التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج6

- محمد طاهر الكردي المزيد...
777 /
303

و بنى مستشفى بمنى و بازانا للماء بمسجد الخيف بها، و هو الذي أجرى الماء في مواسير من الرغامة إلى جدة و هو المسمى بعين الوزيرية نسبة إلى الوزير عثمان باشا المذكور، و هو الذي أصلح طريق الصعود إلى غار جبل ثور بمكة.

و استمرت هذه العين تسقي أهل جدة إلى سنوات كثيرة. و قد عمل الوزير عثمان باشا المذكور كثيرا من الأعمال الجليلة غير ما ذكر على أنه لم يمكث في وظيفته إلا نحو خمس سنوات، فجزاه اللّه خير الجزاء و رحمه رحمة واسعة.

و هكذا ينبغي أن يكون الوزراء و الأمراء و نوّاب الملوك و السلاطين يشمرون عن ساعد الجد فيعملون لخدمة البلاد و العباد بإخلاص و أمانة، فهم المسؤولون أمام اللّه و أمام ولاة الأمور، نسأل اللّه التوفيق لكل ما فيه الخير و الصالح العام آمين.

انظر: صورة رقم 318، المشير عثمان باشا نوري‏

هذا و قد ذكر المرحوم إبراهيم رفعت باشا صاحب مرآة الحرمين أن الوزير العادل عثمان نوري باشا المذكور هو أول من أنشأ بستانا بمكة جهة جرول و أباحه لأهلها يتنزهون فيه و يستظلون بوارف ظله، و أنفق عليه آلاف الجنيهات فما كان من الشريف عون إلا أن سعى به لدى الخليفة فعزله و أمر بإزالة بستانه.

ثم قال في هامش كتابه المذكور ما يأتي: ولّي عثمان نوري باشا أمر الحجاز لأول مرة سنة (1299)، و هو رجل ذكي شهم، سياسي تحيّل في القبض على الشريف عبد المطلب الذي همّ بالخروج على الدولة فعزلته من إمارة مكة و ولّت مكانه الشريف عون الرفيق، و قد وشى هذا بعثمان نوري باشا لما أن غلّ يده من المكوس و المظالم التي كان يتقاضاها من العربان و الحجاج فعزل بالوشاية بعد خمس سنوات، و عين واليا على اليمن ثم أعيد إلى ولاية الحجاز و قد أصلح مجرى عين زبيدة و عمل فيها صنابير «حنفيات أو بازانات» و هو الذي أنشأ ديوان الحميدية و دار البريد و الثكنات العسكرية بمكة و جدة و أنشأ سور ينبع، و قد أنشأ الحديقة المذكورة في ولايته الثانية و لم يكن موضعها مقبرة، و إنما كان فضاء واسعا، و لما امتلأت نفس عون منه خرج إلى المدينة في جمع من علماء مكة و أشرافها و ضم إليه علماء المدينة و أشرافها و كتبوا إلى السلطان يطعنون في الوالي، و أنه يكره الأشراف و يسبهم و يهينهم و يحتقرهم، و أنه حوّل مقبرة المسلمين إلى متنزه. فما كان من السلطان إلا أن عزل العادل المصلح، و كان خليقا بأمير المؤمنين أن يتبين في قول‏

304

الشريف كما أمر اللّه تعالى في كتابه، و أن لا يحكم على متهم إلا بعد استجوابه و استماع قوله. انتهى منه.

نبذة عن تاريخ جدة

تبعد جدة عن مكة المكرمة بنحو خمسة و سبعين كيلو مترا، و قد جاء في كتاب المملكة العربية السعودية المطبوع سنة (1955) ميلادية تأليف مستر توتشل الذي كان بها حوالي سنة (1355) هجرية، أن عدد سكان جدة يبلغ (112000) نسمة نقول: أما اليوم و قد تغيرت الأحوال و كثر الأجانب بالمملكة فإن عدد سكان جدة قد يزيد عن هذا العدد.

و الذي نراه و اللّه تعالى أعلم أن جدة لم تكن معروفة و لا مسكونة في زمن الجاهلية، و إنما هي ممر للمسافرين من البدو الرحالة من أهل الجمال، و قد يأتي إليها الصيادون للحوت و السمك بزوارقهم الصغيرة كجزء من ساحل البحر، فلم تكن معروفة في زمن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، لذلك كان عليه الصلاة و السلام و أصحابه إذا هاجروا إلى المدينة و أتوا منها إلى مكة كانوا يمرون بالقرب من الحديبية المسمى اليوم بالشميسي، و منها إلى عسفان، و منها إلى الجحفة فالمدينة، و كانوا يذهبون إلى عسفان من جهة التنعيم.

و لما هاجر الصحابة السابقون الأولون للإسلام رضي اللّه تعالى عنهم إلى الحبشة ساروا من مكة إلى الشعيبة، و منها ركبوا البحر في سفن شراعية حتى وصلوا إلى الحبشة، و عندما رجعوا منها إلى مكة كان طريقهم هو الطريق الأول.

و مما لا شك فيه أنه كان في ذلك العهد ملاحون يعرفون السفر في البحر بمراكبهم.

فلما كان في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه اكتشف بعضهم طريق جدة إذ هو طريق مستقيم إلى جهة الغرب، و رأوا أنها أقرب إلى مكة من الشعيبة فسكن بعضهم فيها تدريجيا، و بمرور الزمن كثر الناس فيها و ساروا على ساحلها شمالا نحو رابغ فالمدينة المنورة، كما ساروا بالمراكب في بحرها نحو السودان و الحبشة و ما جاورهما. و هذه سنة اللّه تعالى في الكون يظهر بعض الأشياء فجأة و يختفي بعضها فجأة. و اللّه تعالى أعلم بالصواب و إليه المرجع و المآب.

305

الكلام على مدينة جدة

لما كانت جدة أهم ميناء الحجاز من قديم الزمان إلى الآن، فإنها تعد باب الحرمين الشريفين لورود غالب الحجاج و أكثر الأرزاق عن طريقها من جهة البحر الأحمر و هو المسمى قديما ب «بحر القلزم». لذلك كان من الواجب علينا أن نذكر شيئا من تاريخ جدة مع العلم بأنه لم نر لجدة مؤلفات عن تاريخها غير أننا وقفنا على بعض أسماء الكتب و هي كالآتي: الجواهر المعدة في فضائل جدة، تأليف أحمد الحضراوي، و كتاب السلاح و العدة في تاريخ جدة للخطيب، و كتاب تاريخ جدة للأستاذ عبد القدوس الأنصاري، و هو مطبوع سنة (1383 ه) و لكن لم نطلع على شي‏ء من الكتب المذكورة لأننا ما ظننا أنه يأتي يوم نكتب عن جدة شيئا.

فنقول: إن جدة ما عرفت إلا في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه، فقد كانت في بادئ أمرها قرية صغيرة يسكنها قضاعة قبل الإسلام، و كان الميناء المعروف في ذلك الوقت «الشعيبة» فاشتكى الناس إلى عثمان رضي اللّه تعالى عنه ما يلاقونه من التعب في هذا الميناء، لكثرة ما فيها من الشعاب التي تعيق سير السفن، و طلبوا منه أن يجعل «جدة» ثغرا لمكة بدلا من الشعيبة. فأمر رضي اللّه عنه بجعل جدة ميناء لمكة كما سيأتي تفصيله، فمن ذلك اليوم عرفت جدة و اشتهرت لدى الناس.

و مما يذكر أن عثمان رضي اللّه عنه عند قدومه إلى جدة أنه نزل إلى البحر فاغتسل و أمر قومه بالاغتسال فيه كذلك و أن يتخذوا المئزر عليهم.

و الشعيبة بضم الشين و كسر العين واقعة في جنوب جدة، و تبعد عنها بمقدار مرحلتين، و هي قريبة من الرأس الأسود و معروفة إلى اليوم كما ذكره الشيخ رشدي ملحس (رحمه اللّه تعالى) في تعليقه على تاريخ الأزرقي.

و يقال إن بالشعيبة بقايا أساطين الرخام التي جلبها أمير المؤمنين محمد المهدي (رحمه اللّه تعالى) من مصر و الشام لعمارة المسجد الحرام، و قد دفنها الريح بالرمل و اللّه تعالى أعلم بحقيقة ذلك.

306

فجدة اليوم أصبحت أهم ميناء في المملكة العربية السعودية، و قد صار عدد سكانها و عدد منازلها أضعاف أضعاف ما كان عليه في الزمن السابق كما سيأتي الكلام على ذلك إن شاء اللّه تعالى.

قال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: إنما جدة خزانة مكة، و إن ما يؤتى به إلى مكة لا يخرج به منها، اه.

نقول: و هذا كلام صحيح لا ريب فيه، فما سمعنا أن بعض التجار و المزارعين في وقتنا هذا أيضا ينوي بشي‏ء من بضاعته أو ثمار زرعه باسم مكة فلا يبيعه في غيرها و لو أعطي ضعف الثمن.

ما قاله الرحالة ابن جبير عن جدة

قال ابن جبير الأندلسي في رحلته التي كانت سنة (578) ثمان و سبعين و خمسمائة يصف مدينة جدة حينما وصل إليها في اليوم الرابع من ربيع الثاني من السنة المذكورة ما يأتي:

و جدة هذه قرية على ساحل البحر أكثر بيوتها أخصاص «هي جمع خص بالضم، البيت من القصب»، و فيها فنادق مبنية بالحجارة و الطين و في أعلاها بيوت من الأخصاص كالغرف و لها سطوح يستراح فيها بالليل من أذى الحر، و بهذه القرية آثار قديمة تدل على أنها كانت مدينة قديمة و أثر سورها المحدق بها باق إلى اليوم، و بها موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يذكر أنه كان منزل حواء أم البشر صلى اللّه عليها و سلم عند توجهها إلى مكة فبني ذلك المبنى عليه تشهيرا لبركته و فضله، و اللّه أعلم بذلك. و فيها مسجد مبارك منسوب إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و مسجد آخر له ساريتان من خشب الأبنوس ينتسب أيضا إليه رضي اللّه عنه، و منهم من ينسبه إلى هارون الرشيد رضي اللّه عنه، و أكثر سكان هذه البلدة مع ما فيها من الصحراء و الجبال أشراف و علويون و حسنيون و حسينيون و جعفريون رضي اللّه عن سلفهم الكريم، و هم من شظف العيش بحال يتصدع له الجماد إشفاقا. و يستخدمون أنفسهم في كل مهنة من المهن من إكراء جمال إن كان له أو مبيع لبن أو ماء إلى غير ذلك من تمر يتلقطونه أو حطب يحتطبونه، و ربما تناولوا ذلك نسائهم الشريفات بأنفسهن، فسبحانه المقدر لما يشاء. و لا شك أنهم أهل بيت ارتضى اللّه لهم الآخرة، و لم يرتض لهم الدنيا،

307

جعلنا اللّه مما يدين بحب أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا. و بخارج هذه البلدة مصانع قديمة تدل على قدم اختطاطها.

و يذكر أنها كانت من مدن الفرس، و بها جباب منقورة في الحجر الصلد تتصل بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثرة، هي داخل البلد و خارجه حتى أنهم يزعمون أن التي خارج البلد ثلثمائة و ستون جبا و مثل ذلك داخل البلد. و عاينا نحن جملة كثيرة لا يأخذها الإحصاء و عجائب الموضوعات كثيرة فسبحان المحيط علما بها. انتهى من رحلة ابن جبير.

انظر: صورة رقم 319، باب مكة في جده من الخارج‏

و قال الغازي في الجزء الرابع من تاريخه عن جدة ما يأتي:

الباب السابع في ذكر نبذة من أخبار جدة و فيه ثلاثة فصول: «الفصل الأول» في وصف جدة ما ورد في فضلها: قال الشيخ عبد القادر بن أحمد بن محمد بن فرج الشافعي الخطيب بجدة في كتابه: «السلاح و العدة في تاريخ جدة» نقل العلّامة المحدث جار اللّه بن فهد عن الحافظ عز الدين بن الأثير في النهاية: الجدّ بالضم ساحل البحر، و الجدّة أيضا و به سميت المدينة التي عند مكة جدة. انتهى.

و ذكر العلّامة الشيخ أحمد الحضراوي في كتاب «الجواهر المعدة في فضائل جدة» قال الميرغني (رحمه اللّه تعالى) في عدة الإنابة: جدة بضم الجيم المعجمة و تشديد الدال و سكون الهاء و قيل بالكسر، و هي أسكلة مكة بينهما مرحلتان، و يقال لها جديدة أيضا بكسر الدال المهملة و فتح ما قبلها بعدها ياء ساكنة و دال مهملة مفتوح و هاء ساكنة. انتهى.

قال الشيخ محمد لبيب البتنوني في رحلته، قال البكري في معجمه: جدة بضم أوله ساحل مكة. يسمى بذلك لأنها حاضرة البحر، و الجدة من البحر و النهر ما يلي البر، و أصل الجدة الطريق الممتد، و أهل البلاد و يسمونها الآن جدة بكسر الجيم و يسميها المصريون جدة بفتحها، و هي واقعة على الساحل الشرقي للبحر الأحمر على (39) درجة و عشر دقائق من الطول الشرقي و على (21) درجة و (38) دقيقة من العرض الشمالي. و قد كانت قرية صغيرة في بادئ أمرها يسكنها و ما حولها قضاعة قبل الإسلام، فلما كانت سنة ست و عشرين للهجرة في خلافة سيدنا عثمان رضي اللّه عنه اشتكى الناس له الشدة التي يعانونها في ميناء الشعيبة بضم الشين المعجمة، لكثرة ما فيها من الشعاب التي كانت تعوق سير

308

السفن بها و قالوا له: إن في شمالها خيرا منها، فذهب عثمان إليه في جمع من قومه ليعاينه بنفسه فوجده حقيقة أحسن من الأولى، فأمر بجعله ثغرا لمكة سموه جدة، و الشعيبة الآن قرية صغيرة على مسافة 20 كيلومترا من جنوب جدة. ساحل جدة كله شعاب صخرية يتخللها شعب مرجانية حمراء أو سوداء. انتهى.

و في الجامع اللطيف: و لعل من جعل جدة ساحلا لمكة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، و في سنة ست و عشرين من الهجرة، و كانت الشعيبة ساحل مكة قبل ذلك، و قال ابن جبير في رحلته: جدة قرية على ساحل البحر و بها آثار قديمة تدل على أنها كانت مدينة قديمة، و بخارج هذه البلدة مصانع قديمة تدل على قدم اختطاطها. و يذكر أنها كانت مدينة من مدن الفرس و بها جباب منقورة في الحجر الصلد تتصل بعضها ببعض، تفوت الإحصاء كثرة هي داخل البلد و خارجه، حتى أنهم يزعمون أن التي خارج البلد ثلثمائة و ستون جبا و مثل ذلك داخل البلد و عاينا نحن جملة كثيرة لا يأخذها الإحصاء. انتهى.

و في كتاب السلاح و العدة قال الشيخ جار اللّه ابن فهد (رحمه اللّه)، إن بجدة أثر رسوم قديمة تدل على قدم اختطاطها، و أنها كانت مدينة كبيرة، و أنها كانت في زمن الفرس، و هم الذين بنوا سورها الأول، و أنهم لما بنوه و أتقنوا بناه جعلوا عرض الحائط عشرة أشبار و جعلوا فيه أربعة أبواب: أحدها: باب الدومة في جهة الشام، (2) و باب المربعة في جهة اليمن، و كان عليه حجر أخضر فيه طلسم إذا سرق من البلاد شي‏ء وجد اسم السارق مكتوبا في الحجر، (3) و باب مكة في جهة القبلة، (4) و باب الفرضة مما يلي البحر. و حفروا حوالي البلد خندقا عظيما في الوسع و العمق، و كان يدور ماء البحر حول البلد و هي يومئذ جزيرة في وسط لجة البحر فلما حصّن الفرس البلد غاية التحصين و خافوا من ضيقة الماء عملوا ثمانية و ثمانين صهريجا داخل البلد و مثلها خارجا و قيل: ثلاثمائة داخلها و ثلاثمائة خارجها، ثم إن الفرس خرجوا منها و اندرست و بقيت خاوية على عروشها.

و كان سبب خروجهم فيما ذكره القاضي صلاح الدين بن ظهيرة الشافعي قاضي جدة حينئذ في تاريخه بجدة، أن والي مكة الشريف داود بن هاشم و قيل شكر بن هاشم الحسين و كان يجي‏ء إليه خراج جدة في كل عام من قضبان الحديد و النحاس، ففي بعض السنين غلط الخزندار و بعث الخراج حملا من قضبان الذهب فسكت الشريف إلى العام القابل و بعثوا إليه حملا من الحديد على حكم العادة فلم‏

309

يقبله الشريف ورده و قال: ما آخذ منكم إلا ذهبا مثل العام، فتفقدوا خزائنهم فوجدوا خزندارهم غلط و بعثوا إليه ذهبا و تعبوا لذلك، فجمع كبيرهم أعيان دولته و أكابرهم و أشار عليهم بالخروج منها لكونهم يعجزون عن ذلك في كل سنة و يعجزون عن محاربته و جعل لهم مثلا و هو، أنه أحضر لهم ثلاثة طيور أحدها صحيح سليم، و الثاني منتوف الجناح، و الثالث مذبوح و قال لهم: إن خرجتم الآن فأنتم مثل هذا الطير الحي السليم، لا يقدر عليكم و أرسله في الجو، و إن قعدتم إلى العام القابل تكونون مثل هذا المنتوف الجناح إن طردته أمسكته، و إن قعدتم إلى العام الثالث فأنتم مثل هذا المذبوح و ألقاه بين أيديهم، فاستصوبوا رأيه و أخذوا منها ما عز عليهم و يمكنهم حمله و سافروا في سفنهم بحرا و تفرقوا في البلدان يمنا و شاما و سواكن و دنكك، فلما خلت من سكانها استوطنها الأعراب من كل مكان من جميع الجهات. انتهى.

انظر: صورة رقم 320، باب مكة من الخارج و سوق البدو

انظر: صورة رقم 321، الباب الشمالي المخصص لعبور السيارات بجدة

و في الرحلة اليمانية: بندر جدة الواقعة على البحر الأحمر هي أسكلة عظيمة، و بها جمرك و ثكنات للعساكر و محجر صحي، و هي أعظم أسكلة في ولاية الحجاز و هي مدينة عظيمة شاهقة المباني آهلة بالسكان يبلغ عدد سكانها خمسين ألفا، و بها أعاظم تجار الولاية و مخازنهم بها. و ميناء جدة من أعظم الموانئ الموجودة على البحر الأحمر، و يمتاز بحر جدة بوجود شجر اليسر بقاعه و اللؤلؤ، و يوجد به أعظم أصناف السمك و أعظم الآثار، و بجدة أيضا سفراء الدول. و المسافة ما بين جدة و مكة ثمانون كيلو مترا. و بجدة قبر أم البشر السيدة حواء رضي اللّه عنها. انتهى.

انتهى من تاريخ الغازي.

ثم ذكر الغازي (رحمه اللّه تعالى) مساجد جدة و أسواقها و أحوشتها، لكن نحن ما رأينا نقلها حتى لا يطول بنا الكلام ثم ختم كلامه بقوله: و جملة أحوشتها تنوف على مائة حوش مشتملة على قصور و بيوت مرونقة، و الكشاك على البحر من أنفسها كشك حوش الشرايبي.

و أما الخانات فمنها: الخان الكبير الشهير بقصبة الهنود، و هو تجار الأقمشة، و منها خان الدلالين قريب من سوق البنط، و خان العطارين و غير ذلك. و أما

310

الحوانيت و نحوها فتنوف عن أربعة آلاف دكان، و أما القهاوي فهو نحو المائة.

انتهى ما في الجواهر المعدة. انتهى من الغازي.

و قد ظهر في وقتنا الحاضر كتاب عن مدينة جدة «تاريخ جدة» للأستاذ عبد القدوس الأنصاري. و قد طبع سنة (1384 ه) أو في التي قبلها.

الطائرات العربية السعودية بجدة

قال الغازي في تاريخه: و في 21 ربيع الثاني سنة تسع و أربعين و ثلاثمائة و ألف، وصلت إلى جدة الطيارات العربية الأربعة التي هي قسم من قوة الطيران لحكومة جلالة الملك قادمة من جزيرة دارين عن طريق البصرة. و قد كان في استقبالها جماهير كبيرة من موظفي الحكومة و الأهلين على اختلاف طبقاتهم في جانب المطار المعد لنزولها في خارج السور بجدة.

انظر: صورة رقم 322، لطائرات الحجاج بجدة

انظر: صورة رقم 323، الحجاج عند وصولهم جدة بالطائرات‏

انظر: صورة رقم 324، سفر الحجاج من جدة إلى مكة بالسيارات‏

وصول الطائرات العربية إلى الطائف‏

قال الغازي في الجزء الثالث من تاريخه: و في الساعة التاسعة من مساء يوم الخميس 3 جمادى الأولى سنة (1349) تسع و أربعين و ثلاثمائة و ألف. غادرت جدة ثلاث طيارات من قوة الطيران العربية قاصدة الطائف عن طريق جدة، بحرة، وادي فاطمة، وادي الليمون، الطائف. و بعد مضي ساعة و نصف، أي في الساعة العاشرة و النصف وصلت الطيارات المذكورة إلى الطائف. و قد كان أعد لها مكان نزولها خلف الثكنة العسكرية، فبكّر الأهلون لاستقبالها من المكان المذكور و أحاطت بأطرافه الأربعة ثلة من القوات العسكرية للمحافظة على النظام، و أعد سرادق فخم لجلوس المستقبلين. و لما ظهرت الطيارات في الأفق شرّف صاحب الجلالة الملك المعظم و الأمراء الكرام إلى المطار حيث استقبله الأهلون استقبالا فخما، و أدت الجند التحية لجلالته، و بعد أن نزلت الطيارات إلى الأرض تشرّف ضباطها بمقابلة جلالة الملك في السرادق الخاص، ثم شرّف جلالته إلى مكان الطيارات حيث تفقدها و اطلع على ترتيباتها، و في اليوم التالي ركب كل من‏

311

أنجال جلالته الأمير سعود و الأمير فيصل و الأمير محمد و الأمير خالد طائرة حلقت بهم في أفق الطائف مدة طويلة من الزمن. و في يوم الأحد عادت الطيارات المذكورة إلى مطارها في جدة. انتهى من الغازي.

أول قنصل إنجليزي بجدة

جاء في الجزء الرابع من تاريخ الغازي نقلا عن خلاصته أو نقلا عن الجواهر المعدة ما يأتي: و فيه أيضا و في سنة (1252) اثنتين و خمسين و مائتين و ألف من الهجرة، كان أول وصول قنصل الإنكليز بجدة و توطنه بها، و نصب بها بنديرة لهم أي بيرقا، و هي أول بنديرة نصبت بجدة، و لم يعهد توطنهم بها قبل ذلك و للّه الأمر من قبل و من بعد. اه. انتهى من الغازي.

و يقول صديقنا الكريم الأستاذ أحمد السباعي في كتابه «تاريخ مكة» عن التمثيل الأجنبي ما يأتي: و في أواخر هذا العهد عرفت البلاد التمثيل السياحي الأجنبي، فقد وصل أول قنصل إنكليزي إلى جدة في عام (1216) لمباشرة أعمال القنصلية فيها، فاتخذ دارا خاصة بذلك رفع فوقها راية البريطانيين لأول مرة في تاريخ التمثيل السياسي الأجنبي. و لم يكتمل القرن حتى تعدد التمثيل في جدة و أصبح للفرنسيين و الروسيين قناصل في جدة. انتهى منه.

ذكر سبب قتل القنصل الإنجليزي بجدة سنة 1274 ه

جاء في الجزء الأول من تاريخ الغازي عند ذكر فتنة جدة في سنة أربع و سبعين و مائتين و ألف ما نصه:

و ملخص هذه الفتنة إجمالا أن صالح جوهر أحد التجار بجدة كان له مركب منشور فيه بنديرة الإنكليز، و البنديرة هي البيرق فأراد أن يغيرها و يجعل فيها بنديرات الدولة العلية فسمع بذلك قنصل الإنكليز فمنعه من ذلك فلم يمتنع، و أخذ رخصة من نامق باشا فأذن له بوضع بنديرة الدولة العلية، و كتب له منشورا بذلك فوضعها و نشرها و أزال بنديرة الإنكليز فطلع قنصل الإنكليز البحر و دخل المركب المذكور و أنزل بنديرة الدولة التي نشرت و نشر بنديرة الإنكليز. و شاع أنه لما أنزل بنديرة الدولة وطئها برجله و تكلم بكلام غير لائق، فغضب بذلك المسلمون الذين في جدة فهاجوا هيجة عظيمة، و قصدوا دار القنصل و قتلوه، و ثار من ذلك فتنة

312

عظيمة قتلوا فيها غيره من القناصل الموجودين و من كان بجدة من النصارى و نهبوا أموالهم و أرادوا أن يقتلوا فرج يسر أحد التجار المشهورين بجدة، لكونه كان محاميا عن قنصل الإنكليز و معدودا من رعيتهم فاختفى، فأراد عوام الناس أن ينهبوا داره فمنعهم من ذلك عبد اللّه نصيف وكيل مولانا الشريف محمد بن عون بجدة.

و كان نامق باشا بمكة و الشريف علي باشا القائم مقام الإمارة كان قد توجه إلى المدينة المنورة لمقابلة الحج، فلما جاء خبر هذه الفتنة لنامق باشا اهتم لذلك، ثم توجه إلى جدة و سكّن الفتنة، و قبض على بعض الناس الذين نسب لهم القتل و النهب و وضعهم في السجن و أرسل إلى الدولة العلية يخبرهم بما وقع في هذه الفتنة، و طلع إلى مكة لأداء الحج، فلما كان الثالث من أيام التشريق و الناس بمنى جاء الخبر من جدة بأنه جاءهم مركب حربي للإنكليز و صار يرمي بالمدافع المحشوة بالقلل على جدة، فخرج كثير من الناس من جدة هاربين بنسائهم و أولادهم و أموالهم ركبانا و مشاة، فانزعج الناس من ذلك انزعاجا شديدا. فلما فرغ الناس من أداء مناسك الحج و نزلوا من منى عقد نامق باشا في مكة مجلسا في ديوان الحكومة أحضر فيه كثيرا من العلماء و التجار و أعيان الناس، و أحضر كثيرا من تجار جدة الذين قدموا مكة لأداء الحج و كانوا حضروا وقوع الفتنة حين وقعت بجدة، و أخبرهم بمجي‏ء المركب الحربي الذي جاء من الإنكليز و بضربه القلل على جدة، و بخروج كثير من الناس منها. و قال لهم: القصد المشاورة معكم فيما يحصل به تسكين هذا الأمر، فقال كثير من الحاضرين: إن الإسلام و الحمد للّه قوي و أهله كثيرون، و ذكروا له عدد قبائل الحجاز مثل هذيل و ثقيف و حرب و غامد و زهران و عسير و أنكم لو تعطون الناس رخصة ينفرون نفيرا عاما فيجتمع من ذلك الألوف بل اللكوك فيدفعون تعدي الإنكليز و لا يرضون أن يقع عليهم هذا الذل.

فقال لهم نامق باشا: هذا العدد الذي ذكرتموه لقبائل العرب صحيح، بل يوجد مثله أضعافا مضاعفة، لكن إذا اجتمعت هذه القبائل غاية ما يقدرون عليه أنهم يصلون إلى مكة و جدة، و بعد ذلك يدفعون هذا المركب عن جدة فيحصل من الإنكليز و غيرهم من النصارى تسلط على بقية مدائن الإسلام، لأنه ليس عندهم مراكب يعبرون فيها و لا ذخائر و لا جبخانات و لا مدافع و لا شي‏ء مما يحتاجون إليه، و أيضا مرادنا دفع هذا الضرر الآن، و لا يجتمع هؤلاء القبائل إلا بعد مدة طويلة، فلا بد من التدبير الآن في دفع هذا الضرر بالسرعة.

313

فقال بعض التجار الحاضرين: يأذن أفندينا في تغريق هذا المركب الذي جاء يرمي بالمدافع المشحونة بالقلل على جدة فإن كثيرا من أهل البحر الموجودين تحت أيدينا لهم معرفة و صناعة بتغريق المراكب يأتونها من تحت الماء، و يغرقونها ببرامات يجعلونها في المراكب؟

فقال لهم: ليس هذا صوابا فإنكم إذا أغرقتم مركبا يأتيكم بعده عشرة مراكب، فإذا أغرقتم العشرة يأتيكم مائة و هكذا فيتسلسل الأمر و لا يزول الضرر و أيضا ربما يتركون جدة و يتوجهون إلى إضرار بقية مدائن الإسلام، و إنما الأحسن في تدبير هذا الأمر أن نتداركه باللطف و حسن السياسة بأن نتوجه إلى جدة أنا و كثير من أعيانكم و نجتمع بقبطان هذا المركب و نعقد معه أمرا يندفع به الضرر فاستحسنوا رأيه، فتوجهوا إلى جدة و أخذوا معه رئيس العلماء الشيخ جمال و معه من العلماء الشيخ صديق كمال، و الشيخ إبراهيم الفته، و الشيخ محمد جاد اللّه، و شيخ السادة السيد محمد بن إسحاق بن عقيل، و تجار جدة الذين كانوا جاءوا للحج، فلما وصلوا إلى جدة صار اجتماعهم بالقبطان المذكور و عقدوا مجلسا صار القرار فيه على أنه يصير تحقيق هذه القضية و يحصل الإنتقام ممن وقع التعدي في هذه الفتنة و يكون ذلك بعد رفع الأمر إلى الدولة العلية و انتظار الجواب منها بما يأمرون به. و رضي الجميع بذلك و كتبوا به مضبطة و ختموها بأختامهم، فلما كان أواخر شهر محرم من سنة خمس و سبعين وصل إلى جدة مأمورون من طرف الدولة و معهم أناس من كبار الإنكليز و الفرنسيين، و كان نامق باشا بجدة فعقدوا مجلسا معه و اتفقوا على أنهم يحضرون المتهمين في إحداث هذه الفتنة و يقررونهم و يستنطقونهم كل واحد وحده حتى يقفوا على حقيقة الأمر و يعرفوا الذين قتلوا و الذين هجموا. فلما تم قرارهم على ذلك صاروا يعقدون مجالس لا يحضر فيها نامق باشا، و إنما يحضر هؤلاء المرخصون الذين جاءوا مرسلين من الدولة و من الإنكليز و الفرنسيين، و صاروا يقبضون على كل من صارت عليه تهمة و يحبسونه في موضع لوحده ثم يحضرون كل واحد منهم وحده و يسألونه و يستنطقونه بغاية التلطف و التعظيم و التبجيل و يحتالون عليهم بكل حيلة و يكتبون كل ما يقول.

فكان ملخص تلك الاستنطاقات أن أهل جدة الذين هاجوا في الفتنة و حصل منهم القتل و النهب قالوا: إنما كان ذلك منا بأمر من التجار و قاضي جدة الشيخ عبد القادر شيخ و الأعيان و سموا أناسا منهم، و قال الحضارم: أمرنا بذلك شيخ السادة السيد عبد اللّه باهارون، و كبير الحضارم الشيخ سعيد العامودي. و قال‏

314

شيخ السادة، و سعيد العامودي، و قاضي جدة و بقية التجار و الأعيان: إنما كان ذلك منا بأمر من إبراهيم آغا القائم مقام نامق باشا. هذا ملخص استنطاقاتهم فإنها تتضمن الاعتراف بما وقع و الاعتراف بأنهم تسببوا لذلك إلا أنهم أسندوا ذلك لسعيد العامودي و عبد اللّه المحتسب و القائم مقام نامق باشا. و كان نامق باشا و هو بجدة يرسل إليهم سرا و يقول لهم: الحذر أن تقروا بشي‏ء من ذلك فإنه يصير عليكم ضرر كثير، فلم يمتثلوا ذلك بل أقروا بذلك و سببه أن المرخصين الذين حضروا من الدولة و الإنكليز و الفرنسيس كانوا يتلطفون بهم و يعظمونهم و يحتالون عليهم بكل حيلة و يقولون لهم: أخبرونا بالواقع و لا يحصل لكم ضرر، و يسألون كل واحد وحده فإذا نطق بشي‏ء مخالف للواقع يقولون له: إن فلانا و فلانا أخبرا بما هو كذا و كذا، و ذلك يخالف ما تقول و لا يزالون به حتى يطابق كلامه كلام غيره.

فلما انتهت الأسانيد كلها إلى إبراهيم آغا القائم مقام نامق باشا أحضروه و سألوه فأنكر جميع ما نسبوه له و كذبهم و لم يقر بشي‏ء، فاحتالوا عليه بكل حيلة فلم يقر بشي‏ء، فحبسوه في موضع وحده ثم حكموا عليه بالنفي مؤبدا، ثم بحثوا أيضا عن الأشخاص الذين حصل منهم القتل و النهب فعرفوهم و حبسوهم، ثم تشاور هؤلاء المرخصون المرسلون من الدولة العلية و من الإنكليز و الفرنسيس فيما بينهم، و اتفقوا على أنه يقتل عبد اللّه المحتسب و سعيد العامودي و نحو اثني عشر نفسا من عوام الناس الذين وقع منهم القتل، و أنه ينفى من جدة شيخ السادة و قاضي جدة و بعض التجار بعضهم مؤبدا و بعضهم إلى مدة مؤقتة و يحبس كثير من الذين وقع منهم النهب بعد أن أحضروا كثيرا مما أخذوه، و أن ما بقي من الأموال المنهوبة يأخذون قيمته من الدولة العلية. فلما تم قرار مجلسهم على ذلك كتبوا به مضبطة و ختموها بأختامهم و أعطوها لنامق باشا و طلبوا منه تنفيذ ذلك على ما جاؤوه به من الأمر بالدولة فإنهم جاؤوه بأوامر فيها الأمر له بتنفيذ ما يتفقون عليه فنفذه فأخرجوا عبد اللّه المحتسب و سعيد العامودي من الحبس فقتلوهما في سوق جدة على رؤوس الأشهاد و قتلوا الإثني عشر الذين من عوام الناس خارج جدة.

و كان ذلك اليوم يوما مهولا في جدة اشتد فيه الكرب على جميع المسلمين، ثم نفوا من حكموا عليه بالنفي، فمنهم من قضى السنين التي وقتوها له و رجعوا إلى جدة، و منهم من مات و لم يرجع إليها. فمن الذين رجعوا: الشيخ عبد القادر

315

شيخ قاضي جدة، و الشيخ عمر بادرب، و الشيخ سعيد باغلف، و من الذين لم يرجعوا و توفوا و هم منفيون: السيد عبد اللّه باهارون، و الشيخ عبد الغفار و الشيخ يوسف باناجه (رحمه اللّه تعالى)، و قبضوا من الدولة العلية قيمة بقية الأموال المنهوبة و كان شيئا كثيرا. هذا ملخص تلك الفتنة باختصار، و لا حول و لا قوة إلا باللّه، فإن هذه القضية كانت من أعظم المصائب على الإسلام. انتهى ما ذكره العلّامة السيد أحمد دحلان في خلاصة الكلام.

و في سنة (1311) ألف و ثلاثمائة و إحدى عشرة ساق الإنكليز مراكبهم مرة أخرى إلى جدة عندما قتل الأعراب وكيل القنصل الإنكليزي و جرحوا وكيلي القنصل الفرنساوي و الروسي. و كانوا تجاوزوا الحد المضروب لهم خارج البلد و كلهم مسلمون من الأهالي الذين لم يحسنوا سيرتهم مع إخوانهم من مواطنيهم، ارتكانا على الحماية الأجنبية، فحضر الشريف عون من مكة لهذا الأمر الذي انتهى بالصلح و سفر المراكب من غير ضرب. ذكره في الرحلة الحجازية.

و في سنة ألف و مائتين و ست عشرة جدد أمير مكة سيدنا الشريف غالب ما تهدم من سور جدة و أتقنه إتقانا زائدا و مكّن أبراجه، و بنى من جهة البحر كشكا له مشرفا على المرسى و غيرها. انتهى ما ذكره في الجواهر المعدة. انتهى من الغازي.

قتال الشريف أبي نمي الإفرنج حين قصدوا جدة

جاء في الجزء الرابع من تاريخ الغازي ما نصه: قال العلّامة السنجاري (رحمه اللّه تعالى) في «منائح الكرم» نقلا من «الإتحاف» للسمرقندي المدني أنه في أواخر سنة (948) تسعمائة و ثمان و أربعين هجرية، دخلت طائفة عظيمة من الإفرنج و خربت غالب البنادر، فلما قصدوا جدة المعمورة نزلوا المرسى المعروف بأبي الدوائر في خمسة و ثمانين برشة مشحونة بالرجال و السلاح، فقاتلهم الشريف أبو نميّ بنفسه و ترك الحج، و شخص ابنه معه و نزل إلى جدة في جيش عظيم بعد أن أمر بالنداء في نواحي مكة من صحبنا فله أجر الجهاد و علينا السلاح و النفقة، فبلغ أهل الجهاد مبلغا عظيما و نفقة مولانا الشريف شاملة للجميع و عيون الكفار تدور عليهم كل حين فتشاهدهم يزيدون عددا و عددا و عيشا رغدا و خدام مولانا المشار إليه يتوجهون إلى أطراف البلاد و يحضرون بأنواع الطعام بأغلى ثمن حتى فرغت‏

316

الحبوب و كادت تعدم فدخروها للخيل، و أقبلوا على نحر الإبل، فكان مولانا الشريف يأمر بأن ينحر لكل مائة نفس بدنة ناقة أو بعير، و استمر ذلك مدة فقال له بعض الناس: إن هذا الفعل يستأصل ما عندك من الإبل. فأجابه بأني نويت أن أنحر ما أملكه و يملكه أولادي و أحفادي فإذا نفدت الإبل نحرت الخيل، ثم كل حيوان يجوز أكله. فلما قرب زمن الحج برز أمره إلى ابنه الشريف أحمد بن أبي نميّ أن يقابل الأمراء و يلبس الخلع الواردة و يحج بالناس على عادة أجدادي. فلما وصل أمراء الحج توجهوا للقاء مولانا الشريف أبي نميّ بجدة لإلباسه الخلع فلاقاهم و هو شاكي السلاح لابسا درعه في هيئة المقاتل. و لما أن قرب الأمراء أمر بطلق المدافع فأطلقت لمقابلتهم نحو ثلثمائة مدفع، فألبسوه الخلع الواردة صحبتهم و انصرفوا راجعين. و لما رأى الكفار صبره و حصاره انقلبوا خاسئين، و لما بلغ حضرة مولانا السلطان سليمان خان ذلك زاد في إكرام المشار إليه و سمح له بنصف معلوم جدة إلى غير ذلك من الإنعامات التي لا تحصى اه. انتهى من الغازي.

انظر: صورة رقم 325، مركز الشرطة بين جدة و مكة

انظر: صورة رقم 326، مركز الشرطة بين جدة و مكة

بناء سور جدة

جاء في الجزء الرابع من تاريخ الغازي ما نصه:

قال الشيخ عبد القادر الخطيب في السلاح و العدة: و سبب عمارة السور الموجود بواقيه الآن، أنه لما حصل بمكة وجدة المحروسة خلف و نهب و سفك و فتك من بعض عربانها البغاة و بدوانها الطغاة و هم بنو إبراهيم من أهل ينبع و زبيد و من تبعهم من أهل الفساد و الزيغ و العناد خرجوا من الطاعة و خالفوا من أوامره و نواهيه و نهبوا مكة و جدة و معهم طائفة من عصاة الشراكسة يسموا العادلية. و لم يكن حينئذ على جدة سور، و أخرجوا الخواجه محمد يوسف القاري من بيته و حملوه على فرسه و وصلوا به إلى زبيد طائفة مالك ابن رومي، و لم يفكوه إلا بجعل من المال. و بلغ ذلك السلطان الغوري، فبعث الأمير غيث المرجى في طائفة من العسكر نحو ألف فارس غير الرماة و المشاة و ذلك في سنة (908) لقتال العربان المذكورين و هم يومئذ بينبعهم متحصنون بها و أميرهم السيد هزاع بن محمد بن بركات. و لما بلغ المذكورين وصول الأمير غيث المرجى بعسكره، خرجوا من ينبع‏

317

هاربين و انقلبوا على أعقابهم ناكصين ثم كاتبوا الأمير غيث بالعهود و المواثيق و أنهم يرجعون عن الفساد و يسمعوا و يطيعوا من غير مخالفة و لا عناد، فتوجه العسكر إلى مكة المشرفة و قضوا مناسكهم و كتبوا للسلطان الغوري صورة العهود و المواثيق و أقاموا بمكة إلى أن جاءهم الجواب بأنهم يحلفونهم بالإيمان المغلظة فحلفوهم، و كان ذلك في بطن وادي على أنهم يستمروا على الطاعة. و توجه العسكر إلى الديار المصرية، ثم إن البغاة المذكورين نكثوا العهد و المواثيق و لم يفوا بالعهود و لم يستمروا إلا على الطغيان و نهبوا مكة المشرفة و جدة، و أظهروا فيها الفساد. و كان بمكة حينئذ شرذمة من عسكر الغوري فساروا إليهم و قتلوهم في ينبع قتلا فظيعا و هتكوهم هتكا بليغا، و غنموا منهم الغنائم و أدخلوا حينئذ السيد بركات و أخوه السيد قايتبائي إلى مكة لحراستها و حمايتها، و وجدوا طائفة من البغاة المذكورين جاءوا إلى جدة مكسورين و أرادوا نهبها و بها حينئذ الخواجة محمد يوسف القاري، فاستعد لقتالهم بمن في جدة من التجار و غيرهم. و حين بلغ البغاة وصول السيدين الشريفين المشار إليهما آنفا خرجوا هاربين و انقلبوا خاسرين. و بلغ السلطان الغوري ذلك فجهز الأمير حسين و من معه من العسكر و الأمير علي السلاتي و معه عسكر و الجميع من أغربة، و جاءوا إلى ينبع و فرقوا شمل العدو و قتلوا من بغا منهم، و حرقوا البلاد بالنار و وصلوا إلى جدة و شرع الأمير حسين في عمارة السور فتمت عمارتها في تسعة من الشهور بأبراجه، و دار النيابة و مصلى العيد، و ذلك في سنة تسعمائة و إحدى عشر. و كان طول أساس السور المذكور في الأرض اثنا عشر ذراعا و طول المحيط بالبلد من جهة القبلة و اليمن و الشام ثلاثة آلاف ذراع من غير الأبراج، هكذا مذكور في كتاب السلاح و العدة. و في كتاب تبسم الزهور في ثغر جدة المعمور للشيخ نجم الدين بن علي بن يعقوب المدني ثم المكي ثلاثة آلاف ذراع و مائة و سبعة عشر ذراعا بذراع العمل من غير الأبراج. انتهى. و هي ستة أبراج دور كل برج منها ستة عشر ذراعا بجدرانه، و عرض جدار السور أربعة أذرع. و أما الأبراج فطول الشامي و اليماني من على وجه الأرض خمسة عشر ذراعا و البرجان القبليان الملاصقان لباب البلد المسمى أحدهما باب الفتوح و هو الأيمن، و الآخر باب النصر و هو الأيسر. و في كتاب تبسم الزهور: و أما البرجان البحريان فقد نزل بهما الغواصون في البحر اثنا عشر ذراعا بالعمل، و طولهما أيضا كذلك. انتهى. و جميع ما ذكرناه من الأذرعة فبذراع العمل، و هو ذراع و نصف بذراع الحداد، و جملة ما أصرف على السور

318

المذكور و توابعه من الأبراج و دار النيابة المعروفة بفرضة السلطان و جامعها الموجود بها الآن و مصلى العيد و حفر الخندق حول البلد مائة ألف دينار غوري. و كان صرف الدينار حينئذ ثلاثين محلقا كبيرا في المعاملة. انتهى.

و في الإعلام: من آثار الأشرف الغوري بناء سور جدة فإنها كانت غير مسورة، و كانت العربان في أيام الفتنة تهجم على جدة تنهبها، و أسرت عربان زبيد في أيام الفتن الخواجه محمد القاري، و كان من أعيان التجار من أهل الاعتبار فهجموا إلى بيته و أنزلوه من السطح و أركبوه معهم على ظهر فرس ارتدفه واحد من أهل زبيد و أخذوه إلى أماكنهم و هو قرب عقبة السويق من درب المدينة الشريفة عندهم إلى أن اشترى نفسه بثلاثين ألف درهم فردوه إلى مكة بعد أن استوفوا هذا القدر منه، و نهبت جدة مرارا في الفتن التي وقعت بأرض الحجاز بعد وفاة المرحوم الشريف محمد بن بركات بين أولاده. و جرت أحوال يطول شرحها فأرسل السلطان الغوري أحد أمراء المقدمين و هو الأمير حسين الكردي، و جهز معه عسكرا من الترك و المغاربة و اللون نحو خمسين ضرّابا لدفع ضرر الغرتفال في بحر الهند، و كان مبادي ظهورهم و أمره بدفع الفتن الواقعة إذ ذاك في جدة و جعلها له إقطاعا، فلما وصل الأمير حسين الكردي إلى جدة بنى عليها سورا في سنة سبع عشرة و تسعمائة و هو الباقي إلى الآن. انتهى من الغازي.

ثم قال الغازي: و في سنة ألف و مائتين و ست عشرة جدد أمير مكة سيدنا الشريف غالب ما تهدم من سور جدة و أتقنه إتقانا زائدا و مكّن أبراجه، و بنى من جهة البحر كشكا له مشرفا على المرسى و غيرها. انتهى ذكره في الجواهر المعدة.

انتهى من الغازي.

هدم سور جدة

لقد هدم سور جدة في أوقات متفرقة، و كان الهدم العمومي في عام (1367 ه)، حيث تم هدم السور من جميع جهاته الأربع و لم يبق منه شي‏ء، و كانت للسور ثلاثة أبواب: باب شرقي و يسمى «باب مكة» و باب شمالي و يسمى «باب جديد» و باب جنوبي و يسمى «بباب شريف» و كان لكل باب منها برجان عن يمين الباب و عن شماله، و للأبراج نوافذ كبار لوضع المدافع و ثقوب صغار لرمي الرصاص من البنادق، و في أعلى البروج متارس لوقوف الجنود عند

319

الحاجة. و كان هناك خندق خارج السور يحيط به من جميع الجهات، و رأس الخندق متصل بالبحر الأحمر من الجهة الشمالية لذلك يمكنهم ملؤه بالماء في بضع ساعات، و بذلك يصعب للعدو الاستيلاء على جدة. و مما يجب ذكره أنه لما صار السفر في عهدنا الحاضر من جدة إلى مكة بل إلى جميع جهات المملكة بالسيارات بدلا عن الجمال، فقد عملت الحكومة السعودية طريقا خاصا لها معبّد بالإسفلت و ذلك سنة (1357) ألف و ثلاثمائة و سبع و خمسين من الهجرة، و قد حدث هذا لأول مرة في التاريخ.

عدد منازل جدة و سكانها قديما و ماؤها و تجارتها و قبر أمنا حواء

قال الغازي: و في الرحلة الحجازية «و مؤلفها البتنوني الذي حج في عام (1327 ه) ألف و ثلاثمائة و سبع و عشرين من الهجرة» و تحتوي جدة على نحو (3500) منزلا مبنية بالحجر الجبلي الذي يأتون به من الجبال القريبة أو الحجر المائي الذي يقطعونه من شعاب البحر، و هو خفيف جدا إلا أن خطره جسيم، و ضرره عظيم، لأنه قابل للإلتهاب بسرعة لما يحتويه من المادة الفصفورية التي توجد فيه بكثرة. و لمحمد علي باشا في هذه المدينة مبان كثيرة منها: دار الولاية و دار البلدية و ثكنات العساكر و غيرها. و ماء الشرب فيها من الصهاريج القديمة التي تملأ من ماء المطر أو العيون الموجودة خارج المدينة. و كلما قربت تلك العيون من البحر كانت مياهها مالحة غير صالحة للشرب، و فيها مواسير كان وضعها عثمان باشا نوري سنة (1302) و سير الماء فيها من عين الرغامة التي تبعد عن المدينة شرقا بنحو عشرة كيلو مترات، و هي الآن منهدمة. و قد اهتمت بلدية المدينة بإصلاحها و لكن يظهر أن الحكومة لا يمكنها عمارتها إلا بمعونة الأهالي و هم لا يساعدون على ذلك لأن لهم مصلحة في بيع مياه صهاريجهم على الحجاج بأثمان باهظة، و في هذه المدينة كنداسة لبعض الفرنجة لتكرير مياه البحر و بيعها للناس.

و جدة مركز تجاري كبير، و يمكنك أن تقول أنها الثغر العمومي للحجاز، فمنها صادراته و إليها وارداته، و تجارتها تكاد تنحصر في أصداف اللؤلؤ و المرجان و اليسر و السبح و الأقمشة الحريرية و العطر و العطارة و البقالة الجافة و القرب و الجلود و السجاجيد و جميع ما يهم الحاج. و تعداد أهل هذه المدينة لم يحصل بصفة رسمية

320

و هو يبلغون خمسين ألفا على أضبط تقدير، منهم عشرة آلاف من الأجانب المسلمين بين فرس و حضارم و هنود و بخاريين، أما الفرنجة فيبلغ عددهم مائة أو يزيدون قليلا، و أغلبهم من الأروام. و يوجد خارج هذه المدينة من جهة الجنوب مدفن للنصارى محاط بسور عال و عليه خفير من الأعراب لا يدع أحدا يدخل فيه من غير ذويه.

أما مدافن المسلمين فإنها في الجهة الشرقية على مسافة نحو كيلو متر من بابها الشرقي الذي يسمونه باب مكة. و عليها سور يفتح بابه للغرب، فإذا دخلت من هذا الباب وجدت أمامك رأس قبر طويل ضارب إلى الشمال بمسافة مائة و خمسين مترا على ارتفاع متر و في عرض نحو ثلاثة أمتار، و هو ما يسمونه قبر أمنا حواء، و هو أشبه شي‏ء بقناة مسدودة من طرفها الجنوبي بثلاث حوائط من مربع ينقصه الحائط الشمالي الذي هو من جهة القبر. و طول كل حائط أربعة أمتار في ارتفاع مثلها، و في كل منها شباك تخرج منه فروع عوسجة كبيرة تكاد تسد فراغ هذا المربع الذي هو مكان الرأس عندهم، و في نهاية هذا المستطيل من جهة الشمال حائط يبلغ ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار في وسطه من أعلاه شرفة تحتها شباك يطل على القبر من جهة القدمين، و في نحو ثلثي طوله من جهة الرأس فيه يفتح بابها إلى الغرب، و فيها شباكان يشرفان على جهتي القبر، و في وسطها مقصورة من الخشب عليها ستر من الجوخ فيها باب مقابل لباب القبة يقولون: هذا مكان السرة الشريفة فيه حجر من الصوان يبلغ طوله نحو متر محفور من وسطه.

و لما قصد الشريف عون الرفيق هدم قبتها فيما هدم من القباب بمكة قام في وجهه قناصل الدولة و حالوا بينه و بينها بدعوى أنها ليست أم المسلمين وحدهم اه. أقول قد هدمت هذه القبة في سنة (1344). انتهى من الغازي.

انظر: الصور أرقام 327، 328، 329 لمركز الشرطة بين مكة وجدة.

يقول المرحوم أمير اللواء البحري أيوب صبري باشا في الجزء الثالث من كتابه «مرآة الحرمين» الذي ألفه باللغة التركية سنة (1280 ه) ألف و مائتين و ثمانين هجرية تقريبا. و طبع بالقسطنطينية سنة (1306) هجرية أنه كان لسور جدة ستة أبواب: (1) باب مكة، و يقع شرق جدة، (2) و باب المدينة، و يقع في شمال جدة، (3) و باب الشريف، و يقع في جهة اليمن، (4) و باب الشهداء، و يقع‏

321

جهة البحر، (5) و باب المغاربة، و يقع جهة البحر أيضا، (6) و باب البحر، و يقع جهة الغرب. و لسور جدة برجان أحدهما «برج ليلى» و ثانيهما «برج مجنون ليلى».

ثم ذكر أيوب صبري باشا (رحمه اللّه تعالى) في كتابه المذكور بعض مرافق جدة، كما يأتي:

عدد/ المرفق‏

1/ قشلة للجنود.

1/ محل للحبس.

5/ جوامع.

30/ مسجد.

1/ دائرة حكومية.

1/ دائرة للجمرك.

7/ مدافن.

2/ برج.

300/ صهريج للماء.

1/ حمّام.

900/ دكّان.

40/ قهوة.

47/ فرن.

1/ فابريقة للدقيق «أي طحن الحبوب بآلة الماكينة».

47/ طاحونة حجر للحبوب تديرها الحيوانات.

10/ دكاكين طباخة.

1/ دكان لبيع البويات.

2/ لو كاندة «فندق».

30/ خان «أي محلات عامة للمبيت».

عدد/ المرفق‏

1/ محل لبيع الحوت «السمك».

1/ مستشفى.

1/ أجزاخانة «صيدلية».

1/ فابريقة للصدف.

1/ مدرسة رشدية.

10/ كتاتيب للصبيان.

1/ دائرة كرنتينة.

1/ دائرة للتلغراف «للبرقيات».

1/ مجزرة «سلخانة».

2/ محل للنورة.

1/ محل لبيع الغاز.

4/ أحواض.

9/ حنفيات للماء عمومية «أي بزابيز ماء».

1/ قلعة.

1/ دائرة بلدية.

6/ قره أو لخانه «لم نفهم معناها».

1/ سفائن؛ صودبوسي «أي مستودع الماء للسفن».

322

انتهى مترجما من كتاب «مرآة الحرمين» الذي باللغة التركية لأيوب صبري باشا. أما الآن فقد أصبحت جدة مدينة عظيمة، و بها من المرافق و الدكاكين ما لا يعد و لا يحصى، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شي‏ء.

عمران جدة بعد سنة 1334 هجرية

جاء في تاريخ الغازي، نقلا عن جريدة القبلة، التي كانت تصدر بمكة، ما يأتي: من ابتداء النهضة «أي نهضة الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز الأسبق، (رحمه اللّه تعالى)، و هي كانت سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة إلى شهر صفر سنة 1337 ه»، أصلحت في جدة ثكنتها العسكرية، و عمرت باب النافعة، و أنشئت دائرة رئيس هيئة المراقبة، و دائرة البريد و البرق، و دائرة رئيس المرفأ، و عمّر تحت الدائرتين الأخيرتين باب الصبة، و مخفر الشرطة، و عمرّ في دائرة الجمرك ثلاث مخازن كبيرة عند الميناء تستوعب مائة ألف كيس.

و أنشئ مخزن الذخائر الحربية، و أصلحت المخازن القديمة، و أحدث تعديل في شارع الاسكله، و عمّر باب مكة بمداخله الثلاثة، و أحدث باب المغاربة من جديد و أصلحت الأسوار و زينت كل الدوائر الرسمية بالأمرة العربية الجديدة. و آخر ما أقامته الحكومة من معالم العمران في جدة افتتاحها الشارع الجديد الذي سمي الشارع القابلي، و هو يبتدئ من باب الصبة و ينتهي بمسجد المعمار و ينفذ منه إلى باب مكة إلا أن هذا الشارع يبتدئ بدائرة الجمرك و البحر و ينتهي بباب مكة، و سيفتح من هذا الشارع منفذ إلى سوق الحراج فيتصل الشارعان بشكل متعارض. و قد أنشئت فوق دكاكين الشارع الجديد غرف جميلة تكون مكاتب لأصحاب تلك الدكاكين. انتهى ذكره في جريدة القبلة. انتهى من الغازي.

ازدياد العمران و السكان بجدة

كانت جميع منازل جدة، قبل هدم سورها سنة ألف و ثلاثمائة و سبع و ستين من الهجرة في داخل سورها إلا بضعة بيوت تعد على الأصابع كانت خارجة عن سورها. و كانت بيوتها من حجارة صخور جدة المائية، و هي حجارة بها ثقوب كثيرة صغيرة من فعل ماء البحر و الرطوبة يقال عنها أنها إذا لم تستتر هذه الحجارة بعد بناء البيوت بها بالنورة فإن ثقوبها تزداد اتساعا فتتلف سريعا.

323

و لما كانت طبيعة جدة رطبة ندية انطبعت بيوتها و منازلها بشكل خاص فإن لون خشب منازلها من الأبواب و الشبابيك و غيرها يضرب إلى لون الرماد.

و لما أنعم اللّه عز و جل على أهل البلاد بالمال و الغنى، و كثر الماء بجدة بفضل عناية جلالة مليكنا الراحل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى) انتعش أهل البلاد و اهتموا بناحية العمران و التجارة اهتماما زائدا، فبلغت جدة أضعاف أضعاف ما كانت عليه من عدد سكانها و ازدياد مبانيها و عماراتها. تلك العمارات التي بنيت على الطراز العصري الحديث بالإسمنت المسلح بالحديد و بالطوب العربي و الافرنجي حتى صارت تضاهي البلاد الخارجية.

و لقد امتد العمران بجدة في زماننا هذا من جميع جهاتها، ما عدا الجهة البحرية طبعا، فمن جهة المدينة امتد نحو أربعة عشر كيلو مترا، و من جهة مكة نحو عشرة كيلو مترات، و من جهة اليمن أي الجنوب نحو خمسة كيلو مترات.

أما سكانها الآن فلا تتجاوز ربع مليون نسمة على وجه التقريب بعد أن كانت إلى سنة (1360) لا تتجاوز العشرين الألف. و الأسباب الداعية إلى ازدياد السكان بجدة كثرة توفر المياه بها و الأمن الشامل و ازدهار العمران بها، و فتح باب الهجرة إليها بسبب حرب فلسطين و غيرها و كثرة الأعمال بها.

انظر: صورة رقم 330، أحد الشوارع القديمة بجدة قبل سنة 1365 ه

انظر: صورة رقم 331، بعض المنازل بجدة

انظر: صورة رقم 332، بعض المنازل بجدة

انظر: صورة رقم 333، شارع الملك عبد العزيز (رحمه اللّه) بجدة

ضواحي جدة قديما و حديثا

نقصد بالضواحي الأحياء المحيطة بجدة، و هذه النواحي كانت مفصولة عن جدة إلى سنة (1355) خمس و خمسين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة، فلما كثر سكان جدة و امتد عمرانها إلى جميع جهاتها اتصلت هذه الضواحي و النواحي بالمنازل الحديثة المتصلة هذه بالمنازل القديمة فأصبح الجميع بلدة واحدة.

فإذا تكلمنا عن الضواحي القديمة فيكون باعتبار ما قبل السنة المذكورة و هي سبعة ضواحي كما يأتي:

1) النزلة اليمانية: و تبعد عن مدينة جدة بمسافة ساعة بالقدم تقريبا.

2) بني مالك أو النزلة الشمالية: و تبعد عن المدينة مسافة ساعتين بالقدم تقريبا.

324

3) الرويس بالتصغير بقسميه التحتاني و الفوقاني: و هي بجهة الشمال قريب من الساحل. و تبعد عن جدة بنحو ساعتين بالقدم تقريبا.

4) الكندرة: بفتح الكاف و سكون النون، و تبعد عن المدينة بمسافة ساعة سير بالقدم.

5) البغدادية: و تبعد عن المدينة مسافة ساعة بالقدم.

6) الشرفية: بفتح الشين و الراء، و هي بين الكندرة و البغدادية.

7) السبيل: كان يسمى رأس القائم و كان بناؤه حوالي سنة (1305) خمس و ثلاثمائة و ألف، و يسمى السبيل أيضا «القبة».

انظر: صورة رقم 334، لمسجد في طريق جدة

و أما الضواحي الحديثة التي أنشئت بعد السنة المذكورة فهي أربعة ضواحي كما سيأتي:

1) العمّارية: و هي قريبة من جدة.

2) الهنداوية: و تبعد عن جدة بنحو أربعين دقيقة.

3) النزلة الجنوبية أو الثعالبة: و تبعد عن جدة مسافة ساعتين بالقدم.

4) مدينة الحجاج: و تبعد عن جدة بنحو ساعة بالقدم تقريبا و قد تأسست في عام (1369 ه) و تم بناؤها في عام (1373 ه).

و كل هذه الضواحي القديمة و الحديثة في وقتنا الحاضر تعتبر من نفس مدينة جدة، و كلها آهلة بالسكان و العمران، و بها مباني فخمة و عمارات بالإسمنت المسلح مزودة بالكهرباء و أنابيب المياه.

أنواع المياه التي كانت بجدة

كانت جدة تعاني أزمة كبيرة في الماء، و كان بها ثلاثة أنواع من المياه:

«أولها» تسمى «ماء الكنداسة» و الكنداسة عبارة عن ماكينة خاصة لتكرير ماء البحر المالح فيعود عذبا صافيا كما سيأتي الكلام عنها، و هذا الماء يشربه الأغنياء و الأعيان و سفراء الدول الخارجية فيستعملونه فقط للشرب و الطبخ و الشاي و القهوة، «و ثانيها» ماء الآبار و الصهاريج و الحفر التي تتجمع فيها مياه الأمطار.

و هذا الماء يستعمل أيضا في الشرب و الطبخ و الشاي و القهوة و نحوها، و أحيانا إذا كثرت الأمطار يحمّلون الجمال بالماء من الآبار التي في بعض نواحي جدة كبئر

325

بريمان و بئر عسيلة و نيسان و يأتون بها إلى جدة فيبيعونها، و ماء هذه الآبار عذبة.

«و ثالثها» ماء الرديخ و هي الماء المستخرج بواسطة الدلاء من الآبار المحفورة في وسط البلدة القديمة، و هي مالحة غير صالحة لنحو الشرب، و إنما تستعمل في الاستنجاء و غسيل بيوت الخلاء ورش الأرض و نحو ذلك، و كلما حفرت بئر قريب من البحر كلما زادت ملوحتها.

الكنداسة

الكنداسة: آلة ميكانيكية تركب بجانب البحر فتكرر الماء و تقطرها كالبخار، فالماء الحلو المقطر يذهب إلى مواضع خاصة لاستعمال الناس، و الماء المالح المنفصل من الآلة يجري إلى البحر ثانيا.

جلبت الحكومة التركية كنداسة صغيرة لبلدة جدة في عام (1327 ه)، و كان موقعها في موقع بناية خفر السواحل الحالي، و استمرت تلك الكنداسة في العمل إلى عام (1333 ه)، ثم استحضرت الحكومة التركية كنداسة كبيرة التي كان موقعها في محل الكنداسة الحالي خلف بيت البغدادي من الجهة الغربية. و في تلك السنة احتفلت الحكومة التركية احتفالا بهيجا بمجي‏ء الكنداسة الكبيرة و مجي‏ء مكائن الثلج في ذلك الوقت و كان الناس في تعب شديد بسبب المياه.

تشكيل هيئة من أهالي جدة للبحث عن منابع الماء سنة (1327)

قال الغازي: في أول الجزء الثالث من تاريخه عند الكلام على تولية الشريف الحسين بن علي أميرا على مكة من قبل الدولة العثمانية «أي ملك الحجاز الأسبق فيما بعد» ما يأتي:

فعند وصول الشريف حسين بن علي من الأستانة إلى جدة و ذلك في 9 ذي القعدة سنة (1326) ست و عشرين و ثلاثمائة و ألف هجرية، استقبل دولته من أهالي جدة و من أهالي مكة الذين حضروا لاستقباله، فاستقبلهم باللطف و البشاشة، ثم ارتجل خطبة بليغة موجزة.

و بعد أن ذكر الغازي نص خطبته في تاريخه قال ما يأتي:

326

و قد تشكلت هيئة من خيرة الأهالي بجدة بقصد البحث و التنقيب عن منابع المياه التي تكون بقرب جدة رفعا للضرورة الشديدة المستمرة بها من جراء فقدان الماء الصالح للشرب، و قد كانت هذه الهيئة تبذل كل مجهودها في تشكيل شركة وطنية يناط بها جلب ما يظهر من الماء الصالح للشرب إلى جدة و أنها استحضرت مهندسا لهذه الغاية.

و لما وصل سمع الأمير الكريم و هو بجدة هذه الهيئة الرشيدة سر كثيرا بها و بأعمالها المهمة الوطنية، و في الوقت ذاته تبرع بالقسط الذي يخص دولته من رسم التخريجية و هو قرشان «على كل جمل» بأمل تسهيل أمر هذه الهيئة و الوصول إلى الغرض المطلوب بما أمكن من السرعة.

و مجموع ما يتحصل من هذا المقدار في السنة يبلغ نحو ثلاثة آلاف من الجنيهات، فتبرع أميرنا الجليل بمثل هذا المبلغ المهم لمثل هذه الغاية الشريفة، هو من الأريحيات العربية العالمية التي تعهدها الأمة و يعهدها تاريخها في بيت النبوة الكريم.

انتهى من الغازي.

قال الغازي في الجزء الثالث من تاريخه: و في سنة (1339) تسع و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة، أمرت الحكومة الهاشمية بمباشرة العمل لجلب المياه إلى جدة، و استحسنت بحث آبار الوزيرية للاستفادة بالمجرى الذي تأسس لمياهها منذ العهد المعلوم فباشروا العمل فيها بجد و اجتهاد، و بعد ما مضى شهرين تفجرت ينابيع الماء بها و جرى إيصاله إلى جدة بواسطة محرك بخاري، و هو ماء في غاية الحلاوة و العذوبة، و قد أبرق متولي رئاسة ذلك العمل رئيس المحاجر العمومية إلى جلالة الملك هذا نصها: توجهت اليوم صباحا إلى الوزيرية و أتممت العمل و مشت المياه بكل سهولة بمنّه و توفيقه و رضاء جلالة مولانا المعظم فإذا امتلأ بالماء غدا البازان الكائن بداخل البلدة سيجري فتحه للعموم، و ذلك حرصا على صفاء الماء خشية مما يحدث عند جريانه في المجرى المذكور لانقطاعه عن الماء تلك المدة الطويلة، و لذا أسرعنا بالعرض لأعتابكم الملوكية، أطال اللّه بقاءكم. انتهى. جاء الخبر بعد ذلك أنه تأخر امتلاء البازان المذكور عن الموعد المقرر بسبب أن القسم المعمول بالبرابخ من مجرى الماء المذكور تفزّر عند مرور الماء به، و أن التعمير جار فيه بهمة و نشاط.

327

و في تاسع محرم الحرام سنة (1340) تم إصلاح مجرى ماء الوزيرية و وصلت مياهها إلى جدة و افتتح بازانها المخصوص بالبلدة للاستقاء منه، ثم حصل خراب من جراء السيل الذي مر بها، فبادرت الحكومة بإصلاح ما اعتراها من آثار السيل، و تم إصلاحها و جرى ماؤها و امتلأ بازان جدة منها. و في عشرين شعبان من السنة المذكورة استقى الجمهور منه حتى بقي به ما زاد عن حاجتهم، و ظل الماء يجري بكثرة و يصب في البازان المذكور. انتهى من الغازي.

وصول عين الوزيرية إلى جدة

جاء في الجزء الرابع من تاريخ الغازي ما نصه: و قال العلّامة الطبري في إتحاف فضلاء الزمن في ذكر حوادث سنة (1135) ألف و مائة و خمس و ثلاثين هجرية، بلغنا أن علي باشا اقتضى رأيه على أن يدخل العين إلى جدة، و سرح معلمين ليحفروا عن العين، و أرسل إلى الشيخ سالم البصري يطلبه برابخ بثمنها ليمشي بها العين، فأرسل إليهم فوق مائتين بربخ من الكبار، و هذه العين في السبيل بقرب جدة، و كان أدخلها إلى جدة في حدود سنة تسعين و ألف معمار يقال له أحمد كردو، عمّر حماما بجدة و دارا و حوشا كبيرا وصل إليه العين المذكورة جرّها ببرابخ حتى دخلها، لأنها كانت ضعيفة جدا. و كان يحصل عندها صياح و خصام فسدّها سليمان باشا. و لما جاء هذا الباشا استقرى هذا العين فوجد أصلها فوق السبيل فسرح لها كما ذكرنا عمالا. انتهى.

و السبيل المذكور هنا: هو مكان قريب من جدة بينهما نحو ساعتين أو أقل سيرا بالقدم، و يطلق عليه القبة، كما يطلق عليه رأس القائم.

قال الغازي بعد ما تقدم: و في كتاب دليل الحج لصادق باشا أن عثمان نوري باشا في سنة (1302) اثنتين و ثلاثمائة و ألف، وضع مجاري تحت الأرض لإيصال عين الرغامة إلى جدة، فأوصلت الماء إلى حوض كبير كمخزن لخارج البلد و منه توزعت بواسطة مواسير متفرقة إلى داخل البلد لسبعة حيضان بحنفيات كافية لشرب أهالي البلد و زيادة حتى استغني عن شرب ماء الصهاريج رغما عن تشكي أصحاب الصهاريج للآستانة بتعطيلها لمنفعتهم. و اعتني بتنظيف الشوارع و صارت الصحة للغاية، و سميت هذه العين بالحميدية لظهورها في عصر مولانا السلطان عبد الحميد خان، اه. انتهى من الغازي.

328

نقول: إن هذه العين التي جلبها الوزير عثمان نوري باشا إلى جدة، و التي سموها في وقتها «عين الحميدية» هي التي اشتهرت فيما بعد إلى اليوم «بعين الوزيرية»، نسبة لجالبها الوزير عثمان المذكور، و استمرت هذه العين جارية في جدة إلى آخر سنة (1318 ه)، ثم حصل فيها خراب، ثم قامت بلدية جدة بإصلاحها و إيصال العين إلى البلدة سنة (1327 ه) بمساعدة أمير مكة الشريف الحسين (رحمه اللّه تعالى) عند أول توليته الإمارة حتى وصل الماء من جهة الرغامة إلى السبيل قرب جدة، ثم وصل منه إليها إلى بازان العيدروس و إلى بقية البازانات التي أصلحت، و مع ذلك كانت هذه العين لا تكفي جدة، فكانوا يعتمدون على الآبار و الصهاريج حتى جاءت العين العزيزية فاستغني عن كل ذلك كما سيأتي بيانه.

و قد تولى الشيخ محمد صالح جمجوم (رحمه اللّه تعالى) رئاسة عين الوزيرية و بقي فيها إلى أن توفي، ثم تولى بعده الشيخ عبد اللّه الصّغير، بتشديد الياء و بقي فيها إلى أن توفي، (رحمه اللّه تعالى).

وصول العين العزيزية إلى جدة

لما رأى جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى) و غفر لنا و له ما يعانيه أهل جدة من ناحية الماء أمر بجلب الماء من العيون القريبة من جدة فوصلت الماء إلى جدة في شهر ذي الحجة سنة (1367) سبع و ستين و ثلاثمائة و ألف هجرية.

و لقد عمل احتفال كبير بجدة لوصول عين العزيزية إليها و ذلك في أوائل محرم الحرام عام (1368 ه). و قد عملت مجاري و بازانات جديدة لعين العزيزية و هجرت العين الوزيرية السابقة مع بازاناتها، كما هجرت الصهاريج القديمة و الحفر الراكدة التي كانت موبوءة بالقذارة و الأوساخ، فنسبت هذه العين إلى جالبها الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه اللّه تعالى)، فقيل لها (عين العزيزية).

و عين العزيزية تأتي من بعض العيون بوادي فاطمة، كأبي شعيب و الجموم و المهنية و الخلاص و بعض الآبار المحفورة بوادي فاطمة. و رئيس هذه العين في الوقت الحاضر هو الشيخ عثمان باشا.

329

و بوصول هذه العين- عين العزيزية- إلى البلدة ازدهرت جدة و كثر سكانها و امتد عمرانها إلى جميع الأطراف و صارت منازلها التي بنيت حديثا خارج السور محاطة بالأشجار و زروع الزينة و الرياحين. فسبحان المتصرف في الكون.

و لا شك أن جلب المياه للناس من الصدقات الجارية، فجزى اللّه جالبها الملك عبد العزيز آل سعود خير الجزاء و أسكنه فسيح جنته و تجاوز عن سيئاتنا و سيئاته بفضله و منّه و رحمته آمين و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين، اللهم آمين.

انظر: صورة رقم 335، البيوت بين جدة و مكة

انظر: صورة رقم 336، مسجد عكّاش بجدة و يظهر فيها بعض البيوت و المباني‏

انظر: صورة رقم 337، مرفأ جدة قديما

ميناء جدة قديما و حديثا

كانت البواخر و المراكب الكبيرة تقف من شاطئ جدة على بعد ثلاثة أميال تقريبا، لأن ميناءها غير عميقة و بها شعاب و نواتئ تستحيل دخول البواخر فيها، أما السنابيك و الهواري و اللنشات و الزوارق البخارية فتمشي و تجري إلى أن ترسي على البر بدون خوف و لا حرج لخفتها.

انظر: صورة رقم 338، مرفأ جدة حديثا

انظر: صورة رقم 339، لبواخر الحجاج قرب وصولها جدة

انظر: صورة رقم 340، لنزول الحجاج من الباخرة في جدة

انظر: صورة رقم 341، للحجاج الأندونوسيين و هم ينزلون من الباخرة في جدة

انظر: صورة رقم 342، لبعض الحجاج على سطح إحدى البواخر

بناء جرك جدة في الزمن القديم‏

جاء في الجزء الثاني من تاريخ الغازي نقلا عن الخلاصة ما يأتي: و في سنة (806) ست و ثمانمائة، استخدم الشريف حسن بن عجلان بجدة جابر الحراشي و فوض إليه الأمر في جميع ما يصل إليها من جهة الشام و اليمن، فنهض بخدمته نهوضا لم ينهض لمثله أحد من خدامه فيما مضى، و عمّر الحراشي الموضع الذي يقال له «الفرضة بجدة» ليحاكي بها فرضة عدن، و قرر لبني حسن الرسوم التي‏

330

يتناولونها الآن و جعلها لهم في ثلاث حالات، و أبطل رسومهم السابقة، و كانت تؤخذ من التجار سبيلا فأراح الناس من مطالبتهم. انتهى.

قال في مختار الصحاح: و فرضة البحر محط السفن. اه.

و لقد حصلت بعد نهضة الشريف الحسين (رحمه اللّه تعالى) التي كانت سنة ألف و ثلاثمائة و أربع و ثلاثين هجرية بعض عمارات في جدة منها عمارة بعض النواحي في الجمرك.

ثم في عهد الحكومة السعودية حدث عمارات عظيمة جدا في الجمرك بل إنه لما أنشئ الميناء الجديد على البحر أنشئ جمرك كبير جديد يناسب التطور الجديد الذي حدث في المملكة السعودية. أدام اللّه علينا نعمه و توفيقه.

انظر: صورة رقم 343، بعض الأشجار في طريق جدة

أهل جدة و عاداتهم‏

لقد مكثنا بجدة نحو خمس عشرة سنة فعرفنا أهلها الفضلاء، و عرفنا عاداتهم الحسنة، فلئن تكلمنا عنهم هنا فإنما نتكلم عن خبرة و دراية، و إن قررنا عنهم شيئا فإنما نقرر الحقيقة الواقعية فنقول و باللّه التوفيق:

إن أهل جدة يغلب عليهم الطيب و الوداعة و حسن النية و سلامة الضمير، و هم أهل شهامة و نخوة، يحبون الخير، و يكرمون الغريب، و يواسون المكروب، و يتعاونون على أعمال البر و الإحسان، الغالب عليهم الاشتغال بالتجارة و التكسب بالمال، و بعضهم يشتغل بصيد الحوت و السمك من البحر الأحمر و لن تجد منهم متسولا أو شحاذا في الأسواق و إن وجد فهو من الغرباء.

و تجارهم يخرجون زكاة أموالهم عند وجوبها عليهم سرا و جهرا، و ذلك بعد النصف من شهر رمضان في كل عام، و يعطون النعمة حقها، لا تجد فيهم بخيلا يقتر على نفسه أو على عائلته و أولاده، و كلهم يراعون حقوق الجار، و الصغير منهم يوقر الكبير، و الأولاد قد لا يجلسون في مجالس أبيهم.

و من عاداتهم الحسنة المبادرة للأعمال الخيرية و مواساة المحتاجين و المنكوبين فإذا حدث أمر ما بادروا بالاكتتاب لجمع الإعانات، و يقوم بعضهم بالقيام لهذه الخدمة فيدور عليهم لجمع الدراهم.

331

و من أحسن عاداتهم اجتماعهم للتزاور فبعض الأصدقاء ممن تتفق مشاربهم ينظمون زياراتهم لبعض بالدورية، بمعنى كل جماعة تجتمع لدى أحدهم في ليلة مخصوصة، فهم يدورون على بعضهم دوران أيام الأسابيع، ففي كل يوم يجتمعون عند شخص منهم للسمر و الحديث.

و من عاداتهم المحمودة: أن غالب أغنيائهم إذا كانت عائلة أحدهم كبيرة، فإن الرجال يأكلون على مائدة خاصة، و النساء يأكلن على مائدة خاصة، و قد يكون مع الرجال بعض الضيوف و مع النساء مثل ذلك، و هذه خصلة يغبطون عليها.

و من عاداتهم الممدوحة: أنه إذا حصلت مخاصمات و اختلافات بين بعضهم فإنهم يحلون مشاكلهم فيما بينهم، و قلّما يتصلون بالمحاكم، و إن في أهل جدة بعض أشخاص ممن يتصفون بالأوصاف التي ذكرناها و فيهم من الفضل و الذكاء و الوجاهة و الوقار و العلم و الصلاح و الدين و الدنيا معا يقصدون في المهمات لا نحب ذكرهم خوفا من أن ننسى بعضهم سهوا فنسي‏ء إليهم، لكن لا بد لنا من ذكر ثلاثة رجال فضلاء ممن نتصل بهم بصداقة قوية و نعرفهم حق المعرفة للاستشهاد و العظة و الاعتبار:

فالرجل الأول هو الشيخ: محمد صالح جمجوم (رحمه اللّه تعالى)، المتوفى سنة (1363 ه) ثلاث و ستين و ثلاثمائة و ألف، و هو الشقيق الثاني للشيخ عبد الرؤوف جمجوم المتوفى سنة (1338) هجرية، فالشيخ محمد صالح جمجوم هو فريد عصره و وحيد زمانه، و كان عميد بيت الجمجوم بعد أخيه، و كان أكبرهم سنا و مقاما، و كان معه من إخوانه الأشقاء ثلاثة: (1) الشيخ عبد الرؤوف، و هذا توفي سنة (1338)، (2) الشيخ محمد، و قد توفي سنة (1352) أو في السنة التي بعدها، (3) الشيخ حسن، و هذا توفي سنة (1366) تقريبا، (4) الشيخ صلاح، و قد توفي سنة (1365 ه)، (5) و الشيخ عبد المجيد، (6) و الشيخ مرشد، و هذان توفيا بعد الشيخ عبد الرؤوف جمجوم المذكور.

و لكل من هؤلاء عدة أولاد ذكورا و إناثا، بل الشيخ صلاح له من الأولاد اثنا عشر ولدا و كلهم فضلاء محترمون أهل دين و استقامة، و أكبر أولاده هو الشيخ محمد نور جمجوم، و غالب هؤلاء يشتغل بالتجارة.

لذلك كان آل الجمجوم بجدة من العائلات الكبيرة يزيد عددهم على ثمانين شخصا، و كان الشيخ محمد صالح جمجوم (رحمه اللّه تعالى) يتولى شؤون الجميع،

332

و إن أبناء إخوانه كلهم من صغير و كبير لا يراجعون آباءهم في شي‏ء مطلقا، و إنما يرجعون إلى عمهم الأكبر محمد صالح المذكور، و ليس لهذا سوى بنت واحدة لم يخلف ولدا ذكرا.

و كان من عادة الشيخ محمد صالح أنه يتولى صرف النفقات على جميع العائلة من المأكل و المشرب و الملبس و الثياب و غير ذلك. و كان الرجال و الأولاد يأكلون وحدهم على مائدة خاصة تمد لهم بعد الظهر في أسفل الدار، و النساء لهم مائدة خاصة، أما أكلهم في إفطار الصباح أو بعد المغرب في العشاء فكل عائلة منهم يأكلون وحدهم مع أطفالهم، و كان يذبح لهم يوميا شاة واحدة أو شاتان.

و كان هذا هو دأبهم و نظامهم و معيشتهم لم يختلف يوما واحدا مع عميد العائلة الشيخ محمد صالح جمجوم، إلى أن توفي (رحمه اللّه تعالى)، و بعد وفاته اختلف الأمر و استقلت كل عائلة بنفسها، و نعتقد أن هذه الحالة في هذه العائلة لم يكن لها مثيل بجدة بل لا مثيل لها في المملكة كلها.

و لقد كان الشيخ محمد صالح جمجوم علاوة على اشتغاله بالتجارة الواسعة، كان يشغل عدة وظائف حكومية فخرية أي بدون راتب شهري، فكان مديرا على الأوقاف، و رئيسا على عين الوزيرية، و وكيلا عاما على مدرستي الفلاح بجدة و مكة، و كان يقصد لفض المشكلات و المنازعات، فكان (رحمه اللّه تعالى) يقوم بأداء هذه المهمات بنفسه، و مع كثرة أشغاله لا تراه إلا ضاحك السن بشوش الوجه يقابل الناس باللطف و الاحترام كل واحد بحسب درجته، لذلك كان محبوبا من جميع الناس، و كانت له مكانة مرموقة من الحكومة و كان جلالة الملك عبد العزيز آل سعود يحبه كثيرا، رحمهما اللّه تعالى رحمة الأبرار.

و كان الشيخ محمد صالح جمجوم قبل كثرة انتشار السيارات بالبلاد يمشي في شوارع جدة و أسواقها على رجليه لقضاء المصالح فيسلم عليه الفضلاء و يستوقفه ضعفاء الناس و فقراؤهم، و أساتذة مدرسة الفلاح و أولياء الطلبة، و إذا غضب أحدهم فانقطع عن المدرسة كان يذهب إليه بنفسه يسترضيه، و ربما استوقفته امرأة من الأرامل تفضي إليه بحاجتها، فيقف مع كل منهم بغاية الرضا بدون أن يتبرم أو يضيق منهم.

و كان (رحمه اللّه تعالى) للغرباء خير ملجأ فيقصدون بيته للضيافة و لتسهيل أمور سفرهم فيقوم بتسفيرهم تحت ضمانته و كفالته في الشرطة، و كان يحب أهل الدين‏

333

و أهل العلم و يكرّمهم، و كان الرجل في نفسه صالحا مستقيما كريم النفس مرحا لطيفا أنيسا متواضعا عظيم الأمل في اللّه سبحانه و تعالى حسن الظن به.

و الحاصل مهما أطنبنا في مدحه لا نفي بحقه، و يكفي أنه نادرة الزمان فإنا لم نجد مثله في جميع البلاد، ف(رحمه اللّه) رحمة واسعة و أسكنه فسيح جنته و جزاه خير الجزاء بفضله و إحسانه فإنه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا.

انظر: صورة رقم 344، الشيخ محمد صالح جمجوم ت 1363 ه،

انظر: صورة رقم 345، الشيخ صلاح جمجوم ت 1365 ه،

أما الرجل الثاني فهو الشيخ: محمد صالح بن علي باعشن التاجر الشهير بجدة حفظه اللّه تعالى، هذا الرجل كبير آل باعشن و مفخرتهم بجدة، يبلغ من العمر تسعين سنة و على قدر ما هو ضعيف في جسمه فهو قوي الذاكرة كبير العقل عظيم الفضل، لقد ذهب بصره في الثلاثين من عمره تقريبا لكن اللّه عز و جل قد عوضه بتنوير بصيرته و غزارة عقله. و له مكانة عالية لدى أهل البلدة فيزورونه و يستشيرونه في كثير من المسائل، و أنه يفض المشكلات و المنازعات التي تقع بين بعضهم و أنهم يحبونه و يسمعون كلامه لأنه خير مجرب و ناصح، و لأنه يمتاز بالوقار و التأني في عواقب الأمور، كما يمتاز و هو في كبر سنه بأدب بالغ و حشمة عظيمة و شعور رقيق، يعطي كل جليس ما يستحقه من الإكرام على حسب مقامه، و يصبر على جليسه المكروه الثقيل فلا يكسر بخاطره حتى ينصرف، و أنه على ما فيه من ضعف و كبر يحب مجالسة الناس و لا يسأم من مخالطتهم على اختلاف طبقاتهم، و يقابل الضيف بكل بشاشة و تودد، و يحب أن يتغدى الناس معه مهما كثروا و لو على غير ميعاد، و من عادته أن ينتظر ولديه كل يوم في وقت الغداء فإذا حضرا من محل تجارتهم نزلت المائدة إلى الطبقة الأولى من الدار فيأكلون مع من حضر من الضيوف سويا و هذا دأبهم يوميا، و في الدار محل خاص للزوار و الضيوف و هو الطبقة الأولى من الدار مستقلة بجميع منافعها حتى درجتها و سلالمها فلا يتطرقها النساء مطلقا حتى يأخذ الضيف كامل راحته و حريته.

و في مدخل الدار فسحة كبيرة اتخذت مجلسا للسمر في ليالي الصيف كما اتخذت مصلى أيضا، لأن الشيخ محمد صالح باعشن (رحمه اللّه تعالى) لا يخرج عن داره لكبر سنّه فاتخذ هذا المكان مصلى له يصلي فيه الفروض مع من حضر عنده، و في شهر رمضان يتخذ له إماما راتبا يصلي بهم التراويح بعد صلاة العشاء و يحضر

334

في هذا المصلى كثير من أصدقائهم و جيرانهم فيتكون منهم في مصلى بيته في التراويح في كل ليلة من شهر رمضان نحو ثلاثة صفوف.

و مما يجب ذكره: أن الشيخ محمد صالح باعشن مع ذهاب بصره له ذوق دقيق في جمع بعض الآثار و الأنتيكات، بل إنه (رحمه اللّه تعالى) إذا أنشأ عمارة «و كثيرا ما هو يشتغل بالعمارات» هو الذي يضع للبنائين تصميم بنائها و يرشدهم إلى الشكل الذي يريده و يعجبه، كما أنه يرشد النجارين في كيفية وضع الأبواب و الشبابيك، بل حتى الألوان و الزخرفة و الأماكن التي تحتاج إلى كتابتها هو الذي ينبههم عليها فإنه قد ذهب بصره بعد أن بلغ من العمر نحو ثلاثين سنة.

كما أنه و هو في سن التسعين هو الذي يتولى الإنفاق على أهل منزله و الجميع يأتمرون بأمره لا يخالفون له أمرا، و أمره موافق للمصلحة و رأيه صائب للغاية، توفي (رحمه اللّه تعالى) في العشرين من جمادى الثانية سنة (1381 ه).

و مما يجب ذكره أيضا: أن الشيخ محمد صالح باعشن له أربعة أولاد فقط، اثنتان من الإناث و اثنان من الذكور و هما: الشيخ أحمد و هو الأكبر و الشيخ عبد القادر و هو أصغر من أخيه ببضع سنوات، و هما اللذان يشتغلان بالتجارة باسم والدهما، و هما يأخذان رأي والدهما في كل شي‏ء و يطيعانه طاعة عمياء، و الحب العميق متبادل بينهما و بين والدهما و للّه الحمد، فكلا الطرفين يحب الآخر حبا جما إلى أقصى حد، لذلك فقد بارك اللّه في حياتهم و معيشتهم و تجارتهم فإنهم من التجار المعدودين من قديم الزمن.

و مما يلفت النظر أن الأخوين الفاضلين المذكورين الشيخ أحمد و الشيخ عبد القادر لم ينطبعا بطابع هذا العصر الحديث و لم يتغيرا قط عن العادات التي درجوا عليها و ألفوها من الصغر، فهما يخرجان من البيت صباحا و يذهبان إلى محل تجارتهما ثم يحضران إلى البيت بعد الظهر ثم يخرجان أيضا إلى محل التجارة بعد العصر ثم يأتيان إلى البيت في وقت العشاء كل عند عائلته و أولاده لا يحبون السمر مع الناس، و لا الاختلاط المؤدي إلى القيل و القال و ضياع الوقت، و بهذا استراحت أنفسهم و كملت راحتهم. و هم يؤدون فرائض اللّه على الوجه الأكمل. فنعمت هذه الحالة و نعم الوالد و الأولاد، و قد توفي الشيخ عبد القادر (رحمه اللّه تعالى) في 19 من شهر محرّم سنة (1385) هجرية، و ختم اللّه لنا و لهم‏

335

بالإيمان الكامل و العمل الصالح، و ثبتنا و إياهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة آمين يا رب العالمين. و إليك صورة الشيخ محمد صالح.

انظر: صورة رقم 346، الشيخ محمد صالح باعشن- أحد وجهاء جدة و تجارها

و أما الرجل الثالث فهو الشيخ: إبراهيم سلامة الربان، بضم الراء، و هو لقب على من يقود السفن و البواخر في البحر، هذا الرجل هو أشهر ربان بجدة، و لا نبالغ إن قلنا أنه الوحيد الذي لا يوجد مثله بجدة. يعتمد عليه أصحاب البواخر و قادتها من الإفرنج اعتمادا كليا لما يعتقدون فيه من تمام المعرفة و إتقان الصنعة، يتلقى البواخر في البحر فيدخلها إلى ميناء جدة ثم يخرجها منها بعد انتهاء عملها، و لقد أمضى عمره كله في البحر و لم يحدث له أي حادثة.

انظر: صورة رقم 347، الشيخ إبراهيم سلامة الربان‏

كان الشيخ إبراهيم سلامة أمّيّا لا يقرأ و لا يكتب و قد تعلم الصنعة من أبيه و جده، لا يعرف المكر و لا الخداع و لا الجبن و لا البخل، لا يهاب أحدا و لا يداهن أحدا، سليم النية حسن الطوية لا يداخل الناس مطلقا و لا يجلس في القهاوي أبدا، يذهب من بيته إلى البحر و يأتي منه إلى البيت، كان نظاميا في عمله مرتبا لأشغاله، نظيفا جدا في مأكله و مشربه و ملبسه و في بيته، و كان كريما مبسوط اليد واسع النفقات على أهله و أولاده، و كان شهما نبيلا يحب أهل العلم و الصلاح، و مع أنه كان أميا فهو شديد الديانة عظيم المروءة و الغيرة لا يعرف الفسق و لا الفجور و لا السباب، و كان قوي الجسم و العضلات جهوري الصوت، و كان صريح الرأي يجهر بما في ضميره قانعا بما آتاه اللّه من الرزق الحلال من كسب يده و عمله لا يعرف الحسد و لا الكذب و يقول الحق و لو على نفسه، و كان يكره التكلف في القول و الفعل بل و لا يعرفه.

كان (رحمه اللّه تعالى) مع كونه أميا قوي الإيمان باللّه كبير الأمل في فضله و رحمته حسن الظن به، لم نر مثله في قوة إيمانه و حسن الظن بربه، و كان إذا اطمأن إلى أحد من فضلاء العلماء أكثر من سؤاله في أمور دينه، و كان يحفظ كثيرا من الآيات القرآنية يتحصن بها إذا خرج من بيته إلى عمله.

336

كان محافظا لعادات البلاد القديمة و يربي أولاده أحسن تربية، كان له ثلاثة من البنات و ولد واحد فقط و اسمه الشيخ «محمد»، و قد زوّجه و زوّج بناته، و كان يواسي جميع بناته و أزواجهن في جميع المناسبات في الأعياد و غير الأعياد.

و كان يسكن معه في منزله ولده الشيخ «محمد» المذكور، و مع أن ولده متزوج و له أطفال فإنه لا يقدر أن يجلس مع والده في غرفة واحدة، فإن كان لديه ضيف فإن ولده يجلس في مكان آخر قريبا من غرفة والده للخدمة.

و قد علّم ولده الشيخ «محمد» الصنعة فكان يخرج مع أبيه إلى البحر لتلقي البواخر و السفن. و إليك صورة الشيخ إبراهيم سلامة قبيل وفاته.

انظر: صورة رقم 348، محمد إبراهيم سلامه و معه قائد الباخرة

مات الشيخ إبراهيم سلامة سنة (1369) من الهجرة عن سبعين سنة، فإنه خرج يوم وفاته من بيته إلى البحر مع ولده المذكور صحيحا معافى لا يشكو من شي‏ء، و بعد طلوعه إلى الباخرة أتاه الأمر المحتوم و هو يقرأ هذه الآية: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ‏.

فأنزلوه من الباخرة و أوصلوه إلى البيت و دفنوه بجدة. (رحمه اللّه) رحمة واسعة و ألحقنا به على الإيمان الكامل بمنّه و فضله.

فاستلم ولده الشيخ «محمد» المذكور عمل والده و قد صار من أشهر ربّابين البواخر بجدة و يعتمد عليه أكثر الشركات، و هو مع ما له من معرفة بطرف من القراءة و الكتابة فإن عاداته كعادات والده سليم النية محبا للخير كريم النفس شهما نبيلا حسن الأخلاق دينا مستقيما لا يعرف للمال حسابا في وجوه الخير. حفظه اللّه تعالى و أبقاه و أدام عليه نعمه آمين.

و لا يفوتنا أن نذكر أشهر بيت في جدة و هو بيت «آل زينل» و هو بيت عريق في الفضل، كبير في الشهرة واسع في التجارة و الغنى لهم من مكارم الأخلاق و الآداب الرفيعة و الأمانة البليغة و الفضل و الحسب ما يعجز القلم عن حصرها.

و يكفي أن الحاج محمد علي زينل ذلك المحسن الكبير أن قام بتأسيس مدارس الفلاح بجدة أولا ثم بمكة ثم بالهند ثم بالبحرين. هذه المدارس التي أدت من الخدمات العلمية لأبناء مكة و جدة و غيرهم ما لا يخفى على أحد في وقت كان الجهل بالقراءة و الكتابة ضاربا أطنابه على البلاد.

337

كما يكفي أن الحاج عبد اللّه علي رضا زينل ذلك الرجل العظيم الوقور المهيب الطلعة كان قائمقام مدينة جدة في عهد الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز الأسبق، و في عهد جلالة الملك عبد العزيز آل سعود بعد توليه الحجاز رحمهم اللّه تعالى جميعا، و قد بقي الحاج عبد اللّه في مركزه إلى أن توفي سنة ألف و ثلاثمائة و خمسين هجرية.

انظر: صورة رقم 349، الحاج عبد اللّه زينل قائمقام جدة و أميرها ت 1351 ه،

وفاة الحاج محمد علي زينل" مؤسس مدارس الفلاح"

لقد تكلمنا بإسهاب في هذا الكتاب عن مدارس الفلاح و مؤسسها الحاج محمد علي زينل، و عما قام به من الأعمال الجليلة في سبيل نشر العلم بمكة المكرمة و بجدة في زمن كان الجهل و عدم تفتّح الوعي مستوليان على الناس، فالمتعلمون منهم قليلون ثم بسبب مدارس هذا الرجل النبيل و المدارس الأخرى كالمدرسة الصولتية الهندية و المدرسة الرشدية التركية، انتشر التعليم في بلاد الحجاز انتشارا ملموسا محسوسا.

و الآن نذكر بكل أسف و حزن أن الحاج محمد علي زينل مؤسس مدارس الفلاح المذكور قد انتقل إلى رحمته تعالى في أول شهر شعبان سنة (1389) ألف و ثلاثمائة و تسع و ثمانين هجرية، تغمده اللّه تعالى برحمته و أدخله فسيح جنته و جزاه عن أعماله الخيرية من البر و الإحسان خير الجزاء و أكثر اللّه تعالى من أمثاله في المسلمين آمين.

و من أشهر رجالات جدة الوجيه المفضال الشيخ محمد نصيف، فإنه حفظه اللّه تعالى من رجال العلم و الأدب، و له مكتبة قيمة في منزله بها مئات الكتب المهمة، و لا يسمع بطبع كتاب إلا طلبه و اشتراه، فمكتبته من أشهر المكاتب بالحجاز و هي مرتبة و نظيفة للغاية موضوعة في دواليب بديعة جميلة و أنه بنفسه يعتني بحفظها و تنظيفها.

و يلقبه الناس «بالأفندي نصيف» لأن بيت نصيف بيت كبير بجدة، و الشيخ محمد نصيف أبا عن جد من أعيان جدة، و هو في نحو الستين من عمره محتفظ بنشاطه و مرحه ضاحك السن بشوش الوجه كريم مضياف، و يقصده كثير من‏

338

الواردين إلى جدة في أيام الحج و غيرها من العلماء و الفضلاء فيتلقاهم بما عهد عنه من مكارم الأخلاق و حسن الاستقبال و لا يضيق بالزائرين مطلقا بل يفرح بهم.

أكثر اللّه من أمثاله و بارك لنا في حياته آمين.

الشيخ حسين أبو زيد

و من فضلاء أهل جدة و وجهائهم الشيخ حسين أبو زيد (رحمه اللّه تعالى) رحمة الأبرار، لقد كان رجلا شهما كريما نبيلا، كان هو الوكيل العام لجميع المطوفين بمكة، و كانوا يثقون فيه للغاية و يقصدونه في أمورهم، و كان دائما بشوش الوجه مضيافا و بيته الكبير مفتوح للخاص و العام، و مائدته ممدودة، و إنني لن أنسى حسن مقابلته لي عند رجوعي من مصر لأول مرة في حياتي، فلقد تلقاني بالبشاشة و الترحيب، و أرسل برقية إلى والدي بمكة يخبره فيها بوصولي من مصر و ذلك في سنة (1347 ه)، إنه (رحمه اللّه تعالى) كان يعطي النعمة حقها، و كان يعرف منازل الناس و يقوم بإكرام كل واحد منهم بحسب منزلته و مكانته. و إليك صورته الكريمة فإنها تنبئ عن فضله و كريم محتده.

انظر: صورة رقم 350، الشيخ حسين أبو زيد

توفي الشيخ حسين أبو زيد (رحمه اللّه تعالى) في اليوم الثاني من ربيع الأول سنة (1370 ه) و كان له ولد واحد و هو الشيخ صالح لكنه توفي سريعا بعد والده بعام واحد (رحمه اللّه تعالى) و ذلك في اليوم السابع عشر من شهر ربيع الثاني سنة (1371 ه)، و قد خلف الشيخ صالح كثيرا من الأولاد و كلهم فضلاء نجباء محتفظين بكرامة بيتهم، حفظهم اللّه تعالى و جعلهم من سعداء الدارين آمين.

هذا ما وفقنا اللّه تعالى للكتابة عن جدة و أهلها على وجه الاختصار، و إن شاء اللّه تعالى إن وجدنا فرصة وضعنا تأليفا خاصا عن جدة و عن العائلات الكريمة التي بها و عن عاداتهم الممدوحة و أخلاقهم الحميدة. و هنا نرجو منهم أن يعذرونا عن عدم التفصيل فإن المقام يقتضي الإيجاز، و كان اللّه في عون الجميع و هو حسبنا و نعم الوكيل نعم المولى و نعم النصير، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

339

" قبر أمنا حواء" بجدة

اشتهر لدى الناس أن قبر أمنا حواء بجدة في الجبّانة المعروفة، و كانت عليه قبة مشيدة من قديم الزمان، و اشتهار قبرها لا يستند إلى دليل شرعي قاطع، و لا إلى تاريخ صحيح ثابت و نحن نعتقد أن هذا كذب اختلقه المرتزقة منذ قرون مضت فرسخ ذلك في أذهان العامة. و سنتكلم عليه بما يشفي الغليل إن شاء اللّه تعالى.

قال البتنوني: في كتابه «الرحلة الحجازية» عن قبر أمنا حواء ما نصه:

أما مدافن المسلمين فإنها في جهة جدة الشرقية على مسافة نحو كيلو متر من بابها الشرقي الذي يسمونه «باب مكة» و عليها سور يفتح بابه للغرب، ترى في مدخله زمن الحج كثيرا من الشحاذين صغارا و كبارا من الأعراب و الأغراب، فإذا دخلت من هذا الباب وجدت أمامك رأس قبر طويل ضارب إلى الشمال بمسافة مائة و خمسين مترا على ارتفاع متر و في عرض نحو ثلاثة أمتار، و هو ما يسمونه:

قبر أمنا حواء، و هو أشبه شي‏ء بقناة مسدودة من طرفها الجنوبي بثلاث حوائط من مربع ينقصه الحائط الشمالي الذي هو من جهة القبر، و طول كل حائط أربعة أمتار في ارتفاع مثلها، و في كل منها شباك تخرج منه فروع عوسجة كبيرة تكاد تسد فراغ هذا المربع الذي هو مكان الرأس عندهم. و في نهاية هذا المستطيل من جهة الشمال حائط يبلغ ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار و في وسطه من أعلاه شرفة تحتها شباك يطل على القبر من جهة القدمين، و عند نهايتي القبر ترى أناسا متطوعين لإرشادك عن مكان الرأس أو القدم و أيديهم ممدودة للسؤال، و في نحو ثلثي طوله من جهة الرأس قبة يفتح بابها إلى الغرب، و فيها شباكان يشرفان على جهتي القبر، و في وسطها مقصورة من الخشب عليها ستر من الجوخ فيها باب مقابل لباب القبة فتحه لنا خادم المقصورة قائلا: «هذا مكان الصرة الشريفة» فنظرت فوجدت فيه حجرا من الصوان يبلغ طوله نحو متر محفورا من وسطه.

ثم قال البتنوني بعد صحيفة واحدة: و لا يبعد أن قبر حواء كان من الهياكل المقدسة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام و محا أثر الشرك من هذه البلاد و دالت به دولة الوثنية و هدمت هياكلها التي كان من ضمنها بالطبع هذا الهيكل بقي أثره في نفوس القوم برّا بحق الأمومة و أقاموا له قبة- لا ندري متى كان تشييدها- لتكون‏

340

مزارا للناس، كما كانوا يقيمون المزارات لآل بيت النبوة عليهم و على جدهم الصلاة و السلام.

و لقد ذكر هذه القبة ابن بطوطة في رحلته المشهورة في القرن السابع للهجرة، و لم يذكر شيئا عن القبر، و من أكبر الأدلة على أن هذا القبر حادث لا محالة ما ذكره ابن جبير في رحلته التي عملها سنة (587) للهجرة قال (رحمه اللّه): «و بها- بجدة- موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يذكر أنه كان منزلا لحواء أم البشر عند توجهها إلى مكة فبني ذلك المبنى عليه تشهيرا لبركته و فضله و اللّه أعلم». انتهى من الرحلة الحجازية.

و رأينا في قبر أمنا حواء بجدة و اللّه تعالى أعلم بالغيب: أن وجود هذا القبر و بناء القبة عليه حادث لا محالة و أنه كذب مفتعل احتال على عمله بعض الدجالين المرتزقة لجمع الصدقات من الجهلة الذين تجوز عليهم الخرافات، و بمرور الزمن الطويل على ذلك و لعدم إجراء تحقيق عليه صار عامة الناس يعتقدون أن في هذا القبر دفنت أمنا حواء.

و نستدل على هذا بأنه لما اشتكى الناس إلى عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه الشدة التي يعانونها في ميناء الشعيبة، لما فيها من الشعاب و طلبوا منه نقل هذا الميناء إلى جدة، ذهب رضي اللّه عنه في جمع من الصحابة لمعاينة مكان جدة فوجده أحسن من الشعيبة فأمر بجعله ثغرا لمكة و سموه «جدة» حيث لم تكن معروفة بهذا الإسم من قبل، و لم ينقل عنه و لا عن أحد من الصحابة عن معرفتهم لقبر حواء بجدة و عثورهم عليه، فلو كان قبرها الطويل العريض معروفا لديهم لنقله التاريخ عنهم.

نعم ذكر بعضهم أن إبليس هبط بأيلة و هبطت حواء بجدة و هبط آدم بسر نديب من أرض الهند على جبل يقال له نود، و هو بأعلى الهند نحو الصين جبل عال يراه البحريون من مسافة أيام، و فيه أثر قدم آدم (عليه السلام) مغموسة في الحجر. و هذا الكلام اللّه أعلم بصحته.

و هل كانت جدة معروفة في تلك الأيام، كلا فجدة لم تسكن إلا في زمن عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه، فهو الذي جعلها ميناء بدلا عن الشعيبة كما هو معروف.

341

ثم إن ما بين هبوط آدم و حواء (عليهما السلام) و بين زماننا هذا لا ندري كم مضى من السنين. و إن ما يقوله بعضهم بأن عمر الأرض مائة مليون سنة و ألف مليون سنة أو أكثر أو أقل مردود غير مقبول لا يقبله عاقل و لا يصدقه باحث محقق إذ لا يستند إلى دليل قوي من كتاب أو سنة، فما هو إلا رجم بالغيب و تخمينات و همية و تخيلات ظلالية نشأت من انعكافهم على دراسة الآثار القديمة و قياسات بعض الأشياء على بعض، قال بعض علماء الشناقطة:

و كل ما ورد مما حدّا* * * لهذه الدنيا يرد ردا

إذ لم يرد حدّ عن المعصوم‏* * * في خبر بسند قويم‏

فلا يعلم كل ذلك إلا الخلّاق العظيم الذي بيده ملكوت السموات و الأرض، فهو جل جلاله يعلم وحده مبدأ الكائنات و يعلم منتهاها، فعليه من الذي أخبرنا بأن قبر حواء في ذلك الموضع بجدة و على أي دليل يستند، ثم أليس الطوفان الذي عم الدنيا مسح عن الأرض كل أثر و غيّر كثيرا من الأمور عن مواقعها و أمكنتها، فلم يبق على وجه الأرض من يتنفس إلا من كان في سفينة نوح عليه الصلاة و السلام، فلا يمكن أن نصدق مثل هذه الأمور إلا إذا ورد شي‏ء عن الصادق المعصوم (صلى الله عليه و سلم).

هذا و قد تقدم الكلام عن مقدار طول آدم عليه الصلاة و السلام في أوائل الكتاب عند الكلام على بناء آدم (عليه السلام) للكعبة المشرفة فراجعه فإنه مبحث نفيس.

نبذة عن تاريخ المدينة المنورة

هنا نحب أن نتشرف بذكر نبذة صغيرة عن المدينة المنورة، للجمع بين الحرمين الشريفين، و لا نقدر أن نتوسع بذكر تاريخها تفصيلا، فهذا يحتاج إلى وقت طويل، فإن كان لنا عمر و أمدنا اللّه تعالى بتوفيقاته فلا بد أن نضع تاريخا عظيما لمدينة الرسول صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم.

فليعذرنا القارئ الكريم على هذه النبذة القصيرة، فإننا لم نذكرها إلا تبركا بآثار رسولنا الأعظم نبينا «محمد» (صلى الله عليه و سلم) فنقول و باللّه تعالى التوفيق:

342

ترتفع المدينة المنورة عن سطح البحر بنحو (619) مترا، و هي واقعة على طول (39) درجة و (55) دقيقة شرقا و على عرض (24) درجة و (15) دقيقة من شمال خط الاستواء (أعني على عرض خط دراو التي توجد بين أسنا و أسوان).

انظر: صورة رقم 351، خريطة الحرم الشريف‏

انظر: صورة رقم 352، خريطة المدينة المنورة

قال العلّامة ابن خلدون في مقدمته عن المدينة المنورة عند الكلام على المساجد و البيوت العظيمة في العالم ما يأتي:

و أما المدينة و هي المسماة «بيثرب» فهي من بناء يثرب بن مهلايل من العمالقة، و ملكها بنو إسرائيل من أيديهم فيما ملكوه من أرض الحجاز، ثم جاورهم بنو قيلة من غسان و غلبوهم عليها و على حصونها، ثم أمر النبي (صلى الله عليه و سلم) بالهجرة إليها لما سبق من عناية اللّه بها فهاجر إليها و معه أبو بكر و تبعه أصحابه و نزل بها و بنى مسجده و بيوته في الموضع الذي كان اللّه قد أعده لذلك و شرفه في سابق أزله و آواه أبناء قيلة و نصروه. فلذلك سموا الأنصار و تمت كلمة الإسلام من المدينة حتى علت على الكلمات و غلب على قومه و فتح مكة و ملكها، و ظن الأنصار أنه يتحول عنهم إلى بلده فأهمهم ذلك، فخاطبهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أخبرهم أنه غير متحول حتى إذا قبض (صلى الله عليه و سلم) كان ملحده الشريف بها، و جاء في فضلها من الأحاديث الصحيحة ما لا خفاء به، و وقع الخلاف بين العلماء في تفضيلها على مكة، و به قال مالك (رحمه اللّه) لما ثبت عنده في ذلك من النص الصريح عن رافع بن خديج أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: المدينة خير من مكة، نقل ذلك عن عبد الوهاب في المعونة إلى أحاديث أخرى تدل بظاهرها على ذلك، و خالف أبو حنيفة و الشافعي و أصبحت على كل حال ثانية المسجد الحرام و جنح إليها الأمم بأفئدتهم من كل أواب، فانظر كيف تدرجت الفضيلة في هذه المساجد المعظمة لما سبق من عناية اللّه لها و تفهم سر اللّه في الكون و تدريجه على ترتيب محكم في أمور الدين و الدنيا. انتهى من مقدمة ابن خلدون.

انظر: صورة رقم 353، القبة النبوية الشريفة

و قال القلقشندي في كتابه صبح الأعشى في الجزء الرابع بصحيفة 485 عنها ما نصه:

343

المدينة ضبطها معروف، و هو اسم غلب عليها و به نطق القرآن الكريم في قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ‏ و قوله: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. و اسمها القديم يثرب، و به نطق القرآن في قوله تعالى: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ‏.

قال الزجاجي: و هو يثرب بن قانية بن مهلائيل بن إرم بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام بن نوح هو الذي بناها، و ورد ذكره في الحديث أيضا. قال الشيخ عماد الدين بن كثير في «تفسيره» و حديث النهي عن تسميتها بذلك ضعيف، و سماها اللّه تعالى الدار بقوله: وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏ و سماها النبي (صلى الله عليه و سلم) طيبة- بفتح الطاء المهملة و سكون الياء و فتح الباء الموحدة بعدها هاء- و طابة بإبدال الباء بعد الطاء بألف، قال النووي: و هما من الطيب و هو الرائحة الحسنة، و قيل من الطيب خلاف الردي‏ء، و قيل من الطيب بمعنى الطاهر، و قيل من طيب العيش، و زاد السهيلي في أسمائها الجابرة، بالجيم و الباء الموحدة، و المحبة، و المحبوبة، و القاصمة، و المجبورة، و العذراء، و المرحومة، و كانت تدعى في الجاهلية غلبة، لأن اليهود غلبوا عليها العماليق، و الأوس و الخزرج غلبوا عليها اليهود. قال صاحب حماة: و هي من الحجاز، و قيل من نجد و موقعها قريب من وسط الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة. قال في كتاب «الأطوال»: و طولها خمس و ستون درجة و ثلث، و عرضها إحدى و عشرون درجة. و قال في «القانون»: طولها سبع و ستون درجة و نصف، و عرضها إحدى و عشرون درجة و ثلث. و قال ابن سعيد: طولها خمس و ستون درجة و ثلث و عرضها خمس و عشرون درجة و إحدى و ثلاثون دقيقة. و قال في «رسم المعمور»: طولها خمس و ستون درجة و عشرون دقيقة و عرضها خمس و عشرون درجة ... إلخ كلامه.

انظر: صورة رقم 354، الحرم النبوي الشريف من داخل الصحن و الحجرة الشريفة و بستان السيدة فاطمة رضي اللّه عنها

حدود حرم المدينة المنورة

إن مكة و المدينة صنوان، تبنّى الأولى أبو الأنبياء «إبراهيم الخليل» عليه الصلاة و السلام، فحرّمها و دعا لأهلها، و تبنّى الثانية خاتم الأنبياء نبينا «محمد» (صلى الله عليه و سلم) فحرّمها و دعا لصاعها و مدها. فقد قال عليه الصلاة و السلام: «إن إبراهيم‏

344

حرّم مكة، و إني حرّمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها و لا يصاد صيدها». اللابتان تثنية لابة، و هي أرض ذات حجارة سود و هما شرقي المدينة و غربيها فحرّمها ما بينهما عرضا و ما بين جبليها عير و أحد طولا، و عضاهها، بهائين جمع عضاهة أي شجرها، و هو بكسر العين بوزن كتاب كما في المصباح.

جاء في كتاب «شفاء الغرام» في أواخر الجزء الثاني منه في الباب الخامس ما يأتي: في الصحيحين من حديث عبد اللّه بن زيد بن عاصم عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال:

«إن إبراهيم حرّم مكة و دعا لأهلها، و إني حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة، و إني دعوت في صاعها و مدها بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة».

و ذكر أبو داود السجستاني في السنن من حديث علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا، لا يختلى خلاها و لا ينفر صيدها و لا تلتقط لقطتها إلا لمن أنشدها، و لا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال و لا يصلح أن تقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره».

و في الصحيحين عن علي أيضا عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين لا يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا و لا عدلا».

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: عير و ثور جبلان و أهل المدينة لا يعرفون بها جبلا يقال له ثور إنما ثور بمكة فترى أن الحديث أصله ما بين عير إلى أحد.

قلت: بل يعرف أهل المدينة جبل ثور و هو جبل صغير وراء أحد و لا ينكرونه.

و في السنن لأبي داود من حديث عدي بن زيد قال: حمى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كل ناحية من المدينة بريدا بريدا لا يخبط شجرها و لا يعضد إلا ما يساق به الجمل. و فيها أن سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا تصيد في حرم المدينة الذي حرّم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فسلبه ثيابه، فجاءوا إليه فكلموه فيه فقال: (إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حرّم هذا الحرم و قال: من أخذ الصيد فيه فليسلبه ثيابه) فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه.

345

و فيها عن جابر بن عبد اللّه أنه قال: لا يخبط شجرها و لا يعضد و لكن يهش هشا رفيقا.

أخبرنا يحيى بن أبي الفضل الفقيه أخبرنا عبد اللّه بن رفاعة أنبأنا علي بن الحسن الشافعي أخبرنا شعيب بن عبد اللّه حدثنا أحمد بن الحسن الرازي حدثنا أبو الزنباع حدثنا عمر بن خالد حدثنا بكر بن مضر عن أبي الهاد عن أبي بكر بن محمد عن عبد اللّه بن عمر عن رافع بن خديج أنه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول و ذكر مكة فقال: «إن إبراهيم حرّم مكة و إني أحرّم ما بين لابتيها» يريد المدينة.

و في صحيح البخاري في حديث الهجرة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال للمسلمين: إني رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين و هما الحرتان.

أنبأنا القاسم بن علي قال: أنبأنا محمد بن إبراهيم أنبأنا سهل بن بشير أنبأنا علي بن منير أنبأنا الذهلي أنبأنا موسى بن هارون حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت حدثني أبو بكر ابن النعماني بن عبد اللّه بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده عن كعب بن مالك قال: حرّم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الشجر بالمدينة بريدا في بريد و أرسلني فأعلمت على الحرم على شرف ذات الجيش و على مشرف و على أشراف المجتهر و على يتم.

قلت: و اختلف العلماء في صيد حرم المدينة و شجره فقال مالك و الشافعي و أحمد: إنه محرّم. و قال أبو حنيفة: ليس بمحرّم و اختلفت الرواية عن أحمد هل يضمن صيدها و شجرها بالجزاء، فروي عنه أنه لا جزاء فيه و به قال مالك، و روي أنه يضمن، و للشافعي قولان كالروايتين و إذا قلنا بضمانه فجزاؤه سلب القاتل بتملكه الذي يسلبه و من أدخل إليها صيدا لم يجب عليه رفع يديه عنه و يجوز له ذبحه و أكله و يجوز أن يؤخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للرحل و الوسائد و من حشيشها ما يحتاج إليه للعلف بخلاف مكة. انتهى من كتاب شفاء الغرام للفاسي.

انظر: صورة رقم 355، المسجد النبوي الشريف- عمارة الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه اللّه)

نقول: لقد أتينا في كتابنا «إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة» المطبوع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي و أولاده بمصر حكم قطع شجر حرم مكة و نباته و حكم صيده بتفصيل تام. و ربما نأتي بحكم كل ذلك في تاريخنا هذا أيضا.

346

و لنذكر هنا نبذة صغيرة مما يتعلق بالمدينة و هي: أن حرمة قطع الشجر و الحشيش تكون في حرم مكة و حرم المدينة، أما ضمان ذلك و جزاؤه فهو مختص بحرم مكة فقط عند الأئمة الأربعة، و كالحرم المدني في ذلك وادي «وج» بالطائف.

فحرم المدينة و «وج» الطائف كمكة في حرمة الصيد و الشجر و النبات و نحو التراب دون الضمان، لأنهما ليسا محلا للنسك، فكل ما حرم اللّه بمكة حرم بالمدينة و وج الطائف غير أنه لا ضمان فيهما.

و أما النقيع «بفتح النون و كسر القاف» و هو موضع يبعد عن المدينة بنحو مرحلة إلى جهة الجنوب، فإنه ليس بمحرم، لكنه يحرم إتلاف شجره و حشيشه، فإن أتلفه أحد فالأصح أن تلزمه القيمة، و لا يحرم صيده بالاتفاق.

و النقيع المذكور هو الحمى الذي حماه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لنعم الصدقة و الجزية، قالوا: و هو أخصب موضع هناك فيه كثير من الأشجار بحيث يغيب فيه الراكب.

بناء بيوت أزواج النبي (صلى الله عليه و سلم)

جاء في كتاب «الدرة الثمينة في تاريخ المدينة» لابن النجار المطبوع بآخر الجزء الثاني من كتاب «شفاء الغرام» بعنوان ذكر حجر أزواج النبي (صلى الله عليه و سلم) ما نصه:

لما بنى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مسجده بنى بيتين لزوجته عائشة و سودة رضي اللّه عنهما على نعت بناء المسجد من لبن و جريد النخل، و كان لبيت عائشة رضي اللّه عنها مصراع واحد من عرعر أو ساج.

و لما تزوج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نساءه بنى لهن حجرا و هي تسعة أبيات، و هي ما بين بيت عائشة رضي اللّه عنها إلى الباب الذي يلي باب النبي (صلى الله عليه و سلم). قال أهل السير: ضرب النبي (صلى الله عليه و سلم) الحجرات ما بينه و بين القبلة و الشرق إلى الشامي، و لم يضربها في غربيه، و كانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من المغرب، و كانت أبوابها شارعة في المسجد، قال عمر بن أبي أنس: كان منها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد، و كانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها على أبوابها مسوح الشعر و ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع.

347

قال مالك بن أنس: و حدثني الثقة عندي أن الناس كانوا يدخلون حجرات أزواج النبي (صلى الله عليه و سلم) بعد وفاته يصلون فيها يوم الجمعة، قال مالك: و كان المسجد يضيق على أهله و حجر النبي (صلى الله عليه و سلم) ليست من المسجد و لكن أبوابها شارعة في المسجد، قالت عائشة رضي اللّه عنها: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجله، و كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.

أخبرنا صالح بن أبي الحسن الخريمي، أنبأنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري، أخبرنا أبو الحسن بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا محمد بن سعد، أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا عبد اللّه بن يزيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج النبي (صلى الله عليه و سلم) حين هدمها عمر بن عبد العزيز، كانت بيوتا باللبن و لها حجر من جريد و رأيت بيت أم سلمة و حجرتها من لبن فسألت ابن ابنها فقال: لما غزا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دومة، بنت أم سلمة بلبن حجرتها فلما قدم نظر إلى اللبن فقال:

ما هذا البناء؟ فقالت: أردت أن أكف أبصار الناس، فقال: يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلم البنيان، و قال عطاء الخراساني: أدركت حجر أزواج النبي (صلى الله عليه و سلم) من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخال حجر النبي (صلى الله عليه و سلم) في مسجده، فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم.

و سمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ: و اللّه لوددت أنهم لو تركوها على حالها ينشأ ناس من أهل المدينة و يقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر و الفخر، و قال عمران بن أبي أنس: لقد رأيتني في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و فيه نفر من أصحابه أبو سلمة بن عبد الرحمن و أبو أمامة بن سهل و خارجة بن زيد يعني لما نقضت حجر أزواجه (عليه السلام) و هم يبكون حتى اخضلت لحاهم من الدمع، و قال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت حتى يقصر الناس من البنيان و يروا ما رضي اللّه عز و جل لنبيه (صلى الله عليه و سلم) و مفاتيح الدنيا بيده.

ذكر بيت فاطمة بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رضي اللّه عنها كان خلف بيت النبي (صلى الله عليه و سلم) عن يسار المصلي إلى الكعبة، و كان فيه خوخة إلى بيت النبي (صلى الله عليه و سلم)، كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذا قام من الليل إلى المخرج اطلع منها يعلم خبرهم، و كان يأتي‏

348

بابها كل صباح فيأخذ بعضادتيه و يقول: الصلاة الصلاة إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا.

و قال محمد بن قيس: كان النبي (صلى الله عليه و سلم) إذا قدم من سفر أتى فاطمة رضي اللّه عنها فدخل عليها و أطال عندها المكث، فخرج مرة في سفر فصنعت فاطمة مسكتين من ورق «فضة» و قرطين و سترا لباب بيتها لقدوم أبيها و زوجها، فلما قدم (عليه السلام) و دخل إليها وقف أصحابه على الباب فخرج و قد عرف الغضب في وجهه ففطنت فاطمة إنما فعل ذلك لما رأى المسكتين و القلادتين و الستر فنزعت قرطيها و قلادتيها و مسكتيها و نزعت الستر و أنفذت به إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قالت للرسول: قل له تقرأ عليك ابنتك السلام و تقول لك: اجعل هذا في سبيل اللّه، فلما أتاه قال: فعلت فداها أبوها، ثلاث مرات ليست الدنيا من محمد و لا من آل محمد، و لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه من الخير جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء، ثم قام فدخل عليها.

و قال محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: لما أخذ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الستر من فاطمة شقه لكل إنسان من أصحابه ذراعين ذراعين.

و قال ابن عباس: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذا قدم من سفر قبل رأس فاطمة رضي اللّه عنها.

انظر: صورة رقم 356، رسم وصفي تقريبي لمنزل النبي (صلى الله عليه و سلم) بالمدينة المنورة

أنبأنا أبو القاسم التاجر عن أبي علي الحداد عن أبي نعيم الحافظ عن أبي محمد الخواص قال: أخبرنا أبو يزيد المخزومي حدثنا الزبير بن بكار حدثنا محمد بن الحسن حدثني محمد بن إبراهيم بن عبد اللّه ابن جعفر بن محمد كان يقول: قبر فاطمة رضي اللّه عنها في بيتها الذي أدخله عمر بن عبد العزيز في المسجد، قلت:

و بيتها اليوم حوله مقصورة و فيه محراب و هو خلف حجرة النبي (عليه السلام).

ثم قال المؤلف المذكور عند ذكر مصلى النبي (صلى الله عليه و سلم) بالليل: روى عيسى بن عبد اللّه عن أبيه قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يطرح حصيرا كل ليلة إذا انكف الناس و رأيت عليا (كرم اللّه وجهه) ثمّ يصلي صلاة الليل، قال عيسى: و ذلك موضع الأسطوان الذي على طريق النبي (صلى الله عليه و سلم) مما يلي الدور.

و روي عن سعيد بن عبد اللّه بن فضيل قال: مرّ بي محمد بن علي بن الحنفية رضي اللّه عنه و أنا أصلي إليها، قال لي: أراك تلزم هذه الأسطوانة هل جاءك فيها

349

أثر؟ قلت: لا، قال: فالزمها كانت مصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالليل، قلت: و هذه الأسطوانة وراء بيت فاطمة رضي اللّه عنها و فيها محراب إذا توجه الرجل كان يساره إلى باب عثمان رضي اللّه عنه. انتهى من الكتاب المذكور.

انظر: صورة رقم 357، مسجد قباء بالمدينة المنورة

المزارات بالمسجد النبوي:

سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم)، سيدنا أبو بكر رضي اللّه عنه، سيدنا عمر رضي اللّه عنه، دعاء القبلة المحراب المحمدي، الروضة المطهرة المنبر الشريف.

مزارات البقيع:

عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، أبو سعيد الخدري، فاطمة بنت أسد أم علي، حليمة مرضعة المصطفى (صلى الله عليه و سلم).

شهداء البقيع رضي اللّه عنهم:

إبراهيم بن المصطفى (صلى الله عليه و سلم)، نافع شيخ القراء، مالك إمام المذهب، عقيل بن أبي طالب، سفيان بن الحارث، عبد اللّه بن جعفر الطيار رضي اللّه عنهم.

أزواج النبي (صلى الله عليه و سلم):

سودة، حفصة، صفية، أم حبيبة، عائشة، أم سلمة، جويرية، زينب بنت جحش، زينب بنت خزيمة.

بنات المصطفى:

أم كلثوم، رقية، زينب. فاطمة الزهراء.

عماته (صلى الله عليه و سلم):

عاتكة، صفية، فاطمة أم البنين.

350

الروضة النبوية المطهرة و فضلها

جاء في الجزء الثاني من كتاب «وفاء الوفا» للعلّامة السمهودي (رحمه اللّه تعالى) في الفصل السادس في فضل المنبر المنيف و الروضة الشريفة ما يأتي: روينا في الصحيحين حديث عبد اللّه بن زيد المازني رضي اللّه عنه: «ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة». زاد البخاري من حديث أبي هريرة: «و منبري على حوضي».

و روى أحمد و أبو يعلى و البزار و فيه علي بن زيد و قد وثق عن جابر بن عبد اللّه مرفوعا «ما بين بيتي إلى منبري روضة من رياض الجنة، و إن منبري على ترعة من ترع الجنة».

و روى أحمد برجال الصحيح عن سهل بن سعد مرفوعا «منبري على ترعة من ترع الجنة» و فيه تفسير الترعة بالباب و قيل: الترعة الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة و قيل: الدرجة.

و رواه يحيى عن أبي هريرة و غيره بلفظ «على رتعة من رتع الجنة» و كذا هو في رواية لرزين و ظنه بعضهم تصحيفا فكتب في هامشه «صوابه ترعة» و ليس كذلك، بل معناه صحيح إذ الرتع الاتساع في الخصب، و الرتعة- بسكون التاء و فتحها- الاتساع في الخصب، و كل مخصب مرتع.

و في الحديث: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» و روى البزار عن معاذ بن الحارث نحوه.

و في الكبير للطبراني من طريق يحيى الحماني و هو ضعيف عن أبي واقد الليثي مرفوعا: «قوائم منبري رواتب في الجنة» و رواه ابن عساكر و ابن النجار و يحيى عن أم سلمة، و قال المجد: أخرجه عنها النسائي، و في رواية لابن عساكر:

«وضعت منبري هذا على ترعة من ترع الجنة».

و أسند يحيى عن أبي المعلى الأنصاري، و كانت له صحبة، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال و هو على المنبر: «إن قدمي على ترعة من ترع الجنة».

و عن أبي سعيد الخدري: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول و هو قائم على منبره:

«أنا قائم الساعة على عقر حوضي» و في رواية له: «إني على الحوض الآن».

351

و أسند ابن زبالة عن نافع بن جبير عن أبيه حديث «أحد شقي المنبر على عقر الحوض فمن حلف عنده على يمين فاجرة يقتطع بها حق امرئ مسلم فليتبوأ مقعده من النار» قال: و عقر الحوض من حيث يصب الماء في الحوض.

و في سنن أبي داود من حديث جابر مرفوعا «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آئمة و لو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار» و رواه ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم و صححوه.

و روى النسائي برجال ثقات عن أبي أمامة بن ثعلبة مرفوعا «من حلف عند منبري هذا يمينا كاذبة استحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا».

و في الأوسط للطبراني و فيه ابن لهيعة عن أبي سعيد الخدري مرفوعا «منبري على ترعة من ترع الجنة، و ما بين المنبر و بيت عائشة روضة من رياض الجنة».

و في الصحيحين حديث ابن عمر «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة».

و روى أحمد برجال الصحيح عن أبي هريرة و أبي سعيد حديث «ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة و منبري على حوضي».

و روى البزار برجال ثقات عن سعد بن أبي وقاص حديث «ما بين بيتي و منبري أو قبري و منبري روضة من رياض الجنة» و في الأوسط للطبراني و فيه متروك عن أنس بن مالك حديث «ما بين حجرتي و مصلاي روضة من رياض الجنة» و في رواية لابن زبالة من طريق عائشة بنت سعد عن أبيها «ما بين منبري و المصلى» و في رواية «ما بين مسجدي إلى المصلى روضة من رياض الجنة» و رواه أبو طاهر بن المخلص في انتقائه و يحيى في أخبار المدينة بلفظ «ما بين بيتي و مصلاي روضة من رياض الجنة» قال جماعة: المراد به مصلى العيد، و قال آخرون: مصلاه الذي يصلي فيه في المسجد كذا قاله الخطابي.

قلت: و يؤيد الأول أن في النسخة التي رواها طاهر بن يحيى عن أبيه يحيى عقب الحديث المذكور ما لفظه: قال أبي: سمعت غير واحد يقولون: إن سعدا لما سمع هذا الحديث من النبي (صلى الله عليه و سلم) بنى داره فيما بين المسجد و المصلى و كذا ما سيأتي في مصلى العيد من رواية ابن شبة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص.

352

قلت: و هو شاهد لما سيأتي من عموم الروضة لجميع مسجد النبي (صلى الله عليه و سلم)، و لما زيد فيه من جهة المغرب.

و روى عبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند برجال الصحيح إلا أن فيهم فليحا.

و قد روى له الجماعة و قال الحاكم: اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره، و قال الساجي: ذكره ابن حبان في الثقات، و قال الدار قطني: فليح يختلفون فيه، و قال بعضهم: إنه كثير الخطأ. عن عبد اللّه بن زيد المازني قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

«ما بين هذه البيوت- يعني بيوته- إلى منبري روضة من رياض الجنة و المنبر على ترعة من ترع الجنة». انتهى من وفاء الوفا للسمهودي.

انظر: صورة رقم 358، الحجرة الشريفة بالمدينة المنورة

ما جاء في شرح زاد المسلم عن الروضة

نحب أن نذكر هنا معنى الأحاديث السابقة نقلا عن الشرح المذكور:

قال شيخنا العلّامة المحدث الشهير الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) في شرحه على كتابه «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عند هذين الحديثين: «ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة» و حديث: «ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة و منبري على حوضي» و كلاهما في الصحيحين ما ملخصه: «ما بين بيتي و منبري» أي المكان الذي بين بيتي و منبري.

و المراد بقوله: بيتي أحد بيوته الذي هو بيت عائشة و هو الذي فيه قبره الشريف فيوافق رواية ابن عساكر «ما بين قبري و منبري ... إلخ» و قيل: المراد بالبيت مسكنه، قال الطبري: و القولان متفقان، لأن قبره (صلى الله عليه و سلم) في بيته.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقاة و عند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ القبر، فعلى هذا المراد بالبيت في قوله بيتي أحد بيوته لا كلها و هو بيت عائشة الذي صار فيه قبره. و قد ورد الحديث بلفظ ما بين المنبر و بيت عائشة روضة من رياض الجنة. أخرجه الطبراني في الأوسط. اه بلفظه. و اختلف في معنى قوله روضة من رياض الجنة فقيل: إن هذه البقعة منقولة منها كالحجر الأسود أو تنقل بعينها إليها كالجذع الذي حن إليه (صلى الله عليه و سلم) أو معناه أنها توصل المتعبد فيها إلى الجنة، فهو مجاز