المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية - ج4

- أحمد بن علي المقريزي المزيد...
454 /
403

نفيه فعبر على القدس و فلسطين و عرّفهم مقالته فتبعوه، و قالوا بقوله، و قدّم عدّة أساقفة يعقوبية، و مات و هو منفيّ في رابع توت، فكانت مدّة بطركيته أربع عشرة سنة، و بقي كرسيّ المملكة بغير بطرك مدّة مملكة مرقيانوس، و قيل بل قدّم برطاوس، و قد اختلف في تسمية اليعقوبية بهذا، فقيل إن ديسقورس كان يسمي قبل بطركية يعقوب، و أنه كان يكتب و هو منفيّ إلى أصحابه بأن يثبتوا على أمانة المسكين المنفيّ يعقوب، و قيل بل كان له تلميذ اسمه يعقوب، و كان يرسله و هو منفيّ إلى أصحابه فنسبوا إليه، و قيل بل كان يعقوب تلميذ ساويرس بطرك أنطاكية، و كان على رأي ديسقورس، فكان ساويرس يبعث يعقوب إلى النصارى و يثبتهم على أمانة ديسقورس فنسبوا إليه، و قيل بل كان يعقوب كثير العبادة و الزهد يلبس خرق البراذع، فسمي يعقوب البراذعيّ من أجل ذلك، و أنه كان يطوف البلاد و يردّ الناس إلى مقالة ديسقورس، فنسب من اتبع رأيه إليه و سموا يعقوبية. و يقال ليعقوب أيضا يعقوب السروجيّ.

و في أيام مرقيانوس كان سمعان الحبيس صاحب العمود، و هو أوّل راهب سكن صومعة، و كان مقامه بمغارة في جبل أنطاكية، و لما مات مرقيانوس وثب أهل الإسكندرية على برطاوس البطرك و قتلوه في الكنيسة و حملوا جسده إلى الملعب الذي بناه بطليموس و أحرقوه بالنار من أجل أنه ملكيّ الاعتقاد فكانت مدّة بطركيته ست سنين، و أقاموا عوضه طيماتاوس، و كان يعقوبيا، فأقام ثلاث سنين، و قدم قائد من قسطنطينية فنفاه، و أقام عوضه ساويرس، و كان ملكيا، فأقام اثنتين و عشرين سنة و مات في سابع مسري. فلما ملك زنبون بن لاون الروم، أكرم اليعقوبية و أعزهم لأنه كان يعقوبيا، و كان يحمل إلى دير يوقنا كلّ سنة ما يحتاج إليه من القمح و الزيت، و هرب ساويرس من كرسيّ الإسكندرية إلى وادي هيب، و رجع طيماتاوس من نفيه، فأقام بطركا سنتين و مات. فأقيم بعده بطرس فأقام ثماني سنين و سبعة أشهر و ستة أيام و مات في رابع هتور، فأقيم بعده اثناسيوس، فأقام سبع سنين و مات في العشرين من توت، و في أيامه احترق الملعب الذي بناه بطلميوس. و أقيم يوحنا في بطركية الإسكندرية، و كان يعقوبيا، فأقام تسع سنين و مات في رابع بشنس، فخلا الكرسيّ بعده سنة، ثم أقيم يوحنا الحبيس، فأقام إحدى و عشرين سنة و مات في سابع عشري بشنس. فأقيم بعده ديسقورس الجديد، فأقام سنتين و خمسة أشهر و مات في سابع عشر بابه، و كتب إيليا بطرك القدس إلى نسطاس ملك الروم بأن يرجع عن مقالة اليعقوبية إلى مقالة الملكية، و بعث إليه جماعة من الرهبان بهدية سنية، فقبل هديته و أجاز الرهبان بجوائز جليلة و جهز له مالا جزيلا لعمارة الكنائس و الديارات و الصدقات، فتوجه ساويرس إلى نسطاس و عرّفه أن الحق هو اعتقاد اليعقوبية، فأمر أن يكتب إلى جميع مملكته بقبول قول ديسقورس و ترك المجمع الخلقدونيّ، فبعث إليه بطرك أنطاكية بأن هذا الذي فعلته غير واجب، و أن المجمع الخلقدونيّ هو الحق، فغضب الملك و نفاه و أقام بدله، فأمر إيليا

404

بطرك القدس بجمع الرهبان و رؤساء الديارات، فاجتمع له منهم عشرة آلاف نفس و حرموا نسطاس الملك، و من يقول بقوله، فأمر نسطاس بنفي إيليا إلى مدينة إيلة، فاجتمع بطاركة الملكية و أساقفتهم و حرموا الملك نسطاس و من يقول بقوله، و في أيام نسطايوس الملك ألزم الحنفاء أهل حرّان و هم الصابئة بالتنصر، فتنصر كثير منهم، و قتل أكثرهم على امتناعهم من دين النصرانية، و ردّ جميع من نفاه نسطاس من الملكية، فإنه كان ملكيا، و أقيم طيماتاوس في بطركية الإسكندرية، و كان يعقوبيا، فأقام ثلاث سنين و نفي، و أقيم بدله أبو ليناريوس و كان ملكيا، فجدّ في رجوع النصارى بأجمعهم إلى رأي الملكية، و بذل جهده في ذلك و ألزم نصارى مصر بقبول الأمانة المحدثة. فوافقوه و وافقه رهبان ديارات بومقار بوادي هبيب، هذا و يعقوب البراذعيّ يدور في كلّ موضع و يثبت أصحابه على الأمانة التي زعم أنها مستقيمة، و أمر الملك جميع الأساقفة بعمل الميلاد في خامس عشري كانون الأوّل، و بعمل الغطاس لست تخلو من كانون الثاني، و كان كثير منهم يعمل الميلاد و الغطاس في يوم واحد، و هو سادس كانون الثاني، و على هذا الرأي الأرمن إلى يومنا هذا، و في هذه الأيام ظهر يوحنا النحويّ بالإسكندرية و زعم أن الأب و الابن و روح القدس ثلاثة آلهة و ثلاث طبائع و جوهر واحد، و ظهر يوليان و زعم أن جسد المسيح نزل من السماء و أنه لطيف روحانيّ لا يقبل الآلام إلّا عند مقارفة الخطيئة، و المسيح لم يقارف خطيئته، فلذلك لم يصلب حقيقة و لم يتألم و لم يمت، و إنما ذلك كله خيال، فأمر الملك البطرك طيماتاوس أن يرجع إلى مذهب الملكية فلم يفعل، فأمر بقتله. ثم شفع فيه و نفي و أقيم بدله بولص، و كان ملكيا، فأقام سنتين فلم يرضه اليعاقبة، و قيل أنهم قتلوه و صيروا عوضه بطركا ديلوس، و كان ملكيا فأقام خمس سنين في شدّة من التعب و أرادوا قتله فهرب، و أقام في هربه خمس سنين و مات، فبلغ ملك الروم يوسطيانوس أن اليعقوبية قد غلبوا على الإسكندرية و مصر، و أنهم لا يقبلون بطاركته، فبعث أثوليناريوس أحد قوّاده و ضم إليه عسكرا كبيرا إلى الإسكندرية، فلما قدمها و دخل الكنيسة نزع عنه ثياب الجند و لبس ثياب البطاركة و قدّس، فهمّ ذلك الجمع برجمه فانصرف. و جمع عسكره و أظهر أنه قد أتاه كتاب الملك ليقرأه على الناس، و ضرب الجرس في الإسكندرية يوم الأحد، فاجتمع الناس إلى الكنيسة حتى لم يبق أحد، فطلع المنبر و قال: يا أهل الإسكندرية، إن تركتم مقالة اليعقوبية و إلّا أخاف أن يرسل الملك فيقتلكم و يستبيح أموالكم و حريمكم، فهموا برجمه، فأشار إلى الجند فوضعوا السيف فيهم، فقتل من الناس ما لا يحصى عدده، حتى خاض الجند في الدماء، و قيل إنّ الذي قتل يومئذ مائتا ألف إنسان، و فرّ منهم خلق إلى الديارات بوادي هبيب، و أخذ الملكية كنائس اليعاقبة، و من يومئذ صار كرسيّ اليعقوبية في دير بومقار بوادي هبيب.

و في أيامه ثارت السامرة على أرض فلسطين و هدموا كنائس النصارى، و أحرقوا ما فيها، و قتلوا جماعة من النصارى، فبعث الملك جيشا قتلوا من السامرة خلقا كثيرا، و وضع‏

405

من خراج فلسطين جملة، و جدّد بناء الكنائس و أنشأ مارستانا ببيت المقدس للمرضى، و وسع في بناء كنيسة بيت لحم، و بنى ديرا بطور سيناء، و عمل عليه حصنا حوله عدّة قلالي‏ (1) و رتب فيها حرسا لحفظ الرهبان. و في أيامه كان المجمع الخامس من مجامع النصارى، و سببه أن أريحانس أسقف مدينة منبج‏ (2) قال بتناسخ الأرواح، و قال كلّ من أسقف أنقرة و أسقف المصيصة و أسقف الرها أن جسد المسيح خيال لا حقيقيّ، فحملوا إلى القسطنطينية و جمع بينهم و بين بطركها أوطس و ناظرهم و أوقع عليهم الحرمان، فأمر الملك أن يجمع لهم مجمع، و أمر بإحضار البطاركة و الأساقفة، فاجتمع مائة و أربعون أسقفا و حرموا هؤلاء الأساقفة و من يقول بقولهم، فكان بين المجمع الرابع الخلقدونيّ و بين هذا المجمع مائة و ثلاث و ستون سنة. و لما مات القائد الذي عمل بطرك الإسكندرية بعد سبع عشرة سنة، أقيم بعده يوحنا، و كان منانيا، فأقام ثلاث سنين و مات، و قدّم اليعاقبة بطركا اسمه تاوداسيوس، أقام مدّة اثنتين و ثلاثين سنة، و قدّم الملكية بطركا اسمه داقيوس، فكتب الملك إلى متولي الإسكندرية أن يعرض على بطرك اليعاقبة أمانة المجمع الخلقدونيّ، فإن لم يقبلها أخرجه، فعرض عليه ذلك فلم يقبله، فأخرجه و أقام بعده بولص التنيسيّ فلم يقبله أهل الإسكندرية، و مات فغلقت كنائس القبط اليعاقبة، و أصابهم من الملكية شدائد كثيرة، و استجدّ اليعاقبة بالإسكندرية كنيستين في سنة ثمان و أربعين و مائتين لدقلطيانوس، و مات تاوداسيوس ثامن عشري بؤنة بعد اثنتين و ثلاثين سنة من بطركيته، منها مدة أربع سنين مدة نفيه في صعيد مصر و أقيم بعده بطرس و كان يعقوبيا في خفية بدير الزجاج بالإسكندرية قدّمه ثلاثة أساقفة، فأقام سنتين و مات في خامس عشري بؤنة ... (3) من اليعاقبة سنة واحدة.

و في سنة إحدى و ثمانين و ثمانمائة، أقيم داميانو بطركا بالإسكندرية، و كان يعقوبيا، فأقام ستا و ثلاثين سنة و مات، في ثامن عشري بؤنة، و في أيامه خربت الديارات، و أقام الملكية لهم بالإسكندرية بطركا منانيا اسمه أتناس، فأقام خمس سنين و مات، فأقيم بعده يوحنا و كان منانيا، و لقب القائم بالحق، فأقام خمسة أشهر و مات، فأقيم بعده يوحنا القائم بالأمر، و كان ملكيا فأقام إحدى عشرة سنة و مات، و في أيام الملك طيباريوس ملك الروم بنى النصارى بالمدائن، مدائن كسرى، هيكلا، و بنوا أيضا بمدينة واسط هيكلا آخر. و في أيام الملك موريق قيصر، زعم راهب اسمه مارون، أن المسيح (عليه السلام) طبيعتان و مشيئة واحدة و اقنوم واحد، فتبعه على رأيه أهل حماه و قنسرين و العواصم و جماعة من الروم و دانوا بقوله، فعرفوا بين النصارى بالمارونية، فلما مات مارون بنوا على اسمه دير مارون بحماه.

و في أيام فوقا ملك الروم بعث كسرى ملك فارس جيوشه إلى بلاد الشام و مصر، فخرّبوا

____________

(1) القلالي: جمع قلّاية. مكان إقامة الأسقف.

(2) منبج: مدينة كبيرة واسعة بينها و بين الفرات ثلاثة فراسخ و بينها و بين حلب عشرة فراسخ.

(3) بياض في الأصل.

406

كنائس القدس و فلسطين و عامّة بلاد الشام، و قتلوا النصارى بأجمعهم، و أتوا إلى مصر في طلبهم، فقتلوا منهم أمّة كبيرة و سبوا منهم سبيا لا يدخل تحت حصر، و ساعدهم اليهود في محاربة النصارى و تخريب كنائسهم، و أقبلوا نحو الفرس من طبرية و جبل الجليل و قرية الناصرة و مدينة صور و بلاد القدس، فنالوا من النصارى كلّ منال، و أعظموا النكاية فيهم، و خرّبوا لهم كنيستين بالقدس، و حرّقوا أماكنهم، و أخذوا قطعة من عود الصليب، و أسروا بطرك القدس و كثيرا من أصحابه، ثم مضى كسرى بنفسه من العراق لغزو قسطنطينية تخت ملك الروم، فحاصرها أربع عشرة سنة، و في أيام فوقا أقيم يوحنا الرحوم بطرك الإسكندرية على الملكية، فدبر أرض مصر كلها عشر سنين و مات بقبرص، و هو فارّ من الفرس، فخلا كرسيّ اسكندرية من البطركية سبع سنين لخلوّ أرض مصر و الشام من الروم، و اختفى من بقي بها من النصارى خوفا من الفرس، و قدّم اليعاقبة نسطاسيوس بطركا، فأقام اثنتي عشرة سنة و مات في ثاني عشري كيهك، سنة ثلاثين و ثلاثمائة لدقلطيانوس، فاستردّ ما كانت الملكية قد استولت عليه من كنائس اليعاقبة، و رمّ ما شعثه الفرس منها، و كانت إقامته بمدينة الإسكندرية، فأرسل إليه انباسيوس بطرك أنطاكية هدية صحبة عدّة كثيرة من الأساقفة، ثم قدم عليه زائرا فتلقاه و سرّ بقدومه، و صارت أرض مصر في أيامه جميعها يعاقبة لخلوّها من الروم، فثارت اليهود في أثناء ذلك بمدينة صور و راسلوا بقيتهم في بلادهم، و تواعدوا على الإيقاع بالنصارى و قتلهم، فكانت بينهم حرب اجتمع فيها من اليهود نحو عشرين ألفا، و هدموا كنائس النصارى خارج صور، فقوي النصارى عليهم و كاثروهم، فانهزم اليهود هزيمة قبيحة و قتل منهم خلق كثير، و كانه هرقل قد ملك الروم بقسطنطينية و غلب الفرس بحيلة دبرها على كسرى حتى رحل عنهم، ثم سار من قسطنطينية ليمهد ممالك الشام و مصر و يجدّد ما خرّبه الفرس منها، فخرج إليه اليهود من طبرية و غيرها و قدّموا له الهدايا الجليلة و طلبوا منه أن يؤمّنهم و يحلف لهم على ذلك، فأمّنهم و حلف لهم، ثم دخل القدس و قد تلقاه النصارى بالأناجيل و الصلبان و البخور و الشموع المشعلة، فوجد المدينة و كنائسها و قمامتها خرابا، فساءه ذلك و توجع له، و أعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود مع الفرس و إيقاعهم بالنصارى و تخريبهم الكنائس، و أنهم كانوا أشدّ نكاية لهم من الفرس، و قاموا قياما كبيرا في قتلهم عن آخرهم، و حثوا هرقل على الوقيعة بهم، و حسنوا له ذلك، فاحتج عليهم بما كان من تأمينه لهم و حلفه، فأفتاه رهبانهم و بطاركتهم و قسيسوهم بأنه لا حرج عليه في قتلهم، فإنهم عملوا عليه حيلة حتى أمّنهم من غير أن يعلم بما كان منهم، و أنهم يقومون عنه بكفارة يمينه بأن يلتزموا و يلزموا النصارى بصوم جمعة في كلّ سنة عنه على ممرّ الزمان و الدهور، فمال إلى قولهم و أوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعهم فيها، حتى لم يبق في ممالك الروم بمصر و الشام منهم إلّا من فرّ و اختفى، فكتب البطارقة و الأساقفة إلى جميع البلاد بإلزام النصارى بصوم أسبوع في السنة، فالتزموا صومه إلى اليوم، و عرفت عندهم‏

407

بجمعة هرقل، و تقدّم هرقل بعمارة الكنائس و الديارات و أنفق فيها مالا كبيرا. و في أيامه أقيم ادراسلون بطرك اليعاقبة بالإسكندرية، فأقام ست سنين و مات في ثامن طوبه، فخربت الديارات في مدّة بطركيته، و أقيم بعده على اليعاقبة بنيامين، فعمر الدير الذي يقال له دير أبو بشاي، و دير سيدة أبو بشاي، و هما في وادي هبيب، فأقام تسعا و ثلاثين سنة، ملك الفرس منها مصر عشر سنين، ثم قدم هرقل فقتل الفرس بمصر و أقام فيرش بطرك الإسكندرية، و كان منانيا، و طلب بنيامين ليقتله فلم يقدر عليه لفراره منه، و كان هرقل مارونيا فظفر بمينا أخي بنيامين فأحرقه بالنار عداوة لليعاقبة، و عاد إلى القسطنطينية فأظهر اللّه دين الإسلام في أيامه، و خرج ملك مصر و الشام من يد النصارى، و صار النصارى ذمّة للمسلمين، فكانت مدّة النصارى منذ رفع المسيح إلى أن فتحت مصر و صار النصارى من القبط ذمّة للمسلمين ... (1) منها مدّة كونهم تحت أيدي الروم يقتلونهم أبرح قتل بالصلب و التحريق بالنار و الرجم بالحجارة و تقطيع الأعضاء ... (2) و منها مدّة استيلائهم بتنصر الملوك.

ذكر دخول النصارى من قبط مصر في طاعة المسلمين و أدائهم الجزية، و اتخاذهم ذمّة لهم، و ما كان في ذلك من الحوادث و الأنباء

اعلم أن أرض مصر لما دخلها المسلمون كانت بأجمعها مشحونة بالنصارى، و هم على قسمين متباينين في أجناسهم و عقائدهم، أحدهما أهل الدولة و كلهم روم من جند صاحب القسطنطينية ملك الروم، و رأيهم و ديانتهم بأجمعهم ديانة الملكية، و كانت عدّتهم تزيد على ثلاثمائة ألف روميّ. و القسم الآخر عامّة أهل مصر، و يقال لهم القبط، و أنسابهم مختلطة لا يكاد يتميز منهم القبطيّ من الحبشيّ من النوبيّ من الإسرائيليّ الأصل من غيره، و كلهم يعاقبة، فمنهم كتاب المملكة و منهم التجار و الباعة، و منهم الأساقفة و القسوس و نحوهم، و منهم أهل الفلاحة و الزرع، و منهم أهل الخدمة و المهنة، و بينهم و بين الملكية أهل الدولة من العداوة ما يمنع مناكحتهم، و يوجب قتل بعضهم بعضا، و يبلغ عددهم عشرات آلاف كثيرة جدّا، فإنهم في الحقيقة أهل أرض مصر أعلاها و أسفلها، فلما قدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين معه إلى مصر، قاتلهم الروم حماية لملكهم و دفعا لهم عن بلادهم، فقاتلهم المسلمون و غلبوهم على الحصن كما تقدّم ذكره، فطلب القبط من عمرو المصالحة على الجزية فصالحهم عليها و أقرّهم على ما بأيديهم من الأراضي و غيرها، و صاروا معه عونا للمسلمين على الروم، حتى هزمهم اللّه تعالى و أخرجهم من أرض مصر، و كتب عمرو لبنيامين بطرك اليعاقبة أمانا في سنة عشرين من الهجرة، فسرّه ذلك و قدم على‏

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) بياض في الأصل.

408

عمرو و جلس على كرسيّ بطركيته بعد ما غاب عنه ثلاث عشرة سنة، منها في ملك فارس لمصر عشر سنين، و باقيها بعد قدوم هرقل إلى مصر، فغلبت اليعاقبة على كنائس مصر و دياراتها كلها، و انفردوا بها دون الملكية، و يذكر علماء الأخبار من النصارى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، لما فتح مدينة القدس كتب للنصارى أمانا على أنفسهم و أولادهم و نسائهم و أموالهم و جميع كنائسهم لا تهدم و لا تسكن، و أنه جلس في وسط صحن كنيسة القمامة، فلما حان وقت الصلاة خرج و صلّى خارج الكنيسة على الدرجة التي على بابها بمفرده، ثم جلس و قال للبطرك: لو صليت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون من بعدي، و قالوا ههنا صلّى عمر، و كتب كتابا يتضمن أنه لا يصلي أحد من المسلمين على الدرجة إلّا واحد واحد، و لا يجتمع المسلمون بها للصلاة فيها، و لا يؤذنون عليها، و أنه أشار عليه البطرك باتخاذ موضع الصخرة مسجدا، و كان فوقها تراب كثير، فتناول عمر رضي اللّه عنه من التراب في ثوبه، فبادر المسلمون لرفعه حتى لم يبق منه شي‏ء، و عمر المسجد الأقصى أمام الصخرة، فلما كانت أيام عبد الملك بن مروان أدخل الصخرة في حرم الأقصى، و ذلك سنة خمس و ستين من الهجرة، ثم إن عمر رضي اللّه عنه أتى بيت لحم و صلّى في كنيسته عند الخشبة التي ولد فيها المسيح، و كتب سجلا بأيدي النصارى أن لا يصلي في هذا الموضع أحد من المسلمين إلّا رجل بعد رجل، و لا يجتمعوا فيه للصلاة، و لا يؤذنوا عليه، و لما مات البطرك بنيامين في سنة تسع و ثلاثين من الهجرة بالإسكندرية في إمارة عمرو الثانية، قدّم اليعاقبة بعده أغانو فأقام سبع عشرة سنة و مات سنة ست و خمسين، و هو الذي بنى كنيسة مرقص بالإسكندرية، فلم تزل إلى أن هدمت في سلطنة الملك العادل أبي بكر بن أيوب، و كان في أيامه الغلاء مدّة ثلاث سنين، و كان يهتم بالضعفاء، فأقيم بعده إيساك و كان يعقوبيا، فأقام سنتين و أحد عشر شهرا و مات، فقدّم اليعاقبة بعده سيمون السريانيّ، فأقام سبع سنين و نصفا و مات، و في أيامه قدم رسول أهل الهند في طلب أسقف يقيمه لهم، فامتنع من ذلك حتى يأذن له السلطان، و أقام غيره و خلا بعد موته كرسي الإسكندرية ثلاث سنين بغير بطرك، ثم قدّم اليعاقبة في سنة إحدى و ثمانين الإسكندروس، فقام أربعا و عشرين سنة و نصفا، و قيل خمسا و عشرين سنة و مات سنة ست و مائة، و مرّت به شدائد صودر فيها مرّتين، أخذ منه فيهما ستة آلاف دينار، و في أيامه أمّر عبد العزيز بن مروان، فأمر بإحصاء الرهبان فأحصوا و أخذت منهم الجزية عن كلّ راهب دينار، و هي أوّل جزية أخذت من الرهبان.

و لما ولي مصر عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان اشتدّ على النصارى، و اقتدى به قرّة بن شريك أيضا في ولايته على مصر، و أنزل بالنصارى شدائد لم يبتلوا قبلها بمثلها، و كان عبد اللّه بن الحبحاب متولي الخراج قد زاد على القبط قيراطا في كلّ دينار، فانتقض عليه عامّة الحوف الشرقيّ من القبط، فحاربهم المسلمون و قتلوا منهم عدّة وافرة في سنة

409

سبع و مائة، و اشتدّ أيضا أسامة بن زيد التنوخيّ متولي الخراج على النصارى، و أوقع بهم و أخذ أموالهم، و وسم أيدي الرهبان بحلقة حديد فيها اسم الراهب و اسم ديره و تاريخه، فكل من وجده بغير و سم قطع يده، و كتب إلى الأعمال بأن من وجد من النصارى و ليس معه منشور أن يؤخذ منه عشرة دنانير، ثم كبس الديارات و قبض على عدّة من الرهبان بغير وسم، فضرب أعناق بعضهم و ضرب باقيهم حتى ماتوا تحت الضرب، ثم هدمت الكنائس و كسرت الصلبان و محيت التماثيل و كسرت الأصنام بأجمعها، و كانت كثيرة في سنة أربع و مائة، و الخليفة يومئذ يزيد بن عبد الملك، فلما قام هشام بن عبد الملك في الخلافة، كتب إلى مصر بأن يجري النصارى على عوايدهم و ما بأيديهم من العهد، فقدم حنظلة بن صفوان أميرا على مصر في ولايته الثانية، فتشدّد على النصارى و زاد في الخراج، و أحصى الناس و البهائم، و جعل على كلّ نصرانيّ و سما صورة أسد، و تتبعهم، فمن وجده بغير وسم قطع يده، ثم أقام اليعاقبة بعد موت الإسكندروس بطركا اسمه قسيما، فأقام خمسة عشر شهرا و مات، فقدّموا بعده تادرس في سنة تسع و مائة بعد إحدى عشرة سنة. و في أيامه أحدثت كنيسة يوقنا بخط الحمراء ظاهر مدينة مصر، في سنة سبع عشرة و مائة، فقام جماعة من المسلمين على الوليد بن رفاعة أمير مصر بسببها.

و في سنة عشرين و مائة قدّم اليعاقبة ميخائيل بطركا، فأقام ثلاثا و عشرين سنة و مات.

و في أيامه انتقض القبط بالصعيد و حاربوا العمال في سنة إحدى و عشرين، فحوربوا و قتل كثير منهم، ثم خرج بجنس بسمنود و حارب و قتل في الحرب، و قتل معه قبط كثير في سنة اثنتين و ثلاثين و مات، ثم خالفت القبط برشيد، فبعث إليهم مروان بن محمد لما قدم مصر و هزمهم و قبض عبد الملك بن موسى بن نصير أمير مصر على البطرك ميخائيل، فاعتقله و ألزمه بمال، فسار بأساقفته في أعمال مصر يسأل أهلها، فوجدهم في شدائد، فعاد إلى الفسطاط و دفع إلى عبد الملك ما حصل له، فأفرج عنه، فنزل به بلاء كبير من مروان، و بطش به و بالنصارى، و أحرق مصر و غلاتها و أسر عدّة من النساء المترهبات ببعض الديارات، و راود واحدة منهنّ عن نفسها، فاحتالت عليه و دفعته عنها بأن رغبته في دهن معها إذا ادّهن به الإنسان لا يعمل فيه السلاح، و أوثقته بأن مكنته من التجربة في نفسها، فتمت حيلتها عليه، و أخرجت زيتا ادّهنت به، ثم مدّت عنقها فضربها بسيفه أطار رأسها، فعلم أنها اختارت الموت على الزنا، و ما زال البطرك و النصارى في الحديد مع مروان إلى أن قتل ببوصير، فأفرج عنهم. و أما الملكية فإن ملك الروم لاون أقام قسيما بطرك الملكية بالإسكندرية في سنة سبع و مائة، فمضى و معه هدية إلى هشام بن عبد الملك، فكتب له بردّ كنائس الملكية إليهم، فأخذ من اليعاقبة كنيسة البشارة، و كان الملكية أقاموا سبعا و سبعين سنة بغير بطرك في مصر، من عهد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى خلافة هشام بن عبد الملك، فغلب اليعاقبة في هذه المدّة على جميع كنائس مصر و أقاموا بها منهم أساقفة،

410

و بعث إليهم أهل بلاد النوبة في طلب أساقفة، فبعثوا إليهم من أساقفة اليعاقبة، فصارت النوبة من ذلك العهد يعاقبة.

ثم لما مات ميخائيل قدّم اليعاقبة في سنة ست و أربعين و مائة انبامسنا، فأقام سبع سنين و مات. و في أيامه خرج القبط بناحية سخا و أخرجوا العمال في سنة خمسين و مائة و صاروا في جمع، فبعث إليهم يزيد بن حاتم بن قبيصة أمير مصر عسكرا، فأتاهم القبط ليلا و قتلوا عدّة من المسلمين و هزموا باقيهم، فاشتدّ البلاء على النصارى و احتاجوا إلى أكل الجيف، و هدمت الكنائس المحدثة بمصر، فهدمت كنيسة مريم المجاورة لأبي شنودة بمصر، و هدمت كنائس محارس قسطنطين، فبذل النصارى لسليمان بن عليّ أمير مصر في تركها خمسين ألف دينار، فأبى، فلما ولي بعده موسى بن عيسى أذن لهم في بنائها فبنيت كلها بمشورة الليث بن سعد، و عبد اللّه بن لهيعة قاضي مصر، و احتجا بأنّ بناءها من عمارة البلاد، و بأن الكنائس التي بمصر لم تبن إلّا في الإسلام في زمن الصحابة و التابعين، فلما مات انبامسنا قدّم اليعاقبة بعده يوحنا، فأقام ثلاثا و عشرين سنة و مات. و في أيامه خرج القبط ببلهيت سنة ست و خمسين فبعث إليهم موسى بن عليّ أمير مصر و هزمهم، و قدّم بعده اليعاقبة مرقص الجديد، فأقام عشرين سنة و سبعين يوما و مات. و في أيامه كانت الفتنة بين الأمين و المأمون، فانتهبت النصارى بالإسكندرية و أحرقت لهم مواضع عديدة، و أحرقت ديارات وادي هبيب و نهبت، فلم يبق بها من رهبانها إلّا نفر قليل. و في أيامه مضى بطرك الملكية إلى بغداد و عالج بعض خطايا أهل الخليفة، فإنه كان حاذقا بالطب، فلما عوفيت كتب له بردّ كنائس الملكية التي تغلب عليها اليعاقبة بمصر، فاستردّها منهم، و أقام في بطركية الملكية أربعين سنة و مات، ثم قدّم اليعاقبة بعد مرقص يعقوب في سنة إحدى عشرة و مائتين، فأقام عشر سنين و ثمانية أشهر و مات. و في أيامه عمرت الديارات و عاد الرهبان إليها، و عمرت كنيسة بالقدس لمن يرد من نصارى مصر، و قدم عليه ديونوسيس بطرك أنطاكية، فأكرمه حتى عاد إلى كرسيه، و في أيامه انتقض القبط في سنة ست عشرة و مائتين، فأوقع بهم الأفشين حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون، فحكم فيهم بقتل الرجال و بيع النساء و الذرية فبيعوا، و سبى أكثرهم، و من حينئذ ذلت القبط في جميع أرض مصر، و لم يقدر أحد منهم بعد ذلك على الخروج على السلطان، و غلبهم المسلمون على عامّة القرى، فرجعوا من المحاربة إلى المكايدة و استعمال المكر و الحيلة و مكايدة المسلمين، و عملوا كتاب الخراج، فكانت لهم و للمسلمين أخبار كثيرة يأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى.

ثم قدّم اليعاقبة سيماون بطركا في سنة اثنتين و عشرين و مائتين، فأقام سنة و مات، و قيل بل أقام سبعة أشهر و ستة عشر يوما، فخلا كرسيّ البطاركة بعده سنة و سبعة و عشرين يوما، و قدّم اليعاقبة يوساب في دير بومقار بوادي هبيب في سنة سبع و عشرين و مائتين،

411

فأقام ثماني عشرة سنة و مات. و في أيامه قدم مصر يعقوب مطران الحبشة و قد نفته زوجة ملكهم. و أقامت عوضه أسقفا، فبعث ملك الحبشة يطلب إعادته من البطرك، فبعث به إليه و بعث أيضا عدّة أساقفة إلى إفريقية. و في أيامه مات بطرك أنطاكية الوارد إلى مصر في السنة الخامسة عشرة من بطركيته. و في أيامه أمر المتوكل على اللّه في سنة خمس و ثلاثين و مائتين أهل الذمّة بلبس الطيالسة العسلية و شدّ الزنانير و ركوب السروج بالركب الخشب، و عمل كرتين في مؤخر السرج، و عمل رقعتين على لباس رجالهم تخالفان لون الثوب، قدر كلّ واحدة منهما أربع أصابع، و لون كلّ واحدة منهما غير لون الأخرى، و من خرج من نسائهم تلبس إزارا عسليا، و منعهم من لباس المناطق، و أمر بهدم بيعهم المحدثة، و بأخذ العشر من منازلهم، و أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب، و نهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان، و لا يعلمهم مسلم، و نهى أن يظهروا في شعانينهم صليبا، و أن لا يشعلوا في الطريق نارا، و أمر بتسوية قبورهم مع الأرض، و كتب بذلك إلى الآفاق، ثم أمر في سنة تسع و ثلاثين أهل الذمّة بلبس دراعتين عسليتين على الذراريع و الأقبية، و بالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال و الحمير دون الخيل و البراذين. فلما مات يوساب في سنة اثنتين و أربعين و مائتين خلا الكرسيّ بعده ثلاثين يوما، و قدّم اليعاقبة قسيسا بدير بحنس يدعى بميكائيل في البطركية، فأقام سنة و خمسة أشهر و مات، فدفن بدير بومقار، و هو أوّل بطرك دفن فيه، فخلا الكرسيّ بعده أحدا و ثمانين يوما، ثم قدّم اليعاقبة في سنة أربع و أربعين و مائتين شماسا بدير بومقار اسمه قسيما، فأقام في البطركية سبع سنين و خمسة أشهر و مات، فخلا الكرسيّ بعده أحدا و خمسين يوما. و في أيامه أمر نوفيل بن ميخائيل ملك الروم بمحو الصور من الكنائس، و أن لا تبقى صورة في كنيسة، و كان سبب ذلك أنه بلغه عن قيم كنيسة أنه عمل في صورة مريم (عليها السلام) شبه ثدي يخرج منه لبن ينقط في يوم عيدها، فكشف عن ذلك فإذا هو مصنوع ليأخذ به القيم المال، فضرب عنقه و أبطل الصور من الكنائس، فبعث إليه قسيما بطرك اليعاقبة و ناظره حتى سمح بإعادة الصور على ما كانت عليه، ثم قدّم اليعاقبة ساتير بطركا، فأقام تسع عشرة سنة و مات، فأقيم يوسانيوس في أوّل خلافة المعتز، فأقام إحدى عشرة سنة و مات، و عمل في بطركيته مجاري تحت الأرض بالإسكندرية يجري بها الماء من الخليج إلى البيوت.

و في أيامه قدم أحمد بن طولون مصر أميرا عليها، ثم قدّم اليعاقبة ميخائيل فأقام خمسا و عشرين سنة و مات بعد ما ألزمه أحمد بن طولون بحمل عشرين ألف دينار، باع فيها رباع الكنائس الموقوفة عليها، و أرض الحبش ظاهر فسطاط مصر، و باع الكنيسة بجوار المعلقة من قصر الشمع لليهود، و قرّر الديارية على كلّ نصرانيّ قيراطا في السنة، فقام بنصف المقرّر عليه. و في أيامه قتل الأمير أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، فلما مات شغر كرسيّ الإسكندرية بعده من البطاركة أربع عشرة سنة، و في يوم الاثنين ثالث شوّال سنة ثلاثمائة

412

أحرقت الكنيسة الكبرى المعروفة بالقيامة في الإسكندرية، و هي التي كانت هيكل زحل، و كانت من بناء كلابطرة. و في سنة إحدى و ثلاثمائة قدّم اليعاقبة غبريال بطركا، فأقام إحدى عشرة سنة و مات، و أخذت في أيامه الديارية على الرجال و النساء، و قدّم بعده اليعاقبة في سنة إحدى عشرة و ثلاثمائة قسيما فأقام اثنتي عشرة سنة و مات. و في يوم السبت النصف من شهر رجب سنة اثنتي عشرة و ثلاثمائة أحرق المسلمون كنيسة مريم بدمشق، و نهبوا ما فيها من الآلات و الأواني و قيمتها كثيرة جدّا، و نهبوا ديرا للنساء بجوارها، و شعثوا كنائس النسطورية و اليعقوبية. و في سنة ثلاث عشرة و ثلاثمائة قدم الوزير عليّ بن عيسى بن الجرّاح إلى مصر، فكشف البلد و ألزم الأساقفة و الرهبان و ضعفاء النصارى بأداء الجزية، فأدّوها، و مضى طائفة منهم إلى بغداد و استغاثوا بالمقتدر بالله، فكتب إلى مصر بأن لا يؤخذ من الأساقفة و الرهبان و الضعفاء جزية، و أن يجروا على العهد الذي بأيديهم. و في سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة قدّم اليعاقبة بطركا اسمه ... (1) فأقام عشرين سنة و مات، و في أيامه ثار المسلمون بالقدس سنة خمس و عشرين و ثلاثمائة و حرّقوا كنيسة القيامة و نهبوها و خرّبوا منها ما قدروا عليه. و في يوم الاثنين آخر شهر رجب سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة مات سعيد بن بطريق بطرك الإسكندرية على الملكية بعد ما أقام في البطركية سبع سنين و نصفا في شرور متصلة مع طائفته، فبعث الأمير أبو بكر محمد بن طفج الإخشيد أبا الحسين من قوّاده في طائفة من الجند إلى مدينة تنيس، حتى ختم على كنائس الملكية و أحضر آلاتها إلى الفسطاط، و كانت كثيرة جدّا فافتكها الأسقف بخمسة آلاف دينار باعوا فيها من وقف الكنائس، ثم صالح طائفته و كان فاضلا و له تاريخ مفيد، و ثار المسلمون أيضا بمدينة عسقلان و هدموا كنيسة مريم الخضراء، و نهبوا ما فيها، و أعانهم اليهود حتى أحرقوها، ففرّ أسقف عسقلان إلى الرملة و أقام بها حتى مات، و قدّم اليعاقبة في سنة خمس و أربعين و ثلاثمائة تاوفانيوس بطركا، فأقام أربع سنين و ستة أشهر و مات، فأقيم بعده مينا، فأقام إحدى عشرة سنة و مات، فخلا الكرسيّ بعده سنة، ثم قدّم اليعاقبة افراهام بعده مينا، فأقام ست و ستين و ثلاثمائة فأقام ثلاث سنين و ستة أشهر و مات مسموما من بعض كتاب النصارى، و سببه أنه منعه من التسرّي، فخلا الكرسي بعده ستة أشهر، و أقيم فيلاياوس في سنة تسع و ستين، فأقام أربعا و عشرين سنة و مات، و كان مترفا. و في أيامه أخذت الملكية كنيسة السيدة المعروفة بكنيسة البطرك، تسلمها منهم بطرك الملكية أرسانيوس في أيام العزيز بالله نزار بن المعز، و في سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة قدّم اليعاقبة زخريس بطركا، فأقام ثماني و عشرين سنة، منها في البلايا مع الحاكم بأمر اللّه أبي عليّ منصور بن العزيز بالله تسع سنين، اعتقله فيها ثلاثة أشهر، و أمر به فألقي للسباع هو و سوسنة النوبيّ، فلم تضرّه، فيما زعم النصارى. و لما مات خلا الكرسيّ بعده أربعة و سبعين يوما، و في بطركيته نزل‏

____________

(1) بياض في الأصل.

413

بالنصارى شدائد لم يعهدوا مثلها، و ذلك أن كثيرا منهم كان قد تمكن في أعمال الدولة حتى صاروا كالوزراء و تعاظموا لاتساع أحوالهم و كثرة أموالهم، فاشتدّ بأسهم و تزايد ضررهم و مكايدتهم للمسلمين، فأغضب الحاكم بأمر اللّه ذلك، و كان لا يملك نفسه إذا غضب، فقبض على عيسى بن نسطورس النصرانيّ، و هو إذ ذاك في رتبة تضاهي رتب الوزراء و ضرب عنقه، ثم قبض على فهد بن إبراهيم النصرانيّ كاتب الأستاذ برجوان و ضرب عنقه، و تشدّد على النصارى و ألزمهم بلبس ثياب الغيار، و شدّ الزنار في أوساطهم و منعهم من عمل الشعانين و عيد الصليب و التظاهر بما كانت عادتهم فعله في أعيادهم من الاجتماع و اللهو، و قبض على جميع ما هو محبس على الكنائس و الديارات و أدخله في الديوان، و كتب إلى أعماله كلها بذلك، و أحرق عدّة صلبان كثيرة، و منع النصارى من شراء العبيد و الإماء، و هدم الكنائس التي بخط راشدة ظاهر مدينة مصر، و أخرب كنائس المقس خارج القاهرة، و أباح ما فيها للناس، فانتهبوا منها ما يجل وصفه، و هدم دير القصير و انهب العامة ما فيه، و منع النصارى من عمل الغطاس على شاطى‏ء النيل بمصر، و أبطل ما كان يعمل فيه من الاجتماع للهو، و ألزم رجال النصارى بتعليق الصلبان الخشب التي زنة كل صليب منها خمسة أرطال في أعناقهم، و منعهم من ركوب الخيل، و جعل لهم أن يركبوا البغال و الحمير بسروج و لجم غير محلاة بالذهب و الفضة، بل تكون من جلود سود، و ضرب بالحرس في القاهرة و مصر أن لا يركب أحد من المكارية ذمّيا، و لا يحمل نوتيّ مسلم أحدا من أهل الذمة، و أن تكون ثياب النصارى و عمائهم شديدة السواد، و ركب سروجهم من خشب الجميز، و أن يعلق اليهود في أعناقهم خشبا مدوّرا زنة الخشبة منها خمسة أرطال، و هي ظاهرة فوق ثيابهم، و أخذ في هدم الكنائس كلها و أباح ما فيها، و ما هو محبس عليها للناس نهبا و إقطاعا، فهدمت بأسرها و نهب جميع أمتعتها و أقطع أحباسها، و بني في مواضعها المساجد، و أذن بالصلاة في كنيسة شنودة بمصر، و أحيط بكنيسة المعلقة في قصر الشمع، و أكثر الناس من رفع القصص بطلب كنائس أعمال مصر و دياراتها، فلم يردّ قصة منها إلّا و قد وقع عليها بإجابة رافعها لما سأل، فأخذوا أمتعة الكنائس و الديارات و باعوا بأسواق مصر ما وجدوا من أواني الذهب و الفضة و غير ذلك، و تصرّفوا في أحباسها، و وجد بكنيسة شنودة مال جليل، و وجد في المعلقة من المصاغ و ثياب الديباج أمر كثير جدّا إلى الغاية، و كتب إلى ولاة الأعمال بتمكين المسلمين من هدم الكنائس و الديارات فعمّ الهدم فيها من سنة ثلاث و أربعمائة حتى ذكر من يوثق به في ذلك أن الذي هدم إلى آخر سنة خمس و أربعمائة بمصر و الشام و أعمالهما من الهياكل التي بناها الروم نيث و ثلاثون ألف بيعة، و نهب ما فيها من آلات الذهب و الفضة، و قبض على أوقافها، و كانت أوقافا جليلة على مبان عجيبة، و ألزم النصارى أن تكون الصلبان في أعناقهم إذا دخلوا الحمام، و ألزم اليهود أن يكون في أعناقهم الأجراس إذا دخلوا الحمام، ثم ألزم اليهود و النصارى بخروجهم كلهم من‏

414

أرض مصر إلى بلاد الروم، فاجتمعوا بأسرهم تحت القصر من القاهرة و استغاثوا و لاذوا بعفو أمير المؤمنين حتى أعفوا من النفي، و في هذه الحوادث أسلم كثير من النصارى.

و في سنة سبع و أربعمائة و ثب بعض أكابر البلغر على ملكهم قمطورس فقتله و ملك عوضه، و كتب إلى باسيل ملك قسطنطينية بطاعته فأقرّه، ثم قتل بعد سنة فسار الملك باسيل إليهم في شوّال سنة ثمان و أربعمائة و استولى على مملكة البلغر و أقام في قلاعها عدّة من الروم، و عاد إلى قسطنطينية فاختلط الروم بالبغر و نكحوا منهم و صاروا يدا واحدة بعد شدّة العداوة، و قدّم اليعاقبة عليهم سابونين بطركا بالإسكندرية في سنة إحدى و عشرين و أربعمائة، في يوم الأحد ثالث عشري برمهات، فأقام خمس عشرة سنة و نصفا و مات في طوبه، و كان محبا للمال، و أخذ الشرطونية فخلا الكرسيّ بعده سنة و خمسة أشهر، ثم قدّم اليعاقبة أخر سطوديس بطركا في سنة تسع و ثلاثين و أربعمائة، فأقام ثلاثين سنة و مات بالمعلقة من مصر، و هو الذي جعل كنيسة بومرقوره بمصر، و كنيسة السيدة بحارة الروم من القاهرة في أيام بطركيته، فلم يقم بعده بطرك اثنين و سبعين يوما، ثم أقام اليعاقبة كيرلص، فأقام أربع عشرة سنة و ثلاثة أشهر و نصفا و مات بكنيسة المختار من جزية مصر المعروفة بالروضة، في سلخ ربيع الآخر سنة خمس و ثمانين و أربعمائة، و عمل بدلة للبطاركة من ديباج أزرق و بلارية ديباج أحمر بتصاوير ذهب، و قطع الشرطونية فلم يول بعده بطرك مدّة مائة و أربعة و عشرين يوما، ثم أقيم ميخائيل الحبيس بسنجار في سنة اثنتين و ثمانين و أربعمائة، فأقام تسع و سنين و ثمانية أشهر و مات في المعلقة بمصر، و كان المستنصر بالله لما نقص نيل مصر بعثه إلى بلاد الحبشة بهدية سنية، فتلقاه ملكها و سأله عن سبب قدومه، فعرّفه نقص النيل و ضرر أهل مصر بسبب ذلك، فأمر بفتح سدّ يجري منه الماء إلى أرض مصر، ففتح و زاد النيل في ليلة واحدة ثلاثة أذرع، و استمرّت الزيادة حتى رويت البلاد و زرعت، ثم عاد البطرك فخلع عليه المستنصر و أحسن إليه.

و في سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة قدّم اليعاقبة مقاري بطركا بدير بومقار، و كمل بالإسكندرية و عاد إلى مصر، ثم مضى إلى دير بومقار فقدّس به ثم جاء إلى مصر فقدّس بالمعلقة، فأقام ستا و عشرين سنة و أحدا و أربعين يوما و مات. فخلت مصر من بطرك اليعاقبة سنتين و شهرين، و في أيامه حدثت زلزلة عظيمة بمصر هدم فيها كنيسة المختار بالروضة، و اتهم الأفضل بن أمير الجيوش بهدمها، فإنها كانت في بستانه. و في أيامه أبطل عوايد كثيرة للنصارى، فبطلت بعده. ثم قدّم اليعاقبة غيريال المكنى بأبي العلا صاعد بن تربك الشماس بكنيسة مرقوريوس في سنة خمس و عشرين و خمسمائة بالمعلقة، و كمل بالإسكندرية و قدّس بالأديرة بوادي هبيب، و أقام أربع عشرة سنة و مات، فخلا بعده كرسيّ اليعاقبة ثلاثة أشهر.

ثم قدّم اليعاقبة ميخائيل بن التقدوسيّ الراهب بقلاية دمشري بطركا، فأقام مدّة سنة و سبعين يوما، ثم أقيم يونس أبو الفتح بطركا بالمعلقة، و كمل بالإسكندرية، فأقام تسع عشرة سنة

415

و مات، في سابع عشري جمادى الآخرة، سنة إحدى و خمسين و خمسمائة، فخلا الكرسيّ بعده ثلاثة و أربعين يوما، و قدم مرقص بن زرعة المكني بأبي الفرج بطرك اليعاقبة بمصر، و كمل بالإسكندرية، فأقام اثنتين و عشرين سنة و ستة أشهر و خمسة و عشرين يوما و مات، و في أيامه انتقل مرقص بن قنبر و جماعة من القنابرة إلى رأي الملكية، ثم عاد إلى اليعقوبية، فقبل. ثم عاد إلى الملكية و رجع فلم يقبل، و كان هذا البطرك له همة و مروءة. و في أيامه كان حريق شاور الوزير لمصر، في ثامن عشر هتور، فاحترقت كنيسة بومرقورة، و خلا بعده كرسيّ البطاركة سبعة و عشرين يوما، ثم قدّم اليعاقبة يونس بن أبي غالب بطركا في يوم الأحد عاشر ذي الحجة سنة أربع و ثمانين و خمسمائة، و كمل بالإسكندرية، فأقام ستا و عشرين سنة و أحد عشر شهرا و ثلاثة عشر يوما، و مات يوم الخميس رابع عشر شهر رمضان سنة اثنتي عشرة و ستمائة بالمعلقة بمصر، و دفن بالحبش، و كان في ابتداء أمره تاجرا يتردّد إلى اليمن في البحر حتى كثر ماله، و كان معه مال لأولاد الخباب فاتفق أنه غرق في بحر الملح، و ذهب ماله و نجا بنفسه إلى القاهرة، و قد آيس أولاد الخباب من مالهم، فلما لقيهم أعلمهم أن مالهم قد سلّم، فإنه كان قد عمله في نقائر خشب مسمرة في المركب، فصار لهم به عناية، فلما مات مرقص بن زرعة سعى يونس هذا للقس أبي ياسر فقال له أولاد الخباب: خذ أنت البطركية و نحن نزكيك، فوافقهم و أقيم بطركا، فشق ذلك على أبي ياسر و هجره بعد صحبة طويلة، و كان معه لما استقرّ في البطركية سبعة عشر ألف دينار مصرية، أنفقها على الفقراء، و أبطل الديارية و منع الشرطونية، و لم يأكل لأحد من النصارى خبزا و لا قبل من أحد هدية.

فلما مات قام أبو الفتوح نشو الخليفة بن الميقاط كاتب الجيش مع السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب في ولاية القس داود بن يوحنا بن لقلق الفيوميّ، فإنه كان خصيصا به، فأجابه و كتب توقيعه من غير أن يعلم الملك الكامل محمد ابن السلطان، فشق ذلك على النصارى، و قام منهم الأسعد بن صدقة كاتب دار التفاح بمصر و معه جماعة، و توجهوا سحرا و معهم الشموع إلى تحت قلعة الجبل حيث كان سكن الملك الكامل و استغاثوا به، و وقعوا في القس و قالوا لا يصلح، و في شريعتنا أنه لا يقدّم البطرك إلا باتفاق الجمهور عليه، فبعث الملك الكامل يطيب خواطرهم، و كان القس قد ركب بكرة و معه الأساقفة و عالم كثير من النصارى ليقدّموه بالمعلقة بمصر، و ذلك يوم الأحد، فركب الملك الكامل بشجو كبير من القلعة إلى أبيه بدار الوزارة من القاهرة حيث سكنه، و أوقف ولاية القس، فبعث السلطان في طلب الأساقفة ليتحقق الأمر منهم، فوافقهم الرسل مع القس في الطريق فأخذوهم، و دخل القس إلى كنيسة بوجرج التي بالحمراء و بطلت بطركيته، و أقامت مصر بغير بطرك تسع عشرة سنة و مائة و ستين يوما. ثم قدّم هذا القس بطركا في يوم الأحد تاسع عشري شهر رمضان سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة، فأقام سبع سنين و تسعة أشهر و عشرة أيام و مات يوم الثلاثاء

416

سابع عشر شهر رمضان سنة أربعين و ستمائة، و دفن بدير الشمع بالجيزة، و كان عالما بدينه محبا للرياسة، و أخذ الشرطونية في بطركيته، و كانت الديارات بأرض مصر قد خلت من الأساقفة، فقدم جماعة أساقفة كثيرة بمال كثير أخذه منهم و قاسى شدائد، و رافعه الراهب عماد المرشال و وكل عليه و على أقاربه و ألزامه، و ساعده الراهب السني بن الثعبان، و أشاع مثالبه و قال لا يصح له كونية لأنه يقدّم بالرشوة، و أخذ الشرطونية و جمع عليه طائفة كثيرة، و عقد مجلسا عند الصاحب معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب، و أثبت على البطرك قوادح، فقام الكتاب النصارى في أمره مع الصاحب بمال يحمله إلى السلطان حتى استمر على بطركيته، و خلا كرسيّ البطاركة بعده سبع سنين و ستة أشهر و ستة و عشرين يوما.

ثم قدّم اليعاقبة ابناسيوس ابن القس أبي المكارم بن كليل بالمعلقة في يوم الأحد رابع شهر رجب سنة ثمان و أربعين و ستمائة، و كمل بالإسكندرية، فأقام إحدى عشرة سنة و خمسة و خمسين يوما، و مات يوم الأحد ثالث المحرّم سنة ستين و ستمائة، فخلت مصر من البطركية خمسة و ثمانين يوما. و في أيامه أخذ الوزير الأسعد شرف الدين هبة اللّه بن صاعد الفائزي الجوالي من النصارى مضاعفة، و في أيامه ثارت عوامّ دمشق و خربت كنيسة مريم بدمشق بعد إحراقها و نهب ما فيها، و قتل جماعة من النصارى بدمشق، و نهب دورهم، و خرابها في سنة ثمان و خمسين و ستمائة بعد وقعة عين جالوت و هزيمة المغل. فلما دخل السلطان الملك المظفر قطز إلى دمشق قرّر على النصارى بها مائة ألف و خمسين ألف درهم، جمعوها من بينهم و حملوها إليه بسفارة الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، أتابك العسكر.

و في سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة كانت واقعة النصارى، و من خبرها أن الأمير سنجر الشجاعيّ كانت حرمته وافرة في أيام الملك المنصور قلاون، فكان النصارى يركبون الحمير بزنانير في أوساطهم، و لا يجسر نصرانيّ يحدّث مسلما و هو راكب، و إذا مشى فبذلة، و لا يقدر أحد منهم يلبس ثوبا مصقولا، فلما مات الملك المنصور و تسلطن من بعده ابنه الملك الأشرف خليل، خدم الكتاب النصارى عند الأمراء الخاصكية و قوّوا نفوسهم على المسلمين، و ترفعوا في ملابسهم و هيآتهم، و كان منهم كاتب عند خاصكيّ يعرف بعين الغزال، فصدف يوما في طريق مصر سمسار شونة مخدومه، فنزل السمسار عن دابته و قبّل رجل الكاتب، فأخذ يسبه و يهدّده على مال قد تأخر عليه من ثمن غلة الأمير، و هو يترفق له و يعتذر، فلا يزيده ذلك عليه إلّا غلظة، و أمر غلامه فنزل و كتف السمسار و مضى به و الناس تجتمع عليه حتى صار إلى صليبة جامع أحمد بن طولون، و معه عالم كبير، و ما منهم إلّا من يسأله أن يخلي عن السمسار و هو يمتنع عليهم، فتكاثروا عليه و ألقوه عن حماره و أطلقوا السمسار، و كان قد قرب من بيت أستاذه، فبعث غلامه لينجده بمن فيه، فأتاه بطائفة من‏

417

غلمان الأمير و أوجاقيته فخلصوه من الناس و شرعوا في القبض عليهم ليفتكوا بهم، فصاحوا عليهم ما يحل و مرّوا مسرعين إلى أن وقفوا تحت القلعة، و استغاثوا نصر اللّه السلطان، فأرسل يكشف الخبر فعرّفوه ما كان من استطالة الكاتب النصرانيّ على السمسار، و ما جرى لهم، فطلب عين الغزال و رسم للعامّة بإحضار النصارى إليه، و طلب الأمير بدر الدين بيدرا النائب، و الأمير سنجر الشجاعيّ، و تقدّم إليهما بإحضار جميع النصارى بين يديه ليقتلهم، فما زالا به حتى استقرّ الحال على أن ينادي في القاهرة و مصر، أن لا يخدم أحد من النصارى و اليهود عند الأمير، و أمر الأمراء بأجمعهم أن يعرضوا على من عندهم من الكتاب النصارى الإسلام، فمن امتنع من الإسلام ضربت عنقه، و من أسلم استخدموه عندهم، و رسم للنائب بعرض جميع مباشري ديوان السلطان و يفعل فيهم ذلك، فنزل الطلب لهم و قد اختفوا، فصارت العامّة تسبق إلى بيوتهم و تنهبها، حتى عمّ النهب بيوت النصارى و اليهود بأجمعهم، و أخرجوا نساءهم مسبيات، و قتلوا جماعة بأيديهم، فقام الأمير بيدرا النائب مع السلطان في أمر العامّة، و تلطف به حتى ركب و إلى القاهرة و نادى من نهب بيت نصرانيّ شنق، و قبض على طائفة من العامّة و شهرهم بعد ما ضربهم، فانكفوا عن النهب بعد ما نبهوا كنيسة المعلقة بمصر و قتلوا منها جماعة، ثم جمع النائب كثيرا من النصارى كتاب السلطان و الأمراء و أوقفهم بين يدي السلطان عن بعد منه، فرسم للشجاعيّ و أمير جاندار أن يأخذا عدّة معهما و ينزلوا إلى سوق الخيل تحت القلعة، و يحفروا حفيرة كبيرة و يلقوا فيها الكتاب الحاضرين، و يضرموا عليهم الحطب نارا، فتقدّم الأمير بيدرا و شفع فيهم فأبى أن يقبل شفاعته و قال: ما أريد في دولتي ديوانا نصرانيا، فلم يزل به حتى سمح بأن من أسلم منهم يستقرّ في خدمته، و من امتنع ضربت عنقه، فأخرجهم إلى دار النيابة و قال لهم: يا جماعة ما وصلت قدرتي مع السلطان في أمركم إلّا على شرط، و هو أن من اختار دينه قتل، و من اختار الإسلام خلع عليه و باشر، فابتدره المكين بن السقاعيّ أحد المستوفين و قال: يا خوند و أينا قوّاد يختار القتل على هذا الدين الخراء، و اللّه دين نقتل و نموت عليه يروح، لا كتب اللّه عليه سلامة، قولوا لنا الذي تختاروه حتى نروح إليه، فغلب بيدرا الضحك و قال له: ويلك، أ نحن نختار غير دين الإسلام؟ فقال يا خوند: ما نعرف، قولوا و نحن نتبعكم، فأحضر العدول و استسلمهم، و كتب بذلك شهادات عليهم، و دخل بها على السلطان فألبسهم تشاريف و خرجوا إلى مجلس الوزير الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس، فبدأ بعض الحاضرين بالمكين بن السقاعيّ و ناوله ورقة ليكتب عليها و قال: يا مولانا القاضي اكتب على هذه الورقة. فقال: يا بنيّ ما كان لنا هذا القضاء في خلد، فلم يزالوا في مجلس الوزير إلى العصر، فجاءهم الحاجب و أخذهم إلى مجلس النائب و قد جمع به القضاة فجدّدوا إسلامهم بحضرتهم، فصار الذليل منهم بإظهار الإسلام عزيزا، يبدي من إذلال المسلمين و التسلط عليهم بالظلم ما كان يمنعه نصرانيته من إظهاره، و ما هو إلا كما

418

كتب به بعضهم إلى الأمير بيدرا النائب:

أسلم الكافرون بالسيف قهرا* * * و إذا ما خلوا فهم مجرمونا

سلموا من رواح مال و روح‏* * * فهم سالمون لا مسلمونا

و في أخريات شهر رجب سنة سبعماءة قدم وزير متملك المغرب إلى القاهرة حاجا، و صار يركب إلى الموكب السلطانيّ و بيوت الأمراء، فبينما هو ذات يوم بسوق الخيل تحت القلعة، إذا هو برجل راكب على فرس و عليه عمامة بيضاء و فرجية مصقولة، و جماعة يمشون في ركابه و هم يسألونه و يتضرّعون إليه و يقبلون رجليه، و هو معرض عنهم و ينهرهم و يصيح بغلمانه أن يطردوهم عنه. فقال له بعضهم يا مولاي الشيخ بحياة ولدك النشو تنظر في حالنا، فلم يزده ذلك إلّا عتوّا و تحامقا، فرقّ المغربيّ لهم و همّ بمخاطبته في أمرهم، فقيل له و أنه مع ذلك نصرانيّ، فغضب لذلك و كاد أن يبطش به، ثم كف عنه و طلع إلى القلعة و جلس مع الأمير سلار نائب السلطان، و الأمير بيبرس الجاشنكير، و أخذ يحادثهم بما رآه و هو يبكي رحمة للمسلمين بما نالهم من قسوة النصارى، ثم وعظ الأمراء و حذرهم نقمة اللّه، و تسليط عدوّهم عليهم من تمكين النصارى من ركوب الخيل، و تسلطهم على المسلمين و إذلالهم إياهم، و أن الواجب إلزامهم الصغار، و حملهم على العهد الذي كتبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فمالوا إلى قوله و طلبوا بطرك النصارى و كبراءهم و ديان اليهود، فجمعت نصارى كنيسة المعلقة و نصارى دير البغل و نحوهم، و حضر كبراء اليهود و النصارى، و قد حضر القضاة الأربعة و ناظروا النصارى و اليهود، فأذعنوا إلى التزام العهد العمريّ، و ألزم بطرك النصارى طائفته النصارى بلبس العمائم الزرق و شدّ الزنار في أوساطهم، و منعهم من ركوب الخيل و البغال، و التزام الصغار، و حرّم عليهم مخالفة ذلك أو شي‏ء منه، و أنه بري‏ء من النصرانية إن خالف. ثم اتبعه ديان اليهود بأن أوقع الكلمة على من خالف من اليهود ما شرط عليه، من لبس العمائم الصفر و التزام العهد العمريّ، و كتب بذلك عدّة نسخ سيرت إلى الأعمال، فقام المغربيّ في هدم الكنائس، فلم يمكنه قاضي القضاة تقي الدين محمد بن دقيق العيد من ذلك، و كتب خطه بأنه لا يجوز أن يهدم من الكنائس إلّا ما استجدّ بناؤه، فغلقت عدّة كنائس بالقاهرة و مصر مدّة أيام، فسعى بعض أعيان النصارى في فتح كنيسة حتى فتحها، فثارت العامة و وقفوا للنائب و الأمراء و استغاثوا بأن النصارى قد فتحوا الكنائس بغير إذن، و فيهم جماعة تكبروا عن لبس العمائم الزرق، و احتمى كثير منهم بالأمراء، فنودي في القاهرة و مصر أن يلبس النصارى بأجمعهم العمائم الزرق، و يلبس اليهود بأسرهم العمائم الصفر، و من لم يفعل ذلك نهب ماله و حلّ دمه، و منعوا جميعا من الخدمة في ديوان السلطان و دواوين الأمراء حتى يسلموا، فتسلطت الغوغاء عليهم و تتبعوهم، فمن رأوه بغير الزيّ الذي رسم به ضربوه بالنعال و صفعوا عنقه حتى يكاد يهلك، و من مرّ بهم و قد ركب و لا يثني رجله ألقوه عن دابته و أوجعوه ضربا،

419

فاختفى كثير منهم، و ألجأت الضرورة عدّة من أعيانهم إلى إظهار الإسلام أنفة من لبس الأزرق و ركوب الحمير، و قد أكثر شعراء العصر في ذكر تغيير زيّ أهل الذمّة، فقال علاء الدين عليّ بن مظفر الوداعيّ:

لقد ألزم الكفار شاشات ذلة* * * تزيدهم من لعنة اللّه تشويشا

فقلت لهم ما ألبسوكم عمائما* * * و لكنهم قد ألزموكم براطيشا

و قال شمس الدين الطيبي:

تعجبوا للنصارى و اليهود معا* * * و السامريين لما عمموا الخرقا

كأنما بات بالأصباغ منسهلا* * * نسر السماء فأضحى فوقهم زرقا

فبعث ملك برشلونة في سنة ثلاث و سبعمائة هدية جليلة زائدة عن عادته، عمّ بها جميع أرباب الوظائف من الأمراء مع ما خص به السلطان، و كتب يسأل في فتح الكنائس، فاتفق الرأي على فتح كنيسة حارة زويلة لليعاقبة، و فتح كنيسة البندقانيين من القاهرة، ثم لما كان يوم الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر سنة إحدى و عشرين و سبعمائة، هدمت كنائس أرض مصر في ساعة واحدة، كما ذكر في أخبار كنيسة الزهريّ، و في سنة خمس و خمسين و سبعمائة، رسم بتحرير ما هو موقوف على الكنائس من أراضي مصر، فأناف على خمسة و عشرين ألف فدان، و سبب الفحص عن ذلك، كثرة تعاظم النصارى و تعدّيهم في الشرّ و الإضرار بالمسلمين، لتمكنهم من أمراء الدولة و تفاخرهم بالملابس الجليلة، و المغالاة في أثمانها، و التبسط في المآكل و المشارب، و خروجهم عن الحدّ في الجراءة و السلاطة، إلى أن اتفق مرور بعض كتاب النصارى على الجامع الأزهر من القاهرة، و هو راكب بخف و مهماز و بقباء إسكندريّ طرح على رأسه، و قدّامه طرّادون يمنعون الناس من مزاحمته، و خلفه عدّة عبيد بثياب سرية على أكاديش فارهة، فشق ذلك على جماعة من المسلمين، و ثاروا به و أنزلوه عن فرسه و قصدوا قتله، و قد اجتمع عالم كبير، ثم خلوا عنه، و تحدّد جماعة مع الأمير طاز في أمر النصارى و ما هم عليه، فوعدهم بالإنصاف منهم، فرفعوا قصة على لسان المسلمين قرئت على السلطان الملك الصالح صالح بحضرة الأمراء و القضاة و سائر أهل الدولة، تتضمن الشكوى من النصارى، و أن يعقد لهم مجلس ليلتزموا بما عليهم من الشروط، فرسم بطلب بطرك النصارى و أعيان أهل ملتهم، و بطلب رئيس اليهود و أعيانهم، و حضر القضاة و الأمراء بين يدي السلطان، و قرأ القاضي علاء الدين عليّ بن فضل اللّه كاتب السرّ العهد الذي كتب بين المسلمين و بين أهل الذمّة، و قد أحضروه معهم، حتى فرغ منه، فالتزم من حضر منهم بما فيه و أقرّوا به، فعدّدت لهم أفعالهم التي جاهروا بها و هم عليها، و أنهم لا يرجعون عنها غير قليل، ثم يعودن إليها كما فعلوه غير مرّة فيما سلف، فاستقرّ الحال على أن يمنعوا من المباشرة بشي‏ء من ديوان السلطان و دواوين الأمراء

420

و لو أظهروا الإسلام، و أن لا يكره أحد منهم على إظهار الإسلام، و يكتب بذلك إلى الأعمال. فتسلطت العامّة عليهم و تتبعوا آثارهم و أخذوهم في الطرقات، و قطعوا ما عليهم من الثياب، و أوجعوهم ضربا، و لم يتركوهم حتى يسلموا، و صاروا يضرمون لهم النار ليلقوهم فيها، فاختفوا في بيوتهم و لم يتجاسروا على المشي بين الناس، فنودي بالمنع من التعرّض لأذاهم، فأخذت العامّة في تتبع عوراتهم و ما علوه من دورهم على بناء المسلمين فهدموه، و اشتدّ الأمر على النصارى باختفائهم، حتى أنهم فقدوا من الطرقات مدّة، فلم ير منهم و لا من اليهود أحد، فرفع المسلمون قصة قرئت في دار العدل في يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب، تتضمن أن النصارى قد استجدّوا عمارات في كنائسهم و وسعوها، هذا و قد اجتمع بالقلعة عالم عظيم و استغاثوا بالسلطان من النصارى، فرسم بركوب والي القاهرة و كشفه على ذلك، فلم تتمهل العامّة و مرّت بسرعة فخرّبت كنيسة بجوار قناطر السباع، و كنيسة بطريق مصر للأسرى، و كنيسة الفهادين بالجوّانية من القاهرة، و دير نهيا من الجيزة، و كنيسة بناحية بولاق التكروريّ، و نهبوا حواصل ما خرّبوه من ذلك، و كانت كثيرة، و أخذوا أخشابها و رخامها و هجموا كنائس مصر و القاهرة، و لم يبق إلّا أن يخرّبوا كنيسة البندقانيين بالقاهرة، فركب الوالي و منعهم منها، و اشتدّت العامة و عجز الحكام عن كفهم، و كان قد كتب إلى جميع أعمال مصر و بلاد الشام أن لا يستخدم يهوديّ و لا نصرانيّ و لو أسلم، و أنه من أسلم منهم لا يمكن من العبور إلى بيته و لا من معاشرة أهله إلّا أن يسلموا و أن يلزم من أسلم منهم بملازمة المساجد و الجوامع لشهود الصلوات الخمس و الجمع، و أنّ من مات من أهل الذمة يتولى المسلمون قسمة تركته على ورثته إن كان له وارث، و إلّا فهي لبيت المال، و كان يلي ذلك البطرك، و كتب بذلك مرسوم قري‏ء على الأمراء، ثم نزل به الحاجب فقرأه في يوم الجمعة سادس عشري جمادى الآخرة بجوامع القاهرة و مصر، فكان يوما مشهودا.

ثم أحضر في أخريات شهر رجب من كنيسة شبرا بعدما هدمت، إصبع الشهيد الذي كان يلقى في النيل حتى يزيد، بزعمهم، و هو في صندوق، فأحرق بين يدي السلطان بالميدان من قلعة الجبل و ذرى رماده في البحر خشية من أخذ النصارى له، فقدمت الأخبار بكثرة دخول النصارى من أهل الصعيد و الوجه البحريّ في الإسلام. و تعلمهم القرآن، و إن أكثر كنائس الصعيد هدمت و بنيت مساجد، و أنه أسلم بمدينة قليوب في يوم واحد أربعمائة و خمسون نصرانيا، و كذلك بعامة الأرياف، مكرا منهم و خديعة حتى يستخدموا في المباشرات، و ينكحوا المسلمات، فتم لهم مرادهم و اختلطت بذلك الأنساب حتى صار أكثر الناس من أولادهم، و لا يخفى أمرهم على من نوّر اللّه قلبه، فإنه يظهر من آثارهم القبيحة إذا تمكنوا من الإسلام و أهل ما يعرف به الفطن سوء أصلهم، و قديم معاداة أسلافهم للدين و حملته.

النصارى فرق كثيرة، الملكانية، و النسطورية، و اليعقوبية، و البرذعانية، و المرقولية،

421

و هم الرهاويون الذين كانوا بنواحي حرّان و غير هؤلاء. فمنهم من مذهبه مذهب الحرّانية، و منهم من يقول بالنور و الظلمة، و الثنوية كلهم يقرّون بنبوّة المسيح (عليه السلام) و منهم من يعتقد مذهب أرسطاطاليس. و الملكانية و اليعقوبية و النسطورية متفقون على أن معبودهم ثلاثة أقانيم‏ (1)، و هذه الأقانيم الثلاثة شي‏ء واحد، و هو جوهر قديم، و معناه أب و ابن و روح القدس إله واحد، و أن الابن نزل من السماء فتدرّع جسدا من مريم، و ظهر للناس يحيي و يبروئ و ينبي، ثم قتّل و صلب و خرج من القبر لثلاث، فظهر لقوم من أصحابه فعرفوه حق معرفته، ثم صعد إلى السماء فجلس عن يمين أبيه هذا الذي يجمعهم اعتقاده، ثم إنهم يختلفون في العبارة عنه.

فمنهم من يزعم أنّ القديم جوهر واحد يجمعه ثلاثة أقانيم، كل أقنوم منها جوهر خاص، فأحد هذه الأقانيم أب واحد غير مولود، و الثالث روح فائضة منبثقة بين الأب و الابن، و أن الابن لم يزل مولودا من الأب، و أن الأب لم يزل والدا للابن، لا على جهة النكاح و التناسل، لكن على جهة تولد ضياء الشمس من ذات الشمس، و تولد حرّ النار من ذات النار.

و منهم من يزعم أن معنى قولهم إن الإله ثلاثة أقانيم، أنها ذات لها حياة و نطق، فالحياة هي روح القدس، و النطق هو العلم و الحكمة، ... (2) و النطق و العلم و الحكمة و الكلمة عبارة عن الابن، كما يقال الشمس و ضياؤها، و النار و حرّها، فهو عبارة عن ثلاثة أشياء ترجع إلى أصل واحد.

و منهم من يزعم أنه لا يصحّ له أن يثبت الإله فاعلا حكيما، إلّا أنه يثبته حيا ناطقا، و معنى الناطق عندهم العالم المميز، لا الذي يخرج الصوت بالحروف المركبة، و معنى الحيّ عندهم من له حياة بها يكون حيا، و معنى العالم من له علم به يكون عالما. قالوا فذاته و علمه و حياته ثلاثة أشياء و الأصل واحد، فالذات هي العلة للاثنين اللذين هما العلم و الحياة، و الاثنان هما المعلولان للعلة، و منهم من يتنزه عن لفظ العلة و المعلول في صفة القديم، و يقول أب و ابن و والدة و روح و حياة و علم و حكمة و نطق. قالوا و الابن اتحد بإنسان مخلوق، فصار هو و ما اتحد به مسيحا واحدا، و أن المسيح هو إله العباد و ربهم، ثم اختلفوا في صفة الاتحاد، فزعم بعضهم أنه وقع بين جوهر لاهوتيّ و جوهر ناسوتيّ اتحاد، فصارا مسيحا واحدا، و لم يخرج الاتحاد كلّ واحد منهما عن جوهريته و عنصره، و أن المسيح إله معبود، و أنه ابن مريم الذي حملته و ولدته، و أنه قتل و صلب، و زعم قوم أن المسيح بعد الاتحاد جوهران، أحدهما لاهوتيّ و الآخر ناسوتيّ، و أن القتل و الصلب وقعا به من جهة

____________

(1) الأقنوم: الأصل.

(2) بياض في الأصل.

422

ناسوته لا من جهة لاهوته، و أن مريم حملت بالمسيح و ولدته من جهة ناسوته، و هذا قول النسطورية، ثم يقولون أن المسيح بكماله إله معبود، و أنه ابن اللّه، تعالى اللّه عن قولهم، و زعم قوم أنّ الاتحاد وقع بين جوهرين لاهوتيّ و ناسوتيّ، فالجوهر اللاهوتيّ بسيط غير منقسم و لا متجزئ، و زعم قوم أن الاتحاد على جهة حلول الابن في الجسد و مخالطته إياه، و منهم من زعم أن الاتحاد على جهة الظهور، كظهور كتابة الخاتم و النقش إذا وقع على طين أو شمع، و كظهور صورة الإنسان في المرآة، إلى غير ذلك من الاختلاف الذي لا يوجد مثله في غيرهم، حتى لا تكاد تجد اثنين منهم على قول واحد.

و الملكانية تنسب إلى ملك الروم، و هم يقولون أنّ اللّه اسم لثلاثة معان، فهو واحد ثلاثة و ثلاثة واحد. و اليعقوبية تقول أنه واحد قديم، و أنه كان لا جسم و لا إنسان، ثم تجسم و تأنس. و المرقولية قالوا اللّه واحد و علمه غيره قديم معه، و المسيح ابنه على جهة الرحمة، كما يقال إبراهيم خليل اللّه، و المرقولية تزعم أن المسيح يطوف عليهم كل يوم و ليلة، و البوزغانية تزعم أن المسيح هو الذي يحشر الموتى من قبورهم و يحاسبهم.

و عندهم لا بدّ من تنصير أولادهم، و ذلك أنهم يغمسون المولود في ماء قد أغلي بالرياحين و ألوان الطيب في إجانة جديدة، و يقرءون عليه من كتابهم، فيزعمون أنه حينئذ ينزل عليه روح القدس، و يسمون هذا الفعل المعمودية، و طهارتهم إنما هي غسل الوجه و اليدين فقط، و لا يختتن منهم إلّا اليعقوبية، و لهم سبع صلوات يستقبلون فيها المشرق، و يحجون إلى بيت المقدس، و زكاتهم العشر من أموالهم، و صيامهم خمسون يوما، فالثاني و الأربعون منه عيد الشعانين، و هو اليوم الذي نزل فيه المسيح من الجبل و دخل بيت المقدس، و بعده بأربعة أيام عيد الفصح، و هو اليوم الذي خرج فيه موسى و قومه من مصر، و بعده بثلاثة أيام عيد القيامة، و هو اليوم الذي خرج فيه المسيح من القبر بزعمهم، و بعده بثمانية أيام عيد الجديد، و هو اليوم الذي ظهر فيه المسيح لتلامذته بعد خروجه من القبر، و بعده بثمانية و ثلاثين يوما عيد السلاق، و هو اليوم الذي صعد فيه المسيح إلى السماء. و لهم عيد الصليب، و هو اليوم الذي وجدوا فيه خشية الصليب، و زعموا أنها وضعت على ميت فعاش، و لهم أيضا عيد الميلاد و عيد الذبح، و لهم قرابين و كهنة، فالشماس فوقه القس، و فوق القس الأسقف، و فوق الأسقف المطران، و فوق المطران البطريق، و السكر عندهم حرام، و لا يحلّ لهم أكل اللحم و لا الجماع في الصوم، و كل ما يباع في السوق و لم تعفه أنفسهم يباح أكله، و لا يصحّ النكاح إلّا بحضور شماس و قس و عدول و مهر، و يحرّمون من النساء ما يحرّمه المسلمون، و لا يحلّ الجمع بين امرأتين، و لا التسرّي بالإماء إلّا أن يعتقن و يتزوّج بهنّ، و إذا خدم العبد سبع سنين عتق، و لا يحل طلاق المرأة إلّا أن تأتي بفاحشة مبينة فتطلق، و لا تحل للزوج أبدا، و حدّ المحصن إذا زنى الرجم، فإن زنى غير محصن و حملت منه المرأة تزوّج بها، و من قتل عمدا قتل، و من قتل خطأ يهرّب و لا يحل طلبه،

423

و أكثر أحكامهم من التوراة، و قد لعن منهم من لاط أو شهد بالزور أو قامر أو زنى أو سكر.

ذكر ديارات النصارى‏

قال ابن سيده: الدير خان النصارى، و الجمع أديار، و صاحبه ديار و ديرانيّ. قلت الدير عند النصارى يختص بالنساك المقيمين به، و الكنيسة مجتمع عامتهم للصلاة.

القلاية بمصر: هذه القلاية بجانب المعلقة التي تعرف بقصر الشمع في مدينة مصر، و هي مجمع أكابر الرهبان و علماء النصارى، و حكمها عندهم حكم الأديرة.

دير طرا: و يعرف بدير أبي جرج، و هو على شاطي‏ء النيل. و أبو جرج هذا هو جرجس، و كان ممن عذبه الملك دقلطيانوس ليرجع عن دين النصرانية، و نوّع له العقوبات من الضرب و التحريق بالنار، فلم يرجع، فضرب عنقه بالسيف في ثالث تشرين و سابع بابه.

دير شعران: هذا الدير في حدود ناحية طرا، و هو مبنيّ بالحجر و اللبن، و به نخل و به عدّة رهبان، و يقال إنما هو دير شهران بالهاء، و أنّ شهران كان من حكماء النصارى، و قيل بل كان ملكا، و كان هذا الدير يعرف قديما بمرقوريوس الذي يقال له مرقورة، و أبو مرقورة، ثم لما سكنه برصوما بن التبان عرف بدير برصوما، و له عيد يعمل في الجمعة الخامسة من الصوم الكبير، فيحضره البطرك و أكابر النصارى، و ينفقون فيه مالا كبيرا. و مرقوريوس هذا كان ممن قتله دقلطيانوس في تاسع عشر تموز، و خامس عشري أبيب، و كان جنديا.

دير الرسل: هذا الدير خارج ناحية الصف و الودي، و هو دير قديم لطيف.

دير بطرس و بولص: هذا الدير خارج اطفيح من قبليها، و هو دير لطيف و له عيد في خامس أبيب يعرف بعيد القصرية. و بطرس هذا هو أكبر الرسل الحواريين، و كان دباغا، و قيل صيادا، قتله الملك نبرون في تاسع عشري حزيران، و خامس أبيب. و بولص هذا كان يهوديا فتنصر بعد رفع المسيح (عليه السلام)، و دعا إلى دينه، فقتله الملك نيرون بعد قتله بطرس بسنة.

دير الجميزة: و يعرف بدير الجود، و يسمي موضعه البحارة جزائر الدير، و هو قبالة الميمون، و هو عزبة لدير العزبة، بني على اسم انطونيوس، و يقال انطونة، و كان من أهل قمن، فلما انقضت أيام الملك دقلطيانوس و فاتته الشهادة أحب أن يتعوّض عنها بعبادة توصل ثوابها أو قريبا من ذلك، فترهب، و كان أوّل من أحدث الرهبانية للنصارى عوضا عن الشهادة، و واصل أربعين يوما ليلا و نهارا طاويا لا يتناول طعاما و لا شرابا مع قيام الليل، و كان هكذا يفعل في الصيام الكبير كل سنة.

دير العزبة: هذا الدير يسار إليه في الجبل الشرقيّ ثلاثة أيام بسير الإبل، و بينه و بين‏

424

بحر القلزم مسافة يوم كامل، و فيه غالب الفواكه مزدرعة، و به ثلاثة أعين تجري، و بناه أنطونيوس المقدّم ذكره، و رهبان هذا الدير لا يزالون دهرهم صائمين، لكن صومهم إلى العصر فقط ثم يفطرون، ما خلا الصوم الكبير و البرمولات، فإن صومهم في ذلك إلى طلوع النجم، و البرمولات هي الصوم كذلك بلغتهم.

دير أنبابولا: و كان يقال له أوّلا دير بولص، ثم قيل له دير بولا، و يعرف بدير النمورة أيضا، و هذا الدير في البرّ الغربيّ من الطور على عين ماء يردها المسافرون، و عندهم أن هذه العين تطهرت منها مريم أخت موسى (عليهما السلام) عند نزول موسى ببني إسرائيل في برّية القلزم. و انبابولا هذا كان من أهل الإسكندرية، فلما مات أبوه ترك له و لأخيه مالا جما، فخاصمه أخوه في ذلك و خرج مغاضبا له، فرأى ميتا يقبر، فاعتبر به و مرّ على وجهه سائحا حتى نزل على هذه العين، فأقام هناك و اللّه تعالى يرزقه، فمرّ به انطونيوس و صحبه حتى مات، فبني هذا الدير على قبره، و بين هذا الدير و البحر ثلاث ساعات، و فيه بستان فيه نخل و عنب و به عين ماء تجري أيضا.

دير القصير: قال أبو الحسن عليّ بن محمد الشابشتي في كتاب الديارات: و هذا الدير في أعلى الجبل على سطح في قلته، و هو دير حسن البناء محكم الصنعة نزه البقعة، و فيه رهبان مقيمون به، و له بئر منقورة في الحجر يستقى له منها الماء، و في هيكله صورة مريم (عليها السلام) في لوح، و الناس يقصدون الموضع للنظر إلى هذه الصورة، و في أعلاه غرفة بناها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، لها أربع طاقات إلى أربع جهات، و كان كثير الغشيان لهذا الدير معجبا بالصورة التي فيه، يستحسنها و يشرب على النظر إليها، و في الطريق إلى هذا الدير من جهة مصر صعوبة، و أما من قبليه فسهل الصعود و النزول، و إلى جانبه صومعة لا تخلو من حبيس يكون فيها، و هو مطلّ على القرية المعروفة بشهران، و على الصحراء و البحر، و هي قرية كبيرة عامرة على شاطى‏ء البحر، و يذكرون أن موسى (صلوات اللّه عليه) ولد فيها، و منها ألقته أمّه إلى البحر في التابوت، و به أيضا دير يعرف بدير شهران، و دير القصير هذا أحد الديارات المقصودة، و المنتزهات المطروقة لحسن موضعه و إشرافه على مصر و أعمالها، و قد قال فيه شعراء مصر و وصفوه فذكروا طيبه و نزهته، و لأبي هريرة بن أبي عاصم فيه من المنسرح:

كم لي بدير القصير من قصف‏* * * مع كل ذي صبوة و ذي ظرف‏

لهوت فيه بشادن غنج‏* * * تقصر عنه بدائع الوصف‏

و قال ابن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر: و قد اختلف في القصير فعن ابن لهيعة قال: ليس بقصير موسى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و لكنه موسى الساحر، و عن المفضل بن فضالة عن أبيه قال: دخلنا على كعب الأحبار فقال لنا: ممن أنتم؟ قلنا فتيان من أهل مصر. فقال: ما

425

تقولون في القصير؟ قلنا قصير موسى. فقال: ليس بقصير موسى، و لكنه قصير عزيز مصر، كان إذا جرى النيل يترفع فيه. و على ذلك إنه لمقدّس من الجبل إلى البحر. قال: و يقال بل كان موقدا يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من منف إلى عين شمس، و كان على المقطم موقد آخر، فإذا رأوا النار علموا بركوبه فأعدّوا له ما يريد، و كذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس، و اللّه أعلم، و ما أحسن قول كشاجم:

سلام على دير القصير و سفحه‏* * * بجنات حلوان إلى النخلات‏

منازل كانت لي بهنّ مآرب‏* * * و كنّ مواخيري و منتزهاتي‏

إذا جئتها كان الجياد مراكبي‏* * * و منصرفي في السفن منحدرات‏

فأقبض بالأسحار وحشيّ عينها* * * و أقتنص الأنسيّ في الظلمات‏

معي كلّ بسام أغرّ مهذب‏* * * على كل ما يهوى النديم مواتي‏

و لحمان مما أمسكته كلابنا* * * علينا و مما صيد في الشبكات‏

و كأس و ابريق و ناي و مزهر* * * و ساق غرير فاتر اللحظات‏

كأنّ قضيب البان عند اهتزازه‏* * * تعلم من أعطافه الحركات‏

هنالك تصفو لي مشارب لذتي‏* * * و تصحب أيام السرور حياتي‏

و قال علماء الأخبار من النصارى: إن أرقاديوس ملك الروم طلب أرسانيوس ليعلّم ولده، فظنّ أنه يقتله، ففرّ إلى مصر و ترهب، فبعث إليه أمانا و أعلمه أن الطلب من أجل تعليم ولده، فاستعفى و تحوّل إلى الجبل المقطم شرقيّ طرا، و أقام في مغارة ثلاث سنين و مات، فبعث إليه أرقاديوس فإذا هو قد مات، فأمر أن يبنى على قبره كنيسة، و هو المكان المعروف بدير القصير، و يعرف الآن بدير البغل، من أجل أنه كان به بغل يستقي عليه الماء، فإذا خرج من الدير أتى الموردة، و هناك من يملأ عليه، فإذا فرغ من الماء تركه فعاد إلى الدير. و في رمضان سنة أربعمائة أمر الحاكم بأمر اللّه بهدم دير القصير، فأقام الهدم و النهب فيه مدّة أيام.

دير مرحنا: قال الشابشتي: دير مرحنا على شاطى‏ء بركة الحبش، و هو قريب من النيل، و إلى جانبه بساتين أنشأ بعضها الأمير تميم بن المعز، و مجلس على عمد، حسن البناء مليح الصنعة مسوّر، أنشأه الأمير تميم أيضا، و بقرب الدير بئر تعرف ببئر مماتي، عليها جميزة كبيرة يجتمع الناس إليها و يشربون تحتها، و هذا الموضع من مغاني اللعب و مواطن القصف و الطرب، و هو نزه في أيام النيل و زيادة البحر و امتلاء البركة، حسن المنظر في أيام الزرع و النواوير، لا يكاد حينئذ يخلو من المتنزهين و المتطربين، و قد ذكرت الشعراء حسنه و طيبه، و هذا الدير يعرف اليوم بدير الطين بالنون.

دير أبي النعناع: هذا الدير خارج انصنا، و هو من جملة عماراتها القديمة، و كنيسته‏

426

في قصره لا في أرضه، و هو على اسم أبي بخنس القصير، و عيده في العشرين من بابه، و سيأتي ذكر أبي بخنس هذا.

دير مغارة شقلقيل: هو دير لطيف معلق في الجبل، و هو نقر في الحجر على صخرة تحتها عقبة لا يتوصل إليه من أعلاه و لا من أسفله و لا سلّم له، و إنما جعلت له نقور في الجبل، فإذا أراد أحد أن يصعد إليه أرخيت له سلبة فأمسكها بيده و جعل رجليه في تلك النقور و صعد، و به طاحونة يديرها حمار واحد، و يطلّ هذا الدير على النيل تجاه منفلوط و تجاه أمّ القصور، و تجاهه جزيرة يحيط بها الماء، و هي التي يقال لها شقلقيل، و بها قريتان إحداهما شقلقيل و الأخرى بني شقير، و لهذا الدير عيد يجتمع فيه النصارى، و هو على اسم يومينا، و هو من الأجناد الذين عاقبهم ديقلطيانوس ليرجع عن النصرانية و يسجد للأصنام، فثبت على دينه، فقتله في عاشر حزيران و سادس عشر بابه.

دير بقطر: بحاجر أبنوب من شرقيّ بني مرّ تحت الجبل، على مائتي قصبة منه، و هو دير كبير جدّا، و له عيد يجتمع فيه نصارى البلاد شرقا و غربا، و يحضره الأسقف. و بقطر هذا هو ابن رومانوس، كان أبوه من وزراء ديقلطيانوس، و كان هو جميلا شجاعا له منزلة من الملك، فلما تنصر وعده الملك و مناه ليرجع إلى عبادة الأصنام فلم يفعل، فقتله في ثاني عشري نيسان، و سابع عشري برمودة.

دير بقطرشق: في بحريّ أبنوب، و هو دير لطيف خال، و إنما تأتيه النصارى مرّة في كل سنة. و بقطرشق ممن عذبه ديقلطيانوس ليرجع عن النصرانية فلم يرجع، فقتله في العشرين من هتور، و كان جنديا.

دير بوجرج: بني على اسم بوجرج، و هو خارج المعيصرة بناحية شرق بني مرّو، تارة يخلو من الرهبان و تارة يعمر بهم، و له وقت يعمل العيد فيه.

دير حماس: و حماس اسم بلد هو بحربها، و له عيدان في كل سنة و جموعات متعدّدة.

دير الطير: هذا الدير قديم، و هو مطلّ على النيل، و له سلالم منحوتة في الجبل، و هو قبالة سملوط. و قال الشابشتي و بنواحي أخميم دير كبير عامر يقصد من كل موضع، و هو بقرب الجبل المعروف بجبل الكهف، و في موضع من الجبل شق فإذا كان يوم عيد هذا الدير لم يبق في البلد بوقير حتى يجي‏ء إلى هذا الموضع، فيكون أمرا عظيما بكثرتها و اجتماعها و صياحها عند الشق، و لا يزال الواحد بعد الواحد يدخل رأسه في ذلك الشق و يصيح و يخرج، و يجي‏ء غيره إلى أن يعلق رأس أحدها و ينشب في الموضع، فيضطرب حتى يموت، و تتفرّق حينئذ الباقية فلا يبقى منها طائر. و قال القاضي: أبو جعفر القضاعيّ: و من عجائبها يعني مصر، شعب البوقيرات بناحية أشموم من أرض الصعيد، و هو شعب في جبل‏

427

فيه صدع تأتيه البوقيرات في يوم من السنة كان معروفا، فتعرض أنفسها على الصدع، فكلما أدخل بوقير منها منقاره في الصدع مضى لطيته، فلا تزال تفعل ذلك حتى يلقتي الصدع على بوقير منها فيحبسه، و تمضي كلها و لا يزال ذلك الذي تحبسه معلقا حتى يتساقط. قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى: و قد بطل هذا. في جملة ما بطل.

دير أبي هرمينة: بحريّ فاو الخراب، و بحريه بربافاو، و هي مملوءة كتبا و حكما، و بين دير الطين و هذا الدير نحو يومين و نصف، و أبو هرمينة هذا من قدماء الرهبان المشهورين عند النصارى.

دير السبعة جبال باخميم: هذا الدير داخل سبعة أودية، و هو دير عال بين جبال شامخة، و لا تشرق عليه الشمس إلّا بعد ساعتين من الشروق لعلوّ الجبل الذي هو في لحفه، و إذا بقي للغروب نحو ساعتين خيل لمن فيه أن الشمس قد غابت و أقبل الليل، فيشعلون حينئذ الضوء فيه، و على هذا الدير من خارجه عين ماء تظلها صفصافة، و يعرف هذا الموضع الذي فيه دير الصفصافة بوادي الملوك، لأن فيه نباتا يقال له الملوكة، و هو شبه الفجل، و ماؤه أحمر قان يدخل في صناعة علم أهل الكيمياء، و من داخل هذا الدير دير القرقس:

و هو في أعلى جبل، قد نقر فيه، و لا يعلم له طريق، بل يصعد إليه في نقور في الجبل، و لا يتوصل إليه إلّا كذلك، و بين دير الصفصافة و دير القرقس ثلاث ساعات، و تحت دير القرقس عين ماء عذب و أشجار بان.

دير صبرة: في شرقيّ اخميم، عرف بعرب يقال لهم بني صبرة، و هو على اسم ميخائيل الملك، و ليس به غير راهب واحد.

دير أبي بشادة الأسقف: قريب من ناحية انقه، و هو بالحاجر، و تجاهه في الغرب منشأة اخميم، و كان أبو بشادة هذا من علماء النصارى.

دير بوهر الراهب: و يعرف بدير سوادة، و سوادة عرب تنزل هناك، و هو قبالة منية بني خصيب، خرّبته العرب، و هذه الأديرة كلها في الشرق من النيل، و جميعها لليعاقبة، و ليس في الجانب الشرقيّ الآن سواها، و أما الجانب الغربيّ من النيل فإنه كثير الديارات لكثرة عمارته.

دير دموة بالجيزة: و تعرف بدموة السباع، و هو على اسم قزمان و دميان، و هو دير لطيف، و تزعم النصارى أن بعض الحكماء كان يقال له سبع أقام بدموة، و أن كنيسة دموة التي بأيدي اليهود الآن كانت ديرا من ديارات النصارى، فابتاعته منهم اليهود في ضائقة نزلت بهم، و قد تقدّم ذكر كنيسة دموة و قزمان و دميان من حكماء النصارى و رهبانهم العباد، و لهما أخبار عندهم.

428

دير نهيا: قال الشابشتي: و نهيا بالجيزة، و ديرها هذا من أحسن ديارات مصر، و أنزهها و أطيبها موضعا، و أجلها موقعا، عامر برهبانه و سكانه، و له في أيام النيل منظر عجيب، لأن الماء يحيط به من جميع جهاته، فإذا انصرف الماء و زرعت الأرض أظهرت أراضيه غرائب النواوير و أصناف الزهر، و هو من المنتزهات الموصوفة و البقاع المستحسنة، و له خليج يجتمع فيه سائر الطير، فهو أيضا متصيد ممنع، و قد وصفته الشعراء و ذكرت حسنه و طيبه، قلت و قد خرب هذا الدير.

دير طمويه: قال ياقوت: طمويه- بفتح الطاء و سكون الميم و فتح الواو ساكنة- قريتان بمصر، إحداهما في كورة المرتاحية، و الأخرى بالجيزة، قال الشابشتي: و طمويه في الغرب بإزاء حلوان، و الدير راكب البحر، حوله الكروم و البساتين و النخل و الشجر، و هو نزه عامر آهل، و له في النيل منظر حسن، و حين تخضرّ الأرض يكون في بساطين من البحر و الزرع، و هو أحد منتزهات أهل مصر المذكورة، و مواضع لهوها المشهورة. و لابن أبي عاصم المصريّ فيه من البسيط:

و اشرب بطمويه من صهباء صافية* * * تزرى بخمر قرى هيت و عانات‏

على رياض من النوّار زاهرة* * * تجري الجداول فيها بين جنات‏

كأن نبت الشقيق العصفريّ بها* * * كاسات خمر بدت في إثر كاسات‏

كأنّ نرجسها من حسنه حدق‏* * * في خفية يتناجى بالإشارات‏

كأنما النيل في مرّ النسيم به‏* * * مستلئم في دروع سابريات‏

منازل كنت مفتونا بها شغفا* * * و كنّ قدما مواخيري و حاناتي‏

إذ لا أزال ملما بالصبوح على‏* * * ضرب النواقيس صبّا بالديارات‏

قلت هذا الدير عند النصارى على اسم بوجرج و يجتمع فيه النصارى من النواحي:

دير أقفاص: و صوابها أقفهس و قد خرب.

دير خارج ناحية منهري: خامل الذكر لأنهم لا يطعمون فيه أحدا.

دير الخادم: على جانب المنهي بأعمال البهنسا، على اسم غبريال الملك، به بستان فيه نخل و زيتون.

دير أشنين: عرف بناحية أشنين، فإنه في بحريها، و هو لطيف على اسم السيدة مريم، و ليس به سوى راهب واحد.

دير ايسوس: و معنى ايسوس يسوع، و يقال له دير أرجنوس، و له عيد في خامس عشري بشنس، فإذا كان ليلة هذا اليوم سدّت بئر فيه تعرف ببئر ايسوس، و قد اجتمع الناس‏

429

إلى الساعة السادسة من النهار، ثم كشفوا الطابق عن البئر فإذا بها قد فاض ماؤها ثم ينزل، فحيث وصل الماء قاسوا منه إلى موضع استقرّ فيه الماء، فما بلغ كانت زيادة النيل في تلك السنة من الأذرع.

دير سدمنت: على جانب المنهي بالحاجر بين الفيوم و الريف على اسم بوجرج، و قد ضعفت أحواله عما كان عليه و قل ساكنه.

دير النقلون: و يقال له دير الخشبة، و دير غبريال الملك، و هو تحت مغارة في الجبل الذي يقال له طارف الفيوم، و هذه المغارة تعرف عندهم بمظلة يعقوب، يزعمون أن يعقوب (عليه السلام) لما قدم مصر كان يستظل بها، و هذا الجبل مطلّ على بلدين يقال لهما اطفيح شيلا، و شلا. و يملأ الماء لهذا الدير من بحر المنهي و من تحت دير سدمنت، و لهذا الدير عيد يجتمع فيه نصارى الفيوم و غيرهم، و هو على السكة التي تنزل إلى الفيوم و لا يسكلها إلّا القليل من المسافرين.

دير القلمون: هذا الدير في برّية تحت عقبة القلمون، يتوصل المسافر منها إلى الفيوم، يقال لها عقبة الغريق، و بني هذا الدير على اسم صمويل الراهب، و كان في زمن الفترة ما بين عيسى و محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و مات في ثامن كيهك، و في هذا الدير نخل كثير يعمل من تمره العجوة، و فيه أيضا شجر البلخ، و لا يوجد إلّا فيه، و ثمره بقدر الليمون، طعمه حلو في مثل طعم الرامخ، ولنواه عدّة منافع، و قال أبو حنيفة في كتاب النبات: و لا ينبت اللبخ إلّا بأنصنا، و هو عود تنشر منه ألواح السفن، و ربما أرعف ناشرها، و يباع اللوح منها بخمسين دينارا و نحوها، و إذا شدّ لوح منها بلوح و طرحا في الماء سنة التأما و صارا لوحا واحدا، و في هذا الدير قصران مبنيان بالحجارة، و هما عاليان كبيران لبياضهما إشراق، و فيه أيضا عين ماء تجري، و في خارجه عين أخرى، و بهذا الوادي عدّة معابد قديمة، و ثمّ واد يقال له الأميلح فيه عين ماء تجري و نخيل مثمرة تأخذ العرب ثمرها، و خارج هذا الدير ملّاحة يبيع رهبان الدير ملحها فيعم تلك الجهات.

دير السيدة مريم: خارج طنبدى، ليس فيه سوى راهب واحد و هو على غير الطريق المسلوك، و كان بأعمال البهنسا عدّة ديارات خربت.

دير برقانا: بحريّ بني خالد، و هو مبنيّ بالحجر و عمارته حسنة، و هو من أعمال المنية، و كان به في القديم ألف راهب، و ليس به الآن سوى راهبين، و هو في الحاجر تحت الجبل.

دير بالوجه: على جنب المنهي، و هو لأهل دلجة، و هو من الأديرة الكبار، و قد خرب حتى لم يبق به سوى راهب أو راهبين، و هو بإزاء دلجة بينه و بينها نحو ساعتين.

430

دير مرقورة: و يقال أبو مرقورة، هذا الدير تحت دلجة بخارجها من شرقيها و ليس به أحد.

دير صنبو: في خارجها من بحريها على اسم السيدة مريم و ليس به أحد.

دير تادرس: قبليّ صنبو و قد تلاشى أمره لاتضاع حال النصارى.

دير الريرمون: في شرقيّ ناحية الريرمون، و هو شرقيّ ملوى و غربيّ أنصنا، و هو على اسم الملك غبريال.

دير المحرق: تزعم النصارى أن المسيح (عليه السلام) أقام في موضعه ستة أشهر و أياما، و له عيد عظيم يعرف بعيد الزيتونة و عيد العنصرة يجتمع فيه عالم كثير.

دير بني كلب: عرف بذلك لنزول بني كلب حوله، و هو على اسم غبريال، و ليس فيه أحد من الرهبان و إنما هو كنيسة لنصارى منفلوط و هو غربيها.

دير الجاولية: هذا الدير ناحية الجاولية من قبليها، و هو على اسم الشهيد مرقورس الذي يقال له مرقورة، و عليه رزق محبسة، و تأتيه النذورات و العوائد و له عيدان في كل سنة.

دير السبعة جبال: هذا الدير على رأس الجبل الذي غربيّ سيوط، على شاطي‏ء النيل، و يعرف بدير بخنس القصير، و له عدّة أعياد، و خرب في سنة إحدى و عشرين و ثمانمائة من منسر طرقه ليلا. بخنس: و يقال أبو بخنس القصير، كان راهبا قمصا، له أخبار كثيرة منها: أنه غرس خشبة يابسة في الأرض بأمر شيخه له، و سقاها الماء مدّة فصارت شجرة مثمرة تأكل منها الرهبان، و سميت شجرة الطاعة و دفن في ديره.

دير المطل: هذا الدير على اسم السيدة مريم، و هو على طرف الجبل تحت دير السبعة جبال قبالة سيوط، و له عيد يحضره أهل النواحي و ليس به أحد من الرهبان.

أديرة أدرنكة

اعلم أن ناحية أدرنكة هي من قرى النصارى الصعايدة، و نصاراها أهل علم في دينهم، و تفاسيرهم في اللسان القبطيّ، و لهم أديرة كثيرة في خارج البلد من قبليها مع الجبل، و قد خرب أكثرها و بقي منها:

دير بوجرج: و هو عامر البناء و ليس به أحد من الرهبان و يعمل فيه عيد في أوانه.

دير أرض الحاجر و دير ميكائيل و دير كرفونه: على اسم السيدة مريم، و كان يقال له ارافونه و اغرافونا و معناه النساخ، فإن نساخ علوم النصارى كانت في القديم تقيم به و هو على‏

431

طرف الجبل، و فيه مغاير كثيرة منها ما يسير الماشي بجنبه نحو يومين.

دير أبي بغام: تحت دير كرفونة بالحاجر، و قد كان أبو بغام جنديا في أيام ديقلطيانوس فتنصر و عذب ليرجع عن دينه، ثم قتل في ثامن عشري كانون الأوّل، و ثاني كيهك.

ديربوساويرس: بحاجر أدرنكة، كان على اسم السيدة مريم، و كان ساويرس من عظماء الرهبان فعمل بطركا، و ظهرت آية عند موته، و ذلك أنه أنذرهم لما سار إلى الصعيد بأنه إذا مات ينشق الجبل و تقع منه قطعة عظيمة على الكنيسة فلا تضرّها، فلما كان في بعض الأيام سقطت قطعة عظيمة من الجبل كما قال، فعلم رهبان هذا الدير بأن ساويرس قد مات، فأرخوا ذلك فوجدوه وقت موته فسموا الدير حينئذ باسمه.

دير تادرس: تحت دير بوساويرس، و تادرس اثنان كانا من أجناد ديقلطيانوس، أحدهما يقال له قاتل التنين و الآخر الاسفهسلار، و قتلا كما قتل غيرهما.

دير منسى آك: و يقال منساك، و بني ساك وايساآك، و معنى ذلك إسحاق، و كان على اسم السيدة ماريهام يعني مار مريم، ثم عرف بمنساك، و كان راهبا قديما له عندهم شهرة، و بهذا الدير بئر تحته في الحاجر منها شرب الرهبان فإذا زاد النيل شربوا من مائه.

دير الرسل: تحت دير منساك، و يعرف بدير الأثل، و هو لأعمال بوتيج، و دير منساك لأهل ربقة هو و دير ساويرس، و دير كرفونة لأهل سيوط، و دير بوجرج لأهل أدرنكة، و دير الأئل كان في خراب فعمر بجانبه كفر لطيف عرف بمنشأة الشيخ، لأن الشيخ أبا بكر الشاذليّ أنشأه و أنشأ بستانا كبيرا، و قد وجد موضعه بئرا كبيرة وجد بها كنزا، أخبرني من شاهد من ذهبه دنانير مربعة بأحد وجهيها صليب وزنة الدينار مثقال و نصف. و أديرة أدرنكة المذكورة قريب بعضها من بعض، و بينها مغاير عديدة منقوش على ألواح فيها نقوشات من كتابة القدماء كما على البرابي، و هي مزخرفة بعدّة أصباغ، ملوّنة تشتمل على علوم شتى، و دير السبعة جبال و دير المطل و دير النساخ خارج سيوط في المقابر، و يقال أنه كان في الحاجرين ثلاثمائة و ستون ديرا، و أن المسافر كان لا يزال من البدرشين إلى أصفون في ظل البساتين، و قد خرب ذلك و باد أهله.

دير موشه: و موشه خارج سيوط من قبليها بني على اسم توما الرسول الهندي، و هو بين الغيطان قريب من ربقة، و في أيام النيل لا يوصل إليه إلّا في مركب، و له أعياد و الأغلب على نصارى هذه الأديرة معرفة القبطيّ الصعيديّ، و هو أصل اللغة القبطية، و بعدها اللغة القبطية البحرية، و نساء نصارى الصعيد و أولادهم لا يكادون يتكلمون إلّا بالقبطية الصعيدية، و لهم أيضا معرفة تامّة باللغة الرومية.

دير أبى مقروفة: و أبو مقروفة اسم للبلدة التي بها هذا الدير، و هو منقور في لحف‏

432

الجبل و فيه عدّه مغاير و هو على اسم السيدة مريم، و بمقروفة نصارى كثيرة غنامة و رعاة أكثرهم همج، و فيهم قليل من يقرأ و يكتب، و هو دير معطش.

دير بومغام: خارج طما و أهلها نصارى و كانوا قديما أهل علم.

دير بوشنوده: و يعرف بالدير الأبيض، و هو غربيّ ناحية سوهاي و بناؤه بالحجر و قد خرب و لم يبق منه إلا كنيسته، و يقال إن مساحته أربعة فدادين و نصف و ربع، و الباقي منه نحو فدّان و هو دير قديم.

الدير الأحمر: و يعرف بدير أبي بشاي، و هو بحريّ الدير الأبيض بينهما نحو ثلاث ساعات، و هو دير لطيف مبنيّ بالطوب الأحمر، و أبو بشاي هذا من الرهبان المعاصرين لشنوده، و هو تلميذه، و صار من تحت يده ثلاث آلاف راهب، و له دير آخر في برّية شبهات.

دير أبي ميساس: و يقال أبو ميسيس، و اسمه موسى، و هذا الدير تحت البلينا و هو دير كبير. و أبو ميسيس هذا كان راهبا من أهل البلينا و له عندهم شهرة، و هم ينذرونه و يزعمون فيه مزاعم، و لم يبق بعد هذا الدير إلا أديرة بحاجر اسنا و نقادة قليلة العمارة، و كان بأصفون دير كبير و كانت أصفون من أحسن بلاد مصر و أكثر نواحي الصعيد فواكه، و كان رهبان ديرها معروفين بالعلم و المهارة، فخربت أصفون و خرب ديرها. و هذا آخر أديرة الصعيد و هي كلها يحمل متلاشية آئلة إلى الدثور بعد كثرة عمارتها و وفور أعداد رهبانها وسعة أرزاقهم، و كثرة ما كان يحمل إليهم.

و أما

الوجه البحري: فكان فيه أديرة كثيرة خربت و بقي منها بقية، فكان بالمقس خارج القاهرة من بحريها عدّة كنائس هدمها الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور في تاسع عشر ذي الحجة سنة تسع و تسعين و ثلاثمائة و أباح ما كان فيها، فنهب منها شي‏ء كثير جدّا بعد ما أمر في شهر ربيع الأوّل منها بهدم كنائس راشدة خارج مدينة مصر من شرقيها، و جعل موضعها الجامع المعروف براشدة، و هدم أيضا في سنة أربع و تسعين كنيستين هناك، و ألزم النصارى بلبس السواد و شدّ الزنار، و قبض على الأملاك التي كانت محبسة على الكنائس و الأديرة و جعلها في ديوان السلطان، و أحرق عدّة كثيرة من الصلبان، و منع النصارى من إظهار زينة الكنائس في عيد الشعانين، و تشدّد عليهم و ضرب جماعة منهم، و كانت بالروضة كنيسة بجوار المقياس فهدمها السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب في سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة، و كان في ناحية أبي النمرس من الجيزة كنيسة قام في هدمها رجل من الزيالعة، لأنه سمع أصوات النواقيس يجهر بها في ليلة الجمعة بهذه الكنيسة، فلم يتمكن من ذلك في أيام الأشرف شعبان بن حسين لتمكن الأقباط في الدولة، فقام في ذلك مع الأمير الكبير برقوق، و هو يومئذ القائم بتدبير الدولة، حتى هدمها على يد القاضي جمال الدين محمود

433

العجميّ محتسب القاهرة في ثامن عشر رمضان سنة ثمانين و سبعمائة، و عملت مسجدا.

دير الخندق: ظاهر القاهرة من بحريها، عمره القائد جوهر عوضا عن دير هدمه في القاهرة، كان بالقرب من الجامع الأقمر حيث البئر التي تعرف الآن ببئر العظمة، و كانت إذ ذاك تعرف ببئر العظام من أجل أنه نقل عظاما كانت بالدير و جعلها بدير الخندق، ثم هدم دير الخندق في رابع عشري شوّال سنة ثمان و سبعين و ستمائة، في أيام المنصور قلاون، ثم جدّد هذا الدير الذي هناك بعد ذلك، و عمل كنيستين يأتي ذكرهما في الكنائس.

دير سرياقوس: كان يعرف بأبي هور، و له عيد يجتمع فيه الناس، و كان فيه أعجوبة ذكرها الشابشتي، و هو أن من كان به خنازير أخذه رئيس هذا الدير و أضجعه و جاءه بخنزير فلحس موضع الوجع، ثم أكل الخنازير التي فيه فلا يتعدّى ذلك إلى الموضع الصحيح، فإذا نظف الموضع ذرّ عليه رئيس الدير من رماد خنزير فعل مثل هذا الفعل من قبل و دهنه بزيت قنديل البيعة، فإنه يبرأ ثم يؤخذ ذلك الخنزير الذي أكل خنازير العليل فيذبح و يحرق، و يعدّ رماده لمثل هذه الحالة، فكان لهذا الدير دخل عظيم ممن يبرأ من هذه العلة، و فيه خلق من النصارى.

دير اتريب: و يعرف بماري مريم، و عيده في حادي عشري بؤنه، و ذكر الشابشتي أن حمامة بيضاء تأتي في ذلك العيد فتدخل المذبح، لا يدرون من أين جاءت و لا يرونها إلى يوم مثله. و قد تلاشى أمر هذا الدير حتى لم يبق به إلّا ثلاثة من الرهبان، لكنهم يجتمعون في عيده، و هو على شاطي‏ء النيل قريب من بنها العسل.

دير المغطس: عند الملاحات قريب من بحيرة البراس، و تحج إليه النصارى من قبليّ أرض مصر، و من بحريها، مثل حجهم إلى كنيسة القيامة، و ذلك يوم عيده، و هو في بشنس و يسمونه عيد الظهور من أجل أنهم يزعمون أن السيدة مريم تظهر لهم فيه مزاعم كلها من أكاذيبهم المختلفة، و ليس بحذاء هذا الدير عمارة سوى منشأة صغيرة في قبليه بشرق، و بقربه الملاحة التي يؤخذ منها الملح الرشيديّ، و قد هدم هذا الدير في شهر رمضان سنة إحدى و أربعين و ثمانمائة بقيام بعض الفقراء المعتقدين.

دير العسكر: في أرض السباخ على يوم من دير المغطس، على اسم الرسل، و بقربه ملاحة الملح الرشيديّ و لم يبق به سوى راهب واحد.

دير جميانة: على اسم بوجرج قريب من دير العسكر على ثلاث ساعات منه، و عيده عقب عيد دير المغطس و ليس به الآن أحد.

دير الميمنة: بالقرب من دير العسكر، كانت له حالات جليلة، و لم يكن في القديم دير بالوجه البحريّ أكثر رهبانا منه، إلّا أنه تلاشى أمره و خرب، فنزله الحبش و عمروه،

434

و ليس في السباخ سوى هذه الأربعة الأديرة. و أما وادي هبيب و هو وادي النطرون، و يعرف ببرّية شيهات و ببرّية الأسقط و بميزان القلوب، فإنه كان بها في القديم مائة دير، ثم صارت سبعة ممتدّة غربا على جانب البرّية القاطعة بين بلاد البحيرة و الفيوم، و هي في رمال منقطعة و سباخ مالحة و برار منقطعة معطشة و قفار مهلكة، و شارب أهلها من حفائر، و تحمل النصارى إليهم النذور و القرابين، و قد تلاشت في هذا الوقت بعدما ذكر مؤرخو النصارى أنه خرج إلى عمرو بن العاص من هذه الأديرة سبعون ألف راهب بيد كل واحد عكاز، فسلموا عليه و أنه كتب لهم كتابا هو عندهم.

فمنها

دير أبي مقار الكبير: و هو دير جليل عندهم، و بخارجه أديرة كثيرة خربت، و كان دير النساك في القديم، و لا يصح عندهم بطركية البطرك حتى يجلسوه في هذا الدير بعد جلوسه بكرسيّ اسكندرية، و يذكر أنه كان فيه من الرهبان ألف و خمسمائة لا تزال مقيمة به، و ليس به الآن إلّا قليل منهم، و المقارات ثلاثة: أكبرهم صاحب هذا الدير، ثم أبو مقار الإسكندرانيّ، ثم أبو مقار الأسقف. و هؤلاء الثلاثة قد وضعت رممهم في ثلاث أنابيب من خشب، و تزورها النصارى بهذا الدير، و به أيضا الكتاب الذي كتبه عمرو بن العاص لرهبان وادي هبيب بجرانة نواحي الوجه البحري على ما أخبرني من أخبر برؤيته فيه.

أبو مقار الأكبر: هو مقاريوس، أخذ الرهبانية عن أنطونيوس، و هو أوّل من لبس عندهم القلنسوة و الاشكيم، و هو سير من جلد فيه صليب يتوشح به الرهبان فقط، و لقي انطونيوس بالجبل الشرقيّ من حيث دير العزبة، و أقام عنده مدّة، ثم ألبسه لباس الرهبانية و أمره بالمسير إلى وادي النطرون ليقيم هناك، ففعل ذلك و اجتمع عنده الرهبان الكثيرة العدد، و له عندهم فضائل عديدة منها: أنه كان لا يصوم الأربعين إلّا طاويا في جميعها لا يتناول غذاء و لا شرابا البتة، مع قيام ليلها. و كان لا يعمل الخوص و يتقوّت منه، و ما أكل خبزا طريا قط، بل يأخذ القراقيش فيبلها في نقاعة الخوص و يتناول منها هو و رهبان الدير ما يمسك الرمق من غير زيادة، هذا قوتهم مدّة حياتهم حتى مضوا لسبيلهم، و أما أبو مقار الإسكندرانيّ فإنه ساح من الإسكندرية إلى مقاريوس المذكور و ترهب على يديه، ثم كان أبو مقار الثالث و صار أسقفا.

دير أبي بخنس القصير: يقال أنه عمر في أيام قسطنطين بن هيلانة، و لأبي بخنس هذا فضائل مذكورة، و هو من أجل الرهبان، و كان لهذا الدير حالات شهيرة و به طوائف من الرهبان، و لم يبق به الآن إلّا ثلاثة رهبان.

دير الياس: (عليه السلام)، و هو دير للحبشة، و قد خرب دير بخنس كما خرب دير الياس، أكلت الأرضة أخشابهما فسقطا، و صار الحبشة إلى دير سيدة بوبخنس القصير، و هو دير لطيف بجوار دير بوبخنس القصير. و بالقرب من هذه الأديرة.

435

دير انبانوب: و قد خرب هذا الدير أيضا انبانوب هذا من أهل سمنود قتل في الإسلام و وضع جسده في بيت بسمنود.

دير الأرمن: قريب من هذه الأديرة و قد خرب. و بجوارها أيضا:

دير بوبشاي: و هو دير عظيم عندهم، من أجل أن بوبشاي هذا كان من الرهبان الذين في طبقة مقاريوس و بخنس القصير، و هو دير كبير جدّا.

دير بإزاء دير بوبشاي: كان بيد اليعاقبة، ثم ملكته رهبان السريان من نحو ثلاثمائة سنة، و هو بيدهم الآن، و مواضع هذه الأديرة يقال لها بركة الأديرة.

دير سيدة برموس: على اسم السيدة مريم فيه بعض رهبان. و بإزائه:

دير موسى: و يقال أبو موسى الأسود، و يقال برمؤس، و هذا الدير لسيدة برمؤس، فبرموس اسم الدير و له قصة حاصلها أن مكسيموس و دوماديوس كانا ولدي ملك الروم، و كان لهما معلم يقال له ارسانيوس، فسار المعلم من بلاد الروم إلى أرض مصر، و عبر برّية شيهات هذه، و ترهب و أقام بها حتى مات، و كان فاضلا. و أتاه في حياته ابنا الملك المذكوران و ترهبا على يديه، فلما ماتا بعث أبوهما فبنى على اسمهما كنيسة برموس. و أبو موسى الأسود كان لصا فاتكا قتل مائة نفس، ثم إنه تنصر و ترهب و صنف عدّة كتب، و كان ممن يطوي الأربعين في صومه و هو بربريّ.

دير الزجاج: هذا الدير خارج مدينة الإسكندرية، و يقال له الهايطون، و هو على اسم بوجرج الكبير، و من شرط البطرك أنه لا بدّ أن يتوجه من المعلقة بمصر إلى دير الزجاج هذا، ثم إنهم في هذا الزمان تركوا ذلك، فهذه أديرة اليعاقبة.

و للنساء ديارات تختص بهنّ: فمنها دير الراهبات بحارة زويلة من القاهرة، و هو دير عامر بالإبكار المترهبات و غيرهنّ من نساء النصارى.

دير البنات: بحارة الروم بالقاهرة عامر بالنساء المترهبات.

دير المعلقة: بمدينة مصر، و هو أشهر ديارات النساء عامر بهنّ.

دير بربارة: بمصر بجوار كنيسة بربارة عامر بالبنات المترهبات بربارة: كانت قدّيسة في زمان دقلطيانوس، فعذبها لترجع عن ديانتها و تسجد للأصنام، فثبتت على دينها و صبرت على عذاب شديد و هي بكر لم يمسها رجل، فلما يئس منها ضرب عنقها و عنق عدّة من النساء معها و للنصارى الملكية قلاية بطركهم بجوار كنيسة ميكائيل بالقرب من جسر الأفرم خارج مصر، و هي مجمع الرهبان الواردين من بلاد الروم.

436

دير بخنس القصير: المعروف بالقصيّر، و صوابه عندهم دير القصير على وزن شهيد، و حرّف فقيل دير القصيّر، بضم القاف و فتح الصاد و تشديد الياء، فسماه المسلمون دير القصير بضم القاف و فتح الصاد و إسكان الياء آخر الحروف، كأنه تصغير قصير، و أصله كما عرّفتك دير القصير الذي هو ضدّ الطويل، و سمي أيضا دير هر قل، و دير البغل، و قد تقدّم ذكره. و كان من أعظم ديارات النصارى و ليس به الآن سوى واحد يحرسه، و هو بيد الملكية.

دير الطور: قال ابن سيده: الطور الجبل، و قد غلب على طور سيناء جبل بالشام، و هو بالسريانية طوري و النسب إليه طوريّ و طواري. و قال ياقوت: طور سبعة مواضع:

الأوّل طور زيتا بلفظ الزيت من الأدهان مقصور علم لجبل بقرب رأس عين. الثاني طور زيت أيضا جبل بالبيت المقدّس، و هو شرقيّ سلوان. الثالث الطور علم لجبل بعينه مطلّ على مدينة طبرية بالأردن. الرابع الطور علم لجبل كورة تشتمل على عدّة قرى بأرض مصر من الجهة القبلية بين مصر و جبل فاران. الخامس طور سيناء اختلفوا فيه فقيل هو جبل بقرب إيلة، و قيل جبل بالشام، و قيل سيناء حجازية، و قيل سحرتية. السادس طور عبدين بفتح العين و سكون الباء الموحدة و كسر الدال المهملة و ياء آخر الحروف و نون، اسم لبلدة من نواحي نصيبين في بطن الجبل المشرف عليها المتصل بجبل جوديّ. السابع طور هارون أخي موسى (عليهما السلام). و قال الواحديّ: في تفسيره، و قال الكلبيّ و غيره: و الجبل في قوله تعالى، و لكن انظر إلى الجبل أعظم جبل بمدين يقال له زبير، و ذكر الكلبيّ أن الطور سمي بيطور بن إسماعيل. قال السهيليّ: فلعله محذوف الياء إن كان صح ما قاله.

و قال عمر بن شيبة: أخبرني عبد العزيز عن أبي معشر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «أربعة أنهار في الجنة و أربعة أجبل و أربع ملاحم في الجنة، فأما الأنهار فسيحان و جيحان و النيل و الفرات، و أما الأجبل فالطور و لبنان و أحد و ورقان، و سكت عن الملاحم». و عن كعب الأحبار معاقل المسلمين ثلاثة: فمعقلهم من الروم دمشق، و معقلهم من الدجال الأردن، و معقلهم من يأجوج و مأجوج الطور. و قال شعبة عن أرطاة بن المنذر: إذا خرج يأجوج و مأجوج أوحى اللّه تعالى إلى عيسى بن مريم (عليه السلام) أني قد أخرجت خلقا من خلقي لا يطيقهم أحد غيري. فمرّ بمن معك إلى جبل الطور، فيمرّ و معه من الذراري اثنا عشر ألفا. و قال طلق بن حبيب عن زرعة: أردت الخروج إلى الطور فأتيت عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما فقلت له: فقال إنما تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد: إلى مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و المسجد الحرام، و المسجد الأقصى. فدع عنك الطور فلا تأته. و قال القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعيّ، و قد ذكر كور أرض مصر: و من كور القبلة قرى الحجاز و هي: كورة الطور و فاران، و كورة

437

راية و القلزم، و كورة إيلة و حيزها، و مدين و حيزها، و العويبد و الحوراء و حيزهما، ثم كورة بدا و شعيب. قلت لا خلاف بين علماء الأخبار من أهل الكتاب أن جبل الطور هذا هو الذي كلم اللّه تعالى نبيه موسى (عليه السلام) عليه، أو عنده، و به إلى الآن دير بيد الملكية و هو عامر و فيه بستان كبير به نخل و عنب و غير ذلك من الفواكه. و قال الشابشتيّ: و طور سينا هو الجبل الذي تجلّى فيه النور لموسى بن عمران (عليه السلام)، و فيه صعق، و الدير في أعلى الجبل مبنيّ بحجر أسود، عرض حصنه سبع أذرع، و له ثلاثة أبواب حديد، و في غربيه باب لطيف، و قدّامه حجر أقيم إذا أرادوا رفعه رفعوه، و إذا قصدهم أحد أرسلوه فانطبق على الموضع فلم يعرف مكان الباب، و داخل الدير عين ماء، و خارجه عين أخرى، و زعم النصارى أن به نارا من أنواع النار التي كانت ببيت المقدس، يقدمون منها في كلّ عشية، و هي بيضاء لطيفة ضعيفة الحرّ لا تحرق، ثم تقوى إذا أوقد منها السراج، و هو عامر بالرهبان، و الناس يقصدونه، و هو من الديارات الموصوفة. قال ابن عامر فيه:

يا راهب الدير ما ذا الضوء و النور* * * فقد أضاء بما في ديرك الطور

هل حلّت الشمس فيه دون أبرجها* * * أو غيّب البدر فيه و هو مستور

فقال ما حلّه شمس و لا قمر* * * لكن تقرّب فيه اليوم قورير

قلت ذكر مؤرخو النصارى أنّ هذا الدير أمر بعمارته يوسطيانوس ملك الروم بقسطنطينية، فعمل عليه حصن فوقه عدّة قلالي، و أقيم فيه الحرس لحفظ رهبانه من قوم يقال لهم بنو صالح من العرب، و في أيام هذا الملك كان المجمع الخامس من مجامع النصارى، و بينه و بين القلزم، و كانت مدينة، طريقان إحداهما في البرّ و الأخرى في البحر، و هما جميعا يؤدّيان إلى مدينة فاران، و هي من مدائن العمالقة، ثم منها إلى الطور مسيرة يومين، و من مدينة مصر إلى القلزم ثلاثة أيام، و يصعد إلى جبل الطور بستة آلاف و ستمائة و ست و ستين مرقاة، و في نصف الجبل كنيسة لإيلياء النبيّ، و في قلته كنيسة على اسم موسى (عليه السلام) بأساطين من رخام، و أبواب من صفر، و هو الموضع الذي كلم اللّه تعالى فيه موسى، و قطع منه الألواح و لا يكون فيها إلّا راهب واحد للخدمة، و يزعمون أنه لا يقدر أحد أن يبيت فيها، بل يهيأ له موضع من خارج يبيت فيه، و لم يبق لهاتين الكنيستين وجود.

دير البنات بقصر الشمع بمصر: و هو على اسم بوجرج، و كان مقياس النيل قبل الإسلام، و به آثار ذلك إلى اليوم، فهذا ما للنصارى اليعاقبة، و الملكية رجالهم و نسائهم من الديارات بأرض مصر قبليها و بحريها، و عدّتها ستة و ثمانون ديرا منها لليعاقبة ... (1) ديرا و للملكية ... (2).

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) بياض في الأصل.

438

ذكر كنائس النصارى‏

قال الأزهريّ: كنيسة اليهود جمعها كنائس، و هي معرّبة أصلها كنشت. انتهى. و قد نطقت العرب بذكر الكنيسة. قال العباس بن مرداس السلميّ:

بدورون بي في ظل كلّ كنيسة* * * و ما كان قومي يبنون الكنائسا

و قال ابن قيس الرقيات: كأنها دمية مصوّرة في بيعة من كنائس الروم.

كنيستا الخندق: ظاهر القاهرة، إحداهما على اسم غبريال الملاك، و الأخرى على اسم مرقوريوس، و عرفت برويس، و كان راهبا مشهورا بعد سنة ثمانمائة، و عند هاتين الكنيستين يقبر النصارى موتاهم، و تعرف بمقبرة الخندق، و عمرت هاتان الكنيستان عوضا عن كنائس المقس في الأيام الإسلامية.

كنيسة حارة زويلة بالقاهرة: كنيسة عظيمة عند النصارى اليعاقبة، و هي على اسم السيدة، و زعموا أنها قديمة تعرف بالحكيم زايلون، و كان قبل الملة الإسلامية بنحو مائتين و سبعين سنة، و أنه صاحب علوم شتى، و أن له كنزا عظيما يتوصل إليه من بئر هناك.

كنيسة تعرف بالمغيئة: بحارة الروم من القاهرة على اسم السيدة مريم، و ليس لليعاقبة بالقاهرة سوى هاتين الكنيستين، و كان بحارة الروم أيضا كنيسة أخرى يقال لها كنيسة بربارة هدمت في سنة ثمان عشرة و سبعمائة، و سبب ذلك أن النصارى رفعوا قصة للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاون يسألون الإذن في إعادة ما تهدّم منها، فأذن لهم في ذلك فعمروها أحسن ما كانت، فغضبت طائفة من المسلمين و رفعوا قصة للسلطان بأن النصارى أحدثوا بجانب هذه الكنيسة بناء لم يكن فيها، فرسم للأمير علم الدين سنجر الخازن، والي القاهرة بهدم ما جدّدوه، فركب و قد اجتمع الخلائق، فبادروا و هدموا الكنيسة كلها في أسرع وقت، و أقاموا في موضعها محرابا و أذنوا و صلوا و قرؤا القرآن، كل ذلك بأيديهم، فلم تمكن معارضتهم خشية الفتنة، فاشتدّ الأمر على النصارى و شكوا أمرهم للقاضي كريم الدين ناظر الخاص، فقام و قعد غضبا لدين أسلافه، و ما زال بالسلطان حتى رسم بهدم المحراب فهدم، و صار موضعه كوم تراب و مضى الحال على ذلك.

كنيسة بومنا: هذه الكنيسة قريبة من السدّ فيما بين الكيمان بطريق مصر، و هي ثلاث كنائس متجاورة، إحداها لليعاقبة، و الأخرى للسريان، و أخرى للأرمن، و لها عيد في كل سنة تجتمع إليه النصارى.

كنيسة المعلقة: بمدينة مصر في خط قصر الشمع، على اسم السيدة، و هي جليلة القدر عندهم، و هي غير القلاية التي تقدّم ذكرها.

439

كنيسة شنوده: بمصر، نسبت لأبي شنودة الراهب القديم، و له أخبار منها: أنه كان ممن يطوى في الأربعين إذا صام، و كان تحت يده ستة آلاف راهب يتقوّت هو و إياهم من عمل الخوص، و له عدّة مصنفات.

كنيسة مريم: بجوار كنيسة شنودة، هدمها عليّ بن سليمان بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس أمير مصر لما ولي من قبل أمير المؤمنين الهادي موسى، في سنة تسع و ستين و مائة، و هدم كنائس محرس قسطنطين، و بذل له النصارى في تركها خمسين ألف دينار فامتنع، فلما عزل بموسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس في خلافة هارون الرشيد، أذن موسى بن عيسى للنصارى في بنيان الكنائس التي هدمها عليّ بن سليمان، فبنيت كلها بمشورة الليث بن سعد، و عبد اللّه بن لهيعة. و قالا هو من عمارة البلاد، و احتجا بأن الكنائس التي بمصر لم تبن إلّا في الإسلام في زمن الصحابة و التابعين.

كنيسة بوجرج الثقة: هذه الكنيسة في درب بخط قصر الشمع بمصر يقال له درب الثقة، و يجاورها كنيسة سيدة بوجرج.

الثقة، و يجاورها كنيسة سيدة بوجرج.

كنيسة بربارة: بمصر، كبيرة جليلة عندهم، و هي تنسب إلى القديسة بربارة الراهبة، و كان في زمانها راهبتان بكران، و هما ايسي و تكلة، و يعمل لهنّ عيد عظيم بهذه الكنيسة يحضره البطريق.

كنيسة بوسرحه: بالقرب من بربارة بجوار زاوية ابن النعمان، فيها مغارة يقال أن المسيح و أمّه مريم (عليها السلام) جلسا بها.

كنيسة بابليون: في قبليّ قصر الشمع بطريق جسر الأفرم، و هذه الكنيسة قديمة جدّا، و هي لطيفة، و يذكر أن تحتها كنز بابليون و قد خرب ما حولها.

كنيسة تاودورس الشهيد: بجوار بابليون، نسبت للشهيد تاودورس الإسفهسلار.

كنيسة بومنا بجوار بابليون أيضا: و هاتان الكنيستان مغلوقتان لخراب ما حولهما.

كنيسة بومنا: بالحمراء، و تعرف الحمراء اليوم بخط قناطر السباع، فيما بين القاهرة و مصر، و أحدثت هذه الكنيسة في سنة سبع عشرة و مائة من سني الهجرة بإذن الوليد بن رفاعة أمير مصر، فغضب و هيب اليحصبيّ و خرج على السلطان و جاء إلى ابن رفاعة ليفتك به، فأخذ و قتل، و كان وهيب مدريا من اليمن، قدم إلى مصر فخرج القرّاء على الوليد بن رفاعة غضبا لوهيب و قاتلوه، و صارت معونة امرأة وهيب تطوف ليلا على منازل القرّاء تحرّضهم على الطلب بدمه، و قد حلقت رأسها، و كانت امرأة جزلة، فأخذ ابن رفاعة أبا عيسى مروان بن عبد الرحمن اليحصبيّ بالقرّاء، فاعتذر و خلى ابن رفاعة عنهم، فسكنت‏

440

الفتنة بعد ما قتل جماعة، و لم تزل هذه الكنيسة بالحمراء إلى أن كانت واقعة هدم الكنائس في أيام الناصر محمد بن قلاون على ما يأتي ذكر ذلك، و الخبر عن هدم جميع كنائس أرض مصر و ديارات النصارى في وقت واحد.

كنيسة الزهري: كانت في الموضع الذي فيه اليوم البركة الناصرية بالقرب من قناطر السباع في برّ الخليج الغربيّ، غربيّ اللوق، و اتفق في أمرها عدّة حوادث، و ذلك أن الملك الناصر محمد بن قلاون لما أنشأ ميدان المهاري المجاور لقناطر السباع، في سنة عشرين و سبعمائة، قصد بناء زريبة على النيل الأعظم بجوار الجامع الطيبرسيّ، فأمر بنقل كوم تراب كان هناك، و حفر ما تحته من الطين لأجل بناء الزريبة، و أجرى الماء إلى مكان الحفر، فصار يعرف إلى اليوم بالبركة الناصرية، و كان الشروع في حفر هذه البركة من آخر شهر ربيع الأوّل سنة إحدى و عشرين و سبعمائة، فلما انتهى الحفر إلى جانب كنيسة الزهريّ، و كان بها كثير من النصارى لا يزالون فيها، و بجانبها أيضا عدّة كنائس في الموضع الذي يعرف اليوم بحكر أقبغا، ما بين السبع سقايات و بين قنطرة السدّ خارج مدينة مصر، أخذ الفعلة في الحفر حول كنيسة الزهريّ حتى بقيت قائمة في وسط الموضع الذي عينه السلطان ليحفر، و هو اليوم بركة الناصرية، و زاد الحفر حتى تعلقت الكنيسة، و كان القصد من ذلك أن تسقط من غير قصد لخرابها، و صارت العامّة من غلمان الأمراء العمالين في الحفر و غيرهم في كل وقت يصرخون على الأمراء في طلب هدمها و هم يتغافلون عنهم إلى أن كان يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وقت اشتغال الناس بصلاة الجمعة، و العمل من الحفر بطال، فتجمع عدّة من غوغاء العامّة بغير مرسوم السلطان و قالوا بصوت عال مرتفع اللّه أكبر، و وضعوا أيديهم بالمساحي و نحوها في كنيسة الزهري و هدموها حتى بقيت كوما، و قتلوا من كان فيها من النصارى، و أخذوا جميع ما كان فيها، و هدموا كنيسة بومنا التي كانت بالحمراء، و كانت معظمة عند النصارى من قديم الزمان، و بها عدّة من النصارى قد انقطعوا فيها، و يحمل إليهم نصارى مصر سائر ما يحتاج إليه، و يبعث إليها بالنذور الجليلة و الصدقات الكثيرة، فوجد فيها مال كثير ما بين نقد و مصاغ و غيره، و تسلق العامّة إلى أعلاها و فتحوا أبوابها و أخذوا منها مالا و قماشا و جرار خمر، فكان أمرا مهولا.

ثم مضوا من كنيسة الحمراء بعد ما هدموها إلى كنيستين بجوار السبع سقايات تعرف إحداهما بكنيسة البنات، كان يسكنها بنات النصارى و عدّة من الرهبان، فكسروا أبواب الكنيستين و سبوا البنات و كنّ زيادة على ستين بنتا، و أخذوا ما عليهنّ من الثياب و نهبوا سائر ما ظفروا به، و حرّقوا و هدموا تلك الكنائس كلها، هذا و الناس في صلاة الجمعة، فعندما خرج الناس من الجوامع شاهدوا هولا كبيرا من كثرة الغبار و دخان الحريق و مرج الناس و شدّة حركاتهم، و معهم ما نهبوه، فما شبه الناس الحال لهوله إلّا بيوم القيامة، و انتشر الخبر و طار إلى الرميلة تحت قلعة الجبل، فسمع السلطان ضجة عظيمة ورجة منكرة أفزعته،

441

فبعث لكشف الخبر، فلما بلغه ما وقع انزعج انزعاجا عظيما و غضب من تجري العامّة و إقدامهم على ذلك بغير أمره، و أمر الأمير أيدغمش أميراخور أن يركب بجماعة الأوشاقية و يتدارك هذا الخلل، و يقبض على من فعله، فأخذ أيدغمش يتهيأ للركوب و إذا بخبر قد ورد من القاهرة أن العامّة ثارت في القاهرة و خرّبت كنيسة بحارة الروم، و كنيسة بحارة زويلة، و جاء الخبر من مدينة مصر أيضا بأن العامّة قامت بمصر في جمع كثير جدّا و زحفت إلى كنيسة المعلقة بقصر الشمع فأغلقها النصارى و هم محصورون بها و هي على أن توخذ، فتزايد غضب السلطان و همّ أن يركب بنفسه و يبطش بالعامّة، ثم تأخر لمّا راجعه الأمير أيدغمش و نزل من القلعة في أربعة من الأمراء إلى مصر، و ركب الأمير بيبرس الحاجب، و الأمير الماس الحاجب إلى موضع الحفر، و ركب الأمير طينال إلى القاهرة، و كل منهم في عدّة وافرة، و قد أمر السلطان بقتل من قدروا عليه من العامّة، بحيث لا يعفو عن أحد، فقامت القاهرة و مصر على ساق، و فرّت النهابة، فلم يظفر الأمراء منهم إلّا بمن عجز عن الحركة بما غلبه من السكر بالخمر الذي نهبه من الكنائس، و لحق الأمير أيدغمش بمصر و قد ركب الوالي إلى المعلقة قبل وصوله ليخرج من زقاق المعلقة من حضر للنهب، فأخذه الرجم حتى فرّ منهم، و لم يبق إلّا أن يحرق باب الكنيسة، فجرّد أيدغمش و من معه السيوف يريدون الفتك بالعامّة، فوجدوا عالما لا يقع عليه حصر، و خاف سوء العاقبة، فأمسك عن القتل و أمر أصحابه بإرجاف العامّة من غير إهراق دم، و نادى منادية: من وقف حلّ دمه.

ففرّ سائر من اجتمع من العامّة و تفرّقوا، و صار أيدغمش واقفا إلى أن أذّن العصر خوفا من عود العامّة، ثم مضى و ألزم والي مصر أن يبيت بأعوانه هناك، و ترك معه خمسين من الأوشاقية.

و أما الأمير الماس فإنه وصل إلى كنائس الحمراء و كنائس الزهريّ ليتداركها، فإذا بها قد بقيت كيمانا ليس بها جدار قائم، فعاد و عاد الأمراء، فردّوا الخبر على السلطان و هو لا يزداد إلّا حنقا، فما زالوا به حتى سكن غضبه، و كان الأمر في هدم هذه الكنائس عجبا من العجب، و هو أن الناس لما كانوا في صلاة الجمعة من هذا اليوم بجامع قلعة الجبل، فعندما فرغوا من الصلاة قام رجل موله و هو يصيح من وسط الجامع: اهدموا الكنيسة التي في القلعة، اهدموها. و أكثر من الصياح المزعج حتى خرج عن الحدّ، ثم اضطرب. فتعجب السلطان و الأمراء من قوله، و رسم لنقيب الجيوش و الحاجب بالفحص عن ذلك، فمضيا من الجامع إلى خرائب التتر من القلعة، فإذا فيها كنيسة قد بنيت فهدموها، و لم يفرغوا من هدمها حتى وصل الخبر بواقعة كنائس الحمراء و القاهرة، فكثر تعجب السلطان من شأن ذلك الفقير، و طلب فلم يوقف له على خبر، و اتفق أيضا بالجامع الأزهر أن الناس لما اجتمعوا في هذا اليوم لصلاة الجمعة، أخذ شخصا من الفقراء مثل الرعدة، ثم قام بعد ما أذن قبل أن يخرج الخطيب و قال: اهدموا كنائس الطغيان و الكفرة، نعم اللّه أكبر، فتح اللّه و نصر.

442

و صار يزعج نفسه و يصرخ من الأساس إلى الأساس، فحدّق الناس بالنظر إليه و لم يدروا ما خبره، و افترقوا في أمره. فقائل هذا مجنون، و قائل هذه إشارة لشي‏ء. فلما خرج الخطيب أمسك عن الصياح، و طلب بعد انقضاء الصلاة فلم يوجد. و خرج الناس إلى باب الجامع فرأوا النهابة و معهم أخشاب الكنائس و ثياب النصارى و غير ذلك من النهوب، فسألوا عن الخبر فقيل: قد نادى السلطان بخراب الكنائس، فظنّ الناس الأمر كما قيل، حتى تبين بعد قليل أن هذا الأمر إنما كان من غير أمر السلطان، و كان الذي هدم في هذا اليوم من الكنائس بالقاهرة، كنيسة بحارة الروم، و كنيسة بالبندقانيين، و كنيستين بحارة زويلة. و في يوم الأحد الثالث من يوم الجمعة الكائن فيه هدم كنائس القاهرة و مصر، ورد الخبر من الأمير بدر الدين بيلبك المحسنيّ والي الإسكندرية، بأنه لما كان يوم الجمعة تاسع ربيع الآخر بعد صلاة الجمعة، وقع في الناس هرج، و خرجوا من الجامع و قد وقع الصياح: هدمت الكنائس- فركب المملوك من فوره فوجد الكنائس قد صارت كوما، و عدّتها أربع كنائس، و أن بطاقة وقعت من والي البحيرة بأن كنيستين في مدينة دمنهور هدمتا و الناس في صلاة الجمعة من هذا اليوم، فكثر التعجب من ذلك، إلى أن ورد في يوم الجمعة سادس عشرة الخبر من مدينة قوص بأن الناس عند ما فرغوا من صلاة الجمعة في اليوم التاسع من شهر ربيع الآخر، قام رجل من الفقراء و قال يا فقراء اخرجوا إلى هدم الكنائس، و خرج في جمع من الناس فوجدوا الهدم قد وقع في الكنائس، فهدمت ست كنائس كانت بقوص و ما حولها في ساعة واحدة، و تواتر الخبر من الوجه القبليّ و الوجه البحريّ بكثرة ما هدم في هذا اليوم وقت صلاة الجمعة و ما بعدها من الكنائس و الأديرة، في جميع إقليم مصر كله، ما بين قوص و الإسكندرية و دمياط، فاشتدّ حنق السلطان على العامّة خوفا من فساد الحال، و أخذ الأمراء في تسكين غضبه و قالوا: هذا الأمر ليس من قدرة البشر فعله، و لو أراد السلطان وقوع ذلك على هذه الصورة لما قدر عليه، و ما هذا إلّا بأمر اللّه سبحانه، و بقدره لما علم من كثرة فساد النصارى و زيادة طغيانهم، ليكون ما وقع نقمة و عذابا لهم، هذا و العامّة بالقاهرة و مصر قد اشتدّ خوفهم من السلطان لما كان يبلغهم عنه من التهديد لهم بالقتل، ففرّ عدّة من الأوباش و الغوغاء، و أخذ القاضي فخر الدين ناظر الجيش في ترجيع السلطان عن الفتك بالعامّة و سياسة الحال معه، و أخذ كريم الدين الكبير ناظر الخاص يغريه بهم إلى أن أخرجه السلطان إلى الإسكندرية بسبب تحصيل المال، و كشف الكنائس التي خربت بها.

فلم يمض سوى شهر من يوم هدم الكنائس حتى وقع الحريق بالقاهرة و مصر في عدّة مواضع، و حصل فيه من الشناعة أضعاف ما كان من هدم الكنائس، فوقع الحريق في ربع بخط الشوّايين من القاهرة، في يوم السبت عاشر جمادى الأولى، و سرت النار إلى ما حوله و استمرّت إلى آخر يوم الأحد، فتلف في هذا الحريق شي‏ء كثير، و عند ما أطفي‏ء وقع الحريق بحارة الديلم في زقاق العريسة بالقرب من دور كريم الدين ناظر الخاص، في خامس عشري‏

443

جمادى الأولى، و كانت ليلة شديدة الريح، فسرت النار من كلّ ناحية حتى وصلت إلى بيت كريم الدين، و بلغ ذلك السلطان فانزعج انزعاجا عظيما لما كان هناك من الحواصل السلطانية، و سيّر طائفة من الأمراء لإطفائه، فجمعوا الناس لإطفائه و تكاثروا عليه و قد عظم الخطب من ليلة الاثنين إلى ليلة الثلاثاء، فتزايد الحال في اشتعال النار و عجز الأمراء و الناس عن إطفائها لكثرة انتشارها في الأماكن و قوّة الريح التي ألقت باسقات النخل، و غرّقت المراكب، فلم يشكّ الناس في حريق القاهرة كلّها، و صعدوا المآذن، و برز الفقراء و أهل الخير و الصلاح و ضجوا بالتكبير و الدعاء، و جأروا و كثر صراخ الناس و بكاؤهم، و صعد السلطان إلى أعلى القصر فلم يتمالك الوقوف من شدّة الريح، و استمرّ الحريق و الاستحثاث يرد على الأمراء من السلطان في إطفائه إلى يوم الثلاثاء، فنزل نائب السلطان و معه جميع الأمراء و سائر السقائين، و نزل الأمير بكتمر الساقي، فكان يوما عظيما لم ير الناس أعظم منه و لا أشدّ هولا، و وكل بأبواب القاهرة من يردّ السقائين إذا خرجوا من القاهرة لأجل إطفاء النار، فلم يبق أحد من سقائي الأمراء و سقائي البلد إلّا و عمل، و صاروا ينقلون الماء من المدارس و الحمامات، و أخذ جميع النجارين و سائر البنائين لهدم الدور، فهدم في هذه النوبة ما شاء اللّه من الدور العظيمة و الرباع الكبيرة، و عمل في هذا الحريق أربعة و عشرون أميرا من الأمراء المقدّمين، سوى من عداهم من أمراء الطبلخانات و العشراوات و المماليك، و عمل الأمراء بأنفسهم فيه، و صار الماء من باب زويلة إلى حارة الديلم في الشارع بحرا من كثرة الرجال و الجمال التي تحمل الماء، و وقف الأمير بكتمر الساقي و الأمير أرغون النائب على نقل الحواصل السلطانية من بيت كريم الدين إلى بيت ولده بدرب الرصاصيّ، و خرّبوا ستة عشر دارا من جوار الدار و قبالتها، حتى تمكنوا من نقل الحواصل، فما هو إلا أن كمل إطفاء الحريق و نقل الحواصل، و إذا بالحريق قد وقع في ربع الظاهر خارج باب زويلة، و كان يشتمل على مائة و عشرين بيتا، و تحته قيسارية تعرف بقيسارية الفقراء، وهب مع الحريق ريح قوية، فركب الحاجب و الوالي لإطفائه و هدموا عدّة دور من حوله حتى انطفأ، فوقع في ثاني يوم حريق بدار الأمير سلار في خط بين القصرين، ابتدأ من الباذهنج، و كان ارتفاعه عن الأرض مائة ذراع بالعمل، فوقع الاجتهاد فيه حتى أطفي‏ء، فأمر السلطان الأمير علم الدين سنجر الخازن والي القاهرة، و الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، بالاحتراز و اليقظة، و نودي بأن يعمل عند كلّ حانوت دنّ فيه ماء، أو زير مملوء بالماء، و أن يقام مثل ذلك في جميع الحارات و الأزقة و الدروب، فبلغ ثمن كل دنّ خمس دراهم بعد درهم، و ثمن الزير ثمانية دراهم، و وقع حريق بحارة الروم و عدّة مواضع، حتى أنه لم يخل يوم من وقوع الحريق في موضع، فتنبه الناس لما نزل بهم، و ظنوا أنه من أفعال النصارى، و ذلك أن النار كانت ترى في منابر الجوامع و حيطان المساجد و المدارس، فاستعدّوا للحريق و تتبعوا الأحوال حتى وجدوا هذا الحريق من نفط قد لف عليه خرق مبلولة بزيت و قطران. فلما كان‏

444

ليلة الجمعة النصف من جمادى، قبض على راهبين عند ما خرجا من المدرسة الكهارية بعد العشاء الآخرة، و قد اشتعلت النار في المدرسة، و رائحة الكبريت في أيديهما، فحملا إلى الأمير علم الدين الخازن والي القاهرة، فأعلم السلطان بذلك فأمر بعقوبتهما، فما هو إلّا أن نزل من القلعة و إذا بالعامّة قد أمسكوا نصرانيا وجد في جامع الظاهر و معه خرق على هيئة الكعكة، في داخلها قطران و نفط، و قد ألقى منها واحدة بجانب المنبر، و ما زال واقفا إلى أن خرج الدخان فمشى يريد الخروج من الجامع، و كان قد فطن به شخص و تأمّله من حيث لم يشعر به النصرانيّ، فقبض عليه و تكاثر الناس فجرّوه إلى بيت الوالي و هو بهيئة المسلمين، فعوقب عند الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، فاعترف بأن جماعة من النصارى قد اجتمعوا على عمل نفط و تفريقه مع جماعة من أتباعهم، و أنه ممن أعطي ذلك و أمر بوضعه عند منبر جامع الظاهر، ثم أمر بالراهبين فعوقبا فاعترفا أنهما من سكان دير البغل، و أنهما هما اللذان أحرقا المواضع التي تقدّم ذكرها بالقاهرة، غيرة و حنقا من المسلمين لما كان من هدمهم للكنائس، و أن طائفة النصارى تجمعوا و أخرجوا من بينهم مالا جزيلا لعمل هذا النفط. و اتفق وصول كريم الدين ناظر الخاص من الإسكندرية، فعرّفه السلطان ما وقع من القبض على النصارى، فقال: النصارى لهم بطرك يرجعون إليه و يعرف أحوالهم، فرسم السلطان بطلب البطرك عند كريم الدين ليتحدّث معه في أمر الحريق و ما ذكره النصارى من قيامهم في ذلك، فجاء في حماية والي القاهرة في الليل خوفا من العامّة، فلما أن دخل بيت كريم الدين بحارة الديلم و أحضر إليه الثلاثة النصارى من عند الوالي، قالوا لكريم الدين بحضرة البطرك و الوالي جميع ما اعترفوا به قبل ذلك، فبكى البطرك عند ما سمع كلامهم و قال: هؤلاء سفهاء النصارى، قصدوا مقابلة سفهاء المسلمين على تخريبهم الكنائس، و انصرف من عند كريم الدين مبجلا مكرّما، فوجد كريم الدين قد أقام له بغلة على بابه ليركبها، فركبها و سار، فعظم ذلك على الناس و قاموا عليه يدا واحدة، فلو لا أن الوالي كان يسايره و إلّا هلك، و أصبح كريم الدين يريد الركوب إلى القلعة على العادة، فلما خرج إلى الشارع صاحت به العامّة ما يحلّ لك يا قاضي تحامي للنصارى و قد أحرقوا بيوت المسلمين و تركبهم بعد هذا البغال، فشق عليه ما سمع و عظمت نكايته، و اجتمع بالسلطان، فأخذ يهوّن أمر النصارى الممسوكين و يذكر أنهم سفهاء و جهال، فرسم السلطان للوالي بتشديد عقوبتهم، فنزل و عاقبهم عقوبة مؤلمة، فاعترفوا بأن أربعة عشر راهبا بدير البغل قد تحالفوا على إحراق ديار المسلمين كلها، و فيهم راهب يصنع النفط، و أنهم اقتسموا القاهرة و مصر، فجعل للقاهرة ثمانية، و لمصر ستة، فكبس دير البغل و قبض على من فيه و أحرق من جماعته أربعة بشارع صليبة جامع ابن طولون في يوم الجمعة، و قد اجتمع لمشاهدتهم عالم عظيم، فضرى من حينئذ جمهور الناس على النصارى و فتكوا بهم، و صاروا يسلبون ما عليهم من الثياب حتى فحش الأمر و تجاوزوا فيهم المقدار، فغضب السلطان من ذلك و همّ أن يوقع‏

445

بالعامّة، و اتفق أنه ركب من القلعة يريد الميدان الكبير في يوم السبت، فرأى من الناس أمما عظيمة قد ملأت الطرقات و هم يصيحون نصر اللّه الإسلام، أنصر دين محمد بن عبد اللّه.

فخرج من ذلك، و عندما نزل الميدان أحضر إليه الخازن نصرانيين قد قبض عليهما و هما يحرقان الدور، فأمر بتحريقهما، فأخرجا و عمل لهما حفرة و أحرقا بمرأى من الناس، و بينا هم في إحراق النصرانيين إذا بديوان الأمير بكتمر الساقي قد مرّ يريد بيت الأمير بكتمر، و كان نصرانيا، فعندما عاينه العامّة ألقوه عن دابته إلى الأرض و جرّدوه من جميع ما عليه من الثياب و حملوه ليلقوه في النار، فصاح بالشهادتين و أظهر الإسلام، فأطلق.

و اتفق مع هذا مرور كريم الدين، و قد لبس التشريف، من الميدان، فرجمه من هنالك رجما متتابعا و صاحوا به: كم تحامي للنصارى و تشدّ معهم، و لعنوه و سبّوه، فلم يجد بدّا من العود إلى السلطان و هو بالميدان، و قد اشتدّ ضجيج العامّة و صياحهم حتى سمعهم السلطان، فلما دخل عليه و أعلمه الخبر امتلأ غضبا و استشار الأمراء، و كان بحضرته منهم الأمير جمال الدين نائب الكرك، و الأمير سيف الدين البوبكريّ، و الخطيريّ، و بكتمر الحاجب في عدّة أخرى، فقال الأبوبكريّ: العامة عمي و المصلحة أن يخرج إليهم الحاجب و يسألهم عن اختيارهم حتى يعلم. فكره هذا من قوله السلطان، و أعرض عنه. فقال نائب الكرك: كل هذا من أجل الكتاب النصارى، فإن الناس أبغضوهم، و الرأي أن السلطان لا يعمل في العامة شيئا، و إنما يعزل النصارى من الديوان. فلم يعجبه هذا الرأي أيضا، و قال للأمير الماس الحاجب: امض و معك أربعة من الأمراء وضع السيف في العامّة من حين تخرج من باب الميدان إلى أن تصل إلى باب زويلة، و اضرب فيهم بالسيف من باب زويلة إلى باب النصر، بحيث لا ترفع السيف عن أحد البتة. و قال لوالي القاهرة: اركب إلى باب اللوق و إلى باب البحر، و لا تدع أحدا حتى تقبض عليه و تطلع به إلى القلعة، و متى لم تحضر الذين رجموا وكيلي، يعني كريم الدين، و إلّا و حياة رأسي شنقتك عوضا عنهم، و عين معه عدّة من المماليك السلطانية، فخرج الأمراء بعد ما تلكئوا في المسير حتى اشتهر الخبر، فلم يجدوا أحدا من الناس حتى و لا غلمان الأمراء و حواشيهم، و وقع القول بذلك في القاهرة، فغلقت الأسواق جميعها، و حل بالناس أمر لم يسمع بأشدّ منه، و سار الأمراء فلم يجدوا في طول طريقهم أحدا إلى أن بلغوا باب النصر، و قبض الوالي من باب اللوق و ناحية بولاق و باب البحر كثيرا من الكلابزية و النواتية و أسقاط الناس، فاشتدّ الخوف و عدّى كثير من الناس إلى البرّ الغربيّ بالجيزة، و خرج السلطان من الميدان فلم يجد في طريقه إلى أن صعد قلعة الجبل أحدا من العامّة، و عند ما استقرّ بالقلعة سيّر إلى الوالي يستعجل حضوره، فما غربت الشمس حتى أحضر ممن أمسك من العامّة نحو مائتي رجل، فعزل منهم طائفة أمر بشنقهم، و جماعة رسم بتوسيطهم، و جماعة رسم بقطع أيديهم، فصاحوا بأجمعهم: يا خوند ما يحلّ لك، ما نحن الذين رجمنا، فبكى الأمير بكتمر الساقي و من‏

446

حضر من الأمراء رحمة لهم، و ما زالوا بالسلطان إلى أن قال للوالي: اعزل منهم جماعة، و انصب الخشب من باب زويلة إلى تحت القلعة بسوق الخيل، و علّق هؤلاء بأيديهم. فلما أصبح يوم الأحد علق الجميع من باب زويلة إلى سوق الخيل، و كان فيهم من له بزة و هيئة، و مرّ الأمراء بهم فتوجعوا لهم و بكوا عليهم، و لم يفتح أحد من أرباب الحوانيت بالقاهرة و مصر في هذا اليوم حانوتا، و خرج كريم الدين من داره يريد القلعة على العادة فلم يستطع المرور على المصولبين، و عدل عن طريق باب زويلة، و جلس السلطان في الشباك و قد أحضر بين يديه جماعة ممن قبض عليهم الوالي فقطع أيدي و أرجل ثلاثة منهم و الأمراء لا يقدرون على الكلام معه في أمرهم لشدّة حنقه، فتقدّم كريم الدين و كشف رأسه و قبّل الأرض و هو يسأل العفو، فقبل سؤاله و أمر بهم أن يعملوا في حفير الجيزة، فأخرجوا و قد مات ممن قطع أيديهم اثنان، و أنزل المعلقون من على الخشب.

و عند ما قام السلطان من الشباك وقع الصوت بالحريق في جهة جامع ابن طولون، و في قلعة الجبل، و في بيت الأمير ركن الدين الأحمديّ بحارة بهاء الدين، و بالفندق خارج باب البحر من المقس و ما فوقه من الربع، و في صبيحة يوم هذا الحريق قبض على ثلاثة من النصارى و جد معهم فتائل النفط، فأحضروا إلى السلطان و اعترفوا بأن الحريق كان منهم، و استمرّ الحريق في الأماكن إلى يوم السبت، فلما ركب السلطان إلى الميدان على عادته، وجد نحو عشرين ألف نفس من العامّة قد صبغوا خرقا بلون أزرق و علموا فيها صلبانا بيضا، و عند ما رأوا السلطان صاحوا بصوت عال واحد لا دين إلّا دين الإسلام، نصر اللّه دين محمد بن عبد اللّه، يا ملك الناصر، يا سلطان الإسلام انصرنا على أهل الكفر، و لا تنصر النصارى. فارتجت الدنيا من هول أصواتهم، و أوقع اللّه الرعب في قلب السلطان و قلوب الأمراء، و سار و هو في فكر زائد حتى نزل بالميدان و صراخ العامة لا يبطل، فرأى أن الرأي في استعمال المداراة، و أمر الحاجب أن يخرج و ينادي بين يديه: من وجد نصرانيا فله ماله و دمه. فخرج و نادى بذلك، فصاحت العامّة و صرخت: نصرك اللّه. و ضجوا بالدعاء، و كان النصارى يلبسون العمائم البيض، فنودي في القاهرة و مصر من وجد نصرانيا بعمامة بيضاء حلّ له دمه و ماله، و من وجد نصرانيا راكبا حلّ له دمه و ماله، و خرج مرسوم بلبس النصارى العمامة الزرقاء، و أن لا يركب أحد منهم فرسا و لا بغلا، و من ركب حمارا فليركبه مقلوبا، و لا يدخل نصرانيّ الحمام إلّا و في عنقه جرس، و لا يتزيا أحد منهم بزيّ المسلمين، و منع الأمراء من استخدام النصارى، و أخرجوا من ديوان السلطان. و كتب لسائر الأعمال بصرف جميع المباشرين من النصارى، و كثر إيقاع المسلمين بالنصارى حتى تركوا السعي في الطرقات، و أسلم منهم جماعة كثيرة، و كان اليهود قد سكت عنهم في هذه المدّة، فكان النصرانيّ إذا أراد أن يخرج من منزله يستعير عمامة صفراء من أحد من اليهود و يلبسها، حتى يسلم من العامّة، و اتفق أن بعض دواوين النصارى كان له عند يهوديّ مبلغ أربعة آلاف درهم‏

447

نقرة، فصار إلى بيت اليهوديّ و هو متنكر في الليل ليطالبه، فأمسكه اليهودي و قال: أنا بالله و بالمسلمين، و صاح. فاجتمع الناس لأخذ النصرانيّ، ففرّ إلى داخل بيت اليهوديّ و استجار بامرأته، و أشهد عليه بإبراء اليهوديّ حتى خلص منه، و عثر على طائفة من النصارى بدير الخندق يعملون النفط لإحراق الأماكن، فقبض عليهم و سمروا و نودي في الناس بالأمان، و أنهم يتفرّجون على عادتهم عند ركوب السلطان إلى الميدان، و ذلك أنهم كانوا قد تخوّفوا على أنفسهم لكثرة ما أوقعوا بالنصارى، و زادوا في الخروج عن الحدّ، فاطمأنوا و خرجوا على العادة إلى جهة الميدان، و دعوا للسلطان، و صاروا يقولون نصرك اللّه يا سلطان الأرض، اصطلحنا اصطلحنا، و أعجب السلطان ذلك و تبسم من قولهم، و في تلك الليلة وقع حريق في بيت الأمير الماس الحاجب من القلعة، و كان الريح شديدا، فقويت النار و سرت إلى بيت الأمير ايتمش، فانزعج أهل القلعة و أهل القاهرة و حسبوا أن القلعة جميعها احترقت، و لم يسمع بأشنع من هذه الكائنة، فإنه احترق على يد النصارى بالقاهرة ربع في سوق الشوّايين، و زقاق العريسة بحارة الديلم، و ستة عشر بيتا بجوار بيت كريم الدين، و عدّة أماكن بحارة الروم، و دار بهادر بجوار المشهد الحسينيّ، و أماكن باصطبل الطارمة و بدرب العسل، و قصر أمير سلاح، و قصر سلار بخط بين القصرين، و قصر بيسرى، و خان الحجر، و الجملون، و قيسارية الادم، و دار بيبرس بحارة الصالحية، و دار ابن المغربيّ بحارة زويلة، و عدّة أماكن بخط بئر الوطاويط و بيشكر و في قلعة الجبل و في كثير من الجوامع و المساجد إلى غير ذلك من الأماكن بمصر و القاهرة يطول عددها.

و خرب من الكنائس كنيسة بخرائب التتر من قلعة الجبل، و كنيسة الزهري في الموضع الذي فيه الآن البركة الناصرية، و كنيسة الحمراء، و كنيسة بجوار السبع سقايات تعرف بكنيسة البنات، و كنيسة أبي المنيا، و كنيسة الفهادين بالقاهرة، و كنيسة بحارة الروم، و كنيسة بالبندقانيين، و كنيستان بحارة زويلة، و كنيسة بخزانة البنود، و كنيسة بالخندق، و أربع كنائس بثغر الإسكندرية، و كنيستان بمدينة دمنهور الوحش، و أربع كنائس بالغربية، و ثلاث كنائس بالشرقية، و ست كنائس بالبهنساوية، و بسيوط و منفلوط و منية الخصيب ثمان كنائس، و بقوص و أسوان إحدى عشرة كنيسة، و بالأطفيحية كنيسة، و بسوق وردان من مدينة مصر، و بالمصاصة و قصر الشمع من مصر ثمان كنائس، و خرب من الديارات شي‏ء كثير، و أقام دير البغل و دير شهران مدّة ليس فيهما أحد، و كانت هذه الخطوب الجليلة في مدّة يسيرة. قلما يقع مثلها في الأزمان المتطاولة، هلك فيها من الأنفس و تلف فيها من الأموال و خرب من الأماكن ما لا يمكن وصفه لكثرته، و للّه عاقبة الأمور.

كنيسة ميكائيل: هذه الكنيسة كانت عند خليج بني وائل خارج مدينة مصر قبليّ عقبة يحصب، و هي الآن قريبة من جسر الأفرم، أحدثت في الإسلام و هي مليحة البناء.

448

كنيسة مريم: في بساتين الوزير قبليّ بركة الحبش خالية ليس بها أحد.

كنيسة مريم: بناحية العدوية من قبليها قديمة و قد تلاشت.

كنيسة أنطونيوس: بناحية بياض قبليّ اطفيح، و هي محدثة. و كان بناحية شرنوب عدّة كنائس خربت، و بقي بناحية أهريت الجبل قبليّ بياض بيومين. كنيسة السيدة: بناحية أشكر و على بابها برج مبنيّ بلبن كبار يذكر أنه موضع ولد موسى بن عمران (عليه السلام).

كنيسة مريم: بناحية الخصوص و هي بيت فعملوه كنيسة لا يعبأ بها.

كنيسة مريم و

كنيسة بخنس القصير و

كنيسة غبريال: هذه الكنائس الثلاث بناحية أبنوب.

كنيسة أسبوطير و معناه المخلص: هذه الكنيسة بمدينة اخميم، و هي كنيسة معظمة عندهم، و هي على اسم الشهداء، و فيها بئر إذا جعل ماؤها في القنديل صار أحمر قانيا كأنه الدم.

كنيسة ميكائيل: بمدينة أخميم أيضا، و من عادة النصارى بهاتين الكنيستين إذا عملوا عيد الزيتونة المعروف بعيد الشعانين أن يخرج القسوس و الشمامسة بالمجامر و البخور و الصلبان و الأناجيل و الشموع المشتعلة و يقفوا على باب القاضي، ثم أبواب الأعيان من المسلمين، فيبخروا و يقرءوا فصلا من الإنجيل، و يطرحوا له طرحا، يعني يمدحونه.

كنيسة بوبخوم: بناحية اتفه، و هي آخر كنائس الجانب الشرقيّ، و بخوم و يقال بخوميوس، كان راهبا في زمن بوشنودة، و يقال له أبو الشركة من أجل أنه كان يربي الرهبان، فيجعل لكل راهبين معلما، و كان لا يمكن من دخول الخمر و لا اللحم إلى ديره، و يأمر بالصوم إلى آخر التاسعة من النهار، و يطعم رهبانه الحمص المصلوق، و يقال له عندهم حمص القلة، و قد خرب ديره و بقيت كنيسته هذه باتفه قبليّ اخميم.

كنيسة مرقص الإنجيليّ: بالجيزة، خربت بعد سنة ثمانمائة ثم عمرت. و مرقص هذا أحد الحواريين، و هو صاحب كرسيّ مصر و الحبشة.

كنيسة بوجرج: بناحية أبي النمرس من الجيزة، هدمت في سنة ثمانين و سبعمائة، كما تقدّم ذكره ثم أعيدت بعد ذلك.

كنيسة بوفار: آخر أعمال الجيزة.

كنيسة شنودة: بناحية هربشت.

كنيسة بوجرج: بناحية ببا، و هي جليلة عندهم يأتونها بالنذور و يحلفون بها، و يحكون لها فضائل متعدّدة.

449

كنيسة ماروطا القدّيس: بناحية شمسطا، و هم يبالغون في ماروطا هذا، و كان من عظماء رهبانهم، و جسده في انبوبة بدير بوبشاء من برّية شيهات، يزورونه إلى اليوم.

كنيسة مريم بالبهناس: و يقال أنه كان بالبهنسا ثلاثمائة و ستون كنيسة خربت كلها، و لم يبق بها إلّا هذه الكنيسة لا غير.

كنيسة صمويل: الراهب بناحية شبري.

كنيسة مريم: بناحية طنبدي و هي قديمة.

كنيسة ميخائيل: بناحية طنبدي و هي كبيرة قديمة، و كان هناك كنائس كثيرة خربت، و أكثر أهل طنبدي نصارى أصحاب صنائع.

كنيسة الأيصطولي: أعني الرسل، بناحية أشنين، و هي كبيرة جدّا.

كنيسة مريم: بناحية اشنين أيضا و هي قديمة.

كنيسة ميخائيل و

كنيسة غبريال: بناحية اشنين أيضا، و كان بهذه الناحية مائة و ستون كنيسة خربت كلها إلّا هذه الكنائس الأربع، و أكثر أهل اشنين نصارى، و عليهم الدرك في الخفارة، و بظاهرها آثار كنائس يعملون فيها أعيادهم، منها كنيسة بوجرج، و كنيسة مريم، و كنيسة ماروطا، و كنيسة بربارة، و كنيسة كفريل، و هو جبريل (عليه السلام).

و في منية ابن خصيب ست كنائس: كنيسة المعلقة و هي كنيسة السيدة، و كنيسة بطرس و بولص، و كنيسة ميكائيل، و كنيسة بوجرج، و كنيسة انيابولا الطمويهيّ، و كنيسة الثلاث فتية، و هم حنانيا و عزاريا و ميصائيل، و كانوا أجنادا في أيام بخت نصر فعبدوا اللّه تعالى خفية، فلما عثروا عليهم راودهم بخت نصر أن يرجعوا إلى عبادة الأصنام فامتنعوا من ذلك، فسجنهم مدّة ليرجعوا فلم يرجعوا، فأخرجهم و ألقاهم في النار فلم تحرقهم، و النصارى تعظمهم، و إن كانوا قبل المسيح بدهر.

كنيسة بناحية طحا: على اسم الحواريين الذين يقال لهم عندهم الرسل.

كنيسة مريم: بناحية طحا أيضا.

كنيسة الحكيمين: بناحية منهري، لها عيد عظيم في بشنس يحضره الأسقف، و يقام هناك سوق كبير في العيد، و هذان الحيكمان هما قزمان و دميان الراهبان.

كنيسة السيدة: بناحية بقرقاس قديمة كبيرة.

و بناحية ملوى كنيسة كنيسة الرسل، و كنيستان خراب، إحداهما على اسم بوجرج، و الأخرى على اسم الملك ميخائيل. و بناحية دلجة كنائس كثيرة لم يبق منها إلّا ثلاث‏

450

كنائس: كنيسة السيدة، و هي كبيرة. و كنيسة شنودة، و كنيسة مرقورة، و قد تلاشت كلها.

و بناحية صنبو كنيسة انبابولا، و كنيسة بوجرج، و صنبو كثيرة النصارى. و بناحية ببلاو و هي بحريّ صنبو كنيسة قديمة بجانبها الغربيّ على اسم جرجس، و بها نصارى كثيرون فلاحون.

و بناحيا دروط كنيسة و في خارجها شبه الدير على اسم الراهب ساراماتون، و كان في زمان شنودة، و عمل أسقفا، و له أخبار كثيرة. و بناحية بوق بنى زيد كنيسة كبيرة على اسم الرسل، و لها عيد. و بالقوصية كنيسة مريم، و كنيسة غبريال، و بناحية دمشير كنيسة الشهيد مرقوريوس، و هي قديمة و بها عدّة نصارى. و بناحية أمّ القصور كنيسة بوبخنس القصير و هي قديمة. و بناحية بلوط من ضواحي منفلوط كنيسة ميخائيل و هي صغيرة. و بناحية البلاعزة من ضواحي منفلوط كنيسة صغيرة يقيم بها القسيس بأولاده. و بناحية شقلقيل ثلاث كنائس كبار قديمة إحداها على اسم الرسل، و أخرى باسم ميخائيل، و أخرى باسم بومنا. و بناحية منشأة النصارى كنيسة ميخائيل. و بمدينة سيوط كنيسة بوسدرة و كنيسة الرسل، و بخارجها كنيسة بومينا. و بناحية درنكة كنيسة قديمة جدّا على اسم الثلاثة فتية حنانيا و عزاريا و ميصائيل، و هي مورد لفقراء النصارى، و درنكة أهلها من النصارى يعرفون اللغة القبطية، فيتحدّث صغيرهم و كبيرهم بها، و يفسرونها بالعربية. و بناحية ريفة كنيسة بوقلتة الطبيب الراهب صاحب الأحوال العجيبة في مداواة الرمدى من الناس، و له عيد يعمل بهذه الكنيسة. و بها كنيسة ميخائيل أيضا، و قد أكلت الأرضة جانب ريفة الغربيّ. و بناحية موشة كنيسة مركبة على حمام على اسم الشهيد بقطر، و بنيت في أيام قسطنطين ابن هيلانة، و لها رصيف عرضه عشرة أذرع، و لها ثلاث قباب ارتفاع كل منها نحو الثمانين ذراعا، مبنية بالحجر الأبيض كلها، و قد سقط نصفها الغربيّ، و يقال أنّ هذه الكنيسة على كنز تحتها، و يذكر أنه كان من سيوط إلى موشة هذه ممشاة تحت الأرض.

و بناحية بقور من ضواحي بوتيج كنيسة قديمة للشهيد اكلوديس، و هو يعدل عندهم مرقوريوس، و جاأرجيوس، و هو أبو جرج و الإسفهسلارتا أدروس و ميتاوس، و كان أكلوديوس أبوه من قوّاد ديقلطيانوس، و عرف هو بالشجاعة فتنصر، فأخذه الملك و عذبه ليرجع إلى عبادة الأصنام، فثبت حتى قتل و له أخبار كثيرة.

و بناحية القطيعة كنيسة على اسم السيدة، و كان بها أسقف يقال له الدوين، بينه و بينهم منافرة فدفنوه حيا، و هم من شرار النصارى معروفون بالشرّ، و كان منهم نصرانيّ يقال له جرجس ابن الراهبة، تعدّى طوره فضرب رقبته الأمير جمال الدين يوسف الأستادار بالقاهرة في أيام الناصر فرج بن برقوق.

و بناحية بوتيج كنائس كثيرة قد خربت، و صار النصارى يصلون في بيت لهم سرّا، فإذا طلع النهار خرجوا إلى آثار كنيسة و عملوا لها سياجا من جريد شبه القفص و أقاموا هناك عباداتهم.

451

و بناحية مقروفه كنيسة قديمة لميخائيل، و لها عيد في كل سنة، و أهل هذه الناحية نصارى، أكثرهم رعاة غنم و هم همج رعاع.

و بناحية دوينة كنيسة على اسم بوبخنس القصير، و هي قبة عظيمة و كان بها رجل يقال له يونس، عمل أسقفا و اشتهر بمعرفة علوم عديدة فتعصبوا عليه حسدا منهم له على علمه و دفنوه حيا، و قد توعك جسمه.

و بالمراغة التي بين طهطا و طما كنيسة.

و بناحية قلفا كنيسة كبيرة، و تعرف نصارى هذه البلدة بمعرفة السحر و نحوه، و كان بها في أيام الظاهر برقوق شماس يقال له أبصاطيس له في ذلك يد طولى، و يحكى عنه ما لا أحب حكايته لغرابته، و بناحية فرشوط كنيسة ميخائيل، و كنيسة السيدة مارت مريم، و بمدينة هوّ كنيسة السيدة و كنيسة بومنا. و بناحية بهجورة كنيسة الرسل. و باسنا كنيسة مريم و كنيسة ميخائيل و كنيسة يوحنا المعمدانيّ، و هو يحيى بن زكريا (عليهما السلام). و بنقادة كنيسة السيدة، و كنيسة يوحنا المعمدانيّ، و كنيسة غبريال، و كنيسة يوحنا الرحوم، و هو من أهل أنطاكية ذوي الأموال، فزهد و فرّق ماله كله في الفقراء و ساح و هو على دين النصرانية في البلاد، فعمل أبواه عزاءه و ظنوا أنه قد مات، ثم قدم أنطاكية في حالة لا يعرف فيها، و أقام في كوخ على مزبلة، و أقام رمقه بما يلقى على تلك المزبلة حتى مات، فلما عملت جنازته كان ممن حضرها أبوه، فعرف غلاف إنجيله، ففحص عنه حتى عرف أنه ابنه، فدفنه و بنى عليه كنيسة أنطاكية. و بمدينة قفط كنيسة السيدة، و كان بأصفون عدّة كنائس خربت بخرابها، و بمدينة قوص عدّة أديرة و عدّة كنائس خربت بخرابها، و بقي بها كنيسة السيدة و لم يبق بالوجه القبليّ من الكنائس سوى ما تقدّم ذكرنا له.

و أما الوجه البحريّ:

ففي منية صرد من ضواحي القاهرة كنيسة السيدة مريم، و هي جليلة عندهم. و بناحية سندوة كنيسة محدثة على اسم بوجرج، و بمر صفا كنيسة مستجدّة على اسم بوجرج أيضا، و بسمنود كنيسة على اسم الرسل عملت في بيت، و بسنباط كنيسة جليلة عندهم على اسم الرسل، و بصندفة كنيسة معتبرة عندهم على اسم بوجرج، و بالريدانية كنيسة السيدة و لها قدر جليل عندهم، و في دمياط أربع كنائس للسيدة و لميخائيل و ليوحنا المعمدانيّ و لماري جرجس، و لها مجد عندهم. و بناحية سبك العبيد كنيسة محدثة في بيت مخفيّ على اسم السيدة، و بالنحراوية كنيسة محدثة في بيت مخفي، و في لقانة كنيسة بوبخنس القصير، و بدمنهور كنيسة محدثة في بيت مخفي على اسم ميخائيل، و بالإسكندرية المعلقة على اسم السيدة و كنيسة بوجرج و كنيسة يوحنا المعمداني و كنيسة الرسل، فهذه كنائس اليعاقبة بأرض مصر، و لهم بغزة كنيسة مريم، و لهم بالقدس القمامة و كنيسة صهيون.

452

و أما الملكية فلهم بالقاهرة كنيسة ماري نقولا بالبندقانيين، و بمصر كنيسة غبريال الملاك بخط قصر الشمع، و بها قلاية لبطركهم، و كنيسة السيدة بقصر الشمع أيضا، و كنيسة الملاك ميخائيل بجوار بربارة بمصر، و كنيسة مار يوحنا بخط دير الطين، و اللّه أعلم.

و هذا أخر الجزء الثاني و بتمامه تم الكتاب و الحمد للّه وحده و صلّى اللّه على من لا نبيّ بعده و سلّم و رضي اللّه عن أصحاب رسول اللّه أجمعين و حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و لا عدوان إلّا على الظالمين.

قول المستعين بربه القويّ، محمد ابن المرحوم الشيخ عبد الرحمن قطة العدوي، مصحح دار الطباعة المصرية، بلغه اللّه من الخير كلّ أمنية: إن من جملة المحاسن الممدوحة بكلّ لسان، و أحاسن الآثار الغنيّ فضلها عن البيان، التي ظهرت في أيام صاحب العز و الإقبال، من طبع على المرحمة و العدالة في الأقوال و الأفعال، و اختص بحسن التبصر و سداد النظر، و رعاية المصالح العامّة لأهل البدو و الحضر، و وهب من صفات الكمال و كمال الصفات، ما تقصر دون تعداده العبارات و الإشارات، من هو الفرقد الثاني، في أفق الصدارة العثمانيّ، عزيز الديار المصرية، ذي المناقب الفاخرة السنية، حضرة أفندينا الحاج عباس باشا، لا زال بصولة عدله جيش المظالم يتلاشى، و لا برح قرير العين بأنجاله، محفوظ الجناب نافذ القول في حاله و استقباله، و لا فتي‏ء لواء عزه منشورا، و لا انفك سعيه مشكورا، طبع كتاب الخطط للعلامة المقريزيّ الشهير، المجمع على فضله و عموم نفعه بلا نكير، كيف لا وقد جمع من تخطيط الحكومة المصرية، و ما يتعلق بها من الموادّ الجغرافية و التاريخية، و ذكر أصناف أهلها و ولاتها، و ما عرض لها من تقلبات الأزمان و تغيراتها، و ما تضمنته من الأخلاق و العوائد، الصحيح منها و الفاسد، و ما توارد عليها من الدول و الحكومات، و اختلاف الملل و الديانات، و غير ذلك من الفوائد، و صحيح الأدلة و الشواهد، و عجائب الأخبار، و غرائب الآثار، ما يغني الحاذق اللبيب، و يكفي الماهر الأريب، و يعتبر به المعتبرون، و يتفكه به المتآمرون، بل هو النديم الذي لا يمل، و الأنيس الذي في استصحابه تهون الكرائم و تبذل، بيد أنه يتحفك من تاريخ مصر بأظرف تحفه، و يمنحك من طريف جغرافيتها و تليدها ألطف طرقه، و يسكنك من قصور أنبائها على غرفه، و ينشقك من زهر روض أخبارها شميمه و عرفه، غير أنه لما كان فنّ التاريخ مع جليل نفعه، و جزيل فائدته عند أرباب المعارف و عظيم وقعه، قد رميت سوقه في هذه الأزمان بالكساد، و تقاصرت عنه الهمم من كل حاضر و باد، كان هذا الكتاب مما خيمت عليه عناكب النسيان، و عزت نسخه في ديارنا حتى كاد لا يعثر بها إنسان، فإنها فيها قليلة محصورة، متروكة الاستعمال مهجورة، فكانت مع قلتها عارية عن صحتها، فكم فيها من تحريف فاحش و سقط متفاحش، و غلط مخل، و خطا مضجر و ممل، و يفضي بالقاري إلى الملل، و يعوّضه‏