا و بالأجل حارسا من أقام منكم فله عشرة دنانير، و من شاء فليلحق بأهله».

272

و هكذا لم ينفض المجلس الأول إلا و قد أجرى عمر على نفسه و آل بيته حركة تطهير متسعة النطاق، وفّر بها لبيت مال المسلمين ما كان يجري لقصر الخلافة و أقارب الخليفة و حراسه و شرطته من أرزاق و عطايا. و شاع أمر هذه الحركة المباركة و هذه الأحكام العادلة التي أصدرها عمر بن عبد العزيز في الناس، فغير ولاة الأقاليم سلوكهم و أقبلوا على التقشف و الإعراض عن التبذير، و توفير الأموال للفتح و الصالح العام.

و ناهيك بما رواه عمر بن أسيد من أن عمر بن عبد العزيز لم يمت حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون فما يبرح حتى يرجع بماله كله. و قد أغنى عمر الناس.

و هذه الشهادة الخطيرة من هذا الرجل العظيم تدل على نمو الثروة العامة و الثروة الخاصة بفضل ما اتخذه الخليفة من التدابير و ما منعه من وسائل التبديد و التبذير. فقد زادت مدخرات المواطنين على حاجاتهم و ظلوا يعرضون الأموال العريضة على بيت المال و على مصارف الجمهور ما لا تتسع هذه و تلك لقبولها.

و بينما يعرض المواطنون ثرواتهم العريضة على الدولة كان الخليفة صاحب الأمر و النهي كما يرويه عون ابن المعمر يدخل على امرأته فيقول: يا فاطمة «عندك درهم أشتري به عنبا؟ فتقول: لا، و أنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنبا؟ قال: هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غدا في جهنم».

و يدخل غلامه أبو أمية فتقدم له مولاته غداءه عدسا و يقول لها: كل يوم عدس يا أماه ...؛ فتقول: يا بني هذا طعام مولاك أمير المؤمنين.

و يجتمع بنو مروان إلى باب الخليفة و يقولون لابنه عبد الملك: قل لأبيك أن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا و يعرف لنا مواضعنا، و إن أباك قد حرمنا ما في يديه، فدخل على أبيه فأخبره فقال لهم: إن أبي يقول لكم: «إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم».

أفلا يحق للتاريخ الإنساني أن يسجل للعدل الإسلامي و الطهارة في الحكم و التجرد في السلوك هذه السير اللامعة و الأمثلة الرفيعة؟

ثم أفلا يحق للمسلمين أن يفاخروا الأمم و الشعوب بعمر بن عبد العزيز و أمثال عمر بن عبد العزيز في الاستقامة و الإنصاف و حسن الإدارة؟ ...

273

لقد ورث عمر بن عبد العزيز امبراطورية لا تغيب عن ممالكها الشمس، و لقد تهيأ له من البذخ و الرفاهية و أبهة الملك ما أبدع عبد الملك بن مروان و أبناؤه:

الوليد و هشام و سليمان في إعداده و تنميقه، و لكنه عزف عن كل ذلك و رجع بالأمة إلى البساطة الأولى شأنها على عهد أبي بكر و عمر و عثمان و علي مع الاحتفاظ بصولة الدولة، و قوة الجيش، و طهارة الإدارة الحكيمة، و نقاوة النفوس، و نبذ أسباب الخلاف. و كان يعطي المثل من نفسه، فيأمر بإطفاء المصابيح التي تسرج من ميزان الدولة بعد أن يفرغ من تصريف شؤون الناس، و يوقد مصباح بيته الخافت الأضواء هربا من أن يسرف في استعمال ما هو مرصود للمصالح العامة لحساب منفعته الخاصة.

و الحق أن سلوك عمر بن عبد العزيز يجب أن يتخذ دستورا أمميا في التصرف الإداري، و العدل في أموال الرعية، و حمل رؤساء الجيوش و المصالح العامة على نبذ البطر و التبذير. انتهى من الكتاب المذكور.

بعض شمائل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه‏

جاء في الجزء الثالث من كتاب «المطالعة الوافية» شي‏ء من ترجمة و حياة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه الذي يلحقه بعض الأئمة بالخلفاء الراشدين ما يأتي:

عهد سليمان بن عبد الملك بالخلافة إلى عمر بن عبد العزيز الرجل الصالح كما نعته في عهده و وصيته فاستفتح ولايته برد المظالم و قال: «لا أبدأ بأولى من نفسي» فنظر إلى ما في يديه من أرض أو متاع فخرج منها، و باع أموال سليمان و رباعه و كسوته و جميع ما كان يملكه.

و دخل على زوجه فاطمة بنت عبد الملك فأخذ منها الثوب النفيس الذي كان قد عمله لها أبوها منسوجا بالذهب، منظوما بالدر و الياقوت و قال لها: «إن اخترتني فإني آخذ الثوب فأجعله في بيت مال المسلمين و إن اخترت الثوب فلست لك بصاحب» فقالت: «أعوذ باللّه يا أمير المؤمنين من فراقك، بل أختارك عليه و على أضعافه لو كان لي، لا حاجة لي بالثوب فخذه إلى بيت المال». و دخل عليه ابن له و عليه قميص قد تقطع فقال: «رقع قميصك يا بني، فو اللّه ما كنت قط بأحوج إليه منك اليوم».

274

بهذه النزاهة و الصيانة و الورع و الزهد استفتح عمر بن عبد العزيز ولايته أمر المسلمين سنة تسع و تسعين هجرية.

ولد بحلوان مصر سنة إحدى و ستين للهجرة، و ما إن وليّ الخلافة حتى أدرك أعباءها فقال: «يا ليت بيننا و بين الخلافة بعد المشرقين» و قال: «إني نظرت فوجدتني قد وليت أمر هذه الأمة صغيرها و كبيرها، أسودها و أحمرها، ثم ذكرت الفقير الجائع، و المريض الضائع، و العاني المجهود، و المظلوم المقهور، و الغريب الأسير، و الشيخ الكبير، و ذا المال القليل و العيال الكثير، و هم في أقطار الأرض و أطراف البلاد و علمت أن اللّه سائلي عنهم، و أن رسول اللّه حجيجي فيهم، فخفت ألا يثبت لي عند اللّه عذر، و لا تقوم لي مع رسوله حجة، فرحمت و اللّه نفسي رحمة دمعت لها عيني، و وجع لها قلبي، و كلما ازددت لها ذكرا ازددت منها خوفا» و قال: «إنه ليس من أمة محمد في مشرق و لا مغرب أحد إلا له قبلي حق يحق عليّ أداؤه غير كاتب إلي فيه و لا طالبه مني».

استهل (رحمه اللّه) خلافته بدستوره: «من أطاع اللّه وجبت طاعته، و من عصى اللّه فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت اللّه، فإذا عصيت اللّه فلا طاعة لي عليكم».

كان عمر محبا للعدل، لا يرى أفضل منه، كتب إلى عامله يقول: «الأمور ثلاثة: أمر استبان رشده فاتبعه، و أمر استبان ضره فاجتنبه، و أمر أشكل عليك فرده إلى اللّه» و قال: «الأكباد الجائعة أولى بالصدقات من البيت الحرام».

و كتب إليه أحد ولاته: «أما بعد، أصلح اللّه أمير المؤمنين، فإن قبلي أناسا من العمال قد اقتطعوا من اللّه عز و جل مالا عظيما لست أقدر على استخراجه من أيديهم إلا أن أمسسهم بشي‏ء من العذاب فإن رأى أمير المؤمنين أصلحه اللّه أن يأذن لي في ذلك أفعل». فكتب إليه عمر: «أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر كأني لك جنة من عذاب اللّه و كأن رضائي عنك ينجيك من سخط اللّه عز و جل فانظر من قامت عليه بينة عدول فخذه بما قامت عليه به البينة، و من أقر لك بشي‏ء فخذه بما أقر به و من أنكر فاستحلفه باللّه العظيم و خل سبيله و أيم اللّه لأن يلقوا اللّه بخياناتهم أحب إليّ من ألقى اللّه بدمائهم و السلام».

275

و أتى أعرابي إلى عمر فقال: «رجل من البادية، ساقته إليك الحاجة، و بلغت به الغاية، و اللّه سائلك عن مقامي هذا بين يديك» فقال عمر: «ما سمعت أبلغ من قائل و لا أوعظ لمقول له من كلامك هذا» و قضى حاجته.

و كتب عمر إلى عامله على العراق «إذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق القادر عليك، و اعلم أن ما لك عند اللّه أكبر مما لك عند الناس».

كان عمر واسع الصدر حليما، يقيل العثرة، و يتغاضى عن الهفوة، أسمعه رجل بعض ما يكره، فقال عمر: «لا عليك إنما أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا، انصرف إذا شئت».

و كان لعمر غلام يقال له درهم فسأله: «ما يقول الناس يا درهم؟» قال:

«الناس كلهم بخير إلا أنا و أنت» قال: «و كيف ذلك؟ قال: إني عهدتك قبل الخلافة عطرا، كباسا، فاره المركب، طيب الطعام، فلما وليت رجوت أن أستريح فزاد عملي شدة و صرت أنت في بلاء» قال: «فأنت حر فاذهب عني و دعني و ما أنا فيه حتى يجعل اللّه لي منه مخرجا». و خرج عمر ليلة و معه حرسي فدخل المسجد فمر في الظلمة برجل نائم فعثر به فرفع رأسه إليه و قال: «أمجنون أنت»؟ قال: «لا» فهمّ به الحرسي فقال له عمر: «إنما سألني أمجنون أنت، فقلت لا».

كان عمر متفقها في الدين، يحب الوعظ و يتقبله، قال مجاهد: «أتينا عمر نعلمه، فما برحنا حتى تعلمنا منه»، و قال ميمون بن مهران: كانت العلماء عند عمر تلاميذ، و هو معلم العلماء».

و عن أنس بن مالك، خادم رسول اللّه قال: «ما صليت وراء إمام بعد رسول اللّه أشبه صلاة بصلاة الرسول من هذا الفتى حين كان على المدينة، كان يتم الركوع و السجود، و يخفف القيام و القراءة».

و قال عمر: «إن اللّه فرض فرائض و سن سننا من أخذ بها لحق، و من تركها محق و من أراد أن يصحبنا فليصحبنا بخمس: يوصل إلينا حاجة من لا تصل إلينا حاجته، و يدلنا من العدل إلى ما لا نهتدي إليه، و يكون عونا لنا على الحق، و يؤدي الأمانة إلينا و إلى الناس، و لا يغتاب عندنا أحدا، و من لم يفعل ذلك فهو في حرج من صحبتنا و الدخول علينا».

276

كان عمر حكيما في قوله و فعله، سأله رجل: «متى أتكلم؟ فقال: إذا اشتهيت أن تصمت، قال: فمتى أصمت؟ قال: إذا اشتهيت أن تتكلم».

و قال: «إذا كان في القاضي خمس خصال فقد كمل: علم بما كان قبله، و نزاهة عن الطمع، و حلم على الخصم، و اقتداء بالأئمة، و مشاورة أهل العلم و الرأي».

و قال: «إذا أمكنني الرجل من نفسه حتى أضع معروفي عنده فيده عندي أعظم من يدي عنده».

و قال: «إذا أتاك الخصم و قد فقئت عينه، فلا تحكم له حتى يأتي خصمه، فلعله قد فقئت عيناه جميعا».

و قال: «ادرؤوا الحدود ما استطعتم في كل شبهة، فإن الوالي إذا أخطأ في العفو، خير من أن يتعدى العقوبة».

و قال: «اعمل لدنياك على قدر مقامك فيها، و اعمل لآخرتك على قدر مقامك فيها».

و قال: «إذا استطعت أن تجي‏ء يوم القيامة لا يبتغيك أحد بمظلمة فافعل».

و قال لجلسائه: «أخبروني من أحمق الناس؟» قالوا: «رجل باع آخرته بدنياه» فقال عمر: «ألا أنبئكم بأحمق منه؟» قالوا: «بلى»، قال: «رجل باع آخرته بدنيا غيره».

و قال عن الخليفة: «إنه الأم فرشت و أنامت». و قال: «اتق اللّه فإن التقوى هي التي لا يقبل غيرها، و لا يرحم إلا أهلها، و لا يثاب إلا عليها، و إن الواعظين بها كثير، و إن العاملين بها قليل».

كان عمر (رحمه اللّه) زاهدا، ورعا، متوكلا، يستشعر خشية اللّه، و يخاف عذابه. دخل مسلمة بن عبد الملك عليه في المرضة التي مات فيها فقال له: «يا أمير المؤمنين إنك أقفرت أفواه ولدك من هذا المال فتركتهم عالة و لا بد لهم من شي‏ء يصلحهم فلو أوصيت بهم إلي أو إلى نظرائك في أهل بيتك لكفيتك مؤنتهم إن شاء اللّه» فقال عمر: «أجلسوني»، فأجلسوه فقال: «الحمد للّه، أ بالفقر تخوفني يا مسلمة، أما ما ذكرت من أني أقفرت أفواه ولدي من هذا المال و تركتهم عالة، فإني لم أمنعهم حقا هو لهم، و لم أعطهم حقا هو لغيرهم، و أما ما

277

سألت من الوصاة إليك أو إلى نظرائك من أهل بيتي فإن وصيتي بهم إلى اللّه الذي نزل الكتاب و هو يتولى الصالحين. و إنما بنو عمر أحد رجلين، رجل اتقى اللّه فجعل اللّه له من أمره يسرا، و رزقه من حيث لا يحتسب، و رجل غير و فجر فلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه ...» قال مسلمة: «فما احتاج أحد من أولاد عمر و لا افتقر».

كان (رحمه اللّه) فيه رقة و أدب، قال رجاء بن حيوة لعبد العزيز بن عمر: «ما رأيت أكرم أدبا و أكرم عشرة من أبيك. سمرت عنده ليلة فبينا نحن كذلك إذ عشى المصباح و نام الغلام، فقلت: يا أمير المؤمنين قد عشى المصباح و نام الغلام فلو أذنت لي أصلحته» فقال: «ليس من مروءة الرجل أن يستخدم ضيفه»، ثم حط رداءه عن منكبيه و صب الزيت في المصباح و أشخص الفتيلة، ثم رجع و أخذ رداءه و قال: «و ما ضرني قمت و أنا عمر و رجعت و أنا عمر».

و دخل رجل عليه يعوده في مرضه فسأله عن علته فلما أخبره قال: «من هذه العلة مات فلان و فلان»، فقال له عمر: «يا أخي إذا عدت المرضى فلا تنع إليهم الموتى، و إذا خرجت من عندنا فلا تعد إلينا». و كان عمر إذا بدا له أن ينفرد بنفسه و أراد أن يقيم الناس الذين عنده، قال: «نعم إذا شئتم، رحمكم اللّه».

كان عمر صابرا، لم يجد الجزع إلى قلبه سبيلا: لما احتضر ابنه عبد الملك قال له: «كيف تجدك يا بني؟» قال «أجدني في الموت فاحتسبني، فإن ثواب اللّه خير لك مني» فقال عمر: «و اللّه يا بني لأن تكون في ميزاني أحب إليّ من أن أكون في ميزانك» فقال عبد الملك: «و أنا و اللّه لأن يكون ما يحب أحب إليّ من أن يكون ما أحب». و لما وقف على قبره قال: «رحمك اللّه يا بني فلقد كنت سارا مولودا، بارا ناشئا».

كان عمر يعتصم بالكتاب و السنة: قال: «سن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ولاة الأمور من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب اللّه، و قوة على دين اللّه، ليس لأحد تبديلها و لا تغييرها، و لا النظر في أمر خالفها، فمن اهتدى بها فهو مهتد، و من استنصر بها فهو منصور، و من تركها و اتبع غير سبيل المؤمنين ولاه اللّه ما تولى و أصلاه جهنم و ساءت مصيرا»، و قال: «إنه ليس بعد نبيكم نبي، و ليس بعد الكتاب الذي أنزل عليكم كتاب، فما أحل اللّه على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، و ما حرم اللّه على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا إني لست‏

278

بقاض و إنما أنا منفذ، و لست بمبتدع و لكني متبع، لست بخيركم و إنما أنا رجل منكم، ألا و إني أثقلكم حملا و إن أفضل العبادة أداء الفرائض و اجتناب المحارم».

كان عمر يرجع إلى الحق و يذعن له: دخل عليه ابنه عبد الملك و هو ينام نومة الضحى فقال: «يا أبت، أتنام و أصحاب الحوائج ببابك؟» قال: «يا بني إن نفسي مطيتي، فإن أضنيتها قطعتها، و من قطع المطي لم يبلغ الحاجة». و ذهب عمر يتبوأ مقيلا فأتاه ابنه فقال: «يا أمير المؤمنين، ماذا تريد أن تصنع»؟ قال:

«أي بني أقيل» قال: «تقيل و لا ترد المظالم؟» قال: «فإذا صليت الظهر رددت المظالم» قال: «يا أمير المؤمنين، من لك أن تعيش إلى الظهر؟» قال: «إدن مني يا بني» فدنا منه فالتزمه و قبله بين عينيه و قال: «الحمد للّه الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني» و خرج و لم يقل، و جلس لرد المظالم.

كان عمر متواضعا يقول لجليسه: «إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلابيبي، ثم هزني ثم قل لي: ماذا تصنع؟» و لما استخلف قال: «انظروا رجلين من أفضل من تجدون» فجي‏ء برجلين، فكان إذا جلس مجلس الإمارة أمر فألقى لهما و سادة قبالته، فقال لهما: «إنه مجلس شر و فتنة، فلا يكن لكما عمل إلا النظر إليّ فإذا رأيتما مني شيئا لا يوافق الحق فخوفاني و ذكراني اللّه عز و جل». و أطرى رجل عمر في وجهه فقال عمر: «لو عرفت من نفسي ما أعرف عنها ما نظرت في وجهي».

كان عمر متعبدا و يخاف اللّه و يخشى عذابه، قالت فاطمة زوج عمر: «قد يكون في الناس من هو أكثر صلاة و صياما من عمر، و ما رأيت أحدا قط كان أشد فرقا و خوفا منه» و قال أحد الصالحين: «ما رأيت أحدا، كان الخوف على وجهه أبين منه على وجه عمر، و ما رأيت أخوف من الحسن و عمر، كأن النار لم تخلق إلا لهما».

و كتب الحسن إلى عمر: «يا أمير المؤمنين لو أن لك عمر نوح و ملك سليمان و يقين إبراهيم و حكمة لقمان ما كان لك بد أن تقتحم العقبة و من وراء العقبة الجنة و النار، من أخطأته هذه دخل هذه». فلما أتاه الكتاب أخذه فوضعه على عينيه ثم بكى و قال: «من لي بعمر نوح و يقين إبراهيم و سلطان سليمان و حكمة لقمان و لو نلت ذلك لم يكن بد من أن أشرب بكأس الأولين».

279

و سئل عمر يوما ما يبكيك؟ فقال: «تلومني أن أبكي، و لو أن سخلة هلكت على شاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة».

كان عمر يناجي ربه و يدعوه فيقول: «اللهم إن لم أكن أهلا أن أبلغ رحمتك فإن رحمتك أهل أن تبلغني، فإن رحمتك وسعت كل شي‏ء، و أنا شي‏ء فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين». و كان (رحمه اللّه) يقول: «اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك و هو التوحيد و لم أعصك في أبغض الأشياء إليك و هو الشرك، فاغفر لي ما بينهما».

و كان يدعو: «اللهم رضني بقضائك، و بارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل شي‏ء أخرته، و لا تأخير شي‏ء عجلته».

خطب الناس فقال: «أحمد اللّه و أثني عليه» ثم قال: «أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا، و لم تتركوا سدى، و إن لكم معادا يحكم اللّه بينكم فيه، فخاب و خسر من خرج من رحمة اللّه التي وسعت كل شي‏ء و حرم جنة عرضها السموات و الأرض، و اعلموا أن الأمان غدا لمن يخاف اليوم و باع قليلا بكثير و فانيا بباق، ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا و رائحا إلى اللّه قد قضى نحبه و بلغ أجله، ثم تغيبونه في صدع من الأرض ثم تدعونه غير موسد و لا ممهد، قد خلع الأسباب، و فارق الأحباب، و سكن التراب، و واجه الحساب، غنيا عما ترك، فقيرا إلى ما قدم، وايم اللّه إني لأقول لكم هذه القالة و ما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي، فأستغفر اللّه لي و لكم و ما تبلغنا حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها، و لا أحد منكم إلا وددت أن يده مع يدي حتى يستوي عيشنا و عيشكم ...». ثم بكى فتلقى دموع عينيه بردائه و نزل. و كانت هذه آخر خطبة له في السنة الأولى الهجرية بعد المائة.

و تضاربت الأقوال في موت عمر: فقيل إن بني أمية عاجلوه، لأنه لا يعهد بعهده إلا لمن يصلح الأمر، و قيل إن مولاه دس له سما في طعام أو شراب لقاء ألف دينار فمرض و أخبر أنه مسموم، ثم استدعى مولاه و قال له «ما حملك على ما صنعت»؟ قال: «ألف دينار» فقال: «هاتها»، فأحضرها و وضعها عمر في بيت المال و قال لمولاه: «اذهب فلا يراك أحد».

قال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة: «أبو بكر و عمر و عثمان و علي و عمر بن عبد العزيز، رضي اللّه عنهم».

280

كان عمر (رحمه اللّه) غضيض الطرف، جوادا بماله، بخيلا بدينه، ما كان مزاحا، و لا عيانا، و لا بهاتا، و لا مغتابا، كان العالم الورع، الزاهد الخاشع، الدين اللين، السهل القريب، الذي ملأ الأرض عدلا، و كانت الآخرة عنده في كفة و الدنيا في كفة يأخذ من هذه لتلك و يزرع في دنياه ما يجنيه في أخراه، رضي اللّه عنه و أرضاه. انتهى من كتاب المطالعة الوافية.

ترجمة عطاء ابن أبي رباح‏

كثيرا ما يأتي اسم «عطاء» في تاريخ الأزرقي و في غيره، و كثيرا ما ينقلون عنه مسائل شتى مهمة. فلا بد للقارئ أن يعرف عنه شيئا، و لقد بحثنا عن ترجمته حتى اهتدينا لكتابة ما يأتي:

جاء في كتاب «خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال» عنه ما نصه:

(ع) عطاء بن أبي رباح القرشي مولاهم أبو محمد الجندي اليماني نزيل مكة و أحد الفقهاء و الأئمة، عن عثمان و عتاب بن أسيد مرسلا، و عن أسامة بن زيد و عائشة و أبي هريرة و أم سلمة و عروة بن الزبير و طائفة، و عنه أيوب و حبيب بن أبي ثابت و جعفر بن محمد و جرير بن حازم و خلق.

قال ابن سعد: كان ثقة عالما كثير الحديث، انتهت إليه الفتوى بمكة، و قال أبو حنيفة: ما لقيت أفضل من عطاء، و قال ابن عباس و قد سئل عن شي‏ء: يا أهل مكة تجتمعون عليّ و عندكم عطاء؟ و قيل: إنه حج أكثر من سبعين حجة، قال حماد بن سلمة حججت سنة مات عطاء سنة أربع عشرة و مائة. انتهى من الكتاب المذكور.

قال ابن خلكان في كتابه «وفيات الأعيان» عند ترجمة عطاء بن أبي رباح ما خلاصته: كان عطاء من أجلاء الفقهاء و تابعي مكة و زهادها، سمع جابر بن عبد اللّه الأنصاري و عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن الزبير و خلقا كثيرا من الصحابة (رضوان اللّه عليهم)، و روى عنه عمرو بن دينار، و الزهري و قتادة و مالك ابن دينار و الأعمش و الأوزاعي و خلق كثير، رحمهم اللّه تعالى و إليه و إلى مجاهد انتهت فتوى مكة في زمانهما.

281

قال قتادة: أعلم الناس بالمناسك عطاء، و قال إبراهيم بن عمرو بن كيسان:

أذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحج صائحا يصيح لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح. توفي سنة خمس عشرة و مائة، و قيل أربع عشرة و مائة و عمره ثمان و ثمانون سنة رضي اللّه عنه، قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة و عاش مائة سنة، و اللّه تعالى أعلم. انتهى ملخصا من الكتاب المذكور.

ترجمة جبير بن مطعم رضي اللّه تعالى عنه‏

جاء في الجزء السادس من شرح زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم عن ترجمة جبير بن مطعم رضي اللّه تعالى عنه عند حديث «لا يدخل الجنة قاطع رحم» ما يأتي:

و أما راوي الحديث فهو جبير بن مطعم رضي اللّه تعالى عنه ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، و أمه أم حبيب بنت سعيد، و قيل أم جميل بنت سعيد بن عبد اللّه بن أبي قيس من بني عامر ابن لؤي. كان من أكابر قريش و علماء النسب، قال ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة: كان جبير بن مطعم من أنسب قريش لقريش و للعرب قاطبة و كان يقول إنما أخذت النسب عن أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه، و كان أبو بكر من أنسب العرب.

قدم جبير بن مطعم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في فداء أسارى بدر فسمعه يقرأ سورة الطور قال: فكان ذلك أول ما دخل الإيمان في قلبي. روى ذلك البخاري في صحيحه و قال له النبي (صلى الله عليه و سلم): لو كان أبوك حيا و كلمني فيهم لوهبتهم له، و روى عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أتيت النبي (صلى الله عليه و سلم) لأكلمه في أسارى بدر فوافقته و هو يصلي بأصحابه المغرب أو العشاء فسمعته و هو يقرأ و قد خرج صوته من المسجد «إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع» قال: فكأنما صدع قلبي، و بعض أصحاب الزهري يقول عنه في هذا الخبر:

فسمعته يقرأ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‏ءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ‏ فكاد قلبي يطير، فلما فرغ من صلاته كلمته في أسارى بدر فقال: لو كان الشيخ أبوك حيا فأتانا فيهم شفعناه، و قال بعضهم فيه: لو أن أباك كان حيا أو لو أن المطعم بن عدي كان حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له، قال: و كانت له عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يد، أي للمطعم بن عدي‏

282

والد جبير، و إنما كان هذا القول من رسول اللّه عليه الصلاة و السلام في المطعم بن عدي لأنه الذي كان أجار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين قدم من الطائف من دعاء ثقيف، و كان أحد الذين قاموا في شأن الصحيفة التى كتبتها قريش على بني هاشم.

و قد أسلم جبير بن مطعم بين الحديبية و الفتح و قيل في الفتح، و قال البغوي:

أسلم قبل فتح مكة و مات في خلافة معاوية، و كان حليما وقورا عارفا بالنسب، و قد ذكر ابن إسحاق أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أعطاه مائة من الإبل، و كان من حلماء قريش و ساداتهم و كان يكنى أبا محمد و قيل أبا عدي و ذكره بعضهم في المؤلفة قلوبهم و فيمن حسن إسلامه منهم. و يقال إنه أول من لبس طيلسانا بالمدينة و له ستون حديثا اتفق البخاري و مسلم على ستة منها، و انفرد البخاري بحديث و مسلم بآخر، و روى عنه من الصحابة سليمان بن صرد و عبد الرحمن بن أزهر، و روى عنه ابناه محمد و نافع و ابن المسيب و طائفة، و قد روى عنه ابن المسيب أنه أتى النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم هو و عثمان فسألاه أن يقسم لهم كما قسم لبني هاشم و المطلب، و قالا: إن قرابتنا واحدة أي أن هاشما و المطلب و نوفلا جد جبير و عبد شمس جد عثمان أخوة فأبى و قال إنما بنو هاشم و بنو المطلب شي‏ء واحد اه.

و قد مات جبير بن مطعم رضي اللّه عنه بالمدينة سنة سبع و خمسين، و قيل سنة ثمان أو تسع و خمسين في خلافة معاوية، و كانت وفاة والده المطعم بن عدي في صفر سنة اثنتين من الهجرة قبل بدر بنحو سبعة أشهر كما قال الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب، و باللّه تعالى التوفيق. و هو الهادي إلى سواء الطريق.

انتهى من كتاب زاد المسلم من الجزء السادس.

ترجمة عبد اللّه ابن عامر بن كريز

ذكر المؤرخون: أن عبد اللّه بن عامر بن كريز جمع عام حجه العيون و صرفها في عين واحدة، و هو أول من اتخذ الحياض بعرفات، و أجرى إليها ماء العين، و أنشأ حوائط أي بساتين، و كان لعبد اللّه بن عامر بساتين بجهة عرنة بقرب مسجد إبراهيم المسمى بمسجد عرنة.

283

و بأجياد بمكة شعب ينسب لعبد اللّه بن عامر بن كريز، و بهذا الشعب وضع تبع خيله حين قدم مكة، و كانت مطابخه في شعب عبد اللّه بن عامر كما أنه وضع سلاحه بقعيقعان، و ليس معنى هذا أن ابن عامر كان قبل تبّع بل بالعكس.

قصة ثروة عبد اللّه بن جدعان‏

جاء في «تاريخ الخميس» عن قصته ما يأتي:

و أما سبب ثروة عبد اللّه بن جدعان فإنه كان في ابتداء أمره صعلوكا ترب اليدين، و كان مع ذلك شريرا فاتكا لا يزال يجني الجنايات فيعقل عنه أبوه و قومه حتى أبغضته عشيرته و نفاه أبوه و حلف أن لا يؤويه أبدا، فخرج في شعاب مكة حائرا مائرا يتمنى الموت أن ينزل به فرأى شقا في جبل فظن أن فيه حية فتعرض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله فيستريح فلم ير شيئا فدخل فيه، فإذا فيه ثعبان عظيم له عينان يتقدان كالسراج فحمل عليه الثعبان فتقدم فأفرج إليه فانساب إليه مستديرا بدارة عند بيت ثم خطا خطوة أخرى فصفر به الثعبان فأقبل إليه كالسهم فأفرج له فانساب عنه فوقف ينظر و يتفكر في أمره، فوقع في نفسه أنه مصنوع فأمسكه بيده فإذا هو مصنوع من ذهب و عيناه ياقوتتان. فكسره و أخذ عينيه و دخل البيت، فإذا جثث طوال على سرير لم ير مثلهم طولا و لا عظما، و عند رؤوسهم لوح من فضة فيه تاريخهم، فإذا هم رجال من ملوك حمير و آخرهم موتا الحارث بن مضاض صاحب العذبة الطويلة، فإذا عليهم ثياب من وشي لا يمس منها شي‏ء إلا انتثر كالهباء من طول الزمان مكتوب في اللوح عظات.

قال ابن هشام: كان اللوح من رخام و كان فيه أنا نفيلة بن عبد المدان بن حشرم بن عبد يا ليل بن جرهم بن قحطان بن نبي اللّه هود، عشت خمسمائة عام و قطعت غور الأرض باطنها و ظاهرها في طلب الثروة و المجد و الملك، فلم يكن ذلك ينجيني من الموت و ذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت و اللؤلؤ و الذهب و الفضة و الزبرجد، فأخذ منه ما أخذ ثم علم الشق بعلامة و أغلق بابه بالحجارة، و أرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به منه يسترضيه و يستعطفه. و وصل عشيرته كلهم فسادهم، و جعل ينفق من ذلك الكنز و يطعم الناس و يفعل المعروف، و كانت جفنة يأكل منها الراكب على البعير، و سقط فيها صبي فغرق و مات.

284

و من غريب الحديث لابن قتيبة أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: كنت أستظل بجفنة عبد اللّه بن جدعان صكة عمي، يعني في الهاجرة، و سميت الهاجرة صكة عمي لخبر ذكره أبو خسفة، و هو أن عميا رجل من عدوان و قيل من إياد و كان فقيه العرب في الجاهلية فقدم في قوم معتمرا أو حاجا فلما كان على مرحلتين من مكة قال لقومه و هم في وسط الظهيرة: من أتى مكة غدا في مثل هذا الوقت كانت له أجر عمرتين، فصكوا الإبل صكة شديدة حتى أتوا مكة من الغد، و عمي تصغير أعمى على الترخيم و حذف الزائدة، فسميت الظهيرة صكة عمي و عبد اللّه بن جدعان تيمي، يكنى أبا زهير و هو ابن عم عائشة أم المؤمنين، قالت عائشة رضي اللّه عنها: يا رسول اللّه إنه كان يطعم الطعام، و يقري الضيف، و يفعل المعروف، هل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ قال (صلى الله عليه و سلم): إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، كذا قاله السهيلي في الروض الأنف.

و في كتاب ري العاطش و أنس الواحش، لأحمد بن عمار، أن ابن جدعان ممن حرّم الخمر في الجاهلية بعد أن كان بها مغري، و ذلك أنه سكر ليلة فصار يمد يده و يقبض على ضوء القمر ليأخذه فضحك منه جلساؤه، فأخبر بذلك حين صحا فحلف أن لا يشربها أبدا. فلما كبر و هرم أراد بنو تيم أن يمنعوه من تبذير ماله و لاموه في العطاء فكان يدعو الرجل فيدنو فإذا دنا منه لطمه لطمة خفيفة ثم يقول له: قم فانشد لطمتك و اطلب ديتها، فإذا فعل ذلك أعطته بنو تيم من مال ابن جدعان كذا في حياة الحيوان. انتهى من تاريخ الخميس.

ترجمة شيخنا الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي‏

هو شيخنا العلامة المحدث الشهير الشيخ محمد حبيب اللّه بن ما يأبى الشنقيطي الجكني مؤلف كتاب «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم»، و إننا نكتب ترجمته هنا بمناسبة ما نقلنا عنه بعض الأبحاث في كتابنا هذا فنقول و باللّه العون و التوفيق:

ولد شيخنا المذكور (رحمه اللّه تعالى) سنة (1295) خمس و تسعين و مائتين و ألف من الهجرة في بلاد شنقيط فحفظ القرآن الكريم و تعلم رسمه و تجويده، و أتقن علم القراءات خصوصا قراءة نافع، ثم أقبل على فقه مذهب مالك و غيره‏

285

من الفنون و العلوم حتى صار متبحرا في كل علم و فن، و اشتهر أخيرا بفن التفسير و الحديث.

و لقد هاجر شيخنا من بلاده مع أخيه العلامة المتبحر الشيخ محمد الخضر، الذي كان مفتيا بالمدينة المنورة، يلاحظ سبل العربات لعدم التشويش عندما دخلتها الحكومة الفرنسية، فوصلوا مراكش و فاس فاشتغل هناك بقراءة علم المنطق، و درس علم الحديث و الأصول مع الإقبال على التأليف ما بين منظوم و منثور.

ثم حصل بينه و بين سلطان المغرب في ذلك الوقت السلطان عبد الحفيظ معرفة و صحبة فطلب منه السلطان الإقامة معه ببلدة طنجة، رغبة في أخذ العلم عنه فأقام بها مدة، ثم هاجر منها إلى المدينة المنورة فتوطنها، ثم إن السلطان المذكور قدم إلى الحجاز للحج سنة (1331) هجرية فرافقه شيخنا في حجه و زيارته، ثم سافر معه إلى القدس و الخليل، ثم رجع السلطان و بقي شيخنا بعد ذلك في المدينة المنورة عدة سنين، ثم حضر إلى مكة المشرفة و أقام بها سنين عديدة يدرس بالمسجد الحرام.

ثم إنه في عام (1344) أربع و أربعين و ثلاثمائة بعد الألف، انتقل من مكة المكرمة إلى مصر القاهرة، فتعرف عليه الناس و صاروا يقصدونه من جميع الطبقات العلماء و غير العلماء، ثم انتخب مدرسا بالأزهر الشريف، بكلية أصول الدين و بمسجد سيدنا الحسين، فكان مدرسا بهما إلى أن توفي بمصر في اليوم الثامن من شهر صفر سنة (1363) ثلاث و ستين و ثلاثمائة و ألف، (رحمه اللّه) رحمة واسعة.

و لقد كان شيخنا المذكور معتكفا في تأليف الكتب النافعة فمن مؤلفاته ما يأتي:

1) زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم. و قد شرحه شرحا وافيا مع تخريجه لجميع الأحاديث الواردة فيه، و عدد أحاديث هذا الكتاب (1368) حديثا، متصلة الإسناد اتفق عليها البخاري و مسلم في صحيحيهما، فيكون هذا الكتاب هو أصح كتاب في الحديث يوجد اليوم.

و سنتكلم عن هذا الكتاب أيضا في آخر كلامنا هنا قبل الشروع في تأليفه.

2) دليل السالك إلى موطأ الإمام مالك، و هو منظوم.

3) هداية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث.

286

4) الجواب المقنع المحرر في أخبار عيسى و المهدي المنتظر.

5) الخلاصة النافعة العلية المؤيدة بحديث الرحمة المسلسل بالأولية.

6) إيقاظ الأعلام لوجوب اتباع رسم المصحف الإمام.

7) شرح منظومة الشيخ عبد العزيز الزمزمي المكي في علوم التفسير.

8) إبراز الدر المصون على الجوهر المكنون.

9) السبك البديع المحكم في شرح نظم السلم.

10) أنوار النفحات في شرح نظم الورقات.

11) شرح منظومة خاله محمد بن أحمد، في علم السيرة.

إلى غير ذلك من المؤلفات النافعة.

و كان أول معرفتي بشيخنا المذكور (رحمه اللّه تعالى) بعد قدومه من مكة إلى مصر القاهرة بعام واحد أي في سنة (1345 ه) حصلت المعرفة بيننا، ثم قرأت عليه بعض العلوم، ثم اشتدت الألفة بيننا إلى درجة أنه اتخذني كولده، فكنت معه في بيته غالب الأوقات، و لم يكن له أولاد سوى بنت واحدة فقط في تلك الأيام لا تتجاوز السادسة من عمرها.

و هنا أسوق قصة تأليفه كتابه العظيم «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» فإنه قبل أن يبدأ في تأليفه طلبني في بيته فقال لي: يا محمد طاهر إنني نويت أن أؤلف كتابا في الحديث بشرط أن يتفق عليه البخاري و مسلم، فيكون أصح كتاب في الحديث، و أحب أن تساعدني في إخراج هذا الكتاب بالكتابة و المراجعة، فباركت له نيته و وضعت نفسي تحت أمره و خدمته حتى أتم (رحمه اللّه تعالى) «متن كتابه المذكور» أي أتممنا جمع الأحاديث التي اتفق عليهما الشيخان.

ثم قال لي: إنني أحب أن أضع عليه شرحا موجزا مختصرا، و أنت الذي تكتب لي هذا الشرح، فوافقته على ذلك، و اشتغلت معه بالكتابة و المراجعة، و كنت آخذ ما أكتبه له بعد المراجعة و التصحيح إلى المطبعة لطبعه أولا فأولا كلما أتممنا شيئا سلمناه للمطبعة، و هي «مطبعة دار إحياء الكتب العربية» لأصحابها عيسى البابي الحلبي و شركاه بمصر القاهرة إلى أن تم الجزء الأول و الجزء الثاني و شيئا من الجزء الثالث. ثم إنني نويت الرجوع إلى مكة المشرفة، فقد طالت غيبتي عنها، فقد مضى عليّ و أنا بمصر ثماني سنوات متتالية، فلما عزمت عزما أكيدا على السفر صعب على شيخنا المذكور فراقي، فسافرت سنة (1348)، و بعد سفري‏

287

توسع في شرحه لكتابه المذكور حتى جعله في ستة أجزاء و قد كان تمام تأليفه و تمام طبعه في أواخر شهر جمادى الأولى سنة (1359) تسع و خمسين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة. و بعد إتمامه أرسل إليّ و أنا بمكة جميع الأجزاء تامة كاملة هدية منه.

ف(رحمه اللّه) رحمة واسعة و جزاه على الإسلام و المسلمين خير الجزاء آمين.

و لقد كان (رحمه اللّه تعالى) على فقره سخيا كريما، يقصده الناس خصوصا من أهل شنقيط، فكان بيته مفتوحا على الدوام، و كان يسعى في قضاء حوائج الغرباء، و كان يحب الصالحين و أهل العلم، و كان مستقيما جدا لا يترك التهجد ليلا، يمثل العلماء العاملين، و كان له الباع الطويل في الشعر، فكم من الأبحاث العلمية و الفصول نظمها في قصائد فريدة بل له مؤلفات بالنظم.

هذا و من لطائف ما وقع بيننا و كنت موضع سره يأتمنني في جميع أموره: أنه وقع في نفسه يوما أن يتزوج مصرية على زوجته الشنقيطية التي أتت معه إلى مصر، و له منها بنت فقط، فأخبرني بما في نفسه فلم أستحسن ذلك منه، و كنت معه إذ ذاك في بيته، ثم إنني بعد يومين سافرت من القاهرة إلى الإسكندرية لأقيم بها مدة طويلة، و يريد اللّه أن أكتب له خطابا بالبريد، و كررت له أني لا أشير عليه بالزواج على زوجته التي معه، و أثنيت عليها كثيرا، و بالأمر المقدر وقع هذا الخطاب في يد زوجته فاطلعت عليه «و كانت قارئة كاتبة» فقامت بينهما مشاجرة و مخاصمة على ذلك، و إذا الشيخ (رحمه اللّه) يكتب لي جوابا مملوءا بالعتاب و الغضب و يقول: أنت السبب في كل ما وقع بيني و بين زوجتي.

و بينما أنا أهم برد الجواب و الاعتذار منه و أخذ رضائه، إذا بجواب آخر منه يأتيني و قد وضع في داخله نقودا هدية منه إليّ إرضاء لي و يقول: إن زوجتي عرفت بأني كتبت إليك في حالة الغضب، فأمرتني أن أتحفك بهدية و نطلب منك أن تبادر بالحضور إلينا في القاهرة في أسرع وقت لتقيم عندنا ثلاثة أيام، ثم ترجع إلى الإسكندرية. فسررت من ذلك جدا و ذهبت لزيارته و ضحكنا مما وقع. كانت هذه الحكاية في سفري من الحجاز إلى مصر للمرة الثانية، أي في سنة (1354) هجرية. ثم رجعت في السنة التي بعدها إلى مكة شرفها اللّه تعالى، و بلغني أن زوجة الشيخ توفيت إلى رحمة اللّه تعالى و تركت له بنتا واحدة فقط، و أن الشيخ قد تزوج بعدها بمصرية، و بلغني أنه رزق منها بولد فقط، ثم توفي الشيخ بعد أن زوج ابنته في التاريخ الذي ذكرناه آنفا، رحمهما اللّه تعالى و عفا عنا و عنهما.

288

ذكرنا هذه الحكاية عن شيخنا المذكور بيانا لفضله، و للذكرى و الترحم عليه «و الذكريات صدى السنين الحاكي» فإن ألذ أيام حياتنا ما قضيناه بمصر حول الأزهر الشريف مع الطلبة الأبرار و العلماء الأخيار. فتلك أيام الخير و البركة و أيام السعد و الهناء و كان الرخص ضاربا أطنابه حول جميع البلدان.

نسأل اللّه الكريم الحليم أن يجعل ما بقي من حياتنا في هناء و سعادة و توفيق للخير و العبادة مقرونا بالصحة و العافية إنه سميع مجيب و بعباده لطيف خبير.

ترجمة صاحب كتاب تاريخ الخميس‏

مؤلف كتاب «تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس» هو العالم العلامة الشيخ حسين بن محمد بن الحسن الديار بكري الكردي. لم نبحث عن ترجمته حتى نكتب عنه كثيرا، و إنما نكتب هذه الأسطر استنباطا من كتابه المذكور.

يؤخذ من كتابه أنه كان عالما علامة و مؤرخا بحاثة، إذا كتب عن مسألة استوفى الكلام عنها أو ذكر مبحثا تاريخيا أشبعه تحقيقا من جميع الوجوه، لذلك كان كتابه المذكور «تاريخ الخميس» من الكتب المهمة المعتمدة أتى فيه بشي‏ء كثير من الفوائد و الفرائد. و قد ذكر أحوال العالم من بدء التكوين و أتى من سيرة النبي (صلى الله عليه و سلم) بما يشفي الغليل. استخلص تاريخه من شتى كتب التفسير و الحديث و التاريخ و الأدب كما صرح بذلك في المقدمة مع بيان أسماء الكتب القيمة التي نقل عنها و تبلغ نحو مائة و عشرين كتابا. و قد طبع كتابه المذكور مرتين، و هو يقع في جزءين كبيرين، و تاريخه اليوم نادر الوجود.

لم نقف على تاريخ ولادته و وفاته، و لكنه كان موجودا في سنة تسعمائة و إحدى و ثلاثين من الهجرة، حيث إنه قام بنفسه بذرع أركان الكعبة و عرض الملتزم و الشاذروان و حجر إسماعيل، و ذلك في السنة المذكورة كما هو صريح كلامه. و من هنا نستدل أنه جاء إلى مكة لكن لا ندري هل جاء إليها حاجا أو مقيما، ثم رأينا في تاريخه المذكور بصحيفة 126 من الجزء الثاني أنه أتى إلى مكة للإقامة و المجاورة بها حبا فيها لما خصها اللّه تعالى من الفضائل.

و قد مدح تاريخه بعضهم في أربعة عشر بيتا، منها قوله:

في طبع حسن أسفرت أضواؤه‏* * * عن حسن طبع للخميس الأوحد

289

سعة اطلاع مؤلف حبر لنا* * * بث الحوادث بالحديث المسند

فكأن مرآة الزمان أمامه‏* * * رسمت أشعة ذهنه المتوقد

فأتى بتاريخ العصور مرتبا* * * لقديمها بالسبق و المتجدد ... إلخ‏

(رحمه اللّه تعالى) رحمة واسعة و أحسن جزاءه آمين.

ترجمة العلامة تقي الدين الفاسي المكي صاحب شفاء الغرام‏

هو العلامة المؤرخ الشهير أبو الطيب تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي المكي المالكي، ولد بمكة ليلة الجمعة عشرين من ربيع الأول سنة (775) خمس و سبعين و سبعمائة. نشأ بمكة و قرأ على علمائها و عني بالحديث، و قد أجازه كثير من العلماء الأعلام، كالعلّامة قاضي مكة جمال الدين محمد بن عبد اللّه بن ظهيرة القرشي،

و العلّامة جده لأمه قاضي مكة و خطيبها محمد بن أحمد النويري الشافعي، و العلّامة ابن جده لأمه أي خاله قاضي الحرمين محب الدين النويري، و العلّامة أبو المعالي عبد اللّه بن عمر الصوفي،

و العلّامة قاضي اليمن مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي الفيروز آبادي صاحب القاموس المحيط،

و العلّامة المفتي كمال الدين محمد الدميري المصري،

و العلّامة إبراهيم بن محمد الدمشقي الصوفي المعروف بالبرهان،

و الإمام المؤرخ الشهير ابن خلدون صاحب المقدمة. و غيرهم رحمهم اللّه تعالى جميعا.

و قد كان الفاسي قاضي قضاة المالكية بمكة المشرفة، و كان يدرس الفقه و الحديث و التفسير و غيرها. و للفاسي جملة مؤلفات، منها:

1- شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، و قد طبع لأول مرة سنة (1376) هجرية.

2- تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام، و يسمى أيضا «تحصيل المرام من تاريخ البلد الحرام» و هو مختصر كتابه شفاء الغرام.

3- التاريخ الكبير المسمى ب «العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين».

290

4- هادي ذوي الأفهام إلى تاريخ البلد الحرام، و هو مختصر كتابه تحفة الكرام.

5- الزهور المقتطفة في تاريخ مكة المشرفة، و هو مختصر كتابه هادي ذوي الأفهام.

6- عجالة القرى للراغب في تاريخ أم القرى.

7- الجواهر السنية في السيرة النبوية.

توفي الفاسي ليلة الأربعاء ثالث و عشرين من شوال سنة (832) اثنتين و ثلاثين و ثمانمائة بمكة المكرمة (رحمه اللّه تعالى).

ترجمة العلامة قطب الدين الحنفي‏

هو الإمام العلّامة قطب الدين بن علاء الدين النهروالي المكي الحنفي، و النهروالي «باللام» نسبة لنهرواله بلدة في توابع كجرات الهند، أما نهروان «بالنون» فهو كورة واسعة بين بغداد و واسط و النسبة إليها نهرواني.

كان صاحب الترجمة (رحمه اللّه تعالى) عالما فاضلا يدرّس بالمسجد الحرام الفقه و التفسير و سائر العلوم، و كان بليغا فصيحا، لذلك كان يكتب الإنشاء لأشراف مكة، و كان له منزلة عند الأتراك فلا يحج أحد من كبرائهم إلا و هو يطوف به و لا يرتضون بغيره، و كانوا يعطونه العطاء الواسع، و كان (رحمه اللّه تعالى) سخيا كريما كثير التنزهات في البساتين، و كثيرا ما كان يخرج إلى الطائف «مصيف مكة»، و كان يستصحب معه جماعة من العلماء و الأدباء و يقوم بكفايتهم.

و للإمام القطبي تاريخه الشهير المسمى «الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام» في تاريخ مكة المشرفة، و كتابه المسمى «البرق اليماني في الفتح العثماني» و قد توفي المذكور في سنة (988) ثمان و ثمانين و تسعمائة، و قيل توفي في السادس و العشرين من ربيع الثاني سنة (990) تسعين و تسعمائة. غفر اللّه لنا و له.

انتهى من المقدمة التي كتبها في تاريخه المذكور عند طبعه العلّامة الجليل صديقنا العزيز السيد محمد أمين كتبي المكي أطال اللّه حياته و أدام عليه رضاءه و توفيقه.

و قال الغازي في ترجمة القطبي صاحب تاريخ مكة المسمى «الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام» ما يأتي:

291

هو العلّامة الفاضل مفتي مكة الشيخ قطب الدين الحنفي المكي النهروالي، نسبة إلى نهرواله من أعمال الهند، كان من الأعيان المذكورين و الفضلاء المشهورين، مجللا محترما، له تواليف في عدة فنون، منها: تأليفه الجامع في علم الحديث جمع الكتب الستة بأحسن جمع و أشمل ترتيب و تهذيب، و منها: طبقات الحنفية في أربع مجلدات، و منها: تاريخ مكة المسمى ب «الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام». و كان يعرف الألسنة الكثيرة و يتكلم بها، و ينظم نظما بليغا و ينشئ إنشاء حسنا، و من شعره هذه القصيدة، كما في وفيات الأكابر:

بسيف الحجى عند اهتزاز النوائب‏* * * تقلدت فاستغنيت عن كل قاضب‏

و جردت من رأسي الشديد عزائما* * * أفل بها حد السيوف القواضب‏

ولي همة أسمو بصارم عزمها* * * إذا السيف أعيى في صدور الكتائب‏

و ما فاتني فضل أردت اقتناءه‏* * * عليّ و ما عزت صعاب المطالب‏

و كم خطب العلياء غيري و لم ينل‏* * * و نلت لأني كنت أكرم خاطب‏

و لو شئت أدنت لي رقاب كثيرة* * * و لكن رأيت الدهر أغدر صاحب‏

فما الدهر إلا مقبل إثر ساعة* * * و لا العمر مع طول المدى غير ناهب‏

و ما الناس إلا حاسد و معاند* * * و ما الدهر إلا راجع في المواهب‏

و ما شاد بنيان العلى متهور* * * و لا ساد من لم يفتكر في العواقب‏

أخالط أخوان الزمان بعقلهم‏* * * لأنظر ما يبدي به من عجائب‏

و أظهر أني مثلهم تستميلني‏* * * عذاب الثنايا سود شعر الذوائب‏

و إن أليم الهجر مما يسوءني‏* * * و إن لذيذ الوصل أسنى مآربي‏

و ما علموا أن الهوى دون رتبتي‏* * * و أن مقامي فوقه بمراتب‏

ألا في سبيل المجد قوم عهدتهم‏* * * يرون اكتساب الفضل أزرى المكاسب‏

و ما عندهم فضل سوى كثرة الغنى‏* * * و لا المجد إلا أخذ بعض المناصب‏

فضائلهم محشوة في ثيابهم‏* * * و أورادهم إتقان هز المناكب‏

و من نظمه أيضا ما يأتي:

إلى متى يا عين هذا الرقاد* * * ما آن أن تكتحلي بالسهاد

تنبهي من رقدة و انظري‏* * * ما فات من خير على ذي الرقاد

292

يا أيها الغافل في نومه‏* * * قم لترى لطف الكريم الجواد

مولاك يدعوك إلى بابه‏* * * و أنت في النوم شبيه الجواد

و يبسط الكفين هل تائب‏* * * من ذنبه و هل له من مراد

و أنت من جنب إلى جانب‏* * * تدور في الفرش للين المهاد

يدعوك مولاك إلى قربه‏* * * و أنت تختار الجفا و البعاد

ما هكذا التسويف في غفلة* * * ليس على العمر العزيز اعتماد

لقد مضى ليل الصبا مسرعا* * * و سر صبح الشيب فود الفؤاد

أفق فإن اللّه سبحانه‏* * * رحمته عمت جميع العباد

توفي المذكور كما في تاريخ الجنابي، عن نحو ثمانين سنة في أوائل سنة تسعين و تسعمائة، و دفن بالمعلا. انتهى من تاريخ الغازي.

فانظر رحمنا اللّه تعالى و إياك إلى بلاغة الشيخ قطب الدين في نظمه و إلى غزارة معانيه، و انظر إلى همته العليا و نزاهته التامة و عقله الناضج و فكره الثاقب، و إن المتأمل في هاتين القصيدتين يعلم تمام العلم أن القطب (رحمه اللّه تعالى) كان من العلماء العاملين لا تستهويه الدنيا و لا تغره زخارفها.

اللهم رحمتك نرجو و عذابك نخاف، و ظننا بك حسن و أملنا فيك عظيم فانشر علينا سحائب رحمتك و رضائك و برك، و ابسط لنا بساط أنسك و نعمائك و خيراتك، و أغرقنا في بحار فضلك و إحسانك و عفوك و عافيتك، و ارزقنا من فضلك العميم رزقا حلالا واسعا عظيما مقرونا بالتوفيق التام و عدم الطغيان، و استرنا بسترك الذي لا ينكشف في الدنيا و الآخرة آمين. و صلى اللّه و سلم على محمد أبي القاسم الأمين و على آله و صحبه أجمعين.

ترجمة أيوب صبري باشا صاحب كتاب مرآة الحرمين الذي باللغة التركية

و قد ألف كتابا عن تاريخ الحرمين الشريفين «مكة المكرمة و المدينة المنورة»، و هو يقع في مجلدين ضخمين باللغة التركية نعتقد أنه جمع فأوعى خصوصا من العمارات التي حصلت من قبل سلاطين الأتراك العثمانيين كما نعتقد أن إبراهيم‏

293

رفعت باشا المصري صاحب كتاب «مرآة الحرمين» الآتي ذكره نقل عن المذكور كثيرا لأنه كان يعرف اللغة التركية، و أنه ما سمى كتابه المذكور «مرآة الحرمين» إلا تقليدا له و خيرا ما فعل، فرحم اللّه تعالى الجميع و رحمنا معهم آمين.

هو اللواء البحري العثماني التركي أيوب صبري باشا (رحمه اللّه تعالى) لا ندري متى بدأ في تأليف كتابه المذكور «مرآة مكة و مرآة المدينة» و يسمى أيضا «مرآة الحرمين»، و لكن ذكر مؤلفه في آخر جزء الكتاب بصحيفة 1343 ما يأتي:

فرغت من ترتيب هذا الكتاب بعون اللّه الملك الوهاب في اليوم المبارك الرابع و العشرين من ربيع الأول سنة تسع و تسعين و مائتين بعد الألف من أعوام صاحب أكمل الوصف، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و صلى اللّه على سيدنا و سيد العالمين محمد و على آله و صحبه و على جميع الأنبياء و المرسلين و آل كل أجمعين، و الحمد للّه رب العالمين.

و الظاهر و اللّه تعالى أعلم أن مؤلف الكتاب المذكور بعد أن فرغ من تأليفه في السنة المذكورة و هي سنة (1299) شرع حالا في مباشرة طبعه بدليل أن الجزء الرابع من الكتاب ابتدئ في طبعه سنة (1301). و تم طبع هذا الجزء في السنة التي بعدها.

و الكتاب المذكور يقع في بضعة أجزاء كبار، و كان طبعه بالأستانة و لم نقف على ترجمة المؤلف و لا عن سنة وفاته و هل له مؤلفات أخرى أم لا. و الحق يقال أنه كتاب فريد في بابه، وحيد من نوعه، و هو مؤلف باللغة التركية، و مطبوع بنفس هذه اللغة بأحرف عربية لا بالحروف اللاتينية، و إنه لكتاب مشحون بالفوائد و المعلومات التاريخية الوثيقة، و حبذا لو ترجم هذا الكتاب إلى اللغة العربية ثم يطبع و ينشر، لأنه كتاب خاص بتاريخ الحرمين فقط.

و نعتقد أن المرحوم إبراهيم رفعت باشا أخذ اسم هذا الكتاب و وضعه على كتابه «مرآة الحرمين» الذي ألفه باللغة العربية، لأنه أحيانا ينقل في كتابه عن هذا الكتاب، و لأنه ألّف و طبع قبل كتابه، و لو أن المؤرخين في عصرنا كانوا يعرفون القراءة و الكتابة باللغة التركية لنقلوا من هذا الكتاب أبحاثا كثيرة و مواضيع شتى نافعة.

294

هذا و عندما انتهى أيوب صبري باشا من كتابه المذكور «مرآة الحرمين» بادر كثير من العلماء و الأدباء الأتراك في تقريظه و الثناء عليه باللغة التركية، ما عدا تقريظ واحد فهو باللغة العربية نظما بقلم الأديب الكبير «نجيب نادر أفندي» أحببنا نقله هنا و هو هذا:

طالما طالعت أطايب المطولات، و تفرست في أفخر المفصلات: قصد الوصول لأصدق التفاصيل متوقيا الوقوع بسقطات الأقاويل: حتى حان الحين و حلت الحان، ورق يراع مرآة الحرمين الرنان، و هتف هاتف التهليل بسل سبيل السلسبيل و خل الدخيل و واصل الأصيل، فافترست فرصة التفرس و استرقت ساعة التجسس فإذا بذوات الذوايل و منهومات النهي و ناعمات الأنامل يحتجبن المحاسن حياء و يتوارين من أنوار المرآة الوراء، فراعتني يراعتها و بهرتني براعتها و قلت إن هذه:

تمثال أجيال مضت و سراة* * * حلت محل الحال بعد فوات‏

صور من الأيام جسّمها النهى‏* * * فبدت من الآثار في مشكاة

فكأنها تمثال دهر قائم‏* * * كي ينشر الماضي و يحي الآتي‏

قامت معانيها لدينا صورة* * * لتذكر الأحياء بالأموات‏

فأدر لحاظك في حدائق طرسه‏* * * و تغنّ من ذكراك بالنغمات‏

و انظر إلى كرة العوالم جمعت‏* * * في أسطر تجلى على اللحظات‏

و أجل بصيرتك الدقيقة بينما* * * أمضى القضا في المحو و الإثبات‏

و اسمع أحاديث الزمان و أهله‏* * * فلرب ذكر ضم بعد شتات‏

نبأ عظيم عن سبأ حكم أتى‏* * * يغنيك عن بلقيس بالآيات‏

و محافل و جحافل ضاقت بها ال* * * أقطار و اجتمعت إلى ميقات‏

و مواكب و كتائب غص الفضا* * * منها و ها هي عرضة الخطرات‏

و قرون دهر طالما طالت بها* * * أيامها و قصرن عن غايات‏

جمعت فحلت في كتاب قيم‏* * * كحلول روح الراح في الوجنات‏

قامت صحائفه حدائق عبرة* * * ماست غصون سطورها بسمات‏

نطقت عن الدنيا بفضل سكوتها* * * فأقامت المعنى مقام الذات‏

للّه أي يراعة و براعة* * * جمعت به الأقمار في هالات‏

295

ينبوع فضل فجّرته حكمة* * * فجرى بأكرم حالة و سمات‏

و بدا كبرهان جلي ساطع‏* * * عن عصر من هوأس كل حياة

ذاك الذي آماله و شعاره‏* * * نشر المعارف في دجى و غداة

سلطان حق مالك البرين و ال* * * بحرين محي العدل بعد ممات‏

حامي حمى الحرمين ظل اللّه بل‏* * * غازي الألدا رابح ...

(عبد الحميد) ابن المجيد ابن الأولى‏* * * راياتهم تنجي من ...

سطعت أشعة عصره و تلألأت‏* * * وسطت على شمس الضحى ...

لو قام قيصر مع بني كسرى نعم‏* * * سجدوا لما يوتيه قبل ...

خضعت له الأفلاك بل لعبيده‏* * * جاءت مناهى ...

قم صاح و استطلع صباحا رائقا* * * و اعجب من المرقاة في المرآة

مرآة نور اللّه زينتها التقى‏* * * تحكي حمى الفردوس في نغمات‏

أهدى بها الأيام (أيوب) فما* * * تنفك تشكر منه فيض هبات‏

شهم جلى بكر العلوم و لم يزل‏* * * بعوان كل ملائح و صفات‏

ملي‏ء الملا بعبير طيب ثنائه‏* * * ملئت أفاصي البحر و الواحات‏

يثني اليراع على معالي فكره‏* * * و السيف يحمده على العزمات‏

و العلم يشهد أنه بحر له‏* * * بر يجل عوائد و صلات‏

أفنى الليالي ليس يثني عزمه‏* * * عن نيل عين الخلد في الظلمات‏

أحيى لنا الأعيان في آثاره‏* * * و لتلك أكبر حكمة و ثبات‏

سبحان من أولاه ما هو أهله‏* * * و يزيده في رفعة الدرجات‏

فلقد أقر عيون كل ذوي الحجا* * * ما بين ماض في الزمان و آت‏

و غدا له الحر (النجيب) مؤرخا* * * «قد حصل الحرمين في مرآت»

انتهى التقريظ و الشطر الأخير في الأبيات، هو تاريخ انتهاء طبع الجزء الرابع من الكتاب المذكور و هو يوافق سنة (1302) هجرية.

296

ترجمة مؤلف كتاب مرآة الحرمين إبراهيم رفعت باشا

نلخص هنا من ترجمته المذكورة في كتابه: «مرآة الحرمين» ما يتعرف به القارئ الكريم، و هو هذا:

هو إبراهيم بن الشريف سويفي التاجر بن عبد الجواد، ولد بمدينة أسيوط بمصر يوم 18 جمادى الأولى سنة (1273) هجرية، و توفي والده في السنة المذكورة و أمه حامل به و لما أدرك سن التمييز أدخلته أمه مكتبا ليتعلم القراءة و الكتابة فحفظ القرآن الكريم، و لما ظهرت نجابته أدخله بعض الوجهاء مدرسة أسيوط الأميرية الابتدائية فمكث بها ثلاث سنوات كان فيها مثال الجد و النشاط، ثم دخل المدرسة التجهيزية بالقاهرة سنة (1290)، و لم يكد يتم بها نصف عام حتى اختبرته نظارة الحربية مع بعض المتقدمين ليكون من طلبة المدرسة الحربية، فمكث بها ثلاث سنوات منح في آخرها رتبة الملازم الثاني، ثم أحيل الضابط إبراهيم رفعت مع كثير من الضباط إلى الاستيداع، ففي هذه المدة كان المذكور يتردد على الجامع الأزهر ماشيا على قدميه ليتلقى العلوم الدينية، ثم ألحق بعد مدة الاستيداع بفصيلة الفرسان في سوهاج، ثم نقل إلى القاهرة، ثم نقل منها إلى سواكن، ثم نقل إلى القاهرة، ثم انتقل إلى بعض الجهات مرارا و تعين في كثير من الوظائف، و في 12 رجب سنة (1318) ترقّى إلى رتبة (القائمقام). و في 4 رمضان من السنة المذكورة عين رئيسا لحرس المحمل، ثم في 15 شوال سنة (1319) منح رتبة (الميرالاي) ثم عين أميرا للحج في الثلاث السنوات الآتية (1320 و 1321 و 1325) هجرية، ثم بعد إحالته للمعاش عين في بعض الوظائف الهامة. و بالجملة فالمذكور كان عصاميا عالما فاضلا شجاعا كريم الأخلاق. و قد طبع في حياته كتابه المذكور لأول مرة سنة (1344) هجرية بمطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، و لم نعلم متى توفي المذكور و لكن نعتقد أنه بلغ الثمانين (رحمه اللّه تعالى) رحمة الأبرار و جزاه خيرا جزيلا بتأليفه هذا الكتاب القيم آمين.

انظر: صورة رقم 17. 3، إبراهيم رفعت باشا بلحيته الجميلة و لباسه الرسمي‏

297

ترجمة الأستاذ محمد لبيب البتنوني‏

الأستاذ محمد لبيب بك البتنوني المصري هو أستاذ عالم فاضل و منشئ كاتب بليغ، يحمل لقب «البكوية» لم نطلع على شي‏ء من ترجمته في مؤلفاته و لم يكتب عنه أحد لأنه من أهل عصرنا، و لا ندري متى ولد و متى توفي، لكن نظن و اللّه تعالى أعلم بالغيب أنه توفي من بعد سنة (1350) خمسين و ثلاثمائة و ألف هجرية.

و لا ندري في أي ديوان كان يشتغل بالقاهرة، و نظن أنه كان في الديوان العالي لخديوي مصر «عباس باشا حلمي الثاني» بدليل أنه أصدر إرادته السنية بتعيين الأستاذ محمد لبيب في السفر بمعيته إلى الأقطار الحجازية للحج كما هو مذكور في كتابه «الرحلة الحجازية».

فسافر من مصر الأستاذ لبيب المذكور في معية عباس حلمي الثاني خديوي مصر في يوم 29 ذي القعدة سنة (1327) هجرية الموافق 12 ديسمبر سنة (1909) ميلادية.

و بعد أداء فريضة الحج و زيارة المدينة المنورة رجعوا إلى مصر، و عندئذ قام الأستاذ محمد لبيب بك البتنوني بتأليف كتابه القيم «الرحلة الحجازية» و قد طبعه مرتين. و كانت الطبعة الثانية سنة (1329) هجرية بمطبعة الجمالية الكائنة بحارة الروم بمصر.

و تأليفه لهذا الكتاب كان قبل تأليف كتاب «مرآة الحرمين» لإبراهيم باشا رفعت بدليل أن هذا أحيانا ينقل من كتاب البتنوني، و كان كلاهما صديقين و من البلاد المصرية و كتاب كل منهما يعد من أهم المراجع التاريخية للحرمين الشريفين.

و للأستاذ البتنوني مؤلف آخر مطبوع اسمه «رحلة الأندلسي» و هو كتاب قيم في تاريخ الأندلس و كانت رحلته إلى أسبانيا في سنة (1926) ميلادية و لا نعلم هل له مؤلفات أخرى أم لا، و نعتقد أنه لا يسلم من ذلك لما له من النشاط الأدبي.

و بالجملة فالأستاذ البتنوني أستاذ عالم فاضل و أديب بليغ و مؤرخ محقق (رحمه اللّه تعالى) و جزاه عن خدماته العلمية خير الجزاء.

298

ترجمة ابن جبير صاحب الرحلة الشهيرة

جاء في مقدمة رحلته المطبوعة لأول مرة بمصر ترجمة ابن جبير المذكور نقلا من كتاب «الإحاطة بما تيسر من تاريخ غرناطة» و من تاريخ مصر الكبير المقفى للشيخ تقي الدين أحمد المقريزي، و من كتاب نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للشيخ أحمد المقري. و قد جاءت ترجمته و ذكر بعض قصائده و أقواله الحكيمة في 25 صحيفة في مقدمة رحلته منقولة عن هذه الكتب الثلاثة. و نحن نلخص هنا من تلك الصحائف نبذة صغيرة عن سيرته العطرة (رحمه اللّه تعالى) فنقول:

هو محمد بن أحمد بن جبير بن سعيد الكناني الأندلسي، كان عالما أديبا بارعا شاعرا مجيدا سنّيا فاضلا صالحا زاهدا، نزيه الهمة، كريم الأخلاق. رحل من الأندلس إلى المشرق ثلاث مرات، و حج في كل واحدة منها، خرج من غرناطة أول ساعة من يوم الخميس لثمان خلون من شوال سنة (578) ثمان و سبعين و خمسمائة، ثم عاد إلى وطنه غرناطة لثمان بقين من محرم عام (581). و صنف رحلته المشهورة و هو كتاب أنيس ممتع، و لما شاع الخبر بفتح بيت المقدس على يد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، قوي عزمه على الرحلة الثانية فتحرك إليها من غرناطة يوم الخميس لتسع خلون من ربيع الأول من سنة (585)، ثم آب إلى غرناطة يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من شعبان سنة (587). و سكن غرناطة ثم مالقة ثم سبتة ثم فاس، ثم رحل الثالثة من سبتة بعد موت زوجته عاتكة أم المجد بنت الوزير أبي جعفر الوقشي، و كان كلفه بها عظيما، فوصل مكة و جاور بها طويلا، ثم ببيت المقدس ثم تحول إلى مصر ثم الإسكندرية، فأقام يحدث و يؤخذ عنه إلى أن لحق بربه و دفن بها في التاسع و العشرين من شعبان سنة (614) أربع عشرة و ستمائة (رحمه اللّه تعالى). و كان مولده ببلنسية سنة (539) و قيل بشاطبة سنة (540) هجرية.

و قد دخل ابن جبير المذكور الحرمين الشريفين و الشام و العراق و مصر و الجزيرة و بيت المقدس و غيرها، كان من علماء الأندلس بالفقه و الحديث و القراءات، و عني بالأدب فبلغ الغاية فيه و تقدم في صناعة القريض و الكتابة، و قد جرت بينه و بين‏

299

طائفة من أدباء عصره مخاطبات و مكاتبات ظهرت فيها براعته و إجادته، فنظمه لطيف فائق، و نثره بديع رائق، و رحلته نسيجة وحدها طارت كل مطار.

(و من تصانيفه): نظمه الذي سماه: «وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح» في مراثي زوجته أم المجد، و كتاب: «نظم الجمان في التشكي من إخوان الزمان»، و كتاب: «رحلته» الشهيرة، و له غير ذلك.

و إليك بعض قطع من نظمه (فمنها) حينما وصل مكة المشرفة سنة (579) يخاطب نفسه:

بلغت المنى و حللت الحرم‏* * * فعاد شبابك بعد الهرم‏

فأهلا بمكة أهلا بها* * * و شكرا لمن شكره يلتزم‏

و هي طويلة و منها:

قد أحدث الناس أمورا فلا* * * تعمل بها إني امرؤ ناصح‏

فما جماع الخير إلا الذي‏* * * كان عليه السلف الصالح‏

و منها قصيدة جاء في آخرها:

و شاهدت في الأسفار كل عجيبة* * * فلم أر من قد نال جدا بجده‏

فكن ذا اقتصاد في أمورك كلها* * * فأحسن أحوال الفتى حسن قصده‏

و ما يحرم الإنسان رزقا لعجزه‏* * * كما لا ينال الرزق يوما بكده‏

حظوظ الفتى من شقوة و سعادة* * * جرت بقضاء لا سبيل لرده‏

و منها:

لي صديق خسرت فيه ودادي‏* * * حين صارت سلامتي منه ربحا

حسن القول سي‏ء الفعل كالجزّا* * * رسمّى و أتبع القول ذبحا

و منها:

يا وحشة الإسلام من فرقة* * * شاغلة أنفسها بالسفه‏

قد نبذت دين الهدى خلفها* * * و ادعت الحكمة و الفلسفه‏

و منها مشيرا إلى المساجد الثلاث المسجدين الحرامين و بيت المقدس، و قد قاله في أول رحلته:

طال شوقي إلى بقاء ثلاث‏* * * لا تشد الرحال إلا إليها

إن للنفس في سماء الأماني‏* * * طائر لا يحوم إلا عليها

300

قص منه الجناح فهو مهيض‏* * * كل يوم يرجو الوقوع لديها

و منها:

إذا بلغ امرؤ أرض الحجاز* * * فقد نال أفضل ما أمّ له‏

و إن زار قبر نبي الهدى‏* * * فقد أكمل اللّه ما أمّله‏

و منها:

هنيئا لمن حج بيت الهدى‏* * * و حطّ عن النفس أوزارها

و إن السعادة مضمونة* * * لمن حج طيبة أو زارها

و قال لما رأى البيت الحرام زاده اللّه شرفا:

بدت لي أعلام بيت الهدى‏* * * بمكة و النور باد عليه‏

فأحرمت شوقا له بالهوى‏* * * و أهديت قلبي هديا إليه‏

و قال في تفضيل المشرق:

لا يستوي شرق البلاد و غربها* * * الشرق حاز الفضل باستحقاق‏

أنظر لعين الشمس و عند طلوعها* * * زهوا بعجب بهجة الأشواق‏

و انظر لها عند الغروب كهيئة* * * صفراء تعقب ظلمة الآفاق‏

و كفى بيوم طلوعها من غربها* * * أن تأذن الدنيا بعزم فراق‏

و ههنا نقف عن الاسترسال في ترجمة ابن جبير و قصائده، و هذه النبذة كفاية للتعريف بفضله و علمه و أدبه ف(رحمه اللّه) رحمة واسعة و غفر لنا و له بفضله و رحمته آمين. و ولادة ابن جبير كانت سابقة لولادة ابن بطوطة و بينهما مائة و ثلاث و ستون سنة.

ترجمة ابن بطوطة صاحب الرحلة الشهيرة

جاء في أول رحلته ما ملخصه: هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم اللواتي ثم الطنجي المعروف بابن بطوطة، ولد (رحمه اللّه تعالى) بطنجة يوم الاثنين السابع عشر من شهر رجب سنة ثلاث و سبعمائة، و كان خروجه من طنجة للحج و الزيارة و السياحة في اليوم الثاني من شهر رجب سنة خمس و عشرين و سبعمائة و عمره يومئذ اثنتان و عشرون سنة، و والده بقيد الحياة.

301

كان ابن بطوطة عالما فاضلا كثير السياحة، طوى الأمصار و طاف بكثير من الأقطار من بلاد العرب و العجم، و أورد في رحلته بكثير من الحكايات و الأخبار، و قيد فيها عادات بعض الأقوام و أسماء بعض الرجال و البلدان بعد شرح ما يشكل منها و ضبطها بوضع الحركات ليكون النطق بها صحيحا، و قد سمى رحلته الشهيرة: «تحفة النظار في غرائب الأمصار و عجائب الأسفار» و قد فرغ من تقييدها و تبييضها في ثالث ذي الحجة عام ستة و خمسين و سبعمائة من الهجرة النبوية. انتهى من نفس رحلته المطبوعة.

و ولادة ابن بطوطة كانت بعد ولادة ابن جبير و بينهما مائة و ثلاث و ستون سنة.

و لقد كتبت عنه «مجلة الطالب» التي تصدر بالقاهرة في العدد 65 من السنة الثالثة، يتلخص فيما يأتي: رحلات ابن بطوطة ثلاثة، فزار خلالها مراكش و الجزائر و تونس و طرابلس الغرب «أي لوبيا» و مصر و عيذاب و هي «ميناء على البحر الأحمر» و بلاد الصعيد و الفسطاط و فلسطين و لبنان و سوريا و الحجاز و مكة و المدينة و اليمن و العراق و إيران و الأناضول و الخليج الفارسي و عمان و البحرين و الأحساء و الهند و السند و خوارزم و خراسان و تركستان و أفغانستان و بلاد السودان و غير ذلك، و قد ولاه السلطان الهندي محمد شاه القضاء في دهلي على المذهب المالكي و أرسله مع وفده إلى ملك الصين.

و قالت المجلة المذكورة: و هو أول رحالة كتب عن مجاهل أفريقيا الوسطى، و قد ترجمت رحلاته إلى جميع اللغات و أفردت لها الجامعات مكانا عليا للدراسة و البحث. انتهى من المجلة.

فانظر رحمك اللّه تعالى كيف يعتني الإفرنج بدراسة المؤلفات الإسلامية التي لا تتعلق بهم و لا ببلادهم، و كانت نتيجة أبحاثهم الاستيلاء على بعض الأمم و الشعوب عن طريق دراسة عاداتهم و عقلياتهم.

نسأل اللّه أن ينور بصائر المسلمين و عقولهم لينظروا إلى ما فيه صلاحهم و يعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا يتفرقوا.

302

ترجمة الوزير عثمان باشا نوري‏

تولى الوزير عثمان باشا نوري ولاية الحجاز في عشرين من شهر شعبان سنة (1299) تسع و تسعين و مائتين و ألف من الهجرة بعد سلفه أحمد عزت باشا الأرذنجاني من قبل الدولة التركية العثمانية و ذلك في أواخر إمارة الشريف عبد المطلب بن غالب و أوائل إمارة الشريف عون الرفيق، و كان قبل توليته قومندانا للعساكر العثمانية بالطائف، و كلمة «باشا» كلمة تركية و هي من الألقاب الحكومية تعطيها الحكومات للرجال الممتازين من الأعيان، و هي أكبر لقب حكومي، و بعدها كلمة «بك» و هي لقب دون «الباشا» و لكنها لا تقرأ بالكاف بل تكتب بها و تقرأ بالهاء هكذا «بيه» بكسر الباء و سكون الهاء، و كانت الحكومة التركية و الحكومة المصرية تمنح هذين اللقبين للرجال العظماء البارزين، ثم أبطلتهما الحكومتان المذكورتان في زماننا. أبطلتهما الحكومة التركية أولا ثم بعدها بسنوات مصر.

فالوزير عثمان باشا نوري كان عاقلا فاضلا، و كان رجل الأعمال و الإصلاح مقداما عل كل خير مما ينفع العباد و البلاد كما يظهر ذلك من أعماله الآتية:

فقد بنى بمكة المشرفة دار المطبعة الأميرية «أي مطبعة الحكومة» التي بأول أجياد و جلب لها المكائن و الأدوات اللازمة حتى كانت تطبع فيها باللغتين العربية و التركية.

و بنى بها أيضا دار الحميدية «أي دار الحكومة» نسبة للسلطان عبد الحميد الثاني لتكون مقرا للحكم لولاة الحجاز الذين يعينون من قبل الدولة، تلك الدار العظيمة الفخمة التي لم يكن مثلها بمكة في ذلك الزمن، و بنى بها أيضا دارا للتلغراف بباب الوداع بلصق المسجد الحرام.

و بنى بها أيضا قشلة أجياد «أي مقر وزارة المالية الآن» و قد جعلها مقرا لجنود المدافع، و هي على يسار الذاهب إلى أجياد، و عمّر بها أيضا ما خرب من قلعة جبل هندي و قد أحضر للمسجد الحرام ساعتين كبيرتين طول كل واحدة منهما نحو مترين و وضعهما مع ساعات المسجد.