ترحال في الجزيرة العربية - ج1

- جان لوئيس بوركهارت المزيد...
305 /
155

نجد حوالى اثنى عشر رجلا من هؤلاء الهنود، أما الآخرون منهم فيصلون إلى مكة فى موسم الحج، هؤلاء الهنود يشترون الذهب و الفضة القديمة، و ينقلونها إلى سورات، التى يأتى منها القسم الأكبر من هؤلاء الهنود. بعض هؤلاء الهنود يعيشون فى مكة منذ عر سنوات، يؤدون الطقوس الدينية كلها، هؤلاء الهنود يستأجرون بيتا كبيرا، يعيشون فيه مع بعضهم البعض، و لا يسمحون لأى غريب عنهم بالوجود أو الإقامة فى هذا المنزل، حتى و إن كانت بعض غرف هذا المنزل غير مشغولة. و على العكس من المسلمين كلهم، نجد أن هؤلاء الهنود لا يحضرون نساءهم مطلقا لأداء فريضة الحج على الرغم من قدرتهم على تحمل النفقات، يزاد على ذلك أن هؤلاء الهنود الذين يقيمون فى مكة منذ زمن بعيد لم يعرف عنهم مطلقا أنهم تزوجوا فى هذه المدينة، و هذا أمر شديد الوضوح، نظرا لأن الهنود الذين يطول مقامهم فى الهند، عادة ما يتخذون لأنفسهم زوجات من هذا البلد، على الرغم من أنهم قد يكونون متزوجين فى بلادهم.

هذه القصص التى تروج عن هذه الطائفة، يجرى ترديدها أيضا عن أفراد الطائفة الإسماعيلية السورية (*)، و قد باءت كل المحاولات التى بذلتها من أجل الوقوف على تعاليمهم السرية بالفشل الذريع هنا فى مكة و فى سوريا من قبل، و قد قيل فى سوريا إن المقر الرئيسى للطائفة الإسماعيلية كان فى الهند، و إن ذلك المقر كانت له مراسلات منتظمة مع سوريا. هناك مذهب من مذاهب" عبدة النار" موجود فى كل من الهند، و بلاد الرافدين، و إن الإسماعيليين فى كل من سوريا، و مكة ربما كانوا ينتمون إلى ذلك المذهب. هؤلاء الذين أراهم فى مكة لهم ملامح الفرس و قسماتهم و ليس الهنود، كما أنهم أطول و أمتن من الهنود بشكل عام‏ (**).

____________

(*) راجع كتابى أسفار فى سوريا و الأرض المقدسة.

(**) البشر الذين أتى مؤلفنا هنا على ذكرهم ربما كانوا من البارسيين الذين من سورات و بومباى.

156

فى منتصف السويقة تقريبا حيث يصل عرض الشارع إلى أربع خطوات فقط، توجد مقاعد حجرية على جانبى الشارع. فى هذا المكان يعرض العبيد الإماء الحبشيات للبيع، و لما كان الجمال شكلا من أشكال الجاذبية الكونية، فقد كان الحجاج، الكبار و الشبان منهم، يتحلقون بشكل دائم حول هذه المقاعد، و يتظاهرون بمساومة تجار العبيد، مستهدفين بذلك رؤية الإماء للحظات قليلة فى شقة مجاورة للمكان. كثير من هؤلاء العبيد و الإماء ينقلون من مكة، إلى الأجزاء الشمالية من تركيا. كان ثمن أجمل جميلات الإماء يتردد بين مائة و عشرة دولارات، و مائة و عشرين دولارا.

فى نهاية السويقة نجد الشارع مغطى بسقف على شكل قبة من الحجر، مدعومة من الجانبين بالعديد من البنايات الضخمة، التى يستخدمها التجار الأثرياء مخازن لبضاعتهم، هذه البنايات كانت من أعمال شخص يدعى محمد، باشا دمشق، قبل قرون عدة، و هذه البنايات تتبع المسجد الحرام فى الوقت الراهن، و لما كانت هذه المنطقة هى مناطق مكة فى وقت الظهيرة، فقد نجد الحجاج الميسورين يقضون فترة الصباح و فترة المساء فيها، كما يدخنون فيها النرجيلات و الشياش أيضا. تعرفت على واحد من باعة العطور و أصبح من بين معارفى، و كنت ساعة بالنهار و أخرى فى فترة العصر، جالسا على مصطبة أمام دكانه، و أنا أدخن النرجيلة، و أقدم له القهوة، فى هذه الجلسة كنت أستمع إلى الأخبار، حول وصول أى أحد من الحجاج الكبار العظام فى الليلة السابقة، كما كنت أستمع أيضا إلى أخبار آخر القضايا التى عرضت على القاضى، كما كنت أعرف أيضا أخبار ذلك الذى يدور فى جيش محمد على باشا، كما كانت تصلنى أيضا أخبار الصفقات التجارية التى أبرمت. فى بعض الأحيان كان يجرى مناقشة الأخبار الأوروبية التى من قبيل آخر الأخبار عن بونابرت و ما حدث له، ذلك أن الحجاج الذين كانوا يصلون من إسطنبول و اليونان كانوا يحملون معهم دوما أخبارا من أوروبا. كنت أقضى جزءا من الصباح الباكر، و القسم الأخير من المساء، فى التجوال فى مكة، و التردد على المقاهى الموجودة فى أطراف المدينة، على أمل التقاء البدو، و تحيتهم بكوب من القهوة، لأجعلهم يتحدثون بعد ذلك مباشرة عن بلدهم و عن أمتهم. فى ساعات الظهيرة كنت أمكث فى منزلى، و كنت أمضى القسم الأول من الليل فى الميدان الكبير

157

الموجود أمام المسجد الحرام، الذى يهب عليه نسيم بارد بصفة دائمة، كنت أجلس فى هذا الميدان على سجادة كان عبدى يفردها لى، و أروح أفكر فى أقاليم بعيدة، فى الوقت الذى يكون الحجاج فيه مشغولين بالصلاة و الطواف حول الكعبة.

فى الطرف الشرقى من السويقة يتغير اسم الشارع إلى شارع الشامية، الذى ينطبق أيضا على العديد من الشوارع الفرعية على الجانبين، و نجد أن الشوارع الواقعة على الجانب الأيمن تفضى إلى الجبل، أما الشوارع الواقعة على الجانب الأيسر فتفضى إلى المسجد الحرام. عند نهاية شارع الشامية نجد الشارع يفتح على حى الشبيكة و باب العمرة. هذا الجزء من المدينة جيد البناء، و لا يسكنه سوى التجار الأثرياء، أو العلماء الذين تربطهم صلة بالمسجد الحرام. هناك قلة قليلة من الدكاكين فى الشارع الرئيسى، لكن فى موسم الحج يتزايد عدد هذه الدكاكين، التى يعرض فيها التجار السوريون منتجات بلادهم و مصنوعاتها و هذا هو السبب وراء تسمية الشارع باسم شارع الشامية. فى هذه الدكاكين تعرض المنسوجات الحريرية القادمة من دمشق و حلب، كما يباع أيضا قماش الكمبريس الذى يصنع فى حى نابلس، و تباع أيضا فى هذه الدكاكين الخيوط الذهبية و الفضية التى تأتى من حلب، كما تبيع هذه الدكاكين أيضا غتر البدو، التى يسمونها كوفية، التى تصنع من خامات بغدادية و دمشقية، نجد أيضا فى هذه الدكاكين الحرير اللبنانى، و السجاد الفاخر الذى يأتى من الأناضول و من البدو التركمان، و تبيع هذه الدكاكين أيضا العباءات التى تأتى من حماه، و نجد أيضا فى هذه الدكاكين الفواكه المجففة و قمر الدين الذى يأتى من دمشق، و تبيع هذه الدكاكين أيضا البستاسيوس الذى يأتى من حلب إلخ. من بين السوريين كلهم، الذين فى مكة، لم أكتشف مطلقا أنى لم أر أى أحد منهم أو أعرفه فى بلده، اللهم باستثناء ولد شيخ (رئيس) تدمر الذى لم يعرفنى، فقد جاء هذا الابن و معه مائتى جمل أو ثلاثمائة جمل، لكى يقوم بنقل أمتعة باشا دمشق.

158

أثناء عودتى من حى الشامية فى اتجاه السويقة، أجد على الجانب الأيسر من هذه الشوارع حيا يطلقون عليه اسم قاراره، و هذا هو أشهر أحياء المدينة، و ربما كان أفضلها من حيث البناء، و فيه يبنى التجار الأثرياء منازلهم. أول تاجرين من تجار الحجاز و هما: الجيلانى و السقاط، يمضون فى هذا الحى القسم الأكبر من العام، و لا يذهبان إلى جدة (التى لهم فيها بعض المؤسسات و المنشآت) إلا إذا تطلب وصول الأسطول الهندى حضورهما إلى ذلك المكان. فى حى قاراره، نجد أن نساء محمد على باشا، و معهن حاشية من الطواشيّة الذين يقومون على خدمتهن، يتخذن من حى القاره مكانا لسكناهن. مساكن القاراره كلها مكونة من طابقين أو ثلاثة طوابق، و كثير من تلك المنازل مدهونة بالألوان الغامقة، و فيها شقق فسيحة. بنى الشريف غالب لنفسه قصرا فى هذا المكان، و جاء هذا القصر أحلى و أبهى القصور التى بناها الشريف فى مكة، و كان يقيم فيه بصفة أساسية فى فصل الشتاء، و قسم الشريف غالب وقته بين هذا القصر و القصر الآخر القريب من المسجد الحرام. بعض الرؤساء العسكريين أقاموا لأنفسهم مساكن فى هذا الحى، الأمر الذى سيعجل بتخريبه و تدميره. هذه القصور تتميز عن منازل مكة الأخرى من حيث الحجم، و عدد النوافذ.

بالقرب من القصر، و فوق تل يمكن القول بأنه داخل البلد، قام الشريف غالب ببناء قلعة فيها أبراج قوية على جنباتها، لكنها أصغر من القلعة الرئيسية من حيث الحجم، و عندما تقدم الجيش التركى صوب الحجاز، قام الشريف غالب بتزويد هذه القلعة بالمدافع، كما مدها بالمؤن و التموينات، لكن حامية هذه القلعة الصغيرة شأنها شأن حامية القلعة الكبيرة سرعان ما تفرقت بعد أن جرى أسر الشريف غالب. التل المقام عليه هذه القلعة يتردد اسمه عند كثير من الشعراء العرب. مقابل هذا التل، و فى اتجاه الجنوب الشرقى، و فوق قمة جبل من الجبال يقع خلف حدود المدينة الخارجية، توجد قلعة صغيرة أخرى، كان الشريف غالب قد أصلحها و رممها. هذه القلعة يسمونها جبل هندى، و ذلك تيمنا باسم شيخ أو ولى من أولياء كشمير الذين دفنوا هنا. البرج‏

159

لا يسكنه حاليا سوى بعض الأسر الهندية القليلة. هذا الجبل يسميه الناس،" جبل القيقعان"، هذه التسمية ربما كانت أقدم من مكة نفسها. المؤرخ الأزرقى، يضع جبل قيقعان فى اتجاه الشمال على مسافة بعيدة، و يقول: إن اسم الجبل مشتق من أصوات السلاح و صرخات الجيوش التابعة للجيش المكى، الذى كان متمركزا هنا عندما قام الجيش اليمنى بقيادة طوبا بالاستيلاء على كل الجياد. فيما بين تلال القلعتين، نجد المنطقة مليئة بالفقراء، و المنازل شبه المدمرة، و التى لا تسكنها سوى الطبقات الدنيا من الهنود المقيمين فى مكة.

عندما نتحول شرقا من قاراره، و نتجاوز الحى المسمى ركوبه، نجده يتساوى من حيث البناء مع قاراره مدعة، التى تعد استمرارا لحى المسعى، ثم نوجه خطانا بعد ذلك عبر حى المسعى لنصل إلى المنطقة المجاورة للصفا، كيما نقوم بمسح للأحياء الشرقية من المدينة.

بالقرب من الصفا يتفرع شارع واسع يمتد موازيا لمدعة، إلى الشرق منها، و يسميه الناس القشاشية. هنا من بين المبانى الصغيرة الكثيرة، مساكن متعددة جيدة البناء، و بعض البنايات العالية، كما نشاهد أيضا عددا من المقاهى، و بعض محلات صناع البنادق و مصلحوها، كما نشاهد حماما أيضا. هنا فى القشاشية يسكن الحاكم. أو إن شئت فقل المشرف العام على شئون السلطة، الذى هو الضابط الأول بعد شريف مكة مباشرة. جزء من الشارع مبنى على المنحنى المنخفض من الجانب الشرقى من الجبل، الذى يسمونه جبل قبيص، الذى تؤدى إليه بعض الحارات المنحدرة القذرة الضيقة التى فى هذا الجانب. القشاشية من الأحياء التى يفضلها الحجاج، نظرا لاتساع هذا الشارع، و تهويته الجيدة، و تعرضه لهبوب الرياح الشمالية. قضيت الأيام الأخيرة من شهر رمضان فى هذا المكان، و كان ذلك فى شهر سبتمبر من العام 1814 الميلادى، عندما وصلت مكة أول مرة قادما إليها من الطائف.

160

شارع القشاشية هذا، على امتداده كله، يطلق الناس عليه حارة سوق الليل، التى تضم حيا متراميا فى الناحية الشرقية، يجرى فيه الاحتفال بمولد النبى، كما يجاور حى سوق الليل هذا المعاملة أو إن شئت فقل: مؤسسة الخزافين أو صناع الأوانى الفخارية. الشوارع الجانبية القريبة من شارع المولد يسميها الناس شعب المولد، أو صخور المولد، لأن الأرض المرتفعة هنا تغطيها الصخور.

تقع المعاملة على جانب جبل قبيص، و هى تضم حوالى اثنى عشر فرنا، إنتاجها الرئيسى كله عبارة عن جرار، و بخاصة تلك الجرار التى تستخدم فى نقل ماء زمزم، هذه الجرار الفخارية على الرغم من سحبها سحبا جيدا فإنها ثقيلة جدا، و لذلك فهى من هذه الناحية أثقل من فخار الصعيد الجميل و كذلك فخار بغداد، و هذان النوعان من الفخار يبلغان من الخفة حدا يمكن معه لأية نسمة من نسمات الهواء الخفيفة أن تلقى الجرة أرضا. المعاملة وحدها هى التى تمد الحجاز كله فى الوقت الراهن بكل أوانى الماء هذه، يضاف إلى ذلك أن قلة قليلة من الحجاج هم الذين يعودون إلى أوطانهم و ليس معهم جرار مليئة بماء زمزم، و كعينة من عينات العبقرية المكية.

هناك منطقة بعيدة عن سوق الليل يسمونها الغزة، و هذا الاسم يطلق على جانبى الشارع الرئيسى، الذى يشكل فى هذه المنطقة استمرارا للقشاشية. هذا الشارع فيه آبار متعددة مالحة الماء، فى هذا الشارع توجد أيضا دكاكين النجارين، و المنجدين الذين يجيئون من تركيا، و كذلك الحانوتية أو مجهزى دفن الموتى، الذين يصنعون السرر و الطاولات التى ينام عليها المكيون، و كذلك النقوش التى يحملون فيها إلى القبور، و نجد فى هذا المكان أيضا تجار الجملة فى الفاكهة و الخضراوات التى تجلب من الطائف و من وادى فاطمة. هؤلاء التجار يعرضون بضاعتهم هنا أمام تجار التجزئة فى ساعة مبكرة من ساعات الصباح، فى الطرف الشمالى من شارع الغزة حيث يتسع الشارع اتساعا كبيرا، ينعقد كل يوم سوق الإبل و الأبقار، و على الجانب الشرقى فى اتجاه الجبل، و فوق منحناه إلى حد ما، نجد الشارع الذى يسمونه‏

161

شعب على، الذى يجاور شعب المولد، فى هذا الشعب نجد مسقط رأس (سيدنا) على.

هذان الحيان أو الشارعان يطلق عليهما شعب (صنجر)، و هما من بين أهم الأجزاء القديمة فى المدينة، التى كان القرشيون يعيشون فيها من قبل، هذان المكانان لا يسكنهما بصفة أساسية سوى الأشراف، و ليس فيهما دكاكين. و منازل هذين الحيين واسعة، و جيدة التهوية.

تنتهى المنازل السكنية خلف سوق الماشية فى الغزة، و نجد أن الدكاكين المنخفضة هى و الحظائر تحتل جانبى الشارع. هذا الجزء يسميه الناس سوق الحدادين، فى هذه المنطقة يفتح السباكون و الحدادون الأتراك دكاكينهم، بعد ذلك بمسافة قصيرة، نجد الشارع يتصل بما يسميه الناس هنا المعاله، التى هى نفسها استمرار المدعة، و يشكل الشارع هنا حاجزا بين الأجزاء الشرقية و الأجزاء الغربية من مكة، ممتدا بذلك فى اتجاه الشمال بطول المطلع الهين الخفيف للوادى. و مدعة هى و المعالة (التى معناها المكان المرتفع، و ذلك على النقيض من المسفلة، أو الحى المنخفض)، عامرتان بالدكاكين على الجانبين. هنا نشاهد البقالين، و بائعى العقاقير، و تجار الغلال، و بائعى التبغ، و الخردجى‏ (*)، و الغرازين‏ (**)، و عدد كبير من تجار الجملة فى الملابس المستعملة. يوجد فى المدعة مخزن كبير للقمح، كان مدرسة عامة من قبل، و هناك مخزن آخر فى المعالة. من المدعة و المعالة تبدأ قوافل المؤن و التموينات الخاصة بالجيش التركى فى الطائف، و تنعقد المزادات العامة فى هذا المكان صباح كل يوم.

يوجد فى نهاية المعالة من ناحية الشمال سوق يجلب البدو إليه من سائر الأنحاء أغنامهم للبيع. فى هذا المكان أيضا توجد دكاكين القصابين التى تباع فيها لحوم‏

____________

(*) الخردجى: هو بائع السلع الصغيرة كالأرز مثلا. (المترجم)

(**) الغراز: هو الإسكافى أو مصلح الأحذية. (المترجم).

162

البقر، و الضأن، و الإبل، و فى الشارع نفسه يوجد مصلى صغير، أو بالأحرى مسجد (*)، يؤدى الناس فيه الصلوات اليومية، نظرا لأن المساحة من هنا إلى المسجد الحرام تعد طويلة جدا، لكن صلاة الجمعة تؤدى دائما فى المسجد الحرام. فى أواخر هذا الطرف الشمالى من المعالة، و بالتحديد فى منطقة التقائها مع سوق‏Souk الحدادين، تنتهى المنازل المبنية من الحجر، و يتلوها صف واحد من الدكاكين المنخفضة و الطاولات المنخفضة على كل جانب من جانبى الشارع، هذه الدكاكين و الطاولات المنخفضة تبيع للبدو الشرقيين المؤن و التموينات، هؤلاء البدو يأتون إلى مكة طلبا لشراء الحبوب. هنا أيضا فى هذا المكان مقهى يقولون له قهوة الحشاشين، التى تباع فيها مستحضرات الحشيش، و البنج، التى يجرى خلطها و تدخينها مع التبغ. هذا المقهى يرتاده رعاع المدينة و وضعائها على اختلاف أنواعهم، و قد فرض الشريف غالب ضريبة ثقيلة على بيع الحشيش، و ذلك من باب إلغاء عمل يعد انتهاكا للشرع.

يعرف الناس" المعالة" أيضا باسم حارة النقا، و هذا الاسم مشتق من الاسم القديم وادى النقا، الذى أطلق على هذا الجزء من وادى مكة.

يبنى التجار الهنود الأثرياء منازلهم فى شوارع المدعة الفرعية، و هم يستقبلون زبائنهم فى هذا المكان، من باب التباهى بافتتاحهم الدكاكين عامة أو المخازن. من بين سكان هذا الشارع أو الحى، هناك رجل هندى يدعى الشمسى، و هو من سورات، و يعد أغنى أغنياء الحجاز، و مع ذلك كانت بضاعة هذا الرجل و شركاته التجارية أقل بكثير من بضاعة الجيلانى و شركاته. هذا الرجل، على الرغم من امتلاكه لمئات الآلاف من الجنيهات الإنجليزية، راح يساومنى أنا شخصيا، قرابة الساعة و نصف الساعة حول سعر شال موسلينى لا يساوى أكثر من أربعة دولارات!

____________

(*) أعتقد أن هذا هو المسجد الذى ورد ذكره عند المؤرخين على أنه مسجد- رايت. يتكلم الأزرقى عن أربعة مساجد أو خمسة أخرى فى مكة فى ذلك الزمان.

163

فى المدعة نجد سدا عاليا و عريضا جرى بناؤه عبر الوادى، و له بوابة من الحديد، و يقال إن الذى بنى هذا السد هو (سيدنا) عمر بن الخطاب لمقاومة السيول التى تناسب من هذا الاتجاه صوب المسجد الحرام أثناء سقوط الأمطار الغزيرة. و قد بقيت بعض أنقاض هذا السد إلى القرن الرابع عشر. الحجاج عندما يصلون إلى مكة يتمتعون بمنظر الكعبة من فوق قمة ذلك السد، كان الحجاج يدعون من فوق قمة ذلك السد بدعاء معين، و من هذا العمل أخذ الشارع اسمه، ذلك أن الاسم" مدعة" معناه" مكان الدعاء".

فيما بين مدعة و معالة، من جانب، و الغزة و القشاشية من جانب آخر توجد أحياء أو شوارع متعددة تضم بنايات سيئة، و لكن الشوارع شديدة الضيق و شديدة القذارة فى هذه المنطقة، التى لا يجرى إزالة النفايات منها مطلقا، و لا يدخلها الهواء الطلق أبدا. هنا وجدنا الزقاق الصينى، أو إن شئت فقل:" الشارع الصينى"، الذى يفتح فيه صناع الذهب و الفضة دكاكينهم. أعمالهم شديدة البدائية و خالية من الذوق، لكن منتجاتهم تستخدم على نطاق كبير، و بخاصة فى عمل الخواتم الفضية التى يلبسها الرجال و النساء، و تلك زينات يشيع استعمالها بين العرب. إلى اليمين من هذا الحى يوجد ما يسمى بزقاق الحجر (و يسمونه أيضا زقاق المرفق)، أو إن شئت فقل:

" شارع الحجر"، و هو يضم مسقط رأس (ستنا) فاطمة- رضى الله عنها- ابنة (نبينا) محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و مسقط رأس أبى بكر رضى اللّه عنه أحد الخلفاء. هذا الشارع يشتق اسمه من كلمة" حجر" الذى اعتاد أن يحييه محمد (صلى اللّه عليه و سلم) بتحية الإسلام" السلام عليك" عند ما كان يمر (صلى اللّه عليه و سلم) من هذا المكان عائدا من الكعبة. هذا الحجر ظل صامتا منذ أيام النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، لكنه مازال موجودا إلى يومنا هذا، و هو يبرز قليلا من جدار المنزل، الذى جرى طلاؤه باللون الأبيض من باب التكريم.

نتحول الآن ناحية المعالة، و على بعد مسافة قليلة، عند نقطة التقاء المعالة بالغزة.

هنا تنتهى الدكاكين و يبدأ سهل واسع رملى، لا يوجد فيه سوى بعض المقاهى المتباعدة عن بعضها البعض يمكن القول إن هذه هى نهاية المدينة. أما ذلك الذى يقع على بعد

164

مسافة كبيرة فى اتجاه الشمال، فلا بد من إدخاله ضمن الضواحى. و إذا ما واصلنا السير فى السهل، نشاهد بركا كبيرة على جانبى الطريق، هذه البرك عبارة عن خزانات أو مستودعات للماء المطلوب لإعاشة الحجاج، و بالذات حجاج القوافل، هذه الخزانات يمكن تزويدها بالماء عن طريق المجرى المائى، أو إن شئت فقل: القناة التى تمر من هذا الطريق متجهة إلى المدينة. من بين هذه البرك، هناك بركة خاصة بالقافلة المصرية، و بركة خاصة بالقافلة السورية، و قد جرى بناء هذه البرك فى العام 821 الهجرى، و هى كلها مبطنة بالحجر، و تجرى صيانتها بصورة مستمرة. هناك آثار مماثلة من آثار السلاطين الأتراك العظام، فى كل محطة من محطات القوافل فى طريق الحج، بدءا من المدينة المنورة و وصولا إلى كل من دمشق و حلب. بعض هذه الآثار التى شاهدتها فى جنوبى دمشق، كانت تبدو متينة من الناحية الإنشائية، و ذلك على العكس من برك مكة. البركة المخصصة للحجاج المصريين تصل مساحتها إلى ما يقرب من مائة و ستين قدما مربعا، و عمقها يتردد بين ثلاثين قدما و خمسة و ثلاثين قدما، هذه البركة عندما يتردد ارتفاع الماء فيها بين ثمانية أقدام و عشرة أقدام تصبح كافية لاستهلاك القافلة. هذه البرك و المستودعات يستحيل أن تمتلئ عن آخرها بالماء. سبب ذلك أن المجرى المائى يزود البركة بالماء بين الحين و الآخر، يزاد على ذلك أن هناك بعض الأفدنة بجوار منطقة البركة، و يجرى ريها من بئر من الآبار، و هذه الأرض تنتج الخضراوات. بالقرب من البركة أيضا، يوجد مسجد صغير يسمونه جامع السليمانية، و هو آيل للسقوط و التحلل، و لا يستخدم فى أداء الصلاة، و لكنه يستخدم حاليا مسكنا لقلة قليلة من الجنود الأتراك. هذا الجامع يتبع الحى الذى يسمونه السليمانية، الذى يمتد من لالا القريب من الجبل الغربى، إلى أن يصل إلى الجبانات الموجودة خلف البرك. حى السليمانية هذا لا يحتوى على منازل جيدة، و قد بلغنى أن هذا الحى يشتق اسمه من كلمة" السليمانية" التى يطلقها المسلمون على أهل قندهار، و أفغانستان، و كشمير، و بلاد أخرى متعددة على هذا الجانب من شبه القارة الهندية. يقال إن بعض أحفاد هؤلاء الناس، الذين كانوا أول من استوطنوا هذا الجزء من مكة، لا يزالون يسكنون هذه المنطقة مختلطين بكثير من الهنود. و مع ذلك،

165

يكشف تاريخ قطب الدين أن السلطان سليمان أنشأ فى العام 980 الهجرى مسجدا فى هذا الحى، و المفترض أن يأخذ المسجد اسمه من اسم منشئه أو مؤسسه.

سكان السليمانية مسلمون من أتباع المذهب الحنفى أول المذاهب الأربعة، و ليسوا أتباعا لعلى رضى اللّه عنه مثل الفرس، الذين يأتى الكثيرون منهم لأداء فريضة الحج فى مكة، إما عن طريق البحر قادمين من بومباى أو باسورة، أو عن طريق البر متنقلين على شكل دراويش، على طول المقاطعات الفارسية الجنوبية قاصدين بغداد، ثم يعبرون كلا من بلاد الرافدين و سوريا وصولا إلى مصر. و أنا شاهدت و رأيت الكثيرين الذين جاءوا من هذا الطريق، و قد رأيت فيهم أناسا ذوى شخصيات قوية مفعمة بالحيوية عن بقية الهنود.

مقابل حى السليمانية و على الجبل الشرقى، و بجوار كل من الغزة و شعب على، يوجد حى شبه مهدم، يسمونه شعب عامر، يسكنه الباعة الجائلون من البدو من كل من ثقيف و قريش، كما تسكنه أيضا بعض الأسر الشريفية الفقيرة. توجد فى هذا الحى أو الشارع مجموعة من الطواحين التى تعمل باستعمال الخيول، لحساب الوالى التركى. المدينة، على حد تقديرى، ليس فيها طواحين أخرى أكبر من هذه الطواحين.

جرت العادة أن يستعمل الناس فيها الطواحين (الرحى) اليدوية، التى عادة ما يقوم بتشغيلها عبيد الأسرة، أو قد تقوم النساء فى الأسر الفقيرة بتشغيلها هنا أيضا، و ليس فى أى مكان آخر من مكة. توجد الأماكن التى تجرى فيها صناعة الأقمشة الكتانية و القطنية المصبوغة باللون الأزرق و اللون الأصفر، أما الأقمشة الصوفية فلا تجرى صباغتها فى هذا المكان.

و لما كانت أعداد من النساء الشعبيات يسكن هنا فى شعب عامر، فإن هذا الحى لا يندرج ضمن الأحياء المحترمة فى مكة. فرض الشريف غالب ضريبة منتظمة على تلك النساء، كما طالب كل واحدة منهن بدفع مبالغ إضافية، لأنهن فى موسم الحج كن يتبعن الحجاج إلى جبل عرفات. هناك ضريبة مماثلة مفروضة فى القاهرة، بل و على المدن و البلدان الإقليمية كلها فى مصر. و مكة تعج براغبى الانقياد نحو الجنس، و المعروف أن ذلك يتزايد فى موسم الحج عن طريق المغامرات اللاتى يأتين من بلاد

166

أجنبية. عضوات هذه الإخوانيات أكثر زينة من النساء الشعبيات فى مصر، و لا تظهرن فى الشارع بلا حجاب، من بين عضوات تلك الإخوانيات أعداد كبيرة من الحبشيات الإماء، اللاتى يشارك أسيادهن السابقون فى الأرباح التى تحققها هذه الإماء من هذه المهنة، بعض هذه العضوات الإماء مملوكات لبعض المكيين.

شعراء الجزيرة العربية يشيرون فى كثير من الأحيان إلى شعب عامر، و هذا هو ابن الفارض يقول:

هل شعب عامر، ما يزال مأهولا منذ أن غادرناه؟

و هل ما يزال إلى يومنا هذا مكانا للقاء العشاق؟ (*)

إذا ما تحركنا من حى البرك شمالا عبر السهل، نصل إلى منزل منعزل كبير الحجم و الإنشاء، مملوك للشريف و كان يسكنه بعض أهل الحظوة عند الشريف غالب ذات يوم. مقابل هذا المنزل يوجد طريق معبد يؤدى إلى التلال الغربية، التى فيها فتحة تبدو كأنها اصطناعية. الأزرقى يسمى هذا الجزء باسم جبل الحزنة، و يقول إن الطريق جرى شقه خلال الصخور بواسطة يحيى بن خلد بعد برمك، على الجانب الآخر من الفتحة، ينزل الطريق إلى سهل الشيخ محمود، الذى سمى بذلك الاسم نظرا لوجود قبر أحد الأولياء، الذى يخيم حوله الحجاج السوريون. و قد أقام الشريف غالب على التل، أو بالأحرى على جانبى الطريق الضيق الذى جرى شقه على شكل درج السلم، (سواء أكان طبيعيا أم اصطناعيا، هذا أمر لا يمكن البت فيه). أنشأ برجين من أبراج المراقبة، شبيهين بتلك الأبراج و التى سبق أن أتينا على وصفها. على جانبى هذا الطريق المعبد، و فى وادى مكة، توجد المدافن و الجبانات التى فيها مقابر السواد الأعظم من سكان مدينة مكة.

____________

(*) راجع تعليق السير وليام جونز، على قصيدة من قصائد ابن الفارض العامرة بكثير من الإشارات إلى مكة.

167

بعد مسافة قصيرة من منزل الشريف سالف الذكر، و عند نهاية حى المعالة، نجد قبر أبى طالب، أحد أعمام محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و والد على رضى اللّه عنه. قام الوهابيون بدك المبنى الذى كان يغطى القبر و حوّلوه إلى كومة من الركام، و لم يفكر محمد على باشا فى إعادة بناء هذا المبنى. أبو طالب هو الراعى الأكبر للمدينة، و هناك أشخاص كثيرون فى مكة، يخشون الحنث فى اليمين الذى أقسموه أمام الله و لا يودون إقحام اسم أبى طالب فى تأكيد حلف كاذب أو زائف. و القسم الذى من قبيل:" أقسم بالمسجد الحرام"،" أقسم بالكعبة"، هى أيمان يلجأ إليها المكيون بصورة دائمة لتوليد انطباعات معينة لدى الغرباء، لكن القسم بأبى طالب يعد قسما خطيرا، و يندر سماعه فى المناسبات التى من هذا القبيل. مقابل هذا القبر المهدم يوجد سبيل عام، عبارة عن غدير مبنى من الحجر طوله حوالى خمسين قدما أو ستين، يجرى يوميا ملؤه من المجرى المائى، و بالقرب من هذا السبيل تنمو مجموعة صغيرة من الأشجار.

أنا لم أشاهد مبانى خلف السبيل، إلى أن وصلت إلى قصر كبير من قصور الشريف، تحيط به أسوار عالية تتخللها أبراج للمراقبة، و يشتمل القصر فى داخل المسور على فناء فسيح. هذا القصر كانت له حامية كبيرة فى زمن الشريف غالب، و أثناء حروبه مع الوهابيين كان يقيم فى هذا القصر، إذ بوسعه القيام من هذا المكان بهجمات سرية دون أن تعلم المدينة أى شى‏ء عن ذلك. هذا المبنى يستخدم حاليا ثكنة للجنود الأتراك.

شمالى هذا القصر يقع حى أو ضاحية المعابدة، التى تتكون فى بعض أجزائها من منازل منخفضة سيئة البناء مبنية من الحجر، و الجزء الآخر عبارة عن أكواخ أنشأها أصحابها من خشب أشجار الأراك، هذا الحى كله لا يسكنه سوى البدو، الذين تحولوا إلى سكان مستقرين فى هذا المكان، و هم الذين يقومون بخدمات النقل، و بخاصة القمح و التمر و الشاى، فيما بين مكة و القبائل المحلية. لقد رأيت بين هؤلاء البدو عربا من قبل قريش، و ثقيف، و هذيل، و عتيبة، و قد قيل إن أقرارا من القبائل الكبيرة فى الصحراء، و من نجد يوجدون بين الحين و الآخر فى هذا المكان. هؤلاء البدو

168

يعيشون كما سبق أن لاحظت عند ما كنت أتحدث عن أولئك الذين يحتلون جزءا آخر من مكة، معيشتهم كما لو كانوا فى الصحراء. منازل هؤلاء البدو ليس فيها من الأثاث سوى ذلك الذى يمكن أن نشاهده داخل خيام الأثرياء من البدو. هؤلاء البدو، نظرا لوجودهم على بعد مسافة كبيرة من المسجد الحرام، قاموا بتسوير قطعة أرض مربعة الشكل بأسوار منخفضة، ليؤدوا صلاتهم فيها على الرمل كما هى طبيعة أهل الصحراء. معروف أن البدو يتظاهرون بالمداومة على الصلاة (مع أن ذلك أمر نادر الحدوث بينهم).

توصل والى مكة التركى إلى عدم صلاحية وضع أية قوات أو جنود من جنوده فى هذا الجزء من المدينة، و الحى مدين للوالى بهذه المسألة. و المعابدة، بحكم موقعها و اهتمامات ساكنيها، المنفصلين انفصالا كبيرا عن المدينة، إلى حد أن أية امرأة من نساء هذا الحى لم تقم بزيارة المدينة على امتداد السنوات الثلاث الأخيرة، و ذلك من واقع كلام واحدة من النساء، و ذلك على الرغم من أن نساء البدو يتجولن بحرية فى سائر أنحاء الوادى.

وادى مكة له مخرجان: مخرج على الجانب الشمالى و هو عبارة عن ممر ضيق، يحميه برجان من أبراج المراقبة، هذا المخرج يؤدى إلى وادى فاطمة. فى الناحية الشرقية ينتهى وادى المعابدة بحديقة و منزل من منازل الشريف غالب، الذى يمضى فيه ساعات الظهيرة. الحديقة مسورة بأسوار عالية، و أبراج عالية، و تشكل موقعا حصينا أمام المدينة. هذه الحديقة تحتوى على نخيل و أشجار النبق، و القليل من أشجار الفاكهة التى تعطى خضرة و فيرة و ظلا ظليلا. فى زمن الشريف غالب، كان المدخل مفتوحا دوما أمام أهل مكة، المنزل مبنى بطريقة سيئة، لقد تمكن الوهابيون من الاستيلاء على هذا المنزل عقب حرب خاضوها ضد قوات الشريف غالب، الذين كانوا يتمركزون فى القصر المجاور أو إن شئت فقل: الثكنة التى فى الناحية اليمنى، و الذين بثوا لغما و فجروه لنسف جزء من الأسوار، الأمر الذى اضطر الوهابيين و أجبرهم على التراجع.

قام الشريف غالب بعد ذلك بإصلاح التلف. بعض الجنود الأتراك يعيشون حاليا فى‏

169

ذلك المنزل، بعد أن خربوا نصفه بأيديهم. فى جانب من جوانب الحديقة يوجد سبيل من أسبلة الماء العذب، هذا السبيل لم يعد يستعمل بعد، و عليه قبة جميلة من فوقه. على الجانب الآخر من الحديقة هناك بئر كبيرة مالحة الماء، و تنتشر فى المعابدة آبار كثيرة من هذا القبيل.

الطريق من مكة و المتجه شرقا ناحية عرفات و الطائف يمر على هذا المنزل، على بعد مسافة قصيرة خلف هذا المنزل يبدأ الوادى فى الاتساع، و فى هذا المكان نجد الحج المصرى يقيم مخيمه، و جزء من هذا المخيم يمتد عبر السهل فى اتجاه البركة. فى الماضى، درجت قافلة الحج السورية على التخييم فى هذا المكان. فيما بين المنزل و الحديقة و القصر، أو بالأحرى الثكنة العسكرية سالفة الذكر نجد أن مجرى مكة المائى يظهر فوق سطح الأرض إلى مسافة مائة خطوة، فى قناة من الحجر، مبطنة من الداخل، و ترتفع حوالى أربعة أقدام فوق السطح، و هذا هو المكان الوحيد فى مكة الذى يظهر فيه مجرى مكة المائى فوق سطح الأرض.

بعد تجاوزنا لهذه الأطراف الخارجية لمدينة مكة، نجد الصحراء أمامنا، الشوارع المؤدية إلى المدينة ليس فيها حدائق أو أشجار، أو استراحات، و مدينة مكة محاطة من جميع الجوانب بوديان رملية قاحلة و جرداء، و تلال جرداء أيضا. الغريب الذى يوجد على الطريق الكبير المؤدى إلى الطائف، و عند منعطف التل، القريب جدا من استراحة الشريف، سرعان ما يحسب نفسه بعيدا عن المجتمع البشرى كما لو كان فى وسط الصحراء النوبية، لكن هذا كله يمكن أن يعزى إلى فتور السكان و عدم مبالاتهم، و عدم اهتمامهم أيضا بالمسائل الزراعية. انتشار العديد من الآبار فى سائر أنحاء المدينة يثبت أن الماء يمكن جلبه بسهولة من أعماق تصل إلى ثلاثين قدما تحت سطح الأرض.

فى الجزيرة العربية، و حيثما توفر الماء لرى الأرض نجد الرمال تتحول إلى حقول منتجة، هذا يعنى أن الجهد الذى يمكن أن يبذل خلال سنوات قلائل يمكن أن يحول مكة و المناطق المحيطة بها إلى مكان شهير بالحدائق و المزارع، و ذلك على العكس من‏

170

الجدب و القحولة التى هى عليها الآن. الأزرقى المؤرخ يتحدث عن حدائق فى هذا الوادى، كما يصف الرجل عيونا مائية عدة، و آبارا لم يعد لها وجود، و ربما تكون السيول هى التى ردمت تلك الآبار و العيون. الفاسى هو الآخر يؤكد أن المدينة فى أيامه كانت تحتوى على ما لا يقل عن ثمانية و خمسين بئرا. لكن فى المراحل المبكرة من تاريخ الجزيرة العربية، نجد أن هذا المكان كان قاحلا تماما، و القرآن يؤكد هذا الوصف عند ما يقول:" واد غير ذى زرع" يقول الأزرقى أيضا إنه قبل إنشاء المنازل هنا بواسطة القوصاى، كان الوادى عامرا بأشجار السنط و مختلف الأشجار الشوكية.

لا شى‏ء أشق و أصعب من مسألة إحصاء سكان مدينة من مدن الشرق إحصاء دقيقا، نظرا لأن هذه المدن لا تملك سجلات، هذا فى الوقت الذى لا يمكن فيه التأكد من عدد المنازل. الحكم بالمظهر، و عن طريق المقارنة مع المدن و البلدان الأوروبية، التى تعرف فيها أعداد السكان معرفة دقيقة، قد يكون من باب الخيال. المنازل الخاصة فى الشرق (مع استثناء الحجاز من هذه القاعدة) كلها تتكون من طابق واحد، و من ثم فهى تشتمل على عدد قليل من الساكنين، و ذلك على العكس من المساكن الأوروبية. من ناحية أخرى، نجد أن شوارع المدن الشرقية ضيقة جدا، و ليس فيها ميادين أو أسواق كبيرة، إضافة إلى أن ضواحى هذه المدن تعد أماكن شديدة البؤس و مع ذلك فيها من السكان أعداد أكبر من المدن نفسها، و بخاصة الشوارع الرئيسية و المفضلة. و الرحالة عندما يمرون مرورا سريعا عبر هذه المدن، قد ينخدعوا، لأنهم لا يرون أو يشاهدون سوى الأسواق و بعض الشوارع التى يتجمع فيها العدد الأكبر من السكان الذكور أثناء النهار. من هنا يتصادف أن تعلن السلطات الحديثة المحترمة أن عدد سكان حلب يقدر بحوالى مائتين و خمسين ألف نسمة، و أن عدد سكان دمشق، يقدر بحوالى أربعمائة ألف نسمة، و أن سكان القاهرة يقدرون بحوالى ثلاثمائة ألف نسمة. و أنا أقدر سكان المدن السورية الثلاث على النحو التالى: دمشق، مائتين و خمسين ألف نسمة، حماه (التى يجب أن أتحدث عنها بحرص بالغ) من ستين ألف نسمة إلى مائة ألف نسمة، و حلب، الآخذة فى التدهور و التحلل بصورة يومية، أقدر عدد سكانها بما يتردد بين‏

171

ثمانين ألف نسمة و تسعين ألف نسمة. و أقدر سكان القاهرة بما لا يزيد على مائتى ألف نسمة. أما مكة التى شاهدتها قبل الحج و بعده، و أعرفها معرفة جيدة خلافا لسائر مدن الشرق كلها، فإن نتائج أبحاثى و تدقيقى تجعلنى أقدر عدد سكانها بما يتردد بين خمسة و عشرين ألف نسمة و ثلاثين ألف نسمة للسكان المقيمين فى كل أحياء المدينة و ضواحيها، هذا بالإضافة إلى ما يتراوح بين ثلاثة آلاف حبشى و عبد أسود إلى أربعة آلاف، و مساكن مكة كافية لاستيعاب ضعف هذا العدد ثلاث مرات. فى زمن السلطان سليم الأول (و ذلك نقلا عن قطب الدين فى العام 923 الهجرى) جرى عمل إحصاء للسكان فى مكة، و ذلك قبل توزيع منحة من القمح عليهم، و وجدوا أن عدد السكان حوالى اثنى عشر ألف نسمة، رجالا، و نساء، و أطفالا. قطب الدين يوضح أيضا أن عدد السكان فى الأزمان المبكرة كان أكبر من ذلك بكثير، و السبب فى ذلك أن أبو ظاهر، زعيم القرامطة (مذهب مهرطق من المذاهب الإسلامية) عندما هاجم مكة و سلبها فى العام 314 الهجرى جرى قتل ثلاثين ألفا من سكان المدينة على أيدى جنوده المتوحشين الطغاة.

وصف بيت الله فى مكة

يقع المسجد الحرام فى ذلك الجزء من الوادى الذى يتسع على نحو أكبر من سائر أنحاء الوادى الداخلية فى مدينة مكة، هذا المسجد الحرام يسميه الناس أيضا بيت الله أو الحرم، الذى هو مبنى شهير فقط بسبب الكعبة الموجودة داخله، مع أن هناك مساجد أخرى متعددة فى أماكن أخرى تتساوى مع بيت الله فقط من ناحية الحجم، و تفوقه من حيث الجمال.

تقع الكعبة فى ميدان بيضاوى الشكل، طوله حوالى مائتين و خمسين خطوة و عرضه حوالى مائتى خطوة، و أضلاعه ليس فيه ضلع واحد مستقيم، على الرغم من أن الموقع يبدو للوهلة الأولى و كأنه شكل منتظم. هذا الميدان المكشوف محاط من الجانب الشرقى ببهو من الأعمدة: الأعمدة الحاملة فيها تقف على شكل صف من مجموعات رباعية، هذا الصف من الأعمدة الحاملة مكون على الجانب الآخر من مجموعات ثلاثية،

172

و ترتبط تلك الأعمدة الحاملة ببعضها البعض عن طريق عقود بارزة، يحمل كل أربعة منها قبة صغيرة، مكسوة و مدهونة باللون الأبيض من الخارج. هذه القباب، فى رأى قطب الدين، يصل عددها إلى مائة و اثنين و خمسين قبة. على امتداد بهو الأعمدة، من الجوانب الأربعة تتدلى المصابيح من العقود. بعض هذه المصابيح يضاء يوميا أثناء الليل، أما المصابيح كلها فلا تضاء إلا فى ليالى رمضان. الأعمدة الحاملة يزيد ارتفاع الواحد فيها على عشرين قدما، يتراوح قطر الواحد منها بين قدم و نصف القدم، و قدم و ثلاثة أرباع القدم، لكن مسألة الانتظام بين هذه الأعمدة لم تؤخذ تماما بعين الاعتبار.

بعض هذه الأعمدة من الرخام الأبيض، أو الجرانيت أو من أحجار أخرى، لكن السواد الأعظم من هذه الاعمدة مصنوع من الأحجار المعتادة التى فى جبال مكة. يقول الفاسى إن عدد هذه الأعمدة يقدر بخمسمائة و تسعة و ثمانين عمودا، و يقول: إن كل هذه الأعمدة من الرخام فيما عدا مائة و ستة و عشرين عمودا، هى المصنوعة من الحجر الشائع فى مكة، و ثلاثة أعمدة فقط عبارة عن تركيب. يقول قطب الدين إن عدد الأعمدة هو خمسمائة و خمسة و خمسين عمودا، منها على حد قوله، ثلاثمائة و أحد عشر عمودا من الرخام، و بقية الأعمدة من الحجر الذى يجرى جلبه من الجبال المجاورة لجدة، لكن أيا من هؤلاء المؤلفين لم يمتد به العمر ليرى الإصلاحات التى طرأت على المسجد، بعد الدمار الذى أصابه بسبب سيل من السيول الجارفة فى العام الميلادى 1626، فيما بين كل ثلاثة أعمدة أو أربعة يوجد عمود مثمن (ذو ثمان زوايا) يصل سمكه إلى حوالى أربعة أقدام. و على الجانب الشرقى يوجد عمودان صغيران من الجرانيت الذى يميل لونه إلى الاحمرار، على شكل قطعة واحدة، و عمود آخر فيه قراميد من الحجر الأبيض. و على الجانب الأيسر يوجد عمود واحد من الجرانيت الأحمر و عمود آخر من حجر فيه بعض الحبيبات الحمراء، هذه الأعمدة ربما تكون الأعمدة التى يقول قطب الدين عنها، إنها جرى جلبها من مصر و بالذات من منطقة أخميم، عندما قام الرئيس المهدى بتوسيع الحرم فى العام 163 الهجرى. من بين الأربعمائة و خمسين عمودا، و الخمسمائة عمود، التى تشكل المسور بكامله، لم أجد عرفين متماثلين من أعراف هذه الأعمدة أو قاعدتين متماثلتين من قواعد هذه الأعمدة: أعراف، أو إن شئت‏

173

فقل: رءوس الأعمدة كلها من الطراز الإسلامى الجاف، بعض هذه الأعمدة التى خدمت و استعملت فى مبانى سابقة، تسبب جهل العمال فى تركيب هذه الأعمدة مقلوبة رأسا على عقب. لاحظت حوالى سته قواعد رخامية جرى تركيبها بمصنعية يونانية جيدة. قلة قليلة من الأعمدة هى المزينة بنقوش عربية أو كوفية، قرأت بها التاريخ الموافق للعام 863 الهجرى، و العام 762 الهجرى أيضا. و هذا عمود على الجانب الشرقى يحمل نصا كوفيا قديما، غير واضح إلى حد ما، و لم أستطع قراءة هذا النص أو تدوينه.

الأعمدة المصنوعة من الأحجار المكية الشائعة، التى جرى قطعها بصفة أساسية من جانب الجبل القريب من حى الشبيكة، مكونة من ثلاث قطع، لكن الأعمدة الرخامية مكونة من قطعة واحدة. بعض الأعمدة جرت تقويتها بحلقات حديدية، أو أحزمة حديدية، كما هو الحال فى المبانى الإسلامية الأخرى فى سائر أنحاء الشرق.

هذه الحلقات أو الأحزمة الحديدية استعملت هنا لأول مرة بواسطة الظاهر برقوق ملك مصر، عندما أعاد بناء المسجد الحرام، بعد أن دمره الحريق الذى شب فى العام 802 الهجرى.

دمر المسجد الحرام فى أحيان كثيرة و جرى إصلاحه و ترميمه إلى حد أنه لا يمكن الوقوف حاليا على البقايا الوترية القديمة فيه. على الجانب الداخلى من السور الكبير الذى يحيط ببهو الأعمدة يوجد نقش عربى واحد، مدون بحروف كبيرة، كله لا يحتوى سوى على اسم محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و صحابته: أبو بكر، و عمر، و عثمان، و على، و اسم الجلالة المدون بأحرف كبيرة، مكتوب فى أماكن عدة. على الجانب الخارجى، و فوق البوابات، التى تحدث عنها باستفاضة و بالتفصيل كل مؤرخى مكة. النقش الموجود على الجانب الأيمن، فوق باب إبراهيم، شديد الوضوح، هذا الجانب كله أعاد بناءه السلطان الغورى، سلطان مصر فى العام 906 الهجرى. فوق باب على و باب عباس يوجد نقش طويل، مكتوب أيضا بالخط الثلث، و قد وضعه السلطان مراد بن سليمان فى العام 984 الهجرى بعد أن أعاد ترميم المبنى كله. و قد أورد قطب الدين هذا النقش بكامله، هذا النقش يشغل صفحات عدة من تاريخ قطب الدين، و هو يعد أثرا من الآثار

174

التى يتباهى بها السلطان. هذا الجانب من المسجد بعد أن نجا من الدمار فى العام 1626 الميلادى، لا يزال باقيا إلى يومنا هذا و لم يصبه التلف.

الجدران فى بعض أجزائها مدهونة بالألوان البهيجة على شكل خطوط بيضاء و حمراء، و زرقاء، و هذا هو أيضا حال مآذن الحرم. الرسوم التى على شكل زهور، فى الفن الإسلامى المعتاد، لا وجود لها فى أى مكان من الحرم، أرضية أبهاء الأعمدة ممهدة باستخدام الأحجار الكبيرة الملصقة إلى بعضها البعض باستعمال الأسمنت و بطريقة سيئة للغاية.

هناك سبع طرقات ممهدة تؤدى من أبهاء الأعمدة إلى الكعبة، أو البيت الحرام فى المنتصف. هذه الطرقات تكفى الواحدة منها لمرور أربعة أشخاص جنبا إلى جنب، و هم على ارتفاع يقدر بحوالى تسع بوصات فوق سطح الأرض. فيما بين هذه الطرقات الممهدة، المفروشة بالرمل و الزلط، تظهر الحشائش التى تنمو فى أماكن عدة بفعل ماء زمزم التى تأتى من تسرب الماء من جرار ماء زمزم الموضوعة على أرضية المسجد على شكل صفوف طويلة طوال اليوم. المنطقة المقام عليها الحرم تنخفض عن مستوى سائر الشوارع المحيطة بالمسجد. هناك منحدر يقدر بحوالى ثمانى درجات أو عشر عن مستوى بوابات المسجد الحرام فى الناحية الشمالية حيث يوجد بهو الأعمدة، و هناك منحدر أيضا يقدر بحوالى ثلاث درجات أو أربع عن مستوى بوابات المسجد الحرام فى الناحية الجنوبية.

تقع الكعبة فى منتصف هذه المساحة، و هى تبعد مسافة مائة و خمس عشرة خطوة من ناحية بهو الأعمدة الشمالى، و ثمانية و ثمانين خطوة من ناحية بهو الأعمدة الجنوبى. الافتقار إلى التوازى هنا مرده إلى أن الكعبة سابقة الوجود على المسجد نفسه، بمعنى أن الكعبة وجدت قبل المسجد، هذا يعنى أن المسجد بنى حول الكعبة، و جرى توسعته و تكبيره فى فترات مختلفة. الكعبة عبارة عن هيكل بيضاوى ضخم طوله حوالى ثمانى عشرة خطوة، و عرضه أربع عشرة خطوة، و ارتفاع هذا الهيكل يتردد بين خمسة و ثلاثين قدما و أربعين قدما. حاولت تحديد سطح الارتكاز

175

لجانب من جوانب المسجد الطويلة و وجدته شمال شمال غرب 2/ 1 غرب. هذا الجانب مبنى من الحجر المكى رمادى اللون، مختلف الأحجام، و الملصقة إلى بعضها البعض بطريقة غشيمة جدا، و باستعمال نوع سيئ من الأسمنت. هذا المسجد الحرام أعيد بناؤه بالشكل الذى كان عليه فى العام 1627 الميلادى: كان السيل فى العام السابق لذلك العام، قد هدم ثلاثة جوانب من المسجد الحرام، و أثناء التحضير لإعادة بناء تلك الجوانب و نقلا عن العصمى المؤرخ جرى هدم الجانب الرابع، بعد التشاور مع العلماء فى هذه المسألة، ألا و هى السماح للبشر الفانين بتدمير أى جزء من المبنى المقدس دون أن يكون ذلك انتهاكا لحرمة المسجد الحرام.

الكعبة مبنية على قاعدة ارتفاعها حوالى قدمين، تمثل مستوى مائلا ميلا حادا، و لما كان سطح الكعبة مستويا، فإنه يظهر من بعد و كأنه مكعب. و الباب الوحيد، الذى يشكل مدخلا للكعبة و لا يفتح سوى مرتين أو ثلاث مرات فى العام، موجود فى الجانب الشمالى من الكعبة، و يرتفع عن الأرض حوالى سبعة أقدام. عند الدخول إلى الكعبة، يجرى استعمال سلم من الخشب. سوف أتحدث عنه فيما بعد. و مع ذلك، و فى عصور الإسلام الأولى، عندما أعيد بناء الكعبة فى العام 64 الهجرى، بواسطة ابن الزبير، رئيس مكة، و ابن أخ السيدة عائشة- رضى الله عنها-، كان لها بابين عند مستوى الدور الأرضى من المسجد. أما الباب الحالى الذى جلب على حد قول الأزرقى، من إسطنبول فى العام 1633 (الميلادى) فهو مغطى بقشرة من الفضة، و فيه كثير من الزينات الذهبية. و على عتبة ذلك الباب، يجرى كل ليلة إشعال مجموعة متباينة من الشموع المضاءة، و أوعية العطور، المليئة بعطر المسك، و كذلك بخور العود إلخ.

فى الركن الشمالى الشرقى من الكعبة المشرفة، و بالقرب من بابها، يوجد" الحجر الأسود" الشهير، هذا الحجر يشكل جزءا من الزاوية الحادة للمبنى، على ارتفاع يتردد بين أربعة أقدام و خمسة أقدام فوق سطح الأرض. هذا الحجر الأسود عبارة عن شكل بيضوى غير منتظم، قطره حوالى سبع بوصات، و سطح غير مستو، مكون من حوالى اثنى عشر حجرا من الأحجار الصغيرة مختلفة الأحجام و الأشكال، ملتصقة ببعضها

176

البعض بكمية صغيرة من الأسمنت، و الحجر شديد النعومة، يبدو الحجر كما لو كان مكسرا إلى قطع صغيرة بفعل ضربة قوية، ثم جرى توحيد هذه القطع مرة ثانية.

من الصعوبة بمكان أن تحدد تحديدا دقيقا نوعية هذا الحجر، الذى تأكل إلى سطحه الحالى بفعل لمسات ملايين الأيدى و ملايين القبل التى انهمرت عليه. بدا الحجر لى و كأنه حجر بركانى، يحتوى على جسيمات غريبة صغيرة و متعددة، من مادة تميل إلى البياض و مادة أخرى تميل إلى الاصفرار. لون الحجر الأسود حاليا بنى غامق يميل إلى الاحمرار، و يميل إلى السمرة، هذا الحجر محاط من جميع الجوانب بإطار مصنوع من مادة أرى أنها خليط من الأسمنت و الزفت و الزلط، الذى هو من مادة مشابهة، لكنها ليست اللون المائل إلى اللون البنى. هذا الإطار يساعد على تقوية الأجزاء المنفصلة، عرض الإطار يتراوح بين بوصتين و ثلاث بوصات، و هو يرتفع قليلا عن مستوى سطح الحجر. كل من الحجر و الإطار محاط بحزام معدنى، أوسع من الأسفل عن الأعلى، و من الجانبين، مع وجود انتفاخ من الخلف، كما لو كان جزء من الحجر جرى إخفاؤه تحت الحجر، الجزء السفلى من الإطار مثبت بمسامير من الفضة.

الركن الجنوبى الشرقى من الكعبة المشرفة، أو ما يسميه العرب، بالركن اليمانى، فيه حجر آخر، يرتفع عن الأرض حوالى خمسة أقدام، و طوله قدم و نصف القدم و عرضه حوالى بوصتين، مبنى متجها نحو الأعلى، و هو من الحجر العادى فى مكة.

هذا الحجر يلمسه الطائفون حول الكعبة باليد اليمنى، و لا يقبلونه.

على الجانب الشمالى من الكعبة المشرفة، و بالقرب من بابها، و على مقربة أيضا من الجدار يوجد تجويف خفيف فى الأرض، مبطن بالرخام، و يسمح بجلوس ثلاثة أشخاص فيه. و من الخير أن يصلى الطائف فى هذا المكان. هذا التجويف يطلقون عليه اسم المعجن، و هو المكان الذى عجن فيه (سيدنا) إبراهيم و ولده إسماعيل الحجر الجيرى و الطين اللذين استخدماهما فى بناء الكعبة، بالقرب من هذا المعجن، يقال إن (سيدنا) إبراهيم وضع الحجر الكبير الذى وقف عليه عندما كان يقوم بعملية البناء.

177

و على أساس الكعبة المشرفة، و فوق المعجن مباشرة، يوجد نقش كوفى قديم، لكنى لم أستطع قراءة ذلك النص، و لم تتهيأ لى فرصة تدوينه. و لم يأت أحد من المؤرخين على ذكر هذا النقش.

على الجانب الغربى من الكعبة المشرفة و على بعد حوالى قدمين من قمتها نحو الأسفل، يوجد ميزاب شهير، ينصرف من خلاله ماء المطر الذى يتجمع فوق سطح الكعبة، لكى يسقط على الأرض، طول هذا الميزاب يقدر بحوالى أربعة أقدام، و عرضه حوالى ست بوصات، و هذا على حد رؤيتى له من الأسفل، و حواف هذا الميزاب تتساوى مع عرض الميزاب من حيث الارتفاع. عند مقدمة الميزاب، يتدلى جزء يسمونه ذقن الميزاب، و هو عبارة عن لوح يسقط عليه الماء. هذا الميزاب أرسل من إسطنبول إلى هنا فى العام 981 الهجرى، و يقال إنه من الذهب الخالص. الرصيف الموجود حول الكعبة المشرفة، أسفل الميزاب، جرى بناؤه فى العام 826 الهجرى، و هو مكون من أحجار مختلفة الألوان، تكون فى مجملها نوعا رائعا من المنمنمات. هناك بلاطتان من الرخام المعرق فى الوسط، هاتان البلاطتان على حد قول المقريزى‏ (*)، أرسلتا إلى هنا على شكل هدية من القاهرة فى العام 421 الهجرى. هذا هو المكان الذى يقول الحديث الشريف، إنه دفن فيه إسماعيل، ولد (سيدنا) إبراهيم و يصح فيه أيضا إبراهام، و أمه هاجر، و هنا من الخير للحاج أن يصلى ركعتين. هذا الجانب الغربى فيه جدار شبه دائرى، طرفاه على خط واحد من جانبى الكعبة المشرفة، و يبعدان عنها مسافة ثلاثة أقدام أو أربعة، و يتركان فتحة تؤدى إلى المكان الذى دفن فيه (سيدنا) إسماعيل.

الحائط هنا يسميه الناس الحطيم، و المساحة التى يضمها هذا الحطيم، يسمونها الحجر، أو بالأحرى حجر إسماعيل، من منطلق انفصالها عن بناء الكعبة المشرفة، الجدار نفسه يطلق عليه هذا الاسم فى بعض الأحيان، أما الاسم الحطيم فيطلقه‏

____________

(*) راجع كتاب المقريزى، الفصل المعنون" امتيازات مصر".

178

المؤرخون على الأرض الفضاء التى بين الكعبة و الجدار من ناحية، و بير زمزم و مقام إبراهيم من ناحية أخرى. المكيون الحاليون يطلقون الاسم" الحطيم" على الجدار فقط.

يروى فى التراث أن الكعبة (المشرفة) كانت تمتد فى يوم من الأيام إلى الحطيم، و أن هذا الجانب بعد أن سقط فى موسم الحج، طلبت نفقات ترميمه من الحجاج، تحت زعم أن إيرادات الحكومة لم يحصل عليها من حلال خالص يسمح باستخدامها فى غرض مقدس من هذا القبيل، فى حين إن نقود الحجاج تحقق الطهارة و النقاء.

ثبت أن المبلغ الذى جرى جمعه من الحجاج لم يكن كافيا، و كل ما أمكن عمله فى ذلك الوقت هو مجرد إقامة جدار، هو بمثابة علامة على المساحة التى كانت عليها الكعبة من قبل. هذا الموروث الشائع بين المطوفين لا يتطابق مع التاريخ، الذى يقول:

إن الحجر جرى بناؤه بواسطة بنى قريش، الذين قلصوا أبعاد الكعبة، و إن الحجّاج هو الذى ضم الحجر إلى الكعبة، و إن ابن الزبير هو الذى فصل الحجر من جديد عن الكعبة. و الفاسى يؤكد أن جزءا من الحجر، بالشكل الذى هو عليه حاليا، لم يحدث أن ضم إلى الكعبة مطلقا. و الشرع يعد الحجر جزءا من الكعبة، من منطلق أن من الخير للطائف و غيره الصلاة فى الحجر و فى الكعبة نفسها، و الحجاج الذين لا تتهيأ لهم فرصة دخول الكعبة، يسمح لهم بالحلف بأنهم صلوا فى الكعبة، على الرغم من أنهم قد يكونون قد ركعوا فقط داخل مسور الحطيم. الجدار مبنى من الحجر الصلد، الذى يصل ارتفاعه إلى حوالى خمسة أقدام، و سمكه أربعة أقدام و مجلد من الخارج بالرخام الأبيض، و منقوش عليه دعاء و توسلات، منحوتة نحتا أنيقا على الحجر بأحرف حديثة. هذه النقوش هى و التجليد الرخامى من أعمال الغورى، سلطان مصر، فى العام 917 الهجرى، و ذلك طبقا لما ورد عند قطب الدين.

الطواف حول الكعبة يكون من خارج جدار الحطيم، و كلما اقترب الطائف منه كان ذلك أفضل.

179

الأركان الأربعة للكعبة مغطاة بجريد أسود اللون، يتدلى نحو الأسفل تاركا سطح الكعبة عاريا (*)، هذه الستارة، أو الغطاء يسمونه كسوة، و يجرى تجديد هذه الكسوة كل عام فى موسم الحج، إذ يجرى إحضارها من القاهرة، التى يجرى صنعها فيها لحساب الباب العالى‏ (**)، الكسوة مطرز عليها أدعية عدة من لون القماش نفسه، و بالتالى يصبح من الصعب جدا قراءة تلك الأدعية. فوق منتصف الكسوة، و من حول المبنى كله يوجد خط مماثل من النقوش، المصنوعة من الخيوط الذهبية. ذلك الجزء من الكسوة الذى يغطى الباب مطرز بالفضة تطريزا كثيفا. يوجد فى الكسوة فتحات للحجر الأسود و الحجر اليمانى الموجود فى الركن الجنوبى الشرقى، الذى يظل مكشوفا. شكل الكسوة ثابت دوما من حيث الشكل و الطراز، الكسوة التى رأيتها على الكعبة عند زيارتى الأولى للمسجد الحرام، كانت متحللة و مليئة بالثقوب. فى اليوم الخامس و العشرين من شهر ذى القعدة يجرى رفع الكسوة القديمة، و تظل الكعبة بلا كسوة طوال خمسة عشر يوما. و يقال بعد ذلك إن الكعبة تحرم" بمعنى أن الكعبة ترتدى ملابس الإحرام، و يستمر ذلك إلى اليوم العاشر من شهر ذى الحجة، يوم عودة الحجاج من عرفة إلى وادى منى، و هو اليوم الذى يجرى فيه وضع الكسوة الجديدة على الكعبة، فى الأيام الأولى، يجرى رفع الغطاء الجديد بواسطة حبال مثبتة فى السقف، حتى يظل الجزء الأسفل من المبنى مكشوفا: و بعد أن تظل الكعبة مكشوفة هكذا بضعة أيام، يجرى إنزال الكسوة لتغطى البناية كلها، إذ يجرى ربط الكسوة إلى حلقات من النحاس الأخضر مثبتة فى الأرض. رفع الكسوة القديمة عن الكعبة كان يجرى بطريقة غير لائقة، و كان الحجاج يتصارعون هم و أهل مكة حول هذا الموضوع،

____________

(*) كان الوهابيون خلال عامهم الأول فى مكة قد غطوا الكعبة بكسوة حمراء جرى صنعها فى الأحساء من القماش نفسه الذى تصنع منه العباءات العربية الفاخرة.

(**) فى القرن الأول الإسلامى لم يكن يجرى رفع الكسوة القديمة مطلقا، و إنما كان يجرى وضع الكسوة الجديدة فوق القديمة لكن المكيين بدءوا يخشون من أن تنوء الكعبة بحمل هذه الأثقال من الكسوة، و قام الخليفة المهدى أبو عبد الله بإزالة هذه الاغطية فى العام 160 الهجرى. (راجع المقريزى).

180

هذا الصراع نفسه كان يدور بين الكبار و الصغار، من أجل الحصول على مجرد قطع صغيرة من تلك الكسوة. الحجاج يجمعون أيضا التراب و الغبار الذى يعلق بجدران الكعبة، من تحت الكسوة، و يبيعونه، عند عودتهم إلى بلادهم باعتبار ذلك تذكارا مقدسا. فى اللحظة التى يجرى فيها تغطية الكعبة، و عندما تكون عارية تماما (عريان‏Ureyan على حد قولهم)، تتجمع مجموعة من النساء حول الكعبة، و هن" يزغردن".

اللون ايلأسود للكسوة التى تغطى هذا المكعب الكبير الذى يقع فى منتصف ميدان واسع، يضفى على الكعبة، منذ الوهلة الأولى، مظهرا فريدا و جليلا، و نظرا لعدم تثبيث ذلك الغطاء من الأسفل تثبيتا محكما، فإن أقل حبات النسيم تجعل الغطاء يتحرك على شكل تموجات بطيئة، يحييها الجمهور المصلين المتجمعين حول المبنى بالدعاء و الابتهال، باعتبار أن ذلك الاهتزاز دليل على وجود الملائكة، الذين تتسبب حركة أجنحتهم فى اهتزاز غطاء (كسوة) الكعبة. هناك سبعون ألف ملك يحرسون الكعبة، و هم مأمورون بنقلها إلى الجنة، يوم أن ينفخ فى الصور.

مسألة كسوة الكعبة عادة قديمة منذ أيام العرب الوثنيين. يقول الأزرقى: إن الكسوة الأولى قام بوضعها على الكعبة أسد توبا، أحد ملوك حمير فى اليمن. قبل مجى‏ء الإسلام كان للكعبة غطاءان أو كسوتان إن صح التعبير، إحداهما للشتاء و الثانية للصيف. فى عصور الإسلام الأولى، كانت الكسوة بيضاء فى بعض الأحيان و حمراء فى أحيان أخرى، و كانت تصنع من أفضل الأقمشة المقصبة أو المطرزة. فى الأزمان التى تلت ذلك كان سلاطين بغداد، أو مصر، أو اليمن هم الذين يقدمون الكسوة فى ضوء نفوذهم على مكة، ذلك أن كسوة الكعبة كانت تعد دوما إشارة إلى السيادة على الحجاز، و قد استأثر قلاوون، سلطان مصر، هو و من جاءوا بعده بذلك الحق، و ورثه عنهم سلاطين إسطنبول، و قد خصص قلاوون ريع القريتين‏

181

الكبيرتين بيسوس و ساندبير، فى الوجه البحرى للصرف على كسوة الكعبة، و قد أضاف السلطان سليمان بن سليم كسوات أخرى كثيرة، و مع ذلك حرمت الكعبة من هذا المصدر زمنا طويلا (*).

يوجد حول الكعبة رصيف جيد من الرخام، ينخفض حوالى ثمانى بوصات عن مستوى الميدان الكبير، هذا الرصيف جرى بناؤه فى العام 981 الهجرى، بناء على أوامر من السلطان، و هذا الرصيف عبارة عن شكل بيضوى غير منتظم، هذا الرصيف محاط باثنين و ثلاثين عمودا مستدق و مجلد، و يتدلى من كل عمود من هذه الأعمدة مصباح زجاجى يجرى إضاءته بعد غروب الشمس. خلف هذه الأعمدة يوجد رصيف آخر، عرضه يصل إلى حوالى ثمانى خطوات، و يرتفع إلى مستوى أعلى قليلا عن مستوى الرصيف الأول، لكن مصنعية هذا الرصيف ليست جيدة، ثم يجى‏ء بعد ذلك رصيف ثالث، ارتفاعه حوالى ست بوصات، و عرضه حوالى ثمانى عشرة بوصة، و فوق هذا الرصيف توجد مبان صغيرة متجددة، خلف هذا الرصيف توجد أرض زلطية، حتى يمكن القول إن هناك سلمين عظيمين و عريضين يؤديان من الميدان إلى الكعبة.

و المبانى الصغيرة التى سبق الإشارة إليها، و التى تحيط بالكعبة، هى المقامات الخمسة، مع بئر زمزم، و العقد الذى يسمونه باب السلام، و كذلك المنبر.

مقابل جوانب الكعبة الأربعة نجد أربعة مبان صغيرة أخرى يجلس فيها أئمة المذاهب الإسلامية الأربعة، الحنفى، و الشافعى، و الحنبلى، و المالكى، الذين يؤمون الصلاة. المقام المالكى يوجد فى الجنوب، و الحنبلى يوجد مقابل الحجر الأسود، هذان المقامان عبارة عن مقصورتين صغيرتين، مفتوحتين من جميع الأجناب و محمولتين على أربعة أعمدة رفيعة، و لهما سقف منحدر قليلا ينتهى عند نقطة من طراز الباغودات‏ (**) الهندية. المقام الحنفى و هو أكبر المقامات، الذى يصل طوله إلى خمس‏

____________

(*) راجع قطب الدين و العصمى.

(**) الباغودة: هيكل أو معبد (هندى أو صينى أو بابلى) متعدد الأدوار. (المترجم)

182

عشرة خطوة و عرضه ثمانى خطوات، مفتوح من جميع الجوانب، و يحمله اثنا عشر عمودا، و المقام الحنبلى له دور علوى، و هو الآخر مفتوح من جميع الجوانب، يقف فيه المؤذن الذى يرفع أذان الصلاة. هذا المقام الحنفى بنى لأول مرة فى العام 923 الهجرى، و قد بناه أو أنشأه السلطان سليم الأول، ثم بناه بعد ذلك خو شجلدين حاكم جدة فى العام 947، لكن المقامات الأربعة، بالشكل التى هى عليه الآن، بنيت كلها فى العام 1074 الهجرى. (*) المقام الشافعى موجود فوق بئر زمزم، و يعد بمثابة غرفة علوية فوق البئر.

أتباع هذه المقامات الأربعة يجلسون بالقرب منها لأداء الصلاة. أثناء مقامى فى مكة كان الأحناف هم الذين يبدأون بالصلاة، لكن حسب الأعراف و التقاليد الإسلامية يتعين أن يبدأ الشافعية بالصلاة فى الحرم المكى، ثم يتلوهم الحنفية، فالمالكية و أخيرا الحنابلة. صلاة المغرب تعد استثناء من هذا العرف؛ إذ تؤديها المقامات الأربعة مع بعضهم بعضا فى آن واحد (**)، المقام الحنبلى هو المكان الذى يجلس فيه ضباط الحكومة و موظفيها، و الأعيان الآخرون أثناء الصلاة، فى هذا المكان يجلس كل من الباشا و الشريف، و يجلس فيه الطواشيّة أثناء غيابهما عن المسجد الحرام. هؤلاء الطواشيّة يملأون الفراغ الموجود تحت المقام عند المقدمة، و الفراغ الموجود خلف المقام مخصص للحاجّات، اللاتى يزرن المسجد الحرام لأداء صلاة المغرب و صلاة العشاء، و قلة قليلة من هؤلاء الحاجات هن اللاتى يشاهدن أثناء الصلوات الثلاث الأخرى فى المسجد. هؤلاء الحاجات يقمن أيضا بالطواف حول الكعبة، أو بالسير حولها، لكن جرت العادة أن يكون ذلك أثناء الليل، على الرغم من أنهن يشيع رؤيتهن ماشيات بين الرجال أثناء النهار.

المبنى الحالى الذى يضم بئر زمزم يقع بالقرب من المقام الحنبلى، و قد أقيم فى العام 1072 الهجرى‏ (***). المبنى مربع الشكل، و هو منشأ كبير الحجم له مدخل من‏

____________

(*) راجع قطب الدين و العصمى.

(**) راجع الفاسى.

(***) راجع العصمى.

183

جهة الشمال، يفتح على الغرفة التى تحتوى على بئر زمزم. هذه الغرفة مزينة بزينات جميلة مصنوعة من رخام متنوع الألوان، و بجوار هذه الغرفة، توجد غرفة صغيرة، لها باب منفصل، هذه الغرفة فيها مستودع أو خزان مصنوع من الحجر، يظل ممتلئا بالماء بصورة مستمرة، يفد على هذا الحوض الحجاج ليشربوا من ماء زمزم، عن طريق تمرير أيديهم بكوب من خلال فتحة فى مصبّع من الحديد، على شكل شباك لذلك الحوض، دون الدخول إلى الغرفة. فوهة بئر زمزم محاطة بجدار ارتفاعه خمسة أقدام، و قطره حوالى عشرة أقدام. فوق هذه الفتحة يقف أولئك الرجال الذين يجلبون الماء من البئر، فى دلاء من الجلد، و توجد شبكة من القضبان الحديدية لمنع سقوط الدلاء فى البئر. فى زمن الفاسى كانت هناك ثمانية أوعية رخامية فى تلك الغرفة، لأغراض الوضوء.

تظل غرفة البئر مليئة بالزائرين من قبل طلوع الفجر إلى منتصف الليل تقريبا.

و كل واحد من هؤلاء الزوار يكون حرا فى جلب الماء لنفسه، لكن العمل يقوم به عادة أشخاص جرى وضعهم عند البئر للقيام بهذا العمل، و المسجد هو الذى يدفع لهم أجورهم، هؤلاء العمال يحصلون على مبالغ هزيلة من أولئك الذين يأتون للشرب من ماء زمزم، على الرغم من أن هؤلاء العمال لا يجرءون على طلب هذه المبالغ الهزيلة. و أنا شخصيا دخلت هذه الغرفة أكثر من مرة، و بقيت فيها قرابة ربع ساعة قبل أن أتمكن من الحصول على شربة ماء، كان فى الغرفة جمع كبير من الناس. الحجاج شديدى القدمين قد يقفون فى بعض الأحيان على الجدار و يروحون يجلبون الماء عن طريق سحب الدلو، و على امتداد ساعات عدة، أملا فى التكفير عن خطاياهم.

قبل الغزو الوهابى كانت بئر زمزم تابعة للشريف، و بذلك يعد ماؤها محتكرا، و كان يجرى شراؤه بثمن غال. لكن من بين الأوامر التى أصدرها سعود بعد أن وصل إلى مكة، هو منع هذا الاحتكار و هذا الاتجار، و أصبح الماء المقدس يعطى للناس مجانا.

الأتراك ينظرون إلى عدم تناقص مياه زمزم على أنه من قبيل المعجزات، و ذلك على الرغم من استمرار الشرب من هذا الماء، المؤكد فعلا أن عمق البئر لا يقل أو يتناقص،

184

فقد اكتشفت عن طريق البحث الدقيق و التفتيش على الحبل المستخدم فى سحب الدلاء إلى أعلى، اكتشفت أن الطول نفسه لا يتغير فى الصباح أو المساء، هذا يعنى أن طول الحبل إلى أن يصل إلى سطح الماء كان واحدا فى الصباح و فى المساء أيضا. و عندما تحريت ذلك الأمر عرفت من رجل نزل البئر فى زمن الوهابيين لإصلاح البطانة الداخلية، أن الماء كان ينساب من قاع البئر، و من ثم فإن البئر يجرى مدها بالماء عن طريق نهر تحت الأرض. ماء زمزم ثقيل المذاق، و يشبه الحليب فى لونه فى بعض الأحيان، لكنه عذب فرات تماما، و يختلف اختلافا تاما عن مياه الآبار المالحة التى تنتشر فى سائر أنحاء المدينة. ماء زمزم عندما يسحب إلى أعلى للمرة الأولى، يكون فاترا و هو فى ذلك يشبه مياه كثير من العيون التى فى الحجاز.

زمزم تمد مكة كلها بالماء، و ليست هناك عائلة واحدة لا تملأ حتى و لو جرة واحدة من ماء زمزم كل يوم، هذا الماء لا يستخدم إلا للشرب أو الوضوء، ذلك أن الناس هنا يعتقدون أن استعمال الماء المقدس فى غير هذين الغرضين ليس من الدين.

كل حاج من الحجاج الذين يذهبون إلى المسجد الحرام لصلاة العشاء توضع أمامه جرة من ماء زمزم، بواسطة هؤلاء الذين يكسبون عيشهم من خلال تقديم هذه الخدمة.

يجرى توزيع ماء زمزم فى المسجد على كل من يشعر بالعطش، و ذلك نظير مبلغ جد تافه، و ذلك عن طريق السقائين، الذين يحملون جرارا كبيرة على ظهورهم، هؤلاء السقائين يعطيهم الحجاج المحسنون شيئا من النقود، نظير تقديم ماء زمزم قبل الصلاة أو عقبها.

ماء زمزم يعد شفاء للأمراض كلها، و المؤمنون يعتقدون أنهم كلما أكثروا من شرب ماء زمزم تحسنت صحتهم، و قبلت دعواتهم عند الله سبحانه و تعالى. لقد رأيت كثيرا من المؤمنين الأتقياء عند بئر زمزم و هم يشربون من مائها كميات لا يصدقها العقل. هذا رجل كان يقيم معى فى منزل واحد، و كان يعانى من حمى متقطعة أو إن شئت فقل حمى رجعية، كان يذهب كل مساء إلى بئر زمزم، و يشرب من مائها إلى أن يشرف على الإغماء، و عقبها كان يرقد على ظهره ساعات بسبب هذه الفعلة، أقنع نفسه‏

185

تماما بأن زيادة مرضه إنما جاءت نتيجة لعجز الرجل عن شرب كمية كافية من ماء زمزم! بعض الحجاج الذين لا يرضون بمجرد شرب ماء زمزم، يتجردون من ملابسهم فى الغرفة، و يطلبون إلقاء دلاء من الماء عليهم، و هم يعتقدون أنهم عندما يفعلون ذلك أن القلب ينقى مثلما ينقى الجسم من الخارج. قلة قليلة من الحجاج هم الذين يغادرون مكة و لا يحملون معهم شيئا من ماء زمزم فى قوارير من النحاس الأحمر أو القصدير، إما بغرض تقديمها هدية، أو لاستعمال هذا الماء عندما يصيبهم المرض، أو لوضوئهم بعد وفاتهم. حملت معى أربع قوارير صغيرة، على أمل تقديمها على سبيل الهدايا للملوك المسلمين فى بلاد السودان‏ (*). لقد شاهدت ماء زمزم يباع فى السويس بواسطة الحجاج العائدين من مكة بسعر قرش واحد للكمية التى تملأ كوبا واحدا من أكواب القهوة.

ريس زمزم هو واحد من كبار علماء مكة. و أنا لست بحاجة إلى تذكير القارئ بأن زمزم هى العين التى عثرت عليها هاجر فى الصحراء فى اللحظة التى كان طفلها إسماعيل يوشك على الموت عطشا. يبدو أن مدينة مكة يرجع أصلها إلى هذه البئر، سبب ذلك أن هذه البئر لا يوجد حولها ماء عذب فى أى اتجاه و لمسافات بعيدة، إضافة إلى أنه لا يوجد ماء بكميات وفيرة على هذا النحو فى المنطقة المجاورة لمكة و المحيطة بها.

على الجانب الشمالى الشرقى من زمزم يوجد مبنيان صغيران، أحدهما خلف الآخر، يسميان القبتين، هذان المكانان مغطيان بقبتين مدهونتين من دهان المسجد الحرام نفسه، و موضوع فيهما جرار للماء، و مصابيح و سجاد و حصير و مكانس، و أدوات أخرى تستخدم فى المسجد نفسه. هذان المبنيان الكئيبان يؤذيان المنظر الداخلى للمبنى، شكلهما الثقيل و هيكلهما متنافر تماما مع شكل المقامات الخفيفة متجددة الهواء. استمعت إلى بعض الحجاج اليونانيين، و هم أصحاب ذوق أرقى من‏

____________

(*) المقصود بالسودان هنا هو عكس" البيضان" أى البلاد التى يعيش فيها السود. (المترجم)

186

ذوق العرب، و هم يقولون إن القبتين تشوهان منظر المسجد. محتويات هاتين القبتين يمكن تخزينها فى بعض المنازل المجاورة للمسجد الحرام، و التى لا تشكل جزءا من المسجد، و ليس لها أهمية دينية. هاتان القبتان أنشأهما خوشجلدى، والى جدة فى العام 947 الهجرى. إحدى هاتين القبتين تسمى قبة العباس، نظرا لأن مكانها يقع فى مكان يقال إن العباس عم محمد (صلى اللّه عليه و سلم) بنى فيه خزانا صغيرا.

على بعد خطوات قليلة فى الناحية الغربية من زمزم، و فى مقابل باب الكعبة تماما، يوجد سلّم نقال، يجرى تحريكه و نقله على جدار الكعبة، فى الأيام التى يجرى فيها فتح الكعبة، و الزوار يستخدمون هذا السلم النقال فى الصعود إلى باب الكعبة، هذا السلم مصنوع من الخشب، و فيه بعض الزينات المحفورة فيه، و السلم يتحرك على عجلات منخفضة، و عرضه يسمح بصعود أربعة أشخاص فى وقت واحد. أول سلم من هذا النوع جاء من القاهرة فى العام 818 الهجرى من قبل مؤيد أبو الناصر، ملك مصر، و سبب ذلك أن الحجاز كان يفتقر افتقارا شديدا إلى الحرفيين، إلى حد أن المسجد الحرام عندما كان يحتاج إلى أى عمل من الأعمال، كان لا بد من إحضار ميكانيكيين من مصر و من إسطنبول فى بعض الأحيان.

على خط واحد مع السلم النقال و بالقرب منه، يوجد عقد دائرى معزول و خفيف البناء، عرضه حوالى خمسة عشر قدما و ارتفاعه حوالى ثمانية عشر قدما، يسمونه باب السلام، و يجب عدم الخلط بين هذا الباب و البوابة الكبيرة من بوابات المسجد التى تحمل هذا الاسم. هؤلاء الذين يدخلون بيت الله أول مرة، يتحتم عليهم الدخول من خلال باب السلام الخارجى و الداخلى، أثناء المرور من باب السلام الداخلى يدعو الداخل قائلا:" يا رب، اجعل هذا مدخلا سعيدا" و أنا لا أعرف ذلك الذى بنى هذا العقد، لكن يبدو أن هذا الباب الداخلى جرى بناؤه مؤخرا.

يقع مقام إبراهيم بالقرب من باب السلام من الأمام و هو أقرب إلى الكعبة منه إلى أى مبنى من المبانى المحيطة بها. مقام إبراهيم عبارة عن بناية صغيرة، و هو محمول‏

187

على ستة أعمدة ارتفاع الواحد منها حوالى ثمانية أقدام، أربعة منها محاطة من أعلى إلى أسفل بقضبان حديدية جميلة، بحيث تترك الفراغ الموجود بين العمودين الخلفيين مفتوحا، يوجد داخل المصبّع الحديدى إطار يقدر بحوالى خمسة أقدام مربع الشكل، ينتهى بقمة هرمية الشكل، و يقال إنه يحتوى على الصخرة المقدسة التى وقف عليها (سيدنا) إبراهيم عندما كان يبنى الكعبة، و الذى قام بمساعدة من ولده إسماعيل، بنقل هذا الحجر إلى المكان المسمى المعجن الذى سبق الإشارة إليه. يقال إن الحجر لان من وزن أحد الأنبياء، و أنه لا يزال يحتفظ بأثر قدم سيدنا إبراهيم، لكن أحدا من الحجاج لم ير هذا الأثر، نظرا لأن الإطار مغطى كله و بصورة رائعة بغطاء من الحرير أحمر اللون المطرز تطريزا كثيفا. كثير من الأشخاص يقفون دوما أمام هذا المصبع الحديدى، و هم يتذكرون مكانة إبراهيم (عليه السلام)، و هنا يدعو الحاج بدعاء قصير و هو واقف بجوار المقام بعد أن يكمل الحاج طوافه حول الكعبة. يقال إن عددا كبيرا من صحابة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أقاموا فى هذا المكان المفتوح الواقع فيما بين هذا المقام و بئر زمزم، و إن هذا هو السبب وراء اعتبار هذا المكان من أحسن الأماكن المفضلة فى الصلاة فى المسجد الحرام. فى هذا الجزء من مساحة المسجد بنى الخليفة سليمان بن عبد الملك، أخو الوليد، خزانا جميلا فى العام 97 الهجرى، و أن ذلك الخزان هدم بعد وفاة سليمان بن عبد الملك، من منطلق أن ماء زمزم هو الأفضل‏ (*).

على جانب مقام إبراهيم، و فى مواجهة الجزء الأوسط من مقدمة الكعبة، يوجد المنبر الخاص بالمسجد الحرام، هذا المنبر مكون من الرخام الأبيض الجميل الذى عليه عدد من الزينات المحفورة، و جرى إرساله على سبيل الهدية للمسجد فى العام 969 الهجرى، من قبل السلطان سليمان بن سليم‏ (**)، و هناك سلم مستقيم ضيق‏

____________

(*) راجع مقال المقريزى." منهج من الخلفاء".

(**) أرسل أول منبر من القاهرة فى العام 818 الهجرى، و معه السلم سالف الذكر، من قبل المؤيد ملك مصر.

راجع العصمى.

188

يؤدى إلى مكان الخطيب المركب عليه برج مدبب كثير الأضلاع، شبيه بالمسلة. من هنا تلقى خطبة الجمعة، و بعض الأعياد، و هذه الخطب شبيهة بخطب الجمعة التى تلقى فى سائر المساجد فى البلاد الإسلامية، و كلها خطب شبه موحدة من حيث المضمون فيما عدا بعض التغييرات الطفيفة فى بعض الظروف غير العادية. قبل استيلاء الوهابيين على مكة، كان يجرى فى نهاية الصلاة الدعاء للسلطان و الشريف، و لكن سعود منع ذلك. و مع الغزو التركى، جرى استئناف تلك العادة القديمة، و فى أيام الجمع، و فى نهاية صلاة المغرب كل يوم كان يجرى الدعاء لكل من السلطان، و محمد على باشا، و الشريف يحيى، و أصبح حق اعتلاء المنبر لإلقاء خطبة الجمعة مقصورا على كبار علماء مكة، هؤلاء العلماء كانوا رجالا متقدمين فى السن. فى الأزمان القديمة كان محمد (صلى اللّه عليه و سلم) نفسه، و من جاءوا بعده، و كذلك الخلفاء الراشدون، عندما يصلون إلى مكة يعتلى الواحد منهم المنبر ليخطب فى الناس.

كان الخطيب، أو الواعظ، يصعد المنبر و هو يلبس عباءة بيضاء اللون. تغطى رأسه و جسمه، و يمسك عصا فى يده، و هذا الأمر كانت تجرى مراعاته فى مصر و سوريا، من باب إحياء ذكرى زمن الإسلام الأول، عندما كان الخطباء و الوعاظ يتحتم عليهم التسلح تحسبا لأن يداهمهم أحد. و كما هو الحال فى المساجد الأخرى يجرى وضع علمين أخضرين على جانبى الخطيب.

يضع زوار الكعبة أحذيتهم حول المنبر، و سبب ذلك أنه غير مسموح الطواف حول الكعبة و القدمان مغطيان، و ليس من الأدب حمل الأحذية فى الأيدى، مثلما يفعل الناس فى المساجد الأخرى. هناك أناس متعددون يحرسون هذه الأحذية، انتظارا لهدية صغيرة، لكن القرب من المسجد الحرام لا يخيف اللصوص، نظرا لأنى فقدت فى هذا المكان ثلاث مرات متتالية ثلاثة أزواج جديدة من الأحذية، و الشى‏ء نفسه يحدث لكثير من الحجاج.

189

بذلك أكون قد وصفت كل البنايات الموجودة داخل مسور المسجد الحرام‏ (*).

الأرض الزلطية، هى و جزء من الرصيف الخارجى المجاور للكعبة، تجرى تغطيتها، عند صلاة المغرب، بسجاد يصل طول الواحدة منه حوالى ستين قدما أو ثمانين، و عرض الواحدة منه حوالى أربعة أقدام، مصنوع فى مصر، و يجرى طى ذلك السجاد بعد أداء الصلاة. القسم الأكبر من الحجاج يحضرون معهم سجاجيدهم الخاصة. أما الأجزاء البعيدة من المسجد الحرام، و كذلك أرضية بهو الأعمدة فيجرى فرشها بالحصير الذى يجرى جلبه من سواكن، هذا الجزء سالف الذكر من المسجد الحرام هو المكان الذى تؤدى فيه صلاة الظهر و صلاة العصر. عدد كبير من ذلك الحصير يقدم للمسجد على شكل هدايا بواسطة الحجاج، و مقابل ذلك يرى هؤلاء الحجاج أسماءهم مكتوبة بأحرف كبيرة على ذلك الحصير.

عند غروب الشمس، تتجمع أعداد كبيرة من الناس لأداء صلاة المغرب، و هم يتشكلون على هيئة دوائر متعددة، يصل عددها فى بعض الأحيان إلى عشرين دائرة حول الكعبة، باعتبارها مركزا عاما يتعين على كل إنسان أن يركع أمامها، و على حد قول فقهاء الدين الإسلامى و علمائه، فإن مكة تعد المكان الوحيد فى الدنيا كلها، الذى يستطيع المؤمن الحق فيه، أن يتجه فى صلاته إلى أية نقطة من نقاط البوصلة. الهندى يمكن أن يتخذ لنفسه مكانا عند بوابة الكعبة، و هنا يقوم الجمع الموجود كله بتقليد و محاكاة انحناءات أو بالأحرى ركوع و سجود هذا الآدمى. التأثير الناتج عن الركوع‏

____________

(*) مخطط الأرض الخاص باستخدام المسجد الحرام، و الذى ورد عند على بك العباسى صحيح تماما، و نحن لا يمكن أن نقول ذلك عن المخطط الذى أورده لمكة، و لا نوافقه على آرائه عن الحجاز، و من يقارن وصفى بوصفه يستطيع الوصول إلى نقاط الخلاف فيما يتعلق بالحرم و بالمدينة و بسكانها، و قد وصل كتابه إلىّ بعد عودتى من الجزيرة العربية. الرأى الذى أورده" دى أوهسون" فى كتابه القيم، رأى شائع و مقبول فيما عدا قوله إن الكعبة كبيرة جدا قياسا على بقية المبنى. رأيه فى مدينة مكة، على العكس من ذلك يعد رأيا غير صادق أو أمين. و المنظر الخاص بالمدينة، و الذى ورد عند نيبور، الذى أخذه من رسم عربى قديم، أقل دقة من ذلك المنظر الذى وصفه" دى أوهسون" يبدو أن المنظر الأصلى قد جرى وصفه قبل التغييرات الأخيرة التى جرت فى البنايات الخاصة بالمسجد الحرام.

190

و السجود هو و تذكر المسافات البعيدة التى يأتى منها الحجاج و الذين يقدر عددهم بما يتردد بين ستة آلاف شخص و ثمانية آلاف، و كذلك الغرض الذى جاءوا من أجله، كل ذلك لا بد أن يترك انطباعا فى نفس ذلك المتفرج بارد الذهن، و أن ذلك الانطباع يكون مصحوبا بشى‏ء من الرهبة و الخوف. عندما يرخى الليل سدوله، و بعد أن تضاء المصابيح، و أثناء قيام أعداد من المؤمنين بالطواف حول الكعبة، و كذلك منظر الجماهير المنشغلة و أصوات المطوفين، الذين يصرون على إثبات وجودهم من خلال أولئك الذين يرددون الدعاء الذى يدعو به هؤلاء المطوفون، جرى الصبية، و لعبهم، و ضحكهم يضفى على ذلك كله مظهرا مختلفا تماما، يشبه منظر أولئك الذين يتمتعون بمتعة عامة بريئة.

هذا الجمع من البشر يغادر المسجد الحرام عند الساعة التاسعة مساء، التى يتحول المسجد عندها إلى مكان صامت و مساكن للتأمل و الدعاء، عند قلة قليلة من الزائرين الذين يذهبون إلى ذلك المسجد من منطلق الورع و التقوى الخالصة، و ليس بدافع من الأمور الدنيوية أو المحاكاة.

هناك رأى سائد فى مكة، قائم على حديث شريف، مفاده أن المسجد الحرام سوف يضم أعدادا من المؤمنين مهما كثر ذلك العدد، و إن قدر للمسلمين كلهم الدخول إلى المسجد الحرام فسوف يتسع لهم جميعا و يؤدون فيه الصلاة. يقال إن الملائكة الحراس سوف يمددون أبعاد المبنى، و يقللون من أحجام البشر. هناك حقيقة مفادها أن المسجد الحرام فى أشد مواسم الحج ازدحاما، الذى لا يمكن أن يتسع لحوالى خمسة و ثلاثين ألف مصل لا يمكن أن يمتلئ بالمصلين مطلقا. حتى فى أيام الجمع، فإن العدد الكبير من المكيين، و ذلك على العكس من تعليمات الشريعة، يصلون فى منازلهم، هذا إن لم يصلوا على الأطلاق، كما أن كثيرا من الحجاج يحذون حذو المكيين أيضا. أنا لم أحص فى المسجد مطلقا أكثر من عشرة آلاف مصل فى آن واحد، حتى بعد العودة من عرفات، عندما يتجمع القسم الأكبر من الحجاج، لأيام قلائل، فى المدينة و حولها.

191

فى أية ساعة من ساعات اليوم يمكن أن نرى الناس فى بهو الأعمدة مشغولين بقراءة القرآن و الكتب الدينية الأخرى، و هنا نرى كثيرا من الهنود الفقراء، أو الزنوج يفردون حصيرهم، و يمضون فترة مقامهم فى مكة. هنا، فى الحرم، تراهم يأكلون و ينامون، لكن الطبخ غير مسموح به، و فى ساعات الظهيرة، يأتى أشخاص كثيرون لنيل قسط من الراحة فى ظلال ذلك القسم الذى تعلوه القباب فى بهو الأعمدة، هذه العادة لا تفسر فقط طريقة الإنشاء المتبعة فى المساجد الإسلامية القديمة فى كل من مصر و الجزيرة العربية، و إنما تفسر أيضا طريقة بناء الأبهاء المعمدة، فى المعابد المصرية القديمة، التى ربما تركت مفتوحة للمواطنين عبّاد الأصنام، الذين لم توفر لهم بيوتهم المبنية من الطين سوى ملجأ بسيط جدا يحميهم من حرارة الظهيرة الشديدة.

المساجد الكبيرة فى هذه البلدان، تشارك فى مواعيد الصلاة، فى هذا العمل المقدس، هذه المساجد تعد هى الأخرى أماكن طاهرة مخصصة للصلاة. فى الأزهر، أول مساجد القاهرة و أهمها شاهدت صبية صغار يحملون فطيرا يعرضونه للبيع، و رأيت حلاقين يحلقون لزبائنهم، و شاهدت أيضا كثيرا من أفراد الطبقات الدنيا يتناولون غذائهم، فى حين نجد الناس أثناء الصلاة لا يتحركون أو يهمسون مركزين انتباههم فى الصلاة، و لا يسمحون لأى شى‏ء أن يصرفهم عنها. أثناء الصلاة لا تسمع أى صوت سوى صوت الإمام فى المسجد الحرام فى مكة، الذى يستخدم فى غير أوقات الصلاة مكانا لاجتماع التجار و رجال الأعمال الذين يناقشون شئونهم و أمورهم، و فى بعض الأحيان الأخرى قد يمتلئ الحرم المكى بالحجاج الفقراء، أو المرضى الذين يفترشون الأرض فى أنحاء مختلفة من بهو الأعمدة، وسط أمتعتهم البائسة، الأمر الذى يجعل المسجد الحرام شبيها بالمستشفى و ليس مسجدا. الصبية يلعبون فى الميدان الكبير، و خدم المسجد ينقلون الأمتعة عبر هذا الميدان، من باب اختصار الطريق بين أطراف المدينة المختلفة. و المسجد الحرام فى مكة يصبح شبيها بالمساجد الشرقية الكبيرة فى هذه الأمور. و مع ذلك فإن الكعبة المشرفة تعد مسرحا لكثير من التجاوزات‏

192

و الأعمال الإجرامية، التى ينبغى مراقبتها مراقبة لصيقة و عناية كبيرة. هؤلاء الصبية ليسوا متمرسين على الإفلات من العقاب، و إنما يمكن القول إن ذلك الإفلات يكاد يكون على المستوى العام كله، لقد تسبب هؤلاء الصبية فى استيائى فى أحيان كثيرة، عندما كنت أرى بعينىّ تلك الأعمال الكريهة، التى لم تستنفر فى المرء شيئا أكثر من مجرد ضحكة أو مجرد تفريغ صغير.

تنعقد فى البهو المعمد كثير من المدارس العامة، التى يجرى فيها تعليم الأطفال الصغار فى أجزاء متعددة من ذلك البهو المعمد، و الأطفال يتعلمون فى هذه المدارس العامة القراءة و الكتابة، هذه المدارس تشكل جماعات شديدة الغوغائية و الضوضاء، و عصى ناظر المدرسة دائمة الحركة. بعض علماء مكة يلقون محاضرات عن الموضوعات الدينية عصر كل يوم فى منطقة البهو المعمد، و لكن من يحضرون تلك المحاضرات يكونون جد قليلين. فى أيام الجمعة، و بعد الصلاة، يقوم بعض العلماء الأتراك بتفسير بعض سور القرآن لإخوانهم المواطنين الذين يتجمعون حول هؤلاء العلماء. و بعد انتهاء درس التفسير يقوم كل واحد من الحاضرين بتقبيل يد المفسر، و يضع شيئا من النقود فى غطاء رأس المفسر. و أنا شخصيا أعجبتنى جدا طلاقة واحد من هؤلاء العلماء، على الرغم من أنى لم أفهم منه أى شى‏ء، نظرا لأن الرجل كان يلقى المحاضرة باللغة التركية. كانت مخارج ألفاظ الرجل و نغمات صوته مؤثرة للغاية، لكن الرجل، مثل الممثلين عندما يكونون على المسرح، كان يضحك و يصرخ فى آن واحد، و يكيف ملامحه مع الهدف الذى يبتغيه بمهارة فائقة. كان ذلك العالم من مواطنى بروساBrusa ، و جمع مبلغا كبيرا من المال.

بالقرب من بوابة المسجد الحرام التى يسمونها باب السلام، يجلس بعض الشيوخ العرب يوميا، و معهم محبرة و بعض الأوراق، مستعدين لكتابة الخطابات، و التواريخ، و العقود أو أية مستندات أخرى لمن يطلب ذلك. هم أيضا يعملون فى الرقى و التعازيم المكتوبة، مثل تلك التعاويذ و الرقى السائدة فى بلاد السودان، مثل الأحجبة، و أعمال (تعاويز) الحب، التى يسمونها. كتب محبة القبول. هؤلاء

193

الشيوخ يلجأ إليهم البدو بصفة أساسية، و هم يطلبون تعويضات كبيرة عما يقومون به من أعمال الدجل.

يزاد على ذلك أن الأكفان، و المفروشات الأخرى التى يجرى غسلها بماء زمزم يراها الناس بصفة مستمرة معلقة لتجف بين الأعمدة. كثير من الحجاج يشترون من مكة أكفانهم التى يريدون أن يدفنوا فيها، و يقومون هم أنفسهم بغسلها بماء زمزم، معتقدين أن الجثمان إذا ما جرى تكفينه فى كفن مغسول أو مبلل بماء زمزم سيكون فى مأمن أكثر. بعض الحجاج يتاجرون فى مسألة الأكفان هذه.

مكة بصفة عامة، و المسجد الحرام بصفة خاصة، يعجان بأسراب الحمام البرى، الذى يعد من المحرمات فى الحرم المكى، و يطلق الناس على هذه الأسراب اسم حمام بيت الله، و لا يجرؤ إنسان على قتل حمامة واحدة من ذلك الحمام، حتى و إن دخل منازل الناس الخاصة. فى ساحة المسجد توجد أوعية صخرية متعددة يجرى ملؤها دوما بالماء ليشرب منها ذلك الحمام، هنا أيضا النساء العربيات تعرض للبيع على حصير مصنوع من القش، أما القمح و الذرة اللذان يشتريهما الحجاج، فهم يرمونهما للحمام. لقد شاهدت بعض النساء الشعبيات (الساقطات) و هن يعرضن أنفسهن، و يساومن الحجاج تحت ستار بيع القمح لإلقائه للحمام المقدس.

بوابات المسجد الحرام تسع عشرة بوابة، و هى موزعة على محيط المسجد، بلا نظام أو تواز، و أنا أورد هنا أسماء تلك البوابات لأن المطوفين يكتبون هذه الأسماء على بطاقات ورقية صغيرة. فى بهو من الأبهاء المعمدة الأخرى توجد الأسماء التى كانت تطلق على تلك البوابات فى الأزمان القديمة، و قد اعتمدت على الأزرقى بصفة رئيسية فى مسألة أسماء البوابات هذه، كما اعتمدت أيضا على القطبى.

194

الاسم الحديث الاسم القديم‏

باب السلام: مكون من ثمانية بوابات أو عقود باب بنى شيبة

باب النبى 2 باب الجنيز

الباب الذى تدخل منه جثث الموتى للصلاة عليها

باب العباس 3 باب سرتكات‏

يقع مقابل هذا الباب بيت العباس الذى أقام فيه ذات يوم‏

باب على 3 باب بنى هاشم‏

باب الزيت باب بازان‏

باب العشرة 2

باب البغلة 2

باب الصفا 5 باب بنى مخزوم‏

باب الشريف باب الجياد

باب مجاهد باب الدخماسة

باب زليخة باب شريف عجلان (الذى بناه)

باب أم هانئ 2

سمى بهذا الاسم الذى كانت تحمله ابنة

أبى طالب‏

باب الوداع 2 باب الحاصورة

سمى بهذا الاسم لأنه الباب الذى يخرج منه الحاج عند مغادرة المسجد نهائيا.

باب إبراهيم‏ (*) 1 باب الخياطين أو باب الجمعة

____________

(*) سمى بهذا الاسم ليس تيمنا باسم إبراهيم، و إنما باسم خياط كان له دكان بالقرب من الباب.

195

باب العمرة 1

الذى يخرج الحجاج منه لزيارة العمرة

و يسمى أيضا بنى سهام‏

الباب العتيق 1 باب عمرو بن العاص أو باب السدرة

باب الباسطية 1 باب العجالة

باب الكتبى‏ (*) 1 باب زياد دار الندوة

باب زيادة 3

باب دريبة 1 باب المدرسة

إجمالى العقود 29

البوابات الرئيسية من بين هذه البوابات هى: فى الناحية الشمالية، نرى باب السلام، الذى يدخل الحجاج القادمون كلهم منه إلى المسجد الحرام، باب عباس، باب النبى، الذى يقال إن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) كان يدخل منه بصفة مستمرة، باب على. على الجانب (الشرقى) يوجد باب الزيت أو باب العشرة، و هو الباب الذى اعتاد صحابة النبى العشرة الأول، الدخول من خلاله، باب الصفا، و هناك بوابتان تسميان بيبان الشريف، و هما مقابلان لقصور الشريف. فى الجهة الجنوبية، يوجد باب إبراهيم، الذى يبرز فيه البهو المعمد إلى ما وراء الخط المستقيم الذى تشكله الأعمدة، مكونا بذل ساحة صغيرة مربعة الشكل، باب العمرة، الذى يتعين المرور منه عند زيارة العمرة. على الجانب الغربى، يوجد باب زياد، الذى يشكل ساحة بارزة مشابهة لساحة باب إبراهيم، لكنها أكبر منها. السواد الأعظم من هذه البوابات له عقود عالية و مدببة، لكن هناك بعض العقود المستديرة التى نراها بين هذه العقود

____________

(*) هذا الاسم مأخوذ عن اسم مؤلف شهير لتاريخ مكة، كان يعيش فى الحارة المجاورة، ثم فتح هذه البوابة الصغيرة على المسجد الحرام.

196

العالية المدببة، هذه العقود شبيهة بالعقود المماثلة لها فى سائر أنحاء الحجاز، و هذه العقود كلها شبيهة بالدائرة. هذه العقود خالية من الزينات، فيما عدا النقش الموجود على واجهة العقد من الخارج، الذى يؤبن ذكرى منشئ ذلك الباب، و كل هذه العقود، يرجع تاريخها إلى ما بعد القرن الرابع عشر. و نظرا لأن كل بوابة تتكون من عقدين أو ثلاثة عقود أو أقسام تفصلها عن بعضها جدران ضيقة، فإن هذه الأقسام تدخل ضمن تعداد البوابات المؤدية إلى الكعبة، و بذلك يصل عدد هذه البوابات إلى تسع و ثلاثين بوابة. و لما كانت تلك البوابات بلا أبواب، ترتب على ذلك أن يكون المسجد مفتوحا فى الأوقات كلها. لقد مررت على المسجد الحرام مرارا أثناء الليل، و قد كنت أجد فيه بشرا بصورة مستمرة، يصلون أو يطوفون.

الجدران الخارجية للمسجد الحرام هى عبارة عن جدران المنازل المحيطة بالمسجد من جميع الجوانب هذه المنازل كانت فى الأصل تنتمى إلى المسجد، و القسم الأكبر من هذه المنازل ملك لأفراد بعينهم، هؤلاء الأفراد اشتروا هذه المنازل، و هم يؤجرون هذه المنازل لكبار أغنياء الحجاج بأسعار عالية جدا، قد تصل إلى خمسمائة قرش، أثناء موسم الحج، للسكن الجيد، الذى له نوافذ تطل على الحرم. و بناء عليه جرى فتح نوافذ فى أجزاء كثيرة من الجدران، بحيث تكون تلك النوافذ على مستوى واحد مع الشارع، و ترتفع قليلا عن مستوى الأبهاء المعمدة. الحجاج الذين يستأجرون تلك الشقق للإقامة فيها، يصح لهم أداء صلاة الجمعة و هم داخل هذه المساكن، لأن رؤية هؤلاء الناس للكعبة و هم فى منازلهم تدخلهم ضمن الموجودين فى المسجد نفسه. على مستوى أرضية الأبهاء المعمدة، و يطل عليها، نجد تلك الشقق السكنية الصغيرة، التى جرى إنشاؤها فى الجدران، على شكل زنازين أو أبراج، هذه الزنازين لا تزال ملكا للمسجد، و لكن المنازل المبنية فوقها مملوكة لبعض الأفراد. و يجرى تأجير هذه المنازل للسقائين، الذين يحتفظون فى تلك الزنازين بجرار ماء زمزم، أو قد تؤجر تلك المنازل للحجاج الفقراء الذين يودون العيش فى الحرم. بعض المنازل المحيطة بالحرم ما زالت تابعة

197

للحرم، و كان الهدف منها أن تكون مدارس عامة، لأن الاسم الذى يطلق على هذه المنازل هو المدارس: هذه الأماكن يجرى حاليا تأجيرها كلها للحجاج. كان محمد على باشا يعيش فى واحد من هذه المنازل الكبيرة، و كان حسان باشا يعيش فى منزل آخر من هذه المنازل‏ (*).

توجد بالقرب من باب إبراهيم مدرسة كبيرة، هى حاليا من ممتلكات سيد عقيل، أحد كبار تجار مكة، الذى يفتح متجره على المسجد. هذا الشخص كبير السن يتمتع بسمعة طيبة و طاهرة، و يقال إن يد الشريف حينما حاولت أن تمتد إليه بالأذى، عندما رفض ذات مرة تقديم شى‏ء من المال للشريف، يقال إن تلك اليد أصيبت بشلل مؤقت.

هذا الرجل تنعقد فى بيته كل مساء جمعيات يقوم أفرادها بمناقشة الموضوعات الدينية و قراءة الكتب الدينية أيضا (**).

المحكام من بين البنايات الأخرى التى تشكل مسور المسجد الحرام، و المقصود

____________

(*) من بين هذه المنازل منزل جميل (مدرسة) فى مكة جرى بناؤه بأوامر من قايتباى، سلطان مصر فى العام 888 الهجرى، فى جانب الحرم المواجه لشارع المسعى، هذا المنزل تحول هو الآخر إلى منزل خاص بعد أن جرى تجديد ذلك المنزل من عوائده بواسطة الأوصياء عليه. كانت هناك علاوة على المدارس بنايات أخرى صغيرة أقامها سلاطين مصر الآخرين هم و سلاطين إسطنبول لأغراض مشابهة، يسمونها الرباط، الذى يمكن أن يقيم فيه الحجاج الفقراء الذين يودون الدراسة فى المسجد الحرام، و لكن هذه البنايات آلت إلى ما آلت إليه المدارس، و أصبحت حاليا ملكا للمكيين، أو تؤجر بعقود طويلة الأجل لأشخاص من قبل المسجد، و تستخدم مساكن عامة.

(**) ابن عم هذا الرجل هو القرصان الشهير المدعو سيد محمد العقيل، هذا القرصان ارتكب كثيرا من العدوان الصارخ على سفن أوروبية فى البحر الأحمر، بل وصل به الحد إلى لعن العلم الإنجليزى. فى بداية العام 1814 الميلادى كان سيد محمد العقيل قد استدعى إلى جدة، و عرضوا عليه الدخول فى خدمة محمد على باشا، الذى يقال إنه فى ذلك الوقت كان يضمر شرا لليمن. قدم الباشا لسيد محمد عقيل هدايا قيمة، إما على أمل ضمه إلى خدمته، أو تقربا منه لنيل صداقته، لكن القرصان رفض عروض الباشا. كان الرجل قد جمع ثروة طائلة، كانت للرجل منشآت فى كل ميناء من الموانئ فى البحر الأحمر، و كان بحارته و جنوده معجبين به لسخائه و كرمه. سيد محمد عقيل هذا استطاع مثل ولد عمه فى مكة، أن يجعل الناس يصدقون أنه موهوب بقوى خارقة و غير طبيعية.

198

بالمحاكم هنا هو بيت العدالة، و هو يقع بالقرب من باب زيادة، هذا البيت عبارة عن مبنى جيد البناء، من داخله عقود مرتفعة، و له صف من النوافذ العالية التى تطل على المسجد الحرام. بيت العدالة هذا يقيم فيه القاضى. بجوار بيت العدالة توجد مدرسة كبيرة، ثم ميدانا أو ساحة، هذه المدرسة تعرف باسم مدرسة السليمانية، و الذى بناها هو السلطان سليمان و ولده سليم الثانى، فى العام 973 الهجرى. هذه المدرسة تكون دوما مليئة بالحجاج الأتراك، اصدقاء القاضى الذى يملك حق التصرف فى المساكن.

المسجد من الخارج مزين بسبع مآذن، موزعة بطريقة غير منتظمة: مئذنة واحدة لباب العمرة، و مئذنة واحدة أيضا لباب السلام، ثم مئذنة واحدة لباب على، و مئذنة لباب الوداع، و مئذنة لمدرسة قايتباى، و مئذنة لباب الزيادة، ثم مئذنة لمدرسة السلطان سليمان. هذه المآذن رباعية الأضلاع، و لا تختلف عن المآذن الأخرى مطلقا. المدخل إلى هذه المآذن يكون من مبان مختلفة فى سائر أنحاء المسجد، الذى تجاوره تلك المآذن.

من يصعد المئذنة التى فى أقصى الشمال يرى منظرا جميلا لهذا الجمع الكبير الذى فى الأسفل.

يتضح من الوصف السابق أن المسجد الحرام فى مكة، يختلف بعض الشى‏ء فى إنشائه عن كثير من المساجد الأخرى التى لها الطابع نفسه فى آسيا. مسجد زكريا فى حلب، و المسجد الأموى فى دمشق، و العدد الكبير من المساجد الأكبر من هذين المسجدين فى القاهرة، جرى إنشاؤها طبقا للمخطط نفسه، بحيث تكون عبارة عن معمّد ذى عقود من حوله ساحة كبيرة مفتوحة. و أكثر المساجد شبها بالمسجد الحرام هو جامع بن طولون فى القاهرة، الذى بنى فى العام 263 الهجرى، و جامع عمرو بن العاص، الذى يقع بين القاهرة و القاهرة القديمة، فى المنطقة التى كان الفسطاط مقاما عليها فى يوم من الأيام، هذا الجامع بناه عمرو بن العاص، فى السنوات الأولى من فتحه مصر، هذا المسجد فيه فى منتصفه سبيل معقد، أما فى مكة فالكعبة هى التى تتوسط المسجد، لكن مسجد (جامع) عمرو بن العاص يصل إلى ثلث المسجد الحرام من‏

199

حيث المساحة. تاريخ بيت الله أتى عليه كثير من العلماء العرب، و لم تجر توسعة المسجد الحرام إلا فى فترة متأخرة، كانت هناك أشجار كثيرة فى ساحة المسجد، و المؤسف أن تلك الأشجار لم تعقبها أشجار أخرى.

خدمة المسجد يقوم بها عدد من الأفراد. الخطباء، و الأئمة، و المفتون، و العاملون فى زمزم، و المؤذنون، و أعداد من العلماء، الذين يلقون محاضرات، و وقادى المصابيح، و جمع كبير من خدم الأعمال اليدوية الصغيرة، كل هؤلاء يعملون فى خدمة بيت الله.

هؤلاء الناس يتقاضون أجورا بصفة منتظمة من المسجد، فضلا عن أنصبتهم من الهدايا التى يقدمها الحجاج للمسجد؛ بغية توزيعها على من يخدمونه، أما التبرعات التى ليست لهذا الغرض فيجرى الاحتفاظ بها لصيانة المسجد. مداخيل المسجد الحرام كبيرة جدا، على الرغم من حرمانه من أفضل مصادر دخله.

هناك بعض المدن و البلدان القليلة أو بالأحرى مناطق من الإمبراطورية التركية، التى للمسجد الحرام فيها أوقاف، لكن الدخل السنوى من تلك الأوقاف، عادة ما يحتجزه الحكام (الولاة) المحليون، أو تنقصه الأيدى التى تتداوله ليتحول إلى مبلغ، مجرد مبلغ ضئيل. الإسحاقى، فى كتابه، تاريخ مصر، يروى أنه فى زمن السلطان أشمد، ولد السلطان محمد، الذى توفى فى العام 1027 الهجرى)، كانت مصر ترسل إلى مكة كل عام مائتين و خمسة و تسعين كيسا (صرة)، مخصصة للمسجد الحرام، كما كانت ترسل أيضا ثمانية و أربعين ألف إردب و ثمانية أردب من القمح. (و فى العام 912) حدد بايازيد ولد السلطان محمد خان الدخل الذى يرسل إلى مكة (المكرمة) و المدينة (المنورة) من إسطنبول بحوالى أربع عشرة ألف دوكات‏ (*) فى العام الواحد، هذا علاوة على ذلك الذى أمر به أولئك الذين جاءوا قبله، و قام السلطان سليمان بن سليم الأول بزيادة الدخل السنوى المكى الذى كان يرسل من اسطنبول، و الذى سبق أن‏

____________

(*) االدوكات: عملة ذهبية أوروبية. (المترجم)

200

حدده والده سليم بسبعة آلاف إردب من القمح، زاد الرجل هذا الدخل إلى عشرة آلاف إردب من القمح، و خمسة آلاف إردب لسكان المدينة المنورة (*). هذا السلطان سليمان بن سليم الأول حدد أيضا الصرة التى كانت ترسل من اسطنبول، أو الصرة اليونانية، كما كانوا يسمونها، بحوالى واحد و ثلاثين ألف دوكات فى العام‏ (**). و قد قام المماليك بمصادرة كل المداخيل التى كانت تأتى من مصر، ثم استولى محمد على باشا على البقية الباقية بعد ذلك. هناك شى‏ء من الدخل يأتى من اليمن، يطلقون عليه اسم وقف الحمام، و لا يصل منه سوى مبلغ ضئيل مع قافلة الحج. فى الوقت الراهن يمكن القول إن المسجد المكى فقير بالقياس إلى ما كان عليه من قبل‏ (***). و إذا ما استثنينا تلك القلة القليلة من المصابيح الذهبية الوجودة فى الكعبة، و على الرغم من القصص الرائجة التى تقول عكس ذلك، نجد أن المسجد ليس فيه أى شى‏ء من الكنوز، و لقد عرفت من قاضى مكة نفسه، أن السلطان، ابتغاء منه للمحافظة على هذا المنشأ، يرسل فى الوقت الراهن أربعمائة كيس كل عام، على سبيل الهدية للكعبة المشرفة، هذا المبلغ يجرى صرفه فى خدمة المسجد، و يوزع منه جزء على العاملين فى خدمة المسجد أيضا.

يجب عدم الخلط بين دخل المسجد الحرام و دخل بعض المكيين، الذين يدخل ضمنهم كثير من الخدم، الذين يحصلون عليه من مؤسسات دينية أخرى فى الإمبراطورية التركية، و الذى يعرف باسم الصرة، و الذى لا يزال القسم الأكبر منه بلا مساس. يزاد على ذلك أن تبرعات الحجاج، تكفى لإعاشة أعداد كبيرة من الأشخاص العاملين فى سائر أنحاء المسجد الحرام، و ما دام الحج عملية مستمرة،

____________

(*) راجع قطب الدين.

(**) راجع العصمى. هذه الأكياس جرى تحديدها فى البداية بواسطة محمد والد السلطان يالدريم فى العام 816 الهجرى.

(***) قدم الأمراء الهنود فى أحيان كثيرة دليلا على سخائهم على المسجد المكى. فى العام 798 الهجرى، جرى إرسال هدايا مالية كبيرة و أشياء قيمة من قبل أمير البنغال و أمير كمباى، و العصمى يأتى على ذكر أمراء البنغال و يصفهم بالكرم و الإحسان.

201

فلن يكون هؤلاء العاملون و الخدم فى ضيق من افتقارهم إلى ضروريات الحياة أو مباهجها.

المسئول الأول فى الحرم هو ما يسمونه نائب الحرم، أو حارس الحرم، و هو الذى يحمل مفاتيح الكعبة. و يجرى وضع المبالغ التى تهدى للمبنى بين يدى هذا الحارس و هو الذى يقوم بتوزيع المبالغ هذه مع القاضى. و تجرى صيانة المسجد الحرام و إصلاحاته تحت إشراف حارس الحرم. (*) لقد أكدوا لى، لكنى لا أعرف مدى صدق ذلك، أن حسابات حارس الحرم السنوية، التى يحصيها كل من الشريف و القاضى، و التى كانت ترسل إلى إسطنبول، تقدر بحوالى ثلاثمائة صرة كل عام، للصرف منها على الإصلاحات الضرورية، و الإضاءة، و السجاد، إلخ، و إعاشة الطواشيّة. المنتسبين إلى المسجد. حارس الحرم هذا تصادف فى هذه الأيام أن يكون واحدا من عمداء الأسر الرئيسية الثلاث المنحدرة عن قريش القديمة، و الذى لا يزال مقيما فى مكة. بعد حارس الحرم فى المنزلة، يجى‏ء أغا الطواشى، أو كما يسمونه أغا الطواشية هؤلاء الطواشية يقومون بأعمال ضباط الشرطة فى المسجد (**)، كما أنهم مسئولون عن منع الإخلال بالنظام، و عن مسائل الكنس و التنظيف اليومى، باستخدام مقشات كبيرة، و تنظيف الرصيف المحيط بالكعبة و كنسه. و قد شاهدت مياه المطر، فى موسم سقوط الأمطار متجمعة فوق الرصيف إلى ارتفاع قدم تقريبا، و فى المناسبات التى من هذا القبيل يساهم حجاج كثيرون فى إزالة هذا الماء عن طريق فتحات متعددة موجودة فى الرصيف، يقال إنها تؤدى إلى تجاويف كبيرة أسفل الكعبة، و ذلك على الرغم من أن مؤرخى مكة و مؤرخى المسجد الحرام لا يأتون على ذكر هذه التجاويف.

____________

(*) شرف الاحتفاظ بمفاتيح الكعبة، و الأرباح الناتجة عن ذلك، كان دوما محلا للصراع بين القبائل العربية القديمة.

(**) استخدام العبيد أو الطواشيّة فى هذا المسجد له تاريخ قديم؛ معاوية بن أبى سفيان، بعد وفاة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) بوقت قصير أمر باستخدام العبيد فى الكعبة. راجع الفاسى.

202

هؤلاء الطواشية يرتدون الكاوك الاسطنبولى، و من فوقه روب واسع، مربوط بحزام، و يحمل كل واحد منهم عصا طويلة فى يده. الوصف الذى أورده" د. أوهون" عن هؤلاء الطواشية صحيح تماما، و قد قارنت ما كتبته عن هذا الموضوع مع ما أورده هذا الرحال‏ (*). عدد الطواشية فى المسجد الحرام حاليا يزيد على أربعين طواشيا. و هؤلاء الطواشية يجرى إرسالهم إلى المسجد الحرام بواسطة الباشاوات و الأعيان الآخرين، و هم يرسلون هؤلاء الطواشية، على سبيل الهدية، إلى المسجد الحرام، عندما يكونون صبية صغارا، و يرسل مع كل طواشىّ من هؤلاء الطواشية مبلغ مائة دولار على سبيل التجهيز. و قد قدم محمد على باشا عشرة طواشية للمسجد الحرام. فى الوقت الراهن يوجد عشرة طواشية كبار، و عشرين طواشيا من الصبية الصغار، هؤلاء الصبية الصغار يعيشون سويا فى بيت واحد إلى أن يجرى تدريبهم و تعليمهم على نحو يسمح لهم بأن يصبحوا تحت رعاية إخوانهم الكبار، الذين يبقون معهم مدة سنوات قليلة، ثم يقومون بعد ذلك بتأسيس منشأتهم الخاصة. على الرغم من أن الأمر قد يبدو شاذا و غريبا فإن الطواشية الكبار يتزوجون من إماء سوداوات، و يحتفظون فى منازلهم بكثير من العبيد و الإماء على سبيل الخدم فى منازلهم. هؤلاء الطواشية يشكلون أهمية كبيرة، و فى حال حدوث مشاجرات أو اضطرابات، يقوم هؤلاء الطواشية بتطويق المتشاجرين أو مثيرى الشغب و يتعاملون معهم بعصيهم. كثير من أفراد الطبقات الدنيا فى مكة يقبلون أيدى هؤلاء الطواشية عندما يقتربون منهم. رئيس، أو أغما الطواشية يجرى اختياره من بينهم، هذا الرئيس عبارة عن شخصية قوية، و من حقه أن يكون موجودا فى حضرة الباشا و الشريف. الطواشية لهم دخل كبير يأتيهم من مداخيل المسجد الحرام، و من التبرعات الخاصة التى تأتى من الحجاج، هؤلاء الطواشية يتلقون أيضا

____________

(*) هذا الكتاب الممتاز هو المصدر الكامل الوحيد للمعلومات الخاصة بقوانين الإمبراطورية التركية و دستورها، لكن يجب ألا يغيب عن البال أن الممارسات التى كانت سارية فى المقاطعات كانت تتضارب، من سوء الطالع، تضاربا شديدا مع نص القانون و روحه، على حد تفسير المؤلف.

203

حوافز دورية من إسطنبول، كما يحصلون أيضا على ربح من الأعمال التجارية، و سبب ذلك، أن الطواشية شأنهم شأن بقية أفراد الشعب المكى، بل و مثل كبار رجال الدين، يعملون بالتجارة بشكل أو بآخر، يزاد على ذلك أن الجهد الذى يبذلونه سعيا إلى الكسب التجارى، أكبر بكثير من الجهد الذى يبذلونه فى القيام بأعمالهم الرسمية، هذا الجهد الذى يبذلونه من أجل الكسب التجارى يتساوى تماما مع الجهد الذى يبذلونه سعيا إلى اكتساب صداقة الحجاج الأثرياء.

السواد الأعظم من هؤلاء الطواشية من الزنوج، قلة قليلة منهم من الهنود الذين لبشرتهم لون النحاس. يجرى فى بعض الأحيان إرسال واحد من الطواشية السود، إلى بلاد السودان لجمع الهدايا للكعبة، و قد حكى بروس‏Brouc فى كتابه عن المصير الذى آل إليه واحد من هؤلاء الطواشية. قبل سنوات عدة حصل أحد الطواشية على إذن بالعودة إلى السودان، بعد أن قدم شخصا آخر بدلا عن نفسه للمسجد الحرام. و عاد الرجل إلى برجو، غربى دارفور، و هو حاليا الحاكم القوى لهذه المنطقة.

عندما يأتى الحجاج الزنوج إلى مكة، لا ينسون مطلقا زيارة الطواشية و تقديم فريضة الطاعة و الولاء لهم، و الطواشىّ بعد أن يلحق بخدمة الكعبة، التى تسبغ عليه لقب طواشى النبى، لا يمكن أن يلتحق بأى عمل آخر.

فى شهر رمضان، (أمضيت الأيام الأخيرة منه فى مكة و كان ذلك فى العام 1814 الميلادى) يتلألأ المسجد الحرام تلألؤا فريدا. كان الحجاج فى ذلك الوقت، (المصادف لأشد أوقات العام حرارة)، يؤدون الصلوات الثلاث اليومية الأولى فى منازلهم، لكنهم يتجمعون بأعداد كبيرة فى المسجد الحرام، لأداء صلاة المغرب و العشاء. كل واحد من هؤلاء الحجاج يحمل معه فى غترته قليلا من التمر، و شيئا من الخبز و الجبن، أو شيئا من العنب، يضعه أمامه انتظارا لانطلاق أذان المغرب، ثم يبدأ فى فك صيامه. طوال فترة الانتظار هذه يتبادلون فى أدب مع جيرانهم جزءا من وجبتهم و يأخذون جزءا مثيلا. بعض الحجاج، و من منطلق ذيوع صيتهم فى الإحسان،

204

يتنقلون من رجل إلى رجل، و يضعون أمام كل واحد منهم قطعا قليلة من اللحم، و من خلفهم الشحاذون، الذى يقومون بدورهم، بتلقى هذه القطع من أولئك الحجاج الذين وضعت أمامهم. و عقب نداء الإمام الموجود أعلى بئر زمزم قائلا:" الله أكبر"، يسارع الجميع إلى الشرب من جرار ماء زمزم، على أن يشرب كل واحد من جرته الخاصة به، و يأكل شيئا مما أمامه قبل أداء صلاة المغرب، و بعد صلاة المغرب يعود الجميع إلى بيوتهم لتناول العشاء، ثم يعودون بعد ذلك إلى المسجد لأداء صلاة العشاء. فى ذلك الوقت تكون الساحة، هى و الأبهاء المعمدة قد أضيئت بآلاف المصابيح، يضاف إلى ذلك أن كل حاج يأتى و معه فانوسه الخاص ليضعه أمامه. روعة هذا المنظر، و النسيم العليل الذى يعم صحن المسجد أو ساحته، يغرى جموعا كبيرة بالبقاء فى المسجد طوال الليل. هذه الساحة هى الساحة الوحيدة الواسعة و المكشوفة فى المدينة كلها، و هى تسمح للنسيم العليل بالاندفاع قادما من بواباتها، هذا النسيم العليل يعزوه المكيون إلى حفيف أجنحة الملائكة الذين يحرسون المسجد الحرام. شاهدت حماس حاج من دارفور، وصل إلى مكة فى الليلة الأخيرة من رمضان بعد أن قطع ذلك الرجل رحلة طويلة عبر صحار جرداء قاحلة، هذا الحاج عندما دخل إلى المسجد المضاء، اندهش كثيرا لمنظر المسجد، و انبهر أيضا بالكعبة السوداء، إلى حد أنه خر ساجدا بالقرب من المكان الذى كنت أجلس فيه، و بقى على هذه الحال فترة طويلة، ثم نهض الرجل بعد ذلك، و انهمرت دموعه، و فى ذروة انفعاله، و بدلا من أن يدعو بالدعاء المعتاد راح يقول متوسلا:" يا رب، اقبض روحى، لأن هذا جنة!"

انتهاء موسم الحج يضفى على المسجد الحرام مظهرا مختلفا تماما. الأمراض و الوفيات التى تنتج عن هذه الرحلة المضنية، أو الناتجة عن ملابس الإحرام الخفيفة، و كذلك السكن غير الصحى فى مكة، و كذلك الطعام السيئ، و الفقر و الحاجة فى بعض الأحيان، كل ذلك يؤدى إلى امتلاء المسجد الحرام بجثث الموتى، التى تحمل إلى داخل الحرم للصلاة عليها، أو المرضى الذين إذا ما اشتد مرضهم و دنا أجلهم يجرى إحضارهم إلى الأبهاء المعمدة، على أمل أن يشفوا بسبب النظر إلى الكعبة، أو الرضا