ترحال في الجزيرة العربية - ج1

- جان لوئيس بوركهارت المزيد...
305 /
105

شهر سبتمبر، أرسل القاضى إلىّ من يبلغنى أنه يجب ألا يتحرك إلا فى المساء، أى أنه سيسافر أثناء الليل، و أنه يتطلع إلى لقائى عند جبل قورة فى منتصف الطريق إلى مكة. و هنا رأيت أن أغادر الطائف بمفردى، مثلما دخلتها بمفردى أيضا، بعد إقامة فيها دامت عشرة أيام. عند مغادرة الطائف أبلغنى بوسارى بولائه الشديد لصالحى، و بعد أن غادرت حدود الطائف رحت أشكر الله على حظى السعيد، و على نجاتى من الإقامة فى بلاط تركى، كان من الصعب علىّ فيه تحاشى الخطر، كما لو كنت بين البدو غير المتحضرين فى بلاد النوبة.

طوال مقامى فى الطائف التقيت الباشا خمس مرات أو ست مرات، و المقتطفات التالية من مفكرتى اليومية توضح النتائج العامة التى أسفرت عنها تلك المقابلات:

سؤال: أتمنى أن تكون بخير يا شيخ إبراهيم.

جواب: أنا بخير تماما، و أنا فى غاية السعادة لأنى ألقاك مرة ثانية.

سؤال: لقد ترحلت كثيرا منذ آخر مرة رأيتك فيها فى القاهرة. ما هو المدى الذى وصلت إليه فى بلاد الزنوج؟

[جواب:] رددت على هذا السؤال بأن أوردت ملخصا لأسفارى فى بلاد النوبة.

سؤال: خبرنى كيف حال المماليك فى دنقلة؟

[جواب:] حكيت له ذلك الذى سيجده القارئ فى كتابى المعنون" الأسفار النوبية".

سؤال: أنا أفهم أنك تعاملت فى إبريم مع اثنين من المماليك؟ هل هذا صحيح؟

[جواب:] أدهشتنى الكلمة" تعاملت" (إذا كان المترجم قد ترجم الكلمة التركية حقيقة)، ذلك أن الباشا عندما كان فى مصر بلغه و أنا فى طريقى إلى دنقلة أنى التقيت اثنين من المماليك فى بلدة" در" و نظرا لأن الباشا كان لا يزال يشك فى محاباة الإنجليز لقضية أو مصلحة المماليك، فلربما ظن أنى كنت أحمل رسالة إليهما من الحكومة.

و هنا أكدت للباشا أن لقائى بالمملوكين كان طارئا تماما، و أن الاستقبال السيئ الذى‏

106

لقيته فى المحاس كان بسببهما، كما أبلغته أيضا أنى أخشى على حياتى منهما، و يبدو أن الباشا اقتنع بهذا التفسير.

سؤال: دعنا هنا نسوى أمورنا مع الوهابيين، و بعدها سوف أتخلص من المماليك على وجه السرعة. كم فى رأيك عدد الجنود اللازمين لإخضاع البلاد حتى منطقة سنار؟

جواب: خمسمائة رجل من القوات الجيدة يمكن أن يصلوا إلى تلك النقطة، لكنهم لا يستطيعون التمسك بالأرض، كما أن النفقات لا يمكن استعاضتها من الغنائم.

سؤال: ما الذى يمكن الحصول عليه من تلك البلاد؟

جواب: الإبل و العبيد، و الذهب من نواحى سنار، إذ يجرى جلبه من الحبشة، لكن ذلك كله مملوك لبعض الأفراد. ملوك هذه البلدان أو رؤساؤها ليست لهم ثروات.

سؤال: ما حال الطريق من مصر إلى سنار؟

جواب: لقد وصفت الطريق بين أسوان و شندى، و وصفته أيضا من سواكن إلى شندى.

سؤال: كيف أزجيت وقتك بين السود؟

[جواب:] رويت له بعض القصص المضحكة، الذى بدا لى أنه انشرح صدره لها.

سؤال: الآن، إلى أين تود الذهاب يا شيخ إبراهيم؟

جواب: أود أداء فريضة الحج، ثم العودة إلى القاهرة، ثم أقوم بعد ذلك بزيارة بلاد فارس (وجدت أنه من المناسب عدم التطرق إلى ما أنتوى، و بخاصة العودة إلى وسط إفريقيا).

107

سؤال: سهل الله لك طريقك! لكنى أرى أن سفرك الكثير على هذا النحو يعد نوعا من الحماقة و الجنون، دعنى أسألك، ما ذا كانت نتيجة رحلتك السابقة؟

جواب: مصائر الناس و أقدراهم محددة، و نحن جميعا نتبع أقدارنا. و أنا شخصيا أجد متعة فى استكشاف بلدان جديدة و غير معروفة، و أجد متعة أيضا فى تعرف أعراق مختلفة من البشر. أنا متيم بالقيام بالرحلات من باب الإشباع الشخصى الذى أجده فى الأسفار و الترحال، و بالتالى أنا لا أعير متاعبى الشخصية اهتماما.

سؤال: هل وصلتك أخبار من أوروبا؟

جواب: وصلتنى بعض التقارير المقتضبة عندما كنت فى جدة.

و هنا حكى لى الباشا الأحداث التى أسفرت عن نفى بونابرت إلى جزيرة إلبا بعد دخول الحلفاء باريس. قال الباشا: لقد تصرف بونابرت تصرف الجبناء، لقد كان أحرى به أن يسعى إلى الموت بدلا من بقائه معروضا فى قفص و العالم يضحك منه سخرية و استهزاء. ثم أضاف: إن الأوروبيين خونة أكثر من العثمانيين، لقد تخلى أصدقاء بونابرت عنه، لقد تخلى عنه كل قواده الذين هم مدينون له بثرواتهم.

كان محمد على باشا يتطلع من خلال تساؤلاته إلى معرفة العلاقات السياسية بين بريطانيا العظمى و روسيا، و معرفة احتمال نشوب الحرب بينهما، بسبب نوايا روسيا العدوانية تجاه الباب العالى (كان محمد على باشا قد تلقى معلومات استخباراتية غير صحيحة حول هذا الموضوع). كانت مخاوف محمد على تتركز فى أن الجيش الإنجليزى، الذى جرى استخدامه فى جنوب فرنسا و إسبانيا أصبح خاليا و بلا عمل و يمكن استعماله فى غزو مصر. قال محمد على" السمك الكبير يبتلع السمك الصغير، و مصر ضرورية و مهمة لإنجلترا، و بخاصة فى إمداد مالطة و جبل طارق بالقمح".

تناقشت مع محمد على باشا نقاشا موضوعيا حول هذا الموضوع، لكن ذلك النقاش جاء بلا طائل، كما لاحظت أيضا أن المترجم لم يكن يترجم إجاباتى ترجمة دقيقة، و ذلك من باب التخوف من معارضة آراء سيده و أفكاره الشهيرة المعروفة للجميع. هذه‏

108

الآراء كانت متأصلة فى واقع الأمر و راسخة، و جرى تعزيزها من قبل البعثة الفرنسية فى مصر. أردف محمد على قائلا:" أنا صديق الإنجليز" (هذا الكلام إذا ما صدر عن تركى إلى مسيحى، لا يدل على شى‏ء سوى تخوفه من ذلك المسيحى أو أنه يريد نقوده)." و أنا أصدقك القول إننا نشاهد بين كثير من عظماء الرجال قدرا كبيرا من المجاملات و شيئا قليلا جدا من الصدق و الإخلاص، و أنا آمل ألا يهجموا على مصر أثناء وجودى فى الحجاز، و أنا لو قدر لى شخصيا أن أكون هناك، فسوف أقاتل، و هذا هو أضعف الإيمان؛ كيما أكون راضيا عن مشاركتى أنا شخصيا فى القتال من أجل ممتلكاتى. أنا لا أخاف السلطان (أكد محمد على على هذه العبارة مرارا، لكنى يراودنى شك كبير فى إخلاص الرجل و ولائه)، و أنا أعرف جيدا كيف أبزه و أتفوق عليه فى إجراءاته كلها. أى جيش يجى‏ء من سوريا لا يمكن له أن يهاجم مصر عن طريق البر بأعداد كبيرة، نظرا لقلة عدد الإبل، يزاد على ذلك أن الفيالق المنفصلة أو المستقلة يمكن تدميرها بسهولة و يسر فور عبورها الصحراء".

انتهزت الفرصة و قلت لمحمد على: إنه يشبه ذلك الشاب الذى معه فتاة جميلة، و هو على الرغم من تأكده من حبها له فإنه يغار عليها من الغرباء. أجابنى قائلا: كلامك جميل و أنا أحب مصر حبا جما، أحبها حب العاشق لها، و أنا إن قدر لى أن تكون لى عشرة آلاف روح، فسوف أضحى بكل هذه الأرواح من أجل أن تبقى لى مصر".

سألنى عن الحال التى وجدت عليها الصعيد، و هل كان ولده إبراهيم (حاكم الصعيد) محبوبا أو لا فى هذه المنطقة؟ و أجبته بلغة الحقيقة قائلا: إن رؤساء القرى كلهم يكرهون ولده (لأنه أجبرهم على التخلى عن معاملتهم القاسية مع الفلاحين)، لكن الفلاحين أنفسهم كانوا متعلقين تماما بولده إبراهيم (واقع الأمر أن القمع مهم فى الوقت الراهن، و بعد أن كان يجرى قبل ذلك على أيدى المماليك، و على أيدى الكاشفين، و على أيدى شيوخهم، أصبح يجى‏ء عن طريق مستبد أو طاغية واحد هو الباشا نفسه، الذى يضع حكام المناطق تحت إمرته و سيطرته).

109

كان محمد على باشا يود أن يقف على رأيى فيما يتعلق بعدد القوات المطلوبة للدفاع عن مصر ضد أى جيش أجنبى، و أجبته بأنى لا أعرف شيئا عن الحرب إلا بقدر قراءتى فى الكتب. رد على متعجبا:" لا، لا، أنتم أيها الرحالة تكونون مفتوحى الأعين دوما، و تسألون عن كل شى‏ء". أصر محمد على على سؤاله، و أمام إلحاحه على إجابتى عن سؤاله قلت له: إن حوالى خمس و عشرين ألفا من القوات المنتقاة يمكن أن تصد أى هجوم. قال:" أنا لدىّ حاليا ثلاثة و ثلاثون ألفا". و هذا تأكيد كاذب، لأنى على يقين من أن عدد جنود محمد على فى ذلك الوقت لم يكن يزيد بأى حال من الأحوال عن ستة عشر ألف رجل، موزعين فى سائر أنحاء مصر و الحجار.

و هنا راح محمد على يشرح لى النظام الجديد، الخاص بالنظم و القوانين العسكرية. قال إن جشع الرؤساء و ليس استياء الجنود هو الذى عرقل إنشاء جيش عالى التنظيم فى تركيا، و اعترض أيضا على فكرة منع الضباط من فرض إتاوات على الخزانة العامة، و أردف محمد على قائلا:" لكنى سوف أشكل فيلقا نظاميا من الجنود الزنوج". مسألة تشكيل فيلق من الزنوج هذه حاول سلفه خورشيد باشا تنفيذها لكنه لم يصب فيها نجاحا كبيرا. مسألة النظام الجديد هذه استؤنفت على الفور عقب عودة محمد على باشا إلى مصر من حملته على الحجاز، لكن تمرد الجنود الذين سلبوا عاصمته و نهبوها اضطرته إلى التخلى عن تنفيذ فكرة النظام الجديد هذه، التى جرى التخطيط لها بصورة سيئة. فى سياق حديثه عن الدفاع عن مصر قال محمد على: إنه ينبغى أن يركز، فى بداية الأمر، على خيّالته من ناحية و مدفعية الخيالة من الناحية الأخرى، على أن تقوم الخيالة بتدمير المؤن و التموينات قبل العدو، على غرار ما فعله الروس مؤخرا، على أن تقوم مدفعية الخيول بمداهمة الأعداء من جميع الجوانب، دون التوقف مطلقا.

أثناء مقامى فى الطائف وصلت رسائل من إسطنبول عن طريق الصحراء و من خلال دمشق، تحمل إلى الباشا ترجمة تركية لمعاهدة السلام التى أبرمت فى باريس.

بعد أن قرأ الباشا هذه الترجمة مرات عدة، أمر كاتبه التركى أن يترجمها إلى اللغة

110

العربية كلمة بكلمة. و قد استغرق ذلك منا ساعات عدة فى سكن خاص، ثم عدت بعد ذلك إلى مجلس محمد على، و طلب الباشا منى إبداء رأيى فى هذه المعاهدة، و راح الباشا يشير إلى أطلس تركى منسوخ من الخرائط الأوروبية، و مطبوع فى إسطنبول، طالبا منى أن أوضح له الحدود الجديدة لكل من بلجيكا، و جزر موريشيوس، و طوباجو و موقع جنوده ... إلخ. وجدت خطأ عجيبا فيما يتعلق بموقع جنوده، فقد سبق أن قيل لى إن بنيفاbeneva جرى ضمها إلى السويدswedes و هذا ما لم أصدقه. بعد التحرى اكتشفت أن جنيف‏Geneva و سويسراSwiss هما المعنيتان، هذه المدينة و هذا البلد، يؤسفنى القول إنهما لم يكونا داخلين ضمن المعرفة الجغرافية للحاكم التركى، و مع ذلك وقع الخطأ بالفعل، ذلك أن جنيف‏Geneva تكتب‏Genoua باللغة التركية، كما أن الأتراك ينطقون السويدSweden على أنها" شويت"Shwit .

أبدى الباشا ملاحظة مفادها أن هناك الكثير الذى لا يزال يتعين عمله قبل تسوية الخلافات بين جميع الأطراف، و قد لاحظت مدى قلق الباشا من الحرب بين الدول الأوروبية، و أن هذه الحرب سوف تخلصه من كل المخاوف التى تتعلق بأمنه و سلامته، فى هذا الوقت نفسه حدث طلب كبير على القمح فى الإسكندرية.

فيما يتعلق ببونابرت، كان محمد على باشا على يقين تماما من أن الإنجليز سوف يلقون القبض عليه يوما ما فى جزيرة إلبا. تعجب محمد على متسائلا:" هل يعنى ذلك أن الإنجليز لم يجنوا أى شى‏ء طوال عشرين عاما؟ إنهم لم يحصلوا سوى على مالطة و بعض الجزر القليلة الأخرى"! كان محمد على متخوفا من احتمال وجود مواد سرية فى المعاهدة، و أن تكون هذه المواد تخولهم تملك مصر و الاستيلاء عليها. يزاد على ذلك أن فكرة استعداد الإنجليز لتوازن القوى فى أوروبا، و تأكيدهم على سلامتهم و استقلالهم، لم تخطر على بال الباشا. استطرد الباشا قائلا:" يجب أن لا يتركوا إسبانيا دون أن يدفع لهم الإسبان الثمن المناسب، و لما ذا يتخلون الآن عن صقلية؟" لم يفهم الباشا أن الذى يحكم سياسة الإنجليز قوانين الشرق و الإحساس بالصالح العام الأوروبى. قال الباشا متعجبا و بصدق شديد:" الملك العظيم، لا يعرف شيئا سوى سيفه‏

111

و حافظة نقوده، و هو يستل الأول ليملأ الثانى، و الغزاة لا يعرفون الشرف!" و هذا نذير من نذر المشاعر التى يسترشد بها السواد الأعظم من الحكام الأتراك أصحاب الأفق الضيق.

كان لدى محمد على باشا بعض الأفكار عن البرلمان الإنجليزى، فقد كان اسم و لينجتون‏Wellington مألوفا للرجل. قال محمد على:" لقد كان ولينجتون جنرالا عظيما، لكنه كان يتشكك فى مسألة قيادته لقواعد و جنود أتراك سيئين، مثلما فعل هو (الباشا) عندما استولى على مصر و الحجاز". و أعرب الرجل عن قلقه البالغ على التملك المستقبلى لكل من كورفوCorfu و الجزر السبعة. كان محمد على يتمنى من ناحية أن يشن الروس الحرب على الباب العالى، و يطردوا السلطان من أوروبا، و من الناحية الأخرى، كان الرجل يخشى إذا ما استولى الروس على تركيا فى أوروبا ألا يبقى الإنجليز فى موقف المتفرج، لكنهم سيبادرون إلى أخذ نصيبهم من الإمبراطورية التركية، التى كان على ثقة من أنها لن تكون أكثر من منطقة مصر وحدها.

أنا مازلت جاهلا برأى الباشا الحقيقى فى مسألة اعتناقى للإسلام اعتناقا حقيقيا. صحيح أنه كان يعاملنى معاملة المسلمين، و أنا أقنعت نفسى بأن سلوكى الجرى‏ء فى الطائف أقنعه بأنى مسلم حقيقى، أما بالنسبة للضامن الذى كان إسطنبوليا ناصحا، فقد كانت غالبية الناس ترى أنه موفد من قبل الباب العالى لكى يقف على ما يفعله محمد على باشا، ثم يقوم بتوصيل المعلومات إلى السلطان، و خطر ببالى أن سلوك القاضى تجاهى مرتبط بنية توجيه الاتهام للباشا بعد عودته إلى إسطنبول، و أن يكون ذلك الاتهام مرتكزا على مسألة حماية محمد على باشا لأحد المسيحيين أثناء زيارته للمدينتين المقدستين، و هذه الجريمة لا يمكن اغتفارها لأى أحد من الباشوات. كان محمد على باشا بعد عودته إلى القاهرة (التى وجدنى فيها على العكس من توقعاته، و التى التقيته فيها مرة واحدة) يتحين الفرص مرارا، بل إنه كان يبدو قلقا و يتطلع إلى إقناع كل من السيد سالت‏Salt و معه السيد" لى"Lee ، و هما من رجال صاحب الجلالة، و معهم مستشارى شركة الليفانت، و عدد كبير من الرحالة

112

الإنجليز المشهورين الذين مروا بالقاهرة، كان يحاول إقناع هؤلاء أنه عندما كان فى الحجاز، كان يعلم جيدا أنى (الشيخ إبراهيم أو إن شئت فقل بوركهارت) لم أكن مسلما، و أن صداقته (أى محمد على) مع الإنجليز هى التى جعلته يتغاضى عن ذلك، و يسمح لى باستغلال القاضى. كانت لدى محمد على باشا فكرة أوحى له بها بعض مستشاريه من الفرنجة فى القاهرة، مفادها أنى فى أسفارى المستقبلية، قد أتباهى بخداعى له و استغلالى إياه، مثلما حدث مع على بك العباسى، الذى كان كتابه قد وصل إلى القاهرة، و الذى يقول فيه إنه لم يخدع الباشا وحده، و إنما خدع أيضا العلماء كلهم، أو إن شئت فقل أهل العلم فى القاهرة. المسألة كانت أخطر بالنسبة لمحمد على من منطلق أنه لو كان أحمق فذلك لا يضير، و إنما الأهم هو ألا يكون مسلما حقيقيا فى عيون الآخرين.

و على الرغم من هذه التصريحات الصادرة عن الباشا إلى أعيان الإنجليز، و التى كانت تجرى فى الجلسات الخاصة، و التى لم تكن مصحوبة بكلام يسى‏ء إليه، واصلت حياتى فى القاهرة بعد عودتى إليها باعتبارى مسلما، دون أن يضايقنى أحد،، فى الحى التركى، و أنا لا يسعنى إلا أن أشكر محمد على باشا على استقباله الطيب لى فى الطائف، و أشكره أيضا على عدم وضع عراقيل أو عقبات فى طريق أسفارى فى الحجاز.

كنت فى مكة [المكرمة] فى شهر ديسمبر، و فى المدينة [المنورة] فى شهر إبريل، و هما الموعدان اللذان كان الباشا فيهما موجودا فى هاتين المدينتين، لكنى وجدت من الصالح و المناسب لى ألا أكون معه فى أى من هذين المكانين، اللذين لم أكن معروفا فيهما مطلقا. كانت خطتى فى الأسفار و الترحال تقضى بأن ألجأ إلى العزلة قدر المستطاع، و فيما عدا وجودى القصير فى الطائف، التى اضطرتنى ظروفى فيها إلى الظهور بعض الشى‏ء، كان الناس فى الحجاز يعرفون أنى مجرد واحد من الحجاج، رجل من أعيان مصر، رجل لا يعرفه أحد سوى قلة قليلة من ضباط الباشا الذين التقيتهم فى الطائف.

113

معلوماتى عن الطائف جد قليلة، و لم أدونها على الورق إلا بعد مغادرتى لها، و أنا لم تتهيأ لى فرصة الانفراد بنفسى يوم أن كنت فى الطائف. لم يكن لدىّ معارف كثيرة حتى أستقى منهم معلومات، يزاد على ذلك أن قلة قليلة من أفراد الطبقة العالية الذين كنت أعيش بينهم، يندر أن يخرجوا من منازلهم أثناء النهار فى رمضان.

مدينة الطائف تقع وسط سهل رملى، يقدر محيطه بمسير حوالى أربع ساعات، و هذا السهل تنمو فيه الأشجار الكثيفة، و تحيط به الجبال التى يسميها الناس هنا جبل غزوان، جبل غزوان هذا عبارة عن صخور فرعية من سلسلة رئيسية، تمتد إلى مسافة مسير أربع ساعات أو خمس فى اتجاه الشرق، ثم تنخفض بعد ذلك فى السهل، و الطائف عبارة عن مربع غير منتظم، يصل محيطه إلى مسير حوالى خمس و ثلاثين دقيقة بالخطوة السريعة، كما أنها محاطة بسور و خندق أنشأه مؤخرا عثمان المضايفة، هذا السور فيه ثلاث بوابات و تحرسه ثلاثة أبراج، لكنه أقل صلابة من أسوار جدة، و المدينة (المنورة) و ينبع، و يصل سمكه فى بعض أجزائه إلى ثمانى عشرة بوصة. على الجانب الغربى من السور، من داخل المدينة، توجد قلعة مقامة على أرض صخرية مرتفعة، و هذه القلعة تشكل جزءا من السور. الشريف غالب هو الذى بنى هذه القلعة، لكن لا يطلق عليها اسم القلعة، اللهم باستثناء أنها أكبر من المبانى الأخرى التى فى المدينة (الطائف)، و أن جدرانها الحجرية أقوى من جدران المبانى الأخرى.

و على الرغم من أن هذه القلعة شبه مخربة حاليا، فإن محمد على جعل منها مركزا للرئاسة. منازل الطائف صغيرة فى معظمها، لكنها مبنية من الحجر، غرف الاستقبال فى الطابق العلوى، و أنا لم أر غرف استقبال فى الدور الأرضى، كما هو الحال فى تركيا. شوارع الطائف أوسع من شوارع المدن الشرقية و المكان العام الوحيد الموجود أمام القلعة، عبارة عن مساحة واسعة مفتوحة يستخدمها الناس سوقا.

يمكن وصف الطائف فى وضعها الراهن بأنها مخربة، إذ إن قلة قليلة من منازلها هى التى بحالة جيدة؛ فقد دمر الوهابيون السواد الأعظم من بيوت الطائف و مبانيها، و ذلك عندما استولوا عليها فى عام 1802 م و نظرا لمغادرة الناس لتلك المدينة منذ ذلك‏

114

التاريخ، فقد بدأ كل ما فيها يتحلل و ينهار. شاهدت مسجدين كبيرين، أفضل هذين المسجدين هو مسجد الهنود. و قد قام الوهابيون بتدمير قبر العباس تدميرا كاملا، ذلك أن هذا القبر كانت له قبة من فوقه و كان الناس يزورونه و بخاصة الحجاج. و باستثناء البنايات الأربع أو الخمس التى يسكنها موظفو الباشا، لم أر مبنى من المبانى أكبر من الحجم الشائع هنا فى هذا البلد.

يجرى مد الطائف بالماء من بئرين غزيرتين، إحداهما داخل الأسوار، و الأخرى من أمام واحدة من البوابات. و الماء هنا عذب، لكنه ثقيل. هذا البلد شهير فى سائر أنحاء الجزيرة العربية بحدائقه الجميلة، التى تقع عند سطوح الجبال التى تحيط السهل الرملى. أنا لم أشاهد أية حديقة من هذه الحدائق، بل لم أشاهد مطلقا حتى و لو شجرة واحدة داخل أسوار المدينة، يضاف إلى ذلك أن المنطقة المجاورة لنا جرداء و خالية من الخضرة، الأمر الذى يجعل الحزن يخيم على المنزل شأن كل المنازل الأخرى فى الجزيرة العربية. أقرب الحدائق إلينا كانت فى الاتجاه الشمالى الغربى، على بعد مسير حوالى نصف ساعة أو ثلاثة أرباع الساعة، فى هذا الجانب أيضا توجد ضاحية مهجورة، مفصولة عن المدينة ببعض النخيل الموجود بين أنقاض هذه الضاحية التى هجرها أهلها قبل الغزو الوهابى.

أنا لم أزر أيا من تلك الحدائق. يوجد وسط هذه الحدائق بعض المقصورات التى يزجى أهل الطائف فيها أوقات فراغهم، أشهر هذه المقصورات هى وادى مثنة، و وادى سلام و وادى شمال هذه الحدائق تروى من آبار و من أفلاج تنحدر من الجبال.

أشجار الفاكهة موجودة هنا بأعداد كبيرة، و كذلك حقول القمح و الشعير. الفواكه التى تذوقتها فى الحجاز هى الأعناب ذات الأحجام الكبيرة، و المذاق اللذيذ، و التين، و السفرجل، و الرمان، لكن الأنواع الأخرى التى سبق ذكرها فى جبل قورة هى الأخرى موجودة هنا. حدائق الطائف شهيرة أيضا بوفرة الورود، التى يجرى نقلها مثل الأعناب، إلى سائر أنحاء الحجاز. كان كبار تجار مكة من قبل يجعلون من تلك الحدائق و البساتين منتجعا لهم فى فصل الصيف، فى هذه الحدائق و البساتين كان‏

115

الشريف غالب يمضى القسم الأكبر من فصل الصيف، كان لهؤلاء التجار منازلهم و مؤسساتهم فى الطائف، و لذلك كانت خسائرهم جسيمة، عندما استولى الوهابيون على الطائف.

سكان الطائف المتجانسون كلهم من العرب، أو بالأحرى من قبيلة ثقيف‏ (*)، و بخاصة الذين استقروا و استوطنوا الأماكن التى يعيشون فيها، و تعود ملكية الحدائق المجاورة للبلدة هى و محلات المؤن و التموينات التى داخل أسوار البلدة إلى العرب الذين هم من بنى ثقيف. يوجد أيضا بعض المكيين الذين استوطنوا الطائف، لكن القسم الأكبر من السكان الأجانب هم من أصل هندى. الناس هنا فى الطائف، كما هو الحال فى جدة، و على الرغم من مولدهم فى الجزيرة العربية، بل و من المستقرين هنا فى الطائف، فى بعض الأحيان، منذ أجيال عدة، فإنهم لا يزالون يرتدون الزى الهندى الإسلامى، كما أن سلوكياتهم هى سلوكيات الهنود المسلمين، بعض هؤلاء السكان من التجار، لكن القسم الأكبر من تجار العقاقير، الذين لتجارتهم أهمية كبيرة فى الحجاز أكثر من أى مكان آخر، و السبب فى ذلك راجع إلى إقبال الطبقات كلها على العقاقير و العطور إلخ. و مبلغ علمى، أنه لا يوجد تجار جملة فى الطائف. أحصيت الدكاكين فى الطائف فوجدتها خمسين دكانا. كانت الطائف قبل الغزو الوهابى مدينة تجارية، و كان عرب المناطق المحيطة بها، و التى تبعد مسير أيام كثيرة، يفدون إلى الطائف طلبا لشراء الملبوسات، فى الوقت الذى كان سكان الجبال يجلبون محصولهم من القمح و الشعير، كانت الطائف أيضا مكانا مهما من أماكن تجارة البن، الذى كان يجلب من جبال اليمن عن طريق البدو، و بذلك كانوا يتحاشون أو يروغون من العشور الثقيلة التى كانت تفرض عليهم فى موانئ سواحل الجزيرة العربية. كل شى‏ء هنا يوحى بالبؤس الشديد فى هذا البلد. واردات الطائف من المناطق الداخلية فى الجزيرة العربية تتمثل فى التمور، التى يجلبها عرب عتيبة من مزارعهم المثمرة الموجودة داخل‏

____________

(*) قبائل الحمدة، و بنى محمد، و الثمالة كلها من ثقيف- راجع العصمى.

116

أراضيهم، شوارع الطائف الرئيسية تعج بالشحاذين، الذين يشكل الهنود أعدادا كبيرة منهم، هؤلاء الهنود معرضون فى معظم الأحيان للموت جوعا؛ ذلك أننى أثناء مقامى فى الطائف، وجدت أن مجرد حصول فرد واحد على الخبز الذى يكفيه يوما واحدا، يكلفه قرشين (قيمة هذين القرشين بسعر الصرف يصل إلى حوالى سدس دولار، أو إن شئت فقل، عشر بنسات). كانت قوافل المؤن و التموينات تصل إلى الطائف مرة واحدة فى الأسبوع، لكن النقص فى أعداد الإبل كان هو السبب الرئيسى وراء شح الاستيراد من الساحل بغية تقليل أسعار المواد الغذائية، و على الرغم من أن عامة الناس يعيشون على التمور بصفة أساسية، و بالتالى فهم لا يستهلكون شيئا من التموينات التى يجرى إحضارها من مكة، على الرغم من كل ذلك فقد عرفت من مصدر جيد أن التموين فى الطائف لا يكفى الجيش التركى سوى عشرة أيام.

فى زمن الشريف كان يحكم مدينة الطائف موظف معين من قبل الشريف، اسمه حاكم و كان هو أيضا من الأشراف، و قد نجا من سيوف الوهابيين بمعجزة، و قد أعاد محمد على باشا ذلك الرجل إلى منصبه، لكن هذا المنصب يعد منصبا شرفيا فى الوقت الراهن. هناك أسماء متعددة من أسر أشراف مكة، يعيشون هنا فى الطائف، كما أن أسلوب الحياة، و كذلك الملبس و السلوكيات، يبدو أنها مثل نظيراتها فى مكة، لكن تهيأت لى فرصة إبداء بضع الملاحظات على هذا الموضوع.

الرحلة إلى مكة:

اليوم السابع من شهر سبتمبر. بدأت التحرك فى الصباح الباكر من الطائف إلى مكة، سالكا الطريق نفسه الذى جئت منه إلى الطائف. هناك كما أسلفت، طريق قصىّ فى الشمال، تستخدمه القوافل تجنبا للمصاعب التى تلقاها تلك القوافل أثناء السير فى جبل قورة. أولى المحطات من مكة على الطريق هى محطة زيمة، و بالقرب منها، على بعد حوالى عشرة أميال، توجد منحنيات عدة شديدة الانحدار. زيمة بحد

117

ذاتها عبارة عن قلعة شبه مدمرة من الناحية الشرقية من وادى الليمون، و فيها عيون جارية غزيرة الماء. وادى الليمون واحد من الوديان الخصبة يمتد مسير ساعات عدة فى اتجاه وادى فاطمة، وادى الليمون عبارة عن بيارات و مزارع نخيل، و كان الناس يزرعون أرض هذا الوادى فى الماضى، لكن مسألة الزراعة هذه توقفت اعتبارا من الغزو الوهابى، يزاد على ذلك أن بساتين الفاكهة فى وادى الليمون جرى تدميرها هى الأخرى. هذه هى آخر مراحل طريق الحج السورى الشرقى، أو إن شئت فقل، ذلك الطريق الذى يقع إلى الشرق من سلسلة جبال الحجاز الكبيرة، التى تمتد من المدينة (المنورة) إلى مكة فى الجنوب الشرقى أو بالأحرى فى الاتجاه جنوب- شرق من وادى الليمون، يوجد واد آخر خصب، يسمونه وادى المضيق، الذى يستوطنه بعض الأشراف، و يمتلك الشريف غالب فيه بعض الأطيان.

اعتبارا من زيمة، نجد أن الطريق إلى الطائف، فى اليوم التالى، أو بالأحرى من مكة إلى السيل، الذى هو نهير يحمل هذا الاسم، يمر عبر سهل خال من الأشجار، لكنه عامر بالمراعى الكثيفة. فى السيل نجد الطريق يدخل منطقة جبلية، يمر خلالها ممر و عر شديد الضيق يستغرق عبوره ست ساعات. محطة اليوم الثانى هى منطقة عقرب، و هى تقع فى السهل العلوى، على بعد مسير حوالى ثلاث ساعات من الطائف، فى اتجاه الشمال، و على مستوى ارتفاع الطائف نفسه، و بذلك يمكن القول إن المسافر من مكة يصل الطائف فى اليوم الرابع. هذا الطريق يصعب اجتيازه فى الوقت الراهن، اللهم باستثناء القوافل الكبيرة المحمية حماية جيدة، و المعروف أن عرب قبيلة عتيبة كانوا يقومون فى كثير من الأحيان بغزو هذا الجانب و الهجوم عليه، كما كانوا يقومون بسلب القوافل الصغيرة و نهبها.

على مقربة من الطائف أدركت ثلاثة جنود من الأرناءوط، كان كل واحد منهم راكبا حماره، هؤلاء الجنود كانوا قد استبدلوا نقودهم بواقع ثلاثة عشر قرشا مصريا من سك القاهرة نظير الدولار الإسبانى، الذى لم يكن يساوى فى جدة سوى أحد عشر قرشا. كان هؤلاء الجنود قد سفكوا محفظة واحدة قيمتها ألف دولار و سافروا جميعا من جدة إلى الطائف، عندما كان الطريق آمنا، كل ذلك من أجل هذا الفارق البسيط

118

فى سعر الصرف. حملوا النقود معهم معبأة فى أكياس، على حميرهم، و بعد أن غم عليهم و نسوا مصاريف السفر، انضموا إلىّ عندما شعروا أن جوال سفرى كان عامرا بالمؤن و التموينات، و حملونى وحدى مسألة مصروفات الطريق، عندما كنا نتوقف عند أكواخ القهوة. و مع ذلك كان هؤلاء الأرناءوط رفاقا طيبين، و لذلك لم تضع تلك المصروفات هباء.

عندما وصلت وادى محرم، ارتديت ملابس الإحرام، باعتبار أن هذه هى أول مرة أزور فيها مكة و الكعبة، ملابس الإحرام مكونة من قطعتين من قماش الكتان الأبيض، أو قد تكون من الصوف أو القطن، إحداهما تلف حول العجز، و الثانية توضع على الكتفين، بحيث يبقى جزء من الذراع الأيمن مكشوفا. يجب أن يتحرر الحاج من ملابسه المعتادة قبل ارتداء ملابس الإحرام. و أية قطعة من القماش يمكن أن تفى بالغرض، لكن الشرع يحتم أن تكون هذه القطعة من القماش غير مخيطة، و ألا تكون من الحرير و خالية من الزينات بكل أنواعها، و اللون الأبيض هو المفضل على سائر الألوان الأخرى. و قماش الكمبريت الهندى أبيض اللون هو المستخدم عادة فى هذا الغرض، لكن الحجاج الأثرياء يستخدمون شيلانا من الكشمير الأبيض، بدلا من قماش الكمبريت الهندى، هذه الشيلان الهندية تكون أطرافها خالية من الورود التى تنقش عليه.

و الرأس يظل حاسرا طوال أداء الفريضة، و ليس مسموحا بحلق الرأس، حسب العرف الشرعى، إلا بعد التحلل من ملابس الإحرام. مشط القدم لا بد أن يكون مكشوفا، و تأسيسا على ذلك، فإن هؤلاء الذين يلبسون أحذية، يقطعون جزءا من الجلد العلوى للحذاء، أو يلبسون أحذية تصنع خصيصا لهذا الغرض، و هى من قبيل الأحذية التى يجلبها الحجاج الأتراك معهم من إسطنبول. و أنا مثل سائر الحجيج كنت أرتدى نعلة أثناء ارتدائى ملابس الإحرام.

كبر السن و المرض أعذار تبيح للحاج تغطية الرأس، لكن ذلك يجب التعويض عنه بتقديم الصدقات للفقراء. أشعة الشمس تتعب حاسرى الرءوس تعبا كثيرا، و على الرغم من أن الشرع يحرم أى شى‏ء يكون له اتصال مباشر بالرأس، فإن الشرع لا يحرم‏

119

استعمال المظلة (الشمسية) التى يتزود بها السواد الأعظم من الحجاج الشماليين، أما الوطنيون فإنهم يتحملون أشعة الشمس، أو قد يربطون خرقة من القماش فى عصى، ليصنعوا بها ظلا صغيرا، بتحويلها ناحية الشمس.

ملابس الإحرام عندما ترتدى صيفا أو شتاء لا تكون مناسبة و مؤذية للصحة و بخاصة عند حجاج الشمال، الذين اعتادوا ارتداء الملابس الصوفية الثقيلة، هؤلاء الحجاج يتعين عليهم عند أداء فريضة الحج التحرر من تلك الملابس الثقيلة أياما عدة، و مع ذلك نجد أن الحماس الدينى لدى بعض من يزورون الحجاز يصل إلى حد أنهم إذا ما وصلوا إلى مكة قبل أشهر عدة من الحج، فإنهم يقسمون على ارتداء الإحرام، عندما يقتربون من مكة، و لا يتحررون منه إلا بعد اكتمال حجهم فى عرفات، و بذلك نراهم طوال أشهر عدة و هم لا يتغطون ليلا أو نهارا إلا بتلك الملابس الخفيفة (*)، ذلك أن الشرع يحرم استعمال أى غطاء آخر أثناء الليل؛ لكن قلة قليلة من الحجاج هم الذين يلتزمون بهذا الشرط.

كان العرب فى الجاهلية عندما يقومون بالحج إلى الأصنام التى فى مكة يرتدون أيضا ملابس الإحرام، لكن هذا النوع من الحج كان مقصورا على مدة محددة من العام، و يحتمل أن ذلك كان فى فصل الخريف؛ و السبب فى ذلك أن العرب يستخدمون التقويم القمرى، و بذلك يضيفون شهرا كل ثلاث سنوات، و بذلك لم يكن موسم الحج يختلف مثلما عليه الحال حاليا، و لكن القرآن حرم ذلك‏ (**)، و حث على أداء فريضة الحج تكريما للحى القيوم، و ليس للأصنام مثلما كان يجب فى السابق، كما حث القرآن أيضا على أن يكون التقويم هو التقويم القمرى، و بذلك انتظم موسم الحج مع اختلاف الفصول التى يجى‏ء فيها، و أمكن خلال ثلاثة و ثلاثين عاما أن يتغير موسم الحج من الشتاء القارس البرودة إلى الصيف شديد الحرارة.

____________

(*) يروى المؤرخون العرب أن هارون الرشيد هو و زوجته زبيدة أديا الحج ذات مرة سيرا على الأقدام من بغداد إلى مكة، و أنهما لم يكونا مرتدين سوى ملابس الإحرام، و أنه فى كل محطة من المحطات كانت هناك قلعة فيها سكن مؤثث تأثيثا جيدا، و أن الطريق كله كان مفروشا بالسجاد الذى كانا يسيران عليه.

(**) و قد حرمه الله و هو ما يسمى" النسى‏ء" قال تعالى: إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ. (المراجع)

120

الشخص الذى يرتدى ملابس الإحرام، أو إن شئت فقل المحرم، لا يضطر إلى الامتناع عن أطعمة بعينها، مثلما كان يفعل سكان الجزيرة العربية القدامى، الذين كانوا لا يأكلون الزبد هو و بعض الأطعمة الأخرى أثناء ارتداء ملابس الإحرام، لكن المحرم مطلوب منه أن يتحشم، و لا يسب أو يلعن، أو يتشاجر، و ألا يقتل أى نوع من الحيوانات، و لا حتى ذبابة عندما تحط على جسده، و ألا يتصل بالجنس اللطيف.

إحرام النساء عبارة عن عباءة تلفها المرأة حول جسمها، و قناع لا يظهر منه سوى عينيها، و طبقا للشرع فإن أيادى النساء و أرجلهن تكون مغطاة، لكنهن يهملن هذا الشرط.

على الرغم من أن رفاقى، أو بالأحرى الجنود الأرناءوط، كانوا مثلى يقصدون مكة، فإنهم رأوا أن مسألة ارتداء ملابس الإحرام تعد أمرا غير ضرورى، على الرغم من أن الشرع، كما سبق أن أوضحت، يحتم على كل من يقصد المدينة المقدسة فى أى وقت من الأوقات أن يكون مرتديا ملابس الإحرام‏ (*).

بقينا مدة ساعة فوق قمة جبل قورة، ثم نزلنا من فوق الجبل فى المساء.

اضطرتنا زخة من زخات المطر إلى اللجوء إلى كهف واسع على جانب الطريق، و هذا الكهف يلجأ إليه رعاة الغنم فى مثل هذه الظروف، و هؤلاء الرعاة هم من قبيلة هذيل، و وصلنا بعد غروب الشمس إلى كهوف القهوة، سالفة الذكر، الموجودة على جانب الجبل، و هذا المكان تحط فيه قوافل مكة رحالها. شببنا نارا كبيرة، و استأجرنا من العرب إناء فخاريا سلقنا فيه شيئا من الأرز لتناول العشاء. أدى السير الطويل، و المطر، و كذلك الغطاء الخفيف الذى أرتديه، إلى إصابتى بحمى خفيفة، لكنى أحسنت تغطية نفسى أثناء الليل و كنت فى صحة جيدة، فى صباح اليوم التالى. أدى تغيير الهواء، أثناء رحلتى إلى الطائف، هو و المناخ البارد نسبيا فى ذلك المكان، كل ذلك أدى‏

____________

(*) هو رأى جانبه الصواب لأن الإحرام مقصور فقط على كل من قصد الحج أو العمرة لكن دخول مكة بدون نية الحج أو العمرة لا يستوجب الإحرام. (المراجع)

121

إلى شفائى من آثار المرض الشديد الذى أصابنى فى جدة. أثناء الليل وصل قاضى مكة قادما من الطائف.

اليوم الثامن من شهر سبتمبر. مع طلوع النهار ذهبت لزيارة القاضى، و كان يدخن الشيشة و يشرب القهوة، و كان الرجل بذلك يأتى الرخصة الخاصة بإفطار المسافر فى رمضان، و بناء على الاتفاق الذى تم بيننا فى الطائف، تقرر لى أن أصحبه و هو فى طريقه إلى مكة، و هنا وجدتنى مضطرا إلى الانضمام إليه و مرافقته، لكنى كنت معارضا تماما للاستمرار معه، و سبب ذلك هو خوفى من أن يصطحبنى الرجل معه إلى منزله فى مكة، لأضع نفسى من جديد فى موقف شبيه بذلك الموقف الذى تعرضت له فى الطائف و الذى لم يكن مريحا. بدا أيضا على القاضى أنه لم يكن على استعداد لتحمل مشاق و مصاريف ضيف يحل عليه، و السبب فى ذلك أننى عندما أعربت عن مخاوفى التى مفادها أن حمارى المتعب لن يستطيع مسايرة بغله المتين، بادرنى الرجل برده الذى يقول: إنه يتطلع إلى لقائى فى مكة تحت أى ظرف من الظروف. و هنا رحلت بصحبة الجنود الأرناءوط، تاركا القاضى ينال قسطا أكبر من الراحة. أمضينا ساعات الظهيرة فى كوخ القهوة الذى يسمونه شداد، حيث كان بعض البدو يسلون أنفسهم بالرماية على هدف سبق أن حددوه، كشف هؤلاء البدو عن مهارة كبيرة فى الرماية، فقد كانوا قادرين على إصابة القرش، الذى وضعته أمامهم على مسافة أربعين ياردة.

أكواخ القهوة هذه لا يحصل المرء منها على شى‏ء سوى القهوة و الماء. القهوة هنا لا تقدم فى أكواب منفردة، كما هو الحال فى معظم بلدان الليفانت (الشرق)، لكن كل من يطلب القهوة يحصل على وعاء فخارى صغير ملى‏ء بالقهوة الساخنة يجرى وضعه أمامه، و يحتوى على ما يتردد بين خمسة عشر كوبا و عشرين كوبا من القهوة، هذه الكمية يشربها المسافر ثلاث مرات أو أربع مرات يوميا. هذه الأوانى الفخارية يسمونها هنا مشربه (انظر شكل هذه المشارب فى المخطط التوضيحى).

يحشر صاحب المقهى فى فوهة هذا الإناء قبضة من العشب الجاف، يجرى من خلالها رشف السائل أو صب السائل. لقد سبق أن شربتها بإفراط فى هذا الجزء من‏

122

الجزيرة العربية، و يقال إنه أشد من ذلك فى الجنوب، و فى المناطق القريبة من مناطق إنتاج البن.

على الطريق الذى يبدأ من شداد، و الذى يمتد بطول السهول المنخفضة، فيما بين الجبال الحارة، فاجأتنا زخة من زخات المطر العاتية و المصحوبة بالبرد، الأمر الذى أجبرنا على التوقف، و ما هى إلا فترة قصيرة حتى انهمر الماء نازلا على شكل سيول من الجبال، و عندما توقف سقوط المطر، بعد حوالى ساعة تقريبا، اكتشفنا أن المطر الذى كان لا يزال مستمرا، كان قد غطى وادى النومان بصفحة من الماء عمقها ثلاثة أقدام، فى حين كانت هناك أنهار تعذر معها عبور الطريق فى بعض مواقعه. فى مواجهة المواقف التى من هذا القبيل كان يتعذر علينا التقدم أو التراجع، إدراكا منا أن تيارات و مجار مماثلة قد تكونت من خلفنا، و هنا اتخذنا لأنفسنا موقعا على جانب الجبل، إيمانا منا بأن الماء لن يجرفنا من هذا المكان، كما نستطيع البقاء فيه إلى أن تمر العاصفة. و مع ذلك، بدأت المياه تتساقط من كل جوانب الجبال و وصل الأمر إلى حد حدوث فيضان عام، كل ذلك و المطر المصحوب بالرعد و البرق مستمر بعنف لا ينتهى. شاهدت القاضى، الذى غادر شداد بعدنا، من على بعد، يفصله عن جماعتنا سيل عميق، فى حين اضطرت بعض نسائه اللاتى كن يركبن البغال إلى البقاء بعيدات عنه بمسافة كبيرة. بقينا فى ذلك الوضع السيئ مدة ثلاث ساعات، توقف المطر بعدها و سرعان ما انحسرت السيول، لكن كان من الصعب على حميرنا المشى فى أرض زلقة يغطيها الماء، الأمر الذى اضطرنا إلى النزول من فوق الحمير ورحنا نسوقها أمامنا، إلى أن وصلنا أرضا أكثر ارتفاعا. كان القاضى و جماعته مضطرين على فعل الشى‏ء نفسه. عندئذ دخل علينا الليل، و غلفتنا السماء الملبدة بالسحب بظلام دامس، لكنه بعد مسير مغامر استمر ثلاث ساعات أو أربع، كنا خلالها نتعثر فى كل خطوة، وصلنا أخيرا إلى مقاهى عرفات، الأمر الذى جعل رفاقى يتنفسون الصعداء، هؤلاء الجنود الذين كانوا يخشون على أكياس نقودهم من السطو و اللصوص. أنا بنفسى لم أكن أقل منهم سعادة، إذ كنت بحاجة إلى إشعال النار بعد أن تشبعت ملابسى بالماء بفعل‏

123

المطر، و بخاصة أنى لم أكن أرتدى سوى ملابس الإحرام. من سوء الطالع أن المقاهى كان الفيضان قد جرفها، و لم نجد فى تلك المقاهى مكانا جافا نجلس فيه، و بصعوبة استطعنا إشعال نار فى واحد من تلك الأكواخ المضادة للحريق، و دخل القاضى هو و بعض رجاله و أنا معهم إلى ذلك الكوخ، و شربنا شيئا من القهوة، و فى كوخ من الأكواخ الأخرى كانت نساء القاضى يصحن من قسوة البرد و شدته.

و لما كان القاضى لا يريد لنسائه أن تعانين من شدة البرد، فقد آثر الركوب من جديد، بعد استراحة دامت نصف الساعة، و واصل سيره فى اتجاه مكة تاركا إياى أنا و أصحابى حول النار، التى حاولنا، بعد مضى شى‏ء من الوقت، أن ننال قسطا من الراحة حولها.

اليوم التاسع من شهر سبتمبر. بدأنا التحرك فى ساعة مبكرة، و اكتشفنا أن عاصفة الأمس لم تمتد إلى ما هو أبعد من جبل عرفات، العواصف و الفيضانات و السيول التى من هذا القبيل أمر متكرر الحدوث فى هذه الأماكن، التى تبدو فصول العام فيها غير منتظمة، على العكس منها فى أماكن أخرى تقع فى نفس دوائر العرض. بلغنى أن موسم الأمطار فى الجبال العليا هو أكثر انتظاما منه فى الأراضى المنخفضة فى كل من مكة و جدة، اللتان تكون السماء فيهما فى منتصف فصل الصيف ملبدة بالغيوم فى معظم الأحيان بفعل العواصف و الأمطار. سجل مؤرخو مكة سيولا و فيضانات مخيفة فى مدينة مكة، و أخطر تلك الفيضانات و السيول حدث فى الأعوام الهجرية 80، 184، 202، 280، 297، 549، 620، 802، 829 فى بعض تلك الفيضانات و السيول غرقت مكة و الكعبة فى الماء الذى لامس ارتفاعه الحجر الأسود، كما دمرت هذه السيول كثيرا من المنازل و أزهقت أرواحا كثيرة. هذا هو العصمى المؤرخ يورد تفاصيل واحد من تلك السيول الذى دمر مكة فى العام 1039 الهجرى، أو فى العام 1626، يوم أن تسببت السيول فى إزهاق أرواح خمسمائة نسمة، و أسفرت عن تدمير الكعبة. حدث سيل مخيف آخر فى العام 1672.

124

الوصول إلى مكة:

وصلت إلى مكة فى منتصف النهار تقريبا، و هنا راح رفاقى يبحثون عن معارفهم بين الجنود، و تركونى أتنقل وحدى، دون أن أعرف أى أحد فى البلدة، و لم تكن معى خطابات تقديم لأى أحد أعرفه سوى القاضى، الذى كنت أود تحاشيه مثلما سبق أن قلت.

كل من يدخل مكة سواء أكان حاجا أم غير ذلك، يتحتم عليه شرعا زيارة الكعبة على الفور، و ألا يشغل نفسه بأى عمل دنيوى مهما كان قبل قيامه بالطواف حول الكعبة. عبرنا صف الدكاكين و المنازل إلى أن وصلنا إلى بوابات المسجد الحرام، و عندما أخذ الحمّار أجر حماره و أنزلنى عن الحمار، و هنا أحاط به ستة من المطوفين، أو أن شئت فقل: المرشدين فى الأماكن المقدسة، و الذين عرفوا من ملابس الإحرام التى كنت أرتديها أنى قادم لزيارة الكعبة. أخذت واحدا منهم ليكون لى مطوفا و مرشدا، و بعد أن أودعت أمتعتى فى دكان مجاور للمسجد، دخلت المسجد من باب السلام، الذى يوصى الزائر بالدخول منه.

طقوس زيارة المسجد الحرام‏

على النحو التالى:

1- طقوس دينية محددة يجرى إتيانها داخل المسجد.

2- السعى بين الصفا و المروة.

3- مناسك العمرة.

هذه الطقوس يتعين أن يأتيها كل مسلم يدخل الكعبة [حاجا أو معتمرا] بعد رحلة تزيد على يومين من المسير، كما يتعين إتيان هذه الطقوس نفسها فى فريضة الحج. و سوف أصف هنا هذه الطقوس وصفا موجزا قدر المستطاع، و أنا إذا ما أوردت تفاصيل الشريعة الإسلامية و شروحها هنا فسوف يكون ذلك عملا مضنيا، واقع الأمر أن هناك كتبا متبحرة حول هذا الموضوع باللغة العربية، و هى لا تعنى بشى‏ء غير هذه الطقوس و تفاصيلها.

125

1- طقوس يجب أداؤها داخل المسجد الحرام‏

عند المدخل، و تحت بهو من الأعمدة يجرى ترديد دعاء معين عند رؤية الكعبة لأول مرة، ثم يصلى الزائر ركعتين، أو أربع سجدات لله (شكرا على الوصول إلى البيت الحرام، و تحية للمسجد نفسه) (*)، ثم يقترب الحاج بعد ذلك من الكعبة، عن طريق أحد الطرق الممهدة المؤدية إلى الكعبة، و ذلك انطلاقا من المكان الذى يكون فيه الحاج.

و عندما يمر أمام العقد المعزول أمام الكعبة، و المسمى باب السلام، يدعو بدعاء محدد.

هناك بعض الأدعية الأخرى التى يرددها الحاج بصوت خفيض، ثم يضع الزائر نفسه فى مواجهة الحجر الأسود أو لمسه فى الكعبة، و يصلى ركعتين، و بعد الانتهاء من الركعتين يجرى تقبيل الحجر الأسود و لمسه باليد اليمنى، إذا لم يكن هناك زحام.

و يواصل الزائر الطواف حول الكعبة، بحيث تكون الكعبة على يساره. هذا الطقس أو الركن يجرى تكراره سبع مرات، بحيث تكون الأشواط الثلاثة الأولى بالخطوة السريعة، تأسيا بالنبى (صلى اللّه عليه و سلم)، الذى قال عنه أعداؤه إنه كان مريضا مرضا خطيرا، و لكنه اعترض عليهم و راح يطوف جريا حول الكعبة فى الأشواط الثلاثة الأولى. كل دورة يجب أن تكون مصحوبة بأدعية معينة، يجرى الدعاء بها بصوت خفيض، و بحيث تكون موزعة على أجزاء المبنى المختلفة التى يتجاوزها الزائر، و يجرى تقبيل الحجر الأسود أو لمسه فى نهاية كل شوط، فضلا عن الحجر الآخر الموضوع عند ركن من أركان الحجر الأسود (**)، و عندما ينتهى الزائر من الدورات أو الأشواط السبعة، يقترب بعد ذلك من الكعبة، فى المسافة ما بين الحجر الأسود و باب الكعبة، و هو المكان الذى يسمونه‏

____________

(*) المعروف أن تحية المسجد الحرام بالطواف حوله طواف القدوم، خلاف غيره من المساجد التى تؤدى فيها ركعتان تحية المسجد، و للزائر أن يصلى ما يشاء تنفلا لا تحية للمسجد.

(**) ليس فى بناء الكعبة حجر آخر يجرى تقبيله غير الحجر الأسود، الذى ورد فيه قول عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه)" لو لا أنى رأيت رسول الله يقبّلك ما قّبّلتك" أما الموضع الآخر الذى يستحب لمسه أو الإشارة إليه فهو" الركن اليمانى" الذى يسبق الحجر الأسود فى طواف الطائف.

126

الملتزم، و عند الملتزم و بأذرع مفتوحة و صدر موضوع بحيث يضغط على جدار الكعبة، يدعو الله العفو و المغفرة و أن يغفر له خطاياه. ثم يرجع إلى الخلف قليلا حيث مقام إبراهيم و يصلى ركعتين، تسميان سنة الطواف، و بعدها يعود إلى بئر زمزم، و بعد دعاء دينى قصير لتشريف البئر، يشرب من مائها بغيته، أو فى مناسبات عندما لا يكون هناك زحام على البئر، و بذلك تنتهى الطقوس التى ينبغى أداؤها داخل المسجد الحرام.

يمكن أن أضيف هنا، أن الطواف عبارة عن طقس إسلامى ليس مقصورا كلية على المسجد الحرام فى مكة. فى صيف العام 1818 الميلادى كنت أحضر مولد سيدى عبد الرحيم القنائى، فى الوجه القبلى فى مصر، و هم فى قنا يسمونه سيدى عبد الرحيم القناوى. شاهدت آلافا كثيرة من الناس متجمعين فى السهل، الذى يوجد فيه قبر الشيخ القنائى، و الذى يبعد مسافة ميل تقريبا عن بلدة قنا. كل من كان يفد على المكان كان يدور سبع مرات حول المسجد الصغير الذى يحتوى على القبر، يضاف إلى ذلك أن الكسوة الجديدة التى أحضرت للقبر فى ذلك العام، جرى جلبها فى موكب مهيب، و طاف الحاضرون كلهم سبع مرات حول المبنى، جرى بعدها وضع الكسوة الجديدة على القبر.

2- السعى بين الصفا و المروة

اقتادنى مطوفى أو مرشدى، الذى كان شديد القرب منى طوال الطقوس سالفة الذكر، و كان يتمتم بالدعاء الذى كنت أردده وراءه، اقتادنى هذا الرجل إلى خارج المسجد الحرام من باب الصفا- على بعد مسافة حوالى خمسين ياردة من الجانب الجنوبى الشرقى من المسجد، على أرض هينة الارتفاع- لأجد ثلاثة عقود صغيرة مفتوحة تربط بينها عارضة علوية، توجد أسفلها ثلاث درجات عريضة، تؤدى إلى تلك العقود الثلاثة.

127

هذا المكان يسميه الناس هنا جبل الصفا، هنا يقف الزائر و يوجه وجهه شطر المسجد الذى تحجب رؤيته بعض المنازل التى تتوسط هذه المسافة، و يرفع يديه إلى السماء، و يدعو الله بدعاء قصير، و يطلب عونه له فى السعى كما يسميه الناس هنا، ثم ينزل الحاج بعد ذلك، ليبدأ السير فى شارع مستو يبلغ طوله ستمائة خطوة، يطلق عليه مؤرخو الجزيرة العربية اسم وادى الصفا، الذى يفضى إلى المروة، الموجودة فى نهاية ذلك الوادى، حيث توجد حلبة من الحجر، يصل ارتفاعها حوالى ستة أقدام أو ثمانية فوق مستوى ارتفاع الشارع، و فيها بعض الدرج الذى يمكن من الصعود إليها. يتعين على الزائر الهرولة بين الصفا و المروة، و لمسافة قصيرة، موضحة بأربعة أحجار، يطلقون عليها اسم الميلين الأخضرين، هذه الأحجار مبنية فى جدران المنازل التى على الجانبين، يتعين على الزائر أن يهرول فى هذه المسافة. اثنان من هذه الأحجار الأربعة يميل لونها إلى الاخضرار، هذه الأحجار تحمل نقوشا عديدة، لكن هذين الحجرين على مسافة عالية فى الجدار، بحيث يصعب قراءة هذه النقوش، و أثناء هذا السعى يجرى ترديد الدعاء بصورة مستمرة و بلا انقطاع.

الاشخاص الذين لا تساعدهم ظروفهم الصحية، يمكنهم الركوب أو يجرى حملهم فى صناديق، و الحاج عندما يصل إلى المروة يصعد الدرج، و يرفع يديه، و يردد دعاء مثل الدعاء الذى يقوله فى الصفا، و الذى ينبغى أن يعود إليها. السعى بين الصفا و المروة يتكرر سبع مرات تنتهى بالمروة، أربع مرات من الصفا إلى المروة، و ثلاث مرات من المروة إلى الصفا.

3- أداء العمرة

بالقرب من المروة هناك عدد كبير من دكاكين الحلاقين، يدخل الحاج واحدا من تلك الدكاكين، بعد الانتهاء من السعى، و يحلق الحلاق شعر رأس الحاج، و هو يدعو بدعاء معين، يردده الحاج بعده. المذهب الحنفى، أحد المذاهب الأربعة يقول بحلق ربع الرأس، أما بقية الرأس فتظل بدون حلق إلى أن يعود الحاج من العمرة. بعد الانتهاء

128

من الحلق أو التقصير يصبح الحاج حرا و يحق له التحرر من ملابس الإحرام، و يرتدى ملابسه العادية، أو يظل مرتديا ملابس الإحرام، لحين الانتهاء من أداء العمرة و يكتفى فقط بأداء ركعتين عندما يشرع فى العمرة. و مع ذلك فهذا أمر نادر الحدوث، نظرا لأن الطواف و السعى مرهقان إلى حد أن المرء يكون بحاجة إلى الراحة بعد الانتهاء منهما، و هنا يرتدى الزائر ملابسه العادية، لكنه يستطيع فى اليوم التالى أو فى أى يوم بعده (و التعجيل أفضل) ارتداء ملابس الإحرام، و اتباع الطقوس نفسها عند ارتداء ملابس الإحرام لأول مرة ثم يبدأ بعد ذلك فى أداء العمرة، بأن يذهب إلى مكان يبعد عن مكة مسير ساعة واحدة. فى هذا المكان يصلى الزائر ركعتين فى مسجد صغير موجود هناك، ثم يعود إلى مكة و هو يردد نداء التلبية قائلا" لبيك، اللهم لبيك"، و يتعين عليه بعد ذلك الطواف من جديد، ثم السعى، و يحلق شعر رأسه تماما، و يتحلل، و بذلك تنتهى طقوس العمرة. أداء العمرة أمر ضرورى من الناحية الشرعية (*)، لكن كثيرا من الناس يتجاهلون هذا الشرط. و أنا شخصيا ذهبت إلى العمرة، فى اليوم الثالث بعد وصولى إلى (مكة)، و قد قطعت هذه المسافة سيرا على الأقدام أثناء الليل، و تلك عادة درج الناس عليها هنا فى فصل الصيف و الحرارة.

فى موسم الحج يتعين تكرار كل هذه الطقوس بعد العودة من وادى منى، و أيضا عند مغادرة مكة. الطواف حول الكعبة أمر مستحب كلما استطاع المرء إلى ذلك سبيلا، هناك قلة قليلة من الأجانب الذين يعيشون فى مكة، لا يجدون أى مانع من الطواف بالكعبة مرتين كل يوم، مرة فى المساء و أخرى قبل طلوع النهار.

قبل عصر محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و عندما كان الناس يعبدون الأصنام فى الجزيرة العربية، كانت الكعبة تعد شيئا مقدسا، و تحظى زيارتها بالوقار الدينى من قبل أشخاص كانوا يؤدون الطواف بطريقة مماثلة إلى حد بعيد لما يفعل خلفهم فى الوقت الراهن. كان الحرم، فى ذلك الزمان، مزينا بثلاثمائة و ستين صنما، و كان هناك فارق‏

____________

(*) العمرة ليست فريضة واجبة الأداء مثل الحج، و يجوز للحاج أن يفرده بالأداء دون العمرة و يكون حجه فى هذه الحالة" مفردا".

129

كبير فى الطقوس، ذلك أن الرجال و النساء كانوا مجبرين على الظهور فى حال من العرى الكامل‏ (*) حتى يمكن لهم التخلص من ذنوبهم مع التخلص من ملابسهم. كان سكان الجزيرة العربية القدماء يمجدون الصفا و المروة باعتبارهما مكانين مقدسين، يحتويان على صور ذهنية للإلهين مطعم و نهيك، و فى هذين المكانين كان من عادة عبدة الأوثان السير من مكان إلى آخر، بعد عودتهما من الحج. هنا، إذا كان علينا أن نصدق الحديث الشريف، نجد أن هاجر، أم سيدنا إسماعيل (عليه السلام) راحت تتجول فى الصحراء، بعد أن طردت من بيت (سيدنا) إبراهيم، حتى لا تشهد وفاة طفلها الصغير، الذى وضعته، و هى تكاد تموت ظمأ، و عندما ظهر جبريل (ضرب الأرض بقدمه، الأمر الذى جعل عين زمزم تنفجر على الفور. و تأبينا لتجوال (ستنا) هاجر، التى قطعت فى كربها سبعة أشواط بين الصفا و المروة، و يقال إن المشى من مكان إلى الآخر أدرج ضمن الطقوس.

يروى المؤرخ الأزرقى، أن العرب فى الجاهلية بعد أن ينتهوا من الحج إلى عرفات، كانت كل القبائل المختلفة الموجودة تتجمع عند العودة إلى مكة فى المكان المقدس المسمى الصفا، ليتغنوا بصوت عال مشحون بالعاطفة، يمجدون أسلافهم، و يتذكرون أمجادهم و يذيعون صيت أمتهم. كان ينبرى من كل قبيلة من القبائل شاعر يروح يخاطب الجماهير، قائلا:" إلى قبيلتنا ينتمى المحاربون الأشاوس فلان و علان و ينتمى إليها أيضا الكرام من أمثال زيد و عبيد، و نحن الآن نفتخر بآخرين غير هؤلاء و أولئك". ثم يبدأ الشاعر بعد ذلك فى سرد الأسماء، و يتغنى بأمجادهم و مناقبهم، و يختم قصيدته بمقطوعة من الشعر البطولى، مناشدا القبائل الأخرى مستخدما عبارات من قبيل:" هذا الذى ينكر حقيقة ما أقول، أو من يتساءل عن مثل هذا المجد و الشرف‏

____________

(*) لم يكن العرى واجبا على كل الحجيج فى الجاهلية، و إنما طائفة من العرب أطلق عليهم اسم" الحمس"، و كانوا قلة.

130

و الفضيلة حسبما نراها، عليه أن يتقدم ليثبت و يدلل على صدق ما يقول." و ينهض شاعر آخر، و يروح يتغنى بلغة مماثلة للغة السابقة، و جزلة أو أفضل منها، بأمجاد قبيلته محاولا فى ذات الوقت التقليل من شأن ادعاءات غريمه أو السخرية منها.

لتقليل العداوة و البغضاء الناتجة عن مثل هذه الحالة، أو ربما لكسر روح الاستقلال عند البدو، ألغيت هذه العادة بنص من القرآن، تقول الآية القرآنية:

فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً.

و الأرجح أن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) قضى بذلك على السبب الرئيسى لكثير من المعارك و المشاجرات.

زيارة العمرة هى الأخرى عادة قديمة. و قد أبقى محمد (صلى اللّه عليه و سلم) على تلك العادة، و يروى أن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) كان يصلى العشاء فى ذلك المكان.

بعد أن انتهيت من طقوس الطواف و السعى المرهقة، حلقت جزءا من رأسى، و مكثت فى دكان الحلاق، لأنى لم أكن أعرف أى مكان آخر من أماكن الراحة. رحت أسأل عن السكن و المساكن، و لكنى عرفت أن المدينة كانت تغص بالناس فعلا و بخاصة الحجاج، فضلا عن أناس آخرين كثيرين، كان يتوقع وصولهم، و أن كل هؤلاء كانوا قد حجزوا مساكن لأنفسهم فى المدينة. و مع ذلك، و بعد فترة قصيرة عثرت على رجل عرض علىّ غرفة مؤثثة، استأجرتها، و لما كنت بلا خادم، فقد عشت و أقمت مع مالك الغرفة. كانت أسرة ذلك الرجل مكونة من زوجة و طفلين، و قد انسحبت لتعيش فى فناء (حوش) صغير مكشوف، بجوار الغرفة التى أقيم فيها. كان صاحب الغرفة واحدا من فقراء المدينة المنورة، و كان يعمل مطوفا، على الرغم من أن حياة ذلك الرجل و أسلوب معيشته أدنى من مستوى الطبقة الثانية من المكيين، فإنها كانت تكلفنى خمسة عشر قرشا يوميا، و اكتشفت بعد الرحيل، ضياع قطع من ملابسى، جرى أخذها من جوال سفرى، لم يكن ذلك هو كل ما حدث. فقد دعانى ذلك الرجل فى يوم العيد على عشاء فخم، بصحبة ستة من أصدقائه، فى الغرفة التى كنت أقيم فيها، و فى صبيحة اليوم التالى قدم الرجل لى فاتورة فيها كل تكاليف هذه العزومة.

131

آلاف المصابيح التى يجرى إشعالها فى شهر رمضان فى المسجد الحرام، جعلت منه ملاذا ليليا لكل الأجانب الموجودين فى مكة، كانوا يتمشون فى المسجد أو يجلسون يتسامرون إلى ما بعد منتصف الليل. كان المشهد يشكل منظرا فريدا يشبه (باستثناء غياب النساء) تجمعات منتصف الليل الأوروبية، إن المسجد الحرام ينبغى أن يكون الحرم المقدس للدين الإسلامى، هذه الليلة الأخيرة من رمضان، لا تعكس تلك المباهج الاحتفائية التى نشاهدها فى أجزاء أخرى من الشرق، يزاد على ذلك أن الأيام الثلاثة التى تلى هذه الليلة تخلو من المتع العامة. هذه هى قلة قليلة من الأرجوحات الصغيرة جرى وضعها فى الشوارع ليتسلى بها الأطفال، و هؤلاء هم بعض الحواة المصريين يعرضون ألا عيبهم على الجموع التى فى الشوارع، و لم يكن هناك أى شى‏ء آخر غير ذلك للاحتفاء بالعيد، لكن يستثنى من ذلك الملابس غامقة الألوان التى يتفوق فيها أهل الجزيرة العربية على كل من السوريين و المصريين.

قمت بالزيارة المعتادة فى مثل هذه الظروف، فقد ذهبت لزيارة القاضى بمناسبة العيد، و بعد انتهاء اليوم الثالث (المصادف للخامس عشر من شهر سبتمبر) توجهت إلى جدة لاستكمال معدات سفرى، التى يسهل الحصول عليها فى جدة عن مكة. و بينما كنت فى طريقى إلى الشاطئ، جرى أسرى بواسطة جماعة عابرة من الوهابيين، و طال مقامى فى جدة مدة ثلاثة أسابيع، و كان السبب الرئيسى وراء ذلك المقام الطويل هو تورم قدمىّ، و هذا مرض شائع فى هذا الساحل غير الصحى، الذى تتحول فيه عضة النملة الواحدة، إذا ما أهملت، إلى جرح خطير.

عدت إلى مكة فى حوالى منتصف شهر أكتوبر، و معى عبد كنت قد اشتريته من جدة. هذا الصبى كان من بين القافلة التى ذهبت معها من السودان إلى سواكن، و قد اندهش هذا الصبى أيما اندهاش عندما رآنى على حال غير الحال التى رآنى عليها من قبل، أخذت معى حمل جمل من المؤن و التموينات، القسم الأكبر منها عبارة عن‏

132

دقيق، و بسكويت، و زبد، حصلت عليها من جدة بثلث الثمن الذى تباع به فى مكة، و عقب وصولى إلى مكة مباشرة استأجرت سكنا لائقا فى حى من أحياء المدينة غير المطروقة، و يسمونه حارة المسفلة. فى هذا الحى تمتعت بميزة وجود بعض الأشجار الكبيرة التى كانت أمام نافذتى، كان منظر هذه الأشجار، بين هذه الصخور القاحلة التى أحرقتها الشمس، يدخل السرور إلى نفسى أكثر من أى منظر طبيعى آخر من المناظر التى يمكن أن أراها فى ظروف مختلفة عن الظرف الذى أنا فيه حاليا. فى هذا المكان كنت أتمتع بحرية و استقلال أحسد عليهما، ترددت على أماكن كثيرة، و رأيت الكثير من المجتمع بالطريقة التى تعجبنى، و اختلطت بكثير من الحجاج الأجانب من كل أنحاء الدنيا، و لم أكن محطا للملاحظات البذيئة أو الاستفسارات المستفزة. و عندما كان أحد يسأل عن أصلى (و هذا أمر نادر الحدوث فى مكان يعج بالغرباء و الأجانب)، كنت أقول إنى واحد من فيلق المماليك الذين جرى تجريدهم من سلطتهم فى مصر، و كان سهلا على تحاشى أولئك الأشخاص الذين ربما أدت معرفتهم الوثيقة بالبلاد إلى اكتشاف كذبى و تنكرى، لكن لم يكن هناك ما يخيفنى من النتائج التى يمكن أن تترتب على أكتشاف أمرى، ذلك أن مسألة التنكر أمر سائغ بين الرحالة الشرقيين كلهم، و بخاصة فى مكة، التى يدعى كل رحال فيها الفقر هربا من تكلفته ما لا يطيق أو تكبيده نفقات أو مصروفات كبيرة. طوال رحلاتى كلها فى الشرق، لم أتمتع بمثل حرية الحركة التى نعمت بها فى مكة، و سوف أحتفظ دوما بذكرى طيبة لمقامى فى ذلك البلد، و ذلك على الرغم من أن حالى الصحى لم يسمح لى بالاستفادة من المزايا كلها التى هيأها لى الموقف الذى كنت فيه، و سوف أبدأ الآن فى وصف المدينة، و سكانها، و الحج، ثم أستأنف بعد ذلك قصة أسفارى.

133

وصف مكة (*)

خريطة خريطة مكة

____________

(*) شرح المخطط:

134

____________

1- حى جرول.

2- حى الباب.

3- شبيكة.

4- حى الخندريه.

5- حى هجلة.

6- منزل من منازل الشرى.

7- الحى المسمى السوق الصغيرة.

8- الحى المسمى المسفلة.

9- الحى المسمى العمرة.

10- الحى المسمى الشامية.

11- الحى المسمى السويقة.

12- الحى المسمى قاران.

13- منزل أسرة الجيلانى.

14- حى شبه مهدم يسكنه الفقراء.

15- الحى المسمى رقوية.

16- وادى الناقه.

17- القصور الرئيسية للشريف.

18- الحى المسمى السليمانية.

19- الحى المسمى عامر.

20- شارع الحدادين.

21- الحى المسمى المعالة.

22- مسجد صغير.

23- الحى المسمى معمولة.

24- الحى المسمى غزة.

25- الحى المسمى شعب المولد.

26- الحى المسمى سوق لويل.

27- الحى المسمى المدعة.

28- مخزنان من مخازن الغلال.

29- المروة.

30- المسعى.

31- الحى المسمى زقاق الحجر.

32- مولد ستنا فاطمة.

33- الشارع المسمى الدرب الصينى.

34- الشارع المسمى القشاشية.

35- الحى المسمى شعب على.

36- الصفا.

37- منازل الشريف.

38- آبار مالحة الماء فى أجزاء مختلفة من المدينة.

39- الحى المسمى جياد.

40- أكواخ يعيش فيها عبيد الشريف.

41- قصر الشريف المسمى بيت السادة.

42- القلعة الكبيرة.

43- حى مهدم.

44- خان مهدم تابع للحج اليمنى.

45- بركة ماجن، خزان ماء للحجاج اليمنيين.

46- بعض الحقول المنزرعة.

47- بركة الشامى.

48- بركة المصرى.

49- حقول منزرعة.

135

مكة، مكرمة بين العرب بألقاب كثيرة جزلة و مدوية، و أشهر هذه الألقاب هى أم القرى، و المشرفة، و البلد الأمين. و قد ألف الفيروز آبادى صاحب القاموس مقالا كاملا عن أسماء مكة. هذه المدينة تقع فى واد ضيق و رملى فى آن واحد، و الاتجاه الرئيسى لذلك الوادى من الشمال للجنوب، لكن هذا الوادى يغلب عليه الاتجاه ناحية الشمال الغربى فى اتجاه الطرف الجنوبى من المدينة. من حيث العرض نجد أن اتساع ذلك الوادى يتردد بين مائة خطوة و سبعمائة خطوة، و القسم الأكبر من المدينة يوجد فى المنطقة التى يزداد فيها عرض الوادى أو اتساعه. فى الجزء الضيق من الوادى توجد صفوف من المنازل فقط، أو الدكاكين المنفصلة. و مدينة مكة نفسها تغطى مساحة تقدر بحوالى ألف و خمسمائة خطوة من حيث الطول، و ذلك بدءا من الحى الذى يسمونه‏

____________

50- منزل من منازل الشريف.

51- مقام ابن طالب.

52- غدران حجرية كبيرة مليئة بالماء.

53- طريق محمد مؤدى إلى الشيخ محمود.

54- الشيخ محمود فى مكان تخييم الحج السورى.

55- قبر خديجة زوجة محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

56- قصر كبير من قصور الشريف يستخدم ثكنات للجنود.

57- ضواحى تسمى معابدة.

58- سبيل عام يجرى إمداده بالماء من القناة.

59- منتجعات صيفية للشريف.

60- بئر.

61- المسجد الكبير الذى يسمى الحرم.

62- منزل القاضى الملحق بالمسجد.

63- قبر سيد عقيل، التاجر الكبير و الملحق بالمسجد.

64- مساكن تابعة لإحدى المدارس العامة يسكن الباشا الذى يجى‏ء إلى مكة.

65- الجبل المسمى جبل هندى.

66- الجبل المسمى جبل ليلا أو جبل كوكخان،

67- جبل أبو قبيص.

68- أعلى قسم جبال مكة المسمى خندامه.

69- جبل عمر.

(أ) أبراج مراقبة دائرية فى أجزاء مختلفة.

(ب) بطحاء فى أجزاء مختلفة.

(ج) مدافن، الأول منها هو قبور شبيكة و الثانى قبور المعالة.

(د) مخيم بدوى صغير.

(ه) أسبلة عامة يجرى إمدادها بالماء من القناة.

136

الشبيكة إلى نهاية المعالة، لكن الطول الكلى للأرض التى تندرج تحت مسمى مكة، و التى تبدأ من الضاحية التى يسمونها جرول (حيث يوجد المدخل القادم من جدة) و تنتهى عند الضاحية التى يسمونها المعابدة (على طريق الطائف)، تقدر بحوالى ثلاثة آلاف و خمسمائة خطوة.

الجبال التى تحيط بهذا الوادى (التى أطلق العرب عليها، قبل بناء المدينة، اسم وادى مكة أو بكة) يتردد ارتفاعها بين مائتى قدم و خمسمائة قدم، و هى جبال قاحلة جرداء خالية من الأشجار. و السلسلة الرئيسية من هذه الجبال تقع فى الجانب الشرقى من المدينة، و ينحدر الوادى انحدارا هينا ناحية الجنوب، حيث يوجد الحى الذى يسمونه المسفلة (بمعنى المكان المنخفض)، و مياه المطر التى تفقدها المدينة تتجه صوب جنوب المسفلة حيث الوادى المفتوح المسمى وادى الطرافين. القسم الأكبر من المدينة يقع فى هذا الوادى نفسه، لكن هناك أجزاء أخرى مبنية على جوانب الجبال، و بخاصة السلسلة الشرقية، التى يوجد فيها مساكن القرشيين، و التى يبدو أن المدينة القديمة كانت مقامة عليها.

يمكن القول إن مكة بلد جميل: شوارعها أوسع بشكل عام من شوارع المدن الشرقية الأخرى، و منازلها مرتفعة، و مبنية من الحجر، و نوافذها المتعددة التى تطل على الشارع تضفى على هذه المنازل المزيد من الحياة و الحيوية و تضفى عليها مسحة أوروبية، و ذلك على العكس من المنازل المصرية و السورية التى ليس فيها سوى عدد قليل جدا من النوافذ التى تفتح على الشارع. مكة (شأنها شأن جدة) تحتوى على كثير من المنازل المكونة من ثلاثة طوابق، لكن اللون الرمادى الغامق للحجر هو اللون المفضل فى مكة، بعكس اللون شديد البياض الذى يؤذى العيون فى جدة. فى السواد الأعظم من مدن الليفانت، نجد أن ضيق الشوارع يسهم فى برودتها، و فى البلدان التى لا تستخدم فيها العربات ذات العجلات، نجد أن الفرغ الذى يسمح بمرور جملين إلى‏

137

جوار بعضهما يعد مساحة كافية لعرض الشارع. و مع هذا كان من الضرورى فى مكة أن يكون المرور واسعا وحرا، تحسبا للجماهير الغفيرة التى تتجمع فى هذا البلد، يضاف إلى ذلك أن من الضرورى أن تكون النوافذ على هذا النحو فى المنازل المعدة لاستقبال هذه الأعداد الكبيرة من الحجاج و المسافرين.

مكة، مدينة مفتوحة من الجوانب كلها، و الجبال القريبة منها إذا ما أحسن الدفاع عنها يمكن أن تكون حاجزا قويا و مانعا قويا أيضا فى وجه العدو. كان لمكة فى الأزمان السابقة ثلاثة أسوار لحماية أطراف المدينة، واحد من تلك الأسوار الثلاثة جرى بناؤه عبر (الوادى) عند شارع المعالة، و الثانى جرى بناؤه فى حى الشبيكة، و الثالث فى الوادى المفتوح على المسفلة. هذه الأسوار الثلاثة جرى ترميمها فى العامين الهجريين 818 و 828، و فى القرن الماضى كانت لا تزال هناك بعض من آثار هذه الأسوار (*).

المكان العام الوحيد فى المدينة كلها هو الميدان الفسيح الخاص بالحرم، ليس فى المدينة أشجار أو بساتين تسر الناظرين، و المشهد لا يعج بالحيوية و الحياة إلا فى موسم الحج؛ نظرا للأعداد الكبيرة من الدكاكين المليئة بالبضائع التى توجد فى سائر أحياء المدينة، و إذا ما استثنينا أربعة منازل أو خمسة مملوكة للشريف غالب، نجد أن هناك مدرستين (تحولتا إلى مخازن للغلال فى الوقت الراهن)، و نجد أيضا الجوامع هى و المبانى و المتنزهات الملحقة بها. مكة ليس فيها من المبانى العامة ما يمكن أن تتفاخر أو تتباهى به، و لذلك فهى فى هذا الصدد تعانى عجزا أكثر من أية مدينة شرقية أخرى لها حجم مكة. و المدينة خالية من الخانات، المطلوبة لإقامة المسافرين، أو لتخزين البضاعة، و ليس فيها قصور لعلية القوم و الأعيان، أو مساجد

____________

(*) راجع الأزرقى، و الفاسى و قطب الدين.

138

تزين كل حى من أحياء المدينة كما هو الحال فى مدن الشرق الأخرى، و نحن قد نعزى افتقار مكة إلى المبانى الفخمة، إلى التوقير و التقدير اللذان يسبغهما أهل مكة على المسجد الحرام، هذا يمنع أهل مكة من إنشاء أى مبنى يمكن أن يكون منافسا للحرم.

طريقة البناء فى مكة هى أيضا الطريقة المتبعة فى جدة، إضافة إلى أن نوافذ منازل مكة تطل على الشارع، عدد كبير من النوافذ فى مكة تبرز من الحائط، لكن إحدى هذه النوافذ محفورة حفرا جيدا، أو مدهونة دهانا جيدا، و من أمام هذه النوافذ تتدلى بعض الستائر المصنوعة من البوص الرفيع، و هذه الستائر تمنع الذباب و النمل فى الوقت الذى تسمح فيه هذه النوافذ بتجدد الهواء. كل منزل من منازل مكة له شرفته الخاصة، و أرضية هذه الشرفة (المكونة من خلطة من الحجر الحجرى) مبنية بميل خفيف، حتى يمكن لمياه الامطار أن تندفع من خلال الميازيب إلى الشارع، و سبب ذلك أن المطر شحيح فى مكة، على نحو لا يساوى مشقة تجميع مثل هذا الماء فى خزانات، مثلما يحدث فى سوريا. شرفات المنازل هنا بجدران خفيفة على شكل حاجز، و سبب ذلك هو أن أهل الشرق كلهم، يعتبرون ظهور الرجل فى شرفة المنزل شيئا سيئا، إذ يمكن اتهام الرجل الذى يرتكب مثل هذا العمل بأنه يتلصص على النساء فى البيوت المجاورة؛ نظرا لأن النساء يقضين القسم الأكبر من وقتهن فى شرفات المنازل، و هن يؤدين الأعمال المنزلية التى من قبيل تجفيف القمح، و نشر الغسيل إلخ. الأوروبيون الذين فى حلب هم وحدهم الذين يتمتعون بميزة الوقوف فى شرف المنازل، التى تبنى من الحجر و بطريقة جميلة، هؤلاء الأوروبيون يلجأون إلى شرف المنازل فى فصل الصيف و بخاصة فى المساء، و يصل الأمر بهم إلى حد تناول العشاء و النوم فى تلك الشرف. كل مبانى المكيين، فيما عدا منازل الأثرياء و الأعيان، يجرى إنشاؤها لإقامة المستأجرين إذ يجرى تقسيم المنزل إلى شقق عدة، منفصلة عن بعضها البعض، و يتكون كل منها من غرفة جلوس و مطبخ صغير. و منذ أن بدأ الحج ينحسر، (حدث ذلك‏

139

قبل الغزو الوهابى) لم يعد كثير من المكيين يجنون فائدة من وراء منازلهم، و بالتالى وجدوا أنفسهم عاجزين عن القيام بأعمال الصيانة المطلوبة لهذه المنازل، الأمر الذى أدى إلى انهيار كثير من هذه المنازل فى الضواحى البعيدة و تحولت إلى أنقاض، فضلا عن ظهور كثير من المبانى المتحللة فى المدينة نفسها. شاهدت واحدا من تلك المبانى التى جرى تشييدها مؤخرا، كان ذلك المنزل فى حى الشبيكة، و هو من المنازل المملوكة للشريف غالب، و قد تكلف ذلك المنزل، على حد قول أحد التقارير، مائة و خمسين كيسا من أكياس النقود. المنزل الذى من هذا النوع فى القاهرة يتكلف بناؤه ستين كيسا فقط.

شوارع مكة كلها غير ممهدة، و فى فصل الصيف يشكل الرمل و الغبار مصدرا كبيرا للقلق فى هذه الشوارع، كما يشكل الوحل مصدرا للقلق أيضا فى هذه الشوارع فى موسم الأمطار، يتعذر تجاوز تلك الشوارع بعد سقوط المطر؛ و سبب ذلك أن المطر الذى يسقط داخل المدينة لا ينصرف ماؤه، و إنما يبقى إلى أن يجف. و بذلك يمكن أن نعزى سقوط المساكن القديمة فى مكة و انهيارها إلى الأمطار المدمرة رغم عدم استمرارها مدة طويلة، كما هو الحال فى المناطق الاستوائية الأخرى، الكعبة نفسها جرت صيانتها مرات عدة، فى عهود عدد كبير من السلاطين، إلى حد أننا يمكن أن نقول إن المسجد الحرام حديث البناء، و فيما يتعلق بالمنازل، فأنا لا أظن أن هناك منزلا واحدا يزيد عمره على أربعة قرون، و هذا ليس هو المجال الذى يتعين على الرحال البحث فيه عن عينات و نماذج معمارية مهمة، أو بقايا المنشآت الإسلامية الجميلة مثل تلك التى فى سوريا، و مصر، و باربارى، و إسبانيا. فى هذا المجال بالذات نجد أن مكة صاحبة الشهرة العريقة تتفوق عليها أصغر البلدان فى كل من سوريا و مصر. الشى‏ء نفسه يمكن أن يقال، مع احترامى أيضا للمدينة المنورة، كما أشك أيضا فى أن تكون بلدان اليمن تفتقر إلى الآثار المعمارية.

140

مكة تفتقر أيضا إلى القواعد المنظمة للشرطة التى تسود المدن الشرقية الأخرى.

شوارع مكة شديدة الظلمة أثناء الليل، و لا يجرى إضاءة أية مصابيح فى شوارع هذا البلد أثناء الليل، مختلف أحياء مكة ليس لها بوابات و بذلك فهى تختلف فى ذلك عن سائر السواد الأعظم من المدن الشرقية، التى لكل حى من أحيائها بوابته الخاصة التى يجرى إغلاقها بعد صلاة العشاء. هذا يعنى أن المدينة يمكن التنقل خلالها فى أية ساعة من ساعات الليل، و الشى‏ء نفسه ينسحب على عدم تأمين التجار و الزراع (الذين تغلق البوابات بسببهم و من أجل الحفاظ عليهم) مثلما يحدث فى كل من مدن سوريا و مصر. المخلفات، و نفايات الكنس يجرى وضعها أمام المنازل فى الشوارع، و بذلك تتحول تلك النفايات إلى تراب أو و حل حسب الطقس السائد. يبدو أن هذه العادة كانت سائدة أيضا فى الأزمان القديمة، و سبب ذلك أنى لم ألاحظ على حدود البلدة الخارجية أكوام النفايات التى غالبا ما توضع بالقرب من المدن الكبيرة فى تركيا.

لا يوجد فى مكة سوى قلة قليلة من الخزانات التى تستخدم فى تجميع مياه المطر، و نجد أيضا أن مياه آبار مكة مالحة المذاق، و هى لا تستخدم إلا فى أغراض الطهى و التنظيف، فيما عدا موسم الحج الذى يضطر الحجاج من الطبقات المتدنية إلى شرب ذلك الماء المالح. بئر زمزم الشهيرة، الموجودة فى المسجد الحرام، غزيرة المياه على نحو يكفى لإمداد المدينة كلها بالماء، لكن بغض النظر عن قداستها فإن ماءها ثقيل المذاق و يقاوم عسر الهضم، الطبقات الفقيرة المحيطة بالبئر ليس لديها تصريح أو إذن بمل‏ء قرابها من هذا المكان حسبما يشاءون. أعذب ماء فى مكة هو الذى يجلب عن طريق قناة من المنطقة المجاورة لعرفات، الذى يبعد عنها مسير ست ساعات أو سبع.

الحكومة الحالية بدلا من إنشاء أعمال جديدة مماثلة لتلك القناة، تهمل حتى صيانة المجرى المائى الحالى و تنظيفه. هذا المجرى المائى مبنى كله من الحجر، و الأجزاء

141

المكشوفة منه على سطح الأرض، مغطاة بطبقة سميكة من الحجر و الأسمنت، و قد بلغنى أن هذه القناة لم يجر تطهيرها أو تنظيفها طوال الخمسين سنة الماضية، و النتيجة المترتبة على هذا الإهمال هو ضياع القسم الأكبر من الماء أثناء مروره إلى المدينة خلال الفتحات، أو من خلال شق طريق عنوة خلال الرسوبيات التى تعترض طريقه، على الرغم من اندفاع الماء على شكل نهر قوى عند بداية ذلك المجرى المائى فى عرفات. كمية الماء التى ترد عن طريق القناة فى الظروف المعتادة تكفى للوفاء باحتياجات السكان ليس إلا، و أثناء موسم الحج يصبح الماء العذب شيئا نادرا، و القربة الصغيرة (التى يحمل الرجل اثنين منها) تباع فى معظم الأحيان بشلن واحد، و هذا سعر مرتفع جدا بين العرب.

هناك مكانان داخل مكة تجرى قناة الماء منهما فوق سطح الأرض، و فى هذين المكانين يؤخذ الماء من خلال قنوات فرعية أو أسبلة يقيم بجوارها بعض عبيد الشريف غالب، لكى يحصلوا منها على إتاوة من الأشخاص الذين يقومون بمل‏ء قرابهم من هذه القنوات أو الأسبلة. فى موسم الحج، تحاط هذه الأسبلة بجموع من الناس أناء الليل و أطراف النهار، الذين يتشاجرون و يتضاربون على الوصول إلى الماء، خلال الحصار الأخير قطع الوهابيون الماء عن مكة و ذلك عن طريق سد المجرى المائى، و قد استغرق إصلاح هذا الضرر وقتا طويلا بعد ذلك.

تاريخ هذا المجرى المائى، الذى استغرق عملا كبيرا و جهدا فائقا، أتى على ذكره باستفاضة مؤرخو الجزيرة العربية. هذه هى زبيدة، زوجة هارون الرشيد، هى أول من بنت السبيل المسمى عين النومان، من منبعه فى جبل قورة إلى أن أوصلته إلى مكة، و عين عرف التى تنبع من سفح جبل شامخ الذى يقع إلى الشمال من جبل قورة، و التى كانت تروى الوادى الخصيب المسمى وادى حنين جرى توصيله بعد إلى عين النومان، كما جرى مؤخرا إضافة أربع عيون أخرى إلى مجرى النومان المائى و هذه العيون هى: البرود، و زفران، و ميمون، و عين مشاش. و يبدو أن ذلك المجرى المائى جرت عرقلته مؤخرا، كان قد جرى فى العام الهجرى 643 إصلاح و ترميم ذلك المجرى‏

142

المائى بواسطة كوكبورى‏Kokeboury ، ملك أربيلا، و فى العام 762 ه، و بناء على أوامر من السلطان سيدSayd خادا بيده‏Khadanbede جرى ترميم ذلك المجرى من جديد، و حدث الإصلاح الثالث و لم يكن كاملا فى عهد الشريف حسن بن عجلان فى العام 811 الهجرى عندما كان فى سدة الحكم. و هذا هو قايتباى، سلطان مصر، ينفق مبلغا كبيرا على ذلك المجرى المائى فى العام 879 الهجرى، و فى العام 916 الهجرى يساهم قنصوه الغورى، آخر سلاطين الدولة المملوكية، مساهمة كبيرة فى إصلاح ذلك المجرى المائى، و مع ذلك ظل المجرى مسدودا، و كلما حدث ذلك أدى إلى تعريض الحجاج و المكيين إلى الموت عطشا. فى العام 931 ه حاول السلطان العثمانى سليم إصلاح ذلك المجرى المائى من جديد، لكن الخطة لم تكتمل. أخيرا قام ابنه سليمان بن سليم، (سليمان القانونى) بعد سنوات من العمل، و بعد مصاريف باهظة، قام بحفر ممر فى الصخر الموجود خلف عرفة، و أحدث مجرى مائيا جديدا و هو الموجود إلى الآن، و نجح المشروع فى جلب الماء الوفير إلى مدينة مكة فى العام 979 ه. يصل إجمالى طول المجرى المائى نحو مسير حوالى ثمانى ساعات.

هناك عين صغيرة تنساب من تحت الصخور الموجودة خلف القصر العظيم الذى بناه الشريف، و الذى يطلقون عليه اسم بيت السعد، يقال إن هذه العين تعطى ماء عذبا أو أن شئت فقل: أعذب ماء فى هذا البلد، لكن كميته قليلة جدا. هذه العين مغلقة و مخصصة لاستعمال الشريف وحده هو و أسرته.

الشحاذون، و كذلك الحجاج الفقراء أو الضعاف يطاردون المسافرين و يلاحقونهم فى شوارع مكة طلبا لشربة من الماء العذب، هؤلاء الشحاذون يتحلقون حول طاولات الماء، التى توجد فى كل ركن من أركان المدينة، حيث يباع الماء فى موسم الحج بواقع بارتين للجرة الواحدة و بارة واحدة للجرة فى غير موسم الحج.

سوف أواصل وصفى لمختلف أحياء مكة، و سوف أؤجل وصف المسجد الحرام إلى المرحلة الأخيرة، ثم أضيف بعد ذلك بعض الملاحظات عن السلطان و عن الحكومة.

143

أحياء مكة

عند المدخل القادم من ناحية جدة، و عندما ندور حول زاوية واد من الزلط و الرمل، نشاهد برجين مستديرين من أبراج المراقبة، هذان البرجان أنشأهما الشريف غالب للدفاع عن عاصمته. المسافر يشاهد أبراجا أخرى من هذا القبيل عند مداخل المدينة الأخرى، و هذه الأبراج تتسع لحوالى عشرين شخصا، و عندما تقترب التلال بعضها من بعض عند مدخل المدينة، نجد أن هذه الأبراج هى التى تتحكم فى الممر. يبدو أنه كانت هناك من قبل بوابة فى هذا المكان، و لم يعد يتبقى منها سوى عتبتها، بالقرب من مبنى صغير، يتجمع عنده موظفو الشريف غالب لتحصيل الرسوم على البضائع، إلخ الداخلة إلى المدينة. هنا أيضا صف من الدكاكين، و المنازل السكنية الخفيضة المدمرة، التى يطلق الناس هنا عليها اسم الحارة، أو إن شئت فقل: حى الجرول، هذه الحارة تشتمل على مخيم فى الجهة اليمنى، يعيش فيه البدو الذين يعملون فى نقل التجارة بين مكة و جدة، و هؤلاء البدو من قبيلة حرب، و المطرفى و اللهاوى أيضا.

يتغير فى المنطقة الواقعة خلف جرول اسم الشارع إلى حارة الباب، حارة الباب هذه عبارة عن شارع واسع، فيه العديد من المنازل الجيدة، و هو يؤدى إلى حى الشبيكة، الذى يمتد فى اتجاه الناحية اليمنى، و هو يسمى بهذا الاسم لأن أتباع محمد (صلى اللّه عليه و سلم) جرى الهجوم عليهم من قبل أعدائهم، هناك كثير من المنازل الجيدة فى الشبيكة، التى تعد واحدة من أنظف الأحياء و أصحها فى المدينة كلها. كثيرون من أهل جدة يعيشون فى حى الشبيكة، و فى الشبيكة أيضا نجد منزلا جميلا من ممتلكات الشريف غالب، عاشت فيه أسرته المكونة من عدد كبير من الأطفال الصغار، و البنات الكبار، بعد عزل الرجل من منصبه. الشارع الرئيسى فيه بعض المقاهى، التى ينطلق البريد منها كل يوم فى المساء، على ظهور الحمير، التى تحمل الرسائل المرسلة إلى جدة. هذا هو المكان الوحيد الخاص بالرسائل الذى شاهدته فى الشرق، علاوة على ذلك المكان الذى أنشأه الأوروبيون فيما بينهم فى القاهرة، ليعمل على نقل‏

144

الرسائل فيما بين القاهرة و الإسكندرية، لكن توصيل الرسائل بين القاهرة و الإسكندرية أقل انتظاما منه بين جدة و مكة، حيث يجرى نقل الرسائل بينهما بصورة منتظمة، و بتكلفة صغيرة لا تتجاوز بارتين للرسالة الواحدة، و بارتين للشخص الذى يقوم بتوزيع الرسائل الواردة من جدة.

فى المقاهى سالفة الذكر يعيش أيضا سماسرة القوافل، الذين يؤجر البدو من خلالهم إبلهم التى تستعمل فى الرحلات المتجهة إلى كل من جدة و المدينة المنورة.

فى الجانب الغربى من الشبيكة و فى اتجاه الجبل، يوجد مدفن كبير، تتناثر فيه أكواخ البدو و خيامهم، و بعض المساكن البائسة التى تعيش فيها أحط النساء، و هذا المكان يسميه الناس هنا الخندريه. و على الرغم من أن الموروث يقول إن أعدادا كبيرة من أصدقاء محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و أتباعه مدفونون فى هذا المكان، فإنه أصبح من غير اللائق أو المناسب دفن الموتى هنا فى هذا المكان، و هنا نجد أن كل أفراد الطبقة الأولى و الثانية من المكيين يستعملون فى دفن موتاهم الجبانات الواسعة الواقعة شمالى المدينة. هناك قلة قليلة من الدكاكين فى الشبيكة، يزاد على ذلك أن الشبيكة لا تضم فى موسم الحج كثيرا من الأجانب، نظرا لأن من يسكنون الشبيكة هم من الميسورين الذين يجدون مهانة فى تأجير مساكنهم.

عندما نتحرك من الشبيكة على امتداد الشارع الواسع فى اتجاه الشمال، نصل إلى الحمام الذى يعد أفضل الحمامات الثلاثة فى مكة، إلا أنه أدنى بكثير من حمامات المدن الآسيوية الأخرى، و سبب ذلك هو ندرة الماء فى ذلك الحمام، هذا الحمام بنى فى العام الهجرى 980، و قد بناه محمد باشا، ممثل السلطان سليمان الثانى، و يعد من أحسن مبانى المدينة (*). هذا الحمام يتردد عليه كل من الأجانب بصفة خاصة، و المواطنين العرب غير المعتادين على استعمال هذه الحمامات، و يفضلون الوضوء بطريقتهم الخاصة فى منازلهم.

____________

(*) راجع قطب الدين.

145

هذا الحمام، هو و الشوارع الفرعية المتعددة المؤدية إلى المسجد الحرام، تشكل فى مجملها ذلك الحى الذى يطلقون عليه اسم حارة باب العمرة، الذى يسكنه عدد من المرشدين الذين يسمونهم المطوفين، كما أن هذا الحى يعج بالحجاج، و بخاصة الأتراك منهم. الشوارع هنا ضيقة فى هذا الحى، و شديدة القذارة، لكن الحجاج يفضلون هذا الحى لأنه أرخص الأحياء القريبة من المسجد الحرام الذى يشتاقون إلى السكنى بالقرب منه، و ذلك من باب الحرص من جانبهم على ألا تفوتهم الصلاة، أو (على حد قولهم) أن يكونوا، إذا ما اضطرب منامهم، قريبين من المسجد الحرام على نحو يبعد عنهم تلك الأحلام السيئة. الرجال هنا، نراهم و هم يجرون عند منتصف الليل متجهين إلى المسجد الحرام مرتدين ثياب النوم، و يقومون بالطواف حول الكعبة، و يقبلون الحجر الأسود، و يدعون بدعاء قصير، و يشربون من ماء زمزم، ثم يعودون إلى فراشهم بعد ذلك. بالقرب من بوابة المسجد الحرام المسماة باب العمرة، الذى يشتق الحى اسمه منه، يوجد مبنى واسع كبير، هو فى الأصل مدرسة عامة، لكن يقيم فيه حاليا حسان باشا، والى مكة. و الأرجح أن يكون ذلك المبنى هو المدرسة التى أتى الفاسى على ذكرها، و أنها بنيت بالقرب من باب العمرة فى العام 814 الهجرى، بأوامر من منصور غيث الدين آثام شاه، حاكم البنغال. فى العام 519 الهجرى، أمر والى عدن ببناء مدرسة أخرى فى هذا الحى، و هى التى أطلق عليها اسم دار السلسالة، فى هذا الحى توجد إحدى عيون الماء العذب الذى يجلب من المجرى المائى، كما توجد أيضا آبار عدة مالحة الماء.

عندما نعود من هذا الحى إلى الشبيكة، ثم نتجه جنوبا نحو مختلف الشوارع، المكونة من بنايات جيدة، لكنها سرعان ما تبلى و تتحلل، نجد أنفسنا نصعد صعودا هينا لنصل إلى الشارع الذى يسمونه السوق الصغير، الذى ينتهى عند بوابة المسجد الحرام، المسماة باب إبراهيم. المنازل منخفضة على جانبى الشارع، و تسكنها الطبقات الدنيا من البشر، و هناك سلسلة متصلة من الدكاكين التى تباع فيها كل أنواع المؤن و التموينات، و الحبوب بصفة خاصة، و الزبد و التمر. يباع الجراد فى بعض الدكاكين‏

146

بالمكيال. هذا السوق يتردد عليه البدو بصفة خاصة، و بخاصة بدو جنوب الجزيرة العربية الذين يجلبون الفحم النباتى إلى هذا المكان. بعض فقراء الحجاج من الزنوج الأفارقة يتخذون من الأكواخ البائسة هنا مساكن لهم، كما يسكنون أيضا فى المنازل المهدمة فى هذا الجزء من المدينة، و قد أقاموا هنا سوقا للحطب الذى يجمعونه من الجبال المحيطة بالمكان.

الناس هنا يطلقون على نهاية السوق الصغير من ناحية الجبل اسم حارة الحجلة أو حجلة تكية صادق، حيث توجد بعض المنازل الجيدة، التى يسكنها أولئك الطواشية الذين يحرسون المسجد الحرام، و الذين يعيشون مع زوجاتهم فى ذلك المكان، نظرا لأنهم كلهم متزوجون من (إماء) سوداوات. هذا هو أدنى أجزاء مكة، و عندما تجى‏ء السيول الكبيرة فى موسم الأمطار فإنها تغرق الوادى، كما يندفع الماء خلال هذا الشارع متجها صوب الأرض الفضاء. و أنا أرى هنا بعض بقايا المجرى المائى القديم، و سبب ذلك أنه طوال صيانة ذلك المجرى كان ماؤه الزائد عن حاجة المدينة يتجه من هذا الطريق إلى الوادى الجنوبى، ليجرى استخدامه فى رى بعض الحقول.

فى بعض الأحيان يدخل السوق الصغير ضمن المسفلة، أو إن شئت فقل" المكان المنخفض"، و المسفلة هو اسم الحى الواقع على الجانبين الشرقى و الجنوبى من السوق، لكن هذا الاسم ينطبق بصورة أو بأخرى على الحى الأخير. حى المسفلة مبنى بطريقة جيدة، و هو مثل حى الشبيكة، يحتوى على قلة قليلة من المنازل الجديدة، لكن ذلك الجزء من حى المسفلة الذى يقع فى اتجاه قلعة التل الكبيرة، يكاد يكون كله مخربا فى الوقت الحالى. هذا الجزء يسكنه التجار العرب و التجار البدو، الذين يسافرون إلى اليمن فى زمن السلم، و إلى المخواه بصفة خاصة، التى يجلبون منها الحبوب و البن و الأعناب المجففة. هذا المكان يقيم فيه أيضا عدد من فقراء الهنود المقيمين فى مكة، هؤلاء الهنود الفقراء يؤجرون منازلهم لأبناء بلدهم، الذين يأتون إلى مكة فى موسم الحج لأداء الفريضة. و نجد الحجاج الزنوج يتخذون من المنازل المهدّمة بيوتا لهم، بعض‏

147

هؤلاء الزنوج يقيمون فى مكة، و نساؤهم يقمن بعمل مشروب مسكر يصنعنه من الذرة، و يسمونه البوظة، التى يغرم بها أحط سكان المدينة، و كما سبق أن قلت: فقد اتخذت من المسفلة سكنا لى عندما عدت من جدة، سكنت فى بداية الأمر فى منزل واحد من المغربين، ثم انتقلت بعد ذلك إلى منزل أحد التجار اليمنيين القريب من المنزل السابق. كان التاجر الذى استأجرت منه السكن من أهل صنعاء فى بلاد اليمن، و كان يتخذ من الطوافة مهنة له، و كان يسكن فى الطابق الأول من المنزل، الذى انتقل فيه، أثناء مقامى، و فى ركن من أركان الطابق الأرضى، كانت الأجزاء الأخرى من المبنى مأهولة بالسكان الذين جاءوا لأداء فريضة الحج، كما كان يسكن فى المنزل أيضا أحد فقراء بلاد الأفغان، أو بالأحرى منطقة السليمانية، مثلما يسميها الناس فى الوقت الراهن، كما كان فى المنزل أيضا ساكن أو حاج من الجزر اليونانية. فى منزل التاجر اليمنى، وجدت نفسى بين جماعة من الحجاج المغربيين الذين من أمة البربر، أو إن شئت فقل: من الشلهى، الذين جاءوا إلى مصر عن طريق البحر.

توجد فى هذا الجزء من المدينة قلة قليلة من المنازل التى لا يمكن الالتقاء فيها بذلك الخليط البشرى.

يوجد فى الناحية الجنوبية من المسفلة خان كبير مدمر، لا بد أنه كان حقيرا حتى عندما كان جديدا، كان ذلك الخان مخصصا لإعاشة قوافل الحجاج و إقامتها، التى كانت تصل من قبل من اليمن عن طريق البر، بالسير بمحاذاة ساحل البحر، و جاءت قافلة حجاج يمنية أخرى قادمة إلينا من الجبال.

عند الخروج من مكة من هذا الجانب، نجد برجا من أبراج المراقبة مقاما فى السهل و شبيها بتلك الأبراج المقامة عند مدخل جرول، و نجد هنا أيضا واديا واسعا يفضى معه هنا، و فى اتجاه الجنوب، إلى قرية الحسينية، التى تبعد مسير ساعتين أو ثلاث ساعات، و التى يوجد فيها بعض من النخيل. الشريف غالب له فى هذه المنطقة استراحة صغيرة فيها بيت ريفى، و له أيضا فى هذا المكان قطيع من الجاموس جرى جلبه من مصر، لكن حال هذا القطيع ليس على ما يرام. و هنا طريق‏

148

يصل بين الحسينية و عرفات، و هذا الطريق يتجه جنوبا ثم يتجه نحو الجنوب الشرقى وصولا إلى مكة، و على بعد مسيرة ساعتين أو ثلاث ساعات من مكة، و على هذا الطريق، يوجد واد صغير خصيب و مستوطنة العابدية العربية الصغيرة. الوادى سالف الذكر يطلقون عليه هنا اسم وادى الترافين، و على بعد مسافة ميل واحد خلف حدود المدينة الحالية يمكن اقتفاء أثر حطام منازل سابقة، بين هذه الآثار و الأنقاض توجد خزانات عدة كبيرة و عميقة و جيدة البناء، و التى بشى‏ء من الترميم يمكن أن تعود إلى سيرتها الأولى لتفى بالغرض الذى بنيت من أجله، و هو حفظ ماء المطر أو تجميعه، و على بعد ميل و نصف الميل من المدينة يوجد خزان حجرى كبير، يسمونه بركة ماجن جرى بناؤه لتزويد قافلة اليمن بالماء. وجدت فى ذلك الخزان شيئا من الماء، لكنه يتحلل و يبلى بشكل سريع. خلف هذا الخزان يزرع أهل المسفلة بعضا من حقول الخيار و مختلف الخضراوات، عقب سقوط المطر مباشرة، بعد أن تكون الأرض قد تشبعت بالماء. و تنتشر فى هذا الوادى أكواخ كثيرة و خيام كثيرة من أكواخ و خيام بدو قبائل الفهام و الجهادلة، سكان هذه الأكواخ و الخيام يكسبون عيشهم عن طريق جمع الحشائش و الأعشاب من الجبال و بيعها فى سوق مكة عندما تجف، ملفوفة على شكل حزم. و الناس يستخدمون تلك الأعشاب و الحشائش الجافة غذاء للخيول و الإبل و الحمير، و لكن هذه الأعشاب و الحشائش جد نادرة، إلى حد أن العلف اليومى للحصان يتكلف ما بين قرش واحد و ثلاثة قروش. هؤلاء البدو يربون أيضا الأغنام، لكنهم على الرغم من فقرهم، يحافظون على تميزهم عن الطبقات الفقيرة من المكيين، الذين يحتقرونهم و يربأون بأنفسهم أن يقلدوهم فى عاداتهم الاستجدائية. بعض هؤلاء البدو يعملون سقائين فى المدينة.

توجد على قمة من قمم السلسلة الغربية من وادى الترافين، و أمام المسفلة مباشرة، و من قبل الغزو الوهابى، بناية صغيرة عليها قبة تكريما (لسيدنا) عمر أحد الصحابة الأربعة، و لذلك يطلق الناس هنا على هذه البناية اسم مقام سيدنا عمر. و قد دمر الوهابيون ذلك المقام تدميرا كاملا.

149

و على قمة الجبل المقابل توجد قلعة كبيرة، عبارة عن هيكل ضخم و كبير، تحيط به جدران سميكة و أبراج صلبة. هذه القلعة تتحكم فى القسم الأكبر من مكة، لكن يمكن التحكم فيها من القمم المتعددة الأعلى منها. بلغنى أن هذه القرية ترجع إلى زمن الشريف سرور، سلف الشريف غالب، لكنى أرى أنها أقدم من ذلك من الناحية التاريخية. و قد أتى العصمى مرارا على ذكرها، فى تاريخه، فى مطلع القرن الرابع عشر، لكنه لم يحدد من هو بانى هذه القلعة، و غير مسموح لأى إنسان بدخول هذه القلعة بدون إذن أو تصريح من والى مكة، و أنا لا أرى أن من الحكمة جر المتاعب، و التقدم بطلب لدخول هذه القلعة. قام الشريف غالب بتقوية تلك القلعة تقوية كبيرة و ترميمها ترميما كاملا، و زودها بالمدافع الثقيلة. يقال إن الشريف غالب جعل مخازن هذه القلعة مضادة للقنابل، و إنها يمكن أن تأوى حامية مقدارها ألف رجل. العرب يرون أن هذه القلعة يصعب اختراقها، و تلك هى نظرة المكيين إلى هذه القلعة، هذه القلعة يمكن أن تشكل مقاومة كبيرة أمام الأوروبيين، و الدخول إلى هذه القلعة يكون عن طريق ممر ضيق.

خلف تل القلعة، و فى سهل صغير يقع بين الجبل و جبل قورة، يوجد القصر الكبير، المملوك للشريف الحاكم، و الناس يطلقون على هذا اسم بيت السادة، يقال أيضا إن الذى بنى هذا القصر هو الشريف سرور، لكنى اكتشفت أن العصمى أتى على ذكر هذا القصر فى روايته عن المعاملات التى حدثت قبل مائتى عام. جدران هذا القصر عالية جدا و صلبة، و يبدو أن هذا القصر قصد به أن يكون تكملة للقلعة التى فوقه، و التى يوجد بينها و بين القصر اتصال عن طريق خندق أو نفق تحت الأرض. القصر عبارة عن بناية غير منتظمة الأبعاد، و يضم أفنية كثيرة فسيحة، و غرف كئيبة، لم يسكنها أحد منذ هروب الشريف غالب أمام العدو إلى جدة، ثم حاول الشريف غالب تدمير هذا القصر بعد ذلك عن طريق النار، لكن البناية كانت أقوى من النار بكثير.

حول الأتراك، فى زمن محمد على باشا، هذا القصر إلى مخزن للغلال. فى السهل المجاور، الذى كان من قبل ميدانا لتدريب قوات الشريف، عثرت على قطيع من الإبل،

150

و مخيم لجمّالة ذلك القطيع، الذين يقومون برحلة كل أسبوع إلى جدة أو الطائف.

يوجد هنا أيضا كثير من الحجاج الفقراء، الذين لا يستطيعون دفع إيجار المسكن، و نصبوا خيامهم البائسة، المكونة من مجموعة من الخرق البالية المفرودة على بعض العصى. كان الجنود مشغولين فى تدمير الأسقف المتبقية كلها من القصر و ذلك بحثا أو طلبا للحطب.

فى مدخل ضيق فى الجبل، و إلى الشمال من القصر، و بالقرب من السهل سالف الذكر يوجد عدد كبير من الأكواخ المنخفضة المبنية من خشب الأراك، هذه الأكواخ كانت من قبل مساكن لعبيد الشريف غالب، الذين كانوا يعملون جنودا فى حرس الشريف. و قد هرب الكثيرون من هؤلاء الجنود عقب أسر الشريف غالب، هذه الثكنات هى فى الوقت الراهن مقر لحوالى مائتين من الجنود العرب، فى خدمة الشريف يحيى خلف الشريف غالب.

عند مغادرة هذا المكان إلى المسجد الحرام، على الجانب الأيمن، نصل إلى حى صغير، مبنى عل منحدر الجبل، فيه كثير من المنازل شبه المهدمة، هذا الحى يسمونه حارة الجياد، و يسكنه أناس فقراء، و كثير من الخدم العاملين فى قصور الشريف. يقول العصمى إن هذا الحى يشتق اسمه من كونه المكان الذى كان يحتله الخيالة، الذين رافقوا طوبه، ملك اليمن، أثناء الحملة التى جردها على مكة، هذا الحادث شهير عند الكتاب العرب المسلمين، نظرا للدمار الشديد الذى أصاب جيش هذا الملك، المؤكد أن هذا الحى واحد من أقدم أحياء مكة.

على مقربة من المسجد الحرام، و على جانبى مدخل السهل سالف الذكر يوجد قصر الشريف، القسم الشمالى من هذا القصر مكون من منزلين فخمين متصلين ببعضهما البعض، يعيش فيهما الشريف يحيى، حريم الشريف يعشن فى المبنى الشمالى المقابل، الذى بناه الشريف غالب، الذى أمضى القسم الأكبر من وقته فى هذا المسكن المفضل، الذى يمتاز بالقرب من المسجد، كما يمتاز هذا المسكن أيضا بموقعه المهم، و الأرض المفتوحة الواسعة التى يطل عليها.

151

إذا ما واصلنا المسير من هذا المكان و فى اتجاه الشمال، و بمحاذاة المسجد الحرام ندخل شارعا طويلا اسمه المساسة. الشوارع الفرعية الموجودة على اليمين، عند الاقتراب من المساسة هى التى تكوّن حى الصفا، الذى اشتق اسمه من جبل الصفا الذى سبق أن وصفناه. المنازل المحيطة بهذا المكان عبارة عن مبان أنيقة، كما أن الأجانب الأثرياء ينزلون و يقيمون فى هذا الحى فى موسم الحج. يسكن فى هذا الحى أيضا أغا طواشى المسجد الحرام، إضافة أيضا إلى الصبية الطواشيّة الذين يتلقون العلم هنا، إلى أن يبلغوا السن الذى يسمح لهم بالعيش فى مساكن خاصة بهم.

نتحول الآن إلى المسعى، أول شوارع مكة و أكثرها استقامة، و من أحسن الشوارع من حيث البناء. هذا الشارع أخذ اسمه من طقس السعى، الذى يجرى تنفيذه فى هذا الشارع، و الذى سبق أن تناولته بالوصف، بسبب هذا الظرف من ناحية، و امتلاء هذا الشارع بالدكاكين من ناحية أخرى، نجد أن هذا الشارع هو أكثر أماكن المدينة ضوضاء و حركة. الدكاكين هنا لها الوصف نفسه الذى أوردناه عن دكاكين جدة، بالإضافة إلى حوالى اثنى عشر دكانا من دكاكين السمكرة، الذين يصنعون القوارير مختلفة الأنواع من الصفيح و القصدير التى يستعملها الحجاج فى نقل ماء زمزم إلى بيوتهم أثناء عودتهم إلى أوطانهم. الدكاكين هنا عبارة عن مخازن فى الأدوار الأرضية من المنازل، و أمام كل دكان توجد مصطبة من الحجر، فوق هذه المصطبة يجلس التاجر تحت مظلة هزيلة مصنوعة من الحصير المثبت فى أعمدة طويلة، هذه العادة سائدة فى سائر أنحاء الحجاز. كل منازل المسعى مستأجرة من الحجاج الأتراك. عند وصول جماعة من الحجاج من جدة، و هذا هو ما يحدث صباح كل يوم تقريبا طوال أربعة أشهر أو خمسة من العام، يقومون بوضع أمتعتهم فى شارع المسعى، ليذهبوا بعد ذلك لزيارة المسجد الحرام، ثم يبدءون بعد ذلك فى البحث عن السكن، و على هذا النحو كنت أجد الشارع كل يوم، و هو عامر بالزائرين الجدد، و حملة الأخبار، و كذلك المرشدين أو إن شئت فقل المطوفين.

152

خلال مقامى فى مكة كان المسعى شبيها بسوق من أسواق إسطنبول. هذه دكاكين كثيرة يملكها أتراك جاءوا من أوروبا أو من آسيا الصغرى، هذه الدكاكين تبيع أنواعا مختلفة من الألبسة التركية، التى كان الحجاج الأتراك يرتدونها إلى أن وافتهم المنية، أو ملابس هؤلاء الأشخاص الذين حدث لهم عجز فى النقود فاضطروا إلى بيع ملابسهم. المحلات هنا تبيع السيوف، و الساعات الإنجليزية الجيدة، و نسخا جميلة من القرآن، هذا يعنى أن أقيم ثلاثة أشياء فى أمتعة الحاج التركى، كان يجرى عرضها للبيع فى هذه الدكاكين، تباع فى هذه الدكاكين أيضا قطع الفطير الإسطنبولى كما تباع الحلوى أيضا فى الصباح، هذه الدكاكين تبيع أيضا الكباب الضانى، فى فترة العصر، كما تبيع فى فترة المساء نوعا من البالوظة يسمونه مهلبية توجد أيضا فى هذا المكان مقاه كثيرة تزدحم بالناس اعتبارا من الساعة الثالثة صباحا إلى الساعة الحادية عشر ليلا. سوف يندهش القارئ إذا ما علم أن المشروبات المسكرة تباع فى اثنين من هذه الدكاكين، على مرأى من الناس جميعا أثناء الليل، على الرغم من أن ذلك لا يجرى أثناء النهار: مشروب من هذين المشروبين يجرى صنعه من الزبيب المخمر و على الرغم من خلط هذا المشروب بمقدار كبير من الماء، فإنه يظل قويا جدا، الأمر الذى يجلب السكر لمن يتناول كئوسا قليلة من هذا المشروب. المشروب الثانى هو نوع من البوظة، المخلوطة بالتوابل، و يطلقون عليها اسم سوبيا. هذا المشروب معروف فى القاهرة (على الرغم من أنه ليس بقوة المشروب الذى يصنع فى مكة).

المسعى هو المكان المخصص لتنفيذ القصاص؛ فى هذا المكان يجرى القصاص من المذنبين و إعدامهم. أثناء مقامى فى مكة شاهدت رجلا و هم يقصون عنقه بناء على حكم من القاضى، لأن الرجل سرق من حاج تركى حوالى مائتى جنيه إنجليزى، كانت تلك هى الحالة الوحيدة من حالات القصاص التى شاهدتها، على الرغم من القول بأن اللصوص يكثر وجودهم فى مكة، فى موسم الحج. و مع ذلك فإن تاريخ مكة فيه كثير من الأمثلة على أحكام القصاص: فى العام الميلادى 1624 م جرى سلخهم فى الشارع‏

153

و هم أحياء، فى العام 1629 م جرى ثقب ذراعى و كتف أحد الرؤساء العسكريين اليمنيين بعد أن أسره الشريف الحاكم، ثم جرى وضع أشرطة مشتعلة فى تلك الثقوب (الجراح)، و جرى لف قدمى هذا الرئيس العسكرى إلى الأعلى، و تثبيتها فى كتفه بواسطة خطاف حديدى، و علق الرجل على هذا الوضع طوال يومين على شجرة فى المعالة، إلى أن لفظ آخر أنفاسه. مسألة فقأ عينى رجل من الرجال أمر شائع فى هذه الأجزاء من الشرق، لكن هذه العقوبة لم يحدث أن لجأ إليها وال من ولاة الحجاز.

فى المسعى، يقع ذلك المبنى الجميل، الملحق بالمسجد الحرام، الذى أقامه قايتباى سلطان مصر، فى العام 882 الهجرى، و الذى أنشأ فيه مدرسة عامة كبيرة تضم اثنتين و سبعين شقة مختلفة، و قد زود قايتباى تلك المدرسة العامة بمكتبة قيمة. و هذا هو المؤرخ قطب الدين، الذى عمل أمينا لتلك المكتبة، بعد ذلك بقرن من الزمان، يشتكى من أن عدد المجلدات التى تبقت إلى عصره كان يقدر بحوالى ثلاثمائة مجلد فقط، أما بقية المجلدات فقد سطا عليها أولئك الذين جاءوا قبله و كانوا عديمى الأخلاق و المبادئ.

يوجد فى الطرف الشمالى من المسعى مكان يسمونه المروة، التى هى نهاية المسعى، كما سبق أن أسلفت، المروة بالشكل التى هى عليه الآن جرى بناؤها فى العام 801 هجرى. خلف المروة يوجد منزل كان يسكنه العباس، أحد أعمام محمد (صلى اللّه عليه و سلم). بالقرب من المروة توجد دكاكين الحلاقين، التى يحلق فيها الحجاج شعر رءوسهم بعد الانتهاء من السعى. هنا فى هذا المكان تعقد المزادات العامة صباح كل يوم، حيث تعرض كل أنواع الملبوسات و البضائع على اختلاف أنواعها لبيعها بأعلى الأسعار، و إرضاء للأتراك يجرى استخدام لغتهم فى تلك المزادات، و ليس هناك صبى من صبية مكة لا يعرف شيئا من التركية، بما فى ذلك الأعداد فى أضعف الأحوال.

بالقرب من المروة يوجد سبيل، و هو من أعمال الإمبراطور العثمانى سليمان بين سليم، هذا السبيل يجرى إمداده بالماء من مجرى مكة المائى، و هو يزدحم طوال اليوم بالحجاج الذين يأتون لمل‏ء قربهم.

154

فى الناحية الشرقية من المسعى، و بالقرب من نهايته عند المروة، نجد أنه يتفرع منه شارع يسمونه السويقة، أو إن شئت فقل: السوق الصغير، التى تمتد محاذية للجانب الشرقى من المسجد الحرام. هذه السويقة، على الرغم من ضيقها، تعد أنظف شوارع مكة، حيث يجرى تنظيفها بصورة منتظمة ورشها بالماء، الأمر الذى لا يتاح فى الشوارع الأخرى. فى هذه السويقة يعرض تجار الهند الأثرياء بضاعتهم التى تباع بالقطعة، كما يعرضون أيضا شيلان الكشمير، و الموسلين. يوجد فى السويقة حوالى عشرين دكانا، تبيع العطور، و الزيوت الحلوة، و البلسم المكى (مغشوش بطبيعة الحال) و بخور العود، و طيب الزباد إلخ. قلة قليلة من الحجاج هم الذين يعودون إلى منازلهم دون أن يحملوا معهم هدايا لعائلاتهم و أصدقائهم، هذه الهدايا عادة ما تكون خرزا، أو عطورا، أو بلسما مكيا، أو طيب العود الذى يستخدم سائلا فى أنحاء الشرق، على شكل قطع صغيرة توضع فوق التبغ المشتعل فى الشيشة، لتنتج رائحة ذكية.

الدكاكين الأخرى تبيع عقود المرجان، و حبات اللؤلؤ غير الحقيقية، و المسابح التى تصنع من خشب العود أو الصندل، أو من خشب الكالمباك ذكى الرائحة، كما تبيع هذه الدكاكين أيضا العقود الجميلة المصنوعة من حبات العقيق الأحمر، كما يستخدم العقيق أيضا فى صناعة الخواتم المنقوشة، و أنواعا مختلفة أخرى من البضائع الصينية. هذه الدكاكين كلها مملوكة للهنود، و بضاعة هذه المحلات كلها من الإنتاج الهندى و من المصنوعات الهندية. هؤلاء الهنود يقع عليهم نوع من الظلم أو سوء المعاملة فى الجزيرة العربية، جراء فكرة صغيرة مفادها أن هؤلاء الهنود هم من عبدة الأصنام، علما بأن هؤلاء الهنود يلتزمون من حيث المظهر بطقوس الإسلام و تعاليمه: المفروض أن يكون هؤلاء الهنود من الطائفة (المذهب) الإسماعيلية، هؤلاء الأتقياء الذين تحدثت عنهم فى رحلتى إلى لبنان‏ (*)، و الذين يطلق اسمهم فى مكة على هؤلاء الهنود. هنا فى مكة

____________

(*) راجع كتاب أسفار فى سوريا إلخ.