ترحال في الجزيرة العربية - ج1

- جان لوئيس بوركهارت المزيد...
305 /
55

الزنوج، و إنما بشكله الطبيعى، على الرغم من أنه يكون أكثر تحللا. هذا التمر عند ما يغليه الناس فى الماء، ينتج عنه مشروب منعش، و هو يعطى للمرضى مسلوقا مع اللحم على شكل عصيدة.

هناك ثمانية تجار يبيعون التمور، و هى خلافا لسائر المأكولات العربية الأخرى، تعد المأكول المفضل عند العرب، و العرب لديهم أحاديث (شريفة) تبين فوائد التمور، و تفوقها على كل أنواع الأطعمة الأخرى. استيراد التمور و جلبها لا يتوقف طوال العام.

فى نهاية شهر يونية يظهر المحصول الجديد (الذى يسميه الناس هنا" رطبا"): هذا الرطب يستمر طوال شهرين، أما بقية العام فتشهد بيع معجون التمر، الذى يسميه الناس هنا" عجوة"، هذه العجوة يجرى تشكيلها عن طريق ضغط التمور بعد أن يكتمل نضجها لتصبح على شكل قفف كبيرة، و بذلك يمكن تحويل هذه التمور الناضجة إلى عجينة متماسكة، أو أقراص صلبة متماسكة أيضا، و كل قفة من هذه القفف تزن حوالى مائتى ثقل، و البدو يصدرون العجوة على هذا الحال، يجرى قطع هذه العجوة من القفة ليجرى بيعها بالرطل، و هذه العجوة تشكل جزءا من الطعام اليومى عند طبقات الشعب، أثناء السفر يجرى إذابة العجوة فى الماء لتعطى مشروبا منعشا حلو المذاق. هناك ما يزيد على اثنى عشر صنفا من العجوة، و أفضل أنواع هذه العجوة يأتى من بلدة تربة، التى تقع خلف الطائف (و التى سيطر عليها الوهابيون فى الوقت الحالى) و أكثر الأنواع شيوعا فى السوق حاليا هو ذلك النوع الذى يأتى من وادى فاطمة، أما أفضل الأنواع، فهو ذلك الذى يأتى من خليص، و من الحديّدة، على الطريق المؤدى إلى المدينة المنورة. فى موسم الرياح الموسمية تقوم سفن الخليج الفارسى [العربى‏] بجلب العجوة من البصرة، ليجرى بيعها فى قفف صغيرة، لأن كل واحدة منها تزن حوالى عشرة أرطال، و هذه العبوة مفضلة عن سائر العبوات الأخرى. سفن الهند الشرقية تحمل معها عند عودتها إلى بلادها كميات كبيرة من العجوة، يجرى بيعها بأرباح كبيرة إلى مسلمى هندوستان.

هناك أربعة محلات تبيع البان- كيك (الفطير المحلى بالسكر)، هذه المحلات تبيع ذلك الفطير المحلى بالسكر فى الصباح الباكر، و هذا الفطير المحلى بالسكر و المحمر فى الزبد يشكل إفطارا شهيا و مفضلا.

56

خمسة محلات تبيع الفول، هذه المحلات لا تبيع الفول إلا للإفطار فقط فى الصباح، و ذلك فى ساعة مبكرة. الفول الذى يباع هنا هو من نوعية الفول المصرى الذى يجرى سلقه أو تسويته فى الماء، و يأكله الناس مع شى‏ء من الزبد و الفلفل. هذا الفول المسلوق يسمونه هنا مدمس، هذا المدمس يشكل طبقا شهيا عند المصريين، و قد تعلم العرب أكل الفول من المصريين.

أربعة دكاكين تبيع السكريات، و الفواكه المسكّرة، و سائر أنواع الحلوى التى يغرم بها أهل الحجاز دونا عن سائر سكان الشرق الذين سبق أن التقيتهم. أهل الحجاز يأكلون السكريات و الحلوى بعد العشاء، و فى المساء نجد طاولات بيع السكريات محاطة بجموع كبيرة من الناس الذين جاءوا لشراء هذه الأنواع من الحلوى.

الهنود هم أحسن من يصنع هذه السكريات. و أنا لم أر هنا نوعا من السكريات لم يسبق لى رؤيته فى مصر، البقلاوة و الكنافة و الغريّبة تشيع هنا مثلما هى شائعة فى حلب و فى القاهرة.

محلان لبيع الكباب، هذان المحلان يبيعان اللحم المحمر، و هما مملوكان لبعض الأتراك، نظرا لأن الكباب ليس طبقا عربيا.

دكانان لبيع الحساء، هذان المحلان يشبهان المسمط، فهما يبيعان رءوس الأغنام و أرجلها بعد سلقها، و يكثر تردد الناس عليها وقت الظهيرة.

دكان واحد لبيع السمك المحمر (المقلى) فى الزيت، هذا المحل يتردد عليه البحارة الأتراك و البحارة اليونانيون.

عشر طاولات أو اثنتا عشرة طاولة لبيع الخبز، و غالبا ما يباع الخبز بواسطة النساء، الخبز طعمه غير مستساغ، و ربما يكون الدقيق لم يجر تنظيفه تماما، كما أن الخميرة من النوع السيئ و الرغيف من الحجم نفسه الذى يباع فى القاهرة ببارتين، هو هنا و لكن من نوع أردأ أو يباع بثمان بارات.

57

محلان لبيع الحليب، أو اللبن الرائب الذى يعد من الأشياء شديدة الندرة فى سائر أنحاء الحجاز. و الأغرب بحق هو أن يصبح اللبن أمرا نادرا بين رعاة الأغنام و القطعان فى الجزيرة العربية، لكن كان ذلك هو الحال فى كل من جدة و مكة. واقع الأمر أن المناطق القريبة من هاتين المدينتين مناطق جرداء، لا تصلح لرعى الماشية، هى و من يقومون على أمر رعيها نظير الحصول على الحليب من هذه الماشية. عند ما كنت فى جدة كان رطل اللبن (اللبن يباع هنا بالوزن) يباع بقرش و نصف القرش، و لا يمكن الحصول عليه إلا عن طريق المحاباة. و هذا الذى يسميه أتراك الشمال يوغورت (زبادى)، أو اللبن الحامض‏ (*) على حد قول السوريين و المصريين، ليس من بين الأطباق العربية الوطنية، يزاد على ذلك أن بدو الجزيرة العربية لا يقدرون ذلك النوع من اللبن مطلقا.

دكانان صاحباهما تركيان يبيعان الجبن اليونانى و اللحم المقدد و التفاح المجفف و التين و الزبيب و المشمش المجفف الذى يسمونه قمر الدين، كل هذه الأصناف تباع بثلاثة أضعاف ثمنها فى القاهرة. الجبن يجرى جلبه من كاندياcandia ، و يزداد الطلب عليه بين الجنود الأتراك. هناك نوع من الجبن يصنع فى الحجاز هذا النوع شديد البياض على الرغم من ملوحته، و لا يمكن الاحتفاظ به مدة طويلة، و ليس مغذيا بأى حال من الأحوال. و البدو أنفسهم لا يعيرون الجبن اهتماما، و هم إما يشربون الحليب أو يحولونه إلى زبد. اللحم المجفف الذى يباع فى هذين الدكانين هو اللحم المملح، و لحم البقر المدخن الذى يأتى من آسيا الصغرى، و الذى يعرف فى سائر أنحاء تركيا باسم البسطرمة، و يقبل عليه الرحالة بدرجة كبيرة. الجنود الأتراك و الحجاج متيمون بالبسطرمة، أما العرب فلا يستسيغون طعمها مطلقا، كثير من العرب الذين يلاحظون اختلاف لحم البسطرمة من حيث الشكل عن اللحوم الأخرى يصرون على أنه لحم خنزير، و من هنا فإن تقييم العرب و تقديرهم للجنود الأتراك يختلف و يتباين‏

____________

(*) لبن شديد الكثافة، يصبح مر المذاق عن طريق غليه و إضافة نوع من الحامض إليه.

58

بسبب هذا الظن. الفواكه المجففة سالفة الذكر تأتى كلها من أرخبيل جزر اليونان، لكن باستثناء المشمش، هذا المشمش يرسل من دمشق إلى سائر أنحاء الجزيرة العربية، التى تعده نوعا من الترف، و بخاصة بين البدو. و المشمش يجرى نزع بذوره و تحويله إلى عجينة، ثم يجرى نشره على أوراقه إلى أن يجف فى ضوء الشمس، و بذلك يتحول المشمش إلى نوع من المرق إذا ما أذيب فى الماء. الجنود الأتراك يعيشون خلال مسيرتهم فى سائر أنحاء الحجاز على البسكويت و على ثمرة المشمش.

أحد عشر دكانا لتجارة الحبوب، و يمكن من هذه الدكاكين ابتياع القمح المصرى و الشعير المصرى و الفول المصرى و كذلك العدس المصرى و أيضا الذرة المصرية (*) و كذلك الأرز الهندى و الأرز المصرى و البسكويت إلخ، و الدقيق (الطحين) الوحيد الذى يباع فى الحجاز حاليا يأتى من مصر. فى زمن السلم يزيد الاستيراد من اليمن إلى كل من مكة و جدة، و من نجد و من المدينة المنورة أيضا، و مع ذلك تظل الواردات من مصر الأكبر حجما، و يمكن القول بحق إن الحجاز يعتمد على مصر اعتمادا كبيرا فى مسألة القمح. كانت تجارة القمح من قبل فى أيدى الأفراد، و كان لا يجرى بيع أى شى‏ء من القمح فى السويس أو القصير لأشخاص بعينهم، نظرا لأن كل حبة من حبوب القمح كانت تشحن إلى جدة لحساب الباشا، و هذا هو شأن كل المؤن و التموينات الأخرى، و كذلك الأرز و الزبد و البسكويت و البصل الذى يجرى استيراد كميات كبيرة منه. طوال مقامى فى الحجاز، و نظرا لأن هذا البلد ينتج ما يكفيه، كان الباشا يبيع الحبوب فى جدة بسعر يتراوح بين مائة و ثلاثين قرشا و مائة و ستين قرشا للإردب الواحد، و قس على ذلك بقية المؤن و التموينات الأخرى، الباشا يشترى إردب،

____________

(*) قد تأتى الذرة أيضا من سواكن التى تصل إليها من تاكة فى داخل النوبة، كما تصل إليها أيضا ذرة صغيرة الحبوب من اليمن ليجرى بيعها هنا فى جدة.

59

القمح فى مصر باثنى عشر قرشا فى الوجه القبلى، بما فى ذلك تكلفة النقل من قنا إلى القصير؛ و النقل من القصير إلى جدة يكلف حوالى خمسة و عشرين قرشا أو ثلاثين قرشا. هذه الأرباح الفظيعة هى التى ساعدت على تحمل نفقات الحروب الوهابية، لكن هذا الإجراء لم يكن محسوبا بشكل يعمل على استرضاء الناس. كان أعوان الباشا يلتمسون له الأعذار، مدعين أن رفع محمد على باشا لأسعار الحبوب هو الذى يجعل بدو الحجاز يخدمون مصلحة محمد على باشا و يراعونها، نظرا لأن البدو يعتمدون على كل من مكة و جدة فى الحصول على المؤن و التموينات اللازمة لهم، و من ثم كان البدو مضطرين إلى الدخول فى خدمة محمد على باشا، و الحصول على الأجور التى يدفعها لهم، و بذلك ينجون من الموت جوعا. عامة الناس فى الحجاز لا يستعملون القمح بكميات كبيرة، و لذلك فهم يصنعون خبزهم من الذرة أو من دقيق الشعير، و كلاهما أرخص من القمح بمعدل الثلث، أو قد يعيشون على الأرز وحده هو و الزبد، و هذا هو أيضا حال السواد الأعظم من بدو تهامة على الساحل. أهل اليمن المقيمون فى جدة لا يأكلون سوى الذرة. القسم الأكبر من الأرز المستخدم فى جدة يجرى جلبه من الهند بواسطة السفن، و أفضل أنواع الأرز هو الذى يأتى من الجزيرات و من كتش‏cutch .

الأرز هو الطعام الرئيسى بين أهل الحجاز، و هم يفضلون أرز الهند على الأرز الذى من مصر، لأنهم يظنون أن الأرز الهندى أفضل من الأرز المصرى من الناحية الصحية، و المعروف أن الأتراك عن بكرة أبيهم هم و الأجانب و الأغراب من أهل الشمال يفضلون الأرز المصرى، و المعروف أن حبة الأرز يميل لونها إلى الاحمرار، لكن أفضل أنواع الأرز الهندى و المصرى هى الأنواع شديدة البياض. يزاد على ذلك أن الأرز الهندى ينتفخ مع الطهى أكثر من الأرز المصرى، و من هنا يفضل العرب ذلك النوع من الأرز نظرا لأن كمية صغيرة تكفى لمل‏ء الطبق، لكن قيمة الأرز المصرى الغذائية أكبر. الأرز الهندى أرخص من الأرز المصرى و يجرى نقله من جدة إلى كل من مكة و الطائف و المدينة [المنورة] ثم بعد ذلك إلى نجد. و خليط من الأرز و العدس و عليهما شى‏ء من الزبد يشكل و جبة مفضلة لدى أفراد الطبقة المتوسطة، و عادة ما يكون طبقهم الرئيسى‏

60

فى وجبة العشاء (*). لقد وجدت فى كل جزء من أجزاء الحجاز أن البدو عندما ينتقلون لا يحملون معهم من المؤن سوى الأرز و العدس، بسبب استعمال الجيش التركى للبسكويت بكميات كبيرة. أهل الجزيرة العربية لا يحبون البسكويت و يندر أن يأكلوه حتى و لو كانوا على ظهور المراكب التى يخبزون فى أفرانها خبزتهم غير المخمورة كل صباح، و معروف أن هذه الأفران موجودة على ظهور مختلف السفن العاملة فى البحر الأحمر.

تجار القمح يبيعون الملح أيضا، و يجرى جمع ملح البحر بالقرب من جدة، و هذا عبارة عن احتكار مقصور على شريف مكة وحده. سكان مكة يفضلون ملح الصخور، الذى يجرى جلبه إلى مكة بواسطة البدو الذين يجلبون ذلك الملح من بعض الجبال الغربية من الطائف.

واحد و ثلاثون دكانا تبيع التبغ، يجرى فى هذه المحلات بيع التبغ المصرى و التبغ السورى و التمباك و إن شئت فقل التوباكو الذى يستخدم فى الغلايين الفارسية، كما تباع فى هذه المحلات أيضا رءوس الشياش و خراطيم الشياش و حبات جوز الهند و البن و قشر البن و الصابون و اللوز و زبيب الحجاز و بعض سلع البقالة الأخرى. التبغ المصرى يجرى خلطه فى بعض الأحيان بالتبغ السنارى، ليصنع منه صنف رخيص الثمن و عليه طلب كبير فى سائر أنحاء الحجاز. هناك نوعان من ذلك التبغ المصرى، أحدهما تكون أوراقه خضراء اللون حتى بعد أن تجف، و هذا هو ما يسميه الناس هنا الربّة، و هو يأتى من الوجه القبلى فى مصر. النوع الثانى أوراقه بنية اللون، و أفضل أنواعه تلك التى حول بلدة طهطا، التى تقع جنوب مدينة أسيوط.

أثناء الحكم الوهابى لم يكن التبغ يباع بصورة علنية، نظرا لأن بدو الحجاز متيمون بالتبغ، كان الناس يبيعونه فى الخفاء فى دكاكينهم، لا تحت اسم تبغ أو دخان‏

____________

(*) هذا الطبق معروف فى سوريا أيضا، و هم يسمونه هناك مجدرة، و سبب ذلك أن العدس يبدو من بين الأرز و كأنه علامات الجدرى التى تظهر على وجه من يصاب بهذا المرض.

61

و إنما تحت اسم" احتياجات الرجل". يجرى استيراد خراطيم الشياش الفارسية من بلاد اليمن، أما ثمار جوز الهند فيجرى جلبها من جزر الهند الشرقية، و من ساحل جنوب إفريقيا الشرقى، و من بلاد الصومال، و يمكن الحصول على هذه الثمار و هى طازجة تماما و بأسعار منخفضة خلال فترة الرياح الموسمية، و يبدو أن أهل جدة و مكة مغرمون بتجارة جوز الهند. الحبات الكبيرة من جوز الهند يجرى استعمالها فى صناعة البوارى، و إن شئت فقل الشيشة الفارسية الشعبية، أما حبات جوز الهند الصغيرة فيستعملونها فى صناعة علب السعوط.

يأتى الصابون من السويس التى يجلب إليها من سوريا، و هى التى تمد ساحل البحر الأحمر كله بالصابون. تجارة رائجة، و القسم الأكبر منه فى أيدى تجار حبرون، التى (التى يطلق العرب عليها اسم الخليل) الذين ينقلون الصابون إلى جدة، إذ إنها المكان الذى يوجد فيه هؤلاء التجار بصفة دائمة. اللوز و الزبيب يأتيان من الطائف، و من جبال الحجاز، و يجرى تصدير كميات كبيرة منه إلى جزر الهند الشرقية. اللوز من نوعية ممتازة، و حبوب اللوز صغيرة و سوداء اللون، لكنها حلوة المذاق. و يجرى صناعة مشروب سكرى من كل من الزبيب و اللوز.

ثمانية عشر محلا للعقاقير، أصحاب هذه المحلات كلهم من جزر الهند الشرقية، و الغالبية العظمى منهم من سورات فى الهند. هذه المحلات تبيع إلى جانب كل أنواع العقاقير: الشموع و الورق و السكر و العطر و البخور، و أهل الحضر يستخدمون كميات كبيرة من البخور الذى تستعمله الأسر المحترمة فى تعطير الغرف يوميا و بخاصة فى الصباح، و المستكة هى و خشب الصندل يجرى وضعهما على الفحم النباتى المشتعل طلبا لتعطير أجواء الغرف، و التوابل بكل أنواعها هى و العقاقير الباعثة على الدف‏ء يشيع استعمالها فى الحجاز، و يندر شرب القهوة فى المنازل دون خلطها بالهيل أو القرنفل، كما أن الفلفل الأحمر الذى يجلب من الهند أو من مصر يدخل فى كل الأطباق هنا. و هناك سلعة تجارية مهمة تدخل ضمن ما يبيعه بائعو العقاقير فى جدة و مكة، هى زر الورد الذى يجرى جلبه من بساتين الطائف. أهل الحجاز، و بخاصة

62

النساء منهم ينقعن زر الورد فى الماء ليستخدمن الماء بعد ذلك فى وضوئهن، هن أيضا يغلين هذه الورود الصغيرة مع السكر، ليصنعن منها شرابا طيب الرائحة. السكر الذى يباع فى محلات بيع العقاقير يجرى إحضاره من الهند، هذا السكر يميل لونه الأبيض إلى الاصفرار، و هو شديد النقاء لكنه على شكل مسحوق. يجرى استيراد كمية صغيرة من السكر من مصر، لكن الناس هناك لا يستلطفون السكر المصرى، الناس هنا يفضلون بشكل عام كل ما يأتى من الهند، ظنا منهم أن المنتجات الهندية أجود، هذا تماما مثلما يحدث للمنتجات البريطانية التى تفضلها سائر دول القارة الأوروبية. بائعو العقاقير الذين من أصل هندى هنا يملكون ثروات كبيرة، و تجارتهم مربحة جدا، و لا يمكن للعرب منافستهم فى هذا المجال. فى كل من مكة و أيضا فى الطائف و المدينة المنورة و كذلك فى ينبع نجد أن باعة العقاقير كلهم ينحدرون من أصل هندى، و على الرغم من استقرار هؤلاء الباعة فى البلاد منذ أجيال عدة، و على الرغم أيضا من تطبيع حياتهم تطبيعا كاملا، و على الرغم من أنهم يميزون أنفسهم ببعض العادات البسيطة عن العرب، فإنهم لا يستلطفونهم بشكل عام، و يتهمونهم بالجشع و الخداع.

هناك أيضا اثنا عشر دكانا تبيع بضائع صغيرة من صناعة الهند، من قبيل أطقم الخزف، رءوس الشياش، و الملاعق الخشبية، و حبات السبح المصنوعة من الزجاج، و السكاكين و المسابح و المرايا و أوراق اللعب، إلخ. هذه الدكاكين مملوكة للهنود، و غالبيتهم من بومباى. قليل جدا من البضاعة هى التى تشق طريقها إلى هنا، فيما عدا الإبر و المقصات و الشغال الذى يستعمله الخياطون، و كذلك المبارد، يمكن القول إن الأشياء الأخرى التى من هذا القبيل تأتى كلها من الهند. زد على ذلك أن الأوانى الفخارية المصنوعة فى الصين تحظى هنا بقبول كبير فى الحجاز. السكان الأثرياء هنا يستعرضون مجموعات قيمة من الخزف الصينى الفاخر، و هم يعرضون مثل هذه الأوانى الخزفية على رفوف فى غرف الاستقبال، و هذا هو ما يحدث فى سوريا. لقد شاهدت فى كل من مكة و جدة، أطباقا من الخزف توضع على المائدة قطر الواحد منها

63

لا يقل عن قدمين و نصف القدم، و يحمل الواحد منها شخصان، و فى كل طبق منها خروف مشوى كامل. السبح أو حبات السبح الزجاجية يجرى تصديرها من جدة إلى كل من سواكن و السوق الحبشية، هذه الحبات منها ما يصنع فى مدينة البندقية و منها ما يصنع فى مدينة حبرون (الخليل). بدويات الحجاز يلبسن هذه العقود الزجاجية أيضا، على الرغم من أنهن يستعملن الأساور المصنوعة من القرون سوداء اللون، و العقود المصنوعة من الكهرمان. هذه الدكاكين هى التى تبيع حبات العقيق، التى يطلق الناس هنا عليها اسم الريش‏ (*) التى تأتى من بومباى فى الهند و يجرى استعمالها فى أعماق إفريقيا. هناك أيضا حبات حمراء اللون تصنع من الشمع، أشاهدها هنا بكميات كبيرة. هذه الحبات الحمراء تأتى من الهند، و غالبا ما تكون مخصصة للحبشة. تباع هنا أيضا تشكيلة كبيرة من المسابح، منها ما هو مصنوع من اليسر (**) و هو الأغلى، و اليسر هذا نوع من المرجان الذى ينمو فى البحر الأحمر، و أفضل أنواع ذلك المرجان هو النوع الذى يزرع بين جدة و القنفذة، و لونه أسود غامق، و يجرى تلميعه بنوع من الورنيش، و الخيط المعلق فيه مائة حبة من حبات اليسر يباع بما يتراوح بين دولار واحد و أربعة دولارات طبقا لحجم الحبة، و الذين يصنعون حبات اليسر هذه هم الصناع المهرة فى جدة، و الطلب كبير على مسابح اليسر فى الملايو. هناك مسابح أخرى (يجرى جلبها من الهند) تصنع من مادة الكالمباك طيبة الرائحة، أو من خشب الصندل، و الطلب كبير على هذا النوع من المسابح فى كل من مصر و سوريا. قلة قليلة من الحجاج هم الذين يغادرون الحجاز و لا يشترون بعضا من تلك المسابح من المدينتين المقدستين، و ذلك على سبيل الهدايا لأصدقائهم فى بلادهم.

____________

(*) راجع كتاب أسفار فى بلاد النوبة، المقال المعنون: شندى.

(**) حوش اليسر، و هو اسم الحارة الرئيسية فى جدة، مأخوذ من كلمة" يسر".

64

أحد عشر دكانا للملابس، يجرى فيها كل صباح بيع مختلف الملابس بطريقة المزاد العلنى. القسم الأكبر من تلك الملابس عبارة عن طرز (موديلات) تركية، يبيعها تجار الطبقتين الأولى و الثانية، مع إحداث بعض التعديلات الطفيفة فى قصات الملابس. طوال موسم الحج يتردد الناس على هذه الدكاكين لشراء الحرام أو الإحرام و يقصد به ملابس الإحرام، التى هى عبارة عن ذلك الرداء الذى يرتديه الحاج و الذى يتكون من قطعتين من قماش الشراشف الهندى أبيض اللون. يأتى بدو الحجاز إلى هذه الدكاكين أيضا لشراء العباءات الصوفية، أو إن شئت فقل عباءات البدو التى تجلب من مصر، و التى يعتمدون عليها فى هذه السلع، و من هنا يبدو هؤلاء البدو متكاسلين تماما مثل باقى أهل الحجاز؛ فقد جرت العادة أن تقوم زوجات البدو بصناعة العباءات الخاصة بهن و بأزواجهن. هذه الدكاكين تجلب إلى جدة أيضا بعضا من السجاد التركى من الأصناف الرديئة، و الذى يشكل جزءا أساسيا من تأثيث خيمة شيخ القبيلة، هذه الدكاكين تبيع أيضا بالتجزئة الواردات الأخرى كلها التى تجى‏ء من مصر، و التى تدخل ضمن الملبوسات مثل الملاءات، و المفارش المصنوعة من القطن و الكتان الذى تصنع منه القمصان، و القمصان المصبوغة باللون الأزرق و التى يلبسها الفلاحون، و النعال صفراء اللون (البلغ) التى يلبسها التجار و السيدات أيضا، و الطواقى حمراء اللون، و كل أنواع الملبوسات، و شيلان الكشمير المستعملة و شيلان الموسلين ... إلخ.

هناك أيضا ستة محلات هندية تبيع الأشياء بالقطع و النسيج بالأطوال المحددة، هذه الدكاكين تبيع القماش الفرنسى، و شيلان الكشمير ... إلخ، هذه السلع مملوكة لتجار كبار و لكن وكلاءهم يبيعونها بالتجزئة. كل التجار الكبار تقريبا يقومون فى منازلهم بتجارة التجزئة، فيما عدا كبار التجار الهنود المقيمين فى جدة بصفة دائمة، هؤلاء التجار لا يتاجرون إلا فى البضائع الهندية التى تباع بالقطعة أو بالأطوال المحددة. تجار مكة الآخرون يعملون فى أفرع التجارة كلها. شاهدت ذات مرة شقيق التاجر الجيلانى و هو يتشاجر مع بائع ينبعى جائل حول سعر واحدة من الملاءات،

65

التى يصل سعرها إلى حوالى خمسة عشر شلنا؛ لكن هذا هو الحال نفسه فى مصر و فى سوريا، حيث يقوم أثرياء التجار المواطنين بالبيع بالتجزئة فى منازلهم، و بالتالى يدخلون فى أدق تفاصيل المال و الأعمال، و مع ذلك لا يحتفظ الواحد من هؤلاء التجار بمجموعة كبيرة من الكتبة أو المساعدين، الذين لا يشكل وجودهم أهمية كبيرة. التاجر التركى لا يمسك أكثر من دفتر حسابى واحد، و هو يدون فى هذا الدفتر، من واقع دفتر الجيب، مبيعاته و مشترياته الأسبوعية أيضا. هؤلاء التجار ليست لديهم تلك المراسلات الواسعة التى يحافظ عليها التجار الأوروبيون و يداومون عليها. تجار جدة أقل تدوينا من التجار الأوروبين، و لهم صديق فى كل مدينة من المدن التى يتعاملون معها، و هم يجرون حسابا ختاميا مع هذا الصديق فى نهاية العام. التجار الأتراك، باستثناء أولئك الذين يعيشون فى الموانئ البحرية، لا يعملون إلا فى فرع واحد من أفرع التجارة، و هم لا يتعاملون سوى مع المدينة التى يحصلون منها على بضاعتهم من ناحية، و المدينة التى يرسلون إليها هذه البضاعة من ناحية ثانية. من هنا، و على سبيل المثال، نجد أن كبار تجار بغداد الحلبيين، و هم أناس يتراوح رأسمال الواحد منهم بين ثلاثين ألف جنيه إنجليزى و أربعين ألفا، يتسلمون بضاعة من أصدقائهم فى بغداد، ثم يرسلون تلك البضاعة من حلب إلى إسطنبول. و أنا أعرف الكثيرين من هؤلاء التجار الذين ليس لديهم كتبة، و لكنهم يصرفون أمورهم بأنفسهم. فى القاهرة تجد التجار السوريين يتاجرون فى السلع الدمشقية و الحلبية، و لا صلة بينهم و بين التجار المغربيين، أو السوريين، أو حتى تجار جدة.

المعاملات التجارية هنا أبسط بكثير من مثيلاتها فى أوروبا، نظرا لأن التجار هنا يستخدمون رأسمالهم الخاص، فضلا عن أن مسألة العمولات هنا أقل بكثير منها فى أوروبا. التاجر هنا عندما يشحن مجموعة من البضائع إلى مكان بعينه يرسل معها أحد شركائه، أو قريبا من أقربائه إذا لم يكن له شريك مقيم فى المكان الذى يتاجر معه. يزاد على ذلك أن المعاملات البنكية و كذلك الحوالات المالية غير معروفة هنا بين التجار الوطنيين، و هذا بحد ذاته يوفر الكثير من المتاعب. فى المدن التى توجد فيها

66

مصانع أوروبية، قد توجد الحوالات و الكمبيالات، لكنها ليست شائعة بين المواطنين الذين لم يألفوا سوى التنازلات.

يزاد على ذلك أن الإجراء الذى يتخذه كل من التجار المسلمين، و التجار المسيحيين، و كذلك التجار اليهود و الذى يقضى بعدم سحب أى رصيد مطلقا من رأس المال، يعد سببا آخر من الأسباب التى لا تجعل التركيز على تفاصيل إمساك الدفاتر أمرا ضروريا كما هو الحال فى أوروبا. و لما كان البدوى لا يحصى مطلقا خيام قبيلته، أو عدد أغنامه، و كما أن الرئيس العسكرى لا يحصى عدد جنوده، و كما أن الحاكم لا يقوم باحصاء سكان مدينته، فإن التاجر بدوره لا يحاول مطلقا التأكد من المقدار الصحيح لثروته، كل ما يتطلع إليه مثل هذا التاجر هو تقدير تقريبى لتلك الثروة أو الممتلكات، و هذا ناتج عن اعتقاد مفاده أن إحصاء الثروة يعد مظهرا من مظاهر المباهاة، و أن الله يعاقب من يفعل ذلك بإنقاص تلك الثروة.

يندر أن يدخل الشرقى فى مضاربات خطرة، و لكنه يقصر تعاملاته على حدود رأسماله. مسألة الحصول على ائتمانات كبيرة لا تتم إلا بعد كثير من المصاعب، و سبب ذلك أن أمور الأفراد هنا تكاد تكون معروفة للناس كلهم، و ذلك على العكس من أوروبا.

هذا يعنى أن مسألة الفشل فى رد الائتمان يعد أمرا نادرا، و عندما يصاب تاجر بالحرج نتيجة الفشل فى المضاربة، أو نتيجة الخسائر الحتمية، نجد أن دائنيه يمتنعون عن الضغط عليه أو مطالبته، و يجرى سداد ديونهم بعد سنوات بما يحول بين الرجل و بين النتائج المترتبة على الإفلاس.

و على الرغم من ذلك نجد أن التجار الشرقيين معرضون، من ناحية أخرى، لإلصاق تهمة الشك فى مدفوعاتهم بهم، و بخاصة تلك المدفوعات التى يسددها هؤلاء التجار بعد فوات أوانها. زد على ذلك أن التجار المحترمين لا يترددون فى تأخير سداد ديونهم عدة أشهر، و يمكن القول إن تلك قاعدة سارية فى مصر و سوريا، أن الديون المحددة المواعيد لا يجرى سدادها إلا بعد ما يقرب من ضعف الموعد المحدد، لكن هذا التصرف- على حد قول العارفين هنا- لم يحدث إلا خلال السنوات العشرين الأخيرة

67

فقط، و إن ذلك جاء نتيجة للكساد التجارى على مستوى العالم من ناحية، و تناقص رأس المال فى الليفانت من الناحية الأخرى، و على قدر ما شاهدته فى جدة، فإن الصفقات كلها تقريبا تكاد تكون بالنقد و ليست بالأجل.

ثلاثة دكاكين تبيع مواعين من النحاس الأحمر، إذ توجد فى كل مطبخ من مطابخ الجزيرة العربية تشكيلة كبيرة من الأوانى المصنوعة من النحاس الأحمر، البدو أيضا لديهم غلاية من النحاس الأحمر فى كل خيمة من الخيام، هذه الغلايات تأتى من مصر. أهم هذه المصنوعات النحاسية هو ما يسميه الناس الإبريق الذى يستخدمه المسلمون فى الوضوء، و لا يمكن لأحد من الحجاج الأتراك الوصول إلى الحجاز دون أن يكون معه إبريق، أو يشترى لنفسه واحدا من جدة فى أضعف الأحوال. توجد فى السوق أيضا بعض الأوانى النحاسية الصينية التى يجلبها أهل الملايو إلى جدة، لكن هذه الأوانى النحاسية الصينية ليست مطروقة، و على الرغم من أن خام النحاس يكون أفضل من مثيله فى الأناضول، و الذى يجلب من القاهرة، فإنه لا يحظى برضا أهل جدة.

أربعة دكاكين للحلاقة. الحلاقون هم الجراحون و الأطباء فى هذا البلد، إنهم يعرفون كيف يستنزفون الدم، كما يعرفون أيضا طريقة تركيب بعض الأدوية، قلة قليلة من أهل الجزيرة العربية الذين لهم لحى أطول و أكثر كثافة من لحى إخوانهم المواطنين الآخرين يلاقون مصاعب كبيرة فى تشذيب تلك اللحى، حتى لا تطول شعرة عن الأخرى، الناس هنا يقصون شواربهم بصفة دائمة، و لا يسمحون لشواربهم أن تلامس شفاههم، و هم فى ذلك يختلفون عن أتراك الشمال، الذين يندر أن يجعلوا المقص يضرب شواربهم الكثيفة. دكاكين الحلاقين يتردد عليها صعاليك الطبقات الدنيا الذين يلجأون إلى تلك الدكاكين لصيد الأخبار، و لتسلية أنفسهم بالحوار و المناقشات. عثرت فى واحد من دكاكين الحلاقين على واحد من أولئك الذين يقطعون الأختام، و كان فارسى الأصل، كانت مهنة ذلك الرجل رائجة؛ ذلك أن الحاج بعد أن ينتهى من زيارة الأماكن المقدسة يقوم بإضافة كلمة" الحاج" إلى ختمه.

68

أربعة محلات للخياطين. هناك خياطون كثيرون آخرون يعيشون فى سائر أنحاء جدة، هؤلاء الخياطون معظمهم من الأجانب. كان ترزى البلاط عند طوسون باشا من المسيحيين، و كانت له سلطة على باقى الخياطين الآخرين فى المدينة، و الذين كانوا يشكون مر الشكوى ليس من مجرد خضوعهم لسب ذلك الخياط و لعنه لهم، و إنما لعصاه التى كانت تنالهم فى معظم الأحيان.

خمسة صناع للنعال، ليس هناك صانع أحذية واحد فى الحجاز، هؤلاء الذين يرتدون أحذية أو نعالا يشترونها من التجار الذين يستوردونها من مصر.

يختلف شكل النعال المستعملة فى الجزيرة العربية من منطقة إلى أخرى، و يمكن أن نضيف للنعال التى أتينا على ذكرها عشرات من الأنواع الأخرى، هناك بعض النعال الخاصة بطبقة معينة من البشر. التاجر على سبيل المثال يرفض أن يلبس النعل الذى يستعمله. و هذا هو حال الأحذية فى تركيا، إذ إن كل منطقة بل و كل طبقة من طبقات المجتمع لها حذاؤها الخاص بها. و مصر و الحبشة توردان الجلود السميكة التى تصنع منها النعال.

ثلاثة دكاكين يجرى فيها بيع القراب (قراب الماء) و إصلاحها التى تجلب من سواكن و من مصر. يجرى تزويد القسم الأكبر من الحجاز بقراب الماء التى يجلبها التجار من سواكن فى السودان، و الطلب كبير على هذه القراب؛ نظرا لخفة وزنها و لإخاطتها بطريقة أنيقة. قربة الماء التى تجلب من سواكن تستعمل يوميا لمدة حوالى ثلاثة أشهر أو أربعة.

خراطان يثقبان الأنابيب و يصنعان الخرز .. إلخ.

ثلاثة دكاكين تبيع مركزات العطور، الزبّاد (*) و العود و البلسم المكى و ماء الورد الذى يأتى من الفيوم فى مصر. الزبّاد، و البلسم المكى يندر شراؤهما

____________

(*) نوع من الطيب.

69

نقيين، اللهم إلا إذا كان ذلك من المنتج شخصيا. التجار الأحباش يحضرون الزبّاد فى قرون الأبقار، و هم يبيعونه بواقع أربعة قروش للجرام الواحد، كان ذلك فى العام 1814 الميلادى. العنبر يباع أيضا فى هذه الدكاكين، و أفضل أنواع العنبر يباع بدينارين للمثقال الواحد. و الذى يشترى العنبر هنا هم الحجاج الهنود و الحجاج الفارسيون.

ساعاتى واحد، و هو تركى الأصل. كل تجار مكة و جدة يحملون ساعات، و الكثير من تلك الساعات من النوع الإنجليزى جيد الصنع، هذه الساعات تجلب من الهند أو قد يأتى بها الحجاج من إسطنبول، و نظرا لأن الحجاج الأتراك قد يحتاجون إلى المال فى الحجاز، فهذا يضطرهم إلى التفريط فى أشيائهم الثمينة، و غالبا ما تكون الساعة أول ما يفرط فيه الحاج التركى، ثم بعد ذلك المسدس، و من بعده الخنجر المعقوف، و أخيرا الغليون الفاخر، ثم بعد ذلك طبعته المفضلة من القرآن. هذه السلع و الأدوات غالبا ما توجد بكثرة فى أسواق المزاد فى كل من جدة و مكة.

دكان واحد يبيع غلايين التبغ التركية و الفارسية. الغلايين الفارسية تأتى رأسا من بغداد، و الأثرياء من الناس يتباهون فى غرف جلوسهم بمجموعة كبيرة من النرجيلات الفاخرة، كل واحدة من هذه النرجيلات تكلف حوالى مائة دولار.

سبعة دكاكين للصرافة. هؤلاء الصيارفة يجلسون فوق مقاعد فى عرض الشارع، و أمامهم صندوق يحتوى على النقود، فى الماضى كان كل هؤلاء الصيارفة من اليهود، و الحال لا يزال على ما كان عليه، اللهم إلا باستثناء بعض الحالات فى كل من القاهرة و دمشق و حلب، لكن بعد أن طرد الشريف سرور اليهود من الحجاز، راح أهل جدة أنفسهم يمارسون هذه المهنة التى يميلون إليها بطبيعتهم، على كل طاولة من طاولات الصيارفة توجد مجموعة من الأشخاص لا يقلون عن ستة أفراد. و ممارسة هذه المهنة تحتاج إلى مبالغ نقدية كبيرة، و مع ذلك فهى مهنة مربحة. قيمة النقود هنا سريعة التغير عن سائر أنحاء الشرق الأخرى التى أعرفها. أسعار الدولار و السكوينات تكاد تتغير كل يوم، و يحرص الصيارفة على أن يكونوا هم الرابحون دوما. طوال فترة بقاء

70

الأسطول الهندى فى الميناء ترتفع قيمة الدولار ارتفاعا كبيرا جدا. عندما كنت فى جدة ارتفع سعر الدولار ليصل إلى اثنى عشر قرشا، و بعد رحيل الأسطول الهندى و بعد أن يقل الطلب على الدولار ينخفض السعر. فى شهر يناير من العام 1815 الميلادى كان سعر الدولار تسعة قروش. تختلف قيم العملات الذهبية فى ضوء اختلاف قيمة الدولار.

فيما قبل كانت العملات المعدنية السائدة فى الحجاز هى السكوين البندقى و السكوين المجرى و الدولار الإسبانى و النقود المسكوكة فى إسطنبول. كانت العملات المصرية كلها مستبعدة (*)، لكن اعتبارا من وصول قوات محمد على باشا أصبحت كل عملات القاهرة المعدنية يجرى تداولها بطريقة قسرية، يضاف إلى ذلك أن النقود الفضية المصرية تحتل المرتبة الثانية بعد الدولار الإسبانى. أساء باشا مصر، الذى له حق سك النقود، أساء مؤخرا استعمال هذا الحق؛ فى العام 1815 الميلادى أصدر الباشا أوامر لدار سك النقود بسك مبلغ يقدر بحوالى 7 ملايين قرش أى ما يعادل حوالى مائتى ألف جنيه إنجليزى- حسب سعر الصرف-، و أجبر الناس على دفع ثمانية قروش نظير الدولار، على الرغم من معرفة الجميع أن الدولار يساوى اثنين و عشرين قرشا أو ثلاثة و عشرين. فى الحجاز لم تكن لدى باشا مصر وسائل تمكنه من فرض إجراءاته التعسفية المستبدة، و قد تصادف أن كان الدولار فى المناطق الداخلية من الحجاز، التى تتمركز فيها القوات التركية، يساوى ما يتردد بين ثمانية عشر قرشا و تسعة عشر. يزاد على ذلك أن البدو يرفضون التعامل بالقروش المصرية، حتى لو انخفضت قيمتها، و يرفضون قبول أى شى‏ء سوى الدولارات، هذا التصميم أجبر الباشا على الاستسلام أمامه فى كثير من الأحيان.

____________

(*) نقلا عن مؤرخى مكة، يبدو أن الأشراف كان لهم امتياز حق سك العملات الخاصة بهم تحت اسم سلطان إسطنبول، كان ذلك فى أواخر القرن السابع عشر، لكن هذا الامتياز لم يعد قائما فى الوقت الحالى.

71

البارة، أصغر العملات المعدنية التركية (الناس هنا فى جدة يسمونها الديوانى) هى القطعة المعدنية الشائعة فى سائر أنحاء الحجاز، و عليها طلب كبير، باعتبارها أكثر ثباتا من الناحية القيمية عن القرش، و ذلك على الرغم من أنها (البارة) تسك هى الأخرى فى القاهرة. القرش يساوى 40 بارة، لكن فى موسم الحج، عندما يكثر الطلب على الفكة الصغيرة اللازمة للتنقلات اليومية للحجاج فإن الصيارفة يصرفون القرش بخمس و عشرين بارة. هناك بعض الروبيات الهندية فى سوق جدة، لكن هذه الروبيات لا يجرى صرفها أو فكها، لم يحدث مطلقا أن التقيت أو شاهدت عملات معدنية مسكوكة بأوامر من إمام اليمن.

فى هذا الشارع الرئيسى نفسه توجد عشرة دكاكين كبيرة أو بالأحرى عشر وكالات عامرة دائما بالغرباء و البضائع، كانت تلك الدكاكين أو الوكالات ملكا للشريف، لكن حاليا أصبحت من ممتلكات الباشا الذى يفرض إيجارا سنويا على التجار. فى سوريا يطلق على هذه الوكالات اسم خانات، و فى الحجاز يسمونها حوش، و هى بالعامية المصرية تعنى" فناء".

فى شارع مجاور للشارع الرئيسى تعيش قلة قليلة من الحرفيين: الحدادين و سباكى الفضة و النجارين و بعض القصابين .. إلخ، و السواد الأعظم منهم من المواطنين المصريين.

سوف يلاحظ القارئ من الصفحات السابقة، أن جدة تعتمد اعتمادا كليا فى وارادتها، أو بالأحرى على تلك الواردات التى تأتى من مصر أو من جزر الهند الشرقية، و هذا هو أيضا حال معظم السلع التافهة. الافتقار إلى الأيدى العاملة، و ارتفاع أسعار العمل اليدوى، و كذلك التكاسل و عدم الجد الكامن فى المواطنين فى الحجاز، كل ذلك حال بين هؤلاء المواطنين و بين إقامة أى نوع من أنواع الصناعة، اللهم إلا باستثناء السلع التى لا غنى عنها، من هنا نجد أن سكان الحجاز على طرفى نقيض من العرب السوريين و العرب المصريين، الذين يتميزون بالجد، و الذين- على الرغم من الصعاب التى تعترض طريقهم بفعل الحكومة- أقاموا العديد من الصناعات‏

72

التى تجعلهم فى بعض أجزاء البلاد مكتفين تماما عن الواردات الأجنبية ... سكان الحجاز يبدون و كأنهم ليس لهم سوى حرفتين: التجارة ورعى الماشية. التجارة تشغل بال الحضر جميعهم، و لا يستثنى من ذلك العلماء، أو أولى العلم. كل واحد من الحضر يحاول استخدام رأس المال الذى بحوزته أيا كان، فى تجارة مفيدة، كما يتمكن من العيش دون بذل مجهود بدنى كبير، و السبب فى ذلك أن أهل الحجاز يعارضون المجهود البدنى مع أنهم يتحرقون شوقا لتحمل كل القلق و المخاطر التى لا تنفصل عن التجارة. يصعب أيضا العثور على أشخاص يقومون بالعمل العام الذى يؤديه الحمالون .. إلخ. أما هؤلاء الذين لهم مهن شبيهة بتلك المهن فهم أصلا من الأجانب، أو بالأحرى من مصر أو سوريا، و من الحجاج الزنوج، العرق الوحيد من أعراق الجزيرة العربية الذى وجد أفراده مجدّون خلافا لبقية الأعراق الأخرى هم أهل حضرموت، أو الحضارمة كما يقول لهم الناس. كثير من هؤلاء الحضارمة يعملون خدما فى بيوت التجار و بوابين و مراسلين، و حمالين، و هم مفضلون فى هذه الحرفة على غيرهم نظرا لأمانتهم وجدهم. كل مدينة كبيرة من مدن الشرق لها جنسية خاصة، أفرادها هم الذين يقومون بأعمال الحمالين، فى حلب نجد أن من يقومون بأعمال الحمالين هم الأرمن الذين يجيئون من جبال آسيا الصغرى، و الطلب عليهم كبير فى هذه المهنة، فى دمشق نجد أن سكان جبل لبنان هم الذين يقومون بأعمال الحمالين، فى القاهرة نجد البرابرة النوبيين هم الذين يقومون بهذه الأعمال، و فى مكة و جدة يقوم الحضارمة بهذا العمل. هؤلاء الحضارمة شأنهم شأن السوريين يعدون متسلقين ممتازين للجبال. معروف أن مؤهلات شبيهة هى التى أهلت أبناء بلدى متسلقى جبال الألب لأن يقوموا بالدور نفسه فى باريس. هناك تشابه واضح بين مواطنى هذه البلاد كلها. جرت العادة أن يعود مثل هؤلاء الناس إلى مواطنهم و معهم مكاسبهم، ليمضوا بقية حياتهم مع أسرهم. على الرغم من هذا المصدر هناك حاجة ماسة إلى الخدم فى الحجاز، لا أحد من أولئك الذين ولدوا فى المدن المقدسة على استعداد للعمل بالأعمال الوضيعة، إلا إذا كان دافعه إلى هذا العمل هو الخوف من الموت جوعا، و ما إن يتحسن حال مثل هذا المواطن حتى يتوقف عن العمل، و يتحول إلى بائع جائل أو إلى‏

73

شحاذ. عدد الشحاذين فى كل من مكة و جدة كبير جدا، و تجار جدة كلهم يعلمون أن الجداوى لا يمكن أن يلجأ مطلقا إلى العمل طالما كان قادرا على الإبقاء على رمق الحياة فيه عن طريق الشحاذة و سؤال الناس. التسول أمر يشجع عليه الحجاج الذين يبالغون فى استعراض إحسانهم فور نزولهم على هذا الجزء من الأرض المقدسة.

فيما يتعلق بأهل جدة و طبيعتهم، أجد أن الفرصة مهيأة لإبداء بعض الملاحظات على وصفى لسكان مكة الذين يشبهون سكان جدة. واقع الأمر أن الأسر المحترمة لها منازل فى المدينتين، و غالبا ما تنتقل تلك الأسر بين هذه المنازل.

جدة يحكمها باشا بثلاثة شرائط، و يجى‏ء فى مقدمة السواد الأعظم من الباشوات الآخرين، و سبب ذلك هو ارتباط ذلك المكان بالأراضى المقدسة، لكن حكومة جدة لا تعد تكريما أو تشريفا من وجهة نظر الأعيان من الأتراك، الذين ينظرون إلى جدة دوما باعتبارها منفى و ليست مكانا مفضلا، و غالبا ما كان حكم جدة يسند إلى السياسيين أصحاب السمعة السيئة. و الباشا لا يعد نفسه مجرد وال على جدة أو حاكما عليها، و إنما هو حاكم أو وال على سواكن و على الحبش، و من باب تعزيز ذلك اللقب يحاول الباشا التحكم فى موظفى الجمارك الذين كانوا يعتمدون، قبل حكم محمد على باشا، اعتمادا كليا على الشريف.

أدت سلطة شريف بك إلى التقليل إلى حد كبير من أهمية باشوية جدة، و تحول اللقب إلى مجرد تمييز من الناحية الشرفية ليس إلا لحامل ذلك اللقب، فى الوقت الذى كان يقيم فيه فى إحدى المدن التركية أو فى إسطنبول، دون أن يحاول تولى سلطة الحكم. كان هناك استثناء فى العام 1803 الميلادى، عندما جلا الفرنسيون عن مصر، إذ سافر شريف باشا إلى جدة و معه قوة مكونة من أربعمائة جندى أو خمسمائة، لكنه مثل من سبقوه أصبح مجرد أداة للشريف غالب، و فى العام 1804 الميلادى انتهى مستقبل شريف باشا العملى بعد أن لقى ربه بصورة مفاجئة، و كان ذلك مصير كثير من الباشوات الذين سبقوه فى جدة و فى مكة.

74

بناء على أوامر من السلطان الذى جرى الاعتراف بسلطته الاسمية على الحجاز إلى أن حدث الغزو الوهابى الأخير، كان الدّخل الناتج عن الجمارك التى يجرى تحصيلها من جدة يتم تقسيمها بالتساوى بين الباشا و شريف مكة، فى حين يتولى الباشا حكم المدينة كلها. و عندما بدأ الأتراك فى إخضاع آسيا كان الشريف يحصل على ثلث ذلك الدّخل فقط، و لم يحصل الشريف على نصف هذا الدخل الجمركى إلا فى العام 1042 الهجرى‏ (*)، و عقب ذلك مباشرة لم يغتصب الشريف غالب حكم جدة فقط، و إنما حصل الجمارك لحسابه الشخصى، و أصبح الباشا يعتمد على ما يعطيه الشريف غالب إياه.

عقب وفاة شريف باشا مباشرة اضطر الشريف غالب إلى تسليم مكة للوهابيين، بعد أن حاصره سعود فى جدة فى العام السابق، و سرعان ما أعلن الشريف غالب على الملأ ولاءه و اتباعه للمذهب الوهابى، على الرغم من أنه كان لا يزال مسيطرا على جدة كلها، و على المداخيل التى تأتى من جماركها، و التى كانت تشكل المصدر الرئيسى لدخل هذا الرجل. لم يدخل الوهابيون المدينة التى أعلنت على الملأ اتباعها لمذهبهم الدينى، و هنا اضطر الجنود الأتراك إلى التراجع فى اتجاه مصر، أو أى مكان آخر، و اعتبارا من ذلك التاريخ و إلى العام 1811 الميلادى جرى استبعاد السلطة التركية استبعادا تاما عن الحجاز.

فى العام 1811 الميلادى بدأ محمد على باشا عملياته ضد الوهابيين، بإرسال مجموعة من الجند بقيادة ولده طوسون بك الذى انهزم فى المنطقة ما بين اليمن و المدينة المنورة، كانت الحملة أو العملية الثانية التى وقعت فى العام 1812 الميلادى أكثر نجاحا من سابقتها، ففى الوقت الذى استولى فيه طوسون بك فى شهر سبتمبر من ذلك العام على المدينة المنورة، واصل مصطفى بك صهر محمد على باشا، سيره مباشرة بالخيالة التى كانت تحت قيادته إلى كل من جدة و مكة ثم الطائف،

____________

(*) راجع العصمى، تاريخ الحجاز.

75

و استسلمت المدن الثلاث دون إراقة الدماء. كان الشريف غالب، اعتبارا من لحظة تخوفه من احتمال نجاح الحملة التى يقوم بها مصطفى بك، قد سارع إلى الدخول فى مراسلات سرية مع مصر، الأمر الذى جعله يعلن على الملأ أنه صديق للأتراك الذين دخلوا جدة دخول الأصدقاء، و سرعان ما أسبغ الباب العالى لقب باشا جدة على طوسون ولد محمد على، و ذلك نظير خدماته التى قدمها للباب العالى. سوف آتى على ذكر تفاصيل هذه الحرب فى موضع آخر، و لذلك لن أتطرق هنا إلا إلى الحقيقة التى مفادها أنه بعد دخول العثمانيين- أو إن شئت فقل الأتراك- جدة نشبت مشاجرة بين الباشا و الشريف غالب حول الجمارك التى كان قد تقرر تقسيمها بينهما، لكن نظرا لأن الباشا كان هو صاحب القوة الأكبر، فقد احتفظ بالجمارك كلها لنفسه، و ألقى القبض على الشريف غالب و أرسله أسيرا إلى تركيا. و اعتبارا من ذلك التاريخ أصبحت المدينة كلها تحت تصرفه و إمرته، و لم يكن الشريف الجديد المدعو يحيى سوى موظف على كشوف مرتبات طوسون باشا.

كانت جدة فى زمن الشريف غالب تحكم بواسطته عندما يقيم فيها، أو بواسطة موظف يدعى الوزير عندما كان الشريف غالب يتغيب عن المدينة، فى حين جرى إسناد تحصيل الجمارك إلى موظف آخر، كانوا يطلقون عليه اسم الجمركى كما أسند شرطة الميناء إلى أمير البحر و أمير البحر هذا لقب يساوى مدير الميناء، فيما بعد أصبح الوزير عبدا أسود من عبيد الشريف غالب، و كان الناس يكرهونه لتعاليه و كبريائه و أسلوبه الاستبدادى. كانت إقامة الشريف غالب فى جدة مسألة جد نادرة، و سبب ذلك أن مؤمرات الرجل المستمرة مع البدو، و كذلك تآمره على القبائل الوهابية حتمت عليه البقاء فى مكة، ذلك الموقع المركزى المهم.

لم يغير العثمانيون شكل الحكم الذى كان سائدا فى زمن الشريف غالب.

و تصادف أن طوسون باشا لم يستطع الإقامة فى عاصمته إلا نادرا؛ نظرا لأنه كان دوما تحت إمرة والده الذى كان يتلقى من الباب العالى التعليمات و التوجيهات الكاملة

76

الخاصة بحرب الحجاز و التصرف فى موارد ذلك البلد. و قد جرت الإفادة من طوسون عن طريق تجواله بالقوات التى كانت تحت قيادته إلى أن عاد إلى القاهرة فى خريف العام 1815 الميلادى و اعتبارا من العام 1812 الميلادى أصبح الآمر (القائد) العسكرى يقيم فى جدة بصورة دائمة، و معه حامية قوامها مائتا رجل أو ثلاثمائة رجل، التى حرص الباشا على تغييرها كل ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، هذا الآمر العسكرى كان اسمه سيد على أو جقلى، و قد أوكل إليه تحصيل الجمارك، و تنظيم شئون الحياة المدنية، و المراسلات مع كل من القاهرة و مكة، و نقل الجنود، و المخزونات و المستودعات، و كذلك التجارة الحكومية بين مصر و جدة، كما أوكلت إلى ذلك الرجل أيضا مسئولية خزانة الباشا. كان والد سيد على أوجقلى، من آسيا الصغرى، و كان من الفيلق الإنكشارى (الأوجاك)، الأمر الذى أضفى على ولده لقب أوجقلى، و تجار جدة يكرهون هذا الأوجقلى، نظرا لأنهم ما زالوا يتذكرون ذلك الرجل عندما كان يبيع المكسّرات فى الشارع قبل عشرين عاما. فى زمن حكم الشريف غالب كان يستخدم ذلك الرجل فى أعماله التجارية الخاصة، و نظرا لأن سيد أوجقلى كان صاحب مواهب كثيرة و نشاط كبير، إضافة إلى معرفته الجيدة للغة التركية، لم يكن أمام محمد على باشا رجل آخر يمكن وضعه فى ذلك المنصب الذى يحتله هذا الرجل حاليا. دخل جدة العام يتمثل فى المتحصلات التى تأتى من الجمارك بصفة أساسية، و هذه الجمارك يطلق عليها هنا اسم العشور، هذه العشور فى ضوء ما قيل لى تعادل عشرة فى المائة يجرى تحصيلها على البضائع المستوردة بكل أنواعها، لكن فى ضوء العبث الذى سار زمنا طويلا جرى رفع هذه النسبة إلى ما هو أعلى من عشرة فى المائة على بعض السلع، فى حين كانت السلع الأخرى تدفع أقل من ذلك. فى أواخر حكم الشريف كانت الجمارك على قنطار البن بواقع خمسة دولارات للقنطار الواحد، و هذا ما يعادل ما يتردد بين خمسة عشر فى المائة و عشرين فى المائة من ثمن القنطار، التوابل تدفع جمركا يقل عن عشرة فى المائة، البضائع الهندية التى تباع بالقطعة أو بالأموال تدفع‏

77

جمارك أكثر من ذلك. هذا يعنى أن هناك تباينات كبيرة فى فرض الجمارك، كما أن مسئول الجمارك بوسعه محاباة أصدقائه و معارفه دون أن يتعرض للمساءلة.

بعد اعتناق الشريف للمذهب الوهابى تناقص دخله تناقصا كبيرا، و سبب ذلك أن سعود رئيس الوهابيين أصر على حتمية مرور بضاعة أتباعه بلا رسوم جمركية، الأمر الذى أدى إلى إعفاء القسم الأكبر من تجارة البن من الرسوم الجمركية. بلغنى من شخص من أولئك الذين يطلعون على الحقائق، أن الرسوم الجمركية التى جرى تحصيلها فى جدة فى العام 1814 الميلادى قدرت بحوالى أربعة آلاف دولار، و هو ما يساوى ثمانية آلاف كيس، أو ما يقرب من أربعة ملايين قرش، يمكن أن تغطى واردات سنوية مقدارها أربعة ملايين دولار، و هذا المبلغ يقل عن الواقع كثيرا، الجمارك يجرى فرضها بنفس النسبة المعمول بها فى بوابتى المدينة التى تسمى إحداهما باسم باب مكة و الثانية باب المدينة (المنورة)، و أن هذه الرسوم تفرض على كل أنواع المؤن و التموينات التى ترد من داخل البلاد، و بخاصة الماشية و الزبد و التمور و بخاصة فى وقت السلم، عندما لا يتوقف الاتصال مع داخل البلاد. أهل المدينة لا يدفعون أى نوع آخر من العشور غير هذه الرسوم الجمركية.

طوال مقامى فى الحجاز كانت جدة بمثابة مستودع رئيسى للجيش التركى؛ فقد كان فيها مخزن كبير للقمح تابع للباشا، و كان ذلك المخزن يستقبل إمدادات يومية من مصر، و كان يجرى يوميا إرسال قوافل إلى كل من مكة و الطائف، و تزايدت تجارة جدة تزايدا كبيرا بسبب احتياجات الجيش و منسوبيه. و جرى تنظيم الشرطة فى جدة تنظيما جيدا، و كان الباشا قد أصدر تعليمات صارمة لقواته تقضى بحتمية عدم ارتكاب المخالفات أو إساءة المعاملة، نظرا لأنه كان يعرف جيدا أن أهل الجزيرة العربية من أصحاب الذهن الصافى لا يمكن أن يستكينوا لسوء المعاملة مثلما يفعل المصريون، و عندما كانت تحدث مشاجرات بين العرب و الأتراك كان العرب ينصفون بشكل عام، و لم يمارس الظلم أو القهر تحت أى مسمى من المسميات على الأفراد، فيما عدا استيلاء الباشا على مجموعة قليلة جدا من المنازل الفاخرة، التى استخدمها

78

مساكن لزوجاته. و مع ذلك عانى التجار كثيرا من المصاعب، مثلما كان الحال فى زمن الشريف غالب، حيث عانوا من الرسوم الجمركية التعسفية، كما عانوا أيضا من حتمية شرائهم كل أنواع البضائع من الباشا فى كثير من الأحيان، الباشا الذى كان يشغف- عندما يكون فى الحجاز- بالتجارة شغفه بأعماله العسكرية، لكن بعد تقييم مزايا نظام الحكم و عيوبه، نستطيع القول إن أهل جدة كسبوا الكثير من العثمانيين، و ليس من الغرابة فى شى‏ء القول إن أحدا من العرب، سواء كان غنيا أو فقيرا، لم يكن مرتبطا بسادته الجدد أو محبا لهم، و كان الناس جميعا نادمين على إنهاء حكم الشريف غالب. و لا يمكن عزو هذا كله إلى جماهير الدهماء الذين يوجدون بين رعايا الباب العالى أكثر مما يوجدون بين رعايا أية أمة من الأمم الأوروبية. الحكام العثمانيون أو بالأحرى الباشوات يتغيرون بصورة مستمرة، و كل واحد منهم يتحول إلى حاكم أعلى، الأمر الذى يولد الشكوى و الكراهية و الاستياء بين الناس، و إذا كان التتابع السريع للحكام (الباشوات) يوحى للناس بأمل سرعة التخلص من المستبد الحاكم، و يتطلعون لحدوث ذلك بكل الفرح و السرور، فإنهم يفعلون ذلك من معرفتهم بأن الأشهر الأولى من حكم الباشا الجديد تتسم عادة بالرحمة و العدل.

أهل الجزيرة العربية فخورون بأنفسهم، و هم أمة ذات روح معنوية عالية، و هذا القول ينسحب أيضا على سكان المدن، على الرغم من ذيوع الطابع البدوى الفاسد بين هؤلاء السكان الذين ينتمون إلى ذلك العرف المتفسخ و المنحل. هؤلاء الناس يحتقرون الأمة التى لا تتكلم العربية، أو التى تختلف سلوكياتها عن سلوكياتهم، و قد اعتادوا منذ زمن طويل النظر إلى الأتراك باعتبارهم أناسا منحطين، حيث كانوا يرتجفون رعبا من الشريف كلما كانوا يدخلون الحجاز. يزاد على ذلك أن مراسم البلاط التركى الاحتفائية لم يجر تكييفها لتناسب العادات و الأفكار الراسخة عند رعايا محمد على باشا الجدد، و كان الشريف بكل قوته شبيها بشيخ بدوى كبير، يخضع لمن يتكلم بجرأة و يستعمل لغة خشنة فى معظم الأحيان. الباشا التركى يجرى التقرب منه بأبشع أشكال العبودية و الذلة، قال أحد تجار الحجاز و هو يتكلم معى:" إن الشريف غالب‏

79

عندما كان يريد قرضا، كان يرسل فى طلب ثلاثة منا أو أربعة، و نجلس نتحادث معه على امتداد ساعتين، و يصل الأمر إلى حد العراك بصوت عال، و كنا ننجح دوما فى تقليل المبلغ إلى ما هو أقل من المطلوب، و عندما كنا نذهب إلى الشريف فى الأمور العادية كنا نتحدث إليه مثلما أتحدث أنا معك الآن، أما الباشا فكان يجعلنا نظل وقوفا أمامه بطريقة مهينة، شأننا فى ذلك شأن العبيد من الأحباش، و كان ينظر إلينا كما لو كنا مخلوقات أدنى منه". و يخلص التاجر من كلامه قائلا:" أنا أفضل دفع غرامة للشريف بدلا من دفعها للباشا التركى".

معرفة الأتراك الضئيلة للغة العربية و نطقهم السيئ لهذه اللغة، حتى و هم يقرأون القرآن، و جهل الأتراك بالجزيرة العربية و عاداتها التى لا يراعونها فى تصرفاتهم و أعمالهم، تعد من بين الأسباب المتعددة الأخرى لكراهية أهل الجزيرة العربية للأتراك و احتقارهم إياهم. الأتراك يبادلون ذلك الاحتقار باحتقار مماثل و كراهية أكثر، و من لا يتكلم لغة الجندى التركى أو يحاكيه فى اللباس يدخل فى عداد الفلاحين، ذلك المصطلح الذى درج الأتراك على إطلاقه على الفلاحين المصريين، باعتبارهم مخلوقات فى أحط درجات العبودية و القمع. كراهية الأتراك للعرق العربى أكبر و أشد، و سبب ذلك أن الأتراك لا يستطيعون الانغماس فى نزعتهم الاستبدادية و البذاءة و سلاطة اللسان مثلما يفعلون فى مصر، و ذلك لقناعة هؤلاء الأتراك بحكم الخبرة و التجربة أن مواطن الجزيرة العربية سوف يضرب إذا ما ضرب. أهل الجزيرة العربية يرمون الأتراك بالخيانة، فقد ألقوا القبض على الشريف غالب و أرسلوه إلى تركيا بعد أن أعلن استسلامه للباشا، و بعد أن سمح للجنود الأتراك باحتلال جدة و مكة، هؤلاء الجنود يقرون و يؤكدون أنه لو لا مساعدة الشريف لما استطاعوا التقدم فى الجزيرة العربية، و لما أصبح لهم موطئ قدم فيها.

مصطلح" خائن" يطلق على كل الأتراك الذين فى الجزيرة العربية، فى ظل ما يشتهر به العرب من التباهى بالثقة بالنفس و التفوق، و قد اكتشفت الطبقات الدنيا من العرب تأكيدا خياليا للاتهام الذى يوجهونه للأتراك، اكتشفوا ذلك من اللقب‏

80

" خان" الذى هو من بين الألقاب التى يمنحها الباب العالى. كلمة" خان" واحدة من كلمات التتار القديمة، هذه الكلمة تعنى فى العربية" الخيانة"، أو بالأحرى هى الفعل الماضى للفعل المضارع" يخون"، و هم يدعون أن أحد أسلاف السلطان بعد أن خان ابقا لجأ إليه، أطلق عليه نعت هو" السلطان خان" و أن هذا اللقب احتفظ به من جاءوا بعده لجهلهم باللغة العربية.

و إذا ما تدهورت قوة الأتراك فى الحجاز، و سوف يحدث ذلك عندما لا يجرى توجيه موارد مصر إلى تلك النقطة بواسطة محمد على الذى يمتلك مصر بلا منازع، فإن العرب سيثأرون لأنفسهم من الخضوع الذى يعيشون فيه، و سوف ينتهى الحكم العثمانى فى الحجاز بكثير من المشاهد الدموية.

الطريق من جدة إلى الطائف‏ (*)

فى اليوم الرابع و العشرين من شهر أغسطس من العام 1814 الميلادى، (المصادف للحادى عشر من شهر رمضان من العام 1230 الهجرى) بدأت تحركى من جدة فى ساعة متأخرة من مساء ذلك اليوم، و بصحبتى مرشد و عشرين جمالا من قبيلة حرب، كانوا يحملون النقود من جدة قاصدين خزانة الباشا فى مكة. بعد أن تركنا حدود مدينة جدة التى يمر الطريق عندها ببعض التلال الرملية، و التى توجد بينها مقبرة السكان، سرنا خلال سهل رملى شديد الجدب، يرتفع ارتفاعا متدرجا فى اتجاه الشرق، هذا الطريق خال من الشجر و مشبع تماما بالملح على بعد حوالى ميلين من المدينة. و بعد مسير دام ثلاث ساعات دخلنا منطقة عامرة بالتلال فيها مقهى على شكل كوخ بالقرب من بئر يدعونها رغام. واصلنا مسيرنا فى واد رملى واسع عامر بالرمال‏

____________

(*) لم أستطع أن آخذ معى متعلقاتى فى هذه الرحلة، و السبب فى ذلك أن البوصلة الوحيدة التى كانت معى و التى خدمتنى طوال رحلتى فى النوبة أصبحت عديمة النفع، و لم تتهيأ لى فرصة استبدال بوصلة أخرى إلا فى شهر ديسمبر من هذا العام، عندما حصلت على بوصلة أخرى بها من سفن بومباى التى وصلت إلى جدة.

81

يقع بين هذه التلال التى هى خليط من التلال الرملية و التلال الصخرية، و بعد أن سرنا مدة خمس ساعات و نصف الساعة توقفنا فترة قصيرة عند كوخ من أكواخ القهوة و بئر يسمونها البياضية. ماء هذه الآبار ليس عذبا. اعتبارا من هذا المكان، و فى خلال ساعة و نصف الساعة، (أى بعد مسير دام سبع ساعات منذ أن بدأنا الرحلة) وصلنا محطة أخرى شبيهة بالمحطات السابقة و يسمونها الفراينة، و لحقنا عندها بقافلة من قوافل الحجاج الذين كانوا يرافقون البضائع و المؤن و التموينات المرسلة للجيش، كانت تلك القافلة قد غادرت جدة قبلنا فى فترة المساء. أكواخ القهوة عبارة عن أكواخ بائسة مبنية من الخشب، هذه المقاهى الكوخية لا تقدم شيئا سوى القهوة و الماء. يقال إنه كان هناك حوالى اثنى عشر مقهى على ذلك الطريق، و إن تلك المقاهى كانت تقدم المرطبات و المسليات بكل أنواعها للمسافرين من جدة إلى المدينة المقدسة، لكن لأن الرحلة تتم أثناء الليل فى أيامنا هذه، و نظرا أيضا لأن الجنود الأتراك لا يدفعون ثمن أى شى‏ء إلا تحت الضغوط، فقد تخلى أصحاب هذه المقاهى عن القسم الأكبر منها، البقية الباقية من هذه المقاهى يقوم على أمرها بعض عرب قبيلة اللهيان، (اللهيان فرع من عرب هذيل)، و المطارفة الذين هم أسر بدوية، و يعيشون مع قطعانهم بين التلال.

و اعتبارا من الفرانية ينفتح كل من الوادى و التلال، و يتحولان على الجانبين، و يتزايد ارتفاعهما تزايدا كبيرا. و بعد أن سرنا ثمانى ساعات، و مع شروق الشمس وصلنا إلى بحرة، و هى عبارة عن مجموعة من حوالى عشرين كوخا، تقع فى سهل يصل طوله إلى مسير حوالى أربع ساعات، و عرضه حوالى ساعتين، و يمتد فى اتجاه الشرق، فى بحرة يوجد الماء وفيرا فى الآبار، و بعض هذا الماء عذب و البعض الآخر مالح. و فى صف من الدكاكين التى يبلغ عددها عشرة، يباع الأرز و البصل و الزبد و التمور و البن بسعر أعلى بنسبة ثلاثين فى المائة عن سعر استلام البن فى جدة، و هذا هو ما يطلق عليه العرب اسم السوق، و هناك أماكن أخرى كثيرة شبيهة بهذا المكان، فى كل محطة من المحطات التى فى هذه السلسلة الجبلية إلى أن تصل اليمن. كانت هناك بعض الخيالة التركية متمركزة فى بحرة لحراسة الطريق. بعد أن مشينا مدة ساعتين أخريين فى‏

82

السهل، توقفنا بعد عشر ساعات من جدة، فى منطقة الهدا، التى هى سوق مثل السوق السابقة. فيما بين بحرة و الهدا، و على تلّة منعزلة فى السهل، توجد أنقاض بعد التحصينات القديمة.

اليوم الخامس و العشرون من شهر أغسطس، هذه هى القافلة القادمة من جدة إلى مكة تنال قسطا من الراحة أثناء النهار فى بحرة أو فى الهدا، و بذلك تتصرف تصرف عرب الحجاز الذين لا يسافرون إلا أثناء الليل. هذا يجرى صيفا و شتاء، لا من أجل تجنب الحرارة، و إنما لتهيئة الفرصة للإبل كى ترعى بعض الوقت، نظرا لأن الإبل لا تأكل أثناء الليل. هذه المسيرات الليلية لا تناسب مطلقا أبحاث الرحال، الذى يعبر البلاد فى وقت لا يستطيع فيه ملاحظة الأشياء، و أثناء النهار يكون الإرهاق و الرغبة فى النوم سببين كافيين للحيلولة دون العمل.

حططنا رحالنا فى الهدا تحت تعريشة واسعة من كهوف القهوة، حيث وجدت جماعة متباينة من الأتراك و العرب فى طريقهم إما من مكة و إما إليها، كان كل واحد من هذه الجماعة ممددا على سجادته الصغيرة. كان بعض التجار قد أحضروا من الطائف سلة من العنب، و على الرغم من أنى كنت لا أزال استشعر الضعف من الحمى التى أصابتنى، فإننى لم أستطع مقاومة الإغراء، و أمسكت بقليل من حبات العنب نظرا لأن السلة ما إن فتحت حتى انهالت عليها الجماعة كلها، و سرعان ما التهموا السلة كلها، و جرى بعد ذلك دفع الثمن لصاحب العنب. الهدا هى ميقات الجداويين الذين ينوون الذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج، هذا يعنى أنهم يرتدون ملابس الإحرام فى الهدا. الشريعة الإسلامية تحتم على كل من يذهب للحج ارتداء ملابس الإحرام، بغض النظر عن منزلته أو مكانته بين الناس، و هذا يعنى أيضا أن من يدخل تلك المدينة المقدسة لا بد أن يكون مرتديا ملابس الإحرام، سواء أكان قادما للحج أم لأى غرض آخر (*)، و لا يمكن التحرر من ملابس الإحرام إلا بعد زيارة المسجد الحرام. كثير من‏

____________

(*) الإحرام فرض على الحاج و المعتمر فقط. (المراجع)

83

الناس ينتهكون هذا الشرط، لكن المكى الأصيل لا يمكن أن يذهب إلى جدة دون أن يحمل معه ملابس الإحرام، و عند عودته من جدة يرتدى ملابس الإحرام فى الميقات المحدد. فى فترة العصر يقوم بعض الجنود الأتراك بارتداء ملابس الإحرام طبقا للطقوس سالفة الذكر، التى تتمثل فى أداء الحاج ركعتين، ثم التلبية، و نظرا لأن الوقت وقت حرب، فقد واصل الجنود حمل أسلحتهم و هم يرتدون ملابس الإحرام.

فى فترة العصر قام صاحب المقهى بتخزين المؤن التى أحضرتها معى، و المؤن الخاصة بباقى أفراد الجماعة. حدث اضطراب كبير فى سائر أنحاء المكان، و لم يحاول أحد منا أن ينام. عقب وصولنا مباشرة مرت على المكان جماعة من الجنود، نصبوا خيامهم على مسافة بعيدة عنا فى السهل، دخل هؤلاء الجنود المقاهى و أخذوا الماء العذب كله الذى جرى جلبه من بئر تبعد مسير حوالى نصف ساعة، و جرى الاحتفاظ به فى الهدا فى جرار كبيرة. أكواخ هذا العدد الصغير من السكان البائسين، و المعرضين لكل أنواع الخسائر و الإصابات التى تترتب على الحركة الدائمة للقوات، هذه الأكواخ يجرى بناؤها باستعمال أخشاب الأراك، على شكل مخروط، و لا يدخلها الضوء إلا من خلال مداخلها، فى هذا المدخل تتكدس الأسرة كلها فى غرفة واحدة. هذه المقاهى الكوخية المتعددة عبارة عن حظائر فسيحة، محمولة على أعمدة، فى حين يوجد و جار القهوة فى جانب من أجناب ذلك الكوخ. هذه الأكواخ عامرة بأعداد كبيرة من الفئران التى لم أر أكثر جرأة منها فى حياتى كلها.

غادرنا الهدا عند الساعة الخامسة مساء على وجه التقريب، واصلنا مسيرنا فى طريقنا عبر السهل، حيث التربة رملية و مختلطة بالطين فى أجزاء أخرى، و يسهل زراعتها عن طريق حفر الآبار. بعد مسير ساعة من الهدا شاهدنا على يسارنا فى السهل بعض النخيل، هنا، على حد فهمى، ينساب نهر صغير كان يروى بعض الحقول فى الزمن القديم، الأشجار هنا مهملة فى الوقت الراهن. تركنا السهل و انحرفنا عن مسارنا قليلا نحو الجنوب متجهين شرقا، لندخل من جديد منطقة من‏

84

التلال، و وصلنا بعد ساعتين من مسيرنا من الهدا إلى كوخ آخر من أكواخ القهوة، يطلق الناس عليه اسم الشميسة. جبل الشميسة يوجد خلف هذا الكوخ، جبل الشميسة هذا هو الجبل الذى جلب منه- على حد قول مؤرخى مكة- الرخام الذى صنعت منه أعمدة كثيرة فى المسجد الحرام. فى هذا الجبل، و بالقرب من كوخ القهوة توجد بئر، و من الشميسة سرنا بدوابنا فى واد واسع تنتشر فيه الرمال العميقة، كما أن فيه أيضا بعض الأشجار الشوكية. و على بعد مسير أربع ساعات من الهدا مررنا بقهوة سالم، كما مررنا أيضا على بئر، و عند قهوة سالم التقينا قافلة قادمة من مكة.

و الجبال فى هذه المنطقة قريبة جدا بعضها من بعض، إذ لا يفصل بينها سوى واد مستقيم ضيق جدا، تتقاطع معه وديان عدة أخرى على بعد مسافات متباينة. واصلنا مسيرنا إلى أن وصلنا الحجالية، و الحجالية هذه عبارة عن مقهى يبعد عن الهدا مسير سبع ساعات، و توجد بئر كبيرة بالقرب من هذا المقهى، و يحصل منه جمالو قافلة الحج السورية، على الماء سواء فى رحلة الذهاب أو العودة من مكة.

لما كنت لم أنعم بالنوم و لو للحظة واحدة منذ أن غادرت جدة فقد وجدتنى أستلقى أرضا على الرمل، و رحت فى سبات عميق إلى أن طلع النهار، فى حين راح رفاقى يواصلون مسيرهم إلى مكة. لم يبق معى سوى مرشدى وحده، لكن خوفه على سلامة إبله جعل عينيه لا ترى النوم. الطريق من جدة إلى مكة تتردد عليها دوما شخصيات مشبوهة، و نظرا لأن الناس هنا يسافرون أثناء الليل فإن ذلك يسهل على اللصوص سلب الشاردين أو التائهين و نهبهم. بالقرب من الحجالية توجد بعض الأنقاض و الخرائب المتبقية من قرية قديمة مبنية من الحجر، و فى الوادى توجد آثار أو بقايا زراعة قديمة.

السادس و العشرون من شهر أغسطس، بعد نصف ساعة من مسيرنا من الحجالية و وصلنا إلى مزرعة صغيرة من أشجار النخيل محاطة بسور. الطريق بدءا من هذه المنطقة إلى أن يصل مكة يقع على الجانب الأيمن و يدخل المدينة عن طريق الحى‏

85

الذى يسمونه جرول. كانت لدى مرشدى تعليمات تقضى بالوصول إلى الطائف عن طريق أحد الطرق الفرعية الذى يمر بشمالى مكة، هذا الطريق يتفرع فى منطقة الهدا، و يعبر الطريق القادم من مكة إلى وادى فاطمة،- و يتصل بالطريق الكبير القادم من مكة إلى الطائف من خلف وادى منى. قبل مغادرة الهدا مباشرة وجدت مرشدى، الذى لم يعرف عنى شيئا أكثر من أنى صاحب مصلحة عند الباشا فى الطائف، و أنى كنت ملتزما بكل مظاهر الحاج المسلم، و أننى كنت كريما معه قبل أن تبدأ رحلتنا، وجدت هذا المرشد يسألنى عن سبب صدور أوامر له بتوصيلى إلى المدينة من الطريق الشمالى، و أجبته أنه ربما كان ذلك من منطلق أن هذا الطريق أقصر من ذاك. رد على قائلا:" هذا خطأ، طريق مكة قصير جدا و أكثر أمنا، و إذا لم يكن لديك مانع، فسوف نسلكه". كان ذلك مبتغاى، على الرغم من احتراسى لعدم ظهور أى قلق حول هذا الموضوع، و ترتب على ذلك أن سلكنا الطريق الكبير بصحبة المسافرين الآخرين. و مع ذلك، و بدلا من أن يأخذنى من الطريق المعتاد الذى كان يمكن أن يجعلنى أمر خلال المدينة كلها، و نظرا أيضا لأنه لم يكن حريصا على إرضائى، فقد اقتادنى دون علم منى، من خلال طريق قصير، و بذلك حرمنى من فرصة مشاهدة المدينة كلها فى ذلك الوقت.

من" بيارة النخيل" الواقعة خلف الجمالية وصلنا خلال نصف ساعة السهل الذى جرت العادة أن تخيم فيه قافلة الحج السورية، و الذى أصبح الناس يسمونه الشيخ محمود، و ذلك تيمنا باسم أحد الأولياء الذى له قبر فى هذه المنطقة. هذا القبر جرى بناؤه فى وسط السهل، و القبر تحيط به بعض الجبال المنخفضة، و طول السهل يتردد بين ميلين و ثلاثة أميال، أما عرضه فيصل إلى ميل واحد، و هذا السهل مفصول عن وادى مكة بسلسلة ضيقة من التلال التى جرى شق طريق فوق صخورها، كلّف من شقوه عناء كبيرا. صعدنا من هذا الطريق، و مررنا على قمة التل على برجين من أبراج المراقبة بنيا على جانبى الطريق بواسطة الشريف غالب. و بينما كنا ننزل على الجانب الآخر من التل حيث الطريق الممهد، بدأ يطالعنا منظر مكة، و بعد مسير من الحجالية

86

دام ساعة و نصف الساعة دخلنا الحى الشرقى من مدينة مكة، بالقرب من قصر الشريف غالب (المرقوم 50 فى المخطط الملحق بهذا الكتاب). القسم الأكبر من مدينة مكة يقع على يميننا و هو مخبأ فى بعض أجزائه، بواسطة انحناءات الوادى. و نظرا لأنى كنت أعلم بحتمية عودتى إلى مكة لم ألح على مرشدى فى السماح لى برؤية منظر المدينة بكاملها، لأن ذلك كان سيحتم علينا الرجوع إلى الوراء مسافة حوالى ميلين فى الاتجاه العكسى، و هنا تغلبت على فضولى و رحت أتبع المرشد و أنا أردد الدعاء و التكبير اللذين يرددهما كل من يدخل مكة.

تنقلت بعد ذلك مرات عدة بين جدة و مكة فى الاتجاهين. معدل سير القافلة هنا بطى‏ء جدا؛ إذ لا يمكن أن يتعدى ميلين فى الساعة الواحدة، و لقد قطعت المسافة من مكة إلى جدة على ظهر حمار فى ثلاث عشرة ساعة. هذه الرحلة تقدر بحوالى ست عشرة ساعة أو سبع عشرة ساعة من المشى، أو بما يقرب من خمسة و خمسين ميلا، و الطريق ينحرف قليلا عن الاتجاه الشمالى الشرقى.

عندما تحولنا إلى جهة اليسار، مررنا على مسافة قصيرة، بثكنات كبيرة للجنود التابعين للشريف غالب، و فى ضاحية المعابدة نزلنا أمام منزل أحد الأعراب، تصادف أن كان مرشدى يعرفه. كنا فى ذلك الوقت فى شهر رمضان، لكن الشرع يعفى المسافر من الصيام. قامت ربة البيت التى كان زوجها غائبا عن المنزل بتقديم إفطار لنا، دفعنا لها ثمنه، و بقينا فى المنزل إلى ما بعد الظهر، ثم ركبنا بعد ذلك إبلنا و اتجهنا صوب منزل الشريف غالب الذى على شكل بستان، و يقع عند الطرف الشرقى للضواحى، ثم سلكنا بعد ذلك الطريق قاصدين وادى منى. الوديان المتعرجة صغيرة العرض أو كبيرة، و المغطاة بالرمال، و الجرداء تماما من الحياة النباتية، و تحيط بها التلال من الجانبين، هذه الوديان توصل كلها إلى وادى منى. بعد مسير نصف ساعة من قصر الشريف تنفتح الأرض بعض الشى‏ء فى الجهة اليسرى، القناة التى تمد مكة بالماء العذب تمر بهذا المكان، و شاهدنا على بعد مسير حوالى ميلين عند نهاية الأرض المفتوحة جبلا مخروطى الشكل، يسمونه جبل النور، الذى يعده الحجاج جبلا

87

مقدسا، كما سنورد فيما بعد. و بعد مسير دام ساعة و نصف الساعة تجاوزنا عن يميننا خزانا كبيرا مبنيا من الحجر، هذا الخزان يجرى ملؤه فى موسم الحج بالماء من القناة التى تمر بالقرب منه. و أنا أظن أن هذا المكان هو ما يطلقون عليه اسم سبيل الست. هناك واد من الوديان الجانبية التى بين مكة و منى، يسميه الناس هنا وادى المحصب. يقول الفاسى مؤرخ مكة، إنه كان هناك ست عشرة بئرا بين المدينة و منى.

و بعد مسير دام ساعتين، بعد أن صعدنا قليلا عن طريق ممر مرتفع ممهد جرى شقه عبر الوادى، وصلنا أخيرا إلى وادى منى. بالقرب من هذا الطريق المرتفع شاهدنا حقلا صغيرا، يروى من بئر مالحة الماء، و يزرع فيه بعض البدو البائسين البصل و الكراث الذى يطلبه السوق المكى. و سوف أورد فيما بعد وصفا كاملا لوادى منى، الذى يمضى الحاج فيه ثلاثة أيام بعد العودة من عرفات.

واصلنا مسيرنا بين منازل منى المهدمة، و تجاوزنا الأعمدة القصيرة، التى يرميها الحجاج، ثم مررنا بعد ذلك على قصر الشريف غالب، لندخل بعد ذلك إلى الأرض الواسعة المفتوحة التى يتواصل امتدادها ناحية مزدلفة، التى تبعد عن مكة مسير ثلاث ساعات و ثلاثة أرباع الساعة. اسم المزدلفة يطلق على مسجد صغير يكاد يكون أنقاضا فى الوقت الراهن، و بالقرب منه يوجد خزان أو مستودع للماء. من هنا تلقى خطبة من فوق حلبة مرتفعة أمام المسجد على الحجاج بعد عودتهم من عرفات. يقول الفاسى المؤرخ: إن هذا المسجد بنى فى العام 759 الهجرى. و يغلب أن يطلق على هذا المسجد اسم المشعر الحرام، و لكن الفاسى نفسه يقول: إن هذا الاسم يطلق على تلة صغيرة فى نهاية وادى مزدلفة، يسميها الناس أيضا القازح. هناك طريقان يؤديان من مزدلفة إلى عرفات، الطريق الأول على الجانب الأيسر و يمتد بطول السهل أو الوادى الذى يطلق عليه هنا اسم ضب، الطريق الثانى يمر مباشرة عبر الجبال، و يتصل بالطريق الأول بالقرب من العلمين. واصلنا سيرنا فى الطريق الكبير فى الوادى، و بعد مسير أربع ساعات و ربع الساعة تبدأ الجبال فى التقارب من جديد، و هنا

88

يبدأ ممر ضيق يسميه الناس المزومين أو المضيق، الذى يمر خلال الجبال لمدة نصف ساعة ينفتح المنظر بعدها على سهل عرفات، و بعد مرور أربع ساعات و ثلاثة أرباع الساعة، مررنا فى ذلك السهل، على خزان للماء يسميه الناس بير باسان، و هو مبنى من الحجر، و هناك مصلى صغير على القرب منه، و فى هذه المنطقة تنفتح الأرض متسعة شمالا و يمينا. فى اتجاه الشرق أرى جبال الطائف، و هذه هى المرة الأولى التى أرى فيها هذه الجبال بارتفاعها الكامل‏ (*). بعد خمس ساعات وصلنا العلمين، و هما عبارة عن هيكلين حجريين يقع كل واحد منهما على جانب من جانبى الطريق، و يبعد كل هيكل منهما عن الآخر مسافة تقدر بحوالى مائتى خطوة، و يتعين على الحجاج المرور بينهما فى الذهاب إلى عرفات و فى العودة على وجه الخصوص. هذان العلمان من الحجر الغشيم المدهون باللون الأبيض.

يقول الفاسى إن العلمين كانا ثلاثة لكن انهار منهم واحد، و يقول أيضا إنه جرى بناؤها فى العام 605 الهجرى، و لم يتبق منها إلا حجر واحد كامل و الثانى تحطم نصفه. بعد مرور خمس ساعات و ربع الساعة مررنا و عن يميننا مسجد منعزل كبير يكاد يكون متحللا، يسميه الناس جامع نمرة، أو إن شئت فقل جامع (سيدنا) إبراهيم، و قد بنى هذا الجامع بالشكل الذى هو عليه الآن السلطان قايتباى سلطان مصر. هنا كان جبل عرفات المنخفض عن يسارنا، و يقع فى نهاية السهل، و يبعد مسافة ميلين. واصلنا سيرنا فى السهل بدون توقف، و السهل فى هذه المنطقة تغطيه‏

____________

(*) أثناء عودتى من الطائف إلى مكة، و عندما كنت سيدا لنفسى تماما، دونت وصفا أكثر تفصيلا و دقة للطريق، و ذلك على العكس من الوصف الذى أوردته هنا، لكن ضاعت منى الأوراق التى دونت فيها ذلك الوصف، و الوصف الذى أوردته هنا من الذكراة، و من الملاحظات المتعجلة التى دونتها و أنا فى طريقى إلى الطائف.

89

أعشاب كبيرة الارتفاع و أشجار السنط المنخفضة، هذه الأعشاب و هذه الأشجار محرم قطع أى شى‏ء منها من منطلق أن هذه أرض مقدسة. و عندما وصلنا إلى الحدود الشرقية للسهل وصلنا عند الساعة الخامسة و ثلاثة أرباع الساعة إلى قناة مكة التى تنبع من الأرض الجبلية. بالقرب من هذه القناة يوجد خزان صغير، و بجوار هذا الخزان توجد مجموعة من أكواخ العرب، و هذه الأكواخ شبيهة بأكواخ الهدا، و تحمل اسم قهوة عرفات. هذه الأكواخ لا يسكنها سوى بنى قريش الذين يزرعون الخضراوات فى الوادى الذى يمتد من هذه المنطقة إلى ناحية الجنوب. نلنا هنا قسطا من الراحة لبضع ساعات، و وصلت فى الوقت نفسه من الطائف قافلة مكونة من البغال و الحمير.

اعتبارا من قهوة عرفات يصبح الطريق صخريا، و تكاد الجبال تقترب جدا بعضها من بعض، كما تتقاطع معه الوديان التى تعبر الطريق من مختلف الاتجاهات، أشجار السنط غزيرة النمو فى هذا المكان. عند الساعة السابعة و النصف دخلنا من جديد أرضا رملية فى واد يسمونه وادى النومان، توجد فى جنوبه بعض الآبار، و بعض المزارع القليلة التى يزرعها عرب قبيلة قباقب و عرب ريشية. و عند الساعة الثامنة و النصف تجاوزنا مخيما لبدو من قبيلة هذيل، حيث هاجمت الكلاب إبلنا مهاجمة شديدة، إلى حد أنى عجزت عن الدفاع عن نفسى، على الرغم من أنى كنت راكبا فوق الجمل، عند الساعة الثامنة و ثلاثة أرباع الساعة تجاوزنا مجموعة من الأكواخ و المقاهى التى يطلق الناس عليها هنا اسم شداد، و فيها آبار ماؤها شديد العذوبة. عند الساعة التاسعة و النصف، و نظرا لأن السماء كانت ملبدة بالغيوم و الليل شديد الظلمة، فقد ضللنا طريقنا بأن سلكنا انحناء الوادى الملتوى، و عندما عجزنا عن استعادة الطريق الصحيح استلقينا أرضا و نمنا على الرمل لحين طلوع النهار.

اليوم السابع و العشرون من شهر أغسطس، وجدنا أنفسنا على مقربة من الطريق، و واصلنا المسير و بدأنا نصعد، و فى خلال نصف ساعة كنا قد وصلنا إلى‏

90

سلسلة الجبال العظيمة، و بدءا من جدة إلى أن وصلنا إلى هذا المكان كان طريقنا، على الرغم من وجوده بين التلال و الجبال، يمر بصورة مستمرة عبر أرض منبسطة، خلال وديان فيها مطلع لا يحس به المسافر أو الرحال، و لم يصبح ذلك المطلع أمرا واضحا للعيان إلا من خلال النظر إلى البلاد من فوق قمة الجبال الموجودة أمامنا حاليا. هذه التلال المنخفضة يندر أن يزيد ارتفاعها على أربعمائة قدم أو خمسمائة.

أقل السلاسل انخفاضا فوق جدة هى سلسلة التلال الجيرية، لكن صخور هذه السلسلة سرعان ما تتحول إلى صخور صوّانية، و إلى نوع من الجرانيت الذى يتخلله الشّوزل أسود اللون، المصحوب بكتل رئيسية من الكوارتز و شى‏ء من الرمال. هذا النوع من الصخور يلازمنا طوال الطريق، مع شى‏ء قليل من التباين، إلى أن نصل إلى المنطقة الغربية من جبل النور، فى الجانب الشرقى من مكة، حيث يبدأ ظهور صخور الجرانيت. و فى مكة أخبرونى أنه على بعد مسافة بضع ساعات جنوبى الهدا، يوجد جبل عامر بالرخام الفخم الذى استخدم فى تبليط المسجد الحرام. الجبال التى يتكون منها وادى منى مكونة من ذلك الجرانيت الأحمر اللون و الجرانيت رمادى اللون، و أن ذلك النوع من الجرانيت يمتد من هنا إلى السلسلة الأعلى منه، و لكنه يختلط فى قليل من الأماكن بطبقات أخرى من صخور مختلفة. سلسلة التلال المنخفضة المتفرعة من سلسلة الصخور العالية التى كنا نرتقيها و نصعد إليها، هذه السلسلة هى الأخرى مكونة من الجرانيت، و عند منتصف هذه السلسلة وجدتها عامرة بالألوان كلها، و مختلطة بطبقة من أنواع أخرى من الصخور التى وجدت بعضها متحللا، و عند قمة تلك السلسلة الجبلية وجدت الجرانيت الأحمر يظهر من جديد، و قد اسود سطح ذلك الجرانيت الأحمر نتيجة لأشعة الشمس.

صعدنا من طريق سيئ، على الرغم من ترميمه مؤخرا بناء على أمر من محمد على باشا. كانت المنطقة المحيطة بالطريق برية تماما، إذ كانت تغطيها كتل كبيرة من الأحجار السائبة التى جرفتها سيول الشتاء إلى الأسفل، و متناثرة هنا و هناك مع قلة قليلة من أشجار السنط و أشجار النبق، بعد مضى ساعة وصلنا إلى مبنى من‏

91

الحجارة السائبة يطلقون عليه اسم قبر الرفيق. و روى لى مرشدى الرواية التالية عن ذلك المبنى: فى القرن الماضى حدث أن كان بدوى عائدا من الحج، فانضم إليه بعد بوابات مكة مسافر على الطريق نفسه الذى كان يسلكه ذلك البدوى، وصلا سويا إلى هذا المكان، و عندها أحس واحد منهما بالمرض الشديد الذى جعله عاجزا عن مواصلة السير أكثر من ذلك، و فى اليوم التالى ظهر مرض الجدرى منتشرا فى سائر أنحاء جسمه. لم يكن رفيقه على استعداد لتركه فى هذا الحال أو التخلى عنه، فقام ببناء كوخين من فروع أشجار السنط أحدهما لصديقه و الآخر له، و استمر الرجل يمرض صديقه المريض و يرعاه، و يطلب الصدقات من المارين لذلك المريض إلى أن شفاه الله تماما. لكن فى المقابل سقط ذلك الصديق مريضا إذ أصابه الجدرى هو الآخر، و راح ذلك الصديق المتعافى يمرض صديقه المريض بنفس العطف و الحنان اللذين لقيهما من صاحبه، على الرغم من أن الشفاء لم يكن بالقدر نفسه، فقد مات الرجل و دفنه صديقه فى هذا المكان، حيث يعد قبره تذكارا لكرم البدو، و يوحى بالشفقة و الإحسان إلى الرفاق العشوائيين على الطرق.

بعد حوالى ساعة و نصف الساعة من الصعود، وصلنا إلى بعض الأكواخ المبنية بين الصخور بالقرب من عين غزيرة الماء، هذه الأكواخ يسميها الناس هنا قهوة قورة، و هذا الاسم مشتق من الجبال التى يطلق عليها اسم جبال قورة، التقيت هنا أحد الجنود الأتراك كان مكلفا بنقل مؤن لجيش الباشا عبر الجبل، و لما كان هذا هو أقصر الطرق الواصلة بين مكة و الطائف، فذلك يجعل القوافل فى حركة دائمة على هذا الطريق. هذا يعنى أن أحمال الإبل يجرى إنزالها فى هذا المكان، ثم يجرى نقلها بعد ذلك إلى قمة الجبل باستعمال البغال و الحمير، التى يجرى الاحتفاظ بمائتين منها فى هذا المكان. إبل الجبل يجرى إعدادها لنقل الأحمال إلى الطائف، يضاف إلى ذلك أن الطريق الشمالى البعيد المؤدى إلى الطائف، الذى سوف أتحدث عنه فيما بعد، طريق مطروق و صالح لسير الإبل، لكن مشكلة هذا الطريق أن السير فيه يستغرق يوما أكثر من الطريق المعتاد.

92

أكواخ قورة بناها أصحابها بين الصخور، على منحدر الجبل الذى يتعذر وجود مكان مستو عليه. سكان هذه الأكواخ هم من بدو هذيل، فى اثنين أو ثلاثة من هذه الأكواخ لا يمكن الحصول على شى‏ء سوى القهوة و الماء. كان الجندى التركى قد استثار مؤخرا غضب الباشا و استياءه، بعد أن سرق جملا مملوكا لامرأة من هذيل و باعه، و كانت تلك المرأة قد سافرت مؤخرا لتقديم شكواها للباشا سيد ذلك الجندى من الطائف. عاملنى الجندى معاملة طيبة للغاية عندما علم أنى ذاهب لزيارة الباشا، و رجانى التوسط له لدى الباشا، و مع ذلك رفضت القيام بهذا العمل، و قلت للجندى إننى ذاهب للتوسل إلى الباشا لتصريف همومى. بقينا فى ذلك المكان إلى فترة الظهر، و منظر البلد المنخفض من هذا المكان رائع و جميل، و هذه شجرة كبيرة من أشجار النبق، بالقرب من عين الماء الذى ينساب نازلا فوق الصخور، و فرت لى ظلا و نسيما عليلا باردا، خفف عنى الحرارة الشديدة التى تحملتها منذ بداية تحركنا من جدة.

بعد أن غادرنا قورة وجدنا الطريق شديد الانحدار، و على الرغم من ترميمه مؤخرا كان لا يزال سيئا، إلى الحد الذى يتعذر معه على المسافر الراكب الوصول إلى القمة دون النزول عن راحلته. هذه درجات مثل درجات السلم، جرى قطعها فى أماكن عدة، الأمر الذى قلل من شدة منحدر الصعود أو قسوته، و ذلك عن طريق توجيه صعود المنحدر إلى منحنيات كثيرة، و حتى يسهل الوصول إلى القمة جرى أيضا تجهيز ست محطات واسعة و فسيحة على جانب الجبل، كى تلتقط الإبل فيها أنفاسها، حيث لا توجد أرض مستوية تزيد مساحتها بأى حال من الأحوال عن ثمانية أقدام مربعة. هذه العين التى تناسب قادمة من قمة الجبل، يجرى عبورها مرات عدة. التقيت عددا كبيرا من بدو هذيل، و كانت معهم عائلاتهم و قطعان أغنامهم بالقرب من الطريق، أعطانى أحدهم شيئا من الحليب، لكنه رفض أن يأخذ نقودى مقابلا لذلك الحليب. هؤلاء البدو يعدون بيع الحليب فضيحة، على الرغم من أنهم فى مكة يمكن أن يجنوا من ذلك أرباحا كبيرة، حيث يباع رطل اللبن بقرشين. تناقشت نقاشا حرا مع الرجال و مع زوجة واحد منهم. رأيت فيهم سلالة متينة من سلالات متسلقى الجبال، و على الرغم من أنهم كانوا فقراء تماما، فإن مظهرهم كان يوحى بالقوة و الشدة عن بدو الشمال، و أنا أعزو

93

هذا الفارق إلى المناخ الصحى، وجودة الماء. بنو هذيل، المشهورون فى تاريخ الجزيرة العربية القديم، كانوا رعايا من الناحية الاسمية لشريف مكة الذى كانوا يعيشون على أرضه، لكنهم كانوا حقيقة الأمر مستقلين تماما عنه، بل كانوا فى حرب معه فى معظم الأحيان.

أمضينا ساعتين كاملتين فى الصعود من أكواخ القهوة إلى قمة الجبل، و من قمة الجبل شاهدنا منظرا جميلا للبلاد المنخفضة. استطعنا من هذه القمة العالية تمييز وادى منى، لكننا لم نستطع تمييز مكة، و شاهدنا على مد البصر، سلاسل متعرجة من التلال، و كأنها تنبعث من سطح منبسط فى الناحيتين الشمالية و الجنوبية، و شاهدنا أيضا شرائط من الرمل الأبيض بين هذه السلاسل المتعرجة، لكن هذه الشرائط كانت خالية من الخضرة بكل أشكالها. شاهدنا عن يميننا بالقرب منا قمة قورة التى يسمونها ناقب الأحمر، هذه القمة يتردد ارتفاعها بين أربعمائة قدم و خمسمائة قدم، و هى أعلى من المكان الذى نقف عليه حاليا، و تبدو لنا و كأنها تفوق السلسلة المحيطة بها من حيث الارتفاع. فى الناحية الشمالية كان الجبل الذى يبعد حوالى ثلاثين ميلا، يبدو لنا و كأنه يتناقص ارتفاعه تناقصا كبيرا، لكن هذا الجبل نفسه كان يواصل ارتفاعه فى اتجاه الجنوب، و بعد أن أمضينا نصف ساعة و نحن ركوب، عندما ابتعدنا عن القمة، وصلنا قرية صغيرة تسمى رأس قورة. بعد أن وجدت نفسى متعبا قررت النوم فى هذا المكان، و وافق مرشدى على قرارى بعد شى‏ء من التردد، نظرا لتلقيه أوامر تقضى بأن يسافر و يتنقل معى بهمة و نشاط.

الثامن و العشرون من شهر أغسطس، تعد قرية رأس قورة هى و المنطقة المحيطة بها أجمل بقاع الحجاز، هذه البقعة أجمل و أبهى و أبهج الأماكن التى وقعت عليها عيناى منذ رحيلى عن لبنان و سوريا. قمة جبل قورة عبارة عن أرض منبسطة، لكن هناك كتلا كبيرة من صخور الجرانيت مبعثرة على هذه الأرض المنبسطة، سطح هذه الكتل الجرانيتية شبيه بسطح الصخور الجرانيتية القريبة من الشلال الثانى فى نهر النيل، هذا يعنى اسوداد سطح هذه الكتل الصخرية بفعل أشعة الشمس و حرارتها.

94

هناك نهيرات عدة تنحدر نازلة من هذه القمة و تروى السهل الذى تغطيه حقول خضراء، و أشجار ظليلة كبيرة على جانب الصخور الجرانيتية. هذا المشهد و الهواء المنعش الذى يهب علينا هنا يستثيران دهشة هؤلاء الذين لم يعرفوا سوى الرمال الموحشة و المحرقة فى أراضى الحجاز المنخفضة. أشاهد هنا كثيرا من أشجار الفواكه الأوروبية: أشاهد أشجار التين و المشمش و الخوخ و التفاح و اللوز و الرمان، أشاهد أيضا أشجار الجميز المصرى، و أشاهد هنا و بصفة خاصة الكروم التى تعد أعنابها من أفضل الأنواع. المنطقة هنا خالية من النخيل، لكن فيها القليل من أشجار النبق. الحقول هنا تنتج القمح و الشعير و البصل لكن صخرية التربة هنا تجعل هذه الحاصلات لا تجود مثل أشجار الفاكهة. كل" بلد"، و هذا هو الاسم الذى يطلقه الناس هنا على" الحقل"، محاط بسور منخفض، و هو ملك لبدوى من بدو هذيل. هذا المكان جرى تدميره و تخريبه و تدمير حقوله، عندما استولى عثمان المضايفة على الطائف من الشريف غالب، و لم يجر إلى يومنا هذا إعادة بناء كثير من أسوار الحقول.

بعد أن تجولنا قرابة نصف ساعة فى هذه المنطقة الجميلة، و كان ذلك مع بداية شروق الشمس، حيث كان الندى الجميل يغطى كل ورقة و كل عود من أعواد الحشائش، و عندما كانت كل شجرة و كل دغل من الأدغال يرسل عبيقه فى الجو لتتلقفه الأنوف، و عندما كان المنظر الطبيعى يسر الخاطر و يسر الناظرين، هنا توقفت بالقرب من أكبر تلك الأفلاج، الذى- على الرغم من أن عرضه لم يكن يزيد على خطوتين- كان يغذى على ضفتيه أشجار الطرفاء الألبية شديدة الخضرة التى لا يستطيع النيل العظيم بكل عنفوانه إنتاجها فى مصر. أحضر لنا بعض العرب شيئا من حبات اللوز و الزبيب، و أعطيناهم مقابل ذلك شيئا من البسكويت، لكن على الرغم من نضوج الأعناب، لم نستطع الحصول على أى شى‏ء منها، و سبب ذلك أن تلك الأعناب يجرى شراؤها و هى على أشجارها بواسطة تجار الطائف الذين يصدرون هذه الأعناب إلى مكة، و يقومون بحراستها بواسطة حراس من قبلهم، إلى أن يقوموا هم بحصادها. هنا

95

وجدنا جنديا تركيا يحمل لقب أغا يقيم فى خيمة، و تتمثل مهمته فى توصيل المؤن و التموينات التى تصل إليه من محطة الطائف المنخفضة. لاحظت فى شى‏ء من الدهشة عدم بناء أى محل من محلات تزجية وقت الفراغ على هذه الحلبة المرتفعة. فى الماضى كان لتجار مكة منازل أو مقرات فى الطائف، هذه المقرات مهجورة و يخيم عليها الحزن، بقدر ما يبدو هذا المكان مبهجا و فارها، لكن أحدا من هؤلاء التجار لم يفكر مطلقا فى بناء كوخ هنا فى هذا المكان، و هذا دليل جديد على الفكرة التى كانت تراودنى منذ زمن بعيد، و مفادها أن الشرقيين، و بخاصة العرب، أقل أحساسا بجماليات الطبيعة من الأوروبيين. ماء رأس قورة شهير بعذوبته و امتيازه فى سائر أنحاء الحجاز. طوال مقام محمد على باشا فى كل من مكة و جدة كانت تصله بصورة منتظمة كميات من ماء النيل لاستخدامها فى الشرب، كانت تلك المياه ترسل من مصر مع كل أسطول من الأساطيل التى كانت تقصد جدة. كانوا يرسلون له ذلك الماء فى أوعية كبيرة مصنوعة من القصدير و الصفيح، لكن محمد على باشا عندما مر بهذه المنطقة وجد أن ماءها جدير بأن يحل محل الماء الآخر، و بناء عليه يأتى جمل من الطائف ليجلب كل يوم حملا من هذا الماء.

منازل هذيل أصحاب هذه المزارع، مبعثرة فى سائر أنحاء الحقول على شكل مجموعات مكونة من أربعة منازل أو خمسة، هذه المنازل صغيرة مبنية من الحجر و الطين، لكن بعناية و حرفية لا يمكن أن ننتظرها من هذه الأيدى الخشنة. كل منزل من هذه المنازل مكون من ثلاث غرف أو أربع، كل واحدة منها مستقلة عن الغرف الأخرى بواسطة ردهة ضيقة مكشوفة، تشكل ما يشبه الكوخ المنعزل الصغير. هذه الغرف لا يدخلها الضوء إلا من مداخلها فقط، و هى مرتبة و نظيفة جدا، و تحتوى على أثاث بدوى، و بعض السجاد الجيد، و جوالات مصنوعة من الصوف و الجلد، و قلة قليلة من الأطباق المصنوعة من الخشب، و أوانى للقهوة مصنوعة من الفخار، و بندقية فتيلية يوليها صاحبها عناية كبيرة؛ إذ يحفظها دوما فى جراب من الجلد. أثناء الليل أخذت قسطا من الراحة و أنا مستلق على جلد بقرة كبير و مدبوغ، أما الغطاء الذى التحفت به‏

96

فكان عبارة عن مجموعة من جلود الأغنام الصغيرة المخيطة بعضها إلى بعض، و هو شبيه بالأغطية المستخدمة فى بلاد النوبة. أبلغنى هذلى أنه قبل مجى‏ء الوهابيين، و قبل إجبارهم هذيل على دفع إتاوة عن حقولهم، لم يكونوا يعرفون أى نوع من أنواع الضرائب التى تفرض على الأراضى المنزرعة، بل إنهم كانوا على العكس من ذلك يتلقون هدايا سنوية من الأشراف و من أهل مكة الذين كانوا يمرون من ذلك الطريق قاصدين الطائف. تمتد رأس قورة من الشرق إلى الغرب حوالى ميلين و نصف الميل أو ثلاثة أميال تقريبا، أما عرضها فيصل إلى قرابة الميل. و فى الاتجاه نحو الجنوب تقطن قبائل بدوية مثل هذيل تقوم بحرفة الزراعة فى أماكن سفوح الجبال، و هى أرض لا تقل خصوبة و لا جمالا عن ذلك المكان الذى رأيناه فى سلسلة الجبال سالفة الذكر.

غادرنا رأس قورة، التى ستظل ذكراها فى ذهنى طوال إحساسى بروعة المناظر الرومانسية و مباهجها، و ركبنا رواحلنا مدة ساعة عبر أرض جرداء غير مستوية، فيها ارتفاعات و انخفاضات طفيفة، إلى أن وصلنا منحنى شديد الانحدار، استلزم سيرنا فيه حوالى نصف ساعة، و صعود هذا المنحنى يتطلب ضعف هذا الوقت. الصخر كله هنا من الحجر الرملى. و من قمة ذلك المنحنى سالف الذكر، يستطيع الرائى مشاهدة الطائف من مسافة بعيدة. و بعد مسير نصف ساعة من سطح الجبل دخلنا واديا خصيبا يسمونه وادى محرم، يمتد من الشمال الغربى إلى الجنوب الشرقى. هذا الوادى شأنه شأن المنطقة الأعلى منه، عامر بأشجار الفاكهة، لكن الحقول المنزرعة القليلة تروى من آبار، و ليس من أفلاج جارية. و هذه قرية من القرى التى أتى على أغلبها الوهابيون و خربوها، تقع على المنحدر، و فيها برج صغير بناه أهلها ليحفظوا فيه إنتاج حقولهم.

من هنا تبدأ حدود الطائف، و حدود أراضى قبيلة ثقيف، الذين كانوا فى الزمن الماضى فى حرب مستمرة مع جيرانهم هذيل. و الوادى يسمى وادى محرم، بحكم الظروف، هذا يعنى أن الحجاج فى هذه المنطقة و- كذلك- الزوار المتجهين شرقا إلى‏

97

مكة، يتعين عليهم ارتداء ملابس الإحرام قبل أن يلاحظهم أحد، هناك حوض (خزان) صغير مهدم بالقرب من الطريق. و المعروف أن قافلة الحج اليمنى، التى يسمونها الحج القبصى، و التى يقع مسارها على طول هذه الجبال، تلتزم دوما فى هذا المكان بمراعاة طقوس دخول مكة، و من ثم جرى مل‏ء هذا الخزان بالماء كى يتوضأ منه الحجاج. يجلب مزارعو وادى محرم الماء من الآبار باستخدام دلاء من الجلد معلقة من أحد أطرافها بسلسلة من الحديد، تنزلق حول بكرة، و يعلقون فى الطرف الآخر بقرة، تقطع، فى ظل عدم وجود ساقية، مسافة كافية بعيدا عن البئر لرفع الدلو من البئر، ثم تعاد البقرة من جديد لاستئناف هذه العملية. الأبقار التى رأيتها هنا، شأنها شأن أبقار الحجاز كلها، صغيرة الحجم لكنها قوية البنية و شديدة، قرون هذه الأبقار قصيرة، و لها ختم على ظهرها فوق الكتفين مباشرة، و يصل ارتفاعه إلى ما يقرب من خمس بوصات و طوله حوالى ست بوصات، و هو فى ذلك يشبه أختام الأبقار التى رأيتها على حدود النيل فى بلاد النوبة. و على حد قول المواطنين فإن سلسلة الجبال التى تمتد من هنا إلى الناحية الشمالية، إلى أن تصل إلى المنطقة التى تبدأ عندها مزارع البن، تتقاطع معها وديان أخرى منزرعة عشبية بهذا الوادى، لكنها منفصلة بعضها عن بعض، و لكن المساحة الوسطية التى بين هذه الوديان عبارة عن تربة صخرية جرداء.

بعد وادى محرم بدأنا من جديد نعبر أرضا جبلية غير مستوية، عثرت فيها على الحجر الرملى و نوع آخر من الصخور. أشجار السنط تنتشر هنا فى العديد من الوديان الرملية التى تتفرع من الطريق الرئيسى. بعد أن سرنا مدة ساعتين و نصف الساعة اعتبارا من مغادرتنا لوادى محرم صعدنا إلى قمة تل من التلال، و من تلك القمة شاهدت الطائف أمامنا. وصلنا الطائف بعد ثلاث ساعات و نصف الساعة من مغادرتنا لوادى محرم، بعد أن عبرنا السهل الرملى القاحل الذى يفصل وادى محرم عن التلال المحيطة به. كان معدل سيرنا بدءا من مكة، عندما كنا وحدنا تماما فوق إبلنا و عندما كان بوسعنا ضبط ذلك المعدل حسب هوانا، لا يقل بحال من الأحوال عن ثلاثة أميال و ربع الميل فى الساعة الواحدة، و تأسيسا على ذلك فأنا أقدر المسافة من مكة إلى‏

98

سفح جبل قورة بما يقرب من اثنين و ثلاثين ميلا، و المسافة إلى قمة جبل قورة تقدر بحوالى عشرة أميال، و من قمة جبل قورة إلى الطائف تقدر بحوالى ثلاثين ميلا، بحيث يصل إجمالى المسافة إلى اثنتى و سبعين ميلا. اتجاه الطريق من عرفات إلى الطائف يقدر بحوالى اثنتى عشرة أو خمس عشرة درجة على البوصلة، و ذلك جنوبى الطريق المتجه من مكة إلى عرفات، لكن نظرا لعدم وجود بوصلة برفقتى لم أستطع تحديد الاتجاه تحديدا دقيقا.

الإقامة فى الطائف‏

وصلت إلى الطائف عند الظهر، و نزلت عن راحلتى أمام منزل بوسارى، و بوسارى هذا هو طبيب الباشا، و سبق أن تعرفت عليه عندما كنت فى القاهرة. و لما كنا فى رمضان فقد كان الناس صياما، و معروف أن أعيان الأتراك و أغنياءهم ينامون دوما أثناء النهار، الأمر الذى يعنى أن الباشا لا يمكن إبلاغه بوصولى إلا بعد غروب الشمس. و فى ذات الوقت، و بعد التأكيد من جانب بوسارى على اهتمامه الكامل بمصالحى، و التأكيد الشرقى المعتاد من جانبه أيضا على مدى صداقته الحقة معى.

سألنى الرجل عن وجهات نظرى فى مجيئى إلى الحجاز، و أجبته أن مجيئى إلى الحجاز كان بهدف زيارة مكة [المكرمة] و المدينة [المنورة] ثم العودة إلى القاهرة، و لكن الرجل ساوره الشك فى نواياى فيما يتعلق بمصر، و رجانى أن أكون صريحا معه بصفتى صديقا له، و أن أقول له الحق، بحكم أنه اعترف لى أنه كان يتشكك فى ذهابى إلى جزر الهند الشرقية، و قد أنكرت ذلك تماما، و لكنه ألمح خلال حديثنا أننى إذا كنت أنوى بحق العودة إلى مصر، فالأفضل لى هو البقاء فى مركز الرئاسة معهم إلى أن يعود الباشا نفسه إلى مصر. لم يرد بيننا حديث عن مسألة النقود، على الرغم من أن بوسارى كان جاهلا بمسألة احتياجاتى المالية فى جدة.

99

فى فترة المساء ذهب بوسارى وحده إلى الباشا فى مسكن الحريم، الذى لا يستقبل الباشا فيه أحدا سوى الأصدقاء الحميمين و المعارف المقربين له تماما. عاد إلىّ بوسارى فى غضون نصف الساعة ليقول لى إن الباشا يود لقائى فى ساعة متأخرة من هذا المساء فى مجلسه العام، و أضاف أنه وجد قاضى مكة جالسا مع الباشا، حيث تصادف وجوده فى الطائف بسبب ظروفه الصحية، و أنه سمع القاضى و هو يقول عندما سمع عن رغبتى فى زيارة المدينتين المقدستين:" ليست اللحية وحدها (*) دليلا على صدق إسلام المسلم"، و لكنه التفت إلى القاضى و قال:" أنت خير منى فى الحكم على مثل هذه الأمور". ثم أبدى القاضى ملاحظة بعد ذلك مفادها أنه ما دام المسلم هو الشخص الوحيد الذى يسمح له برؤية المدينتين المقدستين، و أن هذا الظرف لا يمكن أن يكون جاهلا به، فهو لا يصدق أنى يمكن أن أعلن أنى مسلم، إلا إذا كنت كذلك فعلا.

عندما علمت بهذه التفاصيل قلت لبوسارى أنه يمكن أن يعود إلى الباشا وحده، و يقول له إنى أوذيت فى مشاعرى إيذاء كبيرا بسبب التعليمات التى أعطيت لمرشدى بعدم تنقلى فى مكة، و إنى بكل تأكيد ينبغى ألا أذهب إلى مجلس الباشا إذا لم يستقبلنى بصفتى واحدا من الأتراك.

انزعج بوسارى من كلامى، و حاول دون جدوى إبعادى عن ذلك الخط، و أخبرنى أن لديه أوامر بأن يصحبنى إلى الباشا، و أنا لا يمكن أن أخالف تلك الأوامر، و مع ذلك تمسكت تماما بما قلته، و عاد بوسارى مترددا إلى محمد على باشا، الذى كان جالسا وحده بعد أن انصرف القاضى. و عندما ألقى أو أوصل بوسارى الرسالة ابتسم الباشنا، و قال إنه يرحب بى سواء كنت تركيا أو غير تركى. فى حوالى الساعة الثامنة مساء عدت إلى القلعة، ذلك المبنى، أو بالأحرى المسكن البائس شبه المخرب الذى يتبع الشريف غالب، مرتديا البذلة الجديدة التى تسلمتها فى جدة بناء على أمر من الباشا.

وجدت سعادة الشريف جالسا فى صالون كبير مع القاضى الذى كان يجلس‏

____________

(*) كنت أطلق لحيتى فى ذلك الوقت، مثلما فعلت فى القاهرة، عندما رآنى الباشا.

100

بجانب الشريف من ناحية، و حسان باشا الذى كان يجلس على الجانب الآخر من ناحية ثانية. حسان باشا هذا كان رئيسا للجنود الأرناءوط، و كان هناك حوالى ثلاثين من كبار ضباطه أو أربعين يشكلون نصف دائرة حول الأريكة التى كانوا يجلسون عليها، و كان هناك عدد من شيوخ البدو جالسين فى المنتصف على شكل شبه دائرة.

قصدت إلى الباشا مباشرة و ألقيت (عليه السلام) و قبلت يده، و أشار إلىّ بالجلوس إلى جانب القاضى، و راح يخاطبنى بأدب جم، و سألنى عن حالتى الصحية، و سألنى عما إذا كانت لدى أخبار عن المماليك فى ذلك البلد الأسود الذى سبق أن زرته، لكنه لم يتطرق إلى أهم موضوع عندى. كان أمين أفندى المترجم العربى مع الباشا هو الذى تولى الترجمة فيما بيننا، لأنى لا أتكلم اللغة التركية، و نظرا لأن الباشا لم يكن يتقن العربية. و فى غضون خمس دقائق استأنف محمد على باشا الموضوع الذى كان يناقش البدو فيه، عندما قاطعت حديثهم. بعد أن انتهى الباشا من حديثه مع البدو، و بعد أن غادر حسان باشا الغرفة، طلب الباشا من الجميع الخروج من المجلس ما عدا القاضى و بوسارى و أنا معهما. توقعت أن يختبرونى، و كنت مستعدا لذلك تمام الاستعداد و لكن لم يتطرق الحديث إلى أمورى الشخصية، بل إن محمد على نفسه لم يتطرق فى أى حوار من الحوارات التى دارت بينى و بينه فيما بعد إلى أمر من أمورى الشخصية، اللهم إلا من تلميحه إلى أنى كنت فى طريقى إلى جزر الهند الشرقية.

و عندما أصبحنا بمفردنا وحدنا، أنا و هو، أقحم الباشا موضوع السياسة، فقد وصلته مؤخرا أنباء دخول الحلفاء باريس و انسحاب بونابرت إلى جزيرة إلبا، و أن مجلات مالطية متعددة أوردت تفاصيل هذه الأحداث، و أن هذه المجلات أرسلت إليه من القاهرة. يبدو أن الباشا كان شديد الاهتمام بهذه الأحداث المهمة، نظرا لأنه كان يعمل فى ظل انطباع مفاده أن بريطانيا بعد سقوط بونابرت يحتمل أن تذهب إلى تدعيم القوة فى البحر المتوسط و تعضيدها، و من ثم القيام بغزو مصر.

بعد أن بقيت مع الباشا مدة ثلاث ساعات أو أربع فى حوار خاص، إما بالحديث معه باللغة العربية من خلال القاضى الذى كان يعرف العربية معرفة جيدة، على الرغم‏

101

من أنه كان مواطنا من مواطنى إسطنبول، و إما من خلال اللغة الإيطالية، بواسطة بوسارى الذى كان مواطنا أرمينيا، لكنه اكتسب اللغة الإيطالية فى القاهرة، بعد هذه الساعات الثلاث أو الأربع استأذنت فى الانصراف و أبلغنى الباشا أنه يتوقع حضورى فى الغد فى الموعد نفسه.

اليوم التاسع و العشرون من شهر أغسطس، زرت القاضى قبل غروب الشمس، و وجدته مع رفيقه و سكرتيره، الذى هو أحد العلماء من إسطنبول. كان القاضى صادق أفندى أحد أفراد الحاشية الشرقية حقا و حقيقة، و سلوكياته و حديثه شيق جدا، و يمتلك كل طلاوة التعبير التى يتميز بها مواطنو إسطنبول الحقيقيون. بعد أن تبادلنا بعض عبارات التحية، أعربت عن دهشتى من أن الباشا أعرب عن شكوكه فى حقيقة إسلامى، بعد أن أصبحت تابعا لهذا الدين منذ سنوات عدة، و ردّ علىّ الرجل أنه (القاضى) أفضل حكم فى مثل هذه الأمور، و أردف الرجل أنه يتطلع إلى أن نكون على معرفة أوثق بعضنا ببعض، و بدأ الرجل يسألنى عن أسفارى فى بلاد النوبة، و خلال الحوار الذى دار بيننا تطرقنا إلى بعض المواضيع الأدبية، سألنى القاضى عن الكتب العربية التى قرأتها، و ما التفاسير التى قرأتها للقرآن و الشريعة، و يحتمل أن يكون قد عرف أنى على معرفة لا بأس بها بهذه الأمور، و بخاصة عناوين بعض الكتب المهمة فى هذه المجالات، و لكننا لم نتعمق فى هذا الموضوع، و بينما كنا نتحاور انطلق أذان المغرب منهيا صيام ذلك اليوم. تناولت الإفطار مع القاضى، و ذهبت بصحبته لأداء صلاة العشاء، و حرصت على قراءة سورة طويلة قدر المستطاع من القرآن الكريم، و بعد أداء صلاة العشاء ذهبنا إلى الباشا الذى أمضى بدوره جزءا من الليل فى حوار خاص معى، و بخاصة فى الشئون السياسية دون التعرض لأمورى الشخصية.

بعد مقابلة ثانية درجت على أن أذهب كل مساء أولا إلى القاضى، ثم بعد ذلك إلى الباشا، لكن على الرغم من ذلك الاستقبال الطيب الذى لقيته فى القلعة لاحظت أن تصرفاتى كانت مراقبة مراقبة لصيقة. سألنى بوسارى إن كنت أدون يومياتى،

102

لكنى أجبته أن الحجاز ليست كمصر، مليئة بالآثار، و قلت له أيضا إنى لم أر فى هذه الجبال الجرداء أى شى‏ء جدير بالملاحظة. لم يسمحوا لى أن أنفرد بنفسى و لو للحظات قليلة، و كانت لدىّ شكوك مفادها أن بوسارى، و على الرغم من كل تأكيده للصداقة التى بيننا، لم يكن شيئا سوى جاسوس. و هكذا توصلت إلى أن بقائى فى الطائف لفترة غير محدودة، فى ظل الظرف الذى أنا فيه حاليا، يعد أمرا غير مرغوب فيه و غير مستحب أيضا، و مع ذلك لم أستطع تحديد نوايا الباشا قبلى. كان واضحا أنه ينظر إلىّ من منظور واحد فقط و هو أنى جاسوس موفد إلى هذا البلد من قبل الحكومة الإنجليزية، للتأكد من الحال الراهن، و أن أكتب تقريرا عن هذا الأمر و أنا فى جزر الهند الشرقية. هذا فى تقديرى هو رأى الباشا، كان يعرفنى على أنى من الإنجليز، و قد انتحلت هذا الاسم أثناء أسفارى (و آمل ألا يكون فى ذلك إساءة لهذا البلد)، على أمل أن أبدو أوروبيا إذا ما دعت الضرورة، و سبب ذلك هو أن رعايا إنجلترا و فرنسا دون غيرهم، كانوا هم الوحيدين الذين يتمتعون بالأمن و السلامة فى الشرق؛ كانوا يعدون محميين حماية تامة من قبل حكوماتهم فى بلادهم من ناحية و من قبل وزرائهم فى إسطنبول من ناحية ثانية، الأمر الذى كان يحول دون تلاعب الحكومات الإقليمية بهم أو الإساءة إليهم. يزاد على ذلك أن الباشا كان يعدنى من أصحاب المقام الرفيع، ذلك أن واحدا من الإنجليز الذين يترحلون فى الشرق يقولون له" سيدى": و كان الباشا مقتنعا بذلك تمام الاقتناع، فى ضوء تلك الحالة من الاحترام التى أحطت بها نفسى فى هذا البلاط التركى، الذى فيه التواضع السلوكى و عذوبة المعاشرة و الأنس أمور لا محل لها من الإعراب. و ربما كان تخوفه من بريطانيا العظمى هو الذى حدا به إلى عدم إساءة معاملتى، و ذلك على الرغم من عدم فعل أى شى‏ء فى أمورى المعروضة عليه، و على قدر معرفته، أنا لا يمكن أن آخذ سوى خمسمائة قرش التى أمر لى بها فى جدة، و التى لم تكن كافية لسداد مصروفاتى فى الحجاز إلا لمدة قليلة جدا، و لم يقل لى الباشا أو بوسارى عن مسألة سحب حوالتى على القاهرة، كما سبق أن عرضت، و لم أعاود التطرق إلى هذا الموضوع، إذ كان معى ما يكفينى من النقود فى الوقت الراهن، فضلا عن أنى كنت أتوقع وصول مبالغ إضافية من مصر.

103

لم ترق لى مسألة البقاء فترة طويلة فى الطائف فيما يمكن أن أسميه السجن المؤبد، و مع ذلك كنت عاجزا عن الحض على التعجيل برحيلى دون أن تتزايد الشكوك من حولى، و قد أصبح ذلك أمرا شديد الوضوح بعد لقائى الأول مع كل من الباشا و القاضى، و عرفت أيضا أن تقارير بوسارى يمكن أن تؤثر تأثيرا كبيرا فى ذهن محمد على. فى ظل هذه الظروف رأيت أن أفضل السبل إلى تحقيق ما أبتغيه هو أن أجعل بوسارى يمل منى و يسأمنى، الأمر الذى يقنعه بعرض وجهات نظرى على محمد على باشا، و من ثم بدأت التصرف فى منزله تصرفات العثمانيين الوقحة، و نظرا لأننا كنا فى رمضان فقد صمت النهار، و فى الليل كنت أطلب عشاء مستقلا، و فى ساعة مبكرة من صبيحة اليوم التالى طلبت إفطارا كبيرا، قبل أن أبدأ الصيام، و خصصت لنفسى أفضل الغرف فى منزل الرجل، إضافة إلى أن خدم الرجل كانوا يقومون دوما على تلبية طلباتى. الكرم الشرقى يحظر التبرم من السلوك الذى يكون من هذا القبيل، يضاف إلى ذلك أنى كنت واحدا من الرجال العظام، و أنى كنت أقوم بزيارة للباشا. فى حوارى مع بوسارى أكدت له أنى مرتاح للغاية لوجودى فى الطائف، و أن مناخها يناسب حالى الصحى تماما، و أعربت له عن عدم رغبتى فى ترك المكان فى الوقت الراهن. مسألة إعاشة شخص له شخصيتى مدة طويلة فى الطائف التى تعد المؤن و التموينات بكل أنواعها شحيحة على نحو أكثر مما هى عليه فى لندن نفسها، لم تكن أمرا سهلا أو يسيرا، يزاد على ذلك أن الضيف الثقيل يكون مكروها فى كل مكان.

مبلغ علمى أن الخطة نجحت تماما، و حاول بوسارى إقناع الباشا بأنى مخلوق لا حول له و لا قوة و لا ضرر منه، و ذلك تمهيدا لإرسالى إلى حال سبيلى.

مكثت ستة أيام فى الطائف لم أغادر المنزل خلالها إلا عندما كنت أذهب إلى القلعة فى المساء، إلى أن سألنى بوسارى ما إذا كان عملى مع الباشا سيمنعنى و يؤخرنى إلى وقت طويل قبل أن أستأنف أسفارى و أزور مكة. رددت عليه أنى ليس لى أى عمل مع الباشا، على الرغم من مجيئى إلى الطائف بناء على رغبته، لكنى كنت سعيدا جدا بموقفى، و بخاصة فى وجود صديق كريم و صدوق مثل بوسارى مضيفى.

104

فى اليوم التالى جدد بوسارى الموضوع نفسه، و أبدى ملاحظة مفادها أن العيش بين الجنود أمر يصيب الإنسان بالسأم و الملل، فى غياب وسائل الراحة أو التسلية أو التعارف على الناس، أو حتى معرفة اللغة التركية، كما هو الحال بالنسبة لى. وافقت على ما قاله الرجل، لكنى أضفت قائلا: إن جهلى بما يريده الباشا، هو الذى يجعلنى عاجزا عن اتخاذ أى قرار أو البت فى أى أمر من الأمور. و قد أوصل ذلك بوسارى إلى ما أبتغيه و أريده أنا، قال بوسارى: إذا كان هذا هو الحال فسوف أكلّم جلالته، إذا ما كانت هذه هى رغبتك فى هذا الأمر. و فعل بوسارى ذلك فى المساء قبل ذهابى إلى القلعة، و هنا أبلغنى الباشا خلال حوارنا، أنى مادمت أود تمضية الأيام الأخيرة من رمضان فى مكة (هذا الاقتراح كان نابعا من بوسارى نفسه) فالأفضل لى هو اللحاق بجماعة القاضى الذى قرر الذهاب إلى مكة إلى حلول العيد، و أنه سوف يسعد برفقتى له. كان ذلك على وجه التحديد الظرف الذى كنت أتمناه و أنتظره، و تحدد سفر القاضى اليوم السابع من شهر سبتمبر، و هنا استأجرت حمارين- و هذه هى طريقة النقل المعتادة فى هذا البلد- لكى أتبع القاضى.

لما كنت انتويت المضى قدما بعد ذلك إلى المدينة [المنورة] التى كان طوسون باشا ولد محمد على حاكما عليها، فقد التمست إلى بوسارى أن يطلب من الباشا فرمانا أو جواز سفر، يرخص لى بالتجوال فى سائر أنحاء الحجاز، فضلا عن خطاب تزكية لولده طوسون، وردا على هذا الطلب أبلغنى بوسارى أن الباشا لا يود التدخل شخصيا فى مسألة أسفارى، و أنى بوسعى التصرف كما أشاء و على مسئوليتى الخاصة، و أن معرفتى للغة العربية تجعل الفرمان غير ذى بال. هذا القول كان كما لو كان الباشا يقول لى:" افعل ما تشاء، و أنا سوف لا أعرفك أو أسهّل مخططاتك." و جاء ذلك فى واقع الأمر كما كنت أريده أو أبتغيه فى الوقت الراهن.

فى اليوم السادس من شهر سبتمبر، استأذنت الباشا الذى أبلغنى عند الرحيل، أننى إذا ما حملتنى أسفارى إلى الهند، فإننى يتعين علىّ إبلاغ الشعب الإنجليزى هناك أنه مرتبط ارتباطا وثيقا بمصالح تجارة الهند. و فى صبيحة اليوم السابع من‏