المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية - ج4

- أحمد بن علي المقريزي المزيد...
454 /
353

منهما الآخر، و تفرّق المصريون و أخذوا في دفن قتلاهم و البكاء عليهم، فسمع مروان البكاء فقال: ما هذه النوادب؟ فقيل: على القتلى. قال: لا أسمع نائحة تنوح إلّا أحللت بمن هي في داره العقوبة. فسكتن عند ذلك و دفن أهل مصر قتلاهم فيما بين الخندق و المقطم، و هي المقابر التي يسميها المصريون مقابر الشهداء، و دفن أهل الشام قتلاهم فيما بين الخندق و منية الأصبغ، و كان قتلى أهل مصر ما بين الستمائة إلى السبعمائة، و قتلى أهل الشام نحو الثلاثمائة، و لما برز مروان من الفسطاط سائرا إلى الشام، سمع وجبة النساء يندبن قتلاهنّ، قال: ويحهن ما هذا؟ قالوا: النساء على مقابرهنّ يندبن قتلاهنّ، فعرّج عليهنّ، فأمر بالانصراف. قالوا: كذا هنّ كلّ يوم. قال: فامنعوهنّ إلّا من سبب، و خرج مروان من مصر إلى الشام لهلال رجب سنة خمس و ستين، و كان مقامه بالفسطاط شهرين، و استخلف ابنه عبد العزيز على مصر، و ضم إليه بشر بن مروان، و كان حدثا، ثم ولي عبد الملك بشرا بعد ذلك البصرة، قال: ثم دثر هذا الخندق إلى أيام خلع الأمين بمصر و بيعة المأمون، و ولى البلد عباد بن محمد بن حبان مولى كندة من قبل المأمون، فكتب الأمين بمصر إلى أهل الحوفين في القيام ببيعته و قتال: عباد و أهل مصر. فتجمع أهل الحوف لذلك و استعدّوا، و بلغ أهل مصر فأشاروا على عباد بحفر الخندق، فحفروا خندقا من النيل إلى الجبل و احتفروا هذا الخندق العتيق، فكان القتال عليه أياما متفرّقة إلى أن قتل الأمين و تمت بيعة المأمون، ثم لم يحفر بعد ذلك إلى يومنا هذا.

و ذكر ابن زولاق أن القائد جوهرا لما اختط القاهرة و كثر الإرجاف بمسير القرامطة إلى مصر، حفر خندق السريّ بن الحكم بباب مدينة مصر، و عمل عليه بابا في ذي القعدة سنة ستين و ثلاثمائة، و حفر خندقا في وسط مقبرة مصر، و هو الخندق الذي حفره ابن جحدم، ابتدأ حفره من بركة الحبش حتى وصله بخندق عبد الرحمن بن جحدم، حتى بلغ به قبر محمد بن إدريس الشافعيّ، ثم حفر من الجبل إلى أن وصل الخندق ابن جحدم وسط المقابر، و بدأ به يوم السبت التاسع من شوّال سنة إحدى و ستين و ثلاثمائة، و فرغ منه في مدّة يسيرة.

القباب السبع: هذه القباب بآخر القرافة الكبرى مما يلي مدينة مصر. قال ابن سعيد في كتاب المغرب: و القباب السبع المشهورة بظاهر الفسطاط، هي مشاهد على سبعة من بني المغربيّ قتلهم الخليفة الحاكم بعد فرار الوزير أبي القاسم الحسين بن عليّ بن المغربيّ إلى أبي الفتوح حسن بن جعفر بمكة، و في ذلك يقول أبو القاسم بن المغربيّ:

إذا شئت أن ترنو إلى الطّف باكيا* * * فدونك فانظر، نحو أرض المقطّم‏

تجد من رجال المغربيّ عصابة* * * مضمّخة الأجسام من حلل الدّم‏

فكم تركوا محراب آي معطّل‏* * * و كم تركوا من سورة لم تختم‏

354

و قد ذكرت أخبار بني المغربيّ عند ذكر بساتين الوزير من بركة الحبش، و يتعلق بهذا الموضع من خبرهم أن أبا الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ بن محمد بن المغربيّ، لما خرج من بغداد و صار إلى مصر في أيام العزيز بالله بن المعز لدين اللّه في سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة رتب له في كلّ سنة ستة آلاف دينار، و صار من شيوخ الدولة. فقال يوما لمؤدّب ولده أبي القاسم حسين، و هو عليّ بن منصور بن طالب، المعروف بأبي الحسن دوخلة بن القادح سرّا: أنا أخاف همة ابني أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا مورد الأصدر عنه، فإن كانت الأنفاس مما تحفظ و تكتب فاكتبها و احفظها و طالعني بها. فقال أبو القاسم في بعض الأيام لمؤدّبه هذا: إلى متى نرضى بالخمول الذي نحن فيه؟ فقال له: و أيّ خمول هذا، تأخذون من مولانا في كل سنة ستة آلاف دينار، و أبوكم من شيوخ الدولة؟ فقال: أريد أن تصار إلى أبوابنا الكتائب و المواكب و المقانب، و لا أرضى بأن يجرى علينا كالولدان و النسوان، فأعاد ذلك على أبيه فقال: ما أخوفني أن يخضب أن أبو القاسم هذه من هذه، و قبض على لحيته و هامته، و علم ذلك أبو القاسم فصارت بينه و بين مؤدّبه وحشة، و كان ذلك في خلافة الحاكم بأمر اللّه منصور بن العزيز، و تحدّث القائد أبي عبد اللّه الحسين بن جوهر، و كان الحاكم قد أكثر من قتل رؤساء دولته، و صار يبعث إلى القائد كلما قتل رئيسا برأسه و يقول: هذا عدوّي و عدوّك، فقبض على أبي الحسن عليّ بن الحسين المغربيّ والد الوزير أبي القاسم الحسين، و على أخيه أبي عبد اللّه محمد بن الحسين، و على محسن و محمد أخوي الوزير المذكور، لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربعمائة، و فرّ الوزير أبو القاسم الحسين بن المغربيّ من مصر في زيّ حمّال، لليال من ذي القعدة، و لحق بحسان بن الجرّاح، و كان من أمره ما كان.

ذكر الأحواض و الآبار التي بالقرافة

حوض القرافة: أمر ببنائه السيدة ست الملك، عمّة الحاكم بأمر اللّه، ابنة المعز لدين اللّه، في شعبان سنة ست و ستين و ثلاثمائة و اختلّ في أيام العادل أبي الحسن بن السلار وزير مصر في سنة ست و أربعين و خمسمائة، فأمر بعمارته، ثم انشق في سنة ثمانين و خمسمائة، فجدّده القاضي السعيد ثقة الثقات ذو الرّياستين، أبو الحسن عليّ بن عثمان بن يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن أحمد بن يعقوب بن مسلم بن منبه، أحد بني عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم المخزوميّ، صاحب النظر في ديوان مصر، و مصنف كتاب المنهاج في أحكام الخراج. و هو كتاب جليل الفائدة، و لم تزل آثار هذا القاضي حميدة و مقاصده سديدة، و عنده نخوة قرشية، و مروءة و عصبية، و هو و إن طاب أصولا، فقد زكا فروعا، و إن تفرّقت في سواه فضائل فقد جمعها اللّه فيه جميعا، و لم يزل مذ كان يسعى في الأمانة على صراط مستقيم، آخذا بقوله تعالى أخبارا عن‏

355

الكريم ابن الكريم اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم.

الحوض بجوار قصر القرافة: في ظهر الحمّام العزيزي بحضرة فرن القرافة، أمرت ببنائه أمّ الخليفة الظاهر لإعزاز دين اللّه، و اسمها السيدة رصد، على يد وكيلها الشريف المحدّث أبي إبراهيم أحمد بن القاسم بن الميمون بن حمزة الحسينيّ العبدليّ شيخ الفرّاء، و ابن الخطاب و الفلكيّ.

حوض بحضرة الأشعوب: و هو قصر بني عقيب.

حوض في داخل قصر أبي المعلوم: مجاور للبئر الكبيرة ذات الدواليب، بناه المحتسب الفارسيّ مع عمارة البئر و الميضأة في أيام السيدة أمّ العزيز، و يقال أن الحوض و البئر من بناء المادرانيّ، و إنما جدّدته عمة الحاكم.

حوض: بقصر بني كعب و بجانبه بئر، أنشأه الحاجب لؤلؤ، و هو من حقوق قصر بني كعب، و قد خربت هذه الأحواض و دثرت.

ذكر الآبار التي ببركة الحبش و القرافة

بئر أبي سلامة: و تعرف ببئر الغنم، و هي قبليّ النوبية، و موضعها أحسن موضع في البركة، و هي التي عنى أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بقوله:

للّه يومي ببركة الحبش‏* * * و الأفق بين الضياء و الغبش‏

و النيل تحت الرياح مضطرب‏* * * كصارم في يمين مرتعش‏

و نحن في روضة مفوّفة (1)* * * دبج بالنور عطفها و وشي‏

قد نسجتها يد الغمام لنا* * * فنحن من نسجها على فرش‏

و أثقل الناس كلهم رجل‏* * * دعاه داعي الهوى فلم يطش‏

فعاطني الراح إنّ تاركها* * * من سورة الهمّ غير منتعش‏

و اسقني بالكبار مترعة* * * فهنّ أشفى لشدّة العطش‏

بئر غربيّ دير مرحنا و بستان العبيديّ: و دير مرحنا يعرف اليوم في زماننا بدير الطين، و هو عامر بالنصارى.

بئر الدرج: شرقيّ بساتين الوزير، لها درج ينزل به إليها، عملها الحاكم بأمر اللّه، و شرقيها قبور النصارى، و بعدهم إلى جهة الجبل قبور اليهود، و البستان المجاور لعفصة الصغرى أوّل بركة الحبش على لسان الجبل الخارج إلى البركة، مجاورة لبئر النعش و بئر السقايين، و هي المعروفة ببئر أبي موسى خليد، و قد صار هذا البستان إلى المهذب بن الوزير.

____________

(1) مفوّفة: موشّاة.

356

بئر الزقاق: شرقيّ بئر عفصة الصغرى، و الزقاق معروف إذ ذاك في الجبل، و في أوّله بئر مربعة كان يسقى منها البقر و الغنم.

ذكر السبعة التي تزار بالقرافة

اعلم أن زيارة القرافة كانت أوّلا يوم الأربعاء، ثم صارت ليلة الجمعة، و أمّا زيارة يوم السبت فقيل إنها قديمة، و قيل متأخرة، و أوّل من زار يوم الأربعاء و ابتدأ بالزيارة من مشهد السيدة نفيسة، الشيخ الصالح أبو محمد عبد اللّه بن رافع بن يزحم بن رافع السارعيّ الشافعيّ المغافريّ الزوّار، المعروف بعابد، و مولده سنة إحدى و ستين و خمسمائة، و وفاته بالهلالية خارج باب زويلة، في ليلة الثاني و العشرين من شعبان سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة. و دفن بسفح المقطم على تربة بني نهار، بحريّ تربة الردينيّ. و أوّل من زار ليلة الجمعة، الشيخ الصالح المقري أبو الحسن عليّ بن أحمد بن جوشن المعروف بابن الجباس، والد شرف الدين محمد بن عليّ بن أحمد بن الجباس، فجمع الناس و زار بهم في ليلة الجمعة في كلّ أسبوع، و زار معه في بعض الليالي السلطان الملك الكامل ناصر الدين أبو المعالي محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، و مشى معه أكابر العلماء. و كان سبب تجرّد أبي الحسن بن الجباس و انقطاعه إلى اللّه تعالى، أنه دولب مطبخ سكّر شركة رجل، فوقف عليهما مال للديوان، فسجنا بالقصر، فقرأ ابن الجباس في بعض الليالي سورة الرعد، فسمعه السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، فقام حتى وقف عليه و سأله عن خبره، فأعلمه بأنه سجن على مبلغ كذا، فأمر بالإفراج عنه، فأبى إلّا أن يفرج عن رفيقه أيضا، فأفرج عنهما جميعا.

و اتفق أنه مرّ في بعض ليالي الزيارة بزاوية الفخر الفارسيّ، فخرج و قال له: ما هذه البدعة؟

في غد أبطلها. ثم دخل الزاوية و خرج بعد ساعة و أمر بردّ ابن الجباس، فلما جاءه قال: دم على ما أنت عليه، فإني رأيت الساعة قوما فقالوا: هل تعطينا ما يعطينا ابن الجباس في ليالي الجمع؟ فعلمت أن ذلك هو الدعاء و القراءة. و أمّا زيارة يوم السبت، فقد تقدّم أنه اختلف فيها، و حكى الموفق بن عثمان عن القضاعيّ أنه كان يحث على زيارة سبعة قبور، و أن رجلا شكا إليه ضيق حاله. و الدين. فقال له: عليك بزيارة سبعة قبور. أوّلهم: الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمد بن سهل بن الصائغ الدينوريّ، و توفي ليلة الثلاثاء، لثلاث عشرة بقيت من شهر رجب سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة. و الثاني: عبد الصمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم البغداديّ، صاحب الخلفاء، و توفي سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة.

و الثالث: أبو إبراهيم إسماعيل بن ... (1) المزنيّ، و توفي سنة أربع و ستين و مائتين.

و الرابع: القاضي بكار بن قتيبة، و توفي سنة سبعين و مائتين. و الخامس: القاضي‏

____________

(1) بياض في الأصل.

357

المفضل بن فضالة، و توفي سنة اثنتين و خمسين و مائتين. و السادس: القاضي أبو بكر عبد الملك بن الحسن القمنيّ، و توفي في ذي الحجة سنة اثنتين و ثلاثين و أربعمائة. و السابع:

أبو الفيض ذو النون ثوبان بن إبراهيم المصريّ، و توفي سنة خمس و أربعين و مائتين.

و كانوا أوّلا يزورون بعد صلاة الصبح و هم مشاة على أقدامهم إلى أن كانت أيام شيخ الزوّار محمد العجميّ السعوديّ، فزار راكبا في يوم السبت بعد طلوع الشمس، لأنّ رجليه كانتا معوجتين لا يستطيع المشي عليهما، و ذلك في أواخر سنة ثمانمائة، و توفي في عاشر شهر رمضان سنة تسع و ثمانمائة. فجاء بعده الزائر شمس الدين محمد بن عيسى المرجوشيّ السعوديّ، و محيي الدين عبد القادر بن علاء الدين محمد بن علم الدين بن عبد الرحمن الشهير بابن عثمان، ففعلا ذلك، و مات ابن عثمان في سابع شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة و ثمانمائة، فاستمرّت الزيارة على ذلك.

و قد حكى صاحب كتاب محاسن الأبرار و مجالس الأخيار سبعة غير من ذكرنا و سماهم المحققين و هم: صلة بن مؤمّل، و أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن عليّ بن جعفر الخوارزميّ، و سالم العفيف، و أبو الفضل بن الجوهريّ، و أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن الحسين، عرف بالبزار، و أبو الحسن عليّ، عرف بطير الوحش، و أبو الحسن عليّ بن صالح الأندلسيّ الكحال، و ذكر أيضا سبعة أخر و هم: عقبة بن عامر الجهنيّ، و الإمام أبو عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعيّ، و أبو بكر الدقاق، و أبو إبراهيم إسماعيل المزنيّ، و أبو العباس أحمد الجزار، و الفقيه ابن دحية، و الفقيه ابن فارس اللخميّ، و زيارتهم يوم الجمعة بعد صلاة الصبح، و العمل عليها في الزيارة الآن، إلّا أنهم يجتمعون طوائف، لكلّ طائفة شيخ، و يقيمون مناور كبارا و صغارا و يخرجون في ليالي الجمع و في كلّ سبت بكرة النهار، و في كلّ يوم أربعاء بعد الظهر، و هم يذكرون اللّه، فيزورون. و يجتمع معهم من الرجال و النساء خلائق لا تحصى، و منهم من يعمل ميعاد وعظ، و يقال لشيخ كل طائفة الشيخ الزائر، فتمرّ لهم في الزيارة أمور منها ما يستحسن و منها ما ينكر، و لكلّ عبد ما نوى.

فمن أشهر مزارات القرافة:

قبر الإمام أبي عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعيّ.

رحمة اللّه و رضوانه عليه، و توفي يوم الجمعة آخر يوم من شهر رجب، سنة أربع و مائتين بفسطاط مصر، و حمل على الأعناق حتى دفن في مقبرة بني زهرة، أولاد عبد اللّه بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ رضي اللّه عنه، و عرفت أيضا بتربة أولاد ابن عبد الحكم. قال القضاعيّ: و قد جرّب الناس خير هذه التربة المباركة و القبر المبارك، و ينقل عن المزنيّ أنه قال فيه:

سقى اللّه هذا القبر من وبل مزنه‏* * * من العفو ما يغنيه عن طلل المزن‏

358

لقد كان كفؤا للعداة و معقلا* * * و ركنا لهذا الدين بل أيّما ركن‏

هكذا وقفت عليه، ثم رأيت بعد ذلك أن المزنيّ، رحمه اللّه، لما دفن مرّ رجل على قبره و إذا بهاتف يقول: فذكر البيتين. و قال آخر:

للّه درّ الثرى كم ضمّ من كرم‏* * * بالشافعيّ حليف العلم و الأثر

يا جوهر الجوهر المكنون من مضر* * * و من قريش و من ساداتها الأخر

لما توليت ولّى العلم مكتئبا* * * و ضرّ موتك أهل البدو و الحضر

و لآخر:

أكرم به رجلا ما مثله رجل‏* * * مشارك لرسول اللّه في نسبه‏

أضحى بمصر دفينا في مقطمها* * * نعم المقطّم و المدفون في تربة

و مناقب الشافعيّ رحمه اللّه كثيرة، قد صنف الأئمة فيها عدّة مصنفات، و له في تاريخي الكبير المقفى ترجمة كبيرة، و من أبدع ما حكي من مناقبه: أنّ الوزير نظام الملك أبا عليّ الحسن بن عليّ بن إسحاق، لما بنى المدرسة النظامية ببغداد في سنة أربع و سبعين و أربعمائة، أحب أن ينقل الإمام الشافعيّ من مقبرته بمصر إلى مدرسته، و كتب إلى أمير الجيوش بدر الجماليّ وزير الإمام المستنصر بالله معدّ يسأله في ذلك، و جهز له هدية جليلة، فركب أمير الجيوش في موكبه و معه أعيان الدولة و وجوه المصريين من العلماء و غيرهم، و قد اجتمع الناس لرؤيته، فلما نبش القبر شق ذلك على الناس، و ماجوا و كثر اللغط و ارتفعت الأصوات و هموا برجم أمير الجيوش و الثورة به، فسكّتهم و بعث يعلم الخليفة أمير المؤمنين المستنصر بصورة الحال، فأعاد جوابه بإمضاء ما أراد نظام الملك، فقري‏ء كتابه بذلك على الناس عند القبر و طردت العامّة و الغوغاء من حوله، و وقع الحفر حتى انتهوا إلى اللحد، فعندما أرادوا قلع ما عليه من اللبن خرج من اللحد رائحة عطرة أسكرت من حضر فوق القبر حتى وقعوا صرعى، فما أفاقوا إلّا بعد ساعة، فاستغفروا مما كان منهم و أعادوا ردم القبر كما كان و انصرفوا، و كان يوما من الأيام المذكورة، و تزاحم الناس على قبر الشافعيّ يزورونه مدّة أربعين يوما بلياليها، حتى كان من شدّة الازدحام لا يتوصل إليه إلّا بعناء و مشقة زائدة، و كتب أمير الجيوش محضرا بما وقع و بعث به و بهدية عظيمة مع كتابه إلى نظام الملك، فقرى‏ء هذا المحضر و الكتاب بالنظامية ببغداد، و قد اجتمع العالم على اختلاف طبقاتهم لسماع ذلك، فكان يوما مشهودا ببغداد، و كتب نظام الملك إلى عامّة بلدان المشرق من حدود الفرات إلى ما وراء النهر بذلك، و بعث مع كتبه بالمحضر و كتاب أمير الجيوش، فقرئت في تلك الممالك بأسرها، فزاد قدر الإمام الشافعيّ عند كافة أهل الأقطار، و عامّة جميع أهل الأمصار بذلك.

359

و قد أوردت في كتاب إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء و الأحوال و الحفدة و المتاع (صلى اللّه عليه و سلم)، نظير هذه الواقعة، وقع لضريح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لم يزل قبر الشافعيّ يزار و يتبرّك به إلى أن كان يوم الأحد لسبع خلت من جمادى الأولى سنة ثمان و ستمائة، فانتهى بناء هذه القبة التي على ضريحه، و قد أنشأها الملك الكامل المظفر المنصور أبو المعالي ناصر الدين محمد ظهير أمير المؤمنين ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، و بلغت النفقة عليها خمسين ألف دينار مصرية، و أخرج في وقت بنائها بعظام كثيرة من مقابر كانت هناك، و دفنت في موضع من القرافة، و بهذه القبة أيضا قبر السلطان الملك العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، و قبر أمّه شمسة، و قيل فيها عدّة أشعار، منها قول الأديب الكاتب ضياء الدين أبي الفتح موسى بن ملهم:

مررت على قبّة الشافعيّ‏* * * فعاين طرفي عليها العشاري‏

فقلت لصحبي لا تعجبوا* * * فإنّ المراكب فوق البحار

و قال علاء الدين أبو عليّ عثمان بن إبراهيم النابلسي:

لقد أصبح الشافعيّ الإما* * * م فينا له مذهب مذهب‏

و لو لم يكن بحر علم لما* * * غدا و على قبره مركب‏

و قال آخر:

أتيت لقبر الشافعيّ أزوره‏* * * تعرّضنا فلك و ما عنده بحر

فقلت تعالى اللّه تلك إشارة* * * تشير بأنّ البحر قد ضمّه القبر

و قال شرف الدين أبو عبد اللّه محمد بن سعيد بن حماد البوصيريّ صاحب البردة:

بقبة قبر الشافعيّ سفينة* * * رست في بناء محكم فوق جلمود

و مذ غاض طوفان العلوم بقبره استوى الفلك من ذاك الضريح على الجودي و منها

قبر الإمام الليث بن سعد: رحمه اللّه، قد اشتهر قبره عند المتأخرين، و أوّل ما عرفته من خبر هذا القبر أنه وجدت مصطبة في آخر قباب الصدف، و كانت قباب الصدف أربعمائة قبة فيما يقال، عليها مكتوب الإمام الفقيه الزاهد العالم الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث المصريّ مفتى أهل مصر، كما ذكر في كتاب هادي الراغبين في زيارة قبور الصالحين، لأبي محمد عبد الكريم بن عبد اللّه بن عبد الكريم بن عليّ بن محمد بن عليّ بن طلحة، و في كتاب مرشد الزوّار للموفق ابن عثمان. و ذكر الشيخ محمد الأزهريّ في كتابه في الزيارة: أن أوّل من بنى عليه و حيز كبير التجار أبو زيد المصريّ، بعد

360

سنة أربعين و ستمائة، و لم يزل البناء يتزايد إلى أن جدّد الحاج سيف الدين المقدّم عليه قبته في أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون، قبيل سنة ثمانين و سبعمائة، ثم جدّدت في أيام الناصر فرج بن الظاهر برقوق، على يد الشيخ أبي الخير محمد ابن الشيخ سليمان المادح، في محرّم سنة إحدى عشرة و ثمانمائة. ثم جدّدت في سنة اثنتين و ثلاثين و ثمانمائة على يد امرأة قدمت من دمشق في أيام المؤيد شيخ، عرفت بمرحبا بنت إبراهيم بن عبد الرحمن، أخت عبد الباسط. و كان لها معروف و برّ، توفيت في تاسع عشري ذي القعدة سنة أربعين و ثمانمائة، و يجتمع بهذ القبة في لية كلّ سبت جماعة من القرّاء، فيتلون القرآن الكريم تلاوة حسنة حتى يختسموا ختمة كاملة عند السحر، و يقصد المبيت عندهم للتبرّك بقراءة القرآن عدّة من الناس، ثم تفاحش الجمع، و أقبل النساء و الأحداث و الغوغاء، فصار أمرا منكرا، لا ينصتون لقراءة و لا يتعظون بمواعظ، بل يحدث منهم على القبور ما لا يجوز. ثم زادوا في التعدّي حتى حفروا ما هنالك خارج القبة من القبور، و بنوا مباني اتخذوها مراحيض و سقايات ماء، و يزعم من لا علم عنده أن هذه القراءة في كل ليلة سبت عند قبر الليث بزعمهم قديمة من عهد الإمام الشافعيّ، و ليس ذلك بصحيح، و إنما حدثت بعد السبعمائة من سني الهجرة، بمنام ذكر بعضهم أنه رآه، و كانوا إذ ذاك يجتمعون للقراءة عند قبر أبي بكر الأدفويّ.

ذكر المقابر خارج باب النصر

اعلم أن المقابر التي هي الآن خارج باب النصر، إنما حدثت بعد سنة ثمانين و أربعمائة، و أوّل تربة بنيت هناك تربة أمير الجيوش بدر الجماليّ لما مات و دفن فيها، و كان خطها يعرف برأس الطابية، قال الشريف أمين الدولة أبو جعفر محمد بن هبة اللّه العلويّ الأفطسيّ، و قد مرّ بتربة الأفضل:

أجرى دما أجفانيه‏* * * جدث برأس الطابيه‏

صدع الزمان صفاتيه‏* * * ............ (1)

بال و ما بليت أيا* * * ديه عليّ الباقيه‏

و يخارج باب النصر في أوائل المقابر قبر زينب بنت أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن جعفر ابن الحنفية، يزار و تسميه العامّة مشهد الست زينب، ثم تتابع دفن الناس موتاهم في الجهة التي هي اليوم من بحري مصلّى الأموات إلى نحو الريدانية، و كان ما في شرقيّ هذه المقبرة إلى الجبل براحا واسعا يعرف بميدان القبق، و ميدان العيد، و الميدان الأسود، و هو ما بين قلعة الجبل إلى قبة النصر تحت الجبل الأحمر. فلما كان بعد سنة عشرين و سبعمائة،

____________

(1) بياض في الأصل.

361

ترك الملك الناصر محمد بن قلاون النزول إلى هذا الميدان و هجره، فأوّل من ابتدأ فيه بالعمارة الأمير شمس الدين قراسنقر، فاختط تربته التي تجاور اليوم تربة الصوفية، و بنى حوض ماء للسبيل، و جعل فوقه مسجدا، و هذا الحوض بجوار باب تربة الصوفية، أدركته عامرا هو و ما فوقه، و قد تهدّم و بقيت منه بقية. ثم عمر بعده نظام الدين آدم أخو الأمير سيف الدين سلار، تجاه تربة قراسنقر مدفنا و حوض ماء للسبيل و مسجدا معلقا، و تتابع الأمراء و الأجناد و سكان الحسينية في عمارة الترب هناك، حتى انسدّت طريق الميدان، و عمروا الجوّانية أيضا، و أخذ صوفية الخانقاه الصلاحية لسعيد السعداء قطعة قدر فدّانين، و أداروا عليها سورا من حجر، و جعلوها مقبرة لمن يموت منهم، و هي باقية إلى يومنا هذا، و قد وسعوا فيها بعد سنة تسعين و سبعمائة بقطعة من تربة قراسنقر، و ما برح الناس يقصدون تربة الصوفية هذه لزيارة من فيها من الأموات، و يرغبون في الدفن بها، إلى أن تولى مشيخة الخانقاه الشيخ شمس الدين محمد البلاليّ، فسمح لكلّ أحد أن يقبر ميته بها على مال يأخذه منه، فقبر بها كثير من أعوان الظلمة، و من لم يشكر طريقته، فصارت مجمع نسوان، و مجلس لعب.

و عمر أيضا بجوار تربة الصوفية الأمير مسعود بن خطير تربة، و عمل لها منارة من حجارة لا نظير لها في هيئتها، و هي باقية. و عمر أيضا مجد الدين السلاميّ تربة، و عمر الأمير سيف الدين كوكاي تربة، و عمر الأمير طاجاي الدوادار على رأس القبق مقابل قبة النصر تربة، و عمر الأمير سيف الدين طشتمر الساقي على الطريق تربة، و بنى الأمراء إلى جانبه عدّة ترب، و بنى الطواشي محسن البهاء تربة عظيمة، و بنت خوند طغاي تربة تجاه تربة طشتمر الساقي، و جعلت لها وقفا. و بنى الأمير طغاي تمر النجميّ الدوادار تربة، و جعلها خانقاه، و أنشأ بجوارها حمّاما و حوانيت، و أسكنها للصوفية و القرّاء، و بنى الأمير منكلي بغا الفخريّ تربة، و الأمير طشتمر طلليه تربة، و الأمير أرنان تربة، و بنى كثير من الأمراء و غيرهم الترب، حتى اتصلت العمارة من ميدان القبق إلى تربة الروضة خارج باب البرقية. و ما مات الملك الناصر حتى بطل من الميدان السباق بالخيل، و منعت طريقه من كثرة العمائر، و أدركت بعد سنة ثمانين و سبعمائة عدّة عواميد من رخام منصوبة يقال لها عواميد السباق، فيما بين قبة النصر و قريب من القلعة.

و أوّل من عمر في البراح الذي كان فيه عواميد السباق، الأمير يونس الدوادار، في أيام الملك الظاهر، تربته الموجودة هناك. ثم عمر الأمير فجماس ابن عمّ الملك الظاهر برقوق تربة بجانب تربة يونس، و أحيط على قطعة كبيرة حائط، و قبر فيها من مات من مماليك السلطان، و قبر فيها الشيخ علاء الدين السيراميّ شيخ الخانقاه. الظاهرية، و الشيخ المعتقد طلحة، و الشيخ المعتقد أبو بكر البجائي. فلما مرض الملك الظاهر برقوف أوصى أن يدفن تحت أرجل هؤلاء الفقراء. و أن يبنى على قبره تربة، فدفن حيث أوصى، و أخذت قطعة

362

مساحتها عشرة آلاف ذراع و جعلت خانقاه، و جعل فيها قبة على قبر السلطان و قبور الفقراء المذكورين، و تجدّد من حينئذ هناك عدّة ترب جليلة، حتى صار الميدان شوارع و أزقة، و نقل الملك الناصر فرج بن برقوق سوق الجمال و سوق الحمير من تحت القلعة إلى تجاه التربة التي عمرها على قبر أبيه، فاستمرّ ذلك أياما في سنة أربع عشرة و ثمانمائة، ثم أعيدت الأسواق إلى مكانها، و كان قصده أن يبني هناك خانا كبيرا ينزل فيه المسافرون، و يجعل بجانبه سوقا، و بنى طاحونا و حمّاما و فرنا لتعمر تلك الجهة بالناس، فمات قبل بناء الخان، و خلت الحمّام و الطاحون و الفرن بعد قتله.

ذكر كنائس اليهود

قال اللّه عز و جل: لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ وَ مَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج/ 40] قال المفسرون: الصوامع للصابئين، و البيع للنصارى، و الصلوات كنائس اليهود، و المساجد للمسلمين. قاله ابن قتيبة: و الكنيس كلمة عبرانية معناها بالعربية الموضع الذي يجتمع فيه للصلاة، و لهم بديار مصر عدة كنائس، منها كنيسة دموة بالجيزة، و كنيسة جوجر من القرى الغربية، و بمصر الفسطاط كنيسة بخط المصاصة في درب الكرمة، و كنيستان بخط قصر الشمع، و بالقاهرة كنيسة بالجودرية، و في حارة زويلة خمس كنائس.

كنيسة دموه: هذه الكنيسة أعظم مبعد لليهود بأرض مصر، فإنهم لا يختلفون في أنها الموضع الذي كان يأوى إليه موسى بن عمران (صلوات اللّه عليه)، حين كان يبلغ رسالات اللّه عز و جلّ إلى فرعون مدّة مقامة بمصر، منذ قدم من مدين إلى أن خرج ببني إسرائيل من مصر. و يزعم يهود أنها بنيت هذا البناء الموجود بعد خراب بيت المقدس الخراب الثاني على يد طيطش ببعض و أربعين سنة، و ذلك قبل ظهور الملة الإسلامية بما ينيف على خمسمائة سنة، و بهذه الكنيسة شجرة زيزلخت في غاية الكبر لا يشكون في أنها من زمن موسى (عليه السلام)، و يقولون أنّ موسى (عليه السلام) غرس عصاه في موضعها فأنبت اللّه هناك هذه الشجرة، و أنها لم تزل ذات أغصان نضرة، و ساق صاعد في السماء، مع حسن استواء، و ثخن في استقامة، إلى أن أنشأ الملك الأشرف شعبان بن حسين مدرسته تحت القلعة، فذكر له حسن هذه الشجرة، فتقدّم بقطعها لينتفع بها في العمارة، فمضوا إلى ما أمروا به من ذلك، فأصبحت و قد تكوّرت و تعقفت و صارت شنيعة المنظر فتركوها، و استمرّت كذلك مدّة، فاتفق أن زني يهودي بيهودية تحتها، فتهدّلت أغصانها و تحاتّ ورقها و جفت حتى لم يبق بها ورقة خضراء، و هي باقية كذلك إلى يومنا هذا و لهذه الكنيسة عيد يرحل اليهود

363

بأهاليهم إليها في عيد الخطاب، و هو في شهر سيوان، و يجعلون ذلك بدل حجهم إلى القدس، و قد كان لموسى (عليه السلام) أنباء قد قصها اللّه تعالى في القرآن الكريم و في التوراة، و روى أهل الكتاب و علماء الأخبار من المسلمين كثيرا منها، و سأقص عليك في هذا الموضع منها ما فيه كفاية، إذ كان ذلك من شرط هذا الكتاب.

موسى بن عمران: و في التوراة عمرام بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، أمّه يوحانذ بنت لاوي، فهي عمة عمران والد موسى، ولد بمصر في اليوم السابع من شهر آذار سنة ثلاثين و مائة لدخول يعقوب على يوسف (عليهما السلام) بمصر، و كان بنو إسرائيل منذ مات لاوي بن يعقوب في سنة أربع و تسعين لدخول يعقوب مصر في البلاء مع القبط، و ذلك أن يوسف (عليه السلام) لما مات في سنة ثمانين من قدوم يعقوب مصر، كان الملك إذ ذاك بمصر دارم بن الريان، و هو الفرعون الرابع عندهم، و تسميه القبط دريموس، فاستوزر بعده رجلا من الكهنة يقال له بلاطس، فحمله على أذى الناس و خالف ما كان عليه يوسف، و ساءت سيرة الملك حتى اغتصب كلّ امرأة جميلة بمدينة منف و غيرها من النواحي، فشق ذلك من فعله على الناس و همّوا بخلعه من الملك، فقام الوزير بلاطس في الوساطة بينه و بين الناس و أسقط عنهم الخراج لثلاث سنين، و فرّق فيهم مالا حتى سكنوا، و اتفق أن رجلا من الإسرائيليين ضرب بعض سدنة الهياكل فأدماه، و عاب دين الكهنة، فغضب القبط و سألوا الوزير أن يخرج بني إسرائيل من مصر، فأبى. و كان دارم الملك قد خرج إلى الصعيد، فبعث إليه يخبره بأمر الإسرائيليّ و ما كان من القبط في طلبهم إخراج بني إسرائيل من مصر، فأرسل إليه أن لا يحدث في القوم حدثا دون موافاته، فشغب القبط و أجمعوا على خلع الملك و إقامة غيره، فسار إليهم الملك و كانت بينه و بينهم حروب قتل فيها خلق كثير، ظفر فيها الملك و صلب ممن خالفه بحافتي النيل طوائف لا تحصى، و عاد إلى أكثر مما كان عليه من ابتزاز النساء و أخذ الأموال و استخدام الأشراف الوجوه من القبط و من بني إسرائيل، فأجمع الكلّ على ذمّه.

و اتفق أنه ركب في النيل فهاجت به الريح و أغرقه اللّه و من معه، و لم توجد جثته إلّا عند شطنوف.

فأقام الوزير من بعده في الملك ابنه معاديوش، و كان صبيا، و يسميه بعضهم معدان، فاستقام الأمر له و ردّ النساء اللاتي اغتصبهنّ أبوه، و هو خامس الفراعنة، فكثر بنو إسرائيل في زمنه و لهجوا بثلب الأصنام و ذمّها، و هلك بلاطس الوزير و قام من بعده في الوزارة كاهن يقال له أملاده، فأمر بإفراد بني إسرائيل ناحية في البلد، بحيث لا يختلط بهم غيرهم، فأقطعوا موضعا في قلبيّ مدينة منف، صاروا إليه و بنوا فيه معبدا كانوا يتلون به صحف إبراهيم (عليه السلام)، فخطب رجل من القبط بعض نسائهم فأبوا أن ينكحوه، و قد كان هويها. فأكبر القبط فعلهم و صاروا إلى الوزير و شكوا من بني إسرائيل و قالوا: هؤلاء قوم‏

364

يعيبوننا و يرغبون عن مناكحتنا، و لا نحب أن يجاورونا ما لم يدينوا بديننا. فقال لهم الوزير: قد علمتم إكرام طوطيس الملك لجدّهم و نهر اوش من بعده، و قد علمتم بركة يوسف حتى جعلتم قبره وسط النيل فأخصب جانبا مصر بمكانه، و أمرهم بالكف عن بني إسرائيل، فأمسكوا إلى أن احتجب معدان و قام من بعده في الملك ابنه اكسامس الذي يسميه بعضهم كاسم ابن معدان بن الريان بن الوليد بن دومع العمليقيّ، و هو السادس من فراعنة مصر، و كان أوّلهم يقال له فرعان، فصار اسما لكلّ من تجبر و علا أمره، و طالت أيام كاسم و مات وزير أبيه، فأقام من بعده رجلا من بيت المملكة يقال له ظلما بن قومس، و كان شجاعا ساحرا كاهنا كاتبا حكيما دهيا متصرّفا في كل فنّ، و كانت نفسه تنازعه الملك، و يقال أنه من ولد أشمون الملك، و قيل من ولد صا. فأحبه الناس، و عمر الخراب و بني مدنا من الجانبين، و رأى في نجومه أنّه سيكون حدث و شدّة، و سكا القبط إليه من الإسرائيليين فقال: هم عبيدكم. فكان القبطيّ إذا أراد حاجة سخّر الإسرائيليّ و ضربه فلا يغير عليه أحد و لا ينكر عليه ذلك. فإن ضرب الإسرائيليّ أحدا من القبط قتل البتة، و كذلك كانت تفعل نساء القبط بالنساء الإسرائيليات، فكانت أوّل شدّة و ذلّ أصاب بني إسرائيل و كثر ظلمهم و أذاهم من القبط، و استبدّ الوزير ظلما بأمر البلد كما كان العزيز مع نهراوش.

و توفي اكسامس الملك، فأنّهم ظلمان بأنه سمّه، تركب في سلاحه و أقام لاطس الملك مكان أبيه، و كان ابنه جريئا معجبا، فصرف ظلما بن قومس عما كان عليه من خلافته، و استخلف رجلا يقال له لاهوق من ولد صا، و أنفذ ظلما عاملا على الصعيد و سير معه جماعة من الإسرائيليين، و زاد تجبره و عتوّه، و أمر الناس جميعا أن يقوموا على أرجلهم في مجلسه، و مدّ يده إلى الأموال و منع الناس من فضول ما بأيديهم، و قصرهم على القوت، و ابتز كثيرا من النساء و فعل أكثر مما فعله ملك تقدّمه، و استعبد بني إسرائيل فأبغضه الخاص و العام، و كان ظلما لما صرف عن الوزارة و خرج إلى الصعيد، أراد إزالة الملك و الخروج عن طاعته، فجبى المال و امتنع من حمله، و أخذ المعادن لنفسه و همّ أن يقيم ملكا من ولد قبطرين و يدعو الناس إلى طاعته، ثم انصرف عن ذلك و دعا لنفسه، و كاتب الوجوه و الأعيان، فافترق الناس و تطاول كل واحد من أبناء الملوك إلى الملك و طمع فيه، و يقال أنّ روحانيا ظهر لظلما و قال له: إن أطعتني قلدتك مصر زمانا طويلا، فأجابه و قرّب إليه أشياء منها غلام من بني إسرائيل، فصار عونا له، و بلغ الملك خبر خروج ظلما عن طاعته، فوجّه إليه قائدا قلده مكانه و أمره أن يقبض على ظلما. و يبعث به إليه موثقا، فسار إليه و خرج ظلما للقائه و حاربه فظفر به و استولى على ما معه، فجهز إليه الملك قائدا آخر فهزمه و سار في إثره و قد كثف جمعه، فبرز إليه الملك و احتربا، فكانت لظلما على الملك، فقتله و استولى على مدينة منف و نزل قصر المملكة.

365

و هذا هو فرعون موسى (عليه السلام)، و بعضهم يسميه الوليد بن مصعب، و قيل هو من العمالقة و هو سابع الفراعنة. و يقال أنه كان قصيرا طويل اللحية أشهل العينين صغير العين اليسرى، في جبينه شامة، و كان أعرج، و قيل أنه كان يكنّى بأبي مرّة، و أن اسمه الوليد بن مصعب، و أنه أوّل من خضب بالسواد لما شاب، دله عليه إبليس. و قيل أنه كان من القبط، و قيل أنه دخل منف على أتان يحمل النطرون ليبيعه، و كان الناس قد اضطربوا في تولية الملك، فحكّموه و رضوا بتولية من يوليه عليهم، و ذلك أنهم خرجوا إلى ظاهر مدينة منف ينتظرون أوّل من يظهر عليهم ليحكّموه، فكان هو أوّل من أقبل بحماره، فلما حكّموه و رضوا بحكمه أقام نفسه ملكا عليهم، و انكر قوم هذا و قالوا: كان القوم أدهى من أن يقلدوا ملكهم من هذه سبيله فلمّا جلس في الملك اختلف الناس عليه فبذل لهم الأموال، و قتل من خالفه بمن أطاعه حتى اعتدل أمره، و رتب المراتب و شيد الأعمال و بنى المدن و خندق الخنادق و بنى بناحية العريش حصنا، و كذلك على جميع حدود مصر، و استخلف هامان، و كان يقرب منه في نسبه، و أثار الكنوز و صرفها في بناء المدائن و العمارات، و حفر خليج سردوس و غيره، و بلغ الخراج بمصر في زمنه سبعة و تسعين ألف ألف دينار بالدينار الفرعونيّ، و هو ثلاثة مثاقيل.

و فرعون هو أوّل من عرّف العرفاء على الناس، و كان ممن صحبه من بني إسرائيل رجل يقال له أمري، و هو الذي يقال له بالعبرانية عمرام، و بالعربية عمران بن قاهث بن لاوي، و كان قدم مصر مع يعقوب (عليه السلام) فجعله حرسا لقصره يتولى حفظه، و عنده مفاتيحه و أغلاقه بالليل، و كان فرعون قد رأى في كهانته و نجومه أنه يجري هلاكه على يد مولود من الإسرائيليين، فمنعهم من المناكحة ثلاث سنين التي رأى أن ذلك المولود يولد فيها، فأتت امرأة أمري إليه في بعض الليالي بشي‏ء قد أصلحته له فواقعها، فاشتملت منه على هارون، و ولدته لثلاث و سبعين من عمره، في سنة سبع و عشرين و مائة لقدوم يعقوب إلى مصر، ثم أتته مرّة أخرى فحملت بموسى لثمانين سنة من عمره، و رأى فرعون في نجومه أنه قد حمل بذلك المولود، فأمر بذبح الذكران من بني إسرائيل، و تقدّم إلى القوابل بذلك، فولد موسى (عليه السلام) في سنة ثلاثين و مائة لقدوم يعقوب إلى مصر، و في سنة أربع و عشرين و أربعمائة لولادة إبراهيم الخليل (عليه السلام)، و لمضيّ ألف و خمسمائة و ست سنين من الطوفان، و كان من أمره ما قصه اللّه سبحانه من قذف أمّه له في التابوت، فألقاه النيل إلى تحت قصر الملك، و قد أرصدت أمّه أخته على بعد لتنظر من يلتقطه، فجاءت ابنة فرعون إلى البحر مع جواريها فرأته و استخرجته من التابوت فرحمته و قالت: هذا من العبرانيين من لنا بظئر ترضعه؟ فقالت لها أخته أنا آتيك بها، و جاءت بأمّه فاسترضعتها له ابنة فرعون إلى أن فصل، فأتت به إلى ابنة فرعون و سمته موسى و تبنته، و نشأ عندها، و قيل بل أخذته امرأة فرعون و استرضعت أمّه و منعت فرعون من قتله إلى أن كبر و عظم شأنه فردّ إليه‏

366

فرعون كثيرا من أمره و جعله من قوّاده، و كانت له سطوة، ثم وجهه لغزو اليونانيين و قد عاثوا في أطراف مصر، فخرج في جيش كثيف و أوقع بهم فأظفره اللّه و قتل منهم كثيرا و أسر كثيرا و عاد غانما، فسرّ ذلك فرعون و أعجب به هو و امرأته، و استولى موسى و هو غلام على كثير من أمر فرعون، فأراد فرعون أن يستخلفه، حتى قتل رجلا من أشراف القبط له قرابة من فرعون فطلبه، و ذلك أنه خرج يوما يمشي في الناس و له صولة بما كان له في بيت فرعون من المربى و الرضاع، فرأى عبرانيا يضرب، فقتل المصريّ الذي ضربه و دفنه، و خرج يوما آخر فإذا برجلين من بني إسرائيل و قد سطا أحدهما على الآخر، فزجره. فقال له: و من جعل لك هذا، أ تريد أن تقتلني كما قتلت المصريّ بالأمس، و نما الخبر إلى فرعون فطلبه، و ألقى اللّه في نفسه الخوف لما يريد من كرامته، فخرج من منف ولحق بمدين عند عقبة أيلة، و بنو مدين أمّة عظيمة من بني إبراهيم (عليه السلام)، كانوا ساكنين هناك، و كان فراره و له من العمر أربعون سنة، فنزل عند بيرون، و هو شعيب (عليه السلام) من ولد مدين بن إبراهيم، و كان من تزويجه ابنته و رعايته غنمه ما كان، فأقام هنالك تسعا و ثلاثين سنة نكح فيها صفوراء ابنة شعيب، و بنوا إسرائيل مع فرعون و أهل مصر كما قال تعالى: «يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ‏ و يستعبدونهم» (1).

فلما مضى من سنة الثمانين لموسى شهر و أسبوع، كلمه اللّه جلّ اسمه، و كان ذلك في اليوم الخامس عشر من شهر نيسان، و أمره أن يذهب إلى فرعون، و شدّ عضده بأخيه هارون و أيده بآيات منها قلب العصا حية و بياض يده من غير سوء و غير ذلك من الآيات العشر التي أحلها اللّه بفرعون و قومه، و كان مجي‏ء الوحي من اللّه تعالى إليه و هو ابن ثمانين سنة، ثم قدم مصر في شهر أيار و لقي أخاه هارون، فسرّ به و أطعمه جلبانا فيه ثريد، و تنبأ هارون و هو ابن ثلاث و ثمانين سنة، و غدا به إلى فرعون و قد أوحي إليهما أن يأتيا إلى فرعون ليبعث معهما بني إسرائيل فيستنقذ أنهم من هلكة القبط و جور الفراعنة، و يخرجون إلى الأرض المقدّسة التي وعدهم اللّه بملكها على لسان إبراهيم و إسحاق و يعقوب، فأبلغا ذلك بني إسرائيل عن اللّه، فأمنوا بموسى و اتبعوه، ثح حضرا إلى فرعون فأقاما ببابه أياما و على كل منهما جبة صوف، و مع موسى عصاه، و هما لا يصلان إلى فرعون لشدّة حجابه، حتى دخل عليه مضحك كان يلهو به فعرّفه أن بالباب رجلين يطلبان الاذن عليك، بزعمان أن إلههما قد أرسلهما إليك، فأمر بإدخالهما. فلما دخلا عليه خاطبه موسى بما قصه اللّه في كتابه، و أراه آية العصا و آيته في بياض اليد، فغاظ فرعون ما قاله موسى و همّ بقتله، فمنعه اللّه سبحانه بأن رأى صورة قد أقبلت و مسحت على أعينهم فعموا، ثم أنه لما فتح عن عينيه أمر قوما آخرين بقتل موسى فأتتهم نار أحرقتهم، فازداد غيظه و قال لموسى: من أين ذلك هذه النواميس‏

____________

(1) مأخوذة من الآية 49 من سورة البقرة.

367

العظام؟ اسحرة بلدي علموك هذا أم تعلمته بعد خروجك من عندنا؟ فقال: هذا ناموس السماء و ليس من نواميس الأرض. قال فرعون: و من صاحبه؟ قال: صاحب البنية العليا.

قال: بل تعلمتها من بلدي، و أمر بجمع السحرة و الكهنة و أصحاب النواميس و قال:

اعرضوا عليّ أرفع أعمالكم فإني أرى نواميس هذا الساحر رفيعة جدّا. فعرضوا عليه أعمالهم فسرّه ذلك، و أحضر موسى و قال له: لقد وقفت على سحرك و عندي من يفوق عليك.

فواعدهم يوم الزينة، و كان جماعة من البلد قد اتبعوا موسى فقتلهم فرعون، ثم إنه جمع بين موسى و بين سحرته، و كانوا مائتي ألف و أربعين ألفا يعملون من الأعمال ما يحير العقول و يأخذ القلوب، من دخن ملوّنات ترى الوجوه مقلوبة مشوّهة، منها الطويل و العريض و المقلوب جبهته إلى أسفل. و لحيته إلى فوق، و منها ما له قرون و منها ما له خرطوم و أنياب ظاهرة كأنياب الفيلة، و منها ما هو عظيم في قدر الترس الكبير، و منها ما له آذان عظام و شبه وجوه القرود بأجساد عظيمة تبلغ السحاب و أجنحة مركبة على حيات عظيمة تطير في الهواء، و يرجع بعضها على بعض فيبتلعه، و حيات يخرج من أفواهها نار تنتشر في الناس، و حيات تطير و ترجع في الهواء و تنحدر على كلّ من حضر لتبتلعه. فيتهارب الناس منها، و عصى تحلق في الهواء فتصير حيات برؤس و شعور و أذناب تهمّ بالناس أن تنهشهم، و منها ما له قوائم، و منها تماثيل مهولة، و عملوا له دخنا تغشي أبصار الناس عن النظر فلا يرى بعضهم بعضا، و دخنا تطهر صورا كهيئة النيران في الجوّ على دواب يصدم بعضها بعضا و يسمع لها ضجيج، و صورا خضرا على دواب خضر، و صورا سودا على دواب سود هائلة.

فلما رأى فرعون ذلك سرّه ما رأى هو و من حضره و اغتم موسى و من آمن به، حتى أوحى اللّه إليه لا تخف إنك أنت الأعلى، و ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا. و كان للحسرة ثلاثة رؤساء، و يقال بل كانوا سبعين رئيسا، فأسرّ إليهم موسى: قد رأيت ما صنعتم، فإن قهرتكم أ تؤمنون بالله؟ فقالوا نفعل. فغاظ فرعون مسارّة موسى لرؤساء السحرة، هذا و الناس يسخرون من موسى و أخيه و يهزؤون بهما، و عليهما دراعتان من صوف و قد احتز ما بليف، فلوّح موسى بعصاه حتى غابت عن الأعين و أقبلت في هيئة تنين عظيم له عينان يتوقدان، و النار تخرج من فيه و منخريه، فلا يقع على أحد إلّا برص، و وقع من ذلك على ابنة فرعون فبرصت، و صار التنين فاغرا فاه فالتقط جميع ما عملته السحرة، و مائتي مركب كانت مملوءة حبالا و عصيا و سائر من فيها من الملاحين، و كانت في النهر الذي يتصل بدار فرعون، و ابتلع عمدا كثيرة و حجارة قد كانت حملت إلى هناك ليبنى بها، و مرّ التنين إلى قصر فرعون ليبتلعه، و كان فرعون جالسا في قبة على جانب القصر ليشرف على عمل السحرة، فوضع نابه تحت القصر و رفع نابه الآخر إلى أعلاه، و لهب النار يخرج من فيه حتى أحرق مواضع‏

368

من القصر، فصاح فرعون مستغيثا بموسى (عليه السلام)، فزجر موسى التنين فانعطف ليبتلع الناس، ففرّوا كلهم من بين يديه، و انساب يريدهم. فأمسكه موسى و عاد في يده عصا كما كان، و لم ير الناس من تلك المراكب و ما كان فيها من الحبال و العصيّ و الناس، و لا من العمد و الحجارة و ما شربه من ماء النهر حتى بانت أضه أثرا.

فعند ذلك قالت السحرة: ما هذه من عمل الآدميين، و إنّما هو من فعل جبار قدير على الأشياء. فقال لهم موسى: أوفوا بعهدكم و إلّا سلطته عليكم يبتلعكم كما ابتلع غيركم، فآمنوا بموسى و جاهروا فرعون و قالوا: هذا من فعل إله السماء و ليس هذا من فعل أهل الأرض. فقال: قد عرفت أنكم قد واطأتموه عليّ و على ملكي حسدا منكم لي، و أمر فقطعت أيديهم و أرجلهم من خلاف و صلبوا، و جاهرته امرأته و المؤمن الذي كان يكتم إيمانه، و انصرف موسى فأقام بمصر يدعو فرعون أحد عشر شهرا، من شهر أيار إلى شهر نيسان المستقبل و فرعون لا يجيبه، بل اشتدّ جوره على بني إسرائيل و استعبادهم و اتخاذهم سخريا في مهنة الأعمال، فأصابت فرعون و قومه الجوائح العشر، واحدة بعد أخرى، و هو يثبت لهم عند وقوعها و يفزع إلى موسى في الدعاء بانجلائها، ثم يلح عند انكشافها، فإنها كانت عذابا من اللّه عز و جلّ، عذّب اللّه بها فرعون و قومه.

فمنها أنّ ماء مصر صار دما حتى هلك أكثر أهل مصر عطشا، و كثرت عليهم الضفادع حتى و سخت جميع مواضعهم و قذرت عليهم عيشهم و جميع مآكلهم، و كثر البعوض حتى حبس الهواء و منع النسيم، و كثر عليهم ذباب الكلاب حتى جرّح أبدانهم و نغص عليهم حياتهم، و ماتت دوابهم و أغنامهم فجأة، و عمّ الناس الجرب و الجدريّ حتى زاد منظرهم قبحا على مناظر الجذميّ، و نزل من السماء برد مخلوط بصواعق أهلك كل ما أدركه من الناس و الحيوانات. و ذهب بجميع الثمار، و كثر الجراد و الجنادب التي أكلت الأشجار و استقصت أصول النبات، و أظلمت الدنيا ظلمة سوداء غليظة حتى كانت من غلظها تحسّ بالأجسام، و بعد ذلك كله نزل الموت فجأة على بكور أولادهم بحيث لم يبق لأحد منهم ولد بكر إلّا فجع به في تلك الليلة، ليكون لهم في ذلك شغل عن بني إسرائيل، و كانت الليلة الخامسة عشر من شهر نيسان سنة إحدى و ثمانين لموسى، فعند ذلك سارع فرعون إلى ترك بني إسرائيل، فخرج موسى (عليه السلام) من ليلته هذه و معه بنو إسرائيل من عين شمس، و في التوراة أنهم أمروا عند خروجهم أن يذبح أهل كل بيت حملا من الغنم إن كان كفايتهم، أو يشتركون مع جيرانهم إن كان أكثر، و أن ينضحوا من دمه على أبوابهم ليكون علامة، و أن يأكلوا شواه رأسه و أطرافه و معاه و لا يكسروا منه عظما، و لا يدعوا منه شيئا خارج البيوت، و ليكن خبزهم فطيرا. و ذلك في اليوم الرابع عشر من فصل الربيع، و ليأكلوا بسرعة و أوساطهم مشدودة و خفافهم في أرجلهم و عصيهم في أيديهم، و يخرجوا ليلا. و ما فضل من عشائهم ذلك أحرقوه بالنار، و شرّع هذا عيدا لهم و لأعقابهم، و يسمى هذا عيد الفصح،

369

و فيها أنهم أمروا أن يستعيروا منهم حليا كثيرا يخرجون به، فاستعاروه و خرجوا في تلك الليلة بما معهم من الدواب و الأنعام، و أخرجوا معهم تابوت يوسف (عليه السلام)، استخرجه موسى من المدفن الذي كان فيه بإلهام من اللّه تعالى، و كانت عدّتهم ستمائة ألف رجل محارب سوى النساء و الصبيان و الغرباء، و شغل القبط عنهم بالمآتم التي كانوا فيها على موتاهم، فساروا ثلاث مراحل ليلا و نهارا حتى وافوا إلى فوهة الجبروت، و تسمى نار موسى، و هو ساحل البحر بجانب الطور، فانتهى خبرهم إلى فرعون في يومين و ليلة، فندم بعد خروجهم و جمع قومه و خرج في كثرة كفاك عن مقدارها قول اللّه عز و جل أخبارا عن فرعون أنه قال عن بني إسرائيل و عدّتهم ما قد ذكر على ما جاء في التوراة، أن هؤلاء لشرذمة قليلون، و أنهم لنا لغائطون، و لحق بهم في اليوم الحادي و العشرين من نيسان، فأقام العسكران ليلة الواحد و العشرين على شاطى‏ء البحر، و في صبيحة ذلك اليوم أمر موسى أن يضرب البحر بعصاه و يقتحمه، ففلق اللّه لبني إسرائيل البحر اثني عشر طريقا، عبر كلّ سبط من طريق، و صارت المياه قائمة عن جانبهم كأمثال الجبال، و صيرقاع البحر طريقا مسلوكا لموسى و من معه، و تبعهم فرعون و جنوده، فلما خاض بنو إسرائيل إلى عدوة الطور انطبق البحر على فرعون و قومه، فأغرقهم اللّه جميعا و نجا موسى و قومه، و نزل بنو إسرائيل جميعا في الطور و سجوا مع موسى بتسبيح طويل قد ذكر في التوراة، و كانت مريم أخت موسى و هارون تأخذ الدف بيديها، و نساء بني إسرائيل في أثرها بالدفوف و الطبول، و هي ترتل التسبيح لهنّ.

ثم ساروا في البرّ ثلاثة أيام، و أقفرت مصر من أهلها، و مرّ موسى بقومه ففني زادهم في اليوم الخامس من أيار فضجوا إلى موسى، فدعا ربه فنزل لهم المنّ من السماء، فلما كان اليوم الثالث و العشرون من أيار عطشوا و ضجوا إلى موسى، فدعا ربه ففجر له عينا من الصخرة، و لم يزل يسير بهم حتى وافوا طور سينين غرّة الشهر الثالث لخروجهم من مصر، فأمر اللّه موسى بتطهير قومه و استعدادهم لسماع كلام اللّه سبحانه، فطهرهم ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الثالث و هو السادس من الشهر، رفع اللّه الطور و أسكنه نوره و ظلل حواليه بالغمام و أظهر في الآفاق الرعود و البروق و الصواعق، و أسمع القوم من كلامه عشر كلمات و هي: أنا اللّه ربكم واحد لا يكم لكم معبود من دوني، لا تحلف باسم ربك كاذبا، اذكر يوم السبت و احفظه، برّ والديك و أكرمهما، لا تقتل النفس، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بشهادة زور، لا تحسد أخاك فيما رزقه. فصاح القوم و ارتعدوا و قالوا لموسى: لا طاقة لنا باستماع هذا الصوت العظيم، كن السفير بيننا و بين ربنا، و جميع ما يأمرنا به سمعنا و أطعنا، فأمرهم بالإنصراف و صعد موسى إلى الجبل في اليوم الثاني عشر، فأقام فيه أربعين يوما، و دفع اللّه إليه اللوحين الجوهر المكتوب عليهما العشر كلمات و نزل في اليوم الثاني و العشرين من شهر تموز، فرأى العجل، فارتفع الكتاب و ثقلا على يديه فألقاهما و كسرهما، ثم برد العجل‏

370

و ذرّاه على الماء و قتل من القوم من استحق القتل، و صعد إلى الجبل في اليوم الثالث و العشرين من تموز ليشفع في الباقين من القوم، و نزل في اليوم الثاني من أيلول بعد الوعد من اللّه له بتعويضه لوحين آخرين مكتوبا عليهما ما كان في اللوحين الأوّلين، فصعد إلى الجبل و أقام أربعين ليلة أخرى، و ذلك من ثالث أيلول إلى اليوم الثاني عشر من تشرين، ثم أمره اللّه بإطلاح القبة و كان طولها ثلاثين ذراعا في عرض عشرة أذرع و ارتفاع عشرة أذرع، و لها سرادق مضروب حواليها مائة ذراع في خمسين ذراعا و ارتفاع خمسة أذرع. فأخذ القوم في إصلاحها و ما تزين به من الستور من الذهب و الفضة و الجواهر ستة أشهر الشتاء كله، و لما فرغ منها نصبت في اليوم الأوّل من نيسان في أوّل السنة الثانية، و يقال أنّ موسى (عليه السلام) حارب هنالك العرب، مثل طسم و جديس و العماليق و جرهم و أهل مدين حتى أفناهم جميعا، و أنه وصل إلى جبل فاران، و هو مكة، فلم ينج منهم إلّا من اعتصم بملك اليمن أو انتمى إلى بنى إسماعيل (عليه السلام)، و في ثلثي الشهر الباقي من هذه السنة ظعن القوم في برّية الطور بعد أن نزلت عليهم التوراة، و جملة شرائعها ستمائة و ثلاث عشرة شريعة، و في آخر الشهر الثالث حرّمت عليهم أرض الشام أن يدخلوها، و حكم اللّه تعالى عليهم أن يتيهوا في البرّية أربعين سنة، لقولهم نخاف أهلها لأنهم جبارون، فأقاموا تسع عشرة سنة في رقيم، و تسع عشرة سنة في أحد، و أربعين موضعا مشروحة في التوراة، و في اليوم السابع من شهر أيلول من السنة الثانية خسف اللّه بقارون و بأوليائه بدعاء موسى (عليه السلام) عليهم لما كذبوا، و في شهر نيسان من السنة الأربعين توفيت مريم ابنة عمران أخت موسى (عليه السلام)، و لها مائة و ست و عشرون سنة.

و في شهر آب منها مات هارون (عليه السلام) و له مائة و ثلاث و عشرون سنة، ثم كان حرب الكنعانيين و سيحون و العوج صاحب البثنية من أرض حوران. في الشهور التي بعد ذلك إلى شهر شباط، فلما أهلّ شباط أخذ موسى في إعادة التوراة على القوم، و أمرهم بكتب نسختها و قراءتها و حفظ ما شاهدوه من آثاره و ما أخذوه عنه من الفقه، و كان نهاية ذلك في اليوم السادس من آذار، و قال لهم في اليوم السابع منه: إني في يومي هذا استوفيت عشرين و مائة سنة، و إنّ اللّه قد عرّفني أنه يقبضني فيه، و قد أمرني أن أستخلف عليكم يوشع بن نون و معه السبعون رجلا الذين اخترتهم قبل هذا الوقت، و معهم العازر بن هارون أخي فاسمعوا له و أطيعوا، و أنا أشهد عليكم اللّه الذي لا إله إلّا هو، و الأرض و السماوات، أن تعبدوا اللّه و لا تشركوا به شيئا و لا تبدّلوا شرائع التوراة بغيرها، ثم فارقهم و صعد الجبل فقبضه اللّه تعالى هناك و أخفاه، و لم يعلم أحد منهم قبره و لا شاهده، و كان بين وفاة موسى و بين الطوفان ألف و ستمائة و ست و عشرون سنة، و ذلك في أيام منوجهر ملك الفرس، و زعم قوم أن موسى كان ألثغ، فمنهم من جعل ذلك خلقة، و منهم من زعم‏

371

أنه إنما اعتراه حين قالت امرأة فرعون لفرعون لا تقتل طفلا لا يعرف الجمر من التمر.

فلما دعا له فرعون بهما جميعا تناول جمرة فأهوى بها إلى فيه، فاعتراه من ذلك ما اعتراه، و ذكر محمد بن عمر الواقديّ: أن لسان موسى كانت عليه شامة فيها شعرات، و لا يدل القرآن على شي‏ء من ذلك، فليس في قوله تعالى: وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي‏ [طه/ 27] دليل على شي‏ء من ذلك دون شي‏ء، فأقاموا بعده ثلاثين يوما يبكون عليه إلى أن أوحى اللّه تعالى إلى يوشع بن نون بترحيلهم، فقادهم و عبر بهم الأردن في اليوم العاشر من نيسان، فوافوا أريحا، فكان منهم ما هو مذكور في مواضعه، فهذه جملة خبر موسى (عليه السلام).

كنيسة جوجر: هذه الكنيسة من أجلّ كنائس اليهود، و يزعمون أنها تنسب لنبيّ اللّه إلياس (عليه السلام)، و أنه ولد بها و كان يتعاهدها في طول إقامته بالأرض إلى أن رفعه اللّه إليه الياس: هو فينحاس بن العازر بن هارون (عليه السلام)، و يقال الياسين بن ياسين عيزار بن هارون، و يقال هو إلياهو، و هي عبرانية معناها قادر أزليّ، و عرّب فقيل إلياس، و يذكر أهل العلم من بني إسرائيل أنه ولد بمصر، و خرج به أبوه العازر من مصر مع موسى (عليه السلام) و عمره نحو الثلاث سنين، و أنه هو الخضر الذي وعده اللّه بالحياة، و أنه لما خرج بلعام بن باعورا ليدعو على موسى، صرف اللّه لسانه حتى يدعو على نفسه و قومه، و كان من زنا بني إسرائيل بنساء الأمورانيين و أهل مواب ما كان، فغضب اللّه تعالى عليهم و أوقع فيهم الوباء، فمات منهم أربعة و عشرون ألفا إلى أن هجم فينحاس هذا على خباء فيه رجل على امرأة يزني بها، فنظمهما جميعا برمحه و خرج و هو رافعهما و شهرهما غضبا للّه، فرحمهم اللّه سبحانه و رفع عنهم الوباء، و كانت له أيضا آثار مع نبي اللّه يوشع بن نون، و لما مات يوشع قام من بعده فينحاس هذا هو و كالأب بن يوفنا، فصار فينحاس إماما و كالأب يحكم بينهم، و كانت الأحداث في بني إسرائيل، فساح إلياس و لبس المسوح و لزم القفار، و قد وعده اللّه عز و جل في التوراة بدوام السلامة، فأوّل ذلك بعضهم بأنه لا يموت، فامتدّ عمره إلى أن ملك يهوشا فاط بن أسا بن افيا بن رحبم بن سليمان بن داود (عليهما السلام) على سبط يهودا في بيت المقدس، و ملك أحؤب بن عمري على الأسباط من بني إسرائيل بمدينة شمرون، المعروفة اليوم بنابلس، و ساءت سيرة أحؤب حتى زادت في القبح على جميع من مضى قبله من ملوك بني إسرائيل، و كان أشدّهم كفرا و أكثرهم ركونا للمنكر، بحيث أربى في الشرّ على أبيه و على سائر من تقدّمه، و كانت له امرأة يقال لها سيصيال ابنة أشاعل ملك صيدا، أكفر منه بالله، و أشدّ عتوّا و استكبارا، فعبدا وثن بعل الذي قال اللّه فيه‏

372

جلّ ذكره أ تدعون بعلا و تذرون أحسن الخالقين اللّه ربكم و ربّ آبائكم الأوّلين، و أقاما له مذبحا بمدينة شمرون، فأرسل اللّه عز و جل إلى أحؤب عبده إلياس رسولا لينهاه عن عبادة وثن بعل، و يأمره بعبادة اللّه تعالى وحده، و ذلك قول اللّه عز و جل من قائل: وَ إِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَ رَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فَكَذَّبُوهُ‏ [الصافات/ 123- 126] و لما أيس من أيمانهم بالله و تركهم عبادة الوثن، أقسم في مخاطبته أحؤب أن لا يكون مطر و لا ندا، ثم تركه. فأمره اللّه سبحانه أن يذهب ناحية الأردن، فمكث هناك مختفيا، و قد منع اللّه قطر السماء حتى هلكت البهائم و غيرها، فلم يزل إلياس مقيما في استتاره إلى أن جف ما كان عنده من الماء، و في طول إقامته كان اللّه جلّ جلاله يبعث إليه بغربان تحمل له الخبز و اللحم.

فلما جف ماؤه الذي كان يشرب منه لامتناع المطر أمره اللّه أن يسير إلى بعض مدائن صيدا، فخرج حتى وافي باب المدينة، فإذا امرأة تحتطب، فسألها ماء يشربه و خبزا يأكله، فأقسمت له أن ما عندها إلّا مثل غرفة دقيق في إناء، و شي‏ء من زيت في جرّة، و أنها تجمع الحطب لتقتات منه هي و ابنها، فبشرها إلياس (عليه السلام) و قال لها لا تجزعي و افعلي ما قلت لك، و اعملي لي خبزا قليلا قبل أن تعملي لنفسك و لولدك، فإن الدقيق لا يعجز من الإناء، و لا الزيت من الجرّة حتى ينزل المطر، ففعلت ما أمرها به و أقام عندها، فلم ينقص الدقيق و لا الزيت بعد ذلك إلى أن مات ولدها و جزعت عليه، فسأل إلياس ربه تعالى فأحيي الولد، و أمره اللّه أن يسير إلى أحؤب ملك بني إسرائيل لينزل المطر عند إخباره له بذلك، فسار إليه و قال له: أجمع بني إسرائيل و أبناء بعال. فلما اجتمعوا قال لهم إلياس: إلى متى هذا الضلال، إن كان الرب اللّه فاعبدوه، و إن كان بعال هو اللّه فارجعوا بنا إليه، و قال:

ليقرّب كلّ منا قربانا، فأقرّب أنا للّه، و قرّبوا أنتم لبعال، فمن تقبل منه قربانه و نزلت نار من السماء فأكلته فإلهه الذي يعبد فلما رضوا بذلك أحضروا ثورين و اختاروا أحدهما و ذبحوه، و صاروا ينادون عليه يال بعال يال بعال، و إلياس يسخر بهم و يقول: لو رفعتم أصواتكم قليلا فلعلّ إلهكم نائم أو مشغول، و هم يصرخون و يجرحون أيديهم بالسكاكين، و دماءهم تسيل.

فلما أيسوا من أن تنزل النار و تأكل قربانهم، دعا إلياس القوم إلى نفسه، و أقام مذبحا و ذبح ثوره و جعله على المذبح و صبّ الماء فوقه ثلاث مرّات، و جعل حول المذبح خندقا محفورا، فلم يزل يصب الماء فوق اللحم حتى امتلأ الخندق من الماء، و قام يدعو اللّه عزّ اسمه و قال في دعائه: اللهمّ أظهر لهذه الجماعة أنك الربّ، و أني عبدك عامل بأمرك. فأنزل اللّه سبحانه نارا من السماء أكلت القربان و حجارة المذبح التي كان فوقها اللحم و جميع الماء الذي صبّ حوله. فسجد القوم أجمعون و قالوا نشهد أن الربّ اللّه. فقال إلياس: خذوا أبناء

373

بعال، فأخذوا و جي‏ء بهم فذبحهم كلهم ذبحا، و قال لأحؤب انزل و كل و اشرب، فإن المطر نازل، فنزل المطر على ما قال، و كان الجهد قد اشتدّ لانقطاع المطر مدّة ثلاث سنين و أشهر، و غزر المطر حتى لم يستطع أحؤب أن ينصرف لكثرته.

فغضبت سيصيال امرأة احؤب لقتل أبناء بعال و حلفت بآلهتها لتجعلنّ روح إلياس عوضهم، ففزع إلياس و خرج إلى المفاوز و قد اغتم غما شديدا، فأرسل اللّه إليه ملكا معه خبز و لحم و ماء، فأكل و شرب و قوّاه اللّه حتى مكث بعد هذه الأكلة أربعين يوما لا يأكل و لا يشرب، ثم جاءه الوحي بأن يمضي إلى دمشق، فسار إليها و صحب اليسع بن شابات، و يقال ابن حظور، فصار تلميذ، فخرج من أريحا و معه اليسع حتى وقف على الأردن، فنزع رداءه و لفه و ضرب به ماء الأردن فافترق الماء عن جانبيه، و صار طريقا. فقال إلياس حينئذ لليسع اسأل ما شئت قبل أن يحال بيني و بينك. فقال اليسع: أسأل أن يكون روحك فيّ مضاعفا.

فقال: لقد سألت جسيما، و لكن إن أبصرتني إذا رفعت عنك يكون ما سألت، و إن لم تبصرني لم يكن. و بينما هما يتحدّثان إذ ظهر لهما كالنار، فرّق بينهما و رفع إلياس إلى السماء، و اليسع ينظره. فانصرف و قام في النبوّة مقام إلياس، و كان رفع إلياس في زمن يهورام بن يهوشافاط، و بين وفاة موسى (عليه السلام) و بين آخر أيام يهورام خمسمائة و سبعون سنة، و مدّة نبوّة موسى (عليه السلام) أربعون سنة، فعلى هذا يكون مدّة عمر إلياس من حين ولد بمصر إلى أن رفع بالأردن إلى السماء ستمائة سنة. و بضع سنين، و الذي عليه علماء أهل الكتاب و جماعة من علماء المسلمين، أنّ إلياس حيّ لم يمت، إلّا أنهم اختلفوا فيه، فقال بعضهم أنه هو فينحاس كما تقدّم ذكره، و منع هذا جماعة و قالوا هما اثنان، و اللّه أعلم.

كنيسة المصاصة: هذه الكنيسة يجلّها اليهود، و هي بخط المصاصة من مدينة مصر، و يزعمون أنها رممت في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و موضعها يعرف بدرب الكرمة، و بنيت في سنة خمس عشرة و ثلثمائة للإسكندر، و ذلك قبل الملة الإسلامية بنحو ستمائة و إحدى و عشرين سنة، و يزعم اليهود أن هذه الكنيسة كانت مجلسا لنبيّ اللّه إلياس.

كنيسة الشاميين: هذه الكنيسة بخط قصر الشمع من مدينة مصر، و هي قديمة مكتوب على بابها بالخط العبرانيّ حفرا في الخشب، أنها بنيت في سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة للإسكندر، و ذلك قبل خراب بيت المقدس الخراب الثاني الذي خرّبه طيطش بنحو خمس و أربعين سنة، و قبل الهجرة بنحو ستمائة سنة، و بهذه الكنيسة نسخة من التوراة لا يختلفون في أنها كلها بخط عزرا النبيّ الذي يقال له بالعربية العزيز.

كنيسة العراقيين: هذه الكنيسة أيضا بخط قصر الشمع.

374

كنيسة بالجودرية: هذه الكنيسة بحارة الجودرية من القاهرة، و هي خراب منذ أحرق الخليفة الحاكم بأمر اللّه حارة الجودرية على اليهود، كما تقدّم ذكر ذلك في الحارات فانظره.

كنيسة القرّائين: هذه الكنيسة كان يسلك إليها من تجاه باب سرّ المارستان المنصوريّ في حدرة ينتهي إليها بحارة زويلة، و قد سدّت الخوخة التي كانت هناك، فصار لا يتوصل إليها إلّا من حارة زويلة، و هي كنيسة تختص بطائفة اليهود القرّائين.

كنيسة دار الحدرة: هذه الكنيسة بحارة زويلة في درب يعرف الآن بدرب الرايض، و هي من كنائس ... (1).

كنيسة الربانيين: هذه الكنيسة بحارة زويلة بدرب يعرف الآن بدرب البنادين، يسلك منه إلى تجاه السبع قاعات، و إلى سويقة المسعوديّ و غيرها، و هي كنيسة تختص بالربانيين من اليهود.

كنيسة ابن شميخ: هذه الكنيسة بجوار المدرسة العاشورية من حارة زويلة، و هي مما يختص به طائفة القرّائين.

كنيسة السمرة: هذه الكنيسة بحارة زويلة في خط درب ابن الكورانيّ، تختص بالسمرة، و جميع كنائس القاهرة المذكورة محدثة في الإسلام بلا خلاف.

ذكر تاريخ اليهود و أعيادهم‏

قد كانت اليهود أوّلا تؤرخ بوفاة موسى (عليه السلام)، ثم صارت تؤرخ بتاريخ الإسكندر بن فيلبش، و شهور سنتهم اثنا عشر شهرا، و أيام السنة ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما. فأما الشهور فإنها تشري، مر حشوان، كسليو، طبيث، شفط، آذر، نيس، أيار، سيوان، تموز، آب، أيلول. و أيام سنتهم أيام سنة القمر، و لو كانوا يستعملونها على حالها لكانت أيام سنتهم و عدد شهورهم شيئا واحدا، و لكنه لما خرج بنو إسرائيل من مصر مع موسى (عليه السلام) إلى التيه، و تخلصوا من عذاب فرعون، و ما كانوا فيه من العبودية، و ائتمروا بما أمروا به كما وصف في السّفر الثاني من التوراة، اتفق ذلك ليلة اليوم الخامس عشر من نيس، و القمر تام الضوء، و الزمان ربيع. فأمروا بحفظ هذا اليوم كما قال في السفر الثاني من التوراة، احفظوا هذا اليوم سنة لخلوفكم إلى الدهر في أربعة عشر من الشهر الأوّل، و ليس معنى الشهر الأوّل هذا شهر تشري، و لكنه عني به شهر نيس، من أجل أنهم‏

____________

(1) بياض بالأصل.

375

أمروا أن يكون شهر الناسخ رأس شهورهم و يكون أوّل السنة، فقال موسى (عليه السلام) للشعب: اذكروا اليوم الذي خرجتم فيه من التعبد، فلا تأكلوا خميرا في هذا اليوم في الشهر الذي ينضر فيه الشجر. فلذلك اضطرّوا إلى استعمال سنة الشمس ليقع اليوم الرابع عشر من شهر نيس في أوان الربيع حين تورق الأشجار و تزهو الثمار، و إلى استعمال سنة القمر ليكون جرمه فيه بدرا تام الضوء في برج الميزان، و أحوجهم ذلك إلى إلحاق الأيام التي يتقدّم بها عن الوقت المطلوب بالشهور إذا استوفيت أيام شهر واحد، فألحقوها بها شهرا تاما سمّوه آذار الأوّل، و سموا آذار الأصل آذار الثاني، لأنه ردف سميا له و تلاه، و سموا السنة الكبسة عبورا، اشتقاقا من معبار، و هي المرأة الحبلى بالعبرانية، لأنهم شبهوا دخول الشهر الزائد في السنة بحمل المرأة ما ليس من جملتها، و لهم في استخراج ذلك حسابات كثيرة مذكورة في الأزباج.

و هم في عمل الأشهر مفترقون فرقتين، إحداهما الربانية: و استعمالهم إيّاها على وجه الحساب بمسير الشمس و القمر الوسط، سواء رؤي الهلال أو لم ير، فان الشهر عندهم هو مدّة مفروضة تمضي من لدن الاجتماع الكائن بين الشمس و القمر في كل شهر، و ذلك أنهم كانوا وقت عودهم من الجالية ببابل إلى بيت المقدس ينصبون على رؤس الجبال دبادب، و يقيمون رقباء للفحص عن الهلال، و ألزموهم بإيقاد النار و تدخين دخان يكون علامة لحصول الرؤية، و كانت بينهم و بين السامرة العداوة المعروفة، فذهبت السامرة و رفعوا الدخان فوق الجبل قبل الرؤية بيوم، و والوا بين ذلك شهورا، اتفق في أوائلها أن السماء كانت متغيمة، حتى فطن لذلك من في بيت المقدس، و رأوا الهلال غداة اليوم الرابع أو الثالث من الشهر مرتفعا عن الأفق من جهة المشرق، فعرفوا أن السامرة فتنتهم، فالتجأوا إلى أصحاب التعاليم في ذلك الزمان ليأمنوا بما يتلقونه من حسابهم مكايد الأعداء، و اعتلوا لجواز العمل بالحساب و نيابته عن العمل بالرؤية بعلل ذكروها، فعمل أصحاب الحساب لهم الأدوار، و علّموهم استخراج الاجتماعات و رؤية الهلال، و أنكر بعض الربانية حديث القرباء و رفعهم الدخان، و زعموا أن سبب استخراج هذا الحساب هو أن علماءهم علموا أن آخر أمرهم إلى الشتات، فخافوا إذا تفرّقوا في الأقطار و عوّلوا على الرؤية أن تختلف عليهم في البلدان المختلفة فيتشاجروا، فلذلك استخرجوا هذه الحسبانات و اعتنى بها اليعازر بن فروح، و أمروهم بالتزامها و الرجوع إليها حيث كانوا.

و الفرقة الثانية هم الميلادية الذين يعملون مبادي الشهور من الاجتماع، و يسمّون القرّاء و الأسمعية، لأنهم يراعون العمل بالنصوص دون الالتفات إلى النظر و القياس، و لم يزالوا على ذلك إلى أن قدم عاتان رأس الجالوت من بلاد المشرق في نحو الأربعين و مائة من الهجرة إلى دار السلام بالعراق، فاستعمل الشهور برؤية الأهلة على مثل ما شرع في الإسلام، و لم يبال أي أيّ يوم وقع من الأسبوع، و ترك حساب الربانيين، و كبس الشهور بأن‏

376

نظر كل سنة إلى زرع الشعير بنواحي العراق و الشام فيما بين أوّل شهر نيسن إلى أن يمضي منه أربعة عشر يوما، فإن وجد باكورة تصلح للفريك و الحصاد ترك السنة بسيطة، و إن وجدها لم تصلح لذلك كبسها حينئذ، و تقدّمت المعرفة بهذه الحالة، و إنّ من أخذ برأيه يخرج لسبعة تبقى من شفط، فينظر بالشام و البقاع المشابهة له في المزاج إلى زرع الشعير، فإن وجد السفا و هو شوك السنبل قد طلع، عدّ منه إلى الفاسح خمسين يوما، و إن لم يره طالعا كبسها بشهر، فبعضهم يردف الكبس بشفط، فيكون في السنة شفط و شفط مرّتين، و بعضهم يردفه بآذر فيكون آذر و آذر في السنة مرّتين، و أكثر استعمال العانانية لشفط دون آذر، كما أن الربانية تستعمل آذر دون غيره.

فمن يعتمد من الربانية عمل الشهور بالحساب يقول: إن شهر تشري لا يكون أوّله يوم الأحد و الأربعاء، و عدّته عندهم ثلاثون يوما أبدا، و فيه عيد رأس السنة، و هو عيد البشارة بعتق الأرقاء، و هذه العيد في أوّل يوم منه، و لهم أيضا في اليوم العاشر منه صوم الكبور، و معناه الاستغفار، و عند الربانيين أن هذا الصوم لا يكون أبدا يوم الأحد و لا الثلاثاء و لا الجمعة، و عند من يعتمد في الشهور الرؤية أن ابتداء هذا الصوم من غروب الشمس في ليلة العاشر إلى غروبها من ليلة الحادي عشر، و ذلك أربع و عشرون ساعة. و الربانيون يجعلون مدّة الصوم خمسا و عشرين ساعة، إلى أن تشتبك النجوم، و من لم يصم منهم هذا الصوم قتل شرعا، و هم يعتقدون أن اللّه يغفر لهم فيه جميع الذنوب ما خلا الزنا بالمحصنات، و ظلم الرجل أخاه، و جحد الربوبية، و فيه أيضا عيد المظلة، و هو سبعة أيام يعيدون في أولها و لا يخرجون من بيوتهم كما هو العمل يوم السبت و عدّة أيام المظلة إلى آخر اليوم الثاني و العشرين، تمام سبعة أيام، و اليوم الثامن يقال له عيد الاعتكاف، و هم يجلسون في هذه الأيام السبعة التي أوّلها خامس عشر تشري تحت ظلال سعف النخل الأخضر و أغصان الزيتون و نحوها من الأشجار التي لا يتناثر ورقها على الأرض، و يرون أن ذلك تذكار منهم لإظلال اللّه آباءهم في التيه بالغمام، و فيه أيضا عيد القرّائين خاصة صوم في اليوم الرابع و العشرين منه، يعرف بصوم كدليا، و عند الربانيين يكون هذا الصوم في ثالثه.

و شهر مر حشوان ربما كان ثلاثين يوما، و ربما كان تسعة و عشرين يوما، و ليس فيه عيد.

و كسليو ربما كان ثلاثين يوما، و ربما كان تسعة و عشرين يوما و ليس فيه عيد، إلّا أن الربانيين يسرجون على أبوابهم ليلة الخامس و العشرين منه، و هو مدّة أيام يسمونها الحنكة، و هو أمر محدث عندهم، و ذلك أن بعض الجبابرة تغلب على بيت المقدس، و قتل من كان فيه من بني إسرائيل، و افتض أبكارهم، فوثب عليه أولاد كاهنهم و كانوا ثمانية فقتله‏

377

أصغرهم، و طلب اليهود زيتا لوقود الهيكل فلم يجدوا إلّا يسيرا، و زعوه على عدد ما يوقدونه من السرج في كل ليلة إلى ثمان ليال، فاتخذوا هذه الأيام عيدا و سموها أيام الحنكة، و هي كلمة مأخوذة من التنظيف، لأنهم نظفوا فيها الهيكل من أقذار أشياع ذلك الجبار، و القرّاء لا يعملون ذلك لأنهم لا يعوّلون على شي‏ء من أمر البيت الثاني.

و شهر طبيث عدد أيامه تسعة و عشرون يوما، و في عاشره صوم سببه أنه في ذلك اليوم كان ابتداء محاصرة بخت نصر لمدينة بيت المقدس، و محاصرة طيطش لها أيضا في الخراب الثاني.

و شفط أيامه أبدا ثلاثون يوما و ليس فيه عيد. و شهر آذر عند الربانيين كما تقدّم يكون مرّتين في كلّ سنة فآذر الأوّل عدد أيامه ثلاثون يوما إن كانت السنة كبيسة، و إن كانت بسيطة فأيامه تسعة و عشرون يوما، و ليس فيه عيد عندهم. و آذر الثاني أيامه تسعة و عشرون يوما أبدا و فيه عند الربانيين صوم الفوز في اليوم الثالث عشر منه، و الفوز في اليوم الرابع عشر و اليوم الخامس عشر، و أما القرّاؤون فليس عندهم في السنة شهر آذر سوى مرّة واحدة، و يجعلون صوم الفور في ثالث عشرة و بعده إلى الخامس عشر، و هذا أيضا محدث، و ذلك أن بخت نصر لما أجلى بني إسرائيل من بيت المقدس و خرّبه ساقهم جلاية إلى بلاد العراق، و أسكنهم في مدينة خي التي يقال لها أصبهان، فلما ملك أزد شير بن بابك ملك الفرس، و تسمية اليهود أحشوارش، كان له وزير يسمى هيمون، و كان لليهود حينئذ حبر يقال له مردوخاي، فبلغ أزدشير أن له ابنة عمّ جميلة الصورة، فتزوّجها و حظيت عنده، و استدنى مردوخاي ابن عمها و قرّبه، فحسده الوزير هيمون و عمل على هلاكه و هلاك اليهود الذين في مملكة أزدشير، و رتب مع نوّاب أزدشير في سائر أعماله أن يقتلوا كلّ يهوديّ عندهم في يوم عينه لهم، و هو الثالث عشر من آذر، فبلغ ذلك مردوخاي فأعلم ابنة عمه بما دبره الوزير و حثها على إعمال الحيلة في تخليص قومها من الهلكة، فأعلمت أزدشير بحسد الوزير لمردوخاي على قربه من الملك و إكرامه، و ما كتب به إلى العمال من قتل اليهود، و ما زالت به تغريه على الوزير إلى أن أمر بقتله، و قتل أهله، و كتب لليهود أمانا، فاتخذ اليهود هذا اليوم من كلّ سنة عيدا و صاموه شكرا للّه تعالى، و جعلوا من بعده يومين اتخذوهما أيام فرح و سرور و لهو و مهاداة من بعضهم لبعض، و هم على ذلك إلى اليوم، و ربما صوّر بعضهم في هذا اليوم صورة هيمون الوزير، و هم يسمونه هامان، فإذا صوّروه ألقوه بعد العبث به في النار حتى يحترق.

و شهر نيسن عدد أيامه ثلاثون يوما أبدا، و فيه عيد الفاسح الذي يعرف اليوم عند النصارى بالفسح، و يكون في الخامس عشر منه، و هو سبعة أيام يأكلون فيها الفطير و ينظفون بيوتهم من أجل أن اللّه سبحانه خلص بني إسرائيل من أسر فرعون في هذه الأيام حتى‏

378

خرجوا من مصر مع نبي اللّه موسى بن عمران (عليه السلام)، و تبعهم فرعون فأغرقه اللّه و من معه، و سار موسى ببني إسرائيل إلى التيه، و لما خرجوا من مصر مع موسى كانوا يأكلون اللحم و الخبز و الفطير و هم فرحون بخلاصهم من يد فرعون، فأمروا باتخاذ الفطير و أكله في هذه الأيام ليذكروا أنه ما منّ اللّه عليهم به من انقاذهم من العبودية، و في آخر هذه الأيام السبعة كان غرق فرعون، و هو عندهم يوم كبير، و لا يكون أوّل هذا الشهر عند الربانيين أبدا يوم الاثنين و لا يوم الأربعاء و لا يوم الجمعة، و يكون أوّل الخمسينيات من نصفه.

و شهر أيار عدد أيامه تسعة و عشرون يوما، و فيه عيد الموقف، و هو حج الأسابيع، و هي الأسابيع التي فرضت على بني إسرائيل فيها الفرائض، و يقال لهذا العيد في زمننا عيد العنصرة، و عيد الخطاب، و يكون بعد عيد الفطر و فيه خوطب بنو إسرائيل في طور سيناء، و يكون هذا العيد في السادس منه، و فيه أيضا يوم الخميس و هو آخر الخمسينيات، و لا يكون عيد العنصرة عند الربانيين أبدا يوم الثلاثاء و لا يوم الخميس و لا يوم السبت. و شهر تموز أيامه تسعة و عشرون يوما، و ليس فيه عيد، لكنهم يصومون في تاسعه لأنّ فيه هدم سور بيت المقدس عند محاصرة بخت نصر له، و الربانيون خاصة يصومون يوم السابع عشر منه، لأنّ فيه هدم طيطش سور بيت المقدس و خرّب البيت البيت الخراب الثاني.

و شهر آب ثلاثون يوما، و فيه عيد القرّائين، صوم في اليوم السابع و اليوم العاشر، لأنّ بيت المقدس خرب فيهما على يد بخت نصر، و فيه أيضا كان إطلاق بخت نصر النار في مدينة القدس و في الهيكل، و يصوم الربانيون اليوم التاسع منه، لأنّ فيه خرب البيت على يد طنطش الخراب الثاني.

و شهر أيلول تسعة و عشرون يوما أبدا، و ليس فيه عيد و اللّه تعالى أعلم.

ذكر معنى قولهم يهودي‏

اعلم أن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، سماه اللّه إسرائيل، و معنى ذلك الذي رأسه القادر، و كان له من الولد اثنا عشر ذكرا يقال لكلّ واحد منهم سبط، و يقال لمجموعهم الأسباط، و هذه أسماؤهم روبيل، و شمعون، و لاوي، و يهوذا، و يساخر، و زبولون. و الستة أشقاء، أمّهم ليا بنت لابان بن بتويل بن ناحور أخي إبراهيم الخليل. و كان و اشار، ودان، و نفتالي، و يوسف، و بنيامين. فلما كبر هؤلاء الأسباط الاثنا عشر قدّم عليهم أبوهم يعقوب و هو إسرائيل، ابنه يهوذا، و جعله حاكما على إخوته الأحد عشر سبطا، فاستمرّ رئيسا و حاكما على إخوته إلى أن مات، فورثت أولاد يهوذا رياسة الأسباط من بعده، إلى أن أرسل اللّه تعالى موسى ابن عمران بن قاهاث بن لاوي بن يعقوب إلى فرعون، بعد وفاة يوسف بن يعقوب (عليهما السلام)، بمائة و أربع و أربعين سنة، و هم رؤساء الأسباط. فلما نجى اللّه موسى و قومه بعد غرق فرعون و من معه،

379

رتّب (عليه السلام) بني إسرائيل الاثني عشر سبطا أربع فرق، و قدّم على جميعهم سبط يهوذا، فلم يزل سبط يهوذا مقدّما على سائر الأسباط أيام حياة موسى (عليه السلام)، و أيام حياة يوشع بن نون. فلما مات يوشع، سأل بنو إسرائيل اللّه تعالى و ابتهلوا إليه في قبة الشمشار أن يقدّم عليهم واحدا منهم، فجاء الوحي من اللّه بتقديم عثنيئال بن قناز من سبط يهوذا، فتقدّم على سائر الأسباط، و صار بنو يهوذا مقدّمين على سائر الأسباط من حينئذ إلى أن ملّك اللّه على بني إسرائيل نبيه داود، و هو من سبط يهوذا، فورث ملك بني إسرائيل من بعده ابنه سلمان بن داود (عليهما السلام). فلما مات سليمان افترق ملك بني إسرائيل من بعده، و صار لمدينة شمرون التي يقال لها اليوم نابلس عشرة أسباط، و بقي بمدينة القدس سبطان. هما سبط يهوذا و سبط بنيامين، و كان يقال لسكان شمرون بنو إسرائيل و يقال لسكان القدس بنو يهوذا، إلى أن انقرضت دولة بني إسرائيل من مدينة شمرون بعد مائتين و إحدى و خمسين سنة، فصاروا كلهم بالقدس تحت طاعة الملوك من بني يهودا، إلى أن قدم بخت نصر و خرّب القدس وجلا جميع بني إسرائيل إلى بابل، فعرفوا هناك بين الأمم ببني يهوذا، و استمرّ هذا سمة لهم بين الأمم بعد ذلك إلى أن جاء اللّه بالإسلام، فكان يقال للواحد منهم يهوذي بذال معجمة نسبة إلى سبط يهوذا، و تلاعب العرب بذلك على عادتهم في التلاعب بالأسماء المعجمة، و قالوها بدال مهملة، و سموا طائفة بني إسرائيل اليهود، و بهذه اللغة نزل القرآن، و يقال أنّ أوّل من سمّى بني إسرائيل اليهود بخت نصر، و اللّه يعلم و أنتم لا تعلمون.

ذكر معتقد اليهود و كيف وقع عندهم التبديل‏

اعلم أن اللّه سبحانه لما أنزل التوراة على نبيه موسى (عليه السلام)، ضمنها شرائع الملة الموسوية، و أمر فيها أن يكتب لكلّ من يلي أمر بني إسرائيل كتاب يتضمن أحكام الشريعة لينظر فيه. و يعمل به، و سمي هذا الكتاب بالعبرانية مشنا، و معناه استخراج الأحكام من النص الإلهيّ، و كتب موسى (عليه السلام)، بخط يده مشنا كأنه تفسير لما في التوراة من الكلام الإلهيّ، فلما مات موسى (عليه السلام)، و قام من بعده بأمر بني إسرائيل يوشع بن نون، و من بعده إلى أن كانت أيام يهوياقيم ملك القدس، غزاهم بخت نصر الغزوة الأولى، و هم يكتبون لكل من ملكهم مشنا، ينقلونها من المشنا التي بخط موسى و يجعلونها باسمه، فلما جلا بخت نصر يهوياقيم الملك و معه أعيان بني إسرائيل و كبراء بيت المقدس، و هم في زيادة على عشرة آلاف نفس، ساروا و معهم نسخ المشنا التي كتبت لسائر ملوك بني إسرائيل بأجمعها إلى بلاد المشرق، فلما سار بخت نصر من باب الكرّة الثانية لغزو القدس، و خرّبه، و جلا جميع من فيه و في بلاد بني إسرائيل من الأسباط الاثني عشر إلى باب أقاموا بها، و بقي القدس خرابا لا ساكن فيه مدّة سبعين سنة، ثم عادوا من بابل بعد سبعين سنة و عمروا القدس، و جدّدوا بناء البيت ثانيا و معهم جميع نسخ المشنا التي خرجوا بها أوّلا.

380

فلما مضت من عمارة البيت الثاني بعد الجلاية ثلاثمائة و نيف من السنين، اختلف بنو إسرائيل في دينهم اختلافا كثيرا، فخرج طائفة من آل داود (عليه السلام) من بيت المقدس و ساروا إلى الشرق، كما فعل آباؤهم أوّلا، و أخذوا معهم نسخا من المشنا التي كتبت للملوك من مشنا موسى التي بخطه، و عملوا بما فيها ببلاد الشرق، من حين خرجوا من القدس إلى أن جاء اللّه بدين الإسلام، و قدم عانان رأس الجالوت من المشرق إلى العراق في خلافة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، سنة ست و ثلاثين و مائة من سني الهجرة المحمدية.

و أما الذين أقاموا بالقدس من بني إسرائيل بعد خروج من ذكرنا إلى الشرق من آل داود، فإنهم لم يزالوا في افتراق و اختلاف في دينهم إلى أن غزاهم طيطش، و خرّب القدس الخراب الثاني بعد قتل يحيى بن زكريا و رفع المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام)، و سبى جميع من فيه و في بلاد بني إسرائيل بأسرهم، و غيب نسخ المشنا التي كانت عندهم، بحيث لم يبق معهم من كتب الشريعة سوى التوراة، و كتب الأنبياء، و تفرّق بنو إسرائيل من وقت تخريب طيطش بيت المقدس في أقطار الأرض، و صاروا ذمّة إلى يومنا هذا، ثم إن رجلين ممن تأخروا إلى قبيل تخريب القدس يقال لهما شماي و هلال، نزلا مدينة طبرية و كتبا كتابا سمياه مشنا، باسم مشنا موسى (عليه السلام)، و ضمنا هذا المشنا الذي وضعاه أحكام الشريعة، و وافقهما على وضع ذلك عدّة من اليهود، و كان شماي و هلال في زمن واحد، و كانا في أواخر مدّة تخريب البيت الثاني، و كان لهلال ثمانون تلميذا، أصغرهم يوحانان بن زكاي، و أدرك يوحانان بن زكاي خراب البيت الثاني على يد طيطش، و هلال و شماي أقوالهما مذكورة في المشنا، و هي في ستة أسفار تشتمل على فقه التوراة، و إنما رتبها النوسيّ من ولد داود النبيّ بعد تخريب طيطش للقدس بمائة و خمسين سنة، و مات شماي و هلال و لم يكملا المشنا فأكمله رجل منهم يعرف بيهودا من ذرية هلال و حمل اليهود على العمل بما في هذا المشنا، و حقيقته أنه يتضمن كثيرا مما كان في مشنا النبيّ موسى (عليه السلام)، و كثيرا من آراء أكابرهم. فلما كان بعد وضع هذا المشنا بنحو خمسين سنة، قام طائفة من اليهود يقال لهم السنهدوين، و معنى ذلك الأكابر، و تصرّفوا في تفسير هذا المشنا برأيهم، و عملوا عليه كتابا اسمه التلمود، أخفوا فيه كثيرا مما كان في ذلك المشنا، و زادوا فيه أحكاما من رأيهم، و صاروا منذ وضع هذا التلمود الذي كتبوه بأيديهم و ضمنوه ما هو من رأيهم ينسبون ما فيه إلى اللّه تعالى، و لذلك ذمّهم اللّه في القرآن الكريم بقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ‏ [البقرة/ 79] و هذا التلمود نسختان مختلفتان في الأحكام، و العمل إلى اليوم على هذا التلمود عند فرقة الربانيين بخلاف القرّائين، فإنهم لا

381

يعتقدون العمل بما في هذا التلمود. فلما قدم عانان رأس الجالوت إلى العراق، أنكر على اليهود عملهم بهذا التلمود، و زعم أن الذي بيده هو الحق، لأنه كتب من النسخ التي كتبت من مشنا موسى (عليه السلام) الذي بخطه، و الطائفة الربانيون، و من وافقهم لا يعوّلون من التوراة التي بأيديهم إلّا على ما في هذا التلمود، و ما خلف ما في التلمود لا يعبأون به، و لا يعوّلون عليه، كما أخبر تعالى إذ يقول حكاية عنهم: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ‏ [الزخرف/ 22] و من اطلع على ما بأيديهم و ما عندهم من التوراة تبين له أنهم ليسوا على شي‏ء، و أنهم إن يتبعون إلّا الظنّ و ما تهوى الأنفس، و لذلك لما نبغ فيهم موسى بن ميمون القرطبيّ، عوّلوا على رأيه، و عملوا بما في كتاب الدلالة و غيره من كتبه، و هم على رأيه إلى زمننا.

ذكر فرق اليهود الآن‏

اعلم أن اليهود الذين قطعهم اللّه في الأرض أمما أربع فرق، كلّ فرقة تخطّي‏ء الطوائف الأخر، و هي طائفة الربانيين، و طائفة القرّائين، و طائفة العانانية، و طائفة السمرة. و هذا الاختلاف حدث لهم بعد تخريب بخت نصر بيت المقدس و عودهم من أرض بابل بعد الجلاية إلى القدس، و عمارة البيت ثانيا. و ذلك أنهم في إقامتهم بالقدس أيام العمارة الثانية افترقوا في دينهم، و صاروا شيعا. فلما ملكهم اليونان بعد الإسكندر بن فيلبش، و قام بأمرهم في القدس هور قانوس بن شمعون بن مشيثا، و استقام أمره فسمي ملكا، و كان قبل ذلك هو و جميع من تقدّمه ممن ولي أمر اليهود في القدس بعد عودهم من الجلاية إنما يقال له الكوهن الأكبر، فاجتمع لهور قانوس منزلة الملك و منزلة الكهونية، و اطمأنّ اليهود في أيامه و أمنوا سائر أعدائهم من الأمم، فبطروا معيشتهم و اختلفوا في دينهم و تعادوا بسبب الاختلاف، و كان من جملة فرقهم إذ ذاك طائفة يقال لهم الفروشيم، و معناه المعتزلة، و من مذهبهم القول بما في التوراة على معنى ما فسره الحكماء من أسلافهم. و طائفة يقال لهم الصدوفية بفاء، نسبوا إلى كبير لهم يقال له صدوف، و مذهبهم القول بنص التوراة و ما دلّ عليه القول الإلهيّ فيها دون ما عداه من الأقوال، و طائفة يقال لهم الجسديم، و معناه الصلحاء، و مذهبهم الاشتغال بالنسك و عبادة اللّه سبحانه و الأخذ بالأفضل و الأسلم في الدين، و كانت الصدوفية تعادي المعتزلة عداوة شديدة، و كان الملك هور قانوس أوّلا على رأي المعتزلة، و هو مذهب آبائه، ثم إنه رجع إلى مذهب الصدوفية و باين المعتزلة و عاداهم، و نادى في سائر مملكته بمنع الناس جملة من تعلم رأي المعتزلة، و الأخذ عن أحد منهم، و تتبعهم و قتل منهم كثيرا. و كانت العامّة بأسرها مع المعتزلة، فثارت الشرور بين اليهود و اتصلت الحروب بينهم، و قتل بعضهم بعضا إلى أن خرب البيت على يد طيطش الخراب‏

382

الثاني بعد رفع عيسى (صلوات اللّه عليه)، و تفرّق اليهود من حينئذ في أقطار الدنيا و صاروا ذمّة، و النصارى تقتلهم حيثما ظفرت بهم إلى أن جاء اللّه بالملة الإسلامية، و هم في تفرّقهم ثلاث فرق، الربانيون و القرّاء و السمرة.

فأما الربانية: فيقالهم بنو مشنو، و معنى مشنو الثاني، و قيل لهم ذلك لأنهم يعتبرون أمر البيت الذي بني ثانيا بعد عودهم من الجلاية و خرّبه طيطش و ينزلونه في الاحترام و الإكرام و التعظيم منزلة البيت الأوّل الذي ابتدأ عمارته داود و أتمه ابنه سليمان (عليهما السلام)، و خرّبه بخت نصر. فصار كأنه يقال لهم أصحاب الدعوة الثانية، و هذه الفرقة هي التي كانت تعمل بما في المشنا الذي كتب بطبرية بعد تخريب طيطش القدس، و تعوّل في أحكام الشريعة على ما في التلمود إلى هذا الوقت الذي نحن فيه، و هي بعيدة عن العمل بالنصوص الإلهية متبعة لآراء من تقدّمها من الأحبار، و من اطلع على حقيقة دينها، تبين له أن الذي ذمّهم اللّه به في القرآن الكريم حق لا مرية فيه، و أنه لا يصح لهم من اسم اليهودية إلّا مجرّد الانتماء فقط، لا إنهم في الإتباع على الملة الموسوية، لا سيما منذ ظهر فيهم موسى بن ميمون القرطبيّ بعد الخمسمائة من سني الهجرة المحمدية، فإنه ردّهم مع ذلك معطلة، فصاروا في أصول دينهم و فروعه أبعد الناس عما جاء به أنبياء اللّه تعالى من الشرائع الإلهية.

و أما القرّاء: فإنهم بنو مقرا، و معنى مقرا الدعوة، و هم لا يعوّلون على البيت الثاني جملة، و دعوتهم إنما هي لما كان عليه العمل مدّة البيت الأوّل، و كان يقال لهم أصحاب الدعوة الأولى، و هم يحكمون نصوص التوراة و لا يلتفتون إلى قول من خالفها، و يقفون مع النص دون تقليد من سلف، و هم مع الربانيين من العداوة بحيث لا يتناكحون و لا يتجاورون و لا يدخل بعضهم كنيسة بعض، و يقال للقرّائين أيضا المبادية، لأنهم كانوا يعملون مبادي الشهور من الاجتماع الكائن بين الشمس و القمر، و يقال لهم أيضا الأسمعية، لأنهم يراعون العمل بنصوص التوراة دون العمل بالقياس و التقليد.

و أما العانانية: فإنهم ينسبون إلى عانان رأس الجالوت الذي قدم من المشرق في أيام الخليفة أبي جعفر المنصور، و معه نسخ المشنا الذي كتب من الخط الذي كتب من خط النبيّ موسى، و أنه رأى ما عليه اليهود من الربانيين و القرّائين يخالف ما معه، فتجرّد لخلافهم و طعن عليهم في دينهم، و ازدرى بهم، و كان عظيما عندهم يرون أنه من ولد داود (عليه السلام)، و على طريق فاضلة من النسك على مقتضى ملتهم، بحيث يرون أنه لو ظهر في أيام عمارة البيت لكان نبيا، فلم يقدروا على مناظرته، لما أوتي مع ما ذكرنا من تقريب الخليفة له و إكرامه، و كان مما خالف فيه اليهود استعمال الشهور برؤية الأهلة على مثل ما شرع في الملة الإسلامية، و لم يبال في أيّ يوم وقع من الأسبوع، و ترك حساب الربانيين‏

383

و كبس الشهور و خطأهم في العمل بذلك، و اعتمد على كشف زرع الشعير، و أجمل القول في المسيح عيسى ابن مريم (عليه السلام)، و أثبت نبوّة نبينا محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و قال: هو نبيّ أرسل إلى العرب، إلّا أن التوراة لم تنسخ، و الحق أنه أرسل إلى الناس كافة (صلى اللّه عليه و سلم).

ذكر السمرة: اعلم أن طائفة السمرة ليسوا من بني إسرائيل البتة، و إنما هم قوم قدموا من بلاد المشرق و سكنوا بلاد الشام و تهوّدوا، و يقال أنهم من بني سامرك بن كفركا بن رمي، و هو شعب من شعوب الفرس، خرجوا إلى الشام و معهم الخيل و الغنم و الإبل و القسيّ و النشاب و السيوف و المواشي، و منهم السمرة الذين تفرّقوا في البلاد. و يقال أن سليمان بن داود لما مات افترق ملك بني إسرائيل من بعده، فصار رحبعم بن سليمان على سبط يهودا بالقدس، و ملك يربعم بن نياط على عشرة أسباط من بني إسرائيل، و سكن خارجا عن القدس، و اتخذ عجلين دعا الأسباط العشرة إلى عبادتهما من دون اللّه إلى أن مات، فوليّ ملك بني إسرائيل من بعده عدّة ملوك على مثل طريقته في الكفر بالله و عبادة الأوثان، إلى أن ملكهم عمري بن نوذب من سبط منشا بن يوسف، فاشترى مكانا من رجل اسمه شامر بقنطار فضة، و بنى فيه قصرا و سماه باسم اشتقه من اسم شامر الذي اشترى منه المكان، و صير حول هذا القصر مدينة و سماها مدينة شمرون، و جعلها كرسيّ ملكه إلى أن مات، فاتخذها ملوك بني إسرائيل من بعده مدينة للملك، و ما زالوا فيها إلى أن ولي هو شاع بن إيلا، و هم على الكفر بالله، و عبادة وثن بعل و غيره من الأوثان، مع قتل الأنبياء، إلى أن سلط اللّه عليهم سنجاريب ملك الموصل، فحاصرهم بمدينة شمرون ثلاث سنين، و أخذ هو شاع أسيرا و جلاه و معه جميع من في شمرون من بني إسرائيل، و أنزلهم بهراه و بلخ و نهاوند و حلوان، فانقطع من حينئذ ملك بني إسرائيل من مدينة شمرون بعد ما ملكوا من بعد سليمان (عليه السلام) مدّة مائتي سنة و إحدى و خمسين سنة، ثم إن سنجاريب ملك الموصل نقل إلى شمرون كثيرا من أهل كوشا و بابل و حماه، و أنزلهم فيها ليعمروها، فبعثوا إليه يشكون من كثرة هجوم الوحش عليهم يشمرون، فسير إليهم من علمهم التوراة، فتعلموها على غير ما يجب، و صاروا يقرءونها ناقصة أربعة أحرف، الألف و الهاء و الخاء و العين، فلا ينطقون بشي‏ء من هذه الأحرف في قراءتهم التوراة، و عرفوا بين الأمم بالسامرة لسكناهم بمدينة شمرون.

و شمرون هذه هي مدينة نابلس، و قيل لها سمرون بسين مهملة، و لسكانها سامرة، و يقال معنى السمرة حفظة و نواطير، فلم تزل السمرة بنابلس إلى أن غزا بخت نصر القدس و أجلى اليهود منه إلى بابل، ثم عادوا بعد سبعين سنة و عمروا البيت ثانيا إلى أن قام الإسكندر من بلاد اليونان، و خرج يريد غزو الفرس، فمرّ على القدس و خرج منه يريد عمان، فاجتاز على نابلس و خرج إليه كبير السمرة بها، و هو سنبلاط السامريّ، فأنزله و صنع له و لقوّاده و عظماء أصحابه صنيعا عظيما، و حمل إليه أموالا جمة و هدايا جليلة، و استأذنه‏

384

في بناء هيكل للّه على الجبل الذي يسمى عندهم طوربريك، فأذن له و سار عنه إلى محاربة دارا ملك الفرس، فبنى سنبلاط هيكلا شبيها بهيكل القدس، ليستميل به اليهود، و موّه عليهم بأن طوربريك هو الموضع الذي اختاره اللّه تعالى و ذكره في التوراة بقوله فيها: اجعل البركة على طوربريك، و كان سنبلاط قد زوّج ابنته بكاهن من كهان بيت المقدس يقال له منشا، فمقت اليهود منشا على ذلك، و أبعدوه و حطوه عن مرتبته عقوبة له على مصاهرة سنبلاط، فأقام سنبلاط منشا زوج ابنته كاهنا في هيكل طوربريك، و آتته طوائف من اليهود و ضلوا به، و صاروا يحجون إلى هيكله في الأعياد، و يقرّبون قرا بينهم إليه، و يحملون إليه نذورهم و أعشارهم، و تركوا قدس اللّه و عدلوا عنه فكثرت الأموال في هذا الهيكل، و صار ضدّ البيت المقدس، و استغنى كهنته و خدّامه و عظم أمر منشا و كبرت حالته. فلم تزل هذه الطائفة تحج إلى طور بريك حتى كان زمن هور قانوس بن شمعون الكوهن، من بني حثمتاي في بيت المقدس، فسار إلى بلاد السمرة و نزل على مدينة نابلس و حصرها مدّة و أخذها عنوة، و خرّب هيكل طور بريك إلى أساسه، و كانت مدّة عمارته مائتي سنة، و قتل من كان هناك من الكهنة، فلم تزل السمرة بعد ذلك إلى يومنا هذا تستقبل في صلاتها حيثما كانت من الأرض طور بريك بجبل نابلس، و لهم عبادات تخالف ما عليه اليهود، و لهم كنائس في كل بلد تخصهم، و السمرة ينكرون نبوّة داود و من تلاه من الأنبياء، و أبوا أن يكون بعد موسى (عليه السلام) نبيّ و جعلوا رؤساءهم من ولد هارون (عليه السلام)، و أكثرهم يسكن في مدنية نابلس، و هم كثير في مدائن الشام، و يذكر أنهم الذين يقولون لا مساس، و يزعمون أن نابلس هي بيت المقدس، و هي مدينة يعقوب (عليه السلام)، و هناك مراعيه.

و ذكر المسعوديّ أن السمرة صنفان متباينان، أحدهما يقال له الكوشان، و الآخر الروشان، أحد الصنفين يقول بقدم العالم. و السامرة تزعم أن التوراة التي في أيدي اليهود ليست التوراة التي أوردها موسى (عليه السلام) و يقولون توراة موسى حرّفت و غيّرت و بدّلت، و أن التوراة هي ما بأيديهم دون غيرهم. و ذكر أبو الريحان محمد بن أحمد البيروتيّ أنّ السامرة تعرف بالأمساسية. قال: و هم الأبدال الذين بدّلهم بخت نصر بالشام حين أسر اليهود و أجلاها، و كانت السامرة أعانوه و دلوه على عورات بني إسرائيل، فلم يحربهم و لم يقتلهم و لم يسبهم و أنزلهم فلسطين من تحت يده، و مذاهبهم ممتزجة من اليهودية و المجوسية، و عامّتهم يكونون بموضع من فلسطين يسمى نابلس، و بها كنائسهم، و لا يدخلون حدّ بيت المقدس منذ أيام داود النبي (عليه السلام)، لأنهم يدّعون إنه ظلم و اعتدى و حوّل الهيكل المقدّس من نابلس إلى إيليا، و هو بيت المقدس، و لا يمسون الناس، و إذا مسوهم اغتسلوا، و لا يقرّون بنبوّة من كان بعد موسى (عليه السلام) من أنبياء بني إسرائيل.

و في شرح الإنجيل: إنّ اليهود انقسمت بعد أيام داود إلى سبع فرق.

385

الكتاب: و كانوا يحافظون على العادات التي أجمع عليها المشايخ مما ليس في التوراة.

و المعتزلة: و هم الفريسيون، و كانوا يظهرون الزهد و يصومون يومين في الأسبوع، و يخرجون العشر من أموالهم، و يجعلون خيوط القرمز في رؤس ثيابهم، و يغسلون جميع أوانيهم، و يبالغون في إظهار النظافة.

و الزنادقة: و هم من جنس السامرة، و هم من الصدوفية، فيكفرون بالملائكة و البعث بعد الموت و بجميع الأنبياء ما خلا موسى فقط، فإنهم يقرّون بنبوّته.

و المتظهرون: و كانوا يغتسلون كلّ يوم و يقولون لا يستحق حياة الأبد إلّا من يتطهر كلّ يوم.

و الإسابيون: و معناه الغلاظ الطباع، و كانوا يوجبون جميع الأوامر الإلهية، و ينكرون جميع الأنبياء سوى موسى (عليه السلام)، و يتعبدون بكتب غير الأنبياء.

و المتقشفون: و كانوا يمنعون أكثر المآكل و خاصة اللحم، و يمنعون من التزوّج بحسب الطاقة، و يقولون بأن التوراة ليست كلها لموسى، و يتمسكون بصحف منسوبة إلى أخنوخ و إبراهيم (عليه السلام)، و ينظرون في علم النجوم و يعملون بها.

و الهيرذوسيون: سموا أنفسهم بذلك لموالاتهم هيرذوس ملكهم، و كانوا يتبعون التوراة و يعملون بما فيها انتهى.

و ذكر يوسف بن كريون في تاريخه أن اليهود كانوا في زمن ملكهم هور قانوس، يعني في زمن بناء البيت بعد عودهم من الجلاية ثلاث فرق: الفروشيم: و معناه المعتزلة، و مذهبهم القول بما في التوراة و ما فسره الحكماء من سلفهم. و الصدوفية: أصحاب رجل من العلماء يقال له صدوف، و مذهبهم القول بنص التوراة و ما دلت عليه دون غيره.

و الجسديم و معناه الصلحاء، و هم المشتغلون بالعبادة و النسك، الآخذون في كل أمر بالأفضل و الأسلم في الدين انتهى. و هذه الفرقة هي أصل فرقتي الربانيين و القرّاء.

فصل: زعم بعضهم أن اليهود عانانية و شمعونية، نسبة إلى شمعون الصدّيق، ولي القدس عند قدوم أبي الإسكندر، و جالوتية و فيومية و سامرية و عكبرية و أصبهانية و عراقية و مغاربة و شرشتانية و فلسطينية و مالكية و ربانية. فالعانانية تقول بالتوحيد و العدل و نفي التشبيه، و الشمعونية تشبه، و تبالغ الجالوتية في التشبيه، و أما الفيومية فإنها تنسب إلى أبي سعيد الفيوميّ، و هم يفسرون التوراة على الحروف المقطعة. و السامرية ينكرون كثيرا من شرائعهم و لا يقرّون بنبوّة من جاء بعد يوشع، و العكبرية أصحاب أبي موسى البغداديّ‏

386

العبكريّ، و إسماعيل العكبريّ، يخالفون أشياء من السبت و تفسير التوراة، و الأصبهانية أصحاب أبي عيسى الأصبهاني، و ادّعى النبوّة و أنه عرج به إلى السماء فمسح الرب على رأسه، و إنه رأى محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) فآمن به، و يزعم يهود أصبهان أنه الدجال، و أنه يخرج من ناحيتهم، و العراقية تخالف الخراسانية في أوقات أعيادهم و مدد أيامهم، و الشرشتانية أصحاب شرشتان، زعم أنه ذهب من التوراة ثمانون سوقة، أي آية، و ادّعى أن للتوراة تأويلا باطنا مخالفا للظاهر، و أما يهود فلسطين فزعموا أن العزير ابن اللّه تعالى، و أنكر أكثر اليهود هذا القول، و المالكية تزعم أن اللّه تعالى لا يحيى يوم القيامة من الموتى إلّا من احتج عليه بالرسل و الكتب، و مالك هذا هو تلميذ عانان. و الربانية تزعم أن الحائض إذا مست ثوبا بين ثياب وجب غسل جميعها، و العراقية تعمل رؤس الشهور بالأهلة، و آخرون بالحساب يعملون و اللّه أعلم.

فصل: و هم يوجبون الإيمان بالله وحده و بموسى (عليه السلام) و بالتوراة، و لا بدّ لهم من درسها و تعلمها، و يغتسلون و يتوضؤون و لا يمسحون رؤوسهم في وضوئهم، و يبدؤون بالرجل اليسرى، و في شي‏ء منه خلاف بينهم، و عانان يرى أن الاستنجاء قبل الوضوء، و يرى أشمعث أن الاستنجاء بعد الوضوء، و لا يتوضؤون بما تغير لونه أو طعمه أو ريحه، و لا يجيزون الطهارة من غدير ما لم يكن عشرة أذرع في مثلها، و النوم قاعدا لا ينقض الوضوء عندهم ما لم يضع جنبه الأرض، إلّا العانانية فإن مطلق النوم عندهم ينقض، و من أحدث في صلاته من قي‏ء أو رعاف أو ريح انصرف و توضأ و بنى على صلاته، و لا تجوز صلاة الرجل في أقلّ من ثلاثة أثواب، قميص و سراويل و ملاءة يتردّى بها، فإن لم يجد الملاءة صلّى جالسا، فإن لم يجد القميص و السراويل صلّى بقلبه، و لا تجوز صلاة المرأة في أقل من أربعة أثواب، و عليهم فريضة ثلاث صلوات في اليوم و الليلة، عند الصبح و بعد الزوال إلى غروب الشمس و وقت العتمة إلى ثلث الليل، و يسجدون في دبر كل صلاة سجدة طويلة، و في يوم السبت و أيام الأعياد يزيدون خمس صلوات على تلك الثلاث. و لهم خمسة أعياد:

عيد الفطر: و هو الخامس عشر من نيسن، يقيمون سبعة أيام لا يأكلون سوى الفطير، و هي الأيام التي تخلصوا فيها من فرعون و أغرقه اللّه.

و عيد الأسابيع: بعد الفطير بسبعة أسابيع، و هو اليوم الذي كلم اللّه تعالى فيه بني إسرائيل من طور سيناء.

وعيد رأس الشهر: و هو أوّل تشري، و هو الذي فدى فيه إسحاق (عليه السلام) من الذبح، و يسمونه عيد رأس هشايا، أي رأس الشهر. و عيد صوماريا: يعني الصوم العظيم.

و عيد المظلة: يستظلون سبعة أيام بقضبان الآس و الخلاف. و يجب عليهم الحج في كل سنة ثلاث مرّات لما كان الهيكل عامرا، و يوجبون صوم أربعة أيام. أوّلها: سابع عشر

387

تموز من الغروب إلى الغروب، و عند العانانية هو اليوم الذي أخذ فيه بخت نصر البيت.

و الثاني: عشر آب. و الثالث: عاشر كانون الأول. و الرابع: ثالث عشر آذار. و يتشدّدون في أمر الحائض بحيث يعتزلونها و ثيابها و أوانيها و ما مسته من شي‏ء فإنه ينجّس و يجب غسله، فإن مست لحم القربان أحرق بالنار، و من مسها أو شيئا من ثيابها وجب عليه الغسل، و ما عجنته أو خبزته أو طبخته أو غسلته فكله نجس حرام على الطاهرين حلّ للحيض، و من غسل ميتا نجس سبعة أيام لا يصلي فيها، و هم يغسلون موتاهم و لا يصلون عليهم، و يوجبون إخراج العشر من جميع ما يملك، و لا يجب حتى يبلغ وزنه أو عدده مائة، و لا يخرج العشر إلّا مرّة واحدة، ثم لا يعاد إخراجه، و لا يصح النكاح عندهم إلّا بوليّ و خطبة و ثلاثة شهود و مهر مائتي درهم للبكر، و مائة للثيب لا أقل من ذلك، و يحضر عند عقد النكاح كأس خمر وباقة مرسين، فيأخذ الإمام الكأس و يبارك عليه و يخطب خطبة النكاح ثم يدفعه إلى الختن و يقول: قد تزوّجت فلانة بهذه الفضة أو بهذا الذهب و هو خاتم في يده، و بهذا الكأس من الخمر، و بمهر كذا، و يشرب جرعة من الخمر، ثم ينهضون إلى المرأة و يأمرونها أن تأخذ الخاتم و المرسلين و الكأس من يد الختن، فإذا أخذت و شربت جرعة وجب عقد النكاح، و يضمن أولياء المرأة البكارة، فإذا زفت إليه وكّل الوليّ من يقف بباب الخلوة و قد فرشت ثياب بيض حتى يشاهد الوكيل الدم، فإن لم توجد بكرا رجمت، و لا يجوز عندهم نكاح الإماء حتى يعتقن، ثم ينكحن، و العبد يعتق بعد خدمته لسنين معلومة، و هي ست سنين، و منهم من يجوّز بيع صغار أولاده إذا احتاج، و لا يجوّزون الطلاق إلا بفاحشة أو سحر أو رجوع عن الدين، و على من طلق خمسة و عشرون درهما للبكر، و نصف ذلك للثيب، و ينزل في كتابها طلاقها بعد أن يقول الزوج أنت طالق مني مائة مرّة، و مختلعة مني، و في سعة أن تتزوّجي من شئت، و لا يقع طلاق الحامل أبدا، نعم، إلّا أن يجوّزوه و يراجع الرجل امرأته ما لم تتزوج، فإن تزوّجت حرّمت عليه إلى الأبد. و الخيار بين المتبايعين ما لم ينقل المبيع إلى البائع. و الحدود عندهم على خمسة أوجه، حرق و رجم و قتل و تعزير و تغريم، فالحرق على من زنى بأمّ امرأته أو ربيبته أو بامرأة أبيه أو امرأة ابنه، و القتل على من قتل. و الرجم على المحصن إذا زنى أو لاط، و على المرأة إذا مكنت من نفسها بهيمة. و التعزير (1) على من قذف، و التغريم على من سرق، و يرون أن البينة على المدّعي، و اليمين على من أنكر.

و عندهم أنّ من أتى بشي‏ء من سبعة و ثلاثين عملا في يوم السبت أو ليلته استحق القتل و هي: كرب الأرض، و زرعها، و حصاد الزرع، و سياقة الماء إلى الزرع، و حلب اللبن، و كسر الحطب، و إشعال النار، و عجن العجين، و خبزه، و خياطة الثوب، و غسله، و نسج‏

____________

(1) التعزير: تأديب لا يبلغ الحدّ الشرعي.

388

سلكين، و كتابة حرفين أو نحوهما، و أخذ الصيد، و ذبح الحيوان، و الخروج من القرية، و الانتقال من بيت إلى آخر، و البيع، و الشراء، و الدق، و الطحن، و الاحتطاب، و قطع الخبز، و دق اللحم، و إصلاح النعل إذا انقطعت، و خلط علف الدابة، و لا يجوز للكاتب أن يخرج يوم السبت من منزله و معه قلمه، و لا الخياط و معه إبرته، و كل من عمل شيئا استحق به القتل فلم يسلم نفسه فهو ملعون‏ (1).

ذكر قبط مصر و دياناتهم القديمة، و كيف تنصروا ثم صاروا ذمّة للمسلمين، و ما كان لهم في ذلك من القصص و الأنباء، و ذكر الخبر عن كنائسهم و دياراتهم، و كيف كان ابتداؤها و مصير أمرها

اعلم أن جميع أهل الشرائع اتباع الأنبياء (عليهم السلام) من المسلمين و اليهود و النصارى قد أجمعوا على أن نوحا (عليه السلام) هو الأب الثاني للبشر، و أن العقب من آدم (عليه السلام) انحصر فيه، و منه ذرأ اللّه تعالى جميع أولاد آدم، فليس أحد من بني آدم إلّا و هو من أولاد نوح، و خالفت القبط و المجوس و أهل الهند و الصين ذلك، فأنكروا الطوفان و زعم بعضهم أن الطوفان إنما حدث في إقليم بابل و ما وراءه من البلاد الغربية فقط، و أن أولاد كيومرت الذي هو عندهم الإنسان الأوّل كانوا بالبلاد الشرقية من بابل، فلم يصل الطوفان إليهم و لا إلى الهند و الصين. و الحق ما عليه أهل الشرائع، و أن نوحا (عليه السلام) لما أنجاه اللّه و من معه بالسفينة نزل بهم و هم ثمانون رجلا سوى أولاده، فماتوا بعد ذلك و لم يعقبوا، و صار العقب من نوح في أولاده الثلاثة، و يؤيد هذا قول اللّه تعالى عن نوح:

وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ‏ [الصافات/ 77] و كان من خبر ذلك أن أولاد نوح الثلاثة، و هم سام و حام و يافث اقتسموا الأرض. فصار لبني سام بن نوح أرض العراق و فارس إلى الهند، ثم إلى حضرموت و عمان و البحرين. و عالج و يبرين و وبار و الدو والد هنا و جميع أرض اليمن و أرض الحجاز.

و صار لبني حام بن نوح جنوب الأرض مما يلي أرض مصر مغربا إلى بلاد المغرب الأقصى.

و صار لبني يافث بن نوح بحر الخزر مشرقا إلى الصين.

فكان من ذرية سام بن نوح القضاعيون و الفرس و السريانيون و العبرانيون و العرب المستعربة و النبط و عاد و ثمود و الأمورانيون و العماليق و أمم الهند و أهل السند و عدّة أمم قد بادت.

____________

(1) لم يذكر إلّا سبع و عشرين عملا.

389

و كانت ذرية حام بن نوح من أربعة أولاده الذين هم: كوش و مصرايم و قفط و كنعان، فمن كوش الحبشة و الزنج، و من مصرايم قبط مصر و النوبة، و من قفط الأفارقة أهل إفريقية و من جاورهم إلى المغرب الأقصى، و من كنعان أمم كانت بالشام حاربهم موسى بن عمران (عليه السلام) و قومه من بني إسرائيل، و منهم أجناس عديدة من البربر درجوا. و كانت مساكن بني حام من صيدا إلى أرض مصر، ثم إلى آخر إفريقية نحو البحر المحيط، و انتشروا فيما بين ذلك إلى الجنوب و هم ثلاثون جنسا.

و كان من ذرية يافث بن نوح: الصقلب و الفرنجة و الغالليون من قبائل الروم و الغوط و أهل الصين و قوم عرفوا بالمادنيين و اليونانيون و الروم الفريقيون و قبائل الأتراك و يأجوج و مأجوج و أهل قبرس و ردوس، و عدّة بني يافث خمسة عشر جنسا، سكنوا القطر الشماليّ إلى البحر المحيط، فضاقت بهم بلادهم و لم تسعهم لكثرتهم، فخرجوا منها و تغلبوا على كثير من بلاد بني سام بن نوح.

و ذكر الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب، أنّ القبط تنسب إلى قبطيم بن مصرايم بن مصر بن حام بن نوح، و أن قبطيم أوّل من عمل العجائب بمصر و أثار بها المعادن و شق الأنهار لما ولي أرض مصر بعد أبيه مصرايم، و أنه لحق بلبلة الألسن، و خرج منها و هو يعرف اللغة القبطية، و أنه ملك مدّة ثمانين سنة و مات، فاغتمّ لموته بنوه و أهله و دفنوه في الجانب الشرقيّ من النيل بسرب تحت الجبل الكبير، فقام من بعده في ملك مصر ابنه قفطيم بن قبطيم، و زعم بعض النسابة أن مصر بن حام بن نوح، و يقال له مصرايم، و يقال بل مصريم بن هرمس بن هردوس جدّ الإسكندر، و قيل بل قفط بن حام بن نوح نكح بخت بنت يتاويل بن ترسل بن يافث بن نوح، فولدت له بوقير، و قبط أبا قبط مصر. قال ابن إسحاق: و من هاهنا قالوا إن مصر بن حام بن نوح، و إنما هو مصر بن هرمس بن هردوس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان، و به سميت مصر، فهي مقدونية، و قيل القبط من ولد قبط بن مصر بن قفط بن حام بن نوح، و بمصر هذا سميت مصر.

ذكر ديانة القبط قبل تنصرهم‏

اعلم أن قبط مصر كانوا في غابر الدهر أهل شرك بالله، يعبدون الكواكب و يقرّبون قرابينهم و يقيمون على أسمائها التماثيل، كما هي أفعال الصابئة. و ذكر ابن وصيف شاه: أن عبادة الأصنام أوّل ما عرفت بمصر أيام قفطريم بن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح، و ذلك أن إبليس أثار الأصنام التي غرّقها الطوفان و زين للقبط عبادتها، و أن البودشير بن قبطيم أوّل من تكهن و عمل بالسحر، و أن مناوش بن منقاوش أوّل من عبد البقر من أهل مصر. و ذكر الموفق أحمد بن أبي القاسم بن خليفة المعروف بابن أبي أصيبعة أنه كان للقبط مذهب مشهور من مذاهب الصابئة، و لهم هياكل على أسماء الكواكب يحج إليها

390

الناس من أقطار الأرض، و كانت الحكماء و الفلاسفة ممن سواهم تتهافت عليهم و تريد التقرّب إليهم، لما كان عندهم من علوم السحر و الطلسمات و الهندسة و النجوم و الطب و الحساب و الكيمياء، و لهم في ذلك أخبار كثيرة، و كانت لهم لغة يختصون بها، و كانت خطوطهم ثلاثة أصناف: خط العامّة، و خط الخاصة، و هو خط الكهنة المختصر، و خط الملوك. و قال ابن وصيف شاه: كانت كهنة مصر أعظم الكهان قدرا و أجلها علما بالكهانة، و كانت حكماء اليونانيين تصفهم بذلك و تشهد لهم به، فيقولون اختبرنا حكماء مصر بكذا و كذا، و كانوا ينحون بكهانتهم نحو الكواكب و يزعمون أنها هي التي تفيض عليهم العلوم و تخبرهم بالغيوب، و هي التي تعلمهم أسرار الطوالع و صفة الطلاسم، و تدلهم على العلوم المكتومة و الأسماء الجليلة المخزونة، فعملوا الطلسمات المشهورة و النواميس الجليلة، و ولدوا الأشكال الناطقة و صوّروا الصور المتحرّكة، و بنوا العالي من البنيان، و زبروا علومهم في الحجارة، و عملوا من الطلسمات ما دفعوا به الأعداء عن بلادهم، فحكمهم باهرة، و عجائبهم ظاهرة، و كانت أرض مصر خمسا و ثمانين كورة منها: أسفل الأرض خمس و أربعون كورة، و منها بالصعيد أربعون كورة، و كان في كل كورة رئيس من الكهنة و هم السحرة، و كان الذي يتعبد منهم للكواكب السبعة السيارة سبع سنين يسمونه باهر، و الذي يتعبد منهم لها تسعا و أربعين سنة لكلّ كوكب سبع سنين يسمونه قاطر، و هذا يقوم له الملك إجلالا و يجلسه معه إلى جانبه، و لا يتصرّف إلّا برأيه، و تدخل الكهنة و معهم أصحاب الصنائع فيقفون حذاء القاطر، و كان كلّ كاهن منهم ينفرد بخدمة كوكب من الكواكب السبعة السيارة لا يتعدّاه إلى سواه، و يدعي بعبد ذلك الكوكب فيقال: عبد القمر، عبد عطارد، عبد الزهرة، عبد الشمس، عبد المريخ، عبد المشتري، عبد زحل. فإذا وقفوا جميعا قال القاطر لأحدهم: أين صاحبك اليوم؟ فيقول في برج كذا و درجة كذا و دقيقة كذا. ثم يقول للآخر كذلك، فيجيبه حتى يأتي على جميعهم، و يعرف أماكن الكواكب من فلك البروج ثم يقول للملك ينبغي أن تعمل اليوم كذا، أو تأكل كذا، أو تجامع في وقت كذا، أو تركب وقت كذا، إلى آخر ما يحتاج إليه، و الكاتب قائم بين يديه يكتب ما يقول، ثم يلتفت القاطر إلى أهل الصناعات و يخرجهم إلى دار الحكمة فيضعون أيديهم في الأعمال التي يصلح عملها في ذلك اليوم، ثم يؤرخ ما جرى في ذلك اليوم في صحيفة و تخزن في خزائن الملك، و كان الملك إذا همه أمر جمع الكهان خارج مدينة منف، و قد اصطف الناس لهم بشارع المدينة، ثم يدخل الكهان ركبانا على قدر مراتبهم و الطبل بين أيديهم، و ما منهم إلّا من أظهر أعجوبة قد عملها، فمنهم من يعلو وجهه نور كهيئة نور الشمس لا يقدر أحد على النظر إليه، و منهم من على بدنه جواهر مختلفة الألوان قد نسجت على ثوب، و منهم من يتوشح بحيات عظيمة، و منهم من يعقد فوقه قبة من نور، إلى غير ذلك من بديع أعمالهم، و يصيرون كذلك إلى حضرة الملك فيخبرهم بما نزل به، فيجيلون رأيهم فيه حتى يتفقوا على ما يصرفونه به،

391

و هذا أعزك اللّه من خبرهم لما كان الملك فيهم، فلما استولت العماليق على ملك مصر و ملكتها الفراعنة، ثم تداولتها من بعدهم أجناس أخر، تناقصت علوم القبط شيئا بعد شي‏ء إلى أن تنصروا، فغادروا عوائد أهل الشرك، و اتبعوا ما أمروا به من دين النصرانية، كما ستقف عليه تلو هذا إن شاء اللّه تعالى.

ذكر دخول قبط مصر في دين النصرانية

اعلم أن النصارى اتباع عيسى نبيّ اللّه ابن مريم (عليه السلام)، سموا نصارى، لأنهم ينتسبون إلى قرية الناصرة من جبل الجليل، بالجيم، و يعرف هذا الجبل بجبل كنعان، و هو الآن في زمننا من جملة معاملة صفد، و الأصل في تسميتهم نصارى: أنّ عيسى ابن مريم (عليه السلام) لما ولدته أمّه مريم ابنة عمران ببيت لحم خارج مدينة بيت المقدس، ثم سارت به إلى أرض مصر و سكنتها زمانا، ثم عادت به إلى أرض بني إسرائيل قومها، نزلت قرية الناصرة، فنشأ عيسى بها و قيل له يسوع الناصريّ، فلما بعثه اللّه تعالى رسولا إلى بني إسرائيل، و كان من شأنه ما ستراه، إلى أن رفعه اللّه إليه، تفرّق الحواريون، و هم الذين آمنوا به، في أقطار الأرض يدعون الناس إلى دينه، فنسبوا إلى ما نسب إليه نبيهم عيسى ابن مريم، و قيل لهم الناصرية، ثم تلاعب العرب بهذه الكلمة و قالوا نصارى.

قال ابن سيده: و نصرى و ناصرة و نصورية: قرية بالشام، و النصارى منسوبون إليها، هذا قول أهل اللغة، و هو ضعيف. إلّا أن نادر النسب يسيغه، و أما سيبويه فقال: أما النصارى فذهب الخليل إلى أنه جمع نصري و نصران، كما قالوا ندمان و ندامى و لكنهم حذفوا إحدى اليائين كما حذفوا من أثقية و أبدلوا مكانها ألفا. قال: و أما الذي نوجهه نحن عليه فإنه جاء على نصران، لأنه قد تكلم به، فكأنك جمعت و قلت نصارى كما قلت ندامى، فهذا أقيس، و الأوّل مذهب، و إنما كان أقيس لأنا لم نسمعهم قالوا نصرى، و التنصر الدخول في دين النصرانية، و نصره جعله كذلك، و الأنصر الأقلف، و هو من ذلك، لأنّ النصارى قلف، و في شرح الإنجيل أن معنى قرية ناصرة الجديدة، و النصرانية التجدّد، و النصرانيّ المجدّد، و قيل نسبوا إلى نصران، و هو من أبنية المبالغة، و معناه أن هذا الدين في غير عصابة صاحبه، فهو دين من ينصره من أتباعه. و إذا تقرّر هذا فاعلم «أنّ المسيح روح اللّه و كلمته ألقاها إلى مريم» (1) (عيسى) و أصل اسمه بالعبرانية التي هي لغة أمّه و آبائها إنما هو ياشوع، و سمته النصارى يسوع، و سماه اللّه تعالى و هو أصدق القائلين عيسى، و معنى يسوع في اللغة السريانية المخلّص، قاله في شرح الإنجيل، و نعته بالمسيح، و هو الصدّيق، و قيل لأنه كان لا يمسح بيده صاحب عاهة إلّا برأ، و قيل لأنه كان يمسح رؤوس اليتامى، و قيل‏

____________

(1) مأخوذة من الآية 157 من سورة النساء.

392

لأنه خرج من بطن أمّه ممسوحا بالدهن، و قيل لأن جبريل (عليه السلام) مسحه بجناحه عند ولادته صونا له من مس الشيطان، و قيل المسيح اسم مشتق من المسح، أي الدهن، لأنّ روح القدس قام بجسد عيسى مقام الدهن الذي كان عند بني إسرائيل يمسح به الملك، و يمسح به الكهنوت، و قيل لأنه مسح بالبركة، و قيل لأنه أمسح الرجلين، ليس لرجليه أخمص، و قيل لأنه يمسح الأرض بسياحته، لا يستوطن مكانا، و قيل هي كلمة عبرانية أصلها ماسيح، فتلاعبت بها العرب و قالت مسيح.

و كان من خبره (عليه السلام) أن مريم ابنة عمران بينما هي في محرابها إذ بشرها اللّه تعالى بعيسى، فخرجت من بيت المقدس و قد اغتسلت من المحيض فتمثل لها الملك بشرا في صورة يوسف بن يعقوب النجار أحد خدّام القدس، فنفخ في جيبها فسرت النفخة إلى جوفها فحملت بعيسى كما تحمل النساء، بغير ذكر، بل حلت نفخة الملك منها محل اللقاح، ثم وضعت بعد تسعة أشهر و قيل بل وضعت في يوم حملها بقرية بيت لحم من عمل مدينة القدس في يوم الأربعاء خامس عشري كانون الأوّل، و تاسع عشري كيهك سنة تسع عشرة و ثلاثمائة للإسكندر، فقدمت رسل ملك فارس في طلبه و معهم هدية لها فيها ذهب و مرّ و لبان، فطلبه هيرودس ملك اليهود بالقدس ليقتله، و قد أنذر به، فسارت أمه مريم به و عمره سنتان على حمار و معها يوسف النجار حتى قدموا إلى أرض مصر فسكنوها مدّة أربع سنين، ثم عادوا، و عمر عيسى ست سنين، فنزلت به مريم قرية الناصرة من جبل الجليل فاستوطنتها فنشأ بها عيسى حتى بلغ ثلاثين سنة، فسار هو و ابن خالته يحيى بن زكريا (عليهما السلام) إلى نهر الأردن، فاغتسل عيسى فيه فحلت عليه النبوّة، فمضى إلى البرّية و أقام بها أربعين يوما لا يتناول طعاما و لا شرابا فأوحى اللّه إليه بأن يدعو بني إسرائيل إلى عبادة اللّه تعالى، فطاف القرى و دعا الناس إلى اللّه تعالى، و أبرأ الأكمه و الأبرص و أحيى الموتى بإذن اللّه، و بكّت‏ (1) اليهود و أمرهم بالزهد في الدنيا و التوبة من المعاصي، فآمن به الحواريون و كانوا قوما صيادين و قيل قصارين و قيل ملاحين و عددهم اثنا عشر رجلا و صدقوا بالإنجيل الذي أنزله اللّه تعالى عليه، و كذّبه عامّة اليهود و ضللوه و اتهموه بما هو بري‏ء منه، فكانت له و لهم عدّة مناظرات آلت بهم إلى أن اتفق أحبارهم على قتله، و طرقوه ليلة الجمعة، فقيل أنه رفع عند ذلك، و قيل بل أخذوه و أتوا به إلى بلاطس النبطيّ‏ (2) شحنة القدس من قبل الملك طيباريوس قيصر، و راودوه على قتله و هو يدفعهم عنه حتى غلبوه على رأيه، بأن دينهم اقتضى قتله، فأمكنهم منه، و عندما أدنوه من الخشبة ليصلبوه رفعه اللّه إليه، و ذلك في الساعة السادسة من يوم الجمعة خامس عشر شهر نيسن، و تاسع عشري شهر برمهات، و خامس عشر شهر آذار، و سابع عشر شهر ذي القعدة، و له من العمر ثلاث‏

____________

(1) بكّت: وبّخ.

(2) في الإنجيل: البنطي. انظر إنجيل متى الإصحاح 27 الآية 2، و أعمال الرسل الإصحاح 4 الآية 27.

393

و ثلاثون سنة و ثلاثة أشهر، فصلبوا الذي شبه لهم، و صلبوا معه لصين و سمروهم بمسامير الحديد، و اقتسم الجند ثياب المصلوب، فغشيت الأرض ظلمة دامت ثلاث ساعات‏ (1) حتى صار النهار شبه الليل و رؤيت النجوم، و كان مع ذلك هزة و زلزلة، ثم أنزل المصلوب عن الخشبة بكرة يوم السبت و دفن تحت صخرة في قبر جديد، و وكل بالقبر من يحرسه لئلا يأخذ المقبور أصحابه، فزعم النصارى أن المقبور قام من قبره ليلة الأحد سحرا، و دخل عشية ذلك اليوم على الحواريين و حادثهم و وصاهم، ثم بعد الأربعين يوما من قيامه صعد إلى السماء و الحواريون يشاهدونه، فاجتمعوا بعد رفعه بعشرة أيام في علية صيون التي يقال لها اليوم صهيون خارج القدس، و ظهرت لهم خوارق، فتكلموا بجميع الألسن فآمن بهم فيما يذكر زيادة على ثلاثة آلاف إنسان‏ (2). فأخذهم اليهود و حبسوهم، فظهرت كرامتهم و فتح اللّه لهم باب السجن ليلا (3)، فخرجوا إلى الهيكل و طفقوا يدعون الناس، فهمّ اليهود بقتلهم، و قد آمن بهم نحو الخمسة آلاف إنسان، فلم يتمكنوا من قتلهم، فتفرّق الحواريون في أقطار الأرض يدعون إلى دين المسيح‏ (4)، فسار بطرس رأس الحواريين و معه شمعون الصفا إلى أنطاكية و رومية، فاستجاب لهم بشر كثير، و قتل في خامس أبيب، و هو عيد القصرية. و سار أندراوس أخوه إلى نيقية و ما حولها، فآمن به كثير، و مات في بزنطية في رابع كيهك، و سار يعقوب بن زبدي أخو يوحنا الإنجيليّ إلى بلد ابدينية، فتبعه جماعة و قتل في سابع عشر برمودة، و سار يوحنا الإنجيليّ إلى آسيا و أفسيس و كتب انجيله باليونانيّ بعد ما كتب متى و مرقص و لوقا أناجيلهم، فوجدهم قد قصروا في أمور فتكلم عليها، و كان ذلك بعد رفع المسيح بثلاثين سنة، و كتب ثلاث رسائل و مات، و قد أناف على مائة سنة، و سار فيلبس إلى قيسارية و ما حولها و قتل بها في ثامن هاتور، و قد اتبعه جماعات من الناس.

و سار برتولوماوس إلى أرمينية و بلاد البربر و واحات مصر، فآمن به كثير، و قتل و سار توما إلى الهند فقتل هناك. و سار متى العشار إلى فلسطين و صور و صيدا و مدينة بصرى و كتب إنجيله بالعبرانيّ بعد رفع المسيح بتسع سنين، و نقله يوحنا إلى اللغة الرومية، و قتل متى بقرطاجنة في ثامن عشر بابه بعد ما استجاب له بشر كثير. و سار يعقوب بن حلفا إلى بلاد الهند و رجع إلى القدس و قتل في عاشر امشير. و سار يهوذا بن يعقوب من أنطاكية إلى الجزيرة فآمن به كثير من الناس و مات في ثاني أبيب. و سار شمعون إلى سميساط و حلب و منبج و بزنطية و قتل في سابع أبيب. و سارميتاس إلى بلاد الشرق و قتل في ثامن عشر

____________

(1) انظر إنجيل متّى الإصحاح 27 من الآية 45 حتى نهاية الإصحاح 28، و إنجيل مرقس الإصحاح 15 من الآية 33 حتى نهاية الإصحاح 16، و إنجيل لوقا الإصحاح 23 من الآية 44 حتى نهاية الإصحاح 24.

(2) انظر أعمال الرسل الإصحاح الأول حتى نهاية الثالث.

(3) انظر أعمال الرسل الإصحاح 5 الآيات من 17 حتى 25.

(4) يمكنك العودة إلى أعمال الرسل للوقوف على كل ذلك.

394

برمهات. و سار بولص الطرسوسيّ إلى دمشق و بلاد الروم و رومية فقتل في خامس أبيب.

و تفرّق أيضا سبعون رسولا أخر في البلاد، فآمن بهم الخلائق، و من هؤلاء السبعين:

مرقص الإنجيليّ، و كان اسمه أوّلا يوحنا، فعرف ثلاثة ألسن، الفرنجيّ و العبرانيّ و اليونانيّ، و مضى إلى بطرس برومية و صحبه و كتب الإنجيل عنده بالفرنجية بعد رفع المسيح باثنتي عشرة سنة، و دعا الناس برومية و مصر و الحبشة و النوبة، و أقام حنانيا أسقفا على الإسكندرية، و خرج إلى برقة فكثرت النصارى في أيامه، و قتل في ثاني عيد الفسح بالإسكندرية. و من السبعين أيضا لوقا الإنجيليّ الطبيب، تلميذ بولص، كتب الإنجيل باليونانية عن بولص بالإسكندرية بعد رفع المسيح بعشرين سنة، و قيل باثنتين و عشرين سنة، و لما فرّ بطرس رأس الحواريين من حبس رومية و نزل بأنطاكية أقام بها داريوس بطركا، و أنطاكية أحد الكراسي الأربعة التي للنصارى و هي: رومية و الإسكندرية و القدس و أنطاكية، فأقام داريوس بطرك أنطاكية سبعا و عشرين سنة و هو أوّل بطاركتها، و توارث من بعده البطاركة بها البطركية واحدا بعد واحد. و دعا شمعون الصفا برومية خمسا و عشرين سنة، فآمنت به بطركية (1) و سارت إلى القدس، و كشفت عن خشبات الصليب و سلمتها إلى يعقوب بن يوسف الأسقف و بنت هناك كنيسة و عادت إلى رومية، و قد اشتدّت على دين النصرانية، فآمن معها عدّة من أهلها. و اجتمع الرسل بمدينة رومية و وضعوا القوانين و أرسلوها على يد قليموس تلميذ بطرس، فكتبوا فيها عدد الكتب التي يجب قبولها من العتيقة و الجديدة، فأمّا العتيقة فالتوراة، و كتاب يوشع بن نون، و كتاب القضاة، و كتاب راغون، و كتاب يهوديت، و سير الملوك، و سفر بنيامين، و كتب المقانين، و كتاب عزرة، و كتاب أستير، و قصة هامان، و كتاب أيوب، و كتاب مزامير داود، و كتب سليمان بن داود، و كتب الأنبياء و هي ستة عشر كتابا، و كتاب يوشع بن شيراخ، و أما الكتب الحديثة:

فالأناجيل الأربعة، و كتاب القليتليقون، و كتاب بولص، و كتاب الأبركسيس، و هو قصص الحواريين، و كتاب قليموس، و فيه ما أمر به الحواريون و ما نهوا عنه.

و لما قتل الملك نيرون قيصر بطرس رأس الحواريين برومية، أقيم من بعده أريوس بطرك رومية، و هو أوّل بطرك صار على رومية، فأقام في البطركية اثنتي عشرة سنة، و قام من بعده البطاركة بها واحدا بعد واحد إلى يومنا هذا الذي نحن فيه.

و لما قتل يعقوب اسقف القدس على يد اليهود، هدموا بعده البيعة و أخذوا خشبة الصليب و الخشبتين معها و دفنوها و ألقوا على موضعها ترابا كثيرا، فصار كوما عظيما حتى أخرجتها هيلانة أم قسطنطين كما ستراه قريبا إن شاء اللّه تعالى. و أقيم بعد قتل يعقوب‏

____________

(1) البطركية: هي مكان إقامة البطرك. و التي كشفت عن خشبة الصليب هي هيلانة أم قسطنطين كما سيرد في هذا الكتاب و غير واضح معنى قوله آمنت به بطركيه و سارت إلى القدس.

395

سمعان ابن عمه أسقف القدس، فمكث اثنتين و أربعين سنة أسقفا. و مات، فتداول الأساقفة بعده الأسقفية بالقدس واحدا بعد آخر.

و لما أقام مرقص حناينا و يقال أناينو بطرك الإسكندرية، جعل معه اثني عشر قسا و أمرهم إذا مات البطرك أن يجعلوا عوضه واحدا منهم، و يقيموا بدل ذلك القس واحدا من النصارى حتى لا يزالوا أبدا اثني عشر قسا، فلم تزل البطاركة تعمل من القسوس إلى أن اجتمع ثلاثمائة و ثمانية عشر كما ستراه إن شاء اللّه تعالى، و كان بطرك الإسكندرية يقال له البابا من عهد حنانيا هذا أوّل بطاركة الإسكندرية إلى أن أقيم ديمتريوس، و هو الحادي عشر من بطاركة الإسكندرية، و لم يكن بأرض مصر أساقفة، فنصب الأساقفة بها و كثروا، فغزاها في بطركيته هرقل، و صار الأساقفة يسمون البطرك الأب، و القسوس و سائر النصارى يسمون الأسقف الأب، و يجعلون لفظة البابا تختص ببطرك الإسكندرية، و معناها أبو الآباء، ثم انتقل هذا الاسم عن كرسي الإسكندرية إلى كرسي رومية، من أجل أنه كرسي بطرس رأس الحواريين، فصار بطرك رومية يقال له البابا، و استمرّ على ذلك إلى زمننا الذي نحن فيه، و أقام أناينو و هو حناينا في بطركية الإسكندرية اثنتين و عشرين سنة و مات في عشري هاتور، سنة سبع و ثمانين لظهور المسيح، فأقيم بعده مينيو، فأقام اثنتي عشرة سنة و تسعة أشهر و مات، و في أثناء ذلك ثار اليهود على النصارى و أخرجوهم من القدس، فعبروا الأردن و سكنوا تلك الأماكن، فكان بعد هذا بقليل خراب القدس و جلاية اليهود و قتلهم على يد طيطش. و يقال طيطوس، بعد رفع المسيح بنحو أربع و أربعين سنة، فكثرت النصارى في أيام بطركية مينيو و عاد كثير منهم إلى مدينة القدس بعد تخريب طيطش لها و بنوا بها كنيسة و أقاموا عليها سمعان أسقفا، ثم أقيم بعد مينيو في الإسكندرية في البطركية كرتيانو، و في أيام الملك انديانوس قيصر أصاب النصارى منه بلاء كثير، و قتل منهم جماعة كثيرة، و استعبد باقيهم، فنزل بهم بلاء لا يوصف في العبودية حتى رحمهم الوزراء و أكابر الروم و شفعوا فيهم، فمنّ عليهم قيصر و أعتقهم، و مات كرتيانو بطرك الإسكندرية في حادي عشر برمودة بعد ما دبر الكرسيّ إحدى عشرة سنة، و كان حميد السيرة، فقدم بعده ايريمو، فأقام اثنتي عشرة سنة، و مات في ثالث مسرى، و اشتدّ الأمر على النصارى في أيام الملك أريدويانوس و قتل منهم خلائق لا يحصى عددهم، و قدم مصر فأفنى من بها من النصارى، و خرّب ما بني في مدينة القدس من كنيسة النصارى و منعهم من التردّد إليها، و أنزل عوضهم بالقدس اليونانيين، و سمى القدس إيليا، فلم يتجاسر نصراني أن يدنو من القدس، و أقيم بعد موت إيريمو بطرك الإسكندرية بسطس، فأقام إحدى عشرة سنة، و مات في ثاني عشر بؤنة، فخلف بعده أرمانيون فأقام عشر سنين و أربعة أشهر و مات في عاشر بابة، فأقيم بعده موقيانو بطرك الإسكندرية تسع سنين و ستة أشهر و مات في سادس طوبه، فقدم بعده على الإسكندرية كلوتيانو فأقام أربع عشرة سنة و مات في تاسع أبيب، و في أيامه اشتدّ الملك أوليانوس قيصر

396

على النصارى و قتل منهم خلقا كثيرا، و قدّم على كرسيّ الإسكندرية بعد كلوتيانو غرنبو بطركا، فأقام اثنتي عشرة سنة و مات في خامس أمشير، و في أيام بطركيته اتفق رأي البطاركة بجميع الأمصار على حساب فصح النصارى و صومهم، و رتبوا كيف يستخرج، و وضعوا حساب الأبقطي، و به يستخرجون معرفة وقت صومهم و فصحهم، و استمرّ الأمر على ما رتبوه فيما بعد، و كانوا قبل ذلك يصومون بعد الغطاس أربعين يوما كما صام المسيح (عليه السلام)، و يفطرون. و في عيد الفسح يعملون الفسح مع اليهود فنقل هؤلاء البطاركة الصوم و أوصلوه بعيد الفسح، لأنّ عيد الفسح كانت فيه قيامة المسيح من الأموات بزعمهم، و كان الحواريون قد أمروا أن لا يغير عن وقته و أن يعملوه كلّ سنة في ذلك الوقت، ثم أقيم بكرسي الإسكندرية بعد غرنبو في البطركية بوليانوس، فأقام عشر سنين و مات في ثامن برمهات، فاستخلف بعده ديمتريوس، فأقام بعده في البطركية ثلاثا و ثلاثين سنة و مات، و كان فلاحا أميّا و له زوجة ذكر عنه أنه لم يجامعها قط، و في أيامه أثار الملك سوريانوس قيصر على النصارى بلاء كبيرا في جميع مملكته، و قتل منهم خلقا كثيرا، و قدم مصر و قتل جميع من فيها من النصارى و هدم كنائسهم، و بني بالإسكندرية هكيلا لأصنامه، ثم أقيم بعده في بطركية الإسكندرية باركلا، فأقام ست عشرة سنة و مات في ثامن كيهك، فلقي النصارى من الملك مكسيموس قيصر شدّة عظيمة، و قتل منهم خلقا كثيرا، فلما ملك فيلبش قيصر، أكرم النصارى و قدّم على بطركية الإسكندرية ديوسيوس، فأقام تسع عشرة سنة و مات في ثالث توت، و في أيامه كان الراهب انطونيوس المصريّ، و هو أوّل من ابتدأ بلبس الصوف، و ابتدأ بعمارة الديارات في البراري، و أنزل بها الرهبان، و لقي النصارى من الملك داقيوس قيصر شدّة، فإنه أمرهم أن يسجدوا لأصنامه، فأبوا من السجود لها فقتلهم أبرح قتلة، و فرّ منه الفتية أصحاب الكهف من مدينة أفسس و اختفوا في مغارة في جبل شرقيّ المدينة، و ناموا فضرب اللّه على آذانهم فلم يزالوا نائمين ثلاثمائة سنين و ازدادوا تسعا، فقام من بعده بالإسكندرية مكسيموس و أقام بطركا اثنتي عشرة سنة و مات في رابع عشر برمودة، فأقيم بعده تؤوبا بطركا مدّة سبع سنين و تسعة أشهر و مات، و كانت النصارى قبله تصلّي بالإسكندرية خفية من الروم خوفا من القتل، فلاطف تؤوبا الروم و أهدى إليهم تحفا جليلة حتى بنى كنيسة مريم بالإسكندرية، فصلى بها النصارى جهرا، و اشتدّ الأمر على النصارى في أيام الملك طيباريوس قيصر، و قتل منهم خلقا كثيرا، فلما كانت أيام دقلطيانوس قيصر خالف عليه أهل مصر و الإسكندرية، فقتل منهم خلقا كثيرا، و كتب بغلق كنائس النصارى، و أمر بعبادة الأصنام، و قتل من امتنع منها، فارتدّ خلائق كثيرة جدّا، و أقام في البطركية بعد تؤوبا بطرس، فأقام إحدى عشرة سنة و قتل في الإسكندرية بالسيف، و قتل معه امرأته و ابنتاه لامتناعهم من السجود للأصنام، فقام بعده تلميذه ارشلاوش، فأقام ستة أشهر و مات، و بدقلطيانوس هذا و قتله لنصارى مصر يؤرخ قبط مصر إلى يومنا هذا، كما قد ذكرناه في‏

397

تاريخ القبط عند ذكر التواريخ من هذا الكتاب، فراجعه. ثم قام من بعده مكسيمانوس قيصر، فاشتدّ على النصارى و قتل منهم خلقا كثيرا، حتى كانت القتلى منهم تحمل على العجل و ترمى في البحر، ثم قام بعد أرشلاوش في بطركية الإسكندرية اسكندروس تلميذ بطرس الشهيد، فأقام ثلاثا و عشرين سنة و مات في ثاني عشري برمودة، و في بطركيته كان مجمع النصارى بمدينة نيقية، و في أيامه كتب النصارى و غيرهم من أهل رومية إلى قسطنطين، و كان على مدينة بزنطية يحثونه على أن ينقذهم من جور مكسيمانوس، و شكوا إليه عتوّه، فأجمع على المسير لذلك، و كانت أمّه هيلاني من أهل قرى مدينة الرها (1) قد تنصرت على يد أسقف الرها، و تعلمت الكتب، فلما مرّ بقريتها قسطس صاحب شرطة دقلطيانوس رآها فأعجبته فتزوّجها و حملها إلى بزنطية، مدينته، فولدت له قسطنطين، و كان جميلا، فأنذر دقلطيانوس منجموه بأن هذا الغلام قسطنطين سيملك الروم و يبدّل دينهم، فأراد قتله، ففرّ منه إلى الرها و تعلم بها الحكمة اليونانية حتى مات دقلطيانوس، فعاد إلى بزنطية فسلمها له أبوه قسطس و مات، فقام بأمرها بعد أبيه إلى أن استدعاه أهل رومية، فأخذ يدبر في مسيره، فرأى في منامه كواكب في السماء على هيئة الصليب، و صوت من السماء يقول له احمل هذه العلامة تنتصر على عدوّك، فقص رؤياه على أعوانه و عمل شكل الصليب على أعلامه و بنوده و سار لحرب مكسيمانوس برومية، فبرز إليه و حاربه فانتصر قسطنطين عليه و ملك رومية و تحوّل منها فجعل دار ملكه قسطنطينية، فكان هذا ابتداء رفع الصليب و ظهوره في الناس، فاتخذه النصارى من حينئذ و عظموه حتى عبدوه، و أكرم قسطنطين النصارى و دخل في دينهم بمدينة نيقومديا في السنة الثانية عشرة من ملكه على الروم، و أمر ببناء الكنائس في جميع ممالكه و كسر الأصنام، و هدم بيوتها، و عمل المجمع بمدينة نيقية، و سببه أن الإسكندروس بطرك الإسكندرية منع آريوس من دخول الكنيسة و حرمه لمقاتلته، و نقل عن بطرس الشهيد بطرك إسكندرية أنه قال عن آريوس أنّ إيمانه فاسد، و كتب بذلك إلى جميع البطاركة، فمضى آريوس إلى الملك قسطنطين و معه أسقفان، فاستغاثوا به و شكوا الإسكندروس فأمر بإحضاره من الإسكندرية، فحضر هو و آريوس و جمع له الأعيان من النصارى ليناظروه، فقال آريوس كان الأب إذ لم يكن الابن، ثم أحدث الابن فصار كلمة له، فهو محدث مخلوق فوّض إليه الأب كلّ شي‏ء، فخلق الابن المسمى بالكلمة كلّ شي‏ء من السماوات و الأرض و ما فيهما، فكان هو الخالق بما أعطاه الأب، ثم إن تلك الكلمة تجسدت من مريم و روح القدس فصار ذلك مسيحا، فإذا المسيح معنيان كلمة و جسد، و هما جميعا مخلوقان. فقال الإسكندروس أيما أوجب، عبادة من خلقنا أو عبادة من لم يخلقنا؟

فقال آريوس بل عبادة من خلقنا أوجب. فقال الإسكندروس: فإن كان الابن خلقنا كما وصفت و هو مخلوق فعبادته أوجب من عبادة الأب الذي ليس بمخلوق، بل تكون عبادة

____________

(1) الرها: مدينة بالجزيرة بين الموصل و الشام.

398

الخالق كفرا و عبادة المخلوق إيمانا، و هذا أقبح القبيح، فاستحسن الملك قسطنطين كلام اسكندروس و أمره أن يحرم آريوس فحرمه. و سأل اسكندروس الملك أن يحضر الأساقفة، فأمر بهم فأتوه من جميع ممالكه، و اجتمعوا بعد ستة أشهر بمدينة نيقية و عدّتهم ألفان و ثلاثمائة و أربعون أسقفا مختلفون في المسيح، فمنهم من يقول الابن من الأب بمنزلة شعلة نار تعلقت من شعلة أخرى فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية عنها، و هذه مقالة سيليوس الصعيديّ و من تبعه، و منهم من قال إن مريم لم تحمل بالمسيح تسعة أشهر بل مرّ بأحشائها كمرور الماء بالميزاب، و هذا قول إليان و من تبعه، و منهم من قال المسيح بشر مخلوق و أن ابتداء الابن من مريم، ثم إنه اصطفى فصحبته النعمة الإلهية بالمحبة و المشيئة، و لذلك سمي ابن اللّه تعالى عن ذلك، و مع ذلك فاللّه واحد قيوم و أنكر هؤلاء الكلمة و الروح فلم يؤمنوا بهما، و هذا قول بولص السميساطيّ بطرك أنطاكية و أصحابه، و منهم من قال الآلهة ثلاثة صالح و طالح و عدل بينهما، و هذا قول مرقيون و أتباعه، و منهم من قال المسيح و أمه إلهان من دون اللّه، و هذا قول المرائمة من فرق النصارى، و منهم من قال بل اللّه خلق الابن و هو الكلمة في الأزل كما خلق الملائكة روحا طاهرة مقدّسة بسيطة مجرّدة عن المادّة، ثم خلق المسيح في آخر الزمان من أحشاء مريم البتول الطاهرة، فاتحد الابن المخلوق في الأزل بإنسان المسيح فصارا واحدا، و منهم من قال الابن مولود من الأب قبل كل الدهور، غير مخلوق، و هو جوهر من جوهره، و نور من نوره، و أن الابن اتحد بالإنسان المأخوذ من مريم فصارا واحدا و هو المسيح، و هذا قول الثلاثمائة و ثمانية عشر، فتحير قسطنطين في اختلافهم و كثر تعجبه من ذلك و أمر بهم فأنزلوا في أماكن و أجرى لهم الأرزاق و أمرهم أن يتناظروا حتى يتبين له صوابهم من خطأهم، فثبت الثلاثمائة و ثمانية عشر على قولهم المذكور و اختلف باقيهم فمال قسطنطين إلى قول الأكثر و أعرض عما سواه و أقبل على الثلاثمائة و أمر لهم بكراسي و أجلسهم عليها، و دفع إليهم سيفه و خاتمه، و بسط أيديهم في جميع مملكته، فباركوا عليه و وضعوا له كتاب قوانين الملوك و قوانين الكنيسة، و فيه ما يتعلق بالمحاكمات و المعاملات و المناكحات، و كتبوا بذلك إلى سائر المماليك، و كان رئيس هذا المجمع الإسكندروس بطرك الإسكندرية، و اسطارس بطرك أنطاكية، و مقاريوس أسقف القدس، و وجه سلطوس بطرك رومية بقسيسين اتفقا معهم على حرمان آريوس فحرموه و نفوه، و وضع الثلاثمائة و ثمانية عشر الأمانة المشهورة عندهم، و أوجبوا أن يكون الصوم متصلا بعيد الفسح على ما رتبه البطاركة في أيام الملك أوراليانوس قيصر كما تقدّم، و منعوا أن يكون للأسقف زوجة، و كان الأساقفة قبل ذلك إذا كان مع أحدهم زوجة لا يمنع منها إذا عمل أسقفا بخلاف البطرك، فإنه لا يكون له امرأة البتة، و انصرفوا من مجلس قسطنطين بكرامة جليلة، و الإسكندروس هذا هو الذي كسر الصنم النحاس الذي كان في هيكل زحل بالإسكندرية، و كانوا يعبدونه و يجعلون له عيدا في ثاني عشر هتور، و يذبحون له الذبائح‏

399

الكثيرة، فأراد الإسكندروس كسر هذا الصنم فمنعه أهل الإسكندرية، فاحتال عليهم و تلطف في حيلته إلى أن قرب العيد، فجمع الناس و وعظهم و قبح عندهم عبادة الصنم و حثهم على تركه، و أن يعمل هذا العيد لميكائيل رئيس الملائكة الذي يشفع فيهم عند الإله، فإن ذلك خير من عمل العيد للصنم، فلا يتغير عمل العيد الذي جرت عادة أهل البلد بعمله، و لا تبطل ذبائحهم فيه، فرضي الناس بهذا و وافقوه على كسر الصنم، فكسره و أحرقه و عمل بيته كنيسة على اسم ميكائيل، فلم تزل هذه الكنيسة بالإسكندرية إلى أن حرّقها جيوش الإمام المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، لما قدموا في سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة و استمرّ عيد ميكائيل عند النصارى بديار مصر باقيا يعمل في كلّ سنة.

و في السنة الثانية و العشرين من ملك قسطنطين سارت أمّه هيلاني إلى القدس و بنت به كنائس للنصارى، فدلها مقاريوس الأسقف على الصليب و عرّفها ما عملته اليهود، فعاقبت كهنة اليهود حتى دلوها على الموضع، فحفرته فإذا قبر و ثلاث خشبات، زعموا أنهم لم يعرفوا الصليب المطلوب من الثلاث خشبات إلّا بأن وضعت كل واحدة منها على ميت قد بلي، فقام حيا عندما وضعت عليه خشبة منها، فعملوا لذلك عيدا مدّة ثلاثة أيام عرف عندهم بعيد الصليب، و من حينئذ عبد النصارى الصليب، و عملت له هيلاني غلافا من ذهب و بنت كنيسة القيامة التي تعرف اليوم بكنيسة قمامة، و أقامت مقاريوس الأسقف على بناء بقية الكنائس، و عادت إلى بلادها، فكانت مدّة ما بين ولادة المسيح و ظهور الصليب ثلاثمائة و ثمان و عشرين سنة، ثم قام في بطركية الإسكندرية بعد اسكندروس تلميذه ايناسيوس الرسوليّ، فأقام ستا و أربعين سنة و مات بعد ما ابتلى بشدائد، و غاب عن كرسيه ثلاث مرّات، و في أيامه جرت مناظرات طويلة مع أوسانيوس للأسقف آلت إلى ضربه و فراره، فإنه تعصب لآريوس و قال: إنه لم يقل إن المسيح خلق الأشياء، و إنما قال به خلق كل شي‏ء لأنه كلمة اللّه التي بها خلق السماوات و الأراض، و إنما خلق اللّه تعالى جميع الأشياء بكلمته، فالأشياء به كوّنت لا أنه كوّنها، و إنما الثلاثمائة و ثمانية عشر تعدّوا عليه، و في أيامه تنصر جماعة من اليهود و طعن بعضهم في التوراة التي بأيدي اليهود، و أنهم نقصوا منها، و أن الصحيحة هي التي فسرها السبعون، فأمر قسطنطين اليهود بإحضارها، و عاقبهم على ذلك حتى دلوه على موضعها بمصر، فكتب بإحضارها فحملت إليه، فإذا بينها و بين توراة اليهود نقص ألف و ثلاثمائة و تسع و ستين سنة، زعموا أنهم نقصوها من مواليد من ذكر فيها لأجل المسيح، و في أيامه بعثت هيلاني بمال عظيم إلى مدينة الرها فبني به كنائسها العظيمة، و أمر قسطنطين بإخراج اليهود من القدس و ألزمهم بالدخول في دين النصرانية، و من امتنع منهم قتل، فتنصر كثير منهم و امتنع أكثرهم فقتلوا، ثم امتحن من تنصر منهم بأن جمعهم يوم الفسح في الكنيسة و أمرهم بأكل لحم الخنزير، فأبى أكثرهم أن يأكل منه، فقتل منهم في ذلك اليوم خلائق كثيرة جدّا.

400

و لما قام قسطنطين بن قسطنطين في الملك بعد أبيه، غلبت مقالة آريوس على القسطنطينية و أنطاكية و الإسكندرية، و صار أكثر أهل الإسكندرية و أرض مصر آريوسيين و منانيين، و استولوا على ما بها من الكنائس، و مال الملك إلى رأيهم، و حمل الناس عليه، ثم رجع عنه و زعم ابريس أسقف القدس أنه ظهر من السماء على القبر الذي بكنيسة القيامة شبه صليب من نور في يوم عيد العنصرة، لعشرة أيام من شهر أيار في الساعة الثالثة من النهار، حتى غلب نوره على نور الشمس، و رآه جميع أهل القدس عيانا، فأقام فوق القبر عدّة ساعات و الناس تشاهده، فآمن يومئذ من اليهود و غيرهم عدّة آلاف كثيرة. ثم لما ملك موليهانوس ابن عم قسطنطين اشتدّت نكايته للنصارى و قتل منهم خلقا كثيرا، و منعهم من النظر في شي‏ء من الكتب، و أخذ أواني الكنائس و الديارات، و نصب مائدة كبيرة عليها أطعمة مما ذبحه لأصنامه، و نادى من أراد المال فليضع البخور على النار، و ليأكل من ذبائح الحنفاء، و يأخذ ما يريد من المال، فامتنع كثير من الروم و قالوا نحن نصارى، فقتل منهم خلائق و محا الصليب من أعلامه و بنوده، و في أيامه سكن القدّيس أريانوس برّية الأردن و بني بها الديارات، و هو أوّل من سكن برّية الأردن من النصارى. فلما ملك يوسيانوس على الروم و كان متنصرا، عاد كل من كان فرّ من الأساقفة إلى كرسيه، و كتب إلى أبناسيوس بطرك الإسكندرية أن يشرح له الأمانة المستقيمة، فجمع الأساقفة و كتبوا له أن يلزم أمانة الثلاثمائة و ثمانية عشر. فثار أهل الإسكندرية على إيناسيوس ليقتلوه، ففرّ. و أقاموا بدله لوقيوس، و كان آريوسيا، فاجتمع مع الأساقفة بعد خمسة أشهر و حرموه و نفوه، و أعادوا ايناسيوس إلى كرسيه، فأقام بطركا إلى أن مات، فخلفه بطرس ثم وثب الآريسيون عليه بعد سنتين ففرّ منهم و أعادوا لوقيوس، فأقام بطركا ثلاث سنين، و وثب عليه أعداؤه ففرّ منهم، فردّوا بطرس في العشرين من أمشير، فأقام سنة. و قدم في أيام واليس ملك الروم آريوس أسقف أنطاكية إلى الإسكندرية بإذن الملك، و أخرج منها جماعة من الروم، و حبس بطرس بطركها و نصب بدله آريوس السميساطيّ، ففرّ بطرس من الحبس إلى رومية و استجار ببطركها، و كان واليس آريوسيا، فسار إلى زيارة كنيسة مارتوما بمدينة الرها و نفى أسقفها و جماعة معه إلى جزيرة رودس، و نفى سائر الأساقفة لمخالفتهم لرأيه ما عدا اثنين، و أقام في بطركية الإسكندرية طيماتاوس، فأقام سبع سنين و مات. و في أيامه كان المجمع الثاني من مجامع النصارى بقسطنطينية في سنة اثنتي عشرة و مائة لدقلطيانوس، فاجتمع مائة و خمسون أسقفا و حرموا مقدينون عدوّ روح القدس، و كلّ من قال بقوله. و سبب ذلك أنه قال أنّ روح القدس مخلوق، و حرموا معه غير واحد لعقائد شنيعة تظاهروا بها في المسيح، و زاد الأساقفة في الأمانة التي رتبها الثلاثمائة و ثمانية عشر: و نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب، قلت تعالى اللّه عما يقولون علوّا كبيرا، و حرّموا أن يزاد فيها بعد ذلك شي‏ء أو ينقص منها شي‏ء، و كان هذا المجمع بعد مجمع نيقية بثمان و خمسين سنة، و في‏

401

أيامه بنيت عدّة كنائس بالإسكندرية، و استتيب جماعة كثيرة من مقالة آريوس، و في أيامه أطلق للأساقفة و الرهبان أكل اللحم يوم الفسح ليخالفوا الطائفة المنانية، فإنهم كانوا يحرّمون أكل اللحم مطلقا، و ردّ الملك أغراديانوس كلّ من نفاه واليس من الأساقفة، و أمر أن يلزم كلّ واحد دينه ما خلا المنانية، ثم أقيم بكرسي الإسكندرية تاوفيلا، فأقام سبعا و عشرين سنة و مات في ثامن عشر بابه، و في أيامه ظهر الفتية أهل الكهف، و كان تاوداسيوس إذ ذاك ملكا على الروم، فبنى عليهم كنيسة و جعل لهم عيدا في كل سنة، و اشتدّ الملك تاوداسيوس على الأريسيين و ضيّق عليهم، و أمر فأخذت منهم كنائس النصارى بعد ما حكموها نحو أربعين سنة، و أسقط من جيشه من كان آريوسيا، و طرد من كان في ديوانه و خدمه منهم، و قتل من الحنفاء كثيرا، و هدم بيوت الأصنام بكلّ موضع، و في أيامه بنيت كنيسة مريم بالقدس، و في أيام الملك ارغاديوس بنى دير القصر المعروف الآن بدير البغل في جبل المقطم شرقيّ طرا خارج مدينة فسطاط مصر. ثم أقيم في بطركية الإسكندرية كرلص، فأقام اثنتين و ثلاثين سنة و مات في ثالث أبيب، و هو أوّل من أقام القومة في كنائس الإسكندرية و أرض مصر. و في أيامه كان المجمع الثالث من مجامع النصارى بسبب نسطورس بطرك قسطنطين، فإنه منع أن تكون مريم أمّ عيسى و قال: إنما ولدت مريم إنسانا اتحد بمشيئة الإله، يعني عيسى، فصار الاتحاد بالمشيئة خاصة لا بالذات، و أن إطلاق الإله على عيسى ليس هو بالحقيقة بل بالموهبة و الكرامة، و قال: إن المسيح حلّ فيه الابن الأزليّ و إني أعبده لأنّ الإله حلّ فيه، و إنه جوهران و أقنومان و مشيئة واحدة، و قال في خطبته يوم الميلاد: أن مريم ولدت إنسانا، و أنا لا أعتقد في ابن شهرين و ثلاثة الإلهية، و لا أسجد له سجودي للإله، و كان هذا هو اعتقاد تادروس و ديوادارس الأسقفين، و كان من قولهما أن المولود من مريم هو المسيح، و المولود من الأب هو الابن الأزليّ، و أنه حلّ في المسيح فسمي ابن اللّه بالموهبة و الكرامة، و أن الاتحاد بالمشيئة و الإرادة، و أثبتوا للّه تعالى عن قولهم ولدين، أحدهما بالجوهر و الآخر بالنعمة، فلما بلغ كرلص بطرك الإسكندرية مقالة نسطورس كتب إليه يرجعه عنها فلم يرجع، فكتب إلى أكليمس بطرك رومية، و إلى يوحنا بطرك أنطاكية، و إلى يوناليوس أسقف القدس يعرّفهم بذلك، فكتبوا بأجمعهم إلى نسطورس ليرجع عن مقالته فلم يرجع، فتواعد البطاركة على الاجتماع بمدينة أفسس، فاجتمع بها مائتا أسقف، و لم يحضر يوحنا بطرك أنطاكية، و امتنع نسطورس من المجي‏ء إليهم بعد ما كرّروا الإرسال في طلبه غير مرّة، فنظروا في مقالته و حرموه و نفوه، فحضر بعد ذلك يوحنا فعز عليه فصل الأمر قبل قدومه و انتصر لنسطورس و قال قد حرموه بغير حق، و تفرّقوا من أفسس على شرّ، ثم اصطلحوا و كتب المشرقيون صحيفة بأمانتهم و بحرمان نسطورس، و بعثوا بها إلى كرلص فقبلها و كتب إليهم بأن أمانته على ما كتبوا، فكان بين المجمع الثاني و بين هذا المجمع خمسون، و قيل خمس و خمسون سنة، و أما نسطورس فإنه نفي إلى صعيد مصر،

402

فنزل مدينة اخميم و أقام بها سبع سنين و مات، فدفن بها، و ظهرت مقالته فقبلها برصوما أسقف نصيبين، و دان بها نصارى أرض فارس و العراق و الموصل و الجزيرة إلى الفرات، و عرفوا إلى اليوم بالنسطورية.

ثم قدّم تاوداسيوس ملك الروم في الثانية من ملكه ديسقورس بطركا بالإسكندرية، فظهر في أيامه مذهب أوطاخي، أحد القنوميين بالقسطنطينية، و زعم أن جسد المسيح لطيف غير مساو لأجسادنا، و أن الابن لم يأخذ من مريم شيئا، فاجتمع عليه مائة و ثلاثون أسقفا و حرموه، و اجتمع بالإسكندرية كثير من اليهود في يوم الفسح و صلبوا صنما على مثال المسيح و عبثوا به، فثار بينهم و بين النصارى شرّ قتل فيه بين الفريقين خلق كثير، فبعث إليهم ملك الروم جيشا قتل أكثر يهود الإسكندرية، و كان المجمع الرابع من مجامع النصارى بمدينة خلقدونية، و سببه أن ديسقورس بطرك الإسكندرية قال أن المسيح جوهر من جوهرين، و قنوم من قنومين، و طبيعة من طبيعتين، و مشيئة من مشيئتين، و كان رأي مرقيانوس ملك الروم أنه جسد، و أهل مملكته أنه جوهران و طبيعتان و مشيئتان و قنوم واحد، فلما رأى الأساقفة أن هذا رأي الملك خافوه فوافقوه على رأيه ما خلا ديسقورس و ستة أساقفة، فإنهم لم يوافقوا الملك، و كتب من عداهم من الأساقفة خطوطهم بما اتفقوا عليه، فبعث ديسقورس يطلب منهم الكتاب ليكتب فيه، فلما وصل إليه كتابهم كتب فيه أمانته هو، و حرمهم و كل من يخرج عنها، فغضب الملك مرقيانوس و همّ بقتله، فأشير عليه بإحضاره و مناظرته، فأمر به فحضر و حضر ستمائة و أربعة و ثلاثون أسقفا، فأشار الأساقفة و البطاركة على ديسقورس بموافقة رأي الملك، و استمراره على رياسته، فدعا للملك، و قال لهم:

الملك لا يلزمه البحث في هذه الأمور الدقيقة، بل ينبغي له أن يشتغل بأمور مملكته و تدبيرها، و يدع الكهنة يبحثون عن الأمانة المستقيمة، فإنهم يعرفون الكتب، و لا يكون له هوى مع أحد، و يتبع الحق، فقالت بلخارية زوجة الملك مرقيانوس و كانت جالسة بإزائه، ياديسقورس قد كان في زمان أمي إنسان قويّ الرأس مثلك، و حرموه و نفوه عن كرسيه، تعني يوحنا فم الذهب بطرك قسطنطينية، فقال لها قد عملت ما جرى لأمّك و كيف ابتليت بالمرض الذي تعرفينه إلى أن مضت إلى جسد يوحنا فم الذهب و استغفرت فعوفيت، فحنقت من قوله و لكمته فانقلع له ضرسان، و تناولته أيدي الرجال فنتفوا أكثر لحيته، و أمر الملك بحرمانه و نفيه عن كرسيه، فاجتمعوا عليه و حرموه و نفوه، و أقيم عوضه برطاوس، و من هذا المجمع افترق النصارى و صاروا ملكية على مذهب مرقيانوس الملك، و يعقوبية على رأي ديسقورس، و ذلك في سنة ثلاث و تسعين و مائة لدقلطيانوس، و كتب مرقيانوس إلى جميع مملكته أن كل من لا يقول بقوله يقتل، فكان بين المجمع الثالث و بين هذا المجمع إحدى و عشرون سنة، و أما ديسقورس فإنه أخذ ضرسيه و شعر لحيته و أرسلها إلى الإسكندرية و قال: هذه ثمرة تعبي على الأمانة، فتبعه أهل إسكندرية و مصر، و توجه في‏