المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية - ج4

- أحمد بن علي المقريزي المزيد...
454 /
203

بلاد المغرب، و كانت له في أرض مصر و بلاد الشام أخبار و قصص، و عرفت له مواقف عديدة في الحرب مع الفرنج، و آثار في المصافات، و له في أبواب البرّ أفعال حسنة، و له بمدينة الفيوم مدرستان إحداهما للشافعية و الأخرى للمالكية، و بنى مدرسة بمدينة الرها، و سمع الحديث من السلفيّ و ابن عوف، و كان عنده فضل و أدب، و له شعر حسن، و كان جوادا شجاعا مقداما شديد البأس عظيم الهمة كثير الإحسان، و مات في نواحي خلاط ليلة الجمعة تاسع شهر رمضان سنة سبع و ثمانين و خمسمائة، و نقل إلى حماه فدفن بها في تربة بناها على قبره ابنه الملك المنصور محمد.

مدرسة العادل‏

هذه المدرسة بخط الساحل بجوار الربع العادليّ من مدينة مصر الذي وقف على الشافعيّ، عمرها الملك العادل أبو بكر بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، درس بها قاضي القضاة تقيّ الدين أبو عليّ الحسين بن شرف الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الفقيه جلال الدين أبي محمد عبد اللّه بن نجم بن شاس بن نزار بن عشائر بن عبد اللّه بن محمد بن شاس. فعرفت به، و قيل لها مدرسة ابن شاس إلى اليوم، و هي عامرة، و عرف خطها بالقشاشين و هي للمالكية.

مدرسة ابن رشيق‏

هذه المدرسة للمالكية، و هي بخط حمّام الريش من مدينة مصر، كان الكاتم من طوائف التكرور لما وصلوا إلى مصر في سنة بضع و أربعين و ستمائة، قاصدين الحج، دفعوا للقاضي علم الدين بن رشيق مالا بناها به، و درّس بها فعرفت به، و صار لها في بلاد التكرور سمعة عظيمة، و كانوا يبعثون إليها في غالب السنين المال.

المدرسة الفائزية

هذه المدرسة في مصر بخط ... (1) أنشأها الصاحب شرف الدين هبة اللّه بن صاعد بن وهيب الفائزيّ قبل وزارته، في سنة ست و ثلاثين و ستمائة، و درّس بها القاضي محيي الدين عبد اللّه بن قاضي القضاة شرف الدين محمد بن عين الدولة، ثم قاضي القضاة صدر الدين موهوب الجزريّ، و هي للشافعية.

المدرسة القطبية

هذه المدرسة بالقاهرة في خط سويقة الصاحب بداخل درب الحريريّ، كانت هي‏

____________

(1) بياض في الأصل.

204

و المدرسة السيفية من حقوق دار الديباج التي تقدّم ذكرها، و أنشأ هذه المدرسة الأمير قطب الدين خسرو بن بلبل بن شجاع الهدبانيّ، في سنة سبعين و خمسمائة، و جعلها وقفا على الفقهاء الشافعية، و هو أحد أمراء السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب.

المدرسة السيوفية

هذه المدرسة بالقاهرة، و هي من جملة دار الوزير المأمون البطائجيّ، وقفها السلطان السيد الأجل الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب على الحنفية، و قرّر في تدريسها الشيخ مجد الدين محمد بن محمد الجبتي، و رتب له في كل شهر أحد عشر دينارا، و باقي ريع الوقف يصرفه على ما يراه للطلبة الحنفية المقرّرين عنده على قدر طبقاتهم، و جعل النظر للجبتي، و من بعده إلى من له النظر في أمور المسلمين، و عرفت بالمدرسة السيوفية، من أجل أن سوق السيوفيين كان حينئذ على بابها، و هي الآن تجاه سوق الصنادقيين، و قدوهم القاضي محيى الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر فإنه قال في كتاب الروضة الزاهرة في خطط المعزية القاهرة: مدرسة السيوفية و هي للحنفية، وقفها عز الدين فرحشاه قريب صلاح الدين و ما أدري كيف وقع له هذا الوهم، فإن كتاب وقفها موجود، قد وقفت عليه و لخصت منه ما ذكرته، و فيه أن واقفها السلطان صلاح الدين و خطه على كتاب الوقف و نصه: الحمد للّه و به توفيقي، و تاريخ هذا الكتاب تاسع عشرى شعبان سنة اثنتين و سبعين و خمسمائة، و وقف على مستحقيها اثنين و ثلاثين حانوتا بخط سويقة أمير الجيوش و باب الفتوح و حارة برجوان، و ذكر في آخر كتاب وقفها أن الواقف أذن لمن حضر مجلسه من العدول في الشهادة و القضاء على لفظه بما تضمنه المسطور، فشهدوا بذلك و أثبتوا شهادتهم آخره، و حكم حاكم المسلمين على صحة هذا الوقف بعد ما خاصم رجل من أهل هذا الوقف في ذلك، و أمضاه. لكنه لم يذكر في الكاتب اسجال القاضي بثبوته بل ذكر رسم شهادة الشهود على الواقف، و هم عليّ بن إبراهيم بن نجا بن غنائم الأنصاريّ الدمشقيّ، و القاسم بن يحيى بن عبد اللّه بن قاسم الشهرزوريّ، و عبد اللّه بن عمر بن عبد اللّه الشافعيّ، و عبد الرحمن بن عليّ بن عبد العزيز بن قريش المخزوميّ، و موسى بن حكر بن موسك الهدبانيّ في آخرين. و هذه المدرسة هي أوّل مدرسة وقفت على الحنفية بديار مصر، و هي باقية بأيديهم.

المدرسة الفاضلية

هذه المدرسة بدرب ملوخيا من القاهرة، بناها القاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ، بجوار داره، في سنة ثمانين و خمسمائة، و وقفها على طائفتي الفقهاء الشافعية و المالكية، و جعل فيها قاعة للإقراء، أقرأ فيها الإمام أبو محمد الشاطبيّ ناظم الشاطبية، ثم تلميذه أبو عبد اللّه محمد بن عمر القرطبيّ، ثم الشيخ عليّ بن موسى الدهان و غيرهم، و رتب لتدريس فقه المذهبين الفقيه أبا القاسم عبد الرحمن بن سلامة الاسكندرانيّ، و وقف‏

205

بهذه المدرسة جملة عظيمة من الكتب في سائر العلوم، يقال أنها كانت مائة ألف مجلد، و ذهبت كلها. و كان أصل ذهابها أن الطلبة التي كانت بها، لما وقع الغلاء بمصر في سنة أربع و تسعين و ستمائة، و السلطان يومئذ الملك العادل كتبغا المنصوريّ، مسهم الضرّ، فصاروا يبيعون كلّ مجلد برغيف خبز حتى ذهب معظم ما كان فيها من الكتب، ثم تداولت أيدي الفقهاء عليها بالعارية، فتفرّقت، و بها إلى الآن مصحف قرآن كبير القدر جدّا، مكتوب بالخط الأوّل الذي يعرف بالكوفيّ، تسميه الناس مصحف عثمان بن عفان، و يقال أن القاضي الفاضل اشتراه بنيف و ثلاثين ألف دينار، على أنه مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، و هو في خزانة مفردة له بجانب المحراب من غريبه، و عليه مهابة و جلالة، و إلى جانب المدرسة كتّاب برسم الأيتام، و كانت هذه المدرسة من أعظم مدارس القاهرة و أجلها، و قد تلاشت لخراب ما حولها.

عبد الرحيم: بن عليّ بن الحسن بن أحمد بن الفرج بن أحمد القاضي الفاضل محيي الدين أبو عليّ ابن القاضي الأشرف اللخميّ العسقلانيّ البيسانيّ المصريّ الشافعيّ، كان أبوه يتقلد قضاء مدينة بيسان، فلهذا نسبوا إليها، و كانت ولادته بمدينة عسقلان في خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع و عشرين و خمسمائة، ثم قدم القاهرة و خدم الموفق يوسف بن محمد بن الجلال، صاحب ديوان الإنشاء في أيام الحافظ لدين اللّه، و عنه أخذ صناعة الإنشاء، ثم خدم بالإسكندرية مدّة، فلما قام بوزارة مصر العادل رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك، خرج أمره إلى والي الإسكندرية بتسييره إلى الباب، فلما حضر استخدمه بحضرته و بين يديه في ديوان الجيش، فلما مات الموفق بن الجلال في سنة ست و ستين و خمسمائة، و كان القاضي الفاضل ينوب عنه في ديوان الإنشاء، عينه الكامل بن شاور و سعى له عند أبيه الوزير شاور بن مجير، فأقرّه عوضا عن ابن الجلال في ديوان الإنشاء، فلما ملك أسد الدين شيركوه احتاج إلى كاتب فأحضره، و أعجبه اتقائه و سمته و نصحه، فاستكتبه إلى أن ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب، فاستخلصه و حسن اعتقاده فيه، فاستعان به على ما أراد من إزالة الدولة الفاطمية حتى تم مراده، فجعله وزيره و مشيره، بحيث كان لا يصدر أمرا إلا عن مشورته، و لا ينفذ شيئا إلا عن رأيه، و لا يحكم في قضية إلا بتدبيره، فلما مات صلاح الدين استمرّ على ما كان عليه عند ولده الملك العزيز عثمان في المكانة و الرفعة، و تقلد الأمر، فلما مات العزيز و قام من بعده ابنه الملك المنصور بالملك و دبر أمره عمه الأفضل، كان معهما على حاله إلى أن وصل الملك العادل أبو بكر بن أيوب من الشام لأخذ ديار مصر، و خرج الأفضل لقتاله، فمات منكوبا أحوج ما كان إلى الموت عند تولى الإقبال و إقبال الإدبار في سحر يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الآخر سنة ست و تسعين و خمسمائة، و دفن بتربته من القرافة الصغرى.

قال ابن خلكان وزر للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، و تمكن منه غاية

206

التمكن، و برز في صناعة الإنشاء و فاق المتقدّمين، و له فيه الغرائب مع الإكثار. أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره، أنّ مسودّات رسائله في المجلدات و التعليقات في الأوراق، إذا جمعت ما تقصر عن مائة، و هو مجيد في أكثرها. و قال عبد اللطيف البغداديّ: دخلنا عليه فرأيت شيخا ضئيلا كله رأس و قلب، و هو يكتب و يملى على اثنين، و وجهه و شفتاه تلعب ألوان الحركات لقوّة حرصه في إخراج الكلام، و كأنه يكتب بجملة أعضائه، و كان لغرام في الكتابة و تحصيل الكتب، و كان له الدين و العفاف و التقى و المواظبة على أوراد الليل، و الصيام و قراءة القرآن، و كان قليل اللذات كثير الحسنات دائم التهجد، و يشتغل بعلوم الأدب و تفسير القرآن، غير أنه كان خفيف البضاعة من النحو، و لكن قوّة الدراية توجب له قلة اللحن، و كان لا يكاد يضيع من زمانه شيئا إلّا في طاعة، و كتب في الإنشاء ما لم يكتبه غيره.

و حكى لي ابن القطان أحد كتابه قال: لما خطب صلاح الدين بمصر للإمام المستضي‏ء بأمر اللّه، تقدّم إلى القاضي الفاضل بأن يكاتب الديوان العزيز و ملوك الشرق، و لم يكن يعرف خطابهم و اصطلاحهم، فأوغر إلى العماد الكاتب أن يكتب، فكتب و احتفل و جاء بها مفضوضة ليقرأها الفاضل متبجحا بها فقال: لا أحتاج أن أقف عليها، و أمر بختمها و تسليمها إلى النجاب و العماد يبصر. قال: ثم أمرني أن ألحق النجاب ببلبيس و أن أفض الكتب و أكتب صدورها و نهايتها، ففعلت و رجعت بها إليه، فكتب على حذوها و عرضها على السلطان فارتضاها و أمر بإرسالها إلى أربابها مع النجاب، و كان متقللا في مطعمه و منكحه و ملبسه، و لباسه البياض لا يبلغ جميع ما عليه دينارين، و يركب معه غلام و ركابيّ، و لا يمكن أحدا أن يصحبه، و يكثر زيارة القبور و تشييع الجنائز و عيادة المرضى، و له معروف في السرّ و العلانية، و أكثر أوقاته يفطر بعد ما يتهوّر الليل، و كان ضعيف البنية رقيق الصورة له حدبة يغطيها الطيلسان، و كان فيه سوء خلق يكمد به في نفسه و لا يضرّ أحدا به، و لأصحاب الأدب عنده نفاق يحسن إليهم و لا يمنّ عليهم، و يؤثر أرباب البيوت و الغرباء، و لم يكن له انتقام من أعدائه إلا بالإحسان إليهم أو بالإعراض عنهم، و كان دخله في كلّ سنة من إقطاع و رباع و ضياع خمسين ألف دينار سوى متاجره للهند و المغرب و غيرهما، و كان يقتني الكتب من كل فنّ و يجتلبها من كل جهة، و له نسّاخ لا يفترون، و مجلدون لا يبطلون. قال لي بعض من يخدمه في الكتب: أنّ عددها قد بلغ مائة ألف و أربعة و عشرين ألفا، و هذا قبل موته بعشرين سنة. و حكى لي ابن صورة الكتبيّ: أن ابنه القاضي الأشرف التمس مني أن أطلب له نسخة الحماسة ليقرأها، فأعلمت القاضي الفاضل، فاستحضر من الخادم الحماسات، فأحضر له خمسا و ثلاثين نسخة، و صار ينفض نسخة نسخة و يقول: هذه بخط فلان، و هذه عليها خط فلان، حتى أتى على الجميع و قال: ليس فيها ما يصلح للصبيان، و أمرني أن أشتري له نسخة بدينار.

207

المدرسة الأزكشية

هذه المدرسة بالقاهرة على رأس السوق الذي كان يعرف بالخروقيين، و يعرف اليوم بسويقة أمير الجيوش، بناها الأمير سيف الدين أيازكوج الأسديّ، مملوك أسد الدين شيركوه، و أحد أمراء السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، و جعلها وقفا على الفقهاء من الحنفية فقط، في سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة، و كان أيازكوج رأس الأمراء الأسدية بديار مصر في أيام السلطان صلاح الدين، و أيام ابنه الملك العزيز عثمان، و كان الأمير فخر الدين جهاركس رأس الصلاحية، و لم يزل على ذلك إلى أن مات في يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر سنة تسع و تسعين و خمسمائة، و دفن بسفح المقطم بالقرب من رباط الأمير فخر الدين بن قزل.

المدرسة الفخرية

هذه المدرسة بالقاهرة فيما بين سويقة الصاحب و درب العدّاس، عمرها الأمير الكبير فخر الدين أبو الفتح عثمان بن قزل الباروميّ، أستادار الملك الكامل محمد بن العادل، و كان الفراغ منها في سنة اثنتين و عشرين و ستمائة، و كان موضعها أخيرا يعرف بدار الأمير حسام الدين ساروح بن أرتق شادّ الدواوين، و مولد الأمير فخر الدين في سنة إحدى و خمسين و خمسمائة بحلب، و تنقل في الخدم حتى صار أحد الأمراء بديار مصر، و تقدّم في أيام الملك الكامل، و صار أستاداره و إليه أمر المملكة و تدبيرها إلى أن سافر السلطان من القاهرة يريد بلاد المشرق، فمات بحرّان بعد مرض طويل في ثامن عشر ذي الحجة سنة تسع و عشرين و ستمائة، و كان خيّرا كثير الصدقة يتفقد أرباب البيوت، و له من الآثار سوى هذه المدرسة المسجد الذي تجاهها، و له أيضا رباط بالقرافة و إلى جانبه كتاب سبيل، و بنى بمكة رباطا.

المدرسة السيفية

هذه المدرسة بالقاهرة فيما بين خط البندقانيين و خط الملحيين، و موضعها من جملة دار الديباج، قال ابن عبد الظاهر كانت دارا و هي من المدرسة القطبية، فسكنها شيخ الشيوخ، يعني صدر الدين محمد بن حموية، و بنيت في وزارة صفيّ الدين عبد اللّه بن عليّ بن شكران سيف الإسلام، و وقفها و ولى فيها عماد الدين ولد القاضي صدر الدين، يعني ابن درباس، و سيف الإسلام هذا اسمه طفتكين بن أيوب.

طفتكين: ظهير الدين سيف الإسلام الملك المعز بن نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان الأيوبيّ، سيّره أخوه صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى بلاد اليمن في سنة سبع و سبعين و خمسمائة، فملكها و استولى على كثير من بلادها، و كان شجاعا كريما مشكور السيرة حسن السياسة، قصده الناس من البلاد الشاسعة يستمطرون إحسانه و برّه، و سار إليه‏

208

شرف الدين بن عنين و مدحه بعدّة قصائد بديعة، فأجزل صلاته و أكثر من الإحسان إليه، و اكتسب من جهته مالا وافرا، و خرج من اليمن، فلما قدم إلى مصر و السلطان إذ ذاك الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين، ألزمه أرباب ديوان الزكاة بدفع زكاة ما معه من المتجر فعمل:

ما كلّ من يتسمى بالعزيز لها* * * أهل و لا كلّ برق سحبه غدقه‏

بين العزيزين فرق في فعالهما* * * هذّاك يعطي و هذا يأخذ الصدقه‏

و توفي سيف الإسلام في شوّال سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة بالمنصورة، و هي مدينة باليمن اختطها رحمه اللّه تعالى.

المدرسة العاشورية

هذه المدرسة بحارة زويلة من القاهرة، بالقرب من المدرسة القطبية الجديدة و رحبة كوكاي. قال ابن عبد الظاهر: كانت دار اليهوديّ ابن جميع الطبيب، و كان يكتب لقراقوش، فاشترتها منه الست عاشوراء بنت ساروج الأسديّ، زوجة الأمير أيازكوج الأسديّ، و وقفتها على الحنفية، و كانت من الدور الحسنة، و قد تلاشت هذه المدرسة و صارت طول الأيام مغلوقة لا تفتح إلّا قليلا، فإنها في زقاق لا يسكنه إلّا اليهود و من يقرب منهم في النسب.

المدرسة القطبية

هذه المدرسة في أوّل حارة زويلة برحبة كوكاي، عرفت بالست الجليلة الكبرى عصمة الدين مؤنسة خاتون، المعروفة بدار إقبال العلائي، ابنة الملك العادل أبي بكر بن أيوب، و شقيقة الملك الأفضل قطب الدين أحمد، و إليه نسبت، و كانت ولادتها في سنة ثلاث و ستمائة، و وفاتها ليلة الرابع و العشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث و تسعين و ستمائة، و كانت قد سمعت الحديث و خرّج لها الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد الظاهريّ أحاديث ثمانيات حدّثت بها، و كانت عاقلة دينة فصيحة، لها أدب و صدقات كثيرة، و تركت مالا جزيلا، و أوصت ببناء مدرسة يجعل فيها فقهاء و قرّاء، و يشترى لها وقف يغلّ، فبنيت هذه المدرسة، و جعل فيها درس للشافعية و درس للحنفية. و قرّاء، و هي إلى اليوم عامرة.

المدرسة الخرّوبية

هذه المدرسة على شاطي‏ء النيل من مدينة مصر، أنشأها تاج الدين محمد بن صلاح الدين أحمد بن محمد بن علي الخروبيّ، لما أنشأ بيتا كبيرا مقابل بيت أخيه عز الدين قبليه على شاطى‏ء النيل، و جعل فيه هذه المدرسة، و هي ألطف من مدرسة أخيه، و بجنبها مكتب سبيل، و وقف عليها أوقافا، و جعل بها مدرّس حديث فقط، مات بمكة في آخر المحرّم سنة خمس و ثمانين و سبعمائة.

209

مدرسة المحليّ‏

هذه المدرسة على شاطى‏ء النيل داخل صناعة التمر ظاهر مدينة مصر، أنشأها رئيس التجار برهان الدين إبراهيم بن عمر بن عليّ المحليّ ابن بنت العلامة شمس الدين محمد بن اللبان، و ينتمي في نسبه إلى طلحة بن عبيد اللّه، أحد العشرة رضي اللّه عنهم، و جعل هذه المدرسة بجوار داره التي عمرها في مدّة سبع سنين، و أنفق في بنائها زيادة على خمسين ألف دينار، و جعل بجوارها مكتب سبيل، لكن لم يجعل بها مدرّسا و لا طلبة، و توفي ثاني عشري ربيع الأوّل سنة ست و ثمانمائة عن مال عظيم، أخذ منه السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق مائة ألف دينار، و كان مولده سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و لم يكن مشكور السيرة في الديانة، و له من المآثر تجديد جامع عمرو بن العاص، فإنه كان قد تداعى إلى السقوط، فقام بعمارته حتى عاد قريبا مما كان عليه، شكر اللّه له ذلك.

المدرسة الفارقانية

هذه المدرسة بابها شارع في سويقة حارة الوزيرية من القاهرة، فتحت في يوم الاثنين رابع جمادى الأولى سنة ست و سبعين و ستمائة، و بها درس للطائفة الشافعية، و درس للطائفة الحنفية، أنشأها الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقانيّ السلاحدار، كان مملوكا للأمير نجم الدين أمير حاجب، ثم انتقل إلى الملك الظاهر بيبرس، فترقّى عنده في الخدم حتى صار أحد الأمراء الأكابر، و ولاه الأستادارية، و ناب عنه بديار مصر مدّة غيبته، و قدّمه على العساكر غير مرّة، و فتح له بلاد النوبة، و كان و سيما جسيما شجاعا مقداما حازما، صاحب دراية بالأمور و خبرة بالأحوال و التصرّفات، مدبرا للدول، كثير البرّ و الصدقة، و لما مات الملك الظاهر و قام من بعده في ملك مصر ابنه الملك السعيد بركة قان، ولّاه نيابة السلطنة بديار مصر بعد موت الأمير بدر الدين بيلبك الخازندار، فأظهر الحزم و ضم إليه طائفة منهم شمس الدين أقوش، و قطليجا الروميّ، و سيف الدين قليج البغداديّ، و سيف الدين بيجو البغداديّ، و سيف الدين شعبان أمير شكار، و بكتمر السلاحدار، و كانت الخاصكية تكرهه فاتفقوا مع مماليك بيلبك الخازندار على القبض عليه، و تحدّثوا مع الملك السعيد في ذلك، و ما زالوا به حتى قبضوا عليه بمساعدة الأمير سيف الدين كوندك الساقي لهم، و كان قد ربي مع السعيد في المكتب، فلم يشعر و هو قاعد بباب القلة من القلعة إلّا و قد سحب و ضرب و نتفت لحيته و جرّ، و قد ارتكب في إهانته أمر شنيع، إلى البرج فسجن به ليالي قليلة، أخرج منه ميتا في أثناء سنة ست و سبعين و ستمائة، و جهل قبره.

المدرسة المهذبية

هذه المدرسة خارج باب زويلة من خط حارة حلب بجوار حمّام قماري، بناها

210

الحكيم مهذب الدين أبو سعيد محمد بن علم الدين بن أبي الوحش بن أبي الخير بن أبي سليمان بن أبي حليقة، رئيس الأطباء، كان جدّه الرشيد أبو الوحش نصرانيا متقدّما في صناعة الطب، فأسلم ابنه علم الدين في حياته، و كان لا يولد له ولد فيعيش، فرأت أمّه و هي حامل به قائلا يقول: هيئوا له حلقة فضة قد تصدّق بوزنها، و ساعة يوضع من بطن أمّه تثقب أذنه و توضع فيها الحلقة. ففعلت ذلك فعاش، فعاهدت أمّه أباه أن لا يقلعها من أذنه، فكبر و جاءته أولاد و كلهم يموت، فولد له ابنه مهذب الدين أبو سعيد، فعمل له حلقة فعاش، و كان سبب اشتهاره بأبي حليقة أن الملك الكامل محمد بن العادل أمر بعض خدّامه أن يستدعي بالرشيد الطبيب من الباب، و كان جماعة من الأطباء بالباب، فقال الخادم من هو منهم؟ فقال السلطان أبو حليقة، فخرج فاستدعاه بذلك، فاشتهر بهذا الاسم، و مات الرشيد في سنة ست و سبعين و ستمائة.

المدرسة الخرّوبية

هذه المدرسة بظاهر مدينة مصر تجاه المقياس بخط كرسيّ الجسر، أنشأها كبير الخرابية بدر الدين محمد بن محمد بن عليّ الخروبيّ، بفتح الخاء المعجمة و تشديد الراء المهملة و ضمها ثم واو ساكنة بعدها باء موحدة ثم ياء آخر الحروف، التاجر في مطابخ السكّر، و في غيرها بعد سنة خمسين و سبعمائة، و جعل مدرّس الفقه بها الشيخ بهاء الدين عبد اللّه بن عبد الرحمن بن عقيل، و المعيد الشيخ سراج الدين عمر البلقيني، و مات سنة اثنتين و ستين و سبعمائة، و أنشأ أيضا ربعين بخط دار النحاس من مصر البلقيني، و مات سنة و ربعين مقابل المقياس بالقرب من مدرسته، و لبدر الدين هذا أخ من أبيه أسنّ منه يقال له صلاح الدين أحمد بن محمد بن عليّ الخرّوبيّ، عاش بعد أخيه و أنجب في أولاده، و أدركت لهم أولادا نجباء، و كان أوّلا قليل المال، ثم تموّل و أنشأ تربة كبيرة بالقرافة، فيما بين تربة الإمام الشافعيّ و تربة الليث بن سعد، مقابل السروتين، و جدّدها حفيده نور الدين عليّ بن عز الدين محمد بن صلاح الدين، و أضاف إليها مطهرة حسنة، و مات سنة تسع و ستين و سبعمائة، و شرط بدر الدين في مدرسته أن لا يلي بها أحد من العجم. وظيفة من الوظائف. فقال في كل وظيفة منها، و يكون من العرب دون العجم، و كانت له مكارم، جهز مرّة ابن عقيل إلى الحج بنحو خمسمائة دينار.

المدرسة الخروبية

هذه المدرسة بخط الشون قبليّ دار النحاس من ظاهر مدينة مصر، أنشأها عز الدين محمد بن صلاح الدين أحمد بن محمد بن عليّ الخرّوبيّ، و هي أكبر من مدرسة عمه بدر الدين، إلّا أنه مات سنة ست و سبعين و سبعمائة قبل استيفاء ما أراد أن يجعل فيها، فليس لها مدرّس و لا طلبة، و مولده سنة ست عشرة و سبعمائة، و نشأ في دنيا عريضة رحمه اللّه تعالى.

211

المدرسة الصاحبية البهائية

هذه المدرسة كانت بزقاق القناديل من مدينة مصر، قرب الجامع العتيق، أنشأها الوزير الصاحب بهاء الدين عليّ بن محمد بن سليم بن حنا في سنة أربع و خمسين و ستمائة، و كان إذ ذاك زقاق القناديل أعمر أخطاط مصر، و إنما قيل له زقاق القناديل من أجل أنه كان سكن الأشراف، و كانت أبواب الدور يعلق على كلّ باب منها قنديل. قال القضاعيّ: و يقال أنه كان به مائة قنديل توقد كلّ ليلة على أبواب الأكابر.

و ابن حنا هذا هو عليّ بن محمد بن سليم- بفتح السين المهملة و كسر اللام ثم ياء آخر الحروف بعدها ميم- ابن حنا- بحاء مهملة مكسورة ثم نون مشدّدة مفتوحة بعدها ألف- الوزير الصاحب بهاء الدين، ولد بمصر في سنة ثلاث و ستمائة، و تنقلت به الأحوال في كتابة الدواوين إلى أن ولي المناصب الجليلة، و اشتهرت كفايته و عرفت في الدولة نهضته و درايته، فاستوزره السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ في ثامن شهر ربيع الأوّل سنة تسع و خمسين و ستمائة، بعد القبض على الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير، و فوّض إليه تدبير المملكة و أمور الدولة كلها، فنزل من قلعة الجبل بخلع الوزارة و معه الأمير سيف الدين بلبان الروميّ الدوادار، و جميع الأعيان و الأكابر، إلى داره، و استبدّ بجميع التصرّفات، و أظهر عن حزم و عزم و جودة رأي، و قام بأعباء الدولة من ولايات العمال و عزلهم من غير مشاورة السلطان و لا اعتراض أحد عليه، فصار مرجع جميع الأمور إليه و مصدرها عنه، و منشأ ولايات الخطط و الأعمال من قلمه، و زوالها عن أربابها لا يصدر إلا من قبله، و ما زال على ذلك طول الأيام الظاهرية، فلما قام الملك السعيد بركة قان بأمر المملكة بعد موت أبيه الملك الظاهر، أقرّه على ما كان عليه في حياة والده، فدبر الأمور و ساس الأحوال، و ما تعرّض له أحد بعداوة و لا سوء، مع كثرة من كان يناويه من الأمراء و غيرهم إلّا و صدّه اللّه عنه، و لم يجد ما يتعلق به عليه، و لا ما يبلغ به مقصوده منه، و كان عطاؤه واسعا و صلاته و كلفه للأمراء و الأعيان و من يلوذ به، و يتعلق بخدمته تخرج عن الحدّ في الكثرة، و تتجاوز القدر في السعة مع حسن ظنّ بالفقراء و صدق العقيدة في أهل الخير و الصلاح، و القيام بمعونتهم و تفقد أحوالهم و قضاء أشغالهم، و المبادرة إلى امتثال أوامرهم، و العفة عن الأموال، حتى أنه لم يقبل من أحد في وزارته هدية إلّا أن تكون هدية فقير أو شيخ معتقد يتبرّك بما يصل من أثره، و كثرة الصدقات في السرّ و العلانية، و كان يستعين على ما التزمه من المبرّات و لزمه من الكلف بالمتاجر، و قد مدحه عدّة من الناس فقبل مديحهم و أجزل جوائزهم، و ما أحسن قول الرشيد الفارقيّ فيه:

و قائل قال لي نبه لنا عمرا* * * فقلت إنّ عليا قد تنبه لي‏

مالي إذا كنت محتاجا إلى عمر* * * من حاجة فلينم حسبي انتباه علي‏

212

و قول سعد الدين بن مروان الفارقيّ في كتاب الدرج المختص به أيضا:

يمم عليا فهو بحر الندى‏* * * و ناده في المضلع المعضل‏

فرفده بحر على مجدب‏* * * و وفده مفض إلى مفصل‏

يسرع إن سيل نداه و هل‏* * * أسرع من سيل أتى من علي‏

إلّا أنه أحدث في وزارته حوادث عظيمة، و قاس أراضي الأملاك بمصر و القاهرة و أخذ عليها مالا، و صادر أرباب الأموال و عاقبهم حتى مات كثير منهم تحت العقوبة، و استخرج حوالي الذمّة مضاعفة، و رزى‏ء بفقد ولديه الصاحب فخر الدين محمد، و الصاحب زين الدين، فعوّضه اللّه عنهما بأولادهما، فما منهم إلا نجيب صدر رئيس فاضل مذكور، و ما مات حتى صار جدّ جدّ، و هو على المكانة وافر الحرمة، في ليلة الجمعة مستهلّ ذي الحجة سنة سبع و سبعين و ستمائة، و دفن بتربته من قرافة مصر، و وزر من بعده الصاحب برهان الدين الخضر بن حسن بن عليّ السنجاريّ، و كان بينه و بين ابن حنا عداوة ظاهرة و باطنة، و حقود بارزة و كامنة، فأوقع الحوطة على الصاحب تاج الدين محمد بن حنا بدمشق، و كان مع الملك السعيد بها، و أخذ خطه بمائة ألف دينار، و جهزه على البريد إلى مصر، ليستخرج منه و من أخيه زين الدين أحمد، و ابن عمه عز الدين تكملة ثلثمائة ألف دينار، و أحيط بأسبابه و من يلوذ به من أصحابه و معارفه و غلمانه، و طولبوا بالمال.

و أوّل من درّس بهذه المدرسة الصاحب فخر الدين محمد، ابن بانيها الوزير الصاحب بهاء الدين إلى أن مات يوم الاثنين حادي عشري شعبان سنة ثمان و ستين و ستمائة، فوليها من بعده ابنه محيي الدين أحمد بن محمد إلى أن توفي يوم الأحد ثامن شعبان سنة اثنتين و سبعين و ستمائة، فدرّس فيها بعده الصاحب زين الدين أحمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين إلى أن مات في يوم الأربعاء سابع صفر سنة أربع و سبعمائة، فدرّس بها ولده الصاحب شرف الدين و توارثها أبناء الصاحب يلون نظرها و تدريسها إلى أن كان آخرهم صاحبنا الرئيس شمس الدين محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن الصاحب بهاء الدين، وليها بعد أبيه عز الدين، و وليها عز الدين بعد بدر الدين أحمد بن محمد بن محمد بن الصاحب بهاء الدين، فلما مات صاحبنا شمس الدين محمد بن الصاحب لليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة و ثمانمائة، وضع بعض نوّاب القضاة يده على ما بقي لها من وقف، و أقامت هذه المدرسة مدّة أعوام معطلة من ذكر اللّه و إقام الصلاة، لا يأويها أحد لخراب ما حولها، و بها شخص يبيت بها كي لا يسرق ما بها من أبواب و رخام، و كان لها خزانة كتب جليلة فنقلها شمس الدين محمد بن الصاحب و صارت تحت يده إلى أن مات، فتفرّقت في أيدي الناس، و كان قد عزم على نقلها إلى شاطي‏ء النيل بمصر، فمات قبل ذلك.

213

و لما كان في سنة اثنتي عشرة و ثمانمائة، أخذ الملك الناصر فرج بن برقوق عمد الرخام التي كانت بهذه المدرسة، و كانت كثيرة العدد جليلة القدر، و عمل بدلها دعائم تحمل السقوف إلى أن كانت أيام الملك المؤيد الشيخ، و ولي الأمير تاج الدين الشوبكيّ الدمشقي ولاية القاهرة و مصر و حسبة البلدين و شدّ العمائر السلطانية، فهدم هذه المدرسة في أخريات سنة سبع عشرة و أوائل سنة ثماني عشرة و ثمانمائة، و كانت من أجلّ مدارس الدنيا و أعظم مدرسة بمصر، يتنافس الناس من طلبة العلم في النزول بها و يتشاحنون في سكنى بيوتها، حتى يصير البيت الواحد من بيوتها يسكن فيه الاثنان من طلبة العلم و الثلاثة، ثم تلاشى أمرها حتى هدمت و سيجهل عن قريب موضعها، و للّه عاقبة الأمور.

المدرسة الصاحبية

هذه المدرسة بالقاهرة في سويقة الصاحب، كان موضعها من جملة دار الوزير يعقوب بن كلس، و من جملة دار الديباج، أنشأها الصاحب صفيّ الدين عبد اللّه بن عليّ بن شكر، و جعلها وقفا على المالكية، و بها درس نحو و خزانة كتب، و ما زالت بيد أولاده.

فلما كان في شعبان سنة ثمان و خمسين و سبعمائة، جدّد عمارتها القاضي علم الدين إبراهيم بن عبد اللطيف بن إبراهيم المعروف بابن الزبير، ناظر الدولة في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون، و استجدّ فيها منبرا فصار يصلّى بها الجمعة إلى يومنا هذا، و لم يكن قبل ذلك بها منبر و لا تصلّى فيها الجمعة.

عبد اللّه بن عليّ بن الحسين بن عبد الخالق بن الحسين بن الحسن بن منصور بن إبراهيم بن عمار بن منصور بن عليّ صفيّ الدين أبو محمد الشنيبيّ الدميريّ المالكيّ، المعروف بابن شكر، ولد بناحية دميرة إحدى قرى مصر البحرية في تاسع صفر سنة ثمان و أربعين و خمسمائة، و مات أبوه فتزوّجت أمّه بالقاضي الوزير الأعز فخر الدين مقدام ابن القاضي الأجل أبي العباس أحمد بن شكر المالكيّ، فرباه و نوّه باسمه لأنه كان ابن عمه، فعرف به و قيل له ابن شكر، و سمع صفيّ الدين من الفقيه أبي الظاهر إسماعيل بن مكيّ بن عوف، و أبي الطيب عبد المنعم بن يحيى و غيره، و حدّث بالقاهرة و دمشق، و تفقه على مذهب مالك، و برع فيه، و صنف كتابا في الفقه كان كلّ من حفظه نال منه خطأ وافرا، و قصد بذلك أن يتشبه بالوزير عون الدين بن هبيرة، كانت بداية أمره أنه لما سلّم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أمر الأسطول لأخيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب، و أفرد له من الأبواب الديوانية الزكاة بمصر و الجبس الجيوشي بالبرّين و النطرون و الخراج و ما معه من ثمن القرظ و ساحل السنط و المراكب الديوانية و اسنا و طنبدى، استخدم العادل في مباشرة ديوان هذه المعاملة الصفيّ بن شكر هذا، و كان ذلك في سنة سبع و ثمانين و خمسمائة، و من حينئذ اشتهر ذكره و تخصص بالملك العادل، فلما استقل بمملكة مصر في‏

214

سنة ست و تسعين و خمسمائة عظم قدره، ثم استوزره بعد الصنيعة بن النجار، فحل عنده محل الوزراء الكبار و العلماء المشاورين، و باشر الوزارة بسطوة و جبروت و تعاظم، و صادر كتاب الدولة و استصفى أموالهم، ففرّ منه القاضي الأشرف ابن القاضي الفاضل إلى بغداد، و استشفع بالخليفة الناصر، و أحضر كتابه إلى الملك العادل يشفع فيه، و هرب منه القاضي علم الدين إسماعيل بن أبي الحجاج صاحب ديوان الجيش، و القاضي الأسعد أسعد بن مماتي صاحب ديوان المال، و التجآ إلى الملك الظاهر بحلب، فأقاما عنده حتى ماتا، و صادر بني حمدان و بني الحباب و بني الجليس، و أكابر الكتاب، و السلطان لا يعارضه في شي‏ء، و مع ذلك فكان يكثر التغضب على السلطان و يتجنى عليه و هو يحتمله إلى أن غضب في سنة سبع و ستمائة، و حلف أنه ما بقي يخدم، فلم يحتمله، و ولى الوزارة عوضا عنه القاضي الأعز فخر الدين مقدام بن شكر، و أخرجه من مصر بجميع أمواله و حرمه و غلمانه، و كان نقله على ثلاثين جملا، و أخذ أعداؤه في إغراء السلطان به و حسنوا له أن يأخذ ماله، فأبى عليهم و لم يأخذ منه شيئا، و سار إلى آمد فأقام بها عند ابن أرتق إلى أن مات الملك العادل في سنة خمسين و ستمائة، فطلبه الملك الكامل محمد بن الملك العادل لما استبدّ بسلطنة ديار مصر بعد أبيه، و هو في نوبة قتال الفرنج على دمياط حين رأى أن الضرورة داعية لحضوره بعد ما كان يعاديه، فقدم عليه في ذي القعدة منها و هو بالمنزلة العادلية قريبا من دمياط، فتلقاه و أكرمه و حادثه فيما نزل به من موت أبيه و محاربة الفرنج و مخالفة الأمير عماد الدين أحمد بن المشطوب، و اضطراب أرض مصر بثورة العربان، و كثرة خلافهم، فشجعه و تكفل له بتحصيل المال و تدبير الأمور، و سار إلى القاهرة فوضع يده في مصادرات أرباب الأموال بمصر و القاهرة من الكتاب و التجار، و قرّر على الأملاك مالا، و أحدث حوادث كثيرة، و جمع مالا عظيما أمدّ به السلطان، فكثر تمكنه منه و قويت يده و توفرت مهابته، بحيث أنه لما انقضت نوبة دمياط و عاد الملك الكامل إلى قلعة الجبل كان ينزل إليه و يجلس عنده بمنظرته التي كانت على الخليج، و يتحدّث معه في مهمات الدولة، و لم يزل على ذلك إلى أن مات بالقاهرة و هو وزير في يوم الجمعة ثامن شعبان سنة اثنتين و عشرين و ستمائة، و كان بعيد الغور جماعا للمال ضابطا له من الإنفاق في غير واجب، قد ملأت هيبته الصدور، و انقاد له على الرغم و الرضي الجمهور، و أخمد جمرات الرجال، و أضرم رمادا لم يخطر إيقاده على بال، و بلغ عند الملك الكامل بحيث أنه بعث إليه بابنيه الملك الصالح نجم الدين أيوب، و الملك العادل أبي بكر ليزوراه في يوم عيد فقاما على رأسه قياما، و أنشد زكيّ الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن وهيب القوصيّ قصيدة زاد فيها حين رأى الملكين قياما على رأسه:

لو لم تقم للّه حقّ قيامه‏* * * ما كنت تقعد و الملوك قيام‏

و قطع في وزارته الأرزاق، و كانت جملتها أربعمائة ألف دينار في السنة، و تسارع‏

215

أرباب الحوائج و الأطماع و من كان يخافه إلى بابه، و ملؤا طرقاته و هو يهينهم، و لا يحفل بشيخ منهم و هو عالم، و أوقع بالرؤساء و أرباب البيوت حتى استأصل شأفتهم عن آخرهم، و قدّم الأراذل في مناصبهم، و كان جلدا قويا حل به مرّة دوسطاريا قوية و أزمنت فيئس منه الأطباء، و عند ما اشتدّ به الوجع و أشرف على الهلاك، استدعى بعشرة من وجوه الكتاب كانوا في حبسه و قال: أنتم في راحة و أنا في الألم، كلّا و اللّه، و استحضر المعاصير و آلات العذاب و عذبهم فصاروا يصرخون من العذاب و هو يصرخ من الألم طول الليل إلى الصبح، و بعد ثلاثة أيام ركب و كان يقول كثيرا: لم يبق في قلبي حسرة إلّا كون البيسانيّ لم تتمرّغ شيبته على عتباتي، يعني القاضي الفاضل عبد الرحيم البيسانيّ، فإنه مات قبل وزارته، و كان دريّ اللون تعلوه حمرة، و مع ذلك فكان طلق المحيا حلو اللسان حسن الهيئة، صاحب دهاء مع هوج، و خبث في طيش، و رعونة مفرطة، و حقد لا تخبو ناره، ينتقم و يظنّ أنه لم ينتقم، فيعود، و كان لا ينام عن عدوّه و لا يقبل معذرة أحد، و يتخذ الرؤساء كلهم أعداءه و لا يرضى لعدوّه بدون الهلاك و الاستئصال، و لا يرحم أحدا إذا انتقم منه، و لا يبالي بعاقبة، و كان له و لأهله كلمة يرونها و يعملون بها. كما يعمل بالأقوال الإلهية، و هي إذا كنت دقماقا فلا تكن وتدا، و كان الواحد منهم يعيدها في اليوم مرّات و يجعلها حجة عند انتقامه، و كان قد استولى على الملك العادل ظاهرا و باطنا، و لا يمكن أحدا من الوصول إليه، حتّى الطبيب و الحاجب و الفرّاش عليهم عيون له لا يتكلم أحد منهم فضل كلمة خوفا منه، و كان أكبر أغراضه إبادة أرباب البيوت و محو آثارهم و هدم ديارهم و تقريب الأسقاط و شرار الفقهاء، و كان لا يأخذ من مال السلطان فلسا و لا ألف دينار، و يظهر أمانة مفرطة، فإذا لاح له مال عظيم احتجنه، و بلغ إقطاعه في السنة مائة ألف دينار و عشرين ألف دينار، و كان قد عمي فأخذ يظهر جلدا عظيما و عدم استكانة، و إذا حضر إليه الأمراء و الأكابر و جلسوا على خوانه يقول: قدّموا اللون الفلانيّ للأمير فلان و الصدر فلان، و القاضي فلان، و هو يبني أموره في معرفة مكان المشار إليه برموز و مقدّمات، يكابر فيها دوائر الزمان، و كان يتشبه في ترسله بالقاضي الفاضل، و في محاضراته بالوزير عون الدين بن هبيرة، حتى اشتهر عنه ذلك، و لم يكن فيه أهلية هذا لكنه كان من دهاة الرجال، و كان إذا لحظ شخصا لا يقنع له إلا بكثرة الغنى و نهاية الرفعة، و إذا غضب على أحد لا يقنع في شأنه إلا بمحو أثره من الوجود، و كان كثيرا ما ينشد:

إذا حقّرت امرأ فاحذر عداوته‏* * * من يزرع الشوك لم يحصد به عنبا

و ينشد كثيرا:

تودّ عدوّي ثمّ تزعم أنني‏* * * صديقك إنّ الرأي عنك لعازب‏

و أخذه مرّة مرض من حمى قوية، و حدث به النافض، و هو في مجلس السلطان ينفذ الأشغال، فما تأثر و لا ألقى جنبه إلى الأرض حتى ذهبت و هو كذلك، و كان يتعزز على‏

216

الملوك الجبابرة، و تقف الرؤساء على بابه من نصف الليل و معهم المشاعل و الشمع، و عند الصباح يركب فلا يراهم و لا يرونه، لأنه إمّا أن يرفع رأسه إلى السماء تيها، و إمّا أن يعرّج إلى طريق غير التي هم بها، و إمّا أن يأمر الجنادرة التي في ركابه بضرب الناس و طردهم من طريقه. و يكون الرجل قد وقف على بابه طول الليل، إمّا من أوّله أو من نصفه بغلمانه و دوابه، فيطرد عنه و لا يراه، و كان له بوّاب يأخذ من الناس مالا كثيرا و مع ذلك يهينهم إهانة مفرطة، و عليه للصاحب في كل يوم خمسة دنانير، منها ديناران برسم الفقاع، و ثلاثة دنانير برسم الحلوى، و كسوة غلمانه و نفقاته عليه أيضا، و مع ذلك اقتنى عقارا و قرى، و لما كان بعد موت الصاحب قدم من بغداد رسول الخليفة الظاهر، و هو محيي الدين أبو المظفر بن الجوزيّ، و معه خلعة الخليفة للملك الكامل، و خلع لأولاده، و خلعة للصاحب صفيّ الدين، فلبسها فخر الدين سليمان كاتب الإنشاء، و قبض الملك الكامل على أولاده تاج الدين يوسف، و عز الدين محمد و حبسهما، و أوقع الحوطة على سائر موجوده رحمه اللّه و عفا عنه.

المدرسة الشريفية

هذه المدرسة بدرب كركامة على رأس حارة الجودرية من القاهرة، وقفها الأمير الكبير الشريف فخر الدين أبو نصر إسماعيل بن حصن الدولة فخر العرب ثعلب بن يعقوب بن مسلم بن أبي جميل دحية بن جعفر بن موسى بن إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه، الجعفريّ الزينبيّ، أمير الحاج و الزائرين، و أحد أمراء مصر في الدولة الأيوبية، و تمت في سنة اثنتي عشرة و ستمائة، و هي من مدارس الفقهاء الشافعية.

قال ابن عبد الظاهر: و جرى له في وقفها حكاية مع الفقيه ضياء الدين بن الورّاق، و ذلك أن الملك العادل سيف الدين أبا بكر، يعني ابن أيوب، لما ملك مصر و كان قد دخلها على أنه نائب للملك المنصور محمد بن العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف، فقوى عليه و قصد الاستبداد بالملك، فأحضر الناس للحلف، و كان من جملتهم الفقيه ضياء الدين بن الورّاق، فقوى عليه و قصد الاستبداد بالملك، فأحضر الناس للحلف، و كان من جملتهم الفقيه ضياء الدين بن الورّاق، فلما شرع الناس في الحلف قال الفقيه ضياء الدين: ما هذا الحلف، بالأمس حلفتم للمنصور، فإن كانت تلك الأيمان باطلة، فهذه باطلة، و إن كانت تلك صحيحة فهذه باطلة.

فقال الصاحب صفيّ الدين بن شكر للعادل: أفسد عليك الأمور هذا الفقيه. و كان الفقيه لم يحضر إلى ابن شكر و لا سلّم عليه، فأمر العادل بالحوطة على جميع موجود الفقيه و ماله و أملاكه، و اعتقاله بالرصد مرسما عليه فيه، لأنه كان مسجده، فأقام مدّة سنين على هذه الصورة، فلما كان في بعض الأيام وجد غرّة من المترسمين فحضر إلى دار الوزارة

217

بالقاهرة، فبلغ العادل حضوره، فخرج إليه. فقال له الفقيه: اعلم و اللّه أني لا حاللتك و لا أبرأتك، أنت تتقدّمني إلى اللّه في هذه المدّة، و أنا بعدك أطالبك بين يدي اللّه تعالى. و تركه و عاد إلى مكانه، فحضر الشريف فخر الدين بن ثعلب إلى الملك العادل فوجده متألما حزينا، فسأله، فعرّفه. فقال: يا مولانا و لم تجرّد السم في نفسك؟ فقال: خذ كل ما وقعت الحوطة عليه و كلّ ما استخرج من أجرة أملاكه و طيب خاطره، و أما الفقيه ضياء الدين فإنه أصبح و حضرت إليه جماعة من الطلبة للقراءة عليه. فقال لهم: رأيت البارحة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يقول: يكون فرجك على يد رجل من أهل بيتي صحيح النسب، فبينما هم في الحديث و إذا بغبرة ثارت من جهة القرافة، فانكشفت عن الشريف ابن ثعلب و معه الموجود كله، فلما حضر عرّفه الجماعة المنام، فقال: يا سيدي اشهد على أن جميع ما أملكه وقف و صدقة، شكرا لهذه الرؤيا. و خرج عن كل ما يملكه، و كان من جملة ذلك المدرسة الشريفية لأنها كانت مسكنه و وقف عليها أملاكه، و كذلك فعل في غيرها، و لم يحالل الفقيه الملك العادل، و مات الملك العادل بعد ذلك، و مات الفقيه بعده بمدّة، و مات الشريف إسماعيل بن ثعلب بالقاهرة في سابع عشر رجب سنة ثلاث عشرة و ستمائة.

المدرسة الصالحية

هذه المدرسة بخط بين القصرين من القاهرة، كان موضعها من جملة القصر الكبير الشرقيّ، فبنى فيه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب هاتين المدرستين، فابتدأ بهدم موضع هذه المدارس في قطعة من القصر في ثالث عشر ذي الحجة سنة تسع و ثلاثين و ستمائة، و دك أساس المدارس في رابع عشر ربيع الآخر سنة أربعين، و رتب فيها دروسا أربعة للفقهاء المنتمين إلى المذاهب الأربعة في سنة إحدى و أربعين و ستمائة، و هو أوّل من عمل بديار مصر دروسا أربعة في مكان، و دخل في هذه المدارس باب القصر المعروف بباب الزهومة، و موضعه قاعة شيخ الحنابلة الآن، ثم اختط ما وارء هذه المدارس في سنة بضع و خمسين و ستمائة، و جعل حكر ذلك للمدرسة الصالحية، و أوّل من درّس بها من الحنابلة قاضي القضاة شمس الدين أبو بكر محمد بن العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن عليّ بن سرور المقدسيّ الحنبليّ الصالحيّ، و في يوم السبت ثالث عشري شوّال سنة ثمان و أربعين و ستمائة، أقام الملك المعز عز الدين أيبك التركمانيّ الأمير علاء الدين أيدكين البندقداريّ الصالحيّ في نيابة السلطنة بديار مصر، فواظب الجلوس بالمدارس الصالحية هذه مع نوّاب دار العدل، و انتصب لكشف المظالم، و استمرّ جلوسه بها مدّة. ثم إن الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة خان ابن الملك الظاهر بيبرس، وقف الصاغة التي تجاهها، و أماكن بالقاهرة و بمدينة المحلة الغربية، و قطع أراضي جزائر بالأعمال الجيزية و الأطفيحية على مدرسين أربعة، عند كل مدرّس معيدان و عدّة طلبة. و ما يحتاج إليه من أئمة و مؤذنين و قومة و غير ذلك، و ثبت وقف ذلك على يد

218

قاضي القضاة تقيّ الدين محمد بن الحسين بن رزين الشافعيّ، و نفذه قاضي القضاة شمس الدين أبو البركات محمد بن هبة اللّه بن شكر المالكيّ، و ذلك في سنة سبع و سبعين و ستمائة، و هي جارية في وقفها إلى اليوم. فلما كان في يوم الجمعة حادي عشري ربيع الأوّل سنة ثلاثين و سبعمائة، رتب الأمير جمال الدين أقوش المعروف بنائب الكرك جمال الدين الغزاويّ خطيبا بإيوان الشافعية من هذه المدرسة، و جعل له في كل شهر خمسين درهما، و وقف عليه و على مؤذنين وقفا جاريا، فاستمرّت الخطبة هناك إلى يومنا هذا.

قبة الصالح: هذه القبة بجوار المدرسة الصالحية، كان موضعها قاعة شيخ المالكية، بنتها عصمة الدين والدة خليل شجرة الدر، لأجل مولاها الملك الصالح نجم الدين أيوب عندما مات، و هو على مقاتلة الفرنج بناحية المنصورة، في ليلة النصف من شعبان سنة سبع و أربعين و ستمائة، فكتمت زوجته شجرة الدر موته خوفا من الفرنج و لم تعلم بذلك أحدا سوى الأمير فخر الدين بن يوسف بن شيخ الشيوخ، و الطواشي جمال الدين محسن فقط، فكتما موته عن كلّ أحد، و بقيت أمور الدولة على حالها، و شجرة الدرّ تخرج المناشير و التواقيع و الكتب و عليها علامة بخط خادم يقال له سهيل، فلا يشك أحد في أنه خط السلطان، و أشاعت أن السلطان مستمرّ المرض و لا يمكن الوصول إليه، فلم يجسر أحد أن يتفوّه بموت السلطان إلى أن أنفذت إلى حصن كيفا و أحضرت الملك المعظم توران شاه بن الصالح، و أما الملك الصالح فإن شجرة الدرّ أحضرته في حراقة من المنصورة إلى قلعة الروضة تجاه مدينة مصر من غير أن يشعر به أحد إلّا من أيتمنته على ذلك، فوضع في قاعة من قاعات قلعة الروضة إلى يوم الجمعة السابع و العشرين من شهر رجب سنة ثمان و أربعين و ستمائة، فنقل إلى هذه القبة بعد ما كانت شجرة الدرّ قد عمرتها على ما هي عليه، و خلعت نفسها من سلطنة مصر و نزلت عنها لزوجها عز الدين أيبك قبل نقله، فنقله الملك المعز أيبك و نزل و معه الملك الأشرف موسى ابن الملك المسعود و سائر المماليك البحرية و الجمدارية و الأمراء من قلعة الجبل إلى قلعة الروضة، و أخرج الملك الصالح في تابوت و صلّى عليه بعد صلاة الجمعة، و سائر الأمراء و أهل الدولة قد لبسوا البياض حزنا عليه، و قطع المماليك شعور رؤوسهم و ساروا به إلى هذه الدولة قد لبسوا البياض حزنا عليه، السلطانان و نزلا إلى القبة، و حضر القضاة و سائر المماليك و أهل الدولة و كافة الناس و غلقت الأسواق بالقاهرة و مصر، و عمل عزاء للملك الصالح بين القصرين بالدفوف مدّة ثلاثة أيام، آخرها يوم الاثنين. و وضع عند القبر سناجق السلطان و بقجته و تركاشه و قوسه، و رتب عنده القرّاء على ما شرطت شجرة الدرّ في كتاب وقفها، و جعلت النظر فيها للصاحب بهاء الدين عليّ بن حنا و ذريته، و هي بيدهم إلى اليوم، و ما أحسن قول الأديب جمال الدين أبي المظفر عبد الرحمن بن أبي سعيد محمد بن محمد بن عمر بن أبي القاسم بن تخمش الواسطيّ، المعروف بابن السنيرة الشاعر، لما مرّ هو و الأمير نور الدين تكريت بالقاهرة بين‏

219

القصرين و نظر إلى تربة الملك الصالح هذه، و قد دفن بقاعة شيخ المالكية فأنشد:

بنيت لأرباب العلوم مدارسا* * * لتنجو بها من هول يوم المهالك‏

و ضاقت عليك الأرض لم تلق منزلا* * * تحلّ به إلّا إلى جنب مالك‏

و ذلك أن هذه القبة التي فيها قبر الملك الصالح، مجاورة لإيوان الفقهاء المالكية المنتمين إلى الإمام مالك بن أنس رضي اللّه عنه، فقصد التورية بمالك الإمام المشهور، و مالك خازن النار، أعاذنا اللّه منها.

المدرسة الكاملية

هذه المدرسة بخط بين القصرين من القاهرة، و تعرف بدار الحديث الكاملية، أنشأها السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي بن مروان في سنة اثنتين و عشرين و ستمائة، و هي ثاني دار عملت للحديث. فإن أوّل من بنى دارا على وجه الأرض، الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، ثم بنى الكامل هذه الدار و وقفها على المشتغلين بالحديث النبويّ، ثم من بعدهم على الفقهاء الشافعية، و وقف عليها الربع الذي بجوارها على باب الخرنشف، و يمتدّ إلى الدرب المقابل للجامع الأقمر، و هذا الربع من إنشاء الملك الكامل، و كان موضع من جملة القصر الغربيّ، ثم صار موضعا يسكنه القماحون. و كان موضع المدرسة سوقا للرقيق و دارا تعرف بابن كستول.

و أوّل من ولي تدريس الكاملية الحافظ أبو الخطاب عمر بن الحسن بن عليّ بن دحية، ثم أخوه أبو عمرو عثمان بن الحسن بن عليّ بن دحية، ثم الحافظ عبد العظيم المندريّ، ثم الرشيد العطار. و ما برحت بيد أعيان الفقهاء إلى أن كانت الحوادث و المحن منذ سنة ست و ثمانمائة، فتلاشت كما تلاشى غيرها، و ولى تدريسها صبيّ لا يشارك الأناسيّ إلّا بالصورة، و لا يمتاز عن البهيمة إلّا بالنطق، و استمرّ فيها دهرا لا يدرّس بها حتى نسيت أو كادت تنسى دروسها، و لا حول و لا قوّة إلّا بالله.

الملك الكامل: ناصر الدين أبو المعالي محمد بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان الكرديّ الأيوبيّ، خامس ملوك بني أيوب الأكراد بديار مصر، ولد في خامس عشري ربيع الأوّل سنة ست و سبعين و خمسمائة، و خلف أباه الملك العادل على بلاد الشرق، فلما استولى على مملكة مصر، قدم الملك الكامل إلى القاهرة في سنة ست و تسعين و خمسمائة، و نصبه أبوه نائبا عنه بديار مصر، و أقطعه الشرقية و جعله وليّ عهده، و حلف له الأمراء، و أسكنه قلعة الجبل، و سكن العادل في دار الوزارة بالقاهرة و صار يحكم بديار مصر مدّة غيبة الملك العادل ببلاد الشام و غيرها بمفرده. فلما مات الملك العادل ببلاد الشام، استقل الملك الكامل بمملكة مصر في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة و ستمائة و هو على محاربة الفرنج بالمنزلة العادلية قريبا من دمياط،

220

و قد ملكوا البرّ الغربيّ. فثبت لقتالهم مع ما حدث من الوهن بموت السلطان، و ثارت العربان بنواحي أرض مصر و كثر خلافهم و اشتدّ ضررهم، و قام الأمير عماد الدين أحمد ابن الأمير سيف الدين أبي الحسين عليّ بن أحمد الهكاريّ، المعروف بابن المشطوب، و كان أجلّ الأمراء الأكابر، و له لفيف من الأكراد الهكارية، يريد خلع الملك الكامل و تمليك أخيه الملك الفائز إبراهيم بن العادل، و وافقه على ذلك كثير من الأمراء، فلم يجد الكامل بدّا من الرحيل في الليل جريدة، و سار من العادلية إلى أشموم طناح و نزل بها و أصبح العسكر بغير سلطان، فركب كل واحد هواه و لم يعرّج واحد منهم على آخر، و تركوا أثقالهم و سائر ما معهم، فاغتنم الفرنج الفرصة و عبروا إلى برّ دمياط و استولوا على جميع ما تركه المسلمون، و كان شيئا عظيما، و همّ الملك الكامل بمفارقة أرض مصر، ثم إن اللّه تعالى ثبته و تلاحقت العساكر، و بعد يومين قدم عليه أخوه الملك المعظم عيسى صاحب دمشق باشموم، فاشتدّ عضده بأخيه، و أخرج ابن المشطوب من العسكر إلى الشام، ثم أخرج الفائز إبراهيم إلى الملوك الأيوبية بالشام و الشرق يستنفرهم لجهاد الفرنج، و كتب الملك الكامل إلى أخيه الملك الأشرف موسى شاه يستحثه على الحضور، و صدّر المكاتبة بهذه الأبيات:

يا مسعدي إن كنت حقا مسعفي‏* * * فانهض بغير تلبث و توقف‏

و احثت قلوصك مرقلا (1) أو موجفا (2)* * * بتجشم‏ (3) في سيرها و تعسف‏ (4)

و اطو المنازل ما استطعت و لا تنخ‏* * * إلّا على باب المليك الأشرف‏

و اقر السلام عليه من عبد له‏* * * متوقع لقدومه متشوّف‏

و إذا وصلت إلى حماه فقل له‏* * * عني بحسن توصل و تلطف‏

إن تأت عبدك عن قليل تلقه‏* * * ما بين كلّ مهند و مثقف‏

أو تبط عن إنجاده فلقاؤه‏* * * بك في القيامة في عراص‏ (5) الموقف‏

و جدّ الكامل في قتال الفرنج و أمر بالنفير في ديار مصر، و أتته الملوك من الأطراف، فقدّر اللّه أخذ الفرنج لدمياط بعد ما حاصروها ستة عشر شهرا و اثنين و عشرين يوما، و وضعوا السيف في أهلها، فرحل الكامل من أشموم و نزل بالمنصورة و بعث يستنفر الناس، و قوي الفرنج حتى بلغت عدّتهم نحو المائتي ألف راجل، و عشرة آلاف فارس، و قدم عامّة أهل أرض مصر، و أتت النجدات من البلاد الشامية و غيرها، فصار المسلمون في جمع عظيم إلى الغاية بلغت عدّة فرسانهم خاصة نحو الأربعين ألفا، و كانت بين الفريقين خطوب آلت إلى‏

____________

(1) مرقلا: مسرعا.

(2) أوجف دابته: حثها و حملها على الإسراع في السير.

(3) جشّمه الأمر: كلفه إياه و حمله عليه على كره و مشقة.

(4) التعسف: الأخذ بالعنف و القوّة.

(5) عراص: جمع عرصة: ساحة الدار.

221

وقوع الصلح، و تسلم المسلمون مدينة دمياط في تاسع عشري رجب سنة ثمان عشرة و ستمائة، بعد ما أقامت بيد الفرنج سنة و أحد عشر شهرا تنقص ستة أيام، و سار الفرنج إلى بلادهم، و عاد السلطان إلى قلعة الجبل. و أخرج كثيرا من الأمراء الذين وافقوا ابن المشطوب من القاهرة إلى الشام، و فرّق أخبازهم على مماليكه، ثم تخوّف من أمرائه في سنة إحدى و عشرين بميلهم إلى أخيه الملك المعظم، فقبض على جماعة منهم و كاتب أخاه الملك الأشرف في موافقته على المعظم، فقويت الوحشة بين الكامل و المعظم، و اشتدّ خوف الكامل من عسكره و همّ أن يخرج من القاهرة لقتال المعظم فلم يجسر على ذلك، و قدم الأشرف إلى القاهرة فسرّ بذلك سرورا كثيرا و تحالفا على المعاضدة، و سافر من القاهرة فمال مع المعظم، فتحير الكامل في أمره و بعث إلى ملك الفرنج يستدعيه إلى عكا، و وعده بأن يمكنه من بلاد الساحل، و قصد بذلك أن يشغل سرّ أخيه المعظم.

فلما بلغ ذلك المعظم خطب للسلطان جلال الدين الخوارزميّ و بعث يستنجد به على الكامل، و أبطل الخطبة للكامل، فخرج الكامل من القاهرة يريد محاربته في رمضان سنة أربع و عشرين، و سار إلى العباسة، ثم عاد إلى قلعة الجبل و قبض على عدّة من الأمراء و مماليك أبيه لمكاتبتهم المعظم، و أنفق في العسكر، فاتفق موت الملك المعظم في سلخ ذي القعدة، و قيام ابنه الملك الناصر داود بسلطنة دمشق، و طلبه من الكامل الموادعة، فبعث إليه خلعة سنية و سنجقا سلطانيا و طلب منه أن ينزل له عن قلعة الشوبك، فامتنع الناصر من ذلك، فوقعت المنافرة بينهما و عهد الملك الكامل إلى ابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب و أركبه بشعار السلطنة و أنزله بدار الوزارة، و خرج من القاهرة في العساكر يريد دمشق، فأخذنا بلس و القدس، فخرج الناصر داود من دمشق و معه عمه الأشرف، و سارا إلى الكامل يطلبان منه الصلح، فلما بلغ ذلك الكامل رحل من نابلس يريد القاهرة، فقدمها الناصر و الأشرف، و أقام بها الناصر و سار الأشرف و المجاهد إلى الكامل فأدركاه بتل العجوز، فأكرمهما و قرّر مع الأشرف انتزاع دمشق من الناصر و إعطاءها للأشرف، على أن يكون للكامل ما بين عقبة أفيق إلى القاهرة، و للأشرف من دمشق إلى عقبة أفيق، و أن يعين بجماعة من ملوك بني أيوب، فاتفق قدوم الملك الأنبرطور إلى عكا باستدعاء الملك الكامل له، فتحير الكامل في أمره لعجزه عن محاربته و أخذ يلاطفه، و شرع الفرنج في عمارة صيدا و كانت مناصفة بين المسلمين و الفرنج و سورها خراب، فلما بلغ الناصر موافقة الأشرف للكامل عاد من نابلس إلى دمشق و استعدّ للحرب، فسار إليه الأشرف من تل العجوز و حاصره بدمشق، و أقام الكامل بتل العجوز و قد تورط مع الفرنج فلم يجد بدّا من إعطائهم القدس على أن لا يجدّد سوره و أن تبقى الصخرة و الأقصى مع المسلمين، و يكون حكم قرى القدس إلى المسلمين، و أن القرى التي فيما بين عكا و يافا و بين لد و القدس للفرنج، و انعقدت الهدنة على ذلك لمدّة عشر سنين و خمسة أشهر و أربعين يوما، أولها ثامن ربيع‏

222

الأوّل سنة ست و عشرين، و نودي في القدس بخروج المسلمين منه و تسليمه إلى الفرنج، فكان أمرا مهولا من شدّة البكاء و الصراخ، و خرجوا بأجمعهم فصاروا إلى مخيم الكامل و أذنوا على بابه في غير وقت الأذان، فشق عليه ذلك و أخذ منهم الستور و قناديل الفضة و الآلات و زجرهم، و قيل لهم امضوا حيث شئتم، فعظم على المسلمين هذا و كثر الإنكار على الملك الكامل و شنعت المقالة فيه، و عاد الأنبرطور إلى بلاده بعد ما دخل القدس، و كان مسيره في آخر جمادى الآخرة سنة ست و عشرين. و سيّر الكامل إلى الآفاق بتسكين قلوب المسلمين و انزعاجهم لأخذ الفرنج القدس، و رحل من تل العجوز يريد دمشق و الأشرف على محاصرتها، فجدّ في القتال و اشتدّ الأمر على الناصر إلى أن ترامى في الليل على الملك الكامل، فأكرمه و أعاده إلى قلعة دمشق، و بعث من تسلمها منه و عوّضه عن دمشق الكرك و الشوبك و الصلت و البلقاء و الأغوار و نابلس و أعمال القدس، ثم ترك الشوبك للكامل مع عدّة مما ذكر، و تسلم الكامل دمشق في أوّل شعبان و أعطاها للأشرف، و أخذ منه ما معه من بلاد الشرق، و هي حران‏ (1) و الرّها (2) و سروج و غير ذلك، ثم سار الكامل فأخذ حماه و توجه منها فقطع الفرات، ثم سار إلى جعبر و الرقة و دخل حران و الرّها و رتب أمورها، و أتته الرسل من ماردين و آمد و الموصل و أربل و غير ذلك، و أقيمت له الخطبة بماردين، و بعث يستدعي عساكر الشام لقتال الخوارزميّ و هو بخلاط، ثم رحل الكامل من حرّان لأمور حدثت و سار إلى مصر فدخلها في شهر رجب سنة سبع و عشرين، و قد تغير على ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب و خلعه من ولاية العهد، و عهد إلى ابنه الملك العادل أبي بكر، ثم سار إلى الإسكندرية في سنة ثمان و عشرين، ثم عاد إلى مصر و حفر بحر النيل فيما بين المقياس و برّ مصر، و عمل فيه بنفسه و استعمل فيه الملوك من أهله و الأمراء و الجند، فصار الماء دائما فيما بين مصر و المقياس، و انكشف البرّ فيما بين المقياس و الجيزة في أيام احتراق النيل، و خرج من القاهرة إلى بلاد الشام في آخر جمادى الآخرة سنة تسع و عشرين، و استخلف على ديار مصر ابنه العادل و أسكنه قلعة الجبل، و أخذ الصالح معه فدخل دمشق من طريق الكرك، و خرج منها لقتال التتر، و جعل ابنه الصالح على مقدّمته، فسار إلى حران فرحل التتر عن خلاط، ثم رحل إلى الرها و سار إلى آمد و نازلها حتى أخذها، و أنعم على ابنه الصالح بحصن كيفا، و بعثه إليه و عاد إلى مصر في سنة ثلاثين، فقبض على عدّة من الأمراء.

ثم خرج في سنة إحدى و ثلاثين إلى دمشق و سار منها و دخل الدربند، و قد أعجبته كثرة عساكره، فإنه اجتمع معه ثمانية عشر طلبا لثمانية عشر ملكا. و قال هذه العساكر لم تجتمع لأحد من ملوك الإسلام، و نزل على النهر الأزرق بأوّل بلد الروم، و قد نزلت عساكر الروم و أخذت عليه رأس الدربند و منعوه فتحير لقلة الأقوات عنده و لاختلاف ملوك بني‏

____________

(1) حرّان: مدينة عظيمة بينها و بين الرها يوم و بين الرّمة يومان على طريق الموصل الشام.

(2) الرها: مدينة بالجزيرة بين الموصل و الشام.

223

أيوب عليه، و رحل إلى مصر و قد فسد ما بينه و بين الأشرف و غيره، و أخذ ملك الروم الرها و حران بالسيف، فتجهز الكامل و خرج بعساكره من القاهرة في سنة ثلاث و ثلاثين و سار إلى الرها و نازلها حتى أخذها و هدم قلعتها، و أخذ حران بعد قتال شديد، و بعث بمن كان فيها من الروم إلى القاهرة في القيود و كانوا زيادة على ثلاثة آلاف نفس، ثم خرج إلى دنيسر و عاد إلى دمشق و سار منها إلى القاهرة فدخلها في سنة أربع و ثلاثين، ثم خرج في سنة خمس و ثلاثين و نزل على دمشق و قد امتنعت عليه، فضايقها حتى أخذها من أخيه الملك الصالح إسماعيل، و عوّضه عنها بعلبك و بصرى و غيرهما في تاسع عشر جمادى الأولى، و نزل بالقلعة و أخذ يتجهز لأخذ حلب، و قد نزل به زكام فدخل في ابتدائه الحمّام فاندفعت الموادّ إلى معدته فتورم و ثارت فيه حمّى، فنهاه الأطباء عن القي‏ء و حذروه منه فلم يصبر و تقيأ فمات لوقته في آخر نهار الأربعاء حادي عشري رجب سنة خمس و ثلاثين و ستمائة، عن ستين سنة منها ملكه أرض مصر نحو أربعين سنة، استبدّ فيها بعد موت أبيه مدّة عشرين سنة و خمسة و أربعين يوما.

و كان يحب العلم و أهله و يؤثر مجالستهم، و شغف بسماع الحديث النبويّ، و حدّث و بنى دار الحديث الكاملية بالقاهرة، و كان يناظر العلماء و يمتحنهم بمسائل غريبة من فقه و نحو، فمن أجاب عنها حظي عنده، و كان يبيت عنده بقلعة الجبل عدّة من أهل العلم على أسرّة بجانب سريره ليسامروه، و كان للعلم و الأدب عنده نفاق، فقصده الناس لذلك، و صار يطلق الأرزاق الدارة لمن يقصده لهذا، و كان مهابا حازما سديد الرأي حسن التدبير عفيفا عن الدماء، و كان يباشر أمور مملكته بنفسه من غير اعتماد على وزير و لا غيره، و لم يستوزر بعد الصاحب صفيّ الدين عبد اللّه بن عليّ بن شكر أحدا، و إنما كان ينتدب من يختاره لتدبير الأشغال و يحضر عنده الدواوين و يحاسبهم بنفسه، و إذا ابتدأت زيادة النيل خرج و كشف الجسور و رتب الأمراء لعملها، فإذا انتهى عمل الجسور خرج ثانيا و تفقدها بنفسه، فإن وقف فيها على خلل عاقب متوليها أشدّ العقوبة، فعمرت أرض مصر في أيامه عمارة جيدة، و كان يخرج من زكوات الأموال التي تجبى من الناس سهمي الفقراء و المساكين، و يعين مصرف ذلك لمستحقيه شرعا، و يفرز منه معاليم الفقهاء و الصلحاء، و كان يجلس كلّ ليلة جمعة مجلسا لأهل العلم فيجتمعون عنده للمناظرة، و كان كثير السياسة حسن المداراة، و أقام على كل طريق خفراء لحفظ المسافرين، إلّا أنه كان مغرما بجمع المال مجتهدا في تحصيله، و أحدث في البلاد حوادث سماها الحقوق لم تعرف قبله، و من شعره قوله رحمه اللّه تعالى:

إذا تحققتم ما عند صاحبكم‏* * * من الغرام فداك القدر يكفيه‏

أنتم سكنتم فؤادي و هو منزلكم‏* * * و صاحب البيت أدرى بالذي فيه‏

و قال له الطبيب علم الدين أبو النصر جرجس بن أبي حليقة في اليوم الذي مات فيه،

224

كيف نوم السلطان في ليلته فأنشد:

يا خليليّ خبراني بصدق‏* * * كيف طعم الكرى فإني نسيت‏

و دفن أوّلا بقلعة دمشق، ثم نقل إلى جوار جامع بني أمية و قبره هناك رحمه اللّه تعالى.

المدرسة الصيرمية

هذه المدرسة من داخل باب الجملون الصغير بالقرب من رأس سويقة أمير الجيوش، فيما بينها و بين الجامع الحاكميّ، بجوار الزيادة، بناها الأمير جمال الدين شويخ بن صيرم، أحد أمراء الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب، و توفي في تاسع عشر صفر سنة ست و ثلاثين و ستمائة.

المدرسة المسرورية

هذه المدرسة بالقاهرة داخل درب شمس الدولة، كانت دار شمس الخواص مسرور، أحد خدّام القصر، فجعلت مدرسة بعد وفاته بوصيته، و أن يوقف الفندق الصغير عليها، و كان بناؤها من ثمن ضيعة بالشام كانت بيده بيعت بعد موته، و تولى ذلك القاضي كمال الدين خضر، و درّس فيها، و كان مسرور ممن اختص بالسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فقدّمه على حلقته و لم يزل مقدّما إلى الأيام الكاملية، فانقطع إلى اللّه تعالى و لزم داره إلى أن مات، و دفن بالقرافة إلى جانب مسجده، و كان له برّ و إحسان و معروف، و من آثاره بالقاهرة فندق يعرف اليوم بخان مسرور الصفديّ و له ربع بالشارع.

المدرسة القوصية

هذه المدرسة بالقاهرة في درب سيف الدولة بالقرب من درب ملوخيا، أنشأها الأمير الكرديّ والي قوص.

مدرسة بحارة الديلم‏ (1) المدرسة الظاهرية

هذه المدرسة بالقاهرة من جملة خط بين القصرين، كان موضعها من القصر الكبير يعرف بقاعة الخيم، و قد تقدّم ذكرها في أخبار القصر. و مما دخل في هذه المدرسة باب الذهب المذكور في أبواب القصر، فلما أوقع الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ الحوطة على‏

____________

(1) بياض في الأصل.

225

القصور و المناظر، كما تقدّم ذكره، نزل القاضي كمال الدين ظاهر ابن الفقيه نصر وكيل بيت المال، و قوّم قاعة الخيم هذه، و ابتاعها الشيخ شمس الدين محمد بن العماد إبراهيم المقدسيّ شيخ الحنابلة و مدرّس المدرسة الصالحية النجمية، ثم باعها المذكور للسلطان، فأمر بهدمها و بناء موضعها مدرسة، فابتدي‏ء بعمارتها في ثاني ربيع الآخر سنة ستين و ستمائة، و فرغ منها في سنة اثنتين و ستين و ستمائة، و لم يقع الشروع في بنائها حتى رتب السلطان وقفها، و كان بالشام، فكتب بما رتبه إلى الأمير جمال الدين بن يغمور، و أن لا يستعمل فيها أحدا بغير أجرة، و لا ينقص من أجرته شيئا، فلما كان يوم الأحد خامس صفر سنة اثنتين و ستين و ستمائة، اجتمع أهل العلم بها و قد فرغ منها و حضر القرّاء و جلس أهل الدروس كلّ طائفة في إيوان، منها الشافعية بالإيوان القبليّ و مدرّسهم الشيخ تقيّ الدين محمد بن الحسن بن رزين الحمويّ، و الحنفية بالإيوان البحريّ و مدرّسهم الصدر مجد الدين عبد الرحمن بن الصاحب كمال الدين عمر بن العديم الحلبيّ، و أهل الحديث بالإيوان الشرقيّ و مدرّسهم الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطيّ، و القرّاء بالقراءات السبع بالإيوان الغربيّ و شيخهم الفقيه كمال الدين المحليّ، و قرّروا كلهم الدروس و تناظروا في علومهم، ثم مدّت الأسمطة لهم فأكلوا، و قام الأديب أبو الحسين الجزار فأنشد:

ألا هكذا يبني المدارس من بنى‏* * * و من يتغالى في الثواب و في الثنا

لقد ظهرت للظاهر الملك همة* * * بها اليوم في الدارين قد بلغ المنا

تجمّع فيها كلّ حسن مفرّق‏* * * فراقت قلوبا للأنام و أعينا

و مذ جاورت قبر الشهيد فنفسه الن* * * فيسة منها في سرور و في هنا

و ما هي إلّا جنة الخلد أزلفت‏* * * له في غد فاختار تعجيلها هنا

و قال السراج الورّاق أيضا قصيدة منها:

مليك له في العلم حبّ و أهله‏* * * فلله حبّ ليس فيه ملام‏

فشيّدها للعلم مدرسة غدا* * * عراق إليها شيّق و شآم‏

و لا تذكرن يوما نظّاميّة لها* * * فليس يضاهي ذا النظّام نظّام‏

و لا تذكرن ملكا فبيبرس مالك‏* * * و كلّ مليك في يديه غلام‏

و لما بناها زعزعت كلّ بيعة* * * متى لاح صبح فاستقرّ ظلام‏

و قد برزت كالروض في الحسن انبأت‏* * * بأنّ يديه في النوال غمام‏

الم تر محرابا كأنّ أزاهرا* * * تفتّح عنهنّ الغداة كمام‏

و قال الشيخ جمال الدين يوسف بن الخشاب:

قصد الملوك حماك و الخلفاء* * * فافخر فإن محلك الجوزاء

226

أنت الذي أمراؤه بين الورى‏* * * مثل الملوك و جنده أمراء

ملك تزينت الممالك باسمه‏* * * و تجمّلت بمديحه الفصحاء

و ترفّعت لعلاه خير مدارس‏* * * حلّت بها العلماء و الفضلاء

يبقى كما يبقى الزمان و ملكه‏* * * باق له و لحاسديه فناء

كم للفرنج و للتتار ببابه‏* * * رسل مناها العفو و الإعفاء

و طريقه لبلادهم موطوءة* * * و طريقهم لبلاده عذراء

دامت له الدنيا و دام خلدا* * * ما أقبل الإصباح و الإمساء

فلما فرغ هؤلاء الثلاثة من إنشادهم أفيضت عليهم الخلع، و كان يوما مشهودا، و جعل بها خزانة كتب تشتمل على أمهات الكتب في سائر العلوم، و بني بجانبها مكتبا لتعليم أيتام المسلمين كتاب اللّه تعالى، و أجرى لهم الجرايات و الكسوة، و أوقف عليها ربع السلطان خارج باب زويلة فيما بين باب زويلة و باب الفرج، و يعرف ذلك الخط اليوم به فيقال خط تحت الربع، و كان ربعا كبيرا لكنه خرب منه عدّة دور فلم تعمر، و تحت هذا الربع عدّة حوانيت هي الآن من أجلّ الأسواق، و للناس في سكناها رغبة عظيمة و يتنافسون فيها تنافسا يرتفعون فيه إلى الحاكم، و هذه المدرسة من أجلّ مدارس القاهرة، إلّا أنها قد تقادم عهدها فرثت و بها إلى الآن بقية صالحة، و نظرها تارة يكون بيد الحنفية و أحيانا بيد الشافعية، و ينازع في نظرها أولاد الظاهر فيدفعون عنه، و للّه عاقبة الأمور.

المدرسة المنصورية

هذه المدرسة من داخل باب المارستان الكبير المنصوريّ بخط بين القصرين بالقاهرة، أنشأها هي و القبة التي تجاهها و المارستان، الملك المنصور قلاون الألفيّ الصالحيّ، على يد الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ، و رتب بها دروسا أربعة لطوائف الفقهاء الأربعة، و درسا للطب، و رتب بالقبة درسا للحديث النبويّ، و درسا لتفسير القرآن الكريم، و ميعادا، و كانت هذه التداريس لا يليها إلّا أجل الفقهاء المعتبرين، ثم هي اليوم كما قيل:

تصدّر للتدريس كلّ مهوّس‏* * * بليسد يسمى بالفقيه المدرّس‏

فحقّ لأهل العلم أن يتمثلوا* * * ببيت قديم شاع في كلّ مجلس‏

لقد هزلت حتى بدا من هزالها* * * كلاها و حتّى سامها كلّ مفلس‏

القبة المنصورية: هذه القبة تجاه المدرسة المنصورية، و هما جميعا من داخل باب المارستان المنصوريّ، و هي من أعظم المباني الملوكية و أجلّها قدرا، و بها قبر تضمن الملك المنصور سيف الدين قلاون، و ابنه الملك الناصر محمد بن قلاون، و الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن محمد بن قلاون. و بها قاعة جليلة في وسطها فسقية يصل إليها الماء من قوّارة بديعة الزي، و سائر هذه القاعة مفروش بالرخام الملوّن، و هذه القاعة معدّة لإقامة

227

الخدّام الملوكية الذين يعرفون اليوم في الدولة التركية بالطواشية، و أحدهم طواشي، و هذه لفظة تركية، أصلها بلغتهم طابوشي، فتلاعبت بها العامة و قالت طواشي، و هو الخصيّ، و لهؤلاء الخدّام في كلّ يوم ما يكفيهم من الخبز النقيّ و اللحم المطبوخ، و في كلّ شهر من المعاليم الوافرة ما فيه غنية لهم، و أدركتهم و لهم حرمة وافرة و كلمة نافذة و جانب مرعيّ، و يعدّ شيخهم من أعيان الناس، يجلس على مرتبة، و بقية الخدّام في مجالسهم لا يبرحون في عبادة، و كان يستقرّ في وظائف هذه الخدمة أكابر خدّام السلطان، و يقيمون عنهم نوّابا يواظبون الإقامة بالقبة، و يرون مع سعة أحوالهم و كثرة أموالهم من تمام فخرهم و كمال سيادتهم، انتماءهم إلى خدمة القبة المنصورية، ثم تلاشى الحال بالنسبة إلى ما كان، و الخدّام بهذه القاعة إلى اليوم، و قصد الملوك بإقامة الخدّام في هذه القاعة التي يتوصل إلى القبة منها، إقامة ناموس الملك بعد الموت كما كان في مدّة الحياة، و هم إلى اليوم لا يمكنون أحدا من الدخول إلى القبة، إلّا من كان من أهلها، و للّه دريحي بن حكم البكريّ الجيانيّ المغربيّ الملقب بالغزال لجماله حيث يقول:

أرى أهل الثراء إذا توفوا* * * بنوا تلك المقابر بالصخور

أبو إلّا مباهاة و تيها* * * على الفقراء حتى في القبور

و في هذه القبة دروس للفقهاء على المذاهب الأربعة، و تعرف بدروس وقف الصالح، و ذلك أنّ الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن محمد بن قلاون، قصد عمارة مدرسة فاخترمته المنية دون بلوغ غرضه، فقام الأمير ارغون العلائيّ زوج أمه في وقف قرية تعرف بدهمشا الحمام من الأعمال الشرقية عن أمّ الملك الصالح، فاثبته بطريق الوكالة عنها، و رتب ما كان الملك الصالح إسماعيل قرّره في حياته لو أنشأ مدرسة، و جعل ذلك الأمير أرغون مرتبا لمن يقوم به في القبة المنصورية، و هو وقف جليل يتحصل منه في كل سنة نحو الأربعة آلاف دينار ذهبا. ثم لما كانت الحوادث و خربت الناحية المذكورة، تلاشى أمر وقف الصالح و فيه إلى اليوم بقية، و كان لا يلي تدريس دروسه إلا قضاة القضاة، فوليه الآن الصبيان و من لا يؤهل لو كان الإنصاف له. و في هذه القبة أيضا قرّاء يتناوبون القراءة بالشبابيك المطلة على الشارع طول الليل و النهار، و هم من جهة ثلاثة أوقاف، فطائفة من جهة وقف الملك الصالح إسماعيل، و طائفة من جهة الوقف السيفيّ، و هو منسوب إلى الملك المنصور سيف الدين أبي بكر ابن الملك الناصر محمد بن قلاون. و بهذه القبة إمام راتب يصلّى بالخدّام و القرّاء و غيرهم الصلوات الخمس، و يفتح له باب فيما بين القبة و المحراب يدخل منه من يصلّي من الناس، ثم يغلق بعد انقضاء الصلاة. و بهذه القبة خزانة جليلة كان فيها عدّة أحمال من الكتب في أنواع العلوم، مما وقفه الملك المنصور و غيره، و قد ذهب معظم هذه الكتب و تفرّق في أيدي الناس. و في هذه القبة خزانة بها ثياب المقبورين بها، و لهم فرّاش معلوم بمعلوم لتعهدهم، و يوضع ما يتحصل من مال أوقاف‏

228

المارستان بهذه القبة تحت أيدي الخدّام، و كانت العادة أنه إذا أمّر السلطان أحدا من أمراء مصر و الشام فإنه ينزل من قلعة الجبل و عليه التشريف و الشر بوش و توقد له القاهرة، فيمرّ إلى المدرسة الصالحية بين القصرين، و عمل ذلك من عهد سلطنة المعز أيبك و من بعده، فنقل ذلك إلى القبة المنصورية و صار الأمير يحلف عند القبر المذكور، و يحضر تحليفه صاحب الحجاب، و تمدّ أسمطة جليلة بهذه القبة، ثم ينصرف الأمير و يجلس له في طول شارع القاهرة إلى القلعة أهل الأغاني لتزفه في نزوله و صعوده، و كان هذا من جملة منتزهات القاهرة، و قد بطل ذلك منذ انقرضت دولة بني قلاون. و من جملة أخبار هذه القبة: أنه لما كان في يوم الخميس مستهل المحرّم سنة تسعين و ستمائة، بعث الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاون بجملة مال تصدّق به في هذه القبة، ثم أمر بنقل أبيه من القلعة، فخرج سائر الأمراء و نائب السلطنة الأمير بيدرا بدر الدين، و الوزير الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس التنوخيّ، و حضروا بعد صلاة العشاء الآخرة و مشوا بأجمعهم قدّام تابوت الملك المنصور إلى الجامع الأزهر، و حضر فيه القضاة و مشايخ الصوفية، فتقدّم قاضي القضاة تقيّ الدين بن دقيق العيد و صلّى على الجنازة، و خرج الجميع أمامها إلى القبة المنصورية حتى دفن فيها، و ذلك في ليلة الجمعة ثاني المحرّم، و قيل عاشره، ثم عاد الوزير و النائب من الدهليز خارج القاهرة إلى القبة المنصورية لعمل مجتمع بسبب قراءة ختمة كريمة في ليلة الجمعة ثامن عشري صفر منها، و حضر المشايخ و القرّاء و القضاة في جمع موفور، و فرّق في الفقراء صدقات جزيلة، و مدّت أسمطة كثيرة، و تفرّقت الناس أطعمتها حتى امتلأت الأيدي بها، و كانت إحدى الليالي الغرّ، كثر الدعاء فيها للسلطان و عساكر الإسلام بالنصر على أعداء الملة، و حضر الملك الأشرف بكرة يوم الجمعة إلى القبة المنصورية و فرّق مالا كثيرا، و كان الملك الأشرف قد برز يريد المسير لجهاد الفرنج و أخذ مدينة عكا، فسار لذلك و عاد في العشرين من شعبان و قد فتح اللّه له مدينة عكا عنوة بالسيف و خرّب أسوارها، و كان عبوره إلى القاهرة من باب النصر و قد زينت القاهرة زينة عظيمة، فعند ما حاذى باب المارستان نزل إلى القبة المنصورية و قد غصت بالقضاة و الأعيان و القرّاء و المشايخ و الفقهاء، فتلقوة كلهم بالدعاء حتى جلس فأخذ القرّاء في القراءة، و قام نجم الدين محمد بن فتح الدين محمد بن عبد اللّه بن مهلهل بن غياث بن نصر المعروف بابن العنبريّ الواعظ، و صعد منبرا نصب له فجلس عليه و افتتح ينشد قصيدة تشتمل على ذكر الجهاد و ما فيه من الأجر، فلم يسعد فيها بحظ، و ذلك أنه افتتحها بقوله:

زرو الديك وقف على قبريهما* * * فكأنني بك قد نقلت إليهما

فعند ما سمع الأشرف هذا البيت تطير منه و نهض قائما و هو يسب الأمير بيدرا نائب السلطنة لشدّة حنقه و قال: ما وجد هذا شيئا يقوله سوى هذا البيت فاخذ بيدرا في تسكين حنقه و الاعتذار له عن ابن العنبريّ، بأنه قد انفرد في هذا الوقت بحسن الوعظ و لا نظير له‏

229

فيه، إلّا أنه لم يرزق سعادة في هذا الوقت، فلم يصغ السلطان إلى قوله و سار فانفض المجلس على غير شي‏ء، و صعد السلطان إلى قلعة الجبل، ثم بعد أيام سأل السلطان عن وقف المارستان و أحب أن يجدّد له وقفا من بلاد عكا التي افتتحها بسيفه، فاستدعى القضاة و شاورهم فيما همّ به من ذلك، فرغّبوه فيه و حثوه على المبادرة إليه، فعين أربع ضياع من ضياع عكار و صور ليقفها على مصالح المدرسة و القبة المنصورية ما تحتاج إليه من ثمن زيت و شمع و مصابيح و بسط و كلفة الساقية، و على خمسين مقرئا يرتبون لقراءة القرآن الكريم بالقبة، و إمام راتب يصلّى بالناس الصلوات الخمس في محراب القبة، و ستة خدّام يقيمون بالقبة، و هي الكابرة و تل الشيوخ و كردانة و ضواحيها من عكا و من ساحل صور معركة و صدفين، و كتب بذلك كتاب وقف و جعل النظر في ذلك لوزيره الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس.

فلما تمّ ذلك تقدّم بعمل مجتمع بالقبة لقراءة ختمة كريمة. و ذلك ليلة الاثنين رابع ذي القعدة سنة تسعين و ستمائة، فاجتمع القرّاء و الوعاظ و المشايخ و الفقراء و القضاة لذلك، و خلع على عامة أرباب الوظائف و الوعاظ، و فرّقت في الناس صدقات جمة و عمل مهم عظيم احتفل فيه الوزير احتفالا زائدا، و بات الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة و الأمير الوزير شمس الدين محمد بن السلعوس بالقبة، و حضر السلطان و معه الخليفة الحاكم بأمر اللّه أحمد و عليه سواده، فخطب الخليفة خطبة بليغة حرّض فيها على أخذ العراق من التتار، فلما فرغ من المهمّ أفاض السلطان على الوزير تشريفا سنيا، و في يوم الخميس حادي عشر ربيع الأوّل سنة إحدى و تسعين و ستمائة، اجتمع القرّاء و الوعاظ و الفقهاء و الأعيان بالقبة المنصورية لقراءة ختمة شريفة، و نزل السلطان الملك الأشرف و تصدّق بمال كثير، و آخر من نزل إلى القبة المنصورية من ملوك بني قلاون السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في سنة إحدى و ستين و سبعمائة، و حضر عنده بالقبة مشايخ العلم و بحثوا في العلم، و زار قبر أبيه و جدّه، ثم خرج فنظر في أمر المرضى بالمارستان و توجه إلى قلعة الجبل.

هذه المدرسة بجوار القبة المنصورية من شرقيها، كان موضعها حمّاما، فأمر السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوريّ بإنشاء مدرسة موضعها، فابتدى‏ء في عملها و وضع أساسها و ارتفع بناؤها عن الأرض إلى نحو الطراز المذهب الذي بظاهرها، فكان من خلعه ما كان، فلما عاد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون إلى مملكة مصر، في سنة ثمان و تسعين و ستمائة، أمر بإتمامها، فكملت في سنة ثلاث و سبعمائة، و هي من أجلّ مباني القاهرة، و بابها من أعجب ما عملته أيدي بني آدم، فإنه من الرخام الأبيض البديع الزيّ.

الفائق الصناعة، و نقل إلى القاهرة من مدينة عكا، و ذلك أن الملك الأشرف خليل بن قلاون لما فتح عكا عنوة في سابع عشر جمادى الأولى، سنة تسعين و ستمائة، أقام الأمير علم‏

230

الدين سنجر الشجاعيّ لهدم أسوارها و تخريب كنائسها، فوجد هذه البوّابة على باب كنيسة من كنائس عكا، و هي من رخام، قواعدها و أعضادها و عمدها، كل ذلك متصل بعضه ببعض، فحمل الجميع إلى القاهرة و أقام عنده إلى أن قتل الملك الأشرف، و تمادى الحال على هذا أيام سلطنة الملك الناصر محمد الأولى، فلما خلع و تملك كتبغا، أخذ دار الأمير سيف الدين بلبان الرشيديّ ليعملها مدرسة، فدل على هذه البوّابة فأخذها من ورثة الأمير بيدرا، فإنها كانت قد انتقلت إليه، و عملها كتبغا على باب هذه المدرسة. فلما خلع من الملك و أقيم الناصر محمد، اشترى هذه المدرسة قبل إتمامها و الإشهاد بوقفها، و ولى شراءها وصيه قاضي القضاة زين الدين عليّ بن مخلوف المالكيّ، و أنشأ بجوار هذه المدرسة من داخل بابها قبة جليلة، لكنها دون قبة أبيه، و لما كملت نقل إليها أمّه بنت سكباي بن قراجين، و وقف على هذه المدرسة قيسارية أمير على بخط الشرابشيين من القاهرة، و الربع الذي يعلوها، و كان يعرف بالدهيشة، و وقف عليها أيضا حوانيت بخط باب الزهومة من القاهرة، و دار الطعم خارج مدينة دمشق، فلما مات ابنه انوك من الخاتون طغاي في يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأوّل سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و عمره ثماني عشرة سنة، دفنه بهذه القبة و عمل عليها وقفا يختص بها، و هو باق إلى اليوم يصرف لقرّاء و غير ذلك.

و أوّل من رتّب في تدريس المدرسة الناصرية من المدرّسين، قاضي القضاة زين الدين عليّ بن مخلوف المالكيّ، ليدرّس فقه المالكية بالإيوان الكبير القبلي، و قاضي القضاة شرف الدين عبد الغنيّ الحرّانيّ، ليدرّس فقه الحنابلة بالإيوان الغربيّ، و قاضي القضاة أحمد بن السروجيّ الحنفيّ، ليدرّس فقه الحنفية بالإيوان الشرقيّ، و الشيخ صدر الدين محمد بن المرحل المعروف بابن الوكيل الشافعيّ، ليدرّس فقه الشافعية بالإيوان البحريّ. و قرّر عند كلّ مدرّس منهم عدّة من الطلبة، و أجرى عليهم المعاليم، و رتب بها إماما يؤمّ بالناس في الصلوات الخمس، و جعل بها خزانة كتب جليلة، و أدركت هذه المدرسة و هي محترمة إلى الغاية، يجلس بدهليزها عدّة من الطواشية، و لا يمكن غريب أن يصعد إليها، و كان يفرّق بها على الطلبة و القرّاء و سائر أرباب الوظائف بها السكّر في كلّ شهر، لكل أحد منهم نصيب، و يفرّق عليهم لحوم الأضاحي في كلّ سنة، و قد بطل ذلك و ذهب ما كان لها من الناموس، و هي اليوم عامرة من أجلّ المدارس.

المدرسة الحجازية

هذه المدرسة برحبة باب العيد من القاهرة، بجوار قصر الحجازية، كان موضعها بابا من أبواب القصر يعرف بباب الزمرّذ، أنشأتها الست الجليلة الكبرى خوند تتر الحجازية، ابنة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، زوجة الأمير بكتمر الحجازيّ، و به عرفت.

و جعلت بهذه المدرسة درسا للفقهاء الشافعية، قرّرت فيه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين‏

231

عمر بن رسلان البلقينيّ، و درسا للفقهار المالكية، و جعلت بها منبرا يخطب عليه يوم الجمعة، و رتبت لها إماما راتبا يقيم بالناس الصلوات الخمس، و جعلت بها خزانة كتب، و أنشأت بجوارها قبة من داخلها لتدفن تحتها، و رتبت بشباك هذه القبة عدّة قرّاء يتناوبون قراءة القرآن الكريم ليلا و نهارا، و أنشأت بها منارا عاليا من حجارة ليؤذن عليه، و جعلت بجوار المدرسة مكتبا للسبيل فيه عدّة من أيتام المسلمين، و لهم مؤدّب يعملهم القرآن الكريم، و يجري عليهم في كلّ يوم لكل منهم من الخبز النقيّ خمسة أرغفة، و مبلغ من الفلوس، و يقام لكل منهم بكسوتي الشتاء و الصيف، و جعلت على هذه الجهات عدّة أوقاف جليلة يصرف منها لأرباب الوظائف المعاليم السنية، و كان يفرّق فيهم كل سنة أيام عيد الفطر الكعك و الخشكنانك، و في عيد الأضحى اللحم، و في شهر رمضان يطبخ لهم الطعام، و قد بطل ذلك و لم يبق غير المعلوم في كل شهر، و هي من المدارس الكبسة، و عهدي بها محترمة إلى الغاية يجلس عدّة من الطواشية، و لا يمكنون أحدا من عبور القبة التي فيها قبر خوند الحجازية إلّا القرّاء فقط وقت قراءتهم خاصة. و اتفق مرّة أن شخصا من القرّاء كان في نفسه شي‏ء من أحد رفقائه، فأتى إلى كبير الطواشية بهذه القبة و قال له: أن فلانا دخل اليوم إلى القبة و هو بغير سراويل، فغضب الطواشي من هذا القول و عدّ ذلك ذنبا عظيما و فعلا محذورا، و طلب ذلك المقرئ و أمر به فضرب بين يديه و صار يقول له: تدخل على خوند بغير سراويل، و همّ بإخراجه من وظيفة القراءة لو لا ما حصل من شفاعة الناس فيه، و كان لا يلي نظر هذه المدرسة إلّا الأمراء الأكابر، ثم صار يليها الخدّام و غيرهم، و كان إنشاؤها في سنة احدى و ستين و سبعمائة، و لما ولي الأمير جمال الدين يوسف البحاسيّ وظيفة أستادارية السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق، و عمر بجانب هذه المدرسة البحاسيّ وظيفة أستادارية السلطان الملك الناصر فرج بن برقوقو، و عمر بجانب هذه المدرسة داره، ثم مدرسته، صار يحبس في المدرسة الحجازية من يصادره أو يعاقبه حتى امتلأت بالمسجونين و الأعوان المرسمين عليهم، فزالت تلك الأبهة و ذهب ذلك الناموس، و اقتدى بجمال الدين من سكن بعده من الأستادارية في داره، و جعلوا هذه المرسة سجنا، و مع ذلك فهي من أبهج مدارس القاهرة إلى الآن.

المدرسة الطيبرسية

هذه المدرسة بجوار الجامع الأزهر من القاهرة، و هي غريبة مما يلي الجهة البحرية، أنشأها الأمير علاء الدين طيبرس الخازنداريّ نقيب الجيوش، و جعلها مسجدا للّه تعالى زيادة في الجامع الأزهر، و قرّر بها درسا للفقهاء الشافعية، و أنشأ بجوارها ميضأة و حوض ماء سبيل ترده الدواب، و تأنق في رخامها و تذهيب سقوفها حتى جاءت في أبدع زي و أحسن قالب و أبهج ترتيب، لما فيها من إتقان العمل و جودة الصناعة بحيث أنه لم يقدر أحد على محاكاة ما فيها من صناعة الرخام، فان جميعه أشكال المحاريب، و بلغت النفقة عليها جملة كثيرة، و انتهت عمارتها في سنة تسع و سبعمائة، و لها بسط تفرش في يوم الجمعة كلها

232

منقوشة بأشكال المحاريب أيضا، و فيها خزانة كتب و لها إمام راتب.

طيبرس: بن عبد اللّه الوزيريّ، كان في ملك الأمير بدر الدين بيلبك مملوك الخارندار الظاهريّ نائب السلطنة، ثم انتقل إلى الأمير بدر الدين بيدرا، و تنقل في خدمته حتى صار نائب الصبيبة، و رأى مناما للمنصور لاجين يدل على أنه يصير سلطان مصر، و ذلك قبل أن يتقلد السلطنة و هو نائب الشام، فوعده إن صارت إليه السلطنة أن يقدّمه و ينوّه به، فلما تملك لاجين استدعاه و ولاه نقابة الجيش بديار مصر عوضا عن بلبان الفاخريّ، في سنة سبع و تسعين و ستمائة، فباشر النقابة مباشرة مشكورة إلى الغاية، من إقامة الحرمة و أداء الأمانة و العفة المفرطة، بحيث أنه ما عرف عنه أنه قبل من أحد هدية البتة مع التزام الديانة و المواظبة على فعل الخير و الغنى الواسع، و له من الآثار الجميلة الجامع و الخانقاه بأراضي بستان الخشاب المطلة على النيل خارج القاهرة، فيما بينها و بين مصر بجوار المنشأة، و هو أوّل من عمر في أراضي بستان الخشاب، و قد تقدّم ذكر ذلك، و من آثاره أيضا هذه المدرسة البديعة الزي، و له على كل من هذه الأماكن أوقاف جليلة، و لم يزل في نقابة الجيش إلى أن مات في العشرين من شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة و سبعمائة، و دفن في مكان بمدرسته هذه، و قبره بها إلى وقتنا هذا، و وجد له من بعده مال كثير جدّا، و أوصى إلى الأمير علاء الدين عليّ الكوارنيّ، و جعل الناظر على وصيته الأمير أرغون نائب السلطنة، و اتفق انه لما فرغ من بناء هذه المدرسة أحضر إليه مباشروه حساب مصروفها، فلما قدّم إليه استدعى بطشت فيه ماء و غسل أوراق الحساب بأسرها من غير أن يقف على شي‏ء منها و قال: شي‏ء خرجنا عنه للّه تعالى لا نحاسب عليه، و لهذه المدرسة شبابيك في جدار الجامع تشرف عليه، و يتوصل من بعضها إليه، و ما عمل ذلك حتى استفتى الفقهاء فيه فأفتوه بجواز فعله، و قد تداولت أيدي نظار السوء على أوقاف طيبرس هذا فخرب أكثرها و خرب الجامع و الخانقاه، و بقيت هذه المدرسة عمرها اللّه بذكره.

المدرسة الأقبغاوية

هذه المدرسة بجوار الجامع الأزهر على يسرة من يدخل إليه من بابه الكبير البحريّ، و هي تشرف بشبابيك على الجامع مركبة في جداره، فصارت تجاة المدرسة الطيبرسية. كان موضعها دار الأمير الكبير عز الدين أيدمر الحليّ نائب السلطنة في أيام الملك الظاهر بيبرس، و ميضأة للجامع، فأنشأها الأمير علاء الدين أقبغا عبد الواحد أستادار الملك الناصر محمد بن قلاون، و جعل بجوارها قبة و منارة من حجارة منحوتة، و هي أوّل مئذنة عملت بديار مصر من الحجر بعد المنصورية، و إنما كانت قبل ذلك تبنى بالآجر، بناها هي و المدرسة المعلم ابن السيوفيّ رئيس المهندسين في الأيام الناصرية، و هو الذي تولى بناء جامع الماردينيّ خارج باب زويلة، و بنى مئذنته أيضا. و هي مدرسة مظلمة ليس عليها من‏

233

بهجة المساجد و لا أنس بيوت العبادات شي‏ء البتة، و ذلك أن أقبغا عبد الواحد اغتصب أرض هذه المدرسة بأن أقرض ورثة أيدمر الحليّ مالا، و أمهل حتى تصرّفوا فيه ثم أعسفهم في الطلب و ألجأهم إلى أن أعطوه دارهم، فهدمها و بنى موضعها هذه المدرسة، و أضاف إلى اغتصاب البقعة أمثال ذلك من الظلم، فبناها بأنواع من الغصب و العسف، و أخذ قطعة من سور الجامع حتى ساوى بها المدرسة الطيبرسية، و حشر لعملها الصناع من البنائين و النجارين و الحجارين و المرخمين و الفعلة، و قرّر مع الجميع أن يعمل كل منهم فيها يوما في كلّ أسبوع بغير أجرة، فكان يجتمع فيها في كل أسبوع سائر الصناع الموجودين بالقاهرة و مصر، فيجدّون في العمل نهارهم كله بغير أجرة، و عليهم مملوك من مماليكه ولّاه شدّ العمارة، لم ير الناس أظلم منه و لا أعتى و لا أشدّ بأسا و لا أقسى قلبا و لا أكثر عنتا، فلقي العمال منه مشقات لا توصف، و جاء مناسبا مولاه. و حمل مع هذا إلى هذه العمارة سائر ما يحتاج إليه من الأمتعة و أصناف الآلات و أنواع الاحتياجات من الحجر و الخشب و الرخام و الدهان و غيره من غير أن يدفع في شي‏ء منه ثمنا البتة، و إنما كان يأخذ ذلك إما بطريق الغصب من الناس، أو على سبيل الخيانة من عمائر السلطان. فإنه كان من جملة ما بيده شدّ العمائر السلطانية، و ناسب هذه الأفعال أنه ما عرف عنه قط أنه نزل إلى هذه العمارة إلّا و ضرب فيها من الصناع عدّة ضربا مؤلما، فيصير ذلك الضرب زيادة على عمله بغير أجرة، فيقال فيه: كملت خصالك هذه بعماري.

فلما فرغ من بنائها جمع فيها سائر الفقهاء و جميع القضاة، و كان الشريف شرف الدين عليّ بن شهاب الدين الحسين بن محمد بن الحسين نقيب الأشراف و محتسب القاهرة حينئذ، يؤمّل أن يكون مدرّسها، و سعى عنده في ذلك فعمل بسطا على قياسها بلغ ثمنها ستة آلاف درهم فضة، و رشاه بها ففرشت هناك، و لما تكامل حضور الناس بالمدرسة و في الذهن أنّ الشريف يلي التدريس، و عرف أنه هو الذي أحضر البسط التي قد فرشت، قال الأمير أقبغا لمن حضر: لا أولي في هذه الأيام أحدا، و قام فتفرّق الناس، و قرّر فيها درسا للشافعية ولي تدريسه ... (1) و درسا للحنفية ولي تدريسه ... (2) و جعل فيها عدّة من الصوفية و لهم شيخ، و قرّر بها طائفة من القرّاء يقرءون القرآن بشباكها، و جعل فيها عدّة من الصوفية و لهم و فرّاشين و قومة و مباشرين، و جعل النظر للقاضي الشافعيّ بديار مصر، و شرط في كتاب وقفه أن لا يلي النظر أحد من ذريته، و وقف على هذه الجهات حوانيت خارج باب زويلة بخط تحت الربع، و قرية بالوجه القبلي. و هذه المدرسة عامرة إلى يومنا هذا، إلّا أنه تعطل منها الميضأة و أضيفت إلى ميضأة الجامع لتغلّب بعض الأمراء بمواطأة بعض النظار على بئر الساقية التي كانت برسمها.

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) بياض في الأصل.

234

اقبغا عبد الواحد: الأمير علاء الدين، أحضره إلى القاهرة التاجر عبد الواحد بن بدال، فاشتراه منه الملك الناصر محمد بن قلاون و لقبه باسم تاجره الذي أحضره، فحظي عنده و عمله شادّ العمائر، فنهض فيها نهضة أعجب منه السلطان و عظمه حتى عمله أستادار السلطان بعد الأمير مغلطاي الجماليّ، في المحرّم سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة، و ولاه مقدّم المماليك، فقويت حرمته و عظمت مهابته حتى صار سائر من في بيت السلطان يخافه و يخشاه، و ما برح على ذلك إلى أن مات الملك الناصر و قام من بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر، فقبض عليه في يوم الاثنين سلخ المحرّم سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة، و أمسك أيضا ولديه و أحيط بماله و سائر أملاكه، و رسم عليه الأمير طيبغا المجديّ و بيع موجوده من الخيل و الجمال و الجواري و القماش و الأسلحة و الأواني، فظهر له شي‏ء عظيم إلى الغاية، من ذلك أنه بيع بقلعة الجبل، و بها كانت تعمل حلقات مبيعة سراويل امرأته بمبلغ مائتي ألف درهم فضة، عنها نحو عشرة آلاف دينار ذهب، و بيع له أيضا قبقاب و شرموزة و خف نسائيّ بمبلغ خمسة و سبعين ألف درهم فضة، عنها زيادة على ثلاثة آلاف دينار، و بيعت بدلة مقانع بمائة ألف درهم، و كثرت المرافعات عليه من التجار و غيرهم، فبعث السلطان إليه شادّ الدواوين يعرّفه أنه أقسم بتربة الشهيد، يعني أباه، أنه متى لم يعط هؤلاء حقهم و إلّا سمّرتك على جمل و طفت بك المدينة، فشرع أقبغا في استرضائهم و أعطاهم نحو المائتي ألف درهم فضة، ثم نزل إليه الوزير نجم الدين محمود بن سرور المعروف بوزير بغداد و معه الحاج إبراهيم بن صابر مقدّم الدولة، لمطالبته بالمال، فأخذا منه لؤلؤا و جواهر نفيسة و صعدا بها إلى السلطان، و كان سبب هذه النكبة أنه كان قد تحكم في أمور الدولة السلطانية و أرباب الأشغال أعلاهم و أدناهم بما اجتمع له من الوظائف، و كان عنده فرّاش غضب عليه و أوجعه ضربا، فانصرف من عنده و خدم في دار الأمير أبي بكر ولد السلطان، فبعث أقبغا يستدعي بالفرّاش إليه، فمنعه منه أبو بكر و أرسل إليه مع أحد مماليكه يقول له:

إني أريد أن تهبني هذا الغلام و لا تشوّش عليه، فلما بلّغه المملوك الرسالة اشتدّ حنقه و سبه سبا فاحشا و قال له: قل لأستاذك يسيّر الفرّاش و هو جيد له. و كان قبل ذلك اتفق أن الأمير أبا بكر خرج من خدمة السلطان إلى بيته، فإذا الأمير أقبغا قد بطح مملوكا و ضربه، فوقف أبو بكر بنفسه و سأل أقبغا في العفو عن المملوك و شفع فيه، فلم يلتفت أقبغا إليه و لا نظر إلى وجهه، فخجل أبو بكر من الناس لكونه وقف قائما بين يدي أقبغا و شفع عنده فلم يقم من مجلسه لوقوفه، بل استمرّ قاعدا و أبو بكر واقف على رجليه، و لا قبل مع ذلك شفاعته، و مضى و في نفسه منه حنق كبير. فلما عاد إليه مملوكه و بلّغه كلام أقبغا بسبب هذا الفرّاش، أكد ذلك عنده ما كان من الأحنة، و أخذ في نفسه إلى أن مات أبوه الملك الناصر و عهد إليه من بعده، و كان قد التزم أنه إن ملّكه اللّه، ليصادرنّ أقبغا و ليضربنّه بالمقارع.

و قال للفراش: اقعد في بيتي، و إذا حضر أحد لأخذك عرفت ما أعمل معه. و أخذ أقبغا

235

يترقب الفرّاش، و أقام أناسا للقبض عليه فلم يتهيأ له مسكه.

فلما أفضى الأمر إلى أبي بكر، استدعى الأمير قوصون و كان هو القائم حينئذ بتدبير أمور الدولة، و عرّفه ما التزمه من القبض على أقبغا و أخذ ماله و ضربه بالمقارع، و ذكر له و لعدّة من الأمراء ما جرى له منه، و كان لقوصون بأقبغا عناية، فقال للسلطان: السمع و الطاعة، يرسم السلطان بالقبض عليه و مطالبته بالمال، فإذا فرغ ماله يفعل السلطان ما يختاره. و أراد بذلك تطاول المدّة في أمر أقبغا، فقبض عليه و وكل به رسل ابن صابر، حتى أنه بات ليلة قبض عليه من غير أن يأكل شيئا، و في صبيحة تلك الليلة تحدّث الأمراء مع السلطان في نزوله إلى داره محتفظا به حتى يتصرّف في ماله و يحمله شيئا بعد شي‏ء، فنزل مع المجدي و باع ما يملكه و أورد المال. فلما قبض على الحاج إبراهيم بن صار و أقيم ابن شمس موضعه، أرسله السلطان إلى بيت أقبغا ليعصره و يضربه بالمقارع و يعذبه، فبلغ ذلك الأمير قوصون، فمنع منه و شنّع على السلطان كونه أمر بضربه بالمقارع، و أمر بمراجعته، فحنق من ذلك و أطلق لسانه على الأمير قوصون، فلم يزل به من حضره من الأمراء حتى سكت على مضض.

و كان قوصون يدبر في انتقاض دولة أبي بكر إلى أن خلعه و أقام بعده أخاه الملك الأشرف كجك بن محمد بن قلاون، و عمره نحو السبع سنين، و تحكم في الدولة. فأخرج أقبغا هو و ولده من القاهرة و جعله من جملة أمراء الدولة بالشام، فسار من القاهرة في تاسع ربيع الأوّل سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة على حيز الأمير مسعود بن خطير بدمشق و معه عياله، فأقام بها إلى أن كانت فتنة الملك الناصر أحمد بن محمد بن قلاون و عصيانه بالكرك على أخيه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن محمد بن قلاون، فاتهم أقبغا بأنه بعث مملوكا من مماليكه إلى الكرك، و أن الناصر أحمد خلع عليه، و ضربت البشائر بقلعة الكرك و أشاع أن أمراء الشام قد دخلوا في طاعته و حلفوا له، و أن أقبغا قد بعث إليه مع مملوكه يبشره بذلك، فلما وصل إلى الملك الصالح كتاب عساف أخى شطي بذلك، وصل في وقت وروده كتاب نائب الشام الأمير طقزدمر يخبر فيه بأن جماعة من أمراء الشام قد كاتبوا أحمد بالكرك و كاتبهم، و قد قبض عليهم و من جملتهم أقبغا عبد الواحد، فرسم بحمله مقيدا، فحمل من دمشق إلى الإسكندرية و قتل بها في آخر سنة أربع و أربعين و سبعمائة.

و كان من الظلم و الطمع و التعاظم على جانب كبير، و جمع من الأموال شيئا كثيرا، و أقام جماعة من أهل الشرّ لتتبع أولاد الأمراء و تعرّف أحوال من افتقر منهم أو احتاج إلى شي‏ء، فلا يزالون به حتى يعطوه مالا على سبيل القرض بفائدة جزيلة إلى أجل، فإذا استحق المال أعسفه في الطلب و ألجأه إلى بيع ماله من الأملاك، و حلها إن كانت وقفا بعنايته به، و عين لعمل هذه الحيل شخصا يعرف بابن القاهريّ، و كان إذا دخل لأحد من القضاة في‏

236

شراء ملك أو حل وقف لا يقدر على مخالفته و لا يجد بدّا من موافقته. و من غريب ما يحكى عن طمع أقبغا، أن مشدّ الحاشية دخل عليه و في إصبعه خاتم بفص أحمر من زجاج له بريق، فقال له أقبغا: إيش هو هذا الخاتم، فأخذ يعظمه و ذكر أنه من تركة أبيه. فقال:

بكم حسبوه عليك؟ فقال: بأربعمائة درهم. فقال: أرنيه. فناوله إياه فأخذه و تشاغل عنه ساعة ثم قال له: و اللّه فضيحة أن نأخذ خاتمك، و لكن خذه أنت و هات ثمنه، و دفعه إليه و ألزمه بإحضار الأربعمائة درهم، فما وسعه إلّا أن أحضرها إليه، فعاقبه اللّه بذهاب ماله و غيره، و موته غريبا.

المدرسة الحسامية

هذه المدرسة بخط المسطاح من القاهرة قريبا من حارة الوزيرية، بناها الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوريّ نائب السلطنة بديار مصر، إلى جانب داره، و جعلها برسم الفقهاء الشافعية، و هي في وقتنا هذا تجاه سوق الرقيق، و يسلك منها إلى درب العدّاس و إلى حارة الوزيرية و إلى سويقة الصاحب و باب الخوخة و غير ذلك، و كان بجانبها طبقة لخياط فطلبت منه بثلاثة أمثال ثمنها فلم يبعها، و قيل لطرنطاي لو طلبته لاستحيى منك، فلم يطلبه و تركه و طبقته و قال: لا أشوّش عليه.

طرنطاي: بن عبد اللّه الأمير حسام الدين المنصوريّ، رباه الملك المنصور قلاون صغيرا و رقاه في خدمه إلى أن تقلد سلطنة مصر، فجعله نائب السلطنة بديار مصر عوضا عن الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحيّ، و خلع عليه في يوم الخميس رابع عشر رمضان سنة ثمان و سبعين و ستمائة، فباشر ذلك مباشرة حسنة إلى أن كانت سنة خمس و ثمانين، فخرج من القاهرة بالعساكر إلى الكرك و فيها الملك المسعود نجم الدين خضر و أخوه بدر الدين سلامش، ابنا الملك الظاهر بيبرس، في رابع المحرّم، و سار إليها فوافاه الأمير بدر الدين الصوّانيّ بعساكر دمشق في ألفي فارس، و نازلا الكرك و قطعا الميرة عنها و استفسدا رجال الكرك حتى أخذا خضرا و سلامش بالأمان في خامس صفر، و تسلم الأمير عز الدين طرنطاي الموصليّ نائب الشوبك مدينة الكرك و استقرّ في نيابة السلطنة بها، و بعث الأمير طرنطاي بالبشارة إلى قلعة الجبل، فوصل البريد بذلك في ثامن صفر، ثم قدم بابني الظاهر، فخرج السلطان إلى لقائه في ثاني عشر ربيع الأوّل و أكرم الأمير طرنطاي و رفع قدره ثم بعثه إلى أخذ صهيون و بها سنقر الأشقر، فسار بالعساكر من القاهرة في سنة ست و ثمانين، و نازلها و حصرها حتى نزل إليه سنقر بالأمان و سلّم إليه قلعة صهيون، و سار به إلى القاهرة، فخرج السلطان إلى لقائه و أكرمه.

و لم يزل على مكانته إلى أن مات الملك المنصور و قام في السلطنة بعده ابنه الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاون، فقبض عليه في يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة سنة تسع‏

237

و ثمانين، و عوقب حتى مات يوم الاثنين خامس عشرة بقلعة الجبل، و بقي ثمانية أيام بعد قتله مطروحا بحبس القلعة، ثم أخرج في ليلة الجمعة سادس عشري ذي القعدة و قد لف في حصير و حمل على جنوية إلى زاوية الشيخ أبي السعود بالقرافة، فغسله الشيخ عمر السعوديّ شيخ الزواية و كفنه من ماله و دفنه خارج الزاوية ليلا، و بقي هناك إلى سلطنة العادل كتبغا، فأمر بنقل جثته إلى تربته التي أنشأها بمدرسته هذه.

و كان سبب القبض عليه و قتله، أن الملك الأشرف كان يكرهه كراهة شديدة، فإنه كان يطرح جانبه في أيام أبيه، و يغض منه و يهين نوّابه و يؤذي من يخدمه، لأنه كان يميل إلى أخيه الملك الصالح علاء الدين عليّ بن قلاون، فلما مات الصالح عليّ و انتقلت ولاية العهد إلى الأشرف خليل بن قلاون، مال إليه من كان ينحرف عنه في حياة أخيه إلّا طرنطاي، فإنه ازداد تماديا في الإعراض عنه و جرى على عادته في أذى من ينسب إليه، و أغرى الملك المنصور بشمس الدين محمد بن السلعوس ناظر ديوان الأشرف حتى ضربه و صرفه عن مباشرة ديوانه، و الأشرف مع ذلك يتأكد حنقه عليه و لا يجد بدّا من الصبر إلى أن صار له الأمر بعد أبيه، و وقف الأمير طرنطاي بين يديه في نيابة السلطنة على عادته و هو منحرف عنه لما أسلفه من الإساءة عليه، و أخذ الأشرف في التدبير عليه إلى أن نقل له عنه أنه يتحدّث سرّا في إفساد نظام المملكة و إخراج الملك عنه، و أنه قصد أن يقتل السلطان و هو راكب في الميدان الأسود الذي تحت قلعة الجبل عند ما يقرب من باب الإصطبل، فلم يحتمل ذلك.

و عندها سير أربعة ميادين و الأمير طرنطاي و من وافقه عند باب سارية حتى انتهى إلى رأس الميدان و قرب من باب الإصطبل، و في الظنّ أنه يعطف إلى باب سارية ليكمل التسيير على العادة، فعطف إلى جهة القلعة و أسرع و دخل من باب الإصطبل، فبادر الأمير طرنطاي عندما عطف السلطان و ساق فيمن معه ليدركوه، ففاتهم و صار بالإصطبل فيمن خف معه من خواصه، و ما هو إلّا أن نزل الأشرف من الركوب فاستدعى بالأمير طرنطاي، فمنعه الأمير زين الدين كتبغا المنصوريّ عن الدخول إليه و حذره منه و قال له: و اللّه إني أخاف عليك منه فلا تدخل عليه إلا في عصبة تعلم أنهم يمنعونك منه إن وقع أمر تكرهه، فلم يرجع إليه و غرّه أن أحدا لا يجسر عليه لمهابته في القلوب و مكانته من الدولة، و أن الأشرف لا يبادره بالقبض عليه و قال لكتبغا: و اللّه لو كنت نائما ما جسر خليل ينبهني. و قام و مشى إلى السلطان و دخل و معه كتبغا، فلما وقف على عادته بادر إليه جماعة قد أعدّهم السلطان و قبضوا عليه، فأخذه اللكم من كلّ جانب و السلطان يعدّد ذنوبه و يذكر له إساءته و يسبه.

فقال له يا خوند: هذا جميعه قد عملته معك، و قدّمت الموت بين يديّ، و لكن و اللّه لتندمنّ من بعدي. هذا و الأيدي تتناوب عليه حتى أنّ بعض الخاصكية قلع عينه و سحب إلى السجن، فخرج كتبغا و هو يقول: إيش أعمل و يكرّرها، فأدركه الطلب و قبض عليه أيضا، ثم آل آمر كتبغا بعد ذلك إلى أن ولي سلطنة مصر، و أوقع الأشرف الحوطة على أموال طرنطاي‏

238

و بعث إلى داره الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ، فوجد له من العين ستمائة ألف دينار، و من الفضة سبعة عشر ألف رطل و مائة رطل مصري، عنها زيادة على مائة و سبعين قنطارا فضة سوى الأواني، و من العدد و الأسلحة و الأقمشة و الآلات و الخيول و المماليك ما يتعذر إحصاء قيمته، و من الغلات و الأملاك شي‏ء كثير جدّا، و وجد له من البضائع و الأموال المسفرة على اسمه و الودائع و المقارضات و القنود و الأعسال و الأبقار و الأغنام و الرقيق و غير ذلك شي‏ء يجل وصفه، هذا سوى ما أخفاه مباشروه بمصر و الشام، فلما حملت أمواله إلى الأشرف جعل يقلبها و يقول:

من عاش بعد عدوّه‏* * * يوما فقد بلغ المنى‏

و اتفق بعد موت طرنطاي أن ابنه سأل الدخول على السلطان الأشرف فأذن له، فلما وقف بين يديه جعل المنديل على وجهه و كان أعمى، ثم مدّ يده و بكى و قال: شي‏ء للّه، و ذكر أنّ لأهله أياما ما عندهم ما يأكلونه، فرق له و أفرج عن أملاك طرنطاي و قال: تبلغوا بريعها، فسبحان من بيده القبض و البسط.

المدرسة المنكوتمرية

هذه المدرسة بحارة بهاء الدين من القاهرة، بناها بجوار داره الأمير سيف الدين منكوتمر الحساميّ نائب السلطنة بديار مصر، فكملت في صفر سنة ثمان و تسعين و ستمائة، و عمل بها درسا للمالكية قرّر فيه الشيخ شمس الدين محمد بن أبي القاسم بن عبد السلام بن جميل التونسيّ المالكيّ، و درسا للحنفية درّس فيه ... (1) و جعل فيها خزانة كتب و جعل عليها وقفا ببلاد الشام، و هي اليوم بيد قضاة الحنفية يتولون نظرها، و أمرها متلاش و هي من المدارس الحسنة.

منكوتمر: هو أحد مماليك الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوريّ، ترقى في خدمته و اختص به اختصاصا زائدا إلى أن ولي مملكة مصر بعد كتبغا، في سنة ست و تسعين و ستمائة، فجعله أحد الأمراء بديار مصر، ثم خلع عليه خلع نيابة السلطنة عوضا عن الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوريّ، يوم الأربعاء النصف من ذي القعدة، فخرج سائر الأمراء في خدمته إلى دار النيابة و باشر النيابة بتعاظم كثير، و أعطى المنصب حقه من الحرمة الوافرة و المهابة التي تخرج عن الحدّ، و تصرّف في سائر أمور الدولة من غير أن يعارضه السلطان في شي‏ء البتة، و بلغت عبرة إقطاعه في السنة زيادة على مائة ألف دينار.

و لما عمل الملك المنصور الروك المعروف بالروك الحساميّ، فوّض تفرقة منالات‏

____________

(1) بياض في الأصل.

239

إقطاعات الأجناد له، فجلس في شباك دار النيابة بقلعة الجبل، و وقف الحجاب بين يديه، و أعطى لكل تقدمة منالات، فلم يجسر أحد أن يتحدّث في زيادة و لا نقصان خوفا من سوء خلقه و شدّة حمقه، و بقي أياما في تفرقة المنالات و الناس على خوف شديد. فإنّ أقلّ الإقطاعات كان في أيام الملك المنصور قلاون عشرة آلاف درهم في السنة، و أكثره ثلاثين ألف درهم. فرجع في الروك الحساميّ أكثر إقطاعات الحلقة إلى مبلغ عشرين ألف درهم و ما دونها، فشق ذلك على الأجناد، و تقدّم طائفة منهم و رموا منالاتهم التي فرّقت عليهم، لأن الواحد منهم وجد مناله بحق النصف مما كان له قبل الروك، و قالوا لمنكوتمر: إما أن تعطونا ما يقوم بكلفنا و إلّا فخذوا أخبازكم و نحن نخدم الأمراء أو نصير بطالين. فغضب منكوتمر و أخرق بهم و تقدّم إلى الحجاب فضربوهم، و أخذوا سيوفهم و أودعوهم السجون، و أخذ يخاطب الأمراء بفحش و يقول: أيما قوّاد شكا من خبزه؟ و يقول نقول للسلطان فعلت به، و فعلت إيش يقول للسلطان، إن رضي يخدم و إلّا إلى لعنة اللّه، فشق ذلك على الأمراء و أسرّوا له الشرّ، ثم إنه لم يزل بالسلطان حتى قبض على الأمير بدر الدين بيسرى، و حسن له إخراج أكابر الأمراء من مصر، فجرّدهم إلى سيس، و أصبح و قد خلا له الجوّ، فلم يرض بذلك حتى تحدّث مع خوشداشيته بأنه لا بدّ أن ينشئ له دولة جديدة و يخرج طفجي و كرجي من مصر، ثم إنه جهز حمدان بن صلغاي إلى حلب في صورة أنه يستعجل العساكر من سيس، و قرّر معه القبض على عدّة من الأمراء، و أمّر عدّة أمراء جعلهم له عدّة و ذخرا، و تقدّم إلى الصاحب فخر الدين الخليليّ بأن يعمل أوراقا تتضمن أسماء أرباب الرواتب ليقطع أكثرها، فلم تدخل سنة ثمان و تسعين حتى استوحشت خواطر الناس بمصر و الشام من منكوتمر، وزاد حتى أراد السلطان أن يبعث بالأمير طغا إلى نيابة طرابلس، فتنصل طغا من ذلك، فلم يعفه السلطان منه، و ألح منكوتمر في إخراجه و أغلظ للأمير كرجي في القول، و حط على سلار و بيبرس الجاشنكير و أنظارهم، و غض منهم، و كان كرجي شرس الأخلاق ضيق العطن سريع الغضب، فهمّ غير مرّة بالفتك بمنكوتمر، و طفجي يسكن غضبه، فبلغ السلطان فساد قلوب الأمراء و العسكر، فبعث قاضي القضاة حسام الدين الحسن بن أحمد بن الحسن الروميّ الحنفيّ إلى منكوتمر يحدّثه في ذلك و يرجعه عما هو فيه، فلم يلتفت إلى قوله و قال: أنا مالي حاجة بالنيابة، أريد أخرج مع الفقراء فلما بلغ السلطان عنه ذلك استدعاه و طيب خاطره و وعده بسفر طفجي بعد أيام، ثم القبض على كرجي بعده، فنقل هذا للأمراء، فتحالفوا و قتلوا السلطان كما قد ذكر في خبره، و أوّل من بلغه خبر مقتل السلطان الأمير منكوتمر، فقام إلى شباك النيابة بالقلعة فرأى باب القلة و قد انفتح و خرج الأمراء و الشموع تقد و الضجة قد ارتفعت فقال: و اللّه قد فعلوها، و أمر فغلقت أبواب دار النيابة، و ألبس مماليكه آلة الحرب، فبعث الأمراء إليه بالأمير الحسام أستادار، فعرّفه بمقتل السلطان و تلطف به حتى نزل و هو مشدود الوسط بمنديل، و سار به إلى باب القلة و الأمير طفجي قد

240

جلس في مرتبة النيابة، فتقدّم إلى طفجي و قبل يده، فقام إليه و أجلسه بجانبه، و قام الأمراء في أمر منكوتمر يشفعون فيه، فأمر به إلى الجب و أنزلوه فيه، و عندما استقرّ به أدليت له القفة التي نزل فيها، و تصايحوا عليه بالصعود فطلع عليهم، و إذا كرجي قد وقف على رأس الجبّ في عدّة من المماليك السلطانية، فأخذ يسب منكوتمر و يهينه و ضربه بلت ألقاه، و ذبحه بيده على الجبّ و تركه و انصرف، فكان بين قتل أستاذه و قتله ساعة من الليل، و ذلك في ليلة الجمعة عاشر ربيع الأوّل سنة ثمان و تسعين.

المدرسة القراسنقرية

هذه المدرسة تجاه خانقاه الصلاح سعيد السعداء، فيما بين رحبة باب العيد و باب النصر، كان موضعها و موضع الربع الذي بجانبها الغربيّ مع خانقاه بيبرس، و ما في صفها إلى حمام الأعسر و باب الجوّانية، كلّ ذلك من دار الوزارة الكبرى التي تقدّم ذكرها، أنشأها الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوريّ نائب السلطنة، سنة سبعمائة. و بنى بجوار بابها مسجدا معلقا و مكتبا لإقراء أيتام المسلمين كتاب اللّه العزيز، و جعل بهذه المدرسة درسا للفقهاء، و وقف على ذلك داره التي بحارة بهاء الدين و غيرها، و لم يزل نظر هذه المدرسة بيد ذرّية الواقف إلى سنة خمس عشرة و ثمانمائة، ثم انقرضوا. و هي من المدارس المليحة، و كنا نعهد البريدية إذا قدموا من الشام و غيرها لا ينزلون إلّا في هذه المدرسة حتى يتهيأ سفرهم، و قد بطل ذلك من سنة تسعين و سبعمائة.

قراسنقر بن عبد اللّه: الأمير شمس الدين الجوكندار المنصوريّ، صار إلى الملك المنصور قلاون و ترقى في خدمته إلى أن ولاه نيابة السلطنة بحلب في شعبان سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة، عوضا عن الأمير علم الدين سنجر الباشقرديّ، فلم يزل فيها إلى أن مات الملك المنصور و قام من بعده ابنه الملك الأشرف خليل بن قلاون، فلما توجه الأشرف إلى فتح قلعة الروم عاد بعد فتحها إلى حلب و عزل قراسنقر عن نيابتها، و ولى عوضه الأمير سيف الدين بلبان الطناحيّ، و ذلك في أوائل شعبان سنة إحدى و تسعين، و كانت ولايته على حلب تسع سنين. فلما خرج السلطان من مدينة حلب خرج في خدمته و توجه مع الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة بديار مصر في عدّة من الأمراء لقتال أهل جبال كسروان، فلما عاد سار مع السلطان من دمشق إلى القاهرة و لم يزل بها إلى أن ثار الأمير بيدرا على الأشرف، فتوجه معه و أعان على قتله، فلما قتل بيدرا فرّ قراسنقر و لاجين في نصف المحرّم سنة ثلاث و تسعين و ستمائة. و اختفيا بالقاهرة إلى أن استقرّ الأمر للملك الناصر محمد بن قلاون، و قام في نيابة السلطنة و تدبير الدولة الأمير زين الدين كتبغا، فظهرا في يوم عيد الفطر و كانا عند فرارهما يوم قتل بيدرا أطلعا الأمير بيحاص الزينيّ مملوك الأمير كتبغا نائب السلطنة على حالهما، فأعلم استاذه بأمرهما و تلطف به حتى تحدّث في شأنهما مع السلطان، فعفا عنهما،

241

ثم تحدّث مع الأمير بكتاش الفخريّ إلى أن ضمن له التحدّث مع الأمراء، و سعى في الصلح بينهما و بين الأمراء و المماليك حتى زالت الوحشة، و ظهرا من بيت الأمير كتبغا، فأحضرهما بين يدي السلطان و قبلا الأرض و أفيضت عليهما التشاريف و جعلهما أمراء على عادتهما، و نزلا إلى دورهما فحمل إليهما الأمراء ما جرت العادة به من التقادم، فلم يزل قراسنقر على إمرته إلى أن خلع الملك الناصر محمد بن قلاون من السلطنة و قام من بعده الملك العادل زين الدين كتبغا، فاستمرّ على حاله إلى أن ثار الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بديار مصر على الملك العادل كتبغا بمنزلة العوجاء من طريق دمشق، فركب معه قراسنقر و غيره من الأمراء إلى أن فرّ كتبغا، و استمرّ الأمر لحسام الدين لاجين و تلقب بالملك المنصور، فلما استقرّ بقلعة الجبل خلع على الأمير قراسنقر و جعله نائب السلطنة بديار مصر في صفر سنة ست و تسعين و ستمائة، فباشر النيابة إلى يوم الثلاثاء للنصف من ذي القعدة، فقبض عليه و أحيط بموجوده و حواصله و نوّابه و دواوينه بديار مصر و الشام، و ضيق عليه و استقرّ في نيابة السلطنة بعده الأمير منكوتمر، و عدّ السلطان من أسباب القبض عليه إسرافه في الطمع و كثرة الحمايات و تحصيل الأموال على سائر الوجوه، مع كثرة ما وقع من شكاية الناس من مماليكه و من كاتبه شرف الدين يعقوب، فإنه كان قد تحكم في بيته تحكما زائدا، و عظمت نعمته و كثرت سعادته، و أسرف في اتخاذ المماليك و الخدم، و انهمك في اللعب الكثير، و تعدّى طوره و قراسنقر لا يسمع فيه كلاما، و حدّثه السلطان بسببه و أغلظ في القول و ألزمه بضربه و تأديبه أو إخراجه من عنده، فلم يعبأ بذلك. و ما زال قراسنقر في الاعتقال إلى أن قتل الملك المنصور لاجين و أعيد الملك الناصر محمد بن قلاون إلى السلطنة فأفرج عنه و عن غيره من الأمراء و رسم له بنيابة الصبيبة فخرج إليها ثم نقل منها إلى نيابة حماه بعد موت صاحبها الملك المظفر تقيّ الدين محمود بسفارة الأمير بيبرس الجاشنكير، و الأمير سلار، ثم نقل من نيابة حماه بعد ملاقاة التتر إلى نيابة حلب، و استقرّ عوضه في نيابة حماه الأمير زين الدين كتبغا الذي تولى سلطنة مصر و الشام، و ذلك في سنة تسع و تسعين و ستمائة، و شهد وقعة شقحب مع الملك الناصر محمد بن قلاون، و لم يزل على نيابة حلب إلى أن خلع الملك الناصر و تسلطن الملك المظفر بيبرس الجاشنكير و صاحب الناصر في الكرك، فلما تحرّك لطلب الملك و استدعى نوّاب الممالك، أجابه قراسنقر و أعانه برأيه و تدبيره، ثم حضر إليه و هو بدمشق و قدّم له شيئا كثيرا و سار معه إلى مصر حتى جلس على تخت ملكه بقلعة الجبل، فولاه نيابة دمشق عوضا عن الأمير عز الدين الأفرم في شوّال سنة تسع و سبعمائة، و خرج إليها فسار إلى غزة في عدّة من النوّاب و قبضوا على المظفر بيبرس الجاشنكير و سار به هو و الأمير سيف الدين الحاج بهادر إلى الخطارة، فتلقاهم الأمير استدمر كرجي، فتسلم منهم بيبرس و قيده و أركبه بغلا و أمر قراسنقر و الحاج بهادر بالسير إلى مصر، فشق على قراسنقر تقييد بيبرس، و توهم الشرّ من الناصر، و انزعج لذلك انزعاجا

242

كثيرا و ألقى كلوتته عن رأسه إلى الأرض و قال لفرّاشه: الدنيا فانية، يا ليتنا متنا و لا رأينا هذا اليوم، فترجل من حضر من الأمراء و رفعوا كلوتته و وضعوها على رأسه، و رجع من فوره و معه الحاج بهادر إلى ناحية الشام و قد ندم على تشييع المظفر بيبرس، فجدّ في سيره إلى أن عبر دمشق، و في نفس السلطان منه كونه لم يحضر مع بيبرس، و كان قد أراد القبض عليه، فبعث الأمير نوغاي القبجاقيّ أميرا بالشام ليكون له عينا على الأمير قراسنقر، ففطن قراسنقر لذلك و شرع نوغاي يتحدّث في حق قراسنقر بما لا يليق حتى ثقل عليه مقامه، فقبض عليه بأمر السلطنة و سجن بقلعة دمشق، ثم إن السلطان صرفه عن نيابة دمشق و ولاه نيابة حلب بسؤاله، و ذلك في المحرّم سنة إحدى عشرة و سبعمائة، و كتب السلطان إلى عدّة من الأمراء بالقبض عليه مع الأمير أرغون الدوادار، فلم يتمكن من التحدّث في ذلك لكثرة ما ضبط قراسنقر أموره و لازمه عند قدومه عليه بتقليد نيابة حلب، بحيث لم يتمكن أرغون من الحركة إلى مكان إلّا و قراسنقر معه، فكثر الحديث بدمشق أن أرغون إنما حضر لمسك قراسنقر، حتى بلغ ذلك الأمراء، و سمعه قراسنقر، فاستدعى بالأمراء و حضر الأمير أرغون فقال قراسنقر: بلغني كذا و ها أنا أقول إن كان حضر معك مرسوم بالقبض عليّ فلا حاجة إلى فتنة، أنا طائع السلطان، و هذا سيفي خذه، و مدّ يده و حل سيفه من وسطه. فقال أرغون و قد علم أن هذا الكلام مكيدة و أن قراسنقر لا يمكن من نفسه: إني لم أحضر إلا بتقليد الأمير نيابة حلب بمرسوم السلطان، و سؤال الأمير، و حاشا للّه أن السلطان يذكر في حق الأمير شيئا من هذا. فقال قراسنقر: غدا نركب و نسافر. و انفض المجلس فبعث إلى الأمراء أن لا يركب أحد منهم لوداعه، و لا يخرج من بيته، و فرّق ما عنده من الحوائص و من الدراهم على مماليكه ليتحملوا به على أوساطهم، و أمرهم بالاحتراس، و قدّم غلمانه و حواشيه في الليل و ركب وقت الصباح في طلب عظيم، و كانت عدّة مماليكه ستمائة مملوك قد جعلهم حوله ثلاث حلقات، و أركب أرغون إلى جانبه و سار على غير الجادّة حتى قارب حلب، ثم عبرها في العشرين من المحرّم و أعاد أرغون بعد ما أنعم عليه بألف دينار و خلعة و خيل و تحف، و أقام بمدينة حلب خائفا يترقب، و شرع يعمل الحيلة في الخلاص، و صادق العربان، و اختص بالأمير حسام الدين مهنا أمير العرب و بابنه موسى، و أقدمه إلى حلب و أوقفه على كتب السلطان إليه بالقبض عليه، و أنه لم يفعل ذلك و لم يزل به حتى أفسد ما بينه و بين السلطان، ثم أنه بعث يستأذن السلطان في الحج، فأعجب السلطان ذلك و ظنّ أنه بسفره يتم له التدبير عليه لما كان فيه من الاحتراز الكبير، و أذن له في السفر و بعث إليه بألفي دينار مصرية، فخرج من حلب و معه أربعمائة مملوك معدّة بالفرس و الجنيب و الهجن، و سار حتى قارب الكرك، فبلغه أن السلطان كتب إلى النوّاب و أخرج عسكرا من مصر إليه، فرجع من طريق السماوة إلى حلب و بها الأمير سيف الدين قرطاي نائب الغيبة، فمنعه من العبور إلى المدينة و لم يمكن أحدا من مماليك قراسنقر أن يخرج إليه، و كانت مكاتبة السلطان قد

243

قدمت عليه بذلك، فرحل حينئذ إلى مهنا أمير العرب و استجار به، فأكرمه و بعث إلى السلطان يشفع فيه، فلم يجد السلطان بدّا من قبول شفاعة مهنا، و خيّر قراسنقر فيما يريد، ثم أخرج عسكرا من مصر و الشام لقتال مهنا، و أخذ قراسنقر فبلغه ذلك فاحترس على نفسه و كتب إلى السلطان يسأله في صرخد، و قصد بذلك المطاولة، فأجابه إلى ذلك و مكنه من أخذ حواصله التي بحلب، و أعطى مملوكه ألف دينار، فلما قدم عليه لم يطمئن و عبر إلى بلاد الشرق في سنة اثنتي عشرة و سبعمائة، في عدّة من الأمراء يريد خربندا، فلما وصل إلى الرحبة بعث بابنه فرج و معه شي‏ء من أثقاله و خيوله و أمواله إلى السلطان بمصر، ليعتذر من قصده خربندا، و رحل بمن معه إلى ماردين فتلقاه المغل، و قام له نوّاب خربندا بالإقامات إلى أن قرب الأردوا، فركب خربندا إليه و تلقاه و أكرمه و من معه و أنزلهم منزلا يليق بهم، و أعطى قراسنقر المراغة من عمل أذربيجان، و أعطى الأمير جمال الدين أقوش الأفرم همدان، و ذلك في أوائل سنة اثنتي عشرة و سبعمائة، فلم يزل هناك إلى أن مات خربندا و قام من بعده أبو سعيد بركة بن خربندا، فشق ذلك على السلطان و أعمل الحيلة في قتل قراسنقر و الأفرم و سير إليهما الفداوية، فجرت بينهم خطوب كثيرة، و مات قراسنقر بالإسهال ببلد المراغة في سنة ثمان و عشرين و سبعمائة، يوم السبت سابع عشري شوّال، قبل موت السلطان بيسير، فلما بلغ السلطان موته في حادي عشر ذي القعدة عند ورود الخبر إليه قال:

ما كنت أشتهي يموت إلّا من تحت سيفي، و أكون قد قدرت عليه و بلغت مقصودي منه، و ذلك أنه كان قد جهز إليه عددا كثيرا من الفداوية، قتل منهم بسببه مائة و عشرون فداويا بالسيف، سوى من فقد و لم يوقف له على خير، و كان قراسنقر جسيما جليلا صاحب رأي و تدبير و معرفة، و بشاشة وجه، و سماحة نفس، و كرم زائد، بحيث لا يستكثر على أحد شيئا مع حسن الشاكلة و عظم المهابة و السعادة الطائلة، و بلغت عدّة مماليكه ستمائة مملوك، ما منهم إلا من له نعمة ظاهرة و سعادة وافرة، و له من الآثار بالقاهرة هذه المدرسة و دار جليلة بحارة بهاء الدين فيها كان سكنه.

المدرسة الغزنوية

هذه المدرسة برأس الموضع المعروف بسويقة أمير الجيوش تجاه المدرسة اليازكوجية، بناها الأمير حسام الدين قايماز النجميّ، مملوك نجم الدين أيوب، والد الملوك، و أقام بها الشيخ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن يوسف بن عليّ بن محمد الغزنويّ البغداديّ المقرئ الفقيه الحنفيّ، و درس بها فعرفت به، و كان إماما في الفقه و سمع على الحافظ السلفيّ و غيره، و قرأ بنفسه و سكن مصر آخر عمره، و كان فاضلا حسن الطريقة متدينا، و حدّث بالقاهرة بكتاب الجامع لعبد الرزاق بن همام، فرواه عنه جماعة، و جمع كتابا في الشيب و العمر، و قرأ عليه أبو الحسن السخاويّ، و أبو عمرو بن الحاجب، و مولده ببغداد في ربيع الأوّل سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة، و توفي بالقاهرة يوم الاثنين‏

244

النصف من ربيع الأوّل سنة تسع و تسعين و خمسمائة، و هي من مدارس الحنفية.

المدرسة البوبكرية

هذه المدرسة بجوار درب العباسي قريبا من حارة الوزيرية بالقاهرة، بناها الأمير سيف الدين اسنبغا بن الأمير سيف الدين بكتمر البوبكري الناصريّ، و وقفها على الفقهاء الحنفية، و بنى بجانبها حوض ماء للسبيل و سقاية و مكتبا للأيتام، و ذلك في سنة اثنتين و سبعين و سبعمائة، و بنى قبالتها جامعا، فمات قبل إتمامه و كان يسكن دار بدر الدين الأمير طرنطاي المجاورة للمدرسة الحسامية، تجاه سوق الجواري، فلذلك أنشأ هذه المدرسة بهذا المكان لقربه منه، ثم لما كانت سنة خمس عشرة و ثمانمائة، جدّد بهذه المدرسة منبرا و صار يقام بها الجمعة. اسنبغا بن بكتمر الأمير ... (1).

المدرسة البقرية

هذه المدرسة في الزقاق الذي تجاه باب الجامع الحاكميّ المجاور للمنبر، و يتوصل من هذا الزقاق إلى ناحية العطوف، بناها الرئيس شمس الدين شاكر بن غزيل، تصغير غزال، المعروف بابن البقريّ، أحد مسالمة القبط و ناظر الذخيرة في أيام الملك الناصر الحسن بن محمد بن قلاون، و هو خال الوزير الصاحب سعد الدين نصر اللّه بن البقريّ، و أصله من قرية تعرف بدار البقر، إحدى قرى الغربية، نشأ على دين النصارى، و عرف الحساب و باشر الخراج إلى أن أقدمه الأمير شرف الدين بن الأزكشيّ استادار السلطان و مشير الدولة في أيام الناصر حسن، فاسلم على يديه، و خاطبه بالقاضي شمس الدين، و خلع عليه و استقرّ به في نظر الذخيرة السلطانية، و كان نظرها حينئذ من الرتب الجليلة، و أضاف إليه نظر الأوقاف و الأملاك السلطانية، و رتبه مستوفيا بمدرسة الناصر حسن، فشكرت طريقته و حمدت سيرته و أظهر سيادة و حشمة، و قرّب أهل العلم من الفقهاء، و تفضل بأنواع من البرّ، و أنشأ هذه المدرسة في أبدع قالب و أبهج ترتيب، و جعل بها درسا للفقهاء الشافعية، و قرّر في تدريسها شيخنا سراج الدين عمر بن عليّ الأنصاريّ، المعروف بابن الملقن الشافعيّ، و رتب فيها ميعادا و جعل شيخه صاحبنا الشيخ كمال الدين بن موسى الدميريّ الشافعيّ، و جعل إمام الصلوات بها المقرئ الفاضل زين الدين أبا بكر بن الشهاب أحمد النحويّ، و كان الناس يرحلون إليه في شهر رمضان لسماع قراءته في صلاة التراويح لشجا صوته، و طيب نغمته، و حسن أدائه، و معرفته بالقراءات السبع و العشر و الشواذ، و لم يزل ابن البقريّ على حال السيادة و الكرامة إلى أن مرض مرض موته، فأبعد عنه من يلوذ به من النصارى، و أحضر الكمال الدميريّ و غيره من أهل الخير، فما زالوا عنده حتى مات و هو يشهد شهادة الإسلام‏

____________

(1) بياض في الأصل.

245

في سنة ست و سبعين و سبعمائة، و دفن بمدرسته هذه و قبره بها تحت قبة في غاية الحسن، و ولي نظر الذخيرة بعده أبو غالب، ثم استجدّ في هذه المدرسة منبر و أقيمت بها الجمعة في تاسع جمادى الأولى سنة أربع و عشرين و ثمانمائة بإشارة علم الدين داود الكوبر كاتب السرّ.

المدرسة القطبية

هذه المدرسة بأوّل حارة زويلة مما يلي الخرنشف في رحبة كوكاي، عرفت بالست الجليلة عصمة الدين خاتون مؤنسة القطبية، المعروفة بدار إقبال العلائي، ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بن شادي، و كان وقفها في سنة خمس و ستمائة، و بها درس للفقهاء الشافعية، و تصدير قراءات و فقهاء يقرءون.

مدرسة ابن المغربيّ‏

هذه المدرسة آخر درب الصقالبة فيما بين سويقة المسعوديّ و حارة زويلة، بناها صلاح الدين يوسف بن ... (1) ابن المغربي رئيس الأطباء، تجاه داره، و مات قبل إكمالها فدفن بعد موته في قبة تجاه جامعه المطلّ على الخليج الناصريّ بقرب بركة قرموط، و صارت هذه المدرسة قائمة بغير إكمال إلى أن هدمها بعض ذريته في سنة أربع عشرة و ثمانمائة، و باع أنقاضها فصار موضعها طاحونة.

المدرسة البيدرية

هذه المدرسة برحبة الأيدمريّ بالقرب من باب قصر الشوك، فيما بينه و بين المشهد الحسينيّ، بناها الأمير بيدر الأيدمريّ.

المدرسة البديرية

هذه المدرسة بجوار باب سرّ المدرسة الصالحية النجمية، كان موضعها من جملة تربة القصر التي تقدّم ذكرها، فنبش شخص من الناس يعرف بناصر الدين محمد بن محمد بن بدير العباسيّ ما هنالك من قبور الخلفاء، و أنشأ هذه المدرسة في سنة ثمان و خمسين و سبعمائة، و عمل فيها درس فقه للفقهاء الشافعية، درس فيه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن نصير بن رسلان البلقينيّ، و هي مدرسة صغيرة لا يكاد يصعد إليها أحد، و العباسيّ هذا من قرية بطرف الرمل يقال لها العباسية، و له في مدينة بلبيس مدرسة و قد تلاشت بعد ما كانت عامرة مليحة.

____________

(1) بياض في الأصل.

246

المدرسة الملكية

هذه المدرسة بخط المشهد الحسينيّ من القاهرة، بناها الأمير الحاج سيف الدين آل ملك الجوكندار تجاه داره، و عمل فيها درسا للفقهاء الشافعية، و خزانة كتب معتبرة، و جعل لها عدّة أوقاف، و هي إلى الآن من المدارس المشهورة، و موضعها من جملة رحبة قصر الشوك، و قد تقدّم ذكرها عند ذكر الرحاب من هذا الكتاب، ثم صار موضع هذه المدرسة دارا تعرف بدار ابن كرمون صهر الملك الصالح.

المدرسة الجمالية

هذه المدرسة بجوار درب راشد من القاهرة على باب الزقاق المعروف قديما بدرب سيف الدولة نادر، بناها الأمير الوزير علاء الدين مغلطاي الجماليّ، و جعلها مدرسة للحنفية، و خانقاه للصوفية، و ولى تدريسها و مشيخة التصوّف بها الشيخ علاء الدين عليّ بن عثمان التركمانيّ الحنفيّ، و تداولها ابنه قاضي القضاة جمال الدين عبد اللّه التركمانيّ الحنفيّ، و ابنه قاضي القضاة صدر الدين محمد بن عبد اللّه بن عليّ التركمانيّ الحنفيّ، ثم قريبهم حميد الدين حماد، و هي الآن بيد ابن حميد الدين المذكور، و كان شأن هذه المدرسة كبيرا يسكنها أكابر فقهاء الحنفية، و تعدّ من أجلّ مدارس القاهرة، و لها عدّة أوقاف بالقاهرة و ظواهرها و في البلاد الشامية، و قد تلاشى أمر هذه المدرسة لسوء ولاة أمرها، و تخريبهم أوقافها، و تعطل منها حضور الدرس و التصوّف، و صارت منزلا يسكنه أخلاط ممن ينسب إلى اسم الفقه، و قرب الخراب منها، و كان بناؤها في سنة ثلاثين و سبعمائة.

مغلطاي: ابن عبد اللّه الجماليّ، الأمير علاء الدين، عرف بخرز، و هي بالتركية عبارة عن الديك بالعربية، اشتراه الملك الناصر محمد بن قلاون و نقله و هو شاب من الجامكية إلى الأمرة على إقطاع الأمير صارم الدين إبراهيم الإبراهيميّ نقيب المماليك السلطانية، المعروف بزير الأمرة، في صفر سنة ثمان عشرة و سبعمائة، و صار السلطان ينتدبه في التوجه إلى المهمات الخاصة به، و يطلعه على سرّه، ثم بعثه أمير الركب إلى الحجاز في هذه السنة، فقبض على الشريف أسد الدين رميتة بن أبي نميّ صاحب مكة، و أحضره إلى قلعة الجبل في ثامن عشر المحرّم سنة تسع عشرة و سبعمائة مع الركب، فأنكر عليه السلطان سرعة دخوله لما أصاب الحاج من المشقة في الإسراع بهم، ثم إنه جعل إستادار السلطان لما قبض على القاضي كريم الدين عبد الكريم بن المعلم هبة اللّه ناظر الخواص، عند وصوله من دمشق بعد سفره إليها لإحضار شمس الدين غبريال، فيوم حضر خلع عليه و جعل استادارا عوضا عن الأمير سيف الدين بكتمر العلائيّ، و ذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة، ثم أضاف إليه الوزارة و خلع عليه في يوم الخميس ثامن رمضان سنة

247

أربع و عشرين عوضا عن الصاحب أمين الملك عبد اللّه بن الغنام بعد ما استعفى من الوزارة، اعتذر بأنه رجل غتميّ، فلم يعفه السلطان و قال: أنا أخلي من يباشر معك و يعرّفك ما تعمل، و طلب شمس الدين غبريال ناظر دمشق منها و جعله ناظر الدولة، رفيقا للوزير الجماليّ، فرفعت قصة إلى السلطان و هو في القصر من القلعة، فيها الحط على السلطان بسبب تولية الجماليّ الوزارة و الماس حاجبا، و أنه بسبب ذلك أضاع أوضاع المملكة و أهانها و فرّط في أموال المسلمين و الجيش، و أن هذا لم يفعله أحد من الملوك، فقد وليت الحجابة لمن لا يعرف يحكم و لا يتكلم بالعربيّ و لا يعرف الإحكام الشرعية، و وليت الوزارة و الاستادارية لشاب لا يعرف يكتب اسمه، و لا يعرف ما يقال له، و لا يتصرّف في أمور المملكة و لا في الأموال الديوانية إلا أرباب الأقلام، فإنهم يأكلون المال و يحيلون على الوزير. فلما وقف السلطان عليها، أوقف عليها القاضي فخر الدين محمد بن فضل اللّه، المعروف بالفخر ناظر الجيش. فقال: هذه ورقة الكتّاب البطالين، ممن انقطع رزقه و كثر حسده، و قرّر مع السلطان أن يلزم الوزير ناظر الدولة و ناظر الخواص بإحضار أوراق في كل يوم تشتمل على أصل الحاصل، و ما حمل في ذلك اليوم من البلاد و الجهات، و ما صرف.

و أنه لا يصرف لأحد شي‏ء البتة إلّا بأمر السلطان و علمه.

فلما حضر الوزير الجماليّ أنكر عليه السلطان و قال له: إن الدواوين تلعب بك، و أمر فأحضر التاج إسحاق، و غبريال، و مجد الدين بن لعيبة، و قرّر معهم أن يحضروا آخر كلّ يوم أوراقا بالحاصل و المصروف، و قد فصلت بأسماء ما يحتاج إلى صرفه و إلى شرائه و بيعه، فصاروا يحضرون كلّ يوم الأوراق إلى السلطان و تقرأ عليه، فيصرف ما يختار و يوقف ما يريد، و رسم أيضا أن مال الجيزة كله يحمل إلى السلطان و لا يصرف منه شي‏ء.

ثم لما كانت الفتنة بثغر الإسكندرية بين أهلها و بين الفرنج، و غضب السلطان على أهل الإسكندرية، بعث بالجماليّ إليها، فسار من القاهرة في أثناء رجب سنة سبع و عشرين و سبعمائة، و دخل إليها فجلس بالخمس و استدعى بوجوه أهل البلد، و قبض على كثير من العامّة، و وسط بعضهم و قطع أيدي جماعة و أرجلهم، و صادر أرباب الأموال حتى لم يدع أحدا له ثروة، حتى ألزمه بمال كثير، فباع الناس حتى ثياب نسائهم في هذه المصادرة، و أخذ من التجار شيئا كثيرا مع ترفقه بالناس فيما يرد عليه من الكتب بسفك الدماء، و أخذ الأموال، ثم أحضر العدد التي كانت بالثغر مرصدة برسم الجهاد، فبلغت ستة آلاف عدّة، و وضعها في حاصل و ختم عليه و خرج من الإسكندرية بعد عشرين يوما و قد سفك دماء كثيرة، و أخذ منها مائتي ألف دينار للسلطان و عاد إلى القاهرة، فلم يزل على حاله إلى أن صرف عن الوزارة في يوم الأحد ثاني شوّال سنة ثمان و عشرين، و رسم أن توفر وظيفة الوزارة من ولاية وزير، فلم يستقرّ أحد في الوزارة و بقي الجماليّ على وظيفة الأستادارية، و كان سبب عزله عن الوزارة توقف حال الدولة و قلة الواصل إليها، فعمل عليه الفخر ناظر

248

الجيش و التاج إسحاق بسبب تقديمه لمحمد بن لعيبة، فإنه كان قد استقرّ في نظر الدولة و الصحبة و البيوت و تحكم في الوزير و تسلم قياده، فكتبت مرافعات في الوزير و أنه أخذ مالا كثيرا من مال الجيزة، فخرج الأمير أيتمش المجديّ بالكشف عليه، و همّ السلطان بإيقاع الحوطة به، فقام في حقه الأمير بكتمر الساقي حتى عفي عنه و قبض على كثير من الدواوين.

ثم إنه سافر إلى الحجاز، فلما عاد توفي بسطح عقبة إيلة في يوم الأحد سابع عشر المحرّم سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة. فصبّر و حمل إلى القاهرة و دفن بهذه الخانقاه في يوم الخميس حادي عشري المحرّم المذكور بعد ما صلّى عليه بالجامع الحاكميّ، و ولى السلطان بعده الأستادارية الأمير أقبغا عبد الواحد، و كان ينوب عن الجماليّ في الأستادارية الطنقش مملوك الأفرم، نقله إليها من ولاية الشرقية، و كان الجماليّ حسن الطباع يميل إلى الخير مع كثرة الحشمة، و مما شكر عليه في وزارته أنه لم يبخل على أحد بولاية مباشرة، و أنشأ ناسا كثيرا، و قصد من سائر الأعمال، و كان يقبل الهدايا و يحب التقادم، فحلت له الدنيا و جمع منها شيئا كثيرا، و كان إذا أخذ من أحد شيئا على ولاية لا يعزله حتى يعرف أنه قد اكتسب قدر ما وزنه له، و لو أكثر عليه في السعي، فإذا عرف أنه أخذ ما غرمه عزله و ولى غيره، و لم يعرف عنه أنه صادر أحدا و لا اختلس مالا، و كانت أيامه قليلة الشرّ، إلّا أنه كان يعزل و يولي بالمال، فتزايد الناس في المناصب، و كان له عقب بالقاهرة غير صالحين و لا مصلحين.

المدرسة الفارسية

هذه المدرسة بخط الفهادين من أوّل العطوفية بالقاهرة، كان موضعها كنيسة تعرف بكنيسة الفهادين، فلما كانت واقعة النصارى في سنة ست و خمسين و سبعمائة، هدمها الأمير فارس الدين البكيّ، قريب الأمير سيف الدين آل ملك الجو كندار، و بنى هذه المدرسة و وقف عليها وقفا يقوم بما تحتاج إليه.

المدرسة السابقية

هذه المدرسة داخل قصر الخلفاء الفاطميين من جملة القصر الكبير الشرقيّ الذي كان داخل دار الخلافة، و يتوصل إلى هذه المدرسة الآن من تجاه حمّام البيسريّ بخط بين القصرين، و كان يتوصل إليها أيضا من باب القصر المعروف بباب الريح من خط الركن المخلق، و موضعه الآن قيسارية الأمير جمال الدين يوسف الأستادار. بنى هذه المدرسة الطواشي الأمير سابق الدين مثقال الأنوكيّ مقدّم المماليك السلطانية الأشرفية، و جعل بها درسا للفقهاء الشافعية، قرّر في تدريسه شيخنا شيخ الشيوخ سراج الدين عمر بن عليّ الأنصاريّ، المعروف بابن الملقن الشافعيّ، و جعل فيها تصدير قراءات و خزانة كتب، و كتابا يقرأ فيه أيتام المسلمين، و بنى بينها و بين داره التي تعرف بقصر سابق الدين حوض ماء للسبيل، هدمه الأمير جمال الدين يوسف الأستادار لما بنى داره المجاورة لهذه المدرسة،

249

ولى سابق الدين تقدمة المماليك بعد الطواشي شرف الدين مختصر الطغتمريّ، في صفر سنة ثلاث و ستين و سبعمائة، ثم تنكر عليه الأمير يلبغا الخاصكيّ القائم بدولة الملك الأشرف شعبان بن حسين و ضربه ستمائة عصا و سجنه و نفاه إلى أسوان، في آخر شهر ربيع الأوّل سنة ثمان و ستين، فلم يكن غير قليل حتى قتل الأمير يلبغا، فاستدعي الأشرف سابق الدين من قوص، و صرف ظهير الدين مختارا المعروف بشاذروان عن التقدمة، و أعاده إليها، فاستمرّ إلى أن مات سنة ست و سبعين و سبعمائة.

المدرسة القيسرانية

هذه المدرسة بجوار المدرسة الصاحبية بسويقة الصاحب، فيما بينها و بين باب الخوخة، كانت دارا يسكنها القاضي الرئيس شمس الدين محمد بن إبراهيم القيسرانيّ أحد موقعي الدست بالقاهرة، فوقفها قبل موته مدرسة، و ذلك في ربيع الأوّل سنة إحدى و خمسين و سبعمائة، و توفي سنة اثنتين و خمسين و سبعمائة، و كان حشما كبير الهمة، سعى بالأمير سيف الدين بهادر الدمرداشيّ في كتابة السرّ بالقاهرة، مكان علاء الدين عليّ بن فضل اللّه العمريّ، فلم يتم ذلك، و مات الأمير بهادر فانحط جانبه، و كانت دنياه واسعة جدّا، و له عدّة مماليك يتوصل بهم إلى السعي في أغراضه عند أمراء الدولة، و كان ينسب إلى شح كبير.

المدرسة الزمامية

هذه المدرسة بخط رأس البندقانيين من القاهرة، فيما بين البندقانيين و سويقة الصاحب، بناها الأمير الطواشي زين الدين مقبل الروميّ، زمام الآدر الشريفة للسلطان الظاهر برقوق في سنة سبع و تسعين و سبعمائة، و جعل بها درسا و صوفية و منبرا يخطب عليه في كل جمعة، و بينها و بين المدرسة الصاحبية دون مدى الصوت، فيسمع كلّ من صلّى بالموضعين تكبير الآخر، و هذا و أنظاره بالقاهرة من شنيع ما حدث في غير موضع، و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم على إزالة هذه المبتدعات.

المدرسة الصغيرة

هذه المدرسة فيما بين البندقانيين و طواحين الملحيين، و يعرف خطها ببيت محب الدين ناظر الجيوش، و يعرف أيضا بخط بين العواميد، بنتها الست أيديكن زوجة الأمير سيف الدين بكجا الناصريّ، في سنة إحدى و خمسين و سبعمائة.

مدرسة تربة أمّ الصالح‏

هذه المدرسة بجوار المدرسة الأشرفية بالقرب من المشهد النفيسيّ، فيما بين القاهرة

250

و مصر، موضعها من جملة ما كان بستانا، أنشأها الملك المنصور قلاون، على يد الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ في سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة، برسم أمّ الملك الصالح علاء الدين عليّ بن الملك المنصور قلاون، فلما كمل بناؤها نزل إليها الملك المنصور و معه ابنه الصالح عليّ، و تصدّق عند قبرها بمال جزيل، و رتب لها وقفا حسنا على قرّاء و فقهاء. و غير ذلك. و كانت وفاتها في سادس عشر شوّال سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة.

مدرسة ابن عرّام‏

هذه المدرسة بجوار جامع الأمير حسين بحكر جوهر النوبيّ من برّ الخليج الغربيّ خارج القاهرة، أنشأها الأمير صلاح الدين خليل بن عرّام، و كان من فضلاء الناس، تولى نيابة الإسكندرية و كتب تاريخا و شارك في علوم، فلما قتل الأمير بركة بسجن الإسكندرية ثارت مماليكه على الأمير الكبير برقوق حنقا لقتله، فأنكر الأمير برقوق قتله و بعث الأمير يونس النوروزيّ دواداره لكشف ذلك، فنبش عنه قبره فإذا فيه ضربات عدّة إحداهنّ في رأسه، فاتهم ابن عرّام بقتله من غير إذن له في ذلك، فأخرج بركة من قبره و كان بثيابه من غير غسل و لا كفن، و غسله و كفنه، و أحضر ابن عرّام معه فسجن بخزانة شمائل داخل باب زويلة من القاهرة، ثم عصر و أخرج يوم الخميس خامس عشر رجب سنة اثنتين و ثمانين و سبعمائة، من خزانة شمائل، و أمر به فسمّر عريان بعد ما ضرب عند باب القلة بالمقارع ستة و ثمانين بحضرة الأمير قطلودمر الخازندار، و الأمير مامور حاجب الحجاب، فلما أنزل من القلعة و هو مسمر على الجمل أنشد:

لك قلبي بحلّه فدمي لم تحلّه‏* * * لك من قلبي المكان فلم لا تحلّه‏

قال إن كنت مالكا فلي الأمر كلّه‏

و ما هو إلّا أن وقف بسوق الخيل تحت القلعة و إذا بمماليك بركة قد أكبت عليه تضربه بسيوفها حتى تقطع قطعا و حز رأسه، و علّق على باب زويلة و تلاعبت أيديهم، فأخذوا حد أذنه، و أخذوا حد رجله، و اشترى آخر قطعة من لحمه و لاكها، ثم جمع ما وجد منه و دفن بمدرسته هذه. فقال في ذلك صاحبنا الأديب شهاب الدين أحمد بن العطار:

بدت أجزاء عرّام خليل‏* * * مقطعة من الضرب الثقيل‏

و أبدت أبحر الشعر المراثي‏* * * محرّرة بتقطيع الخليل‏

المدرسة المحمودية

هذه المدرسة بخط الموازنيين خارج باب زويلة تجاه دار القردمية، يشبه أن موضعها كان في القديم من جملة الحارة التي كانت تعرف بالمنصورية، أنشأها الأمير جمال الدين‏

251

محمود بن عليّ الأستادار في سنة سبع و تسعين و سبعمائة، و رتب بها درسا، و عمل فيها خزانة كتب لا يعرف اليوم بديار مصر و لا الشام مثلها، و هي باقية إلى اليوم لا يخرج لأحد منها كتاب إلّا أن يكون في المدرسة، و بهذه الخزانة كتب الإسلام من كلّ فنّ، و هذه المدرسة من أحسن مدارس مصر.

محمود بن عليّ بن أصفر، عينه الأمير جمال الدين الأستادار ولي شدّ باب رشيد بالإسكندرية مدّة، و كانت واقعة الفرنج بها في سنة سبع و ستين و سبعمائة، و هو مشدّ، فيقال إنّ ماله الذي وجد له حصله يومئذ، ثم إنه سار إلى القاهرة فلما كانت أيام الظاهر برقوق خدم أستادارا عند الأمير سودون باق، ثم استقرّ شادّ الدواوين إلى أن مات الأمير بهادر المنجكيّ أستادار السلطان، فاستقرّ عوضا عنه في وظيفة الأستادارية يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة سنة تسعين و سبعمائة، ثم خلع عليه في يوم الخميس خامسة، و استقرّ مشير الدولة، فصار يتحدّث في دواوين السلطنة الثلاثة، و هي الديوان المفرد الذي يتحدّث فيه الأستادار، و ديوان الوزارة و يعرف بالدولة، و ديوان الخاص المتعلق بنظر الخواص، و عظم أمره و نفذت كلمته لتصرّفه في سائر أمور المملكة. فلما زالت دولة الملك الظاهر برقوق بحضور الأمير يلبغا الناصريّ نائب حلب، في يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة سنة إحدى و تسعين و سبعمائة بعساكر الشام إلى القاهرة، و اختفى الظاهر ثم أمسكه، هرب هو و ولده، فنهبت دوره، ثم إنه ظهر من الاستتار في يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة، و قدّم للأمير يلبغا الناصريّ مالا كثيرا فقبض عليه و قيده و سجنه بقلعة الجبل و أقيم بدله في الأستادارية الأمير علاء الدين أقبغا الجوهريّ. فلما زالت دولة يلبغا الناصريّ بقيام الأمير منطاش عليه، قبض على أقبغا الجوهريّ فيمن قبض عليه من الأمراء، و أفرج عن الأمير محمود في يوم الاثنين ثامن شهر رمضان، و ألبسه قباء مطرّزا بذهب و أنزله إلى داره، ثم قبض عليه و سجن بخزانة الخاص في يوم الأحد سادس عشر ذي الحجة في عدّة من الأمراء و المماليك، عند عزم منطاش على السفر لحرب برقوق عند خروجه من الكرك و مسيره إلى دمشق، فكانت جملة ما حمله الأمير محمود من الذهب العين للأمير يلبغا الناصريّ و للأمير منطاش ثمانية و خمسين قنطارا من الذهب المصريّ، منها ثمانية عشر قطنارا في ليلة واحدة، فلم يزل في الاعتقال إلى أن خرج المماليك مع الأمير بوطا في ليلة الخميس ثاني صفر سنة اثنتين و تسعين و سبعمائة، فخرج معهم و أقام بمنزله إلى أن عاد الملك الظاهر برقوق إلى المملكة في رابع عشر صفر، فخلع عليه و استقرّ أستادار السلطان على عادته في يوم الاثنين تاسع عشري جمادى الأولى من السنة المذكورة، عوضا عن الأمير قرقماس الطشتمريّ بعد وفاته، ثم خلع على ولده الأمير ناصر الدين محمد بن محمود في يوم الخميس ثاني عشري صفر سنة أربع و تسعين و سبعمائة، و استقرّ نائب السلطنة بثغر الإسكندرية عوضا عن الأمير ألطنبغا المعلم، فقويت حرمة الأمير محمود و نفذت كلمته إلى يوم الاثنين حادي عشر رجب من‏

252

السنة المذكورة، فثار عليه المماليك السلطانية بسبب تأخر كسوتهم، و رموه من أعلى القلعة بالحجارة و أحاطوا به و ضربوه يريدون قتله، لو لا أن شاء اللّه أغاثه بوصول الخبر إلى الأمير الكبير ايتمش، و كان يسكن قريبا من القلعة، فركب بنفسه و ساق حتى أدركه و فرّق عنه المماليك، و سار به إلى منزله حتى سكنت الفتنة، ثم شيعه إلى داره. فكانت هذه الواقعة مبدأ انحلال أمره، فإن السلطان صرفه عن الأستادارية و ولى الأمير الوزير ركن الدين عمر بن قايماز في يوم الخميس رابع عشرة، و خلع على الأمير محمود قباء بطرز ذهب، و استقرّ على أمرته، ثم صرف ابن قايماز عن الأستادارية و أعيد محمود في يوم الاثنين خامس عشر رمضان، و أنعم على ابن قايماز بإمرة طلبخاناه، فجدّد بثغر الإسكندرية دار ضرب عمل فيها فلوس ناقصة الوزن، و من حينئذ اختل حال الفلوس بديار مصر. ثم لما خرج الملك الظاهر إلى البلاد الشامية في سنة ست و تسعين، سار في ركابه، ثم حضر إلى القاهرة في يوم الأربعاء سابع صفر سنة سبع و تسعين و سبعمائة قبل حضور السلطان، و كان دخوله يوما مشهودا، فلما عاد السلطان إلى قلعة الجبل حدث منه تغير على الأمير محمود في يوم السبت ثالث عشري ربيع الأوّل، و همّ بالإيقاع به، فلما صار إلى داره بعث إليه الأمير علاء الدين عليّ بن الطبلاويّ يطلب منه خمسمائة ألف دينار، و إن توقف يحيط به و يضربه بالمقارع، فنزل إليه و قرّر الحال على مائة و خمسين ألف دينار، فطلع على العادة إلى القلعة في يوم الاثنين خامس عشريه، فسبه المماليك السلطانية و رجموه، ثم إن السلطان غضب عليه و ضربه في يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر بسبب تأخر النفقة، و أخذ أمره ينحل، فولى السلطان الأمير صلاح الدين محمد ابن الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير تنكز أستادارية الأملاك السلطانية، في يوم الاثنين خامس رجب، و ولى علاء الدين عليّ بن الطبلاويّ في رمضان التحدّث في دار الضرب بالقاهرة و الإسكندرية، و التحدّث في المتجر السلطانيّ، فوقع بينه و بين الأمير محمود كلام كثير و رافعه ابن الطبلاويّ بحضرة السلطان، و خرّج عليه من دار الضرب ستة آلاف درهم فضة، فألزم السلطان محمودا بحمل مائة و خمسين ألف دينار، فحملها و خلع عليه عند تكميله حملها في يوم الأحد تاسع عشري رمضان، و خلع أيضا على ولده الأمير ناصر الدين، و على كاتبه سعد الدين إبراهيم بن غراب الإسكندرانيّ، و على الأمير علاء الدين عليّ بن الطبلاويّ، ثم إن محمود أوعك بدنه فنزل إليه السلطان في يوم الاثنين ثالث عشر ذي القعدة يعوده، فقدّم له عدّة تقادم قبل بعضها و ردّ بعضها، و تحدّث الناس أنه استقلها. فلما كان يوم السبت سادس صفر سنة ثمان و تسعين بعث السلطان إلى الأمير محمود الطواشي شاهين الحسني فأخذ زوجتيه و كاتبه سعد الدين إبراهيم بن غراب، و أخذ مالا و قماشا على حمالين و صار بهما إلى القلعة، هذا و محمود مريض لازم الفراش، ثم عاد من يومه و أخذ الأمير ناصر الدين محمد بن محمود و حمله إلى القلعة، ثم نزل ابن غراب و معه الأمير الي باي الخازندار في يوم الأحد سابعه، و أخذا من ذخيرة بدار محمود خمسين ألف دينار، و في يوم الخميس حادي عشرة صرف محمود عن الأستادارية و استقرّ عوضه‏