المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية - ج4

- أحمد بن علي المقريزي المزيد...
454 /
53

جميع الدار المعروفة بدار الضرب، و جميع القيسارية المعروفة بقيسارية الصوف، و جميع الدار المعروفة بدار الخرق الجديدة، الذي كله بفسطاط مصر، و من ذلك ما تصدّق به على جامع المقس، جميع أربعة الحوانيت و المنازل التي علوها و المخزنين الذي ذلك كله بفسطاط مصر بالراية في جانب المغرب من الدار المعروفة كانت بدار الخرق، و هاتان الداران المعروفتان بدار الخرق في الموضع المعروف بحمام الفار، و من ذلك جميع الحصص الشائعة من أربعة الحوانيت المتلاصقة التي بفسطاط مصر بالراية، أيضا بالموضع المعروف بحمام الفار، و تعرف هذه الحوانيت بحصص القيسيّ، بحدود ذلك كله، و أرضه و بنائه و سفله و علوه و غرفه و مرتفقاته و حوانيته و ساحاته و طرقه و ممرّاته و مجاري مياهه، و كل حق هو له داخل فيه و خارج عنه، و جعل ذلك كله صدقة موقوفة محرّمة محبسة بتة بتلة، لا يجوز بيعها و لا هبتها و لا تمليكها، باقية على شروطها جارية على سبلها المعروفة في هذا الكتاب، لا يوهنها تقادم السنين، و لا تغير بحدوث حدث، و لا يستثنى فيها و لا يتأوّل، و لا يستفتي بتجدّد تحبيسها مدى الأوقات، و تستمرّ شروطها على اختلاف الحالات حتى يرث اللّه الأرض و السماوات، على أن يؤجر ذلك في كلّ عصر من ينتهي إليه ولايتها و يرجع إليه أمرها، بعد مراقبة اللّه و اجتلاب ما يوفر منفعتها من إشهارها عند ذوي الرغبة في إجارة أمثالها، فيبتدأ من ذلك بعمارة ذلك على حسب المصلحة و بقاء العين و مرمّته من غير إجحاف بما حبس ذلك عليه.

و ما فضل كان مقصوما على ستين سهما فمن ذلك للجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة المذكور في هذا الإشهاد، الخمس، و الثمن، و نصف السدس، و نصف التسع، يصرف ذلك فيما فيه عمارة له و مصلحة، و هو من العين المعزيّ الوازن ألف دينار واحدة و سبعة و ستون دينارا و نصف دينار و ثمن دينار، من ذلك للخطيب بهذا الجامع أربعة و ثمانون دينارا، و من ذلك لثمن ألف ذراع حصر عبدانيّة تكون عدّة له بحيث لا ينقطع من حصره عند الحاجة إلى ذلك، و من ذلك لثمن ثلاثة عشر ألف ذراع حصر مظفورة لكسوة هذا الجامع في كلّ سنة عند الحاجة إليها مائة دينار واحدة و ثمانية دنانير، و من ذلك لثمن ثلاثة قناطير زجاج و فراخها اثنا عشر دينارا و نصف و ربع دينار، و من ذلك لثمن عود هنديّ للبخور في شهر رمضان و أيام الجمع مع ثمن الكافور و المسك، و أجرة الصانع خمسة عشر دينارا، و من ذلك لنصف قنطار شمع بالفلفليّ سبعة دنانير، و من ذلك لكنس هذا الجامع و نقل التراب و خياطة الحصر و ثمن الخيط و أجرة الخياطة خمسة دنانير، و من ذلك لثمن مشاقة لسرج القناديل عن خمسة و عشرين رطلا بالرطل الفلفليّ دينار واحد، و من ذلك لثمن فحم للبخور عن قنطار واحد بالفلفليّ نصف دينار، و من ذلك لثمن أردبين ملحقا للقناديل ربع دينار، و من ذلك ما قدّر لمؤنة النحاس و السلاسل و التنانير و القباب التي فوق سطح الجامع أربعة و عشرون دينارا، و من ذلك لثمن سلب ليف و أربعة أحبل و ست دلاء أدم نصف دينار، و من ذلك لثمن‏

54

قنطارين خرقا لمسح القناديل نصف دينار، و من ذلك لثمن عشر قفاف للخدمة و عشرة أرطال قنب لتعليق القناديل و لثمن مائتين مكنسة لكنس هذا الجامع دينار واحد و ربع دينار، و من ذلك لثمن أزيار فخار تنصب على المصنع و يصبّ فيها الماء مع الجرة حملها ثلاثة دنانير، و من ذلك لثمن زيت وقود هذا الجامع راتب السنة ألف رطل و مائتا رطل مع أجرة الحمل سبعة و ثلاثون دينارا و نصف، و من ذلك لأرزاق المصلين يعني الأئمة و هم ثلاثة و أربعة قومة و مسة عشر مؤذنا خمسمائة دينار و ستة و خمسون دينارا و نصف، منها للمصلين لكلّ رجل منهم ديناران و ثلثا دينار و ثمن دينار في كلّ شهر من شهور السنة، و المؤذنون و القومة لكلّ رجل منهم ديناران في كلّ شهر، و من ذلك للمشرف على هذا الجامع في كلّ سنة أربعة و عشرون دينارا، و من ذلك لكنس المصنع بهذا الجامع و نقل ما يخرج منه من الطين و الوسخ دينار واحد، و من ذلك لمرمّة ما يحتاج إليه في هذا الجامع في سطحه و أترابه و حياطته و غير ذلك مما قدّر لكلّ سنة ستون دينارا، و من ذلك لثمن مائة و ثمانين حمل تبن و نصف حمل جارية لعلف رأسي بقر للمصنع الذي لهذا الجامع ثمانية دنانير و نصف و ثلث دينار، و من ذلك للتبن لمخزن يوضع فيه بالقاهرة أربعة دنانير، و من ذلك لثمن فدّانين قرط لتربيع رأسي البقر المذكورين في النة سبعة دنانير، و من ذلك لأجرة متولي العلف و أجرة السقاء و الحبال و القواديس و ما يجري مجرى ذلك خمسة عشر دينارا و نصف، و من ذلك لأجرة قيم الميضأة إن عملت بهذا الجامع اننا عشر دينارا. و إلى هنا انقضى حديث الجامع الأزهر، و أخذ في ذكر جامع راشدة و دار العلم و جامع المقس، ثم ذكر أن تنانير الفضة ثلاثة تنانير، و تسعة و ثلاثون قنديلا فضة، فللجامع الأزهر تنوران و سبعة و عشرون قنديلا، و منها لجامع راشدة تنور و اثنا عشر قنديلا، و شرط أن تعلق في شهر رمضان و تعاد إلى مكان جرت عادتها أن تحفظ به، و شرط شروطا كثيرة في الأوقاف منها: أنه إذا فضل شي‏ء و اجتمع يشترى به ملك، فإن عاز شيئا و استهدم و لم يف الريع بعمارته بيع و عمر به، و أشياء كثيرة، و حبس فيه أيضا عدّة آدر و قياسر لا فائدة في ذكرها، فإنها مما خربت بمصر.

قال ابن عبد الظاهر عن هذا الكتاب: و رأيت منه نسخة، و انتقلت إلى قاضي القضاة تقيّ الدين بن رزين، و كان بصدر هذا الجامع في محرابه منطقة فضة، كما كان في محراب جامع عمرو بن العاص بمصر، قلع ذلك صلاح الدين يوسف بن أيوب في حادي عشر ربيع الأوّل سنة تسع و ستين و خمسمائة، لأنه كان فيها انتهاء خلفاء الفاطميين، فجاء وزنها خمسة آلاف درهم نقرة، و قلع أيضا المناطق من بقية الجوامع. ثم أن المستنصر جدّد هذا الجامع أيضا، و جدّده الحافظ لدين اللّه، و أنشأ فيه مقصورة لطيفة تجاور الباب الغربيّ الذي في مقدّم الجامع بداخل الرواقات، عرفت بمقصورة فاطمة، من أجل أن فاطمة الزهراء رضي اللّه تعالى عنها رؤيت بها في المنام، ثم أنه جدّد في أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ.

55

قال القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في كتاب سيرة الملك الظاهر: لما كان يوم الجمعة الثامن عشر من ربيع الأوّل سنة خمس و ستين و ستمائة، أقيمت الجمعة بالجامع الأزهر بالقاهرة، و سبب ذلك أن الأمير عز الدين أيدمر الحليّ كان جار هذا الجامع من مدّة سنين، فرعى وفقه اللّه حرمة الجار، و رأى أن يكون كما هو جاره في دار الدنيا، أنه غدا يكون ثوابه جاره في تلك الدار، و رسم بالنظر في أمره و انتزع له أشياء مغصوبة كان شي‏ء منها في أيدي جماعة، و حاط أموره حتى جمع له شيئا صالحا، و جرى الحديث في ذلك، فتبرّع الأمير عز الدين له بجملة مستكثرة من المال الجزيل، و أطلق له من السلطان جملة من المال، و شرع في عمارته فعمّر الواهي من أركانه و جدارنه و بيّضه و أصلح سقوفه و بلطه و فرشه و كساه، حتى عاد حرما في وسط المدينة، و استجدّ به مقصورة حسنة، و آثر فيه آثارا صالحة يثيبه اللّه عليها، و عمل الأمير بيلبك الخازندار فيه مقصورة كبيرة رتب فيها جماعة من الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الإمام الشافعيّ رحمه اللّه، و رتب في هذه المقصورة محدّثا يسمع الحديث النبويّ و الرقائق، و وقف على ذلك الأوقاف الدارّ، و رتب به سبعة لقراءة القرآن، و رتب به مدرّسا أثابه اللّه على ذلك. و لما تكمّل تجديده تحدّث في إقامة جمعة فيه، فنودي في المدينة بذلك، و استخدم له الفقيه زين الدين خطيبا، و أقيمت الجمعة فيه في اليوم المذكور، و حضر الأتابك فارس الدين، و الصاحب بها الدين عليّ بن حنا، و ولده الصاحب فخر الدين محمد، و جماعة من الأمراء و الكبراء، و أصناف العالم على اختلافهم، و كان يوم جمعة مشهودا، و لما فرغ من الجمعة جلس الأمير عز الدين الحليّ و الأتابك و الصاحب و قرى‏ء القرآن و دعى للسلطان، و قام الأمير عز الدين و دخل إلى داره و دخل معه الأمراء، فقدّم لهم كلّ ما تشتهي الأنفس و تلذ الأعين، و انفصلوا، و كان قد جرى الحديث في أمر جواز الجمعة في الجامع و ما ورد فيه. من أقاويل العلماء، و كتب فيها فتيا أخذ فيها خطوط العلماء بجواز الجمعة في هذا الجامع و إقامتها، فكتب جماعة خطوطهم فيها، و أقيمت صلاة الجمعة به و استمرّت، و وجد الناس به رفقا و راحة لقربه من الحارات البعيدة من الجامع الحاكميّ.

قال و كان سقف هذا الجامع قد بني قصيرا فزيد فيه بعد ذلك و على ذراعا، و استمرّت الخطبة فيه حتى بني الجامع الحاكميّ، فانتقلت الخطبة إليه، فإن الخليفة كان يخطب فيه خطبة و في الجامع الأزهر خطبة، و في جامع ابن طولون خطبة، و في جامع مصر خطبة، و انقطعت الخطبة من الجامع الأزهر لما استبدّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بالسلطنة، فإنه قلد وظيفة القضاء لقاضي القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس، فعمل بمقتضى مذهبه، و هو امتناع إقامة الخطبتين للجمعة في بلد واحد كما هو مذهب الإمام الشافعيّ، فأبطل الخطبة من الجامع الأزهر و أقرّ الخطبة بالجامع الحاكميّ من أجل أنه أوسع. فلم يزل الجامع الأزهر معطلا من إقامة الجمعة فيه مائة عام، من حين استولى‏

56

السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلى أن أعيدت الخطبة في أيام الملك الظاهر بيبرس كما تقدّم ذكره. ثم لما كانت الزلزلة بديار مصر في ذي الحجة سنة اثنتين و سبعمائة، سقط الجامع الأزهر و الجامع الحاكميّ و جامع مصر و غيره، فتقاسم أمراء الدولة عمارة الجوامع، فتولى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير عمارة الجامع الحاكميّ، و تولى الأمير سلار عمارة الجامع الأزهر، و تولى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار عمارة جامع الصالح، فجدّدوا مبانيها و أعادوا ما تهدّم منها. ثم جدّدت عمارة الجامع الأزهر على يد القاضي نجم الدين محمد بن حسين بن عليّ الأسعرديّ، محتسب القاهرة، في سنة خمس و عشرين و سبعمائة. ثم جدّدت عمارته في سنة إحدى و ستين و سبعمائة، عند ما سكن الأمير الطواشي سعد الدين بشير الجامدار الناصريّ، في دار الأمير فخر الدين أبان الزاهديّ الصالحيّ النجميّ بخط الأبارين بجوار الجامع الأزهر، بعد ما هدمها و عمرها داره التي تعرف هناك إلى اليوم بدار بشير الجامدار، فأحب لقربه من الجامع أن يؤثر فيه أثرا صالحا، فاستأذن السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في عمارة الجامع، و كان أثيرا عنده خصيصا به، فأذن له في ذلك.

و كان قد استجدّ بالجامع عدّة مقاصير و وضعت فيه صناديق و خزائن حتى ضيقته، فأخرج الخزائن و الصناديق و نزع تلك المقاصير، و تتبع جدرانه و سقوفه بالإصلاح حتى عادت كأنها جديدة، و بيّض الجامع كله و بلطه، و منع الناس من المرور فيه، و رتب فيه مصحفا و جعل له قارئا، و أنشأ على باب الجامع القبليّ حانوتا لتسبيل الماء العذب في كلّ يوم، و عمل فوقه مكتب سبيل لإقراء أيتام المسلمين كتاب اللّه العزيز، و رتب للفقراء المجاورين طعاما يطبخ كلّ يوم، و أنزل إليه قدورا من نحاس جعلها فيه، و رتب فيه درسا للفقهاء من الحنفية يجلس مدرّسهم لإلقاء الفقه في المحراب الكبير، و وقف على ذلك أوقافا جليلة باقية إلى يومنا هذا، و مؤذنو الجامع يدعون في كلّ جمعة و بعد كلّ صلاة للسلطان حسن إلى هذا الوقت الذي نحن فيه.

و في سنة أربع و ثمانين و سبعمائة ولي الأمير الطواشي بهادر المقدّم على المماليك السلطانية نظر الجامع الأزهر، فتنجز مرسوم السلطان الملك الظاهر برقوق بأنّ من مات من مجاوري الجامع الأزهر عن غير وارث شرعيّ و ترك موجودا فإنه يأخذه المجاورون بالجامع، و نقش ذلك على حجر عند الباب الكبير البحريّ. و في سنة ثمانمائة هدمت منارة الجامع، و كانت قصيرة، و عمّرت أطول منها، فبلغت النفقة عليها من مال السلطان خمسة عشر ألف درهم نقرة، و كملت في ربيع الآخر من السنة المذكورة، فعلّقت القناديل فيها ليلة الجمعة من هذا الشهر، و أوقدت حتى اشتعل الضوء من أعلاها إلى أسفلها، و اجتمع القرّاء و الوعاظ بالجامع و تلوا ختمة شريفة، و دعوا للسلطان فلم تزل هذه المئذنة إلى شوّال سنة سبع عشرة و ثمانمائة، فهدمت لميل ظهر فيها، و عمل بدلها منارة من حجر على باب الجامع‏

57

البحريّ، بعد ما هدم الباب و أعيد بناؤه بالحجر، و ركبت المنارة فوق عقده، و أخذ الحجر لها من مدرسة الملك الأشرف خليل التي كانت تجاه قلعة الجبل، و هدمها الملك الناصر فرج بن برقوق، و قام بعمارة ذلك الأمير تاج الدين التاج الشوبكيّ والي القاهرة و محتسبها، إلى أن تمت في جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة و ثمانمائة، فلم تقم غير قليل و مالت حتى كادت تسقط، فهدمت في صفر سنة سبع و عشرين، و أعيدت. و في شوّال منها ابتدئ بعمل الصهريج الذي بوسط الجامع، فوجد هناك آثار فسقية ماء، و وجد أيضا رمم أموات، و تمّ بناؤه في ربيع الأوّل، و عمل بأعلاه مكان مرتفع له قبة يسبل فيه الماء، و غرس بصحن الجامع أربع شجرات، فلم تفلح و ماتت، و لم يكن لهذا الجامع ميضأة عندما بني، ثم عملت ميضأته حيث المدرسة الأقبغاوية إلى أن بنى الأمير أقبغا عبد الواحد مدرسته المعروفة بالمدرسة الأقبغاوية هناك، و أما هذه الميضأة التي بالجامع الآن فإن الأمير بدر الدين جنكل بن البابا بناها، ثم زيد فيها بعد سنة عشر و ثمانمائة ميضأة المدرسة الأقبغاوية.

و في سنة ثمان عشرة و ثمانمائة ولي نظر هذا الجامع الأمير سودوب القاضي حاجب الحجاب، فجرت في أيام نظره حوادث لم يتفق مثلها، و ذلك أنه لم يزل في هذا الجامع منذ بني عدّة من الفقراء يلازمون الإقامة فيه، و بلغت عدّتهم في هذه الأيام سبعمائة و خمسين رجلا ما بين عجم و زيالعة، و من أهل ريف مصر و مغاربة، و لكلّ طائفة رواق يعرف بهم، فلا يزال الجامع عامرا بتلاوة القرآن و دراسته و تلقينه و الاشتغال بأنواع العلوم الفقه و الحديث و التفسير و النحو، و مجالس الوعظ و حلق الذكر، فيجد الإنسان إذا دخل هذا الجامع من الإنس بالله و الارتياح و ترويح النفس ما لا يجده في غيره، و صار أرباب الأموال يقصدون هذا الجامع بأنواع البرّ من الذهب و الفضة و الفلوس إعانة للمجاورين فيه على عبادة اللّه تعالى، و كلّ قليل تحمل إليهم أنواع الأطعمة و الخبز و الحلاوات، لا سيما في المواسم. فأمر في جمادى الأولى من هذه السنة بإخراج المجاورين من الجامع و منعهم من الإقامة فيه، و إخراج ما كان لهم فيه من صناديق و خزائن و كراسي المصاحف، زعما منه أن هذا العمل مما يثاب عليه، و ما كان إلّا من أعظم الذنوب و أكثرها ضررا، فإنه حلّ بالفقراء بلاء كبير من تشتت شملهم و تعذر الأماكن عليهم، فساروا في القرى و تبذلوا بعد الصيانة، و فقد من الجامع أكثر ما كان فيه من تلاوة القرآن و دراسة العلم و ذكر اللّه، ثم لم يرضه ذلك حتى زاد في التعدّي، و أشاع أن أناسا يبيتون بالجامع و يفعلون فيه منكرات، و كانت العادة قد جرت بمبيت كثير من الناس في الجامع ما بين تاجر و فقيه و جنديّ و غيرهم، منهم من يقصد بمبيته البركة، و منهم من لا يجد مكانا يأويه، و منهم من يستروح بمبيته هناك خصوصا في ليالي الصيف و ليالي شهر رمضان، فإنه يمتلئ صحنه و أكثر رواقاته. فلما كانت ليلة الأحد الحادي عشر من جمادى الآخرة، طرق الأمير سودوب الجامع بعد العشاء الآخرة و الوقت صيف، و قبض على جماعة و ضربهم في الجامع، و كان قد جاء معه من الأعوان و الغلمان‏

58

و غوغاء العامّة و من يريد النهب جماعة، فحلّ بمن كان في الجامع أنواع البلاء، و وقع فيهم النهب، فأخذت فرشهم و عمائمهم، و فتشت أوساطهم و سلبوا ما كان مربوطا عليها من ذهب و فضة، و عمل ثوبا أسود للمنبر و علمين مزوّقين، بلغت النفقة على ذلك خمسة عشر ألف درهم، على ما بلغني، فعاجل اللّه الأمير سودوب و قبض عليه السلطان في شهر رمضان و سجنه بدمشق.

جامع الحاكم‏

هذا الجامع بني خارج باب الفتوح، أحد أبواب القاهرة، و أوّل من أسسه أمير المؤمنين العزيز بالله نزار بن المعز لدين اللّه معدّ، و خطب فيه و صلّي بالناس الجمعة، ثم أكمله ابنه الحاكم بأمر اللّه. فما وسّع أمير الجيوش بدر الجماليّ القاهرة و جعل أبوابها حيث هي اليوم، صار جامع الحاكم داخل القاهرة، و كان يعرف أوّلا بجامع الخطبة، و يعرف اليوم بجامع الحاكم، و يقال له الجامع الأنور.

قال الأمير مختار عز الملك محمد بن عبيد اللّه بن أحمد المسبحيّ في تاريخ مصر:

و فيه يعني شهر رمضان، سنة ثمانين و ثلاثمائة خط أساس الجامع الجديد بالقاهرة مما يلي باب الفتوح من خارجه، و بدي‏ء بالبناء فيه، و تحلق فيه الفقهاء الذين يتحلقون في جامع القاهرة، يعني الجامع الأزهر، و خطب فيه العزيز بالله. و قال في حوادث سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة لأربع خلون من شهر رمضان، صلّى العزيز بالله في جامعه صلاة الجمعة، و خطب، و كان في مسيره بين يديه أكثر من ثلاثة آلاف، و عليه طيلسان و بيده القضيب، و في رجله الحذاء. و ركب لصلاة الجمعة في رمضان سنة ثلاث و ثمانين و ثلاثمائة إلى جامعه و معه ابنه منصور، فجعلت المظلة على منصور و سار العزيز بغير مظلة.

و قال في حوادث سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة: و أمر الحاكم بأمر اللّه أن يتم بناء الجامع الذي كان الوزير يعقوب بن كلس بدأ في بنيانه عند باب الفتوح، فقدّر للنفقة عليه أربعون ألف دينار، فابتدى‏ء في العمل فيه. و في صفر سنة إحدى و أربعمائة زيد في منارة جامع باب الفتوح، و عمل لها أركان طول كلّ ركن مائة ذراع، و في سنة ثلاث و أربعمائة أمر الحاكم بأمر اللّه بعمل تقدير ما يحتاج إليه جامع باب الفتوح من الحصر و القناديل و السلاسل، فكان تكسير ما ذرع للحصر ستة و ثلاثين ألف ذراع، فبلغت النفقة على ذلك خمسة آلاف دينار.

قال: و تمّ بناء الجامع الجديد بباب الفتوح، و علّق على سائر أبوابه ستور ديبقية عملت له، و علّق فيه تنانير فضة عدّتها أربع، و كثير من قناديل فضة، و فرش جميعه بالحصر التي عملت له، و نصب فيه المنبر و تكامل فرشه و تعليقه، و أذن في ليلة الجمعة سادس شهر رمضان سنة ثلاث و أربعمائة لمن بات في الجامع الأزهر أن يمضوا إليه، فمضوا. و صار

59

الناس طول ليلتهم يمشون من كلّ واحد من الجامعين إلى الآخر بغير مانع لهم، و لا اعتراض من أحد من عسس القصر، و لا أصحاب الطوف إلى الصبح. و صلّى فيه الحاكم بأمر اللّه بالناس صلاة الجمعة، و هي أوّل صلاة أقيمت فيه بعد فراغه. و في ذي القعدة سنة أربع و أربعمائة حبس الحاكم عدّة قياسر و أملاك على الجامع الحاكميّ بباب الفتوح. قال ابن عبد الظاهر: و على باب الجامع الحاكميّ مكتوب أنّه أمر بعمله الحاكم أبو عليّ المنصور في سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة، و على منبره مكتوب أنه أمر بعمل هذا المنبر للجامع الحاكميّ المنشأ بظاهر باب الفتوح في سنة ثلاث و أربعمائة، و رأيت في سيرة الحاكم، و في يوم الجمعة أقيمت الجمعة في الجامع الذي كان الوزير أنشأه بباب الفتوح. و رأيت في سيرة الوزير المذكور، في يوم الأحد عاشر رمضان سنة تسع و سبعين و ثلاثمائة خط أساس الجامع الجديد بالقاهرة خارج الطابية مما يلي باب الفتوح. قال: و كان هذا الجامع خارج القاهرة، فجدّد بعد ذلك باب الفتوح، و على البدنة التي تجاور باب الفتوح و بعض البرج مكتوب: إنّ ذلك بني سنة ثلاثين و أربعمائة في زمن المستنصر بالله، و وزارة أمير الجيوش، فيكون بينهما سبع و ثمانون سنة. قال: و الفسقية وسط الجامع بناها الصاحب عبد اللّه بن عليّ بن شكر و أجرى الماء إليها، و أزالها القاضي تاج الدين بن شكر، و هو قاضي القضاة في سنة ستين و ستمائة، و الزيادة التي إلى جانبه قيل إنها بناء ولده الظاهر عليّ و لم يكملها، و كان قد حبس فيها الفرنج فعملوا فيها كنائس، هدمها الملك الناصر صلاح الدين، و كان قد تغلب عليها و بنيت إصطبلات. و بلغني أنها كانت في الأيام المتقدّمة قد جعلت أهراء للغلال.

فلما كان في الأيام الصالحية و وزارة معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ للملك الصالح أيوب ولد الكامل، ثبت عند الحاكم أنها من الجامع، و أن بها محرابا، فانتزعت و أخرج الخيل منها و بني فيها ما هو الآن في الأيام المعزية على يد الركن الصيرفيّ، و لم يسقف. ثم جدّد هذا الجامع في سنة ثلاث و سبعمائة. و ذلك أنه لما كان يوم الخميس ثالث عشري ذي الحجة سنة اثنتين و سبعمائة، تزلزلت أرض مصر و القاهرة و أعمالهما و رجل كلّ ما عليهما و اهتز، و سمع للحيطان قعقعة، و للسقوف قرقعة، و مارت الأرض بما عليها و خرجت عن مكانها، و تخيل الناس أن السماء قد انطبقت على الأرض، فهربوا من أماكنهم و خرجوا عن مساكنهم، و برزت النساء حاسرات، و كثر الصراخ و العويل، و انتشرت الخلائق فلم يقدر أحد على السكون و القرار لكثرة ما سقط من الحيطان، و خرّ من السقوف و المآذن و غير ذلك من الأبنية، و فاض ماء النيل فيضا غير المعتاد، و ألقى ما كان عليه من المراكب التي بالساحل قدر رمية سهم، و انحسر عنها فصارت على الأرض بغير ماء، و اجتمع العالم في الصحراء خارج القاهرة و باتوا ظاهر باب البحر بحرمهم و أولادهم في الخيم، و خلت المدينة و تشعثت جميع البيوت حتى لم يسلم و لا بيت من سقوط أو تسقط أو ميل، و قام الناس في الجوامع يبتهلون و يسألون اللّه سبحانه طول يوم الخميس و ليلة الجمعة و يوم الجمعة.

60

فكان مما تهدّم في هذه الزلزلة: الجامع الحاكميّ، فإنه سقط كثير من البدنات التي فيه، و خرب أعالي المئذنتين، و تشعثت سقوفه و جدرانه، فانتدب لذلك الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير و نزل إليه و معه القضاة و الأمراء، فكشفه بنفسه و أمر برمّ ما تهدّم منه، و إعادة ما سقط من البدنات. فأعيدت و في كلّ بدنة منها طاق، و أقام سقوف الجامع و بيّضه حتى عاد جديدا، و جعل له عدّة أوقاف بناحية الجيزة و في الصعيد و في الإسكندرية، تغلّ كلّ سنة شيئا كثيرا، و رتب فيه دروسا أربعة لإقراء الفقه على مذاهب الأئمة الأربعة، و درسا لإقراء الحديث النبويّ، و جعل لكل درس مدرّسا و عدة كثيرة من الطلبة، فرتّب في تدريس الشافعية قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعيّ، و في تدريس الحنفية قاضي القضاة شمس الدين أحمد السروجيّ الحنفيّ، و في تدريس المالكية قاضي القضاة زين الدين عليّ بن مخلوف المالكيّ، و في تدريس الحنابلة قاضي القضاة شرف الدين الجوّانيّ، و في درس الحديث الشيخ سعد الدين مسعودا الحارثيّ، و في درس النحو الشيخ أثير الدين أبا حيان، و في درس القراءات السبع الشيخ نور الدين الشطنوفيّ، و في التصدير لإفادة العلوم علاء الدين عليّ بن إسماعيل القونويّ، و في مشيخة الميعاد المجد عيسى بن الخشاب، و عمل فيه خزانة كتب جليلة، و جعل فيه عدّة متصدّرين لتلقين القرآن الكريم، و عدّة قرّاء يتناوبون قراءة القرآن، و معلما يقرئ أيتام المسلمين كتاب اللّه عز و جلّ، و حفر فيه صهريجا بصحن الجامع ليملأ في كل سنة من ماء النيل، و يسبل منه الماء في كلّ يوم و يستقي منه الناس يوم الجمعة، و أجرى على جميع من قرّره فيه معاليم داره، و هذه الأوقاف باقية إلى اليوم، إلّا أن أحوالها اختلت كما اختلّ غيرها، فكان ما أنفق عليه زيادة على أربعين ألف دينار.

و جرى في بنائه لهذا الجامع أمر يتعجب منه، و هو ما حدّثني به شيخنا الشيخ المعروف المسند المعمر أبو عبد اللّه محمد بن ضرغام بن شكر المقري بمكة، في سنة سبع و ثمانين و سبعمائة قال: أخبرني من حضر عمارة الأمير بيبرس للجامع الحاكميّ عند سقوطه في سنة الزلزلة، أنّه لما شرع البناة في ترميم ما و هي من المئذنة التي هي من جهة باب الفتوح، ظهر لهم صندوق في تضاعيف البنيان، فأخرجه الموكل بالعمارة و فتحه، فإذا فيه قطن ملفوف على كف إنسان بزنده و عليه أسطر مكتوبة لم يدر ما هي، و الكف طرية كأنها قريبة عهد بالقطع، ثم رأيت هذه الحكاية بخط مؤلف السيرة الناصرية موسى بن محمد بن يحيى، أحد مقدّمي الحلقة. ثم جدّد هذا الجامع و بلط جميعه في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في ولايته الثانية، على يد الشيخ قطب الدين محمد الهرماس في سنة ستين و سبعمائة، و وقف قطعة أرض على الهرماس و أولاده، و على زيادة في معلوم الإمام بالجامع، و على ما يحتاج إليه في زيت الوقود و مرمّة في سقفه و جدرانه، و جرى في عمارة الجامع على يد الهرماس ما حدّثني به الشيخ المعمر شمس الدين محمد بن عليّ إمام‏

61

الجامع الطيبرسيّ بشاطئ النيل، قال: أخبرني محمد بن عمر البوصيريّ قال: حدّثنا قطب الدين محمد الهرماس، أنه رأى بالجامع الحاكميّ حجرا ظهر من مكان قد سقط منقوش عليه هذه الأبيات الخمسة:

إنّ الذي أسررت مكنون اسمه‏* * * و كتمته كيما أفوز بوصله‏

مال له جذر تساوى في الهجا* * * طرفاه يضرب بعضه في مثله‏

فيصير ذاك المال إلّا أنّه‏* * * في النصف منه تصاب أحرف كله‏

و إذا نطقت بربعه متكلما* * * من بعد أوّله نطقت بكله‏

لا نقط فيه إذا تكامل عدّه‏* * * فيصير منقوطا بجملة شكله‏

قال و هذه الأبيات لغز في الحجر المكرّم.

و قال العلامة شمس الدين محمد بن النقاش في كتاب العبر في أخبار من مضى و غبر:

و في هذه السنة، يعني سنة إحدى و ستين و سبعمائة، صودر الهرماس و هدمت داره التي بناها أمام الجامع الحاكميّ، و ضرب و نفي هو و ولده. فلما كان يوم الثلاثاء التاسع و العشرون من ذي القعدة استفتى السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في وقف حصة طندتا، و هي الأرض التي كان قد سأله الهرماس أن يقفها على مصالح الجامع الحاكميّ فعين له خمسمائة و ستين فدّانا من طين طندتا، و طلب الموقعين و أمرهم أن يكتبوا صورة وقفها و يحضروه ليشهدوا عليه به، و كان قد تقرّر من شروطه في أوقافه ما قيل أنه رواية عن أبي حنيفة رحمة اللّه تعالى عليه، من أنّ للواقف أن يشترط في وقفه التغيير و الزيادة و النقص و غير ذلك، فأحضر الكركيّ الموقع إليه الكتاب مطويا، فقرأ منه طرّته و خطبته و أوّله، ثم طواه و أعاده إليه مطويا و قال: اشهدوا بما فيه دون قراءة و تأمل، فشهدوا هم بالتفصيل الذي كتبوه و قرّروه مع الهرماس، و لما اطلع السلطان على ذلك بعد نفي الهرماس طلب الكركيّ و سأله عن هذه الواقعة فأجاب بما قد ذكرنا و اللّه أعلم بصحة ذلك. غير أن المعلوم المقرّر أن السلطان ما قصد إلّا مصالح الجامع، نعم سأله أزدمر الخازندار، هل وقفت حصة لطيفة على أولاد الهرماس فإنه قد ذكر ذلك؟ فقال: نعم أنا وقفت عليهم جزأ يسيرا لم أعلم مقداره، و أما التفصيل المذكور في كتاب الوقف فلم أتحققه و لم أطلع عليه، فاستفتى المفتين في هذه الواقعة، فأمّا المفتون كابن عقيل و ابن السبكيّ و البلقينيّ و البسطاميّ و الهنديّ و ابن شيخ الجبل و البغداديّ و نحوهم، فأجابوا ببطلان الحكم المترتب على هذه الشهادة الباطلة، و بطلان التنفيذ، و كان الحنفيّ حكم و البقية نفذوا، و أما الحنفيّ فقال: إنّ الوقف إذا صدر صحيحا على الأوضاع الشرعية فإنه لا يبطل بما قاله الشاهد، و هو جواب عن نفس الواقعة، و أما الشافعيّ فكتب ما مضمونه: إنّ الحنفيّ إن اقتضى مذهبه بطلان ما صححه أوّلا نفذ بطلانه، و حاصل ذلك أن القضاة أجابوا بالصحة، و المفتين أجابوا بالبطلان. فطلب‏

62

السلطان المفتين و القضاة، فلم يحضر من الحكام غير نائب الشافعيّ، و هو تاج الدين محمد بن إسحاق بن المناويّ، و القضاة الثلاثة الشافعيّ و الحنفيّ و الحنبليّ و جدوا مرضى لم يمكنهم الحضور إلى سرياقوس، فإن السلطان كان قد سرح إليها على العادة في كلّ سنة، فجمعهم السلطان في برج من القصر الذي بميدان سرياقوس عشاء الآخرة، و ذكر لهم القضية و سألهم عن حكم اللّه تعالى في الواقعة. فأجاب الجميع بالبطلان، غير المناوي فإنه قال:

مذهب أبي حنيفة أن الشهادة الباطلة إذا اتصل بها الحكم صح و لزم. فصرخت عليه المفتون شافعيهم و حنفيهم. أمّا شافعيهم فإنه قال: ليس هذا مذهبك و لا مذهب الجمهور، و لا هو الراجح في الدليل و النظر. و قال له ابن عقيل: هذا مما ينقض به الحكم لو حكم به حاكم و ادّعى قيام الإجماع على ذلك. و قال له سراج الدين البلقينيّ: ليس هذا مذهب أبي حنيفة، و مذهبه في العقود و الفسوخ ما ذكرت من أن حكم الحاكم يكون هو المعتمد في التحليل و التحريم، و أمّا الأوقاف و نحوها فحكم الحاكم فيها لا أثر له كمذهب الشافعيّ، و ادّعوا أن الإجماع قائم على ذلك، و قاموا على المناويّ في ذلك قومة عظيمة فقال: نحن نحكم بالظاهر. فقالوا له: ما لم يظهر الباطن بخلافه. فقال: قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): نحن نحكم بالظاهر. قالوا هذا الحديث كذب على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و إنما الحديث الصحيح حديث: «إنما أنا بشر، و لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض الحديث» قال المناويّ: الأحكام ما هي بالفتاوى. قالوا له: فبماذا تكون؟ أفي الوجود حكم شرعيّ بغير فتوى من اللّه و رسوله؟ و كان قد قال في مجلس ابن الدريهم: القائم على نفيس اليهوديّ المدعوّ برأس الجالوت بين اليهود لا يلتفت لقول المفتي. فقيل له: في هذا المجلس ها أنت قد قلت مرّتين أنّ المفتين لا يعتبر قولهم، و أنّ الفتاوى لا يعتدّ بها، و قد أخطأت في ذلك أشدّ الخطأ، و أنبأت عن غاية الجهل، فإن منصب الفتوى أوّل من قام به ربّ العالمين إذ قال في كتابه المبين:

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء/ 176] و قال يوسف (عليه السلام):

قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ‏ [يوسف/ 41] و قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لعائشة رضي اللّه عنها: «قد أفتاني اللّه ربي فيما استفتيته» و كلّ حكم جاء على سؤال سائل تكفل ببيانه قرآن أو سنة فهو فتوى، و القائم به مفت، فكيف تقول لا يلتفت إلى الفتوى أو إلى المفتين؟ فقال سراج الدين الهنديّ و غيره: هذا كفر، و مذهب أبي حنيفة أن من استخف بالفتوى أو المفتين فهو كافر، فاستدرك نفسه بعد ذلك و قال: لم أرد إلّا أنّ الفتوى إذا خالف المذهب فهي باطلة. قالوا له: و أخطأت في ذلك أيضا، لأنّ الفتوى قد تخالف المذهب المعين و لا تخالف الحق في نفس الأمر. قال: فأردت بالفتوى التي تخالف الحقّ. قالوا: فأطلقت في موضع التقييد و ذلك خطأ. فقال السلطان حينئذ: فإذا قدّر هذا و ادّعيت أن الفتوى لا أثر لها، فنبطل‏

63

المفتين و الفتوى من الوجود. فتلكأ و حار و قال: كيف أعمل في هذا؟ فتبين لبعض الحاضرين أنه استشكل المسألة، و لم يتبين له وجهها. فقال: لا شك أنّ مولانا السلطان لم ينكر صدور الوقف، و إنما أنكر المصارف، و أن تكون الجهة التي عينها هي هرماس و شهوده و قضاته، و للسلطان أن يحكم فيها بعلمه، و يبطل ما قرّروه من عند أنفسهم. قال: كيف يحكم لنفسه؟ قيل له: ليس هذا حكما لنفسه، لأنه مقرّ بأصل الوقف، و هو للمستحقين ليس له فيه شي‏ء، و إنما بطل وصف الوقف، و هو المصرف الذي قرّر على غير جهة الوقف، و له أن يوقع الشهادة على نفسه بحكم أن مصرّف هذا الوقف الجهة الفلانية دون الفلانية.

و لم يزالوا يذكرون له أوجها تبين بطلان الوقف إمّا بأصله أو بوصفه إلى أن قال: يبطل بوصفه دون أصله، و أذعن لذلك بعد إتعاب من العلماء. و إزعاج شديد من السلطان في بيان وجوه ذكروها تبين وجه الحق، و أنه إنما وقفه على مصالح الجامع المذكور. و هذا مما لا يشك فيه عاقل و لا يرتاب. فالتفت بعد ذلك و قال للحاضرين: كيف نعمل في إبطاله؟

فقالوا: بما قرّرناه من إشهاد السلطان على نفسه بتفصيل صحيح، و أنه لم يزل كذلك منذ صدر منه الوقف إلى هذا الحدّ، و غير ذلك من الوجوه. فجعل يوهم السلطان أن الشهود الذين شهدوا في هذا الوقف متى بطل هذا الوقف ثبت عليهم التساهل و جرحوا بذلك، و قدح ذلك في عدالتهم، و متى جرحوا الآن لزم بطلان شهادتهم في الأوقاف المتقدّمة على هذا التاريخ، و خيل بذلك للسلطان حتى ذكر له إجماع المسلمين على أن جرح الشاهد لا ينعطف على ما مضى من شهاداته السالفة و لو كفر، و العياذ بالله، و هذا مما لا خلاف فيه.

ثم استقرّ رأيه على أن يبطله بشاهدين يشهدان أن السلطان لمّا صدر منه هذا الوقف كان قد اشترط لنفسه التغيير و التبديل و الزيادة و النقص و قام على ذلك.

قال مؤلفه رحمه اللّه: انظر تثبت القضاة، و قايس بين هذه الواقعة و ما كان من تثبت القاضي تاج الدين المناوي، و هو يومئذ خليفة الحكم و مصادمته الجبال، و بين ما ستقف عليه من التساهل و التناقض في خبر أوقاف مدرسة جمال الدين يوسف الأستادار، و ميّز بعقلك فرق ما بين القضيتين. و هذه الأرض التي ذكرت هي الآن بيد أولاد الهرماس بحكم الكتاب الذي حاول السلطان نقضه، فلم يوافق المناويّ. و الجامع الآن متهدّم و سقوفه كلها ما من زمن إلّا و يسقط منها الشي‏ء بعد الشي‏ء فلا يعاد، و كانت ميضأة هذا الجامع صغيرة بجوار ميضأته الآن، فيما بينها و بين باب الجامع، و موضعها الآن مخزن تعلوه طبقة عمرها شخص من الباعة يعرف بابن كرسون المراحليّ، و هذه الميضأة الموجودة الآن أحدثت و أنشأ الفسقية التي فيها ابن كرسون في أعوام بضع و ثمانين و سبعمائة، و بيّض مئذنتي الجامع، و استجدّ المئذنة التي بأعلى الباب المجاور للمنبر رجل من الباعة، و كملت في جمادى الآخرة سنة سبع و عشرين و ثمانمائة، و خرق سقف الجامع حتى صار المؤذنون ينزلون من السطح إلى الدكة التي يكبرون فوقها وراء الإمام.

64

«هيئة صلاة الجمعة في أيام الخلفاء الفاطميين» قال المسبحيّ: و في يوم الجمعة غرّة رمضان سنة ثمانين و ثلاثمائة ركب العزيز بالله إلى جامع القاهرة بالمظلة المذهبة و بين يديه نحو خمسة آلاف ماش، و بيده القضيب، و عليه الطيلسان و السيف. فخطب و صلّى صلاة الجمعة و انصرف، فأخذ رقاع المتظلمين بيده و قرأ منها عدّة في الطريق، و كان يوما عظيما ذكرته الشعراء. قال ابن الطوير: إذا انقضى ركوب أوّل شهر رمضان استراح في أوّل جمعة، فإذا كانت الثانية ركب الخليفة إلى الجامع الأنور الكبير في هيئة المواسم بالمظلة و ما تقدّم ذكره من الآلات، و لباسه فيه ثياب الحرير البيض توقيرا للصلاة من الذهب، و المنديل و الطيلسان المقوّر الشعريّ، فيدخل من باب الخطابة و الوزير معه بعد أن يتقدّمه في أوائل النهار صاحب بيت المال، و هو المقدّم ذكره في الأستاذين، و بين يديه الفرش المختصة بالخليفة إذا صار إليه في هذا اليوم، و هو محمول بأيدي الفرّاشين المميزين، و هو ملفوف في العراضي الديبقية، فيفرش في المحراب ثلاث طرّاحات أماسامان، أو ديبقيّ أبيض، أحسن ما يكون من صنفهما، كلّ منهما منقوش بالحمرة. فتجعل الطرّاحات متطابقات، و يعلّق ستران يمنة و يسرة، و في الستر الأيمن كتابة مرقومة بالحرير الأحمر واضحة، منقوطة أوّلها البسملة و الفاتحة و سورة الجمعة، و في الستر الأيسر مثل ذلك، و سورة إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ‏ قد أسبلا و فرشا في التعليق بجانبي المحراب لاصقين بجسمه، ثم يصعد قاضي القضاة المنبر و في يده مدخنة لطيفة خيزران يحضرها إليه صاحب بيت المال فيها جمرات، و يجعل فيها ندّ مثلث لا يشمّ مثله إلّا هناك، فيجز الذروة التي عليها الغشاء كالقبة لجلوس الخليفة للخطابة، و يكرّر ذلك ثلاث دفعات، فيأتي الخليفة في هيئة موقرة من الطبل و البوق، و حوالي ركابه خارج أصحاب الركاب القرّاء، و هم قرّاء الحضرة من الجانبين يطرّبون بالقراءة نوبة بعد نوبة، يستفتحون بذلك من ركوبه من الكرسيّ على ما تقدّم طول طريقه إلى قاعة الخطابة من الجامع، ثم تحفظ المقصورة من خارجها بترتيب أصحاب الباب و اسفهسلار العساكر، و من داخلها إلى آخرها صبيان الخاص و غيرهم ممن يجري مجراهم، و من داخلها من باب خروجه إلى المنبر واحد فواحد، فيجلس في القاعة، و إن احتاج إلى تجديد وضوء فعل، و الوزير في مكان آخر، فإذا أذّن بالجمعة دخل إليه قاضي القضاة فقال له: السلام على أمير المؤمنين الشريف القاضي و رحمة اللّه و بركاته، الصلاة يرحمك اللّه. فيخرج ماشيا و حواليه الأستاذون المحنكون، و الوزير وراءه، و من يليهم من الخواص و بأيديهم الأسلحة من صبيان الخاص، و هم أمراء و عليهم هذا الاسم، فيصعد المنبر إلى أن يصل إلى الذروة تحت تلك القبة المبخرة، فإذا استوى جالسا و الوزير على باب المنبر و وجهه إليه، فيشير إليه بالصعود فيصعد إلى أن يصل إليه، فيقبل يديه و رجليه بحيث يراه الناس، ثم يزرر عليه تلك القبة لأنها كالهودج، ثم ينزل مستقبلا، فيقف ضابطا لباب المنبر، فإن لم يكن ثمّ وزير صاحب سيف، زرّر عليه قاضي القضاة كذلك،

65

و وقف صاحب الباب ضابطا للمنبر.

فيخطب خطبة قصيرة من مسطور يحضر إليه من ديوان الإنشاء، يقرأ فيها آية من القرآن الكريم، و لقد سمعته مرّة في خطابته بالجامع الأزهر و قد قرأ في خطبته‏ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَ‏ الآية، ثم يصلي على أبيه و جدّه، يعني بهما محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) و عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و يعظ الناس وعظا بليغا قليل اللفظ، و تشتمل الخطبة على ألفاظ جزلة، و يذكر من سلف من آبائه حتى يصل إلى نفسه فقال: و أنا أسمعه، اللهمّ و أنا عبدك و ابن عبدك لا أملك لنفسي ضرّا و لا نفعا، و يتوسل بدعوات فخمة تليق بمثله، و يدعو للوزير إن كان، و للجيوش بالنصر و التأليف، و للعساكر بالظفر و على الكافرين، و المخالفين بالهلاك و القهر، ثم يختم بقوله اذكروا اللّه يذكركم. فيطلع إليه من زرّر عليه و يفك ذلك التزرير و ينزل القهقرى، و سبب التزرير عليهم قراءتهم من مسطور لا كعادة الخطباء، فينزل الخليفة و يصير على تلك الطرّاحات الثلاث في المحراب وحده إماما، و يقف الوزير و قاضي القضاة صفا، و من ورائهما الأستاذون المحنكون و الأمراء المطوّقون و أرباب الرتب من أصحاب السيوف و الأقلام و المؤذنون وقوف، و ظهورهم إلى المقصورة لحفظه، فإذا سمع الوزير الخليفة أسمع القاضي فأسمع القاضي المؤذنين و أسمع المؤذنون الناس، هذا و الجامع مشحون بالعالم للصلاة وراءه، فيقرأ ما هو مكتوب في الستر الأيمن في الركعة الأولى، و في الركعة الثانية ما هو مكتوب في الستر الأيسر، و ذلك على طريق التذكار خيفة الارتجاج، فإذا فرغ خرج الناس و ركبوا أوّلا فأوّلا و عاد طالبا القصر و الوزير وراءه، و ضربت البوقات و الطبول في العود، فإذا أتت الجمعة الثانية ركب إلى الجامع الأزهر من القشاشين على المنوال الذي ذكرناه و القالب الذي وصفناه، فإذا كانت الجمعة الثالثة أعلم بركوبه إلى مصر للخطابة في جامعها، فيزين له من باب القصر أهل القاهرة إلى جامع ابن طولون، و يزين له أهل مصر من جامع ابن طولون إلى الجامع بمصر، يرتب ذلك والي مصر، كلّ أهل معيشة في مكان، فيظهر المختار من الآلات و الستور المثمنات و يهتمون بذلك ثلاثة أيام بلياليهنّ و الوالي مارّ و عائد بينهم، و قد ندب من يحفظ الناس و متاعهم، فيركب يوم الجمعة المذكور شاقا لذلك كله على الشارع الأعظم إلى مسجد عبد اللّه الخراب اليوم، إلى دار الأنماط إلى الجامع بمصر، فيدخل إليه من المعونة، و منها باب متصل بقاعة الخطيب بالزيّ الذي تقدّم ذكره في خطبة الجامعين بالقاهرة، و على ترتيبهما. فإذا قضى الصلاة عاد إلى القاهرة من طريقه بعينها شاقا بالزينة إلى أن يصل إلى القصر، و يعطى أرباب المساجد التي يمرّ عليها كلّ واحد دينارا.

و قال ابن المأمون: و وصل من الطراز الكسوة المختصة بغرّة شهر رمضان و جمعتيه برسم الخليفة للغرّة بدلة كبيرة موكبية مكملة مذهبة، و برسم الجامع الأزهر للجمعة الأولى من الشهر بدلة موكبية حرير مكملة منديلها و طيلسانها بياض، و برسم الجامع الأنور للجمعة

66

الثانية بدلة منديلها و طيلسانها شعريّ، و ما هو برسم أخي الخليفة للغرّة خاصة بدلة مذهبة، و برسم أربع جهات للخليفة أربع حلل مذهبات، و برسم الوزير للغرّة خلعة مذهبة مكملة موكبية، و برسم الجمعتين بدلتان حريرتان، و لم يكن لغير الخليفة و أخيه و الوزير في ذلك شي‏ء فنذكره.

جامع راشدة

هذا الجامع عرف بجامع راشدة لأنه في خطة راشدة. قال القضاعيّ: خطة راشدة بن أدوب بن جديلة من لخم، هي متاخمة للخطة التي قبلها إلى الدير المعروف كان بأبي تكموس، ثم هدم و هو الجامع الكبير الذي براشدة، و قد دثرت هذه الخطة، و منها المقبرة المعروفة بمقبرة راشدة، و الجنان التي كانت تعرف بكهمس بن معر، ثم عرفت بالماردانيّ، و هي اليوم تعرف بالأمير تميم.

و قال المسبحيّ في حوادث سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة، و ابتدئ بناء جامع راشدة في سابع عشر ربيع الآخر، و كان مكانه كنيسة حولها مقابر لليهود و النصارى، فبني بالطوب ثم هدم و زيد فيه و بنى بالحجر، و أقيمت به الجمعة، و قال: في سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة و فيه، يعني شهر رمضان، فرش جامع راشدة و تكامل فرشه و تعليق قناديله و ما يحتاج إليه، و ركب الحاكم بأمر اللّه عشية يوم الجمعة الخامس عشر منه و أشرف عليه.

و قال: في سنة ثمان و تسعين و ثلاثمائة و فيه، يعني شهر رمضان، صلّى الحاكم بجامعه الذي أنشأه براشدة صلاة الجمعة، و خطب. و في شهر رمضان سنة أربعمائة أنزل بقناديل و تنور من فضة زنتها ألوف كثيرة، فعلّقت بجامع راشدة. و في سنة إحدى و أربعمائة هدم و ابتدئ في عمارته من صفر، و في شهر رمضان سنة ثلاث و أربعمائة صلّى الحاكم في جامع راشدة صلاة الجمعة و عليه عمامة بغير جوهر، و سيف محلى بفضة بيضاء دقيقة، و الناس يمشون بركابه من غير أن يمنع أحد منه، و كان يأخذ قصصهم و يقف وقوفا طويلا لكلّ منهم، و اتفق يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة سنة أربع عشرة و أربعمائة أن خطب فيه خطبتان معا على المنبر، و ذلك أنّ أبا طالب عليّ بن عبد السميع العباسيّ استقرّ في خطابته بإذن قاضي القضاة أبي العباس أحمد بن محمد بن العوّام، بعد سفر العفيف البخاريّ إلى الشام، فتوصل ابن عصفورة إلى أن خرج له أمر أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين اللّه أبي الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه، أن يخطب. فصعدا جميعا المنبر و وقف أحدهما دون الآخر و خطبا معا، ثم بعد ذلك استقرّ أبو طالب خطيبا، و أن يكون ابن عصفورة يخلفه. و قال ابن المتوّج: هذا الجامع فيما بين دير الطين و الفسطاط، و هو مشهور الآن بجامع راشدة، و ليس بصحيح. و إنما جامع راشدة كان جامعا قديم البناء بجوار هذا الجامع، عمر في زمن الفتح، عمرته راشدة، و هي قبيلة من القبائل كقبيلة تجيب و مهرة نزلت في هذا المكان، و عمروا فيه‏

67

جامعا كبيرا أدركت أنا بعضه و محرابه، و كان فيه نخل كثير من نخل المقل، و من جملة ما رأيت فيه نخلة من المقل عددت لها سبعة رؤوس مفرّعة منها، فذاك الجامع هو المعروف بجامع راشدة، و أما هذا الموجود الآن فمن عمارة الحاكم، و لم يكن في بناء الجوامع أحسن من بنائه، و قيل عمرته حظية الخليفة و كان اسمها راشدة و ليس بصحيح، و الأوّل هو الصحيح. و فيه الآن نخل و سدر و بئر و ساقية رجل، و هو مكان خلوة و انقطاع و محل عبادة و فراغ من تعلقات الدنيا.

قال مؤلفه: هذا و هم من ابن المتوّج في موضعين: أولهما أن راشدة عمرت هذا الجامع في زمن فتح مصر، و هذا قول لم يقله أحد من مؤرخي مصر، فهذا الكنديّ، ثم القضاعيّ، و عليهما يعوّل في معرفة خطط مصر. و من قبلهما ابن عبد الحكم، لم يقل أحد منهم أن راشدة عمرت زمن الفتح مسجدا، و لا يعرف من هذا السلف رحمهم اللّه في جند من أجناد الأمصار التي فتحتها الصحابة رضي اللّه عنهم أنهم أقاموا خطبتين في مسجد واحد، و قد حكينا ما تقدّم عن المسبحيّ و هو مشاهد ما نقله من بناء الجامع المذكور في موضع الكنيسة بأمر الحاكم بأمر اللّه، و تغييره لبنائه غير مرّة، و تبعه القضاعيّ على ذلك، و قد عدّ القضاعيّ و الكنديّ في كتابيهما المذكور فيهما خطط مصر ما كان بمصر من مساجد الخطبة القديمة و المحدثة، و ذكرا مساجد راشدة، و لم يذكرا فيها جامعا اختطته راشدة، و ذكرا هذا الدير، و عين القضاعيّ اسمه، هدم و بني في مكانه جامع راشدة، و ناهيك بهما معرفة لآثار مصر و خططها.

و الوهم الثاني: الاستدلال على الوهم الأوّل بمشاهدة بقايا مسجد قديم و لا أدري كيف يستدل بذلك، فمن أنكر أن يكون قد كان هناك مسجد، بل المدّعي أنه كان لراشدة مساجد، لكن كونها اختطت جامعا هذا غير صحيح. و قال ابن أبي طيّ في أخبار سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة في كتابه تاريخ حلب: كانت النصارى اليعقوبية قد شرعوا في إنشاء كنيسة كانت قد اندرست لهم بظاهر مصر في الموضع المعروف براشدة، فثار قوم من المسلمين و هدموا ما بنى النصارى و أنهي إلى الحاكم ذلك، قيل له إنّ النصارى ابتدأوا بناءها، و قال النصارى إنها كانت قبل الإسلام، فأمر الحاكم الحسين بن جوهر بالنظر في حال الفريقين، فمال في الحكم مع النصارى، و تبين للحاكم ذلك، فأمر أن تبنى تلك الكنيسة مسجدا جامعا، فبنى في أسرع وقت، و هو جامع راشدة. و راشدة اسم للكنيسة، و كان بجواره كنيستان إحداهما لليعقوبية و الأخرى للنسطورية، فهدمتا أيضا و بنيتا مسجدين، كان في حارة الروم بالقاهرة آدر للروم و كنيستان لهم، فهدمتا و جعلتا مسجدين أيضا، و حوّل الروم إلى الموضع المعروف بالحمراء و أسس الروم ثلاث كنائس عوضا عما هدم لهم، و هذا أيضا مصرّح بأن جامع راشدة أسسه الحاكم، و فيه وهم لكونه جعل راشدة اسما للكنيسة، و إنما راشدة اسم لقبيلة من العرب نزلوا عند الفتح هناك فعرفت تلك البقاع بخطة راشدة، و قد

68

جدّد جامع راشدة مرارا، و أدركته عامرا تقام فيه الجمعة و يمتلئ بالناس لكثرة من حوله من السكان، و إنما تعطل من إقامة الجمعة بعد حوادث سنة ست و ثمانمائة. و قال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة: راشدة بطن من لخم، و هم ولد راشدة بن الحارث بن أدّ بن جديلة من لخم بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد، و قيل راشدة بن أدوب، و يقال لراشدة خالفة، و لهم خطة بمصر بالجبل المعروف بالرصد، المطلّ على بركة الحبش، و قد دثرت الخطة و لم يبق في موضعها إلّا الجامع الحاكميّ المعروف بجامع راشدة.

جامع المقس‏

هذا الجامع أنشأه الحاكم بأمر اللّه على شاطى‏ء النيل بالمقس في‏ (1) لأنّ المقس كان خطة كبيرة، و هي بلد قديم من قبل الفتح، كما تقدّم ذكر ذلك في هذا الكتاب.

و قال في الكتاب الذي تضمن وقف الحاكم بأمر اللّه الأماكن بمصر على الجوامع، كما ذكر في خبر الجامع الأزهر ما نصه: و يكون جميع ما بقي مما تصدّق به على هذه المواضع، يصرف في جميع ما يحتاج إليه في جامع المقس المذكور، من عمارته، و من تمن الحصر العبدانية و المظفورة، و ثمن العود للبخور، و غيره على ما شرح من الوظائف في الذي تقدّم، و كان لهذا الجامع نخل كثير في الدولة الفاطمية، و يركب الخليفة إلى منظرة كانت بجانبه عند عرض الأسطول فيجلس بها لمشاهدة ذلك كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر المناظر، و في سنة سبع و ثمانين و خمسمائة انشقت زريبة من هذا الجامع في شهر رمضان لكثرة زيادة ماء النيل، و خيف على الجامع السقوط فأمر بعمارتها. و لما بنى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب هذا السور الذي على القاهرة، و أراد أن يوصله بسور مصر من خارج باب البحر إلى الكوم الأحمر، حيث منشأة المهرانيّ اليوم، و كان المتولي لعمارة ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش الأسديّ، أنشأ بجوار جامع المقس برجا كبيرا عرف بقلعة المقس في مكان المنظرة التي كانت للخلفاء، فلما كان في سنة سبعين و سبعمائة جدّد بناء هذا الجامع الوزير الصاحب شمس الدين عبد اللّه المقسيّ، و هدم القلعة و جعل مكانها جنينة، و اتهمه الناس بأنه وجد هنالك مالا كثيرا، و أنه عمر منه الجامع المذكور، فصار العامّة اليوم يقولون جامع المقسيّ، و يظنّ من لا علم عنده أن هذا الجامع من إنشائه، و ليس كذلك، بل إنما جدّده و بيضه، و قد انحسر ماء النيل عن تجاه هذا الجامع كما ذكر في خبر بولاق و المقس، و صار هذا الجامع اليوم على حافة الخليج الناصريّ، و أدركنا ما حوله في غاية العمارة، و قد تلاشت المساكن التي هناك و بها إلى اليوم بقية يسيرة، و نظر هذا الجامع اليوم بيد أولاد الوزير المقسيّ، فإنه جدّده و جعل عليه أوقافا لمدرّس و خطيب و قومة و مؤذنين و غير ذلك.

____________

(1) بياض في الأصل.

69

و قال جامع السيرة الصلاحية: و هذا المقسم على شاطى‏ء النيل يزار، و هناك مسجد يتبرّك به الأبرار، و هو المكان الذي قسمت فيه الغنيمة عند استيلاء الصحابة رضي اللّه عنهم على مصر، فلما أمر السلطان صلاح الدين بإدارة السور على مصر و القاهرة، تولى ذلك بهاء الدين قراقوش و جعل نهايته التي تلي القاهرة عند المقس، و بنى فيه برجا يشرف على النبل، و بنى مسجده جامعا، و اتصلت العمارة منه إلى البلد، و صار تقام فيه الجمع و الجماعات.

العزيز بالله: أبو النصر نزار بن المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، ولد بالمهدية من بلاد أقريقية في يوم الخميس الرابع عشر من المحرّم سنة أربع و أربعين و ثلاثمائة، و قدم مع أبيه إلى القاهرة، و ولي العهد. فلما مات المعز لدين اللّه أقيم من بعده في الخلافة يوم الرابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس و ستين و ثلاثمائة فأذعن له سائر عساكر أبيه و اجتمعوا عليه، و سيّر بذهب إلى بلاد المغرب، فرّق في الناس، و اقرّ يوسف بن ملكين على ولاية إفريقية، و خطب له بمكة، و وافى الشام عسكر القرامطة فصاروا مع أفتكين التركيّ، و قوي بهم و ساروا إلى الرملة و قاتلوا عساكر العزيز بيافا، فبعث العزيز جوهر القائد بعساكر كثيرة و ملك الرملة و حاصر دمشق مدّة، ثم رحل عنها بغير طائل، فأدركه القرامطة و قاتلوه بالرملة و عسقلان نحو سبعة عشر شهرا، ثم خلص من تحت سيوف افتكين و سار إلى العزيز فوافاه و قد برز من القاهرة، فسار معه و دخل العزيز إلى الرملة و أسر أفتكين في المحرّم سنة ثمان و ستين و ثلاثمائة فأحسن إليه و أكرمه إكراما زائدا.

فكتب إليه الشريف أبو إسماعيل إبراهيم الرئيس يقول: يا مولانا لقد استحق هذا الكافر كلّ عذاب، و العجب من الإحسان إليه؟ فلما لقيه قال: يا إبراهيم قرأت كتابك في أمر أفتكين، و أنا أخبرك. اعلم أنا قد وعدناه الإحسان و الولاية، فلما قبل و جاء إلينا نصب فازاته و خيامه حذاءنا، و أردنا منه الانصراف فلج و قاتل، فلما ولى منهزما و سرت إلى فازاته و دخلتها سجدت للّه شكرا و سألته أن يفتح لي بالظفر به، فجي‏ء به بعد ساعة أسيرا، أ ترى يليق بي غير الوفاء.

و لما وصل العزيز إلى القاهرة اصطنع افتكين و واصله بالعطايا و الخلع، حتى قال لقد احتشمت من ركوبي مع الخليفة مولانا العزيز بالله، و نظري إليه بما غمرني من فضله و إحسانه، فلما بلغ العزيز ذلك قال لعمه حيدرة: يا عمّ أحبّ أن أرى النعم عند الناس ظاهرة، و أرى عليهم الذهب و الفضة و الجواهر، و لهم الخيل و اللباس و الضياع و العقار، و أن يكون ذلك كله من عندي. و مات بمدينة بلبيس من مرض طويل بالقولنج و الحصاة، في اليوم الثامن و العشرين من شهر رمضان سنة ست و ثمانين و ثلاثمائة فحمل إلى القاهرة و دفن بتربة القصر مع آبائه. و كانت مدّة خلافته بعد أبيه المعز إحدى و عشرين سنة و خمسة أشهر و نصفا، و مات و عمره اثنتان و أربعون سنة و ثمانية أشهر و أربعة عشر يوما. و كان نقش‏

70

خاتمة: بنصر العزيز الجبار ينتصر الإمام نزار. و لما مات و حضر الناس إلى القصر للتعزية أفحموا عن أن يوردوا في ذلك المقام شيئا، و مكثوا مطرقين لا ينبسون، فقام صبيّ من أولاد الأمراء الكنانيين و فتح باب التعزية و أنشد:

أنظر إلى العلياء كيف تضام‏* * * و مآتم الأحساب كيف تقام‏

خبرنني ركب الركاب و لم يدع‏* * * للسفر وجه ترحل فأقاموا

فاستحسن الناس إيراده و كأنه، طرّق لهم كيف يوردون المراثي، فنهض الشعراء و الخطباء حينئذ و عزوا و أنشد كلّ واحد ما عمل في التعزية، و خلّف من الأولاد ابنه المنصور، و ولي الخلافة من بعده، و ابنة تدعى سيدة الملك، و كان أسمر طوالا، أصهب الشعر، أعين أشهل عريض المنكبين، شجاعا كريما حسن العفو و القدرة، لا يعرف سفك الدماء البتة، مع حسن الخلق و القرب من الناس، و المعرفة بالخيل و جوارح الطير، و كان محبا للصيد مغرىّ به حريصا على صيد السباع، و وزر له يعقوب بن كلس اثنتي عشرة سنة و شهرين و تسعة عشر يوما، ثم من بعده عليّ بن عمر العدّاس سنة واحدة، ثم أبو الفضل جعفر بن الفرات سنة، ثم أبو عبد اللّه الحسين بن الحسن البازيار سنة و ثلاثة أشهر، ثم أبو محمد بن عمار شهرين، ثم الفضل بن صالح الوزيريّ أياما، ثم عيسى بن نسطورس سنة و عشرة أشهر.

و كانت قضاته: أبو طاهر محمد بن أحمد، أبو الحسن عليّ بن النعمان، ثم أبو عبد اللّه محمد بن النعمان. و خرج إلى السفر أوّلا في صفر سنة سبع و ستين، و عاد من العباسية و خرج ثانيا و ظفر بأفتكين، و خرج ثالثا في صفر سنة اثنتين و سبعين، و رجع بعد شهر إلى قصره بالقاهرة، و خرج رابعا في ربيع الأوّل سنة أربع و ستين، فنزل منية الأصبغ و عاد بعد ثمانية أشهر و اثني عشر يوما، و خرج خامسا في عاشر ربيع الآخر سنة خمس و ثمانين، فأقام مبرّزا أربعة عشر شهرا و عشرين يوما، و مات في هذه الخرجة ببلبيس. و هو أوّل من اتخذ من أهل بيته وزيرا، أثبت اسمه على الطرز، و قرن اسمه باسمه، و أوّل من لبس منهم الخفين و المنطقة، و أوّل من اتخذ منهم الأتراك و اصطنعهم و جعل منهم القوّاد، و أوّل من رمى منهم بالنشاب، و أوّل من ركب منهم بالذؤابة الطويلة و الحنك و ضرب الصوالجة و لعب بالرمح، و أوّل من عمل مائدة في الشرطة السفلى في شهر رمضان يفطر عليها أهل الجامع العتيق، و أقام طعاما في جامع القاهرة لمن يحضر في رجب و شعبان و رمضان، و اتخذ الحمير لركوبه إياها، و كانت أمّه أمّ ولد اسمها درزارة، و كان يضرب بأيامه المثل في الحسن، فإنها كانت كلها أعيادا و أعراسا لكثرة كرمه و محبته للعفو و استعماله لذلك، و لا أعلم له بمصر من الآثار غير تأسيس الجامع الحاكميّ، و ما عدا ذلك فذهب اسمه و محي رسمه.

71

الحاكم بأمر اللّه: أبو عليّ منصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، ولد بالقصر من القاهرة المعزية، ليلة الخميس الثالث و العشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس و سبعين و ثلاثمائة في الساعة التاسعة، و الطالع من برج السرطان سبع و عشرون درجة، و سلّم عليه بالخلافة في مدينة بلبيس بعد الظهر من يوم الثلاثاء عشري شهر رمضان سنة ست و ثمانين و ثلاثمائة و سار إلى القاهرة في يوم الأربعاء بسائر أهل الدولة و العزيز في قبة على ناقة بين يديه، و على الحاكم دراعة مصمت و عمامة فيها الجوهر، و بيده رمح و قد تقلد السيف. و لم يفقد من جميع ما كان مع العساكر شي‏ء، و دخل القصر قبل صلاة المغرب، و أخذ في جهاز أبيه العزيز بالله و دفنه، ثم بكر سائر أهل الدولة إلى القصر يوم الخميس، و قد نصب للحاكم سرير من ذهب عليه مرتبة مذهبة في الإيوان الكبير، و خرج من قصره راكبا عليه معممة الجوهر و الناس وقوف في صحن الإيوان، فقبلوا له الأرض و مشوا بين يديه حتى جلس على السرير، فوقف من رسمه الوقوف، و جلس من له عادة أن يجلس، و سلّم الجميع عليه بالإمامة و اللقب الذي اختير له، و هو الحاكم بأمر اللّه، و كان سنّه يومئذ إحدى عشرة سنة و خمسة أشهر و ستة أيام، فجعل أبا محمد الحسن بن عمار الكنديّ واسطة، و لقب بأمين الدولة، و أسقط مكوسا كانت بالساحل، و ردّ إلى الحسين بن جوهر القائد البريد و الإنشاء، فكان يخلفه ابن سورين، و أقرّ عيسى بن نسطورس على ديوان الخاص، و قلد سليمان بن جعفر بن فلاح الشام، فخرج ينجو تكين من دمشق و سار منها لمدافعة سليمان بن جعفر بن فلاح، فبلغ الرملة و انضمّ إليه ابن الجرّاح الطائيّ في كثير من العرب، و واقع ابن فلاح فانهزم و فرّ، ثم أسر فحمل إلى القاهرة و أكرم، و اختلف أهل الدولة على ابن عمار، و وقعت حروب آلت إلى صرفه عن الوساطة. و له في النظر أحد عشر شهرا غير خمسة أيام، فلزم داره و أطلقت له رسوم و جرايات، و أقيم الطواشي برجوان الصقليّ مكانه في الوساطة لثلاثة بقين من رمضان سنة سبع و ثمانين و ثلاثمائة فجعل كاتبه فهد بن إبراهيم يوقع عنه، و لقبه بالرئيس، و صرف سليمان بن فلاح عن الشام بجيش بن الصمصامة، و قلد فحل بن إسماعيل الكتاميّ مدينة صور، و قلد يانس الخادم برقة، و ميسور الخادم طرابلس، و يمنا لخادم غزة و عسقلان، فواقع جيش الروم على فاهية و قتل منهم خمسة آلاف رجل، و غزا إلى أن دخل مرعش، و قلد وظيفة قضاء القضاء أبا عبد اللّه الحسين بن علي بن النعمان في صفر سنة تسع و ثمانين و ثلاثمائة بعد موت قاضي القضاة محمد بن النعمان، و قتل الأستاذ برجوان لاربع بقين من ربيع الآخر سنة تسع و ثمانين و ثلاثمائة، و له في النظر سنتان و ثمانية أشهر غير يوم واحد، و ردّ النظر في أمور الناس و تدبير المملكة و التوقيعات إلى الحسين بن جوهر، و لقب بقائد القوّاد، فخلفه الرئيس بن فهد، و اتخذ الحاكم مجلسا في الليل يحضر فيه عدّة من أعيان الدولة، ثم أبطله و مات جيش بن الصمصامة في ربيع الآخر سنة تسعين و ثلثمائة، فوصل ابنه بتركته إلى القاهرة و معه‏

72

درج بخط أبيه فيه وصية، و ثبت بما خلفه مفصلا، و أن ذلك جميعه لأمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، لا يستحق أحد من أولاده منه درهما، و كان مبلغ ذلك نحو المأئتي ألف دينار، و ما بين عين و متاع و دواب، قد أوقف جميع ذلك تحت القصر، فأخذ الحاكم الدرج و نظره ثم أعاده إلى أولاد جيش و خلع عليهم و قال لهم بحضرة وجوه الدولة: قد وقفت على وصية أبيكم رحمه اللّه و ما وصى به من عين و متاع، فخذوه هنيئا مباركا لكم فيه. فانصرفوا بجميع التركة، و ولي دمشق فحل بن تميم، و مات بعد شهور فولي عليّ بن فلاح، و ردّ النظر في المظالم لعبد العزيز بن محمد بن النعمان، و منع الناس كافة من مخاطبة أحد أو مكاتبته بسيدنا و مولانا إلّا أمير المؤمنين وحده، و أبيح دم من خالف ذلك، و في شوّال قتل ابن عمار.

و في سنة إحدى و تسعين و اصل الحاكم الركوب في الليل كل ليلة، فكان يشق الشوارع و الأزقة، و بالغ الناس في الوقود و الزينة، و أنفقوا الأموال الكثيرة في المآكل و المشارب و الغناء و اللهو، و كثر تفرّجهم على ذلك حتى خرجوا فيه عن الحدّ، فمنع النساء من الخروج في الليل، ثم منع الرجال من الجلوس في الحوانيت. و في رمضان سنة اثنتين و تسعين قلّد تموصلت بن بكّار دمسق، عوضا عن ابن فلاح، و ابتدأ في عمارة جامع راشدة في سنة ثلاث و تسعين، و قتل فهد بن إبراهيم و له منذ نظر في الرياسة خمس سنين و تسعة أشهر و اثنا عشر يوما، في ثامن جمادى الآخرة منها، و أقيم في مكانه عليّ بن عمر العدّاس، و سار الأمير ما روح لإمارة طبرية، و وقع الشروع في إتمام الجامع خارج باب الفتوح، و قطع الحاكم الركوب في الليل، و مات تموصلت فولي دمشق بعده مفلح اللحيانيّ الخادم، و قتل عليّ بن عمر العدّاس و الأستاذ زيدان الصقليّ و عدّة كثيرة من الناس، و قلد إمارة برقة صندل الأسود في المحرّم سنة أربع و تسعين، و صرف الحسين بن النعمان عن القضاء في رمضان منها، و كانت مدّة نظره في القضاء خمس سنين و ستة أشهر و ثلاثة و عشرين يوما، و إليه كانت الدعوة أيضا، فيقال له قاضي القضاة و داعي الدعاة، و قلد عبد العزيز بن محمد بن النعمان وظيفة القضاء و الدعوة، مع ما بيده من النظر في المظالم. و في سنة خمس و تسعين أمر النصارى و اليهود بشدّ الزنار و لبس الغيار، و منع الناس من أكل الملوخية و الجرجير و التوكلية و الدلينس، و ذبح الأبقار السليمة من العاهة إلّا في أيام الأضحية، و منع من بيع الفقاع و عمله البتة، و أن لا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر، و أن لا تكشف امرأة وجهها في طريق، و لا خلف جنازة، و لا تتبرّج، و لا يباع شي‏ء من السمك بغير قشر، و لا يصطاده أحد من الصيادين، و تتبع الناس في ذلك كله و شدّد فيه، و ضرب جماعة بسبب مخالفتهم ما أمروا به و نهوا عنه مما ذكر، و خرجت العساكر لقتال بني قرّة أهل البحيرة، و كتب على أبواب المساجد و على الجوامع بمصر و على أبواب الحوانيت و الحجر و المقابر سبّ السلف و لعنهم، و أكره الناس على نقش ذلك و كتابته بالأصباغ في سائر المواضع، و أقبل الناس من‏

73

سائر النواحي فدخلوا في الدعوة و جعل لهم يومان في الأسبوع، و كثر الازدحام و مات فيه جماعة، و منع الناس من الخروج بعد المغرب في الطرقات، و أن لا يظهر أحد بها لبيع و لا شراء، فخلت الطرق من المارّة و كسرت أواني الخمور و أريقت من سائر الأماكن، و اشتدّ خوف الناس بأسرهم، و قويت الشناعات و زاد الاضطراب، فاجتمع كثير من الكتاب و غيرهم تحت القصر و ضجوا يسألون العفو، فكتب عدّة أمانات لجميع الطوائف من أهل الدولة و غيرهم من الباعة و الرعية، و أمر بقتل الكلاب فقتل منها ما لا ينحصر حتى فقدت، و فتحت دار الحكمة بالقاهرة و حمل إليها الكتب و دخل إليها الناس، فاشتدّ الطلب على الركابية المستخدمين في الركاب، و قتل منهم كثير، عفي عنهم و كتب لهم أمان، و منع الناس كافة من الدخول من باب القاهرة، و منع الناس من المشي ملاصق القصر، و قتل قاضي القضاة حسين بن النعمان و أحرق بالنار، و قتل عددا كثيرا من الناس ضربت أعناقهم.

و في سنة ست و تسعين خرج أبو ركوة يدعو إلى نفسه و ادّعى أنه من بني أمية، فقام بأمره بنو قرّة لكثرة ما أوقع بهم الحاكم و بايعوه، و استجاب له لواته و مزاته و زنادة، و أخذ برقة و هزم جيوش الحاكم غير مرّة، و غنم ما معهم، فخرج لقتاله القائد فضل بن صالح في ربيع الأوّل و واقعه، فانهزم منه فضل و اشتدّ الاضطراب بمصر، و تزايدت الأسعار و اشتدّ الاستعداد لمحاربة أبي ركوة، و نزلت العساكر بالجيزة، و سار أبو ركوة فواقعه القائد فضل و قتل عدّة ممن معه، فعظم الأمر و اشتدّ الخوف و خرج الناس فباتوا بالشوارع. خوفا من هجوم عساكر أبي ركوة، و استمرّت الحروب فانهزم أبو ركوة في ثالث ذي الحجة إلى الفيوم، و تبعه القائد فضل بعد أن بعث إلى القاهرة بستة آلاف رأس و مائة أسير إلى أن قبض عليه ببلاد النبوة، و أحضر إلى القاهرة فقتل بها، و خلع على القائد فضل، و سيّرت البشائر بقتله إلى الأعمال.

و في سنة سبع و تسعين أمر بمحوسبّ السلف فمحي سائر ما كتب من ذلك، و غلت الأسعار لنقص ماء النيل، فإنه بلغ ستة عشر أصبعا من سبعة عشر ذراعا، نقص، و مات ينجو تكين في ذي الحجة، و اشتدّ الغلاء في سنة ثمان و تسعين، و ولي عليّ بن فلاح دمشق، و قبض جميع ما هو محبس على الكنائس، و جعل في الديوان، و أحرق عدّة صلبان على باب الجامع بمصر، و كتب إلى سائر الأعمال بذلك.

و في سادس عشر رجب قرّر مالك بن سعيد الفارقيّ في وظيفة قضاء القضاة، و تسلم كتب الدعوة التي تقرأ بالقصر على الأولياء، و صرف عبد العزيز بن النعمان عن ذلك، و صرف قائد القوّاد الحسين بن جوهر عما كان يليه من النظر في سابع شعبان، و قرّر مكانه صالح بن عليّ الروذباديّ، و قرّر في ديوان الشام مكانه أبو عبد اللّه الموصليّ الكاتب، و أمر حسين بن جوهر و عبد العزيز بلزوم دورهما، و منعا من الركوب و سائر أولادهما، ثم عفا

74

عنهما بعد أيام، و أمر بالركوب. و توقفت زيادة النيل فاستسقى الناس مرّتين، و أمر بإبطال عدّة مكوس، و تعذر وجود الخبز لغلائة و قلته، و فتح الخليج في رابع توت، و الماء على خمسة عشر ذراعا فاشتدّ الغلاء.

و في تاسع المحرّم و هو نصف توت نقص ماء النيل و لم يوف ستة عشر ذراعا، فمنع الناس من التظاهر بالغناء و من ركوب البحر للتفرّج، و منع من بيع المسكرات، و منع الناس كافة من الخروج قبل الفجر و بعد العشاء إلى الطرقات و اشتدّ الأمر على الكافة لشدّة ما داخلهم من الخوف مع شدّة الغلاء، و تزايد الأمراض في الناس و الموت.

فلما كان في رجب انحلت الأسعار، و قري‏ء سجل فيه يصوم الصائمون على حسابهم و يفطرون، و لا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون و مفطرون، و صلاة الخمسين للذي جاءهم فيها يصلون، و صلاة الضحى و صلاة التراويح لا مانع لهم منها و لا هم عنها يدفعون، يخمّس في التكبير على الجنائز المخمسون، و لا يمنع من التربيع عليها المربعون، يؤذن بحيّ على خير العمل المؤذنون، و لا يؤذى من بها لا يؤذنون، لا يسب أحد من السلف، و لا يحتسب على الواصف فيهم بما وصف، و الحالف منهم بما حلف، لكلّ مسلم مجتهد في دينه اجتهاده. و لقب صالح بن عليّ الروذباديّ بثقة ثقات السيف و القلم، و أعيد القاضي عبد العزيز بن النعمان إلى النظر في المظالم، و تزايدت الأمراض و كثر الموت و عزت الأدوية، و أعيدت المكوس التي رفعت، و هدمت كنائس كانت بطريق المقس، و هدمت كنيسة كانت بحارة الروم من القاهرة، و نهب ما فيها، و قتل كثير من الخدّام و من الكتاب و من الصقالية، بعد ما قطعت أيدي بعضهم من الكتاب بالشطور على الخشبة من وسط الذراع، و قتل القائد فضل بن صالح في ذي القعدة، و في حادي عشر صفر صرف صالح بن عليّ الروذباديّ، و قرّر مكانه ابن عبدون النصرانيّ الكاتب فوقّع عن الحاكم، و نظر و كتب بهدم كنيسة قماسة، و جدّد ديوان يقال له الديوان المفرد برسم من يقبض ماله من المقتولين و غيرهم، و كثرت الأمراض و عزت الأدوية، و شهر جماعة وجد عندهم فقاع و ملوخية و دلينس و ضربوا، و عدم دائر القصر و اشتدّ الأمر على النصارى و اليهود في إلزامهم لبس الغيار، و كتب إبطال أخذ الخمس و النجاوي و الفطرة، و فرّ الحسين بن جوهر و أولاده، و عبد العزيز بن النعمان، و فرّ أبو القاسم الحسين بن المغربيّ، و كتب عدّة أمانات لعدّة طوائف من شدّة خوفهم، و قطعت قراءة مجالس الحكمة بالقصر، و وقع التشديد في المنع من المسكرات، و قتل كثير من الكتاب و الخدّام و الفرّاشين، و قتل صالح بن عليّ الروذباديّ في شوّال.

و في رابع المحرّم سنة إحدى و أربعمائة، صرف الكافي بن عبدون عن النظر و التوقيع، و قرّر بدله أحمد بن محمد القشوريّ الكاتب في الوساطة و السفارة، و حصر الحسين بن‏

75

جوهر و عبد العزيز بن النعمان إلى القاهرة، فأكرما. ثم صرف ابن القشوريّ بعد عشرة أيام من استقراره و ضربت عنقه، و قرّر بدله زرعة بن عيسى بن نسطورس الكاتب النصرانيّ، و لقّب بالشافي، و منع الناس من الركوب في المراكب في الخليج، و سدّت أبواب الدور التي على الخليج و الطاقات المطلة عليه، و أضيف إلى قاضي القضاة مالك بن سعيد النظر في المظالم، و أعيدت مجالس الحكمة، و أخذ مال النجوى، و قتل ابن عبدون و أخذ ماله، و ضرب جماعة و شهروا من أجل بيعهم الملوخية و السمك الذي لا قشر له، و بسبب بيع النبيذ، و قتل الحسين بن جوهر و عبد العزيز بن النعمان في ثاني عشر جمادي الآخرة سنة إحدى و أربعمائة، و أحيط بأموالهما، و أبطلت عدّة مكوس، و منع الناس من الغناء و اللهو و من بيع المغنيات و من الاجتماع بالصحراء. و في هذه السنة خلع حسان بن مفرّج بن دغفل بن الجرّاح طاعة الحاكم، و أقام أبا الفتوح حسين بن جعفر الحسنيّ أمير مكة خليفة، و بايعه و دعا الناس إلى طاعته و مبايعته، و قاتل عساكر الحاكم. و في سنة اثنتين و أربعمائة منع من بيع الزبيب و كوتب بالمنع من حمله، و ألقي في بحر النيل منه شي‏ء كثير، و أحرق شي‏ء كثير، و منع النساء من زيارة القبور، فلم ير في الأعياد بالمقابر امرأة واحدة، و منع من الاجتماع على شاطى‏ء النيل للتفرّج، و منع من بيع العنب إلا أربعة أرطال فما دونها. و منع من عصره و طرح كثير منه و ديس في الطرقات، و غرّق كثير منه في النيل، و منع من حمله و قطعت كروم الجيزة كلها، و سيّر إلى الجهات بذلك.

و في سنة ثلاث و أربعمائة نزع السعر و ازدحم الناس على الخبز، و في ثاني ربيع الأوّل منها هلك عيسى بن نسطورس، فأمر النصارى بلبس السواد و تعلق صلبان الخشب في أعناقهم، و أن يكون الصليب ذراعا في مثله، و زنته خمسة أرطال، و أن يكون مكشوفا بحيث يراه الناس، و منعوا من ركوب الخيل، و أن يكون ركوبهم البغال و الحمير بسروج الخشب و السيور السود بغير حلية، و أن يسدّوا الزنانير و لا يستخدموا مسلما و لا يشتروا عبدا و لا أمة، و تتبعت آثارهم في ذلك، فأسلم منهم عدّة، و قرّر حسين بن طاهر الوزان في الوساطة و التوقيع عن الحاكم في تاسع عشري ربيع الأوّل منها، و لقب أمين الأمناء، و نقش الحاكم على خاتمه: بنصر اللّه العظيم الوليّ ينتصر الإمام أبو علي. و ضرب جماعة بسبب اللعب بالشطرنج، و هدمت الكنائس و أخذ جميع ما فيها و مالها من الرباع، و كتب بذلك إلى الأعمال فهدمت بها، و فيها لحق أبو الفتح بمكة و دعا للحاكم و ضرب السكة باسمه، و أمر الحاكم أن لا يقبّل أحد له الأرض، و لا يقبّل ركابه، و لا يده عند السلام عليه في المواكب، فإنّ الانحناء إلى الأرض لمخلوق من صنيع الروم، و أن لا يزاد على قولهم السلام على أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، و لا يصلّى أحد عليه في مكاتبة و لا مخاطبة، و يقتصر في مكاتبته على سلام اللّه و تحياته. و نوامي بركاته على أمير المؤمنين، و يدعي له بما يتفق من الدعاء لا غير، فلم يقل الخطباء يوم الجمع سوى اللهمّ صلّ على محمد المصطفى، و سلّم‏

76

على أمير المؤمنين عليّ المرتضى، اللهمّ و سلّم على أمراء المؤمنين آباء أمير المؤمنين، اللهمّ اجعل أفضل سلامك على عبدك و خليفتك، و منع من ضرب الطبول و الأبواق حول القصر، فصاروا يطوفون بغير طبل و لا بوق، و كثرت إنعامات الحاكم فتوقف أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزان في إمضائها، فكتب إليه الحاكم بخطه بعد البسملة، الحمد للّه كما هو أهله:

أصبحت لا أرجو و لا أتقي‏* * * إلّا إلهي و له الفضل‏

جدّي نبيّ و إمامي أبي‏* * * و ديني الإخلاص و العدل‏

المال مال اللّه عز و جلّ، و الخلق عباد اللّه، و نحن أمناؤه في الأرض، أطلق أرزاق الناس و لا تقطعها و السلام و ركب الحاكم يوم عيد الفطر إلى المصلي بغير زينة و لا جنائب و لا أبهة، سوى عشرة أفراس تقاد بسروج و لجم محلاة بفضة بيضاء خفيفة، و بنود ساذجة و مظلة بيضاء بغير ذهب عليه بياض، بغير طرز و لا ذهب و لا جوهر في عمامته، و لم يفرش المنبر، و منع الناس من سبّ السلف، و ضرب في ذلك و شهر و صلّى صلاة عيد النحر كما صلّى صلاة عيد الفطر من غير أبهة، و نحر عنه عبد الرحمن بن الياس بن أحمد بن المهديّ، و أكثر الحاكم من الركوب إلى الصحراء بحذاء في رجله و فوطة على رأيه.

و في سنة أربع و أربعمائة ألزم اليهود أن يكون في أعناقهم جرس إذا دخلوا الحمام، و أن يكون في أعناق النصارى صلبان، و منع الناس من الكلام في النجوم، و أقيم المنجمون من الطرقات و طلبوا فتغيبوا و نفوا، و كثرت هبات الحاكم و صدقاته و عتقه، و أمر اليهود و النصارى بالخروج من مصر إلى بلاد الروم و غيرها، و أقيم عبد الرحيم بن الياس وليّ العهد، و أمر أن يقال في السلام عليه، السلام على ابن عمّ أمير المؤمنين، و وليّ عهد المسلمين و صار يجلس بمكان في القصر، و صار الحاكم يركب بدراعة صوف بيضاء، و يتعمم بفوطة. و في رجله خذاء عربيّ بقبالين، و عبد الرحيم يتولى النظر في أمور الدولة كلها، و أفرط الحاكم في العطاء و ردّ ما كان أخذ من الضياع و الأملاك إلى أربابها، و في ربيع الآخر أمر بقطع يدي أبي القاسم الجرجانيّ، و كان يكتب للقائد غين، ثم قطع يد غين فصار مقطوع اليدين، و بعث إليه الحاكم بعد قطع يديه بألف من الذهب و الثياب، ثم بعد ذلك أمر بقطع لسانه، فقطع. و أبطل عدّة مكوس، و قتل الكلاب كلها، و أكثر من الركوب في الليل، و منع النساء من المشي في الطرقات، فلم تر امرأة في طريق البتة، و أغلقت حماماتهنّ، و منع الأساكفة من على خفافهنّ، و تعطلت حوانيتهم، و اشتدّت الإشاعة بوقوع السيف في الناس، فتهاربوا و غلفت الأسواق، فلم يبع شي‏ء. و دعي لعبد الرحيم بن الياس على المنابر، و ضربت السكة باسمه بولاية العهد، و في سنة خمس و أربعمائة قتل مالك بن سعيد الفارقيّ، في ربيع الآخر، و كانت مدّة نظره في قضاء القضاة ست سنين و تسعة أشهر و عشرة

77

أيام، و بلغ إقطاعه في السنة خمسة عشر ألف دينار، و تزايد ركوب الحاكم حتى كان يركب في كلّ يوم عدّة مرّات، و اشترى الحمير و ركبها بدل الخيل.

و في جمادى الآخرة منها قتل الحسين بن طاهر الوزان، فكانت مدّة نظره في الوساطة سنتين و شهرين و عشرين يوما، فأمر أصحاب الدواوين بلزوم دواوينهم، و صار الحاكم يركب حمارا بشاشية مكشوفة بغير عمامة، ثم أقام عبد الرحيم بن أبي السيد الكاتب و أخاه أبا عبد اللّه الحسين في الوساطة و السفارة، و أقرّ في وظيفة قضاء القضاة أحمد بن محمد بن أبي العوام، و خرج الحاكم عن الحدّ في العطاء حتى أقطع نواتية المراكب و المشاعلية، و بنى قرّة، فما أقطع الإسكندرية و البحيرة و نواحيهما، و قتل ابني أبي السيد فكانت مدّة نظرهما اثنتين و ستين يوما، و قلد الوساطة فضل بن جعفر بن الفرات، ثم قتله في اليوم الخامس من ولايته، و غلب بنو قرّة على الإسكندرية و أعمالها، و أكثر الحاكم من الركوب فركب في يوم ستة مرّات، مرّة على فرس، و مرّة على حمار، و مرّة في محفة تحمل على الأعناق، و مرّة في عشاري في النيل بغير عمامة، و أكثر من إقطاع الجند و العبيد الإقطاعات، و أقام ذا الرياستين قطب الدولة أبا الحسن عليّ بن جعفر بن فلاح في الوساطة و السفارة، و ولى عبد الرحيم بن الياس دمشق، فسار إليها في جمادى الآخرة سنة تسع و أربعمائة، فأقام فيها شهرين ثم هجم عليه قوم فقتلوا جماعة ممن عنده، و أخذوه في صندوق و حملوه إلى مصر، ثم أعيد إلى دمشق فأقام بها إلى ليلة عيد الفطر و أخرج منها. فلما كان لليلتين بقيتا من شوّال سنة عشر و أربعمائة، فقد الحاكم و قيل أن أخته قتلته و ليس بصحيح، و كان عمره ستا و ثلاثين سنة و سبعة أشهر، و كانت مدّة خلافته خمسا و عشرين سنة و شهرا، و كان جوادا سفاكا للدماء، قتل عددا لا يحصى، و كانت سيرته من أعجب السير، و خطب له على منابر مصر و الشام و أفريقية و الحجاز، و كان يشتغل بعلوم الأوائل، و ينظر في النجوم و عمل رصدا و اتخذ بيتا في المقطم ينقطع فيه عن الناس لذلك، و يقال أنه كان يعتريه جفاف في دماغه، فلذلك كثر تناقضه، و ما أحسن ما قال فيه بعضهم، كانت أفعاله لا تعالى، و أحلام وساوسه لا تؤوّل، و قال المسبحيّ و في محرّم سنة خمس عشرة و أربعمائة قبض على رجل من بني حسين ثار بالصعيد الأعلى، فأقرّ بأنه قتل الحاكم بأمر اللّه في جملة أربعة أنفس تفرّقوا في البلاد، و أظهر قطعة من جلدة رأس الحاكم، و قطعة من الفوطة التي كانت عليه، فقيل له لم قتلته؟ فقال: غيرة للّه و للإسلام. فقيل له: كيف قتلته؟ فأخرج سكينا ضرب بها فؤاده فقتل نفسه. و قال هكذا قتلته. فقطع رأسه و أنفذ به إلى الحضرة مع ما وجد معه، و هذا هو الصحيح في خبر قتل الحاكم، لا ما تحكيه المشارقة في كتبهم من أن أخته قتلته.

جامع الفيلة

هذا الجامع بسطح الجرف المطلّ على بركة الحبش المعروف الآن بالرصد، بناه‏

78

الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ في شعبان سنة ثمان و سبعين و أربعمائة، و بلغت النفقة على بنائه ستة آلاف دينار، و إنما قيل له جامع الفيلة لأنّ في قبلته تسع قباب في أعلاه ذات قناطر، إذا رآها الإنسان من بعيد شبهها بمدّرعين على فيلة، كالتي كانت تعمل في المواكب أيام الأعياد، و عليها السرير و فوقها المدّرعون أيام الخلفاء، و لما كمل أقام في خطابته الشريف الزكيّ أمين الدولة أبا جعفر محمد بن محمد بن هبة اللّه بن عليّ الحسينيّ الأفطسيّ النسابة الكاتب الشاعر الطرابلسيّ، بعد صرفه من قضاء الغربية، فلما رقى المنبر أوّل خطبة أقيمت في هذا الجامع قال: بسم اللّه الحمد للّه، و أرتج عليه فلم يدر ما يقول، و كان هناك الشيخ أبو القاسم عليّ بن منجب بن الصيرفيّ الكاتب، و ولده مختص الدولة أبو المجد، و أبو عبد اللّه بن بركات النحويّ، و وجوه الدولة. فلما أضجر من حضر نزل عن المنبر و قد حمّ، فتقدّم قيم الجامع و صلّى و مضى الشريف إلى داره فاعتلّ و مات.

و كان قد ولي قضاء عسقلان و غيرها، ثم قدم إلى مصر فولي الحكم بالمحلة، و ولي ديوان الأحباس، و كان أحد الأعيان الأدباء العارفين بالنسب، و من الشعراء المجيدين و النحاة اللغويين، ولد بطرابلس الشام في سنة اثنتين و ستين و أربعمائة، و قدم إلى القاهرة في سنة إحدى و خمسمائة، و مدح الأفضل، و مات في سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة و خمسمائة، و قد ترشح للنقابة بمصر و لم ينلها مع تطلعه إليها، و ذيل كتاب أبي الغنائم الزيديّ النسابة، و من شعره بديها، و قد نام مع جاريته على سطوح فطلع القمر عليهما فارتاعا من كشف الجيران عليهما:

و لمّا تلاقينا و غاب رقيبنا* * * ورمت التشكي في خلو و في سرّ

بدا ضوء بدر فافترقنا لضوئه‏* * * فيا من رأى بدرا ينمُّ على بدر

و أهل المطالب يذكرون أنّ الأفضل وجد بموضع الصهريج مطلبا، فختم عليه أشهرا إلى أن نقله و عمله صهريجا و بنى عليه هذا المسجد، و هذا الشرف الذي عليه جامع الفيلة منظرة في غاية الحسن، لأنّ في قبليه بركة الحبش و بستان الوزير المغربيّ و العدوية و دير النسطورية و بئر أبي سلامة، و هي بئر مدوّرة برسم الغنم، و بئر النعش، كان يستقي منها أصحاب الزوايا، و هي بجوار عفصة الصغرى، و هي بئر أبي موسى بن أبي خليد، و سميت بئر النعش لأنها على هيئة النعش، و ماؤها يهضم الطعام و هو أصح الأمواه، و شرقيّ هذا الجبل: جبل المقطعم و الجبانة و المغافر و القرافة و آخر الأكحول و ريحان و رعين و الكلاع و الأكسوع، و غربيّ هذا الجبل: المعشوق و النيل و بستان اليهوديّ إلى القبلة، و طموه و الأهرام و راشدة، و بحريّ هذا الجبل بستان الأمير تميم، و قنطرة خليج بني وائل، و دير المعدّلين، و عقبة بحصب، و محرى قسطنطين، و الشرف و غير ذلك. و هذا الجامع لا تقام فيه اليوم جمعة و لا جماعة لخراب ما حوله من القرافة و راشدة، و ينزل فيه أحيانا طائفة من العرب بإبلهم يقال لهم المسلمية، و عما قليل يدثر كما دثر غيره.

79

جامع المقياس‏

هذا الجامع بجوار مقياس النيل من جزيرة الفسطاط أنشأه ... (1).

الجامع الأقمر

قال ابن عبد الظاهر: كان مكانه علافون، و الحوض مكان المنظرة، فتحدث الخليفة الآمر مع الوزير المأمون بن البطائحيّ في إنشائه جامعا، فلم يترك قدّام القصر دكانا، و بني تحت الجامع المذكور في أيامه دكاكين و مخازن من جهة باب الفتوح، لا من صوب القصر، و كمل الجامع المذكور في أيامه، و ذلك في سنة تسع عشرة و خمسمائة، و ذكر أن اسم الآمر و المأمون عليه. و قال غيره: و اشترى له حمّام شمول و دار النحاس بمصر، و حبسهما على سدنته و وقود مصابيحه و من يتولى أمره و يؤذن فيه، و ما زال اسم المأمون و الآمر على لوح فوق المحراب، و فيه تجديد الملك الظاهر بيبرس للجامع المذكور، و لم تكن فيه خطبة، لكنّه يعرف بالجامع الأقمر. فلما كان في شهر رجب سنة تسع و تسعين و سبعمائة، جدّده الأمير الوزير المشير الأستادار يلبغا بن عبد اللّه السالميّ، أحد المماليك الظاهرية، و أنشأ بظاهر بابه البحريّ حوانيت يعلوها طباق، و جدّد في صحن الجامع بركة لطيفة يصل إليها الماء من ساقية، و جعلها مرتفعة ينزل منها الماء إلى من يتوضأ من بزابيز نحاس، و نصب فيه منبرا، فكانت أوّل جمعة جمعت فيه رابع شهر رمضان من السنة المذكورة، و خطب فيه شهاب الدين أحمد بن موسى الحلبيّ أحد نوّاب القضاة الحنفية، و أرتج عليه، و استمرّ إلى أن مات في سابع عشري شهر ربيع الأول سنة إحدى و ثمانمائة، و بني على يمنة المحراب البحريّ مئذنة، و بيّض الجامع كله و دهن صدره بلازورد و ذهب. فقلت له: قد أعجبني ما صنعت بهذا الجامع ما خلا تجديد الخطبة فيه و عمل بركة الماء. فإنّ الخطبة غير محتاج إليها هاهنا لقرب الخطب من هذا الجامع، و بركة الماء تضيق الصحن. و قد أنشأت ميضأة بجوار بابه الذي من جهة الركن المخلق، فاحتجّ لعمل المنبر بأن ابن الطوير قال فيه كتاب نزهة المقلتين في أخبار الدولتين، عند ذكر جلوس الخليفة في المواليد الستة: و يقدّم خطيب الجامع الأزهر فيخطب كذلك، ثم يحضر خطيب الجامع الأقمر فيخطب كذلك. قال: فهذا أمر قد كان في الدولة الفاطمية، و ما أنا بالذي أحدثته، و أما البركة ففيها عون على الصلاة لقربها من المصلين، و جعل فوق المحراب لوحا مكتوبا فيه ما كان فيه أوّلا، و ذكر فيه تجديده لهذا الجامع، و رسم فيه نعوته و ألقابه، و جدّد أيضا حوض هذا الجامع الذي تشرب منه الدواب، و هو في ظهر الجامع تجاه الركن المخلق، و بئر هذا الجامع قديمة قبل الملة الإسلامية، كانت في دير من ديارات النصارى بهذا الموضع.

____________

(1) بياض في الأصل.

80

فلما قدم القائد جوهر بجيوش المعز لدين اللّه في سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة أدخل هذا الدير في القصر، و هو موضع الركن المخلق تجاه الحوض المذكور، و جعل هذه البئر مما ينتفع به في القصر، و هي تعرف ببئر العظام، و ذلك أن جوهر انقل من الدير المذكور عظاما كانت فيه من رمم قوم يقال أنهم من الحواريين، فسميت بئر العظام، و العامّة تقول إلى اليوم بئر المعظمة، و هي بئر كبيرة في غاية السعة، و أوّل ما أعرف من إضافتها إلى الجامع الأقمر، أنّ العماد الدمياطيّ ركب على فوهتها هذه المحال التي بها الآن، و هي من جيد المحال، و كان تركيبها بعد السبعمائة في أيام قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن جماعة الشافعيّ، و بهذا الجامع درس من قديم الزمان، و لم تزل مئذنته التي جدّدها السالميّ و البركة إلى سنة خمس عشرة و ثمانمائة، فولي نظر الجامع بعض الفقهاء، فرأى هدم المئذنة من أجل ميل حدث بها، فهدمها و أبطل الماء من البركة لإفساد الماء بمروره جدار الجامع القبليّ، و الخطبة قائمة به إلى الآن.

الآمر بأحكام اللّه: أبو عليّ المنصور بن المستعلي بالله أبي القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معدّ بن الظاهر لاعزاز دين اللّه أبي الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه أبي عليّ منصور، ولد يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرّم سنة تسعين و أربعمائة، و بويع له بالخلافة يوم مات أبوه و هو طفل له من العمر خمس سنين و أشهر و أيام، في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة خمس و تسعين، أحضره الأفضل بن أمير الجيوش و بايع له و نصبه مكان أبيه، و نعته بالآمر بأحكام اللّه، و ركب الأفضل فرسا و جعل في السرج شيئا و أركبه عليه لينمو شخص الآمر، و صار ظهره في حجر الأفضل، فلم يزل تحت حجره حتى قتل الأفضل ليلة عيد الفطر سنة خمس عشرة و خمسمائة، فاستوزر بعده القائد أبا عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحيّ، و لقّبه بالمأمون، فقام بأمر دولته إلى أن قبض عليه في ليلة السبت رابع شهر رمضان سنة تسع عشرة و خمسمائة، فتفرّغ الآمر لنفسه و لم يبق له ضدّ و لا مزاحم، و بقي بغير وزير، و أقام صاحبي ديوان أحدهما جعفر بن عبد المنعم، و الآخر سامريّ يقال له أبو يعقوب إبراهيم، و معهما مستوف يعرف بابن أبي نجاح كان راهبا، ثم تحكم هذا الراهب في الناس و تمكن من الدواوين، فابتدأ في مطالبة النصارى، و حقق في جهاتهم الأموال و حملها أوّلا فأوّلا، ثم أخذ في مصادرة بقية المباشرين و المعاملين و الضمناء و العمال، و زاد إلى أن عمّ ضرره جميع الرؤساء و القضاة و الكتاب و السوقة، بحيث لم يخل أحد من ضرره.

فلما تفاقم أمره قبض عليه الآمر و ضرب بالنعال حتى مات بالشرطة، فجر إلى كرسيّ الجسر و سمّر على لوح و طرح في النيل، و حذف حتى خرج إلى البحر الملح. فلما كان يوم الثلاثاء رابع عشر ذي القعدة سنة أربع و عشرين و خمسمائة، و ثب جماعة على الآمر و قتلوه، كما ذكر عند خبر الهودج، و كان كريما سمحا إلى الغاية، كثير النزهة محبا للمال و الزينة، و كانت أيامه كلها لهوا و عيشة راضية لكثرة عطائه و عطاء حواشيه، بحيث لم يوجد بمصر

81

و القاهرة إذ ذاك من يشكو زمانه البتة إلى أن نكّد بالراهب على الناس، فقبحت سيرته و كثر ظلمه و اغتصابه للأموال.

و في أيامه ملك الفرنج كثيرا من المعاقل و الحصون بسواحل الشام، فملكت عكافي شعبان سنة سبع و تسعين، و غزة في رجب سنة اثنتين و خمسمائة، و طرابلس في ذي الحجة منها، و بانياس و جبيل و قلعة تبنين فيها أيضا، و ملكوا صور في سنة ثمان عشرة و خمسمائة، و كثرت المرافعات في أيامه، و أحدثت رسوم لم تكن، و عمر الهودج بالروضة، و دكة ببركة الحبش، و عمر تنيس و دمياط، و جدّد قصر القرافة، و كانت نفسه تحدّثه بالسفر و الغارة إلى بغداد، و من شعره في ذلك:

دع اللوم عني لست مني بموثق‏* * * فلا بدّلي من صدمة المتحقق‏

و أسقي جيادي من فرات و دجلة* * * و أجمع شمل الدين بعد التفرّق‏

و قال:

أما و الذي حجت إلى ركن بيته‏* * * جراثيم ركبان مقلدة شهبا

لاقتحمنّ الحرب حتى يقال لي‏* * * ملكت زمام الحرب فاعتزل الحربا

و ينزل روح اللّه عيسى ابن مريم‏* * * فيرضى بنا صحبا و نرضى به صحبا

و كان أسمر شديد السمرة، يحفظ القرآن و يكتب خطا ضعيفا، و هو الذي جدّد رسوم الدولة و أعاد إليها بهجتها بعد ما كان الأفضل أبطل ذلك، و نقل الدواوين و الأسمطة من القصر بالقاهرة إلى دار الملك بمصر، كما ذكر هناك. و قضاته ابن ذكا النابلسيّ، ثم نعمة اللّه بن بشير، ثم الرشيد محمد بن قاسم الصقليّ، ثم الجليس بن نعمة اللّه بن بشير النابلسيّ، ثم صرفه ثانيا بمسلم بن الرسغيّ، و عزله بأبي الحجاج يوسف بن أيوب المغربيّ، ثم مات فولى محمد بن هبة اللّه بن ميسر، و كتاب إنشائه سنا الملك أبو محمد الزبيديّ الحسنيّ، و الشيخ أبو الحسن بن أبي أسامة، و تاج الرياسة أبو القاسم بن الصيرفيّ، و ابن أبي الدم اليهوديّ. و كان نقش خاتمه: الإمام الآمر بأحكام اللّه أمير المؤمنين. و وقع في آخر أيامه غلاء قلق الناس منه، و كان جريئا على سفك الدماء و ارتكاب المحظورات و استحسان القبائح، و قتل و عمره أربع و ثلاثون سنة و تسعة أشهر و عشرون يوما، منها مدّة خلافته تسع و عشرون سنة و ثمانية أشهر و نصف، و ما زال محجورا عليه حتى قتل الأفضل، و كان يركب للنزهة دائما عند ما استبدّ، في يومي السبت و الثلاثاء، و يتحوّل في أيام النيل بحرمه إلى اللؤلؤة على الخليج، و اختص بغلاميه برغش و هزار الملوك.

يلبغا السالميّ: أبو المعالي عبد اللّه الأمير سيف الدين الحنفيّ الصوفي الظاهريّ، كان اسمه في بلاده يوسف، و هو حرّ الأصل، و آباؤه مسلمون. فلما جلب من بلاد المشرق سمي‏

82

يلبغا، و قيل له السالميّ نسبة إلى سالم، تاجره الذي جلبه، فترقّى في خدم السلطان الملك الظاهر برقوق إلى أن ولّاه نظر خانقاه الصلاح سعيد السعداء، في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع و تسعين و سبعمائة، فأخرج كتاب الوقف و قصد أن يعمل بشرط الواقف، و أخرج منها جماعة من بياض الناس، فجرت أمور ذكرت في خبر الخانقاه. و في سابع عشري صفر سنة ثمانمائة، أنعم عليه الملك الظاهر بإمرة عشرة عوضا عن الأمير بهادر فطيلس، ثم نقله إلى أمرة طبلخاناه، ثم جعله ناظرا على الخانقاه الشيخونية بالصليبة، في تاسع شعبان سنة إحدى و ثمانمائة، فعسف بمباشر بها و أراد حملهم على مرّ الحق، فنفرت منه القلوب، و لما مرض الظاهر جعله أحد الأوصياء على تركته، فقام بتحليف المماليك السلطانية للملك الناصر فرج بن برقوق، و الإنفاق عليهم بحضرة الناصر، فأنفق عليهم كل دينار من حساب أربعة و عشرين درهما، و لما انقضت النفقة نودي في البلدان أنّ صرف كل دينار ثلاثون درهما، و من امتنع نهب ماله و عوقب، فحصل للناس من ذلك شدّة، و كان قد كثر القبض على الأمراء بعد موت الظاهر، فتحدّث مع الأمير الكبير ايتمش القائم بتدبير دولة الناصر فرج بعد موت أبيه في أن يكون على كلّ أمير من المقدّمين خمسون ألف درهم، و على كلّ أمير من الطبلخاناه عشرون ألف درهم، و على كلّ أمير عشرة خمسة آلاف درهم، و على كلّ أمير خمسة ألفا درهم و خمسمائة درهم. فرسم بذلك و عمل به مدّة ايام الناصر، و حصل به رفق للأمراء و مباشريهم، ثم خلع عليه و استقرّ أستادار السلطان عوضا عن الأمير الوزير تاج الدين عبد الرزاق بن أبي الفرج الملكيّ، في يوم الاثنين ثالث عشري ذي القعدة من السنة المذكورة، فأبطل تعريف منية بني خصيب، و ضمان العرصة، و أخصاص الكيالين، و كتب بذلك مرسوما سلطانيا و بعث به إلى والي الأشمونين، و أبطل وفر الشون السلطانية، و ما كان مقرّرا على البرددار (1) و هو في الشهر سبعة آلاف درهم، و ما كان مقرّرا على مقدّم المستخرج، و هو في الشهر ثلاثة آلاف درهم، و كانت سماسرة الغلال تأخذ ممن يشتري شيئا من الغلة على كلّ أردب در همين سمسرة، و كيالة و لواحة و أمانة، فألزمهم أن لا يأخذوا عن كل أردب سوى نصف درهم، و هدّد على ذلك بالغرامة و العقوبة.

و ركب في صفر سنة ثلاث و ثمانمائة إلى ناحية المنية و شبرا الخيمة من الضواحي بالقاهرة، و كسر منها ما ينيف على أربعين ألف جرّة خمر، و خرّب بها كنيسة كانت للنصارى، و حمل عدّة جرار فكسرها تحت قلعة الجبل، و على باب زويلة، و شدّد على النصارى، فلم يمكنه أمراء الدولة من حملهم على الصغار و المذلة في ملبسهم، و أمر فضرب الذهب كلّ دينار زنته مثقال واحدا، و أراد بذلك إبطال ما حدث من المعاملة بالذهب الإفرنجيّ، فضرب ذلك و تعامل الناس به مدّة، و صار يقال دينار سالميّ إلى أن‏

____________

(1) البرددار: هو صاحب الستارة، أو ممسك الستارة، كان يقف بباب السلطان و اللفظ فارسي مركب من «فردا» أي الستارة، و استعملت «بردا» و «دار» أي ممسك. النجوم الزاهرة ج 6 ص 114.

83

ضرب الناصر فرج دنانير و سماها الناصرية، و صار يحكم في الأحكام الشرعية، فقلق منه أمراء الدولة و قاموا في ذلك، فمنع من الحكم إلّا فيما يتعلق بالديوان المفرد و غيره مما هو من لوازم الأستادار، و أخذ في مخاشنة الأمراء عند ما عاد الناصر فرج و قد انهزم من تيمور لنك، و شرع في إقامة شعار المملكة و النفقة على العساكر التي رجعت منهزمة، فأخذ من بلاد الأمراء و بلاد السلطان عن كلّ ألف دينار فرسا أو خمسمائة درهم ثمنها، و جبى من أملاك القاهرة و مصر و ظواهرهما أجرة شهر، و أخذ من الرزق عن كلّ فدّان عشرة دراهم، و عن الفدّان من القصب المزروع و القلقاس و النيلة نحو مائة درهم، وجبى من البساتين عن كلّ فدّان مائة درهم، و قام بنفسه و كبس الحواصل ليلا و نهارا و معه جماعة من الفقهاء و غيرهم، و أخذ مما فيها من الذهب و الفضة و الفلوس نصف ما يجد، سواء كان صاحب المال غائبا أو حاضرا، فعمّ ذلك أموال التجار و الأيتام و غيرهم من سائر من وجد له مال، و أخذ ما كان في الجوامع و المدارس و غيرها من الحواصل، فشمل الناس من ذلك ضرر عظيم، و صار يؤخذ من كل مائة درهم ثلاثة دراهم عن أجرة صرف، و ستة دراهم عن أجرة الرسول، و عشرة دراهم عن أجرة نقيب، فنفرت منه القلوب و انطلقت الألسن بذمّه و الدعاء عليه، و عرض مع ذلك الجند و ألزم من له قدرة على السفر بالتجهز للسفر إلى الشام لقتال تيمور لنك، و من وجده عاجزا عن السفر ألزمه بحمل نصف متحصل إقطاعه، فقبض عليه في يوم الاثنين رابع عشر رجب سنة ثلاث و ثمانمائة، و سلّم للقاضي سعد الدين إبراهيم بن غراب، و قرّر مكانه في الاستادارية، فلم يزل إلى يوم عيد الفطر من السنة المذكورة، فأمر بإطلاقه بعد أن حصر و أهين إهانة كبيرة، ثم قبض عليه و ضرب ضربا مبرّحا حتى أشفى على الموت، و أطلق في نصف ذي القعدة و هو مريض، فأخرج إلى دمياط و أقام بها مدّة، ثم أحضر إلى القاهرة و قلّد وظيفة الوزارة في سنة خمس و ثمانمائة، و جعل مشيرا، فأبطل مكوس البحيرة و هو ما يؤخذ على ما يذبح من البقر و الغنم، و استعمل في أموره العسف، و ترك مداراة الأمراء، و استعجل فقبض عليه و عوقب و سجن إلى أن أخرج في رمضان سنة سبع و ثمانمائة و قلّد وظيفة الإشارة، و كانت للأمير جمال الدين يوسف الأستادار، فلم يترك عادته في الإعجاب برأيه و الاستبداد بالأمور، و استعجال الأشياء قبل أوانها، فقبض عليه في ذي الحجة منها و سلّم للأمير جمال الدين يوسف، فعاقبه و بعث به إلى الإسكندرية، فسجن بها إلى أن سعى جمال الدين في قتله بمال بذله للناصر فيه حتى أذن له في ذلك، فقتل خنقا عصر يوم الجمعة و هو صائم السابع عشر من جمادى الآخرة، سنة إحدى عشرة و ثمانمائة رحمه اللّه، و كان كثير النسك من الصلاة و الصوم و الصدقة، لا يخلّ بشي‏ء من نوافل العبادات، و لا يترك قيام الليل سفرا و لا حضرا، و لا يصلي قط إلّا بوضوء جديد، و كلما أحدث توضأ، و إذا توضأ صلّى ركعتين، و كان يصوم يوما و يفطر يوما، و يخرج في كثرة الصدقات عن الحدّ، و يقرأ فيه كلّ ثلاثة أيام ختمة، و لا يترك أوراده في حال من‏

84

الأحوال مع المروءة و الهمة، و سمع كثيرا من الحديث، و قرأ بنفسه على المشايخ، و كتب الخط المليح، و قرأ القراءات السبع، و عرف التصوّف و الفقه و الحساب و النجوم، إلّا أنه كان متهوّرا في أخذ الأموال عسوفا لجوجا مصمما لا ينقاد إلى أحد، و يستبدّ برأيه فيغلط غلطات لا تحتمل، و يستخف بغيره، و يعجب بنفسه، و يريد أن يجعل غاية الأمور بدايتها، فلذلك لم يتمّ له أمر.

جامع الظافر

هذا الجامع بالقاهرة في وسط السوق الذي كان يعرف قديما بسوق السرّاجين، و يعرف اليوم بسوق الشوّايين، كان يقال له الجامع الأفخر، و يقال له اليوم جامع الفاكهيين، و هو من المساجد الفاطمية، عمره الخليفة الظافر بنصر اللّه أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين اللّه أبي الميمون عبد المجيد بن الآمر بأحكام اللّه منصور، و وقف حوانيته على سدنته و من يقرأ فيه. قال ابن عبد الظاهر: بناه الظافر، و كان قبل ذلك زريبة تعرف بدار الكباش، و بناه في سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة، و سبب بنائه أن خادما رأى من مشرف عال ذباحا و قد أخذ رأسين من الغنم، فذبح أحدهما ورمى سكينته و مضى ليقضي حاجته، فأتى رأس الغنم الآخر و أخذ السكين بفمه و رماها في البالوعة، فجاء الجزّار يطوف على السكين، فلم يجدها، و أما الخادم فإنه استصرخ و خلصه منه، و طولع بهذه القضية أهل القصر، فأمروا بعمله جامعا، و يسمى الجامع الأفخر، و به حلقة تدريس و فقهاء و متصدّرون للقرآن، و أوّل ما أقيمت به الجمعة في ... (1).

جامع الصالح‏

هذا الجامع من المواضع التي عمرت في زمن الخلفاء الفاطميين، و هو خارج باب زويلة. قال ابن عبد الظاهر: كان الصالح طلائع بن رزيك لما خيف على مشهد الإمام الحسين رضي اللّه عنه إذ كان بعسقلان من هجمة الفرنج، و عزم على نقله، قد بنى هذا الجامع ليدفنه به، فلما فرغ منه لم يمكنه الخليفة من ذلك و قال: لا يكون إلّا داخل القصور الزاهرة، و بنى المشهد الموجود الآن و دفن به، و تمّ الجامع المذكور، و استمرّ جلوس زين الدين الواعظ به، و حضور الصالح إليه. فيقال أنّ الصالح لما حضرته الوفاة جمع أهله و أولاده و قال لهم في جملة وصيته: ما ندمت قط في شي‏ء عملته إلّا في ثلاثة، الأوّل بنائي هذا الجامع على باب القاهرة، فإنه صار عونا لها. و الثاني: توليتي لشاور الصعيد الأعلى.

و الثالث: خروجي إلى بلبيس بالعساكر و إنفاقي الأموال الجمة، و لم أتم بهم إلى الشام و أفتح بيت المقدس و استأصل ساقة الفرنج. و كان قد أنفق في العساكر في تلك الدفعة مائة

____________

(1) بياض في الأصل.

85

ألف دينار، و بنى في الجامع المذكور صهريجا عظيما، و جعل ساقية على الخليج قريب باب الخرق تملأ الصهريج المذكور أيام النيل، و جعل المجاري إليه، و أقيمت الجمعة فيه في الأيام المعزية في سنة بضع و خمسين و ستمائة بحضور رسول بغداد الشيخ نجم الدين عبد اللّه البادرانيّ، و خطب به أصيل الدين أبو بكر الأسعرديّ، و هي إلى الآن، و لما حدثت الزلزلة سنة اثنتين و سبعمائة تهدّم، فعمر على يد الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار.

طلائع بن رزيك: أبو الغارات الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين، قدم في أوّل أمره إلى زيارة مشهد الإمام عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه بأرض النجف من العراق في جماعة من الفقراء، و كان من الشيعة الإمامية، و إمام مشهد عليّ رضي اللّه عنه يومئذ السيد ابن معصوم، فزار طلائع و أصحابه و باتوا هنالك، فرأى ابن معصوم في منامه عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه و هو يقول له: قد ورد عليك الليلة أربعون فقيرا، من جملتهم رجل يقال له طلائع بن رزيك من أكبر محبينا، قل له اذهب فقد وليناك مصر. فلما أصبح أمر أن ينادي: من فيكم طلائع بن رزيك فليقم إلى السيد ابن معصوم. فجاء طلائع و سلّم عليه، فقصّ عليه ما رأى، فسار حينئذ إلى مصر و ترقى في الخدم حتى ولي منية بني خصيب، فلما قتل نصر بن عباس، الخليفة الظافر، بعث نساء القصر إلى طلائع يستغثن به في الأخذ بثار الظافر، و جعلن في طيّ الكتب شعور النساء، فجمع طلائع عندما وردت عليه الكتب الناس، و سار يريد القاهرة لمحاربة الوزير عباس، فعندما قرب من البلد فرّ عباس و دخل طلائع إلى القاهرة، فخلع عليه خلع الوزارة و نعت بالملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين، فباشر البلاد أحسن مباشرة، و استبدّ بالأمر لصغر سنّ الخليفة الفائز بنصر اللّه إلى أن مات، فأقام من بعده عبد اللّه بن محمد و لقبه بالعاضد لدين اللّه، و بايع له، و كان صغيرا لم يبلغ الحلم، فقويت حرمة طلائع و ازداد تمكنه من الدولة، فثقل على أهل القصر لكثرة تضييقه عليهم، و استبداده بالأمر دونهم، فوقف له رجال بدهاليز القصر و ضربوه حتى سقط على الأرض على وجهه، و حمل جريحا لا يعي إلى داره، فمات يوم الاثنين تاسع عشر شهر رمضان سنة ست و خمسين و خمسمائة، و كان شجاعا كريما جوادا فاضلا محبا لأهل الأدب جيد الشعر، رجل وقته فضلا و عقلا و سياسة و تدبيرا، و كان مهابا في شكله، عظيما في سطوته، و جمع أموالا عظيمة، و كان محافظا على الصلوات فرائضها و نوافلها، شديد المغالات في التشيع، صنف كتابا سماه الاعتماد في الردّ على أهل العناد، جمع له الفقهاء و ناظرهم عليه، و هو يتضمن إمامة عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و الكلام على الأحاديث الواردة في ذلك، و له شعر كثير يشتمل على مجلدين في كلّ فن، فمنه في اعتقاده:

يا أمة سلكت ضلالا بينا* * * حتى استوى إقرارها و جحودها

ملتم إلى أنّ المعاصي لم يكن‏* * * إلّا بتقدير الإله وجودها

86

لو صح ذا كان الإله بزعمكم‏* * * منع الشريعة أن تقام حدودها

حاشا و كلّا أنّ يكون إلهنا* * * ينهى عن الفحشاء ثم يريدها

و له قصيدة سماها الجوهرية، في الردّ على القدرية، و جدّد الجامع الذي بالقرافة الكبرى، و وقف ناحية بلقس على أن يكون ثلثاها على الأشراف من بني حسن و بني حسين ابني عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، و سبع قراريط منها على أشراف المدينة النبوية، و جعل فيها قيراطا على بني معصوم إمام مشهد عليّ رضي اللّه عنه، و لما ولى الوزارة مال على المستخدمين بالدولة و على الأمراء، و أظهر مذهب الإمامية و هو مخالف لمذهب القوم، و باع ولايات الأعمال للأمراء بأسعار مقرّرة، و جعل مدة كلّ متولى ستة أشهر، فتضرّر الناس من كثرة تردّد الولاة على البلاد، و تعبوا من ذلك، و كان له مجلس في الليل يحضره أهل العلم و يدوّنون شعره، و لم يترك مدّة أيامه غزو الفرنج و تسيير الجيوش لقتالهم في البرّ و البحر، و كان يخرج البعوث في كل سنة مرارا، و كان يحمل في كلّ عام إلى أهل الحرمين مكة و المدينة من الأشراف سائر ما يحتاجون إليه من الكسوة و غيرها، حتى يحمل إليهم ألواح الصبيان التي يكتب فيها، و الأقلام و المداد و آلات النساء، و يحمل كلّ سنة إلى العلويين الذين بالمشاهد جملا كبيرة، و كان أهل العلم يغدون إليه من سائر البلاد، فلا يخيب أمل قاصد منهم.

و لما كان في الليلة التي قتل صبيحتها قال: في هذه الليلة ضرب في مثلها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و أمر بقربة ممتلئة فاغتسل و صلّى على رأي الإمامية مائة و عشرين ركعة، أحيا بها ليله، و خرج ليركب فعثر و سقطت عمامته عن رأسه و تشوّشت، فقعد في دهليز دار الوزارة و أمر بإحضار ابن الضيف، و كان يتعمم للخلفاء و الوزراء، و له على ذلك الجاري الثقيل، فلما أخذ في إصلاح العمامة قال رجل للصالح:

نعيذ بالله مولانا، و يكفيه هذا الذي جرى أمرا يتطير منه، فإن رأى مولانا أن يؤخر الركوب فعل، فقال: الطيرة من الشيطان، ليس إلى تأخير الركوب سبيل، و ركب فكان من ضربه ما كان، و عاد محمولا فمات منها كما تقدّم.

ذكر الأحباس و ما كان يعمل فيها

اعلم أن الأحباس في القديم لم تكن تعرف إلّا في الرباع و ما يجري مجراها من المباني، و كلها كانت على جهات برّ. فأما المسجد الجامع العتيق بمصر، فكان يلي إمامته في الصلوات الخمس، و الخطابة فيه يوم الجمعة، و الصلاة بالناس صلاة الجمعة أمير البلد، فتارة يجمع للأمير بين الصلاة و الخراج، و تارة يفرد الخراج عن الأمير، فيكون الأمير إليه أمر الصلاة بالناس و الحرب، و الآخر أمر الخراج، و هو دون مرتبة أمير الصلاة و الحرب، و كان الأمير يستخلف عنه في الصلاة صاحب الشرطة إذا شغله أمر، و لم يزل الأمر على ذلك إلى‏

87

أن ولي مصر عنبسة بن إسحاق بن شمر من قبل المستنصر بن المتوكل على الصلاة و الخراج، فقدمها لخمس خلون من ربيع الآخر سنة ثمان و ثلاثين و مائتين، و أقام إلى مستهل رجب سنة اثنتين و أربعين و مائتين، و صرف فكان آخر من ولي مصر من العرب، و آخر أمير صلّى بالناس في المسجد الجامع، و صار يصلّى بالناس رجل يرزق من بيت المال، و كذلك المؤذنون و نحوهم، و أما الأراضي فلم يكن سلف الأمّة من الصحابة و التابعين يتعرّضون لها، و إنما حدث ذلك بعد عصرهم، حتى أنّ أحمد بن طولون لما بنى الجامع و المارستان و السقاية، و حبس على ذلك الأحباس الكثيرة، لم يكن فيها سوى الرباع و نحوها بمصر، و لم يتعرّض إلى شي‏ء من أراضي مصر البتة، و حبس أبو بكر محمد بن عليّ الماردانيّ بركة الحبش و سيوط و غيرهما على الحرمين و على جهات برّ، و حبس غيره أيضا.

فلما قدمت الدولة الفاطمية من الغرب إلى مصر، بطل تحبيس البلاد، و صار قاضي القضاة يتولى أمر الأحباس من الرباع، و إليه أمر الجوامع و المشاهد، و صار للإحباس ديوان مفرد، و أوّل ما قدم المعز أمر في ربيع الآخر سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة بحمل مال الأحباس من المودع إلى بيت المال الذي لوجوه البرّ، و طولب أصحاب الأحباس بالشرائط ليحملوا عليها. و ما يجب لهم فيها، و للنصف من شعبان ضمن الأحباس محمد بن القاضي أبي الطاهر محمد بن أحمد بألف ألف و خمسمائة ألف درهم في كلّ سنة، يدفع إلى المستحقين حقوقهم و يحمل ما بقي إلى بيت المال. و قال ابن الطوير: الخدمة في ديوان الأحباس و هو أوفر الدواوين مباشرة، و لا يخدم فيه إلّا أعيان كتّاب المسلمين من الشهود المعدّلين، بحكم أنها معاملة دينية، و فيها عدّة مدبرين ينوبون عن أرباب هذه الخدم في إيجاب أرزاقهم من ديوان الرواتب، و ينجزون لهم الخروج بإطلاق أرزاقهم، و لا يوجب لأحد من هؤلاء خرج إلّا بعد حضور ورقة التعريف، من جهة مشارف الجوامع و المساجد باستمرار خدمته ذلك الشهر جميعه، و من تأخر تعريفه تأخر الإيجاب له، و إن تمادى ذلك استبدل به، أو توفر ما باسمه لمصلحة أخرى، خلا جواري المشاهد فإنها لا توفر، لكنها تنقل من مقصر إلى ملازم، و كان يطلق لكل مشهد خمسون درهما في الشهر برسم الماء لزوّارها، و يجري من معاملة سواقي السبيل بالقرافة و النفقة عليها من ارتفاعه، فلا تخلو المصانع و لا الأحواض من الماء أبدا، و لا يعترض أحد من الانتفاع به، و كان فيه كاتبان و معينان.

و قال المسبحي في حوادث سنة ثلاث و أربعمائة: و أمر الحاكم بأمر اللّه بإثبات المساجد التي لا غلة لها، و لا أحد يقوم بها، و ماله منها غلة لا تقوم بما يحتاج إليه، فأثبت في عمل، و رفع إلى الحاكم بأمر اللّه، فكانت عدّة المساجد على الشرح المذكور ثمانمائة و ثلاثين مسجدا، و مبلغ ما تحتاج إليه من النفقة في كلّ شهر تسعة آلاف و مائتان و عشرون درهما. على أنّ لكلّ مسجد في كلّ شهر اثني عشر درهما. و قال في حوادث سنة خمس‏

88

و أربعمائة: و قري‏ء يوم الجمعة ثامن عشري صفر سجل بتحبيس عدّة ضياع، و هي: اطفيح وصول و طوخ و ست ضياع أخر، و عدّة قياسر و غيرها على القرّاء و الفقهاء و المؤذنين بالجوامع، و على المصانع و القوّام بها، و نفقة المارستانات و أرزاق المستخدمين فيها و ثمن الأكفان.

و قال الشريف بن أسعد الجوّانيّ: كان القضاة بمصر إذا بقي لشهر رمضان ثلاثة أيام طافوا يوما على المساجد و المشاهد بمصر و القاهرة يبدأون بجامع المقس، ثم القاهرة، ثم المشاهد، ثم القرافة، ثم جامع مصر، ثم مشهد الرأس لنظر حصر ذلك و قناديله و عمارته و ما تشعث منه، و ما زال الأمر على ذلك إلى أن زالت الدولة الفاطمية. فلما استقرّت دولة بني أيوب أضيفت الأحباس أيضا إلى القاضي، ثم تفرّقت جهات الأحباس في الدولة التركية و صارت إلى يومنا هذا ثلاث جهات: الأولى تعرف بالأحباس، و يلي هذه الجهة دوادار السلطان، و هو أحد الأمراء و معه ناظر الأحباس، و لا يكون إلّا من أعيان الرؤساء، و بهذه الجهة ديوان فيه عدّة كتاب و مدبر، و أكثر ما في ديوان الأحباس الرزق الإحباسية، و هي أراض من أعمال مصر على المساجد و الزوايا للقيام بمصالحها، و على غير ذلك من جهات البرّ، و بلغت الرزق الإحباسية في سنة أربعين و سبعمائة عند ما حرّرها النشو ناظر الخاص في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، مائة ألف و ثلاثين ألف فدّان، عمل النشو بها أوراقا، و حدّث السلطان في إخراجها عمن هي باسمه و قال: جميع هذه الرزق أخرجها الدواوين بالبراطيل و التقرّب إلى الأمراء و الحكام، و أكثرها بأيدي أناس من فقهاء الأرياف لا يدرون الفقه، يسمون أنفسهم الخطباء، و لا يعرفون كيف يخطبون و لا يقرءون القرآن، و كثير منها بأسماء مساجد و زوايا معطلة و خراب، و حسن له أن يقيم شادّا و ديوانا يسير في النواحي و ينظر في المساجد التي هي عامرة، و يصرف لها من رزقها النصف، و ما عدا ذلك يجري في ديوان السلطان. فعاجله اللّه و قبض عليه قبل عمل شي‏ء من ذلك.

الجهة الثانية تعرف بالأوقاف الحكمية بمصر و القاهرة، ويلي هذه الجهة قاضي القضاة الشافعيّ، و فيها ما حبس من الرباع على الحرمين و على الصدقات و الأسرى و أنواع القرب، و يقال لمن يتولى هذه الجهة ناظر الأوقاف، فتارة ينفرد بنظر أوقاف مصر و القاهرة رجل واحد من أعيان نوّاب القاضي، و تارة ينفرد بأوقاف القاهرة ناطر من الأعيان، و يلي نظر أوقاف مصر آخر، و لكلّ من أوقاف البلدين ديوان فيه كتّاب و جباة، و كانت جهة عامرة يتحصل منها أموال جمة، فيصرف منها لأهل الحرمين أموال عظيمة في كلّ سنة، تحمل من مصر إليهم مع من يثق به قاضي القضاة، و تفرّق هناك صررا، و يصرف منها أيضا بمصر و القاهرة لطلبة العلم و لأهل الستر و للفقراء شي‏ء كثير، إلّا أنها اختلت و تلاشت في زمننا هذا، و عما قليل إن دام ما نحن فيه لم يبق لها أثر البتة، و سبب ذلك أنه ولي قضاء الحنفية كمال الدين عمر بن العديم في أيام الملك الناصر فرج، و ولاية الأمير جمال الدين يوسف‏

89

تدبير الأمور و المملكة، فتظاهرا معا على إتلاف الأوقاف، فكان جمال الدين إذا أراد أخذ وقف من الأوقاف، أقام شاهدين يشهدان بأن هذا المكان يضرّ بالجار و المارّ، و أن الحظ فيه.

أن يستبدل به غيره، فيحكم له قاضي القضاة كمال الدين عمر بن العديم باستبدال ذلك، و شره جمال الدين في هذا الفعل كما شره في غيره، فحكم له المذكور باستبدال القصور العامرة، و الدور الجليلة بهذه الطريقة، و الناس على دين ملكهم، فصار كلّ من يريد بيع وقف أو شراء وقف سعى عند القاضي المذكور بجاه أو مال، فيحكم له بما يريد من ذلك، و استدرج غيره من القضاة إلى نوع آخر، و هو أن تقام شهود القيمة فيشهدون بأن هذا الوقف ضارّ بالجار و المار، و أن الحظ و المصلحة في بيعه أنقاضا، فيحكم قاض شافعيّ المذهب ببيع تلك الأنقاض. و استمرّ الأمر على هذا إلى وقتنا هذا الذي نحن فيه، ثم زاد بعض سفهاء قضاة زمننا في المعنى و حكم ببيع المساجد الجامعة إذا خرب ما حولها، و أخذ ذرية واقفها ثمن أنقاضها، و حكم آخر منهم ببيع الوقف و دفع الثمن لمستحقه من غير شراء بدل، فامتدّت الأيدي لبيع الأوقاف حتى تلف بذلك سائر ما كان في قرافتي مصر من الترب، و جميع ما كان من الدور الجليلة، و المساكن الأنيقة، بمصر الفسطاط و منشأة المهرانيّ و منشأة الكتاب و زريبة قوصون و حكر ابن الأثير و سويقة الموفق، و ما كان في الحكورة من ذلك، و ما كان بالجوّانية و العطوفية و غيرها من حارات القاهرة و غيرها، فكان ما ذكر أحد أسباب الخراب، كما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب.

الجهة الثالثة: الأوقاف الأهلية، و هي التي لها ناظر خاص، إمّا من أولاد الواقف أو من ولاة السلطان أو القاضي، و في هذه الجهة الخوانك و المدارس و الجوامع و الترب، و كان متحصلها قد خرج عن الحدّ في الكثرة لما حدث في الدولة التركية من بناء المدارس و الجوامع و الترب و غيرهما، و صاروا يفردون أراضي من أعمال مصر و الشامات، و فيها بلاد مقرّرة، و يقيمون صورة يتملكونها بها و يجعلونها وقفا على مصارف كما يريدون، فلما استبدّ الأمير برقوق بأمر بلاد مصر قبل أن يتلقب باسم السلطنة، همّ بارتجاع هذه البلاد و عقد مجلسا فيه شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقينيّ، و قاضي القضاة بدر الدين محمد بن أبي البقاء، و غيره. فلم يتهيأ له ذلك، فلما جلس على تخت الملك صار أمراؤه يستأجرون هذه النواحي من جهات الأوقاف، و يؤجرونها للفلاحين بأزيد مما استأجروا، فلما مات الظاهر فحش الأمر في ذلك و استولى أهل الدولة على جميع الأراضي الموقوفة بمصر و الشامات، و صار أجودهم من يدفع فيها لمن يستحق ريعها عشر ما يحصل له، و إلّا فكثير منهم لا يدفع شيئا البتة، لا سيما ما كان من ذلك في بلاد الشام، فإنه استهلك و أخذ، و لذلك كان أسوأ الناس حالا في هذه المحن التي حدثت منذ سنة ست و ثمانمائة الفقهاء، لخراب الموقوف عليها و بيعه و استيلاء أهل الدولة على الأراضي.

90

الجامع بجوار تربة الشافعيّ بالقرافة

هذا الجامع كان مسجدا صغيرا، فلما كثر الناس بالقرافة الصغرى عندما عمر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب المدرسة بجوار قبر الإمام الشافعيّ رضي اللّه عنه، و جعل لها مدرّسا و طلبة، زاد الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب في المسجد المذكور، و نصب به منبرا و خطب فيه، و صليت الجمعة به في سنة سبع و ستمائة.

جامع محمود بالقرافة

هذا المسجد قديم و الخطبة فيه متجدّدة، و ينسب لمحمود بن سالم بن مالك الطويل، من أجناد السريّ بن الحكم أمير مصر بعد سنة مائتين من الهجرة. قال القضاعيّ: المسجد المعروف بمحمود، يقال أن محمودا هذا كان رجلا جنديا من جند السريّ بن الحكم أمير مصر، و أنه هو الذي بنى هذا المسجد، و ذلك أنّ السريّ بن الحكم ركب يوما فعارضه رجل في طريقه فكلمه و وعظه بما غاظه، فالتفت عن يمينه فرأى محمودا، فأمره بضرب عنق الرجل ففعل. فلما رجع محمود إلى منزله تفكر و ندم و قال: رجل يتكلم بموعظة بحق فيقتل بيدي و أنا طائع غير مكره على ذلك، فهلا امتنعت، و كثر أسفه و بكاؤه و آلى على نفسه أن يخرج من الجندية و لا يعود فيها، و لم ينم ليلته من الغمّ و الندم، فلما أصبح غدا إلى السريّ فقال له: إني لم أنم في هذه الليلة على قتل الرجل، و أنا أشهد اللّه عز و جلّ و أشهدك أني لا أعود في الجندية، فأسقط اسمي منهم، و إن أردت نعمتي فهي بين يديك، و خرج من بين يديه و حسنت توبته و أقبل على العبادة، و اتخذ المسجد المعروف بمسجد محمود و أقام فيه.

و قال ابن المتوج: المسجد الجامع المشهور بسفح المقطم، هذا الجامع من مساجد الخطبة، و هو بسفح الجبل المقطم بالقرافة الصغرى، و أوّل من خطب فيه السيد الشريف شهاب الدين الحسين بن محمد قاضي العسكر، و المدرّس بالمدرسة الناصرية الصلاحية بجوار جامع عمرو، و به عرفت بالشريفية و سفير الخلافة المعظمة، و توفي في شوّال سنة خمس و خمسين و ستمائة، و كان أيضا نقيب الأشراف.

جامع الروضة بقلعة جزيرة الفسطاط

قال ابن المتوج: هذا الجامع عمره السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، و كان أمام بابه كنيسة تعرف بابن لقلق بترك اليعاقبة، و كان بها بئر مالحة، و ذلك مما عدّ من عجائب مصر أن في وسط النيل جزيرة بوسطها بئر مالحة، و هذه البئر التي رأيتها كانت قبالة باب المسجد الجامع، و إنما ردمت بعد ذلك، و هذا الجامع لم يزل بيد بني الرّدّاد و لهم نوّاب عنهم فيه، ثم لما كانت أيام السلطان الملك المؤيد شيخ المحموديّ هدم هذا الجامع‏

91

في شهر رجب سنة ثلاث و عشرين و ثمانمائة، و وسعه بدور كانت إلى جانبه، و شرع في عمارته فمات قبل الفراغ منه.

جامع غين بالروضة

قال ابن المتوّج: المسجد الجامع بروضة مصر يعرف بجامع غين، و هو القديم، و لم تزل الخطبة قائمة فيه إلى أن عمر جامع المقياس فبطلت الخطبة منه، و لم تزل الخطبة بطالة منه إلى الدولة الظاهرية، فكثرت عمائر الناس حوله في الروضة و قلّ الناس في القلعة، و صاروا يجدون مشقة في مشيهم من أوائل الروضة، و عمر الصاحب محيي الدين أحمد ولد الصاحب بهاء الدين عليّ بن حنا داره على خوخة الفقيه نصر قبالة هذا الجامع، فحسن له إقامة الجمعة في هذا الجامع لقربه منه و من الناس، فتحدّث مع والده فشاور السلطان الملك الظاهر بيبرس، فوقع منه بموقع لكثرة ركوبه بحر النيل و اعتنائه بعمارة الشواني و لعبها في البحر، و نظره إلى كثرة الخلائق بالروضة، و رسم بإقامة الخطبة فيه مع بقاء الخطبة بجامع القلعة لقوّة نيته في عمارتها على ما كانت عليه، فأقيمت الخطبة به في سنة ستين و ستمائة، و ولي خطابته أقضى القضاة جمال الدين بن الغفاريّ، و كان ينوب بالجيزة في الحكم، ثم ناب في الحكم بمصر عن قاضي القضاة وجيه الدين البهنسيّ، و كان إمامه في حال عطلته من الخطبة، فلما أقيمت فيه الخطبة أضيفت إليه الخطابة فيه مع الإمامة.

غين أحد خدّام الخليفة الحاكم بأمر اللّه، خلع عليه في تاسع ربيع الآخر سنة اثنتين و أربعمائة، و قلده سيفا و أعطاه سجلا قرى‏ء فإذا فيه أنه لقب بقائد القوّاد، و أمر أن يكتب بذلك و يكاتب به، و ركب و بين يديه عشرة أفراس بسروجها و لجمها، و في ذي القعدة من السنة المذكورة أنفذ إليه الحاكم خمسة آلف دينار، و خمسة و عشرين فرسا بسروجها و لجمها، و قلده الشرطتين و الحسبة بالقاهرة و مصر و الجيزة، و النظر في أمور الجميع و أموالهم و أحوالهم كلها، و كتب له سجلا بذلك قرى‏ء بالجامع العتيق، فنزل إلى الجامع و معه سائر العسكر و الخلع عليه، و حمل على فرسين، و كان في سجله مراعاة أمر النبيذ و غيره من المسكرات، و تتبع ذلك و التشديد فيه، و في المنع من عمل الفقاع و بيعه، و من أكل الملوخيا و السمك الذي لا قشر له، و المنع من الملاهي كلها، و التقدّم بمنع النساء من حضور الجنائز، و المنع من بيع العسل، و أن لا يتجاوز في بيعه أكثر من ثلاثة أرطال لمن لا يسبق إليه ظنه أن يتخذ منه مسكرا، فاستمرّ ذلك إلى غرّة صفر سنة أربع و أربعمائة، فصرف عن الشرطتين و الحسبة بمظفر الصقليّ. فلما كان يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر منها، أمر بقطع يدي كاتبه أبي القاسم عليّ بن أحمد الجرجانيّ فقطعتا جميعا، و ذلك أنه كان يكتب عند السيدة الشريفة أخت الحاكم، فانتقل من خدمتها إلى خدمة غين خوفا على نفسه‏

92

من خدمتها، فسخطت لذلك، فبعث إليها يستعطفها و يذكر في رقعته شيئا وقفت عليه، فارتابت منه فظنت أن ذلك حيلة عليها، و أنفذت الرقعة في طيّ رقعتها إلى الحاكم، فلما وقف عليها اشتدّ غضبه و أمر بقطع يديه جميعا فقطعتا، و قيل بل كان غين هو الذي يوصل رقاع عقيل صاحب الخبر إلى الحاكم في كلّ يوم، فيأخذها من عقيل و هي مختومة بخاتمه و يدفعها لكاتبه أبي القاسم الجرجانيّ، حتى يخلو له وجه الحاكم فيأخذها حينئذ من كاتبه و يوقفه عليها، و كان الجرجانيّ يفك الختم و يقرأ الرقاع، فلما كان في يوم من الأيام فك رقعة فوجد فيها طعنا على غين أستاذه، و قد ذكر فيها بسوء، فقطع ذلك الموضع و أصلحه و أعاد ختم الرقعة، فبلغ ذلك عقيلا صاحب الخبر فبعث إلى الحاكم يستأذنه في الاجتماع به خلوة في أمر مهم، فأذن له، و حدّثه بالخبر، فأمر حينئذ بقطع يدي الجرجانيّ فقطعتا، ثم بعد قطع يديه بخمسة عشر يوما في ثالث جمادى الأولى، قطعت يد غين الأخرى، و كان قد أمر بقطع يده قبل ذلك بثلاث سنين و شهر، فصار مقطوع اليدين معا، و لما قطعت يده حملت في طبق إلى الحاكم، فبعث إليه بالأطباء و وصله بألوف من الذهب و عدّة من أسفاط ثياب، و عاده جميع أهل الدولة، فلما كان ثالث عشره أمر بقطع لسانه فقطع و حمل إلى الحاكم، فسيّر إليه الأطباء و مات بعد ذلك.

جامع الأفرم‏

قال ابن المتوّج: هذا الجامع بسفح الرصد، عمره الأمير عز الدين أيبك بن عبد اللّه المعروف بالأفرم أمير جاندار الملكيّ الصالحيّ النجميّ، في شهور سنة ثلاث و ستين و ستمائة، لما عمر المنظرة هناك، و عمر بجوارها رباطا للفقراء، و قرّرهم عدّة تنعقد بهم الجمعة، و قرّر إقامتهم فيه ليلا و نهارا، و قرّر كفايتهم و إعانتهم على الإقامة، و عمر لهم هذا الجامع يستغنون به عن السعي إلى غيره، و ذكر أن الأفرم أيضا عمر مسجدا بجسر الشعيبية في شعبان سنة ثلاث و تسعين و ستمائة، جامعا هدم فيه عدّة مساجد.

الجامع بمنشأة المهرانيّ‏

قال ابن المتوّج: و السبب في عمارة هذا الجامع، أن القاضي الفاضل كان له بستان عظيم فيما بين ميدان اللوق و بستان الخشاب، الذي أكله البحر، و كان يمير مصر و القاهرة من ثماره و أعنابه، و لم تزل الباعة ينادون على العنب رحم اللّه الفاضل يا عنب إلى مدّة سنين عديدة بعد أن أكله البحر، و كان قد عمر إلى جانبه جامعا و بنى حوله، فسميت بمنشأة الفاضل، و كان خطيبه أخا الفقيه موفق الدين بن المهدويّ الديباجيّ العثمانيّ، و كان قد عمر بجواره دارا و بستانا و غرس فيه أشجارا حسنة، و دفع إليه ألف دينار مصرية في أوّل الدولة الظاهرية، و كان الصرف قد بلغ في ذلك الوقت كل دينار ثمانية و عشرين درهما

93

و نصف درهم نقرة (1)، فاستولى البحر على الجامع و الدار و المنشأة، و قطع جميع ذلك حتى لم يبق له أثر، و كان خطيبه موفق الدين يسكن بجوار الصاحب بهاء الدين عليّ بن محمد بن حنا، و يتردّد إليه و إلى والده محيي الدين، فوقف و ضرع إليهما و قال: أكون غلام هذا الباب و يخرب جامعي، فرحمه الصاحب و قال: السمع و الطاعة يدبر اللّه، ثم فكر في هذه البقعة التي فيها هذا الجامع الآن، و كانت تعرف بالكوم الأحمر، مرصدة لعمل أقمنة الطوب الآجرية، سميت بالكوم الأحمر، و كان الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين عليّ بن محمد بن حنا، قد عمر منظرة قبالة هذا الكوم، و هي التي صارت دار ابن صاحب الموصل، و كان فخر الدين كثير الإقامة فيها مدّة الأيام المعزية، فقلق من دخان الأقمنة التي على الكوم الأحمر، و شكا ذلك لوالده و لصهره الوزير شرف الدين هبة اللّه بن صاعد الفائزيّ، فأمرا بتقويمه، فقوّم ما بين بستان الحليّ و بحر النيل و ابتاعه الصاحب بهاء الدين، فلما مات ولده فخر الدين و تحدّث مع الملك الظاهر بيبرس في عمارة جامع هناك، ملّكه هذه القطعة من الأرض، فعمر السلطان بها هذا الجامع و وقف عليه بقية هذه الأرض المذكورة، في شهر رمضان سنة إحدى و سبعين و ستمائة، و جعل النظر فيه لأولاده و ذريته، ثم من بعدهم لقاضي القضاة الحنفيّ، و أوّل من خطب فيه الفقيه موفق الدين محمد بن أبي بكر المهدويّ العثمانيّ الديباجيّ إلى أن توفي يوم الأربعاء، ثالث عشر شوّال سنة خمس و ثمانين و ستمائة، و قد تعطلت إقامة الجمعة من هذا الجامع لخراب ما حوله، و قلة الساكنين هناك، بعد أن كانت تلك الخطة في غاية العمارة، و كان صاحبنا شمس الدين محمد بن الصاحب قد عزم على نقل هذا الجامع من مكانه، فاخترمته المنية قبل ذلك.

جامع دير الطين‏

قال ابن المتوّج: هذا الجامع بدير الطين في الجانب الشرقيّ، عمره الصاحب تاج الدين بن الصاحب فخر الدين ولد الصاحب بهاء الدين، المشهور بابن حنا، في المحرّم سنة اثنتين و سبعين و ستمائة، و ذلك أنه لما عمر بستان المعشوق و مناظره و كثرت إقامته بها، و بعد عليه الجامع، و كان جامع دير الطين ضيقا لا يسع الناس، فعمر هذا الجامع و عمر فوقه طبقة يصلي فيها و يعتكف إذا شاء، و يخلو بنفسه فيها. و كان ماء النيل في زمنه يصل إلى جدار هذا الجامع، و ولى خطابته للفقيه جمال الدين محمد ابن الماشطة، و منعه من لبس السواد لأداء الخطبة، فاستمرّ إلى حين وفاته في عاشر رجب سنة تسع و سبعمائة، و أوّل خطبة أقيمت فيه يوم الجمعة سابع صفر سنة اثنتين و سبعين و ستمائة، و قد ذكرت ترجمة الصاحب تاج الدين عند ذكر رباط الآثار من هذا الكتاب.

____________

(1) الدرهم النقرة: هي الدراهم التي كانت تغلب فيها نسبة الفضة على النحاس. النجوم ج 7 ص 157.

94

محمد بن عليّ بن محمد بن سليم بن حنا: أبو عبد اللّه الوزير الصاحب فخر الدين بن الوزير الصاحب بهاء الدين، ولد في سنة اثنتين و عشرين و ستمائة، و تزوّج بابنة الوزير الصاحب شرف الدين هبة اللّه بن صاعد الفائزيّ، و ناب عن والده في الوزارة، و ولي ديوان الأحباس و وزارة الصحبة في أيام الظاهر بيبرس، و سمع الحديث بالقاهرة و دمشق، و حدّث، و له شعر جيد، و درس بمدرسة أبيه الصاحب بهاء الدين التي كانت في زقاق القناديل بمصر، و كان محبا لأهل الخير و الصلاح مؤثرا لهم متفقدا لأحوالهم، و عمر رباطا حسنا بالقرافة الكبرى، رتب فيه جماعة من الفقراء، و من غريب ما يتعظ به الأريب أن الوزير الصاحب زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع بن الزبير، الذي كان بنو حنا يعادونه، و عنه أخذوا الوزارة، مات في ثالث عشر ربيع الآخر سنة ثمان و ستين و ستمائة بالسجن، فأخرج كما تخرج الأموات الطرحاء على الطرقات من الغرباء، و لم يشيع جنازته أحد من الناس مراعاة للصاحب بن حنا، و كان فخر الدين هذا يتنزه في أيام الربيع بمنية القائد، و قد نصبت له الخيام، و أقيمت المطابخ و بين يديه المطربون، فدخل عليه البشير بموت الوزير يعقوب بن الزبير، و أنه أخرج إلى المقابر من غير أن يشيع جنازته أحد من الناس، فسرّ بذلك و لم يتمالك نفسه و أمر المطربين فغنوه، ثم قام على رجليه و رقص هو و سائر من حضره، و أظهر من الفرح و الخلاعة ما خرج به عن الحدّ، و خلع على البشير بموت المذكور خلعا سنية، فلم يمض على ذلك سوى أقلّ من أربعة أشهر و مات في حادي عشري شعبان من السنة المذكورة، ففجع به أبوه، و كانت له جنازة عظيمة، و لما دلّي في لحده قام شرف الدين محمد بن سعيد البوصيريّ، صاحب البردة، في ذلك الجمع الموفور بتربة ابن حنا من القرافة و أنشد:

نم هنيئا محمد بن عليّ‏* * * بجميل قدّمت بين يديكا

لم تزل عوننا على الدهر حتّى‏* * * غلبتنا يد المنون عليكا

أنت أحسنت في الحياة إلينا* * * أحسن اللّه في الممات إليكا

فتباكى الناس، و كان لها محل كبير ممن حضر رحمة اللّه عليهم أجمعين. و في هذا الجامع يقول السراج الورّاق:

بنيتم على تقوى من اللّه مسجدا* * * و خير مباني العابدين المساجد

فقل في طراز معلم فوق بركة* * * على حسنها الزاهي لها البحر حاسد

لها حلل حسنى و لكن طرازها* * * من الجامع المعمور بالله واحد

هو الجامع الإحسان و الحسن الذي‏* * * أقرّ له زيد و عمرو و خالد

و قد صافحت شهب الدجى شرفاته‏* * * فما هي بين الشهب إلّا فراقد

و قد أرشد الضلال عالي مناره‏* * * فلا حائر عنه و لا عنه حائد

95

و نالت نواقيس الديارات وجمة* * * و خوف فلم يمدد إليهنّ ساعد

فتبكى عليهنّ البطاريق في الدجى‏* * * و هنّ لديهم ملقيات كواسد

بذا قضت الأيام ما بين أهلها* * * مصائب قوم عند قوم فوائد

جامع الظاهر

هذا الجامع خارج القاهرة، و كان موضعه ميدانا، فأنشأه الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ جامعا. قال جامع السيرة الظاهرية: و في ربيع الآخر، يعني سنة خمس و ستين و ستمائة، اهتمّ السلطان بعمارة جامع بالحسينية، و سير الأتابك فارس الدين أقطاي المستعرب، و الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين عليّ بن حنا، و جماعة من المهندسين، لكشف مكان يليق أن يعمل جامعا، فتوجهوا لذلك و اتفقوا على مناخ الجمال السلطانية. فقال السلطان لا و اللّه لا جعلت الجامع مكان الجمال، و أولى ما جعلته ميداني الذي ألعب فيه بالكرة و هو نزهتي، فلما كان يوم الخميس ثامن شهر ربيع الآخر، ركب السلطان و صحبته خواصه و الوزير الصاحب بهاء الدين عليّ بن حنا و القضاة و نزل إلى ميدان قراقوش، و تحدّث في أمره و قاسه و رتب أموره و أمور بنائه، و رسم بأن يكون بقية الميدان وقفا على الجامع يحكر، و رسم بين يديه هيئة الجامع، و أشار أن يكون بابه مثل باب المدرسة الظاهرية، و أن يكون على محرابه قبة على قد رقبة الشافعيّ رحمة اللّه عليه، و كتب في وقته الكتب إلى البلاد بإحضار عمد الرخام من سائر البلاد، و كتب بإحضار الجمال و الجواميس و الأبقار و الدواب من سائر الولايات، و كتب بإحضار الآلات من الحديد و الأخشاب النقية برسم الأبواب و السقوف و غيرها، ثم توجه لزيارة الشيخ الصالح خضر بالمكان الذي أنشأه له، و صلّى الظهر هناك، ثم توجه إلى المدرسة بالقاهرة فدخلها و الفقهاء و القرّاء على حالهم، و جلس بينهم، ثم تحدّث و قال: هذا مكان قد جعلته للّه عز و جلّ، و خرجت عنه وقفا للّه، إذا مت لا تدفنوني هنا. و لا تغيروا معالم هذا المكان فقد خرجت عنه للّه تعالى. ثم قام من إيوان الحنفية و جلس بالمحراب في إيوان الشافعية، و تحدّث و سمع القرآن و الدعاء، و رأى جميع الأماكن، و دخل إلى قاعة ولده الملك السعيد المبنية قريبا منها، ثم ركب إلى قلعة الجبل و ولى عدّة مشدّين على عمارة الجامع، و كان إلى جانب الميدان قاعة و منظرة عظيمة بناها السلطان الملك الظاهر، فلما رسم ببناء الجامع طلبها الأمير سيف الدين قشتمر العجميّ من السلطان فقال: الأرض قد خرجت عنها لهذا الجامع، فاستأجرها من ديوانه، و البناء و الأصناف و هبتك إياها، و شرع في العمارة في منتصف جمادى الآخرة منها.

و في أوّل جمادى الآخرة سنة ست و ستين و ستمائة سار السلطان من ديار مصر يريد بلاد الشام، فنزل على مدينة يافا و تسلمها من الفرنج بأمان، في يوم الأربعاء العشرين من‏

96

جمادى الآخرة المذكور، و سير أهلها فتفرّقوا في البلاد، و شرع في هدمها و قسم أبراجها على الأمراء، فابتدأ في ذلك من ثاني عشريه، و قاسوا شدّة في هدمها لحصانتها و قوّة بنائها، لا سيما القلعة، فإنها كانت حصينة عالية الارتفاع و لها أساسات إلى الأرض الحقيقة، و باشر السلطان الهدم بنفسه و بخواصه و مماليكه، حتى غلمان البيوتات التي له، و كان ابتداء هدم القلعة في سابع عشريه، و نقضت من أعلاها و نظفت زلاقتها، و استمرّ الأجناد في ذلك ليلا و نهارا، و أخذ من أخشابها جملة، و من ألواح الرخام التي وجدت فيها، و وسق منها مركبا من المراكب التي وجدت في يافا و سيرها إلى القاهرة، و رسم بأن يعمل من ذلك الخشب مقصورة في الجامع الظاهريّ بالميدان من الحسينية، و الرخام يعمل بالمحراب، فاستعمل كذلك.

و لما عاد السلطان إلى مصر في حادي عشري ذي الحجة منها و قد فتح في هذه السفرة يافا و طرابلس و أنطاكية و غيرها، أقام إلى أن أهلت سنة سبع و ستين و ستمائة، فلما كملت عمارة الجامع في شوّال منها ركب السلطان و نزل إلى الجامع و شاهده، فرآه في غاية ما يكون من الحسن و أعجبه نجازه في أقرب وقت و مدّة مع علوّ الهمة، فخلع على مباشريه، و كان الذي تولى بناءه الصاحب بهاء الدين بن حنا، و الأمير علم الدين سنجر السروريّ متولى القاهرة، و زار الشيخ خضرا و عاد إلى قلعته، و في شوّال منها تمت عمارة الجامع الظاهريّ و رتب به خطيبا حنفيّ المذهب، و وقف عليه حكر ما بقي من أرض الميدان، و نزل السلطان إليه و رتب أوقافه و نظر في أموره.

بيبرس: الملك الظاهر ركن الدين البندقداريّ، أحد المماليك البحرية الذين اختص بهم السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، و أسكنهم قلعة الروضة، كان أوّلا من مماليك الأمير علاء الدين أيدكين البندقداريّ، فلما سخط عليه الملك الصالح أخذ مماليكه و منهم الأمير بيبرس هذا، و ذلك في سنة أربع و أربعين و ستمائة، و قدّمه على طائفة من الجمدارية، و ما زال يترقى في الخدم إلى أن قتل المعز أيبك التركمانيّ الفارس أقطاي الجمدار في شعبان سنة اثنتين و خمسين و ستمائة، و كانت البحرية قد انحازت إليه فركبوا في نحو السبعمائة، فلما ألقيت إليهم رأس أقطاي تفرّقوا و اتفقوا على الخروج إلى الشام، و كانت أعيانهم يومئذ بيبرس البندقداريّ، و قلاون الألفيّ، و سنقر الأشقر، و بيسرى، و ترامق، و تنكز، فساروا إلى الملك الناصر صاحب الشام. و لم يزل بيبرس ببلاد الشام إلى أن قتل المعز أيبك، و قام من بعده ابنه المنصور عليّ، و قبض عليه نائبه الأمير سيف الدين قطز و جلس على تخت المملكة، و تلقب بالملك المظفر، فقدم عليه بيبرس فأمّره المظفر قطز، و لما خرج قطز إلى ملاقاة التتار و كان من نصرته عليهم ما كان، رحل إلى دمشق فوشى إليه بأن الأمير بيبرس قد تنكر له و تغير عليه، و أنه عازم على القيام بالحرب، فأسرع قطز بالخروج من دمشق إلى جهة مصر و هو

97

مضمر لبيبرس السوء، و علم بذلك خواصه فبلغ ذلك بيبرس فاستوحش من قطز و أخذ كلّ منهما يحترس من الآخر على نفسه، و ينتظر الفرصة، فبادر بيبرس و واعد الأمير سيف الدين بلبان الرشيديّ، و الأمير سيف الدين بيدغان الركنيّ المعروف بسم الموت، و الأمير سيف الدين بلبان الهارونيّ، و الأمير بدر الدين آنص الأصبهانيّ، فلما قربوا في مسيرهم من القصر بين الصالحية و السعيدية عند القرين، انحرف قطز عن الدرب للصيد، فلما قضى منه و طره و عاد و الأمير بيبرس يسايره هو و أصحابه، طلب بيبرس منه امرأة من سبي التتار فأنعم عليه بها، فتقدّم ليقبل يده و كانت إشارة بينه و بين أصحابه، فعند ما رأوا بيبرس قد قبض على يد السلطان المظفر قطز، بادر الأمير بكتوت الجوكندار و ضربه بسيف على عاتقه أبانه و اختطفه الأمير آنص و ألقاه عن فرسه إلى الأرض، و رماه بهادر المغربيّ بسهم فقتله، و ذلك يوم السبت خامس عشر ذي القعدة سنة ثمان و خمسين و ستمائة، و مضوا إلى الدهليز للمشورة، فوقع الاتفاق على الأمير بيبرس، فتقدّم إليه أقطاء المستعرب الجمدار المعروف بالأتابك و بايعه و حلف له، ثم بقية الأمراء و تلقب بالملك الظاهر، و ذلك بمنزلة القصير.

فلما تمت البيعة و حلف الأمراء كلهم قال له الأمير أقطاي المستعرب: ياخوند (1)، لا يتم لك أمر إلّا بعد دخولك إلى القاهرة و طلوعك إلى القلعة، فركب من وقته و معه الأمير قلاون و الأمير بلبان الرشيديّ و الأمير بيلبك الخارندار، و جماعة يريدون قلعة الجبل، فلقيهم في طريقهم الأمير عز الدين أيدمر الحلبيّ نائب الغيبة عن المظفر قطز، و قد خرج لتلقيه، فأخبروه بما جرى و حلفوه، فتقدّمهم إلى القلعة و وقف على بابها حتى وصلوا في الليل فدخلوا إليها، و كانت القاهرة قد زينت لقدوم السلطان الملك المظفر قطز، و فرح الناس بكسر التتار و عود السلطان، فما راعهم و قد طلع النهار إلّا و المشّا عليّ ينادي معاشر الناس ترحموا على الملك المظفر و ادعوا لسلطانكم الملك الظاهر بيبرس، فدخل على الناس من ذلك غمّ شديد و وجل عظيم، خوفا من عود البحرية إلى ما كانوا عليه من الجور و الفساد و ظلم الناس. فأوّل ما بدأ به الظاهر أنه أبطل ما كان قطز أحدثه من المظالم عند سفره، و هو تصقيع الأملاك و تقويمها و أخذ زكاة ثمنها في كل سنة، و جباية دينار من كلّ إنسان، و أخذ ثلث الترك الأهلية، فبلغ ذلك في السنة ستمائة ألف دينار. و كتب بذلك مسموحا قري‏ء على المنابر في صبيحة دخوله إلى القلعة، و هو يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة المذكور، و جلس بالإيوان و حلّف العساكر، و استناب الأمير بدر الدين بيلبك الخازندار بالديار المصرية، و استقرّ الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب أتابكا على عادته، و الأمير جمال الدين أقوش التجيبيّ أستادارا، و الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحيّ أمير جاندار، و الأمير لاجين الدرفيل و بلبان الروميّ دوادارية، و الأمير بهاء الدين يعقوب الشهرزوريّ‏

____________

(1) خوند: لفظ فارسي بمعنى السيد العظيم و الأمير. النجوم الزاهرة ج 6 ص 212.

98

أميراخور على عادته، و بهاء الدين عليّ بن حنا وزيرا، و الأمير ركن الدين التاجي الركنيّ و الأمير سيف الدين بكجريّ حجابا، و رسم بإحضار البحرية الذين تفرّقوا في البلاد بطالين، و سير الكتب إلى الأقطار بما تجدّد له من النعم، و دعاهم إلى الطاعة، فأذعنوا له و انقادوا إليه.

و كان الأمير علم الدين سنجر الحلبيّ نائب دمشق لما قتل قطز جمع الناس و حلّفهم، و تلقب بالملك المجاهد، و ثار علاء الدين الملقب بالملك السعيد بن صاحب الموصل في حلب و ظلم أهلها، و أخذ منهم خمسين ألف دينار، فقام عليه جماعة و مقدّمهم الأمير حسام الدين لاجين العزيزيّ و قبضوا عليه، فسير الظاهر إلى لاجين بنيابة حلب.

فلما دخلت سنة تسع و خمسين قبض الظاهر على جماعة من الأمراء المعزية، منهم الأمير سنجر الغتميّ، و الأمير بهادر المعزيّ، و الشجاع بكتوت، و وصل إلى السلطان الإمام أبو العباس أحمد بن الخليفة الظاهر العباسيّ من بغداد، في تاسع رجب، فتلقاه السلطان في عساكره و بالغ في إكرامه و أنزله بالقلعة، و حضر سائر الأمراء و المقدّمين و القضاة و أهل العلم و المشايخ بقاعة الأعمدة من القلعة بين يدي أبي العباس، فتأدّب السلطان الظاهر و لم يجلس على مرتبة و لا فوق كرسيّ، و حضر العربان الذين قدموا من العراق، و خادم من طواشية بغداد، و شهدوا بأن العباس أحمد ولد الخليفة الظاهر بن الخليفة الناصر، و شهد معهم بالاستفاضة الأمير جمال الدين يحيى نائب الحكم بمصر، و علم الدين بن رشيق، و صدر الدين موهوب الجزريّ، و نجيب الدين الحرّانيّ، و سديد الزمنتيّ نائب الحكم بالقاهرة عند قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز الشافعيّ، و أسجل على نفسه بثبوت نسب أبي العباس أحمد، و هو قائم على قدميه، و لقّب بالإمام المستنصر بالله، و بايعه الظاهر على كتاب اللّه و سنة نبيه، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الجهاد في سبيل اللّه، و أخذ أموال اللّه بحقها و صرفهاف ي مستحقها، فلما تمت البيعة قلد المستنصر بالله السلطان الملك الظاهر أمر البلاد الإسلامية، و ما سيفتحه اللّه على يديه من بلاد الكفار، و بايع الناس المستنصر على طبقاتهم، و كتب إلى الأطراف بأخذ البيعة له، و إقامة الخطبة باسمه على المنابر، و نقشت السكة في ديار مصر باسمه، و اسم الملك الظاهر معا. فلما كان يوم الجمعة سابع عشر رجب، خطب الخليفة بالناس في جامع القلعة، و ركب السلطان في يوم الاثنين رابع شعبان إلى خيمة ضربت له بالبستان الكبير ظاهر القاهرة، و أفيضت عليه الخلع الخليفة، و هي جبة سوداء و عمامة بنفسجية و طوق من ذهب، و قلد بسيف عربيّ، و جلس مجلسا عاما حضره الخليفة و الوزير و سائر القضاة و الأمراء و الشهود، و صعد القاضي فخر الدين بن لقمان كاتب السرّ منبرا نصب له، و قرأ تقليد السلطان المملكة، و هو بخطه من إنشائه، ثم ركب السلطان بالخلعة و الطوق و دخل من باب النصر، و شق القاهرة و قد زينت له، و حمل الصاحب بهاء الدين بن حنا التقليد على رأسه قدّام السلطان، و الأمراء

99

مشاة بين يديه، و كان يوما مشهودا.

و أخذ السلطان في تجهيز الخليفة ليسير إلى بغداد، فرتب له الطواشي بهاء الدين صندلا الصالحيّ شرابيا، و الأمير سابق الدين بوزيا الصيرفيّ أتابكا، و الأمير جعفرا أستادارا، و الأمير فتح الدين بن الشهاب أحمد أمير جاندار، و الأمير ناصر الدين بن صيرم خازندار، و الأمير سيف الدين بلبان الشمسيّ و فارس الدين أحمد بن أزدمر اليغموريّ دوادارية، و القاضي كمال الدين محمد السنجاريّ وزيرا، و شرف الدين أبا حامد كاتبا، و عين له خزانة و سلاحخاناه و مماليك عدّتهم نحو الأربعين، منهم سلاحدارية و جمدارية و زردكاشية و رمحدارية، و جعل له طشطخاناه و فراشخاناه و شرابخاناه، و إماما و مؤذنا و سائر أرباب الوظائف، و استخدم له خمسمائة فارس، و كتب لمن قدم معه من العراق بإقطاعات، و أذن له في الركوب و الحركة حيث اختار، و حضر الملك الصالح إسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، و أخوه الملك المجاهد سيف الدين إسحاق صاحب الجزيرة، و أخوهما المظفر، فأكرمهم السلطان و أقرّهم على ما بأيديهم، و كتب لهم تقاليد و جهزهم في خدمة الخليفة، و سار الخليفة في سادس شوّال و السلطان في خدمته إلى دمشق، فنزل السلطان في القلعة، و نزل الخليفة في التربة الناصرية بجبل الصالحية، و بلغت نفقة السلطان على الخليفة ألف ألف و ستين ألف دينار، و خرج من دمشق في ثالث عشر ذي القعدة و معه الأمير بلبان الرشيديّ، و الأمير سنقر الروميّ، و طائفة من العسكر، و أوصاهما السلطان أن يكونا في خدمة الخليفة حتى يصل إلى الفرات، فإذا عبر الفرات أقاما بمن معهما من العسكر بالبرّ الغربيّ من جهات حلب لانتظار ما يتجدّد من أمر الخليفة، بحيث إن احتاج إليهم ساروا إليه، فسار إلى الرحبة و تركه أولاد صاحب الموصل و انصرفوا إلى بلادهم، و سار إلى مشهد عليّ فوجد الإمام الحاكم بأمر اللّه قد جمع سبعمائة فارس من التركمان و هو على عانة، ففارقه التركمان و صار الحاكم إلى المستنصر طائعا له، فأكرمه و أنزله معه و سارا إلى عانة، و رحلا إلى الحديثة، و خرجا منها إلى هيت، و كانت له حروب مع التتار في ثالث محرّم سنة ستين و ستمائة، قتل فيها أكثر أصحابه، و فرّ الحاكم و جماعة من الأجناد، و فقد المستنصر فلم يوقف له على خبر، فحضر الحاكم إلى قلعة الجبل و بايعه السلطان و الناس، و استمرّ بديار مصر في مناظر الكبش، و هو جدّ الخلفاء الموجودين اليوم.

و في سنة ست و ستين قرّر الظاهر بديار مصر أربعة قضاة، و هم شافعيّ و مالكيّ و حنفيّ و حنبليّ، فاستمرّ الأمر على ذلك إلى اليوم، و حدث غلاء شديد بمصر، و عدمت الغلة، فجمع السلطان الفقراء و عدّهم و أخذ لنفسه خمسمائة فقير يمونهم، و لا بنه السعيد بركة خان خمسمائة فقير، و للنائب بيلبك الخازندار ثلاثمائة فقير، و فرّق الباقي على سائر الأمراء، و رسم لكلّ إنسان في اليوم برطلي خبز، فلم ير بعد ذلك في البلد أحد من الفقراء يسأل.

100

و في ثالث شوّال سنة اثنتين و ستين، أركب السلطان ابنه السعيد بركة بشعار السلطنة، و مشى قدّامه و شق القاهرة و الكل مشاة بين يديه من باب النصر إلى قلعة الجبل، و زينت البلد، و فيها رتب السلطان لعب القبق بميدان العيد خارج باب النصر، و ختن الملك السعيد و معه ألف و ستمائة و خمسة و أربعون صبيا من أولاد الناس، سوى أولاد الأمراء و الأجناد، و أمر لكلّ صغير منهم بكسوة على قدره، و مائة درهم، و رأس من الغنم، فكان مهما عظيما، و أبطل ضمان المزر، و جهاته، و أمر بحرق النصارى في سنة ثلاث و ستين، فتشفع فيهم على أن يحملوا خمسين ألف دينار فتركوا. و في سنة أربع و ستين افتتح قلعة صفد، و جهز العساكر إلى سيس و مقدّمهم الأمير قلاون الألفيّ، فحصر مدينة ابناس و عدّه قلاع. و في سنة خمس و ستين أبطل ضمان الحشيش من ديار مصر، و فتح يافا و الشقيف و أنطاكية. و في سنة سبع و ستين حج فسار على غزة إلى الكرك، و منها إلى المدينة النبوية، و غسل الكعبة بماء الورد بيده، و رجع إلى دمشق فأراق جميع الخمور، و قدم إلى مصر في سنة ثمان و ستين.

و في سنة سبعين خرج إلى دمشق. و في سنة إحدى و سبعين خرج من دمشق سائقا إلى مصر، و معه بيسرى و أقوش الروميّ و جرسك الخازندار و سنقر الألفيّ، فوصل إلى قلعة الجبل، و عاد إلى دمشق فكانت مدّة غيبته أحد عشر يوما، و لم يعلم بغيبته من في دمشق حتى حضر، ثم خرج سائقا من دمشق يريد كبس التتار، فخاض الفرات و قدّامه قلاون و بيسرى، و أوقع بالتتار على حين غفلة، و قتل منهم شيئا كثيرا، و ساق خلفهم بيسرى إلى سروج و تسلم السلطان البيرة. و وقع بمصر في سنة اثنتين و سبعين و باء هلك به خلق كثير.

و في سنة ثلاث و سبعين غزا السلطان سيس و افتتح قلاعا عديدة. و في سنة أربع و سبعين تزوّج السعيد بن السلطان بابنة الأمير قلاون و خرج العسكر إلى بلاد النوبة، فواقع ملكهم و قتل منهم كثيرا و فرّ باقيهم. و في سنة خمس و سبعين سار السلطان لحرب التتار، فواقعهم على الأبلستين و قد انضم إليهم الروم، فانهزموا و قتل منهم كثير، و تسلم السلطان قيسارية و نزل فيها بدار السلطان، ثم خرج إلى دمشق فوعك بها من إسهال و حمى مات منها يوم الخميس تاسع عشري محرّم سنة ست و سبعين و ستمائة، و عمره نحو من سبع و خمسين سنة، و مدّة ملكه سبع عشرة سنة و شهران.

و كان ملكا جليلا عسوفا عجولا كثير المصادرات لرعيته و دواوينه، سريع الحركة، فارسا مقداما، و ترك من الذكور ثلاثة: السعيد محمد بركة خان، و ملك بعده، و سلامش و ملك أيضا، و المسعود خضر. و من البنات سبع بنات، و كان طويلا مليح الشكل.

و فتح اللّه على يديه مما كان مع الفرنج قيسارية و أرسوف و صفد و طبرية و يافا و الشقيف و أنطاكية و بقراص و القصير و حصن الأكراد و القرين و حصن عكا و صافيتا و مرقية و حلبا.

و ناصف الفرنج على المرقب و بانياس و انطرسوس، و أخذ من صاحب سيس، دريساك‏

101

و دركوس و تلميش و كفر دين و رعبان و مرزبان و كينوك و أدنة و المصيصة.

و صار إليه من البلاد التي كانت مع المسلمين، دمشق و بعلبك و عجلون و بصرى و صرخد و الصلت و حمص و تدمر و الرحبة و تل ناشر و صهيون و بلاطيس و قلعة الكهف و القدموس و العليقة و الخوابى و الرصافة و مصياف و القليعة و الكرك و الشوبك.

و فتح بلاد النوبة و برقة و عمر الحرم النبويّ، و قبة الصخرة ببيت المقدس، و زاد في أوقاف الخليل (عليه السلام)، و عمر قناطر شبرامنت بالجيزية، و سور الإسكندرية، و منار رشيد، و ردم فم بحر دمياط، و وعر طريقه، و عمر الشواني و عمر قلعة دمشق و قلعة الصبيبة، و قلعة بعلبك، و قلعة الصلت، و قلعة صرخد، و قلعة عجلون، و قلعة بصرى، و قلعة شيزر و قلعة حمص، و عمر المدرسة بين القصرين بالقاهرة، و الجامع الكبير بالحسينية خارج القاهرة، و حفر خليج الإسكندرية القديم، و باشره بنفسه، و عمر هناك قرية سماها الظاهرية، و حفر بحر أشموم طناح على يد الأمير بلبان الرشيديّ، و جدّد الجامع الأزهر بالقاهرة، و أعاد إليه الخطبة، و عمر بلد السعيدية من الشرقية بديار مصر، و عمر القصر الأبلق بدمشق و غير ذلك.

و لما مات كتم موته الأمير بدر الدين بيلبك الخازندار عن العسكر، و جعله في تابوت و علقه ببيت من قلعة دمشق، و أظهر أنه مريض، و رتب الأطباء يحضرون على العادة، و أخذ العساكر و الخزائن و معه محفة محمولة في الموكب محترمة، و أوهم الناس أن السلطان فيها و هو مريض، فلم يجسر أحد أن يتفوّه بموت السلطان، و سار إلى أن وصل إلى قلعة الجبل بمصر و أشيع موته رحمه اللّه تعالى.

جامع ابن اللبان‏

هذا الجامع بجسر الشعيبية المعروف بجسر الأفرم، عمره الأمير عز الدين أيبك الأفرم في سنة ثلاث و تسعين و ستمائة. قال ابن المتوّج: و كان سبب عمارته أنه لما كثرت الخلائق في خطة هذا الجامع، قصد الأفرم أن يجعل خطبة في المسجد المعروف بمسجد الجلالة الذي ببركة الشقاف ظاهر سور الفسطاط المستجدّ، و أن يزيد فيه و يعمره كما يختار، فمنعه الفقيه مؤتمن الدين الحارث بن مسكين و ردّه عن غرضه، فحسن له الصاحب تاج الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين عليّ بن حنا عمارة هذا الجامع في هذه البقعة، لقربه منه فعمره في شعبان سنة ثلاث و تسعين و ستمائة، لكنه هدم بسببه عدّة مساجد، و عرف هذا الجامع في زمننا هذا بالشيخ محمد بن اللبان الشافعيّ، لإقامته فيه، و أدركناه عامرا، و قد انقطعت منه في هذه المحن إقامة الجمعة و الجماعة لخراب ما حوله و بعد البحر عنه.

102

الجامع الطيبرسيّ‏

هذا الجامع عمره الأمير علاء الدين طيبرس الخازندار نقيب الجيوش، بشاطئ النيل في أرض بستان الخشاب، و عمر بجواره خانقاه في جمادى الأولى سنة سبع و سبعمائة، و كان من أحسن منتزهات مصر و أعمرها، و قد خرب ما حوله من الحوادث و المحن التي بعد سنة ست و ثمانمائة، بعد ما كانت العمارة منه متصلة إلى الجامع الجديد بمصر، و منه إلى الجامع الخطيريّ ببولاق، و يركب الناس المراكب للفرجة من هذا الجامع إلى الجامعين المذكورين، مصعدين و منحدرين في النيل، و يجتمع بهذا الجامع الناس للنزهة، فتمرّ به أوقات و مسرّات لا يمكن وصفها، و قد خرب هذا الجامع و أقفر من المساكين، و صار مخوفا بعد ما كان ملهى و ملعبا، سنة اللّه في الذين خلوا من قبل، و لطيبرس هذا المدرسة الطيبرسية بجوار الجامع الأزهر من القاهرة.

الجامع الجديد الناصريّ‏

هذا الجامع بشاطئ النيل من ساحل مصر الجديد، عمره القاضي فخر الدين محمد بن فضل اللّه ناظر الجيش باسم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، و كان الشروع فيه يوم التاسع من المحرّم سنة إحدى عشرة و سبعمائة، و انتهت عمارته في ثامن صفر سنة اثنتي عشرة و سبعمائة، و أقيم في خطابته قاضي القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الشافعيّ، و رتب في إمامته الفقيه تاج الدين بن مرهف، فأوّل ما صلّى فيه صلاة الظهر من يوم الخميس ثامن صفر المذكور، و أقيمت فيه الجمعة يوم الجمعة تاسع صفر، و خطب عن قاضي القضاة بدر الدين ابنه جمال الدين، و لهذا الجامع أربعة أبواب، و فيه مائة و سبعة و ثلاثون عمودا، منها عشرة من صوّان في غاية السمك و الطول، و جملة ذرعه أحد عشر ألف ذراع و خمسمائة ذراع بذراع العمل، من ذلك طوله من قبليه إلى بحريه مائة و عشرون ذراعا، و عرضه من شرقيه إلى غربيه مائة ذراع، و فيه ستة عشر شباكا من حديد، و هو يشرف من قبليه على بستان العالمة، و ينظر من بحريه بحر النيل، و كان موضع هذا الجامع في القديم غامرا بماء النيل، ثم انحسر عنه النيل و صار رملة في زمن الملك الصالح نجم الدين أيوب، يمرّغ الناس فيها دوابهم أيام احتراق النيل، فلما عمر الملك الصالح قلعة الروضة و حفر البحر، طرح الرمل في هذا الموضع، فشرع الناس في العمارة على الساحل، و كان موضع هذا الجامع شونة، و قد ذكر خبر ذلك عند ذكر الساحل الجديد بمصر فانظره، و ما برح هذا الجامع من أحسن منتزهات مصر إلى أن خرب ما حوله، و فيه إلى الآن بقية و هو عامر.

محمد بن قلاون: السلطان الملك الناصر أبو الفتح ناصر الدين بن الملك المنصور،