المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية - ج4

- أحمد بن علي المقريزي المزيد...
454 /
153

تلويح المسافر، ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق المدينة بمصر، ثم يرسلون رسلا يخبرون بهم الناس ليلقوهم، و قد أمرهم إذا لقيهم الناس أن يقولوا ليس عندنا خبر الخبر في الكتب، فيجي‏ء رسول أولئك الذين دس فيذكر مكانهم فيتلقاهم ابن أبي حذيفة و الناس يقولون:

نتلقى رسل أزواج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فإذا لقوهم قالوا لهم ما الخبر؟ قالوا: لا خبر عندنا، عليكم بالمسجد ليقرأ عليكم كتاب أزواج النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فيجتمع الناس في المسجد اجتماعا ليس فيه تقصير، ثم يقوم القارئ بالكتاب فيقول: إنا نشكو إلى اللّه و إليكم ما عمل في الإسلام و ما صنع في الإسلام، فيقوم أولئك الشيوخ من نواحي المسجد بالبكاء فيبكون، ثم ينزل عن المنبر و يتفرّق الناس بما قري‏ء عليهم.

فلما رأت ذلك شيعة عثمان رضي اللّه عنه اعتزلوا محمد بن أبي حذيقة و نابذوه، و هم معاوية بن خديج، و خارجة بن حذاقة، و بسر بن أرطاة، و مسلمة بن مخلد، و عمرو بن قحزم الخولانيّ، و مقسم بن بجرة، و حمزة بن سرح بن كلال، و أبو الكنود سعد بن مالك الأزديّ، و خالد بن ثابت الفهميّ، في جمع كثير و بعثوا سلمة بن مخزمة التجيبيّ إلى عثمان ليخبره بأمرهم و بصنيع ابن أبي حذيفة، فبعث عثمان رضي اللّه عنه سعد بن أبي وقاص ليصلح أمرهم، فبلغ ذلك ابن أبي حذيفة فخطب الناس و قال: ألا إن الكذا و الكذا قد بعث إليكم سعد بن مالك ليقلّ جماعتكم و يشتت كلمتكم و يوقع التجادل بينكم، فانفروا إليه، فخرج منهم مائة أو نحوها، و قد ضرب فسطاطه و هو قائل:

فقلبوا عليه فسطاطه و شجوه و سبوه، فركب راحلته و عاد راجعا من حيث جاء. و قال:

ضربكم اللّه بالذلّ و الفرقة، و شتت أمركم، و جعل بأسكم بينكم، و لا أرضاكم بأمير، و لا أرضاه عنكم. و أقبل عبد اللّه بن سعد حتى بلغ جسر القلزم، فإذا بخيل لابن أبي حذيفة، فمنعوه أن يدخل فقال: ويلكم دعوني أدخل على جندي فأعلمهم بما جئت به، فإني قد جئتهم بخير. فأبوا أن يدعوه فقال: و اللّه لوددت أني دخلت عليهم و أعلمتهم بما جئت به ثم مت، فانصرف إلى عسقلان. و أجمع محمد بن أبي حذيفة على بعث جيش إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه فقال: من يتشرّط في هذا البعث؟ فكثر عليه من يشترط. فقال: إنما يكفينا منكم ستمائة رجل، فشرّط من أهل مصر ستمائة رجل على كل مائة منهم رئيس و على جماعتهم عبد الرحمن بن عديس البلويّ، و هم كنانة بن بشر بن سليمان التجيبيّ، و عروة بن سليم الليثيّ، و أبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ، و سودان بن ريان الأصبحيّ، و ذرع بن يشكر النافعيّ، و سجن رجال من أهل مصر في دورهم منهم: فلما بلغ ذلك كنانة بن بشر و كان رأس الشيعة الأولى، دفع عن معاوية ما كره، ثم قتل عثمان رضي اللّه عنه في ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين، فدخل الركب إلى مصر و هم يرتجزون:

154

خذها إليك و أحذرنّ أبا الحسن‏* * * إنا نمرّ الحرب إمرار الوسن‏

بالسيف كي تخمد نيران الفتن‏

فلما دخلوا المسجد صاحوا إنا لسنا قتلة عثمان و لكن اللّه قتله. فلما رأى ذلك شيعة عثمان قاموا و عقدوا لمعاوية بن خديج عليهم و بايعوه على الطلب بدم عثمان، فسار بهم معاوية إلى الصعيد، فبعث إليهم ابن أبي حذيفة فالتقوا بدقناس من كورة البهنسا فهزم أصحاب ابن أبي حذيفة، و مضى معاوية حتى بلغ برقة، ثم رجع إلى الاسكندرية فبعث ابن أبي حذيفة بحيش آخر عليهم قيس بن حرمل فاقتتلوا بخربتا أوّل شهر رمضان سنة ست و ثلاثين، فقتل قيس و سار معاوية بن أبي سفيان إلى مصر، فنزل سلمنت من كورة عين شمس في شوّال، فخرج إليه ابن أبي حذيفة في أهل مصر، فمنعوه أن يدخلها، فبعث إليه معاوية إنّا لا نريد قتال أحد إنما جئنا نسأل القود لعثمان، ادفعوا إلينا قاتليه عبد الرحمن بن عديس و كنانة بن بشر، و هما رأس القوم، فامتنع ابن أبي حذيفة و قال لو طلبت منا جديا أرطب السرة بعثمان ما دفعناه إليك. فقال معاوية بن أبي سفيان لابن أبي حذيفة: اجعل بيننا و بينكم رهنا، فلا يكون بيننا و بينكم حرب. فقال ابن أبي حذيفة: فإني أرضى بذلك، فاستخلف ابن أبي حذيفة على مصر الحكم بن الصلت بن مخرمة و خرج في الرهن، هو و ابن عيسى. و كنانة بن بشر و أبو شمر بن أبرهة و غيرهم من قتلة عثمان، فلما بلغوا لدّ سجنهم بها معاوية و سار إلى دمشق، فهربوا من السجن، غير أبي شمر بن أبرهة فإنه قال:

لا أدخله أسيرا و أخرج منه آبقا، و تبعهم صاحب فلسطين فقتلهم، و اتبع عبد الرحمن بن عديس رجل من الفرس فقال له عبد الرحمن بن عديس: اتق اللّه في دمي فإني بايعت النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) تحت الشجرة، فقال له: الشجر في الصحراء كثير فقتله.

و قال محمد بن أبي حذيفة في الليلة التي قتل في صباحها عثمان: فإن يكن القصاص لعثمان فسنقتل من الغد، فقتل من الغد، و كان قتل ابن أبي حذيفة و عبد الرحمن بن عديس و كنانة بن بشر و من كان معهم من الرهن في ذي الحجة سنة ست و ثلاثين. فلما بلغ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه مصاب بن أبي حذيفة، بعث قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ على مصر و جمع له الخراج و الصلاة، فدخلها مستهلّ شهر ربيع الأوّل سنة سبع و ثلاثين، و استمال الخارجية بخربتا و دفع إليهم أعطياتهم، و وفد عليه وفدهم فأكرمهم و أحسن إليهم، و مصر يومئذ من جيش عليّ رضي اللّه عنه إلّا أهل خربتا الخارجين بها. فلما ولي علي رضي اللّه عنه قيس بن سعد، و كان من ذوي الرأي، جهد معاوية بن أبي سفيان و عمرو بن العاص على أن يخرجاه من مصر ليغلبا على أمرها، فامتنع عليهما بالدهاء و المكايدة، فلم يقدرا على أن يلجأ مصر حتى كان معاوية قيسا من قبل عليّ رضي اللّه عنه، فكان معاوية يحدّث رجالا من ذوي رأي قريش فيقول: ما ابتدعت من مكايدة قط أعجب إليّ من مكايدة كدت بها قيس بن سعد حين امتنع مني، قلت لأهل الشام لا تسبوا قيسا و لا

155

تدعوا إلى غزوة، فإن قيسا لنا شيعة تأتينا كتبه و نصيحته سرّا، ألا ترون ما ذا يفعل بإخوانكم النازلين عنده بخربتا يجري عليهم أعطياتهم و أرزاقهم و يؤمّن سربهم و يحسن إلى كل راكب يأتيه منهم. قال معاوية: و طفقت أكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق، فسمع بذلك جواسيس عليّ بالعراق فأنهاه إليه محمد بن أبي بكر، و عبد اللّه بن جعفر، فاتّهم قيسا فكتب إليه يأمره بقتال أهل خربتا، و بخربتا يومئذ عشرة آلاف، فأبى قيس أن يقاتلهم و كتب إلى عليّ رضي اللّه عنه أنهم وجوه أهل مصر و أشرافهم، و أهل الحفاظ منهم، و قد رضوا مني بأن أو من سربهم و اجري عليهم أعطياتهم و أرزاقهم، و قد علمت أن هواهم مع معاوية، فلست بكائدهم بأمر أهون عليّ و عليك من الذي أفعل بهم، و هم أسود العرب، منهم بسر بن أرطاة، و سلمة بن مخلد، و معاوية بن خديج. فأبى عليه إلّا قتالهم، فأبى قيس أن يقاتلهم. و كتب إلى عليّ رضي اللّه عنه، إن كنت تهتمني فاعزلني و ابعث غيري. و كتب معاوية رضي اللّه عنه إلى بعض بني أمية بالمدينة: أن جرى اللّه قيس بن سعد خيرا فإنه قد كف عن إخواننا من أهل مصر الذين قاتلوا في دم عثمان، و اكتموا ذلك فإنني أخاف أن يعزله علي إن بلغه ما بينه و بين شيعتنا، حتى بلغ عليا رضي اللّه عنه ذلك فقال: من معه من رؤساء أهل العراق و أهل المدينة بدّل قيس و تحوّل. فقال عليّ ويحكم إنه لم يفعل فدعوني. قالوا:

لتعزلنه، فإنه قد بدّل. فلم يزالوا به حتى كتب إليه إني قد احتجت إلى قربك، فاستخلف على عملك و اقدم. فلما قرأ الكتاب قال: هذا من مكر معاوية، و لو لا الكذب لمكرت به مكرا يدخل عليه بيته، فوليها قيس بن سعد إلى أن عزل عنها أربعة أشهر و خمسة أيام، و صرف لخمس خلون من رجب سنة سبع و ثلاثين، ثم وليها الاشتر مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعيّ من قبل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و ذلك أن عبد اللّه بن جعفر كان إذا أراد أن لا يمنعه عليّ شيئا قال له بحق جعفر. فقال له أسألك بحق جعفر الا بعثت الاشتر إلى مصر، فإن ظهرت فهو الذي تحب و إلّا استرحت منه. و يقال:

كان الأشتر قد ثقل على عليّ رضي اللّه عنه و أبغضه و قلاه فولاه و بعثه، فلما قدم مصر لقي بما يلقي العمال به هناك، فشرب شربة عسل فمات. فلما أخبر عليّ بذلك قال لليدين و للفم، و سمع عمرو بن العاص بموت الأشتر فقال: إن للّه جنودا من عسل. أو قال إنّ للّه جنودا من العسل.

ثم وليها محمد بن أبي بكر الصدّيق من قبل عليّ رضي اللّه عنهم، و جمع له صلاتها و خراجها، فدخلها للنصف من شهر رمضان سنة سبع و ثلاثين، فلقيه قيس بن سعد فقال له:

إنه لا يمنعني نصحي لك عزله إيايّ، و لقد عزلني عن غير وهن و لا عجز، فاحفظ ما أوصيك به. يدم صلاح حالك: دع معاوية بن خديج و مسلمة بن مخلد و بسر بن أرطاة و من ضوى إليهم على ما هم عليه، لا تكفهم عن رأيهم، فإن أتوك و لم يفعلوا فاقبلهم، و إن تخلفوا عنك فلا تطلبهم، و انظر هذا الحيّ من مضر، فأنت أولى بهم مني، فألن لهم‏

156

جناحك و قرّب عليهم مكانك و ارفع عنهم حجابك، و انظر هذا الحيّ من مدلج، فدعهم و ما غلبوا عليه يكفوا عنك شأنهم، و أنزل الناس من بعد على قدر منازلهم، فإن استطعت أن تعود المرضى و تشهد الجنائز فافعل، فإنّ هذا لا ينقصك و لن تفعل، إنك و اللّه ما علمت لتظهر الخيلاء و تحب الرياسة و تسارع إلى ما هو ساقط عنك، و اللّه موفقك. فعمل محمد بخلاف ما أوصاه به قيس، فبعث إلى ابن خديج و الخارجة معه يدعوهم إلى بيعته، فلم يجيبوه. فبعث إلى دور الخارجة فهدمها و نهب أموالهم و سجن ذراريهم فنصبوا له الحرب و هموا بالنهوض إليه. فلما علم أنه لا قوّة له بهم أمسك عنهم ثم صالحهم على أن يسيرهم إلى معاوية، و أن ينصب لهم جسر انتقيوس يجوزون عليه و لا يدخلون الفسطاط، ففعلوا و لحقوا بمعاوية.

فلما أجمع عليّ رضي اللّه عنه و معاوية على الحكمين أغفل عليّ أن يشترط على معاوية أن لا يقاتل أهل مصر. فلما انصرف عليّ إلى العراق بعث معاوية رضي اللّه عنه عمرو بن العاص رضي اللّه عنه في جيوش أهل الشام إلى مصر، فاقتتلوا قتالا شديدا انهزم فيه أهل مصر، و دخل عمرو بأهل الشام الفسطاط، و تغيب محمد بن أبي بكر، فأقبل معاوية بن خديج في رهط ممن يعينه على من كان يمشي في قتل عثمان، و طلب ابن أبي بكر فدلتهم عليه امرأة. فقال: احفظوني في أبي بكر، فقال معاوية بن خديج: قتلت ثمانين رجلا من قومي في عثمان، و أتركك و أنت صاحبه؟ فقتله ثم جعله في جيفة حمار ميت، فأحرقه بالنار، فكانت ولاية محمد بن أبي بكر خمسة أشهر، و مقتله لأربع عشرة خلت من صفر سنة ثمان و ثلاثين. ثم ولي عمرو بن العاص مصر من بعده، فاستقبل بولايته هذه الثانية شهر ربيع الأوّل، و جعل إليه الصلاة و الخراج، و كانت مصر قد جعلها معاوية له طعمة بعد عطاء جندها و النفقة على مصلحتها، ثم خرج إلى الحكومة و استخلف على مصر ابنه عبد اللّه بن عمرو، و قتل خارجة بن حذافة و رجع عمرو إلى مصر فأقام بها، و تعاقد بنو ملجم عبد الرحمن و قيس و يزيد على قتل عليّ رضي اللّه عنه و عمرو و معاوية رضي اللّه عنهما، و تواعدوا على ليلة من رمضان سنة أربعين، فمضى كل منهم إلى صاحبه، فلما قتل عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه و استقرّ الأمر لمعاوية كانت مصر جندها و أهل شوكتها عثمانية، و كثير من أهلها علوية. فلما مات معاوية و مات ابنه يزيد بن معاوية كان على مصر سعيد بن يزيد الأزديّ على صلاتها، فلم يزل أهل مصر على الشنان له، و الإعراض عنه، و التكبر عليه، منذ ولاه يزيد بن معاوية حتى مات يزيد في سنة أربع و ستين. و دعا عبد اللّه بن الزبير إلى نفسه، فقامت الخوارج بمصر في أمره، و أظهروا دعوته كانوا يحسبونه على مذهبهم، و أوفدوا منهم وفدا إليه، فسار منهم نحو الألفين من مصر و سألوه أن يبعث إليهم بأمير يقومون معه و يوازرونه، و كان كريب بن أبرهة الصباح و غيره من أشراف مصر يقولون: ما ذا نرى من العجب أن هذه الطائفة المكتتمة تأمر فينا و تنهي و نحن لا نستطيع أن‏

157

نردّ أمرهم، و لحق بابن الزبير ناس كثير من أهل مصر، و كان أوّل من قدم مصر برأي الخوارج حجر بن الحارث بن قيس المذحجيّ، و قيل حجر بن عمرو، و يكنى بأبي الورد، و شهد مع عليّ صفين، ثم صار من الخوارج و حضر مع الحرورية النهروان، فخرج و صار إلى مصر برأي الخوارج و أقام بها حتى خرج منها إلى ابن الزبير في إمارة مسلمة بن مخلد الأنصاريّ على مصر. فلما مات يزيد بن معاوية و بويع ابن الزبير بعده بالخلافة، بعث إلى مصر بعبد الرحمن بن جحدم الفهريّ، فقدمها في طائفة من الخوارج فوثبوا على سعيد بن يزيد فاعتزلهم، و استمرّ ابن جحدم، و كثرت الخوارج بمصر منها و ممن قدم من مكة، فأظهروا في مصر التحكيم و دعوا إليه، فاستعظم الجند ذلك و بايعه الناس على غلّ في قلوب ناس من شيعة بني أمية، منهم كريب بن أبرهة، و مقسم بن بجرة، و زياد بن حناطة التجيبيّ، و عابس بن سعيد و غيرهم، فصار أهل مصر حينئذ ثلاث طوائف، علوية و عثمانية و خوارج. فلما بويع مروان بن الحكم بالشام في ذي القعدة سنة أربع و ستين كانت شيعته من أهل مصر مع ابن جحدم، فكاتبوه سرّا حتى أتى مصر في أشراف كثيرة، و بعث ابنه عبد العزيز بن مروان في جيش إلى إيلة ليدخل من هناك مصر، و أجمع ابن جحدم على حربه و منعه، فحفر الخندق في شهر، و هو الخندق الذي بالقرافة، و بعث بمراكب في البحر ليخالف إلى عيالات أهل الشام، و قطع بعثا في البرّ و جهز جيشا آخر إلى إيلة لمنع عبد العزيز من المسير منها، فغرقت المراكب و نجا بعضها و انهزمت الجيوش و نزل مروان عين شمس، فخرج إليه ابن جحدم في أهل مصر، فتحاربوا و استجرّ القتل فقتل من الفريقين خلق كثير، ثم إن كريب بن أبرهة و عابس بن سعيد و زياد بن حناطة و عبد الرحمن بن موهب المغافريّ دخلوا في الصلح بين أهل مصر و بين مروان، فتم و دخل مروان إلى الفسطاط لغرّة جمادى الأولى سنة خمس و ستين، فكانت ولاية ابن جحدم تسعة أشهر، و وضع العطاء فبايعه الناس إلّا نفرا من المغافر قالوا لا نخلع بيعة ابن الزبير، فقتل منهم ثمانين رجلا، قدّمهم رجلا رجلا فضرب أعناقهم و هم يقولون إنا قد بايعنا ابن الزبير طائعين، فلم نكن لننكث بيعته، و ضرب عنق الأكدر بن حمام بن عامر سيد لخم و شيخها، و حضر هو و أبوه فتح مصر، و كانا ممن ثار إلى عثمان رضي اللّه عنه، فتنادى الجند قتل الأكدر، فلم يبق أحد حتى لبس سلاحه، فحضر باب مروان منهم زيادة على ثلاثين ألفا، و خشي مروان و أغلق بابه حتى أتاه كريب بن أبرهة و ألقى عليه رداءه و قال للجند: انصرفوا أنا له جار، فما عطف أحد منهم و انصرفوا إلى منازلهم، و كان للنصف من جمادى الآخرة، و يومئذ مات عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فلم يستطع أحد أن يخرج بجنازته إلى المقبرة لشغب الجند على مروان، و من حينئذ غلبت العثمانية على مصر فتظاهروا فيها بسب عليّ رضي اللّه عنه، و انكفت السنة العلوية و الخوارج.

فلما كانت ولاية قرّة بن شريك العبسيّ على مصر من قبل الوليد بن عبد الملك في‏

158

سنة تسعين، خرج إلى الإسكندرية في سنة إحدى و تسعين، فتعاقدت السراة من الخوارج بالإسكندرية على الفتك به، و كانت عدّتهم نحوا من مائة، فعقدوا لرئيسهم المهاجر بن أبي المثنى التجيبيّ، أحد بني‏ (1) فهم عليهم عند منارة الإسكندرية و بالقرب منهم رجل يكنى أبا سليمان، فبلغ قرّة ما عزموا عليه، فأتى لهم قبل أن يتفرّقوا فأمر بحبسهم في أصل منارة الإسكندرية، و أحضر قرّة وجوه الجند فسألهم فأقرّوا فقتلهم، و مضى رجل ممن كان يرى رأيهم إلى أبي سليمان فقتله، فكان يزيد بن أبي حبيب إذا أراد أن يتكلم بشي‏ء فيه تقية من السلطان تلفت و قال: احذروا أبا سليمان، ثم قال الناس كلهم من ذلك اليوم أبو سليمان. فلما قام عبد اللّه بن يحيى الملقب بطالب الحق في الحجاز على مروان بن محمد الجعديّ، قدم إلى مصر داعيته و دعا الناس فبايع له ناس من تجيب و غيرهم، فبلغ ذلك حسان بن عتاهية صاحب الشرطة فاستخرجهم، فقتلهم حوثرة بن سهيل الباهليّ أمير مصر من قبل مروان بن محمد، فلما قتل مروان و انقضت أيام بني أمية ببني العباس في سنة ثلاث و ثلاثين و مائة، خمدت جمرة أصحاب المذهب المروانيّ و هم الذين كانوا يسبون عليّ بن أبي طالب و يتبرّؤون منه، و صاروا منذ ظهر بنو العباس يخافون القتل و يخشون أن يطلع عليهم أحد إلّا طائفة كانت بناحية الواحات و غيرها، فإنهم أقاموا على مذهب المروانية دهرا حتى فنوا، و لم يبق لهم الآن بديار مصر وجود البتة.

فلما كان في إمارة حميد بن قحطبة على مصر من قبل أبي جعفر المنصور، قدم إلى مصر عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب داعية لأبيه و عمه، فذكر ذلك لحميد فقال: هذا كذب، و دسّ إليه أن تغيّب، ثم بعث إليه من الغد فلم يجده، فكتب بذلك إلى أبي جعفر المنصور فعزل حميدا و سخط عليه في ذي القعدة سنة أربع و أربعين و مائة، و ولى يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، فظهرت دعوة بني حسن بن عليّ بمصر، و تكلم الناس بها و بايع كثير منهم لعليّ بن محمد بن عبد اللّه، و هو أوّل علويّ قدم مصر، و قام بأمر دعوته خالد بن سعيد بن ربيعة بن حبيش الصدفيّ، و كان جدّه ربيعة بن حبيش من خاصة عليّ بن أبي طالب و شيعته، و حضر الدار في قتل عثمان رضي اللّه عنه، فاستشار خالد أصحابه الذين بايعوا له، فأشار عليهم بعضهم أن يبيت يزيد بن حاتم في العسكر، و كان الأمراء قد صاروا منذ قدمت عساكر بني العباس ينزلون في العسكر الذي بني خارج الفسطاط من شماليه، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، و أشار عليه آخرون أن لا يحوز بيت المال، و أن يكون خروجهم في الجامع، فكره خالد أن يبيت يزيد بن حاتم، و خشي على اليمانية، و خرج منهم رجل قد شهد أمرهم حتى أتى إلى عبد اللّه بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج و هو يومئذ على الفسطاط، فخبّره أنهم‏

____________

(1) أحد بني ... «لم يقل بني من».

159

الليلة يخرجون، فمضى عبد اللّه إلى يزيد بن حاتم و هو بالعسكر، فكان من أمرهم ما كان لعشر من شوّال سنة خمس و أربعين و مائة، فانهزموا. ثم قدمت الخطباء برأس إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسين في ذي الحجة من السنة المذكورة إلى مصر و نصبوه في المسجد الجامع، و قامت الخطباء فذكروا أمره، و حمل عليّ بن محمد إلى أبي جعفر المنصور و قيل إنه اختفى عند عسامة بن عمرو بقرية طره، فمرض بها و مات فقبر هناك، و حمل عسامة إلى العراق فحبس إلى أن ردّه المهديّ محمد بن أبي جعفر إلى مصر، و ما زالت شيعة عليّ بمصر إلى أن ورد كتاب المتوكل على اللّه إلى مصر يأمر فيه بإخراج آل أبي طالب من مصر إلى العراق، فأخرجهم إسحاق بن يحيى الختليّ أمير مصر و فرّق فيهم الأموال ليتجملوا بها، و أعطى كل رجل ثلاثين دينارا، و المرأة خمسة عشر دينارا، فخرجوا لعشر خلون من رجب سنة ست و ثلاثين و مائتين، و قدموا العراق فأخرجوا إلى المدينة في شوّال منها، و استتر من كان بمصر على رأي العلوية، حتى أن يزيد بن عبد اللّه أمير مصر ضرب رجلا من الجند في شي‏ء وجب عليه فأقسم عليه بحق الحسن و الحسين إلا عفا عنه، فزاده ثلاثين درة، و رفع ذلك صاحب البريد إلى المتوكل، فورد الكتاب على يزيد بضرب ذلك الجنديّ مائة سوط، فضربها و حمل بعد ذلك إلى العراق في شوّال سنة ثلاث و أربعين و مائتين، و تتبع يزيد الروافض فحملهم إلى العراق، و دل في شعبان على رجل يقال له محمد بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أنه بويع له، فأحرق الموضع الذي كان به و أخذه فأقرّ على جمع من الناس بايعوه، فضرب بعضهم بالسياط، و أخرج العلوي هو و جمع من آل أبي طالب إلى العراق في شهر رمضان.

و مات المتوكل في شوّال، فقام من بعده ابنه محمد المستنصر، فورد كتابه إلى مصر بأن لا يقبل علويّ ضيعة، و لا يركب فرسا، و لا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها، و أن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلّا العبد الواحد، و من كان بينه و بين أحد من الطالبيين خصومة من سائر الناس قبل قول خصمه فيه و لم يطالب ببينة، و كتب إلى العمال بذلك، و مات المستنصر في ربيع الآخر، و قام المستعين، فأخرج يزيد ستة رجال من الطالبيين إلى العراق في رمضان سنة خمسين و مائتين، ثم أخرج ثمانية منهم في رجب سنة إحدى و خمسين، و خرج جابر بن الوليد المدلجيّ بأرض الإسكندرية في ربيع الآخر سنة اثنتين و خمسين، و اجتمع إليه كثير من بني مدلج فبعث إليه محمد بن عبيد اللّه بن يزيد بجيش من الإسكندرية فهزمهم و ظفر بما معهم، و قوي أمره و أتاه الناس من كلّ ناحية، و ضوى إليه كل من يومي إليه بشدّة و نجدة، فكان ممن أتاه عبد اللّه المريسيّ و كان لصا خبيثا، و لحق به جريج النصرانيّ و كان من شرار النصارى. و أولي بأسهم، و لحق به أبو حرملة فرج النوبيّ و كان فاتكا فعقد له جابر على سنهور و سخا و شرقيون و بنا، فمضى أبو حرملة في جيش عظيم، فأخرج العمال و جبى الخراج و لحق به عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن‏

160

محمد بن عبد اللّه بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الذي يقال له ابن الأرقط، فقوّده أبو حرملة و ضم إليه الأعراب و ولاه بنا و بوصير و سمنود، فبعث يزيد أمير مصر بجمع من الأتراك في جمادى الآخرة فقاتلهم ابن الأرقط و قتل منهم، ثم ثبتوا له فانهزم و قتل من أصحابه كثير و أسر منهم كثير، و لحق ابن الأرقط بأبي حرملة في شرقيون فصار إلى عسكر يزيد فانهزم أبو حرملة. و قدم مزاحم بن خاقان من العراق في جيش، فحارب أبا حرملة حتى أسر في رمضان، و استأمن ابن الأرقط، فأخذ و أخرج إلى العراق في ربيع الأوّل سنة ثلاث و خمسين و مائتين ففرّ منهم، ثم ظفر به و حبس، ثم حمل إلى العراق في صفر سنة خمس و خمسين و مائتين بكتاب ورد على أحمد بن طولون، و مات أبو حرملة في السجن لأربع بقين من ربيع الآخر سنة ثلاث و خمسين، و أخذ جابر بعد حروب و حمل إلى العراق في رجب سنة أربع و خمسين، و خرج في إمرة أرجون التركيّ رجل من العلويين يقال له بغا الأكبر، و هو أحمد بن إبراهيم بن عبد اللّه بن طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسين بن عليّ بالصعيد، فحاربه أصحاب أرجون و فرّ منهم فمات، ثم خرج بغا الأصغر و هو أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن طباطبا فيما بين الإسكندرية و برقة في جمادى الأولى سنة خمس و خمسين و مائتين، و الأمير يومئذ أحمد بن طولون، و سار في جمع إلى الصعيد فقتل في الحرب و أتي برأسه إلى الفسطاط في شعبان و خرج ابن الصوفيّ العلويّ بالصعيد و هو إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، و دخل اسنا في ذي القعدة سنة خمس و خمسين، و نهبها و قتل أهلها، فبعث إليه ابن طولون بجيش فحاربوه فهزمهم في ربيع الأوّل سنة ست و خمسين بهو، فبعث ابن طولون إليه بجيش آخر فالتقيا بأخميم في ربيع الآخر فانهزم ابن الصوفيّ و ترك جميع ما معه و قتلت رجالته، فأقام ابن الصوفيّ بالواح سنتين ثم خرج إلى الأشمونين في المحرّم سنة تسع و خمسين و سار إلى أسوان لمحاربة أبي عبد الرحمن العمريّ، فظفر به العمريّ و بجميع جيشه و قتل منهم مقتلة عظيمة، و لحق ابن الصوفيّ بأسوان فقطع لأهلها ثلاثمائة ألف نخلة، فبعث إليه ابن طولون بعثا فاضطرب أمره مع أصحابه فتركهم و مضى إلى عيذاب، فركب البحر إلى مكة فقبض عليه بها و حمل إلى ابن طولون فسجنه ثم أطلقه فصار إلى المدينة و مات بها.

و في إمارة هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون أنكر رجل من أهل مصر أن يكون أحد خيّرا من أهل البيت، فوثبت إليه العامّة فضرب بالسياط يوم الجمعة في جمادى الأولى سنة خمس و ثمانين و مائتين. و في إمارة ذكا الأعور على مصر كتب على أبواب الجامع العتيق ذكر الصحابة و القرآن فرضيه جمع من الناس و كرهه آخرون، فاجتمع الناس في رمضان سنة خمس و ثلاثمائة إلى دار ذكا يتشكرونه على ما أذن لهم فيه، فوثب الجند بالناس فنهب قوم و جرح آخرون و محي ما كتب على أبواب الجامع، و نهب الناس في المسجد و الأسواق، و أفطر الجند يومئذ و ما زال أمر الشيعة يقوى بمصر إلى أن دخلت سنة خمسين‏

161

و ثلاثمائة، ففي يوم عاشوراء كانت منازعة بين الجند و بين جماعة من الرعية عند قبر كلثوم العلوية بسبب ذكر السلف و النوح، قتل فيها جماعة من الفريقين، و تعصب السودان على الرعية، فكانوا إذا لقوا أحدا قالوا له: من خالك؟ فإن لم يقل معاوية و إلّا بطشوا به و شلحوه، ثم كثر القول معاوية خال عليّ، و كان على باب الجامع العتيق شيخان من العامّة يناديان في كل يوم جمعة في وجوه الناس من الخاص و العام، معاوية خالي و خال المؤمنين، و كاتب الوحي، و رديف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و كان هذا أحسن ما يقولونه، و إلّا فقد كانوا يقولون معاوية خال عليّ من هاهنا، و يشيرون إلى أن أصل الإذن، و يلقون أبا جعفر مسلما الحسينيّ فيقولون له ذلك في وجهه، و كان بمصر أسود يصيح دائما معاوية خال عليّ، فقتل بتنيس أيام القائد جوهر.

و لما ورد الخبر بقيام بني حسن بمكة و محاربتهم الحاج و نهبهم، خرج خلق من المصريين في شوّال فلقوا كافور الإخشيديّ بالميدان ظاهر مدينة مصر و ضجوا و صاحوا معاوية خال عليّ، و سألوه أن يبعث لنصرة الحاج على الطالبيين. و في شهر رمضان سنة ثلاث و خمسين و ثلاثمائة أخذ رجل يعرف بابن أبي الليث الملطيّ ينسب إلى التشيع فضرب مائتي سوط و درة، ثم ضرب في شوّال خمسمائة سوط و درة، و جعل في عنقه غل و حبس و كان يتفقد في كلّ يوم لئلا يخفف عنه و يبصق في وجهه، فمات في محبسه فحمل ليلا و دفن، فمضت جماعة إلى قبره لينبشوه و بلغوا إلى القبر فمنعهم جماعة من الإخشيدية و الكافورية، فأبوا و قالوا هذا قبر رافضيّ، فثارت فتنة و ضرب جماعة و نهبوا كثيرا حتى تفرّق الناس.

و في سنة ست و خمسين كتب في صفر على المساجد ذكر الصحابة و التفضيل، فأمر الأستاذ كافور الإخشيديّ بإزالته، فحدّثه جماعة في إعادة ذكر الصحابة على المساجد فقال:

ما أحدث في أيامي ما لم يكن و ما كان في أيام غيري فلا أزيله، و ما كتب في أيامي أزيله، ثم أمر من طاف و أزاله من المساجد كلها. و لما دخل جوهر القائد بعساكر المعز لدين اللّه إلى مصر و بنى القاهرة أظهر مذهب الشيعة و أذن في جميع المساجد الجامعة و غيرها حيّ على خير العمل، و أعلن بتفضيل عليّ بن أبي طالب على غيره، و جهر بالصلاة عليه و على الحسن و الحسين و فاطمة الزهراء (رضوان اللّه عليهم)، فشكا إليه جماعة من أهل المسجد الجامع أمر عجوز عمياء تنشد في الطريق، فأمر بها فحبست فسرّ الرعية بذلك و نادوا بذكر الصحابة و نادوا معاوية خال عليّ و خال المؤمنين، فأرسل جوهر حين بلغه ذلك رجلا إلى الجامع فنادى: أيها الناس أقلوا القول و دعوا الفضول، فإنما حبسنا العجوز صيانة لها، فلا ينطقن أحد إلّا حلّت به العقوبة الموجعة، ثم أطلق العجوز.

و في ربيع الأوّل سنة اثنتين و ستين عزر سليمان بن عروة المحتسب جماعة من‏

162

الصيارفة فشغبوا و صاحوا معاوية خال عليّ بن أبي طالب، فهمّ جوهر أن يحرق رحبة الصيارفة، لكن خشي على الجامع، و أمر الإمام بجامع مصر أن يجهر بالبسملة في الصلاة و كانوا لا يفعلون ذلك، و زيد في صلاة الجمعة القنوت في الركعة الثانية، و أمر في المواريث بالردّ على ذوي الأرحام، و أن لا يرث مع البنت أخ و لا أخت و لا عم و لا جدّ و لا ابن أخ و لا ابن عم، و لا يرث مع الولد الذكر أو الأنثى إلّا الزوج أو الزوجة و الأبوان و الجدّة، و لا يرث مع الأمّ إلّا من يرث مع الولد، و خاطب أبو الطاهر محمد بن أحمد قاضي مصر القائد جوهرا في بنت و أخ، و أنه كان حكم قديما للبنت بالنصف و للأخ بالباقي، فقال لا أفعل فلما ألح عليه قال: يا قاضي هذا عداوة لفاطمة (عليها السلام)، فأمسك أبو الطاهر و لم يراجعه بعد في ذلك، و صار صوم شهر رمضان و الفطر على حساب لهم، فأشار الشهود على القاضي أبي الطاهر أن لا يطلب الهلال، لأنّ الصوم و الفطر على الرؤية قد زال، فانقطع طلب الهلال من مصر و صام القاضي و غيره مع القائد جوهر كما يصوم، و أفطروا كما يفطر. و لما دخل المعز لدين اللّه إلى مصر و نزل بقصره من القاهرة المعزية، أمر في رمضان سنة اثنتين و ستين و ثلاثمائة فكتب على سائر الأماكن بمدينة مصر خير الناس بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). و في صفر سنة خمس و ستين و ثلاثمائة جلس عليّ بن النعمان القاضي بجامع القاهرة المعروف بالجامع الأزهر و أملى مختصر أبيه في الفقه عن أهل البيت، و يعرف هذا المختصر بالاقتصار، و كان جمعا عظيما و أثبت أسماء الحاضرين.

و لما تولى يعقوب بن كلس الوزارة للعزيز بالله نزار بن المعز رتب في داره العلماء من الأدباء و الشعراء و الفقهاء و المتكلمين، و أجرى لجميعهم الأرزاق، و ألف كتابا في الفقه و نصب له مجلسا و هو يوم الثلاثاء يجتمع فيه الفقهاء و جماعة من المتكلمين و أهل الجدل، و تجري بينهم المناظرات، و كان يجلس أيضا في يوم الجمعة فيقرأ مصنفاته على الناس بنفسه، و يحضر عنده القضاة و الفقهاء و القرّاء و النحاة و أصحاب الحديث و وجوه أهل العلم و الشهود، فإذا انقضى المجلس من القراءة قام الشعراء لإنشاد مدائحهم فيه، و جعل للفقهاء في شهر رمضان الأطعمة، و ألف كتابا في الفقه يتضمن ما سمعه من المعز لدين اللّه و من ابنه العزيز بالله، و هو مبوّب على أبواب الفقه يكون قدره مثل نصف صحيح البخاريّ، ملكته و وقفت عليه، و هو يشتمل على فقه الطائفة الإسماعيلية، و كان يجلس لقراءة هذا الكتاب على الناس بنفسه و بين يديه خواص الناس و عوامّهم و سائر الفقهاء و القضاة و الأدباء، و أفتى الناس به و درّسوا فيه بالجامع العتيق، و أجرى العزيز بالله لجماعة من الفقهاء يحضرون مجلس الوزير و يلازمونه أرزاقا تكفيهم في كلّ شهر، و أمر لهم ببناء دار إلى جانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة تحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلّى صلاة العصر، و كان لهم من مال الوزير أيضا صلة في كلّ سنة، و عدّتهم خمسة و ثلاثون رجلا، و خلع عليهم العزيز

163

بالله في يوم عيد الفطر و حملهم على بغال.

و في سنة اثنتين و سبعين و ثلاثمائة أمر العزيز بن المعز بقطع صلاة التروايح من جميع البلاد المصرية. و في سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة ضرب رجل بمصر و طيف به المدينة من أجل أنه وجد عنده كتاب الموطأ لمالك بن أنس رحمه اللّه. و في شهر ربيع الأوّل سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة جلس القاضي محمد بن النعمان على كرسيّ بالقصر في القاهرة لقراءة علوم أهل البيت على الرسم المتقدّم له و لأخيه بمصر، و لأبيه بالمغرب، فمات في الزحمة أحد عشر رجلا. و في جمادى الأولى سنة إحدى و تسعين و ثلاثمائة قبض على رجل من أهل الشام سئل عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فقال لا أعرفه، فاعتقله قاضي القضاة الحسن بن النعمان قاضي أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه على القاهرة المعزية و مصر و الشامات و الحرمين و المغرب، و بعث إليه و هو في السجن أربعة من الشهود و سألوه، فأقرّ بالنبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أنه نبيّ مرسل، و سئل عن عليّ بن أبي طالب فقال لا أعرفه، فأمر قائد القوّاد الحسين بن جوهر بإحضاره، فخلا به و رفق في القول له فلم يرجع عن إنكاره معرفة عليّ بن أبي طالب، فطولع الحاكم بأمره فأمر بضرب عنقه فضرب عنقه و صلب. و في سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة قبض على ثلاثة عشر رجلا و ضربوا و شهروا على الجمال و حبسوا ثلاثة أيام من أجل أنهم صلوا صلاة الضحى.

و في سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة قري‏ء سجل في الجوامع بمصر و القاهرة و الجزيرة بأن تلبس النصارى و اليهود الغيار و الزنار، و غيارهم السواد غيار العاصين العباسيين، و أن يشدّوا الزنار و فيه وقوع و فحش في حق أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما، و قرى‏ء سجل آخر فيه منع الناس من أكل الملوخيا المحببة كانت لمعاوية بن أبي سفيان، و منعهم من أكل البقلة المسماة بالجرجير المنسوبة لعائشة رضي اللّه عنها، و من المتوكلية المنسوبة إلى المتوكل، و المنع من عجين الخبز بالرجل، و المنع من أكل الدلينس و من ذبح البقر إلّا ذا عاهة ما، عدا أيام النحر، فإنه يذبح فيها البقر فقط، و الوعيد للنخاسين متى باعوا عبدا أو أمة لذميّ، و قري‏ء سجل آخر بأن يؤذن لصلاة الظهر في أوّل الساعة السابعة، و يؤذن لصلاة العصر في أوّل الساعة التاسعة، و قري‏ء أيضا سجل بالمنع من عمل الفقاع و بيعه في الأسواق لما يؤثر عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه من كراهية شرب الفقاع، و ضرب في الطرقات و الأسواق بالحرس، و نودي أن لا يدخل أحد الحمام إلّا بمئزر، و لا تكشف امرأة وجهها في طريق، و لا خلف جنازة، و لا تتبرّج، و لا يباع شي‏ء من السمك بغير قشر، و لا يصطاده أحد من الصيادين، و قبض على جماعة وجدوا في الحمام بغير مئزر فضربوا و شهروا. و كتب في صفر من هذه السنة على سائر المساجد و على الجامع العتيق بمصر من ظاهره و باطنه من جميع جوانبه، و على أبواب الحوانيت و الحجر و على المقابر و الصحراء سبّ السلف و لعنهم، و نقش ذلك و لوّن بالأصباغ و الذهب، و عمل ذلك على أبواب الدور

164

و القياسر، و أكره الناس على ذلك، و تسارع الناس إلى الدخول في الدعوة، فجلس لهم قاضي القضاة عبد العزيز بن محمد بن النعمان، فقدموا من سائر النواحي و الضياع، فكان للرجال يوم الأحد، و للنساء يوم الأربعاء، و للأشراف و ذوي الأقدار يوم الثلاثاء، و ازدحم الناس على الدخول في الدعوة، فمات عدّة من الرجال و النساء. و لما وصلت قافلة الحاج مرّ بهم من سبّ العامّة و بطشهم ما لا يوصف، فإنهم أرادوا حمل الحاج على سبّ السلف فأبوا، فحلّ بهم مكروه شديد. و في جمادى الآخرة من هذه السنة فتحت دار الحكمة بالقاهرة و جلس فيها القرّاء، و حملت الكتب إليها من خزائن القصور، و دخل الناس إليها و جلس فيها القرّاء و الفقهاء و المنجمون و النحاة و أصحاب اللغة و الأطباء، و حصل فيها من الكتب في سائر العلوم ما لم ير مثله مجتمعا، و أجرى على من فيها من الخدّام و الفقهاء الأرزاق السنية، و جعل فيها ما يحتاج إليه من الحبر و الأقلام و المحابر و الورق. و في يوم عاشوراء من سنة ست و تسعين و ثلاثمائة كان من اجتماع الناس ما جرت به العادة، و أعلن بسبّ السلف فيه، فقبض على رجل نودي عليه هذا جزاء من سبّ عائشة و زوجها (صلى اللّه عليه و سلم)، و معه من الرعاع ما لا يقع عليه حصروهم يسبون السلف، فلما تمّ النداء عليه ضرب عنقه، و استهل شهر رجب من هذه السنة بيوم الأربعاء، فخرج أمر الحاكم بأمر اللّه أن يؤرّخ بيوم الثلاثاء، و في سنة سبع و تسعين و ثلاثمائة قبض على جماعة ممن يعمل الفقاع و من السماكين و من الطباخين و كبست الحمامات فأخذ عدّة ممن وجد بغير مئزر، فضرب الجميع لمخالفتهم الأمر و شهروا. و في تاسع ربيع الآخر أمر الحاكم بأمر اللّه بمحو ما كتب على المساجد و غيرها من سبّ السلف، و طاف متولي الشرطة و ألزم كل أحد بمحو ما كتب على المساجد من ذلك، ثم قري‏ء سجل في ربيع الآخر سنة تسع و تسعين و ثلاثمائة بأن لا يحمل شي‏ء من النبيذ و المزر، و لا يتظاهر به و لا بشي‏ء من الفقاع و الدلينس و السمك الذي لا قشر له و الترمس العفن، و قري‏ء سجل في رمضان على سائر المنابر بأنه يصوم الصائمون على حسابهم و يفطرون، و لا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون و مفطرون، صلاة الخمس الدين، فبما جاءهم فيها يصلون، و صلاة الضحى و صلاة التراويح لا مانع لهم منها.

و لا هم عنها يدفعون، يخمّس في التكبير على الجنائز المخمسون، و لا يمنع من التربيع عليها المربّعون، يؤذن بحيّ على خير العمل المؤذنون، و لا يؤذى من بها لا يؤذنون، و لا يسب أحد من السلف، و لا يحتسب على الواصف فيهم بما وصف، و الحالف منهم بما حلف، لكلّ مسلم مجتهد في دينه اجتهاده، و إلى اللّه ربه معاده عنده كتابه و عليه حسابه.

و في صفر سنة أربعمائة شهر جماعة بعد ما ضربوا بسبب بيع الفقاع و الملوخيا و الدلينس و الترمس.

و في تاسع عشر شهر شوّال أمر الحاكم بأمر اللّه برفع ما كان يؤخذ من الخمس و الزكاة و الفطرة و النجوى، و أبطل قراءة مجالس الحكمة في القصر، و أمر بردّ التثويب في الأذان،

165

و أذّن للناس في صلاة الضحى و صلاة التراويح، و أمر المؤذنين بأسرهم في الأذان بأن لا يقولوا حيّ على خير العمل، و أن يقولوا في الأذان للفجر الصلاة خير من النوم، ثم أمر في ثاني عشري ربيع الآخر سنة ثلاث و أربعمائة بإعادة قول حيّ على خير العمل في الأذان، و قطع التثويب و ترك قولهم الصلاة خير من النوم، ثم أمر في ثاني عشري ربيع الآخر سنة ثلاث و أربعمائة بإعادة قول حيّ على خير العمل في الأذان، و قطع التثويب و ترك قولهم الصلاة خير من النوم، و منع من صلاة الضحى، و صلاة التراويح، و فتح باب الدعوة، و أعيدت قراءة المجالس بالقصر على ما كانت، و كان بين المنع من ذلك و الأذن فيه خمسة أشهر، و ضرب في جمادى من هذه السنة جماعة و شهروا بسبب بيع الملوخيا و السمك الذي لا قشر له و شرب المسكرات، و تتبع السكارى فضيق عليهم.

و في يوم الثلاثاء سابع عشري شعبان سنة إحدى و أربعمائة وقع قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقيّ إلى سائر الشهود و الأمناء بخروج الأمر المعظم، بأن يكون الصوم يوم الجمعة و العيد يوم الأحد. و في شعبان سنة اثنتين و أربعمائة قري‏ء سجل يشدّد فيه النكير على بيع الملوخيا و الفقاع و السمك الذي لا قشر له، و منع النساء من الاجتماع في المآتم و من اتباع الجنائز، و أحرق الحاكم بأمر اللّه في هذا الشهر الزبيب الذي وجد في مخازن التجار، و أحرق ما وجد من الشطرنج، و جمع صيادي السمك و حلّفهم بالأيمان المؤكدة أن لا يصطادوا سمكا بغير قشر، و من فعل ذلك ضربت عنقه، و أحرق في خمسة عشر يوما ألفين و ثمانمائة و أربعين قطعة زبيب بلغ ثمن النفقة عليها خمسمائة دينار، و منع من بيع العنب إلّا أربعة أرطال فما دونها، و منع من اعتصاره، و طرح عنبا كثيرا في الطرقات و أمر بدوسه، فامتنع الناس من التظاهر بشي‏ء من العنب في الأسواق، و اشتدّ الأمر فيه، و غرق منه ما حمل في النيل، و أحصي ما بالجيزة من الكروم، فقطف ما عليها من العنب و طرح ما جمعه من ذلك تحت أرجل البقر لتدوسه، و فعل مثل ذلك في جهات كثيرة، و ختم على مخازن العسل، و غرّق منه في أربعة أيام خمسة آلاف جرّة و إحدى و خمسين جرّة فيها العسل، و غرق من عسل النحل قدر إحدى و خمسين زيرا. و في جمادى الآخرة سنة ثلاث و أربعمائة، اشتدّ الإنكار على الناس بسبب بيع الفقاع و الزبيب و السمك الذي لا قشر له، و قبض على جماعة وجد عندهم زبيب فضربت أعناقهم و سجنت عدّة منهم و أطلقوا. و في شوّال اعتقل رجل ثم شهر و نودي عليه هذا جزاء من سبّ أبا بكر و عمر و يثير الفتن، فاجتمع خلق كثير بباب القصر فاستغاثوا، لا طاقة لنا بمخالفة المصريين و لا بمخالفة الحشوية من العوام، و لا صبر لنا على ما جرى، و كتبوا قصصا فصرفوا و وعدوا بالمجي‏ء في غد، فبات كثير منهم بباب القصر، و اجتمعوا من الغد فصاحوا و ضجوا فخرج إليهم قائد القوّاد غين، فنهاهم و أمرهم عن أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أن يمضوا إلى معايشهم، فانصرفوا إلى قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقيّ و شكوا إليه، فتبرّم من ذلك فمضوا و فيهم من يسب‏

166

السلف و يعرّض بالناس، فقري‏ء سجل في القصر بالترحم على السلف من الصحابة، و النهي عن الخوض في ذلك، و ركب مرّة فرأى لوحا على قيسارية فيه سب السلف فأنكره، و ما زال واقفا حتى قلع و ضرب بالحرس في سائر طرقات مصر و القاهرة، و قري‏ء سجل بتتبع الألواح المنصوبة على سائر أبواب القياسر و الحوانيت و الدور و الخانات و الأرباع المشتملة على ذكر الصحابة و السلف الصالح، رحمهم اللّه، بالسب و اللعن، و قلع ذلك و كسره و تعفية أثره، و محو ما على الحيطان من هذه الكتابة، و إزالة جميعها من سائر الجهات حتى لا يرى لها أثر في جدار و لا نقش في لوح، و حذّر فيه من المخالفة، و هدّد بالعقوبة، ثم انتقض ذلك كله و عاد الأمر إلى ما كان عليه إلى أن قتل الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبو عليّ منصور بن المستعلي بالله أبي القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معدّ.

و ثار أبو عليّ أحمد الملقب كتيفات ابن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش، و استولى على الوزارة في شنة أربع و عشرين و خمسمائة، و سجن الحافظ لدين اللّه أبا الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن الخليفة المستنصر بالله، و أعلن بمذهب الإمامية و الدعوة للإمام المنتظر، و ضرب دراهم نقشها: اللّه الصمد الإمام محمد. و رتب في سنة خمس و عشرين أربعة قضاة، اثنان أحدهما إماميّ و الآخر إسماعيليّ، و اثنان أحدهما مالكيّ و الآخر شافعيّ، فحكم كل منهما بمذهبه و ورّث على مقتضاه، و أسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق و أبطل من الأذان حيّ على خير العمل، و قولهم محمد و عليّ خير البشر، فلما قتل في المحرّم سنة ست و عشرين عاد الأمر إلى ما كان عليه من مذهب الإسماعيلية.

و ما برح حتى قدمت عساكر الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي من دمشق، عليها أسد الدين شيركوه، و ولى وزارة مصر للخليفة العاضد لدين اللّه أبي محمد عبد اللّه بن الأمير يوسف بن الحافظ لدين اللّه، و مات، فقام في الوزارة بعده ابن أخيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في جمادى الآخرة سنة أربع و ستين و خمسمائة، و شرع في تغيير الدولة و إزالتها، و حجر على العاضد و أوقع بأمراء الدولة و عساكرها، و أنشأ بمدينة مصر مدرسة للفقهاء الشافعية، و مدرسة للفقهاء المالكية، و صرف قضاة مصر الشيعة كلهم، و فوّض القضاء لصدر الدين عبد الملك بن درباس المارانيّ الشافعيّ، فلم يستنب عنه في إقليم مصر إلّا من كان شافعيّ المذهب، فتظاهر الناس من حينئذ بمذهب مالك و الشافعيّ، و اختفى مذهب الشيعة و الإسماعيلية و الإمامية حتى فقد من أرض مصر كلها، و كذلك كان السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر حنيفا فيه تعصب، فنشر مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه ببلاد الشام، و منه كثرت الحنفية بمصر، و قدم إليها أيضا عدّة من بلاد الشرق، و بنى لهم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب المدرسة السيوفية بالقاهرة، و ما زال مذهبهم ينتشر و يقوى و فقهاؤهم تكثر بمصر و الشام من حينئذ.

و أما العقائد فإن السلطان صلاح الدين حمل الكافة على عقيدة الشيخ أبي الحسن عليّ بن‏

167

إسماعيل الأشعريّ، تلميذ أبي علي الجبائيّ، و شرط ذلك في أوقافه التي بديار مصر، كالمدرسة الناصرية بجوار قبر الإمام الشافعيّ من القرافة، و المدرسة الناصرية التي عرفت بالشريفية بجوار جامع عمرو بن العاص بمصر، و المدرسة المعروفة بالقمحية بمصر، و خانكاه سعيد السعداء بالقاهرة. فاستمرّ الحال على عقيدة الأشعريّ بديار مصر و بلاد الشام و أرض الحجاز و اليمن و بلاد المغرب أيضا، لإدخال محمد بن تومرت رأي الأشعريّ إليها، حتى أنه صار هذا الاعتقاد بسائر هذه البلاد، بحيث أن من خالفه ضرب عنقه، و الأمر على ذلك إلى اليوم، و لم يكن في الدولة الأيوبية بمصر كثير ذكر لمذهب أبي حنيفة و أحمد بن حنبل، ثم اشتهر مذهب أبي حنيفة و أحمد بن حنبل في آخرها.

فلما كانت سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ، ولي بمصر و القاهرة أربعة قضاة، و هم شافعيّ و مالكيّ و حنفيّ و حنبليّ. فاستمرّ ذلك من سنة خمس و ستين و ستمائة، حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة، و عقيدة الأشعريّ، و عملت لأهلها المدارس و الخوانك و الزوايا و الربط في سائر ممالك الإسلام، و عودي من تمذهب بغيرها، و أنكر عليه، و لم يولّ قاض و لا قبلت شهادة أحد و لا قدّم للخطابة و الإمامة و التدريس أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب، و أفتى فقهاء هذه الأمصار في طول هذه المدّة بوجوب اتباع هذه المذاهب و تحريم ما عداها، و العمل على هذا إلى اليوم، و إذ قد بينا الحال في سبب اختلاف الأمّة منذ توفي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أن استقرّ العمل على مذهب مالك و الشافعيّ و أبي حنيفة و أحمد بن حنبل، رحمة اللّه عليهم، فلنذكر اختلاف عقائد أهل الإسلام منذ كان إلى أن التزم الناس عقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعريّ رحمه اللّه و رضي عنه.

ذكر فرق الخليقة و اختلاف عقائدها و تباينها

اعلم أن الذين تكلموا في أصول الديانات قسمان، هما من خالف ملة الإسلام، و من أقرّ بها. فأما المخالفون لملة الإسلام فهم عشر طوائف: الأولى الدهرية، و الثانية أصحاب العناصر. و الثالثة الثنوية: و هم المجوس، و يقولون بأصلين هما النور و الظلمة، و يزعمون أن النور هو يزدان، و الظلمة هو أهرمن، و يقرّون بنبوّة إبراهيم (عليه السلام)، و هم ثمان فرق: الكيومرتية أصحاب كيومرت الذي يقال أنه آدم. و الزروانية أصحاب زروان الكبير، و الزرادشتية أصحاب زراداشت بن بيورشت الحكيم، و الثنوية أصحاب الاثنين الأزليين.

و المانوية أصحاب ماني الحكيم. و المزركية أصحاب مزرك الخارجي. و البيصانية أصحاب بيصان القائل بالأصلين القديمين. و الفرقونية القائلون بالأصلين. و أنّ الشرّ خرج على أبيه و أنه تولد من فكرة فكرها في نفسه، فلما خرج على أبيه الذي هو الإله بزعمهم عجز عنه،

168

ثم وقع الصلح بينهما على يد الندمات و هم الملائكة، و منهم من يقول بالتناسخ، و منهم من ينكر الشرائع و الأنباء، و يحكمون العقول، و يزعمون أن النفوس العلوية تفيض عليهم الفضائل.

و الطائفة الرابعة الطبائعيون.

و الطائفة الخامسة الصابئة القائلون بالهياكل و الأرباب السماوية و الأصنام الأرضية، و إنكار النبوّات، و هم أصناف و بينهم و بين الحنفاء مناظرات و حروب مهلكة، و تولدت من مذاهبهم الحكمة الملطية، و منهم أصحاب الروحانيات، و هم عباد الكواكب و أصنامها التي عملت على تمثالها، و الحنفاء هم القائلون بأن الروحانيات منها ما وجودها بالقوّة، و منها ما وجودها بالفعل، فما هو بالقوّة يحتاج إلى من يوجده بالفعل. و يقرّون بنبوّة إبراهيم، و أنه منهم. و هم طوائف: الكاظمة أصحاب كاظم بن تارح، و من قوله أنّ الحق في الجمع بين شريعة إدريس و شريعة نوح و شريعة إبراهيم (عليهم السلام)، و منهم البيدانية: أصحاب بيدان الأصغر، و من قوله اعتقاد نبوّة من يفهم عالم الروح، و أن النبوّة من أسرار الإلهية. و منهم القنطارية: أصحاب قنطار بن أرفخشد، و يقرّ بنبوّة نوح. و من فرق الصابئة أصحاب الهياكل: و يرون أن الشمس إله كلّ إله. و الحرّانية: و من قولهم المعبود واحد بالذات و كثير بالأشخاص في رأي العين، و هي المدبرات السبع من الكواكب و الأرضية الجزئية و العالمة الفاضلة.

و الطائفة السادسة اليهود. و السابعة النصارى.

و الثامنة أهل الهند القائلون بعبادة الأصنام، و يزعمون أنها موضوعة قبل آدم، و لهم حكم عقلية و أحكام وضعها الشلم، أعظم حكامهم، و المهندم قبله، و البراهمة قبل ذلك.

فالبراهمة أصحاب برهام أوّل من أنكر نبوّة البشر، و منهم البردة زهاد عباد رجال الرماد الذي يهجرون اللذات الطبيعية، و أصحاب الرياضة التامّة، و أصحاب التناسخ، و هم أقسام أصحاب الروحانية و البهادرية و الناسوتية و الباهرية و الكابلية، أهل الجبل. و منهم الطبسيون أصحاب الرياضة الفاعلة، حتّى أن منهم من يجاهد نفسه حتى يسلطها على جسده، فيصعد في الهواء على قدر قوّته، و في اليهود عباد النار و عباد الشمس و القمر و النجوم و عباد الأوثان.

و الطائفة التاسعة الزنادقة و هم طوائف منهم القرامطة.

و العاشرة الفلاسفة أصحاب الفلسفة، و كلمة فيلسوف معناها محب الحكمة، فإن فيلو محب، و سوفا حكمة، و الحكمة قولية و فعلية، و علم الحكماء انحصر في أربعة أنواع:

الطبيعيّ و المدنيّ و الرياضيّ و الإلهيّ. و المجموع ينصرف إلى علم ما، و علم كيف، و علم‏

169

كم، فالعلم الذي يطلب فيه ماهيات الأشياء هو الإلهيّ، و الذي يطلب فيه كيفيات الأشياء هو الطبيعيّ، و الذي يطلب فيه كميات الأشياء هو الرياضيّ. و وضع بعد ذلك أرسطو صنعة المنطق، و كانت بالقوّة في كلام القدماء، فأظهرها و رتبها. و اسم الفلاسفة يطلق على جماعة من الهند، و هم الطبسيون و البراهمة، و لهم رياضة شديدة، و ينكرون النبوّة أصلا، و يطلق أيضا على العرب بوجه أنقص، و حكمتهم ترجع إلى أفكارهم و إلى ملاحظة طبيعية، و يقرّون بالنبوّات، و هم أضعف الناس في العلوم، و من الفلاسفة حكماء الروم، و هم طبقات، فمنهم أساطين الحكمة، و هم أقدمهم، و منهم المشاؤون و أصحاب الرواق، و أصحاب أرسطو، و فلاسفة الإسلام. فمن فلاسفة الروم الحكماء السبعة، أساطين الحكمة، أهل ملطية و قونية و هم: تاليس الملطيّ، و انكساغورس، و انكسمالس، و ابنادفيس، و فيثاغورس، و سقراط، و أفلاطون. و دون هؤلاء فلوطس، و بقراط، و ديمقراطيس، و أسعر و النساس.

و منهم حكماء الأصول من القدماء، و لهم القول بالسيمياء، و لهم أسرار الخواص و الحيل و الكيمياء و الأسماء الفعالة و الحروف، و لهم علوم توافق علوم الهند، و علوم اليونانيين، و ليس من موضوع كتابنا هذا ذكر تراجمهم، فلذلك تركناها.

القسم الثاني فرق أهل الإسلام. الذي عناهم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بقوله: «ستفترق أمّتي ثلاثا و سبعين فرقة، اثنتان و سبعون هالكة، و واحدة ناجية» و هذا الحديث أخرجه أبو داود و الترمذيّ و ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «افترقت اليهود على إحدى و سبعين أو اثنتين و سبعين فرقة، و تفرّقت النصارى على إحدى و سبعين أو اثنتين و سبعين فرقة، و تفترق أمّتي على ثلاث و سبعين فرقة» قال البيهقيّ حسن صحيح، و أخرجه الحاكم و ابن حبان في صحيحه بنحوه، فأخرجه في المستدرك من طريق الفضل بن موسى، عن محمد بن عمر، عن أبي سلمة عن أبي هريرة به، و قال هذا حديث كثير في الأصول، و قد روي عن سعد بن أبي وقاص، و عبد اللّه بن عمر، و عوف بن مالك عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بمثله، و قد احتج مسلم بمحمد بن عمر، و عن أبي سلمة عن أبي هريرة، و اتفقا جميعا على الاحتجاج بالفضل بن موسى و هو ثقة.

و اعلم أن فرق المسلمين خمسة: أهل السنة، و المرجئة، و المعتزلة، و الشيعة، و الخوارج. و قد افترقت كلّ فرقة منها على فرق، فأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا و نبذ يسير من الاعتقادات، و بقية الفرق الأربع منها من يخالف أهل السنة الخلاف البعيد، و منهم من يخالفهم الخلاف القريب، فأقرب فرق المرجئة من قال: الإيمان إنما هو التصديق بالقلب و اللسان معا فقط، و أن الأعمال إنما هي فرائض الإيمان و شرائعه فقط، و أبعدهم أصحاب جهم بن صفوان و محمد بن كرام. و أقرب فرق المعتزلة أصحاب الحسين النجار و بشر بن غياث المريسيّ، و أبعدهم أصحاب أبي الهذيل العلاف. و أقرب مذاهب الشيعة أصحاب الحسن بن صالح بن حيّ، و أبعدهم الإمامية. و أما الغالية فليسوا بمسلمين و لكنهم أهل ردّة

170

و شرك. و أقرب فرق الخوارج أصحاب عبد اللّه بن يزيد الإباضيّ، و أبعدهم الأزارقة. و أما البطيخية و من جحد شيئا من القرآن أو فارق الإجماع من العجاردة و غيرهم فكفار بإجماع الأمّة، و قد انحصرت الفرق الهالكة في عشر طوائف:

الفرقة الأولى المعتزلة: الغلاة في نفي الصفات الإلهية، القائلون بالعدل و التوحيد، و أن المعارف كلها عقلية، حصولا و وجوبا، قبل الشرع و بعده، و أكثرهم على أن الإمامة بالاختيار، و هم عشرون فرقة: إحداها الواصلية: أصحاب واصل بن عطاء أبي حذيفة الغزال، مولى بني ضبة، و قيل مولى بني مخزوم. ولد بالمدينة سنة ثمانين، و نشأ بالبصرة، و لقي أبا هاشم عبد اللّه بن محمد ابن الحنفية، و لازم مجلس الحسن بن الحسين البصريّ، و أكثر من الجلوس بسوق الغزل ليعرف النساء المتعففات فيصرف إليهنّ صدقته، فقيل له الغزال من أجل ذلك، و كان طويل العنق جدّا، حتى عابه عمرو بن عبيد بذلك فقال: من هذه عنقه لا خير عنده. فلما برع واصل، قال عمر: و ربما أخطأت الفراسة. و كان يلثغ بالراء، و مع ذلك كان فصيحا لسنا مقتدرا على الكلام، قد أخذ بجوامعه، فلذلك أمكنه أن أسقط حرف الراء من كلامه، و اجتناب الحروف صعب جدّا، لا سيما مثل الراء لكثرة استعمالها، و له رسالة طويلة لم يذكر فيها حرف الراء، أحد بدائع الكلام، و كان لكثرة صمته يظنّ به الخرس، توفي سنة إحدى و ثلاثين و مائة، و له كتاب المنزلة بين المنزلتين، و كتاب الفتيا، و كتاب التوحيد. و عنه أخذ جماعة، و أخباره كثيرة، و يقال لهم أيضا الحسنية، نسبة إلى الحسن البصريّ. و أخذ واصل العلم عن أبي هاشم عبد اللّه بن محمد ابن الحنفية، و خالفه في الإمامة، و اعتزاله يدور على أربع قواعد هي: نفي الصفات، و القول بالقدر، و القول بمنزلة بين المنزلتين، و أوجب الخلود في النار على من ارتكب كبيرة. فلما بلغ الحسن البصريّ عنه هذا قال: هؤلاء اعتزلوا، فسموا من حينئذ المعتزلة. و قيل أن تسميتهم بذلك حدثت بعد الحسن، و ذلك أن عمرو بن عبيد لما مات الحسن و جلس قتادة مجلسه اعتزله في نفر معه، فسماهم قتادة المعتزلة. القاعدة الرابعة القول بأن إحدى الطائفتين من أصحاب الجمل و صفين مخطئة لا بعينها، و كان في خلافة هشام بن عبد الملك.

و الثانية العمروية: أصحاب عمرو، و من قوله ترك قول عليّ بن أبي طالب و طلحة و الزبير رضي اللّه عنهم. و قال ابن منبه: اعتزل عمرو بن عبيد و أصحاب له الحسن، فسموا المعتزلة.

و الثالثة الهذلية: اتباع أبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاف شيخ المعتزلة، أخذ عن عثمان بن خالد الطويل، عن واصل بن عطاء، و نظر في الفلسفة و وافقهم في كثير و قال:

جميع الطاعات من الفرائض و النوافل إيمان، و انفرد بعشر مسائل و هي: أن علم اللّه و قدرته و حياته هي ذاته، و أثبت إرادات لا محل لها يكون الباري مريدا لها. و قال: بعض كلام اللّه‏

171

لا في محل، و هو قوله كن. و بعضه في محل، كالأمر و النهي. و قال في أمور الآخرة.

كمذهب الجبرية. و قال تنتهي مقدورات اللّه حتى لا يقدر على إحداث شي‏ء و لا على إفناء شي‏ء و لا إحياء شي‏ء و لا إماتة شي‏ء، و تنقطع حركات أهل الجنة و النار و يصيرون إلى سكون دائم. و قال: الاستطاعة عرض من الأعراض نحو السلامة، و الصحة. و فرّق بين أعمال القلوب و أعمال الجوارح و قال: تجب معرفة اللّه قبل ورود السمع. و أن المرء المقتول إن لم يقتل مات في ذلك الوقت، و لا يزاد العلم و لا ينقص بخلاف الرزق. و قال: إرادة اللّه عين المراد، و الحجة لا تقوم فيما غاب إلّا بخبر عشرين.

و الرابعة النظامية: اتباع إبراهيم بن سيار النظّام، بتشديد الظاء المعجمة، زعيم المعتزلة و أحد السفهاء، انفرد بعدّة مسائل و هي: قوله أنّ اللّه تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور و المعاصي، و أنها غير مقدورة للّه. و قال: ليس للّه إرادة، و أفعال العباد كلها حركات، و النفس و الروح هو الإنسان، و البدن إنما هو آلة فقط، و أن كل ما جاوز القدرة من الفعل فهو من اللّه، و هو فعله، و أنكر الجوهر الفرد، و أحدث القول بالطفرة، و قال: الجوهر مؤلف من أعراض اجتمعت، و زعم أنّ اللّه خلق الموجودات دفعة على ما هي عليه، و أن الإعجاز في القرآن من حيث الإخبار عن الغيب فقط، و أنكر أن يكون الإجماع حجة، و طعن في الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم. و قال قبحه اللّه: أبو هريرة أكذب الناس، و زعم أنه ضرب فاطمة ابنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و منع ميراث العترة، و أوجب معرفة اللّه بالفكر قبل ورود الشرع، و حرّم نكاح الموالي العربيات. و قال: لا تجوز صلاة التراويح، و نهى عن ميقات الحج، و كذب بانشقاق القمر، و أحال رؤية الجنّ، و زعم أن من سرق مائتي دينار فما دونها لم يفسق، و أن الطلاق بالكتابة لا يقع و إن كان بنيّة، و أنّ من نام مضطجعا لا ينتقض و ضوءه ما لم يخرج منه الحدث. و قال: لا يلزم قضاء الصلوات إذا فاتت.

و الخامسة الإسوارية: اتباع أبي عليّ عمرو بن قائد الإسواريّ، القائل أن اللّه تعالى لا يقدر أن يفعل ما علم أنه لا يفعله. و السادسة الإسكافية: اتباع أبي جعفر محمد بن عبد اللّه الإسكافيّ، و من قوله أنّ اللّه تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء، و يقدر على ظلم الأطفال و المجانبين، و أنه لا يقال أنّ اللّه خالق المعازف و الطنابير و إن كان هو الذي خلق أجسامها.

و السابعة الجعفرية: اتباع جعفر بن حرب بن ميسرة، و من قوله أنّ في فسّاق هذه الأمّة من هو شرّ من اليهود و النصارى و المجوس، و أسقط الحدّ عن شارب الخمر، و زعم أن الصغائر من الذنوب توجب تخليد فاعلها في النار، و أنّ رجلا لو بعث رسولا إلى امرأة ليخطبها فجاءته فوطئها من غير عقد لم يكن عليه حدّ، و يكون وطؤه إياها طلاقا لها.

و الثامنة البشرية: اتباع بشر بن المعتمر، و من قوله الطعم و اللون و الرائحة و الإدراكات كلها من السمع، يجوز أن تحصل متولدة، و صرف الاستطاعة إلى سلامة البنية و الجوارح.

172

و قال: لو عذب اللّه الطفل الصغير لكان ظالما، و هو يقدر على ذلك. و قال: إرادة اللّه من جملة أفعال، ثم هي تنقسم إلى صفة فعل و صفة ذات. و قال: باللطف المخزون، و أن اللّه لم يخلقه لأنّ ذلك يوجب عليه الثواب، و أن التوبة الأولى متوقفة على الثانية، و أنها لا تنفع إلّا بعدم الوقوع في الذي وقع فيه، فإن وقع لم تنفعه التوبة الأولى.

و التاسعة المزدارية: أتباع أبي موسى عيسى بن صبيح المعروف بالمزدار، تلميذ بشر بن المعتمر، و كان زاهدا، و قيل له راهب المعتزلة، و انفرد بمسائل منها. قوله أنّ اللّه قادر على أن يظلم و يكذب، و لا يطعن ذلك في الربوبية، و جوّز وقوع الفعل الواحد من فاعلين على سبيل التولد، و زعم أن القرآن مما يقدر عليه، و أن بلاغته و فصاحته لا تعجز الناس بل يقدرون على الإتيان بمثلها و أحسن منها، و هو أصل المعتزلة في القول بخلق القرآن. و قال: من أجاز رؤية اللّه بالإبصار بلا كيف فهو كافر، و الشاكّ في كفره كافر أيضا.

و العاشرة الهشامية: أتباع هشام بن عمرو الفوطيّ، الذي يبالغ في القدر و لا ينسب إلى اللّه فعلا من الأفعال، حتى أنه أنكر أن يكون اللّه هو الذي ألف بين قلوب المؤمنين، و أنه يحب الإيمان للمؤمنين، و أنه أضل الكافرين. و عاند ما في القرآن من ذلك و قال: لا تنعقد الإمامية في زمن الفتنة و اختلاف الناس، و أن الجنة و النار غير مخلوقتين. و منع أن يقال حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و قال لأن الوكيل دون الموكل، و قال: لو أسبغ أحد الوضوء، و دخل فيه الصلاة بنيّة القربة للّه تعالى، و العزم على إتمامها، و ركع و سجد مخلصا في ذلك كله، إلّا أنّ اللّه علم أنه يقطعها في آخرها، فإن أوّل صلاته معصية. و منع أن يكون البحر انفلق لموسى، و أن عصاه انقلبت حية، و أن عيسى أحيى الموتى، بإذن اللّه، و أن القمر انشق للنبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و أنكر كثيرا من الأمور التي تواترت، كحصر عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، و قتله بالغلبة. و قال: إنما جاءته شرذمة قليلة تشكو عمّاله و دخلوا عليه و قتلوه، فلا يدري قاتله. و قال: إنّ طلحة و الزبير و عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، ما جاؤوا للقتال في حرب الجمل، و إنما برزوا للمشاورة، و تقاتل أتباع الفريقين في ناحية أخرى، و أن الأمّة إذا اجتمعت كلها و تركت الظلم و الفساد احتاجت إلى إمام يسوسها، فأما إذا عصت و فجرت و قتلت و اليها فلا تنعقد الإمامة لأحد، و بنى على ذلك أنّ إمامة عليّ رضي اللّه عنه لم تنعقد، لأنها كانت في حال الفتنة بعد قتل عثمان، و هو أيضا مذهب الأصم و واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد، و أنكر افتضاض الأبكار في الجنة، و أنكر أن الشيطان يدخل في الإنسان و إنما يوسوس له من خارج، و اللّه يوصل وسوسته إلى قلب ابن آدم. و قال: لا يقال خلق اللّه الكافر، لأنه اسم العبد و الكفر جميعا، و أنكر أن يكون في أسماء اللّه الضارّ النافع.

و الحادية عشر الحائطية: اتباع أحمد بن حائط أحد أصحاب إبراهيم بن سيار النظّام و له بدع شنيعة منها: أنّ للخلق إلهين، أحدهما خالق و هو الإله القديم، و الآخر مخلوق‏

173

و هو عيسى ابن مريم، و زعم أن المسيح ابن اللّه، و أنه هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، و أنه هو المعنيّ بقول اللّه تعالى في القرآن: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ‏ [البقرة/ 210] و زعم في قول النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «إن اللّه خلق آدم على صورته» أن معناه خلقه إياه على صورة نفسه. و أن معنى قوله (عليه السلام): «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» إنما أراد به عيسى، و زعم أن في الدواب و الطيور و الحشرات حتى البق و البعوض و الذباب أنبياء لقول اللّه سبحانه: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر/ 24] و قوله تعالى: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ [الانعام/ 38] و لقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لو لا أن الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها» و ذهب مع ذلك إلى القول بالتناسخ، و زعم أن اللّه ابتدأ الخلق في الجنة، و إنما خرج من خرج منها بالمعصية، و طعن في النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من أجل تعدّد نكاحه و قال: إنّ أبا ذر الغفاريّ أنسك و أزهد منه قبحه اللّه، و زعم أنّ كل من نال خيرا في الدنيا إنما هو بعمل كان منه، و من ناله مرض أو آفة فبذنب كان منه، و زعم أن روح اللّه تناسخت في الأئمة.

و الثانية عشر الحمارية: أتباع قوم من معتزلة عسكر مكرم، و من مذهبهم أن الممسوخ إنسان كافر معتقد الكفر، و أن النظر أوجب المعرفة، و هو لا فاعل له، و كذلك الجماع أوجب الولد، فشكّ في خالق الولد، و أنّ الإنسان يخلق أنواعا من الحيوانات بطريق التعفين، و زعموا أنه يجوز أن يقدر اللّه العبد على خلق الحياة و القدرة.

و الثالثة عشر المعمرية: أتباع معمر بن عباد السلميّ، و هو أعظم القدرية غلوّا، و بالغ في رفع الصفات و القدرة بالجملة، و انفرد بمسائل منها: أنّ الإنسان يدبر الجسد و ليس بحال فيه، و الإنسان عنده ليس بطويل و لا عريض، و لا ذي لون و تأليف و حركة، و لا حال و لا متمكن، و أنّ الإنسان شي‏ء غير هذا الجسد، و هو حيّ عالم قادر مختار، و ليس هو بمتحرّك و لا ساكن. و لا متلوّن و لا يرى و لا يلمس و لا يحلّ موضعا و لا يحويه مكان، فوصف الإنسان بوصف الإلهية عنده، فإن مدبر العالم موصوف عنده كذلك، و زعم أن الإنسان منعم في الحياة و موزر في النار، و ليس هو في الجنة و لا في النار حالا و لا متمكنا. و قال: أنّ اللّه لم يخلق غير الأجسام، و الأعراض تابعة لها متولدة منها، و أنّ الأعراض لا تتناهى في كل نوع، و أنّ الإرادة من اللّه للشي‏ء غير اللّه و غير خلقه، و أنّ اللّه ليس بقديم، لأنّ ذلك أخذ من قدم يقدم فهو قديم.

و الرابعة عشر الثمانية: أتباع ثمامة بن أشرس النميريّ، و جمع بين النقائض و قال:

174

العلوم كلها ضرورية، فكلّ من لم يضطرّ إلى معرفة اللّه فليس بمأمور بها، و هو كالبهائم و نحوها، و زعم أن اليهود و النصارى و الزنادقة يصيرون يوم القيامة ترابا كالبهائم لا نواب لهم و لا عقاب عليهم البتة، لأنهم غير مأمورين، إذ هم غير مضطرّين إلى معرفة اللّه تعالى، و زعم أنّ الأفعال كلها متولدة لا فاعل لها، و أنّ الاستطاعة هي السلامة و صحة الجوارح، و أن العقل هو الذي يحسن و يقبح، تجب معرفة اللّه قبل ورود الشرع و أن لا فعل للإنسان إلّا الإرادة، و ما عداها فهو حدث.

و الخامسة عشر الجاحظية: أتباع أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، و له مسائل تميز بها عن أصحابه منها: أن المعارف كلها ضرورية، و ليس شي‏ء من ذلك من أفعال العباد، و إنما هي طبيعية، و ليس للعباد كسب سوى الإرادة، و أنّ العباد لا يخلدون في النار بل يصيرون من طبيعتها، و أنّ اللّه لا يدخل أحدا النار، و إنما النار تجذب أهلها بنفسها و طبيعتها، و أن القرآن المنزل من قبيل الأجساد، و يمكن أن يصير مرّة رجلا و مرّة حيوانا، و أن اللّه لا يريد المعاصي، و أنه لا يرى، و أن اللّه يريد بمعنى أنه لا يغلط، و لا يصح في حقه السهو فقط، و أنه يستحيل العدم على الجواهر من الأجسام.

و السادسة عشر الخياطية: أصحاب أبي الحسين بن أبي عمرو الخياط شيخ أبي القاسم الكعبيّ من معتزلة بغداد، زعم أن المعدوم شي‏ء، و أنه في العدم جسم إن كان في حدوثه جسما، و عرض إن كان في حدوثه عرضا.

و السابعة عشر الكعبية: أتباع أبي القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود البلخيّ المعروف بالكعبيّ من معتزلة بغداد، انفرد بأشياء منها: أن إرادة اللّه ليست صفة قائمة بذاته، و لا هو مدبر لذاته، و لا إرادته حادثة في محل، و إنما يرجع ذلك إلى العلم فقط، و السمع و البصر يرجع إلى ذلك أيضا، و أنكر الرؤية و قال: إذا قلنا أنه يرى المرئيات فإنما ذلك يرجع إلى علمه بها و تمييزها قبل أن يوجد.

و الثامنة عشر الجبائية: أتباع أبي عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبائيّ، من معتزلة البصرة، تفرّد بمقالات منها. أنّ اللّه تعالى يسمى مطيعا للعبد إذا فعل ما أراد العبد منه، و أن اللّه محبل للنساء بخلق الولد فيهنّ، و أن كلام اللّه عرض يوجد في أمكنة كثيرة، و في مكان بعد مكان من غير أن يعدم من مكانه الأوّل، ثم يحدث في الثاني و كان يقف في فضل عليّ على أبي بكر، و فضل أبي بكر على عليّ، و مع ذلك يقول إنّ أبا بكر خير من عمر و عثمان، و لا يقول أن عليا خير من عمر و عثمان.

و التاسعة عشرة البهشمية: أتباع أبي هاشم عبد السلام بن أبي عليّ الجبائي، انفرد ببدع في مقالاته، منها القول باستحقاق الذم من غير ذنب، و زعم أن القادر منا يجوز أن يخلو عن الفعل و الترك، و أن القادر المأمور المنهيّ إذا لم يفعل فعلا و لا ترك يكون عاصيا

175

مستحق العقاب و الذم، لا على الفعل لأنه لم يفعل ما أمر به، و أن اللّه يعذب الكافرين و العصاة لا على فعل مكتسب، و لا على محدث منه. و قال: التوبة لا تصح من قبيح مع الإصرار على قبيح آخر يعلمه أو يعتقده قبيحا، و إن كان حسنا، و أنّ التوبة لا تصح مع الإصرار على منع حسنة واجبة عليه، و أن توبة الزاني بعد ضعفه عن الجماع لا تصح، و زعم أن الطهارة غير واجبة، و إنما أمر العبد بالصلاة في حال كونه متطهرا و أن الطهارة تجزي‏ء بالماء المغصوب، و لا تجزي‏ء الصلاة في الأرض المغصوبة، و زعم أن الزنج و الترك و الهنود قادرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، و قال أبو عليّ و ابنه أبو هاشم: الإيمان هو الطاعات المفروضة.

و الفرقة العشرون من المعتزلة الشيطانية: أتباع محمد بن نعمان المعروف بشيطان الطاق، و هو من الروافض، شارك كلّا من المعتزلة و الروافض في بدعهم، و قلما يوجد معتزليّ إلّا و هو رافضيّ، إلّا قليلا منهم، انفرد بطامّة، و هي أنّ اللّه لا يعلم الشي‏ء إلّا قدّره و أراده، و أما قبل تقديره فيستحيل أن يعلّمه، و لو كان عالما بأفعال عباده لاستحال أن يمتحنهم و يختبرهم، و للمعتزلة إسام منها الثنوية، سموا بذلك لقولهم الخير من اللّه و الشرّ من العبد، و منهم الكيسانية، و الناكتية، و الأحمدية، و الوهمية، و البترية و الواسطية، و الواردية. سموا بذلك لقولهم لا يدخل المؤمنون النار، و إنما يردون عليها. و من أدخل النار لا يخرج منها قط، و منهم الحرقية. لقولهم الكفار لا تحرق إلّا مرّة، و المفنية القائلون بفناء الجنة و النار. و الواقفية القائلون بالوقف في خلق القرآن. و منهم اللفظية القائلون ألفاظ القرآن غير مخلوقة. و الملتزقة القائلون اللّه بكل مكان. و القبرية القائلون بإنكار عذاب القبر.

الفرقة الثانية المشبهة: و هم يغلون في إثبات صفات اللّه تعالى ضدّ المعتزلة، و هم سبع فرق: الهاشمية: أتباع هشام بن الحكم، و يقال لهم أيضا الحكمية، و من قولهم الإله تعالى كنور السبكية الصافية يتلألأ من جوانبه، و يرمون مقاتل بن سليمان بأنه قال: هو لحم و دم على صورة الإنسان، و هو طويل عريض عميق، و أن طوله مثل عرضه و عرضه مثل عمقه، و هو ذو لون و طعم و رائحة، و هو سبعة أشبار يشبر نفسه، و لم يصح هذا القول عن مقاتل.

و الجولقية: أتباع هشام بن سالم الجوالقيّ، و هو من الرافضة أيضا، و من شنيع قوله أن اللّه تعالى على صورة الإنسان، نصفه الأعلى موف و نصفه الأسفل مصمت، و له شعر أسود، و ليس بلحم و دم، بل هو نور ساطع، و له خمس حواس كحواس الإنسان، و يد و رجل و فم و عيون و أذن و شعر أسود لا الفرج و اللحية.

و البيانية: أتباع بيان بن سمعان القائل هو على صورة الإنسان، و يهلك كله إلّا وجهه، لظاهر الآية كلّ شي‏ء هالك إلّا وجهه.

176

و المغيرية أتباع مغيرة بن سعيد العجليّ، و هو أيضا من الروافض، و من شنائعه قوله أن أعضاء معبودهم على صورة حروف الهجاء، فالألف على صورة قدميه، و زعم أنه رجل من نور على رأسه تاج من نور، و زعم أن اللّه كتب بإصبعه أعمال العباد من طاعة و معصية، و نظر فيهما و غضب من معاصيهم فعرق، فاجتمع من عرقه بحران عذب و مالح، و زعم أنه بكلّ مكان، لا يخلو عنه مكان. و المنهالية أصحاب منهال بن ميمون. و الزرارية أتباع زرارة بن أعين.

و اليونسية أتباع يونس بن عبد الرحمن القميّ، و كلهم من الروافض، و سيأتي ذكرهم إن شاء اللّه تعالى، و منهم أيضا السابية و الشاكية و العملية و المستثنية و البدعية و العشرية و الأتربة، و منهم الكرّامية أتباع محمد بن كرّام السجستانيّ و هم طوائف الهيضمية و الإسحاقية و الجندية و غير ذلك، إلا أنهم يعدّون فرقة واحدة، لأنّ بعضهم لا يكفر بعضا و كلهم مجسمة، إلّا أن فيهم من قال: هو قائم بنفسه، و منهم من قال هو أجزاء مؤتلفة، و له جهات و نهايات، و من قول الكرّامية أن الإيمان هو قول مفرد، و هو قول لا إله إلّا اللّه، و سواء اعتقد أو لا، و زعموا أن اللّه جسم و له حدّ و نهاية من جهة السفل، و تجوز عليه ملاقاة الأجسام التي تحته، و إنه على العرش و العرش مماس له، و أنه محل الحوادث من القول و الإرادة و الإدراكات و المرئيات و المسموعات، و أن اللّه لو علم أحدا من عباده لا يؤمن به، لكان خلقه إياهم عبثا، و أنه يجوز أن يعزل نبيا من الأنبياء و الرسل، و يجوز عندهم على الأنبياء كل ذنب لا يوجب حدّا و لا يسقط عدالة، و أنه يجب على اللّه تعالى تواتر الرسل، و أنه يجوز أن يكون إمامان في وقت واحد، و أن عليا و معاوية كانا إمامين في وقت واحد، إلّا أن عليا كان على السنة و معاوية على خلافها، و انفرد ابن كرّام في الفقه بأشياء منها أنّ المسافر يكفيه من صلاة الخوف تكبيرتان، و أجاز الصلاة في ثوب مستغرق في النجاسة، و زعم أن الصلاة و الصوم و الزكاة و الحج و سائر العبادات تصح بغير نية، و تكفي نية الإسلام، و أن النية تجب في النوافل، و أنه يجوز الخروج من الصلاة بالأكل و الشرب و الجماع عمدا، ثم البناء عليها، و زعم بعض الكرّامية أن للّه علمين أحدهما يعلم به جميع المعلومات و الآخر يعلم به العلم الأوّل.

الفرقة الثالثة القدرية: الغلاة في إثبات القدرة للعبد في إثبات الخلق و الإيجاد، و أنه لا يحتاج في ذلك إلى معاونة من جهة اللّه تعالى.

الفرقة الرابعة المجبرة: الغلاة في نفي استطاعة العبد قبل الفعل و بعده و معه، و نفي الاختيار له، و نفي الكسب، و هاتان الفرقتان متضادّتان، ثم افترقت المجبرة على ثلاث فرق.

الجهمية أتباع جهم بن صفوان الترمذيّ مولى راسب، و قتل في آخر دولة بني أميّة،

177

و هو ينفي الصفات الإلهية كلها و يقول لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه، و أن الإنسان لا يقدر على شي‏ء، و لا يوصف بالقدرة و لا الاستطاعة، و أن الجنة و النار يفنيان و تنقطع حركات أهلهما، و أن من عرف اللّه و لم ينطق بالإيمان لم يكفر، لأن العلم لا يزول بالصمت، و هو مؤمن مع ذلك. و قد كفّره المعتزلة في نفي الاستطاعة، و كفّره أهل السنة بنفي الصفات و خلق القرآن، و نفي الرؤية، و انفرد بجواز الخروج على السلطان الجائر، و زعم أن علم اللّه حادث لا بصفة يوصف بها غيره. و البكرية: أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد، و هو يوافق النظّام في أن الإنسان هو الروح، و يزعم أن الباري تعالى يرى في القيامة في صورة يخلقها و يكلم الناس منها، و أن صاحب الكبيرة منافق في الدرك الأسفل من النار، و حاله أسوأ من حال الكافر، و حرّم أكل الثوم و البصل، و أوجب الوضوء من قرقرة البطن.

و الضرارية: أتباع ضرار بن عمر، و انفرد بأشياء منها أن اللّه تعالى يرى في القيامة بحاسة زائدة سادسة، و أنكر قراءة ابن مسعود، و شك في دين عامّة المسلمين، و قال لعلهم كفار، و زعم أن الجسم أعراض مجتمعة، كما قالت النجارية، و من جملة المجبرة.

البطيخية: أتباع إسماعيل البطيخيّ. و الصباحية: أتباع أبي صباح بن معمر. و الفكرية، و الخوفية.

الفرقة الخامسة المرجئة: الإرجاء، إمّا مشتق من الرجاء لأنّ المرجئة يرجون لأصحاب المعاصي الثواب من اللّه تعالى، فيقولون لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، أو يكون مشتقا من الإرجاء و هو التأخير، لأنهم أخروا حكم أصحاب الكبائر إلى الآخرة، و حقيقة المرجئة أنهم الغلاة في إثبات الوعد و الرجاء، و نفي الوعيد و الخوف عن المؤمنين، و هم ثلاثة أصناف: صنف جمعوا بين الرجاء و القدر، و هم غيلان و أبو شمر من بني حنيفة. و صنف جمعوا بين الإرجاء و الجبر، مثل جهم بن صفوان.

و صنف قال بالأرجاء المحض، و هم أربع فرق.

اليونسية أتباع يونس بن عمرو، و هو غير يونس بن عبد الرحمن القميّ الرافضيّ، زعم أن الإيمان معرفة اللّه و الخضوع له و المحبة و الإقرار بأنه واحد ليس كمثله شي‏ء.

و الغسانية: أتباع غسان بن أبان الكوفيّ المنكر نبوّة عيسى (عليه السلام)، و تلمذ لمحمد بن الحسن الشيبانيّ، و مذهبه في الإيمان كمذهب يونس إلّا أنه يقول كل خصلة من خصال الإيمان تسمى بعض الإيمان، و يونس يقول كل خصلة ليست بإيمان و لا بعض إيمان، و زعم غسان أن الإيمان لا يزيد و لا ينقص، و عند أبي حنيفة رحمه اللّه الإيمان معرفة بالقلب و إقرار باللسان، فلا يزيد و لا ينقص كقرص الشمس.

و الثوبانية أتباع ثوبان المرجي. ثم الخارجيّ المعتزليّ، و كان يقال له جامع النقائص،

178

هاجر الخصائص، و من قوله الإيمان هو المعرفة و الإقرار، و الإيمان فعل ما يجب في العقل فعله، فأوجب الإيمان بالعقل قبل ورود الشرع، و فارق الغسانية و اليونسية في ذلك.

و التؤمنية: أتباع أبي معاذ التؤمنيّ الفيلسوف، زعم أن من ترك فريضة لا يقال له فاسق على الإطلاق، و لكن ترك الفريضة فسق، و زعم أن هذه الخصال التي تكون جملتها إيمانا، فواحدة ليست بإيمان، و لا بعض إيمان، و أن من قتل نبيا كفر لا لأجل القتل بل لاستخفافه به و بغضه له.

و من فرق المرجئة، المريسية: أتباع بشر بن غياث المريسيّ، كان عراقيّ المذهب في الفقه، تلميذ للقاضي أبي يوسف يعقوب الحضرميّ، و قال بنفي الصفات و خلق القرآن، فأكفرته الصفاتية بذلك، و زعم أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى، و لا استطاعة مع الفعل، فأكفرته المعتزلة بذلك. و زعم أن الإيمان هو التصديق بالقلب، و هو مذهب ابن الربوبدي، و لما ناظره الشافعيّ في مسألة خلق القرآن و نفي الصفات قال له: نصفك كافر لقولك بخلق القرآن. و نفي الصفات، و نصفك مؤمن لقولك بالقضاء و القدر و خلق اكتساب العباد. و بشر معدود من المعتزلة لنفيه الصفات و قوله بخلق القرآن.

و من فرق المرجئة الصالحية، أتباع صالح بن عمرو بن صالح و الجحدرية أتباع جحدر بن محمد التميميّ و الزيادية أتباع محمد بن زياد الكوفيّ و الشبيبية أتباع محمد بن شبيب و النقاضية و البهشمية. و من المرجئة جماعة من الأئمة، كسعيد بن جبير، و طلق بن حبيب، و عمرو بن مرّة، و محارب بن دثار، و عمرو بن ذر، و حماد بن سليمان، و أبي مقاتل. و خالفوا القدرية و الخوارج و المرجئة في أنهم لم يكفروا بالكبائر، و لا حكموا بتخليد مرتكبها في النار، و لا سبوا أحدا من الصحابة، و لا وقعوا فيهم.

و أوّل من وضع الإرجاء أبو محمد الحسن بن محمد المعروف بابن الحنفية بن عليّ بن أبي طالب، و تكلم فيه و صارت المرجئة بعده أربعة أنواع: الأوّل مرجئة الخوارج، الثاني مرجئة القدرية، الثالث مرجئة الجبرية، الرابع مرجئة الصالحية. و كان الحسن بن محمد ابن الحنفية يكتب كتبه إلى الأمصار يدعو إلى الإرجاء، إلّا أنه لم يؤخر العمل عن الإيمان كما قال بعضهم، بل قال أداء الطاعات و ترك المعاصي ليس من الإيمان، لا يزول بزوالها. و قال ابن قتيبة أوّل من وضع الإرجاء بالبصرة حسان بن بلال بن الحارث المزنيّ، و ذكر بعضهم أن أوّل من وضع الإرجاء أبا سلت السمان، و مات سنة اثنتين و خمسين و مائة.

الفرقة السادسة الحرورية: الغلاة في إثبات الوعيد و الخوف على المؤمنين، و التخليد في النار مع وجود الإيمان، و هم قوم من النواصب الخوارج، و هم مضادّون المرجئة في النفي و الإثبات و الوعد و الوعيد، و من مفرداتهم أن من ارتكب كبيرة فهو مشرك، و مذهب عامّة الخوارج أنه كافر و ليس بمشرك. و قال بعضهم هو منافق في الدرك الأسفل من النار،

179

فعند الحرورية أن الاسم يتغير بارتكاب الكبيرة الواحدة فلا يسمى مؤمنا بل كافرا مشركا، و الحكم فيه أنه يخلد في النار، و اتفقوا على أن الإيمان هو اجتناب كل معصية، و قيل لهم الحرورية لأنهم خرجوا إلى حروراء لقتال عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و عدّتهم اثنا عشر ألفا، ثم سار عليّ رضي اللّه عنه إليهم و ناظرهم، ثم قاتلهم و هم أربعة آلاف، فانضم إليهم جماعة حتى بلغوا اثني عشر ألفا.

الفرقة السابعة النجارية: أتباع الحسن بن محمد بن عبد اللّه النجار أبي عبد اللّه، كان حائكا، و قيل أنه كان يعمل الموازين، و أنه كان من أهل قمّ، كان من جملة المجبرة و متكلميهم، و له مع النظّام عدّة مناظرات منها أنه ناظرة مرّة فلما لم يلحن بحجته رفسه النظّام و قال له: قم أخزي اللّه من ينسبك إلى شي‏ء من العلم و الفهم، فانصرف محموما و اعتلّ حتى مات، و هم أكثر معتزلة الريّ و جهاتها، و هم يوافقون أهل السنة في مسألة القضاء و القدر، و اكتساب العباد، و في الوعد و الوعيد، و إمامة أبي بكر رضي اللّه عنه، و يوافقون المعتزلة في نفي الصفات و خلق القرآن، و في الرؤية، و هم ثلاث فرق البرغوثية و الزعفرانية و المستدركة.

الفرقة الثامنة الجهمية: أتباع جهم بن صفوان، و هم يوافقون أهل السنة في مسألة القضاء و القدر مع ميل إلى الجبر، و ينفون الصفات و الرؤية، و يقولون بخلق القرآن، و هم فرقة عظيمة و عدادهم في المعطلة المجبرة.

الفرقة التاسعة الروافض: الغلاة في حب عليّ بن أبي طالب، و بغض أبي بكر و عمر و عثمان و عائشة و معاوية في آخرين من الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعين، و سموا رافضة لأنّ زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، امتنع من لعن أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما، و قال: هما وزيرا جدّي محمد (صلى اللّه عليه و سلم). فرفضوا رأيه، و منهم من قال لأنهم رفضوا رأي الصحابة رضي اللّه عنهم، حيث بايعوا أبا بكر و عمر رضي اللّه عنهما. و قد اختلف الناس في الإمام بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فذهب الجمهور إلى أنه أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه، و قال العباسية و الربوبدية أتباع أبي هريرة الربوبديّ، و قيل أتباع أبي العباس الربوبديّ، هو العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه، لأنه العمّ و الوارث، فهو أحق من ابن العمّ. و قال العثمانية و بنو أمية هو عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه، و ذهب آخرون إلى غير ذلك. و قال الرافضة هو عليّ بن أبي طالب، ثم اختلفوا في الإمامة اختلافا كثيرا، حتى بلغت فرقهم ثلاثمائة فرقة، و المشهور منها عشرون فرقة.

الزيدية و الصباحية أقرّوا إمامة أبي بكر رضي اللّه عنه، و رأوا أنه لا نص في إمامة عليّ رضي اللّه عنه، و اختلفوا في إمامة عثمان رضي اللّه عنه، فأنكرها بعضهم و أقرّ بعضهم أنه الإمام بعد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، لكن قالوا عليّ أفضل من أبي بكر، و إمامة

180

المفضول جائزة، و قال الغلاة هو عليّ بالنص، ثم الحسن و بعده الحسين، و صار بعد الحسين الأمر شورى. و قال بعضهم لم يرد النص إلّا بإمامة عليّ فقط، و قال آخرون نص على عليّ بالوصف لا بالعين و الاسم. و قال بعضهم قد جاء النص على إمامة اثني عشر آخرهم المهديّ المنتظر.

و فرقهم العشرون هي: الإمامية: و هم مختلفون في الإمامة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فزعم أكثرهم أن الإمامة في عليّ بن أبي طالب و أولاده بنص النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و أن الصحابة كلهم قد ارتدّوا إلّا عليا و ابنيه الحسن و الحسين و أبا ذر الغفاريّ و سلمان الفارسيّ و طائفة يسيرة.

و أوّل من تكلم في مذهب الإمامية عليّ بن إسماعيل بن هيثم التمار، و كان من أصحاب عليّ بن أبي طالب، و ذهبت القطعية منهم إلى أن الإمامة في عليّ، ثم في الحسن، ثم في الحسين، ثم في عليّ بن الحسين، ثم في محمد بن عليّ، ثم في جعفر بن محمد، ثم في موسى بن جعفر، ثم في عليّ بن موسى. و قطعوا الإمامة عليه فسموا القطعية لذلك، و لم يكتبوا إمامة محمد بن موسى، و لا إمامة الحسن بن محمد بن عليّ بن موسى، و قالت الناووسية جعفر بن محمد لم يمت و هو حيّ ينتظر، و قالت المباركية أتباع مبارك الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه إسماعيل بن جعفر، ثم محمد بن إسماعيل. و قالت الشميطية أتباع يحيى بن شميط الأحمسيّ، كان مع المختار قائدا من قوّاده، فأنفذه أميرا على جيش البصرة يقاتل مصعب بن الزبير، فقتل بالمدار: الإمامة بعد جعفر في ابنه محمد و أولاده، و قالت المعمرية أتباع معمر: الإمامة بعد جعفر في ابنه عبد اللّه بن جعفر و أولاده. و يقال لهم الفطحية، لأنّ عبد اللّه بن جعفر كان أفطح الرجلين. و قالت الواقفية: الإمام بعد جعفر ابنه موسى بن جعفر و هو حيّ لم يمت، و هو الإمام المنتظر، و سموا الواقفية لوقوفهم على إمامة موسى. و قالت الزرارية أتباع زرارة بن أعين الإمام: بعد جعفر ابنه عبد اللّه، إلّا أنّه سأله عن مسائل فلم يمكنه الجواب عنها فادّعى إمامة موسى بن جعفر من بعد أبيه. و قالت المفضلية أتباع المفضل بن عمرو: الإمام بعد جعفر ابنه موسى، و أنه مات فانتقلت الإمامة إلى ابنه محمد بن موسى. و قالت المفوّضة من الإمامية: إن اللّه تعالى خلق محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) و فوّض إليه خلق العالم و تدبيره. و قال بعضهم بل فوّض ذلك إلى عليّ بن أبي طالب.

و الفرقة الثانية من فرق الروافض: الكيسانية، أتباع كيسان مولى عليّ بن أبي طالب، و أخذ عن محمد ابن الحنفية، و قيل بل كيسان اسم المختار بن عبيد الثقفيّ الذي قام لأخذ ثأر الحسين رضي اللّه عنه. زعموا أن الإمام بعد عليّ ابنه محمد ابن الحنفية، لأنه أعطاه الراية يوم الجمل، و لأنّ الحسين أوصى إليه عند خروجه إلى الكوفة، ثم اختلفوا في الإمام بعد ابن الحنفية، فقال بعضهم رجع الأمر بعده إلى أولاد الحسن و الحسين، و قيل بل انتقل إلى أبي هاشم عبد اللّه بن محمد ابن الحنفية، و قالت الكربية أتباع أبي كرب بأن ابن الحنفية حيّ لم يمت، و هو الإمام المنتظر. و من قول الكيسانية أن البدا جائز على اللّه، و هو كفر صريح.

181

و الفرقة الثالثة الخطابية: أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي ثور، و قيل محمد بن أبي يزيد الأجدع، و مذهبه الغلوّ في جعفر بن محمد الصادق، و هو أيضا من المشبهة، و أتباعه خمسون فرقة، و كلهم متفقون على أن الأئمة مثل عليّ و أولاده كلهم أنبياء، و أنه لا بدّ من رسولين لكلّ أمّة، أحدهما ناطق و الآخر صامت، فكان محمد ناطقا و عليّ صامتا، و أن جعفر بن محمد الصادق كان نبيا، ثم انتقلت النبوّة إلى أبي الخطاب الأجدع، و جوّزوا كلهم شهادة الزور لموافقيهم، و زعموا أنهم عالمون بما هو كائن إلى يوم القيامة، و قالت المعمرية: منهم الإمام بعد أبي الخطاب رجل اسمه معمر، و زعموا أن الدنيا لا تفنى، و أن الجنة هي ما يصيبه الإنسان من الخير في الدنيا، و النار ضدّ ذلك، و أباحوا شرب الخمر و الزنى و سائر المحرّمات، و دانوا بترك الصلاة، و قالوا بالتناسخ، و أن الناس لا يموتون و إنما ترفع أرواحهم إلى غيرهم. و قالت البزيغية منهم: أن جعفر بن محمد إله و ليس هو الذي يراه الناس و إنما تشبه على الناس، و زعموا أن كلّ مؤمن يوحى إليه، و أنّ منهم من هو خير من جبريل و ميكائيل و محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و زعموا أنهم يرون أمواتهم بكرة و عشيا. و قالت العميرية منهم أتباع عمير بن بيان العجليّ مثل ذلك كله، و خالفوهم في أن الناس لا يموتون، و افترقت الخطابية بعد قتل أبي الخطاب فرقا، منها فرقة زعمت أن الإمام بعد أبي الخطاب، عمير بن بيان العجليّ، و مقالتهم كمقالة البزيغية، إلّا أن هؤلاء اعترفوا بموتهم و نصبوا خيمة على كناسة الكوفة يجتمعون فيها على عبادة جعفر الصادق، فبلغ ذلك يزيد بن عمير، فصلب عمير بن بيان في كناسة الكوفة، و من فرقهم المفضلية، أتباع مفضل الصيرفيّ، زعم أن جعفر بن محمد إله، فطرده و لعنه، و زعمت الخطابية بأجمعها أن جعفر بن محمد الصادق أودعهم جلدا يقال له جفر، فيه كلّ ما يحتاجون إليه من علم الغيب و تفسير القرآن، و زعموا لعنهم اللّه، أن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً معناه عائشة أمّ المؤمنين رضي اللّه عنها، القائلون بإمامته و إمامة من اجتمع فيه ست خصال، العلم و الزهد و الشجاعة، و أن يكون من أولاد فاطمة الزهراء رضي اللّه عنها حسنيا أو حسينيا، و منهم من زاد صباحة الوجه، و أن لا يكون فيه آفة، و هم يوافقون المعتزلة في أصولهم كلها إلّا في مسألة الإمامة، و أخذ مذهب زيد بن عليّ عن واصل بن عطاء، و كان يفضل عليا على أبي بكر و عمر مع القول بإمامتهما، و هم أربع فرق: الجارودية، أتباع أبي الجارود، و يكنّى أبا النجم زياد بن المنذر العبديّ، زعم أن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) نص على إمامة عليّ بالوصف لا بالتسمية، و أن الناس كفروا بتركهم مبايعة عليّ رضي اللّه عنه، و الحسن و الحسين و أولادهما. و الجريرية أتباع سليم بن جرير، و من قوله لم يكفر الناس بتركهم مبايعة عليّ، بل أخطأوا بترك الأفضل و هو عليّ، و كفّروا الجارودية بتكفيرهم الصحابة، إلا أنهم كفّروا عثمان بن عفان بالأحداث التي أحدثها و قالوا: لم ينص عليّ على إمامة أحد، و صار الأمر من بعده شورى، و منهم البترية أتباع الحسن بن صالح بن كثير الأبتر، و قولهم أنّ عليا أفضل‏

182

و أولى بالإمامة، غير أن أبا بكر كان إماما، و لم تكن إمامته خطأ و لا كفرا، بل ترك عليّ الإمامة له، و أما عثمان فيتوقف فيه. و منهم اليعقوبية أتباع يعقوب، و هم يقولون بإمامة أبي بكر و عمر، و يتبرّؤون ممن تبرّأ منهما، و ينكرون رجعة الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، و يتبرّؤون ممن دان بها، إلّا أنهم متفقون على تفضيل عليّ على أبي بكر و عمر من غير تفسيقهما و لا تكفيرهما و لا لعنهما و لا الطعن على أحد من الصحابة (رضوان اللّه عليهم أجمعين).

و الفرقة الخامسة السبائية: أتباع عبد اللّه بن سبأ الذي قال شفاها لعليّ بن أبي طالب:

أنت الإله، و كان من اليهود. و يقول في يوشع بن نون مثل قوله ذلك في عليّ، و زعم أن عليا لم يقتل و أنه حيّ لم يمت، و أنه في السحاب، و أن الرعد صوته و البرق سوطه، و أنه ينزل إلى الأرض بعد حين. قبحه اللّه.

و الفرقة السادسة: الكاملية أتباع أبي كامل، اكفر جميع الصحابة بتركهم بيعة عليّ، و كفر عليا بتركه قتالهم، و قال بتناسخ الأنوار الإلهية في الأئمة.

و الفرقة السابعة: البيانية، أتباع بيان بن سمعان، زعم أن روح الإله حل في الأنبياء، ثم في عليّ، و بعده في محمد ابن الحنفية، في ابنه أبي هاشم عبد اللّه بن محمد، ثم حل بعد أبي هاشم في بيان بن سمعان، يعني نفسه، لعنه اللّه.

و الفرقة الثامنة: المغيرية، أتباع مغيرة بن سعيد العجليّ، مولى خالد بن عبد اللّه، طلب الإمامة لنفسه بعد محمد بن عبد اللّه بن الحسن، فخرج على خالد بن عبد اللّه القسريّ بالكوفة في عشرين رجلا فعطعطوا به، فقال خالد أطعموني ماء و هو على المنبر، فعير بذلك. و المغيرة هذا قال بالتشبيه الفاحش، و ادّعى النبوّة، و زعم أن معجزته علمه بالاسم الأعظم، و أنه يحيي الموتى، و زعم أن اللّه لما أراد أن يخلق العالم كتب بإصبعه أعمال عباده، فغضب من معاصيهم، فعرق فاجتمع من عرقه بحران أحدهما مالح و الآخر عذب، فخلق من البحر العذب الشيعة، و خلق الكفرة من البحر الملح، و زعم أن المهديّ يخرج و هو محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.

و الفرقة التاسعة: الهشامية، و هم صنفان: أحدهما أتباع هشام بن الحكم، و الثاني أتباع هشام الجولقيّ، و هما يقولان لا تجوز المعصية على الإمام، و تجوز على الأنبياء، و أن محمدا عصى ربه في أخذ الفداء من أسرى بدر كذبا، لعنهما اللّه، و هما أيضا مع ذلك من المشبهة.

و الفرقة العاشرة: الزرارية، أتباع زرارة بن أعين، أحد الغلاة في الرفض، و يزعم مع ذلك أن اللّه تعالى لم يكن في الأزل عالما و لا قادرا حتى اكتسب لنفسه جميع ذلك.

قبحه اللّه.

183

و الفرقة الحادية عشر: الجناحية، أتباع عبد اللّه بن معاوية ذي الجناحين بن أبي طالب، و زعم أنه إله، و أن العلم ينبت في قلبه كما تنبت الكمأة، و أن روح الإله دارت في الأنبياء كما كانت في عليّ و أولاده، ثم صارت فيه، و مذهبهم استحلال الخمر و الميتة و نكاح المحارم، و أنكروا القيامة، و تأوّلوا قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ [المائدة/ 93] و زعموا أن كل ما في القرآن من تحريم الميتة و الدم و لحم الخنزير كناية عن قوم يلزم بغضهم، مثل أبي بكر و عمر و عثمان و معاوية، و كل ما في القرآن من الفرائض التي أمر اللّه بها، كناية عمن يلزم موالاتهم، مثل عليّ و الحسن و الحسين و أولادهم.

و الثانية عشر: المنصورية، أتباع أبي منصور العجليّ، أحد الغلاة المشبهة، زعم أن الإمامة انتقلت إليه بعد محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، و أنه عرج به إلى السماء بعد انتقال الإمامة إليه، و أن معبوده مسح بيده على رأسه و قال له: يا بنيّ بلغ عني آية الكسف الساقط من السماء في قوله تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ‏ الآية [الطور/ 44] و زعم أن أهل الجنة قوم تجب موالاتهم مثل عليّ بن أبي طالب و أولاده، و أن أهل النار قوم تجب معاداتهم مثل أبي بكر و عمر و عثمان و معاوية رضي اللّه عنهم.

و الثالثة عشر: الغرابية، زعموا، لعنهم اللّه، أن جبريل أخطأ، فإنه أرسل إلى عليّ بن أبي طالب، فجاء إلى محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و جعلوا شعارهم إذا اجتمعوا أن يقولوا: العنوا صاحب الريش، يعنون جبريل (عليه السلام) و عليهم اللعنة.

و الرابعة عشر: الذمّية، بفتح الذال المعجمة، زعموا، أخزاهم اللّه، أن عليّ بن أبي طالب بعثه اللّه نبيا، و أنه بعث محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) ليظهر أمره، فادّعى النبوّة لنفسه، و أرضى عليا بأن زوّجه ابنته و موّله، و منهم العليانية: أتباع عليان بن ذراع السدوسيّ، و قيل الأسديّ، كان يفضل عليا على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و يزعم أن عليا بعث محمدا، و كان، لعنه اللّه، يذم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، لزعمه أن محمدا بعث ليدعو إلى عليّ، فدعا إلى نفسه، و من العليانية من يقول بإلهية محمد و عليّ جميعا، و يقدّمون محمدا في الإلهية، و يقال لهم الميمية، و منهم من قال بإلهية خمسة و هم أصحاب الكساء، محمد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين، و قالوا خمستهم شي‏ء واحد، و الروح حالة فيهم بالسوية، لا فضل لواحد منهم على الآخر، و كرهوا أن يقولوا فاطمة بالهاء، فقالوا فاطم، قال بعضهم:

184

توليت بعد اللّه في الدين خمسة* * * نبيا و سبطيه و شيخا و فاطما

و الخامسة عشر: اليونسية، أتباع يونس بن عبد اللّه القميّ، أحد الغلاة المشبهة.

و السادسة عشر: الرزامية، أتباع رزام بن سابق، زعم أن الإمامة انتقلت بعد عليّ بن أبي طالب إلى ابنه محمد ابن الحنفية، ثم إلى ابنه أبي هاشم، ثم إلى عليّ بن عبد اللّه بن عباس بالوصية، ثم إلى ابنه محمد بن عليّ، فأوصى بها محمد إلى أبي العباس عبد اللّه بن محمد السفاح الظالم، المتردّد في المذاهب، الجاهل بحقوق أهل البيت.

و السابعة عشر: الشيطانية، أتباع محمد بن النعمان شيطان الطاق، و قد شارك المعتزلة و الرافضة في جميع مذهبهم، و انفرد بأعظم الكفر قاتله اللّه، و هو أنه زعم أن اللّه لا يعلم الشي‏ء حتى يقدّره، و قبل ذلك يستحيل علمه.

و الثامنة عشر: البسلمية، و هم من الراوندية، زعموا أن الإمامة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صارت في عليّ و أولاده الحسن و الحسين و محمد ابن الحنفية، ثم في أبي هاشم عبد اللّه بن محمد ابن الحنفية، و انتقلت منه إلى عليّ بن عبد اللّه بن عباس بوصيته إليه، ثم إلى أبي العباس السفاح، ثم إلى أبي سلمة صاحب دولة بني العباس، و قام بناحية كش فيما وراء النهر رجل من أهل مرو أعور يقال له هاشم، ادّعى أن أبا سلمة كان إلها انتقل إليه روح اللّه، ثم انتقل إليه بعده، فانتشرت دعوته هناك، و احتجب عن أصحابه و اتخذ له وجها من ذهب، فعرف بالمصيغ، ثم إن أصحابه طلبوا رؤيته فوعدهم أن يريهم نفسه إن لم يحترقوا، و عمل تجاه مرآه مرآة محرقة تعكس شعاع الشمس، فلما دخلوا عليه احترق بعضهم و رجع الباقون، و قد فتنوا و اعتقدوا أنه إله لا تدركه الأبصار، و نادوا في حروبهم بإلهيته.

و التاسعة عشر: الجعفرية.

و العشرون: الصباحية، و هم و الزيدية أمثل الشيعة، فإنهم يقولون بإمامة أبي بكر، و أنه لا نص في إمامة عليّ، مع أنه عندهم أفضل، و أبو بكر مفضول.

و من فرق الروافض، الخلوية و الشاعية و الشريكية، يزعمون أن عليا شريك محمد (صلى اللّه عليه و سلم). و التناسخية القائلون أن الأرواح تتناسخ، و اللاعنة و المخطئة الذين يزعمون أن جبريل أخطأ، و الإسحاقية و الخلفية الذين يقولون لا تجوز الصلاة خلف غير الإمام.

و الرجعية القائلون سيرجع عليّ بن أبي طالب و ينتقم من أعدائه. و المتربصية الذين يتربصون خروج المهديّ. و الأمرية و الجبية و الجلالية و الكريبية، أتباع أبي كريب الضرير.

و الحزنية أتباع عبد اللّه بن عمرو الحزنيّ.

185

الفرقة العاشرة الخوارج: و يقال لهم النواصب، و الحرورية نسبة إلى حروراء، موضع خرج فيه أوّلهم على عليّ رضي اللّه عنه، و هم الغلاة في حب أبي بكر و عمر و بغض عليّ بن أبي طالب (رضوان اللّه عليهم أجمعين) ، و لا أجهل منهم، فإنهم القاسطون المارقون، خرجوا على عليّ رضي اللّه عنه و انفصلوا عنه بالجملة و تبرّءوا منه، و منهم من صحبه و منهم من كان في زمنه، و هم جماعة قد دوّن الناس أخبارهم و هم عشرون فرقة:

الأولى يقال لهم الحكمية، لأنهم خرجوا على عليّ رضي اللّه عنه في صفين، و قالوا لا حكم إلا للّه و لا حكم للرجال، و انحازوا عنه إلى حروراء، ثم إلى النهروان، و سبب ذلك أنهم حملوه على التحاكم إلى من حكم بكتاب اللّه، فلما رضي بذلك و كانت قضية الحكمين أبي موسى الأشعريّ، و هو عبد اللّه بن قيس، و عمرو بن العاص، غضبوا من ذلك و نابذوا عليا و قالوا في شعارهم، لا حكم إلّا للّه و لرسوله، و كان إمامهم في التحكيم عبد اللّه بن الكوّاء.

و الثانية الأزارقة أتباع أبي راشد نافع بن الأزرق بن قيس بن نهار بن إنسان بن أسد بن صبرة بن ذهل بن الدول بن حنيفة، الخارج بالبصرة في أيام عبد اللّه بن الزبير، و هم على التبرّي من عثمان و عليّ و الطعن عليهما، و أن دار مخالفيهم دار كفر، و أن من أقام بدار الكفر فهو كافر، و أن أطفال مخالفيهم في النار، و يحل قتلهم، و أنكروا رجم الزاني و قالوا:

من قذف محصنة حدّ، و من قذف محصنا لا يحدّ، و يقطع السارق في القليل و الكثير.

و الثالثة النجدات، و لم يقل فيهم النجدية، ليفرّق بينهم و بين من انتسب إلى بلاد نجد، فإنهم أتباع نجد بن عويمر، و هو عامر الحنفيّ الخارج باليمامة، و كان رأسا ذا مقالة مفردة، و تسمّى بأمير المؤمنين، و بعث عطية بن الأسود إلى سجستان فأظهر مذهبه بمرو، فعرفت أتباعه بالعطوية، و مذهبهم أن الدين أمران، أحدهما معرفة اللّه تعالى و معرفة رسوله و تحريم دماء المسلمين و أموالهم. و الثاني الإقرار بما جاء من عند اللّه تعالى جملة، و ما سوى ذلك من التحريم و التحليل و سائر الشرائع، فإن الناس يعذرون بجهلها، و أنه لا يأثم المجتهد إذا أخطأ و أن من خالف أن يعذب المجتهد، فقد كفر و استحلوا دماء أهل الذمّة في دار التقية، و قالوا من نظر نظرة محرّمة أو كذب كذبة أو أصرّ على صغيرة و لم يتب منها فهو كافر، و من زنى أو سرق أو شرب خمرا من غير أن يصرّ على ذلك فهو مؤمن غير كافر.

و الرابعة الصفرية أتباع زياد بن الأصفر، و يقال أتباع النعمان بن صفر، و قيل بل نسبوا إلى عبد اللّه بن صفار، و هو أحد بني مقاعس، و هو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار، و قيل عبد اللّه بن الصفار من بني صويمر بن مقاعس، و قيل سموا بذلك لصفرة علتهم، و زعم بعضهم أن الصفرية بكسر الصاد، و قد وافق الصفرية الأزارقة في جميع بدعهم إلّا في قتل الأطفال، و يقال للصفرية

186

أيضا الزيادية، و يقال لهم أيضا النكار من أجل أنهم ينقصون نصف عليّ و ثلث عثمان، و سدس عائشة رضي اللّه عنهم.

و الخامسة العجاردة أتباع عبد الكريم بن عجرد.

و السادسة الميمونية أتباع ميمون بن عمران، و هم طائفة من العجاردة، وافقوا الأزارقة إلّا في شيئين، أحدهما قولهم تجب البراءة من الأطفال حتى يبلغوا و يصفوا الإسلام، و الثاني استحلال أموال المخالفين لهم، فلم تستحل الميمونية مال أحد خالفهم ما لم يقتل المالك، فإذا قتل صار ماله فيئا، إلّا أنهم ازدادوا كفرا على كفرهم، و أجازوا نكاح بنات البنات و بنات البنين و بنات أولاد الإخوة و بنات أولاد الأخوات فقط.

و السابعة الشعيبية، و هم طائفة من العجاردة وافقوا الميمونية في جميع بدعهم إلّا في الاستطاعة و المشيئة، فإن الميمونية مالت إلى القدرية.

و الثامنة الحمزية، أتباع حمزة بن أدرك الشاميّ الخارج بخراسان في خلافة هارون بن محمد الرشيد، و كثر عيثه و فساده، ثم فض جموع عيسى بن عليّ عامل خراسان و قتل منهم خلقا كثيرا، فانهزم منه عيسى إلى كابل، و آل أمر حمزة إلى أن غرق في كرمان بواد هناك، فعرفت أصحابه بالحمزية، و كان يقول بالقدر فكفرته الأزارقة بذلك، و قال أطفال المشركين في النار، فكفّرته القدرية بذلك، و كان لا يستحل غنائم أعدائه بل يأمر بإحراق جميع ما يغنمه منهم.

و التاسعة الحازمية، و هم فرقة من العجاردة، قالوا في القدر و المشيئة كقول أهل السنة، و خالفوا الخوارج في الولاية و العداوة، فقالوا لم يزل اللّه تعالى محبا لأوليائه و مبغضا لأعدائه.

و العاشرة المعلومية مع المجهولية، تباينا في مسألتين إحداهما قالت المعلومية: من لم يعرف اللّه تعالى بجميع أسمائه فهو كافر، و قالت المجهولية: لا يكون كافرا. و الثانية وافقت المعلومية أهل السنة في مسألة القدر و المشيئة، و المجهولية وافقت القدرية في ذلك.

و الحادية عشر الصلتية، أتباع عثمان بن أبي الصلت، و هم طائفة من العجاردة انفردوا بقولهم: من أسلم توليناه لكن نتبرّأ من أطفاله، لأنه ليس للأطفال إسلام حتى يبلغوا.

و الثانية عشر و الثالثة عشر الأحسنية و المعبدية، و هما فرقتان من الثعالبة أتباع ثعلبة بن عامر، و كان ثعلبة هذا مع عبد الكريم بن عجرد ثم اختلفا في الأطفال. فقال عبد الكريم:

نتبرّأ منهم قبل البلوغ، و قال ثعلبة لا نتبرّأ منهم بل نقول نتولى الصغار. فلم تزل الثعالبة على هذا إلى أن خرج رجل عرف بالأخنس فقال: نتوقف عن جميع من في دار التقية إلّا من عرفنا منه إيمانا فإنا نتولاه، و من عرفنا منه كفرا تبرّأ منه، و لا يجوز أن نبدأ حدا بقتال،

187

فتبرّأت منه الثعالبة و سموه بالأخنس لأنه خنس منهم، أي رجع عنهم، ثم خرجت فرقة من الثعالبة قيل لها المعبدية أتباع معبد، فخالفت الثعالبة في أخذ الزكاة من العبيد و البهائم و كفّرت كلّ فرقة منهما الأخرى.

و الرابعة عشر الشيبانية، أتباع شيبان بن سلمة الخارج في أيام أبي مسلم الخراسانيّ القائم بدعوة الخلفاء العباسيين، و كان معه. فتبرّأت منه الثعالبة لمعاونته لأبي مسلم، و هو أوّل من أظهر القول بالتشبيه تعالى اللّه عن ذلك.

و الخامسة عشر الشبيبية، أتباع شبيب بن يزيد بن أبي نعيم الخارج في خلافة عبد الملك بن مروان، و صاحب الحروب العظيمة مع الحجاج بن يوسف الثقفيّ، و هم على ما كانت عليه الحكمية الأولى، إلّا أنهم انفردوا عن الخوارج بجواز إمامة المرأة و خلافتها، و استخلف شبيب هذا أمّه غزالة فدخلت الكوفة و قامت خطيبة و صلت الصبح بالمسجد الجامع، فقرأت في الركعة الأولى بالبقرة، و في الثانية بآل عمران، و أخبار شبيب طويلة.

و السادسة عشر الرشيدية: أتباع رشيد، يقال لهم أيضا العشرية من أجل أنهم كانوا يأخذون نصف العشر مما سقت الأنهار، فقال لهم زياد بن عبد الرحمن يجب فيه العشر، فتبرّأت كل فرقة من الأخرى و كفّرتها بذلك.

و السابعة عشر المكرمية: أتباع أبي المكرم، و من قوله تارك الصلاة كافر، و ليس كفره لترك الصلاة، لكن لجهله بالله، و كذا قوله في سائر الكبائر.

و الثامنة عشر الحفصية: أتباع حفص بن المقدام أحد أصحاب عبد اللّه بن أباض، تفرّد بقوله من عرف اللّه تعالى و كفر بما سواه من رسول و غيره فهو كافر و ليس بمشرك، فأنكر ذلك الإباضية و قالوا بل هو مشرك.

و التاسعة عشر الإباضية، أتباع عبد اللّه بن أباض من بني مقاعس، و اسمه الحرث بن عمرو، و يقال بل ينسبون إلى أباض بضم الهمزة، و هي قرية بالعرض من اليمامة نزل بها نجد بن عامر، و خرج عبد اللّه بن أباض في أيام مروان، و كان من غلاة الحكمة.

و الفرقة العشرون اليزيدية، أتباع يزيد بن أبي أنيسة، و كان أباضيا، فانفرد ببدعة قبيحة، و هي أن اللّه تعالى سيبعث رسولا من العجم و ينزل عليه كتابا جملة واحدة ينسخ به شريعة محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

و من فرق الخوارج أيضا الحارثية، و الأصومية، أتباع يحيى بن أصوم، و البيهسية أتباع أبي البيهس الهيصم بن خالد من بني سعيد بن ضبعة، كان في زمن الحجاج، و قتل بالمدينة و صلب، و اليعقوبية أتباع يعقوب بن عليّ الكوفيّ، و من فرقهم الفضلية، أتباع فضل بن عبد اللّه، و الشمراخية أتباع عبد اللّه بن شمراخ، و الضحاكية أتباع الضحاك،

188

و الخوارج يقال لهم الشراة، و أحدهم شاري، مشتق من شرى الرجل إذا ألح، أو معناه يستشري بالشرّ، أو من قول الخوارج شرينا أنفسنا لدين اللّه فنحن لذلك شراة، و قيل أنه من قولهم شاريته أي لاححته و ماريته، و قيل شرى الرجل غضبا إذا استطار غضبا، و قيل لهم هذا لشدّة غضبهم على المسلمين.

ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام، منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعرية

اعلم أن اللّه تعالى لما بعث من العرب نبيه محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) رسولا إلى الناس جميعا، وصف لهم ربهم سبحانه و تعالى، بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه (صلى اللّه عليه و سلم) الروح الأمين و بما أوحى إليه ربه تعالى، فلم يسأله (صلى اللّه عليه و سلم) أحد من العرب بأسرهم، قرويهم و بدويهم عن معنى شي‏ء من ذلك، كما كانوا يسألونه (صلى اللّه عليه و سلم) عن أمر الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج و غير ذلك مما للّه فيه سبحانه أمر و نهي، و كما سألوه (صلى اللّه عليه و سلم) عن أحوال القيامة و الجنة و النار، إذ لو سأله إنسان منهم عن شي‏ء من الصفات الإلهية لنقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه (صلى اللّه عليه و سلم) في أحكام الحلال و الحرام، و في الترغيب و الترهيب، و أحوال القيامة و الملاحم و الفتن، و نحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث، معاجمها و مسانيدها و جوامعها، و من أمعن النظر في دواوين الحديث النبويّ، و وقف على الآثار السلفية، علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح و لا سقيم عن أحد من الصحابة رضي اللّه عنهم، و على اختلاف طبقاتهم و كثرة عددهم، أنه سأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن معنى شي‏ء مما وصف الربّ، سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم، و على لسان نبيه محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، بل كلهم فهموا معنى ذلك و سكتوا عن الكلام في الصفات، نعم و لا فرّق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، و إنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم و القدرة و الحياة و الإرادة و السمع و البصر و الكلام و الجلال و الإكرام و الجود و الإنعام و العز و العظمة، و ساقوا الكلام سوقا واحدا. و هكذا أثبتوا رضي اللّه عنهم ما أطلقه اللّه سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه و اليد و نحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين، فأثبتوا رضي اللّه عنهم بلا تشبيه، و نزهوا من غير تعطيل، و لم يتعرّض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شي‏ء من هذا، و رأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت، و لم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية اللّه تعالى، و على إثبات نبوّة محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، سوى كتاب اللّه، و لا عرف أحد منهم شيئا من الطرق الكلامية و لا مسائل الفلسفة، فمضى عصر الصحابة رضي اللّه عنهم على هذا إلى أن حدث في زمنهم القول بالقدر، و أنّ الأمر أنفة، أي أنّ اللّه تعالى لم يقدّر على خلقه شيئا مما هم عليه.

و كان أوّل من قال بالقدر في الإسلام، معبد بن خالد الجهنيّ، و كان يجالس الحسن بن الحسين البصريّ، فتكلم في القدر بالبصرة، و هلك أهل البصرة مسلكه لما رأوا

189

عمرو بن عبيد ينتحله، و أخذ معبد هذا الرأي عن رجل من الأساورة يقال له أبو يونس سنسويه، و يعرف بالإسواريّ، فلما عظمت الفتنة به عذبه الحجاج و صلبه بأمر عبد الملك بن مروان سنة ثمانين، و لما بلغ عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما مقالة معبد في القدر تبرّأ من القدرية، و اقتدى بمعبد في بدعته هذه جماعة، و أخذ السلف رحمهم اللّه في ذمّ القدرية، و حذروا منهم كما هو معروف في كتب الحديث، و كان عطاء بن يسار قاضيا يرى القدر، و كان يأتي هو و معبد الجهنيّ إلى الحسن البصريّ فيقولان له: إنّ هؤلاء يسفكون الدماء و يقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر اللّه، فقال: كذب أعداء اللّه، فطعن عليه بهذا، و مثله. و حدث أيضا في زمن الصحابة رضي اللّه عنهم مذهب الخوارج، و صرّحوا بالتكفير بالذنب و الخروج على الإمام و قتاله، فناظرهم عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما فلم يرجعوا إلى الحق، و قاتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و قتل منهم جماعة كما هو معروف في كتب الأخبار، و دخل في دعوة الخوارج خلق كثير، و رمى جماعة من أئمة الإسلام بأنهم يذهبون إلى مذهبهم، و عدّ منهم غير واحد من رواة الحديث كما هو معروف عند أهله، و حدث أيضا في زمن الصحابة رضي اللّه عنهم مذهب التشيع لعليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و الغلوّ فيه، فلما بلغه ذلك أنكره و حرّق بالنار جماعة ممن غلا فيه و أنشد:

لمّا رأيت الأمر أمرا منكرا* * * اجّجت ناري و دعوت قنبرا

و قام في زمنه رضي اللّه عنه عبد اللّه بن وهب بن سبأ، المعروف بابن السوداء السبأي، و أحدث القول بوصية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لعليّ بالإمامة من بعده، فهو وصيّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و خليفته على أمّته من بعده بالنص، و أحدث القول برجعة عليّ بعد موته إلى الدنيا، و برجعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أيضا، و زعم أنّ عليا لم يقتل، و أنه حيّ و أن فيه الجزء الإلهيّ، و أنه هو الذي يجي‏ء في السحاب، و أن الرعد صوته و البرق سوطه، و أنه لا بدّ أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلا كما ملئت جورا. و من ابن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة، و صاروا يقولون بالوقف، يعنون أن الإمامة موقوفة على أناس معينين، كقول الإمامية بأنها في الأئمة الاثني عشر، و قول الإسماعيلية بأنها في ولد إسماعيل بن جعفر الصادق، و عنه أيضا أخذوا القول بفيئة الإمام، و القول برجعته بعد الموت إلى الدنيا، كما تعتقده الإمامية إلى اليوم في صاحب السرداب، و هو القول بتناسخ الأرواح، و عنه أخذوا أيضا القول بأن الجزء الإلهيّ يحلّ في الأئمة بعد عليّ بن أبي طالب، و أنهم بذلك استحقوا الإمامة بطريق الوجوب، كما استحق آدم (عليه السلام) سجود الملائكة، و على هذا الرأي كان اعتقاد دعاة الخلفاء الفاطميين ببلاد مصر، و ابن سبأ هذا هو الذي أثار فتنة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه حتى قتل: كما ذكر في ترجمة ابن سبأ من كتاب التاريخ الكبير المقفى؛ و كان له عدّة أتباع في عامّة الأمصار، و أصحاب كثيرون في معظم الأقطار، فكثرت لذلك الشيعة

190

و صاروا ضدّا للخوارج، و ما زال أمرهم يقوى و عددهم يكثر.

ثم حدث بعد عصر الصحابة رضي اللّه عنهم، مذهب جهم بن صفوان ببلاد المشرق، فعظمت الفتنة به. فإنه نفى أن يكون للّه تعالى صفة، و أورد على أهل الإسلام شكوكا أثر في الملة الإسلامية آثارا قبيحة، تولد عنها بلاء كبير. و كان قبيل المائة من سني الهجرة، فكثر أتباعه على أقواله التي تؤول إلى التعطيل، فأكبر أهل الإسلام بدعته و تمالؤا على إنكارها و تضليل أهلها. و حذروا من الجهمية و عادوهم في اللّه و ذمّوا من جلس إليهم، و كتبوا في الردّ عليهم ما هو معروف عند أهله، و في أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال، منذ زمن الحسن بن الحسين البصريّ رحمه اللّه، بعد المائتين من سني الهجرة، و صنفوا فيه مسائل في العدل و التوحيد و إثبات أفعال العباد، و أن اللّه تعالى لا يخلق الشرّ و جهلوا بأن اللّه لا يرى في الآخرة، و أنكروا عذاب القبر على البدن، و أعلنوا بأن القرآن مخلوق محدث، إلى غير ذلك من مسائلهم، فتبعهم خلائق في بدعهم، و أكثروا من التصنيف في نصرة مذهبهم بالطرق الجدلية، فنهى أئمة الإسلام عن مذهبهم، و ذمّوا علم الكلام، و هجروا من ينتحله، و لم يزل أمر المعتزلة يقوى و أتباعهم تكثر و مذهبهم ينتشر في الأرض.

ثم حدث مذهب التجسيم المضادّ لمذهب الاعتزال، فظهر محمد بن كرّام بن عراق بن حزابة، أبو عبد اللّه السجستانيّ، زعيم الطائفة الكرّامية بعد المائتين من سني الهجرة، و أثبت الصفات حتى انتهى فيها إلى التجسيم و التشبيه، و حج و قدم الشام و مات بزغرة، في صفر سنة ست و خمسين و مائتين، فدفن بالمقدس، و كان هناك من أصحابه زيادة على عشرين ألفا على التعبد و التقشف، سوى من كان منهم ببلاد المشرق، و هم لا يحصون لكثرتهم، و كان إماما لطائفتي الشافعية و الحنفية، و كانت بين الكرّامية بالمشرق و بين المعتزلة مناظرات و مناكرات و فتن كثيرة متعدّدة أزماتها. هذا و أمر الشيعة يفشو في الناس حتى حدث مذهب القرامطة، المنسوبين إلى حمدان الأشعث المعروف بقرمط، من أجل قصر قامته و قصر رجليه و تقارب خطوه، و كان ابتداء أمر قرمط هذا في سنة أربع و ستين و مائتين، و كان ظهوره بسواد الكوفة فاشتهر مذهبه بالعراق، و قام من القرامطة ببلاد الشام صاحب الحال و المدّثر و المطوّق، و قام بالبحرين منهم أبو سعيد الجنابيّ من أهل جنابة، و عظمت دولته و دولة بنيه من بعده، حتى أوقعوا بعساكر بغداد و أخافوا خلفاء بني العباس، و فرضوا الأموال التي تحمل إليهم في كل سنة على أهل بغداد و خراسان و الشام و مصر و اليمن، و غزوا بغداد و الشام و مصر و الحجاز، و انتشرت دعاتهم بأقطار الأرض، فدخل جماعات من الناس في دعوتهم و مالوا إلى قولهم الذي سموه علم الباطن، و هو تأويل شرائع الإسلام و صرفها عن ظواهرها إلى أمور زعموها من عند أنفسهم، و تأويل آيات القرآن و دعوا هم فيها تأويلا بعيدا انتحلوا القول به بدعا ابتدعوها بأهوائهم، فضلوا و أضلوا عالما كثيرا.

191

هذا و قد كان المأمون عبد اللّه بن هارون الرشيد سابع خلفاء بني العباس ببغداد، لما شغف بالعلوم القديمة. بعث إلى بلاد الروم من عرّب له كتب الفلاسفة و أتاه بها في أعوام بضع عشرة سنة و مائتين من سني الهجرة، فانتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، و اشتهرت كتبهم بعامّة الأمصار، و أقبلت المعتزلة و القرامطة و الجهمية و غيرهم عليها، و أكثروا من النظر فيها و التصفح لها، فانجرّ على الإسلام و أهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء و المحنة في الدين، و عظم بالفلسفة ضلال أهل البدع و زادتهم كفرا إلى كفرهم. فلما قامت دولة بني بويه ببغداد في سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة و استمرّوا إلى سنة سبع و ثلاثين و أربعمائة، و أظهروا مذهب التشيع، قويت بهم الشيعة و كتبوا على أبواب المساجد في سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة لعن اللّه معاوية بن أبي سفيان، و لعن من أغضب فاطمة، و من منع الحسن أن يدفن عند جدّه، و من نفى أبا ذر الغفاريّ، و من أخرج العباس من الشورى.

فلما كان الليل حكه بعض الناس، فأشار الوزير المهلبيّ أن يكتب بإذن معز الدولة، لعن اللّه الظالمين لأهل البيت، و لا يذكر أحد في اللعن غير معاوية. ففعل ذلك و كثرت ببغداد الفتن بين الشيعة و السنية، و جهر الشيعة في الأذان بحيّ على خير العمل في الكرخ، و فشا مذهب الاعتزال بالعراق و خراسان و ما وراء النهر، و ذهب إليه جماعة من مشاهير الفقهاء، و قوى مع ذلك أمر الخلفاء الفاطميين بأفريقية و بلاد المغرب، و جهروا بمذهب الإسماعيلية و بثوا دعاتهم بأرض مصر، فاستجاب لهم خلق كثير من أهلها، ثم ملكوها سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة و بعثوا بعساكرهم إلى الشام فانتشرت مذاهب الرافضة في عامّة بلاد المغرب و مصر و الشام و ديار بكر و الكوفة و البصرة و بغداد، و جميع العراق، و بلاد خراسان، و ما وراء النهر مع بلاد الحجاز و اليمن و البحرين، و كانت بينهم و بين أهل السنة من الفتن و الحروب و المقاتل ما لا يمكن حصره لكثرته، و اشتهرت مذاهب الفرق من القدرية و الجهمية و المعتزلة و الكرّامية و الخوارج و الروافض و القرامطة و الباطنية، حتى ملأت الأرض، و ما منهم إلّا من نظر في الفلسفة و سلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فلم تبق مصر من الأمصار و لا قطر من الأقطار، إلا و فيه طوائف كثيرة ممن ذكرنا.

و كان أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعريّ قد أخذ عن أبي عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبائيّ، و لازمه عدّة أعوام، ثم بدا له فترك مذهب الاعتزال و سلك طريق أبي محمد عبد اللّه بن محمد بن سعيد بن كلاب، و نسج على قوانينه في الصفات و القدر، و قال بالفاعل المختار، و ترك القول بالتحسين و التقبيح العقليين، و ما قيل في مسائل الصلاح و الأصلح، و أثبت أن العقل لا يوجب المعارف قبل الشرع، و أن العلوم و إن حصلت بالعقل فلا تجب به، و لا يجب البحث عنها إلّا بالسمع، و أن اللّه تعالى لا يجب عليه شي‏ء، و أن النبوّات من الجائزات العقلية و الواجبات السمعية إلى غير ذلك من مسائله التي هي موضوع أصول الدين.

192

و حقيقة مذهب الأشعريّ: رحمه اللّه، أنه سلك طريقا بين النفي الذي هو مذهب الاعتزال، و بين الإثبات الذي هو مذهب أهل التجسيم، و ناظر على قوله هذا و احتج لمذهبه، فمال إليه جماعة و عوّلوا على رأيه، منهم القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلانيّ المالكيّ، و أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، و الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مهران الأسفراينيّ، و الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ بن يوسف الشيرازيّ، و الشيخ أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزاليّ، و أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستانيّ، و الإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازيّ، و غيرهم ممن يطول ذكره، و نصروا مذهبه و ناظروا عليه و جادلوا فيه و استدلوا له في مصنفات لا تكاد تحصر، فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعريّ في العراق من نحو سنة ثمانين و ثلاثمائة و انتقل منه إلى الشام، فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر، كان هو و قاضيه صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس المارانيّ على هذا المذهب، قد نشآ عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، و حفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوريّ، و صار يحفظها صغار أولاده، فلذلك عقدوا الخناصر و شدّوا البنان على مذهب الأشعريّ، و حملوا في أيام دولتهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك، و اتفق مع ذلك توجه أبي عبد اللّه محمد بن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق، و أخذ عن أبي حامد الغزاليّ مذهب الأشعريّ، فلما عاد إلى بلاد المغرب و قام في المصامدة يفقههم و يعلمهم، وضع لهم عقيدة لقفها عنه عامّتهم، ثم مات فخلفه بعد موته عبد المؤمن بن عليّ القيسيّ، و تلقب بأمير المؤمنين، و غلب على ممالك المغرب هو و أولاده من بعد مدّة سنين، و تسموا بالموحدين، فلذلك صارت دولة الموحدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المعلوم، المهديّ المعصوم، فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء خلائق لا يحصيها إلّا اللّه خالقها سبحانه و تعالى، كما هو معروف في كتب التاريخ، فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعريّ و انتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نسي غيره من المذاهب، و جهل حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلّا أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل رضي اللّه عنه، فإنهم كانوا على ما كان عليه السلف، لا يرون تأويل ما ورد من الصفات، إلى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق و أعمالها تقيّ الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحكم بن عبد السلام بن تيمية الحرّانيّ، فتصدّى للانتصار لمذهب السلف و بالغ في الردّ على مذهب الأشاعرة، و صدع بالنكير عليهم و على الرافضة، و على الصوفية، فافترق الناس فيه فريقان، فريق يقتدي به و يعوّل على أقواله و يعمل برأيه، و يرى أنه شيخ‏

193

الإسلام و أجلّ حفاظ أهل الملّة الإسلامية. و فريق يبدّعه و يضلله و يزري عليه بإثباته الصفات، و ينتقد عليه مسائل منها ما له فيه سلف، و منها ما زعموا أنه خرق فيه الإجماع، و لم يكن له فيه سلف، و كانت له و لهم خطوب كثيرة، و حسابه و حسابهم على اللّه الذي لا يخفى عليه شي‏ء في الأرض و لا في السماء، و له إلى وقتنا هذا عدّة أتباع بالشام و قليل بمصر.

هذا و بين الأشاعرة و الماتريدية أتباع أبي منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريديّ، و هم طائفة الفقهاء الحنفية مقلد و الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، و صاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحضرميّ، و محمد بن الحسن الشيبانيّ رضي اللّه عنهم، من الخلاف في العقائد ما هو مشهور في موضعه، و هو إذ تتبع يبلغ بضع عشرة مسألة، كان بسببها في أوّل الأمر تباين و تنافر، و قدح كل منهم في عقيدة الآخر، إلّا أن الأمر آل آخرا إلى الإغضاء، و للّه الحمد.

فهذا أعز اللّه بيان ما كانت عليه عقائد الأمّة من ابتداء الأمر إلى وقتنا هذا، قد فصّلت فيه ما أجمله أهل الأخبار، و أجملت ما فصلوا، فدونك طالب العلم تناول ما قد بذلت فيه جهدي و أطلت بسببه سهري و كدّي في تصفح دواوين الإسلام و كتب الأخبار، فقد وصل إليك صفوا و نلته عفوا بلا تكلف مشقة و لا بذل مجهول، و لكن اللّه يمنّ على من يشاء من عباده.

أبو الحسن عليّ بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد اللّه بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى، و اسمه عبد اللّه بن قيس «الأشعريّ» البصريّ، ولد سنة ست و ستين و مائتين، و قيل سنة سبعين، و توفي ببغداد سنة بضع و ثلاثين و ثلاثمائة و قيل سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة، سمع زكريا الساجي، و أبا خليفة الجمحيّ، و سهل بن نوح، و محمد بن يعقوب القمريّ، و عبد الرحمن بن خلف الضبيّ المصريّ، و روى عنهم في تفسيره كثيرا، و تلمذ لزوج أمّه أبي عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبائيّ، و اقتدى برأيه في الاعتزال عدّة سنين حتى صار من أئمة المعتزلة، ثم رجع عن القول بخلق القرآن و غيره من آراء المعتزلة، و صعد يوم الجمعة بجامع البصرة كرسيا و نادى بأعلى صوته، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن و أن اللّه لا يرى بالإبصار، و أن أفعال الشرّ أنا أفعلها، و أنا تائب مقلع معتقد الردّ على المعتزلة، مبين لفضائحهم و معايبهم، و أخذ من حينئذ في الردّ عليهم، و سلك بعض طريق أبي محمد عبد اللّه بن محمد بن سعيد بن كلاب القاطن، و بنى على قواعده. و صنف خمسة و خمسين تصنيفا منها. كتاب اللمع، و كتاب الموجز، و كتاب إيضاح البرهان، و كتاب التبيين على أصول الدين، و كتاب الشرح و التفصيل في الردّ على‏

194

أهل الإفك و التضليل، و كتاب الإبانة، و كتاب تفسير القرآن، يقال أنه في سبعين مجلدا.

و كانت غلته من ضيعة وقفها بلال بن أبي بردة على عقبه، و كانت نفقته في السنة سبعة عشر درهما، و كانت فيه دعابة و مزح كثير. و قال مسعود بن شيبة في كتاب التعليم: كان حنفيّ المذهب، معتزليّ الكلام، لأنه كان ربيب أبي عليّ الجبائيّ، و هو الذي رباه و علمه الكلام، و ذكر الخطيب أنه كان يجلس أيام الجمعات في حلقة أبي إسحاق المروزيّ الفقيه في جامع المنصور. و عن أبي بكر بن الصيرفيّ: كان المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر اللّه تعالى الأشعريّ فحجزهم في أقماع السماسم.

و جملة عقيدته أنّ اللّه تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع يسمع، بصير يبصر، و أن صفاته أزلية قائمة بذاته تعالى، لا يقال هي هو، و لا هي غيره، و لا هي هو، و لا غيره. و علمه واحد يتعلق بجميع المعلومات، و قدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصح وجوده، و إرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص، و كلامه واحد هو أمر و نهي و خبر و استخبار و وعد و وعيد، و هذه الوجوه راجعة إلى اعتبارات في كلامه، لا إلى نفس الكلام و الألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء، دلالات على الكلام الأزليّ، فالمدلول و هو القرآن المقروء، قديم أزليّ، و الدلالة و هي العبارات، و هي القراءة، مخلوقة محدثة. قال: و فرق بين القراء و المقروء، و التلاوة و المتلوّ، كما فرق بين الذكر و المذكور. قال: و الكلام معنى قائم بالنفس، و العبارة دالة على ما في النفس، و إنما تسمى العبارة كلاما مجازا. قال و أراد اللّه تعالى جميع الكائنات خيرها و شرّها، و نفعها و ضرّها، و مال في كلامه إلى جواز تكليف ما لا يطاق، لقوله أنّ الاستطاعة مع الفعل، و هو مكلف بالفعل قبله، و هو غير مستطيع قبله على مذهبه. قال و جميع أفعال العباد مخلوقة مبدعة من اللّه تعالى، مكتسبة للعبد، و الكسب عبارة عن الفعل القائم بمحل قدرة العبد. قال: و الخالق هو اللّه تعالى، حقيقة لا يشاركه في الخلق غيره، فأخص وصفه هو القدرة و الاختراع، و هذا تفسير اسمه البارئ.

قال و كلّ موجود يصح أن يرى، و اللّه تعالى موجود، فيصح أن يرى، و قد صح السمع بأن المؤمنين يرونه في الدار الأخرى في الكتاب و السنة، و لا يجوز أن يرى في مكان، و لا صورة مقابلة، و اتصال شعاع، فإن ذلك كله محال، و ماهية الرؤية له فيها رأيان، أحدهما: أنه علم مخصوص يتعلق بالوجود دون العدم، و الثاني أنه إدراك وراء العلم، و أثبت السمع و البصر صفتين أزليتين هما إدراكان وراء العلم، و أثبت اليدين و الوجه صفات خبرية، ورد السمع بها، فيجب الاعتراف به، و خالف المعتزلة في الوعد و الوعيد و السمع و العقل من كل وجه. و قال: الإيمان هو التصديق بالقلب و القول باللسان و العمل بالأركان فروع الإيمان، فمن صدّق بالقلب أي أقرّ بوحدانية اللّه تعالى و اعترف بالرسل تصديقا لهم فيما جاؤا به فهو مؤمن، و صاحب الكبيرة إذا خرج من الدنيا من غير توبة

195

حكمه إلى اللّه، أما أن يغفر له برحمته أو يشفع له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و إمّا أن يعذبه بعدله ثم يدخله الجنة برحمته و لا يخلد في النار مؤمن. قال و لا أقول أنه يجب على اللّه سبحانه قبول توبته بحكم العقل، لأنه هو الموجب، لا يجب عليه شي‏ء أصلا، بل قد ورد السمع بقبول توبة التائبين، و إجابة دعوة المضطرّين، و هو المالك لخلقه يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، فلو أدخل الخلائق بأجمعهم النار لم يكن جورا، و لو أدخلهم الجنة لم يكن حيفا، و لا يتصوّر منه ظلم، و لا ينسب إليه جور، لأنه المالك المطلق، و الواجبات كلها سمعية فلا يوجب العقل شيئا البتة، و لا يقتضي تحسينا و لا تقبيحا، فمعرفة اللّه تعالى و شكر المنعم، و إثابة الطائع، و عقاب العاصي، كلّ ذلك بحسب السمع دون العقل، و لا يجب على اللّه شي‏ء لا صلاح و لا أصلح و لا لطف بل الثواب و الصلاح و اللطف و النعم كلها تفضل من اللّه تعالى، و لا يرجع إليه تعالى نفع و لا ضرّ، فلا ينتفع بشكر شاكر، و لا يتضرّر بكفر كافر، بل يتعالى و يتقدّس عن ذلك، و بعث الرسل جائز لا واجب و لا مستحيل، فإذا بعث اللّه تعالى الرسول و أيده بالمعجزة الخارقة للعادة و تحدّى و دعا الناس، وجب الإصغاء إليه و الاستماع منه و الامتثال لأوامره و الانتهاء عن نواهيه، و كرامات الأولياء حق، و الإيمان بما جاء في القرآن و السنة من الأخبار عن الأمور الغائبة عنا مثل اللوح و القلم و العرش و الكرسيّ و الجنة و النار حق و صدق، و كذلك الأخبار عن الأمور التي ستقع في الآخرة، مثل سؤال القبر و الثواب و العقاب فيه و الحشر و المعاد و الميزان و الصراط و انقسام فريق في الجنة و فريق في السعير، كلّ ذلك حق و صدق يجب الإيمان و الاعتراف به. و الإمامة تثبت بالاتفاق و الاختيار دون النص و التعيين على واحد معين، و الأئمة مترتبون في الفضل ترتبهم في الإمامة. قال و لا أقول في عائشة و طلحة و الزبير رضي اللّه عنهم إلّا أنّهم رجعوا عن الخطأ، و أقول أن طلحة و الزبير من العشرة المبشرين بالجنة، و أقول في معاوية و عمرو بن العاص أنهما بغيا على الإمام الحق عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، فقاتلهم مقاتلة أهل البغي، و أقول أن أهل النهروان الشراة هم المارقون عن الدين، و أن عليا رضي اللّه عنه كان على الحق في جميع أحواله، و الحق معه حيث دار.

فهذه جملة من أصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية، و التي من جهر بخلافها أريق دمه، و الأشاعرة يسمون الصفاتية لإثباتهم صفات اللّه تعالى القديمة، ثم افترقوا في الألفاظ الواردة في الكتاب و السنة، كالاستواء و النزول و الإصبع و اليد و القدم و الصورة و الجنب، و المجي‏ء على فرقتين، فرقة تؤول جميع ذلك على وجوه محتملة اللفظ، و فرقة لم يتعرّضوا للتأويل و لا صاروا إلى التشبيه، و يقال لهؤلاء الأشعرية الأسرية، فصار للمسلمين في ذلك خمسة أقوال: أحدها اعتقاد ما يفهم مثله من اللغة، و ثانيها السكوت عنها مطلقا، و ثالثها السكوت عنها بعد نفي إرادة الظاهر، و رابعها حملها على المجاز، و خامسها حملها على الاشتراك، و لكلّ فريق أدلة و حجاج تضمنتهما كتب أصول‏

196

الدين، و لا يزالون مختلفين إلّا من رحم ربك، و لذلك خلقهم و اللّه يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

فصل: اعلم أن اللّه سبحانه طلب من الخلق معرفته بقوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ [الذاريات/ 56] قال ابن عباس و غيره يعرفون، فخلق تعالى الخلق و تعرّف إليهم بألسنة الشرائع المنزلة، فعرفه من عرفه، سبحانه، منهم على ما عرّفهم فيما تعرّف به إليهم، و قد كان الناس قبل إنزال الشرائع الرسل (عليهم السلام)، علمهم بالله تعالى إنما هو بطريق التنزيه له عن سمات الحدوث، و عن التركيب، و عن الافتقار. و يصفونه سبحانه بالاقتدار المطلق، و هذا التنزيه هو المشهور عقلا، و لا يتعدّاه عقل أصلا، فلما أنزل اللّه شريعته على رسوله محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و أكمل دينه، كان سبيل العارف بالله أن يجمع في معرفته بالله بين معرفتين، إحداهما المعرفة التي تقتضيها الأدلة العقلية، و الأخرى المعرفة التي جاءت بها الاخبارات الإلهية، و أن يردّ علم ذلك إلى اللّه تعالى، و يؤمن به و بكل ما جاءت به الشريعة على الوجه الذي أراده اللّه تعالى، من غير تأويل بفكره و لا تحكم فيه برأيه، و ذلك أن الشرائع إنما أنزلها اللّه تعالى لعدم استقلال العقول البشرية بإدراك حقائق الأشياء على ما هي عليه في علم اللّه، و أنّي لها ذلك و قد تقيدت بما عندها من إطلاق ما هنالك، فإن وهبها علما بمراده من الأوضاع الشرعية، و منحها الاطلاع على حكمه في ذلك، كان من فضله تعالى، فلا يضيف العارف هذه المنة إلى فكره، فإن تنزيهه لربه تعالى بفكره و يجب أن يكون مطابقا لما أنزله سبحانه على لسان رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) من الكتاب و السنة، و إلّا فهو تعالى منزه عن تنزيه عقول البشر بأفكارها، فإنها مقيدة بأوطارها، فتنزيهها كذلك مقيد بحسبها و بموجب أحكامها و آثارها، إلّا إذا خلت عن الهوى فإنها حينئذ يكشف اللّه لها الغطاء عن بصائرها، و يهديها إلى الحق، فتنزه اللّه تعالى عن التنزيهات العرفية بالأفكار العادية، و قد أجمع المسلمون قاطبة على جواز رواية الأحاديث الواردة في الصفات و نقلها و تبليغها من غير خلاف بينهم في ذلك، ثم أجمع أهل الحق منهم على أن هذه الأحاديث مصروفة عن احتمال مشابهة الخلق، لقول اللّه تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى/ 11] و لقول اللّه تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الاخلاص/ 2] و هذه السورة يقال لها سورة الاخلاص، و قد عظم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) شأنها، و رغّب أمته في تلاوتها، حتى جعلها تعدل ثلث القرآن من أجل أنها شاهدة بتنزيه اللّه تعالى، و عدم الشبه و المثل له سبحانه، و سميت سورة الإخلاص لاشتمالها على إخلاص التوحيد للّه عن أن يشوبه ميل إلى تشبيهه بالخلق، و أمّا الكاف التي في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [الشورى/ 11] فإنها زائدة، و قد تقرّر أن الكاف و المثل في كلام العرب اتيا للتشبيه، فجمعهما اللّه تعالى ثم نفى بهما عنه ذلك، فإذا ثبت إجماع المسلمين على جواز رواية هذه الأحاديث و نقلها، مع إجماعهم على أنها مصروفة عن‏

197

التشبيه، لم يبق في تعظيم اللّه تعالى بذكرها إلّا نفي التعطيل، لكون أعداء المرسلين سموا ربهم سبحانه أسماء نفوا فيها صفاته العلا، فقال قوم من الكفار هو طبيعة، و قال آخرون منهم هو علة، إلى غير ذلك من إلحادهم في أسمائه سبحانه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هذه الأحاديث المشتملة على ذكر صفات اللّه العلا، و نقلها عنه أصحابه البررة، ثم نقلها عنهم أئمة المسلمين حتى انتهت إلينا، و كلّ منهم يرويها بصفتها من غير تأويل لشي‏ء منها، مع علمنا أنهم كانوا يعتقدون أن اللّه سبحانه و تعالى ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير، ففهمنا من ذلك أن اللّه تعالى أراد بما نطق به رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) من هذه الأحاديث، و تناولها عنه الصحابة رضي اللّه عنهم و بلغوها لأمّته، أن يغص بها في حلوق الكافرين، و أن يكون ذكرها نكتا في قلب كلّ ضال معطل مبتدع يقفو أثر المبتدعة من أهل الطبائع و عباد العلل، فلذلك وصف اللّه تعالى نفسه الكريمة بها في كتابه، و وصفه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أيضا بما صح عنه و ثبت، فدل على أن المؤمن إذا اعتقد أن اللّه ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير، و أنه أحد صمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد، كان ذكره لهذه الأحاديث تمكين الإثبات، و شجا في حلوق المعطلة، و قد قال الشافعيّ: رحمه اللّه «الإثبات أمكن» نقله الخطابيّ و لم يبلغنا عن أحد من الصحابة و التابعين و تابعيهم أنهم أوّلوا هذه الأحاديث، و الذي يمنع من تأويلها إجلال اللّه تعالى عن أن تضرب له الأمثال، و أنه إذا نزل القرآن بصفة من صفات اللّه تعالى، كقوله سبحانه: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏ [الفتح/ 10] فإن نفس تلاوة هذا يفهم منها السامع المعنى المراد به، و كذا قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ‏ [المائدة/ 64] عند حكايته تعالى عن اليهود نسبتهم إياه إلى البخل فقال تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [المائدة/ 64] فإن نفس تلاوة هذا مبينة للمعنى المقصود، و أيضا فإن تأويل هذه الأحاديث يحتاج أن يضرب للّه تعالى فيها المثل نحو قولهم في قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ [طه/ 5] الاستواء الاستيلاء، كقولك استوى الأمير على البلد، و أنشدوا:

قد استوى بشر على العراق‏

فلزمهم تشبيه الباري تعالى ببشر، و أهل الإثبات نزهو إجلال اللّه عن أن يشبهوه بالأجسام حقيقة و لا مجازا، و علموا مع ذلك أن هذا النطق يشتمل على كلمات متداولة بين الخالق و خلقه، و تحرّجوا أن يقولوا مشتركة، لأن اللّه تعالى لا شريك له، و لذلك: لم يتأول السلف شيئا من أحاديث الصفات، مع علمنا قطعا أنها عندهم مصروفة عما يسبق إليه ظنون الجهال من مشابهتها الصفات المخلوقين، و تأمّل تجد اللّه تعالى لمّا ذكر المخلوقات المتولدة من الذكر و الأنثى في قوله سبحانه: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ مِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً [الشورى/ 11] يذرؤكم فيه علم سبحانه ما يخطر بقلوب الخلق، فقال عز من قائل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11].

198

و اعلم أن السبب في خروج أكثر الطوائف عن ديانة الإسلام، أن الفرس كانت من سعة الملك و علوّ اليد على جميع الأمم، و جلالة الخطر في أنفسها، بحيث أنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار و الأسياد، و كانوا يعدّون سائر الناس عبيدا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، و كانت العرب عند الفرس أقل الأمم خطرا، تعاظمهم الأمر و تضاعفت لديهم المصيبة، و راموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، و في كل ذلك يظهر اللّه تعالى الحق، و كان من قائميهم سنفاد و اشنيس و المقفع و بابك و غيرهم، و قبل هؤلاء رام ذلك عمار الملقب خداشا، و أبو مسلم السروح، فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام و استمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و استبشاع ظلم عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى، فقوم أدخلوهم إلى القول بأن رجلا ينتظر يدعى المهديّ، عنده حقيقة الدين إذ لا يجوز أن يؤخذ الدين عن كفار، إذ نسبوا أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الكفر، و قوم خرجوا إلى القول بادعاء النبوّة لقوم سموهم به، و قوم سلكوا بهم إلى القول بالحلول و سقوط الشرائع، و آخرون تلاعبوا بهم فأوجبوا عليهم خمسين صلاة في كل يوم و ليلة، و آخرون قالوا بل هي سبع عشرة صلاة في كل صلاة خمس عشرة ركعة، و هو قول عبد اللّه بن عمرو بن الحارث الكنديّ، قبل أن يصير خارجيا صفريا، و قد أظهر عبد اللّه بن سبأ الحميريّ اليهوديّ الإسلام ليكيد أهله، فكان هو أصل إثارة الناس على عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، و احرق عليّ رضي اللّه عنه منهم طوائف أعلنوا بإلهيته، و من هذه الأصول حدثت الإسماعيلية و القرامطة.

و الحق الذي لا ريب فيه أن دين اللّه تعالى ظاهر لا باطن فيه، و جوهر لا سرّ تحته، و هو كله لازم كل أحد لا مسامحة فيه، و لم يكتم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الشريعة و لا كلمة، و لا أطلع أخص الناس به من زوجة أو ولد عمّ على شي‏ء من الشريعة، كتمه عن الأحمر و الأسود و رعاة الغنم، و لا كان عنده (صلى اللّه عليه و سلم) سرّ و لا رمز و لا باطن غير ما دعا الناس كلها إليه، و لو كتم شيئا لما بلغ كما أمر، و من قال هذا فهو كافر بإجماع الأمّة، و أصل كلّ بدعة في الدين البعد عن كلام السلف و الانحراف عن اعتقاد الصدر الأوّل، حتى بالغ القدريّ في القدر فجعل العبد خالقا لأفعاله، و بالغ الجبريّ في مقابلته فسلب عنه الفعل و الاختيار، و بالغ المعطل في التنزيه فسلب عن اللّه تعالى صفات الجلال و نعوت الكمال، و بالغ المشبه في مقابلته فجعله كواحد من البشر، و بالغ المرجئ في سلب العقاب، و بالغ المعتزليّ في التخليد في العذاب، و بالغ الناصبيّ في دفع عليّ رضي اللّه عنه عن الإمامة، و بالغت الغلاة حتى جعلوه إلها، و بالغ السنيّ في تقديم أبي بكر رضي اللّه عنه، و بالغ الرافضيّ في تأخيره حتى كفره، و ميدان الظنّ واسع و حكم الوهم غالب، فتعارضت الظنون و كثرت الأوهام و بلغ كل فريق في الشرّ و العناد و البغي و الفساد إلى أقصى غاية، و أبعد نهاية، و تباغضوا و تلاعنوا

199

و استحلوا الأموال و استباحوا الدماء، و انتصروا بالدول و استعانوا بالملوك، فلو كان أحدهم إذا بالغ في أمر نازع الآخر في القرب منه، فإن الظنّ لا يبعد عن الظنّ كثيرا و لا ينتهى في المنازعة إلى الطرف الآخر من طرفي التقابل، لكنهم أبو إلّا ما قدّمناه ذكره من التدابر و التقاطع، و لا يزالون مختلفين إلّا من رحم ربك.

ذكر المدارس‏

قال ابن سيده: درس الكتاب يدرسه درسا و دراسة، و دارسه من ذلك كأنه عاوده، حتى انقاد لحفظه. و قرى‏ء بهما و ليقولوا درست و دارست ذاكرتهم، و حكى درست أي قرئت و قرى‏ء درست أي هذه أخبار قد عفت و انمحت، و درّست أشدّ مبالغة، و الدراس المدارسة، و قال ابن جني: و درسته إياه و أدرسته، و من الشاذ قراءة ابن حيوة، و بما كنتم تدرسون، و المدارس الموضع الذي يدرس فيه، و قد ذكر الواقديّ أن عبد اللّه ابن أمّ مكتوم قدم مهاجرا إلى المدينة مع مصعب بن عمير رضي اللّه عنهما، و قيل قدم بعد بدر بيسير، فنزل دار القرّاء، و لما أراد الخليفة المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق بالله أبي أحمد طلحة بن المتوكل على اللّه جعفر بناء قصره في الشماسية ببغداد، استزاد في الذرع بعد أن فرغ من تقدير ما أراد، فسئل عن ذلك فذكر أنه يريده ليبني فيه دورا و مساكن و مقاصير، يرتب في كل موضع رؤساء كلّ صناعة و مذهب من مذاهب العلوم النظرية و العملية، و يجري عليهم الأرزاق السنية، ليقصد كل من اختار علما أو صناعة رئيس ما يختاره فيأخذ عنه.

و المدارس مما حدث في الإسلام، و لم تكن تعرف في زمن الصحابة و لا التابعين، و إنما حدث عملها بعد الأربعمائة من سني الهجرة، و أوّل من حفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور، فبنيت بها بالمدرسة البيهقية، و بنى بها أيضا الأمير نصر بن سبكتكين مدرسة، و بنى بها أخو السلطان محمود بن سبكتكين مدرسة، و بنى بها أيضا المدرسة السعيدية، و بنى بها أيضا مدرسة رابعة، و أشهر ما بني في القديم المدرسة النظامية ببغداد، لأنّها أوّل مدرسة قرّر بها للفقهاء معاليم، و هي منسوبة إلى الوزير نظام الملك أبي عليّ الحسن بن عليّ بن إسحاق بن العباس الطوسيّ، وزير ملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن سلجوق في مدينة بغداد، و شرع في بنائها في سنة سبع و خمسين و أربعمائة، و فرغت في ذي القعدة سنة تسع و خمسين و أربعمائة، و درس فيها الشيخ أبو إسحاق الشيرازيّ الفيروزآبادي، صاحب كتاب التنبيه في الفقه على مذهب الإمام الشافعيّ رضي اللّه عنه و رحمه، فاقتدى الناس به من حينئذ في بلاد العراق و خراسان و ما وراء النهر و في بلاد الجزيرة و ديار بكر. و أمّا مصر فإنها كانت حينئذ بيد الخلفاء الفاطميين، و مذهبهم مخالف لهذه الطريقة، و إنما هم شيعة إسماعيلية كما تقدّم، و أوّل ما عرف إقامة درس من قبل السلطان بمعلوم جار لطائفة من الناس بديار مصر، في خلافة العزيز بالله نزار بن المعز،

200

و وزارة يعقوب بن كلس، فعمل ذلك بالجامع الأزهر كما تقدّم ذكره، ثم عمل في دار الوزير يعقوب بن كاس مجلس يحضره الفقهاء، فكان يقرأ فيه كتاب فقه على مذهبهم، و عمل أيضا مجلس بجامع عمرو بن العاص من مدينة فسطاط مصر لقراءة كتاب الوزير، ثم بنى الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور بن العزيز دار العلم بالقاهرة كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، فلما انقرضت الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أبطل مذاهب الشيعة من ديار مصر، و أقام بها مذهب الإمام الشافعيّ، و مذهب الإمام مالك، و اقتدى بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، فإنه بنى بدمشق و حلب و أعمالهما عدّة مدارس للشافعية و الحنفية، و بنى لكل من الطائفتين مدرسة بمدينة مصر. و أوّل مدرسة أحدثت بديار مصر المدرسة الناصرية بجوار الجامع العتيق بمصر، ثم المدرسة القمحية المجاورة للجامع أيضا، ثم المدرسة السيوفية التي بالقاهرة، ثم اقتدى بالسلطان صلاح الدين في بناء المدارس بالقاهرة و مصر و غيرهما من أعمال مصر و بالبلاد الشامية و الجزيرة أولاده، و أمراؤه، ثم حذا حذوهم من ملك مصر بعدهم من ملوك الترك و أمرائهم و أتباعهم إلى يومنا هذا، و سأذكر ما بديار مصر من المدارس، و أعرّف بحال من بناها على ما اعتدته في هذا الكتاب من التوسط دون الإسهاب، و بالله استعين.

المدرسة الناصرية

بجوار الجامع العتيق من مدينة مصر من قبليه، هذه المدرسة عرفت أوّلا بالمدرسة الناصرية، ثم عرفت بابن زين التجار، و هو أبو العباس أحمد بن المظفر بن الحسين الدمشقيّ، المعروف بابن زين التجار، أحد أعيان الشافعية. درّس بهذه المدرسة مدّة طويلة، و مات في ذي القعدة سنة إحدى و تسعين و خمسمائة، ثم عرفت بالمدرسة الشريفة، و هي إلى الآن تعرف بذلك، و كان موضعها يقال له الشرطة، و ذكر الكنديّ أنها خطة قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ، و عرفت بدار الفلفل. و قال ابن عبد الحكم كانت فضاء قبل ذلك، و قيل كانت هي و الدار التي إلى جانبها لنافع بن عبد اللّه بن قيس الفهريّ، فأخذها منه قيس بن سعد، و سمّيت دار الفلفل لأن أسامة بن زيد التنوخيّ صاحب الخراج بمصر، ابتاع من موسى بن وردان فلفلا بعشرين ألف دينار ليهديه إلى صاحب الروم، فخزّنه فيها، و لما فرغ عيسى بن يزيد الجلوديّ من بناء زيادة الجامع، بنى هذه الدار شرطة في سنة ثلاث عشرة و مائتين، ثم صارت سجنا تعرف بالمعونة، فهدمها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب في أوّل المحرّم سنة ست و ستين و خمسمائة، و أنشأها مدرسة برسم الفقهاء الشافعية، و كان حينئذ يتولى وزارة مصر للخليفة العاضد، و كان هذا من أعظم ما نزل بالدولة، و هي أوّل مدرسة عملت بديار مصر، و لما كملت وقف عليها الصاغة، و كانت بجوارها، و قد خربت و بقي منها شي‏ء يسير قرأت عليها اسم الخليفة العزيز بالله، و وقف عليها أيضا قرية

201

تعرف ... (1) و أول من ولي التدريس بها ابن زين التجار، فعرفت به، ثم درس بها بعدد ابن قطيطة بن الوزان، ثم من بعده كمال الدين أحمد بن شيخ الشيوخ، و بعده الشريف القاضي شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن الحسين بن محمد الحنفيّ قاضي العسكر الأرموي، فعرفت به. و قيل لها المدرسة الشريفة من عهده إلى اليوم، و لو لا ما يتناوله الفقهاء من المعلوم بها لخربت، فإن الكيمان ملاصقة لها بعد ما كان حولها أعمر موضع في الدنيا، و قد ذكر حبس المعونة عند ذكر السجون من هذا الكتاب.

المدرسة القمحية

هذه المدرسة بجوار الجامع العتيق بمصر، كان موضعها يعرف بدار الغزل، و هو قيسارية يباع فيها الغزل، فعدمها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، و أنشأ موضعها مدرسة للفقهاء المالكية، و كان الشروع فيها للنصف من المحرّم سنة ست و ستين و خمسمائة، و وقف عليها قيسارية الورّاقين، و علوها بمصر، و ضيعة بالفيوم تعرف بالحنبوشية، و رتب فيها أربعة من المدرّسين عند كل مدرّس عدّة من الطلبة، و هذه المدرسة أجل مدرسة للفقهاء المالكية، و يتحصل لهم من ضيعتهم التي بالفيوم قمح يفرّق فيهم، فلذلك صارت لا تعرف إلّا بالمدرسة القمحية إلى اليوم، و قد أحاط بها الخراب، و لو لا ما يتحصل منها للفقهاء لدثرت. و في شعبان سنة خمس و عشرين و ثمانمائة أخرج السلطان الملك الأشرف برسباي الدقماقيّ ناحيتي الاعلام و الحنبوشية، و كانتا من وقف السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على هذه المدرسة، و أنعم بهما على مملوكين من مماليكه ليكونا إقطاعا لهما.

مدرسة يازكوج‏

هذه المدرسة بسوق الغزل في مدينة مصر، و هي مدرسة معلقة بناها ... (2).

مدرسة ابن الأرسوفيّ‏

هذه المدرسة كانت بالبزازين التي تجاور خط النخالين بمصر، عرفت بابن الأرسوفيّ التاجر العسقلانيّ، و كان بناؤها في سنة سبعين و خمسمائة، و هو عفيف الدين عبد اللّه بن محمد الأرسوفيّ، مات بمصر في يوم الاثنين حادي عشري ربيع الأوّل سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة.

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) بياض في الأصل.

202

مدرسة منازل العز

هذه المدرسة كانت من دور الخلفاء الفاطميين، بنتها أمّ الخليفة العزيز بالله بن المعز، و عرفت بمنازل العز، و كانت تشرف على النيل، و صارت معدّة لنزهة الخلفاء، و ممن سكنها ناصر الدولة حسين بن حمدان إلى أن قتل، و كان بجانبها حمّام يعرف بحمّام الذهب من جملة حقوقها، و هي باقية. فلما زالت الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين يوسف، أنزل في منازل العز الملك المظفر تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب فسكنها مدّة، ثم إنه اشتراها و الحمّام و الإصطبل المجاور لها من بيت المال في شهر شعبان سنة ست و ستين و خمسمائة، و أنشأ فندقين بمصر بخط الملاحين، و أنشأ ربعا بجوار أحد الفندقين، و اشترى جزيرة مصر التي تعرف اليوم بالروضة، فلما أراد أن يخرج من مصر إلى الشام وقف منازل العز على فقهاء الشافعية، و وقف عليها الحمّام و ما حولها، و عمر الاصطبل فندقا عرف بفندق النخلة و وقفه عليها، و وقف عليها الروضة، و درّس بها شهاب الدين الطوسيّ و قاضي القضاة عماد الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد العليّ السكريّ، و عدّة من الأعيان. و هي الآن عامرة بعمارة ما حولها.

الملك المظفر تقيّ الدين أبو سعيد عمر بن نور الدولة شاهنشاه بن نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان، و هو ابن أخي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، قدم إلى القاهرة في ... (1) و استنابه السلطان على دمشق في المحرّم سنة إحدى و سبعين، ثم نقله إلى نيابة حماه، و سلّم إليه سنجار لما أخذها في ثاني رمضان سنة ثمان و سبعين، فأقام بها و لحق السلطان على حلب فقدم عليه في سابع صفر سنة تسع و سبعين، فأقام إلى أن بعثه إلى القاهرة نائبا عنه بديار مصر عوضا عن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، فقدمها في شهر رمضان سنة تسع و سبعين، و أنعم عليه بالفيوم و أعمالها مع القايات و بوش، و أبقى عليه مدينة حماه. ثم خرج بعساكر مصر إلى السلطان و هو بدمشق في سنة ثمانين لاجل أخذ الكرك من الفرنج، فسار إليها و حصرها مدّة ثم رجع مع السلطان إلى دمشق، و عاد إلى القاهرة في شعبان و قد أقام السلطان على مملكة مصر ابنه الملك العزيز عثمان، و جعل الملك المظفر كافلا له و قائما بتدبير دولته، فلم يزل على ذلك إلى جمادى الأولى سنة اثنتين و ثمانين، فصرف السلطان أخاه الملك العادل عن حلب و أعطاه نيابة مصر، فغضب الملك المظفر و عبر بأصحابه إلى الجيزة يريد المسير إلى بلاد المغرب و اللحاق بغلامه بهاء الدين قراقوش التقويّ، فبلغ السلطان ذلك فكتب إليه و لم يزل به حتى زال ما به، و سار إلى السلطان فقدم عليه دمشق في ثالث عشري شعبان، فأقرّه على حماه و المعرّة و منبج، و أضاف إليه ميافارقين، فلحق به أصحابه ما خلا مملوكه زين الدين بوزيا، فإنه سار إلى‏

____________

(1) بياض في الأصل.