المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية - ج4

- أحمد بن علي المقريزي المزيد...
454 /
303

يومنا هذا، و ليس فيه أحد، و يستأدي ريع وقفه من لا يقوم بمصالحه.

رباط الفخري‏

هذا الرباط خارج باب الفتوح فيما بينه و بين النصر، بناه الأمير عز الدين أيبك الفخريّ، أحد أمراء الملك الظاهر بيبرس.

رباط البغدادية

هذا الرباط بداخل الدرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس، حيث كان المتجر الذي ذكر عند ذكر القصر من هذا الكتاب، و من الناس من يقول رواق البغدادية، و هذا الرباط بنته الست الجليلة تذكارياي خاتون ابنة الملك الظاهر بيبرس في سنة أربع و ثمانين و ستمائة، للشيخة الصالحة زينت ابنة أبي البركات، المعروفة ببنت البغدادية، فأنزلتها به و معها النساء الخيرات، و ما برح إلى وقتنا هذا يعرف سكانه من النساء بالخير، و له دائما شيخه تعظ النساء و تذكرهنّ و تفقههنّ، و آخر من أدركنا فيه الشيخة الصالحة سيدة نساء زمانها أمّ زينب فاطمة بنت عباس البغدادية، توفيت في ذي الحجة سنة أربع عشرة و سبعمائة، و قد أنافت على الثمانين، و كانت فقيهة وافرة العلم، زاهدة قانعة باليسير، عابدة واعظة حريصة على النفع و التذكير، ذات إخلاص و خشية، و أمر بالمعروف، انتفع بها كثير من نساء دمشق و مصر، و كان لها قبول زائد و وقع في النفوس، و صار بعدها كلّ من قام بمشيخة هذا الرباط من النساء يقال لها البغدادية، و أدركنا الشيخة الصالحة البغدادية أقامت به عدّة سنين على أحسن طريقة إلى أن ماتت يوم السبت لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ست و تسعين و سبعمائة، و أدركنا هذا الرباط و تودع فيه النساء اللاتي طلّقن أو هجرن حتى يتزوّجن أو يرجعن إلى أزواجهنّ صيانة لهنّ، لما كان فيه من شدّة الضبط و غاية الاحتراز و المواظبة على وظائف العبادات، حتى أن خادمة الفقيرات به كانت لا تمكن أحدا من استعمال إبريق ببزبوز، و تؤدّب من خرج عن الطريق بما تراه، ثم لما فسدت الأحوال من عهد حدوث المحن بعد سنة ست و ثمانمائة، تلاشت أمور هذا الرباط و منع مجاوروه من سجن النساء المعتدّات به، و فيه إلى الآن بقايا من خير، و يلي النظر عليه قاضي القضاة الحنفيّ.

رباط الست كليلة

هذا الرباط خارج درب بطوط من جملة حكر سنجر اليمنيّ، ملاصقة للسور الحجر بخط سوق الغنم و جامع أصلم، وقفه الأمير علاء الدين البراباه على الست كليلة، المدعوّة دولاي، ابنة عبد اللّه التتارية، زوج الأمير سيف الدين البرليّ السلاحدار الظاهريّ، و جعله مسجدا و رباطا، و رتب فيه إماما و مؤذنا، و ذلك في ثالث عشرى شوّال سنة أربع و تسعين و ستمائة.

304

رباط الخازن‏

هذا الرباط بقرب قبة الإمام الشافعيّ رحمة اللّه عليه. من قرافة مصر، بناه الأمير علم الدين سنجر بن عبد اللّه الخازن. والي القاهرة، و فيه دفن، و هذا الخازن هو الذي ينسب إليه حكر الخازن خارج القاهرة.

الرباط المعروف برواق ابن سليمان‏

هذا الرواق بحارة الهلالية خارج باب زويلة، عرف بأحمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن إبراهيم بن أبي المعالي بن العباس الرحبي البطائحيّ الرفاعيّ، شيخ الفقراء الأحمدية الرفاعية بديار مصر، كان عبدا صالحا له قبول عظيم من أمراء الدولة و غيرهم، و ينتمي إليه كثير من الفقراء الأحمدية، و روي الحديث عن سبط السلفيّ و حدّث، و كانت وفاته ليلة الاثنين سادس ذي الحجة سنة إحدى و تسعين و ستمائة بهذا الرواق.

رباط داود بن إبراهيم‏

هذا الرباط بخط بركة الفيل بني في سنة ثلاث و ستين و ستمائة.

رباط ابن أبي المنصور

هذا الرباط بقرافة مصر عرف، بالشيخ صفيّ الدين الحسين بن عليّ بن أبي المنصور الصوفيّ المالكيّ، كان من بيت وزارة، فتجرّد و سلك طريق أهل اللّه على يد الشيخ أبي العباس أحمد بن أبي بكر الجزار التحبيبيّ المغربيّ، و تزوّجابنته و عرف بالبركة، و حكيت عنه كرامات، و صنف كتاب الرسالة ذكر فيها عدّة من المشايخ، و روى الحديث و حدّث و شارك في الفقه و غيره، و كانت ولادته في ذي القعدة سنة خمس و تسعين و خمسمائة، و وفاته برباطه هذا يوم الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة.

رباط المشتهى‏

هذا الرباط بروضة مصر يطل على النيل و كان به الشيخ المسلك ... (1) و للّه درّ شيخنا العارف الأديب شهاب الدين أحمد بن أبي العباس الشاطر الدمنهوريّ حيث يقول:

بروضة المقياس صوفيّة* * * هم منية الخاطر و المشتهى‏

لهم على البحر أياد علت‏* * * و شيخهم ذاك له المنتهي‏

____________

(1) بياض في الأصل.

305

و قال الإمام العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفيّ:

يا ليلة مرّت بنا حلوة* * * إن رمت تشبيها لها عبتها

لا يبلغ الواصف في وصفها* * * حدّا و لا يلقي له منتهى‏

بت مع المعشوق في روضة* * * و نلت من خرطومه المشتهى‏

رباط الآثار

هذا الرباط خارج مصر بالقرب من بركة الحبش مطلّ على النيل و مجاور للبستان المعروف بالمعشوق. قال ابن المتوّج: هذا الرباط عمره الصاحب تاج الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد ولد الصاحب بهاء الدين عليّ بن حنا بجوار بستان المعشوق، و مات رحمه اللّه قبل تكملته، و وصّى أن يكمل من ريع بستان المعشوق، فإذا كملت عمارته يوقف عليه و وصّى الفقيه عز الدين بن مسكين فعمر فيه شيئا يسيرا و أدركه الموت إلى رحمة اللّه تعالى، و شرع الصاحب ناصر الدين محمد ولد الصاحب تاج الدين في تكملته، فعمر فيه شيئا جيدا انتهى.

و إنما قيل له رباط الآثار لأنّ فيه قطعة خشب و حديد يقال أن ذلك من أثار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، اشتراها الصاحب تاج الدين المذكور بمبلغ ستين ألف درهم فضة من بني إبراهيم أهل ينبع، و ذكروا أنها لم تزل عندهم موروثة من واحد إلى آخر إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و حملها إلى هذا الرباط و هي به إلى اليوم يتبرّك الناس بها و يعتقدون النفع بها، و أدركنا لهذا الرباط بهجة، و للناس فيه اجتماعات، و لساكنه عدّة منافع ممن يتردّد إليه أيام كان ماء النيل تحته دائما. فلما انحسر الماء من تجاهه و حدثت المحن من سنة ست و ثمانمائة قلّ تردّد الناس إليه، و فيه إلى اليوم بقية، و لما كانت أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون قرّر فيه درسا للفقهاء الشافعية، و جعل له مدرّسا، و عنده عدّة من الطلبة، و لهم جار في كل شهر من وقف وقفه عليهم و هو باق أيضا، و في أيام الملك الظاهر برقوق وقف قطعة أرض لعمل الجسر المتصل بالرباط، و لهذا الرباط حزانة كتب و هو عامر بأهله.

الوزير الصاحب: تاج الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الوزير الصاحب بهاء الدين عليّ بن سليم بن حنا، ولد في سابع شعبان سنة أربعين و ستمائة، و سمع من سبط السلفيّ و حدّث و انتهت إليه رياسة عصره، و كان صاحب صيانة و سؤدد و مكارم، و شاكلة حسنة و بزة فاخرة إلى الغاية، و كان يتناهى في المطاعم و الملابس و المناكح و المساكن، و يجود بالصدقات الكثيرة مع التواضع و محبة الفقراء و أهل المصلاح و المبالغة في اعتقادهم، و نال في الدنيا من العز و الجاه ما لم يره جدّه الصاحب الكبير بهاء الدين، بحيث أنّه لما تقلد الوزير الصاحب فخر الدين بن الخليليّ الوزارة، و سار من قلعة الجبل و عليه‏

306

تشريف الوزارة إلى بيت الصاحب تاج الدين و قبل يده و جلس بين يديه، ثم انصرف إلى داره، و ما زال على هذا القدر من وفور العز إلى أن تقلد الوزارة في يوم الخميس رابع عشري صفر سنة ثلاث و تسعين و ستمائة، بعد قتل الوزير الأمير سنجر الشجاعيّ، فلم ينجب، و توقفت الأحوال في أيامه حتى احتاج إلى إحضار تقاوي النواحي المرصدة بها للتخضير و استهلكها، ثم صرف في يوم الثلاثاء خامس عشري جمادى الأولى سنة أربع و تسعين و ستمائة بفخر الدين عثمان بن الخليليّ، و أعيد الوزارة مرّة ثانية، فلم ينجح، و عزل و سلّم مرّة للشجاعيّ فجرّده من ثيابه و ضربه شيبا واحدا بالمقارع فوق قميصه، ثم أفرج عنه على مال، و مات في رابع جمادى الآخرة سنة سبع و سبعمائة، و دفن في تربتهم بالقرافة، و كان له شعر جيد، و للّه درّ شيخنا الأديب جلال الدين محمد بن خطيب داريا الدمشقيّ البيسانيّ حيث يقول في الآثار:

يا عين إن بعد الحبيب و داره‏* * * و نأت مرابعه و شطّ مزاره‏

فلقد ظفرت من الزمان بطائل‏* * * إن لم تريه فهذه آثاره‏

و قد سبقه لذلك الصلاح خليل بن أيبك الصفديّ فقال:

أكرم بآثار النبيّ محمد* * * من زاره استوفى السرور مزاره‏

يا عين دونك فانظري و تمتعي‏* * * إن لم تريه فهذه آثاره‏

و اقتدى بهما في ذلك أبو الحزم المدنيّ فقال:

يا عين كم ذا تسفحين مدامعا* * * شوقا لقرب المصطفى و دياره‏

إن كان صرف الدهر عاقك عنهما* * * فتمتعي يا عين في آثاره‏

رباط الأفرم‏

هذا الرباط بسفح الجرف الذي عليه الرصد، و هو يشرف على بركة الحبش، و كان من أحسن منتزهات أهل مصر. أنشأه الأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير خازندار الصالحيّ النجميّ، و رتب فيه صوفية و شيخا و إماما، و جعل فيه منبرا يخطب عليه للجمعة. و العيدين، و قرّر لهم معاليم من أوقاف أرصدها لهم، و ذلك في سنة ثلاث و ستين و ستمائة، و هو باق إلّا أنّه لم يبق به ساكن لخراب ما حوله، و له إلى اليوم متحصل من وقفه، و الأفرم هذا هو الذي ينسب إليه جسر الأفرم خارج مصر، و قد ذكر عند ذكر الجسور من هذا الكتاب.

الرباط العلائي‏

هذا الرباط خارج مصر بخط بين الزقاقين شرقيّ الخليج الكبير، يعرف اليوم بخانقاه المواصلة، و هو آيل إلى الدثور لخراب ما حوله، أنشأه الملك علاء الدين أبو الحسن عليّ‏

307

ابن الملك المجاهد سيف الدين إسحاق صاحب الجزيرة، بن الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، بجوار داره و حمّامه و طاحونه، و جعل له فيه مدفنا و وقف عليه بستان الجرف و بستانا بناحية شبرا، و عدّة حصص من قرى فلسطين و الساحل، و أحكارا و دورا بجانب الرباط. و مات يوم الجمعة ثامن ربيع الآخر سنة إحدى و ثلاثين و سبعمائة، و مولده يوم الجمعة ثامن عشري المحرّم سنة سبع و خمسين و ستمائة، بجزيرة ابن عمرو، و كان من الحلقة و سمع الحديث من النجيب الحرّانيّ، و ابن عرنين، و ابن علاف. و دفن فيه و به إلى الآن بقية، و يحضره الفقهاء يوما في الأسبوع و هم عشرة شيخهم منهم و منهم قارى‏ء ميعاد و قرّاء، و كان أوّلا معمورا بسكنى أهله دائما فيه، و في هذا الوقت لا يمكن سكناه لكثرة الخوف من السرّاق.

ذكر الزوايا

زاوية الدمياطيّ‏

هذه الزاوية فيما بين خط السبع سقايات و قطنرة السدّ خارج مصر إلى جانب حوض السبيل المعدّ لشرب الدواب، أنشأها الأمير عز الدين أيبك الدمياطيّ الصالحيّ النجميّ، أحد الأمراء المقدّمين الأكابر في أيام الملك الظاهر بيبرس، و بها دفن لمّا مات بالقاهرة ليلة الأربعاء تاسع شعبان سنة ست و تسعين و ستمائة، و إلى الآن يعرف الحوض المجاور لها بحوض الدمياطي.

زاوية الشيخ خضر

هذه الزاوية خارج باب الفتوح من القاهرة بخط زقاق الكحل. تشرف على الخليج الكبير، عرفت بالشيخ خضر بن أبي بكر بن موسى المهرانيّ العدويّ، شيخ السلطان الملك الظاهر بيبرس، كان أوّلا قد انقطع بجبل المزة خارج دمشق، فعرفه الأمير سيف الدين قشتمر العجميّ و تردّد إليه فقال له: لا بدّ أن يتسلطن الأمير بيبرس البندقاريّ، فأخبر بيبرس بذلك، فلما صارت المملكة إليه بعد قتل الملك المظفر قطز، اشتمل على اعتقاده و قرّبه، و بني له زاوية بجبل المزة، و زاوية بظاهر بعلبك، و زاوية بحماه، و زاوية بحمص، و هذه الزاوية خارج القاهرة. و وقف عليها أحكارا تغل في السنة نحو الثلاثين ألف درهم، و أنزله بها و صار ينزل إليه في الأسبوع مرّة أو مرّتين و يطلعه على غوامض أسراره و يستشيره في أموره، و لا يخرج عما يشير به، و يأخذه معه في أسفاره، و أطلق يده و صرّفه في مملكته، فهدم كنيسة اليهود بدمشق، و هدم كنيسة للنصارى بالقدس، كانت تعرف بالمصلبة، و عملها زاوية، و قتل قسيسها بيده، و هدم كنيسة للروم بالإسكندرية كانت من كراسي النصارى، و يزعمون أن بها رأس يحيى بن زكريا، و عملها مسجدا سماه الخضر، فاتقي جانبه الخاص‏

308

و العام حتى الأمير بدر الدين بيلبك الخازندار نائب السلطنة، و الصاحب بهاء الدين عليّ بن حنا، و ملوك الأطراف، و كان يكتب إلى صاحب حماه و جميع الأمراء إذا طلب حاجة ما مثاله: الشيخ خضر نياك الحمارة، و كان ربع القامة كث اللحية يتعمم، عسراويّ و في لسانه عجمة، مع سعة صدر و كرم شمائل و كثرة عطاء من تفرقة الذهب و الفضة، و عمل الأسمطة الفاخرة، و كانت أحواله عجيبة لا تتكيف، و أقوال الناس فيه مختلفة، منهم من يثبت صلاحه و يعتقده، و منهم من يرميه بالعظائم. و كان يخبر السلطان بأمور تقع، منها أنه لما حاصر أرسوف و هي أوّل فتوحاته، قال له: متى نأخذ هذه المدينة؟ فعين له يوما يأخذها فيه، فأخذها في ذلك اليوم بعينه، و اتفق له مثل ذلك في فتح قيسارية، فلذلك كثر اعتقاده فيه، و ما أحسن قول الشريف محمد بن رضوان الناسخ في ملازمة السلطان له أسفاره:

ما الظاهر السلطان إلّا مالك ال* * * دنيا بذاك لنا الملاحم تخبر

و لنا دليل واضح كالشّمس في‏* * * وسط السماء لكلّ عين تنظر

لما رأينا الخضر يقدم جيشه‏* * * أبدا علمنا أنّه الإسكندر

و ما برح على رتبته إلى ثامن عشر شوّال سنة إحدى و سبعين ستمائة، فقبض عليه و اعتقل بقلعة الجبل و منح الناس من الاجتماع به. و يقال أن ذلك بسبب أنّ السلطان كان أعطاه تحفا قدمت من اليمن، منها كرّ يمنيّ مليح إلى الغاية، فأعطاه خضر لبعض المردان، فبلغ ذلك الأمير بدر الدين الخازندار النائب، و كان قد ثقل عليه بكثرة تسلطه، حتى لقد قال له مرّة بحضرة السلطان: كأنك تشفق على السلطان و على أولاده مثل ما فعل قطز بأولاد المعز، فأسرّها في نفسه، و بلغ خبر الكرّ اليمنيّ إلى السلطان، فاستدعاه و حضر جماعة حاققوه على أمور كثيرة منكرة، كاللواط و الزنا و نحوه، فاعتقله و رتب له ما يكفيه من مأكول و فاكهة و حلوى، و لما سافر السلطان إلى بلاد الروم قال خضر لبعض أصحابه إنّ السلطان يظهر على الروم و يرجع إلى دمشق فيموت بها بعد أن أموت أنا بعشرين يوما. فكان كذلك، و مات خضر في محبسه بقلعة الجبل في سادس المحرّم أو سابعه من سنة ست و سبعين و ستمائة، و قد أناف على الخمسين، فسلّم إلى أهله و حملوه إلى زاويته هذه و دفنوه فيها، و كان السلطان قد كتب بالانفراج عنه، فقدم البريد بعد موته، و مات السلطان بدمشق في سابع عشري المحرّم المذكور بعد خضر بعشرين يوما، و هذه الزاوية باقية إلى اليوم.

زاوية ابن منظور

هذه الزاوية خارج القاهرة بخط الدكة بجوار المقس، عرفت بالشيخ جمال الدين محمد بن أحمد بن منظور بن يس بن خليفة بن عبد الرحمن أبو عبد اللّه الكتانيّ العسقلانيّ الشافعيّ الصوفيّ، الإمام الزاهد، كانت له معارف و اتباع و مريدون و معرفة بالحديث، حدّث عن أبي الفتوح الجلاليّ و روي عنه الدمياطيّ و الدواداريّ و عدّة من الناس، و نظر في الفقه‏

309

و اشتهر بالفضيلة، و كانت له ثروة و صدقات. و مولده في ذي القعدة سنة سبع و تسعين و خمسمائة، و وفاته بزاويته في ليلة الثاني و العشرين من شهر رجب الفرد، سنة ست و تسعين و ستمائة، و كانت هذه الزاوية أوّلا تعرف بزاوية شمس الدين بن كرا البغداديّ.

زاوية الظاهري‏

هذه الزاوية خارج باب البحر ظاهر القاهرة عند جمّام طرغاي على الخليج الناصريّ، كانت أوّلا تشرف طاقاتها على بحر النيل الأعظم، فلما انحسر الماء عن ساحل المقس، و حفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصريّ صارت تشرف على الخليج المذكور من برّه الشرقيّ، و اتصلت المناظر هناك إلى أن كانت الحوادث من سنة ست و ثمانمائة، فخربت حمّام طرغاي و بيعت أنقاضها و أنقاض كثير مما كان هناك من المناظر، و أنشئ هناك بستان عرف أوّلا بعبد الرحمن صيرفيّ الأمير جمال الدين الأستادار، لأنه أوّلا أنشأه ثم انتقل عنه.

و الظاهريّ هذا هو أحمد بن محمد عبد اللّه أبو العباس جمال الدين الظاهريّ، كان أبوه محمد بن عبد اللّه عتيق الملك الظاهر شهاب الدين غازي، و برع حتى صار إماما حافظا و توفي ليلة الثلاثاء لاربع بقين من ربيع الأوّل سنة ست و تسعين و ستمائة بالقاهرة، و دفن بتربته خارج باب النصر. و ابنه عثمان بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه فخر الدين بن جمال الدين الظاهريّ الحلبيّ، الإمام العلامة المحدّث الصالح، ولد في سنة سبعين و ستمائة، و أسمعه أبو بديار مصر و الشام، و كان مكثرا و مات بزاويته هذه في سنة ثلاثين و سبعمائة.

زاوية الجميزة

هذه الزاوية موضعها من جملة أراضي الزهريّ، و هي الآن خارج باب زويلة بالقرب من معدّية فريج، أنشأها الأمير سيف الدين جيرك السلاحدار المنصوريّ أحد أمراء الملك المنصور قلاون، في سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة، و جعل فيها عدّة من الفقراء الصوفية.

زاوية الحلاوي‏

هذه الزاوية بخط الأبارين من القاهرة بالقرب من الجامع الأزهر، أنشأها الشيخ مبارك الهنديّ السعوديّ الحلاويّ، أحد الفقراء من أصحاب الشيخ أبي السعود بن أبي العشائر البارينيّ الواسطيّ، في سنة ثمان و ثمانين و ستمائة، و أقام بها إلى أن مات و دفن فيها، فقام من بعده ابنه الشيخ عمر بن عليّ بن مبارك، و كانت له سماعات و مرويات، ثم قام من بعده ابنه شيخنا جمال الدين عبد اللّه بن الشيخ عمر بن عليّ بن الشيخ مبارك الهنديّ، و حدّث فسمعنا عليه بها إلى أن مات في صفر سنة ثمان و ثمانمائة، و بها الآن ولده، و هي من الزوايا المشهورة بالقاهرة.

310

زاوية نصر

هذه الزاوية خارج باب النصر من القاهرة، أنشأها الشيخ نصر بن سليمان أبو الفتح المنبجيّ الناسك القدوة، و حدّث بها عن إبراهيم بن خليل و غيره، و كان فقيها معتزلا عن الناس متخليا للعبادة، يتردّد إليه أكابر الناس و أعيان الدولة، و كان للأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير فيه اعتقاد كبير، فلما ولي سلطنة مصر أجلّ قدره و أكرم محله، فهرع الناس إليه و توسلوا به في حوائجهم، و كان يتغالى في محبة العارف محيى الدين محمد بن عربي الصوفيّ، و لذلك كانت بينه و بين شيخ الإسلام أحمد بن تيمية مناكرة كبيرة، و مات رحمه اللّه عن بضع و ثمانين سنة، في ليلة السابع و العشرين من جمادى الآخرة، سنة تسع عشرة و سبعمائة و دفن بها.

زاوية الخدّام‏

هذه الزاوية خارج باب النصر، فيما بين شقة باب الفتوح من الحسينية و بين شقة الحسينية خارج باب النصر، أنشأها الطواشي بلال الفرّاجيّ و جعلها وقفا على الخدّام الحبش الأجناد، في سنة سبع و أربعين و ستمائة.

زاوية تقي الدين‏

هذه الزاوية تحت قلعة الجبل، أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاون بعد سنة عشرين و سبعمائة، لسكنى الشيخ تقيّ الدين رجب بن أشيرك العجميّ، و كان وجيها محترما عند أمراء الدولة، و لم يزل بها إلى أن مات يوم السبت ثامن شهر رجب سنة أربع عشرة و سبعمائة، و ما زالت منزلا لفقراء العجم إلى وقتنا هذا.

زاوية الشريف مهدي‏

هذه الزاوية بجوار زاوية الشيخ تقيّ الدين المذكور، بناها الأمير صرغتمش في سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة.

زاوية الطراطرية

هذه الزاوية بالقرب من موردة البلاط، بناها الملك الناصر محمد بن قلاون بوساطة القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص برسم الشيخين الأخوين محمد و أحمد المعروفين بالطراطرية، في سنة أربعين و سبعمائة، و كانا من أهل الخير و الصلاح، و نزلا أوّلا في مقصورة بالجامع الأزهر، فعرفت بهما، ثم عرفت بعدهما بمقصورة الحسام الصفديّ والد

311

الأمير الوزير ناصر الدين محمد بن الحسام، و هذه المقصورة بآخر الرواق الأوّل مما يلى الركن الغربيّ، و لم تزل هذه الزاوية عامرة إلى أن كانت المحن من سنة ست و ثمانمائة، و خرب خط زريبة قوصون و ما في قبليه إلى منشأة المهرانيّ، و ما في بحريه إلى قرب بولاق.

زاوية القلندرية

القلندرية طائفة تنتمي إلى الصوفية، و تارة تسمي أنفسها ملامتية، و حقيقة القلندرية أنهم قوم طرحوا التقيد بآداب المجالسات و المخاطبات، و قلت أعمالهم من الصوم و الصلاة إلّا الفرائض، و لم يبالوا بتناول شي‏ء من اللذات المباحة، و اقتصروا على رعاية الرخصة، و لم يطلبوا حقائق العزيمة، و التزموا أن لا يدّخروا شيئا، و تركوا الجمع و الاستكثار من الدنيا و لم يتقشفوا و لا زهدوا و لا تعبدوا، و زعموا أنهم قد قنعوا بطيب قلوبهم مع اللّه تعالى، و اقتصروا على ذلك و ليس عندهم تطلع إلى طلب مزيد سوى ما هم عليه من طيب القلوب.

و الفرق بين الملامتيّ و القلندريّ، أن الملامتيّ يعمل في كتم العبادات، و القلندريّ يعمل في تخريب العادات، و الملامتيّ يتمسك بكل أبواب البرّ و الخير و يرى الفضل فيه، إلّا أنه يخفي أحواله و أعماله، و يوقف نفسه موقف العوام في هيئته، و ملبوسه تسترا للحال، حتى لا يفطن له، و هو مع ذلك متطلع إلى المزيد من العبادات. و القلندريّ لا يتقيد بهيئة و لا يبالي بما يعرف من حاله و ما لا يعرف، و لا ينعطف إلّا على طيب القلوب، و هو رأس مال.

هذه الزاوية خارج باب النصر من القاهرة من الجهة التي فيها الترب و المقابر التي تلي المساكن، أنشأها الشيخ حسن الجوالقيّ القلندريّ، أحد فقراء العجم القلندرية على رأي الجوالقة، و لما قدم إلى ديار مصر تقدّم عند أمراء الدولة التركية، و أقبلوا عليه و اعتقدوه فأثرى ثراء زائدا في سلطنة الملك العادل كتبغا، و سافر معه من مصر إلى الشام، فاتفق أن السلطان اصطاد غزالا و دفعه إليه ليحمله إلى صاحب حماه، فلما أحضره إليه ألبسه تشريفا من حرير طرز وخش و كلوتة زركش، فقدم بذلك على السلطان، فأخذ الأمراء في مداعبته و قالوا له على سبيل الإنكار: كيف تلبس الحرير و الذهب و هما حرام على الرجال؟ فأين التزهد و سلوك طريق الفقراء و نحو ذلك؟ فعندما حضر صاحب حماه إلى مجلس السلطان على العادة قال له: يا خوند أيش عملت معي، الأمراء أنكروا عليّ، و الفقراء تطالبني. فأنعم عليه بألف دينار، فجمع الفقراء و الناس و عمل وقتا عظيما بزاوية الشيخ عليّ الحريريّ خارج دمشق، و كان سمح النفس جميل العشرة لطيف الروح، يحلق لحيته و لا يعتم، ثم إنه ترك الحلق و صارت له لحية و تعمم عمامة صوفية، و كانت له عصبة، و فيه مروءة و عصبية، و مات بدمشق في سنة اثنتين و عشرين و سبعمائة.

و ما زالت هذه الزاوية منزلا لطائفة القلندرية، و لهم بها شيخ، و فيها منهم عدد

312

موفور، و في شهر ذي القعدة سنة إحدى و ستين و سبعمائة، حضر السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون بخانقاه أبيه الملك الناصر في ناحية سرياقوس خارج القاهرة، و مدّ له شيخ الشيوخ سماطا كان من جملة من وقف عليه بين يدي السلطان الشريف عليّ شيخ زاوية القلندرية هذه، فاستدعاه السلطان و أنكر عليه حلق لحيته، و استتابه و كتب له توقيعا سلطانيا منع فيه هذه الطائفة من تحليق لحاهم، و أنّ من تظاهر بهذه البدعة قوبل على فعله المحرّم، و أن يكون شيخا على طائفته كما كان ما دام و داموا متمسكين بالسنة النبوية، و هذه البدعة لها منذ ظهرت ما يزيد على أربعمائة سنة، و أوّل ما ظهرت بدمشق في سنة بضع عشرة و ستمائة، و كتب إلى بلاد الشام بإلزام القلندرية بترك زيّ الأعاجم و المجوس، و لا يمكن أحد من الدخول إلى بلاد الشام حتى يترك هذا الزيّ المبتدع و اللباس المستبشع، و من لا يلتزم بذلك يعزر شرعا و يقلع من قراره قلعا فنودي بذلك في دمشق و أرجائها يوم الأربعاء سادس عشر ذي الحجة.

قبة النصر

هذه القبة زاوية يسكنها فقراء العجم، و هي خارج القاهرة بالصحراء تحت الجبل الأحمر بآخر ميدان القبق من بحريه، جدّدها الملك الناصر محمد بن قلاون على يد الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك.

زاوية الركراكي‏

هذه الزاوية خارج القاهرة في أرض المقس، عرفت بالشيخ المعتقد أبي عبد اللّه محمد الركراكيّ المغربيّ المالكيّ، لإقامته بها، و كان فقيها مالكيا متصدّيا لأشغال المغاربة، يتبرّك الناس به إلى أن مات بها يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة أربع و تسعين و سبعمائة، و دفن بها. و الركراكيّ نسبة إلى ركراكة، بلدة بالمغرب هي أحد مراسي سواحل المغرب بقرب البحر المحيط، تنزل فيه السفن فلا تخرج إلّا بالرياح العاصفة في زمن الشتاء عند تكدّر الهواء.

زاوية إبراهيم الصائغ‏

هذه الزاوية بوسط الجسر الأعظم تطلّ على بركة الفيل، عمرها الأمير سيف الدين طغاي بعد سنة عشرين و سبعمائة، و أنزل فيها فقيرا عجميا من فقراء الشيخ تقيّ الدين رجب يعرف بالشيخ عز الدين العجميّ، و كان يعرف صناعة الموسيقى و له نغمة لذيذة و صوت مطرب و غناء جيد، فأقام بها إلى أن مات في سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة، فغلب عليها الشيخ إبراهيم الصائغ إلى أن مات، يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب سنة أربع و خمسين و سبعمائة، فعرفت به.

313

زاوية الجعبري‏

هذه الزاوية خارج باب النصر من القاهرة، تنسب إلى الشيخ برهان الدين بن معضاد بن شدّاد بن ماجد الجعبريّ، المعتقد الواعظ، كان يجلس للوعظ فتجتمع إليه الناس و يذكرهم و يروي الحديث، و يشارك في علم الطب و غيره من العلوم، و له شعر حسن، و روى عن السخاويّ، و حدّث عن البزاركيّ، و كان له أصحاب يبالغون في اعتقاده و يغلون في أمره، و كان لا يراه أحد إلّا أعظم قدره و أجله و أثنى عليه، و حفظت عنه كلمات طعن عليه بسببها، و عمر حتى جاوز الثمانين سنة، فلما مرض أمر أن يخرج به إلى مكان قبره، فلما وقف عليه قال: قبير و حال دبير. و مات بعد ذلك بيوم، في يوم السبت رابع عشري المحرّم سنة سبع و ثمانين و ستمائة، و الجعابرة عدّة منهم.

زاوية أبي السعود

هذه الزاوية خارج باب القنطرة من القاهرة على حافة الخليج، عرفت بالشيخ المبارك أيوب السعوديّ، كان يذكر أنه رأى الشيخ أبا السعود بن أبي العشائر و سلك على يديه، و انقطع بهذه الزاوية و تبرّك الناس به و اعتقدوا إجابة دعائه، و عمّر و صار يحمل لعجزه عن الحركة حتى مات عن مائة سنة، أوّل صفر سنة أربع و عشرين و سبعمائة.

زاوية الحمصي‏

هذه الزاوية خارج القاهرة بخط حكر خزائن السلاح و الأوسية على شاطى‏ء خليج الذكر من أرض المقس بجوار الدكة، أنشأها الأمير ناصر الدين محمد، و يدعى طيقوش ابن الأمير فخر الدين الطنبغا الحمصي، أحد الأمراء في الأيام الناصرية، كان أبوه من أمراء الظاهر بيبرس، و رتب بهذه الزاوية عشرة من الفقراء شيخهم منهم، و وقف عليها عدّة أماكن في جوارها، و حصة من قرية بورين من قرى ساحل الشام. و غير ذلك، في سنة تسع و سبعمائة، فلما خرب ما حولها و ارتدم خليج الذكر تعطلت، و هي الآن قد عزم مستحقو ريعها على هدمها لكثرة ما أحاط بها من الخراب من سائر جهاتها، و صار السلوك إليها مخوفا بعد ما كانت تلك الخطة في غاية العمارة، و في جمادى سنة عشرين و سبعمائة هدمت.

زاوية المغربل‏

هذه الزاوية خارج القاهرة بدرب الزراق من الحكر، عرفت بالشيخ المعتقد عليّ المغربل، و مات في يوم الجمعة خامس جمادى الأولى سنة اثنتين و تسعين و سبعمائة، و لما كانت الحوادث من سنة ست و ثمانمائة خربت الحكورة و هدم درب الزراق و غيره.

314

زاوية القصري‏

هذه الزاوية بخط المقس خارج القاهرة، عرفت بالشيخ أبي عبد اللّه محمد بن موسى عبد اللّه بن حسن القصري الرجل الصالح الفقيه المالكيّ المغربيّ، قدم من قصر كتامة بالمغرب إلى القاهرة و انقطع بهذه الزاوية على طريقة جميلة من العبادة، و طلب العلم إلى أن مات بها في التاسع من شهر رجب سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة.

زاوية الجاكي‏

هذه الزاوية في سويقة الريش من الحكورة خارج القاهرة بجانب الخليج الغربيّ، عرفت بالشيخ المعتقد حسين بن إبراهيم بن عليّ الجاكي، و مات بها في يوم الخميس العشرين من شوّال سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة، و دفن خارج باب النصر، و كانت جنازته عظيمة جدّا، و أقام الناس يتبرّكون بزيارة قبره إلى أن كانت سنة سبع عشرة و ثمانمائة، فأقبل الناس إلى زيارة قبره و كان لهم هناك مجتمع عظيم في كلّ يوم، و يحملون النذور إلى قبره، و يزعمون أن الدعاء عنده لا يردّ فتنة أضلّ الشيطان بها كثيرا من الناس، و هم على ذلك إلى يومنا هذا.

زاوية الأبناسيّ‏

هذه الزاوية بخط المقس، عرفت بالشيخ الفقيه برهان الدين إبراهيم بن حسين بن موسى بن أيوب الأبناسيّ الشافعيّ، قدم من الريف و برع في الفقه، و اشتهر بسلامة الباطن، و عرف بالخير و الصلاح، و كتب على الفتوى، و درس بالجامع الأزهر و غيره، و تصدّى لأشغال الطلبة عدّة سنين، و ولي مشيخة الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، و طلبه الأمير سيف الدين برقوق و هو يومئذ أتابك العساكر حتى يقلده قضاء القضاة بديار مصر، فغيب فرارا من ذلك و تنزها عنه، إلى أن ولي غيره، و كانت ولادته قبيل سنة خمس و عشرين و سبعمائة، و وفاته بمنزلة المويلح من طريق الحجاز بعد عوده من الحج، في ثامن المحرّم سنة اثنتين و ثمانمائة، و دفن بعيون القصب.

زاوية اليونسية

هذه الزاوية خارج القاهرة بالقرب من باب اللوث تنزلها الطائفة اليونسية، و أحدهم يونسيّ- بضم الياء المعجمة باثنتين من تحتها و بعد الياء واو ثم نون بعدها سين مهملة في آخرها ياء آخر الحروف- نسبة إلى يونس، و يونس المنسوب إليه الطائفة اليونسية غير واحد، فمنهم يونس بن عبد الرحمن القميّ مولى آل يقطين، و هو الذي يزعم أن معبوده على عرشه تحمله ملائكته، و إن كان هو أقوى منها، كالكركيّ تحمله رجلاه و هو أقوى منهما، و قد كفر

315

من زعم ذلك، فإن اللّه تعالى هو الذي يحمل العرش و حملته، و هذه الطائفة اليونسية من غلاة الشيعة و اليونسية أيضا فرقة من المرجئة ينتمون إلى يونس السمويّ، و كان يزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله و الخضوع له، و هو ترك الاستكبار عليه و المحبة له، فمن اجتمعت فيه هذه الخلال فهو مؤمن، و زعم أن إبليس كان عارفا بالله غير أنه كفر باستكباره عليه، و لهم يونس بن يونس بن مساعد الشيبانيّ، ثم المخارقيّ شيخ الفقراء اليونسية، شيخ صالح له كرامات مشهورة، و لم يكن له شيخ بل كان مجذوبا جذب إلى طريق الخير توفي بأعمال دارا في سنة تسع عشرة و سبعمائة، و قد ناهز تسعين سنة، و قبره مشهور يزار و يتبرّك به، و إليه تنسب هذه الطائفة اليونسية.

زاوية الخلاطي‏

هذه الزاوية خارج باب النصر من القاهرة بالقرب من زاوية الشيخ نصر المنجيّ، عرفت ... (1) و كانت لهم وجاهة، منهم ناصر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد بن حسين الخلاطيّ، مات في نصف جمادى الأولى سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة و دفن بها.

الزاوية العدوية

هذه الزاوية بالقرافة، تنسب إلى الشيخ عديّ بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان الهكاريّ القرشيّ الأمويّ. و كان قد صحب عدّة من المشايخ، كعقيل المنبجيّ، و حماد الدباس، و عبد القادر السهرورديّ، و عبد القادر الجيليّ. ثم انقطع في جبل الهكارية من أعمال الموصل، و بنى له زاوية، فمال إليه أهل تلك النواحي كلها ميلا لم يسمع لأرباب الزوايا مثله، حتى مات سنة سبع و قيل سنة خمس و خمسين و خمسمائة، و دفن في زاويته، و قدم ابن أخيه إلى هذه البلاد، و هو زين الدين، فأكرم و أنعم عليه بإمرة، ثم تركها و انقطع في قرية بالشام تعرف ببيت فار، على هيئة الملوك من اقتناء الخيول المسوّمة و المماليك و الجواري و الملابس، و عمل الأسمطة الملوكية، فافتتنت به بعض نساء الطائفة القيمرية. و بالغت في تعظيمه، و بذلت له أموالا عظيمة، و حاشيتها تلومها فيه، فلا تصغي إلى قولهم، فاحتالوا حتى أوقفوها عليه و هو عاكف على المنكرات، فما زادها ذلك إلّا ضلالا و قالت: أنتم تنكرون هذا عليه. إنما الشيخ يتدلل على ربه، و أتاه الأمير الكبير علم الدين سنجر الدوادار و معه الشهاب محمود لتحليفه في أوّل دولة الأشرف خليل بن قلاون إلى قريته، فإذا هو كالملك في قلعته، للتجمل الظاهر و الحشمة الزائدة، و الفرش الأطلس، و آنية الذهب و الفضة و النضار الصينيّ، و أشياء تفوت العدّ، إلى غير ذلك من‏

____________

(1) بياض في الأصل.

316

الأشربة المختلفة الألوان، و الأطعمة المنوّعة. فلما دخلا عليه لم يحتفل بهما، و قبّل الأمير سنجريده و هو جالس لم يقم، و بقي قائما قدامه يحدثه، و زين الدين يسأله ساعة، ثم أمره أن يجلس فجلس على ركبتيه متأدّيا بين يديه، فلما حلفاه أنعم عليهما بما يقارب خمسة عشر ألف درهم، و تخلف من طائفته الشيخ عز الدين أميران، و أنعم عليه بإمرة دمشق، ثم نقل إلى إمرة بصفد، ثم أعيد إلى دمشق و ترك الإمرة و انقطع بالمرّة، و تردّد إليه الأكراد من كل قطر و حملوا إليه الأموال، ثم أنه أراد أن يخرج على السلطان بمن معه من الأكراد في كلّ بلد، فباعوا أموالهم و اشتروا الخيل و الملاح، و وعد رجاله بنيابات البلاد، و نزل بأرض اللجون. فبلغ ذلك السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، فكتب إلى الأمير تنكز نائب الشام بكشف أخبارهم، و أمسك السلطان من كان بهذه الزاوية العدوية، و درك على أمير طبر، و اختلفت الأخبار فقيل أنهم يريدون سلطنة مصر، و قيل يريدون ملك اليمن، فقلق السلطان لأمرهم و أهمه إلى أن أمسك الأمير تنكز عز الدين المذكور و سجنه في سنة ثلاث و ثلاثين و سبعمائة حتى مات، و فرّق الأكراد، و لو لم يتدارك لأوشك أن يكون لهم نوبة.

زاوية السدّار

هذه الزاوية برأس حارة الديلم، بناها الفقير المعتقد عليّ بن السدّار في سنة سبعين و سبعمائة، و توفي سنة ثلاث و سبعين و سبعمائة.

ذكر المشاهد التي يتبرّك الناس بزيارتها مشهد زين العابدين‏

هذا المشهد فيما بين الجامع الطولونيّ و مدينة مصر، تسميه العامّة مشهد زين العابدين، و هو خطأ، و إنما هو مشهد رأس زيد بن عليّ المعروف بزين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و يعرف في القديم بمسجد محرس الخصيّ.

قال القضاعيّ: مسجد محرس الخصيّ بني على رأس زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب حين أنفذه هشام بن عبد الملك إلى مصر، و نصب على المنبر بالجامع، فسرقه أهل مصر و دفنوه في هذا الموضع.

و قال الكنديّ في كتاب الأمراء: و قدم إلى مصر في سنة اثنتين و عشرين و مائة أبو الحكم بن أبي الأبيض القيسيّ خطيبا برأس زيد بن عليّ (رضوان اللّه عليه)، يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة، و اجتمع الناس إليه في المسجد.

و قال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ في كتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل و البطون: و بنو زيد بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)

317

الشهيد بالكوفة، و لم يبق له (عليه السلام) غير رأسه التي بالمشهد الذي بين الكومين بمصر بطريق جامع ابن طولون و بركة الفيل، و هو من الخطط، يعرف بمسجد محرس الخصيّ، و لما صلب كشفوا عورته فنسج العنكبوت فسترها. ثم إنه بعد ذلك أحرق و ذرى في الريح و لم يبق منه إلّا رأسه التي بمصر، و هو مشهد صحيح لأنه طيف بها بمصر، ثم نصبت على المنبر بالجامع بمصر في سنة اثنتين و عشرين و مائة، فسرقت و دفنت في هذا الموضع إلى أن ظهرت، و بنى عليها مشهد.

و ذكر ابن عبد الظاهر أن الأفضل بن أمير الجيوش لما بلغته حكاية رأس زيد أمر بكشف المسجد، و كان وسط الأكوام، و لم يبق من معالمه إلّا محراب، فوجد هذا العضو الشريف. قال محمد بن منجب بن الصيرفيّ: حدّثني الشريف فخر الدين أبو الفتوح ناصر الزيديّ خطيب مصر، و كان من جملة حضر الكشف قال: لما خرج هذا العضو رأيته، و هو هامة وافرة، و في الجبهة أثر في سعة الدرهم، فضمّخ و عطّر و حمل إلى دار حتى عمر هذا المشهد، و كان وجد أنه يوم الأحد تاسع عشري ربيع الأوّل سنة خمس و عشرين و خمسمائة، و كان الوصول به في يوم الأحد، و وجدانه في يوم الأحد.

زيد بن علي: بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، و كنيته أبو الحسن الإمام، الذي تنسب إليه الزيدية إحدى طوائف الشيعة، سكن المدينة و روى عن أبيه عليّ بن الحسين الملقب زين العابدين، و عن أبان بن عثمان، و عبيد اللّه بن أبي رافع، و عروة بن الزبير و روى عنه محمد بن شهاب الزهريّ، و زكريا بن أبي زائدة، و خلق ذكره ابن حبان في الثقات. و قال: رأى جماعة من الصحابة، و قيل لجعفر بن محمد الصادق عن الرافضة أنهم يتبرّؤن من عمك زيد. فقال: برى‏ء اللّه ممن تبرّأ من عمي، كان و اللّه أقرأنا لكتاب اللّه، و أفقهنا في دين اللّه، و أوصلنا للرحم، و اللّه ما ترك فينا لدينا و لا لآخرة مثله.

و قال أبو إسحاق السبيعيّ: رأيت زيد بن عليّ فلم أر في أهله مثله، و لا أعلم منه، و لا أفضل، و كان أفصحهم لسانا، و أكثرهم زهدا و بيانا.

و قال الشعبيّ: و اللّه ما ولد النساء أفضل من زيد بن عليّ، و لا أفقه و لا أشجع و لا أزهد. و قال أبو حنيفة: شاهدت زيد بن عليّ كما شاهدت أهله، فما رأيت في زمانه أفقه منه، و لا أعلم، و لا أسرع جوابا، و لا أبين قولا لقد كان منقطع القرين. و قال الأعمش: ما كان في أهل زيد بن عليّ مثل زيد، و لا رأيت فيهم أفضل منه، و لا أفصح و لا أعلم و لا أشجع، و لقد و في له من تابعه لإقامتهم على المنهج الواضح. و سئل جعفر بن محمد الصادق عن خروجه فقال: خرج على ما خرج عليه آباؤه و كان يقال لزيد حليف القرآن، و قال خلوت بالقرآن ثلاث عشرة سنة أقرأه و أتدبره، فما وجدت في طلب الرزق رخصة، و ما وجدت، ابتغوا من فضل اللّه إلّا العبادة و الفقه.

318

و قال عاصم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب: لقد أصيب عندكم رجل ما كان في زمانكم مثله، و لا أراه يكون بعده مثله، زيد بن عليّ، لقد رأيته و هو غلام حدث، و إنه ليسمع الشي‏ء من ذكر اللّه فيغشى عليه حتى يقول القائل ما هو بعائد إلى الدنيا. و كان نقش خاتم زيد، اصبر تؤجر اصدق تنج، و قرأ مرّة قوله تعالى: وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ‏ [محمد/ 38] فقال: إنّ هذا لوعيد و تهديد من اللّه. ثم قال: اللهمّ لا تجعلنا ممن تولى عنك فاستبدلت به بدلا. و كان إذا كلمه إنسان و خاف أن يهجم على أمر يخاف منه مأثما، قال له: يا عبد اللّه أمسك أمسك، كف كف، إليك إليك، عليك بالنظر لنفسك. ثم يكف عنه و لا يكلمه.

و قد اختلف في سبب قيام زيد و طلبه الأمر لنفسه، فقيل أن زيد بن عليّ، و داود بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس، و محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، قدموا على خالد بن عبد اللّه القسريّ بالعراق فأجازهم و رجعوا إلى المدينة، فلما ولي يوسف بن عمر العراق بعد عزل خالد، كتب إلى هشام بن عبد الملك و ذكر له أن خالد ابتاع أرضا بالمدينة من زيد بعشرة آلاف دينار، ثم ردّ الأرض عليه. فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيرهم إليه، ففعل. فسألهم هشام عن ذلك، فأقرّوا بالجائزة و أنكروا ما سوى ذلك، و حلفوا فصدّقهم، و أمرهم بالمسير إلى العراق ليقابلوا خالدا، فساروا على كره و قابلوا خالدا فصدّقهم و عادوا نحو المدينة. فلما نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيدا فعاد إليهم، و قيل بل ادّعى خالد القسريّ أنه أودع زيدا و داود بن عليّ و نفرا من قريش مالا. فكتب يوسف بن عمر بذلك إلى الخليفة هشام بن عبد الملك، فأحضرهم هشام من المدينة و سيرهم إلى يوسف ليجمعهم و خالدا، فقدموا عليه، فقال يوسف لزيد: إن خالدا زعم أنه أودع عندك مالا. فقال زيد:

كيف يودعني و هو يشتم آبائي على منبره؟ فأرسل إلى خالد فأحضره في عباءة و قال له: هذا زيد قد أنكر أنّك أودعته شيئا. فنظر خالد إليه و إلى داود و قال ليوسف: أ تريد أن تجمع إثمك مع إثمنا في هذا؟ كيف أودعه و أنا أشتم آباءه و أشتمه على المنبر؟ فقال زيد لخالد: ما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال: شدّد عليّ العذاب فادّعيت ذلك، و أملت أن يأتي اللّه بفرج قبل قدومك.

فرجعوا و أقام زيد و داود بالكوفة، و قيل أن يزيد بن خالد القسريّ هو الذي ادّعى أن المال وديعة عند زيد، فلما أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف استقالوه خوفا من شرّ يوسف و ظلمه. فقال: أنا أكتب إليه بالكف عنكم و ألزمهم بذلك. فساروا على كره، فجمع يوسف بينهم و بين يزيد فقال يزيد: ليس لي عندهم قليل و لا كثير. فقال له يوسف:

أ تهزأ بأمير المؤمنين؟ فعذبه يومئذ عذابا كاد يهلكه، ثم أمر بالقرشيين فضربوا، و ترك زيدا.

ثم اتسحلفهم و أطلقهم فلحقوا بالمدينة، و أقام زيد بالكوفة، و كان زيد قال لهشام لما أمره‏

319

بالمسير إلى يوسف: و اللّه ما آمن من إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا و أنت حبيبين أبدا. قال:

لا بدّ من المسير إليه. فسار إليه.

و قيل كان السبب في ذلك أن زيدا كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسين بن عليّ في وقوف عليّ رضي اللّه عنه، فزيد يخاصم عن بني حسين، و جعفر يخاصم عن بني حسن، فكانا يبلغان كل غاية، و يقومان فلا يعيدان مما كان بينهما، حرفا، فلما مات جعفر نازعه عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، فتنازعا يوما بين يدي خالد بن عبد الملك بن الحارث بالمدينة، فأغلظ عبد اللّه لزيد و قال: يا ابن السندية. فضحك زيد و قال:

قد كان إسماعيل (عليه السلام) ابن أمة، و مع ذلك فقد صبرت أمي بعد وفاة سيدها. و لم يصبر غيرها، يعني فاطمة بنت الحسين أمّ عبد اللّه، فإنها تزوّجت بعد أبيه الحسن بن الحسن. ثم إنّ زيدا ندم و استحيى من فاطمة، فإنها عمته، و لم يدخل إليها زمانا. فأرسلت إليه: يا ابن أخي إني لأعلم أن أمّك عندك كأمّ عبد اللّه عنده، و قالت لعبد اللّه: بئسما قلت لأمّ زيد، أما و اللّه لنعم دخيلة القوم كانت، و ذكر أن خالدا قال لهما: اغدوا علينا غدا فلست ابن عبد الملك إن لم أفصل بينكما، فباتت المدينة تغلي كالمرجل. يقول قائل: قال زيد كذا، و يقول قائل: قال عبد اللّه كذا، فلما كان من الغد جلس خالد في المسجد و اجتمع الناس، فمن بين شامت و مهموم، فدعا بهما خالد و هو يحبّ أن يتشاتما، فذهب عبد اللّه يتكلم، فقال زيد: لا تعجّل يا أبا محمد، أعتق زيد كلّ ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا. ثم أقبل إلى خالد فقال له: لقد جمعت ذرية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر و لا عمر. فقال خالد: أما لهذا السفيه أحد؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال: يا ابن أبي تراب و ابن حسين السفيه، أما ترى، لوال عليك حقا و لا طاعة؟ فقال زيد: اسكت أيها القحطانيّ، فإنّا لا نجيب مثلك. قال: و لم ترغب عني؟ فو اللّه إني لخير منك و خير من أبيك، و أمي خير من أمّك، فتضاحك زيد و قال: يا معشر قريش، هذا الدين قد ذهب أفتذهب الأحساب؟ فوا اللّه ليذهب دين القوم و ما تذهب أحسابهم. فقام عبد اللّه بن واقد بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب فقال: كذبت و اللّه أيها القحطانيّ، فو اللّه لهو خير منك نفسا و أبا و أمّا و محتدا، و تناوله بكلام كثير و أخذ كفا من حصباء و ضرب بها الأرض و قال: و اللّه إنه ما لنا على هذا من صبر و قام.

ثم شخص زيد إلى هشام بن عبد الملك، فجعل هشام لا يأذن له، و هو يرفع إليه القصص، فكلما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها ارجع إلى منزلك. فيقول زيد: و اللّه لا أرجع إلى خالد أبدا، ثم إنه أذن له يوما بعد طول حبس، فصعد زيد و كان بائنا فوقف في بعض الدرج و هو يقول: و اللّه لا يحب الدنيا أحد إلّا ذلّ، ثم صعد و قد جمع له هشام أهل الشام، فسلّم ثم جلس، فرمى عليه هشام طويلة، فحلف لهشام على شي‏ء. فقال هشام: لا أصدّقك. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ اللّه لم يرفع أحدا عن أن يرضى بالله، و لم يضع أحدا

320

عن أن لا يرضى بذلك منه. فقال هشام: أنت زيد المؤمّل للخلافة، و ما أنت و الخلافة، لا أمّ لك و أنت ابن أمة. فقال زيد: لا أعلم أحدا عند اللّه أفضل من نبيّ بعثه، و لقد بعث اللّه نبيا و هو ابن أمة، و لو كان به تقصير عن منتهى غاية لم يبعث، و هو إسماعيل بن إبراهيم، و النبوّة أعظم منزلة من الخلافة عند اللّه، ثم لم يمنعه اللّه من أن جعله أبا للعرب، و أبا لخير البشر، محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و ما يقصّر برجل أبوه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و بعد أمي فاطمة لا أفخر بأم.

فوثب هشام من مجلسه و تفرّق الشاميون عنه، و قال لحاجبه: لا يبيت هذا في عسكري أبدا.

فخرج زيد و هو يقول: ما كره قوم قط جرّ السيوف إلّا ذلوا، و سار إلى الكوفة. فقال:

له محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب: أذكرك اللّه يا زيد لما لحقت بأهلك و لا تأت أهل الكوفة، فإنهم لا يفون لك، فلم يقبل و قال: خرج بنا هشام أسراء على غير ذنب من الحجاز إلى الشام، ثم إلى الجزيرة، ثم إلى العراق، ثم إلى تيس ثقيف، يلعب بنا. و أنشد:

بكرت تخوّفني الحتوف كأنني‏* * * أصبحت عن عرض الحياة بمعزل‏

فأجبتها إنّ المنية منزل‏* * * لا بدّ أن أسقى بكاس المنهل‏

إنّ المنية لو تمثل مثّلت‏* * * مثلي إذا نزلوا بصيق المنزل‏

فاثني حبالك لا أبا لك و اعلمي‏* * * أني امرؤ سأموت إن لم أقتل‏

أستودعك اللّه، و إني أعطي اللّه عهدا، إن دخلت يدي في طاعة هؤلاء ما عشت.

و فارقه و أقبل إلى الكوفة فأقام بها مستخفيا يتنقل في المنازل، فأقبلت الشيعة تختلف إليه تبايعه، فبايعه جماعة من وجوه أهل الكوفة، و كانت بيعته: إنا ندعوكم إلى كتاب اللّه و سنة نبيه، و جهاد الظالمين، و الدفع عن المستضعفين، و إعطاء المحرومين، و قسم هذا الفي‏ء بين أهله بالسواء، و ردّ المظالم، و أفعال الخير، و نصرة أهل البيت، أ تبايعون على ذلك؟ فإذا قالوا نعم وضع يده على أيديهم، و يقول: عليك عهد اللّه و ميثاقه و ذمّته و ذمّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، لتؤمنن ببيعتي، و لتقاتلنّ عدوّي، و لتنصحنّ لي في السرّ و العلانية، فإذا قال نعم مسح يده على يده ثم قال: اللهمّ فاشهد. فبايعه خمسة عشر ألفا، و قيل أربعون ألفا، و أمر أصحابه بالاستعداد، فأقبل من يريد أن يفي و يخرج معه يستعدّ و يتهيأ، فشاع أمره في الناس، هذا على قول من زعم أنه أتى الكوفة من الشام و اختفى بها يبايع الناس.

و أما على قول من زعم أنه أتى إلى يوسف بن عمر لمرافعة خالد بن عبد اللّه القسريّ أو ابنه يزيد بن خالد، فإنه قال: أقام زيد بالكوفة ظاهرا و معه داود بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس، و أقبلت الشيعة تختلف إليه و تأمره بالخروج و يقولون: إنا لنرجو أن تكون أنت المنصور، و أنّ هذا الزمان الذي يهلك فيه بنو أمية، فأقام بالكوفة و يوسف بن عمر يسأل عنه فيقال هو هاهنا، و يبعث إليه ليسير فيقول نعم و يعتلّ بالوجع، فمكث ما شاء اللّه، ثم أرسل إليه يوسف بالمسير عن الكوفة، فاحتج بأنه يحاكم آل طلحة بن عبيد اللّه بملك بينهما

321

بالمدينة، فأرسل إليه ليوكل وكيلا و يرحل عنها، فلما رأى الجدّ من يوسف في أمره سار حتى أتى القادسية، و قيل الثعلبية، فتبعه أهل الكوفة و قالوا له: نحن أربعون ألفا لم يتخلف عنك أحد، نضرب عنك بأسيافنا، و ليس هاهنا من أهل الشام إلّا عدّة يسيرة و بعض قبائلنا يكفيهم بإذن اللّه، و حلفوا له بالأيمان المغلظة، فجعل يقول: إني أخاف أن تخذلوني و تسلموني كفعلكم بأبي و جدّي، فيحلفون له، فقال له داود بن عليّ: لا يغرّك يا ابن عمي هؤلاء، أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك، جدّ عليّ بن أبي طالب حتى قتل، و الحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه و انتزعوا رداءه و جرحوه، أو ليس قد أخرجوا جدّك الحسين و حلفوا له ثم خذلوه و أسلموه و لم يرضوا بذلك حتى قتلوه، فلا ترجع معهم.

فقالوا: يا زيد إنّ هذا لا يريد أن تظهر أنت، و يزعم أنه و أهل بيته أولى بهذا الأمر منكم.

فقال زيد لداود: إن عليا كان يقاتله معاوية بذهبه، و إنّ الحسين قاتله يزيد، و الأمر مقبل عليهم. فقال له داود: إني أخاف إن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشدّ عليك منهم، و أنت أعلم، و مضى داود إلى المدينة و رجع زيد إلى الكوفة.

فأتاه سلمة بن كهيل فذكر له قرابته من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و حقه فأحسن ثم قال له:

نشدتك اللّه كم بايعك؟ قال: أربعون ألفا. قال: فكم بايع جدّك؟ قال: ثمانون ألفا. قال:

فكم حصل معه؟ قال: ثلثمائة. قال: نشدتك اللّه أنت خير أم جدّك؟ قال: جدّي. قال:

فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال: ذلك القرن. قال: أفتطمع أن يفي لك هؤلاء و قد غدر أولئك بجدّك؟ قال: قد بايعوني و وجبت البيعة في عنقي و عنقهم. قال: أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد، فلا آمن أن يحدث حدث فأهلك نفسي. فأذن له فخرج إلى اليمامة.

و كتب عبد اللّه بن الحسن بن الحسن إلى زيد: أما بعد، فإن أهل الكوفة نفج‏ (1) العلانية حور السريرة (2) هوج في الرد، أجزع في اللقاء، تقدمهم ألسنتهم و لا تتابعهم قلوبهم، و لقد تواترت كتبهم إليّ بدعوتهم فصممت عن ندائهم، و ألبست قلبي غشاء عن ذكرهم يأسا منهم و إطراحا لهم، و ما لهم مثل إلّا ما قال عليّ بن أبي طالب (صلوات اللّه عليه): إن أهملتم خضتم، و إن خوّرتم خرتم، و إن اجتمع الناس و يتجهز للخروج، و تزوّج بالكوفة امرأتين، و كان ينتقل تارة عند هذه في بني سلمة قومها، و تارة عند هذه في الأزد قومها، و تارة في بني عبس، و تارة في بني تغلب، و غيرهم إلى أن ظهر في سنة اثنتين و عشرين و مائة، فأمر أصحابه بالاستعداد، و أخذ من كان يريد الوفاء بالبيعة يتجهز، فبلغ ذلك يوسف بن عمر، فبعث في طلب زيد فلم يوجد، و خاف زيد أن يؤخذ، فتعجل قبل الأجل الذي جعله بينه و بين أهل الكوفة، و على الكوفة يومئذ الحكم بن‏

____________

(1) نفج: انتفج الرجل: افتخر بأكثر مما عنده.

(2) حور السريرة: أي متغيري القلوب.

322

الصلت في ناس من أهل الشام، و يوسف بن عمر بالحيرة.

فلما علم أصحاب زيد أن يوسف بن عمر قد بلغه الخبر و أنه يبحث عن زيد، اجتمع إلى زيد جماعة من رؤوسهم فقالوا: رحمك اللّه ما قولك في أبي بكر و عمر، فقال زيد رحمهما اللّه و غفر لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي يقول فيهما إلّا خيرا، و إنّ أشدّ ما أقول فيما ذكرتم إنا كنا أحق بسلطان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الناس أجمعين، فدفعونا عنه، و لم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، و قد ولّوا فعدلوا في الناس و عملوا بالكتاب و السنة. قالوا فلم يظلمك هؤلاء إذا، كان أولئك لم يظلموا، و إذا كان هؤلاء لم يظلموا، فلم تدعو إلى قتالهم؟ فقال: إنّ هؤلاء ليسوا كأولئك، هؤلاء ظالمون لي و لأنفسهم و لكم، و إنما ندعوهم إلى كتاب اللّه و سنة نبيه محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و الى السنن أن تحيي، و إلى البدع أن تطفأ، فإن أجبتمونا سعدتم، و إن أبيتم فلست عليكم بوكيل. ففارقوه و نكثوا بيعته و قالوا: قد سبق الإمام، يعنون محمدا الباقر، و كان قد مات. و قالوا جعفر ابنه إمامنا اليوم بعد أبيه، فسماهم زيد الرافضة، و هم يزعمون أن المغيرة سماهم الرافضة حين فارقوه، و كانت طائفة قد أتت جعفر بن محمد الصادق قبل قيام زيد و أخبروه ببيعته فقال: بايعوه، لهو و اللّه أفضلنا و سيدنا. فعادوا و كتموا ذلك، و كان زيد قد واعد أصحابه أوّل ليلة من صفر، فبلغ ذلك يوسف بن عمر، فبعث إلى الحكم عامله على الكوفة يأمره بأن يجمع الناس بالمسجد الأعظم يحصرهم فيه، فجمعهم، و طلبوا زيدا فخرج ليلا من دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاريّ، و كان بها، و رفعوا النيران و نادوا يا منصور حتى طلع الفجر، فلما أصبحوا نادى أصحاب زيد بشعارهم و ثاروا، فأغلق الحكم دروب السوق و أبواب المسجد على الناس، و بعث إلى يوسف بن عمر و هو بالحيرة فأخبره الخبر، فأرسل إليه خمسين فارسا ليعرفوا الخبر، فساروا حتى عرفوا الخبر و عادوا إليه، فسارت الحيرة بأشراف الناس، و بعث ألفين من الفرسان و ثلاثمائة رجالة معهم النشاب، و أصبح زيد فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل و ثمانية عشر رجلا، فقال: سبحان اللّه أين الناس؟ فقيل إنهم في المسجد الأعظم محصورون. فقال: و اللّه ما هذا بعذر لمن بايعنا. و أقبل فلقيه على جبانة الصايديين خمسمائة من أهل الشام فحمل عليهم فيمن معه حتى هزمهم، و انتهى إلى دار أنس بن عمر الأزديّ، و كان فيمن بايعه و هو في الدار، فنودي فلم يجب، فناداه زيد فلم يخرج إليه. فقال زيد: ما أخلفكم قد فعلتموها، اللّه حسيبكم. ثم سار و يوسف بن عمر ينظر إليه و هو في مائتي رجل، فلو قصده زيد لقتله، و الريان يتبع آثار زيد بالكوفة في أهل الشام، فأخذ زيد في المسير حتى دخل الكوفة، فسار بعض أصحابه إلى الجبانة و واقعوا أهل الشام، فأسر أهل الشام منهم رجلا و مضوا به إلى يوسف بن عمر فقتله، فلما رأى زيد خذلان الناس إياه قال: قد فعلوها، حسبي اللّه، و سار و هو يهزم من لقيه حتى انتهى إلى باب المسجد، فجعل أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الباب و يقولون: يا أهل المسجد

323

اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى الدين و الدنيا، فإنكم لستم في دين و لا دنيا. و زيد يقول: و اللّه ما خرجت و لا قمت مقامي هذا حتى قرأت القرآن، و أتقنت الفرائض، و أحكمت السنن و الآداب، و عرفت التأويل كما عرفت التنزيل، و فهمت الناسخ و المنسوخ، و المحكم و المتشابه، و الخاص و العام، و ما تحتاج إليه الأمّة في دينها مما لا بدّ لها منه و لا غنى لها عنه، و إني لعلى بينة من ربي، فرماهم أهل المسجد بالحجارة من فوق المسجد، فانصرف زيد فيمن معه، و خرج إليه ناس من أهل الكوفة، فنزل دار الرزق فأتاه الريان و قاتله، و خرج أهل الشام مساء يوم الأربعاء أسوأ شي‏ء ظنا، فلما كان من الغد أرسل يوسف بن عمر عدّة عليهم العباس بن سعد المزنيّ، فلقيهم زيد فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب العباس و قتل منهم نحو من سبعين، فلما كان العشيّ عبّى يوسف بن عمر الجيوش و سرّحهم، فالتقاهم زيد بمن معه و حمل عليهم حتى هزمهم و هو يتبعهم، فبعث يوسف طائفة من الماشية فرموا أصحاب زيد و هو يقاتل حتى دخل الليل، فرمي بسهم في جبهته اليسرى ثبت في دماغه، فرجع أصحابه، و لا يظنّ أهل الشام أنهم رجعوا للمساء و الليل، فأنزلوا زيدا في دار و أتوه بطبيب فانتزع النصل فضج زيد و مات، رحمه اللّه، لليلتين خلتا من صفر سنة اثنتين و عشرين و مائة، و عمره اثنتان و أربعون سنة.

و لما مات اختلف أصحابه في أمره، فقال بعضهم نطرحه في الماء. و قال بعضهم بل نحز رأسه و نلقيه في القتلى. فقال ابنه يحيى بن زيد: و اللّه لا يأكل لحم أبي الكلاب.

و قال بعضهم ندفنه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين و نجعل عليه الماء، ففعلوا ذلك و أجروا عليه الماء، و كان معه مولى سنديّ فدلّ عليه، و قيل رآهم قصّار فدل عليه، و تفرّق الناس من أصحاب زيد، و سار ابنه يحيى نحو كربلاء، و تتبع يوسف بن عمر الجرحي في الدور حتى دلّ على زيد في يوم جمعة، فأخرجه و قطع رأسه و بعث به إلى هشام بن عبد الملك، فدفع لمن وصل به عشرة آلاف درهم، و نصبه على باب دمشق، ثم أرسله إلى المدينة و سار منها إلى مصر، و أما جسده فإن يوسف بن عمر صلبه بالكناسة و معه ثلاثة ممن كانوا معه، و أقام الحرس عليه، فمكث زيد مصلوبا أكثر من سنتين حتى مات هشام و ولي الوليد من بعده، و بعث إلى يوسف بن عمر أن أنزل زيدا و أحرقه بالنار، فأنزله و أحرقه و ذرّى رماده في الريح، و كان زيد لما صلب و هو عريان استرخى بطنه على عورته حتى ما يرى من سوءته شي‏ء، و مرّ زيد مرّة بمحمد ابن الحنفية فنظر إليه و قال: أعيذك بالله أن تكون زيد بن عليّ المصلوب بالعراق، و قال عبد اللّه بن حسين بن عليج بن الحسين بن عليّ: سمعت أبي يقول: اللهمّ إنّ هشاما رضي بصلب زيد فاسلبه ملكه، و إن يوسف بن عمر أحرق زيدا اللهمّ فسلط عليه من لا يرحمه، اللهمّ و أحرق هشاما في حياته إن شئت، و إلّا فأحرقه بعد موته.

قال فرأيت و اللّه هشاما محرقا لما أخذ بنو العباس دمشق، و رأيت يوسف بن عمر بدمشق مقطعا، على كلّ باب من أبواب دمشق منه عضو. فقلت يا أبتاه وافقت دعوتك ليلة القدر،

324

فقال لا يا بنيّ، بل صمت ثلاثة أيام من شهر رجب، و ثلاثة أيام من شعبان، و ثلاثة أيام من شهر رمضان، كنت أصوم الأربعاء و الخميس و الجمعة، ثم أدعو اللّه عليهما من صلاة العصر يوم الجمعة حتى أصلي المغرب، و بعد قتل زيد انتقض ملك بني أمية و تلاشى إلى أن أزالهم اللّه تعالى ببني العباس.

و هذا المشهد باق بين كيمان مدينة مصر يتبرّك الناس بزيارته و يقصدونه لا سيما في يوم عاشوراء، و العامّة تسميه زين العابدين، و هو وهم، و إنما زين العابدين أبوه، و ليس قبره بمصر، بل قبره بالبقيع، و لما قتل الإمام زيد سوّدت الشيعة، أي لبست السواد، و كان أوّل من سوّد على زيد شيخ بني هاشم في وقته الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، و رثاه بقصيدة طويلة، و شعره حجة احتج به سيبويه، توفي سنة تسع و عشرين و مائة.

مشهد السيدة نفيسة

قال الشريف النقيب النسابة شرف الدين أبو عليّ محمد بن أسعد بن عليّ بن معمر بن عمر الحسينيّ الجوانيّ المالكيّ في كتاب الروضة الأنيسة بفضل مشهد السيدة نفيسة رضي اللّه عنها: نفيسة ابنة الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، أمّها أمّ ولد، و أخوتها القاسم و محمد و عليّ و إبراهيم و زيد و عبيد اللّه و يحيى و إسماعيل و إسحاق و أمّ كلثوم، أولاد الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ، فأمّهم أمّ سلمة، و اسمها زينب ابنة الحسن بن الحسن بن عليّ، و أمّها أمّ ولد تزوّج أمّ كلثوم أخت نفيسة، عبد اللّه بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهم، ثم خلف عليها الحسن بن زيد بن عليّ بن الحسن بن عليّ. و أما عليّ و إبراهيم و زيد أخوة نفيسة من أبيها، فأمّهم أمّ ولد تدعى أمّ عبد الحميد، و أما عبيد اللّه بن الحسن بن زيد فأمّه الزائدة بنت بسطام بن عمير بن قيس الشيبانيّ، و أما إسماعيل و إسحاق فهما لأمي ولد، و كان إسماعيل من أهل الفضل و الخير، صاحب صوم و نسك، و كان يصوم يوما و يفطر يوما. و أما يحيى بن زيد فله مشهد معروف بالمشاهد، يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى، و تزوّج بنفيسة رضي اللّه عنها إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، و كان يقال له إسحاق المؤتمن، و كان من أهل الصلاح و الخير و الفضل و الدين، روي عنه الحديث، و كان ابن كاسب إذا حدّث عنه يقول: حدّثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر، و كان له عقب بمصر منهم بنو الرقي، و بحلب بنو زهرة. و ولدت نفيسة من إسحاق ولدين هما القاسم و أمّ كلثوم لم يعقبا.

و أما جدّ نفيسة و هو زيد بن الحسن بن عليّ، فروي عن أبيه و عن جابر و ابن عباس، و روى عنه ابنه، و كانت بينه و بين عبد اللّه بن محمد ابن الحنفية خصومة وفدا لأجلها على‏

325

الوليد بن عبد الملك، و كان يأتي الجمعة من ثمانية أميال، و كان إذا ركب نظر الناس إليه و عجبوا من عظم خلقه و قالوا: جدّه رسول اللّه. و كتب إليه الوليد بن عبد الملك يسأله أن يبايع لابنه عبد العزيز و يخلع سليمان بن عبد الملك، ففرق‏ (1) منه و أجابه، فلما استخلف سليمان وجد كتاب زيد بذلك إلى الوليد، فكتب إلى أبي بكر بن حزم أمير المدينة: ادع زيد بن الحسن فأقره الكتاب، فإن عرفه فاكتب إليّ، و إن هو نكل فقدّمه فأصب يمينه عند منبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إنه ما كتبه و لا أمر به، فخاف زيدا للّه و اعترف. فكتب بذلك أبو بكر، فكتب سليمان أن يضربه مائة سوط و أن يدرعه عباءة و يمشيه حافيا، فحبس عمر بن عبد العزيز الرسول و قال: حتى أكلم أمير المؤمنين فيما كتب به في حق زيد. فقال للرسول: لا تخرج فإن أمير المؤمنين مريض. فمات سليمان و أحرق عمر الكتاب.

و أما والد نفيسة و هو الحسن بن زيد، فهو الذي كان والي المدينة النبوية من قبل أبي جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، و كان فاضلا أديبا عالما، و أمّه أمّ ولد. توفي أبوه و هو غلام، و ترك عليه دينا أربعة آلاف دينار، فحلّف الحسن ولده أن لا يظل رأسه سقف إلّا سقف مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أو بيت رجل يكلمه في حاجة حتى يقضي دين أبيه، فوفاه و قضاه بعد ذلك. و من كرمه أنه أتى بشاب شارب متأدّب، و هو عامل على المدينة فقال: يا ابن رسول اللّه لا أعود و قد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم» و أنا ابن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، و قد كان أبي مع أبيك، كما قد علمت. قال: صدقت، فهل أنت عائد؟ قال: لا و اللّه. فأقاله و أمر له بخمسين دينارا و قال له: تزوّج بها وعد إليّ. فتاب الشاب و كان الحسن بن زيد يجري عليه النفقة.

و كانت نفيسة من الصلاح و الزهد على الحدّ الذي لا مزيد عليه، فيقال أنها حجت ثلاثين حجة، و كانت كثيرة البكاء، تديم قيام الليل و صيام النهار، فقيل لها: ألا ترفقين بنفسك؟ فقالت: كيف أرفق بنفسي و أمامي عقبة لا يقطعها إلّا الفائزون. و كانت تحفظ القرآن و تفسيره، و كانت لا تأكل إلا في كلّ ثلاث ليال أكلة واحدة، و لا تأكل من غير زوجها شيئا، و قد ذكر أنّ الإمام الشافعيّ محمد بن إدريس كان زارها و هي من وراء الحجاب و قال لها: ادعي لي، و كان صحبته عبد اللّه بن عبد الحكم. و ماتت رضي اللّه عنها بعد موت الإمام الشافعيّ رحمة اللّه عليه بأربع سنين، لأنّ الشافعيّ توفي سلخ شهر رجب سنة أربع و مائتين.

و قيل أنها كانت فيمن صلّى على الإمام الشافعيّ. و توفيت السيدة نفيسة في شهر رمضان سنة ثمان و مائتين، و دفنت في منزلها، و هو الموضع الذي به قبرها الآن، و يعرف بخط درب السباع، و درب بزرب. و أراد إسحاق بن الصادق و هو زوجها أن يحملها ليدفنها بالمدينة، فسأله أهل مصر أن يتركها و يدفنها عندهم لأجل البركة، و قبر السيدة نفيسة أحد المواضع‏

____________

(1) فرق: خاف.

326

المعروفة بإجابة الدعاء بمصر، و هي أربعة مواضع: سجن نبيّ اللّه يوسف الصدّيق (عليه السلام)، و مسجد موسى (صلوات اللّه عليه)، و هو الذي بطرا، و مشهد السيدة نفيسة رضي اللّه عنها، و المخدع الذي على يسار المصلّى في قبلة مسجد الإقدام بالقرافة. فهذه المواضع لم يزل المصريون ممن أصابته مصيبة أو لحقته فاقة أو جائحة يمضون إلى أحدها، فيدعون اللّه تعالى فيستجيب لهم، مجرّب ذلك. انتهى.

و يقال أنها حفرت قبرها هذا و قرأت فيه تسعين و مائة ختمة، و أنها لما احتضرت خرجت من الدنيا و قد انتهت في حزبها إلى قوله تعالى: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام/ 12] ففاضت نفسها رحمها اللّه تعالى مع قوله الرحمة، و يقال أن الحسن بن زيد والد السيدة نفيسة كان مجاب الدعوة ممدوحا، و أن شخصا و شى به إلى أبي جعفر المنصور أنه يريد الخلافة لنفسه، فإنه كان قد انتهت إليه رياسة بني حسن، فأحضره من المدينة و سلبه ماله، ثم إنه ظهر له كذب الناقل عنه، فمنّ عليه و ردّه إلى المدينة مكرّما، فلما قدمها بعث إلى الذي و شى به بهدية و لم يعتبه على ما كان منه. و يقال أنه كان مجاب الدعوة، فمرّت به امرأة و هو في الأبطح، و معها ابن لها على يدها فاختطفه عقاب، فسألت الحسن بن زيد أن يدعو اللّه لها بردّه، فرفع يديه إلى السماء و دعا ربه، فإذا بالعقاب قد ألقى الصغير من غير أن يضرّه بشي‏ء، فأخذته أمّه. و كان يعدّ بألف من الكرام.

و لما قدمت السيدة نفيسة إلى مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر نزلت بالمنصوصة، و كان بجوارها دار فيها قوم من أهل الذمّة، و لهم ابنة مقعدة لم تمش قط، فلما كان في يوم من الأيام ذهب أهلها في حاجة من حوائجهم و تركوا المقعدة عند السيدة نفيسة، فتوضأت وصبت من فضل وضوئها على الصبية المقعدة و سمت اللّه تعالى، فقامت تسعى على قدميها ليس بها بأس البتة، فلما قدم أهلها و عاينوها تمشى أتوا إلى السيدة نفيسة و قد تيقنوا أنّ مشي ابنتهم كان ببركة دعائها، و أسلموا بأجمعهم على يديها، فاشتهر ذلك بمصر و عرف أنه من بركاتها. و توقف النيل عن الزيادة في زمنها فحضر الناس إليها و شكوا إليها ما حصل من توقف النيل، فدفعت قناعها إليهم و قالت لهم: ألقوه في النيل، فألقوه فيه، فزاد حتى بلغ اللّه به المنافع. و أسر ابن لامرأة ذمّية في بلاد الروم، فأتت إلى السيدة نفيسة و سألتها الدعاء أن يردّ اللّه ابنها عليها، فلما كان الليل لم تشعر الذمّية إلّا بابنها و قد هجم عليها دارها، فسألته عن خبره فقال: يا أمّاه لم أشعر إلّا و يد قد وقعت على القيد الذي كان في رجليّ و قائل يقول: أطلقوه قد شفعت فيه نفيسة بنت الحسن. فو الذي يحلف به يا أمّاه لقد كسر قيدي و ما شعرت بنفسي إلّا و أنا واقف بباب هذه الدار. فلما أصبحت الذمّية أتت إلى السيدة

327

نفيسة و قصت عليها الخبر و أسلمت هي و ابنها و حسن إسلامهما.

و ذكر غير واحد من علماء الأخبار بمصر أن هذا قبر السيدة نفيسة بلا خلاف، و قد زار قبرها من العلماء و الصالحين خلق لا يحصى عددهم. و يقال أن أوّل من بنى على قبر السيدة نفيسة عبيد اللّه بن السري بن الحكم أمير مصر، و مكتوب في اللوح الرخام الذي على باب ضريحها، و هو الذي كان مصفحا بالحديد بعد البسملة ما نصه، نصر من اللّه و فتح قريب، لعبد اللّه و وليه معدّ أبي تميم الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، (صلوات اللّه عليه) و على آبائه الطاهرين و أبنائه المكرّمين، أمر بعمارة هذا الباب السيد الأجل أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الأنام كافل قضاة المسلمين و هادي دعاة المؤمنين عضّد اللّه به الدين و أمتع بطول بقائه المؤمنين و أدام قدرته و أعلى كلمته، و شدّ عضده بولده الأجل الأفضل سيف الإمام جلال الإسلام شرف الأنام ناصر الدين خليل أمير المؤمنين، زاد اللّه في علائه و أمتع المؤمنين بطول بقائه في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين و ثمانين و أربعمائة، و القبة التي على الضريح جدّدها الخليفة الحافظ لدين اللّه في سنة اثنتين و ثلاثين و خمسمائة، و أمر بعمل الرخام الذي بالمحراب.

مشهد السيدة كلثوم‏

هي كلثوم بنت القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، موضعه بمقابر قريش بمصر بجوار الخندق، و هي أمّ جعفر بن موسى بن إسماعيل بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، كانت من الزاهدات العابدات.

سنا و ثنا

يقال أنهما من أولاد جعفر بن محمد الصادق، كانتا تتلوان القرآن الكريم في كلّ ليلة، فماتت إحداهما، فصارت الأخرى تتلو و تهدي ثواب قراءتها لأختها حتى ماتت.

ذكر مقابر مصر و القاهرة المشهورة

القبر مدفن الإنسان، و جمعه قبور، و المقبرة موضع القبر. قال سيبويه: المقبرة ليس على الفعل، و لكنه اسم، و قبره يقبره: دفنه. و أقبره جعل له قبرا. و اعلم أنّ لأهل مدينة مصر و لأهل القاهرة عدّة مقابر و هي: القرافة، فما كان منها في سفح الجبل يقال له القرافة الصغرى، و ما كان منها في شرقيّ مصر بجوار المساكن يقال له القرافة الكبرى، و في القرافة الكبرى كانت مدافن أموات المسلمين منذ افتتحت أرض مصر و اختط العرب مدينة الفسطاط، و لم يكن لهم مقبرة سواها، فلما قدم القائد جوهر من قبل المعز لدين اللّه و بنى‏

328

القاهرة و سكنها الخلفاء، اتخذوا بها تربة عرفت بتربة الزعفران، قبروا فيها أمواتهم، و دفن رعيتهم من مات منهم في القرافة إلى أن اختطت الحارات خارج باب زويلة، فقبر سكانها موتاهم خارج باب زويلة مما يلي الجامع، فيما بين جامع الصالح و قلعة الجبل، و كثرت المقابر بها عند حدوث الشدّة العظمى أيام الخليفة المستنصر، ثم لما مات أمير الجيوش بدر الجماليّ دفن خارج باب النصر، فاتخذ الناس هنالك مقابر موتاهم، و كثرت مقابر أهل الحسينية في هذه الجهة، ثم دفن الناس الأموات خارج القاهرة في الموضع الذي عرف بميدان القبق، فيما بين قلعة الجبل و قبة النصر، و بنوا هناك الترب الجليلة، و دفن الناس أيضا خارج القاهرة فيما بين باب الفتوح و الخندق، و لكل مقبرة من هذه المقابر أخبار سوف أقص عليك من أنبائها ما انتهت إلى معرفته قدرتي إن شاء اللّه تعالى. و يذكر أهل العناية بالأمور المتقادمة أن الناس في الدهر الأوّل لم يكونوا يدفنون موتاهم إلى أن كان زمن دوناي الذي يدعى سيد البشر لكثرة ما علّم الناس من المنافع، فشكا إليه أهل زمانه ما يأتذون به من خبث موتاهم، فأمرهم أن يدفنوهم في خوابي و يسدّوا رؤسها، ففعلوا ذلك، فكان دوناي أوّل من دفن الموتى، و ذكر أن دوناي هذا كان قبل آدم بدهر طويل مبلغه عشرون ألف سنة، و هي دعوى لا تصح، و في القرآن الكريم ما يقتضي أن قابيل ابن آدم أوّل من دفن الموتى، و اللّه أصدق القائلين. و قد قال الشافعيّ رحمه اللّه: و أكره أن يعظّم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه و على من بعده.

ذكر القرافة

روى الترمذيّ من حديث أبي طيبة عبد اللّه بن مسلم، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه رفعه: من مات من أصحابي بأرض بعث قائدا و نورا لهم يوم القيامة. قال: و هذا حديث غريب. و قد روي عن أبي طيبة، عن ابن بريدة مرسلا، و هذا أصح، قال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر: حدّثنا عبد اللّه بن صالح، حدّثنا الليث ابن سعد قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من ذلك و قال: أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر رضي اللّه عنه، فكتب إليه عمر سله لم أعطاك به ما أعطاك و هي لا تزدرع و لا يستنبط بها ماء. و لا ينتفع بها. فسأله فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب أنّ فيها غراس الجنة، فكتب بذلك إلى عمر رضي اللّه عنه، فكتب إليه عمر إنّا لا نعلم غراس الجنة إلّا المؤمنين، فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين و لا تبعه بشي‏ء. فكان أوّل من دفن فيها رجل من المغافر يقال له عامر، فقيل عمرت. فقال المقوقس لعمرو: و ما ذلك، و لا على هذا عاهدتنا، فقطع لهم الحدّ الذي بين المقبرة و بينهم.

و عن ابن لهيعة أن المقوقس قال لعمرو: إنا لنجد في كتابنا أن ما بين هذا الجبل‏

329

و حيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنة. فكتب بقوله إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال:

صدق، فاجعلها مقبرة للمسلمين، فقبر فيها ممن عرف من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خمسة نفر، عمرو بن العاص السهميّ، و عبد اللّه بن حذافة السهميّ، و عبد اللّه بن جزء الزبيديّ، و أبو بصيرة الغفاريّ، و عقبة بن عامر الجهنيّ. و يقال و مسلمة بن مخلد الأنصاريّ انتهى.

و يقال أن عامرا هو الذي كان أوّل من دفن بالقرافة، قبره الآن تحت حائط مسجد الفتح الشرقيّ. و قالت فيه امرأة من العرب:

قامت بواكيه على قبره‏* * * من لي من بعدك يا عامر

تركتني في الدار ذا غربة* * * قد ذلّ من ليس له ناصر

و روى أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس في تاريخ مصر من حديث حرملة بن عمران قال: حدّثني عمير بن أبي مدرك الخولانيّ عن سفيان بن وهب الخولانيّ قال: بينما نحن نسير مع عمرو بن العاص في سفح هذا الجبل و معنا المقوقس، فقال له عمرو: يا مقوقس ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات و لا شجر على نحو بلاد الشام؟ فقال: لا أدري، و لكنّ اللّه أغنى أهله بهذا النيل عن ذلك، و لكنه نجد تحته ما هو خير من ذلك.

قال: و ما هو؟ قال ليدفنن تحته أو ليقبرنّ تحته قوم يبعثهم اللّه يوم القيامة لا حساب عليهم، قال عمرو: اللهمّ اجعلني منهم. قال حرملة بن عمران: فرأيت قبر عمرو بن العاص، و قبر أبي بصيرة، و قبر عقبة بن عامر فيه. و خرّج أبو عيسى الترمذيّ من حديث أبي طيبة عبد اللّه بن مسلم، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه رفعه: «من مات من أصحابي بأرض بعث قائدا لهم و نورا يوم القيامة»، و قال القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعيّ: القرافة هم بنو غض بن سيف بن وائل بن المغافر، و في نسخة بنو غصن. و قال أبو عمرو الكنديّ:

بنو جحض بن سيف بن وائل بن الجيزيّ بن شراحيل بن المغافر بن يغفر. و قيل أن قرافة اسم أمّ عزافر، و جحض ابني سيف بن وائل بن الجيزيّ. قد صحف القضاعيّ في قوله غصن بالغين المعجمة، و الأقرب ما قاله الكنديّ، لأنه أقعد بذلك. و قال ياقوت و القرافة- بفتح القاف وراء مخففة و ألف خفيفة و فاء- الأوّل مقبرة بمصر مشهورة مسماة بقبيلة من المغافر يقال لهم بنو قرافة، الثاني القرافة محلة بالإسكندرية منسوبة إلى القبيلة أيضا. و قال الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ في كتاب النقط: و قد ذكر جامع القرافة الذي يقال له اليوم جامع الأولياء، و كان جماعة من الرؤساء يلزمون النوم بهذا الجامع و يجلسون في ليالي الصيف يتحدّثون في القمر، في صحنه، و في الشتاء ينامون عند المنبر، و كان يحصل لقيمه الأشربة و الحلوى و الجرايات، و كان الناس يحبون هذا الموضع و يلزمونه لأجل من يحضر من الرؤساء، و كانت الطفيلية يلزمون المبيت فيه ليالي الجمع، و كذلك أكثر المساجد التي بالقرافة و الجبل و المشاهد لأجل ما يحمل إليها و يعمل فيها من الحلاوات و اللحومات و الأطعمة، و قال موسى بن محمد بن سعيد في كتاب المعرب عن أخبار المغرب: و بت‏

330

ليالي كثيرة بقرافة الفسطاط، و هي في شرقيها بها منازل الأعيان بالفسطاط و القاهرة، و قبور عليها مبان معتنى بها، و فيها القبة العالية العظيمة المزخرفة التي فيها قبر الإمام الشافعيّ رضي اللّه عنه، و بها مسجد جامع و ترب كثيرة عليها أوقاف للقرّاء، و مدرسة كبيرة للشافعية، و لا تكاد تخلو من طرب، و لا سيما في الليالي المقمرة، و هي معظم مجتمعات أهل مصر، و أشهر منتزهاتهم و فيها أقول:

إنّ القرافة قد حوت ضدّين من‏* * * دنيا و أخرى فهي نعم المنزل‏

يغشى الخليع بها السماع مواصلا* * * و يطوف حول قبورها المتبتل‏

كم ليلة بتنا بها و نديمنا* * * لحن يكاد يذوب منه الجندل‏

و البدر قد ملأ البسيطة نوره‏* * * فكأنما قد فاض منه جدول‏

و بدا يضاحك أوجها حاكينه‏* * * لما تكامل وجهه المتهلل‏

و فوق القرافة من شرقيها جبل المقطم، و ليس له علوّ و لا عليه اخضرار، و إنما يقصد للبركة، و هو نبيه الذكر في الكتب، و في سفحه مقابر أهل الفسطاط و القاهرة، و الإجماع على أنه ليس في الدنيا مقبرة أعجب منها و لا أبهى و لا أعظم و لا أنظف من أبنيتها و قبابها و حجرها، و لا أعجب تربة منها، كأنها الكافور و الزعفران مقدّسة في جميع الكتب، و حين تشرف عليها تراها كأنها مدينة بيضاء، و المقطم عال عليها كأنه حائط من ورائها، و قال شافع بن عليّ:

تعجبت من أمر القرافة إذ غدت‏* * * على وحشة الموتى لها قلبنا يصبو

فألفيتها مأوى الأحبة كلهم‏* * * و مستوطن الأحباب يصبو له القلب‏

و قال الأديب أبو سعيد محمد بن أحمد العميديّ:

إذا ما ضاق صدري لم أجد لي‏* * * مقرّ عبادة إلّا القرافه‏

لئن لم يرحم المولى اجتهادي‏* * * و قلة ناصري لم ألف رأفه‏

و اعلم أن الناس في القديم إنما كانوا يقبرون موتاهم فيما بين مسجد الفتح و سفح المقطم، و اتخذوا الترب الجليلة أيضا فيما بين مصلّى خولان و خط المغافر التي موضعها الآن كيمان تراب، و تعرف الآن بالقرافة الكبرى. فلما دفن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب ابنه في سنة ثمان و ستمائة بجوار قبر الإمام محمد بن إدريس الشافعيّ، و بنى القبة العظيمة على قبر الشافعيّ، و أجرى لها الماء من بركة الحبش بقناطر متصلة منها، نقل الناس الأبنية من القرافة الكبرى إلى ما حول الشافعيّ، و أنشأوا هناك الترب، فعرفت بالقرافة الصغرى، و أخذت عمائرها في الزيادة و تلاشى أمر تلك، و أما القطعة التي تلي قلعة الجبل فتجدّدت بعد السبعمائة من سني الهجرة، و كان ما بين قبة الإمام الشافعيّ، رحمة اللّه‏

331

عليه، و باب القرافة ميدانا واحدا تتسابق فيه الأمراء و الأجناد، و يجتمع الناس هنالك للتفرّج على السباق، فتصير الأمراء تسابق على حدة، و الأجناد تسابق في جهة و هم منفردون عن الأمراء، و الشرط في السباق من تربة الأمير بيدرا إلى باب القرافة، ثم استجدّ أمراء دولة الناصر محمد بن قلاون في هذه الجهة الترب، فبنى الأمير يلبغا التركمانيّ، و الأمير طقتمر الدمشقيّ، و الأمير قوصون و غيرهم من الأمراء، و تبعهم الجند و سائر الناس، فبنوا الترب و الخوانك و الأسواق و الطواحين و الحمامات، حتى صارت العمارة من بركة الحبش إلى باب القرافة، و من حدّ مساكن مصر إلى الجبل، و انقسمت الطرق في القرافة و تعدّدت بها الشوارع، و رغب كثير من الناس في سكناها العظم القصور التي أنشأت بها، و سميت بالترب، و لكثرة تعاهد أصحاب الترب لها و تواتر صدقاتهم و مبرّاتهم لأهل القرافة، و قد صنف الناس فيمن قبر بالقرافة، و أكثروا من التأليف في ذلك، و لست بصدد شي‏ء مما صنفوا في ذلك، و إنما غرضي أن أذكر ما تشتمل عليه القرافة. و في سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة ظهر بالقرافة شي‏ء يقال له القطربة، تنزل من جبل المقطم، فاختطفت جماعة من أولاد سكانها حتى رحل أكثرهم خوفا منها، و كان شخص من أهل كبارة مصر يعرف بحميد الفوّال خرج من أطفيح على حماره، فلما وصل إلى حلوان عشاء رأى امرأة جالسة على الطريق فشكت إليه ضعفا و عجزا، فحملها خلفه فلم يشعر بالحمار إلّا و قد سقط، فنظر إلى المرأة فإذا بها قد أخرجت جوف الحمار بمخاليبها، ففرّ و هو يعدو إلى والي مصر و ذكر له الخبر، فخرج بجماعته إلى الموضع فوجد الدابة قد أكل جوفها، ثم صارت بعد ذلك تتبع الموتى بالقرافة و تنبش قبورهم و تأكل أجوافهم و تتركهم مطروحين، فامتنع الناس من الدفن في القرافة زمنا حتى انقطعت تلك الصورة.

ذكر المساجد الشهيرة بالقرافة الكبيرة

اعلم أن القرافة بمصر اسم لموضعين، القرافة الكبيرة حيث الجامع الذي يقال له جامع الأولياء، و القرافة الصغيرة و بها قبر الإمام الشافعيّ، و كانتا في أوّل الأمر خطتين لقبيلة من اليمن هم من المغافر بن يغفر، يقال لهم بنو قرافة. ثم صارت القرافة الكبيرة جبانة، و هي حيث مصلّى خولان و البقعة و ما هو حول جامع الأولياء، فإنه كان يشتمل على مساجد و ربط و سوق و عدّة مساكن، منها ما خرب و منها ما هو باق، و سترى من ذلك ما يتيسر ذكره.

مسجد الأقدام‏

هذا المسجد بالقرافة بخط المغافر. قال القضاعيّ: ذكر الكنديّ أن الجند بنوع و ليس من الخطط، و سمي بالأقدام لأنّ مروان بن الحكم لما دخل مصر و صالح أهلها و بايعوه، امتنع من بيعته ثمانون رجلا من المغافر سوى غيرهم، و قالوا لا ننكث بيعة ابن الزبير، فأمر

332

مروان بقطع أيديهم و أرجلهم و قتلهم على بئر المغافر في هذا الموضع، فسمي المسجد بهم لأنه بنى على آثارهم. و الآثار الأقدام، يقال جئت على قدم فلان أي على أثره، و قيل بل أمرهم بالبراءة من عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه فلم يتبرّؤوا منه فقتلهم هناك. و قيل إنما سمي مسجد الأقدام لأنّ قبيلتين اختلفتا فيه، كلّ تدّعي أنه من خطتها، فقيس ما بينه و بين كلّ قبيلة بالأقدام و جعل لأقربهما منه. و القديم من هذا المسجد هو محرابه و الأروقة المحيطة به، و أما خارجه فزيادة الإخشيد، و الزيادة الجديدة التي في بحريه لسمعون الملقب بسهم الدولة متولى الستارة، و كان من أهل السنة و الخير. و يقال إنما سمي مسجد الأقدام لأنه كان يتداوله العباد، و كانت حجارته كذانا (1)، فأثر فيها موضع أقدامهم، فسمي لذلك مسجد الأقدام.

مسجد الرصد

هذا المسجد بناه الأفضل أبو القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ بعد بنائه للجامع المعروف بجامع الفيلة، لأجل رصد الكواكب بالآلة التي يقال لها ذات الحلق، كما ذكر فيما تقدّم.

مسجد شقيق الملك‏

هذا المسجد بجوار مسجد الرصد، بناه شقيق الملك خسروان صاحب بيت المال، أحد خدّام القصر في أيام الخليفة الحافظ لدين اللّه في سنة إحدى و أربعين و خمسمائة، و عمل فيه للحافظ ضيافة عظيمة حضر فيها بنفسه، و معه الأمراء و الأستاذون و كافة الرؤساء، و كان فيه كرم و سموّ همة، و كان لمساجد القرافة و الجبل عنده روزنامج بأسماء أربابها، فينفد إليهم في أيام العنب و التين لكلّ مسجد قفص رطب، و يرسل في كلّ ليلة من ليالي الوقود لكلّ مسجد خروف شواء و سطل جوذآب و جام حلوى، و لا سيما إذا كان بائتا في هذا المسجد، فإنه لا يأكل حتى يسير ذلك لمن اسمه عنده، و كان يعمل جفان القطائف المحشوّة باللوز و السكر و الكافور و المسك، و فيها ما فيه بدل اللوز الفستق، و يستدعى من لا يقدر على ذلك من أهل الجبل و القرافة و ذوي البيوت المنقطعين و يأمر إذا حضروا بسكب الحلو و الشيرج عليه بالجرار، و يأمرهم بالأكل منه، و الحمل معهم، و كان أحبهم إليه من يأكل طعامه و يستدعي برّه و أنعامه رحمه اللّه.

مسجد الانطاكيّ‏

هذا المسجد كان أيضا بالرصد، و ما برحت هذه المساجد الثلاثة بالرصد يسكنها

____________

(1) الكذّان: حجارة رخوة، و ربما كانت نخره. الواحدة كذّانه.

333

الناس إلى ما بعد سنة ثمانين و سبعمائة، ثم خربت و صار الرصد من الأماكن المخوفة بعد ما أدركته منتزها للعامّة.

مسجد النارنج‏

هذا المسجد عامر إلى يومنا هذا فيما بين الرصد و القرافة الكبرى، بجانب سقاية ابن طولون المعروفة بعفصة الكبرى، غربيها إلى البحريّ قليلا، و هو المطلّ على بركة الحبش شرقيّ الكتفي و قبليّ القرافة. بنته الجهة الآمرية المعروفة بجبهة الدار الجديدة في سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة، أخرجت له اثني عشر ألف دينار على يد الأستاذين افتخار الدولة يمن، و معز الدولة الطويل، المعروف بالوحش. و تولى العمارة و الإنفاق عليه الشريف أبو طالب موسى بن عبد اللّه بن هاشم بن مشرف بن جعفر بن المسلم بن عبيد اللّه بن جعفر بن محمد بن إبراهيم بن محمد اليمانيّ بن عبيد اللّه بن موسى الكاظم الحسينيّ الموسويّ، المعروف بابن أخي الطيب بن أبي طالب الورّاق، و سمي مسجد النارنج لأنّ نارنجه لا ينقطع أبدا.

مسجد الأندلس‏

هذا المسجد في شرقيّ القرافة الصغرى بجانب مسجد الفتح، في الموضع الذي يعرف عند الزوّار بالبقعة، و هو مصلّى المغافر على الجنائز. و يقال أنه بني عند فتح مصر، و قيل بني في خلافة معاوية بن أبي سفيان، ثم بنته جهة مكنون، و اسمها علم الآمرية أمّ ابنة الآمر التي يقال لها ست القصور، في سنة ست و عشرين و خمسمائة، على يد المعروف بالشيخ أبي تراب.

و جهة مكنون هذه: كان الخليفة الآمر بأحكام اللّه كتب صداقها و جعل المقدّم منه أربعة عشر ألف دينار، و كان لها صدقات و برّ و خير و فضل، و عندها خوف من اللّه، و كانت تبعث إلى الأشراف بصلات جزيلة، و ترسل إلى أرباب البيوت و المستورين أموالا كثيرة، و لما وهب الآمر لهزار الملوك و لبرغش في كلّ يوم مائتي ألف دينار عينا، لكل منهما مائة ألف دينار، حضر، إليها عشاء على عادته، فأغلقت باب مقصورتها قبل دخوله و قالت له:

و اللّه ما تدخل إليّ أو تهب لي مثل ما وهبت لواحد من غلاميك. فقال: الساعة: ثم استدعى بالفرّاشين فحضروا فقال: هاتوا مائة ألف دينار الساعة، و لم يزل واقفا إلى أن حضرت عشرة كيسة في كل كيس عشرة آلاف دينار، و يحمل عشرة من الفرّاشين. ففتحت له الباب و دخل إليها. و مكنون هذا هو الأستاذ الذي كان برسم خدمتها، و يقال له مكنون القاضي لسكونه و هدئه، و كان فيه خبر و برّ كبير، و بجانب مسجد الأندلس هذا رباط من غريبه بنته جهة مكنون هذه في سنة ست و عشرين و خمسمائة، برسم العجائز الأرامل. فلما كان في‏

334

سنة أربع و سبعين و خمسمائة، بنى الحاجب لؤلؤ العادليّ برحبة الأندلس و الرباط بستانا و أحواضا و مقعدا، و جمع بين مصلّى الأندلس و بين الرباط بحائط بينهما، و عمل ذلك لحلول العفيف حاتم بن مسلم المقدسيّ الشافعيّ به، و لما مات السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ بدمشق في المحرّم سنة ست و سبعين و ستمائة، و قام من بعده في السلطنة ابنه الملك السعيد محمد بركة خان، عمل لأبيه عزاء بالأندلس هذا، فاجتمع هناك القرّاء و الفقهاء و أقيمت المطابح و هيئت المطاعم الكثيرة و فرّقت على الزوايا و مدّت أسمطة عظيمة بالخيام التي ضربت حول الأندلس، فأكل الناس على اختلاف طبقاتهم، و قرأ القرّاء ختمة شريفة، و عدّ هذا الوقت من المهمات العظيمة المشهورة بديار مصر، و كان ذلك في المحرّم سنة سبع و سبعين و ستمائة، على رأس سنة من موت الملك الظاهر، فقال في ذلك القاضي محيي الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر.

يا أيها الناس اسمعوا* * * قولا بصدق قد كسي‏

إنّ عزا السلطان في‏* * * غرب و شرق ما نسي‏

أ ليس ذا مأتمه‏* * * يعمل في الأندلس‏

ثم عمل بعد ذلك مجتمع في المدرسة الناصرية بجوار قبة الشافعيّ من القرافة، و مجتمع بجامع ابن طولون، و مجتمع بجامع الظاهر من الحسينية خارج القاهرة، و مجتمع بالمدرسة الظاهرية بين القصرين، و مجتمع بالمدرسة الصالحية، و مجتمع بدار الحديث الكاملية، و مجتمع بالخانقاه الصلاحية لسعيد السعداء، و مجتمع بالجامع الحاكميّ، و أقيم في كلّ واحد من هذه المجتمعات الأطعمة الكثيرة، و عمل للتكاررة خوان، و للفقراء خوان، حضره كثير من أهل الخيل و الصلاح فقيل في ذلك:

فشكرا لها أوقات برّ نقبلت‏* * * لقد كان فيها الخير و البرّ أجمعا

لقد عمّت النعمى بها كلّ موطن‏* * * سقتها الغوادي مربعا ثم مربعا

و لما مضى السلطان لما يمض جوده‏* * * و خلّف فينا برّه متنوّعا

فتى عيش في معروفه بعد موته‏* * * كما كان بعد السيل مجراه مرتعا

فدام له منّا الدعاء مكرّرا* * * مدى دهرنا و اللّه يسمع من دعا

مسجد البقعة

هذا المسجد مجاور لمسجد الفتح من غربيه، بناه الأمير أبو منصور صافي الأفضلي.

مسجد الفتح‏

هذا المسجد المشهور بجوار قبر الناطق، بناه شرف الإسلام سيف الإمام يانس الروميّ وزير مصر، و سمي بالفتح لأن منه كان انهزام الروم إلى قصر الشمع حين قدم الزبير بن‏

335

العوّام، و المقداد بن الأسود فيمن سواهما مددا لعمرو بن العاص، و كان الفتح، و يقال أنّ محرابه اللطيف الذي بجانبه الشرقيّ قديم، و أنّ تحت حائطه الشرقيّ قبر عامر الذي كان أوّل من دفن بالقرافة، و محراب مسجد الفتح منحرف عن خط سمت القبلة إلى جهة الجنوب انحرافا كثيرا، كما ذكر عند ذكر محاريب مصر من هذا الكتاب، و استشهد يومئذ جماعة دفنوا في مجرى الحصا، فكان يرى على قبورهم في الليل نور.

مسجد أمّ عباس جهة العادل بن السلار

هذا المسجد كان بجوار مصلّى خولان بالمغافر غربيّ المقابر، بنته بلاوة زوج العادل بن السلار سلطان مصر، في خلافة الظافر سنة سبع و أربعين و خمسمائة، على يد المعروف بالشريف عز الدولة الرضويّ بن القفاص، و كانت بلاوة مغربية، و هي أمّ الوزير عباس الصنهاجيّ الباديسيّ و قد دثر هذا المسجد.

مسجد الصالح‏

هذا المسجد كان بخط جامع القرافة المعروف بجامع الأولياء، عرف بمسجد بني عبيد اللّه، و بمسجد القبة، و بمسجد العزاء، و الذي بناه الصالح طلائع بن رزيك وزير مصر، و كان في أعلاه مناظر و عمارته متقنة الزيّ، و أدركته عامرا إلى ما بعد سنة ثمانمائة.

مسجد وليّ عهد أمير المؤمنين‏

هو الأمير أبو هاشم العباس بن شعيب بن داود المهديّ، أحد الأقارب في الأيام الحاكمية، كان إلى جانب مسجد الصالح، و بجانبه تربته، و كان المسجد من حجر و بابه محمول على أربع حنايا، و تحت الحنايا باب المسجد، و في شرقيه أيضا أربع حنايا، و كانت دار أبي هاشم هذا بمصر دار الأفراح، و من ولده الشريف الأمير الكبير أبو الحسن عليّ ابن الأمير عباس بن شعيب بن أبي هاشم المذكور، و يعرف بالشريف الطويل و بالنباش.

مسجد الرحمة

هذا المسجد كان في صدر القرافة الكبرى بالقرب من تربة ركن الإسلام محمود ابن أخت الملك الصالح طلائع بن رزيك. قال الكنديّ: و منها مسجد القرافة، و هو بنو محصن بن سيف بن وائل بن الجيزيّ، قبليّ القرافة على يمينك إذا أممت مسجد الأقدام، مقابله فسقية صغيرة، و له منارة، يعرف بمسجد الرحمة، و عرف هذا المسجد بأبي تراب الصوّاف وكيل الجهة التي بنت مسجد الأندلس و رباطه، و مسجد رقية. و أبو تراب هذا تولى بناءه، و كان يقوم بخدمته الشيخ نسيم، و أبو تراب هو الذي أخرج إليه ولد الآمر في قفة من خوص، فيها حوائج طبيخ من كرّاث و بصل و جزر و هو طفل في القماط في أسفل‏

336

القفة، و الحوائج فوقه، و وصل به إلى القرافة و أرضعته المرضعة بهذا المسجد و خفي أمره عن الحافظ حتى كبر، و صار يسمى قفيفة. فلما حان نفعه نمّ عليه أبو عبد اللّه الحسين بن أبي الفضل عبد اللّه بن الحسين الجوهريّ الواعظ، بعد ما مات الشيخ أبو تراب، عند الحافظ. فأخذ الصبيّ و قصده فمات. و خلع على ابن الجوهريّ، ثم نفي إلى دمياط فمات بها في جمادى سنة ثمان و عشرين و خمسمائة.

مسجد مكنون‏

هو بجانب مسجد الرحمة، بناه الأستاد مكنون القاضي الذي تقدّم ذكره في مسجد الأندلس.

مسجد جهة ريحان‏

هذا المسجد كان في وجه مسجد أبي تراب قبالة دار البقر من القرافة الكبرى، و جدّده أستاذ الجهة الحافظية، و اسمه ريحان، في سنة اثنتين و أربعين و خمسمائة.

مسجد جهة بيان‏

هذا المسجد كان في بطحاء مسجد الأقدام بجوار ترب المادرانيين، بنته الجهة الحافظية المعروفة بجهة بيان الحساميّ، على يد أبي الفضل الصعيديّ المعروف بابن الموفق، و حكى الخليفة عن هذه الجهة خبرا عجيبا. قال القاضي المكين أبو الطاهر إسماعيل بن سلامة: قال لي أمير المؤمنين الحافظ يوما: يا قاضي أبا الطاهر. قلت لبيك يا أمير المؤمنين. قال: أحدّثك بحديث عجيب قلت نعم. قال لما جرى من أبي عليّ بن الأفضل ما جرى بينما أنا في الموضع الذي كنت معتقلا فيه، رأيت كأني قد جلست في مجلس من مجالس القصر أعرفه، و كان الخلافة قد أعيدت إليّ، و كأنّ المغنيات قد دخلن يهنينني و يغنين بين يدي، و في جملتهنّ جارية معها عود، يعني هذه الجارية المذكورة، فأنشأت تغني قول أبي العتاهية:

أتته الخلافة منقادة* * * إليه تجرّر أذيالها

فلم تك تصلح إلّا له‏* * * و لم يك يصلح إلّا لها

و لو نالها أحد غيره‏* * * لزلزلت الأرض زلزالها

و كأني قمت إلى خزانة بالمجلس أخذت منها حقة فيها جوهر. فملأت فمها منه، ثم استيقظت. فو اللّه يا قاضي ما كان إلّا يومان حتى كسر عليّ الحبس لما قتل أبو عليّ بن الأفضل و قيل لي السلام على أمير المؤمنين، فلما خرجت و أقمت أياما جلست في ذلك المجلس الذي رأيته في النوم، و دخل الجواري يهنينني، فغنت إحداهنّ و هي ذات عود ذلك‏

337

الصوت بعينه، فقلت لها: على رسلك حتى نقضي نحن أيضا من حقك ما يجب علينا، و قمت إلى الخزانة و أخذت الحق الذي فيه الجوهر، ثم جئت إليها و قلت لها افتحي فاك، ففتحته، و حشوته جوهرا و قلت لها إنّ لك علينا في كلّ سنة في مثل هذا اليوم مثل ذلك.

مسجد توبة

هو ابن ميسرة الكتاميّ، مغني المستنصر، كان في شرقيّ الأقهوب، و قبالته تربة تنسب إلى الطبالة صاحبة أرض الطبالة، و كلاهما في القرافة الكبرى.

مسجد دري‏

هذا المسجد كان في القرافة الكبرى في رحبة الأقهوب، بناه شهاب الدولة دري، غلام المظفر أخي الأفضل ابن أمير الجيوش، في سنة ثلاث و ثلاثين و خمسمائة، و كان أرمنيا فأسلم و صار من المتشدّدين في مذهب الإمامية، و قرأ الجمل للزجاجيّ في النحو، و اللمع لابن جني، و كانت له خرائط من القطن الأبيض يلبسها في يديه و رجليه، و كان يتولى خزائن الكسوات، و لا يدخل على بسط السلاطين و لا على بسط الخليفة الحافظ لدين اللّه، و لا يدخل مجلسه إلّا بالخرائط في رجليه، و لا يأخذ من أحد رقعة إلّا و في يده خريطة، يظنّ أنّ من لمسه نجسه، وسوسة منه. فإن اتفق أنه صافح أحدا، أو أمسك رقعة بيده من غير خريطة، لا يمس ثوبه و لا بدنه حتى يغسلها، فإن مس ثوبه غسل الثوب. و كان الأستاذون يعبثون به و يرمون في بساط الخليفة الحافظ العنب، فإذا مشى عليه و انفجر و وصل ماؤه إلى رجليه سبهم و حرد، فيضحك الخليفة و لا يؤاخذه، و عمل مرّة الوزير رضوان بن ولخشيّ دواة حليتها ألف دينار مرصعة، فدخل عليه شهاب الدولة دري الصغير هذا، و قد أحضرت الدواة المذكورة، فقال له: يا مولانا أحسن من مداد هذه الدواة و وقع على هذه، فيكون ذلك زكاتها إذ للّه فيه رضى و لنبيه، و ناوله رقعة الشريف القاضي سنا الملك أسعد الجوّانيّ النحويّ، يطلب فيها راتبا لابنه الشريف أبي عبد اللّه محمد في الشهر ثلاثة دنانير، فوقع عليها. فلما كان في الليل رأى في نومه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه و هو يقول: جزاك اللّه خيرا على فعلك اليوم.

مسجد ست غزال‏

هذا المسجد كان في القرافة الكبرى بجوار تربة النعمان، بنته ست غزال في سنة ست و ثلاثين و خمسمائة، و كانت غزال هذه صاحبة دواة الخليفة، لا تعرف شيئا إلّا أحكام الدوى و الليق‏ (1) و مسح الأقلام و الدواة، و كان برسم خدمتها الأستاذ مأمون الدولة الطويل.

____________

(1) لاق الدواة: جعل لها ليقة و أصلح مدادها. و اللّيقة: صوفة الدّواة.

338

مسجد رياض‏

هو لوقافة الحافظ لدين اللّه، كانت تقف بين يديه بالقصر، و كان بجوار المصنعة الصغرى الطولونية التي يجي‏ء الماء إليها من عفصة الكبرى، و كان فيه حوش به عدّة بيوت للنساء المنقطعات.

مسجد عظيم الدولة

هذا المسجد كان معلقا بخط سوق القرافة الكبرى، واكن عظيم الدولة هذا صقلبيا صاحب الستر و حامل المظلة، و كان بجوار هذا المسجد مسجد التمساح، و مسجد السدرة، و مسجد جهة مراد، و كان القاضي أبو عبد اللّه محمد بن أبي الفرج هبة اللّه بن الميسر، لما عمل قدّامة منارة النحاس الرومية ذات السواعد، و اجتاز بها من تحت سدرة المسجد في ليلة الوقود، نصف شهر رجب سنة ثلاثين و خمسمائة، عاقتها السدرة فأمر بقطع بعضها، فقيل له: لا تفعل، فإنّ قطع السدر محذور. و قد روى أبو داود في كتاب السنن له، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من قطع سدرة صوّب اللّه رأسه في النار» فقطعها على ركوب نصف شعبان، فما أسنى و صرف فيّ المحرّم و فني إلى تنيس و قتل.

مسجد أبي صادق‏

هذا المسجد كان غربيّ مسجد الأقدام، بناه ابن سعدون أبو الحسن عليّ بن محمد البغداديّ، بعد سنة عشرين و أربعمائة، و جدّده أخوه أبو عبد اللّه الحسين بن محمد بن الحسن بن سعدون البغداديّ سنة ثلاث و أربعين و أربعمائة، و هو مسجد أبي صادق مرشد المدينيّ المالكيّ المحدّث، و كان قاري‏ء المصحف بالجامع، و مصليا به، و مصدّرا فيه لإقراء السبع، و كان فيه حنة على الحيوانات لا سيما على القطط و الكلاب، و كان مشارف الجامع و جعل عليه جاريا من الغدد كلّ يوم لأجل القطط، و كان عند داره بزقاق الأقفال من مصر كلاب يطعمها و يسقيها، و ربما تبع دابته منها شي‏ء يمشي معه في الأسواق، قال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة في كتاب النقط على الخطط: حدّثني الشيخ منجب غلام أبي صادق قال: كان لمولاي الشيخ أبي صادق كلب لا يفارقه أبدا، إذا كان راكبا يمشي خلفه، فإذا وقفت بغلته قام تحت يديها، فإذا رآه الناس قالوا هذا أبو صادق و كلبه.

و حدّثني قال: ولدت كلبة في مستوقد حمّام، و كان المؤذن يأتي خلف مولاي سحرا كل يوم لقراءة المصحف، و كان مولاي يأخذ في كمه كلّ يوم رغيفا، فإذا حاذى موضع الكلبة قلع طيلسانه و قطع الخبز للكلبة و يرمي لها بنفسه إلى أن تأكل، ثم يستدعي الوقاد و يعطيه قيراطا و يقول له: اغسل قدحها و املأه ماء حلوا، و يستحلفه على ذلك. فلما كبر أولادها صار يأخذ بعد رغيفين إلى أن كبروا و تفرّقوا. و حدّثني قال: كان قد جعل كراء حانوت برسم‏

339

القطاط بالجامع العتيق من الأحباس، و كان يؤتي بالغدد مقطعة، فيجلس و يقسم عليها، و إن قطة كانت تحمل شيئا من ذلك و تمضي به، و فعلت ذلك مرارا، فقال مولاي للشيخ أبي الحسن بن فرج امض خلف هذه القطة و انظر إلى أين تؤدّي ذلك، فمضى ابن فرج فإذا بها تؤدّيه إلى أولادها، فعاد إليه و أخبره، فكان بعد ذلك يقطع غددا صغارا على قدر مساغ القطط الصغار، و غددا كبار للكبار، و يرسل بجزء الصغار إليهم إلى أن كبروا،

مسجد الفرّاش‏

هذا المسجد كان بالقرافة الكبرى، بناه أحمد فرّاش الأفضل بن أمير الجيوش، و بجواره مسجد بناء زيد بن حسام، و مسجد الإجابة القديم، و تربة العطار، و دار البقر، و قناطر الأطفيحيّ، كلّ ذلك بالقرب من جامع القرافة.

مسجد تاج الملوك‏

هذا المسجد قدّام دار النعمان و تربته من القرافة الكبرى، بناه تاج الملوك بدران بن أبي الهيجاء الكرديّ الماردانيّ، و هو أخو سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء، صهر بني رزيك، و كان مجتمع أهل مصر عنده في الأعياد و المواسم و ليالي الوقود.

مسجد الثمار

هذا المسجد كان ملاصقا للزيادة التي في بحريّ مسجد الأقدام، و فيه قبور بني الثمار.

مسجد الحجر

هذا المسجد كان بحريّ مسجد عمار بن يونس مولى المغافر، و شرقيّ قصر الزجاج من القرافة الكبرى، بنته مولاة عليّ بن يحيى بن طاهر المعروف بابن أبي الخارجيّ الموصليّ، في ربيع الأوّل سنة ثلاثين و أربعمائة.

مسجد القاضي يونس‏

هذا المسجد كان غربيّ مسجد الحجر المذكور، بناه الشيخ عدي الملك بن عثمان صاحب دار الضيافة، ثم صار بيد قاضي القضاة بمصر، الموفق كمال الدين أبي الفضائل يونس بن محمد بن الحسن المعروف بجوامرد، خطيب القدس القرشيّ، و كان من الأعيان، و لم يشرب قط من ماء النيل بل من ماء الآبار، و لم يأكل قط للسلطان خبزا، و كان يروى الحديث عن جده.

340

مسجد الوزيرية

هذا المسجد كان بالقرافة الكبرى، و له منارة بجوار باب رباط الحجازية، و كانت الحجازية واعظة زمانها، و كانت من الخيّرات، لها القبول التام، و تدعى أمّ الخير، و كان لها من الصيت كما كان لابن الجوهريّ، و كانت على غاية من الكرم و حسن الأخلاق و الشيم، و من مكارم أخلاقها و حسن طباعها و كياسة انطباعها ما حكاه الجوّانيّ النسابة في كتاب النقط على الخطط قال: حدّثني الشيخ أبو الحسن بن السراج المؤذن بالجامع بمصر قال: كان قدّام الباب الأوّل من أبواب جامع مصر يباع رطب يقعد على الأرض و بين يديه اقفاص رطب من أحسن الأرطاب، فبينما الحجازية الواعظة هذه ذات يوم قد قاربت الخروج من باب الجامع، و هي في حفدتها و جواريها، و إذا ذلك الرطاب ينادي على قفص رطب قدّامه، معاشر الناس اشتروا الطيبة الحجازية على أربعة، على أربعة. يريد على أربعة أرطال رطب بدرهم. فلما سمعته الحجازية وقفت قبل أن تخرج من باب الجامع و أنفذت إليه بعض الجواري فصاحت به، فلما أتاها قالت له: يا أخي قولك الحجازية على أربعة مشكل، لا ترجع تنادي كذا، و هذا رباعي هدية مني لك ربح هذا القفص، و لا تناد كذا، فأخذه و قبل يدهل و قال السمع و الطاعة.

مسجد ابن العكر

هذا المسجد غربيّ مسجد أبي صادق، بحضرة مسجد الأقدام، قبالة قصر الكتفي و بحذاء مسجد النارنج. بناه القاضي العادل بن العكر.

مسجد ابن كباس‏

هذا المسجد كان مجاور للقناطر الأطفيحية على يسار من أمّ طريق الجامع، بناه القاضي ابن كباس.

مسجد الشهمية

هذا المسجد كان شرقيّ مسجد الأقدام، و غربيّ قناطر ابن طولون، مجاورا لتربة القاضي ابن قابوس، كان يعرف بمسجد الفقاعة من الكلاع، و يعرف أيضا بمسجد شادن الفضليّ، غلام الوزير جعفر بن الفضل بن الفرات.

مسجد زنكادة

هذا المسجد كان غربيّ مسجد عمار بن يونس، بناه زنكادة المخنث بعد ما تاب في سنة خمس و ثلاثين و خمسمائة.

341

جامع القرافة

هذا الجامع يعرف اليوم بجامع الأولياء، و هو مسجد بني عبد اللّه بن مانع بن مزروع، و يعرف بمسجد القبة، و قد ذكر عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب.

مسجد الأطفيحيّ‏

هذا المسجد كان في البطحاء، بحريّ مجرى جامع الفيلة إلى الشرق، مخالطا لخطط الكلاع و رعين و الأكنوع و الأكحول. و يقال له مسجد و حاطة بن سعد الأطفيحيّ، من أهل أطفيح، شيخ له سمت، و كتب الحديث في سنة ثمان و خمسين و أربعمائة، و ما قبلها، و سمع من الحباك و هو في طبقته، و هو رفيق الفرّاء و ابن مشرف و ابن الحظية و أبي صادق، و سلك طريق أهل القناعة و الزهد و العزلة كأبي العباس ابن الحظية و كان الأفضل الكبير شاهنشاه صاحب مصر قد لزمه، و اتخذ السعي إليه مفرتضا، و الحديث معه شهوة. و غرضا لا ينقطع عنه. و كان فكه الحديث، قد وقف من أخبار الناس و الدول على القديم و الحديث، و قصده الناس لأجل حلول السلطان عنده لقضاء حوائجهم فقضاها، و صار مسجده موئلا للحاضر و البادي. و صدى لإجابة صوت النادي، و شكا الشيخ إلى الأفضل تعذر الماء و وصوله إليه، فأمر ببناء القناطر التي كانت في عرض القرافة من المجرى الكبيرة الطولونية، فبنيت إلى المسجد الذي به الأطفيحيّ، و مضى عليها من النفقة خمسة آلاف دينار، و عمل الأطفيحيّ صهريج ماء شرقيّ المسجد، عظيما محكم الصنعة، و حمّاما و بستانا كان به نخلة سقطت بعد سنة خمسين و خمسمائة. و عمل الأفضل له مقعدا بحذاء المسجد إلى الشرق، علو زيادة في المسجد شرقيه، و قاعة صغيرة مرخمة إذا جاء عنده جلس فيها و خلا بنفسه و اجتمع معه و حادثه، و كان هذا المقعد على هيئة المنظرة بغير ستائر، كلّ من قصد الأطفيحيّ من الكتفي يراه، و كان الأفضل لا يأخذه عنه القرار، يخرج في أكثر الأوقات من دار الملك باكرا أو ظهرا أو عصرا بغتة، فيترجل و يدق الباب و قارا للشيخ، كما كان الصحابة رضي اللّه عنهم يقرعون أبواب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بظفر الإبهام و المسبحة، كما يحصب بهما الحاصب، فإن كان الشيخ يصلي لا يزال واقفا حتى يخرج من الصلاة و يقول من فيقول ولدك شاهنشاه. فيقول نعم. ثم يفتح فيصافحه الأفضل و يمرّ بيده التي لمس بها يد الشيخ على وجهه، و يدخل فيقول الشيخ: نصرك اللّه، أيدك اللّه، سدّدك اللّه، هذه الدعوات الثلاثة لا غير أبدا. فيقول الأفضل آمين، و بنى له الأفضل المصلّى ذات المحاريب الثلاثة شرقيّ المسجد إلى القبليّ قليلا، و يعرف بمصلّى الأطفيحيّ، كان يصلّي فيه على جنائز موتى القرافة، و كان سبب اختصاص الأفضل بهذا الشيخ، أنه لما كان محاصرا نزار بن المستنصر بالإسكندرية، و ناصر الدولة أفتكين الأرمنيّ، أحد مماليك أمير الجيوش بدر، و كانت أمّ‏

342

الأفضل إذ ذاك و هي عجوز لها سمت و وقار، تطوف كلّ يوم و في الجمعة الجوامع و المساجد و الرباطات و الأسواق، و تستقص الأخبار، و تعلم محب ولدها الأفضل من مبغضه، و كان الأطفيحيّ قد سمع بخبرها، فجاءت يوم جمعة إلى مسجده و قالت له: يا سيدي ولدي في العسكر مع الأفضل، اللّه يأخذ لي الحق منه، فإني خائفة على ولدي، فادع اللّه لي أن يسلمه. فقال لها الشيخ: يا أمة اللّه أما تستحيين تدعين على سلطان اللّه في أرضه، المجاهد عن دينه، اللّه تعالى ينصره و يظفره و يسلّمه، و يسلم ولدك، ما هو إن شاء اللّه إلّا منصور مؤيد مظفر، كأنك به و قد فتح الإسكندرية و أسر أعداءه و أتى على أحسن قضية و أجمل طوية، فلا تشغلي لك سرّا، فما يكون إلّا خيرا إن شاء اللّه تعالى، ثم إنها اجتازت بعد ذلك بالفار الصيرفيّ بالقاهرة بالسرّاجين، و هو والد الأمير عبد الكريم الآمريّ صاحب السيف، و كان عبد الكريم قد ولي مصر بعد ذلك في الأيام الحافظية، و كان عبد الكريم هذا له في أيام الآمر وجاهة عظيمة و صولة، ثم افتقر.

فوقفت أمّ الأفضل على الصيرفيّ تصرف دينارا و تسمع ما يقول، لأنه كان إسماعيليا متغاليا، فقالت له: ولدي مع الأفضل؛ و ما أدرى ما خبره. فقال لها الفار المذكور، لعن اللّه المذكور الأرمنيّ الكلب العبد السوء ابن العبد السوء، مضى يقاتل مولاه و مولى الخلق، كأنك و اللّه يا عجوز برأسه جائزا من هاهنا على رمح قدّام مولاه نزار و مولاي ناصر الدولة إن شاء اللّه تعالى، و اللّه يلطف بولدك، من قال لك تخليه يمضي مع هذا الكلب المنافق، و هو لا يعرف من هي.

ثم وقفت على ابن بابان الحلبيّ و كان بزازا بسوق القاهرة فقالت له مثل ما قالت للفار الصيرفيّ ... و قال لها مثل ما قال لها. فلما أخذ الأفضل نزارا و ناصر الدولة و فتح الإسكندرية، حدّثته والدته الحديث و قالت: إن كان لك أب بعد أمير الجيوش فهذا الشيخ الأطفيحيّ. فلما خلع عليه المستعلي بالقصر و عاد إلى دار الملك بمصر، اجتاز بالبزازين يوما، فلما نظر إلى ابن بابان الحلبيّ قال: انزلوا بهذا فنزلوا به، فقال: رأسه. فضربت عنقه تحت دكانه. ثم قال لعبد على أحد مقدّمي ركابه: قف هاهنا لا يضيع له شي‏ء إلى أن يأتي أهله فيتسلموا قماشه، ثم وصل إلى دكان الفار الصيرفيّ فقال: انزلوا بهذا، فنزلوا به، فقال: رأسه. فضربت عنقه تحت دكانه. و قال ليوسف الأصغر أحد مقدّمي الركاب اجلس على حانوته إلى أن يأتي أهله و يتسلموا موجوده، و إياك و ماله و صندوقه، و إن ضاع منه درهم ضربت عنقك مكانه، كان لنا خصم أخذناه و قد فعلنا به ما يردع غيره عن فعله، و ما لنا ماله، و لا فقر أهله، ثم أتى الأفضل إلى الشيخ أبي طاهر الأطفيحيّ و قرّبه و خصصه إلى أن كان من أمره مما شرحناه.

343

مسجد الزيات‏

هذا المسجد مجاور بيت الخوّاص غربيه. و مسجد ابن أبي الردّاد، يعرف بمسجد الأنطاكيّ، و مسجد الفاخوريّ. يعرف بمسجد البطحاء، و مسجد ابن أبي الصغير، قبليّ مسجد بني مانع، و هو جامع القرافة، و مسجد الشريفة بني في سنة إحدى و خمسمائة، و مسجد ابن أبي كامل الطرابلسيّ، كان بحارة الفرن بناه الأعز بن أبي كامل، و المعبد الذي كان على رأس العقبة التي يتوصل منها إلى الرصد، بناه أبو محمد عبد اللّه الطباخ، و يقال أنه كان بالقرافة اثنا عشر ألف مسجد.

القصر المعروف بباب ليون بالشرف: هذا القصر كان على طرف الجبل بالشرف الذي يعرف اليوم ... (1). و جاء الفتح و هو مبنيّ بالحجارة، ثم صار في موضعه مسجد عرف بمسجد المقس، و المقس ضيعة كانت تعرف بأمّ دنين، سميت المقس لأنّ العاشر كان يقعد بها، و صاحب المكس، فقلب فقيل المقس، و ليون اسم بلد بمصر بلغة السودان و الروم، و قد ذكر المقس عند ذكر ظواهر القاهرة من هذا الكتاب، و اللّه تعالى أعلم.

ذكر الجواسيق التي بالقرافة

قال ابن سيده: الجوسق، الحصن. و قيل هو شبيه بالحصن معرّب، و قال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة في كتاب النقط على الخطط: الجواسق بالقرافة و الجبانة كانت تسمى القصور، و كان بالقرافة قصر الكتفيّ، و قصر بني كعب، و قصر بني عقبة، و قصر أبي قبيل، و قصر العزيز، و قصر البغداديّ، و قصر يشب، و قصر ابن كرامة.

جوسق بني عبد الحكم: كان جوسقا كبيرا له حوش، و كان في وسط القرافة بحضرة مسجد بني سريع الذي يقال له الجامع العتيق، و هو أحد الجواسق الثلاثة، و هو جوسق عبد اللّه بن عبد الحكم الفقيه الإمام، و جدّد هذا الجوسق ابن اللهيب المغربي.

جوسق بني غالب، و يعرف ببني بابشاد: كان بالمغافر، بني في سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة، و إلى جانبه قبر الشيخ أبي الحسن طاهر بن بابشاد.

جوسق ابن ميسر: كان بجوار جوسق بني غالب، بناه أبو عبد اللّه محمد ابن القاضي أبي الفرج هبة اللّه، و كان أبو الفرج هو الخطيب بجامع مصر، و يوم الغدير، و هو شافعيّ المذهب، و هو هبة اللّه بن الميسر. و ذلك في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة و خمسمائة، و أبو عبد اللّه هذا هو الذي كان بعد ذلك قاضي القضاة بمصر، و هو الذي حبس القياسر التي كانت في القشاشين بمصر، و كان يحمل قدّامه المنارة الرومية النحاس ذات السواعد التي‏

____________

(1) بياض في الأصل.

344

عليها الشمع ليالي الوقودات، و كان فيه كرم، سمع بأن المادرانيّ عمل في أيامه الكعك الصغير المحشوّ بالسكر المسمى أفطن له، فأمر هو بعمل لب الفستق الملبس بالسكر الأبيض الفانيذ المطيب بالمسك، و عمل منه في أوّل الحال شيئا عوّض لبه لب ذهب في صحن واحد، فمضى فيه جملة، و خطف قدّامه، تخاطفه الحاضرون. و لم يعد لعمله بل الفستق الملبس. و هو أوّل من أخرجه بمصر، و كان قد سمع في سيرة أبي بكر المادرانيّ أنه عمل هذا الأفطن له، و جعل في كلّ واحد خمسة دنانير، و وقف أستاذ على السماط فقال لأحد الجلساء: افطن له. و كان على السماط عدّة صحون من ذلك الجنس، لكن ما فيها ما فيه دنانير إلّا صحن واحد، فلما رمز الأستاذ لأحد الجلساء على سماط المادرانيّ بقوله افطن له، و أشار إلى الصحن، تناول الرجل منه فأصاب لك، فاعتمد له جملة، و رآه الناس و هو إذا أكل يخرج شيئا من فمه و يجمع بيده و يحط في حجره، فتنبهوا و تزاحموا عليه. فقيل لذلك المعمول من ذلك الوقت أفطن له، و قتل هذا القاضي في تنيس في أيام بهرام الوزير النصرانيّ الأرمني، سنة ست و عشرين و خمسمائة.

جوسق ابن مقشر: كان جوسقا طويلا ذا تربة إلى جانبه.

جوسق الشيخ أبي محمد: عامل ديوان الأشراف الطالبيين، و جوسق ابن عبد المحسن بخط الأكحول، و جوسق البغداديّ الجرجراي، كان قبره إلى جانبه، خرب في سنة عشرين و خمسمائة، و جوسق الشريف أبي إسماعيل إبراهيم بن نسيب الدولة الكلتميّ الموسوي نقيب مصر.

جوسق المادرانيّ: هذا الجوسق لم يبق من جواسق القرافة غيره، و هو جوسق كبير جدّا على هيئة الكعبة بالقرب من مصلى خولان في بحريه، على جانبه الممرّ من مقطع الحجارة، بناه أبو بكر محمد بن عليّ المادرانيّ في وسط قبورهم من الجبانة، و كان الناس يجتمعون عند هذا الجوسق في الأعياد، و يوقد جميعه في ليلة النصف من شعبان كل سنة وقودا عظيما، و يتحلق القرّاء حوله لقراءة القرآن، فيمرّ للناس هنالك أوقات في تلك الليلة و في الأعياد بديعة حسنة.

جوسق حب الورقة: كان هذا الجوسق بحضرة تربة ابن طباطبا، أدركته عامرا، و قد خرب فيما خرّبه السفهاء من ترب القرافة و جواسقها، زعما منهم أن فيها خبايا، و كان أكابر أمراء المغافر و من بعدهم و من يجري مجراهم، لكلّ منهم جوسق بالقرافة يتنزه فيه و يعبد اللّه تعالى هناك، و كان من هذه الجواسق ما تحته حوض ماء لشرب الدواب و فسقية و بستان، و كان بالقرافة عدّة قصور، و هي التي تسمى بالجواسق، لها مناظر و بساتين، إلّا أن الجواسق أكثرها بغير بساتين و لا بئر، بل مناظر مرتفعة، و يقال لها كلها قصور.

قصر القرافة: بنته السيدة تغريد أمّ العزيز بالله في سنة ست و ستين و ثلاثمائة، على يد

345

الحسن بن عبد العزيز الفارسيّ المحتسب، هو و الحمّام الذي كان في غربيه، و بنت البئر و البستان المعروف بالتاج، المعروف بحصن أبي المعلوم، و بنت جامع القرافة، ثم جدّده الآمر بأحكام اللّه و بيضه في سنة عشرين و خمسمائة، و عمل شرقيّ بابه مصطبة للصوفية، و كان مقدّمهم الشيخ أبو إسحاق إبراهيم المعروف بالمادح، و كان الآمر يجلس في الطاق بالمنظر الذي بناه بأعلى القصر، و يرقص أهل الطريقة قدّامه، و قد ذكر هذا القصر عند ذكر مناظر الخلفاء من هذا الكتاب، و لم يزل هذا القصر إلى ربيع الآخر سنة سبع و ستين و خمسمائة.

ذكر الرباطات التي كانت بالقرافة

كان بالقرافة الكبيرة عدّة دور يقال للدار منها رباط، على هيئة ما كانت عليه بيوت أزواج النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، يكون فيها العجائز و الأرامل العابدات، و كانت لها الجرايات و الفتوحات، و كان لها المقامات المشهورة من مجالس الوعظ.

رباط بنت الخوّاص: كان تجاه مسجد بيد الفقيه مجلي بن جميع بن نجا الشافعيّ، مؤلف كتاب الذخائر، و قاضي القضاة بمصر.

رباط الأشراف: كان برحبة جامع القرافة، يعرف بالقرّاء، و ببني عبد اللّه، و بمسجد القبة، و هو شرقيّ بستان ابن نصر، بناه أبو بكر محمد بن عليّ المادرانيّ و وقفه على نساء الأشراف.

رباط الأندلس: بنته الجهة المعروفة بجهة مكنون الآمرية كما تقدّم.

رباط ابن العكاريّ: كان بحضرة مسجد بني سريع المعروف بالجامع العتيق.

رباط الحجازية: بنته و حبسته على الحجازية، فوز جارية عليّ بن أحمد الجرجراي الوزير، هو و المسجد الذي تقدّم ذكره.

رباط رياض: كان بجوار مسجد الحاجة رياض.

ذكر المصلّيات و المحاريب التي بالقرافة

و كان في القرافة عدّة مصلّيات و عدّة محاريب.

منها:

مصلّى الشريفة: كان بدرب القرافة بحدرة الجباسين و خطة الصدف، بناه أبو محمد عبد اللّه بن الأرسوفيّ الشاميّ التاجر، سنة سبع و سبعين و خمسمائة.

مصلّى المغافر: و هو الأندلس، جدّده ابن برك الإخشيديّ، ثم بنته جهة مكنون الآمرية في سنة ست و عشرين و خمسمائة.

346

مصلّى عقبة القرافة، يعرف بمصلّى الأندلسيّ: كان ذا مصطبة مربعة على يسرة الطالع إلى القرافة، بناه يوسف بن أحمد الأندلسيّ الأنصاريّ، في شهر رمضان سنة خمس عشرة و خمسمائة.

مصلّى القرافة: جدّده الفقيه ابن الصباغ المالكيّ، في سنة عشرين و خمسمائة، و كان بحضرة مسجد أبي تراب تجاه دار التبر.

مصلّى الفتح: كان ملاصقا لمسجد الفتح، بناه أبو محمد القلعيّ المغربيّ المنجم الحافظيّ.

مصلّى جهة العادل: أبي الحسن بن السلار وزير مصر.

مصلّى الأطفيحيّ: بجوار مسجد الأطفيحيّ الذي تقدّم ذكره.

مصلّى الجرجانيّ: بناه الوزير عليّ بن أحمد الجرجانيّ، و كانت بالقرافة الكبرى و الجبانة عدّة محاريب خربت كلها.

مصلّى خولان: هذه المصلّى عرفت بطائفة من العرب الذين شهدوا فتح مصر يقال لهم خولان، و هم من قبائل اليمن، و اسمه نكل بن عمرو بن مالك بن زيد بن عريب، و في هذه المصلّى مشهد الأعياد، و يؤمّ الناس و يخطب لهم بها في يوم العيد خطيب جامع عمرو بن العاص، و ليست هذه المصلّى هي التي أنشأها المسلمون عند فتح أرض مصر، و إنما كانت مصلّى العيد في أوّل الإسلام غير هذه. قال القضاعي: مصلّى العيد كان مصلى عمرو بن العاص مقابل اليحموم، و هو الجبل المطلّ على القاهرة. فلما ولي عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح مصر، أمر بتحويله. فحوّل إلى موضعه المعروف اليوم بالمصلّى القديم عند درب السباع، ثم زاد فيه عبد اللّه بن طاهر سنة عشر و مائتين، ثم بناه أحمد بن طولون في سنة ست و خمسين و مائتين، و اسمه باق عليه إلى اليوم.

قال الكنديّ: و لما قدم شفي الأصبحيّ إلى مصر، و أهل مصر قد اتخذوا مصلّى بحذاء ساقية أبي عون عند العسكر قال: ما لهم وضعوا مصلّاهم في الجبل الملعون و تركوا الجبل المقدّس، يعني المقطم. قال: فقدّموا مصلّاهم إلى موضعه الذي هو به اليوم، يعني المصلّى القديم المذكور. و قال الكنديّ: ثم ضاق المصلّى بالناس في إمارة عنبسة بن إسحاق الضبيّ على مصر، في أيام المتوكل على اللّه، فأمر عنبسة بابتناء المصلّى الجديد، فابتدي‏ء ببنائه في العشر الأخير من شهر رمضان سنة أربعين و مائتين، و صلّى فيه يوم النحر من هذه السنة.

و عنبسة هو آخر عربيّ ولي مصر، و آخر أمير صلّى بالناس في المسجد، و هو المصلّى‏

347

الذي بالصحراء عند الجاروديّ، ثم جدّده الحاكم و زاد فيه و جعل له قبة، و ذلك في سنة ثلاث و أربعمائة، و كان أمراء مصر إذا خرجوا إلى صلاة العيد بالمصلّى أوقفوا جيشا في سفح الجبل مما يلي بركة الحبش، ليراعي الناس حتى ينصرفوا من الصلاة، خوفا من البجة. فإنهم قدموا غير مرّة ركبانا على النجب حتى كبسوا الناس في مصلاهم و قتلوا و نهبوا ثم رجعوا من حيث أتوا، فخرج عبد الحميد بن عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب غضبا للّه و للمسلمين مما أصابهم من البجة، فكمن لهم بالصعيد في طريقهم حتى أقبلوا كعادتهم في أخذ الناس في مصلّى العيد، فكبسهم و قتل الأعور رئيسهم بعد ما أقبلوا إلى المصلّى في العيد، في سنة ست و خمسين و مائتين، و أميره مصر أحمد بن طولون على النجب، و كبسوا الناس في مصلّاهم و قتلوا و نهبوا منهم و عادوا سالمين، ثم دخل العمريّ إلى بلاد البجة غازيا، فقتل منهم مقتلة عظيمة و ضايقهم في بلادهم إلى أن أعطوه الجزية، و لم يكونوا أعطوا أحدا قبله الجزية، و سار في المسلمين و أهل الذمّة سيرة حسنة، و سالم النوبة إلى أن بدأ النوبة بالغدر في الموضع المعروف بالمريس، فمال عليهم و حاربهم و خرّب ديارهم و سبى منهم عالما كثيرا، حتى كان الرجل من أصحابه يبتاع الحاجة من الزيات و البقال بنوبيّ أو نوبية لكثرتهم معهم، فجاؤا إلى أحمد بن طولون و شكوا له من العمريّ، فبعث إليه جيشا ليحاربه، فأوقع بالجيش و هزمهم، و كانت لهم أنباء و قصص إلى أن قتله غلامان من أصحابه و أحضرا رأسه إلى أحمد بن طولون، فأنكر فعلهما و ضرب أعناقهما و غسل الرأس و دفنه.

ذكر المساجد و المعابد التي بالجبل و الصحراء

و كان بجبل المقطم و بالصحراء التي تعرف اليوم بالقرافة الصغرى عدّة مساجد و عدّة مغاير، ينقطع العباد بها، و منها ما قد دثر و منه شي‏ء قد بقي أثره.

مسجد التنور: هذا المسجد في أعلى جبل المقطم من وراء قلعة الجبل في شرقيها، أدركته عامرا و فيه من يقيم به. قال القضاعيّ: المسجد المعروف بالتنور بالجبل، هو موضع تنور فرعون، كان يوقد له عليه، فإذا رأوا النار عملوا بركوبه فاتخذوا له ما يريد، و كذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس. ثم بناه أحمد بن طولون مسجدا في صفر سنة تسع و خمسين و مائتين، و وجدت في كتاب قديم أنّ يهودا بن يعقوب أخا يوسف (عليه السلام)، لما دخل مع إخوته على يوسف و جرى من أمر الصواع ما جرى، تأخر عن إخوته و أقام في ذروة الجبل المقطم في هذا المكان، و كان مقابلا لتنور فرعون الذي كان يوقد له فيه النار. ثم خلا ذلك الموضع إلى زمن أحمد بن طولون، فأخبر بفضل الموضع و بمقام يهودا فيه، فابتنى فيه هذا المسجد و المنارة التي فيه، و جعل فيه صهريجا فيه الماء، و جعل الإنفاق عليه مما وقفه على البيمارستان بمصر و العين التي بالمغافر و غير ذلك. و يقال أنّ تنور فرعون لم يزل في هذا

348

الموضع بحاله إلى أن خرج إليه قائد من قوّاد أحمد بن طولون يقال له وصيف قاطرميز، فهدمه و حفر تحته، و قدّر أن تحته مالا فلم يجد فيه شيئا، و زال رسم التنور و ذهب، و أنشد أبو عمرو الكنديّ في كتاب أمراء مصر من أبيات لسعيد القاضي:

و تنور فرعون الذي فوق قلة* * * على جبل عال على شاهق و عر

بنى مسجدا فيه يروق بناءه‏* * * و يهدى به في الليل إن ضلّ من يسري‏

تخال سنا قنديله و ضياءه‏* * * سهيلا إذا ما لاح في الليل للسفر

القرقوبيّ: قال القضاعيّ المسجد المعروف بالقرقوبيّ، هو على قرنة الجبل المطل على كهف السودان، بناه أبو الحسن القرقوبيّ الشاهد، وكيل التجار بمصر، في سنة خمس عشرة و أربعمائة، و كان في موضعه محراب حجارة يعرف بمحراب ابن الفقاعيّ الرجل الصالح، و هو على يسار المحراب.

مسجد أمير الأمراء: رفق المستنصريّ على قرنة الجبل البحرية المطلة على وادي مسجد موسى (عليه السلام).

كهف السودان: مغار في الجبل لا يعلم من أحدثه، و يقال أن قوما من السودان نقروه فنسب إليهم، و كان صغيرا مظلما، فبناه الأحدب الأندلسيّ القزاز، و زاد في سفله مواضع نقرها، و بنى علوه. و يقال أنه أنفق فيه أكثر من ألف دينار، و وسع المجاز الذي يسلك منه إليه، و عمل الدرج النقر التي يصعد عليها إليه، و بدأ في بنيانه مستهل سنة إحدى و عشرين و أربعمائة، و فرغ منه في شعبان من هذه السنة.

العارض: هذا المكان مغارة في الجبل، عرفت بأبي بكر محمد جدّ مسلم القاري، لأنه نقرها، ثم عمرت بأمر الحاكم بأمر اللّه، و أنشئت فيها منارة هي باقية إلى اليوم، و تحت العارض قبر الشيخ العارف عمر بن الفارض رحمه اللّه، و للّه در القائل:

جزبا لقرافة تحت ذيل العارض‏* * * و قل السلام عليك يا ابن الفارض‏

و قد ذكر القضاعيّ أربع عشرة مغارة في الجبل، منها. ما هو باق، و ليس في ذكرها فائدة.

اللؤلؤة: هذا المكان مسجد في سفح الجبل منها. باق إلى يومنا هذا، كان مسجدا خرابا، فبناه الحاكم بأمر اللّه و سماه اللؤلؤة، قيل كان بناؤه في سنة ست و أربعمائة، و هو بناء حسن.

مسجد الهرعاء: فيما بين اللؤلؤة و مسجد محمود، و هو مسجد قديم يتبرّك بالصلاة فيه، و قد ذكر مسجد محمود عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب، لأنه تقام فيه الجمعة.

دكة القضاة: قال القضاعيّ: هي دكة مرتفعة عن المساجد في الجبل، كان القضاة بمصر يخرجون إليها لنظر الأهلّة كل سنة، ثم بني عليها مسجد.

349

مسجد فائق: مولى خمارويه بن أحمد بن طولون، كان في سفح الجبل مما يلي طريق مسجد موسى (عليه السلام).

مسجد موسى: بناه الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات.

مسجد زهرون بالصحراء: هو مسجد أبي محمد الحسن بن عمر الخولانيّ، ثم عرف بابن المبيض، و كان زهرون قيمه فنسب إليه.

مسجد الفقاعيّ: هو أبو الحسن عليّ بن الحسن بن عبد اللّه، كان أبوه فقاعيا (1) بمصر، و هو مسجد كبير بناه كافور الإخشيديّ، ثم جدّده و زاد فيه مسعود بن محمد صاحب الوزير أبي القاسم عليّ بن أحمد الجرجرايّ، و كان في وسط هذا المسجد محراب مبنيّ بطوب يقال أنه من بناء حاطب بن أبي بلتعة رسول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المقوقس، و يقال أنه أوّل محراب اختط في مصر، و كان أبو الحسن التميميّ قد زاد فيه ببناء قبل ذلك.

مسجد الكنز: هذا المسجد كان شرقيّ الخندق و بحريّ قبر ذي النون المصريّ، و كان مسجدا صغيرا يعرف بالزمام، و مات قبل تمامه، فهدمه أبو طاهر محمد بن عليّ القرشيّ القرقوبيّ و وسعه و بناه، و حكي أنه لما هدمه رأى قائلا يقول في المنام: على أذرع من هذا المسجد كنز، فاستيقظ و قال: هذا من الشيطان، فرأى هذا القائل ثلاث مرّات، فلما أصبح أمر بحفر الموضع فإذا فيه قبر، و ظهر له لوح كبير تحته ميت في لحد كأعظم ما يكون من الناس جثة و رأسا، و أكفانه طرية لم يبل منها إلا ما يلي جمجمة الرأس، فإنه رأى شعر رأسه قد خرج من الكفن، و إذا له جمة، فراعه ما رأى و قال: هذا هو الكنز بلا شك، و أمر بإعادة اللوح و التراب كما كان، و أخرج القبر عن سائر الحيطان، و أبرزه للناس فصار يزار و يتبرّك به.

مسجد في غربيّ الخندق: أنشأه أبو الحسن بن النجار الزيات في سنة إحدى و أربعين و أربعمائة.

مسجد لؤلؤ الحاجب: بالقرافة الصغرى، بنى بجانبه مقبرة، و حفر عندها بئرا حتى انتهى الحفار إلى قرب الماء، فقال الحفار: إني أجد في البئر شيئا كأنه حجر. فقال له لؤلؤ تسبب في قلعه، فلما قلعه فار الماء و أخرجه، و إذا هو اسطام مركب، و هو الخشبة التي تبنى عليها السفينة، و هذا يصدّق ما قاله أرسطاطاليس في كتاب الآثار العلوية، قال: إن أهل مصر يسكنون فيما انحسر عنه البحر الأحمر، يعني بحر الشام، و قد ذكر خبر لؤلؤ هذا عند ذكر حمام لؤلؤ.

____________

(1) فقع الجلد المدبوغ: لونه بلون فاقع.

350

مقام المؤمن: قيل أنه مؤمن آل فرعون، لأنه أقام فيه، و هذا بعيد من الصحة.

قناطر ابن طولون و بئره: هذه القناطر قائمة إلى اليوم من بئر أحمد بن طولون التي عند بركة الحبش، و تعرف هذه البئر عندنا ببئر عفصة، و لا تزال هذه القناطر إلى أثناء القرافة الكبرى، و من هناك خفيت لتهدّمها، و هي من أعظم المباني.

قال القضاعيّ: قناطر أحمد بن طولون و بئره بظاهر المغافر، كان السبب في بنائها هذه القناطر أن أحمد بن طولون ركب فمرّ بمسجد الأقدام وحده، و تقدّم عسكره و قد كدّه العطش، و كان في المسجد خياط فقال: يا خياط أعندك ماء؟ فقال: نعم. فأخرج له كوزا فيه ماء و قال: اشرب و لا تمدّ، يعني لا تشرب كثيرا، فتبسم أحمد بن طولون و شرب فمدّ فيه حتى شرب أكثره، ثم ناوله إياه و قال: يا فتى سقيتنا و قلت لا تمدّ. فقال: نعم، أعزك اللّه، موضعنا ههنا منقطع، و إنما أخيط جمعتي حتى أجمع ثمن راوية. فقال هل:

و الماء عندكم ههنا معوز؟ فقال: نعم. فمضى أحمد بن طولون، فلما حصل في داره قال:

جيؤني بخياط في مسجد الأقدام. فما كان بأسرع من أن جاؤوا به، فلما رأه قال: سر مع المهندسين حتى يخطّوا عندك موضع سقاية و يجروا الماء، و هذه ألف دينار خذها، و ابتدأ في الأنفاق و أجرى على الخياط في كلّ شهر عشرة دنانير و قال له: بشرني ساعة يجري الماء فيها، فجدّوا في العمل، فلمّا جرى الماء أتاه مبشرا، فخلع عليه و حمله و اشترى له دارا يسكنها، و أجرى عليه الرزق السنيّ الدارّ، و كان قد أشير عليه بأن يجري الماء من عين أبي خليد المعروفة بالنعش. فقال: هذه العين لا تعرف أبدا إلّا بأبي خليد، و إني أريد أن أستنبط بئرا، فعدل عن العين إلى الشرق فاستنبط بئره هذه و بنى عليها القناطر، و أجرى الماء إلى الفسقية التي بقرب درب سالم.

و قال جامع السيرة الطولونية: و أما رغبته في أبواب الخير فكانت ظاهرة بينة واضحة، فمن ذلك بناء الجامع و البيمارستان، ثم العين التي بناها بالمغافر، و بناها بنية صحيحة و رغبة قوية حتى أنها ليس لها نظير، و لهذا اجتهد المادرانيون و أنفقوا الأموال الخطيرة ليحكوها، فأعجزهم ذلك لأنها وقعت في موضع جيرانه كلهم محتاجون إليها، و هي مفتوحة طول النهار لمن كشف وجهه للأخذ منها، و لمن كان له غلام أو جارية، و الليل للفقراء و المساكين، فهي حياة و معونة. و اتخذ لها مستغلا فيه فضل و كفاية لمصالحها، و الذي تولى لأحمد بن طولون بناء هذه العين رجل نصرانيّ حسن الهندسة حاذق بها، و إنه دخل إلى أحمد بن طولون في عشية من العشايا فقال له: إذا فرغت مما تحتاج إليه فأعلمني لنركب إليها فنراها، فقال: يركب الأمير إليها في غد، فقد فرغت، و تقدّم النصرانيّ فرأى موضعا بها يحتاج إلى قصرية جير و أربع طوبات، فبادر إلى عمل ذلك، و أقبل أحمد بن طولون يتأمّل العين فاستحسن جميع ما شاهده فيها، ثم أقبل إلى الموضع الذي فيه قصرية الجير

351

فوقف بالاتفاق عليها، فلرطوبة الجير غاصت يد الفرس فيه فكبا بأحمد، و لسوء ظنه قدّر أنّ ذلك لمكروه أراده به النصرانيّ، فأمر به فشق عنه ما عليه من الثياب و ضربه خمسمائة سوط، و أمر به إلى المطبق، و كان المسكين يتوقع من الجائزة مثل ذلك دنانير، فاتفق له اتفاق سوء. و انصرف أحمد بن طولون و أقام النصرانيّ إلى أن أراد أحمد بن طولون بناء الجامع، فقدّر له ثلاثمائة عمود فقيل له ما تجدها، أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف و الضياع الخراب، فتحمل ذلك. فأنكره و لم يختره، و تعذب قلبه بالفكر في أمره، و بلغ النصرانيّ و هو في المطبق الخبر، فكتب إليه: أنا أبنيه لك كما تحب و تختار بلا عمد إلّا عمودي القبلة، فأحضره و قد طال شعره حتى تدلى على وجهه، فبناه.

قال: و لما بنى أحمد بن طولون هذه السقاية بلغه أن قوما لا يستحلون شرب مائها، قال محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم الفقيه: كنت ليلة في داري إذ طرقت بخادم من خدّام أحمد بن طولون فقال لي: الأمير يدعوك، فركبت مذعورا مرعوبا، فعدل بي عن الطريق فقلت: أين تذهب بي، فقال: إلى الصحراء و الأمير فيها. فأيقنت بالهلاك و قلت للخادم:

اللّه اللّه فيّ، فإني شيخ كبير ضعيف مسنّ، فتدري ما يراد مني فارحمني. فقال لي: احذر أن يكون لك في السقاية قول. و سرت معه و إذا بالمشاعل في الصحراء و أحمد بن طولون راكب على باب السقاية و بين يديه الشمع، فنزلت و سلمت عليه فلم يردّ عليّ، فقلت: أيّها الأمير إنّ الرسول أعنتني و كدّني و قد عطشت فيأذن لي الأمير في الشرب، فأراد الغلمان أن يسقوني فقلت: أنا آخذ لنفسي، فاستقيت و هو يراني، و شربت و ازددت في الشرب حتى كدت أنشق ثم قلت: أيها الأمير سقاك اللّه من أنهار الجنة، فلقد أرويت و أغنيت، و لا أدري ما أصف أطيب الماء، في حلاوته و برده أم صفاءه أم طيب ريح السقاية، قال: فنظر إليّ و قال:

أريدك لأمر و ليس هذا وقته، فاصرفوه. فصرفت. فقال لي الخادم: أصبت. فقلت:

أحسن اللّه جزاءك، فلو لاك لهلكت. و كان مبلغ النفقة على هذه العين في بنائها و مستغلها أربعين ألف دينار، و أنشد أبو عمرو الكنديّ في كتاب الأمراء لسعيد القاص أبياتا في رثاء دولة بني طولون، منها في العين و السقاية:

و عين معين الشرب عين زكية* * * و عين أجاج للرّواة و للطهر

كأنّ وفود النيل في جنباتها* * * تروح و تغدو بين مدّ إلى جزر

فأرك بها مستنبطا لمعينها* * * من الأرض من بطن عميق إلى ظهر

بناء لو أنّ الجنّ جاءت بمثله‏* * * لقيل لقد جاءت بمستفظع نكر

يمرّ على أرض المغافر كلها* * * و شعبان و الأحمور و الحيّ من بشر

قبائل لا نوء السحاب يمدّها* * * و لا النيل يرويها و لا جدول يجري‏

و قال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة في كتاب الجوهر المكنون في ذكر

352

القبائل و البطون: سريع فخذ من الأشعريين، هم ولد سريع بن ماتع من بني الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، و هم رهط أبي قبيل التابعيّ، الذي خطته اليوم الكوم، شرقيّ قناطر سقاية أحمد بن طولون، المعروفة بعفصة الكبيرة بالقرافة.

الخندق: هذا الخندق كان بقرافة مصر، قد دثر، و على شفيره الغربيّ قبر الإمام الشافعيّ رضي اللّه عنه، و كان من النيل إلى الجبل، حفر مرّتين، مرّة في زمن مروان بن الحكم، و مرّة في خلافة الأمين محمد بن هارون الرشيد. ثم حفره أيضا القائد جوهر. قال القضاعيّ: الخندق هو الخندق الذي في شرقيّ الفسطاط في المقابر، كان الذي أثار حفره مسير مروان بن الحكم إلى مصر، و ذلك في سنة خمس و ستين، و على مصر يومئذ عبد الرحمن بن عقبة بن جحدم الفهريّ، من قبل عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه. فلما بلغه مسير مروان إلى مصر أعدّ و استعدّ و شاور الجند في أمره، فأشاروا عليه بحفر الخندق، و الذي أشار به عليه ربيعة بن حبيش الصدفيّ، فأمر ابن جحدم بإحضار المحاريث من الكور لحفر الخندق على الفسطاط، فلم تبق قرية من قرى مصر إلا حضر من أهلها النفر، و كان ابتداء حفره غرّة المحرّم سنة خمس و ستين، فما كان شي‏ء أسرع من فراغهم منه، حفروه في شهر واحد. و كانت الحرب من ورائه يغدون إليها و يروحون، فسميت تلك الأيام أيام الخندق و التراويح، لرواحهم إلى القتال، و كانت المغافر أكثر قبائل أهل مصر عددا، كانوا عشرين ألفا، و نزل مروان عين شمس لعشر خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس و ستين، في اثني عشر ألفا، و قيل في عشرين ألفا، فخرج أهل مصر إلى مروان فحاربوه يوما واحدا بعين شمس، ثم تحاجزوا و رجع أهل مصر إلى خندقهم فتحصنوا به، و صحبتهم جيوش مروان على باب الخندق، فاصطف أهل مصر على الخندق، فكانوا يخرجون إلى أصحاب مروان فيقاتلونهم نوبا نوبا، و أقاموا على ذلك عشرة أيام و مروان مقيم بعين شمس، و كتب مروان إلى شيعته من أهل مصر، كريب بن أبرهة بن الصباح الحميريّ، و زياد بن حناطة التجيبيّ، و عابس بن سعيد المراديّ يقول: إنكم ضمنتم لي ضمانا لم تقوموا به، و قد طالت الأيام و الممانعة، فقام كريب و زياد و عابس إلى ابن جحدم فقالوا له: أيّها الأمير إنه لا قوام لنا بما ترى، و قد رأينا أن نسعى في الصلح بينك و بين مروان و قد مل الناس الحرب و كرهوها، و قد خفنا أن يسلمك الناس إلى مروان فيكون محكما فيك، فقال: و من لي بذلك؟ فقال كريب:

أنا لك به، فسعى كريب و صاحبناه في الصلح على أمان كتبه مروان لأهل مصر و غيرهم ممن شرب ماء النيل، و على أن يسلم لابن جحدم من بيت المال عشرة آلاف دينار، و ثلاثمائة ثوب بقطرية، و مائة ريطة، و عشرة أفراس، و عشرين بغلا، و خمسين بعيرا. فتم الصلح على ذلك، و دخل مروان الفسطاط مستهل جمادى الأولى سنة خمس و ستين، فنزل دار الفلفل و دفع إلى ابن جحدم جميع ما صالحه عليه، و سار ابن جحدم إلى الحجاز و لم يلق كلّ واحد