المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية - ج4

- أحمد بن علي المقريزي المزيد...
454 /
103

كان يلقب بحرفوش، و أمّه أشلون ابنة شنكاي، ولد يوم السبت النصف من المحرّم سنة أربع و ثمانين و ستمائة بقلعة الجبل من ديار مصر، و ولى الملك ثلاث مرّات، الأولى بعد مقتل أخيه الملك الأشرف خليل بن قلاون في رابع عشر المحرّم سنة ثلاث و تسعين و ستمائة، و عمره تسع سنين، تنقص يوما واحدا، فأقام في الملك سنة إلّا ثلاثة أيام و خلع بمملوك أبيه كتبغا المنصوريّ، يوم الأربعاء حادي عشر المحرّم سنة أربع و تسعين و ستمائة، و أعيد إلى المملكة ثانيا بعد قتل الملك المنصور لاجين يوم الاثنين سادس جمادى الأولى سنة ثمان و تسعين و ستمائة، فأقام عشر سنين و خمسة أشهر و ستة عشر يوما، و عزل نفسه و سار إلى الكرك، فولي الملك من بعده الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، و تلقب بالملك المظفر في يوم السبت ثالث عشري شوّال سنة ثمان و سبعمائة، ثم حضر من الكرك إلى الشام و جمع العساكر، فخامر على بيبرس معظم جيش مصر، و انحل أمره فترك الملك في يوم الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان سنة تسع و سبعمائة، و طلع الملك الناصر إلى قلعة الجبل يوم عيد الفطر من السنة المذكورة، و استولى على ممالك مصر و الشام و الحجاز، فأقام في الملك من غير منازع له فيه إلى أن مات بقلعة الجبل في ليلة الخميس الحادي و العشرين من ذي الحجة، سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و عمره سبع و خمسون سنة و أحد عشر شهرا و خمسة أيام، و له في ولايته الثالثة مدّة اثنتين و ثلاثين سنة و شهرين و عشرين يوما، و جملة إقامته في الملك عن المدد الثلاث ثلاث و أربعون سنة و ثمانية أشهر و تسعة أيام.

و لما مات ترك ليلته و من الغد حتى تمّ الأمر لابنه أبي بكر المنصور في يوم الخميس المذكور، ثم أخذ في جهازه فوضع في محفة بعد العشاء الآخرة بساعة و حمل على بغلين و أنزل من القلعة إلى الإصطبل السلطانيّ، و سار به الأمير ركن الدين بيبرس الأحمديّ أمير جاندار، و الأمير نجم الدين أيوب والي القاهرة، و الأمير قطلوبغا الذهبيّ، و علم دار خوطا جار الدوادار و عبروا به إلى القاهرة من باب النصر، و قد غلقت الحوانيت كلها و منع الناس من الوقوف للنظر إليه، و قدّام المحفة شمعة واحدة في يد علمدار، فلما دخلوا به من باب النصر كان قدامه مسرجة في يد شاب و شمعة واحدة، و عبروا به المدرسة المنصورية بين القصرين ليدفن عند أبيه الملك المنصور قلاون، و كان الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ ناظر المارستان قد جلس و معه القضاة الأربعة و شيخ الشيوخ ركن الدين شيخ خانقاه سرياقوس، و الشيخ ركن الدين عمر ابن الشيخ إبراهيم الجعبريّ، فحطت المحفة و أخرج منها فوضع بجانب الفسقية التي بالقبة، و أمر ابن أبي الظاهر مغسّل الأموات بتغسيله، فقال: هذا ملك و لا أنفرد بتغسيله إلّا أن يقوم أحد منكم و يجرّده على الدكه، فإني أخشى أن يقال كان معه فص أو خاتم أو في عنقه خرزة، فقام قطلوبغا الذهبيّ و علمدار و جرّداه مع الغاسل من ثيابه، فكان على رأسه قبع أبيض من قطن ثيابه، و على بدنه بغلطاق صدر أبيض و سراويل، فنزعا و ترك القميص عليه، و غسل به، و وجد في رجله الموجوعة بخشان‏

104

مفتوحان، فغسل من فوق القميص و كفن في نصفية، و عملت له أخرى طرّاحة و مخدّة، و وضع في تابوت من خشب، و صلّى عليه قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن محمد بن جماعة الشافعيّ بمن حضر، و أنزل إلى قبر أبيه في سحلية من خشب قد ربطت بحبل، و نزل معه إلى القبر الغاسل و الأمير سنجر الجاوليّ، و دفع إلى الغاسل ثلاثمائة درهم، فباع ما نابه من الثياب بثلاثة عشر درهما سوى القبع، فإنه فقد، و ذكر الغاسل أنه كان محنكا بخرقة معقدة بثلاث عقد، فسبحان من لا يحول و لا يزول، هذا ملك أعظم المعمور من الأرض، مات غريبا و غسل طريحا و دفن وحيدا، إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب.

و في ليلة السبت: قرأ القرّاء عند القبر بالقبة القرآن، و حضر بعض الأمراء، و ترك من الأولاد اثني عشر ولدا ذكرا، و هم: أحمد، و هو أسنهم و كان بالكرك، و أبو بكر و تسلطن من بعده، و شقيقه رمضان، و يوسف، و إسماعيل، و تسلطن أيضا، و شعبان و تسلطن، و حسين، و كجك و تسلطن، و أمير حاج، و حسن و يدعى قماري و تسلطن، و صالح و تسلطن، و محمد. و ترك من البنات ثمانيا متزوّجات سوى من خلف من الصغار، و خلف من الزوجات جاريته طغاي، و إمّة الأمير تنكز نائب الشام. و مات و ليس له نائب بديار مصر و لا وزير و لا حاجب متصرّف، سوى أن برسبغا الحاجب تحكم في متعلقات أمور الإقطاعات، و ليس معه عصا الحجوبية، و بدر الدين بكتاش نقيب الجيوش، و أقبغا عبد الواحد أستادار السلطان و مقدّم المماليك، و بيبرس الأحمديّ أمير جاندار، و نجم الدين أيوب والي القاهرة، و جمال الدين حمال الكفاه ناظر الجيوش، و الموفق ناظر الدولة، و صارم الدين أزبك شادّ الدواوين، و عز الدين عبد العزيز بن جماعة قاضي القضاة بديار مصر، و نائب دمشق الأمير ألطنبغا، و نائب ... (1) الأمير طشتمر حمص أخضر، و نائب طرابلس الحاج أرقطاي، و نائب صفد الأمير أصلم، و نائب غزة الأميراق سنقر السلاريّ، و صاحب حماه الملك الأفضل ناصر الدين محمد بن المؤيد إسماعيل.

و الأمراء مقدّموا الألوف بديار مصر يوم وفاته خمسة و عشرون أميرا. و هم: بدر الدين جنكلي بن البابا، و الحاج آل ملك، و بيبرس الأحمديّ، و علم الدين سنجر الجاوليّ، و سيف الدين كوكاي، و نجم الدين محمود وزير بغداد، هؤلاء برّانية كبار، و الباقي مماليكه و خواصه و هم: ولده الأمير أبو بكر، و الأمير قوصون، و الأمير بشتاك، و طقزدمر، و أقبغا عبد الواحد الأستادار، و أيدغمش أميراخور، و قطلوبغا الفخريّ، و يلبغا اليحياويّ، و ملكتمر الحجازيّ، و ألطنبغا الماردانيّ، و بهادر الناصريّ، و آق سنقر الناصريّ، و قماري الكبير، و قماري أمير شكار، و طرغاي، و أرتبغا أمير جاندار، و برسيغا الحاجب، و بلدغي ابن العجوز أمير سلاح، و بيغرا.

____________

(1) بياض في الأصل.

105

و كان السلطان أبيض اللون قد و خطه الشيب، و في عينيه حول، و برجله اليمنى ريح شوكة تنغص عليه أحيانا و تؤلمه، و كان لا يكاد يمس بها الأرض و لا يمشي إلّا متكئا على أحدا و متوكئا على شي‏ء، و لا يصل إلى الأرض إلّا أطراف أصابعه، و كان شديد البأس جيد الرأي، يتولى الأمور بنفسه، و يجود لخواصه، و كان مهابا عند أهل مملكته، بحيث أنّ الأمراء إذا كانوا عنده بالخدمة لا يجسر أحد أن يكلم آخر كلمة واحدة، و لا يلتفت بعضهم إلى بعض خوفا منه، و لا يمكن واحدا منهم أن يذهب إلى بيت أحد البتة، لا في وليمة و لا غيرها، فإن فعل أحد منهم شيئا من ذلك قبض عليه و أخرجه من يومه منفيا، و كان مسدّدا عارفا بأمور رعيته و أحوال مملكته، و أبطل نيابة السلطنة من ديار مصر من سنة سبع و عشرين و سبعمائة، و أبطل الوزارة و صار يتحدّث بنفسه في الجليل من الأمور و الحقير، و يستجلب خاطر كل أحد من صغير و كبير لا سيما حواشيه، فلذلك عظمت حاشية المملكة و أتباع السلطنة و تخوّلوا في النعم الجزيلة، حتى الخولة و الكلابزية و الأسرى من الأرمن و الفرنج، و أعطى البازدارية الأخباز في الحلقة، فمنهم من كان إقطاعه الألف دينار في السنة، و زوّج عدّة منهم بجواريه، و أفنى خلقا كثيرا من الأمراء بلغ عددهم نحو المائتي أمير، و كان إذا كبر أحد من أمرائه قبض عليه و سلبه نعمته، و أقام بدله صغيرا من مماليكه إلى أن يكبر، فيمسكه و يقيم غيره، ليأمن بذلك شرّهم. و كان كثير التخيل حازما، حتى أنه إذا تخيل من ابنه قتله، و في آخر أيامه شره في جمع المال، فصادر كثيرا من الدواوين و الولاة و غيرهم، ورمى البضائع على التجار حتى خاف كل من له مال، و كان مخادعا كثير الحيل، لا يقف عند قول و لا يوف بعهد و لا يبرّ في يمين، و كان محبا للعمارة، و عمر عدّة أماكن منها: جامع قلعة الجبل، و هدمه مرّتين، و عمر القصر الأبلق بالقلعة و معظم الأماكن التي بالقلعة، و عمر المجرى الذي ينقل الماء عليه من بحر النيل إلى القلعة على السور، و عمر الميدان تحت القلعة و مناظر الميدان على النيل، و عمر قناطر السباع على الخليج و مناظر سرياقوس و الخانقاه بسرياقوس، و حفر الخليج الناصريّ بظاهر القاهرة، و عمر الجامع الجديد على شاطي‏ء النيل بظاهر مصر، و جدّد جامع الفيلة الذي بالرصد، و المدرسة الناصرية بين القصرين من القاهرة، و غير ذلك مما يرد في موضعه من هذا الكتاب، و ما زال يعمر منذ عاد إلى ولاية الملك في المرّة الثالثة إلى أن مات، و بلغ مصروف العمارة في كل يوم من أيامه سبعة آلاف درهم فضة، عنها ثلاثمائة و خمسون دينارا، سوى من يسخره من المقيدين و غيرهم في عمل ما يعمره، و حفر عدّة من الخلجانات و الترع، و أقام الجسور بالبلاد حتى أنه كان ينصرف من الأخباز على ذلك ربع متحصل الإقطاعات، و حفر خليج الإسكندرية و بحر المحلة مرّتين، و بحر اللبينيّ بالجيزة، و عمل جسر شيبين، و عمل جسر أحباس بالشرقية و القليوبية مدّة ثلاث سنين متوالية، فلم ينجع، فأنشأه بنيانا، بالطوب و الجير، و أنفق فيه أموالا عظيمة، و راك ديار مصر و بلاد الشام، و عرض الجيش بعد حضوره في سنة

106

اثنتي عشرة و سبعمائة، و قطع ثمانمائة من الجند، ثم قطع في مرّة أخرى ثلاثة و أربعين جنديا في سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و قطع ثمانمائة من الجند، ثم قطع في مرّة أخرى ثلاثة و أربعين جنديا في سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، ثم قطع خمسة و ستين أيضا في رمضان سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، قبل وفاته بشهرين.

و فتح من البلاد جزيرة أرواد في سنة اثنتين و سبعمائة، و فتح ملطية في سنة خمس عشرة و سبعمائة، و فتح أناس في ربيع الأوّل سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة و خرّبها، ثم عمرها الأرمن فأرسل إليها جيشا فأخذها و معها عدّة بلاد من بلاد الأرم في سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة، و أقام بها نائبا من أمراء حلب، و عمر قلعة جعبر بعد أن دثرت، و ضربت السكة باسمه في شوّال سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، قبل موته تولى ذلك الشيخ حسن بن حسين بحضور الأمير شهاب الدين أحمد قريب السلطان، و قد توجه من مصر بهذا السبب، و خطب له أيضا في أرتنا ببلاد الروم، و ضربت السكة باسمه، و كذلك بلاد ابن قرمان و جبال الأكراد و كثير من بلاد الشرق، و كان من الذكاء المفرط على جانب عظيم، يعرف مماليك أبيه و مماليك الأمراء بأسمائهم و وقائعهم، و له معرفة تامّة بالخيل و قيمها مع الحشمة و السيادة، لم يعرف عنه قط أنه شتم أحدا من خلق اللّه و لا سفه عليه و لا كلمه بكلمة سيئة، و كان يدعو الأمراء أرباب الأشغال بألقابهم، و كانت همته علية و سياسته جيدة و حرمته عظيمة إلى الغاية، و معرفته بمهادنة الملوك لا مرمى وراءها، يبذل في ذلك من الأموال ما لا يوصف كثرة، فكان كتّابه ينفذ أمره في سائر أقطار الأرض كلها، و هو مع ما ذكرنا مؤيد في كلّ أموره مظفر في جميع أحواله مسعود في سائر حركاته، ما عانده أحد أو أضمر له سوأ إلّا و ندم على ذلك أو هلك، و اشتهر في حياته بديار مصر أنه إن وقعت قطرة من دمه على الأرض لا يطلع نيل مصر مدّة سبع سنين، فمتعه اللّه من الدنيا بالسعادة العظيمة في المدّة الطويلة مع كثرة الطمأنينة و الأمن وسعة الأموال، و اقتنى كلّ حسن و مستحسن من الخيل و الغلمان و الجواري، و ساعده الوقت في كلّ ما يحب و يختار إلى أن أتاه الموت.

الجامع بالمشهد النفيسيّ‏

قال ابن المتوّج: هذا الجامع أمر بإنشائه الملك الناصر محمد بن قلاون، فعمر في شهور سنة أربع عشرة و سبعمائة، و ولى خطابته علاء الدين محمد بن نصر اللّه بن الجوهريّ شاهد الخزانة السلطانية، و أوّل خطبته فيه يوم الجمعة ثامن صفر من السنة المذكورة، و حضر أمير المؤمنين المستكفي بالله أبو الربيع سليمان و ولده و ابن عمه و الأمير كهرداش متولي شدّ العمائر السلطانية، و عمارة هذا الجامع و رواقاته و الفسقية المستجدّة، و قيل أن جميع المصروف على هذا الجامع من حاصل المشهد النفيسيّ، و ما يدخل إليه من النذور و من الفتوح.

107

جامع الأمير حسين‏

هذا الجامع كان موضعه بستانا بجوار غيظ العدّة، أنشأه الأمير حسين بن أبي بكر بن إسماعيل بن حيدر بك مشرف الروميّ، قدم مع أبيه من بلاد الروم إلى ديار مصر في سنة خمس و سبعين و ستمائة، و تخصص بالأمير حسام الدين لاجين المنصوريّ، قبل سلطنته، فكانت له منه مكانة مكينة، و صار أمير شكار، و كان فيه برّ و له صدقة و عنده تفقد لأصحابه، و أنشأ أيضا القنطرة المعروفة بقنطرة الأمير حسين على خليج القاهرة، و فتح الخوخة في سور القاهرة بجوار الوزيرية، و جرى عليه من أجل فتحها ما قد ذكر عند ذكرها في الخوخ من هذا الكاتب، و توفي في سابع المحرّم سنة تسع و عشرين و سبعمائة، و دفن بهذا الجامع.

جامع الماس‏

هذا الجامع بالشارع خارج باب زويلة، بناه الأمير سيف الدين الماس الحاجب، و كمل في سنة ثلاثين و سبعمائة، و كان الماس هذا أحد مماليك السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، فرقاه إلى أن صار من أكبر الأمراء، و لما أخرج الأمير أرغون إلى نيابة حلب و بقي منصب النيابة شاغرا عظمت منزلة الماس، و صار في منزلة النيابة، إلّا أنه لم يسمّ بالنائب، و يركب الأمراء الأكابر و الأصاغر في خدمته، و يجلس في باب القلة من قلعة الجبل في منزلة النائب، و الحجاب وقوف بين يديه، و ما برح على ذلك حتى توجه السلطان إلى الحجاز في سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة، فتركه في القلعة هو و الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك، و الأمير أقبغا عبد الواحد، و الأمير طشتمر حمص أخضر، هؤلاء الأربعة لا غير، و بقية الأمراء إما معله في الحجاز، و إما في إقطاعاتهم، و أمرهم أن لا يدخلوا القاهرة حتى يحضر من الحجاز، فلما قدم من الحجاز نقم عليه و أمسكه في صفر سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة، و كان لغضب السلطان عليه أسباب منها، أنه لما أقام في غيبة السلطان بالقلعة كان يراسل الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك و يوادده، و بدت منه في مدّة الغيبة أمور فاحشة من معاشرة الشباب و من كلام في حق السلطان، فوشى به أقبغا، و كان مع ذلك قد كثر ماله و زادت سعادته، فهوى شابا من أبناء الحسينية يعرف بعمير، و كان ينزل إليه و يجمع الاويراتية و يحضر الشباب و يشرب، فحرّك ذلك عليه ما كان ساكنا. و يقال أن السلطان لما مات الأمير بكتمر الساقي وجد في تركته جزدان فيه جواب الماس إلى بكتمر الساقي، انني حافظ القلعة إلى أن يرد عليّ منك ما أعتمده. فلما وقف السلطان على ذلك أمر النشو بن هلال الدولة و شاهد الخزانة بإيقاع الحوطة على موجوده، فوجدا له ستمائة ألف درهم فضة، و مائة ألف درهم فلوسا، و أربعة آلاف دينار ذهبا، و ثلاثين حياصة ذهبا كاملة بكفتياتها و خلعها، و جواهر و تحفا، و أقام الماس عند أقبغا عبد الوحد ثلاثة أيام، و قتل خنقا

108

بمحبسه في الثاني عشر من صفر سنة أربعة و ثلاثين و سبعمائة، و حمل من القلعة إلى جامعه فدفن به، و أخذ جميع ما كان في داره من الرخام فقلع منها و كان رخاما فاخرا إلى الغاية، و كان أسمر طوالا غتميا لا يفهم شيئا بالعربيّ، ساذجا يجلس في بيته فوق لباد على ما اعتماده، و بهذا الجامع رخام كثير نقله من جزائر البحر و بلاد الشام و الروم.

جامع قوصون‏

هذا الجامع بالشارع خارج باب زويلة، ابتدأ عمارته الأمير قوصون في سنة ثلاثين و سبعمائة، و كان موضعه دارا بجوار حارة المصامدة من جانبها الغربيّ، تعرف بدار أقوش نميله، ثم عرفت بدار الأمير جمال الدين قتال السبع الموصليّ، فأخذها من ولده و هدمها و تولى بناءه شادّ العمائر، و استعمل فيه الأسرى، كان قد حضر من بلاد توريز بناء فبنى مئذنتي هذا الجامع على مثالث المئذنة التي عملها خواجا علي شاه، وزير السلطان أبي سعيد في جامعه بمدينة توريز، و أوّل خطبة أقيمت فيه يوم الجمعة من شهر رمضان سنة ثلاثين و سبعمائة، و خطب يومئذ قاضي القضاة جلال الدين القزوينيّ بحضور السلطان، و لما انقضت صلاة الجمعة أركبه الملك الناصر بغلة بخلعة سنية، ثم منعه السلطان الملك الناصر أن يستقرّ في خطابته، فولى فخر الدين شكر.

قوصون: الأمير الكبير سيف الدين، حضر من بلاد بركة إلى مصر صحبة خوند ابنة أزبك امرأة الملك الناصر محمد بن قلاون في ثالث عشري ربيع الآخر سنة عشرين و سبعمائة، و معه قليل عصيّ و طسما و نحو ذلك مما قيمته خمسمائة درهم ليتجر فيه، فطاف بذلك في أسواق القاهرة و تحت القلعة و في داخل قلعة الجبل، فاتفق. في بعض الأيام أنه دخل إلى الإصطبل السلطانيّ ليبيع ما معه، فأحبه بعض الأوشاقية و كان صبيا جميلا طويلا له من العمر ما يقارب الثماني عشرة سنة، فصار يتردّد إلى الأوشاقيّ إلى أن رآه السلطان، فوقع منه بموقع، فسأل عنه فعرّف بأنه يحضر ليبيع ما معه، و أن بعض الأوشاقية تولع به، فأمر بإحضاره إليه و ابتاع منه نفسه ليصير من جملة المماليك السلطانية، فنزله من جملة السقاة و شغف به و أحبه حبا كثيرا، فأسلمه للأمير بكتمر الساقي و جعله أمير عشرة، ثم أعطاه أمرة طبلخاناه، ثم جعله أمير مائة مقدّم ألف، و رقاه حتى بلغه أعلى المراتب، فأرسل إلى البلاد و أحضر إخوته، سوسون و غيره من أقاربه، و أمر الجميع و اختص به السلطان، بحيث لم ينل أحد عنده ما ناله، و زوّجه بابنته، و تزوّج السلطان أخته، فلما احتضر السلطان جعله وصيا على أولاده، و عهد لابنه أبي بكر فأقيم في الملك من بعده، و أخذ قوصون في أسباب السلطنة، و خلع أبا بكر المنصور بعد شهرين و أخرج إلى مدينة قوص ببلاد الصعيد، ثم قتله، و أقام كجك ابن السلطان و له من العمر خمس سنين، و لقبه بالملك الأشرف، و تقلد نيابة السلطنة بديار مصر، فأمّر من حاشيته و أقاربه ستين أميرا، و أكثر من العطاء و بذل‏

109

الأموال و الأنعام، فصار أمر الدولة كله بيده، هذا و أحمد بن السلطان الملك الناصر مقيم بمدينة الكرك، فخافه قوصون و أخذ في التدبير عليه فلم يتم له ما أراد من ذلك، و حرّك على نفسه ما كان ساكنا، فطلب أحمد الملك لنفسه و كاتب الأمراء و النوّاب بالمملكة الشامية و المصرية فأذعنوا إليه، و كان بمصر من الأمراء الأمير أيدغمش و الأمير آل ملك و قماري و الماردانيّ و غيرهم، فتخيل قوصون منهم و أخذ في أسباب القبض عليهم، فعلموا بذلك و خافوا الفوت فركبوا لحربه و حصروه بقلعة الجبل حتى قبضوا عليه في ليلة الأربعاء آخر شهر رجب سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة، و نهبت داره و سائر دور حواشيه و أسبابه، و حمل إلى الاسكندرية صحبة الأمير قبلاي فقتل بها، و كان كريما يفرّق في كل سنة للأضحية ألف رأس غنما، و ثلاثمائة بقرة، و يفرّق ثلاثين حياصة ذهبا، و يفرّق كلّ سنة عدّة أملاك فيها ما يبلغ ثمنه ثلاثين ألف درهم، و له من الآثار بديار مصر سوى هذا الجامع الخانقاه بباب القرافة، و الجامع تجاهها، و داره التي بالرميلة تحت القلعة تجاه باب السلسلة و حكر قوصون.

جامع الماردانيّ‏

هذا الجامع بجوار خط التبانة خارج باب زويلة، كان مكانه أوّلا مقابر أهل القاهرة، ثم عمر أماكن. فلما كان في سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة، أخذت الأماكن من أربابها و تولى شراءها النشو. فلم ينصف في أثمانها، و هدمت و بني مكانها هذا الجامع، فبلغ مصروفه زيادة على ثلاثمائة ألف درهم، عنها نحو خمسة عشر ألف دينار، سوى ما حمل إليه من الأخشاب و الرخام و غيره من جهة السلطنة، و أخذ ما كان في جامع راشدة من العمد فعملت فيه، و جاء من أحسن الجوامع، و أوّل خطبة أقيمت فيه يوم الجمعة رابع عشري رمضان سنة أربعين و سبعمائة، و خطب فيه الشيخ ركن الدين عمر بن إبراهيم الجعبريّ، و لم يتناول معلوما.

ألطنبغا الماردانيّ الساقي: أمّره الملك الناصر محمد بن قلاون، و قدّمه و زوّجه ابنته، فلما مات السلطان و تلوى بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر، ذكر أنه و شى بأمره إلى الأمير قوصون و قال: قد عزم على إمساكك. فتحيل قوصون و خلع أبا بكر و قتله بقوص، هذا مع أن الطنبغا كان قد عظم عند المنصور أكثر مما كان عند أبيه، فلما أقيم الأشرف كجك و ماج الناس و حضر الأمير قطلوبغا من الشام و شغب الأمراء على قوصون، كان ألطبغا أصل ذلك كله، ثم نزل إلى الأمير أيدغمش أمير أخور و اتفق معه على أن يقبض على قوصون، و طلع إلى قوصون و شاغله و خذله عن الحركة طول الليل و الأمراء الكبار المشايخ عنده، و ما زال يساهره حتى نام، و كان من قيالم الأمراء و ركوبهم عليه ما كان، إلى أن أمسك و أخرج إلى الاسكندرية، و لما قدم ألطنبغا نائب الشام و أقام، تقدّم الماردانيّ و قبض على سيفه و لم‏

110

يجسر غيره على ذلك، فقويت بهذه الحركان نفسه و صار يقف فوق التمرتاشيّ و هو اغاته فشق ذلك عليه و كتم في نفسه إلى أن ملك الصالح إسماعيل، فتمكن حينئذ التمرتاشيّ و صار الأمر له، و عمل على الماردانيّ فلم يشعر بنفسه إلا و قد أخرج على خمسة أرؤس من خيل البريد إلى نيابة حماه في شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث و أربعين، فسار إليها و بقي فيها نحو شهرين إلى أن مات ايدغمش نائب الشام، و نقل طقزدمر من نيابة حلب إلى نيابة دمشق، فنقل الماردانيّ من نيابة حماه إلى نيابة حلب، و سار إليها في أوّل رجب من السنة المذكورة، و جاء الأمير يلبغا اليحياويّ إلى نيابة حماه، فأقام الماردانيّ يسيرا في حلب و مرض و مات مستهلّ صفر سنة أربع و أربعين و سبعمائة، و كان شابا طويلا رقيقا حول الصورة، لطيفا معشق الخطرة كريما صائب الحدس عاقلا.

جامع أصلم‏

هذا الجامع داخل الباب المحروق، أنشأه الأمير بهاء الدين أصلم السلاحدار في سنة ست و أربعين و سبعمائة.

أصلم: أحد مماليك الملك المنصور قلاون الألفيّ، فلما فرّقت المماليك السلطنية في نيابة كتبغا بعد قتل الملك الأشرف خليل بن قلاون، و سلطنة الناصر محمد بن قلاون، كان أصلم من نصيب الأمير سيف الدين أقوش المنصوريّ، ثم انتقل إلى الأمير سلار، فلما حضر الملك الناصر محمد من الكرك بعد سلطنة بيبرس الجاشنكير، خرج إليه أصلم بمنجا الملك و بشره بهروب بيبرس، فأنعم عليه بإمرة عشرة، ثم تنقل إلى أن صار أمير مائة مقدّم ألف، و خرج في التجريدة إلى اليمن، فلما عاد اعتقله السلطان خمس سنين لكلام نقل عنه، ثم أخرجه و أعاده إلى منزلته، ثم جهزه لنيابة صفد، و مات الناصر و أصلم بصفد، فخرج الأمير قوصون مع الطنبغا نائب الشام إلى حلب لإمساك طشتمر، فسار إلى قاري ثم رجع و انضمّ إلى الفخريّ و أقام عنده على خان لاجين، و توجه معه صحبة عساكر الشام إلى مصر، فرسم له الملك الناصر أحمد بن محمد بن قلاون بامرة مائة في مصر على عادته، و كان أحد المشايخ، و يجلس رأس الحلقة، و يجيد رمي النشاب مع سلامة صدر و خير إلى أن مات في يوم السبت عاشر شعبان سنة سبع و أربعين و سبعمائة، و نشأ بجوار هذا الجامع دارا سنية، و حوض ماء للسبيل، و بهذا الجامع درس و له أوقاف، و هو من أحسن الجوامع.

جامع بشتاك‏

هذا الجامع خارج القاهرة بخط قبو الكرمانيّ على بركة الفيل، عمره الأمير بشتاك، فكمل في شعبان سنة ست و ثلاثين و سبعمائة، و خطب فيه تاج الدين عبد الرحيم بن قاضي القضاة جلال الدين القزوينيّ، في يوم الجمعة سابع عشرة، و عمر تجاهه خانقاه على الخليج‏

111

الكبير، و نصب بينهما ساباطا يتوصل به من أحدهما إلى الآخر، و كان هذا الخط يسكنه جماعة من الفرنج و الأقباط، و يرتكبون من القبائح ما يليق بهم، فلما عمر هذا الجامع و أعلن فيه بالأذان و إقامة الصلوات، اشمأزت قلوبهم لذلك و تحوّلوا من هذا الخط، و هو من أبهج الجوامع و أحسنها رخاما، و أنزهها. و ادركناه إذا قويت زيادة ماء النيل فاضت بركة الفيل و غرّقته فيصير لجة ماء، لكن منذ انحسر ماء النيل عن البلد إلى جهة الغرب بطل ذلك، و له من الآثار سوى ذلك، قصر بشتاك بين القصرين، و قد تقدّم ذكره.

جامع آق سنقر

هذا الجامع بسويقة السباعين على البركة الناصرية، عمره الأمير آق سنقر شادّ العمائر السلطانية، و إليه تنسب قنطرة آق سنقر التي على الخليج الكبير بخط قبو الكرمانيّ، قبالة الحبانية، و أنشأ أيضا دارا جليلة و حمامين بخط البركة الناصرية، و كان من جملة الأوشاقية في أوّل أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، ثم عمله أمير أخور و نقله منها فجعله شادّ العمائر السلطانية، و أقام فيها مدّة فأثرى ثراء كبيرا، و عمر ما ذكر، و جعل على الجامع عدّة أوقاف، فعزل و صودر و الخرج من مصر إلى حلب، ثم نقل منها إلى دمشق، فمات بها في سنة أربعين و سبعمائة.

جامع آق سنقر

هذا الجامع قريب من قلعة الجبل فيما بين باب الوزير و التبانة، كان موضعه في القديم مقابر أهل القاهرة، و أنشأه الأمير آق سنقر الناصريّ، و بناه بالحجر و جعل سقوفه عقودا من حجارة، و رخمه و اهتمّ في ثنائه اهتماما زائدا حتى كان يقعد على عمارته بنفسه، و يشيل التراب مع الفعلة بيده، و يتأخر عن غدائه اشتغالا بذلك، و أنشأ بجانبه مكتبا لإقراء أيتام المسلمين القرآن، و حانوتا لسقي الناس الماء العذب، و وجد عند حفر أساس هذا الجامع كثيرا من الأموات، و جعل عليه ضيعة من قرى حلب، تغلّ في السنة مائة و خمسين ألف درهم فضة، عنها نحو سبعة آلاف دينار، و قرّر فيه درسا فيه عدّة من الفقهاء، و ولى الشيخ شمس الدين محمد بن اللبان الشافعيّ خطابته، و أقام له سائر ما يحتاج إليه من أرباب الوظائف، و بنى بجواره مكانا ليدفن فيه، و نقل إليه ابنه فدفنه هناك، و هذا الجامع من أجلّ جوامع مصر، إلّا أنه لما حدثت الفتن ببلاد الشام و خرجت النوّاب عن طاعة سلطان مصر منذ مات الملك الظاهر برقوق، امتنع حضور مغلّ وقف هذا الجامع لكونه في بلاد حلب، فتعطل الجامع من أرباب وظائفه إلّا الاذان و الصلاة. و إقامة الخطبة في الجمع و الأعياد، و لما كانت سنة خمس عشرة و ثمانمائة أنشأ في وسطه الأمير طوغان الدوادار بكرة ماء، و سقفها و نصب عليها عمدا من رخام لحمل السقف، أخذها من جامع الخندق، فهدم الجامع بالخندق من أجل ذلك، و صار الماء ينقل إلى هذه البركة من ساقية الجامع التي‏

112

كانت للميضأة، فلما قبض الملك المؤيد شيخ الظاهريّ على طوغان في يوم الخميس تاسع عشر جمادى الأولى، سنة ست عشرة و ثمانمائة، و أخرجه إلى الاسكندرية و اعتقله بها، أخذ شخص الثور الذي كان يدير الساقية، فإن طوغان كان أخذه منه بغير ثمن كما هي عادة أمرائنا، فبطل الماء من البركة.

آق سنقر: السلاريّ، الأمير شمس الدين أحد مماليك السلطان الملك المنصور قلاون، و لما فرّقت المماليك، في نيابة كتبغا على الأمراء، صار الأمير آق سنقر إلى الأمير سلار، فقيل له السلاريّ لذلك، و لما عاد الملك الناصر محمد بن قلاون من الكرك اختص به و رقاه في الخدم حتى صار أحد الأمراء المقدّمين، و زوّجه بابنته و أخرجه لنيابة صفد، فباشرها بعفة إلى الغاية، ثم نقله من نيابة صفد إلى نيابة غزة، فلما مات الناصر و أقيم من بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر، و خلع بالأشرف كجك و جاء الفخريّ لحصار الكرك، قام آق سنقر بنصرة أحمد ابن السلطان في الباطن، و توجه الفخريّ إلى دمشق لما توجه الطنبغا إلى حلب ليطرد طشتمر نائب حلب، فاجتمع به و قوّي عزمه، و قال له توجه أنت إلى دمشق و املكها و أنا أحفظ لك غزة، و قام في هذه الواقعة قياما عظيما و أمسك الدروب، فلم يحضر أحد من الشام أو مصر من البريد و غيره إلّا و قبض عليه و حمل إلى الكرك، و حلف الناس للناصر أحمد، و قام بأمره ظاهرا و باطنا، ثم جاء إلى الفخريّ و هو على خان لاجين و قوّي عزمه و عضذه، و ما زال عنده بدمشق إلى أن جاء الطنبغا من حلب و التقوا، و هرب الطنبغا فاتبعه اق سنقر إلى غزة و أقام بها، و وصلت العساكر الشامية إلى مصر، فلما أمسك الناصر أحمد طشتمر النائب و توجه به إلى الكرك، أعطى نيابة ديار مصر لآق سنقر، فباشر النيابة و أحمد في الكرك إلى أن ملك الملك الصالح إسماعيل بن محمد، فأقرّه على النيابة و سار فيها سيرة مشكورة، فكان لا يمنع أحدا شيئا طلبه كائنا من كان، و لا يردّ سائلا يسأل و لو كان ذلك غير ممكن، فارتزق الناس في أيامه و اتسعت أحوالهم، و تقدّم من كان متأخرا حتى كان الناس يطلبون ما لا حاجة لهم به، ثم إن الصالح أمسكه هو و بيغرا أمير جاندار، و أولاجا الحاجب، و قراجا الحاجب، من أجل أنهم نسبوا إلى الممالاة و المداجاة مع الناصر أحمد، و ذلك يوم الخميس رابع المحرّم سنة أربع و أربعين و سبعمائة، و كان ذلك آخر العهد به، و استقرّ بعده في النيابة الحاج آل ملك، ثم أفرج عن بيغرا، و أولاجا، و قراجا في شهر رمضان سنة خمس و أربعين و سبعمائة.

جامع آل ملك‏

هذا الجامع في الحسينية خارج باب النصر، أنشأه الأمير سيف الدين الحاج آل ملك، و كمل و أقيمت فيه الخطبة يوم الجمعة تاسع جمادى الأول سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة، و هو من الجوامع المليحة، و كانت خطته عامرة بالمساكن و قد خربت.

113

آل ملك: الأمير سيف الدين أصله مما أخذ في أيام الملك الظاهر من كسب الأبلستين لما دخل إلى بلاد الروم في سنة ست و سبعين و ستمائة، و صار إلى الأمير سيف الدين قلاون و هو أمير قبل سلطنته، فأعطاه لابنه الأمير عليّ، و ما زال يترقى في الخدم إلى أن صار من كبار الأمراء المشايخ رؤوس المشورة في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، و كان لما خلع الناصر و تسلطن بيبرس يتردّد بينهما من مصر إلى الكرك، فأعجب الناصر عقله و تأنيه، و سير من الكرك يقول للمظفر لا يعود يجي‏ء إليّ رسولا غير هذا فلما قدم الناصر إلى مصر عظمه و لم يزل كبيرا موقرا مبجلا، فلما ولى الناصر أحمد السلطنة أخرجه إلى نيابة خماه، فأقام بها إلى أن تولى الصالح اسماعيل، فأقدمه إلى مصر و أقام بها على حاله إلى أن أمسك الأمير آق سنقر السلاريّ نائب السلطنة بديار مصر، فولاه النيابة مكانه، فشدّد في الخمر إلى الغاية، و حدّ شاربها و هدم خزانة البنود و أراق خمورها، و بنى بها مسجدا و سكرها للناس، فسكنت إلى اليوم كما تقدّم ذكره، و أمسك الزمام زمانا، و كان يجلس للحكم في الشباك بدار النيابة من قلعة الجبل طول نهاره لا يملّ ذلك و لا يسأم، و تروح أرباب الوظائف و لا يبقى عنده إلا النقباء البطالة، و كان له في قلوب الناس مهابة و حرمة إلى أن تولى الكامل شعبان، فأخرجه أوّل سلطنته إلى دمشق نائبا بها عوضا عن الأمير طقزدمر، فلما كان في أوّل الطريق حضر إليه من أخذه و توجه به إلى صفد نائبا بها، فدخلها آخر ربيع الآخر سنة سبع و أربعين و سبعمائة، ثم سأل الحضور إلى مصر فرسم له بذلك، فلما توجه و وصل إلى غزة أمسكه نائبها و وجهه إلى الاسكندرية في سنة سبع و أربعين، فخنق بها. و كان خيرا فيه دين و عبادة يميل إلى أهل الخير و الصلاح، و تعتقد بركته، و خرّج له أحمد بن أيبك الدمياطيّ مشيخة، و حدّث بها و قرئت عليه مرّات و هو جالس في شباك النيابة بقلعة الجبل، و عمر هذا الجامع و دارا مليحة عند المشهد الحسينيّ من القاهرة، و مدرسة بالقرب منها، و كان بركة من أحسن ما يكون، و خيله مشهورة موصوفة، و كان يقول كل أمير لا يقوّم رمحه و يسكب الذهب إلى أن يساوي السنان ما هو أمير، رحمة اللّه عليه.

جامع الفخر

في ثلاثة مواضع، في بولاق خارج القاهرة، و في الروضة تجاه مدينة مصر، و في جزيرة الفيل على النيل ما بين بولاق و منية السيرج. أمّا جامع الفخر بناحية بولاق فإنه موجود تقام فيه الجمعة إلى اليوم، و كان أوّلا عند ابتداء بنائه يعرف موضعه بخط خص الكيالة، و هو مكان كان يؤخذ فيه مكس الغلال المبتاعة، و قد ذكر ذلك عند ذكر أقسام مال مصر من هذا الكاتب. و جامع الروضة باق تقام فيه الجمعة. و أما الجامع بجزيرة الفيل فإنه كان باقيا إلى نحو سنة تسعين و سبعمائة، و صليت فيه الجمعة غير مرّة، ثم خرب و موضعه باق بجوار دار تشرف على النيل تعرف بدار الأمير شهاب الدين أحمد بن عمر بن قطينة،

114

قريبا من الدار الحجازية.

و الفخر: هذا هو محمد بن فضل اللّه القاضي فخر الدين ناظر الجيش، المعروف بالفخر، كان في نصرانيته متألها، ثم أكره على الإسلام فامتنع و همّ بقتل نفسه، و تغيب أياما ثم أسلم و حسن إسلامه، و أبعد النصارى و لم يقرّب أحدا منهم، و حج غير مرّة، و تصدّق في آخر عمره مدّة في كل شهر بثلاثة آلاف درهم نقرة، و بنى عدّة مساجد بديار مصر، و أنشأ عدّة أحواض ماء للسبيل في الطرقات، و بنى مارستانا بمدينة الرملة، و مارستانا بمدينة بلبيس، و فعل أنواعا من الخير، و كان حنفيّ المذهب، و زار القدس عدّة مرار، و أحرم مرّة من القدس بالحج، و سار إلى مكة محرما، و كان إذا خدمه أحد مرّة واحدة صار صاحبه طول عمره، و كان كثير الإحسان، لا يزال في قضاء حوائج الناس مع عصبية شديدة لأصحابه، و انتفع به خلق كثير لوجاهته عند السلطان، و إقدامه عليه، بحيث لم يك لأحد من أمراء الدولة عند الملك الناصر محمد بن قلاون ماله من الإقدام، و لقد قال السلطان مرّة لجندي طلب منه إقطاعا: لا تطوّل، و اللّه لو أنك ابن قلاون ما أعطاك القاضي فخر الدين حيزا يغلّ أكثر من ثلاثة آلاف درهم، و قال له السلطان في يوم من الأيام و هو بدار العدل: يا فخر الدين تلك القضية طلعت فاشوش. فقال له: ما قلت لك أنها عجوز نحس. يريد بذلك بنت كوكاي امرأة السلطان عند ما ادّعت أنها حبلى، و له من الأخبار كثير.

و كان أوّلا كاتب المماليك السلطانية، ثم صار من كتابة المماليك إلى وظيفة نظر الجيش، و نال من الوجاهة ما لم ينله غيره في زمانه، و كان الأمير أرغون نائب السلطنة بديار مصر يكرهه، و إذا جلس للحكم يعرض عنه و يدير كتفه إلى وجه الفخر، فعمل عليه الفخر حتى سار للحج، فقال للسلطان: يا خوند ما يقتل الملوك إلّا النوّاب، بيدرا قتل أخاك الملك الأشرف، و لاجين قتل بسبب نائبه منكوتمر، و خيل للسلطان إلى أن أمر بمسير الأمير أرغون من طريق الحجاز إلى نيابة حلب، و حسن للسلطان أن لا يستوزر أحدا بعد الأمير الجماليّ، فلم يول أحدا بعده الوزارة، و صارت المملكة كلها من أحوال الجيوش، و أمور الأموال و غيرها متعلقة بالفخر، إلى أن غضب عليه السلطان و نكبه و صادره على أربعمائة ألف درهم نقرة، و ولى وظيفة نظر الشيخ قطب الدين موسى بن شيخ السلامية، ثم رضي عن الفخر و أمر بإعادة ما أخذ منه من المال إليه، و هو أربعمائة ألف درهم نقرة، فامتنع و قال: أنا خرجت عنها للسلطان فليبين بها جامعا، و بنى بها الجامع الناصريّ المعروف الآن بالجامع الجديد خارج مدينة مصر بموردة الحلفاء، و زار مرّة القدس و عبر كنيسة قمامة (1) فسمع و هو يقول عند ما رأى الضوء بها: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا. و باشر آخر عمره بغير معلوم، و كان لا يأخذ من ديوان السلطان معلوما سوى كماجة، و يقول أتبرّك بها،

____________

(1) أظنها كنيسة القيامة. و ليس قمامة.

115

و لما مات في رابع عشر رجب سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة و له من العمر ما ينيف على سبعين سنة، و ترك موجودا عظيما إلى الغاية. قال: السلطان، لعنه اللّه، خمس عشرة سنة ما يدعني أعمل ما أريد، و أوصي للسلطان بمبلغ أربعمائة ألف درهم نقرة، فأخذ من تركته أكثر من ألف ألف درهم نقرة، و من حين مات الفخر كثر تسلط السلطان الملك الناصر، و أخذه أموال الناس، و إلى الفخر تنسب قنطرة الفخر التي على فم الخليج الناصريّ المجاور لميدان السلطان بموردة الجبس، و قنطرة الفخر التي على الخليج المجاور للخليج الناصريّ، و أدركت ولده فقيرا يتكفف الناس بعد مال لا يحدّ كثرة.

جامع نائب الكرك‏

هذا الجامع بظاهر الحسينية مما يلي الخليج، كان عامرا و عمر ما حوله عمارة كبيرة، ثم خرب بخراب ما حوله من عهد الحوادث في سنة ست و ثمانمائة، عمره الأمير جمال الدين أقوش المعروف بنائب الكرك، و قد تقدّم ذكره عند ذكر الدور من هذا الكتاب.

جامع الخطيريّ ببولاق‏

هذا الجامع موضعه الآن بناحية بولاق خارج القاهرة، كان موضعه قديما مغمورا بماء النيل إلى نحو سنة سبعمائة، فلما انحسر ماء النيل عن ساحل المقس صار ما قدّام المقس رمالا لا يعلوها ماء النيل إلّا أيام الزيادة، ثم صارت بحيث لا يعلوها الماء البتة، فزرع موضع هذا الجامع بعد سنة سبعمائة، و صار منتزها يجتمع عنده الناس، ثم بنى هناك شرف الدين بن زنبور ساقية و عمر بجوارها رجل يعرف بالحاج محمد بن عز الفرّاش دارا تشرف على النيل، و تردّد إليها، فلما مات أخذها شخص يقال له تاج الدين بن الأزرق ناظر الجهات و سكنها، فعرفت بدار الفاسقين لكثرة ما يجري فيها من أنواع المحرّمات، فاتفق أن النشو ناظر الخاص قبض على ابن الأزرق و صادره، فباع هذه الدار في جملة ما باعه من موجوده، فاشتراها منه الأمير عز الدين أيدمر الخطيريّ و هدمها و بنى مكانها هذا الجامع و سماه جامع التوبة، و بالغ في عمارته و تأنق في رخامه، فجاء من أجلّ جوامع مصر و أحسنها، و عمل له منبرا من رخام في غاية الحسن، و ركب فيه عدّة شبابيك من حديد تشرف على النيل الأعظم، و جعل فيه خزانة كتب جليلة نفيسة، و رتب فيه درسا للفقهاء الشافعية، و وقف عليه عدّة أوقاف منها: دار العظيمة التي هي في الدرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس، و كان جملة ما أنفق في هذا الجامع أربعمائة ألف درهم نقرة، و كملت عمارته في سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة، و أقيمت به الجمعة في يوم الجمعة عشري جمادى الآخر، فلما خلص ابن الأزرق من المصادرة، حضر إلى الأمير الخطيريّ و ادّعى أنه باع داره و هو مكره، فدفع إليه ثمنها مرّة ثانية، ثم إن البحر قوي على هذا الجامع و هدمه، فأعاد بناءه بجملة كثيرة من المال، و رمى قدّام زريبته ألف مركب مملوءة بالحجارة، ثم انهدم بعد موته و أعيدت زريبته.

116

ايدمر الخطيريّ: الأمير عز الدين، مملوك شرف الدين أوحد بن الخطيريّ، الأمير مسعود بن خطير، انتقل إلى الملك الناصر محمد بن قلاون فرقاه حتى صار أحد أمراء الألوف، بعد ما حبسه بعد مجيئه من الكرك إلى مصر مدّة، ثم أطلقه و عظم مقداره إلى أن بقي يجلس رأس الميسرة و معه أمرة مائة و عشرين فارسا، و كان لا يمكنه السلطان من المبيت في داره بالقاهرة، فينزل إليها بكرة و يطلع إلى القلعة بعد العصر كذا أبدا، فكانوا يرون ذلك تعظيما له، و كان منوّر الشيبة كريما يحب التزوّج الكثير و الفخر، بحيث أنه لما زوّج السلطان ابنته بالأمير قوصون ضرب دينارين وزنهما أربعمائة مثقال ذهبا، و عشرة آلاف درهم فضة برسم نقوط امرأته في العرس إذا طلعت إلى زفاف ابنة السلطان على قوصون، و قيل له مرّة هذا السّكّر الذي يعمل في الطعام ما يضرّ أن يعمل غير مكرّر، فقال لا يعمل إلّا مكرّرا، فإنه يبقى في نفسي أنه غير مكرّر، و كان لا يلبس قباء مطرّزا و لا مصقولا، و لا يدع أحدا عنده يلبس ذلك، و كان يخرج الزكاة، و انشأ بجانب هذا الجامع ربعا كبيرا تنافس الناس في سكناه، و لم يزل على حاله حتى مات يوم الثلاثاء مستهلّ شهر رجب سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة، و دفن بتربته خارج باب النصر، و لم يزل هذا الجامع مجمعا يقصده سائر الناس للتنزه فيه على النيل، و يرغب كل أحد في السكنى بجواره، و بلغت الأماكن التي بجواره من الأسواق و الدور الغاية في العمارة، حتى صار ذلك الخط أعمر أخطاط مصر و أحسنها، فلما كانت سنة ست و ثمانمائة انحسر ماء النيل عما تجاه جامع الخطيريّ، و صار رملة لا يعلوها الماء إلّا في أيام الزيادة، و تكاثر الرمل تحت شبابيك الجامع، و قربت من الأرض بعد ما كان الماء تحته لا يكاد يدرك قراره، و هو الآن عامر، إلّا أن الاجتماعات التي كانت فيه قبل انحسار النيل عما قبالته قلت، و اتضع حال ما يجاوره من السوق و الدور، و للّه عاقبة الأمور.

جامع قيدان‏

هذا الجامع خارج القاهرة على جانب الخليج الشرقيّ ظاهر باب الفتوح مما يلي قناطر الإوز تجاه أرض البعل، كان مسجدا قديم البناء فجدّده الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسدي في محرّم سنة سبع و تسعين و خمسمائة، و جدّد حوض السبيل الذي فيه، ثم إن الأمير مظفر الدين قيدان الروميّ عمل به منبرا لإقامة الخطبة يوم الجمعة، و كان عامرا بعمارة ما حوله، فلما حدث الغلاء في سنة ست و سبعين و سبعمائة، أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين خرب كثير من تلك النواحي، و بيعت أنقاضها، و كانت الغرقة أيضا، فصار ما بين القنطرة الجديدة المجاورة لسوق جامع الظاهر، و بين قناطر الأوز المقابلة لأرض البعل يبابا لا عامر له و لا ساكن فيه، و خرب أيضا ما وراء ذلك من شرقيه إلى جامع نائب الكرك، و تعطل هذا الجامع و لم يبق منه غير جدر آئلة إلى العدم، ثم جدّده مقدّم بعض المماليك السلطانية في‏

117

حدود الثلاثين و الثمانمائة، ثم وسع فيه الشيخ أحمد بن محمد الأنصاريّ العقاد الشهير بالأزراريّ، و مات في ثاني عشر ربيع الأوّل سنة ثلاث و أربعين و ثمانمائة.

جامع الست حدق‏

هذا الجامع بخط المريس في جانب الخليج الكبير مما يلي الغرب، بالقرب من قنطرة السدّ التي خارج مدينة مصر، أنشأته الست حدق دادة الملك الناصر محمد بن قلاون، و أقيمت فيه الخطبة يوم الجمعة لعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة، و إلى حدق هذه ينسب حكر الست حدق الذي ذكر عند ذكر الأحكار من هذا الكتاب.

جامع ابن غازي‏

هذا الجامع خارج باب البحر من القاهرة بطريق بولاق، أنشأه نجم الدين بن غازي دلال المماليك، و أقيمت فيه الخطبة في يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى، سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و إلى اليوم تقام فيه الجمعة، و بقية الأيام لا يزال مغلق الأبواب لقلة السكان حوله.

جامع التركمانيّ‏

هذا الجامع في المقس، و هو من الجوامع المليحة البناء، أنشأه الأمير بدر الدين محمد التركمانيّ، و كان ما حوله عامرا عمارة زائدة، ثم تلاشى من الوقت الذي كان فيه الغلاء زمن الملك الأشرف شعبان بن حسين، و ما برح حاله يختل إلى أن كانت الحوادث و المحن من سنة ست و ثمانمائة، فخرب معظم ما هنالك، و فيه إلى اليوم بقايا عامر لا سيما بجوار هذا الجامع.

التركمانيّ محمد، و ينعت بالأمير بدر الدين محمد بن الأمير فخر الدين عيسى التركمانيّ، كان أوّلا شادّا، ثم ترقى في الخدم حتى ولي الجيزة، و تقدّم في الدولة الناصرية، فولاه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون شادّ الدواوين، و الدولة حينئذ ليس فيها وزير، فاستقلّ بتدبير الدولة مدّة أعوام، و كان يلي نظر الدولة تلك الأيام كريم الدين الصغير، فغص به و ما زال يدبر عليه حتى أخرجه السلطان من ديار مصر، و عمله شادّ الدواوين بطرابلس، فأقام هناك مدّة سنتين ثم عاد إلى القاهرة بشفاعة الأمير تنكز نائب الشام، و ولي كشف الوجه البحريّ مدّة، ثم أعطي أمرة طبلخاناه، و أعطي أخوه عليّ أمرة عشرة، و ولده إبراهيم أيضا أمرة عشرة، و كان مهابا صاحب حرمة باسطة و كلمة نافذة، و مات عن سعادة طائلة بالمقس في ربيع الأوّل سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة و هو أمير.

118

جامع شيخو

هذا الجامع بسويقة منعم، فيما بين الصليبة و الرميلة تحت قلعة الجبل، أنشأه الأمير الكبير سيف الدين شيخو الناصريّ، رأس نوبة الأمراء في سنة ست و خمسين و سبعمائة، و رفق بالناس في العمل فيه و أعطاهم أجورهم، و جعل فيه خطبة و عشرين صوفيا، و أقام الشيخ أكمل الدين محمد بن محمود الروميّ الحنفيّ شيخهم، ثم لما عمر الخانقاه تجاه الجامع نقل حضور الأكمل و الصوفية إليها، و زاد عدّتهم، و هذا الجامع من أجلّ جوامع ديار مصر.

شيخو: الأمير الكبير سيف الدين، أحد مماليك الناصر محمد بن قلاون، حظي عند الملك المظفر حاجي بن محمد بن قلاون، و زادت وجاهته حتى شفع في الأمراء و أخرجهم من سجن الإسكندرية، ثم إنه استقرّ في أوّل دولة الملك الناصر حسن أحد أمراء المشورة، و في آخر الأمر كانت القصص تقرأ عليه بحضرة السلطان في أيام الخدمة، و صار زمام الدولة بيده، فساسها أحسن سياسة بسكون و عدم شرّ، و كان يمنع كل حزب من الوثوب على الآخر، فعظم شأنه إلى أن رسم السلطان بإمساك الأمير يلبغاروس نائب السلطنة بديار مصر و هو مسافر بالحجاز، و كان شيخو قد خرج متصيدا إلى ناحية طنان بالغربية، فلما كان يوم السبت رابع عشري شوّال سنة إحدى و خمسين و سبعمائة، أمسك السلطان الأمير منجك الوزير، و حلّف الأمراء لنفسه، و كتب تقليد شيخو بنيابة طرابلس، و جهزه إليه مع الأمير سيف الدين طينال الجاشنكير، فسار إليه و سفره من برّا، فوصل إلى دمشق ليلة الثلاثاء رابع ذي القعدة، فظهر مرسوم السلطان بإقامة شيخو في دمشق على إقطاع الأمير بيلبك السالميّ، و بتجهيز بيلبك إلى القاهرة، فخرج بيلبك من دمشق و أقام شيخو على إقطاعه بها، فما وصل بيلبك إلى القاهرة إلّا و قد وصل إلى دمشق و أقام شيخو على إقطاعه بها، فما وصل و تقييد مماليكه و اعتقالهم بقلعة دمشق، فأمسك و جهّز مقيدا، فلما وصل إلى قطيا توجهوا به إلى الإسكندرية، فلم يزل معتقلا بها إلى أن خلع السلطان الملك الناصر حسن، و تولى أخوه الملك الصالح صالح، فأفرج عن شيخو و منجك الوزير و عدّة من الأمراء، فوصلوا إلى القاهرة في رابع شهر رجب سنة اثنتين و خمسين و سبعمائة، و أنزل في الأشرفية بقلعة الجبل، و استمرّ على عادته، و خرج مع الملك الصالح إلى الشام في واقعة يلبغاروس، و توجه إلى حلب هو و الأمير طاز و أرغون الكامليّ خلف يبلغاروس، و عاد مع السلطان إلى القاهرة و صمم حتى أمسك يلبغاروس و من معه من الأمراء بعد ما و صلوا إلى بلاد الروم، و حزت رؤسهم، و أمسك أيضا ابن دلغار و أحضر إلى القاهرة و وسّط و علّق على باب زويلة، ثم خرج بنفسه في طلب الأحدب الذي خرج بالصعيد و تجاوز في سفره قوص، و أمسك عدّة كثيرة و وسّطهم حتى سكنت الفتن بأرض مصر، و ذلك في آخر سنة أربع و خمسين و أوّل سنة خمس و خمسين.

119

ثم خلع الملك الصالح و أقام بدله الملك الناصر حسنا في ثاني شوّال، و أخرج الأمير طاز من مصر إلى حلب نائبا بها و معه إخوته، و صارت الأمور كلها راجعة إليه، و زادت عظمته و كثرت أمواله و أملاكه و مستأجراته حتى كاد يكاثر أمواج البحر بما ملك، و قيل له قارون عصره. و عزيز مصره، و أنشأ خلقا كثيرا، فقوى بذلك حزبه و جعل في كل مملكة من جهته عدّة أمراء، و صارت نوّابه بالشام و في كل مدينة أمراء كبار، و خدموه حتى قيل كان يدخل كل يوم ديوانه من إقطاعه و أملاكه و مستأجراته بالشام و ديار مصر مبلغ مائتي ألف درهم نقرة، و أكثر، و هذا شي‏ء لم يسمع بمثله في الدولة التركية، و ذلك سوى الإنعامات السلطانية و التقادم التي ترد إليه من الشام و مصر، و ما كان يأخذ من البراطيل على ولاية الأعمال، و جامعه هذا و خانقاهه التي بخط الصليبة لم يعمر مثلهما قبلهما، و لا عمل في الدولة التركية مثل أوقافهما، و حسن ترتيب المعاليم بهما، و لم يزل على حاله إلى أن كان يوم الخميس ثامن شعبان سنة ثمان و خمسين و سبعمائة، فخرج عليه شخص من المماليك السلطانية المرتجعة عن الأمير منجك الوزير يقال له باي، فجاء و هو جالس بدار العدل و ضربه بالسيف في وجهه و في يده، فارتجت القلعة كلها و كثر هرج الناس حتى مات من الناس جماعة من الزحمة و ركب من الأمراء الكبار عشرة و هم بالسلاح عليهم إلى قبة النصر خارج القاهرة، ثم أمسك باي فجاء و قرّر فلم يعترف بشي‏ء على أحد و قال: أنا قدّمت إليه قصة لينقلني من الجامكية إلى الإقطاع فما قضى شغلي، فأخذت في نفسي من ذلك، فسجن مدّة ثم سمّر و طيف به الشوارع، و بقي شيخو عليلا من تلك الجراحة لم يركب إلى أن مات ليلة الجمعة سادس عشري ذي القعدة، سنة ثمان و خمسين و سبعمائة، و دفن بالخانقاه الشيخونية و قبره بها يقرأ عنده القرآن دائما.

جامع الجاكيّ‏

هذا الجامع كان بدرب الجاكي عند سويقة الريش من الحكر في برّ الخليج الغربيّ، أصله مسجد من مساجد الحكر، ثم زاد فيه الأمير بدر الدين محمد بن إبراهيم المهمندار، و جعله جامعا و أقام فيه منبرا في سنة ثلاث عشرة و سبعمائة، فصار أهل الحكر يصلون فيه الجمعة إلى أن حدثت المحن من سنة ست و ثمانمائة، فخرب الحكر و بيعت أنقاض معظم الدور التي هناك، و تعطل هذا الجامع من ذكر اللّه و إقامة الصلاة لخراب ما حوله، فحكم بعض قضاة الحنفية ببيع هذا الجامع، فاشتراه شخص من الوعاظ يعرف بالشيخ أحمد الواعظ الزاهد صاحب جامع الزاهد بخط المقس، و هدمه و أخذ أنقاضه فعملها في جامعه الذي بالمقس في أوّل سنة سبع عشرة و ثمانمائة.

جامع التوبة

هذا الجامع بجوار باب البرقية في خط بين السورين، كان موضعه مساكن أهل الفساد

120

و أصحاب الرأي، فلما أنشأ الأمير الوزير علاء الدين مغلطاي الجماليّ خانقاهه المعروفة بالجمالية قريبا من خزانة البنود بالقاهرة، كره مجاورة هذه الأماكن لداره و خانقاهه، فأخذها و هدمها و بنى هذا الجامع في مكانها، و سماه جامع التوبة، فعرف بذلك إلى اليوم، و هو الآن تقام فيه الجمعة، غير أنه لا يزال طول الأيام مغلق الأبواب لخلوّه من ساكن، و قد خرب كثير مما يجاوره، و هناك بقايا من أماكن.

جامع صاروجا

هذا الجامع مطلّ على الخليج الناصريّ بالقرب من بركة الحاجب التي تعرف ببركة الرطلي، كان خطة تعرف بجامع العرب، فأنشأ بها هذا الجامع ناصر الدين محمد أخو الأمير صار و جانقيب الجيش، بعد سنة ثلاثين و سبعمائة، و كانت تلك الخطة قد عمرت عمارة زائدة، و أدركت منها بقية جيدة إلى أن دثرت، فصارت كيمانا، و تقام الجمعة إلى اليوم في هذا الجامع أيام النيل.

جامع الطباخ‏

هذا الجامع خارج القاهرة بخط باب اللوق، بجوار بركة الشقاف، كان موضعه و موضع بركة الشقاف من جملة الزهريّ، أنشأه الأمير جمال الدين أقوش، و جدّده الحاج علي، الطباخ في المطبخ السلطانيّ أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، و لم يكن له وقف، فقام بمصالحه من ماله مدّة، ثم إنه صودر في سنة ست و أربعين و سبعمائة، فتعطل مدّة نزول الشدّة بالطباخ، و لم تقم فيه تلك المدّة الصلاة.

عليّ بن الطباخ: نشأ بمصر و خدم الملك الناصر محمد بن قلاون. و هو بمدينة الكرك، فلما قدم إلى مصر جعله خوان سلار، و سلمه المطبخ السلطانيّ، فكثر ماله لطول مدّته. و كثرة تمكنه، و لم يتفق لأحد من نظرائه ما اتفق له من السعادة الطائلة، و ذلك أن الأفراح و ما كان يصنع من المهمات و الأعراس و نحوها مما كان يعمل في الدور السلطانية و عند الأمراء و المماليك و الحواشي مع كثرة ذلك في طول تلك الأعوام، كانت كلها إنما يتولى أمرها هو بمفرده، فما اتفق له في عمل مهم ابن بكتمر الساقي على ابنة الأمير تنكز نائب الشام، أن السلطان الملك الناصر استدعاه آخر النهار الذي عمل فيه المهم المذكور و قال له: يا حاج عليّ، اعمل لي الساعة لونا من طعام الفلاحين، و هو خروج رميس يكون ملهوج، فولى و وجهه معبس، فصاح به السلطان ويلك مالك معبس الوجه؟ فقال: كيف ما أعبس و قد حرمتني الساعة عشرين ألف درهم نقرة؟ فقال: كيف حرمتك؟ قال: قد تجمع عندي رؤس غنم و بقر و أكارع و كروش و أعضاد و سقط دجاج و أوز و غير ذلك مما سرقته من المهمّ، و أريد أقعد و أبيعه، و قد قلت لي أطبخ و بينما أفرغ من الطبيخ تلف الجميع، فتبسم السلطان و قال له: رح أطبخ و ضمان الذي ذكرت عليّ، و أمر بإحضار والي القاهرة و مصر،

121

فلما حضرا ألزمهما بطلب أرباب الزفر إلى القلعة و تفرقة ما ناب الطباخ من المهمّ عليهم، و استخراج ثمنه، فللحال حضر المذكورون و بيع عليهم ذلك فبلغ ثمنه ثلاثة و عشرين ألف درهم نقرة، و هذا مهمّ واحد من ألوف مع الذي كان له من المعاليم و الجرايات و منافع المطبخ. و يقال أنه كان يتحصل له من المطبخ السلطاني في كل يوم على الدوام و الاستمرار مبلغ خمسمائة درهم نقرة، و لولده أحمد مبلغ ثلاثمائة درهم نقرة، فلما تحدّث النشو في الدولة خرّج عليه تخاريج و أغرى به السلطان، فلم يسمع فيه كلاما، و ما زال على حاله إلى أن مات الملك الناصر و قام من بعده أولاده الملك المنصور أبو بكر، و الملك الأشرف كجك، و الملك الناصر أحمد، و الملك الصالح إسماعيل، و الملك الكامل شعبان، فصادره في سنة ست و أربعين و سبعمائة، و أخذ منه مالا كثيرا، و مما وجد له خمس و عشرون دارا مشرفة على النيل و غيره، فتفرقت حواشي الملك الكامل أملامه، فأخذت أم السلطان ملكه الذي كان على البحر، و كانت دارا عظيمة جدّا، و أخذت أنقاض داره التي بالمحمودية من القاهرة و أقيم عوضه بالمطبخ السلطانيّ و ضرب ابنه أحمد.

جامع الأسيوطيّ‏

هذا الجامع بطرف جزيرة الفيل مما يلي ناحية بولاق، كان موضعه في القديم غامرا بماء النيل، فلما انحسر عن جزيرة الفيل و عمرت ناحية بولاق، أنشأ هذا الجامع القاضي شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عمر السيوطيّ ناظر بيت المال، و مات في سنة تسع و أربعين و سبعمائة، ثم جدّد عمارته بعد ما تهدّم و زاد فيه ناصر الدين محمد بن محمد بن عثمان بن محمد المعروف بابن البارزيّ الحمويّ كاتب السرّ، و أجرى فيه الماء و أقام فيه الخطبة يوم الجمعة سادس عشري جمادى الأولى سنة اثنتين و عشرين و ثمانمائة، فجاء في أحسن هندام و أبدع زيّ، و صلّى فيه السلطان الملك المؤيد شيخ الجمعة في أول جمادى الآخرة سنة ثلاث و عشرين و ثمانمائة.

جامع الملك الناصر حسن‏

هذا الجامع يعرف بمدرسة السلطان حسن، و هو تجاه قلعة الجبل فيما بين القلعة و بركة الفيل، و كان موضعه بيت الأمير يلبغا اليحياوي الذي تقدّم ذكره عند ذكر الدور، و ابتدأ السلطان عمارته في سنة سبع و خمسين و سبعمائة، و أوسع دوره و عمله في أكبر قالب و أحسن هندام و أضخم شكل، فلا يعرف في بلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحكي هذا الجامع، أقامت العمارة فيه مدّة ثلاث سنين لا تبطل يوما واحدا، و أرصد لمصروفها في كل يوم عشرون ألف درهم، عنها نحو ألف مثقال ذهبا. و لقد أخبرني الطواشي مقبل الشاميّ: أنه سمع السلطان حسنا يقول: انصرف على القالب الذي بني عليه عقد الإيوان الكبير مائة ألف درهم نقرة، و هذا القالب مما رمي على الكيمان بعد فراغ العقد المذكور.

122

قال: و سمعت السلطان يقول لولا أن يقال ملك مصر عجز عن إتمام بناء بناه لتركت بناء هذا الجامع من كثرة ما صرف عليه، و في هذا الجامع عجائب من البنيان منها: أن ذراع إيوانه الكبير خمسة و ستون ذراعا في مثلها، و يقال أنه أكبر من إيوان كسرى الذي بالمدائن من العراق بخمسة أذرع، و منه القبلة العظيمة التي لم يبن بديار مصر و الشام و العراق و المغرب و اليمن مثلها، و منها المنبر الرخام الذي لا نظير له، و منها البوّابة العظيمة، و منها المدارس الأربع التي بدور قاعة الجامع إلى غير ذلك. و كان السلطان قد عزم على أن يبني أربع مناير يؤذن عليها، فتمت ثلاث مناير إلى أن كان يوم السبت سادس شهر ربيع الآخر سنة اثنتين و ستين و سبعمائة، فسقطت المنارة التي على الباب، فهلك تحتها نحو ثلاثمائة نفس من الأيتام الذين كانوا قد رتبوا بمكتب السبيل الذي هناك و من غير الأيتام، و سلّم من الأيتام ستة أطفال، فأبطل السلطان بناء هذه المنارة و بناء نظيرتها، و تأخر هناك منارتان هما قائمتان إلى اليوم، و لما سقطت المنارة المذكورة لهجت عامّة مصر و القاهرة بأن ذلك منذر بزوال الدولة، فقال الشيخ بهاء الدين أبو حامد أحمد بن عليّ بن محمد السبكيّ في سقوطها:

أبشر فسعدك يا سلطان مصر أتى‏* * * بشيره بمقال سار كالمثل‏

إنّ المنارة لم تسقط لمنقصة* * * لكن لسرّ خفيّ قد تبيّن لي‏

من تحتها قرى‏ء القرآن فاستمعت‏* * * فالوجد في الحال أدّها إلى الميل‏

لو أنزل اللّه قرآنا على جبل‏* * * تصدّعت رأسه من شدّة الوجل‏

تلك الحجارة لم تنقضّ بل هبطت‏* * * من خشية اللّه لا للضعف و الخلل‏

و غاب سلطانها فاستوحشت و رمت‏* * * بنفسها لجوى في القلب مشتعل‏

فالحمد للّه حظّ العين زال بما* * * قد كان قدّره الرحمن في الأزل‏

لا يعتري البؤس بعد اليوم مدرسة* * * شيدت بنيانها بالعلم و العمل‏

و دمت حتى ترى الدنيا بها امتلأت‏* * * علما فليس بمصر غير مشتغل‏

فاتفق قتل السلطان بعد سقوط المنارة بثلاثة و ثلاثين يوما، و مات السلطان قبل أن يتم رخام هذا الجامع، فأتمه من بعده الطواشي بشير الجمدار، و كان قد جعل السلطان على هذا الجامع أوقافا عظيمة جدّا، فلم يترك منها إلّا شي‏ء يسير و أقطع أكثر البلاد التي وقفت عليه بديار مصر و الشام لجماعة من الأمراء و غيرهم، و صار هذا الجامع ضدّا لقلعة الجبل، قلما تكون فتنة بين أهل الدولة إلّا و يصعد عدّة من الأمراء و غيرهم إلى أعلاه و يصير الرمي منه على القلعة، فلم يحتمل ذلك الملك الظاهر برقوق و أمر فهدمت الدرج التي كان يصعد منها إلى المنارتين و البيوت التي كان يسكنها الفقهاء، و يتوصل من هذه الدرج إلى السطح الذي كان يرمى منه على القلعة، و هدمت البسطة العظيمة و الدرج التي كانت بجانبي هذه البسطة التي كانت قدّام باب الجامع، حتى لا يمكن الصعود إلى الجامع، و سدّ من وراء الباب النحاس الذي لم يعمل فيما عهد باب مثله، و فتح شباك من شبابيك أحد مدارس هذا الجامع‏

123

ليتوصل منه إلى داخل الجامع عوضا عن الباب المسدود، فصار هذا الجامع تجاه باب القلعة المعروف بباب السلسلة، و امتنع صعود المؤذنين إلى المنارتين، و بقي الأذان على درج هذا الباب، و كان ابتداء هدم ما ذكر في يوم الأحد ثامن صفر سنة ثلاث و تسعين و سبعمائة، ثم لما شرع السلطان الملك المؤيد شيخ في عمارة الجامع بجوار باب زويلة اشترى هذا الباب النحاس و التنور النحاس الذي كان معلقا هناك بخمسمائة دينار، و نقلا في يوم الخميس سابع عشري شوّال سنة تسع عشرة و ثمانمائة، فركب الباب على البوّابة و علق التنور تجاه المحراب، فلما كان في يوم الخميس تاسع شهر رمضان سنة خمس و عشرين و ثمانمائة، أعيد الأذان في المئذنتين كما كان، و أعيد بناء الدرج و البسطة، و ركب باب بدل الباب الذي أخذه المؤيد، و استمرّ الأمر على ذلك.

الملك الناصر أبو المعالي الحسن بن محمد بن قلاون: جلس على تخت الملك و عمره ثلاث عشرة سنة في يوم الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان و أربعين و سبعمائة بعد أخيه الملك المظفر حاجي، و أركب من باب الستارة بقلعة الجبل و عليه شعار السلطنة و في ركابه الأمراء إلى أن نزل بالإيوان السلطانيّ، و مدبر و الدولة يومئذ الأمير يلبغاروس، و الأمير ألجيبغا المظفريّ، و الأمير شيخو، و الأمير طاز، و أحمد شادّ الشرابخاناه، و أرغون الإسماعيليّ فخلع على يلبغاروس و استقرّ في نيابة السلطنة بديار مصر، عوضا عن الحاج أرقطاي، و قرّر أرقطاي في نيابة السلطنة بحلب، و خلع على الأمير سيف الدين منجك اليوسفيّ و استقرّ في الوزارة و الاستادارية، و قرر الأمير أرغون شاه في نيابة السلطنة بدمشق.

فلما دخلت سنة تسع و أربعين، كثر انكشاف الأراضي من ماء النيل بالبرّ الشرقيّ فيما يلي بولاق إلى مصر، فاهتم الأمراء بسدّ البحر مما يلي الجيزة، و فوّض ذلك للأمير منجك، فجمع مالا كثيرا و أنفقه على ذلك، فلم يفد، فقبض على منجك في ربيع الأوّل، و حدث الوباء العظيم في هذه السنة، و أخرج أحمد شادّ الشرابخاناه لنيابة صفد، و ألجيبغا لنيابة طرابلس، فاستمرّ أجليبغا بها إلى شهر ربيع الأوّل سنة خمسين، فركب إلى دمشق و قتل أرغون شاه بغير مرسوم، فأنكر عليه و أمسك و قتل بدمشق. و في سنة إحدى و خمسين سار من دمشق عسكر عدّته أربعة آلاف فارس، و من حلب ألفا فارس إلى مدينة سنجار، و معهم عدّة كثيرة من التركمان، فحصروها مدّة حتى طلب أهلها الأمان، ثم عادوا. و ترشد السلطان و استبدّ بأمره و قبض على منحك و يلبغاروس، و قبض بمكة على الملك المجاهد صاحب اليمن، و قيد و حمل إلى القاهرة، فأطلق ثم سجن بقلعة الكرك.

فلما كان يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخرة ركب الأمراء على السلطان و هم: طاز و إخوته و يبلغا الشمسيّ، و يبغوا، و وقفوا تحت القلعة و صعد الأمير طاز و هو لابس إلى القلعة في عدّة وافرة، و قبض على السلطان و سجنه بالدور، فكانت مدّة ولايته ثلاث سنين و تسعة أشهر، و أقيم بدله أخوه الملك الصالح صالح فأقام السلطان حسن مجمعا على الاشتغال‏

124

بالعلم، و كتب بخطه نسخة من كتاب دلائل النبوّة للبيهقيّ إلى يوم الاثنين ثاني شوّال سنة خمس و خمسين و سبعمائة، فأقامه الأمير شيخو العمريّ في السلطنة، و قبض على الصالح، و كانت مدّة سجنه ثلاث سنين و ثلاثة أشهر و أربعة عشر يوما، فرسم بإمساك الأمير طاز و إخراجه لنيابة حلب. و في ربيع الأول سنة سبع و خمين هبت ريح عاصفة من ناحية الغرب من أوّل النهار إلى آخر الليل، اصفرّ منها الجوّ، ثم احمرّ، ثم اسودّ فتلف منها شي‏ء كثير.

و في شعبان سنة تسع و خمسين ضرب الأمير شيخو بعض المماليك بسيف فلم يزل عليلا حتى مات. و في سنة تسع و خمسين كان ضرب الفلوس الجدد، فعمل كلّ فلس زنة مثقال، و قبض على الأمير طاز نائب حلب و سجن بالإسكندرية، و قرّر مكانه في نيابة حلب الأمير منجك اليوسفيّ، و أمسك الأمير صرغتمش في شهر رمضان منها، و كانت حرب بين مماليكه و مماليك السلطان، انتصر فيها المماليك السلطانية، و قبض على عدّة أمراء، فأنعم السلطان على مملوكه يلبغا العمريّ الخاصكيّ بتقدمة ألف عوضا عن تنكر بغا الماردانيّ أمير مجلس بحكم وفاته. و في سنة ستين فرّ منجك من حلب، فلم يوقف له على خبر، فأقرّ على نيابة حلب الأمير بيدمر الخوارزميّ، و سار لغزو سيس فأخذ أدنه بأمان و أخذ طرسوس و المصيصة و عدّة بلاد و أقام بها نوّابا و عاد، فلما كانت سنة اثنتين و ستين عدّى السلطان إلى برّ الجيزة و أقام بناحية كوم برا مدّة طويلة لوباء كان بالقاهرة، فتنكر الحال بينه و بني الأمير يلبغا إلى ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى، فركب السلطان في جماعة ليكبس على الأمير يلبغا، و كان قد أحسن بذلك و خرج عن الخيام و كمن بمكان و هو لابس في جماعته، فلم يظفر السلطان به، و رجع فثار به يلبغا فانكسر بمن معه و فرّ يريد قلعة الجبل، فتبعه يلبغا و قد انضم إليه جمع كثير، و دخل السلطان إلى القلعة فلم يثبت، و ركب معه أيدمر الدوادار ليتوجه إلى بلاد الشام، و نزل إلى بيت الأمير شرف الدين موسى بن الأزكشيّ أمير حاجب، فبعث في الحال إلى الأمير يبلغا يعلمه بمجي‏ء السلطان إليه، فبعث من قبضه هو و الأمير أيدمر، و من حينئذ لم يوقف له على خبر البتة مع كثرة فحص أتباعه و حواشيه عن قبره و ما آل إليه أمره، فكانت مدّة ولايته هذه الثانية ست سنين و سبعة أشهر و أياما، و كان ملكا حازما مهابا شجاعا صاحب حرمة وافرة و كلمة نافذة و دين متين، حلف غير مرّة أنه ما لاط و لا شرب خمرا و لا زنى، إلّا أنه كان يبخل و يعجب بالنساء، و لا يكاد يصبر عنهنّ، و يبالغ في إعطائهنّ المال، و عادى في دولته أقباط مصر، و قصد اجتثات أصلهم، و كره المماليك، و شرع في إقامة أولاد الناس أمراء، و ترك عشرة بنين و ست بنات، و كان أشقر أنمش، و قتل و له من العمر بضع و عشرون سنة، و لم يكن قبله و لا بعده في الدولة التركية مثله.

125

جامع القرافة

هذا الجامع يعرف الآن بجامع الأولياء، و هو القرافة الكبرى، و كان موضعه يعرف في القديم عند فتح مصر بخطة المغافر، و هو مسجد بني عبد اللّه بن مانع بن مورع يعرف بمسجد القبة. قال القضاعيّ: كان القرّاء يحضرون فيه، ثم بني عليه المسجد الجامع الجديد، بنته السيدة المعزية في سنة ست و ستين و ثلاثمائة و هي أمّ العزيز بالله نزار ولد المعز لدين اللّه، أمّ ولد من العرب يقال لها تغريد، و تدعى درزان، و بنته على يد الحسن بن عبد العزيز الفارسيّ المحتسب في شهر رمضان من السنة المذكورة، و هو على نحو بناء الجامع الأزهر بالقاهرة، و كان بهذا الجامع بستان لطيف في غربيه و صهريج، و بابه الذي يدخل منه ذو المصاطب الكبير الأوسط تحت المنار العالي الذي عليه مصفح بالحديد إلى حضرة المحراب، و المقصورة من عدّة أبواب، و عدّتها أربعة عشر بابا مربعة مطوّبة الأبواب، قدّام كلّ باب قنطرة قوس على عمودي رخام ثلاثة صفوف، و هو مكندج مزوّق باللازورد و الزنجفر و الزنجار و أنواع الأصباغ، و فيه مواضع مدهونة، و السقوف مزوّقة ملوّنة كلها، و الحنايا و العقود التي على العمد مزوّقة بأنواع الأصباغ من صنعة البصريين و بني المعلم المزوّقين شيوخ الكتاميّ و النازوك، و كان قبالة الباب السابع من هذه الأبواب قنطرة قوس مزوّقة في منحنى حافتيها شاذوران مدرّج بدرج و آلات سود و بيض و حمر و خضر و زرق و صفر، إذا تطلع إليها من وقف في سهم قوسها شائلا رأسه إليها ظنّ أن المدرّج المزوّق كأنه خشب كالمقرنص، و إذا أتى إلى أحد قطري القوس نصف الدائرة و وقف عند أوّل القوس منها و رفع رأسه، رأى ذلك الذي توهمه مسطحا لا نتوء فيه، و هذه من أفخر الصنائع عند المزوّقين، و كانت هذه القنطرة من صنعة بني المعلم، و كان الصناع يأتون إليها ليعملوا مثلها، فما يقدرون، و قد جرى مثل ذلك للقصير و ابن عزيز في أيام البازوريّ سيد الوزراء الحسن بن عليّ بن عبد الرحمن، و كان كثيرا ما يحرّض بينهما و يغري بعضهما على بعض لانه كان أحبّ ما إليه كتاب مصوّرا، أو النظر إلى صورة، أو تزويق.

و لما استدعي ابن عزيز من العراق فأفسده، و كان قد أتى به في محاربة القصير لأنّ القصير كان يشتط في أجرته و يلحق عجب فيه صنعته، و هو حقيق بذلك لأنه في عمل الصورة كابن مقلة في الخط، و ابن عزيز كابن البوّاب، و قد أمعن شرح ذلك في الكتاب المؤلف فيه، و هو طبقات المصوّرين المنعوت، بضوء النبراس و أنس الجلاس في أخبار المزوّقين من الناس، و كان البازوريّ قد أحضر بمجلسه القصير و ابن عزيز فقال ابن عزيز:

أنا أصوّر صورة إذا رآها الناظر ظنّ أنها خارجة من الحائط. فقال القصير: لكن أنا أصوّرها فإذا نظرها الناظر ظنّ أنها داخلة في الحائط، فقالوا هذا أعجب، فأمرهما أن يصنعا ما وعدا به، فصوّرا صورة راقصتين في صورة حنيتين مدهونتين متقابلتين، هذه ترى كأنها داخلة في الحائط، و تلك ترى كأنها خارجه من الحائط، فصوّر القصير راقصة بثياب بيض في صورة

126

حنية دهنها أسود كأنها داخلة في صورة الحنية، و صوّر ابن عزيز راقصة بثياب حمر في صورة جنية صفراء كأنها بارزة من الحنية، فاستحسن البازوريّ ذلك و خلع عليهما و وهبهما كثيرا من الذهب.

و كان بدار النعمان بالقرافة من عمل الكتاميّ صورة يوسف (عليه السلام) في الجب و هو عريان، و الجب كله أسود، إذا نظره الإنسان ظنّ أن جسمه باب من دهن لون الجبّ، و كان هذا الجامع من محاسن البناء، و كان بنو الجوهريّ، يعظمون بهذا الجامع على كرسيّ في الثلاثة أشهر، فتمرّ لهم مجالس مبجلة تروق و تشوق، و يقوم خادمهم و زهر البان، و هو شيخ كبير و معه زنجلة إذا توسط أحدهم في الوعظ و يقول:

و تصدّقي لا تأمني أن تسألي‏* * * فإذا سالت عرفت ذلّ السائل‏

و يدور على الرجال و النساء فيلقى له في الزنجلة ما يسره اللّه تعالى، فإذا فرغ من التطواف وضع الزنجلة أمام الشيخ، فإذا فرغ من وعظه فرّق على الفقراء ما قسم لهم، و أخذ الشيخ ما قسم له، و هو الباقي، و نزل عن الكرسيّ. و كان جماعة من الرؤساء يلزمون النوم بهذا الجامع و يجلسون به في ليالي الصيف للحديث في القمر في صحنه، و في الشتاء ينامون عند المنبر، و كان يحصل لقيمه القاضي أبي حفص الأشربة و الحلوى و غير ذلك.

قال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة: حدّثني الأمير أبو عليّ تاج الملك جوهر المعروف بالشمس الجيوشيّ قال: اجتمعنا ليلة جمعة جماعة من الأمراء، بنو معز الدولة، و صالح، و حاتم، و راجح، و أولادهم، و غلمانهم، و جماعة ممن يلوذ بنا، كابن الموفق و القاضي ابن داود، و أبي المجد بن الصيرفيّ، و أبي الفضل روزبة، و أبي الحسن الرضيع، فعملنا سماطا و جلسنا و استدعينا بمن في الجامع و أبي حفص، فأكلنا و رفعنا الباقي إلى بيت الشيخ أبي حفص قيم الجامع، ثم تحدّثنا و نمنا، و كانت ليلة باردة، فنمنا عند المنبر و إذا إنسان نصف الليل ممن نام في هذا الجامع من عابري السبيل قد قام قائما و هو يلطم على رأسه و يصيح وامالاه وا مالاه، فقلنا له: ويلك ما شأنك و ما الذي دهاك و من سرقك و ما سرق لك؟ فقال: يا سيدي أنا رجل من أهل طرا يقال لي أبو كريت الحاوي، أمسى عليّ الليل و نمت عندكم و أكلت من خيركم، وسع اللّه عليكم، ولي جمعة أجمع في سلتي من نواحي طرا و الحيّ الكبير و الجبل، كل غريبة من الحيات و الأفاعي ما لم يقدر عليه قط حاو غيري، و قد انفتحت الساعة السلة و خرجت الأفاعي و أنا نائم لم أشعر. فقلت له:

إيش تقول: فقال: أي و اللّه يا للنجدات، فقلنا: يا عدوّ اللّه أهلكتنا و معنا صبيان و أطفال؟ ثم إنّا نبهنا الناس و هربنا إلى المنبر و طلعنا و ازدحمنا فيه، و منا من طلع على قواعد العمد فتسلق و بقي واقفا، و أخذ ذلك الحاوي يحسس و في يده كنف الحيات و يقول: قبضت الرقطاء، ثم يفتح السلة و يضع فيها، ثم يقول قبضت أم قرنين و يفتح و يضع فيها، و يقول قبضت الفلانيّ و الفلانية من الثعابين و الحيات و هي معه بأسماء، و يقول أبو تليس و أبو زعير

127

و نحن و نقول ايه؟ إلى أن قال: بس انزلوا ما بقي عليّ همّ، ما بقي يهمكم كبير شي‏ء، قلنا كيف؟ قال ما بقي إلّا البتراء و رأسين انزلوا، فما عليكم منهما. قلنا كذا عليك لعنة اللّه يا عدوّ اللّه لا نزلنا للصبح فالمغرور من تغرّه. و صحنا بالقاضي أبي حفص القيم فأوقد الشمعة و لبس صباغات الخطيب خوفا على رجليه، و جاء فنزلنا في الضوء و طلعنا المئذنة فنمنا إلى بكرة، و تفرّق شملنا بعد تلك الليلة، و جمع القاضي القيم عياله ثاني يوم و أدخلوا عصيا تحت المنبر و سعفا و شالوا الحصر فلم يظهر لهم شي‏ء، و بلغ الحديث والي القرافة ابن شعلة الكتاميّ، فأخذ الحاوي فلم يزل به حتى جمع ما قدر عليه و قال: ما أخليه إلّا إلى السلطان، و كان الوزير إذ ذاك يانس الأرمنيّ.

و هذه القضية تشبه قضية جرت لجعفر بن الفضل بن الفرات وزير مصر المعروف بابن جرابة، و ذلك أنه كان يهوى النظر إلى الحيات و الأفاعي و العقارب و أم أربعة و أربعين و ما يجري هذا المجرى من الحشرات، و كان في داره قاعة لطيفة مرخمة فيها سلل الحيات و لها قيم فرّاش حاو من الحواة، و معه مستخدمون برسم الخدمة و نقل السلال و حطها، و كان كلّ حاو في مصر و أعمالها يصيد ما يقدر عليه من الحيات، و يتباهون في ذوات العجب من أجناسها، و في الكبار و في الغريبة المنظر، و كان الوزير يثبهم على ذلك أو في ثواب، و يبذل لهم الجمل حتى يجتهدوا في تحصيلها، و كان له وقت يجلس فيه على دكه مرتفعة و يدخل المستخدمون و الحواة فيخرجون ما في السلل و يطرحونه على ذلك الرخام، و يحرّشون بين الهوام و هو يتعجب من ذلك و يستحسنه، فلما كان ذات يوم أنفذ رقعة إلى الشيخ الجليل ابن المدبر الكاتب و كان من أعيان كتاب أيامه و ديوانه، و كان عزيزا عنده، و كان يسكن إلى جوار دار ابن الفرات يقول له فيها: نشعر الشيخ الجليل أدام اللّه سلامته، أنه لما كان البارحة عرض علينا الحواة الحشرات الجاري بها العادات، انساب إلى داره منها الحية البتراء، و ذات القرنين، و العقربان الكبير، و أبو صوفة، و ما حصلوا لنا إلّا بعد عناء و مشقة و بجملة بذلناها للحواة، و نحن نأمر الشيخ وفقه اللّه بالتقدّم إلى حاشيته و صبيته بصون ما وجد منها إلى أن تنفذ الحواة لأخذها و ردّها إلى سللها، فلما وقف ابن المدبر على الرقعة قلبها و كتب في ذيلها، أتاني أمر سيدنا الوزير خلد اللّه نعمته و حرس مدّته بما أشار إليه في أمر الحشرات، و الذي يعتمد عليه في ذلك أن الطلاق يلزمه ثلاثا إن بات هو و أحد من أهله في الدار و السلام.

و في سنة ست عشرة و خمسائة أمر الوزير أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالأجلّ المأمون البطائحيّ، و كيله أبا البركات محمد بن عثمان، برمّ شعث هذا الجامع و أن يعمر بجانبه طاحونا للسبيل، و يبتاع لها الدواب و يتخير من الصالحين الساكنين بالقرافة من يجعله أمينا عليها، و يطلق له ما يكفيه مع علف الدواب و جميع المؤن، و يشترط عليه أن يواسي بين الضعفاء و يحمل عنهم كلفة طحن أقواتهم، و يؤدّي الأمانة فيها، و لم يزل هذا

128

الجامع على عمارته إلى أن احترق في السنة التي احترق فيها جامع عمرو بن العاص سنة أربع و ستين و خمسمائة، عند نزول مرى ملك الفرنج على القاهرة و حصارها كما تقدّم ذكره عند ذكر خراب الفسطاط من هذا الكتاب، و كان الذي تولى إحراق هذا الجامع ابن سماقة بإشارة الأستاذ مؤتمن الخلافة جوهر، و هو الذي أمر المذكور بحريق جامع عمرو بمصر، و سئل عن ذلك فقال: لئلا يخطب فيه لبني العباس. و لم يبق من هذا الجامع بعد حريقه سوى المحراب الأخضر، و كان مؤذن هذا الجامع في أيام المستنصر ابن بقاء المحدّث ابن بنت عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ، ثم جدّدت عمارة هذا الجامع في أيام المستنصر بعد حريقه، و أدركته لما كانت القرافة الكبرى عامرة بسكنى السودان التكاررة، و هو مقصود للبركة. فلما كانت الحوادث و المحن في سنة ست و ثمانمائة، قلّ الساكن بالقرافة و صار هذا الجامع طول الأيام مغلوقا، و ربما أقيمت فيه الجمعة.

جامع الجيزة

بناه محمد بن عبد اللّه الخازن في المحرّم سنة خمسين و ثلاثمائة بأمر الأمير عليّ بن عبد اللّه بن الإخشيد، فتقدّم كافور إلى الخازن ببنائه، فإنه كان قد هدمه النيل و سقط في سنة أربعين و ثلاثمائة، و عمل له مستغلا، و كان الناس قبل ذلك بالجيزة يصلون الجمعة في مسجد جامع همدان، و هو مسجد مزاحف بن عامر بن بكتل، و قيل أن عقبة بن عامر في إمرته على مصر أمرهم أن يجمعوا فيه. قال التميميّ: و شارف بناء جامع الجيزة مع أبي بكر الخازن أبو الحسن بن جعفر الطحاويّ، و احتاجوا إلى عمد للجامع، فمضى الخازن في الليل إلى كنيسة بأعمال الجيزة فقلع عمدها و نصب بدلها أركانا، و حمل العمد إلى الجامع، فترك أبو الحسن بن الطحاويّ الصلاة فيه مذ ذاك تورّعا. قال التميمي: و قد كان يعني ابن الطحاويّ يصلي في جامع الفسطاط القديم و بعض عمده أو أكثرها و رخامه من كنائس الإسكندرية و أرياف مصر، و بعضه بناء قرّة بن شريك عامل الوليد بن عبد الملك.

جامع منجك‏

هذا الجامع يعرف موضعه بالثغرة تحت قلعة الجبل خارج باب الوزير، أنشأه الأمير سيف الدين منجك اليوسفيّ في مدّة وزارته بديار مصر في سنة إحدى و خمسين و سبعمائة، و صنع فيه صهريجا، فصار يعرف إلى اليوم بصهريج منجك، و رتب فيه صوفية و قرّر لهم في كل يوم طعاما و لحما و خبزا، و في كلّ شهر معلوما، و جعل فيه منبرا و رتب فيه خطيبا يصلي بالناس فيه صلاة الجمعة، و جعل على هذا الموضع عدّة أوقاف منها ناحية بلقينة بالغربية، و كانت مرصدة برسم الحاشية، فقوّمت بخمسة و عشرين ألف دينار فاشتراها من بيت المال و جعلها وقفا على هذا المكان.

129

منجك: الأمير سيف الدين اليوسفيّ، لما امتنع أحمد بن الملك الناصر محمد بن قلاون بالكرك و قام في مملكة مصر بعده أخوه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، و كان من محاصرته بالكرك ما كان إلى أن أخذ، فتوجه إليه و قطع رأسه و أحضرها إلى مصر، و كان حينئذ أحد السلاحدارية، فأعطى إمرة بديار مصر و تنقل في الدول إلى أن كانت سلطنة الملك المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد بن قلاون، فأخرجه من مصر إلى دمشق و جعله حاجبا بها موضع ابن طغريل، فلما قتل الملك المظفر و أقيم بعده أخوه الملك الناصر حسن أقيم الأمير سيف الدين يلبغاروس في نيابة السلطنة بديار مصر، و كان أخا منجك، فاستدعاه من دمشق و حضر إلى القاهرة في ثامن شوّال سنة ثمان و أربعين و سبعمائة، فرسم له بإمرة تقدمة ألف، و خلع عليه خلع الوزارة فاستقرّ وزيرا و أستادارا، و خرج في دست الوزارة و الأمراء في خدمته من القصر إلى قاعة الصاحب بالقلعة، فجلس بالشباك و نفذ أمور الدولة، ثم اجتمع الأمراء و قرأ عليهم أوراقا تتضمن ما على الدولة من المصروف، و وفر من جامكية المماليك مبلغ ستين ألف درهم في الشهر، و قطع كثيرا من جوامك الخدم و الجواري و البيوتات السلطانية، و نقص رواتب الدور من زوجات السلطان و جواريه، و قطع رواتب الأغاني، و عرض الإسطبل السلطانيّ و قطع منه عدّة أميراخورية و سراخورية و سوّاس و غلمان، و وفر من راتب الشعير نحو الخمسين إردبا في كل يوم، و قطع جميع الكلابزية و كانوا خمسين جوقة، و أبقى منهم جوقتين، و وفر جماعة من الأسرى و العتالين و المستخدمين في العمائر، و أبطل العمارة من بيت السلطان، و كانت الحوائجخاناه تحتاج في كل يوم إلى أحد و عشرين ألف درهم نقرة، فاقتطع منها مبلغ ثلاثة آلاف درهم، و بقي مصروفها في اليوم ثمانية عشر ألف درهم نقرة، فاقتطع منها مبلغ ثلاثة آلاف درهم، و بقي القاضي موفق الدين ناظر الدولة و على القاضي علم الدين بن زنبور ناظر الخواص، و رسم أن لا يستقرّ في المعاملات سوى شاهد واحد و عامل و شاد بغير معلوم، و أغلظ على الكتاب و الدواوين و هدّدهم و توعدهم فخافوه، و اجتمع بعضهم ببعض و اشتوروا في أمرهم و اتفقوا على مال يتوزعونه بينهم على قدر حال كل منهم و حملوه إلى منجك سرّا، فلم يمض من استقراره في الوزارة شهر حتى صار الكتاب و أرباب الدواوين أحباءه و أخلّاءه، و تمكنوا منه أعظم ما كانوا قبل وزارته، و حسنوا له أخذ الأموال، فطلب ولاة الأقاليم و قبض على أقبغا والي الغربية و ألزمه بحمل خمسمائة ألف درهم نقرة، و ولى عوضه الأمير استدمر القلنجيّ، ثم صرفه و ولى بدله قطليجا مملوك بكتمر، و استقرّ باستدمر القلنجي في ولاية القاهرة، و أضاف له التحدّث في الجهات، و ولى البحرية لرجل من جهته، و ولى قوص لآخر و أوقع الحوطة على موجود إسماعيل الواقدي متولى قوص، و أخذ جميع خواصه، و ولي طغاي كشف الوجه القبليّ عوضا عن علاء الدين عليّ بن الكورانيّ، و ولى ابن المزوق قوص و أعمالها، و ولى مجد الدين موسى الهدبانيّ الأشمونين عوضا عن ابن الأزكشيّ، و تسامعت‏

130

الولاة و أرباب الأعمال بأن الوزير فتح باب الأخذ على الولايات، فهرع الناس إليه من جهات مصر و الشام و حلب و قصدوا بابه، و رتب عنده جماعة برسم قضاء الأشغال، فأتاهم أصحاب الأشغال و الحوائج، و كان السلطان صغيرا حظه من السلطنة أن يجلس بالإيوان يومين في الأسبوع و يجتمع أهل الحل و العقد مع سائر الأمراء فيه، فإذا انقضت خدمة الإيوان خرج الأمير منكليبغا الفخريّ، و الأمير بيغرا، و الأمير يبلغا تتر و المجديّ، و أرلان و غيرهم من الأمراء، و يدخل إلى القصر الأمير يلبغاروس نائب السلطنة، و الأمير سيف الدين منجك الوزير، و الأمير سيف الدين شيخو العمريّ، و الأمير الجيبغا المظفريّ، و الأمير طيبرق، و يتفق الحال بينهم على ما يرونه، هذا و الوزير أخو النائب متمكن تمكنا زائدا، و قدم من دمشق جماعة للسعي عند الوزير في وظائف منهم ابن السلعوس و صلاح الدين بن المؤيد و ابن الأجل و ابن عبد الحق، و تحدّثوا مع ابن الأطروش محتسب القاهرة في أغراضهم، فسعى لهم حتى تقرّروا فيما عينوا.

و لما دخلت سنة تسع و أربعين عرف الوزير السلطان و الأمراء أنه لما ولي الوزارة لم يجد في الإهراء و لا في بيت المال شيئا، و سأل أن يكون هذا بمحضر من الحكام، فرسم للقضاة بكشف ذلك فركبوا إلى الإهراء بمصر، و إلى بيت المال بقلعة الجبل، و قد حضر الدواوين و سائر المباشرين و أشهدوا عليهم أن الأمير منجك لما باشر الوزارة لم يكن بالإهراء و لا ببيت المال قدح غلة و لا دينار و لا درهم، و قرئت المحاضر على السلطان و الأمراء، فلما كان بعد ذلك توقف أمر الدولة على الوزير فشكا إلى الأمراء من كثرة الرواتب، فاتفق الرأي على قطع نحو ستين سوّاقا، فقطعهم و وفر لحومهم و عليقهم و سائر ما باسمهم من الكساوي و غيرها، و قطع من العرب الركابة و النجابة، و من أرباب الوظائف في بيت السلطان، و من الكتاب و المباشرين ما جملته في اليوم أحد عشر ألف درهم و فتح باب المقايضات باقطاعات الأجناد، و باب النزول عن الإقطاعات بالمال، فحصل من ذلك مالا كثيرا، و حكم على أخيه نائب السلطنة بسبب ذلك، و صار الجنديّ يبيع إقطاعه لكل من أراد، سواء كان المنزول له جنيدا أو عامّيا، و بلغ ثمن الإقطاع من عشرين ألف درهم إلى ما دونها. و أخذ يسعى أن تضاف وظيفة نظر الخاص إلى الوزارة، و أكثر من الحط على ناظر الخاص، فاحترس ابن زنبور منه و شرع في إبعاده مرّة بعد مرّة مع الأمير شيخو، فمنع شيخو منجك من التحدّث في الخاص و خرج عليه فشق ذلك على منجك و افترقا عن غير رضى، فتغير يلبغاروس النائب على شيخو رعاية لأخيه. و سأل أن يعفى من النيابة، و يعفى منجك من الوزارة، و استقراره في الأستادارية و التحدّث في عمل حفر البحر، و أن يستقرّ أستدمر العمريّ المعروف برسلان بصل في الوزارة، فطلب و كان قد حضر من الكشف و ألبس خلع الوزارة في يوم الاثنين الرابع و العشرين من شهر ربيع الأوّل، و كان منجك قد عزل من الوزارة في ثالث ربيع الأوّل المذكور، و تولى أمر شدّ البحر، فجبى من الأجناد من كل مائة

131

دينار درهما، و من التجار و المتعيشين في مصر و القاهرة من كل واحد عشرة دراهم إلى خمسة دراهم إلى درهم، و من أصحاب الأملاك و الدور في مصر و القاهرة على كل قاعة ثلاثة دراهم، و على كل طبقة درهمين، و على كل مخزن أو اصطبل درهما، و جعل المستخرج في خان مسرور بالقاهرة، و المشدّ على المستخرج الأمير بيلك، فجبى مال كبير، و أما استدمر فإن أحوال الدولة توقفت في أيامه، فسأل في الإعفاء فأعفي و أعيد منجك إلى الوزارة بعد أربعين يوما، و قد تمنع تمنعا كبيرا، و لما عاد إلى الوزارة فتح باب الولايات بالمال، فقصده الناس و سعوا عنده، فولى و عزل و أخذ في ذلك مالا كثيرا. فيقال أنه أخذ من الأمير مازان لما نقله من المنوفية إلى الغربية، و من ابن الغسانيّ لما نقله من الأشمونين إلى البهنساوية، و من ابن سلمان لما ولاه منوف ستة آلاف دينار، و وفر إقطاع شادّ الدواوين و جعله باسم المماليك السلطانية، و وفر جوامكهم و رواتبهم، و شرع أوباش الناس في السعي عنده في الوظائف و المباشرات بمال، و أتوه من البلاد فقضى أشغالهم و لم يردّ أحدا طلب شيئا، و وقع في أيامه الفناء العظيم، فانحلت إقطاعات كثيرة، فاقتضى رأي الوزير أن يوفر الجوامك و الرواتب التي للحاشية، و كتب لسائر أرباب الوظائف و أصحاب الأشغال و المماليك السلطانية مثالات بقدر جوامك كل منهم، و كذلك لأرباب الصدقات، فأخذ جماعة من الأقباط و من الكتاب و من الموقعين إقطاعات في نظير جوامكهم، و توفر في الدولة مال كبير عن الجوامك و الرواتب.

و لما دخلت سنة خمسين رسم الأمير منجك الوزير لمتولي القاهرة بطلب أصحاب الأرباع، و كتابة جميع أملاك الحارات و الأزقة، و سائر أخطاط مصر و القاهرة، و معرفة أسماء سكانها، و الفحص عن أربابها ليعرف من توفر عنه ملك بموته في الفناء، فطلبوا الجميع و أمعنوا في النظر، فكان يوجد في الحارة الواحدة و الزقاق الواحد ما يزيد على عشرين دارا خالية لا يعرف أربابها، فختموا على ما وجدوه من ذلك و من الفنادق و الخانات و المخازن حتى يحضر أربابها. و في شعبان عزل ولاة الأعمال و أحضرهم إلى القاهرة، و ولى غيرهم و أضاف إلى كل وال كشف الجسور التي في عمله، و ضمن الناس سائر جهات القاهرة و مصر، بحيث أنه لا يتحدّث أحد معه من المقدّمين و الدواوين و الشادّين، و زاد في المعاملات ثلاثمائة ألف درهم، و خلع عليه و نودي له بمصر و القاهرة، فاشتدّ ظلمه و عسفه و كثرت حوادثه. فلما كانت ليالي عيد الفطر، عرّف الوزير الأمراء أن سماط العيد ينصرف عليه جملة و لا ينتفع به أحد، فأبطله و لم يعمل تلك السنة. و في ذي القعدة توقف حال الدولة و وقف مماليك السلطان و سائر المعاملين و الحوائجكاشية، و انزعج السلطان و الأمراء بسبب ذلك على الوزير، فاحتج بكثرة الكلف، و طلب الموفق ناظر الدولة فقال: إن الإنعامات قد كثرت و الكلف تزايدت، و قد كانت الحوائجخاناه في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون في اليوم ينصرف فيها مبلغ ثلاثة عشر ألف درهم، و اليوم ينصرف فيها اثنان‏

132

و عشرون ألف درهم، فكتبت أوراق بمتحصل الدولة و مصروفها، و بمتحصل الخاص و مصروفه، فجاءت أوراق الدولة و متحصلها عشرة آلاف ألف درهم، و كلفها أربعة عشر ألف ألف درهم و ستمائة ألف درهم، و وجد الأنعام من الخاص و الجيش بما خرج من البلاد زيادة على إقطاعات الأمراء، فكان زيادة على عشرين ألف دينار سوى جملة من الغلال، و أن الذي استجدّ على الدولة من حين وفاة الملك الناصر في ذي الحجة سنة إحدى و أربعين إلى مستهل المحرّم سنة خمسين و سبعمائة. و كانت جملة الإنعامات و الإقطاعات بنواحي الصعيد و الفيوم و بلاد الملك و الوجه البحريّ و ما أعطى من الرزق للخدّام و الجواري سبعمائة ألف ألف و ألف ألف و ستمائة ألف، معينة بأسماء أربابها من أمير و خادم و جارية، و كانت النساء قد أسرفن في عمل القمصان و البغالطيق، حتى كان يفضل من القميص كثير على الأرض، و سعة الكم ثلاثة أذرع، و يسمينه البهطلة، و كان يغرم على القميص ألف درهم و أكثر، و بلغ إزار المرأة إلى ألف درهم، و بلغ الخف و السرموزة إلى خمسمائة درهم، و ما دونها إلى مائة درهم. فأمر الوزير منجك بقطع أكمام النساء و أخرق بهنّ، و أمر الوالي بتتبع ذلك، و نودي بمنع النساء من عمل ذلك، و قبض على جماعة منهنّ، و ركب على سور القاهرة صور نساء عليهنّ تلك القمصان بهيئة نساء قد قتلن عقوبة على ذلك، فانكففن عن لبسها، و منع الأساكفة من عمل الأخفاف المثمنة، و نودي في القياسر من باع إزار حرير ماله للسلطان، فنودي على إزار ثمنه سبعمائة و عشرون درهما فبلغ ثمانين درهما و لم يجسر أحد أن يشتريه، و بالغ الوزير في الفحص عن ذلك حتى كشف دكاكين غسالي الثياب و قطع ما وجد من ذلك، فامتنع النساء من لبس ما أحدثنه من تلك المنكرات، و لما عظم ضرر الفار أيضا من كثرة شكاية الناس فيه، فلم يسمع فيه الوزير قولا، و قام في أمره الأمير مغلطاي أميراخور، فاستوحش منه الوزير، و اتفق أنه كان قد حج محمد بن يوسف مقدّم الدولة في محمل كبير بلغ عليق جماله في اليوم مائتي عليقة، و لما قدم في المحرّم مع الحاج أهدى للنائب و للوزير و للأمير طاز و للأمير صرغتمش هدايا جليلة، و لم يهد للأمير شيخو، و لا للأمير مغلطاي شيئا، ثم لما عاب عليه الناس ذلك أهدى بعد عدّة أيام للأمير شيخو هديه فردّها عليه، ثم أنه أنكر على الوزير في مجلس السلطان ما يفعله ولاة البر و ما عليه مقدّم الدولة من كثرة المال، و أغلظ في القول، فرسم بعزل الولاة و القبض على المقدّم محمد بن يوسف و ابن عمه المقدّم أحمد بن زيد، فلم يسع الوزير غير السكوت.

فلما كان في رابع عشري شوّال سنة إحدى و خمسين، قبض على الوزير منجك و قيد و وقعت الحوطة على سائر حواصله، فوجدت له زردخاناه حمل خمسين جملا، و لم يظهر من النقد كثير مال، فأمر بعقوبته. فلما خوّف أقرّ بصندوق فيه جوهر و قال: سائر ما كان يتحصل لي من النقد كنت اشتري به أملاكا و ضياعا و أصناف المتاجر، فأحيط بسائر أمواله و حمل إلى الإسكندرية مقيدا، و استقرّ الأمير بلبان السنانيّ نائب الكبيرة أستادارا عوض منجك‏

133

بعد حضوره منها، و أضيفت الوزارة إلى القاضي علم الدين بن زنبور ناظر الخاص، فلم يزل منجك مسجونا بالإسكندرية إلى أن خلع الملك الناصر حسن و أقيم بدله في المملكة أخوه الملك الصالح صالح، فأمر بالإفراج عن الأمير شيخو و الأمير منجك فحضرا إلى القاهرة في رجب سنة اثنتين و خمسين، و لما استقرّ الأمير منجك بالقاهرة بعث إليه الأمير شيخو خمس رؤوس خيل و ألفي دينار، و بعث إليه جميع الأمراء بالتقادم، و أقام بطالا يجلس على حصير فوقه ثوب سرج عتيق، و كلما أتاه أحد من الأمراء يبكي و يتوجع و يقول أخذ جميع مالي حتى صرت على الحصير، ثم كتب فتوى تتضمن أن رجلا مسجونا في قيد هدّد بالقتل إن لم يبع أملاكه، و أنّه خشي على نفسه القتل، فوكل في بيعها. فكتب له الفقهاء لا يصح بيع المكره. و دار على الأمراء و ما زال بهم حتى تحدّثوا له مع السلطان في ردّ أملاكه عليه، فعارضهم الأمير صرغتمش، ثم رضي أن يردّ عليه من أملاكه ما أنعم به السلطان على مماليكه، فاستردّ عدّة أملاك و أقام إلى أن قام يلبغاروس بحلب فاختفى منجك و طلب فلم يوجد، و أطلق النداء عليه بالقاهرة و مصر و هدّد من أخفاه، و ألزم عربان العائد باقتفاء أثره فلم يوقف له على خبر، و كبس عليه عدّة أماكن بالقاهرة و مصر و فتش عليه حتى في داخل الصهريج الذي بجامعه فأعيى أمره، و أدرك السلطان السفر لحرب يلبغاروس فشرع في ذلك إلى يوم الخميس رابع شعبان، فخرج الأمير طاز بمن معه.

و في يوم الاثنين سابعه، عرض الأمير شيخو و الأمير صرغتمش أطلابهما، و قد وصل الأميرا طاز إلى بلبيس فحضر إليه من أخبره أنه رأى بعض أصحاب منجك، فسير إليه و أحضره و فتشه فوجد معه كتاب منجك إلى أخيه يلبغاروس، و فيه أنه مختف عند الحسام الصفديّ استاداره، فبعث الكتاب إلى الأمير شيخو فوافاه و الأطلاب خارجة، فاستدعى بالحسام و سأله فأنكر فعاقبه الأمير صرغتمش فلم يعترف، فركب إلى بيت الحسام بجوار الجامع الأزهر و هجمه فإذا بمنجك و معه مملوك، فكتفه و سار به مشهورا بين الناس و قد هرعوا من كلّ مكان إلى القلعة، فسجن بالإسكندرية إلى أن شفع فيه الأمير شيخو فأفرج عنه في ربيع الأوّل سنة خمس و خمسين، و رسم أن يتوجه إلى صفد بطالا، فسار إليها من غير أن يعبر إلى القاهرة، فلما خلع الملك الصالح صالح و أعيد السلطان حسن في شوّال منها، نقل منجك من صفد و أنعم عليه بنيابة طرابلس عوضا عن أيتمش الناصريّ، فسار إليها و أقام بها إلى أن قبض على الأمير طاز نائب حلب في سنة تسع و خمسين، فولي منجك عوضا عنه و لم يزل بحلب إلى أن فرّ منها في سنة ستين، فلم يعرف له خبر، و عوقب بسببه خلق كثير، ثم قبض عليه بدمشق في سنة إحدى و ستين فحمل إلى مصر و عليه بشت صوف عسليّ، و على رأسه مئزر صوف، فلم يؤاخذه السلطان و أعطاه إمرة طبلخاناه ببلاد الشام، و جعله طرخاناه يقيم حيث شاء من البلاد الإسلامية، و كتب له بذلك. فلما قتل السلطان حسن و أقيم من بعده في المملكة الملك المنصور محمد بن المظفر حاجي في جمادى الأولى سنة

134

اثنتين و ستين، خامر الأمير بيدمر نائب الشام على الأمير يلبغا العمريّ القائم بتدبير دولة الملك المنصور، و وافقه جماعة من الأمراء منهم الأمير منجك، فخرج الأمير يلبغا بالمنصور و العساكر من قلعة الجبل إلى البلاد الشامية، فوافى دمشق و مشى الناس بينه و بين الأمير بيدمر حتى تمّ الصلح، و حلف الأمير يلبغا أنه لا يؤذي بيدمر و لا منجك، فنزلا من قلعة دمشق و قيدهما و بعث بهما إلى الإسكندرية فسجنا بها إلى أن خلع الأمير يلبغا المنصور و أقام بدله الملك الأشرف شعبان بن حسين و قتل الأمير يلبغا، فأفرج الملك الأشرف عن منجك و ولاه نيابة السلطنة بدمشق عوضا عن الأمير عليّ الماردانيّ في جمادى الأولى سنة تسع و ستين، فلم يزل في نيابة دمشق إلى أن حضر إلى السلطان زائرا في سنة سبعين بتقادم كثيرة جليلة، و عاد إلى دمشق و أقام بها إلى أن استدعاه السلطان في سنة خمس و سبعين إلى مصر و فوّض إليه نيابه السلطنة بديار مصر، و عمله أتابك العساكر و جعل تدبير المملكة إليه، و أن يخرج الأمّهات للبلاد الشامية، و أن يولي ولاة أقاليم مصر و الكشاف و يخرج الإقطاعات بمصر من عبرة ستمائة دينار إلى ما دونها، و كانت عادة النوّاب قبله أن لا يخرج من الإقطاعات إلّا ما عبرته أربعمائة دينار فما دونها، فعمل النيابة على قالب جائر و حرمة وافرة إلى أن مات حتف أنفه في يوم الخميس التاسع و العشرين من ذي الحجة سنة ست و سبعين و سبعمائة، و له من العمر نيف و ستون سنة، و شهد جنازته سائر الأعيان، و دفن بتربته المجاورة لجامعه هذا، و له سوى الجامع المذكور من الآثار بديار مصر خان منجك في القاهرة، و دار منجك برأس سويقة العزي بالقرب من مدرسة السلطان حسن، و له بالبلاد الشامية عدّة آثار من خانات و غيرها رحمه اللّه.

الجامع الأخضر

هذا الجامع خارج القاهرة بخط فم الخور، عرف بذلك لأنّ بابه و قبته فيهما نقوش و كتابات خضر، و الذي أنشأه خازندار الأمير شيخو و اسمه ... (1).

جامع البكجريّ‏

هذا الجامع بحكر البكجريّ قريبا من الدكة، تعطلت الصلاة فيه منذ خربت تلك الجهات.

جامع السروجيّ‏

هذا الجامع بحكر ... (2).

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) بياض في الأصل.

135

جامع كرجي‏

هذا الجامع بحكر أقوش.

جامع الفاخريّ‏

هذا الجامع بسويقة الخادم الطواشي شهاب الدين فاخر المنصوريّ مقدّم المماليك السلطانية، و مات في سابع ذي الحجة سنة سبع و ثمانمائة، و كان ذا مهابة و أخلاق حسنة مع سطوة شديدة، و لهم بلبان الفاخريّ الأمير سيف الدين نقيب الجيوش، مات في سنة سبع و تسعين و ستمائة، و ولي نقابة الجيش بعد طيبرس الوزيريّ، و كان جوادا عارفا بأمر الأجناد خيرا كثير الترف.

جامع ابن عبد الظاهر

هذا الجامع بالقرافة الصغرى قبليّ قبر الليث بن سعد، كان موضعه يعرف بالخندق، أنشأه القاضي فتح الدين محمد بن عبد اللّه بن عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر الجذاميّ السعديّ الروحيّ من ولد روح بن زنباع الجذاميّ، بجوار قبر أبيه، و أوّل ما أقيمت به الخطبة في يوم الجمعة الرابع و العشرين من صفر سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة، و كان يوما مشهودا لكثرة من حضر من الأعيان. ولد بالقاهرة في ربيع الآخر سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة، و سمع من ابن الجميزيّ و غيره، و حدّث و كتب في الإنشاء، و ساد في دولة المنصور قلاون بعقله و رأيه و همته، و تقدّم على والده القاضي محيي الدين و هو ماهر في الإنشاء و الكتابة، بحيث كان من جملة من يصرّفهم بأمره و نهيه، و كان الملك المنصور يعتمد عليه و يثق به، و لما ولي القاضي فخر الدين بن لقمان الوزارة قال له الملك المنصور: من يلي عوضك كتابة السرّ؟ فقال القاضي: فتح الدين بن عبد الظاهر، فولّاه كتابة السرّ عوضا عن ابن لقمان، و تمكن من السلطان و حظي عنده، حتى أنّ الوزير فخر الدين بن لقمان ناول السلطان كتابا فأحضر ابن عبد الظاهر لقراءته على عادته، فلما أخذ الكتاب من السلطان أمر الوزير أن يتأخر حتى يقرأه فتأخر الوزير، ثم إن ابن لقمان صرف عن الوزارة و أعيد إلى ديوان الإنشاء فتأدّب معه، فلما ولي وزارة الملك الأشرف خليل بن قلاون شمس الدين بن السلعوس قال لفتح الدين: اعرض عليّ كل يوم ما تكتبه. فقال: لا سبيل لك إلى ذلك و لا يطلع على أسرار السلطان إلّا هو، فإن اخترتم و إلّا عينوا عوضي، فلما بلغ السلطان ذلك قال: صدق و لم يزل على حاله إلى أن مات، و أبوه حيّ بدمشق في النصف من شهر رمضان سنة إحدى و تسعين و سبعمائة، فوجد في تركته قصيدة مرثية قد عملها في رفيقه تاج الدين أحمد بن سعيد بن محمّد بن الأثير لما مرض و طال مرضه، فاتفق أن عوفي ابن الأثير و لم يتأخر ابن عبد الظاهر بعد عافيته سوى ليال يسيرة و مرض و مات، فرثاه ابن الأثير بعد موته و ولى‏

136

وظيفة كتابة السرّ عوضا عنه، و لم يكن ابن عبد الظاهر مجيدا في صناعة الإنشاء إلّا أنه دبر الديوان و باشره أحسن مباشرة و من شعره:

إن شئت تنظرني و تنظر حالتي‏* * * فانظر إذا هبّ النسيم قبولا

فتراه مثلي رقة و لطافة* * * و لأجل قلبك لا أقول عليلا

فهو الرسول إليك مني ليتني‏* * * كنت اتخذت مع الرسول سبيلا

و لم يزل هذا الجامع عامرا إلى أن حدثت المحن في سنة ست و ثمانمائة، و اختلت القرافة لخراب ما حوله، و هو اليوم قائم على أصوله.

جامع بساتين الوزير التي على بركة الحبس‏ (1) جامع الخندق‏

هذا الجامع بناحية الخندق خارج القاهرة، و لم يزل عامرا بعمارة الخندق، فلما خربت مساكن الخندق تلاشى أمره و نقلت منه الجمعة و بقي معطلا إلى شعبان سنة خمس عشرة و ثمانمائة، فأخذ الأمير طوغان الحسنيّ الدوادار عمده الرخام و سقوفه و ترك جدرانه و منارته، و هي باقية و عما قليل تدثر كما دثر غيرها مما حولها.

جامع جزيرة الفيل‏ (2) جامع الطواشي‏

هذا الجامع خارج القاهرة فيما بين باب الشعرية و باب البحر، أنشأه الطواشي جوهر السحرتيّ اللالا، و هو من خدّام الملك الناصر محمد بن قلاون، ثم إنه تأمّر في تاسع عشري شهر رجب سنة خمس و أربعين و سبعمائة.

جامع كراي‏

هذا الجامع بالريدانية خارج القاهرة، عمره الأمير سيف الدين كراي المنصوريّ في سنة إحدى و سبعمائة لكثرة ما كان هناك من السكان، فلما خربت تلك الأماكن تعطل هذا الجامع و هو الآن قائم و جميع ما حوله داثر، و عما قليل يدثر.

جامع القلعة

هذا الجامع بقلعة الجبل أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة ثمان عشرة

____________

(1) هكذا ورد في الأصل.

(2) هكذا ورد في الأصل.

137

و سبعمائة، و كان أوّلا مكانه جامع قديم و بجواره المطبخ السلطانيّ و الحوائجخاناه و الفراشخاناه، فهدم الجميع و أدخلها في هذا الجامع، و عمره أحسن عمارة و عمل فيه من الرخام الفاخر الملوّن شيئا كثيرا، و عمر فيه قبة جليلة و جعل عليه مقصورة من حديد بديعة الصنعة، و في صدر الجامع مقصورة من حديد أيضا برسم صلاة السلطان، فلما تمّ بناؤه جلس فيه السلطان بنفسه و استدعى جميع المؤذنين بالقاهرة و مصر و سائر الخطباء و القرّاء، و أمر الخطباء فخطب كلّ منهم بين يديه، و قام المؤذنون فأذنوا، و قرأ القرّاء، فاختار الخطيب جمال الدين محمد بن محمد بن الحسن القسطلانيّ خطيب جامع عمرو و جعله خطيبا بهذا الجامع، و اختار عشرين مؤذنا رتبهم فيه، و جعل به قراء و درسا و قاري‏ء مصحف، و جعل له من الأوقاف ما يفضل عن مصارفه، فجاء من أجلّ جوامع مصر و أعظمها و به إلى اليوم يصلي سلطان مصر صلاة الجمعة، و الذي يخطب فيه و يصلي بالناس الجمعة قاضي القضاة الشافعيّ.

جامع قوصون‏

هذا الجامع داخل باب القرافة تجاه خانقاه قوصون، أنشأه الأمير سيف الدين قوصون، و عمر بجانبه حماما، فعمرت تلك الجهة من القرافة بجماعة الخانقاه و الجامع، و هو باق إلى يومنا.

جامع كوم الريش‏

هذا الجامع عمارة دولات شاه.

جامع الجزيرة الوسطى‏

أنشأه الطواشي مثقال خادم تذكار ابنة الملك الظاهر بيبرس و هو عامر إلى يومنا هذا.

جامع ابن صارم‏

هذا الجامع بخط بولاق خارج القاهرة أنشأه محمد بن صارم شيخ بولاق فيما بين بولاق و باب البحر.

جامع الكيمختي‏

هذا الجامع يعرف اليوم بجامع الجنيّة، و هو بجانب موضع الكيمخت على شاطى‏ء الخليج من جملة أرض الطبالة، كان موضعه دارا اشتراها معلم الكيمخت، و كان يعرف بالحمويّ، و عملها جامعا فضمن المعلم بعده رجل يعرف بالرومي فوقف عليه مواضع و جدّد له مئذنة في جمادى الأولى سنة اثنتين و ثمانمائة، و وسع في الجامع قطعة كانت‏

138

منشرا، و كان قبل ذلك قد جدّد عمارته شخص يعرف بالفقيه زين الدين ريحان بعد سنة تسعين و سبعمائة، و عمر بجانبه مساكن، و هو الآن عامر بعمارة ما حوله.

جامع الست مسكة

هذا الجامع بالقرب من قنطرة آق سنقر التي على الخليج الكبير خارج القاهرة، أنشأته الست مسكة جارية الملك الناصر محمد بن قلاون، و أقيمت فيه الجمعة عاشر جمادى الآخرة سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و قد ذكرت مسكة هذه عند ذكر الأحكار.

جامع ابن الفلك‏

هذا الجامع بسويقة الجميزة من الحسينية خارج القاهرة، أنشأه مظفر الدين بن الفلك.

جامع التكروريّ‏

هذا الجامع في ناحية بولاق التكروريّ، و هذه الناحية من جملة قرى الجيزة، كانت تعرف بمنية بولاق، ثم عرف ببولاق التكروريّ، فإنه كان نزل بها الشيخ أبو محمد يوسف بن عبد اللّه التكروريّ، و كان يعتقد فيه الخير و جرّبت بركة دعائه و حكيت عنه كرامات كثيرة، منها أن امرأة خرجت من مدينة مصر تريد البحر، فأخذ السودان ابنها و ساروا به في مركب و فتحوا القلع، فجرت السفينة و تعلقت المرأة بالشيخ تستغيث به، فخرج من مكانه حتى وقف على شاطي‏ء النيل و دعا اللّه سبحانه و تعالى فسكن الريح و وقفت السفينة عن السير، فنادى من في المركب يطلب منهم الصبيّ فدفعوه إليه و ناوله لأمّه، و كان بمصر رجل دباغ أتاه عفص فأخذه منه أصحاب السلطان، فأتى إلى الشيخ و شكا إليه ضرورته، فدعا ربه فردّ اللّه عليه عفصه بسؤال أصحاب السلطان له في ذلك، و كان يقال له لم لا تسكن المدينة فيقول: إني أشمّ رائحة كريهة إذا دخلتها. و يقال أنه كان في خلافة العزيز بن المعز، و أن الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ جمع له جزأ في مناقبه، و لما مات بني عليه قبة و عمل بجانبه جامع جدّده و وسعه الأمير محسن الشهابيّ مقدّم المماليك، و ولى تقدمة المماليك عوضا عن الطواشي عنبر السحرتيّ، أوّل صفر سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة و مات في ... (1) ثم أن النيل مال على ناحية بولاق هذه فيما بعد سنة تسعين و سبعمائة، و أخذ منها قطعة عظيمة كانت كلها مساكن، فخاف أهل البلدان أن يأخذ ضريح الشيخ و الجامع لقربهما منه، فنقلوا الضريح و الجامع إلى داخل البلد و هو باق إلى يومنا هذا.

____________

(1) بياض في الأصل.

139

جامع البرقية

هذا الجامع بالقرب من باب البرقية بالقاهرة، عمره الأمير مغلطاي الفخريّ أخو الأمير الماس الحاجب، و كمل في المحرّم سنة ثلاثين و سبعمائة، و كان ظالما عسوفا متكبرا جبارا، قبض عليه مع أخيه الماس في سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة و قتل معه.

جامع الحرّانيّ‏

هذا الجامع بالقرافة الصغرى في بحري الشافعيّ، عمره ناصر الدين بن الحرّانيّ الشرابيشيّ في سنة تسع و عشرين و سبعمائة.

جامع بركة

هذا الجامع بالقرب من جامع ابن طولون، يعرف خطه بحدرة ابن قميحة، عمره شخص من الجند يعرف ببركة، كان يباشر أستادارية الأمراء و مات بعد سنة إحدى و ثمانمائة.

جامع بركة الرطليّ‏

هذا الجامع كان يعرف موضعه ببركة الفول من جملة أرض الطبالة، فلما عمرت بركة الرطليّ كما تقدّم ذكره أنشئ هذا الجامع، و كان ضيقا قصير السقف، و فيه قبة تحتها قبر يزار، و هو قبر الشيخ خليل بن عبد ربه خادم الشيخ عبد العال، و توفي في المحرّم سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة، فلما سكن الوزير الصاحب سعد الدين إبراهيم بن بركة البشريّ بجوار هذا الجامع هدمه و وسع فيه و بناه هذا البناء في سنة أربع عشرة و ثمانمائة. و ولد البشريّ في سابع ذي القعدة سنة ست و ستين و سبعمائة، و تنقل في الخدم الديوانية حتى ولي نظر الدولة إلى أن قتل الأمير جمادي الدين يوسف الأستادار، فاستقرّ بعده في الوزارة بسفارة فتح الدين فتح اللّه بن كاتب السرّ في يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة و ثمانمائة، فباشر الوزارة بضبط جيد لمعرفته الحساب و الكتابة، إلّا أنها كانت أيام محن احتاج فيها إلى وضع يده و أخذ الأموال بأنواع الظلم، فلما قتل الملك الناصر فرج و استبدّ الملك المؤيد شيخ صرفه عن الوزارة في يوم الخميس خامس جمادى الأولى سنة ست عشرة و ثمانمائة، و دفن بالقرافة، و هذا الجامع عامر بعمارة ما حوله.

جامع الضوة

هذا الجامع فيما بين الطبلخاناه السلطانية و باب القلعة المعروف بباب المدرّج على رأس الضوّة، أنشأه الأمير الكبير شيخ المحمودي لما قدم من دمشق بعد قتل الملك الناصر فرج، و إقامة الخليفة أمير المؤمنين المستعين بالله العباسيّ ابن محمد في سنة خمس عشرة

140

و ثمانمائة، و سكن بالإصطبل السلطانيّ فشرع في بناء دار يسكنها، فلما استبدّ بسلطنة مصر و تلقب بالملك المؤيد استغنى عن هذه الدار، و كانت لم تكمل، فعملها جامعا و خانقاه، و صارت الجمعة تقام به.

جامع الحوش‏

هذا الجامع في داخل قلعة الجبل بالحوش السلطانيّ، أنشأه السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق في سنة اثنتي عشرة و ثمانمائة، فصار يصلي فيه الخدّام و أولاد الملوك من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون إلى أن قتل الناصر فرج.

جامع الاصطبل‏

هذا الجامع في الإصطبل السلطانيّ من قلعة الجبل عمره ... (1).

جامع ابن التركمانيّ‏ (2)

هذا الجامع بالمقس خارج القاهرة.

جامع ... (3)

هذا الجامع بخط السبع سقايات فيما بين القاهرة و مصر يطلّ على بركة قارون أنشأه ... (4).

جامع الباسطيّ‏

هذا الجامع في بولاق خارج القاهرة، أدركت موضعه و هو مطلّ على النيل طول السنة، أنشأه شخص من عرض الفقهاء يعرف ... (5) في سنة سبع عشرة و ثمانمائة.

جامع الحنفيّ‏

هذا الجامع خارج القاهرة أنشأه الشيخ شمس الدين محمد بن حسن بن عليّ الحنفيّ، في سنة سبع عشرة و ثمانمائة.

جامع ابن الرفعة

هذا الجامع خارج القاهرة بحكر الزهريّ، أنشأه الشيخ فخر الدين عبد المحسن بن الرفعة بن أبي المجد العدويّ.

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) بياض في الأصل.

(3) بياض في الأصل.

(4) بياض في الأصل.

(5) بياض في الأصل.

141

جامع الإسماعيليّ‏

أنشأه الأمير أرغون الإسماعيليّ على البركة الناصرية في شعبان سنة ثمان و أربعين و سبعمائة.

جامع الزاهد

هذا الجامع بخط المقس خارج القاهرة، كان موضعه كوم تراب فنقله الشيخ المعتقد أحمد بن ... (1) المعروف بالزاهد، و أنشأ موضعه هذا الجامع، فكمل في شهر رمضان سنة ثمان عشرة و ثمانمائة، و هدم بسببه عدّة مساجد قد خرب ما حولها، و بني بأنقاضها هذا الجامع، و كان ساكنا مشهورا بالخير يعظ الناس بالجامع الأزهر و غيره، و لطائفة من الناس فيه عقيدة حسنة، و لم يسمع عنه إلّا خير، مات يوم الجمعة سابع عشر شهر ربيع الأوّل سنة تسع عشرة و ثمانمائة، أيام الطاعون و دفن بجامعه.

جامع ابن المغربيّ‏

هذا الجامع بالقرب من بركة قرموط مطلّ على الخليج الناصريّ، أنشأه صلاح الدين يوسف بن المغربيّ رئيس الأطباء بديار مصر و بنى بجانبه قبة دفن فيها و عمل به درسا و قرّاء و منبرا يخطب عليه في يوم الجمعة، و كان عامرا بعمارة ما حوله، فلما خرب خط بركة قرموط تعطل و هو آيل إلى أن ينقض و يباع كما بيعت أنقاض غيره.

جامع الفخريّ‏

هذا الجامع بجوار دار الذهب التي عرفت بدار بها در الأعسر المجاورة لقبو الذهب من خط بين السورين فيما بين الخوخة و باب سعادة، و يتوصل إليه أيضا من درب العدّاس المجاورة لحارة الوزيرية، أنشأه الأمير فخر الدين عبد الغنيّ بن الأمير تاج الدين عبد الرزاق بن أبي الفرج الأستادار في سنة إحدى و عشرين و ثمانمائة، و خطب فيه يوم الجمعة ثامن عشري شعبان من السنة المذكورة، و عمل فيه عدّة دروس، و أوّل من خطب فيه الشيخ ناصر الدين محمد بن عبد الوهاب بن محمد البارنباريّ الشافعيّ، ثم تركه تنزها عنه، و في يوم الأحد ثامن شهر رمضان جلس فيه الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماويّ الشافعيّ للتدريس، و أضيف إليه مشيخة التصوّف، و قرّر قاضي القضاة شمس الدين محمد الديريّ المقدسيّ الحنفيّ في تدريس الحنفية، و في تدريس المالكية قاضي القضاة جمال الدين عبد اللّه بن مقداد المالكي، و حضر البرماويّ وظيفة التصوّف بعد عصر يومه، فمات الأمير فخر الدين في نصف شوّال منها و لم يكمل فدفن هناك.

____________

(1) بياض في الأصل.

142

الجامع المؤيدي‏

هذا الجامع بجوار باب زويلة من داخله، كان موضعه خزانة شمائل حيث يسجن أرباب الجرائم، و قيسارية سنقر الأشقر، و درب الصفيرة، و قيسارية بهاء الدين أرسلان.

أنشأه السلطان الملك المؤيد أبو النصر شيخ المحموديّ الظاهري، فهو الجامع لمحاسن البنيان، الشاهد بفخامة أركانه و ضخامة بنيانه، أن منشئه سيد ملوك الزمان، يحتقر الناظر له عند مشاهدته عرش بلقيس و إيوان كسرى أنو شروان، و يستصغر من تأمل بديع أسطوانه الخورنق و قصر غمدان، و يعجب من عرف أوّليته من تبديل الأبدال، و تنقل الأمور من حال إلى حال بينا هو سجن تزهق فيه النفوس و يضام المجهود، إذ صار مدارس آيات و موضع عبادات و محل سجود، فاللّه يعمره ببقاء منشئه و يعلي كلمة الأيمان بدوام ملك بانيه.

همم الملوك إذا أراد و اذكرها* * * من بعدهم فبألسن البنيان‏

أو ما ترى الهرمين قد بقيا و كم‏* * * ملك محاه حوادث الأزمان‏

إنّ البناء إذا تعاظم قدره‏* * * أضحى يدل على عظيم الشان‏

و أوّل ما ابتدئ به في أمر هذا الجامع، أن رسم في رابع شهر ربيع الأوّل سنة ثمان عشرة و ثمانمائة، بانتقال سكان قيسارية سنقر الأشقر التي كانت تجاه قيسارية الفاضل، ثم نزل جماعة من أرباب الدولة في خامسه من قلعة الجبل، و ابتدئ في الهدم في القيسارية المذكورة، و ما يجاورها، فهدمت الدور التي كانت هناك في درب الصفيرة، و هدمت خزانة شمائل فوجد بها من رمم القتلى و رؤوسهم شي‏ء كثير، و أفرد لنقل ما خرج من التراب عدّة من الجمال و الحمير بلغت علائقهم في كل يوم خمسمائة عليقة. و كان السبب في اختيار هذا المكان دون غيره أن السلطان حبس في خزانة شمائل هذه أيام تغلّب الأمير منطاش و قبضه على المماليك الظاهرية، فقاسى في ليلة من البق و البراغيث شدائد، فنذر للّه تعالى إن تيسر له ملك مصر أن يجعل هذه البقعة مسجدا للّه عز و جلّ، و مدرسة لأهل العلم، فاختار لذلك هذه البقعة وفاء لنذره.

و في رابع جمادى الآخرة كان ابتداء حفر الأساس، و في خامس صفر سنة تسع عشرة و ثمانمائة. وقع الشروع في البناء، و استقرّ فيه بضع و ثلاثون بنّاء، و مائة فاعل، و وفيت لهم و لمباشريهم أجورهم من غير أن يكلف أحد في العمل فوق طاقته، و لا سخّر فيه أحد بالقهر، فاستمرّ العمل إلى يوم الخميس سابع عشر ربيع الأوّل، فأشهد عليه السلطان أنه وقف هذا مسجدا للّه تعالى، و وقف عليه عدّة مواضع بديار مصر و بلاد الشام، و تردّد ركوب السلطان إلى هذه العمارة عدّة مرار. و في شعبان طلبت عمد الرخام و ألواح الرخام لهذا الجامع، فأخذت من الدور و المساجد و غيرها، و في يوم الخميس سابع عشري شوّال نقل‏

143

باب مدرسة السلطان حسن بن محمد بن قلاون و التنور النحاس المكفت إلى هذه العمارة، و قد اشتراهما السلطان بخمسمائة دينار، و هذا الباب هو الذي عمل لهذا الجامع، و هذا التنور هو التنور المعلق تجاه المحراب، و كان الملك الظاهر برقوق قد سدّ باب مدرسة السلطان حسن و قطع البسطة التي كانت قدّامه كما تقدّم، فبقي مصراعا الباب و السدّ من ورائهما حتى نقلا مع التنور الذي كان معلقا هناك. و في ثامن عشرية دفنت ابنة صغيرة للسلطان في موضع القبة الغربية من هذا الجامع، و هي ثاني ميت دفن بها، و انعقدت جملة ما صرف في هذه العمارة إلى سلخ ذي الحجة سنة تسع عشرة على أربعين ألف دينار، ثم نزل السلطان في عشري المحرّم إلى هذه العمارة و دخل خزانة الكتب التي عملت هناك، قد حمل إليها كتبا كثيرة في أنواع العلوم، كانت بقلعة الجبل، و قدّم له ناصر الدين محمد البارزيّ كاتب السرّ خمسمائة مجلد، قيمتها ألف دينار، فأقرّ ذلك بالخزانة و أنعم على ابن البارزيّ بأن يكون خطيبا و خازن المكتب هو و من بعده من ذرّيته.

و في سابع عشر شهر ربيع الآخر منها سقط عشرة من الفعلة، مات منهم أربعة و حمل ستة بأسوإ حال. و في يوم الجمعة ثاني جمادى الأولى أقيمت الجمعة به، و لم يكمل منه سوى الإيوان القبليّ، و خطب و صلّى بالناس عز الدين عبد السلام المقدسيّ أحد نوّاب القضاة الشافعية نيابة عن ابن البارزيّ كاتب السرّ. و في يوم السبت خامس شهر رمضان منها ابتدئ بهدم ملك بجوار ربع الملك الظاهر بيبرس، مما اشتراه الأمير فخر الدين عبد الغنيّ بن أبي الفرج الاستادار ليعمل ميضأة، و استمرّ العمل هناك و لازم الأمير فخر الدين الإقامة بنفسه، و استعمل مماليكه و الزامه فيه وجدّ في العمل كلّ يوم، فكملت في سلخه بعد خمسة و عشرين يوما، و وقع الشروع في بناء حوانيت على بابها من جهة تحت الربع، و يعلوها طباق، و بلغت النفقة على الجامع إلى أخريات شهر رمضان هذا، سوى عمارة الأمير فخر الدين المذكور، زيادة على سبعين ألف دينار، و تردّد السلطان إلى النظر في هذا الجامع غير مرّة. فلما كان في أثناء شهر ربيع الآخر سنة إحدى و عشرين ظهر بالمئذنة التي أنشئت على بدنة باب زويلة التي تلي الجامع إعوجاج إلى جهة دار التفاح، فكتب محضر بجماعة المهندسين أنها مستحقة الهدم، و عرض على السلطان فرسم بهدمها، فوقع الشروع في الهدم يوم الثلاثاء رابع عشرية، و استمرّ في كل يوم، فسقط يوم الخميس سادس عشرية منها حجر هدم ملكا تجاه باب زويلة، هلك تحته رجل، فغلق باب زويلة خوفا على المارّة من يوم السبت إلى آخر يوم الجمعة سادس عشري جمادى الأولى، مدّة ثلاثين يوما، و لم يعهد وقوع مثل هذا قط منذ بنيت القاهرة. و قال أدباء العصر في سقوط المنارة المذكورة شعرا كثيرا، منه ما قاله حافظ الوقت شهاب الدين أحمد بن عليّ بن حجر الشافعيّ رحمه اللّه:

لجامع مولانا المؤيد رونق‏* * * منارته تزهو من الحسن و الزين‏

144

تقول و قد مالت عليهم تمهّلوا* * * فليس على جسمي أضرّ من العين‏

فتحدّث الناس أنه في قوله بالعين قصد التورية لتخدم في العين التي تصيب الأشياء فتتلفها، و في الشيخ بدر الدين محمود العينتابيّ فإنه يقال له العينيّ أيضا.

فقال المذكور يعارضه:

منارة كعروس الحسن إذ جليت‏* * * و هدمها بقضاء اللّه و القدر

قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط* * * ما أوجب الهدم إلّا خشية الحجر

يعرّض بالشهاب ابن حجر و كل منهما لم يصب الغرض، فإن العينيّ بدر الدين محمودا ناظر الأحباس، و الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر، كل منهما ليس له في المئذنة تعلق حتى تخدم التورية، و أقعد منهما بالتورية من قال:

على البرج من بابي زويلة أسّست‏* * * منارة بيت اللّه و المعهد المنجي‏

فأخلى بها البرج اللعين أمالها* * * ألا فاصرخوا يا قوم باللّعن للبرج‏

و ذلك أن الذي ولى تدبير أمر الجامع المؤيديّ هذا، و ولى نظر عمارته بهاء الدين محمد بن البرجيّ، فخدمت التورية في البرجي كما ترى، و تداول هذا الناس فقال آخر:

عتبنا على ميل المنار زويلة* * * و قلنا تركت الناس بالميل في هرج‏

فقال قريني برج نحس أمالني‏* * * فلا بارك الرحمن في ذلك البرج‏

و قال الأديب شمس الدين محمد بن أحمد بن كمال الجوجريّ أحد الشهود:

منارة لثواب اللّه قد بنيت‏* * * فكيف هدّت فقالوا نوضح الخبرا

أصابت العين أحجارا بها انفلقت‏* * * و نظرة العين قالوا تفلق الحجرا

و قال آخر:

منارة قد هدمت بالقضا* * * و الناس في هرج و في رهج‏

أمالها البرج فمالت به‏* * * فلعنة اللّه على البرج‏

و في ثالث جمادى الأولى سنة اثنتين و عشرين استقرّ الشيخ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر في تدريس الشافعية، و الشيخ يحيى بن محمد بن أحمد العجيسيّ البجائيّ المغربيّ في تدريس المالكية، و عز الدين عبد العزيز بن عليّ بن الفخر البغداديّ في تدريس الحنابلة، و خلع عليهم بحضرة السلطان، فدرس ابن حجر بالمحراب في يوم الخميس ثالث عشرة، و نزل السلطان و أقبل ليحضر عنده، و هو في إلقاء الدرس و منعه من القيام له، فلم يقم و استمرّ فيما هو بصدده، و جلس السلطان عنده مليا، ثم درّس يحيى‏

145

المغربيّ في يوم الخميس خامس عشرة، و درّس فيه أيضا الفخر البغداديّ، و حضر معهما قضاة القضاة و المشايخ. و في سابع عشرة استقرّ بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العينتابيّ ناظر الأحباس في تدريس الحديث النبويّ، و استقرّ شمس الدين محمد بن يحيى في تدريس القراءات السبع. و في يوم الجمعة حادي عشرة شوّال منها نزل السلطان إلى هذا الجامع و قد تقدّم إلى المباشرين من أمسه بتهيئة السماط العظيم للمدّة فيه، و السّكّر الكثير لتملأ البركة التي بالصحن من السّكّر المذاب و الحلوى الكثيرة، فهيى‏ء ذلك كله و جلس السلطان بكرة النهار بالقرب من البركة في الصحن على تخت، و استعرض الفقهاء فقرّر من وقع اختياره عليه في الدروس، و مدّ السماط العظيم بأنواع المطاعم، و ملئت البركة بالسّكّر المذاب، فأكل الناس و نهبوا و ارتووا من السّكّر المذاب و حملوا منه و من الحلوى ما قدروا عليه. ثم طلب قاضي القضاة شمس الدين محمد بن سعد الديريّ الحنفيّ و خلع عليه كاملية صوف بفرو سمور، و استقرّ في مشيخة التصوّف و تدريس الحنفية، و جلس بالمحراب و السلطان عن يمينه و يليه ابنه المقام الصارميّ إبراهيم، و عن يساره قضاة القضاة و مشايخ العلم، و حضر أمراء الدولة و مباشروها، فألقى درسا مفيدا إلى أن قرب وقت الصلاة، فدعا بفض المجلس، ثم حضرت الصلاة فصعد ناصر الدين محمد بن البارزيّ كاتب السرّ المنبر فخطب و صلّى، ثم خلع عليه و استقرّ خطيبا و خازن الكتب، و خلع على شهاب الدين أحمد الأذرعيّ الإمام و استقرّ في إمامة الخمس و ركب السلطان و كان يوما مشهودا. و لما مات المقام الصارميّ إبراهيم بن السلطان دفن بالقبة الشرقية و نزل السلطان حتى شهد دفنه في يوم الجمعة ثاني عشري جمادى الآخرة سنة ثلاث و عشرين، و أقام حتى صلّى به الخطيب محمد البارزيّ كاتب السرّ صلاة الجمعة بعد ما خطب خطبة بليغة، ثم عاد إلى القلعة و أقام القرّاء على قبره يقرءون القرآن أسبوعا و الأمراء و سائر أهل الدولة يتردّدون إليه، و كانت ليالي مشهودة. و في يوم السبت آخره استقرّ في نظر الجامع المذكور الأمير مقبل الدوادار و كاتب السرّ ابن البارزيّ، فنزلا إليه جميعا و تفقدا أحواله و نظرا في أموره، فلما مات ابن البارزي في ثامن شوّال منها انفرد الأمير مقبل بالتحدّث إلى أن مات السلطان في يوم الاثنين ثامن المحرّم سنة أربع و عشرين و ثمانمائة، فدفن بالقبة الشرقية و لم تكن عمرت، فشرع في عمارتها حتى كملت في شهر ذي القعدة منها، و كذلك الدرج التي يصعد منها إلى باب هذا الجامع من داخل باب زويلة، لم تعمل إلّا في شهر رمضان منها، و بقيت بقايا كثيرة من حقوق هذا الجامع لم تعمل منها القبة التي تقابل القبة المدفون تحتها السلطان و البيوت المعدّة لسكن الصوفية و غير ذلك، فأفرد لعمارتها نحو من عشرين ألف دينار و استقرّ نظر هذا الجامع بعد موت السلطان بيد كاتب السرّ.

الجامع الأشرفيّ‏

هذا الجامع فيما بين المدرسة السيوفية و قيسارية العنبر، كان موضعه حوانيت تعلوها

146

رباع و من ورائها ساحات كانت قياسر بعضها وقف على المدرسة القطبية، فابتدأ الهدم فيها بعد ما استبدلت بغيرها أوّل شهر رجب سنة ست و عشرين و ثمانمائة، و بنى مكانها، فلما عمر الإيوان القبليّ أقيمت به الجمعة في سابع جمادى الأولى سنة سبع و عشرين، و خطب به الحمويّ الواعظ و قد ولى الخطابة المذكورة.

الجامع الباسطيّ‏

هذا الجامع بخط الكافوريّ من القاهرة، كان موضعه من جملة أراضي البستان، ثم صار مما اختط كما تقدّم ذكره، فأنشأه القاضي زين الدين عبد الباسط بن خليل بن إبراهيم الدمشقيّ ناظر الجيوش في سنة اثنتين و عشرين و ثمانمائة، و لم يسخر أحدا في عمله بل وفيّ لهم أجورهم حتى كمل في أحسن هندام و أكيس قالب و أبدع زيّ ترتاح النفوس لرؤيته و تبتهج عند مشاهدته، فهو الجامع الزاهر و المعبد الباهي الباهر، ابتدئ فيه بإقامة الجمعة في يوم الجمعة الثاني من صفر سنة ثلاث و عشرين، و رتب في خطابته فتح الدين أحمد بن محمد بن النقاش أحد شهود الحوانيت و موقعي القضاة، ثم رتب به صوفية، و ولى مشيخة التصوّف عز الدين عبد السلام بن داود بن عثمان المقدسيّ الشافعيّ، أحد نوّاب الحكم، فكان ابتداء حضورهم بعد عصر يوم السبت أوّل شهر رجب منها، و أجرى للفقراء الصوفية الخبز في كلّ يوم، و المعلوم في كلّ شهر، و بنى لهم مساكن و حفر صهريجا يملأ من ماء النيل و يسبل في كل يوم، فعمّ نفعه و كثر خيره. ثم تجدّد في بولاق جامع ابن الجابي و جامع ابن السنيتيّ، و تجدّد في مصر جامع الحسنات بخط دار النحاس، و في حكر الصبان الجامع المعروف بالمستجد، و بجامع الفتح، و في حارة الفقراء جامع عبد اللطيف الطواشيّ الساقي. و تجدّد في خارج القاهرة بسويقة صفية جامع ابن درهم و نصف، و في خط معدّية فريج جماع كزل بغا، و في رأس درب النيديّ جامع حارس الطير، و في سويقة عصفور جامع القاضي أمين الدين بجانب زاوية الفقيه المعتقد أبي عبد اللّه محمد الفارقانيّ، بنى في سنة اثنتين و ثلاثين و ثمانمائة، و بخط البراذعيين و رأس حارة الحرمين جامع الحاج محمد المعروف بالمسكين مهتار ناظر الخاص. و تجدّد في المراغة جامع الشيخ أبي بكر المعرّف، بناه الحاج أحمد القماح، و أقيمت خطبة بخانكاه الأمير جاني بك الأشرفيّ خارج باب زويلة، و توفي يوم الخميس سابع عشرى ربيع الأوّل سنة إحدى و ثلاثين و ثمانمائة، و بخط باب اللوق جامع مقدّم السقائين قريبا من جامع الست نصرة، و بخط تحت الربع خارج باب زويلة جامع.

و تجدّد بالصحراء قريبا من تربة الظاهر برقوق خطبة في تربة السلطان الملك الأشرف برسباي الدقاقيّ. و تجدد في آخر سويقة أمير الجيوش بالقاهرة جامع أنشأه الفقير المعتقد محمد الغمريّ، و أقيمت به الجمعة في يوم الجمعة رابع ذي الحجة سنة ثلاث و أربعين‏

147

و ثمانمائة قبل أن يكمل. و تجدّد في زاوية الشيخ أبي العباس البصير التي عند قنطرة الخرق خطبة. و تجدّد في حدرة الكماجيين من أراضي اللوق خطبة بزاوية مطلة على غيط العدّة، و تجدّد بالصحراء خطبة في تربة الأمير مشير الدولة كافور الزمام، و توفي في خامس عشر ربيع الآخر سنة ثلاثين و ثمانمائة. و تجدّد بخط الكافوريّ خطبة أحدثها بنو وفاء في جامع لطيف جدّا. و تجدّد بمدرسة ابن البقريّ من القاهرة أيضا خطبة في أيام المؤيد شيخ. و تجدّد بحارة الديلم خطبة في مدرسة أنشأها الطواشي مشير الدولة المذكور. و تجدّد عند قنطرة قدادار خطبة أنشأها شاكر البناء، و خطبة بالقرب منها في جامع أنشأه الحاج إبراهيم البرددار الشهير بالحمصانيّ، أحد الفقراء الأحمدية السطوحية في حدود الثلاثين و الثمانمائة.

ذكر مذاهب أهل مصر و نحلهم منذ افتتح عمرو بن العاص رضي اللّه عنه أرض مصر إلى أن صاروا إلى اعتقاد مذاهب الأئمة رحمهم اللّه تعالى، و ما كان من الأحداث في ذلك‏

اعلم أن اللّه عز و جل لما بعث نبينا محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) رسولا إلى كافة الناس جميعا عربهم و عجمهم، و هم كلهم أهل شرك و عبادة لغير اللّه تعالى إلا بقايا من أهل الكتاب، كان من أمره (صلى اللّه عليه و سلم) مع قريش ما كان حتى هاجر من مكة إلى المدينة، فكانت الصحابة (رضوان اللّه عليهم) حوله (صلى اللّه عليه و سلم) يجتمون إليه في كلّ وقت مع ما كانوا فيه من ضنك المعيشة و قلة القوت، فمنهم من كان يحترف في الأسواق، و منهم من كان يقوم على نخله، و يحضر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في كل وقت، و منهم طائفة عند ما تجد أدنى فراغ مما هم بسبيله من طلب القوت، فإذا سئل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن مسألة، أو حكم بحكم، أو أمر بشي‏ء، أو فعل شيأ وعاه من حضر عنده من الصحابة، وفات من غاب عنه علم ذلك، ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قد خفي عليه ما علمه حمل بن مالك بن النابغة، من الأعراب من هذيل، في دية الجنين و خفي عليه. و كان يفتي في زمن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من الصحابة أبو بكر و عمر و عثمان و عليّ و عبد الرحمن بن عوف و عبد اللّه بن مسعود و أبيّ بن كعب و معاذ بن جبل و عمار بن ياسر و حذيفة بن اليمان و زيد بن ثابت و أبو الدرداء و أبو موسى الأشعريّ و سلمان الفارسيّ رضي اللّه عنهم.

فلما مات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و استخلف أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه، تفرّقت الصحابة رضي اللّه عنهم، فمنهم من خرج لقتال مسيلمة و أهل الردّة، و منهم من خرج لقتال أهل الشام، و منهم من خرج لقتال أهل العراق، و بقي من الصحابة بالمدينة مع أبي بكر رضي اللّه عنه عدّة، فكانت القضية إذا نزلت بأبي بكر رضي اللّه عنه قضى فيها بما عنده من العلم بكتاب اللّه أو سنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فإن لم يكن عنده فيها علم من كتاب اللّه و لا من سنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، سأل من بحضرته من الصحابة رضي اللّه عنهم عن ذلك، فإن وجد عندهم‏

148

علما من ذلك رجع إليه و إلّا اجتهد في الحكم.

و لما مات أبو بكر و ولي أمر الأمّة من بعده عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فتحت الأمصار و زاد تفرّق الصحابة رضي اللّه عنهم فيما افتتحوه من الأقطار، فكانت الحكومة تنزل بالمدينة أو غيرها من البلاد، فإن كان عند الصحابة الحاضرين لها في ذلك أثر عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، حكم به، و إلّا اجتهد أمير تلك البلدة في ذلك، و قد يكون في تلك القضية حكم عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) موجود عند صاحب آخر، و قد حضر المدنيّ ما لم يحضر المصريّ، و حضر المصريّ ما لم يحضر الشامي، و حضر الشاميّ ما لم يحضر البصريّ، و حضر البصريّ ما لم يحضر الكوفيّ، و حضر الكوفيّ ما لم يحضر المدنيّ. كلّ هذا موجود في الآثار، و فيما علم من مغيب بعض الصحابة عن مجلس النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في بعض الأوقات، و حضور غيره. ثم مغيب الذي حضر أمس و حضور الذي غاب، فيدري كلّ واحد منهم ما حضر، و يفوته ما غاب عنه، فمضى الصحابة رضي اللّه عنهم على ما ذكرنا، ثم خلف بعدهم التابعون الآخرون عنهم و كل طبقة من التابعين في البلاد التي تقدّم ذكرها، فإنما تفقهوا مع من كان عندهم من الصحابة، فكانوا لا يتعدّون فتاويهم إلّا اليسير مما بلغهم عن غير من كان في بلادهم من الصحابة، رضي اللّه عنهم، كاتباع أهل المدينة في الأكثر فتاوي عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، و اتباع أهل الكوفة في الأكثر فتاوي عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه، و اتباع أهل مكة في الأكثر فتاوي عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما، و اتباع أهل مصر في الأكثر فتاوي عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما، ثم أتى من بعد التابعين رضي اللّه عنهم فقهاء الأمصار، كأبي حنيفة و سفيان و ابن أبي ليلى بالكوفة، و ابن جريج بمكة، و مالك و ابن الماجشون بالمدينة، و عثمان البتيّ و سوار بالبصرة، و الأوزاعيّ بالشام، و الليث بن سعد بمصر. فجروا على تلك الطريق من أخذ كل واحد منهم عن التابعين من أهل بلده، فيما كان عندهم و اجتهادهم فيما لم يجدوا عندهم، و هو موجود عند غيرهم.

و أما مذاهب أهل مصر: فقال أبو سعيد بن يونس: إن عبيد بن مخمر المغافريّ يكنى أبا أمية، رجل من أصحاب النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، شهد فتح مصر، روى عنه أبو قبيل. يقال أنه كان أوّل من أقرأ القرآن بمصر. و ذكر أبو عمرو الكنديّ أن أبا ميسرة عبد الرحمن بن ميسرة مولى الملامس الحضرميّ كان فقيها عفيفا شريفا، ولد سنة عشر و مائة، و كان أوّل الناس إقراء بمصر بحرف نافع قبل الخمسين و مائة، و توفي سنة ثمان و ثمانين و مائة، و ذكر عن أبي قبيل و غيره أن يزيد بن أبي حبيب أوّل من نشر العلم بمصر في الحلال و الحرام، و في رواية ابن يونس و مسائل الفقه، و كانوا قبل ذلك إنما يتحدّثون في الفتن و الترغيب. و عن عون بن سليمان الحضرميّ قال: كان عمر بن عبد العزيز قد جعل الفتيا بمصر إلى ثلاثة رجال، رجلان من الموالي و رجل من العرب، فأما العربيّ فجعفر بن ربيعة، و أما الموليان فيزيد بن‏

149

أبي حبيب، و عبد اللّه بن أبي جعفر. فكان العرب انكروا ذلك، فقال عمر بن عبد العزيز:

ما ذنبي إن كانت الموالي تسمو بأنفسها صعدا و أنتم لا تسمون. و عن ابن أبي قديد كانت البيعة إذا جاءت للخليفة أوّل من يبايع عبد اللّه بن أبي جعفر و يزيد بن أبي حبيب ثم الناس بعد. و قال أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر عن حيوة بن شريح قال: دخلت على حسين بن شفي بن مانع الأصبحيّ و هو يقول: فعل اللّه بفلان. فقلت: ما له؟ فقال: عمد إلى كتابين كان شفي سمعهما من عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما، أحدهما قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في كذا، و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كذا، و الآخر ما يكون من الأحداث إلى يوم القيامة، فأخذهما فرمى بهما بين الخولة و الرباب. قال أبو سعيد بن يونس: يعني بقوله الخولة و الرباب مركبين كبيرين من سفن الجسر كانا يكونان عند رأس الجسر مما يلي الفسطاط يجوز من تحتهما لكبرهما المراكب. و ذكر أبو عمرو الكنديّ أن أبا سعيد عثمان بن عتيق مولى غافق، أوّل من رحل من أهل مصر إلى العراق في طلب الحديث، توفي سنة أربع و ثمانين و مائة انتهى. و كان حال أهل الإسلام من أهل مصر و غيرها من الأمصار في أحكام الشريعة على ما تقدّم ذكره، ثم كثر الترحل إلى الآفاق و تداخل الناس و التقوا و انتدب أقوام لجمع الحديث النبويّ و تقييده، فكان أوّل من دوّن العلم محمد بن شهاب الزهريّ، و كان أوّل من صنف و بوّب سعيد بن عروبة و الربيع بن صبيح بالبصرة، و معمر بن راشد باليمن، و ابن جريج بمكة، ثم سفيات الثوريّ بالكوفة، و حماد بن سلمة بالبصرة، و الوليد بن مسلم بالشام، و جرير بن عبد الحميد بالريّ، و عبد اللّه بن المبارك بمرو و خراسان، و هشيم بن بشير بواسط، و تفرّد بالكوفة أبو بكر بن أبي شيبة بتكثير الأبواب و جودة التصنيف و حسن التأليف، فوصلت أحاديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من البلاد البعيدة إلى من لم تكن عنده، و قامت الحجة على من بلغه شي‏ء منها، و جمعت الأحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأوّلة من الأحاديث، و عرف الصحيح من السقيم، و زيف الاجتهاد المؤدّي إلى خلاف كلام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و إلى ترك عمله، و سقط العذر عمن خالف ما بلغه من السنن ببلوغه إليه، و قيام الحجة عليه، و على هذا الطريق كان الصحابة رضي اللّه عنهم و كثير من التابعين يرحلون في طلب الحديث الواحدة الأيام الكثيرة، يعرف ذلك من نظر في كتب الحديث، و عرف سير الصحابة و التابعين. فلما قام هارون الرشيد في الخلافة، و ولى القضاء أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم أحد أصحاب أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى بعد سنة سبعين و مائة، فلم يقلد ببلاد العراق و خراسان و الشام و مصر إلّا من أشار به القاضي أبو يوسف رحمه اللّه، و اعتنى به، و كذلك لما قام بالأندلس الحكم المرتضى بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بعد أبيه، و تلقب بالمنتصر في سنة ثمانين و مائة، اختص بيحيى بن يحيى بن كثير الأندلسيّ، و كان قد حج و سمع الموطأ من مالك إلّا أبوابا، و حمل عن ابن وهب و عن ابن القاسم و غيره علما كثيرا

150

و عاد إلى الأندلس، فنال من الرياسة و الحرمة ما لم ينله غيره، و عادت الفتيا إليه و انتهى السلطان و العامّة إلى بابه، فلم يقلد في سائر أعمال الأندلس قاض إلّا بإشارته و اعتنائه، فصاروا على رأي مالك بعد ما كانوا على رأي الأوزاعيّ، و قد كان مذهب الإمام مالك أدخله إلى الأندلس زياد بن عبد الرحمن الذي يقال له بسطور، قبل يحيى بن يحيى، و هو أوّل من أدخل مذهب مالك الأندلس، و كانت إفريقية الغالب عليها السنن و الآثار إلى أن قدم عبد اللّه بن فروج أبو محمد الفارسيّ بمذهب أبي حنيفة، ثم غلب أسد بن الفرات بن سنان قاضي افريقية بمذهب أبي حنيفة، ثم لما ولي سحنون بن سعيد التنوخيّ قضاء افريقية، بعد ذلك نشر فيهم مذهب مالك و صار القضاء في أصحاب سحنون دولا يتصاولون على الدنيا تصاول الفحول على الشول إلى أن تولى القضاء بها بنو هاشم، و كانوا مالكية، فتوارثوا القضاء كما تتوارث الضياع.

ثم إن المعز بن باديس حمل جميع أهل إفريقية على التمسك بمذهب مالك و ترك ما عداه من المذاهب، فرجع أهل إفريقية و أهل الأندلس كلهم إلى مذهب مالك إلى اليوم، رغبة فيما عند السلطان، و حرصا على طلب الدنيا، إذ كان القضاء و الافتاء جميع تلك المدن و سائر القرى لا يكون إلّا لمن تسمى بالفقه على مذهب مالك، فاضطرّت العامّة إلى أحكامهم و فتاواهم، ففشا هذا المذهب هناك فشوّا طبق تلك الأقطار، كما فشا مذهب أبي حنيفة ببلاد المشرق، حيث أن أبا حامد الاسفراينيّ لما تمكن من الدولة في أيام الخليفة القادر بالله أبي العباس أحمد، قرّر معه استخلاف أبي العباس أحمد بن محمد البارزيّ الشافعيّ عن أبي محمد بن الأكفانيّ الحنفيّ قاضي بغداد، فأجيب إليه بغير رضى الأكفانيّ و كتب أبو حامد إلى السلطان محمود بن سبكتكين و أهل خراسان أن الخليفة نقل القضاء عن الحنفية إلى الشافعية، فاشتهر ذلك بخراسان و صار أهل بغداد حزبين، و قدم بعد ذلك أبو العلاء صاعد بن محمد قاضي نيسابور و رئيس الحنفية بخراسان، فأتاه الحنفية فثارت بينهم و بين أصحاب أبي حامد فتنة ارتفع أمرها إلى السلطان، فجمع الخليفة القادر الأشراف و القضاة و أخرج إليهم رسالة تتضمن: أن الاسفراينيّ أدخل على أمير المؤمنين مداخل أوهمه فيها النصح و الشفقة و الأمانة، و كانت على أصول الدخل و الخيانة، فلما تبين له أمره و وضح عنده خبث اعتقاده فيما سأل فيه من تقليد البارزيّ الحكم بالحضرة من الفساد و الفتنة و العدول بأمير المؤمنين عما كان عليه أسلافه من إيثار الحنفية و تقليدهم و استعمالهم، صرف البارزيّ و أعاد الأمر إلى حقه و أجراه على قديم رسمه، و حمل الحنفيين على ما كانوا عليه من العناية و الكرامة و الحرمة و الإعزاز، و تقدّم إليهم بأن لا يلقوا أبا حامد و لا يقضوا له حقا و لا يردّوا عليه سلاما، و حلع على أبي محمد الأكفانيّ، و انقطع أبو حامد عن دار الخلافة، و ظهر التسخط عليه و الانحراف عنه و ذلك في سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة و اتصل ببلاد الشام و مصر.

151

أوّل من قدم بعلم مالك: إلى مصر عبد الرحيم بن خالد بن يزيد بن يحيى مولى جمح، و كان فقيها روى عنه الليث و ابن وهب و رشيد بن سعد، و توفي بالإسكندرية سنة ثلاث و ستين و مائة، ثم نشره بمصر عبد الرحمن بن القاسم، فاشتهر مذهب مالك بمصر أكثر من مذهب أبي حنيفة لتوفر اصحاب مالك بمصر، و لم يكن مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه يعرف بمصر. قال ابن يونس: و قدم إسماعيل بن اليسع الكوفيّ قاضيا بعد ابن لهيعة، و كان من خير قضاتنا، غير أنه كان يذهب إلى قول أبي حنيفة، و لم يكن أهل مصر يعرفون مذهب أبي حنيفة، و كان مذهبه إبطال الأحباس، فثقل أمره على أهل مصر و سئموه، و لم يزل مذهب مالك مشتهرا بمصر حتى قدم الشافعيّ محمد بن ادريس إلى مصر مع عبد اللّه بن العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس في سنة ثمان و تسعين و مائة، فصحبه من أهل مصر جماعة من أعيانها كبني عبد الحكم و الربيع بن سليمان و أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، و أبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطيّ، و كتبوا عن الشافعيّ ما ألفه، و عملوا بما ذهب إليه، و لم يزل أمر مذهبه يقوى بمصر و ذكره ينتشر.

قال أبو عمرو الكنديّ في كتاب أمراء مصر: و لم يزل أهل مصر على الجهر بالبسملة في الجامع العتيق إلى سنة ثلاث و خمسين و مائتين. قال: و منع أرجون صاحب شرطة مزاحم بن خاقان أمير مصر من الجهر بالبسملة في الصلوات بالمسجد الجامع، و أمر الحسين بن الربيع إمام المسجد الجامع بتركها، و ذلك في رجب سنة ثلاث و ستين و مائتين، و لم يزل أهل مصر على الجهر بها في المسجد الجامع منذ الإسلام إلى أن منع منها أرجون.

قال: و أمر أن تصلّى التراويح في شهر رمضان خمس تراويح، و لم يزل أهل مصر يصلون ست تراويح حتى جعلها أرجون خمسا في شهر رمضان سنة ثلاث و خمسين و مائتين، و منع من التثويب، و أمر بالأذان يوم الجمعة في مؤخر المسجد، و أمر بالتغليس بصلاة الصبح، و ذلك أنهم أسفروا بها، و ما زال مذهب مالك و مذهب الشافعيّ رحمهما اللّه تعالى يعمل بهما أهل مصر، و يولى القضاء من كان يذهب إليهما أو إلى مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه، إلى أن القائد جوهر من بلاد إفريقية في سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة بجيوش مولاه المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ و بنى مدينة القاهرة.

فمن حينئذ فشا بديار مصر مذهب الشيعة و عمل به في القضاء و الفتيا و أنكر ما خالفه، و لم يبق مذهب سواه، و قد كان التشيع بأرض مصر معروفا قبل ذلك. قال أبو عمرو الكنديّ في كتاب الموالي عن عبد اللّه بن لهيعة أنه قال: قال يزيد بن أبي حبيب: نشأت بمصر و هي علوية، فقلبتها عثمانية. و كان ابتداء التشيع في الإسلام أن رجلا من اليهود في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه أسلم، فقيل له عبد اللّه بن سبأ، و عرف بابن‏

152

السوداء، و صار ينتقل من الحجاز إلى أمصار المسلمين يريد إضلالهم، فلم يطق ذلك فرجع إلى كيد الإسلام و أهله، و نزل البصرة في سنة ثلاث و ثلاثين فجعل يطرح على أهلها مسائل و لا يصرّح، فأقبل عليه جماعة و مالوا إليه و أعجبوا بقوله، فبلغ ذلك عبد اللّه بن عامر و هو يومئذ على البصرة، فأرسل إليه فلما حضر عنده سأله ما أنت فقال رجل من أهل الكتاب رغبت في الإسلام و في جوارك. فقال ما شي‏ء بلغني عنك، أخرج عني. فخرج حتى نزل الكوفة، فأخرج منها فسار إلى مصر و استقرّ بها و قال في الناس العجب ممن يصدّق أن عيسى يرجع و يكذب أن محمدا يرجع، و تحدّث في الرجعة حتى قبلت منه، فقال بعد ذلك:

أنه كان لكل نبيّ وصيّ، و عليّ بن أبي طالب وصيّ محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في أن علي بن أبي طالب وصيه في الخلافة على أمّته، و اعلموا أن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، فانهضوا في هذا الأمر و ابدؤوا بالطعن على أمرائكم، فأظهروا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تستميلوا به الناس، و بث دعاته و كاتب من مال إليه من أهل الأمصار و كاتبوه و دعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، و صاروا يكتبون إلى الأمصار كتبا يضعونها في عيب ولاتهم، فيكتب أهل كل مصر منهم إلى أهل المصر الآخر بما يضعون حتى ملوا بذلك الأرض إذاعة، و جاء إلى أهل المدينة من جميع الأمصار، فأتوا عثمان رضي اللّه عنه في سنة خمسة و ثلاثين و أعلموه ما أرسل به أهل الأمصار من شكوى عمالهم، فبعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة، و أسامة بن زيد إلى البصرة، و عمار بن ياسر إلى مصر، و عبد اللّه بن عمر إلى الشام، لكشف سير العمال. فرجعوا إلى عثمان إلّا عمارا و قالوا: ما أنكرنا شيئا. و تأخر عمار فورد الخبر إلى المدينة بأنه قد استماله عبد اللّه ابن السوداء في جماعة، فأمر عثمان عماله أن يوافوه بالموسم، فقدموا عليه و استشاروه، فكلّ أشار برأي، ثم قدم المدينة بعد الموسم فكان بينه و بين عليّ بن أبي طالب كلام فيه بعض الجفاء بسبب إعطائه أقاربه و رفعه لهم على من سواهم، و كان المنحرفون عن عثمان قد تواعدوا يوما يخرجون فيه بأمصارهم إذ سار عنها الأمراء، فلم يتهيأ لهم الوثوب، و عند ما رجع الأمراء من الموسم تكاتب المخالفون في القدوم إلى المدينة لينظروا فيما يريدون، و كان أمير مصر من قبل عثمان رضي اللّه عنه، عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح العامريّ، فلما خرج في شهر رجب من مصر في سنة خمس و ثلاثين استخلف بعده عقبة بن عامر الجهنيّ في قول الليث بن سعد. و قال يزيد بن أبي حبيب: بل استخلف على مصر السائب بن هشام العامريّ و جعل على الخراج سليم بن عنز التجيبيّ، فانتزى محمد بن أبي حذيفة بن عتية بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف في شوّال من السنة المذكورة، و أخرج عقبة بن عامر من الفسطاط، و دعا إلى خلع عثمان رضي اللّه عنه، و اسعر البلاد و حرّض على عثمان بكلّ شي‏ء يقدر عليه، فكان يكتب الكتب على لسان أزواج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و يأخذ الرواحل فيضمرها و يجعل رجالا على ظهور البيوت و وجوههم إلى وجه الشمس لتلوح وجوههم‏