المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية - ج4

- أحمد بن علي المقريزي المزيد...
454 /
253

الأمير سيف الدين قطلوبك العلائيّ أستادار الأمير الكبير ايتمش، و قرّر سعد الدين بن غراب ناظر الديوان المفرد، فاجتمع مع ابن الطبلاويّ على عداوة محمود و السعي في إهلاكه، و سلّم ابن محمود إلى ابن الطبلاويّ في تاسع عشر ربيع الأوّل ليستخلص منه مائة ألف دينار، و نزل الطواشي صندل المنجكيّ، و الطواشي شاهين الحسنيّ في ثالث عشرية، و معهما ابن الطبلاويّ، فأخذا من خربة خلف مدرسة محمود زيرين كبيرين و خمسة أزيار صغارا وجد فيها ألف ألف درهم فضة، فحملت إلى القلعة، و وجد أيضا بهذه الخربة جرّتان في إحداهما ستة آلاف دينار و في الأخرى أربعة آلاف درهم فضة و خمسمائة درهم، و قبض على مباشري محمود و مباشري ولده، و عوقب محمود، ثم أوقعت الحوطة على موجود محمود في يوم الخميس سابع جمادى الأولى، و رسم عليه ابن الطبلاويّ في داره، و أخذ مماليكه و أتباعه، و لم يدع عنده غير ثلاث مماليك صغار، و ظهرت أموال محمود شيئا بعد شي‏ء، ثم سلّم إلى الأمير فرج شادّ الدواوين في خامس جمادى الآخرة فنقله إلى داره و عاقبه و عصره في ليلته، ثم نقل في شعبان إلى دار ابن الطبلاويّ فضربه و سعطه و عصره، فلم يعترف بشي‏ء، و حكى عنه أنه قال لو عرفت أني أعاقب ما اعترفت بشي‏ء من المال، و ظهر منه في هذه المحنة ثبات و جلد و صبر مع قوّة نفس و عدم خضوع، حتى أنه كان يسب ابن الطبلاويّ إذا دخل إليه و لا يرفع له قدرا، ثم إن السلطان استدعاه إلى ما بين يديه يوم السبت أوّل صفر سنة تسع و تسعين، و حضر سعد الدين بن غراب فشافهه بكل سوء و رافعه في وجهه حتى استغضب السلطان على محمود، و أمر بمعاقبته حتى يموت، فأنزل إلى بيت الأمير حسام الدين حسين ابن أخت الفرس شادّ الدواوين، و كان أستادار محمود، فلم يزل عنده في العقوبة إلى أن نقل من داره إلى خزانة شمائل في ليلة الجمعة ثالث جمادى الأولى و هو مريض، فمات بها في ليلة الأحد تاسع رجب سنة تسع و تسعين و سبعمائة، و دفن من الغد بمدرسته و قد أناف على الستين سنة، و كان كثير الصلاة و العبادة مواظبا على قيام الليل، إلّا أنه كان شحيحا مسيكا شرها في الأموال، رمى الناس منه في رماية البضائع بداوه إذا نسبت إلى ما حدث من بعده، كانت عافية و نعمة، و أكثر من ضرب الفلوس بديار مصر حتى فسد بكثرتها حال إقليم مصر، و كان جملة ما حمل من ماله بعد نكبته هذه مائة قنطار ذهبا و أربعين قنطارا، عنها ألف ألف دينار و أربعمائة ألف دينار عينا، و ألف ألف درهم فضة، و أخذ له من البضائع و الغلال و القنود و الأعسال ما قيمته ألف ألف درهم و أكثر.

المدرسة المهذبية

هذه المدرسة بحارة حلب خارج القاهرة عند حمام قماريّ، بناها الحكيم مهذب الدين محمد بن أبي الوحش المعروف بابن أبي حليقة، تصغير حلقة، رئيس الأطباء بديار مصر، ولي رياسة الأطباء في حادي عشر رمضان سنة أربع و ثمانين و ستمائة، و استقرّ مدرّس الطب بالمارستان المنصوريّ.

254

المدرسة السعدية

هذه المدرسة خارج القاهرة بقرب حدرة البقر على الشارع المسلوك فيه من حوض ابن هنس إلى الصليبة، و هي فيما بين قلعة الجبل و بركة الفيل، كان موضعها يعرف بخط بستان سيف الإسلام، و هي الآن في ظهر بيت قوصون المقابل لباب السلسلة من قلعة الجبل، بناها الأمير شمس الدين سنقر السعديّ نقيب المماليك السلطانية، في سنة خمس عشرة و سبعمائة، و بنى بها أيضا رباطا للنساء، و كان شديد الرغبة في العمائر محبا للزراعة، كثير المال ظاهر الغنى، و هو الذي عمر القرية التي تعرف اليوم بالنحريرية من أعمال الغربية، و كان إقطاعه، ثم إنه أخرج من مصر بسبب نزاع وقع بينه و بين الأمير قوصون في أرض أخذها منه، فسار إلى طرابلس و بها مات في سنة ثمان و عشرين و سبعمائة.

المدرسة الطفجية

هذه المدرسة بخط حدرة البقر أيضا، أنشأها الأمير سيف الدين طفجي الأشرفيّ، و لها وقف جيد.

طفجي: الأمير سيف الدين، كان من جملة مماليك الملك الأشرف خليل بن قلاون، ترقّى في خدمته حتى صار من جملة أمراء ديار مصر، فلما قتل الملك الأشرف قام طفجي في المماليك الأشرفية و حارب الأمير بيدرا المتولي لقتل الأشرف حتى أخذه و قتله، فلما أقيم الملك الناصر محمد بن قلاون في المملكة بعد قتل بيدرا، صار طفجي من أكابر الأمراء، و استمرّ على ذلك بعد خلع الملك الناصر بكتبغا مدّة أيامه إلى أن خلع الملك العادل كتبغا و قام في سلطنة مصر الملك المنصور لاجين، و ولى مملوكه الأمير سيف الدين منكوتمر نيابة السلطنة بديار مصر، فأخذ يواحش أمراء الدولة بسوء تصرّفه، و اتفق أن طفجي حج في سنة سبع و تسعين و ستمائة، فقرّر منكوتمر مع المنصور أنه إذا قدم من الحج يخرجه إلى طرابلس و يقبض على أخيه الأمير سيف الدين كرجي، فعندما قدم طفجي من الحجاز في صفر سنة ثمان و تسعين و ستمائة، رسم له بنيابة طرابلس، فثقل عليه ذلك و سعى بإخوته الأشرفية حتى أعفاه السلطان من السفر، فسخط منكوتمر و أبى الإسفر طفجي و بعث إليه يلزمه بالسفر، و كان لاجين منقادا لمنكوتمر لا يخالفه في شي‏ء، فتواعد طفجي و كرجي مع جماعة من المماليك و قتلوا لاجين، و تولى قتله كرجي، و خرج فإذا طفجي في انتظاره على باب القلة من قلعة الجبل، فسرّ بذلك و أمر بإحضار من بالقلعة من الأمراء، و كانوا حينئذ يبيتون بالقلعة دائما، و قتل منكوتمر في تلك الليلة و عزم على أنه يتسلطن و يقيم كرجي في نيابة السلطنة، فخذله الأمراء. و كان الأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ أمير سلاح قد خرج في غزاة و قرب حضوره، فاستمهلوه بما يريد إلى أن يحضر، فأخر سلطنته و بقي‏

255

الأمراء في كل يوم يحضرون معه في باب القلة، و يجلس في مجلس النيابة و الأمراء عن يمينه و شماله، و يمدّ سماط السلطان بين يديه، فلما حضر أمير سلاح بمن معه من الأمراء، نزل طفجي و الأمراء إلى لقائهم بعد ما امتنع امتناعا كثيرا، و ترك كرجي يحفظ القلعة بمن معه من المماليك الأشرفية، و قد نوى طفجي الشرّ للأمراء الذين قد خرج إلى لقائهم، و عرف ذلك الأمراء المقيمون عنده في القلعة، فاستعدّوا له. و سار هو و الأمراء إلى أن لقوا الأمير بكتاش و معه من الأشرفية أربعمائة فارس تحفظه حتى يعود من اللقاء إلى القلعة، فعندما وافاه بقبة النصر و تعانقا أعلمه بقتل السلطان، فشقّ عليه، و للوقت جرّد الأمراء سيوفهم و ارتفعت الضجة، فساق طفجي من الحلقة و الأمراء وراءه إلى أن أدركه قراقوش الظاهريّ و ضربه بسيف ألقاه عن فرسه إلى الأرض ميتا، ففرّ كرجي، ثم أخذ و قتل و حمل طفجي في مزبلة من مزابل الحمّامات على حمار إلى مدرسته هذه فدفن بها، و قبره هناك إلى اليوم.

و كان قتله في يوم الخميس سادس عشر ربيع الأوّل سنة ثمان و تسعين و ستمائة، بعد خمسة أيام من قتل لاجين و منكوتمر.

المدرسة الجاولية

هذه المدرسة بجوار الكبش، فيما بين القاهرة و مصر، أنشأها الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ في سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة، و عمل بها درسا و صوفية، و لها إلى هذه الأيام عدّة أوقاف.

سنجر بن عبد اللّه الأمير علم الدين الجاوليّ، كان مملوك جاولي أحد أمراء الملك الظاهر بيبرس، و انتقل بعد موت الأمير جاولي إلى بيت قلاون، و خرج في أيام الأشرف خليل بن قلاون إلى الكرك، و استقرّ في جملة البحرية بها إلى أيام العادل كتبغا، فحضر من عند نائب الكرك و معه حوائجخاناه، فرفعه كتبغا و أقامه على الخوشخاناه السلطانية، و صحب الأمير سلار و واخاه فتقدّم في الخدمة، و بقي أستادارا صغيرا في أيام بيبرس و سلار، فصار يدخل على السلطان الملك الناصر و يخرج و يراعي مصالحه في أمر الطعام و يتقرّب إليه، فلما حضر من الكرك جهزه إلى غزة نائبا في جمادى الأولى سنة إحدى عشرة و سبعمائة، عوضا عن الأمير سيف الدين قطلوا أقتمر عبد الخالق بعد إمساكه، و أضاف إليه مع غزة الساحل و القدس و بلد الخليل و جبل نابلس، و أعطاه إقطاعا كبيرا بحيث كان للواحد من مماليكه إقطاع يعمل عشرين ألفا و خمسة و عشرين ألفا، و عمل نيابة غزة على القالب الجائر إلى أن وقعت بينه و بين الأمير تنكز نائب الشام بسبب دار كانت له تجاه جامع تنكز خارج دمشق من شمالها، أراد تنكز أن يبتاعها منه فأبى عليه، فكتب فيه إلى الملك الناصر محمد بن قلاون فأمسكه في ثامن عشري شعبان سنة عشرين و سبعمائة، و اعتقله نحوا من ثمان سنين، ثم أفرج عنه في سنة تسع و عشرين، و أعطاه أمرة أربعين، ثم بعد مدّة أعطاه‏

256

أمرة مائة و قدّمه على ألف و جعله من أمراء المشورة، فلم يزل على هذا إلى أن مات الملك الناصر، فتولى غسله و دفنه. فلما ولي الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاون سلطنة مصر أخرجه إلى نيابة حماه، فأقام بها مدّة ثلاثة أشهر ثم نقله إلى نيابة غزة، فحضر إليها و أقام بها نحو ثلاثة أشهر أيضا، ثم أحضره إلى القاهرة و قرّره على ما كان عليه، و ولى نظر المارستان بعد نائب الكرك عند ما أخرج إلى نيابة طرابلس، ثم توجه لحصار الناصر أحمد بن محمد بن قلاون و هو ممتنع في الكرك، فأشرف عليه في بعض الأيام الناصر أحمد من قلعة الكرك و سبه و شيخه، فقال له الجاوليّ: نعم أنا شيخ نحس، و لكن الساعة ترى حالك مع الشيخ النحس، و نقل المنجنيق إلى مكان يعرفه و رمى به فلم يخطئ القلعة و هدم منها جانبا، و طلع بالعسكر و أمسك أحمد و ذبحه صبرا. و بعث برأسه إلى الصالح إسماعيل، و عاد إلى مصر فلم يزل على حاله إلى أن مات في منزله بالكبش يوم الخميس تاسع رمضان سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و دفن بمدرسته، و كانت جنازته حافلة إلى الغاية.

قد سمع الحديث و روى و صنف شرحا كبيرا على مسند الشافعيّ رحمه اللّه، و أفتى في آخر عمره على مذهب الشافعيّ، و كتب خطه على فتاوى عديدة، و كان خبيرا بالأمور، عارفا بسياسة الملك، كفوا لما وليه من النيابات و غيرها، لا يزال يذكر أصحابه في غيبتهم عنه و يكرمهم إذا حضروا عنده، و انتفع به جماعة من الكتاب و العلماء و الأكابر، و له من الآثار الجميلة الفاضلة جامع بمدينة غزة في غاية الحسن، و له بها أيضا حمّام مليح، و مدرسة للفقهاء الشافعية، و خان للسبيل، و هو الذي مدّن غزة و بنى بها أيضا مارستانا، و وقف عليه عن الملك الناصر أوقافا جليلة، و جعل نظره لنواب غزة و عمر بها أيضا الميدان و القصر، و بنى ببلد الخليل (عليه السلام) جامعا سقفه منه حجر نقر، و عمل الخان العظيم بقاقون، و الخان بقرية الكثيب، و القناطر بغابة أرسوف، و خان رسلان في حمراء بيسان، و دارا بالقرب من باب النصر داخل القاهرة، و دارا بجوار مدرسته على الكبش، و سائر عمائره ظريفة أنيقة محكمة متقنة مليحة، و كان ينتمي إلى الأمير سلار و يجل ذكره.

المدرسة الفارقانية

هذه المدرسة خارج باب زويلة من القاهرة، فيما بين حدرة البقر و صليبة جامع ابن طولون، و هي الآن بجوار حمّام الفارقانيّ تجاه البندقدارية، بناها و الحمام المجاور لها الأمير ركن الدين بيبرس الفارقانيّ، و هو غير الفارقانيّ المنسوب إليه المدرسة الفارقانية بحارة الوزيرية من القاهرة.

المدرسة البشيرية

هذه المدرسة خارج القاهرة بحكر الخازن المطل على بركة الفيل، كان موضعها

257

مسجدا يعرف بمسجد سنقر السعديّ الذي بنى المدرسة السعدية، فهدمه الأمير الطواشي سعد الدين بشير الجمدار الناصريّ، و بنى موضعه هذه المدرسة في سنة إحدى و ستين و سبعمائة، و جعل بها خزانة كتب، و هي من المدارس اللطيفة.

المدرسة المهمندارية

هذه المدرسة خارج باب زويلة فيما بين جامع الصالح و قلعة الجبل، يعرف خطها اليوم بخط جامع الماردانيّ خارج الدرب الأحمر، و هي تجاه مصلّى الأموات على يمنة من سلك من الدرب الأحمر طالبا جامع الماردانيّ، و لها باب آخر في حارة اليانسية بناها الأمير شهاب الدين أحمد بن أقوش العزيزيّ المهمندار، و نقيب الجيوش في سنة خمس و عشرين و سبعمائة، و جعلها مدرسة و خانقاه، و جعل طلبة درسها من الفقهاء الحنفية، و بنى إلى جانبها القيسارية و الربع الموجودين الآن.

مدرسة ألجاي‏

هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من قلعة الجبل، كان موضعها و ما حولها مقبرة، و يعرف الآن خطها بخط سويقة العزي، أنشأها الأمير الكبير سيف الدين الجاي في سنة ثمان و ستين و سبعمائة، و جعل بها درسا للفقهاء الشافعية، و درسا للفقهاء الحنفية، و خزانة كتب، و أقام بها منبرا يخطب عليه يوم الجمعة، و هي من المدارس المعتبرة الجليلة، و درّس بها شيخنا جلال الدين البنانيّ الحنفيّ، و كانت سكنه.

ألجاي بن عبد اللّه اليوسفيّ الأمير سيف الدين، تنقل في الخدم حتى صار من جملة الأمراء بديار مصر، فلما أقام الأمير الأستدمر الناصريّ بأمر الدولة بعد قتل الأمير يلبغا الخاصكي العمريّ، في شوّال سنة ثمان و ستين و سبعمائة، قبض على الجاي في عدّة من الأمراء و قيدهم و بعث بهم إلى الإسكندرية، فسجنوا إلى عاشر صفر سنة تسع و ستين، فأفرج الملك الأشرف شعبان بن حسين عنه و أعطاه أمرة مائة، و تقدمة ألف، و جعله أمير سلاح برّاني، ثم جعله أمير سلاح أتابك العساكر، و ناظر المارستان المنصوريّ عوضا عن الأمير منكلي بغا الشمسيّ، في سنة أربع و سبعين و سبعمائة، و تزوّج بخوند بركة أم السلطان الملك الأشرف، فعظم قدره و اشتهر ذكره، و تحكم في الدولة تحكما زائدا إلى يوم الثلاثاء سادس المحرّم سنة خمس و سبعين و سبعمائة، فركب يريد محاربة السلطان بسبب طلبه ميراث أمّ السلطان بعد موتها، فركب السلطان و أمراؤه و بات الفريقان ليلة الأربعاء على الاستعداد للقتال إلى بكرة نهار الأربعاء تواقع الجاي مع أمراء السلطان إحدى عشرة وقعة انكسر في آخرها الجاي و فرّ إلى جهة بركة الحبش، و صعد من الجبل من عند الجبل الأحمر إلى قبة النصر و وقف هناك، فاشتدّ على السلطان فبعث إليه خلعة بنيابة حماه، فقال لا أتوجه إلّا

258

و معي مماليكي كلهم و جميع أموالي، فلم يوافقه السلطان على ذلك، و بات الفريقان على الحرب، فانسلّ أكثر مماليك الجاي في الليل إلى السلطان، و عند ما طلع النهار يوم الخميس بعث السلطان عساكره لمحاربة الجاي بقبة النصر، فلم يقاتلهم و ولى منهزما و الطلب وراءه إلى ناحية الخرقانية بشاطئ النيل، قريبا من قليوب، فتحير و قد أدركه العسكر، فألقى نفسه بفرسه في البحر يريد النجاة إلى البرّ الغربيّ فغرق بفرسه. ثم خلص الفرس و هلك الجاي، فوقع النداء بالقاهرة و ظواهرها على إحضار مماليكه، فأمسك منهم جماعة و بعث السلطان الغطاسين إلى البحر تتطلبه فتبعوه حتى أخرجوه إلى البرّ في يوم الجمعة تاسع المحرّم سنة خمس و سبعين و سبعمائة، فحمل في تابوت على لباد أحمر إلى مدرسته هذه و غسل و كفن و دفن بها، و كان مهابا جبارا عسوفا عتيا، تحدّث في الأوقاف فشدّد على الفقهاء و أهان جماعة منهم، و كان معروفا بالإقدام و الشجاعة.

مدرسة أمّ السلطان‏

هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من قلعة الجبل، يعرف خطها الآن بالتبانة، و موضعها كان قديما مقبرة لأهل القاهرة، أنشأتها الست الجليلة الكبرى بركة أمّ السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين في سنة إحدى و سبعين و سبعمائة، و عملت بها درسا للشافعية، و درسا للحنفية، و على بابها حوض ماء للسبيل. و هي من المدارس الجليلة، و فيها دفن ابنها الملك الأشرف بعد قتله.

بركة: الست الجليلة خوند أمّ الملك الأشرف شعبان بن حسين، كانت أمة مولدة، فلما أقيم ابنها في مملكة مصر عظم شأنها و حجت في سنة سبعين و سبعمائة بتجمل كثير و برج زائد، و على محفتها العصائب السلطانية و الكؤسات تدق معها، و سار في خدمتها من الأمراء المقدّمين: بشتاك العمريّ رأس نوبة، و بهادر الجماليّ، و مائة مملوك من المماليك السلطانية أرباب الوظائف، و من جملة ما كان معها قطار جمال محملة محائر قد زرع فيها البقل و الخضراوات إلى غير ذلك مما يجل وصفه، فلما عادت في سنة إحدى و سبعين و سبعمائة خرج السلطان بعساكره إلى لقائها، و سار إلى البويب في سادس عشر المحرّم، و تزوّجت بالأمير الكبير الجاي اليوسفيّ، و بها طال و استطال، ماتت في ثامن عشر ذي القعدة سنة أربع و سبعين و سبعمائة، و كانت خيرة عفيفة لها برّ كثير و معروف معروف، تحدّث الناس بحجتها عدّة سنين لما كان لها من الأفعال الجميلة في تلك المشاهد الكريمة، و كان لها اعتقاد في أهل الخير و محبة في الصالحين، و قبرها موجود بقبة هذه المدرسة، و أسف السلطان على فقدها، و وجد وجدا كبيرا لكثرة حبه لها، و اتفق أنها لما ماتت أنشد الأديب شهاب الدين أحمد بن يحيى الأعرج السعدي:

في ثامن العشرين من ذي قعدة* * * كانت صبيحة موت أمّ الأشرف‏

259

فاللّه يرحمها و يعظم أجره‏* * * و يكون في عاشور موت اليوسفيّ‏

فكان كما قال؛ و غرق الجاي اليوسفيّ كما تقدّم ذكره في يوم عاشوراء.

المدرسة الأيتمشية

هذه المدرسة خارج القاهرة داخل باب الوزير تحت قلعة الجبل برأس التبانة، أنشأها الأمير الكبير سيف الدين ايتمش البجاسيّ، ثم الظاهريّ في سنة خمس و ثمانين و سبعمائة، و جعل بها درس فقه للحنفية، و بنى بجانبها فندقا كبيرا يعلوه ربع، و من ورائها خارج باب الوزير حوض ماء للسبيل و ربعا، و هي مدرسة ظريفة.

ايتمش بن عبد اللّه الأمير الكبير سيف الدين البجاسيّ ثم الظاهريّ، كان أحد المماليك اليلبغاوية.

المدرسة المجدية الخليلية

هذه المدرسة بمصر، يعرف موضعها بدرب البلاد، عمرها الشيخ الإمام مجد الدين أبو محمد عبد العزيز بن الشيخ الإمام أمين الدين أبي عليّ الحسين بن الحسن بن إبراهيم الخليليّ الداريّ، فتمت في شهر ذي الحجة سنة ثلاث و ستين و ستمائة، و قرّر فيها مدرّسا شافعيا و معيدين و عشرين نفرا طلبة، و إماما راتبا، و مؤذنا، و قيما لكنسها و فرشها و وقود مصابيحها. و إدارة ساقيتها، و أجرى الماء إلى فسقيتها، و وقف عليها غيطا بناحية بارنبار من أعمال المزاحميتين، و بستانا بمحلة الأمير من المزاحميتين بالغربية، و غيطا بناحية نطوبس، و ربع غيط بظاهر ثغر رشيد، و بستانا و نصف بستان بناحية بلقس، و رباعا بمدينة مصر.

و مجد الدين هذا هو والد الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الخليليّ، و درّس بهذه المدرسة الصاحب فخر الدين إلى حين وفاته، و توفي مجد الدين بدمشق في ثالث عشر ربيع الآخر سنة ثمانين و ستمائة، و كان مشهورا بالصلاح.

المدرسة الناصرية بالقرافة

هذه المدرسة بجوار قبة الإمام محمد بن إدريس الشافعيّ رضي اللّه عنه من قرافة مصر، أنشأها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، و رتب بها مدرّسا يدرّس الفقه على مذهب الشافعيّ، و جعل له في كل شهر من المعلوم عن التدريس أربعين دينارا، معاملة صرف كل دينار ثلاثة عشر درهما و ثلث درهم، و عن معلوم النظر في أوقاف المدرسة عشرة دنانير، و رتب له من الخبز في كل يوم ستين رطلا بالمصريّ، و راويتين من ماء النيل، و جعل فيها معيدين و عدّة من الطلبة، و وقف عليها حمّاما بجوارها، و فرنا تجاهها، و حوانيت بظاهرها، و الجزيرة التي يقال لها جزيرة الفيل ببحر النيل خارج القاهرة،

260

و ولى تدريسها جماعة من الأكابر الأعيان، ثم خلت من مدرّس ثلاثين سنة، و اكتفى فيها بالمعيدين و هم عشرة أنفس، فلما كانت سنة ثمان و سبعين و ستمائة ولى تدريسها قاضي القضاة تقيّ الدين محمد بن رزين الحمويّ بعد عزله من وظيفة القضاء، و قرّر له نصف المعلوم. فلما مات وليها الشيخ تقيّ الدين بن دقيق العيد بربع المعلوم، فلما ولي الصاحب برهان الدين الخضر السنجاريّ التدريس قرّر له المعلوم الشاهد به كتاب الوقف.

المدرسة المسلمية

هذه المدرسة بمدينة مصر في خط السيوريين، أنشأها كبير التجار ناصر الدين محمد بن مسلّم- بضم الميم و فتح السين المهملة و تشديد اللام- البالسيّ الأصل ابن بنت كبير التجار شمس الدين محمد بن بسير- بفتح الباء أوّل الحروف و كسر السين المهملة ثم ياء آخر الحروف بعدها راء- و مات في سنة ست و سبعين و سبعمائة، قبل أن تتمّ. فوصى بتكملتها و أفرد لها مالا و وقف عليها دورا و أرضا بناحية قليوب، و شرط أن يكون فيها مدرس مالكيّ و مدرّس شافعيّ و مؤدّب أطفال و غير ذلك، فكملها مولاه و وصيه الكبير كافور الخصيّ الروميّ بعد وفاة استاذه، و هي الآن عامرة، و بلغ ابن مسلَّم هذا من وفور المال و عظم السعادة ما لم يبلغه أحد ممن أدركناه، بحيث أنه جاء نصيب أحد أولاده نحو مائتي ألف دينار مصرية، و كان كثير الصدقات على الفقراء، مقترا على نفسه إلى الغاية، و له أيضا مطهرة عظيمة بالقرب من جامع عمرو بن العاص، و نفعها كبير، و له أيضا دار جليلة على ساحل النيل بمصر، و كان أبوه تاجرا سفارا بعد ما كان حمالا، فصاهر ابن بسير و رزق محمدا هذا من ابنته، فنشأ على صيانة و رزق الحظ الوافر في التجارة و في العبيد، فكان يبعث أحدهم بمال عظيم إلى الهند، و يبعث آخر بمثل ذلك إلى بلاد التكرور (1)، و يبعث آخر إلى بلاد الحبشة، و يبعث عدّة آخرين إلى عدّة جهات من الأرض، فما منهم من يعود إلّا و قد تضاعفت فوائد ماله أضعافا مضاعفة.

مدرسة اينال‏

هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من باب حارة الهلالية بخط القماحين، كان موضعها في القديم من حقوق حارة المنصورة، أوصى بعمارتها الأمير الكبير سيف الدين اينال اليوسفيّ، أحد المماليك اليلبغاوية. فابتدأ بعملها في سنة أربع و تسعين، و فرغت في سنة خمس و تسعين و سبعمائة، و لم يعمل فيها سوى قرّاء يتناوبون قراءة القرآن على قبره، فإنه لما مات في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الآخرة سنة أربع و تسعين و سبعمائة دفن‏

____________

(1) بلاد التكرور: بلاد تنسب إلى قبيل من السودان في أقصى جنوب المغرب و أهلها أشبه بالزنوج، و قيل هي مدينة عظيمة في السودان.

261

خارج باب النصر حتى انتهت عمارة هذه المدرسة، فنقل إليها و دفن فيها.

و إينال هذا ولي نيابة حلب و صار في آخر عمره أتابك العساكر بديار مصر حتى مات، و كانت جنازته كثيرة الجمع مشى فيها السلطان الملك الظاهر برقوق و العساكر.

مدرسة الأمير جمال الدين الأستادار

هذه المدرسة برحبة باب العيد من القاهرة، كان موضعها قيسارية يعلوها طباق كلها وقف، فأخذها و هدمها و ابتدأ بشق الأساس في يوم السبت خامس جمادى الأولى سنة عشر و ثمانمائة، و جمع لها الآلات من الأحجار و الأخشاب و الرخام و غير ذلك، و كان بمدرسة الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون التي كانت بالصوة تجاه الطبلخاناه من قلعة الجبل، بقية من داخلها، فيها شبابيك من نحاس مكفت بالذهب و الفضة و أبواب مصفحة بالنحاس البديع الصنعة المكفت، و من المصاحف و الكتب في الحديث و الفقه و غيره من أنواع العلوم جملة، فاشترى ذلك من الملك الصالح المنصور حاجي بن الأشرف بمبلغ ستمائة دينار، و كانت قيمتها عشرات أمثال ذلك، و نقلها إلى داره. و كان مما فيها عشرة مصاحف طول كل مصحف منها أربعة أشبار إلى خمسة في عرض يقرب من ذلك، أحدها بخط ياقوت، و آخر بخط ابن البوّاب، و باقيها بخطوط منسوبة، و لها جلود في غاية الحسن معمولة في أكياس الحرير الأطلس، و من الكتب النفيسة عشرة أحمال جميعها مكتوب في أوّله الإشهاد على الملك الأشرف بوقف ذلك، و مقرّه في مدرسته.

فلما كان يوم الخميس ثالث شهر رجب سنة إحدى عشرة و ثمانمائة و قد انتهت عمارتها، جمع بها الأمير جمال الدين القضاة و الأعيان، و أجلس الشيخ همام الدين محمد بن أحمد الخوارزميّ الشافعيّ على سجادة المشيخة و عمله شيخ التصوّف، و مدرّس الشافعية، و مدّ سماطا جليلا أكل عليه كلّ من حضر، و ملأ البركة التي توسط المدرسة ماء قد أذيب فيه سكر مزج بماء الليمون، و كان يوما مشهودا، و قرّ في تدريس الحنفية بدر الدين محمود بن محمد المعروف بالشيخ زاده الخرزيانيّ، و في تدريس المالكية شمس الدين محمد بن البساطيّ، و في تدريس الحنابلة فتح الدين أبا الفتح محمد بن نجم الدين محمد بن الباهليّ، و في تدريس الحديث النبويّ شهاب الدين أحمد بن عليّ بن حجر، و في تدريس التفسير شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن البلقينيّ. فكان يجلس من ذكرنا واحدا بعد واحد في كل يوم إلى أن كان آخرهم شيخ التفسير، و كان مسك الختام، و ما منهم إلّا من يحضر معه و يلبسه ما يليق به من الملابس الفاخرة، و قرّر عند كلّ من المدرّسين الستة طائفة من الطلبة، و أجرى لكل واحد ثلاثة أرطال من الخبز في كل يوم، و ثلاثين درهما فلوسا في كل شهر، و جعل لكل مدرّس ثلاثمائة درهم في كل شهر، و رتب بها إماما وقومة و مؤذنين و فرّاشين و مباشرين، و أكثر من وقف الدور عليها، و جعل فائض‏

262

وقفها مصروفا لذريته، فجاءت في أحسن هندام و أتم قالب و أفخر زيّ و أبدع نظام، إلّا أنها و ما فيها من الآلات و ما وقف عليها أخذ من الناس غصبا، و عمل فيها الصناع بأبخس أجرة مع العسف الشديد.

فلما قبض عليه السلطان و قتله في جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة و ثمانمائة، و استولى على أمواله، حسّن جماعة للسلطان أن يهدم هذه المدرسة و رغبوه في رخامها، فإنه غاية في الحسن، و أن يسترجع أوقافها، فإن متحصلها كثير. فمال إلى ذلك و عزم عليه. فكرّه ذلك للسلطان الرئيس فتح الدين فتح اللّه كاتب السرّ، و استشنع أن يهدم بيت بني على اسم اللّه يعلن فيه بالأذان خمس مرّات في اليوم و الليلة، و تقام به الصلوات الخمس في جماعة عديدة، و يحضره في عصر كل يوم مائة و بضعة عشر رجلا يقرءون القرآن في وقت التصوّف، و يذكرون اللّه و يدعونه، و تتحلق به الفقهاء لدرس تفسير القرآن الكريم و تفسير حديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و فقه الأئمة الأربعة، و يعلّم فيه أيتام المسلمين كتاب اللّه عز و جلّ، و يجري على هؤلاء المذكورين الأرزاق في كل يوم، و من المال في كل شهر، و رأى أن إزالة مثل هذا وصمة في الدين، فتجرّد له و ما زال بالسلطان يرغّبه في إبقائها على أن يزال منها اسم جمال الدين و تنسب إليه، فإنه من الفتن هدم مثلها. و نحو ذلك، حتّى رجع إلى قوله و فوّض أمرها إليه، فدبر ذلك أحسن تدبير.

و هو أنّ موضع هذه المدرسة كان وقفا على بعض الترب، فاستبدل به جمال الدين أرضا من جملة أراضي الخراج بالجيزة، و حكم له قاضي القضاة كمال الدين عمر بن العديم بصحة الاستبدال، و هدم البناء و بنى موضعه هذه المدرسة، و تسلّم متولي موضعها الأرض المستبدل بها، إلى أن قتل جمال الدين و أحيط بأمواله، فدخل فيما أحيط به هذه الأرض المستبدل بها، و ادّعى السلطان أن جمال الدين افتأت عليه في أخذ هذه الأرض، و أنه لم يأذن في بيعها من بيت المال، فأفتى حينئذ محمد شمس الدين المدنيّ المالكيّ بأن بناء هذه المدرسة الذي وقفه جمال الدين على الأرض التي لم يملكها بوجه صحيح لا يصح، و أنه باق على ملكه إلى حين موته، فندب عند ذلك شهود القيمة إلى تقويم بناء المدرسة، فقوّموها باثني عشر ألف دينار ذهبا، و أثبتوا محضر القيمة على بعض القضاة، فحمل المبلغ إلى أولاد جمال الدين حتى تسلموه و باعوا بناء المدرسة للسلطان، ثم استردّ السلطان منهم المبلغ المذكور و أشهد عليه أنه وقف أرض هذه المدرسة بعد ما استبدل بها، و حكم حاكم حنفيّ بصحة الاستبدال، ثم وقف البناء الذي اشتراه و حكم بصحته أيضا، ثم استدعى بكتاب وقف جمال الدين و لخصه، ثم مزقه و جدّد كتاب وقف يتضمن جميع ما قرّره جمال الدين في كتاب وقفه من أرباب الوظائف و مالهم من الخبز في كل يوم و من المعلوم في كل شهر، و أبطل ما كان لأولاد جمال الدين من فائض الوقف، و أفرد لهذه المدرسة مما كان جمال الدين جعله وقفا عليها عدّة مواضع تقوم بكفاية مصروفها، و زاد في أوقافها أرضا بالجيزة،

263

و جعل ما بقي من أوقاف جمال الدين على هذه المدرسة، بعضه وقفا على أولاده، و بعضه وقفا على التربة التي أنشأها في قبة أبيه الملك الظاهر برقوق خارج باب النصر، و حكم القضاة الأربعة بصحة هذا الكتاب بعد ما حكموا بصحة كتاب وقف جمال الدين، ثم حكموا ببطلانه، ثم لما تمّ ذلك محى من هذه المدرسة اسم جمال الدين ورنكه، و كتب اسم السلطان الملك الناصر فرج بدائر صحنها من أعلاه، و على قناديلها و بسطها و سقوفها، ثم نظر السلطان في كتبها العلمية الموقوفة بها فأقرّ منها جملة كتب بظاهر كل سفر منها فصل يتضمن وقف السلطان له، و حمل كثير من كتبها إلى قلعة الجبل، و صارت هذه المدرسة تعرف بالناصرية بعد ما كان يقال لها الجمالية.

و لم تزل على ذلك حتى قتل الناصر و قدم الأمير شيخ إلى القاهرة و استولى على أمور الدولة، فتوصل شمس الدين محمد أخو جمال الدين و زوّج ابنته لشرف الدين أبي بكر بن العجميّ موقع الأستادار الأمير شيخ، حتى أحضر قضاة القضاة و حكم الصدر عليّ بن الأدميّ قاضي القضاة الحنفيّ بردّ أوقاف جمال الدين إلى ورثته من غير استيفاء الشروط في الحكم بل تهوّر فيه و جازف. و لذلك أسباب منها: عناية الأمير شيخ بجمال الدين الأستادار، فإنه لما انتقل إليه إقطاع الأمير بحاس بعد موت الملك الظاهر برقوق، استقرّ جمال الدين استاداره كما كان أستادار بحاس، فخدمه خدمة بالغة، و خرج الأمير شيخ إلى بلاد الشام و استقرّ في نيابة طرابلس، ثم في نيابة الشام، و خدمة جمال الدين له و لحاشيته و من يلوذ به مستمرّة، و أرسل مرّة الأمير شيخ من دمشق بصدر الدين بن الأدميّ المذكور في الرسالة إلى الملك الناصر و جمال الدين حينئذ عزيز مصر، فأنزله و أكرمه و أنعم عليه و ولاه قضاء الحنفية و كتابة السرّ بدمشق، و أعاده إليه و ما زال معتنيا بأمور الأمير شيخ، حتى أنه اتهم بأنه قد مالأه على السلطان، فقبض عليه السلطان الملك الناصر بسبب ذلك و نكبه، فلما قتل الناصر و استولى الأمير شيخ على الأمور بديار مصر، ولى قضاء الحنفية بديار مصر لصدر الدين عليّ بن الأدميّ المذكور، و ولى أستاداره بدر الدين حسن بن محب الدين الطرابلسيّ أستادار السلطان، فخدم شرف الدين أبو بكر بن العجميّ زوج ابنة أخي جمال الدين عنده موقعا، و تمكن منه فأغراه بفتح الدين فتح اللّه كاتب السرّ حتى أثخن جراحه عند الملك المؤيد شيخ، و نكبه بعد ما تسلطن، و استعان أيضا بقاضي القضاة صدر الدين بن الأدميّ، فإنه كان عشيره و صديقه من أيام جمال الدين، ثم استمال ناصر الدين محمد بن البارزيّ موقع الأمير الكبير شيخ، فقام الثلاثة مع شمس الدين أخي جمال الدين حتى أعيد إلى مشيخة خانكاه بيبرس و غيرها من الوظائف التي أخذت منه، عند ما قبض عليه الملك الناصر و عاقبه، و تحدّثوا مع الأمير الكبير في ردّ أوقاف جمال الدين إلى أخيه و أولاده، فإن الناصر غصبها منهم و أخذ أموالهم و ديارهم بظلمه إلى أن فقدوا القوت، و نحو هذا من القول حتى حرّكوا منه حقدا كامنا على الناصر، و علموا منه عصبته لجمال الدين هذا، و غرض القوم في الباطن‏

264

تأخير فتح الدين و الإيقاع به، فإنه ثقل عليهم وجوده معهم، فأمر عند ذلك الأمير الكبير بعقد مجلس حضره قضاة القضاة و الأمراء و أهل الدولة عنده بالحراقة من باب السلسلة، في يوم السبت تاسع عشري شهر رجب سنة خمس عشرة، و تقدّم أخو جمال الدين ليدّعي على فتح الدين فتح اللّه كاتب السرّ، و كان قد علم بذلك و وكل بدر الدين حسنا البردينيّ أحد نوّاب الشافعية في سماع الدعوى و ردّ الأجوبة، فعند ما جلس البردينيّ للمحاكمة مع أخي جمال الدين، نهره الأمير الكبير و أقامه و أمر بأن يكون فتح اللّه هو الذي يدّعى عليه، فلم يجد بدّا من جلوسه، فما هو إلّا أن ادّعى عليه أخو جمال الدين بأنه وضع يده على مدرسة أخيه جمال الدين و أوقافه بغير طريق، فبادر قاضي القضاة صدر الدين عليّ بن الأدميّ الحنفيّ و حكم برفع يده و عود أوقاف جمال الدين و مدرسته إلى ما نص عليه جمال الدين، و نفذ بقية القضاة حكمه و انفضوا على ذلك، فاستولى أخو جمال الدين و صهره شرف الدين على حاصل كبير كان قد اجتمع بالمدرسة من فاضل ربعها و من مال بعثه الملك الناصر إليها، و فرّقوه حتى كتبوا كتابا اخترعوه من عند أنفسهم جعلوه كتاب وقف المدرسة، زادوا فيه أن جمال الدين اشترط النظر على المدرسة لأخيه شمس الدين المذكور و ذريته، إلى غير ذلك مما لفقوه بشهادة قوم استمالوهم فمالوا، ثم أثبتوا هذا الكتاب على قاضي القضاة صدر الدين بن الأدميّ، و نفذه بقية القضاة، فاستمرّ الأمر على هذا البهتان المختلق و الإفك المفترى مدّة، ثم ثار بعض صوفية هذه المدرسة و أثبت محضرا بأن النظر لكاتب السرّ، فلما ثبت ذلك نزعت يد أخي جمال الدين عن التصرّف في المدرسة، و تولى نظرها ناصر الدين محمد بن البارزي كاتب السرّ، و استمر الأمر على هذا، فكانت قصة هذه المدرسة من أعجب ما سمه به في تناقض القضاة و حكمهم بإبطال ما صححوه، ثم حكمهم بتصحيح ما أبطلوه، كل ذلك ميلا مع الجاه و حرصا على بقاء رياستهم، ستكتب شهادتهم و يسألون.

المدرسة الصرغتمشية

هذه المدرسة خارج القاهرة بجوار جامع الأمير أبي العباس أحمد بن طولون، فيما بينه و بين قلعة الجبل، كان موضعها قديما من جملة قطائع ابن طولون، ثم صار عدّة مساكن، فأخذها الأمير سيف الدين صرغتمش الناصريّ رأس نوبة النوب و هدمها و ابتدأ في بناء المدرسة يوم الخميس من شهر رمضان سنة ست و خمسين و سبعمائة، و انتهت في جمادى الأولى سنة سبع و خمسين، و قد جاءت من أبدع المباني و أجلها و أحسنها قالبا و أبهجها منظرا، فركب الأمير صرغتمش في يوم الثلاثاء تاسعه و حضر إليه الأمير سيف الدين شيخو العمريّ مدبر الدولة، و الأمير طاشتمر القاسميّ حاجب الحجاب، و الأمير توقتاي الدوادار، و عامّة أمراء الدولة، و قضاة القضاة الأربعة، و مشايخ العلم، و رتب مدرّس الفقه بها قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر العميد بن العميد أمير غازي الاتقانيّ، فألقى القوام الدرس، ثم مدّ سماط جليل بالهمة الملوكية، و ملئت البركة التي بها سكّرا قد أذيب بالماء،

265

فأكل الناس و شربوا و أبيح ما بقي من ذلك للعامّة فانتهبوه، و جعل الأمير صرغتمش هذه المدرسة وقفا على الفقهاء الحنفية الآفاقية، و رتب بها درسا للحديث النبويّ، و أجرى لهم جميعا المعاليم من وقف رتّبه لهم، و قال أدباء العصر فيها شعرا كثيرا. فقال العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفيّ:

ليهنك يا صرغتمش ما بنيته‏* * * لآخراك في دنياك من حسن بنيان‏

به يزدهي الترخيم كالزهر بهجة* * * فللّه من زهر و للّه من باني‏

و خلع في هذا اليوم على القوام خلعة سنية و أركبه بغلة رائعة، و أجازه بعشرة آلاف درهم على أبيات مدحه بها في غاية السماجة و هي:

أ رأيتم من حاز الرتبا* * * و أتى قربا و نفى ريبا

فبدا علما و سما كرما* * * و ما قدما و لقد غلبا

بتقى و هدى و ندا و جدا* * * فعدا و سدى و جبى و حبا

بدى سننا أحيى سننا* * * حلّى زمنا عند الأدبا

هذا صرغتمش قد سكبت‏* * * أيام إمارته السحبا

و أزال الجدب إلى خصب‏* * * و الضنك إلى رغد قلبا

بإعانة جبّار ربي‏* * * ذي العرش و قد بذل النشبا

ملك فطن ركن لسن‏* * * حسن بسن ربى الأدبا

لك الكبرا ملك الأمرا* * * ملك العلما ملك الأدبا

بحر طام غيث هام‏* * * قد رسام حامى الغربا

ببشاشته و سماحته‏* * * و حماسته جلّى الكربا

و ديانته و صيانته‏* * * و أمانته حاز الرتبا

أبهى أصلا أسنى نسلا* * * أعطى فضلا مأوى الغربا

نعم المأوى مصر لمّا* * * شملت قوما نبلا نجبا

فنمت نورا و سمت نورا* * * و علت دورا و أرت طربا

نسقت دررا و سقت دررا* * * و دعت غررا و حوت أدبا

و خطابته افتخرت و علت‏* * * و سمت وزرت و حوت أدبا

جدّد درسا ثم اجن جنّى‏* * * منها و منى فمعى طلبا

من نازعني نسبي علنا* * * فاراب لنا نعمت نسبا

كنون أبا لحنفية ث* * * مّ قوام الدين بدا لقبا

عش في رحب لترى عجبا* * * من منتجب عجب عجبا

صرغتمش: الناصريّ الأمير سيف الدين رأس نوبة، جلبه الخواجا الصوّاف في سنة

266

سبع و ثلاثين و سبعمائة، فاشتراه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون بمائتي ألف درهم فضة، ثمنها يومئذ نحو أربعة آلاف مثقال ذهبا، و خلع على الخواجا تشريفا كاملا بحياصة ذهب، و كتب له توقيعا بمسامحة مائة ألف درهم من متجره، فلم يعبأ به السلطان، و صار في أيامه من جملة الجمدارية، و حكي عن القاضي شرف الدين عبد الوهاب ناظر الخاص أنّ السلطان أنعم على صرغتمس هذا بعشر طاقات أديم طائفيّ، فلما جاء إلى النشو تردّد إليه مرارا حتى دفعها إليه، و لم يزل خامل الذكر إلى أن كانت أيام المظفر حاجي بن محمد بن قلاون، فبعثه مسفرا مع الأمير فخر الدين إياز السلاح دار لما استقرّ في نيابة حلب، فلما عاد من حلب ترقى في الخدمة و تمكن عند المظفر و توجه في خدمة الصالح بن محمد بن قلاون إلى دمشق في نوبة يلبغاروس، و صار السلطان يرجع إلى رأيه، فلما عاد من دمشق أمسك الوزير علم الدين عبد اللّه بن زنبور بغير أمر السلطان و أخذ أمواله، و عارض في أمره الأمير شيخو و الأمير طاز، و من حينئذ عظم و لم يزل حتى خلع السلطان الملك الصالح و أعيد الناصر حسن بن محمد بن قلاون، فلما أخرج الأمير شيخو انفرد صرغتمش بتدبير أمور المملكة و فخم قدره و نفذت كلمته، فعزل قضاة مصر و الشام و غيّر النوّاب بالمماليك، و السلطان يحقد عليه إلى أن أمسكه في العشرين من شهر رمضان سنة تسع و خمسين، و قبض معه على الأمير طشتمر القاسميّ حاجب الحجاب، و الأمير ملكتمر المحمديّ و جماعة و حملهم إلى الإسكندرية فسجنوا بها، و بها مات صرغتمش بعد شهرين و اثني عشر يوما من سجنه في ذي الحجة سنة تسع و خمسين و سبعمائة. و كان مليح الصورة جميل الهيئة، يقرأ القرآن الكريم و يشارك في الفقه على مذهب الحنفية، و يبالغ في التعصب لمذهبه، و يقرّب العجم و يكرمهم و يجلهم إجلالا زائدا، و يشدو طرفا من النحو، و كانت أخلاقه شرسة و نفسه قوية، فإذا بحث في الفقه أو اللغة اشتط، و لما تحدّث في الأوقاف و في البريد خاف الناس منه، فلم يكن أحد يركب خيل البريد إلّا بمرسومه، و منع كل من يركب البريد أن يحمل معه قماشا و دراهم على خيل البريد، و اشتدّ في أمر الأوقاف فعمرت في مباشرته، و لما قبض عليه أخذ السلطان أمواله و كانت شيئا كثيرا يكلّ عنه الوصف.

ذكر المارستانات‏

قال الجوهريّ في الصحاح: و المارستان بيت المرضى، معرّب عن ابن السكيت، و ذكر الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه في كتاب أخبار مصر: أن الملك مناقيوش بن أشمون أحد ملوك القبط الأول بأرض مصر، أوّل من عمل البيمارستانات لعلاج المرضى، و أودعها العقاقير و رتب فيها الأطباء و أجرى عليهم ما يسعهم، و مناقيوش هذا هو الذي بنى مدينة أخميم، و بنى مدينة سنتريه. و قال زاهد العلماء أبو سعيد منصور بن عيسى: أوّل من اخترع المارستان و أوجده بقراط بن أبو قليدس، و ذلك أنه عمل بالقرب من داره في موضع من بستان كان له، موضعا مفردا للمرضى، و جعل فيه خدما يقومون بمداواتهم و سماه‏

267

اصدولين، أي مجمع المرضى، و أوّل من بنى المارستان في الإسلام و دار المرضى الوليد بن عبد الملك، و هو أيضا أوّل من عمل دار الضيافة، و ذلك في سنة ثمان و ثمانين، و جعل في المارستان الأطباء و أجرى لهم الأرزاق، و أمر بحبس المجذمين لئلا يخرجوا، و أجرى عليهم، و على العميان الأرزاق. و قال جامع السيرة الطولونية: و قد ذكر بناء جامع ابن طولون و عمل في مؤخره ميضأة و خزانة شراب، فيها جميع الشرابات و الأدوية، و عليها خدم، و فيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث للحاضرين للصلاة.

مارستان ابن طولون‏

هذا المارستان موضعه الآن في أرض العسكر، و هي الكيمان و الصحراء التي فيما بين جامع ابن طولون و كوم الجارح، و فيما بين قنطرة السدّ التي على الخليج ظاهر مدينة مصر، و بين السور الذي يفصل بين القرافة و بين مصر. و قد دثر هذا المارستان في جملة ما دثر و لم يبق له أثر. و قال أبو عمر الكنديّ في كتاب الأمراء: و أمر أحمد بن طولون أيضا ببناء المارستان للمرضى، فبني لهم في سنة تسع و خمسين و مائتين. و قال جامع السيرة الطولونية: و في سنة إحدى و ستين و مائتين بنى أحمد بن طولون المارستان، و لم يكن قبل ذلك بمصر مارستان، و لما فرغ منه حبس عليه دار الديوان و دوره في الأساكفة و القيسارية و سوق الرقيق، و شرط في المارستان أن لا يعالج فيه جنديّ و لا مملوك، و عمل حمّامين للمارستان، إحداهما للرجال و الأخرى للنساء، حبسهما على المارستان و غيره، و شرط أنه إذا جي‏ء بالعليل تنزع ثيابه و نفقته و تحفظ عند أمين المارستان، ثم يلبس ثيابا و يفرش له و يغدى عليه و يراح بالأدوية و الأغذية و الأطباء حتى يبرأ، فإذا أكل فرّوجا و رغيفا أمر بالانصراف و أعطي ماله و ثيابه، و في سنة اثنتين و ستين و مائتين كان ما حبسه على المارستان و العين و المسجد في الجبل الذي يسمى بتنور فرعون، و كان الذي أنفق على المارستان و مستغله ستين ألف دينار، و كان يركب بنفسه في كل يوم جمعة و يتفقد خزائن المارستان و ما فيها و الأطباء، و ينظر إلى المرضى و سائر الأعلّاء و المحبوسين من المجانين، فدخل مرّة حتى وقف بالمجانين، فناداه واحد منهم مغلول: أيّها الأمير اسمع كلامي، ما أنا بمجنون، و إنما عملت عليّ حيلة، و في نفسي شهوة رمانة عريشية أكبر ما يكون، فأمر له بها من ساعته، ففرح بها و هزها في يده ورازها ثم غافل أحمد بن طولون و رمى بها في صدره، فنضحت على ثيابه، و لو تمكنت منه لأتت على صدره، فأمرهم أن يحتفظوا به، ثم لم يعاود بعد ذلك النظر في المارستان.

مارستان كافور

هذا المارستان بناه كافور الإخشيديّ، و هو قائم بتدبير دولة الأمير أبي القاسم أنوجور بن محمد الإخشيد بمدينة مصر في سنة ست و أربعين و ثلاثمائة.

268

مارستان المغافر

هذا المارستان كان في خطة المغافر التي موضعها ما بين العامر من مدينة مصر و بين مصلّى خولان التي بالقرافة، بناه الفتح بن خاقان في أيام أمير المؤمنين المتوكل على اللّه، و قد باد أثره.

المارستان الكبير المنصوريّ‏

هذا المارستان بخط بين القصرين من القاهرة، كان قاعة ست الملك ابنة العزيز بالله نزار بن المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، ثم عرف بدار الأمير فخر الدين جهاركس بعد زوال الدولة الفاطمية، و بدار موسك، ثم عرف بالملك المفضل قطب الدين أحمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، و صار يقال لها لدار القطبية، و لم تزل بيد ذريته إلى أن أخذها الملك المنصور قلاون الألفيّ الصالحيّ من مؤنسة خاتون ابنة الملك العادل المعروفة بالقطبية، و عوّضت عن ذلك قصر الزمرّد برحبة باب العيد في ثامن عشري ربيع الأوّل سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة، بسفارة الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ مدبر الممالك، و رسم بعمارتها مارستانا و قبة و مدرسة، فتولى الشجاعيّ أمر العمارة، و أظهر من الاهتمام و الاحتفال ما لم يسمع بمثله حتى تم الغرض في أسرع مدّة، و هي أحد عشر شهرا و أيام، و كان ذرع هذه الدار عشرة آلاف و ستمائة ذراع و خلفت ست الملك بها ثمانية آلاف جارية و ذخائر جليلة، منها قطعة ياقوت أحمر زنتها عشرة مثاقيل، و كان الشروع في بنائها مارستانا أوّل ربيع الآخر سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة.

و كان سبب بنائه أنّ الملك المنصور لما توجه و هو أمير إلى غزاة الروم في أيام الظاهر بيبرس سنة خمس و سبعين و ستمائة، أصابه بدمشق قولنج عظيم، فعالجه الأطباء بأدوية أخذت له من مارستان نور الدين الشهيد فبرأ، و ركب حتى شاهد المارستان فأعجب به، و نذران آتاه اللّه الملك أن يبني مارستانا، فلما تسلطن أخذ في عمل ذلك فوقع الاختيار على الدار القطبية، و عوّض أهلها عنها قصر الزمرّذ، و ولى الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ أمر عمارته، فأبقى القاعة على حالها و عملها مارستانا، و هي ذات إيوانات أربعة، بكلّ إيوان شاذروان، و بدور قاعتها فقية يصير إليها من الشاذروانات الماء، و اتفق أن بعض الفعلة كان يحفر في أساس المدرسة المنصورية فوجد حق اشنان من نحاس، و وجد رفيقه قمقما نحاسا مختوما برصاص، فأحضرا ذلك إلى الشجاعيّ، فإذا في الحق فصوص ماس و ياقوت و بلخش و لؤلؤ ناصع يدهش الأبصار، و وجد في القمقم ذهبا، كان جملة ذلك نظير ما غرم على العمارة، فحمله إلى أسعد الدين كوهيا الناصريّ العدل، فرفعه إلى السلطان. و لما نجزت العمارة وقف عليها الملك المنصور من الأسلاك بديار مصر و غيرها ما يقارب ألف‏

269

ألف درهم في كلّ سنة، و رتب مصارف المارستان و القبة و المدرسة و مكتب الأيتام، ثم استدعى قدحا من شراب المارستان و شربه و قال: قد وقفت هذا على مثلي فمن دوني، و جعلته وقفا على الملك و المملوك و الجنديّ و الأمير و الكبير و الصغير و الحرّ و العبد الذكور و الإناث، و رتب فيه العقاقير و الأطباء و سائر ما يحتاج إليه من به مرض من الأمراض، و جعل السلطان فيه فرّاشين من الرجال و النساء لخدمة المرضى، و قرّر لهم المعاليم، و نصب الأسرّة للمرضى و فرشها بجميع الفرش المحتاج إليها في المرض، و أفرد لكل طائفة من المرضى موضعا، فجعل أواوين المارستان الأربعة للمرضى بالحميات و نحوها، و أفرد قاعة للرمدى، و قاعة للجرحى، و قاعة لمن به إسهال، و قاعة للنساء، و مكانا للمبرودين ينقسم بقسمين قسم للرجال و قسم للنساء، و جعل الماء يجري في جميع هذه الأماكن، و أفرد مكانا لطبخ الطغام و الأدوية و الأشربة، و مكانا لتركيب المعاجين و الأكحال و الشيافات و نحوها، و مواضع يخزن فيها الحواصل، و جعل مكانا يفرق فيه الأشربة و الأدوية، و مكانا يجلس فيه رئيس اطباء لإلقاء درس طب، و لم يحص عدّة المرضى بل جعله سبيلا لكل من يرد عليه من غنيّ و فقير، و لا حدّد مدّة لإقامة المريض به، بل يرتب منه لمن هو مريض بداره سائر ما يحتاج إليه، و وكل الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحيّ أمير جندار في وقف ما عينه من المواضع، و ترتيب أرباب الوظائف و غيرهم، و جعل النظر لنفسه أيام حياته، ثم من بعده لأولاده، ثم من بعدهم لحاكم المسلمين الشافعيّ، فضمن وقفه كتابا تاريخه يوم الثلاثاء ثالث عشري صفر سنة ثمانين و ستمائة، و لما قرى‏ء عليه كتاب الوقف قال للشجاعيّ: ما رأيت خط الأسعد كاتبي مع خطوط القضاة، أبصر إيش فيه زغل حتى ما كتب عليه، فما زال يقرّب لذهنه أن هذا مما لا يكتب عليه إلّا قضاة الإسلام حتى فهم ذلك، فبلغ مصروف الشراب منه في كل يوم خمسمائة رطل سوى السكّر، و رتب فيه عدّة ما بين أمين و مباشر، و جعل مباشرين للإدارة، و هم الذين يضبطون ما يشترى من أوصناف، و ما يحضر منها إلى المارستان، و مباشرين لاستخراج مال الوقف، و مباشرين في المطبخ، و مباشرين في عمارة الأوقاف التي تتعلق به، و قرّر في القبة خمسين مقرئا يتناوبون قراءة القرآن ليلا و نهارا، و رتب بها إماما راتبا، و جعل بها رئيسا للمؤذنين عند ما يؤذنون فوق منارة ليس في إقليم مصر أجلّ منها، و رتب بهذه القبة درسا لتفسير القرآن فيه مدرّس و معيدان و ثلاثون طالبا، و درس حديث نبويّ، و جعل بها خزانة كتب و ستة خدّام طواشية لا يزالون بها، و رتب بالمدرسة إماما راتبا و متصدّرا لإقراء القرآن، و دروسا أربعة للفقه على المذاهب الأربعة، و رتب بمكتب السبيل معلمين يقرءان الأيتام، و رتب للأيتام رطلين من الخبز في كلّ يوم لكلّ يتيم، مع كسوة الشتاء و الصيف.

فلما ولي الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك نظر المارستان، أنشأ به قاعة للمرضى، و نحت الحجارة المبنيّ بها الجدر كلها حتى صارت كأنها جديدة، و جدّد تذهيب‏

270

الطراز بظاهر المدرسة و القبة، و عمل خمية تظل الأقفاص طولها مائة ذراع، قام بذلك من ماله دون مال الوقف، و نقل أيضا حوض ماء كان برسم شرب البهائم من جانب باب المارستان و أبطله لتاذي الناس بنتن رائحة ما يجتمع قدّامه من الأوساخ، و أنشأ سبيل ماء يشرب منه الناس عوض الحوض المذكور، و قد تورّع طائفة من أهل الديانة عن الصلاة في المدرسة المنصورية و القبة، و عابوا المارستان لكثرة عسف الناس في عمله، و ذلك أنه لما وقع اختيار السلطان على عمل الدار القطبية مارستانا ندب الطواشي حسام الدين بلالا المغيثيّ للكلام في شرائها، فساس الأمر في ذلك حتى أنعمت مؤنسة خاتون ببيعها على أن تعوّض عنها بدار تلمها و عيالها، فعوّضت قصر الزمرّذ برحبة باب العيد مع مبلغ مال حمل إليها، و وقع البيع على هذا، فندب السلطان الأمير سنجر الشجاعيّ للعمارة، فأخرج النساء من القطبية من غير مهلة، و أخذ ثلاثمائة أسير و جمع صناع القاهرة و مصر و تقدّم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم في الدار القطبية، و منعهم أن يعملوا لأحد في المدينتين شغلا، و شدّد عليهم في ذلك، و كان مهابا، فلازموا العمل عنده، و نقل من قلعة الروضة ما احتاج إليه من العمد الصوّان و العمد الرخام و القواعد و الأعتاب و الرخام البديع و غير ذلك، و صار يركب إليها كلّ يوم و ينقل الأنقاض المذكورة على العجل إلى المارستان، و يعود إلى المارستان فيقف مع الصناع على الأساقيل حتى لا يتوانوا في عملهم، و أوقف مماليكه بين القصرين، فكان إذا مرّ أحد و لو جلّ ألزموه أن يرفع حجرا و يلقيه في موضع العمارة، فينزل الجنديّ و الرئيس عن فرسه حتى يفعل ذلك، فترك أكثر الناس المرور من هناك، و رتبوا بعد الفراغ من العمارة، و ترتيب الوقف فتيا صورتها ما يقول أئمة الدين في موضع أخرج أهله منه كرها، و عمر بمستحثين يعسفون الصناع، و أخرب ما عمره الغير و نقل إليه ما كان فيه فعمر به، هل تجوز الصلاة فيه أم لا، فكتب جماعة من الفقهاء لا تجوز فيه الصلاة، فما زال المجد عيسى بن الخشاب حتى أوقف الشجاعيّ على ذلك، فشق عليه، و جمع القضاة و مشايخ العلم بالمدرسة المنصورية و أعلمهم بالفتيا فلم يجبه أحد منهم بشي‏ء سوى الشيخ محمد المرجانيّ فإنه قال: أنا أفتيت بمنع الصلاة فيها، و أقول الآن أنه يكره الدخول من بابها، و نهض قائما فانفض الناس. و اتفق أيضا أن الشجاعيّ ما زال بالشيخ محمد المرجانيّ، يلح في سؤاله أن يعمل ميعاد وعظ بالمدرسة المنصورية حتى أجاب بعد تمنع شديد، فحضر الشجاعيّ و القضاة، و أخذ المرجانيّ في ذكر ولاة الأمور من الملوك و الأمراء و القضاة، و ذمّ من يأخذ الأراضي غصبا، و يستحث العمال في عمائره و ينقص من أجورهم و ختم بقوله تعالى: وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى‏ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا [الفرقان/ 27] و قام، فسأله الشجاعيّ الدعاء له فقال: يا علم الدين قد دعا لك و دعا عليك من هو خير مني، و ذكر قول النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «اللهمّ من ولى من أمر أمّتي‏

271

شيئا فرفق بهم فارفق به و من شق عليهم فاشقق عليه» و انصرف. فصار الشجاعيّ: من ذلك في قلق، و طلب الشيخ تقيّ الدين محمد بن دقيق العيد و كان له فيه اعتقاد حسن و فاوضه في حديث الناس في منع الصلاة في المدرسة، و ذكر له أن السلطان إنما أراد محاكاة نور الدين الشهيد و الاقتداء به لرغبته في عمل الخير، فوقع الناس في القدح فيه، و لم يقدحوا في نور الدين. فقال له: إن نور الدين أسر بعض ملوك الفرنج و قصد قتله، ففدى نفسه بتسليم خمسة قلاع و خمسمائة ألف دينار حتى أطلقه، فمات في طريقه قبل وصوله مملكته، و عمر نور الدين بذلك المال مارستانه بدمشق من غير مستحث، فمن أين يا علم الدين تجد مالا مثل هذا المال و سلطانا مثل نور الدين، غير أن السلطان له نيته، و أرجو له الخير بعمارة هذا الموضع، و أنت إن كان وقوفك في عمله بنية نفع الناس فلك الأجر، و إن كان لأجل أن يعلم أستاذك علوّ همتك فما حصلت على شي‏ء. فقال الشجاعيّ: اللّه المطلع على النيات، و قرّر ابن دقيق العيد في تدريس القبة.

قال مؤلفه: إن كان التحرّج من الصلاة لأجل أخذ الدار القطبية من أهلها بغير رضاهم و إخراجهم منها بعسف و استعمال أنقاض القلعة بالروضة، فلعمري ما تملك بني أيوب الدار القطبية و بناؤهم قلعة الروضة و إخراجهم أهل القصور من قصورهم التي كانت بالقاهرة و إخراج سكان الروضة من مساكنهم، إلّا كأخذ قلاون الدار المذكورة و بنائها بما هدمه من القلعة المذكورة و إخراج مؤنسة و عيالها من الدار القطبية، و أنت إن أمعنت النظر و عرفت ما جرى تبين لك أن ما القوم إلّا سارق من سارق، و غاصب من غاصب، و إن كان التحرّج من الصلاة لأجل عسف العمال و تسخير الرجال، فشي‏ء آخر بالله عرّفني، فإني غير عارف من منهم لم يسلك في أعماله هذا السبيل، غير أن بعضهم أظلم من بعض، و قد مدح غير واحد من الشعراء هذه العمارة، منهم شرف الدين البوصيريّ فقال:

و مدرسة ود الخورنق أنّه‏* * * لديها خطير و السدير غدير

مدينة علم و المدارس حولها* * * قرى أو نجوم بدر هنّ منير

تبدّت فأخفى الظاهرية نورها* * * و ليس يظهر للنجوم ظهور

بناء كأنّ النحل هندس شكله‏* * * و لانت له كالشمع فيه صخور

بناها سعيد في بقاع سعيدة* * * بها سعدت قبل المدارس نور

و من حيثما وجّهت وجهك نحوها* * * تلقّتك منها نضرة و سرور

إذا قام يدعو اللّه فيها مؤذن‏* * * فما هو إلّا للنجوم سمير

المارستان المؤيدي‏

هذا المارستان فوق الصوّة تجاه طبلخاناه قلعة الجبل، حيث كانت مدرسة الأشرف‏

272

شعبان بن حسين التي هدمها الناصر فرج بن برقوق، و بابه هو حيث كان باب المدرسة، إلّا أنه ضيق عما كان، أنشأه المؤيد شيخ في مدّة أوّلها جمادى الآخرة سنة إحدى و عشرين و ثمانمائة، و آخرها رجب سنة ثلاث و عشرين، و نزل فيه المرضى في نصف شعبان، و عملت مصارفه من جملة أوقاف الجامع المؤيديّ المجاور لباب زويلة، فلما مات الملك المؤيد في ثامن المحرّم سنة أربع و عشرين تعطل قليلا، ثم سكنه طائفة من العجم المستجدّين في ربيع الأوّل منها، و صار منزلا للرسل الواردين من البلاد إلى السلطان، ثم عمل فيه منبر و رتب له خطيب و إمام و مؤذنون و بوّاب و قومة، و أقيمت به الجمعة في شهر ربيع الآخر سنة خمس و عشرين و ثمانمائة، فاستمرّ جامعا تصرف معاليم أرباب وظائفه المذكورين من وقف الجامع المؤيدي.

ذكر المساجد

قال ابن سيده: المسجد الموضع الذي يسجد فيه. و قال الزجاج: كلّ موضع يتعبد فيه فهو مسجد، ألا ترى أن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» و قوله عز و جلّ: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏ [البقرة/ 114] المعنى على هذا المذهب أنه من أظلم ممن خالف قبلة الإسلام، و قد كان حكمه أن لا يجي‏ء على مفعل، لأن حق اسم المكان و المصدر من فعل يفعل أن يجي‏ء على مفعل، و لكنه أحد الحروف التي شذت فجاءت على مفعل. قال سيبويه: و أما المسجد فإنهم جعلوه اسما للبيت، و لم يأت على فعل يفعل، كما قال في المدق: أنه اسم للجود، يعني أنه ليس على الفعل، و لو كان على الفعل لقيل مدق لأنه آلة و الآلات تجى‏ء على مفعل كمخزن و مكنس و مكسح، و المسجدة الجمرة المسجود عليها، و قوله تعالى و إن المساجد للّه، قيل هي مواضع السجود من الإنسان، الجبهة و اليدان و الركبتان و الرجلان. و قال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ في كتاب النقط على الخطط عن القاضي أبي عبد اللّه القضاعيّ: أنه كان في مصر الفسطاط من المساجد ستة و ثلاثون ألف مسجد. و قال المسبحيّ في حوادث سنة ثلاث و أربعمائة: و أحصى أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه المساجد التي لا غلة لها فكانت ثمانمائة مسجد، فأطلق لها في كلّ شهر من بيت المال تسعة آلاف و مائتين و عشرين درهما، و في سنة خمس و أربعمائة حبس الحاكم بأمر اللّه سبع ضياع منها، اطفيح و طوخ على القرّاء.

و المؤذنين بالجوامع، و على مل‏ء المصانع و المارستان، و في ثمن الأكفان. و ذكر ابن المتوّج أن عدّة المساجد بمصر في زمنه أربعمائة و ثمانون مسجدا ذكرها.

273

المسجد بجوار دير البعل‏

قد تقدّم‏ (1) في أخبار الكنائس و الديارات من هذا الكتاب خبر دير البعل، و أنه يعرف بدير الفطير، و لما كان في سنة خمس و سبعين و ستمائة خرج جماعة من المسلمين إلى دير البعل فرأوا آثار محاريب بجوار الدير فعرّفوا الصاحب بهاء الدين بن حنا ذلك، فسير المهندسين لكشف ما ذكر، فعادوا إليه و أخبروه أنه آثار مسجد، فشاور الملك الظاهر بيبرس و عمره مسجدا بجانب الدير، و هو عامر إلى الآن، و بتّ به و هو من أحسن مشترقات مصر، و له وقف جيد و مرتب يقوم به نصارى الدير.

مسجد ابن الجباس‏

هذا المسجد خارج باب زويلة بالقرب من مصلّى الأموات دون باب اليانسية، عرف بالشيخ أبي عبد اللّه محمد بن عليّ بن أحمد بن محمد بن جوشن المعروف بابن الجباس بجيم و باء موحدة بعدها ألف و سين مهملة- القرشيّ العقيليّ الفقيه الشافعيّ المقرئ، كان فاضلا صالحا زاهدا عابدا مقرئا، كتب بخطه كثيرا و سمع الحديث النبويّ، و مولده يوم السبت سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة بالقاهرة، و وفاته ... (2)

مسجد ابن البناء

هذا المسجد داخل باب زويلة، و تسميه العوامّ سام بن نوح النبيّ (عليه السلام)، و هو من مختلفاتهم التي لا أصل لها، و إنما يعرف بمسجد ابن البناء، و سام بن نوح لعله لم يدخل أرض مصر البتة، فإن اللّه سبحانه و تعالى لما نجّى نبيه نوحا من الطوفان خرج معه من السفينة أولاده الثلاثة، و هم سام و حام و يافث، و من هذه الثلاثة ذرأ اللّه سائر بني آدم كما قال تعالى: وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ‏ [الصافات/ 77] فقسم نوح الأرض بين أولاده الثلاثة، فصار لسام بن نوح العراق و فارس إلى الهند ثم إلى حضر موت و عمان و البحرين و عالج و يبرين و الدوووبار و الدهناء و سائر أرض اليمن و الحجاز، و من نسله الفرس و السريانيون و العبرانيون و العرب و النبط و العماليق. و صار لحام بن نوح الجنوب مما يلي أرض مصر مغرّبا إلى المغرب الأقصى، و من نسله الحبشة و الزنج و القبط سكان مصر و أهل النوبة و الأفارقة أهل إفريقية و أجناس البربر، و صار ليافث بن نوح بحر الخرز مشرّقا إلى الصين، و من نسله الصقالبة و الفرنج و الروم و الغوط و أهل الصين و اليونانيون و الترك.

____________

(1) قوله تقدّم: يقصد به سيأتي ذكره.

(2) بياض في الأصل.

274

و قد بلغني أن هذا المسجد كان كنيسة لليهود القرّايين تعرف بسام بن نوح، و أن الحاكم بأمر اللّه أخذ هذه الكنيسة لما هدم الكنائس و جعلها مسجدا، و تزعم اليهود القرّايون الآن بمصر أن سام بن نوح مدفون هنا، و هم إلى الآن يحلفون من أسلم منهم بهذا المسجد.

أخبرني به قاضي اليهود إبراهيم بن فرج اللّه بن عبد الكافي الداوديّ العانانيّ، و ليس هذا بأوّل شي‏ء اختلقته العامّة.

و ابن البناء: هذا هو محمد بن عمر بن أحمد بن جامع بن البناء أبو عبد اللّه الشافعيّ المقرئ، سمع من القاضي مجلي، و أبي عبد اللّه الكيزانيّ و غيره، و حدّث و أقرأ القرآن، و انتفع به جماعة. و هو منقطع بهذا المسجد، و كان يعرف خطه بخط بين البابين، ثم عرف بخط الأقفاليين، ثم هو الآن يعرف بخط الضبيين و باب القوس. و مات ابن البناء هذا في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر سنة إحدى و تسعين و خمسمائة، و اتفق لي عند هذا المسجد أمر عجيب، و هو أني مررت من هناك يوما أعوام بضع و ثمانين و سبعمائة، و القاهرة يومئذ لا يمرّ الإنسان بشارعها حتى يلقى عناء من شدّة ازدحام الناس لكثرة مرورهم ركبانا و مشاة، فعند ما حاذيت أوّل هذا المسجد إذا برجل يمشي أمامي و هو يقول لرفيقه: و اللّه يا أخي ما مررت بهذا المكان قط إلّا و انقطع نعلي، فو اللّه ما فرغ من كلامه حتى وطئ شخص من كثرة الزحام على مؤخر نعله و قد مدّ رجله ليخطو فانقطع تجاه باب المسجد، فكان هذا من عجائب الأمور و غرائب الاتفاق.

مسجد الحلبيين‏

هذا المسجد فيما بين باب الزهومة و درب شمس الدولة، على يسرة من سلك من حمّام خشيبة طالبا البندقانيين. بني على المكان الذي قتل فيه الخليفة الظاهر نصر بن عباس الوزير و دفنه تحت الأرض، فلما قدم طلائع بن رزيك من الأشمونين إلى القاهرة باستدعاء أهل القصر له ليأخذ بثار الخليفة، و غلب على الوزارة، استخرج الظافر من هذا الموضع و نقله إلى تربة الصر و بنى موضعه هذا المسجد و سماه المشهد، و عمل له بابين أحدهما هذا الباب الموجود، و الباب الثاني كان يتوصل منه إلى دار المأمون البطائحيّ التي هي اليوم مدرسة تعرف بالسيوفية. و قد سدّ هذا الباب، و ما برح هذا المسجد يعرف بالمشهد إلى أن انقطع فيه محمد بن أبي الفضل بن سلطان بن عمار بن تمام أبو عبد اللّه الحلبيّ الجعبريّ المعروف بالخطيب، و كان صالحا كثير العبادة زاهدا منقطعا عن الناس، و رعا و سمع الحديث و حدّث، و كان مولده في شهر رجب سنة أربع و عشرين و ستمائة بقلعة جعبر، و وفاته بهذا المسجد، و قد طالت إقامته فيه يوم الاثنين سادس عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة و سبعمائة، و دفن بمقابر باب النصر رحمه اللّه، و هذا المسجد من أحسن مساجد القاهرة و أبهجها.

275

مسجد الكافوريّ‏

هذا المسجد كان في البستان الكافوريّ من القاهرة بناه الوزير المأمون أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحيّ، في سنة ست عشرة و خمسمائة، و تولى عمارته وكيله أبو البركات محمد بن عثمان، و كتب اسمه عليه، و هو باق إلى اليوم بخط الكافوريّ، و يعرف هناك بمسجد الخلفاء، و فيه نخل و شجر و هو مرخم برخام حسن.

مسجد رشيد

هذا المسجد خارج باب زويلة بخط تحت الربع على يسرة من سلك من دار التفاح يريد قنطرة الخرق، بناه رشيد الدين البهائيّ.

المسجد المعروف بزرع النوى‏

هذا المسجد خارج باب زويلة بخط سوق الطيور، على يسرة من سلك من رأس المنجبية طالبا جامع قوصون و الصليبة، و تزعم العامّة أنه بني على قبر رجل يعرف بزرع النوى، و هو من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و هذا أيضا من افتراء العامّة الكذب، فإن الذين أفردوا أسماء الصحابة رضي اللّه عنهم كالإمام أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاريّ في تاريخه الكبير، و ابن أبي خيثمة، و الحافظ أبي عبد اللّه بن منذر، و الحافظ أبي نعيم الأصفهانيّ، و الحافظ أبي عمر بن عبد البرّ، و الفقيه الحافظ أبي محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم، لم يذكر أحد منهم صحابيا يعرف بزرع النوى. و قد ذكر في أخبار القرافة من هذا الكتاب من قبر بمصر من الصحابة، و ذكر في أخبار مدينة فسطاط مصر أيضا من دخل مصر من الصحابة، و ليس هذا منهم، و هذا إن كان هناك قبر فهو لأمين الأمناء أبي عبد اللّه الحسين بن طاهر الوزان، و كان من أمره أن الخليفة الحاكم بأمر اللّه أبا عليّ منصور بن العزيز بالله خلع عليه للوساطة بينه و بين الناس، و التوقيع عن الحضرة في شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث و أربعمائة، و كان قبل ذلك يتولى بيت المال فاستخدم فيه أخاه أبا الفتح مسعودا، و كان قد ظفر بمال يكون عشرات و صياغات و أمتعة و طرائف و فرش و غير ذلك في عدّة آدر بمصر، و جميعه مما خلفه قائد القوّاد الحسين بن جوهر القائد، فباع المتاع و أضاف ثمنه إلى العين، فحصل منه مال كثير، و طالع الحاكم بأمر اللّه به أجمع لورثة قائد القوّاد، و لم يتعرّض منه لشي‏ء، و كثرت صلات الحاكم و عطاؤه و توقيعاته، فانطلق في ذلك فاتصل به عن أمين الأمناء بعض التوقف، فخرجت إليه رقعة بخطه في الثامن و العشرين من شهر رجب سنة ثلاث و أربعمائة نسختها، بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه كما هو أهله:

أصبحت لا أرجو و لا أتقي‏* * * إلّا إلهي و له الفضل‏

276

جدّي نبيّ و إمامي أبي‏* * * و ديني الإخلاص و العدل‏

ما عندكم ينفد و ما عند اللّه باق، المال مال اللّه عز و جلّ، و الخلق عيال اللّه، و نحن أمناؤه في الأرض، أطلق أزراق الناس و لا تقطعها و السلام. و لم يزل على ذلك إلى أن بطل أمره في جمادى الآخرة من سنة خمس و أربعمائة، و ذلك أنه ركب مع الحاكم على عادته، فلما حصل بحارة كتامة خارج القاهرة ضرب رقبته هناك و دفن في هذا الموضع تخمينا، و استحضر الحاكم جماعة الكتّاب بعد قتله و سأل رؤساء الدواوين عما يتولاه كل واحد منهم، و أمرهم بلزوم دواوينهم و توفرهم على الخدمة، و كانت مدّة نظر ابن الوزان في الوساطة و التوقيع عن الحضرة، و هي رتبة الوزارة، سنتين و شهرين و عشرين يوما، و كان توقيعه عن الحضرة الإمامية الحمد للّه و عليه توكلي.

مسجد الذخيرة

هذا المسجد تحت قلعة الجبل بأوّل الرميلة تجاه شبابيك مدرسة السلطان حسن بن محمد بن قلاون التي تلي بابها الكبير الذي سدّه الملك الظاهر برقوق، أنشأه ذخيرة الملك جعفر متولي الشرطة. قال ابن المأمون في تاريخه: في هذه السنة، يعني سنة ست عشرة و خمسمائة، استخدم ذخيرة الملك جعفر في ولاية القاهرة و الحسبة بسجل أنشأه ابن الصيرفيّ، و جرى من عسفه و ظلمه ما هو مشهور، و بنى المسجد الذي ما بين الباب الجديد إلى الجبل الذي هو به معروف، و سمّي مسجد لا بالله، بحكم أنه كان يقبض الناس من الطريق و يعسفهم، فيحلفونه و يقولون له لا بالله، فيقيدهم و يستعملهم فيه بغير أجرة، و لم يعمل فيه منذ أنشأه إلّا صانع مكره، أو فاعل مقيد، و كتبت عليه هذه الأبيات المشهورة:

بنى مسجدا للّه من غير حله‏* * * و كانّ بحمد اللّه غير موفق‏

كمطعمة الأيتام من كدّ فرجها* * * لك الويل لا تزني و لا تتصدّقي‏

و كان قد أبدع في عذاب الجناة و أهل الفساد، و خرج عن حكم الكتّاب فابتلى بالأمراض الخارجة عن المعتاد، و مات بعد ما عجل اللّه له ما قدّمه، و تجنب الناس تشييعه و الصلاة عليه، و ذكر عنه في حالتي غسله و حلوله بقبره ما يعيذ اللّه كلّ مسلم من مثله. و قال ابن عبد الظاهر: مسجد الذخيرة تحت قلعة الجبل، و ذكر ما تقدّم عن ابن المأمون.

مسجد رسلان‏

هذا المسجد بحارة اليانسية، عرف بالشيخ الصالح رسلان لإقامته به، و قد حكيت عنه كرامات، و مات به في سنة إحدى و تسعين و خمسمائة، و كان يتقوّت من أجرة خياطته للثياب، و ابنه عبد الرحمن بن محمد بن رسلان أبو القاسم كان فقيها محدّثا مقرئا، مات في سنة سبع و عشرين و ستمائة.

277

مسجد ابن الشيخيّ‏

هذا المسجد بخط الكافوريّ مما يلي باب القنطرة وجهة الخليج مجاور لدار ابن الشيخي، أنشأه المهتار ناصر الدين محمد بن علاء الدين عليّ الشيخيّ مهتار السلطان بالإصطبلات السلطانية، و قرّر فيه شيخنا تقيّ الدين محمد بن حاتم، فكان يعمل فيه ميعادا يجتمع الناس فيه لسماع وعظه، و كان ابن الشيخي هذا حشما فخورا خيّرا يحب أهل العلم و الصلاح، و يكرمهم. و لم نر بعده في رتبته مثله، و مات ليلة الثلاثاء أوّل يوم من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث و تسعين و سبعمائة.

مسجد يانس‏

هذا المسجد كان تجاه باب سعادة خارج القاهرة. قال ابن المأمون في تاريخه: و كان الأجلّ المأمون يعني الوزير محمد بن فاتك البطائحيّ، قد ضم إليه عدّة من مماليك الأفضل بن أمير الجيوش، من جملتهم يانس، و جعله مقدّما على صبيان جلسه، و سلّم إليه بيت ماله، و ميزه في رسومه. فلما رأى المذكور في ليلة النصف من شهر رجب، يعني سنة ست عشرة و خمسمائة، ما عمل في المسجد المستجدّ قبالة باب الخوخة من الهمة و وفور الصدقات و ملازمة الصلوات، و ما حصل فيه من المثوبات، كتب رقعة يسأل فيها أن يفسح له في بناء مسجد بظاهر باب سعادة، فلم يجبه المأمون إلى ذلك و قال له: ما ثم مانع من عمارة المساجد، و أرض اللّه واسعة، و إنما هذا الساحل فيه معونة للمسلمين و موردة للسقائين، و هو مرسى مراكب الغلة، و المضرّة في مضايقة المسلمين فيه منه، و لو لم يكن المسجد المستجدّ قبالة باب الخوخة محرسا لما استجدّ، حتى إنّا لم نخرج بساحته الأولى، فإن أردت أن تبني قبليّ مسجد الريفي أو على شاطي‏ء الخليج فالطريق ثم سهلة. فقبّل الأرض و امتثل الأمر، فلما قبض على المأمون و أمّرّ الخليفة يانس المذكور و لم يزل ينقله إلى أن استخدمه في حجبة بابه، سأله في مثل ذلك فلم يجبه، إلى أن أخذ الوزارة فبناه في المكان المذكور. و كانت مدّته يسيرة، فتوفي قبل إتمامه و إكماله، فكمله أولاده بعد وفاته.

انتهى. و قد تقدّم خبر وزارة أبي الفتح ناظر الجيوش يانس الأرمنيّ هذا عند ذكر الحارة اليانسية من هذا الكتاب.

مسجد باب الخوخة

هذا المسجد تجاه باب الخوخة بجوار مدرسة أبي غالب. قال ابن المأمون في تاريخه من حوادث سنة ست عشرة و خمسمائة: و لما سكن المأمون الأجلّ دار الذهب و ما معها، يعني في أيام النيل للنزهة عند سكن الخليفة الآمر بأحكام اللّه بقصر اللؤلؤة المطل على الخليج، رأى قبالة باب الخوخة محرسا، فاستدعى وكيله و أمره بأن يزيل المحرس المذكور

278

و يبني موضعه مسجدا، و كان الصناع يعملون فيه ليلا و نهارا، حتى أنه تفطر بعد ذلك و احتيج إلى تجديده.

المسجد المعروف بمعبد موسى‏

هذا المسجد بخط الركن المخلق من القاهرة تجاه باب الجامع الأقمر المجاور لحوض السبيل، و على يمنة من سلك من بين القصرين طالبا حبة باب العيد. أوّل من اختطه القائد جوهر عندما وضع القاهرة. قال ابن عبد الظاهر: و لما بنى القائد جوهر القصر دخل فيه دير العظام، و هو المكان المعروف الآن بالركن المخلق، قبالة حوض الجامع الأقمر، و قريب دير العظام، و المصريون يقولون بئر العظمة، فكره أن يكون في القصر دير فنقل العظام التي كانت به و الرّمم إلى دير بناه في الخندق، لأنه كان يقال إنها كانت عظام جماعة من الحواريين، و بنى مكانها مسجدا من داخل السور، يعني سور القصر. و قال جامع سيرة الظاهر بيبرس: و في ذي الحجة سنة ستين و ستمائة ظهر بالمسجد الذي بالركن المخلق من القاهرة حجر مكتوب عليه. هذا معبد موسى بن عمران (عليه السلام)، فجدّدت عمارته و صار يعرف بمعبد موسى من حينئذ، و وقف عليه ربع بجانبه، و هو باق إلى وقتنا هذا.

مسجد نجم الدين‏

هذا المسجد ظاهر باب النصر، أنشأه الملك الأفضل نجم الدين أبو سعيد أيوب بن شادي يعقوب بن مروان الكرديّ، والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، و جعل إلى جانبه حوض ماء للسبيل ترده الدواب في سنة ست و ستين و خمسمائة، و نجم الدين هذا قدم هو و أخوه أسد الدين شيركوه من بلاد الأكراد إلى بغداد، و خدم بها و ترقى في الخدم حتى صار دزدارا بقلعة تكريت و معه أخوه، ثم إنه انتقل عنها إلى خدمة الملك المنصور عماد الدين أتابك زنكي بالموصل، فخدمه حتى مات، فتعلق بخدمة ابنه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي فرقّاه و أعطاه بعلبك، و حج من دمشق سنة خمس و خمسمائة، فلما قدم ابنه صلاح الدين يوسف بن أيوب معه عمه أسد الدين شيركوه من عند نور الدين محمود إلى القاهرة، و صار إلى وزارة العاضد بعد موت شيركوه، قدم عليه أبوه نجم الدين في جمادى الآخرة سنة خمس و ستين و خمسمائة، و خرج العاضد إلى لقائه و أنزله بمناظر اللؤلؤة، فلما استبدّ صلاح الدين بسلطنة مصر بعد موت الخليفة العاضد أقطع أباه نجم الدين الإسكندرية البحيرة إلى أن مات بالقاهرة، في يوم الثلاثاء لثلاث بقين من ذي الحجة، سنة ثمان و ستين و خمسمائة، و قيل في ثامن عشرة من سقطة عن ظهر فرسه خارج باب النصر، فحمل إلى داره فمات بعد أيام، و كان خيّرا جوادا متدينا محبا لأهل العلم و الخير، و ما مات حتى رأى‏

279

من أولاده عدّة ملوك، و صار يقال له أبو الملوك، و مدحه العماد الأصبهانيّ بعدّة قصائد، و رثاه الفقيه عمارة بقصيدته التي أوّلها:

هي الصدمة الأولى فمن بان صبره‏* * * على هول ملقاه تعاظم أمره‏

مسجد صواب‏

هذا المسجد خارج القاهرة بخط الصليبة، عرف بالطواشي شمس الدين صواب مقدّم المماليك السلطانية، و مات في ثامن رجب سنة اثنتين و أربعين و ستمائة، و دفن به و كان خيرا دينا فيه صلاح.

المسجد بجوار المشهد الحسينيّ‏

هذا المسجد أنهيّ في مستهل شهر رجب سنة اثنتين و ستين و ستمائة، للملك الظاهر ركن الدين بيبرس، و هو بدار العدل، أن مسجدا على باب مشهد السيد الحسين (عليه السلام)، و إلى جانبه مكان من حقوق القصر بيع و حمل ثمنه للديوان، و هو ستة آلاف درهم، فسأل السلطان عن صورة المسجد و هذا الموضع، و هل كل منهما بمفرده أو عليهما حائط دائر، فقيل له إن بينهما زرب قصب، فأمر بردّ المبلغ و أبقى الجميع مسجدا، و أمر بعمارة ذلك مسجدا للّه تعالى.

مسجد الفجل‏

هذا المسجد بخط بين القصرين تجاه بيت البيسريّ، أصله من مساجد الخلفاء الفاطميين، أنشأه على ما هو عليه الآن الأمير بشتاك أخذ قصر أمير سلاح، و دار أقطوان الساقي، و أحد عشر مسجدا، و أربعة معابد كانت من عمارة الخلفاء و أدخلها في عمارته التي تعرف اليوم بقصر بشتاك، و لم يترك من المساجد و المعابد سوى هذا المسجد فقط، و يجلس فيه بعض نوّاب القضاة المالكية للحكم بين الناس، و تسميه العامّة مسجد الفجل، و تزعم أن النيل الأعظم كان يمرّ بهذا المكان، و أن الفجل كان يغسل موضع هذا المسجد فعرف بذلك، و هذا القول كذب لا أصل له، و قد تقدّم في هذا الكتاب ما كان عليه موضع القاهرة قبل بنائها، و ما علمت أن النيل كان يمرّ هناك أبدا، و بلغني أنه عرف بمسجد الفجل من أجل أن الذي كان يقوم به كان يعرف بالفجل، و اللّه أعلم.

مسجد تبر

هذا المسجد خارج القاهرة مما يلي الخندق، عرف قديما بالبئر، و الجميزة، و عرف بمسجد تبر، و تسميه العامّة مسجد التبن و هو خطأ، و موضعه خارج القاهرة قريبا من‏

280

المطرية. قال القضاعيّ: مسجد تبر بني على رأس إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، أنفذه المنصور فسرقه أهل مصر و دفنوه هناك، و ذلك في سنة خمس و أربعين و مائة، و يعرف بمسجد البئر و الجميزة. و قال الكنديّ في كتاب الأمراء: ثم قدمت الخطباء إلى مصر برأس إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب في ذي الحجة سنة خمس و أربعين و مائة، لينصبوه في المسجد الجامع، و قامت الخطباء فذكروا أمره.

و تبر هذا أحد الأمراء الأكابر في أيام الأستاذ كافور الإخشيديّ، فلما قدم جوهر القائد من المغرب بالعساكر ثار تبر الإخشيديّ هذا في جماعة من الكافورية و الإخشيدية و حاربه، فانهزم بمن معه إلى أسفل الأرض، فبعث جوهر يستعطفه فلم يجب و أقام على الخلاف، فسير إليه عسكرا حاربه بناحية صهرجت فانكسر و صار إلى مدينة صور التي كانت على الساحل في البحر، فقبض عليه بها و أدخل إلى القاهرة على فيل، فسجن إلى صفر سنة ستين و ثلاثمائة، فاشتدّت المطالبة عليه، و ضرب بالسياط و قبضت أمواله، و حبس عدّة من أصحابه بالمطبق في القيود إلى ربيع الآخر منها، فجرح نفسه و أقام أياما مريضا و مات، فسلخ بعد موته و صلب عند كرسي الجبل. و قال ابن عبد الظاهر أنه حشي جلدة تبنا و صلب، فربما سمت العامّة مسجده بذلك لما ذكرناه، و قيل أن تبرا هذا خادم الدولة المصرية، و قبره بالمسجد المذكور. قال مؤلفه: هذا وهم و إنما هو تبر الإخشيديّ.

مسجد القطبية

هذا المسجد كان حيث المدرسة المنصورية بين القصرين و اللّه أعلم.

ذكر الخوانك‏

الخوانك جمع خانكاه، و هي كلمة فارسية معناها بيت، و قيل أصلها خونقاه، أي الموضع الذي يأكل فيه الملك. و الخوانك حدثت في الإسلام في حدود الأربعمائة من سني الهجرة، و جعلت لتخلي الصوفية فيها لعبادة اللّه تعالى. قال الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيريّ رحمه اللّه: اعلموا أن المسلمين بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يتسمّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لهم الصحابة، و لما أدرك أهل العصر الثاني، سميّ من صحب الصحابة التابعين، و رأوا ذلك أشرف سمة. ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين، ثم اختلف الناس و تباينت المراتب، فقيل لخواص خواص الناس ممن لهم شدّة عناية بأمر الدين الزهّاد و العبّاد، ثم ظهرت البدع و حصل التداعي بين الفرق، فكلّ فريق ادّعوا أنّ فيهم زهادا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع اللّه الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوّف، و اشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة.

281

قال: و هذه التسمية غلبت على هذه الطائفة، فيقال رجل صوفيّ، و للجماعة الصوفية، و من يتوصل إلى ذلك يقال له متصوّف، و للجماعة المتصوّفة، و ليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس و لا اشتقاق، و او ظهر فيه أنه كاللّقب، فأمّا قول من قال أنه من الصوف، و تصوف إذا لبس الصوف كما يقال تقمص إذا لبس القميص، فذلك وجه، و لكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف. و من قال: إنهم ينسبون إلى صفة مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فالنسبة إلى الصفة لا تجي‏ء على نحو الصوفيّ. و من قال إنه من الصفاء، فاشتقاق الصوفيّ من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة، و قول من قال أنه مشتق من الصف، فكأنهم في الصف الأوّل بقلوبهم من حيث المحاضرة مع اللّه تعالى، فالمعنى صحيح، لكنّ اللغة لا تقتضي هذه النسبة من الصف، ثم إن هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ و استحقاق اشتقاق، و اللّه أعلم. و قال الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد السهرورديّ رحمه اللّه: و الصوفيّ يضع الأشياء في مواضعها، و يدبر الأوقات و الأحوال كلها بالعلم، يقيم الخلق مقامهم، و يقيم أمر الحق مقامه، و يستر ما ينبغي أن يستر، و يظهر ما ينبغي أن يظهر، و يأتي بالأمور من مواضعها بحضور عقل و صحة توحيد و كمال معرفة و رعاية صدق و إخلاص، فقوم من المفتونين لبسوا ألبسة الصوفية لينسبوا إليهم و ما هم منهم بشي‏ء، بل هم في غرور و غلط، يتسترون بلبسة الصوفية توقيا تارة و دعوة أخرى، و ينتهجون مناهج أهل الإباحة و يزعمون أن ضمائرهم خلصت إلى اللّه تعالى، و أن هذا هو الظفر بالمراد و الارتسام بمراسم الشريعة، رتبة العوام و القاصرين الإفهام، و هذا هو عين الإلحاد و الزندقة و الإبعاد، و للّه در القائل:

تنازع الناس في الصوفيّ و اختلفوا* * * فيه و ظنوه مشتقا من الصوف‏

و لست انحل هذا الاسم غير فتى‏* * * صافي و صوفي حتى سميّ الصوفي‏

قال مؤلفه: ذهب و اللّه ما هنالك و صارت الصوفية. كما قال الشيخ فتح الدين محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري:

ما شروط الصوفي في عصرنا اليو* * * م سوى ستة بغير زياده‏

و هي نيك العلوق‏ (1) و السكر و السط* * * لة و الرقص و الغنا و القياده‏

و إذا ما هذى و أبدى اتحادا* * * و حلولا من جهله أو إعاده‏

و أتى المنكرات عقلا و شرعا* * * فهو شيخ الشيوخ ذو السجّاده‏

ثم تلاشى الآن حال الصوفية و مشايخها حتى صاروا من سقط المتاع، لا ينسبون إلى علم و لا ديانة، و إلى اللّه المشتكى. و أوّل من اتخذ بيتا للعبادة زيد بن صوحان بن صبرة،

____________

(1) العلوق: يقال: علقّت المرأة علوقا: أي حبلت.

282

و ذلك أنه عمد إلى رجال من أهل البصرة قد تفرّغوا للعبادة و ليس لهم تجارات و لا غلات، فبنى لهم دورا و أسكنهم فيها و جعل لهم ما يقوم بمصالحهم من مطعم و مشرب و ملبس و غيره، فجاء يوما ليزورهم فسأل عنهم فإذا عبد اللّه بن عامر عامل البصرة لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه قد دعاهم. فأتاه فقال له: يا ابن عامر ما تريد من هؤلاء القوم؟ قال: أريد أن أقرّبهم فيشفعوا فأشفعهم، و يسألوا فأعطيهم، و يشيروا عليّ فأقبل منهم. فقال: لا و لا كرامة، فتأتي إلى قوم قد انقطعوا إلى اللّه تعالى فتدنسهم بدنياك و تشركهم في أمرك، حتى إذا ذهبت أديانهم أعرضت عنهم فطاحوا لا إلى الدنيا و لا إلى الآخرة، قوموا فارجعوا إلى مواضعكم. فقاموا، فأمسك ابن عامر فما نطق بلفظة. ذكره أبو نعيم.

الخانكاه الصلاحية، دار سعيد السعداء، دويرة الصوفية

هذه الخانكاه بخط رحبة باب العيد من القاهرة، كانت أوّلا دارا تعرف في الدولة الفاطمية بدار سعيد السعداء، و هو الأستاذ قنبر، و يقال عنبر. و ذكر ابن ميسر أن اسمه بيان، و لقبه سعيد السعداء، أحد الأستاذين المحنكين خدّام القصر، عتيق الخليفة المستنصر، قتل في سابع شعبان سنة أربع و أربعين و خمسمائة، و رمي برأسه من القصر، ثم صلبت جثته بباب زويلة من ناحية الخرق، و كانت هذه الدار مقابل دار الوزارة. فلما كانت وزارة العادل رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك سكنها و فتح من دار الوزارة إليها سردابا تحت الأرض ليمرّ فيه، ثم سكنها الوزير شاور بن مجير في أيام وزارته، ثم ابنه الكامل. فلما استبدّ الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي بملك مصر بعد موت الخليفة العاضد، و غير رسوم الدولة الفاطمية، و وضع من قصر الخلافة، و أسكن فيه أمراء دولته الأكراد، عمل هذه الدار برسم الفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة، و وقفها عليهم في سنة تسع و ستين و خمسمائة، و ولى عليهم شيخا، و وقف عليهم بستان الحبانية بجوار بركة الفيل خارج القاهرة، و قيسارية الشراب بالقاهرة، و ناحية دهمر، و من البهنساوية، و شرط أنّ من مات من الصوفية و ترك عشرين دينارا فما دونها كانت للفقراء، و لا يتعرّض لها الديوان السلطانيّ، و من أراد منهم السفر يعطى تسفيره، و رتّب للصوفية في كلّ يوم طعاما و لحما و خبزا، و بنى لهم حمّاما بجوارهم، فكانت أوّل خانكاه عملت بديار مصر. و عرفت بدويرة الصوفية، و نعت شيخها بشيخ الشيوخ، و استمرّ ذلك بعده إلى أن كانت الحوادث و المحن منذ سنة ست و ثمانمائة، و اتضعت الأحوال و تلاشت الرتب، فلقب كل شيخ خانكاه بشيخ الشيوخ، و كان سكانها من الصوفية يعرفون بالعلم و الصلاح و ترجى بركتهم، و ولي مشيختها الأكابر و الأعيان كأولاد شيخ الشيوخ بن حمويه، مع ما كان لهم من الوزارة و الإمارة و تدبير الدولة و قيادة الجيوش و تقدمة العساكر. و وليها ذو الرياستين الوزير الصاحب قاضي القضاة تقيّ الدين عبد الرحمن بن ذي الرياستين الوزير الصاحب قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت‏

283

الأعز، و جماعة من الأعيان، و نزل بها الأكابر من الصوفية.

و أخبرني الشيخ أحمد بن عليّ القصار رحمه اللّه: أنه أدرك الناس في يوم الجمعة يأتون من مصر إلى القاهرة ليشاهدوا صوفية خانقاه سعيد السعداء عند ما يتوجهون منها إلى صلاة الجمعة بالجامع الحاكميّ، كي تحصل لهم البركة و الخير بمشاهدتهم، و كان لهم في يوم الجمعة هيئة فاضلة، و ذلك أنه يخرج شيخ الخانقاه منها و بين يديه خدّام الربعة الشريفة قد حملت على رأس أكبرهم، و الصوفية مشاة بسكون و خفر إلى باب الجامع الحاكميّ الذي يلي المنبر، فيدخلون إلى مقصورة كانت هناك على يسرة الداخل من الباب المذكور تعرف بمقصورة البسملة، فإنه بها إلى اليوم بسملة قد كتبت بحروف كبار، فيصلي الشيخ تحية المسجد تحت سحابة منصوبة له دائما، و تصلي الجماعة، ثم يجلسون و تفرّق عليهم أجزاء الربعة فيقرؤون القرآن حتى يؤذن المؤذنون، فتؤخذ الأجزاء منهم و يشتغلون بالتركع و استماع الخطبة، و هم منصتون خاشعون، فإذا قضيت الصلاة و الدعاء بعدها قام قاري‏ء من قرّأ الخانقاه و رفع صوته بقراءة ما تيسر من القرآن، و دعا للسلطان صلاح الدين، و لواقف الجامع و لسائر المسلمين، فإذا فرغ قام الشيخ من مصلاه و سار من الجامع إلى الخانقاه و الصوفية معه كما كان توجههم إلى الجامع، فيكون هذا من أجمل عوايد القاهرة، و ما برح الأمر على ذلك إلى أن ولي الأمير يلبغا السالميّ نظر الخانقاه المذكورة في يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع و تسعين و سبعمائة، فنزل إليها و أخرج كتاب الوقف، و أراد العمل بما فيه من شرط الواقف، فقطع من الصوفية المنزلين بها عشرات ممن له منصب و من هو مشهور بالمال، و زاد الفقراء المجرّدين و هم المقيمون بها في كلّ يوم رغيفا من الخبز، فصار لكلّ مجرّد أربعة أرغفة بعد ما كانت ثلاثة، و رتب بالخانقاه وظيفتي ذكر بعد صلاة العشاء الآخرة و بعد صلاة الصبح، فكثر النكير على السالميّ ممن أخرجهم، و زاد الإشلاء.

فقال بعض أدباء العصر في ذلك:

يا أهل خانقة الصلاح أراكم‏* * * ما بين شاك للزمان و شاتم‏

يكفيكم ما قد أكلتم باطلا* * * من وقفها و خرجتم بالسّالم‏

و كان سبب ولاية السالميّ نظر الخانقاه المذكورة، أن العادة كانت قديما أنّ الشيخ هو الذي يتحدّث في نظرها، فلما كانت أيام الظاهر برقوق ولي مشيختها شخص يعرف بالشيخ محمد البلاليّ قدم من البلاد الشامية، و صار للأمير سودون الشيخونيّ نائب السلطنة بديار مصر فيه اعتقاد، فلما سعى له في المشيخة و استقرّ فيها بتعيينه، سأله أن يتحدّث في النظر إعانة له، فتحدّث، و كانت عدّة الصوفية بها نحو الثلاثمائة رجل، لكلّ منهم في اليوم ثلاثة أرغفة زنتها ثلاثة أرطال خبز، و قطعة لحم زنتها ثلث رطل في مرق، و يعمل لهم الحلوى في كلّ شهر، و يفرّق فيهم الصابون، و يعطي كلّ منهم في السنة عن ثمن كسوة قدر أربعين‏

284

درهما، فنزّل الأمير سودون عندهم جماعة كثيرة عجز ريع الوقف عن القيام لهم بجميع ما ذكر، فقطعت الحلوى و الصابون و الكسوة، ثم إن ناحية دهمر و شرقّت في سنة تسع و تسعين لقصور ماء النيل، فوقع العزم على غلق مطبخ الخانقاه و إبطال الطعام، فلم تحتمل الصوفية ذلك و تكرّرت شكواهم للملك الظاهر برقوق، فولّى الأمير يلبغا السالميّ النظر، و أمره أن يعمل بشرط الواقف.

فلما نزل إلى الخانقاه و تحدّث فيها، اجتمع بشيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقينيّ و أوقفه على كتاب الوقف، فأفتاه بالعمل بشرط الواقف، و هو أن الخانقاه تكون وقفا على الطائفة الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة و القاطنين بالقاهرة و مصر، فإن لم يوجدوا كانت على الفقراء من الفقهاء الشافعية و المالكية الأشعرية الاعتقاد، ثم إنه جمع القضاة و شيخ الإسلام و سائر صوفية الخانقاه بها و قرأ عليهم كتاب الوقف، و سأل القضاة عن حكم اللّه فيه، فانتدب للكلام رجلان من الصوفية، هما زين الدين أبو بكر القمنيّ، و شهاب الدين أحمد العباديّ الحنفيّ، و ارتفعت الأصوات و كثر اللغط، فأشار القضاة على السالميّ أن يعمل بشرط الواقف و انصرفوا، فقطع منهم نحو الستين رجلا، منهم المذكوران، فامتعض العباديّ و غضب من ذلك و شنّع بأنّ السالميّ قد كفر، و بسط لسانه بالقول فيه، و بدت منه سماجات فقبض عليه السالميّ و هو ماش بالقاهرة، فاجتمع عدّة من الأعيان و فرّقوا بينهما، فبلغ ذلك السلطان فأحضر القضاة و الفقهاء و طلب العباديّ في يوم الخميس ثامن شهر رجب و ادّعى عليه السالميّ، فاقتضى الحال تعزيره، فعزر و كشف رأسه و أخرج من القلعة ماشيا بين يدي القضاة و والي القاهرة إلى باب زويلة، فسجن بحبس الديلم، ثم نقل منه إلى حبس الرحبة، فلما كان يوم السبت حادي عشرة، استدعي إلى دار قاضي القضاة جمال الدين محمود القيصريّ الحنفيّ، و ضرب بحضرة الأمير علاء الدين عليّ بن الطبلاويّ والي القاهرة نحو الأربعين ضربة بالعصا تحت رجليه، ثم أعيد إلى الحبس، و أفرج عنه في ثامن عشرة بشفاعة شيخ الإسلام فيه، و لما جدّد الأمير يلبغا السالميّ الجامع الأقمر، و عمل له منبرا و أقيمت به الجمعة في شهر ربيع الأوّل سنة إحدى و ثمانمائة، الزم الشيخ بالخانقاه و الصوفية أن يصلوا الجمعة به، فصاروا يصلّون الجمعة فيه إلى أن زالت أيام السالميّ، فتركوا الاجتماع بالجامع الأقمر، و لم يعودوا إلى ما كانوا عليه من الاجتماع بالجامع الحاكميّ، و نسي ذلك. و لم يكن بهذه الخانقاه مئذنة، و الذي بنى هذه المئذنة شيخ ولي مشيختها في سنة بضع و ثمانين و سبعمائة، يعرف بشهاب الدين أحمد الأنصاريّ، و كان الناس يمرّون في صحن الخانقاه بنعالهم، فجدّد شخص من الصوفية بها يعرف بشهاب الدين أحمد العثمانيّ هذا الدرابزين و غرس فيه هذه الأشجار، و جعل عليها وقفا لمن يتعاهدها بالخدمة.

285

خانقاه ركن الدين بيبرس‏

هذه الخانقاه من جملة دار الوزارة الكبرى التي تقدّم ذكرها عند ذكر القصر من هذا الكتاب، و هي أجلّ خانقاه بالقاهرة بنيانا، و أوسعها مقدارا و أتقنها صنعة، بناها الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوريّ قبل أن يلي السلطنة، و هو أمير. فبدأ في بنائها في سنة ست و سبعمائة، و بنى بجانبها رباطا كبيرا يتوصل إليه من داخلها، و جعل بجانب الخانقاه قبة بها قبره، و لهذه القبة شبابيك تشرف على الشارع المسلوك فيه من رحبة باب العيد إلى باب النصر، من جملتها الشباك الكبير الذي حمله الأمير أبو الحارث البساسيريّ من بغداد، لما غلب الخليفة القائم العباسيّ و أرسل بعمامته و شباكه الذي كان بدار الخلافة في بغداد، و تجلس الخلفاء فيه، و هو هذا الشباك كما ذكر في أخبار دار الوزارة من هذا الكتاب. فلما ورد هذا الشباك من بغداد عمل بدار الوزارة و استمر فيها إلى أن عمر الأمير بيبرس الخانقاه المذكورة فجعل هذا الشباك بقبة الخانقاه، و هو بها إلى يومنا هذا، و إنه لشباك جليل القدر. حشم يكاد يتبين عليه أبهة الخلافة. و لما شرع في بنائها رفق بالناس و لا طفهم و لم يعسف فيها أحدا في بنائها و لا أكره صانعا و لا غصب من آلاتها شيئا، و إنما اشترى دار الأمير عز الدين الأفرم التي كانت بمدينة مصر، و اشترى دار الوزير هبة اللّه بن صاعد الفائزيّ، و أخذ ما كان فيهما من الأنقاض، و اشترى أيضا دار الأنماط التي كانت برأس حارة الجودرية من القاهرة و نقضها و ما حولها، و اشترى أملاكا كانت قد بنيت في أرض دار الوزارة من ملاكها بغير إكراه و هدمها، فكان قياس أرض الخانقاه و الرباط و القبة نحو فدّان و ثلث.

و عندما شرع في بنائها حضر إليه الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير بكتاش الفخريّ أمير سلاح، و أراد التقرّب لخاطره، و عرّفه أن بالقصر الذي فيه سكن أبيه مغارة تحت الأرض كبيرة يذكر أنّ فيها ذخيرة من ذخائر الخلفاء الفاطميين، و أنهم لما فتحوها لم يجدوا بها سوى رخام كثير فسدّوها و لم يتعرّضوا لشي‏ء مما فيها، فسرّ بذلك و بعث عدّة من الأمراء فتحوا المكان فإذا فيه رخام جليل القدر عظيم الهيئة، فيه ما لا يوجد مثله لعظمه، فنقله من المغارة و رخم منه الخانقاه و القبة و داره التي بالقرب من البندقانيين و حارة زويلة، و فضل منه شي‏ء كثير عهدي أنه مختزن بالخانقاه، و أظنه أنه باق هناك. و لما كملت في سنة تسع و سبعمائة، قرّر بالخانقاه أربعمائة صوفيّ، و بالرباط مائة من الجند و أبناء الناس الذين قعد بهم الوقت، و جعل بها مطبخا يفرّق على كلّ منهم في كلّ يوم اللحم و الطعام و ثلاثة أرغفة من خبز البرّ، و جعل لهم الحلوى، و رتب بالقبة درسا للحديث النبويّ له مدرّس، و عنده عدّة من المحدّثين، و رتب القرّاء بالشباك الكبير يتناوبون القراءة فيه ليلا و نهارا، و وقف عليها عدّة ضياع بدمشق و حماه و منية المخلص‏

286

بالجيزة من أرض مصر و بالصعيد و الوجه البحريّ و الربع و القيسارية بالقاهرة.

فلما خلع من السلطنة و قبض عليه الملك الناصر محمد بن قلاون و قتله، أمر بغلقها فغلقت، و أخذ سائر ما كان موقوفا عليها و محا اسمه من الطراز الذي بظاهرها فوق الشبابيك، و أقامت نحو عشرين سنة معطلة، ثم إنه أمر بفتحها في أوّل سنة ست و عشرين و سبعمائة، ففتحت، و أعاد إليها ما كان موقوفا عليها، و استمرّت إلى أن شرقت أراضي مصر لقصور مدّ النيل أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين في سنة ست و سبعين و سبعمائة، فبطل طعامها و تعطل مطبخها، و استمرّ الخبز و مبلغ سبعة دراهم لكلّ واحد في الشهر بدل الطعام، ثم صار لكلّ واحد منهم في الشهر عشرة دراهم، فلما قصر مدّ النيل في سنة ست و تسعين و سبعمائة، بطل الخبز أيضا و غلق المخبز من الخانقاه، و صار الصوفية يأخذون في كلّ شهر مبلغا من الفلوس معاملة القاهرة، و هم على ذلك إلى اليوم. و قد أدركتها و لا يمكّن بوّابها غير أهلها من العبور إليها و الصلاة فيها لما لها في النفوس من المهابة، و يمنع الناس من دخولها حتى الفقهاء و الأجناد، و كان لا ينزل بها أمرد، و فيها جماعة من أهل العلم و الخير، و قد ذهب ما هنالك فنزل بها اليوم عدّة من الصغار و من الأساكفة و غيرهم من العامّة، إلّا أن أوقافها عامرة و أرزاقها دارّة بحسب نقود مصر، و من حسن بناء هذه الخانقاه أنه لم يحتج فيها إلى مرمّة منذ بنيت إلى وقتنا هذا، و هي مبنية بالحجر و كلها عقود محكمة بدل السقوف الخشب، و قد سمعت غير واحد يقول إنه لم تبن خانقاه أحسن من بنائها.

الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوريّ: اشتراه الملك المنصور قلاون صغيرا و رقاه في الخدم السلطانية إلى أن جعله أحد الأمراء، و أقامه جاشنكير و عرف بالشجاعة. فلما مات الملك المنصور خدم ابنه الملك الأشرف خليلا إلى أن قتله الأمير بيدرا بناحية تروجة، فكان أوّل من ركب على بيدرا في طلب ثار الملك الأشرف، و كان مهابا بين خشداشيته فركبوا معه، و كان من نصرتهم على بيدرا و قتله ما قد ذكر في موضعه، فاشتهر ذكره و صار أستادار السلطان في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون في سلطنته الثانية، رفيقا للأمير سلار نائب السلطنة، و به قويت الطائفة البرجية من المماليك و اشتدّ بأسهم، و صار الملك الناصر تحت حجر بيبرس و سلار إلى أن أنف من ذلك و سار إلى الكرك، فأقيم بيبرس في السلطنة يوم السبت ثالث عشري شوّال سنة ثمان و سبعمائة، فاستضعف جانبه و انحط قدره و نقصت مهابته، و تغلب عليه الأمراء و المماليك، و اضطربت أمور المملكة لمكان الأمير سلار و كثرة حاشيته و ميل القلوب إلى الملك الناصر، و في أيامه عمل الجسر من قليوب إلى مدينة دمياط و هو مسيرة يومين طولا في عرض أربع قصبات من أعلاه، و ست قصبات من أسفله، حتى أنه كان يسير عليه ستة من الفرسان معا بحذاء بعضهم، و أبطل سائر الخمارات من السواحل و غيرها من بلاد الشام، و سامح بما كان من المقرّر عليها للسلطان، و عوّض الأجناد بدله، و كبست أماكن الريب و الفواحش بالقاهرة

287

و مصر، و أريقت الخمور و ضرب أناس كثير في ذلك بالمقارع، و تتبع أماكن الفساد و بالغ في إزالته، و لم يراع في ذلك أحدا من الكتاب و لا من الأمراء، فخف المنكر و خفي الفساد، إلا أن اللّه أراد زوال دولته، فسوّلت له نفسه أن بعث إلى الملك الناصر بالكرك يطلب منه ما خرج به معه من الخيل و المماليك، و حمل الرسول إليه بذلك مشافهة أغلظ عليه فيها، فحنق من ذلك و كاتب نوّاب الشام و أمراء مصر في السرّ يشكو ما حلّ به، و ترفق بهم و تلطف بهم فرقوا له و امتعضوا لما به، و نزل الناصر من الكرك و برز عنها، فاضطرب الأمر بمصر و اختلّ الحال من بيبرس و أخذ العسكر يسير من مصر إلى الناصر شيئا بعد شي‏ء، و سار الناصر من ظاهر الكرك يريد دمشق في غرّة شعبان سنة تسع و سبعمائة، فعندما نزل الكسوة (1) خرج الأمراء و عامّة أهل دمشق إلى لقائه، و معهم شعار السلطنة، و دخلوا به إلى المدينة و قد فرحوا به فرحا كثيرا، في ثاني عشر شعبان، و نزل بالقلعة و كاتب النوّاب فقدموا عليه و صارت ممالك الشام كلها تحت طاعته يخطب له بها و يجبى إليه مالها، ثم خرج من دمشق بالعساكر يريد مصر، و أمر بيبرس كلّ يوم في نقص إلى أن كان يوم الثلاثاء سادس عشر رمضان، فترك بيبرس المملكة و نزل من قلعة الجبل و معه خواصه إلى جهة باب الفراقة، و العامّة تصيح عليه و تسبه و ترجمه بالحجارة، عصبية للملك الناصر و حبا له، حتّى سار عن القرافة، و دعا الحرس بالقلعة في يوم الأربعاء للملك الناصر، فكانت مدّة سلطنة بيبرس عشرة أشهر و أربعة و عشرين يوما، و قدم الملك الناصر إلى قلعة الجبل أوّل يوم من شوّال، و جلس على تخت المملكة و استولى على السلطنة مرّة ثالثة، و نزل بيبرس بأطفيح ثم سار منها إلى أخميم، فلما صار بها تفرّق عنه من كان معه من الأمراء و المماليك فصاروا إلى الملك الناصر، فتوجه في نفر يسير على طريق السويس يريد بلاد الشام فقبض عليه شرقيّ غزة و حمل مقيدا إلى الملك الناصر، فوصل قلعة الجبل يوم الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة، و أوقف بين يدي السلطان و قبّل الأرض، فعنفه و عدّد عليه ذنوبا و وبخه، ثم أمر به فسجن في موضع إلى ليلة الجمعة خامس عشرة، و فيها لحق بربه تعالى، فحمل إلى القرافة و دفن في تربة الفارس أقطاي، ثم نقل منها بعد مدّة إلى تربته بسفح المقطم فقبر بها زمانا طويلا، ثم نقل منها ثالث مرّة إلى خانقاهه و دفن بقبتها، و قبره هناك إلى يومنا هذا.، و أدركت بالخانقاه المذكورة شيخا من صوفيتها أخبرني أنه حضر نقله من ترتبه بالقرافة إلى قبة الخانقاه، و أنه تولى وضعه في مدفنه بنفسه، و كان رحمه اللّه خيّرا عفيفا كثير الحياء وافر الحرمة جليل القدر عظيما في النفوس مهاب السطوة في أيام أمرته، فلما تلقب بالسلطنة و وسم باسم الملك، اتضع قدره و استضعف جانبه، و طمع فيه، و تغلب عليه الأمراء و المماليك، و لم تنجح مقاصده و لا سعد في شي‏ء من تدبيره إلى أن انقضت أيامه و أناخ به حمامه. رحمه اللّه.

____________

(1) الكسوة: بلدة جنوب دمشق.

288

الخانقاه الجمالية

هذه الخانقاه بالقرب من درب راشد، يسلك إليها من رحبة باب العيد، بناها الأمير الوزير مغلطاي الجماليّ في سنة ثمانين و سبعمائة، و قد تقدّم ذكرها عند ذكر المدارس من هذا الكتاب.

الخانقاه الظاهرية

هذه الخانقاه بخط بين القصرين فيما بين المدرسة الناصرية و دار الحديث الكاملية، أنشأها الملك الظاهر برقوق في سنة ست و ثمانين و سبعمائة، و قد ذكرت عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب.

الخانقاه الشرابيشية

هذه الخانقاه فيما بين الجامع الأقمر و حارة برجوان في آخر المنحر الذي كان للخلفاء، و هو يعرف اليوم بالدرب الأصفر، و يتوصل منها إلى الدرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس، و بابها الأصليّ من زقاق ضيق بوسط سوق حارة برجوان، أنشأها الصدر الأجل نور الدين عليّ بن محمد بن محاسن الشرابيشيّ، و كان من ذوي الغنى و اليسار، صاحب ثراء متسع، وله عدّة أوقاف على جهات البرّ و القربات و مات في ... (1).

الخانقاه المهمندارية

هذه الخانقاه خارج باب زويلة فيما بين رأس حارة اليانسية و جامع الماردينيّ، بناها الأمير شهاب الدين أحمد بن أقوش العزيزيّ المهمندار، و نقيب الجيوش، في سنة خمس و عشرين و سبعمائة، و قد ذكرت في المدارس من هذا الكتاب.

خانقاه بشتاك‏

هذه الخانقاه خارج القاهرة على جانب الخليج من البرّ الشرقيّ تجاه جامع بشتاك، أنشأها الأمير سيف الدين بشتاك الناصريّ، و كان فتحها أوّل يوم من ذي الحجة سنة ست و ثلاثين و سبعمائة، و استقرّ في مشيختها شهاب الدين القدسيّ، و تقرّر عنده عدّة من الصوفية و أجرى لهم الخبز و الطعام في كلّ يوم، فاستمرّ ذلك مدّة ثم بطل، و صار يصرف لأربابها عوضا عن ذلك في كلّ شهر مبلغ، و هي عامرة إلى وقتنا هذا، و قد نسب إليها جماعة منهم الشيخ الأديب البارع بدر الدين محمد بن إبراهيم المعروف بالبدر البشتكي.

____________

(1) بياض في الأصل.

289

خانقاه ابن غراب‏

هذه الخانقاه خارج القاهرة على الخليج الكبير من برّه الشرقيّ بجوار جامع بشتاك من غريبه، أنشأها القاضي الأمير سعد الدين إبراهيم بن عبد الرزاق بن غراب الإسكندرانيّ، ناظر الخاص و ناظر الجيوش و أستادار السلطان، و كاتب السرّ، و أحد أمراء الألوف الأكابر، أسلم جد غراب و باشر بالإسكندرية حتى ولي نظر الثغر، و نشأ ابنه عبد الرزاق هناك، فولي أيضا نظر الإسكندرية، و ولد له ماجد و إبراهيم. فلما تحكم الأمير جمال الدين محمود بن عليّ في الأموال أيام الملك الظاهر برقوق، اختص بإبراهيم و حمله إلى القاهرة و هو صبيّ و اعتنى به و استكتبه في خاص أمواله حتى عرفها، فتنكر محمود عليه لأمر بدا منه في ماله، و همّ به فبادر إلى الأمير علاء الدين عليّ بن الطبلاويّ و ترامى عليه، و هو يومئذ قد نافس محمودا فأوصله بالسلطان و أمكنه من سماع كلامه، فملأ أذنه بذكر أموال محمود و وغر صدره عليه حتى نكبه و استصفى أمواله، كما ذكر في خبره عند ذكر مدرسة محمود من هذا الكتاب، و ولي ابن غراب نظر الديوان المفرد في حادي عشر صفر سنة ثمان و تسعين و سبعمائة، و عمره عشرون سنة أو نحوها، و هي أوّل وظيفة وليها، فاختص بابن الطبلاويّ و لازمه و ملأ عينه بكثرة المال، فتحدّث له في وظيفة نظر الخاص عوضا عن سعد الدين أبي الفرج بن تاج الدين موسى، فوليها في تاسع عشر ذي القعدة، و غص بمكان ابن الطبلاويّ فعمل عليه عند السلطان حتى غيره عليه و ولاه أمره، فقبض عليه في داره و على سائر أسبابه في شعبان في سنة ثمانمائة، ثم أضيف إليه نظر الجيوش عوضا عن شرف الدين محمد الدمامينيّ في تاسع ذي القعدة سنة ثمانمائة، فعفّ عن تناول الرسوم و أظهر من الفخر و الحشمة و المكارم أمرا كبيرا، و قدّر اللّه موت السلطان في شوّال سنة إحدى و ثمانمائة بعد ما جعله من جملة أوصيائه، فباطن الأمير يشبك الخازندار على إزالة الأمير الكبير أيتمش القائم بدولة الناصر فرج بن برقوق، و عمل لذلك أعمالا حتى كانت الحرب بعد موت السلطان الملك الظاهر بين الأمير أيتمش و بين الأمير يشبك، في ربيع الأوّل سنة اثنتين و ثمانمائة، التي انهزم فيها أيتمش و عدّة من الأمراء إلى الشام، و تحكم الأمير يشبك فاستدعى عند ذلك ابن غراب أخاه فخر الدين ماجدا من الإسكندرية، و هو يلي نظرها إلى قلعة الجبل، و فوّضت إليه وزارة الملك الناصر فرج بن برقوق، فقاما بسائر أمور الدولة إلى أن ولي الأمير يلبغا السالميّ الأستادارية، فسلك معه عادته من المنافسة، و سعى به عند الأمير يشبك حتى قبض عليه، و تقلد وظيفة الأستادارية عوضا عن السالميّ في رابع عشر رجب سنة ثلاث و ثمانمائة، مضافا إلى نظر الخاص و نظر الجيوش، فلم يغير زيّ الكتاب، و صار له ديوان كدواوين الأمراء، و دقت الطبول على بابه، و خاطبه الناس و كاتبوه بالأمير، و سار في ذلك سيرة ملوكية من كثرة العطاء و زيادة الأسمطة و الاتساع في الأمور، و الازدياد من المماليك‏

290

و الخيول، و الاستكثار من الخول و الحواشي، حتى لم يكن أحد يضاهيه في شي‏ء من أحواله، إلى أن تنازع الأميران حكم و سودون طاز مع الأمير يشبك، فكان هو المتولي كبر تلك الحروب، ثم إنه خرج من القاهرة مغاضبا لأمراء الدولة، و صار إلى ناحية تروجة يريد جمع العربان و محاربة الدولة، فلم يتم له ذلك. و عاد فدخل القاهرة على حين غفلة، فنزل عند جمال الدين يوسف الأستادار، فقام بإصلاح أمره مع الأمراء حتى حصل له الغرض، فظهر و استولى على ما كان عليه إلى أن تنكرت رجال الدولة على الملك الناصر فرج، فقام مع الأمير يشبك بحرب السلطان إلى أن انهزم الأمير يشبك بأصحابه إلى الشام، فخرج معه في سنة تسع و ثمانمائة، و أمدّه و من معه بالأموال العظيمة حتى صاروا عند الأمير شيخ نائب الشام، و استفز العساكر لقتال الملك الناصر و حرّضهم على المسير إلى حربه، و خرج من دمشق مع العساكر يريد القاهرة، و كان من وقعة السعيدية ما كان على ما هو مذكور في خبر الملك الناصر عند ذكر الخانقاه الناصرية من هذا الكتاب، فاختفى الأمير يشبك و طائفة من الأمراء بالقاهرة، و لحق ابن غراب بالأمير اينال پاي بن قجماس، و هو يومئذ أكبر الأمراء الناصرية، و ملأ عينه بالمال، فتوسط له مع الملك الناصر حتى أمنه و أصبح في داره و جميع الناس على بابه، ثم تقلد وظيفة نظر الجيوش و اختص بالسلطان، و ما زال به حتى استرضاه على الأمير يشبك و من معه من الأمراء، و ظهروا من الاستتار و صاروا بقلعة الجبل، فخلع عليهم السلطان و أمّرهم و صاروا إلى دورهم، فثقل على ابن غراب مكان فتح الدين فتح اللّه كاتب السرّ، فسعى به حتى قبض عليه و ولي مكانه كتابة السرّ ليتمكن من أغراضه. فلما استقرّ في كتابة السرّ أخذ في نقض دولة الناصر إلى أن تم له مراده، و صارت الدولة كلها على الناصر، فخلا به و خيل له و حسّن له الفرار، فانقاد له و ترامى عليه، فأعدّ له رجلين أحدهما من مماليكه و معهما فرسان، و وقفا بهما وراء القلعة، و خرج الناصر وقت القائلة و معه مملوك من مماليكه يقال له بيغوت، و ركبا الفرسين و سارا إلى ناحية طرا، ثم عادا مع قاصدي ابن غراب في مركب من المراكب النيلية ليلا إلى دار ابن غراب و نزلا عنده، و قد خفي ذلك على جميع أهل الدولة، و قام ابن غراب بتولية عبد العزيز بن برقوق و أجلسه على تخت الملك عشاء، و لقبه بالملك المنصور، و دبر الدولة كما أحب مدّة سبعين يوما إلى أن أحس من الأمراء بتغير، فأخرج الناصر ليلا و جمع عليه عدّة من الأمراء و المماليك و ركب معه بلامة الحرب إلى القلعة، فلم يلبث أصحاب المنصور و انهزموا و دخل الناصر إلى القلعة و استولى على المملكة ثانيا، فألقى مقاليد الدولة إلى ابن غراب و فوّض إليه ما وراء سريره و نظمه في خاصته، و جعله من أكابر الأمراء و ناط به جميع الأمور، فأصبح مولى نعمة كلّ من السلطان و الأمراء، يمنّ عليهم بأنه أبقى لهم مهجهم، و أعاد إليهم سائر ما كانوا قد سلبوه من ملكهم، و أمدّهم بما له وقت حاجتهم وفاقتهم إليه، و يفخر و يتكثر بأنه أقام دولة و أزال دولة، ثم أزال ما أقام و أقام ما أزال من غير حاجة و لا ضرورة ألجأته إلى شي‏ء من‏

291

ذلك، و أنه لو شاء أخذ الملك لنفسه، و ترك كتابة السرّ لغلامه و أحد كتابه فخر الدين بن المزوق ترفعا عنها و احتقارا بها، و لبس هيئة الأمراء، و هي الكلوتة و القباء و شدّ السيف في وسطه، و تحوّل من داره التي على بركة الفيل إلى دار بعض الأمراء بحدرة البقر، فغاضبه القضاة، و كان عند الانتهاء الانحطاط، و نزل به مرض الموت فنال في مرضه من السعادة ما لم يسمع بمثله لأحد من أبناء جنسه، و صار الأمير يشبك و من دونه من الأمراء يتردّدون إليه، و أكثرهم إذا دخل عليه وقف قائما على قدميه حتى ينصرف إلى أن مات يوم الخميس تاسع عشر شهر رمضان سنة ثمان و ثمانمائة، و لم يبلغ ثلاثين سنة.

و كانت جنازته أحد الأمور العجيبة بمصر لكثرة من شهدها من الأمراء و الأعيان و سائر أرباب الوظائف، بحيث استأجر الناس السقائف و الحوانيت لمشاهدتها، و نزل السلطان للصلاة عليه، و صعد إلى القلعة، فدفن خارج باب المحروق، و كان من أحسن الناس شكلا و أحلاهم منظرا و أكرمهم يدا مع تدين و تعفف عن القاذورات، و بسط يد بالصدقات، إلّا أنه كان غدّارا لا يتوانى عن طلب عدوّه، و لا يرضى من نكبته بدون إتلاف النفس، فكم ناطح كبشا و تل عرشا و عالج جبالا شامخة و اقتلع دولا من أصولها الراسخة، و هو أحد من قام بتخريب إقليم مصر، فإنه ما زال يرفع سعر الذهب حتى بلغ كلّ دينار إلى مائتي درهم و خمسين درهما من الفلوس، بعد ما كان بنحو خمسة و عشرين درهما، ففسدت بذلك معاملة الإقليم و قلت أمواله و غلت أسعار المبيعات، و ساءت أحوال الناس، إلى أن زالت البهجة و انطوى بساط الرقة، و كاد الإقليم يدمر كما ذكر ذلك عند ذكر الأسباب التي نشأ عنها خراب مصر من هذا الكتاب، عفا اللّه عنه و سامحه، فلقد قام بمواراة آلاف من الناس الذين هلكوا في زمان المحنة، سنة ست و سنة سبع و ثمانمائة، و تكفينهم، فلم ينس اللّه له ذلك و ستره كما ستر المسلمين، و ما كان ربك نسيا.

الخانقاه البندقدارية

هذه الخانقاه بالقرب من الصليبة، كان موضعها يعرف قديما بدويرة مسعود، و هي الآن تجاه المدرسة الفارقانية و حمّام الفارقاني. أنشأها الأمير علاء الدين أيدكين البندقداريّ الصالحيّ النجميّ، و جعلها مسجدا للّه تعالى، و خانقاه، و رتب فيها صوفية و قرّاء في سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة، و في سنة ثمان و أربعين و ستمائة استنابه الملك المعز أيبك، فواظب الجلوس بالمدارس الصالحية مع نوّاب دار العدل، و إلى أيدكين هذا ينسب الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ، لأنه كان أوّلا مملوكه، ثم انتقل منه إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب، فعرف بين المماليك البحرية ببيبرس البندقداريّ، و عاش أيدكين إلى أن صار بيبرس سلطان مصر و ولاه نيابة السلطنة بحلب، في سنة تسع و خمسين و ستمائة، و كان الغلاء بها شديدا، فلم تطل أيامه و فارقها بدمشق بعد محاربة سنقر الأشقر و القبض عليه، في حادي‏

292

عشر صفر سنة تسع و خمسين و ستمائة، فأقام في النيابة نحو شهر، و صرفه الأمير علاء الدين طيبرس الوزيريّ. فلما خرج السلطان إلى الشام في سنة إحدى و ستين و ستمائة، و أقام بالطور، أعطاه أمرة بمصر و طبلخاناه في ربيع الآخر منها، و مات في ربيع الآخر سنة أربع و ثمانين و ستمائة، و دفن بقبة هذه الخانقاه.

خانقاه شيخو

هذه الخانقاه في خط الصليبة خارج القاهرة تجاه جامع شيخو، أنشأها الأمير الكبير سيف الدين شيخو العمريّ في سنة ست و خمسين و سبعمائة، كان موضعها من جملة قطائع أحمد بن طولون، و آخر ما عرف من خبره أنه كان مساكن للناس، فاشتراها الأمير شيخو من أربابها و هدمها في المحرّم من هذه السنة، فكانت مساحة أرضها زيادة على فدّان، فاختط فيها الخانقاه و حمّامين و عدّة حوانيت يعلوها بيوت لسكنى العامّة، و رتب بها دروسا عدّة، منها أربعة دروس لطوائف الفقهاء الأربعة، و هم الشافعية و الحنفية و المالكية و الحنابلة، و درسا للحديث النبويّ، و درسا لإقراء القرآن بالروايات السبع، و جعل لكلّ درس مدرّسا و عنده جماعة من الطلبة، و شرط عليهم حضور الدرس و حضور وظيفة التصوّف، و أقام شيخنا أكمل الدين محمد بن محمود في مشيخة الخانقاه، و مدرّس الحنفية، و جعل إليه النظر في أوقاف الخانقاه، و قرّر في تدريس الشافعية الشيخ بهاء الدين أحمد بن عليّ السبكيّ، و في تدريس المالكية الشيخ خليلا، و هو متجند الشكل و له إقطاع في الحلقة. و في تدريس الحنابلة قاضي القضاة موفق الدين الحنبليّ، و رتب لكل من الطلبة في اليوم الطعام و اللحم و الخبز، و في الشهر الحلوى و الزيت و الصابون، و وقف عليها الأوقاف الجليلة، فعظم قدرها و اشتهر في الأقطار ذكرها، و تخرّج بها كثير من أهل العلم، و أربت في العمارة على كل وقف بديار مصر إلى أن مات الشيخ أكمل الدين في شهر رمضان سنة ست و ثمانين و سبعمائة، فوليها من بعده جماعة، و لما حدثت المحن كان بها مبلغ كبير من المال الذي فاض عن مصروفها، فأخذه الملك الناصر فرج، و أخذت أحوالها تتناقص حتى صار المعلوم يتأخر صرفه لأرباب الوظائف بها عدّة أشهر، و هي إلى اليوم على ذلك.

الخانقاه الجاولية

هذه الخانقاه على جبل يشكر بجوار مناظر الكبش، فيما بين القاهرة و مصر، أنشأها الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ في سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة، و قد تقدّم ذكرها في المدارس.

خانقاه الجيبغا المظفري‏

هذه الخانقاه خارج باب النصر فيما بين قبة النصر و تربة عثمان بن جوشن السعوديّ، أنشأها الأمير سيف الدين الجيبغا المظفريّ، و كان بها عدّة من الفقراء يقيمون بها و لهم فيها

293

شيخ، و يحضرون في كل يوم وظيفة التصوّف، و لهم الطعام و الخبز، و كان بجانبها حوض ماء لشرب الدواب، و سقّاية بها الماء العذب لشرب الناس، و كتّاب يقرأ فيه أطفال المسلمين الأيتام كتاب اللّه تعالى، و يتعلمون الخط، و لهم في كلّ يوم الخبز و غيره، و ما برحت على ذلك إلى أن أخرج الأمير برقوق أوقافها، فتعطلت و أقام بها جماعة من الناس مدّة ثم تلاشى أمرها، و هي الآن باقية من غير أن يكون فيها سكان، و قد تعطل حوضها و بطل مكتب السبيل.

الجيبغا المظفريّ: الخاصكي، تقدّم في أيام الملك المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد بن قلاون، تقدّما كثيرا، بحيث لم يشاركه أحد في رتبته. فلما قام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في السلطنة أقرّه على رتبته، و صار أحد أمراء المشورة الذين يصدر عنهم الأمر و النهي، فلما اختلف أمراء الدولة أخرج إلى دمشق في ربيع الأوّل سنة تسع و أربعين و سبعمائة، و أقام بدمشق إلى شعبان، و سار إلى نيابة طرابلس عوضا عن الأمير بدر الدين مسعود بن الخطيريّ، فلم يزل على نيابتها إلى شهر ربيع الأوّل سنة خمسين و سبعمائة، فكتب إلى الأمير أرغون شاه نائب دمشق يستأذنه في التصيد إلى الناعم‏ (1)، فأذن له و سار من طرابلس و أقام على بحيرة حمص أياما يتصيد، ثم ركب ليلا بمن معه و ساق إلى خان لاجين ظاهر دمشق، فوصله أوّل النهار و أقام به يومه، ثم ركب منه بمن معه ليلا و طرق أرغون شاه و هو بالقصر الأبلق، و قبض عليه و قيده في ليلة الخميس ثالث عشري شهر ربيع الأوّل، و أصبح و هو بسوق الخيل، فاستدعى الأمراء و أخرج لهم كتاب السلطان بإمساك أرغون شاه، فأذعنوا له و استولى على أموال أرغون شاه. فلما كان يوم الجمعة رابع عشريه، أصبح أرغون شاه مذبوحا، فأشاع الجيبغا أن أرغون شاه ذبح نفسه، و في يوم الثلاثاء أنكر الأمراء أمره و ثاروا لحربه، فركب و قاتلهم و انتصر عليهم و قتل جماعة منهم و أخذ الأموال و خرج من دمشق و سار إلى طرابلس، فأقام بها، و ورد الخبر من مصر إلى دمشق بإنكار كل ما وقع و الاجتهاد في مسك الجيبغا، فخرجت عساكر الشام إليه ففرّ من طرابلس، فأدركه عسكر طرابلس عند بيروت و حاربوه حتى قبضوا عليه، و حمل إلى عسكر دمشق فقيد و سجن بقلعة دمشق في ليلة السبت سادس عشر ربيع الآخر، هو و فخر الدين إياس، ثم وسط بمرسوم السلطان تحت قلعة دمشق بحضور عساكر دمشق، و وسط معه الأمير فخر الدين إياس و علقا على الخشب، في ثامن عشر ربيع الآخر سنة خمسين و سبعمائة، و عمره دون العشرين سنة، فما طرّ (2) شاربه و كأنه البدر حسنا و الغصن اعتدالا.

خانقاه سرياقوس‏

هذه الخانقاه خارج القاهرة من شماليها على نحو بريد منها، بأوّل تيه بني إسرائيل‏

____________

(1) الناعم: حصن من حصون خيبر.

(2) طرّ: نبت.

294

بسماسم سرياقوس، أنشأها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، و ذلك أنه لما بنى الميدان و الأحواش في بركة الجبّ، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر بركة الجب، اتفق أنه ركب على عادته للصيد هناك، فأخذه ألم عظيم في جوفه كاد يأتي عليه و هو يتجلد و يكتم ما به حتى عجز، فنزل عن الفرس و الألم يتزايد به، فنذر للّه إن عافاه اللّه ليبنين في هذا الموضع موضعا يعبد اللّه تعالى فيه، فخف عنه ما يجده، و ركب فقضى نهمته من الصيد و عاد إلى قلعة الجبل، فلزم الفراش مدّة أيام ثم عوفي، فركب بنفسه و معه عدّة من المهندسين، و اختط على قدر ميل من ناحية سرياقوس هذه الخانقاه، و جعل فيها مائة خلوة لمائة صوفيّ، و بنى بجانبها مسجدا تقام به الجمعة، و بنى بها حمّاما و مطبخا، و كان ذلك في ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة. فلما كانت سنة خمس و عشرين و سبعمائة، كمل ما أراد من بنائها، و خرج إليها بنفسه و معه الأمراء و القضاة و مشايخ الخوانك، و مدّت هناك أسمطة عظيمة بداخل الخانقاه في يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة، و تصدّر قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعيّ لإسماع الحديث النبويّ، و قرأ عليه ابنه عز الدين عبد العزيز عشرين حديثا تساعيا، و سمع السلطان ذلك، و كان جمعا موفورا، و أجاز قاضي القضاة الملك الناصر و من حضر برواية ذلك. و جميع ما يجوز له روايته، و عند ما انقضى مجلس السماع قرّر السلطان في مشيخة هذه الخانكاه الشيخ مجد الدين موسى بن أحمد بن محمود الأقصرائي، و لقّبه بشيخ الشيوخ، فصار يقال له ذلك و لكلّ من ولي بعده، و كان قبل ذلك لا يلقب بشيخ الشيوخ إلّا شيخ خانقاه سعيد السعداء، و أحضرت التشاريف السلطانية فخلع على قاضي القضاة بدر الدين، و على ولده عز الدين، و على قاضي القضاة المالكية، و على الشيخ مجد الدين أبي حامد موسى بن أحمد بن محمود الأقصرائي شيخ الشيوخ، و على الشيخ علاء الدين القونويّ شيخ خاقناه سعيد السعداء، و على الشيخ قوام الدين أبي محمد عبد المجيد بن أسعد بن محمد الشيرازيّ، شيخ الصوفية بالجامع الجديد الناصريّ، خارج مدينة مصر، و على جماعة كثيرة. و خلع على سائر الأمراء و أرباب الوظائف، و فرّق بها ستين ألف درهم فضة و عاد إلى قلعة الجبل، فرغب الناس في السكنى حول هذه الخانقاه و بنو الدور و الحوانيت و الخانات، حتى صارت بلدة كبيرة تعرف بخانقاه سرياقوس، و تزايد الناس بها حتى أنشئ فيها سوى حمّام الخانقاه عدّة حمّامات، و هي إلى اليوم بلدة عامرة، و لا يؤخذ بها مكس البتة مما يباع من سائر الأصناف احتراما لمكان الخانقاه، و يعمل هناك في يوم الجمعة سوق عظيم ترد الناس إليه من الأماكن البعيدة، يباع فيه الخيل و الجمال و الحمير و البقر و الغنم و الدجاج و الأوز و أصناف الغلات و أنواع الثياب و غير ذلك، و كانت معاليم هذه الخانكاه من أسنى معلوم بديار مصر، يصرف لكل صوفيّ في اليوم من لحم الضأن السليج رطل قد طبخ في طعم شهيّ، و من الخبز النقيّ أربعة أرطال و يصرف له في كل شهر مبلغ أربعين درهما فضة عنها

295

ديناران و رطل حلوى و رطلان زيتا من زيت الزيتون، و مثل ذلك من الصابون، و يصرف له ثمن كسوة في كلّ سنة، و توسعة في كل شهر رمضان، و في العيدين، و في مواسم رجب و شعبان و عاشوراء، و كلما قدمت فاكهة يصرف له مبلغ لشرائها، و بالخانقاه خزانة بها السكّر و الأشربة و الأدوية، و بها الطبائعيّ و الجرائحيّ و الكحال و مصلح الشعر، و في كلّ رمضان يفرّق على الصوفية كيزان لشرب الماء، و تبيّض لهم قدورهم النحاس، و يعطون حتى الأسنان‏ (1) لغسل الأيدي من وضر اللحم، يصرف ذلك من الوقف لكل منهم، و بالحمّام الحلاق لتدليك أبدانهم و حلق رؤوسهم، فكان المنقطع بها لا يحتاج إلى شي‏ء غيرها و يتفرّغ للعبادة، ثم استجدّ بعد سنة تسعين و سبعمائة بها حمّام أخرى برسم النساء، و ما برحت على ما ذكرنا إلى أن كانت المحن من سنة ست و ثمانمائة، فبطل الطعام و صار يصرف لهم في ثمنه مبلغ من نقد مصر، و هي الآن على ذلك، و أدركت من صوفيتها شخصا شيخا يعرف بأبي طاهر، ينام أربعين يوما بلياليها لا يستيقظ فيها البتة، ثم يستيقظ أربعين يوما لا ينام في ليلها و لا نهارها، أقام على ذلك عدّة أعوام، و خبره مشهور عند أهل الخانقاه، و أخبرني أنه لم يكن في النوم إلّا كغيره من الناس، ثم كثر نومه حتى بلغ ما تقدّم ذكره، و مات بهذه الخانقاه في نحو سنة ثمانمائة، و مما قيل في الخانقاه و ما أنشأه السلطان بها:

سر نحو سرياقوس و انزل بفنا* * * أرجاءها يا ذا النّهي و الرشد

تلق محلا للسرور و الهنا* * * فيه مقام للتقي و الزهد

نسيمه يقول في مسيره‏* * * تنبهي يا عذبات الرند (2)

و روضه الريان من خليجه‏* * * يقول دع ذكر أراضي نجد

خانقاه أرسلان‏

هذه الخانقاه فيما بين القاهرة و مصر من جملة أراضي منشأة المهرانيّ، أنشأها الأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار.

أرسلان: الأمير بهاء الدين الدوادار الناصريّ، كان أوّلا عند الأمير سلار أيام نيابته مصر، خصيصا به حظيا عنده. فلما قدم الملك الناصر محمد بن قلاون من الكرك بعساكر الشام، و نزل بالريدانية ظاهر القاهرة في شهر رمضان سنة تسع و سبعمائة، أطلع أرسلان على أن جماعة قد اتفقوا على أن يهجموا على السلطان و يفتكوا به يوم العيد، أوّل شوّال، فجاء إليه و عرّفه الحال و قال له: اخرج الساعة و اطلع القلعة و املكها. فقام السلطان و فتح باب سر الدهليز و خرج من غير الباب، و صعد قلعة الجبل و جلس على سرير الملك، فرعى‏

____________

(1) السّنون: مسحوق تجلى به الأسنان و تقوى.

(2) الرّند: شجر طيب الرائحة من الفصيلة الغاريّة. و الرّند: الآس.

296

السلطان له هذه المناصحة، و لما أخرج الأمير عز الدين أيدمر الدوادار من وظيفته، رتّب أرسلان في الدوادارية، و كان يكتب خطا مليحا، و درّبه القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر و خرّجه، و هذبه، فصار يكتب بخطه إلى كتاب السرّ عن السلطان في المهمات بعبارة مسدّدة وافية بالمقصود، و استولى على السلطان بحيث لم يكن لغيره في أيامه ذكر، و لم يشتهر فخر الدين و كريم الدين بعظمة إلّا بعده، و اجتهدا في إبعاده فما قدرا على ذلك، و في أيام توليته الدوادارية السلطانية أنشأ هذه الخانكاه على شاطي‏ء النيل، و كان ينزل في كل ليلة ثلاثاء إليها من القلعة و يبيت بها، و يحتفل الناس للحضور إليها، و يرسل عن السلطان إلى مهنا أمير العرب، و نفع الناس نفعا كبيرا و قلدهم مننا جسيمة، و مات في ثالث عشري شهر رمضان سنة سبع عشرة و سبعمائة، فوجد في تركته ألف ثوب أطلس، و نفائس كثيرة، و عدّة تواقيع و مناشير معلمة، فأنكر السلطان معرفتها و نسب إليها اختلاسها، و أوّل من ولي مشيختها تقيّ الدين أبو البقاء محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الرحيم الشريف الحسينيّ القنائي الشافعيّ، جدّ الشيخ عبد الرحيم القنائيّ الصالح المشهور، و أبوه ضياء الدين جعفر، كان فقيها شافعيا، و كان أبو البقاء هذا عالما عارفا زاهدا قليل التكلف متقللا من الدنيا، سمع الحديث و أسمعه، و ولد في سنة خمس و أربعين و ستمائة، و مات ليلة الاثنين رابع عشر جمادى الأولى، سنة ثمان و عشرين و سبعمائة، و دفن بالقرافة، فتداول مشيختها القضاة الأخنائية إلى أن كانت آخرا بيد شيخنا قاضي القضاة صدر الدين عبد الوهاب بن أحمد الأخنائيّ. فلما مات في سنة تسع و ثمانين و سبعمائة، تلقاها عنه عز الدين بن الصاحب، ثم وليها من بعده ابنه شمس الدين محمد بن الصاحب، رحمه اللّه.

خانقاه بكتمر

هذه الخانقاه بطرف القرافة في سفح الجبل مما يلي بركة الحبش، أنشأها الأمير بكتمر الساقي، و ابتدأ الحضور بها في يوم الثلاثاء ثامن شهر رجب سنة ست و عشرين و سبعمائة، و أوّل من استقرّ في مشيختها الشمسيّ شمس الدين الروميّ، و رتب له عن معلوم المشيخة في كل شهر مائة درهم، و عن معلوم الإمامة مبلغ خمسين درهما، و رتب معه عشرين صوفيا لكل منهم في الشهر مبلغ ثلاثين درهما، فجاءت من أجلّ ما بني بمصر، و رتب بها صوفية و قرّاء، و قرّر لهم الطعام و الخبز في كل يوم، و الدراهم و الحلوى و الزيت و الصابون في كل شهر، و بنى بجانبها حمّاما، و أنشأ هناك بستانا، فعمرت تلك الخطة و صار بها سوق كبير و عدّة سكان، و تنافس الناس في مشيختها إلى أن كانت المحن من سنة ست و ثمانمائة، فبطل الطعام و الخبز منها و انتقل السكان منها إلى القاهرة و غيرها، و خربت الحمام و البستان و صار يصرف لأرباب وظائفها مبلغ من نقد مصر، و أقام فيها رجل يحرسها، و تمزق ما كان فيها من الفرش و الآلات النحاس و الكتب و الربعات و القناديل النحاس المكفت و القناديل الزجاج المذهب، و غير ذلك من الأمتعة و النفائس الملوكية، و خرب ما حولها لخلوّه من السكان.

297

بكتمر الساقي: الأمير سيف الدين، كان أحد مماليك الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، فلما استقرّ الملك الناصر محمد بن قلاون في المملكة بعد بيبرس، أخذه في جملة من أخذ من مماليك بيبرس و رقاه حتى صار أحد الأمراء الأكابر، و كتب إلى الأمير تنكز نائب السلطنة بدمشق بعد أن قبض على الأمير سيف الدين طغاي الكبير يقول له: هذا بكتمر الساقي يكون لك بدلا من طغاي، اكتب إليه بما تريد من حوائجك، فعظم بكتمر و علا محله و طار ذكره، و كان السلطان لا يفارقه ليلا و لا نهارا إلّا إذا كان في الدور السلطانية، ثم زوّجه بجاريته و حظيته، فولدت لبكتمر ابنه أحمد، و صار السلطان لا يأكل إلّا في بيت بكتمر مما تطبخه له أمّ أحمد في قدر من فضة، و ينام عندهم و يقوم، و اعتقد الناس أن أحمد ولد السلطان لكثرة ما يطيل حمله و تقبيله، و لما شاع ذكر بكتمر و تسامع الناس به قدّموا إليه غرائب كلّ شي‏ء، و أهدوا إليه كل نفيس، و كان السلطان إذا حمل إليه أحد من النوّاب تقدمة لا بدّ أن يقدّم لبكتمر مثلها أو قريبا منها، و الذي يصل إلى السلطان يهب له غالبه، فكثرت أمواله و صارت إشارته لا تردّ، و هو عبارة عن الدولة، و إذا ركب كان بين يديه مائتا عصا نقيب، و عمر له السلطان القصر على بركة الفيل.

و لما مات بطريق الحجاز في سنة ثلاث و ثلاثين و سبعمائة، خلف من الأموال و القماش و الأمتعة و الأصناف و الزردخاناه ما يزيد على العادة و الحدّ، و يستحي العاقل من ذكره، فأخذ السلطان من خيله أربعين فرسا و قال: هذه لي ما وهبته إياها، و بيع الباقي من الخيل على ما أخذه الخاصكية بثمن بخس بمبلغ ألف ألف درهم فضة، و مائتي ألف درهم و ثمانين ألف درهم فضة، خارجا عما في الجشارات، و أنعم السلطان بالزردخاناه و السلاحخاناه التي له على الأمير قوصون بعد ما أخذ منها سرجا واحدا و سيفا، القيمة عن ذلك ستمائة ألف دينار، و أخذ له السلطان ثلاثة صناديق جوهرا مثمنا لا تعلم قيمة ذلك، و بيع له من الصيني و الكتب و الختم و الربعات، و نسخ البخاريّ و الدوايات الفولاذ و المطعمة و البصم بسقط الذهب و غير ذلك، و من الوبر و الأطلس و أنواع القماش السكندريّ و البغداديّ و غير ذلك شي‏ء كثير إلى الغاية المفرطة، و دام البيع لذلك مدّة شهور.

و امتنع القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص من حضور البيع و استعفى من ذلك، فقيل له لأيّ شي‏ء فعلت ذلك؟ قال: ما أقدر أصبر على غبن ذلك، لأن المائة درهم تباع بدرهم. و لما خرج مع السلطان إلى الحجاز خرج بتجمل زائد و حشمة عظيمة و هو ساقة الناس كلهم، و كان ثقله و جماله نظير ما للسلطان، و لكن يزيد عليه بالزركش و آلات الذهب، و وجد في خزانته بطريق الحجاز بعد موته خمسمائة تشريف، منها ما هو أطلس بطرز زركش و ما دون ذلك من خلع أرباب السيوف و أرباب الأقلام، و وجد معه قيود و جنازير، و تنكر السلطان له في طريق الحجاز و استوحش كلّ منهما من صاحبه، فاتفق أنهم‏

298

في العود مرض ولده أحمد و مرض من بعده، فمات ابنه قبله بثلاثة أيام، فحمل في تابوت مغشي بجلد جمل، و لما مات بكتمر دفن مع ولده بنخل، و حث السلطان في المسير و كان لا ينام في تلك السفرة إلّا في برج خشب، و بكتمر عنده، و قوصون على الباب و الأمراء المشايخ كلهم حول البرج بسيوفهم، فلما مات بكتمر ترك السلطان ذلك، فعلم الناس أن احترازه كان خوفا من بكتمر. و يقال أن السلطان دخل عليه و هو مريض في درب الحجاز فقال له: بيني و بينك اللّه. فقال له: كل من فعل شيئا يلتقيه. و لما مات صرخت زوجته أمّ ابنه أحمد و بكت و أعولت إلى أن سمعها الناس تتكلم بالقبيح في حق السلطان، من جملته: أنت تقتل مملوكك، أنا ابني ايش كان؟ فقال لها: بس، تفشرين، هاتي مفاتيح صناديقه، فأنا أعرف كل شي‏ء أعطيته من الجواهر. فرمت بالمفاتيح إليه فأخذها، و لما وصل السلطان إلى قلعة الجبل أظهر الحزن و الندامة عليه، و أعطى أخاه قماري أمرة مائة و تقدمة ألف، و كان يقول ما بقي يجيئنا مثل بكتمر، و أمر فحملت جثته و جثة ابنه إلى خانقاهه هذه و دفنتا بقبتها، و بدت من السلطان أمور منكرة بعد موت بكتمر، فإنه كان يحجر على السلطان و يمنعه من مظالم كثيرة، و كان يتلطف بالناس و يقضي حوائجهم و يسوسهم أحسن سياسة، و لا يخالفه السلطان في شي‏ء، و مع ذلك فلم يكن له حماية و لا رعاية و لا لغلمانه ذكر، و من المغرب يغلق باب إصطبله، و كان ممّا له على السلطان من المرتب في كل يوم مخفيتان، يأخذ عنهما من بيت المال كل يوم سبعمائة درهم، عن كل مخفية ثلاثمائة و خمسين درهما، و كان السلطان إذا أنعم على أحد بشي‏ء أو ولّاه وظيفة قال له: روح إلى الأمير بكتمر و بوس يده، و كان جيد الطباع حسن الأخلاق لين الجانب سهل الانقياد رحمه اللّه.

خانقاه قوصون‏

هذه الخانقاه في شماليّ القرافة مما يلي قلعة الجبل تجاه جامع قوصون، أنشأها الأمير سيف الدين قوصون، و كملت عمارتها في سنة ست و ثلاثين و سبعمائة، و قرّر في مشيختها الشيخ شمس الدين أبا الثناء محمود بن أبي القاسم أحمد الأصفهانيّ، و رتب له معلوما سنيا من الدراهم و الخبز و اللحم و الصابون و الزيت و سائر ما يحتاج إليه، حتى جامكية غلام بغلته، و استقرّ ذلك في الوقف من بعده لكل من ولي المشيخة بها، و قرّر بها جماعة كثيرة من الصوفية، و رتب لهم الطعام و اللحم و الخبز في كل يوم، و في الشهر المعلوم من الدراهم و من الحلوى و الزيت و الصابون، و ما زالت على ذلك إلى أن كانت المحن من سنة ست و ثمانمائة، فبطل الطعام و الخبز منها و صار يصرف لمستحقيها مال من نقد مصر، و تلاشى أمرها من بعد ما كانت من أعظم جهات البرّ، و أكثرها نفعا و خيرا، و قد تقدّم ذكر قوصون عند ذكر جامعه من هذا الكتاب.

299

خانقاه طغاي النجميّ‏

هذه الخانقاه بالصحراء خارج باب البرقية فيما بين قلعة الجبل و قبة النصر، أنشأها الأمير طغاي تمر النجميّ، فجاءت من المباني الجليلة، و رتب بها عدّة من الصوفية و جعل شيخهم الشيخ برهان الدين الرشيدي، و بنى بجانبها حمّاما و غرس في قبليها بستانا، و عمل بجانب الحمّام حوض ماء للسبيل ترده الدواب، و وقف على ذلك عدّة أوقاف، ثم إن الحمّام و الحوض تعطلا مدّة. فلما ماتت أرزباي زوجة القاضي فتح الدين فتح اللّه كاتب السرّ في سنة ثمان و ثمانمائة، دفنها خارج باب النصر و أحبّ أن يبنى على قبرها و يوقف عليها أوقافا، ثم بدا له فنقلها إلى هذه الخانقاه و دفنها بالقبة التي فيها، و أدار الساقية و ملأ الحوض و رتب لقرّاء هذه الخانقاه معلوما، و عزم على تجديد ما تشعث من بنائها و إدارة حمامها، ثم بدا له فأنشأ بجانب هذه الخانقاه تربة و نقل زوجته مرّة ثالثة إليها، و جعل أملاكه وقفا على تربته.

طغاي تمر النجميّ: كان دوادار الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاون، فلما مات الصالح استقرّ على حاله في أيام أخويه الملك الكامل شعبان، و الملك المظفر حاجي، و كان من أحسن الأشكال و أبدع الوجوه، تقدّم في الدول و صارت له وجاهة عظيمة، و خدمه الناس و لم يزل على حاله إلى أن لعب به أغرلوا فيمن لعب و أخرجه إلى الشام و ألحقه بمن أخذه من غزة، و ذلك في أوائل جمادى الآخرة سنة ثمان و أربعين و سبعمائة، و طغاي هذا أوّل دوادار أخذ أمرة مائة و تقدمة ألف، و ذلك في أوّل دولة المظفر حاجي، و لما كانت واقعة الأمير ملكتمر الحجازيّ و الأمير آق سنقر و عدّة من الأمراء في تاسع عشر ربيع الآخر سنة ثمان و أربعين و سبعمائة، رمى طغاي تمر سيفه و بقي بغير سيف بعض يوم، ثم إن المظفر أعطاه سيفه و استمرّ في الدوادارية نحو شهر، و أخرج هو و الأمير نجم الدين محمود الوزير، و الأمير سيف الدين بيدمر البدريّ على الهجن إلى الشام، فأدركهم الأمير سيف الدين منجك و قتلهم في الطريق.

خانقاه أمّ أنوك‏

هذه الخانقاه خارج باب البرقية بالصحراء، التي أنشأتها الخاتون طغاي تجاه تربة الأمير طاشتمر الساقي، فجاءت من أجلّ المباني، و جعلت بها صوفية و قرّاء، و وقفت عليها الأوقاف الكثيرة، و قرّرت لكل جارية من جواريها مرتبا يقوم بها.

طغاي الخوندة الكبرى: زوجة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، و أمّ ابنه الأمير أنوك، كانت من جملة إمائه، فأعتقها و تزوّجها، و يقال أنها أخت الأمير أقبغا عبد الواحد، و كانت بديعة الحسن باهرة الجمال، رأت من السعادة ما لم يره غيرها من نساء

300

الملوك الترك بمصر، و تنعمت في ملاذّ ما وصل سواها لمثلها، و لم يدم السلطان على محبة امرأة سواها، و صارت خونده بعد ابنه توكاي و أكبر نسائه، حتى من ابنة الأمير تنكز. و حج بها القاضي كريم الدين و احتفل بأمرها و حمل لها البقول في محاير طين على ظهور الجمال، و أخذ لها الأبقار الحلابة، فسارت معها طول الطريق لأجل اللبن الطريّ، و عمل الجبن، و كان يقلي لها الجبن في الغداء و العشاء، و ناهيك بمن وصل إلى مداومة البقل و الجبن في كل يوم، و هما أخس ما يؤكل، فما عساه يكون بعد ذلك. و كان القاضي كريم الدين، و الأمير مجلس، و عدّة من الأمراء يترجلون عند النزول و يمشون بين يدي محفتها و يقبلون الأرض لها كما يفعلون بالسلطان، ثم حج بها الأمير بشتاك في سنة تسع و ثلاثين و سبعمائة، و كان الأمير تنكز إذا جهز من دمشق تقدمة إلى السلطان لا بدّ أن يكون لخوند طغاي منها جزء وافر، فلما مات السلطان الملك النصار استمرّت عظمتها من بعده إلى أن ماتت في شهر شوّال سنة تسع و أربعين و سبعمائة، أيام الوباء، عن ألف جارية، و ثمانين خادما خصيا، و أموال كثيرة جدّا، و كانت عفيفة طاهرة كثيرة الخير و الصدقات و المعروف، جهزت سائر جواريها و جعلت على قبر ابنها بقبة المدرسة الناصرية بين القصرين قرّاء، و وقفت على ذلك وقفا، و جعلت من جملته خبزا يفرّق على الفقراء، و دفنت بهذه الخانقاه، و هي من أعمر الأماكن إلى يومنا هذا.

خانقاه يونس‏

هذه الخانقاه من جملة ميدان القبق بالقرب من قبة النصر خارج باب النصر، أدركت موضعها و به عواميد تعرف بعواميد السباق، و هي أوّل مكان بني هناك، أنشأها الأمير يونس النوروزيّ الدوادار كان من مماليك الأمير سيف الدين جرجي الإدريسيّ، أحد الأمراء الناصرية، و أحد عتقائه، فترقى في الخدم من آخر أيام الملك الناصر محمد بن قلاون إلى أن صار من جملة الطائفة اليلبغاوية، فلما قتل الأمير يلبغا الخاصكيّ خدم بعده الأمير استدمر الناصريّ الأتابك، و صار من جملة دواداريته، و ما زال يتنقل في الخدم إلى أن قام الأمير برقوق بعد قتل الملك الأشرف شعبان، فكان ممن أعانه و قاتل معه، فرعى له ذلك و رقّاه إلى أن جعله أمير مائة مقدّم ألف، و جعله دواداره لما تسلطن، فسلك في رياسته طريقة جليلة، و لزم حالة جميلة من كثر الصيام و الصلاة، و إقامة الناموس الملوكيّ، و شدّة المهابة، و الإعراض عن اللعب، و مداومة العبوس، و طول الجلوس، و قوّة البطش لسرعة غضبه، و محبة الفقراء، و حضور السماع و الشغف به، و إكرام الفقهاء و أهل العلم.

و أنشأ بالقاهرة ربعا و قيسارية بخط البندقانيين، و تربة خارج باب الوزير تحت القلعة، و أنشأ بظاهر دمشق مدرسة بالشرف الأعلى، و أنشأ خانا عظيما خارج مدينة غزة، و جعل بجانب هذه الخانقاه مكتبا يقرأ فيه أيتام المسلمين كتاب اللّه تعالى، و بنى بها صهريجا ينقل‏

301

إليه ماء النيل، و ما زال على وفور حرمته و نفوذ كلمته إلى أن خرج الأمير يلبغا الناصريّ نائب حلب على الملك الظاهر برقوق، في سنة إحدى و تسعين و سبعمائة، و جهز السلطان الأمير أيتمش، و الأمير يونس هذا، و الأمير جهاركس الخليليّ، و عدّة من الأمراء و المماليك لقتاله، فلقوه بدمشق و قاتلوه فهزمهم، و قتل الخليليّ و فرّ أيتمش إلى دمشق، و نجا يونس بنفسه يريد مصر، فأخذه الأمير عيفا بن شطي أمير الأمراء و قتله يوم الثلاثاء ثاني عشري شهر ربيع الآخر، سنة إحدى و تسعين و سبعمائة، و لم يعرف له قبر بعد ما أعدّ لنفسه عدّة مدافن في غير ما مدينة من مصر و الشام.

خانقاه طيبرس‏

هذه الخانقاه من جملة أراضي بستان الخشاب، فيما بين القاهرة و مصر على شاطى‏ء النيل، أنشأها الأمير علاء الدين طيبرس الخازندار نقيب الجيوش في سنة سبع و سبعمائة، بجوار جامعه المقدّم ذكره عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب. و قرّر بها عدّة من الصوفية، و جعل لهم شيخا و أجرى لهم المعاليم، و لم تزل عامرة إلى أن حدثت المحن من سنة ست و ثمانمائة، فابتاع شخص الوكالة و الربعين المعروفين بربع بكتمر و الحمامين، و نقض ذلك فخرب الخط و صار مخوفا. فلما كان في سنة أربع عشرة و ثمانمائة، نقل الحضور من هذه الخانقاه إلى المدرسة الطيبرسية بجوار الجامع الأزهر، و هي الآن بصدد أن تدثر و تمحى آثارها.

خانقاه أقبغا

هذه الخانقاه هي موضع من المدرسة الأقبغاوية بجوار الجامع الأزهر، أفرده الأمير أقبغا عبد الواحد و جعل فيه طائفة يحضرون وظيفة التصوّف، و أقام لهم شيخا و أفرد لهم وقفا يختص بهم، و هي باقية إلى يومنا هذا، و له أيضا خانقاه بالقرافة.

الخانقاه الخروبية

هذه الخانقاه بساحل الجيزة تجاه المقياس، كانت منظرة من أعظم الدور و أحسنها، أنشأها زكيّ الدين أبو بكر بن عليّ الخرّوبيّ كبير التجار، ثم توارثها من بعده أولاد الخرّوبيّ التجار بمصر، فلم تزل بأيديهم، إلى أن نزلها السلطان المؤيد شيخ في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رجب الفرد، سنة اثنتين و عشرين و ثمانمائة، و أقام بها فاقتضى رأيه أن يجعلها خانقاه، فاستدعى بابن الخرّوبيّ ليشتريها منه، فتبرّع بما يخصه منها، و صار إليه باقيها، فتقدّم إلى الأمير سيف الدين أبي بكر بن المسروق الاستادار بعملها خانقاه، و سار منها في يوم الأربعاء سادس عشرة، فأخذ الأمير أبو بكر في عملها حتى كملت في آخر السنة، و استقرّ في مشيختها شمس الدين محمد بن الحمتي الدمشقيّ الحنبليّ، و خلع عليه يوم السبت سنة ثلاث و عشرين و ثمانمائة، و رتب له في كل يوم عشرة مؤيدية، عنها مبلغ‏

302

سبعين درهما فلوسا، سوى الخبز و السكن، و قرّر عنده عشرة من الفقراء لكل منهم مع الخبز مؤيديّ في كل يوم، فجاءت من أحسن شي‏ء.

ذكر الربط

الربط جمع رباط، و هو دار يسكنها أهل طريق اللّه. قال ابن سيده: الرباط من الخيل، الخمس فما فوقها. و الرباط و المرابطة ملازمة ثغر العدوّ، و أصله أن يربط كل واحد من الفريقين خيله، ثم صار لزوم الثغر رباطا. و ربما سميت الخيل نفسها رباطا، و الرباط و الرباط المواظبة على الأمر. قال الفارسيّ هو ثان من لزوم الثغر، و لزوم الثغر ثان من رباط الخيل و قوله تعالى: وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا قيل معناه جاهدوا، و قيل واظبوا على مواقيت الصلاة. و قال أبو حفص السهرورديّ في كتاب عوارف المعارف: و أصل الرباط ما تربط فيه الخيول، ثم قيل لكل ثغر يدفع أهله عمن وراءهم رباط، فالمجاهد المرابط يدفع عمن وراءه، و المقيم في الرباط على طاعة اللّه يدفع بدعائه البلاء عن العباد، و البلاد. و روى داود بن صالح قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أيّ شي‏ء نزلت هذه الآية: اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا قلت: لا. قال: يا ابن أخي لم يكن في زمن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) غزو تربط فيه الخيل، و لكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة، فالرباط جهاد النفس، و المقيم في الرباط مرابط مجاهد نفسه، و اجتماع أهل الربط إذ صح على الوجه الموضوع له الربط، و تحقق أهل الربط بحسن المعاملة و رعاية الأوقات، و توقي ما يفسد الأعمال، و يصحح الأحوال، عادت البركة على البلاد و العباد، و شرائط سكان الرباط قطع المعاملة مع الخلق، و فتح المعاملة مع الحق، و ترك الاكتساب اكتفاء بكفالة مسبب الأسباب، و حبس النفس عن المخالطات، و اجتناب التبغات، و مواصلة الليل و النهار بالعبادة متعوّضا بها عن كل عادة، و الاشتغال بحفظ الأوقات و ملازمة الأوراد و انتظار الصلوات، و اجتناب الغفلات، ليكون بذلك مرابطا مجاهدا. و الرباط هو بيت الصوفية و منزلهم، و لكل قوم دار، و الرباط دارهم، و قد شابهوا أهل الصفة في ذلك، فالقوم في الرباط مرابطون متفقون على قصد واحد و عزم واحد و أحوال متناسبة، و وضع الرباط لهذا المعنى. قال مؤلفه رحمه اللّه:

و لاتخاذ الربط و الزوايا أصل من السنة، و هو أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، اتخذ لفقراء الصحابة الذين لا يأوون إلى أهل و لا مال مكانا من مسجده، كانوا يقيمون به عرفوا بأهل الصفة.

رباط الصاحب‏

هذا الرباط مطل على بركة الحبش، أنشأه الصاحب فخر الدين أبو عبد اللّه محمد بن الوزير الصاحب بهاء الدين أبي الحسن عليّ بن محمد بن سليم بن حنا، و وقف عليه أبوه الصاحب بهاء الدين بعد موته عقارا بمدينة مصر، و شرط أن يسكنه عشرة من الفقراء المجرّدين غير المتأهلين، و ذلك في ذي الحجة سنة ثمان و ستين و ستمائة، و هو باق إلى‏