ترحال في الجزيرة العربية - ج1

- جان لوئيس بوركهارت المزيد...
305 /
205

- فى أضعف الأحوال- بأن يموتوا فى المكان المقدس. الحجاج الفقراء الذين أرهقهم المرض و الجوع، تراهم يجرجرون أجسادهم الواهنة على امتداد الأعمدة، و عندما يعجزون عن مد أيديهم طلبا للإحسان، يقومون بوضع إناء يتلقون فيه الصدقات بالقرب من الحصير الذى يرقدون عليه، و عندما يحسون اقتراب لحظاتهم الأخيرة، تراهم يغطون أنفسهم بخرقهم المهلهلة، و قد يمضى يوم كامل قبل أن يكتشف الناس أنهم قد فارقوا الحياة. و على امتداد شهر كامل بعد انتهاء موسم الحج، كنت أشاهد كل يوم تقريبا، جثث الحجاج الذين فارقوا الحياة ممددة على الأرض فى المسجد، و قد قمت أنا و حاج يونانى، ساقته المصادفة إلى هذا المكان، قمنا بإغماض عينى حاج مغربى فقير، الذى زحف إلى أن أصبح على مقربة من الكعبة، ليلفظ نفسه الأخير، على حد قول المسلمين" بين يدى الرسول و الملائكة الحارسين للمسجد" و أشار لنا أنه يرغب فى نثر بعض من ماء زمزم على وجهه، و بينما كنا نفعل ذلك صعدت روح الرجل إلى بارئها، و بعدها بنصف ساعة جرى دفن جثته. هناك العديد من الأشخاص الذين يعملون فى خدمة المسجد، و بخاصة غسل تلك الأماكن التى يلفظ فيها مثل هؤلاء الناس أنفاسهم الأخيرة، كما يقومون أيضا بدفن الفقراء، و من لا أصدقاء لهم و توافيهم المنية فى مكة.

ملاحظات تاريخية

فيما يتعلق بالكعبة، المسجد الحرام، أورد هنا بعض المقتطفات من أعمال الأزرقى، و الفاسى، و قطب الدين، و العصمى، نظرا لأن هؤلاء المؤلفين هم الذين أتيت على ذكرهم فى مقدمة الكتاب.

يؤكد الدين الإسلامى أن الكعبة أنشئت فى السماء قبل أن يخلق الله الكون بألفى عام، و أن الملائكة كانوا يتعبدون فيها، عندما أمرهم الله بالطواف أو السير حولها. آدم أول المؤمنين، هو الذى أقام الكعبة على الأرض، فى موقعها الحالى، الذى يقع‏

206

أسفل المكان الذى كانت تشغله فى السماء. جمع آدم- (عليه السلام)- الأحجار التى استعملها فى بناء الكعبة من الجبال الخمسة الشريفة، جبل لبنان، طور سيناء (جبل سيناء)، و الجودى (الاسم الذى يطلقه المسلمون على الجبل الذى رست عليه سفينة نوح بعد انحسار الطوفان)، و جبل الحرة، أو بالأحرى جبل النور، و جبل طور زيت (ذلك الجبل الذى ورد ذكره فى السورة الخامسة و التسعين من القرآن). جرى تعيين عشرة آلاف ملك لحماية بيت الله الحرام من الأحداث، لكن يبدو أن هؤلاء الملائكة، من واقع تاريخ الحرم نفسه، كانوا غير متقنين لعملهم. أبناء آدم رمموا الكعبة، و بعد الطوفان، أمر (سيدنا) إبراهيم- (عليه السلام)- بعد أن تخلى عن عبادة الأصنام التى كان عليها أسلافه، من قبل المولى عز و جل بإعادة إنشاء الكعبة. و كان ولده (سيدنا) إسماعيل- (عليه السلام)-، الذى كان يسكن بالقرب من مكة منذ طفولته، يساعد والده الذى جاء من سوريا من باب الطاعة لله سبحانه و تعالى و عندما بدأ الحفر عثرا على الأساس الذى وضعه آدم (عليه السلام). و لما كانا بحاجة إلى حجر يضعانه فى زاوية المبنى ليكون بمثابة إشارة لبدء الطواف حول الكعبة، فقد ذهب (سيدنا) إسماعيل يبحث عن حجر. و أثناء مسيره فى اتجاه جبل قبيص، التقى (سيدنا) جبريل، و قد أمسك بيده حجرا أسود. كان لون الحجر فى ذلك الوقت براقا و لامعا، لكنه تحول إلى اللون الأسود، على حد قول الأزرقى، نظرا لتعرض ذلك الحجر مرارا، قبل ظهور الإسلام و بعده. يقول بعض آخر من المؤرخين إن لون الحجر تغير بفعل خطايا أولئك الذين لمسوه، و فى يوم القيامة سيشهد ذلك الحجر لصالح كل أولئك الذين لمسوه بقلوب صافية و سوف يرى و يتحدث ذلك الحجر.

بعد حدوث بئر زمزم على سبيل المعجزة، و قبل أن يبدأ (سيدنا) إبراهيم بناء الكعبة، كانت قبيلة بنى جرهم، الذين هم فرع من الأمالكة، تقيم فى هذه المنطقة، بإذن من (سيدنا) إسماعيل و أمه، اللذين كانا يعيشان بين أفراد هذه القبيلة، كان (سيدنا) إسماعيل يعتبر بئر زمزم ملكا له، لكنه بعد أن تزوج من قبيلة جرهم، قام بنو

207

جرهم، بعد وفاة (سيدنا) إسماعيل باغتصاب ملكية كل من بئر زمزم و الكعبة. أثناء مقامهم فى هذا الوادى، قاموا بترميم الكعبة أو إعادة بنائها لكن بئر زمزم انسدت بفعل السيول العاتية، و استمر ذلك الانسداد على امتداد ألف عام، ثم قامت قبيلة خزاعة بعد ذلك بالاستيلاء على الكعبة لمدة ثلاثمائة عام، ثم قام هؤلاء الذين جاءوا بعد خزاعة، و هم من قبيلة قصى بن كلاب، بإعادة بناء الكعبة، و نظرا لأن الكعبة كانت معرضة دوما للدمار من قبل السيول، فقد كانت دوما بحاجة إلى الترميم و الإصلاح.

كانت الكعبة فى ذلك الزمان مكشوفة من أعلى، و لكن بنى قصى قاموا بسقف الكعبة، و اعتبارا من ذلك التاريخ أصبحت الكعبة غير معرضة لمخاطر الهدم.

هناك عربى من بنى قصى، يدعى عمر بن لاهاى، أول من أدخل عبادة الأوثان بين إخوانه المواطنين، و هو الذى أحضر الصنم المدعو هبل من حيث فى بلاد الرافدين‏ (*) و وضعه فى الكعبة. و هنا بدأت عبادة الأوثان تنتشر انتشارا سريعا، و يبدو أن كل قبيلة عربية اختارت إلاهها الخاص بها، أو صنمها الخاص بها، و لما كانت الكعبة تعد بانثيونا (**) عاما لهذه الأصنام كلها، فقد راح الناس يترددون عليها فى موسم الحج. يقول الأزرقى إن النخلة التى يسمونها عزّا كانت تعبدها قبيلة خزاعة، أما بنو ثقيف فكانوا يعبدون الصخرة المسماة اللات، و هناك شجرة كبيرة يسمونها ذات آروات، كانت قريش تعبدها، يزاد على ذلك أن الأماكن المقدسة مثل منى، و الصفا، و المروة كلها كانت أشباه آلهة، و المؤرخون يوردون قوائم طويلة بآلهة أخرى كثيرة. و تزايد عدد الأصنام، إلى حد أن أصبح فى كل بيت صنم، بل فى كل خيمة من الخيام المنصوبة فى هذا الوادى، و كانت الكعبة مزينة بثلاثمائة و ستين صنما، بعدد أيام السنة.

____________

(*) راجع الأزرقى.

(**) بانثيون: هيكل عام للآلهة (المترجم).

208

كانت قبيلة قصى أول من بنى منازل حول الكعبة، كانوا يعيشون فى تلك المنازل فى فترة النهار، لكنهم كانوا يعودون إلى خيامهم فى فترة المساء التى كانوا ينصبونها على الجبال المجاورة. كان بنو قريش الخلف الذين جاءوا بعد بنى قصى إلى مكة، أو بكة (الاسم الذى كانوا يطلقونه على مكة فى ذلك الوقت)، فى ذلك الوقت على وجه التقريب دمرت الكعبة بفعل حريق، و قام القرشيون بإعادة بناء الكعبة من الخشب، و لكن حجمها كان أصغر من الحجم الذى كانت عليه فى زمن بنى قصى، لكنهم جعلوا من حائط أو جدار الحجر (الذى سبق ذكره) حدا من حدودها السابقة، و جرى إسناد السقف من الداخل بواسطة ستة أعمدة، أما تمثال هبل، المريخ‏Jupiter ، فقد جرى وضعه فوق بئر، كانت موجودة داخل الكعبة فى ذلك الوقت. حدث ذلك يوم أن كان محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فى سنى شبابه، و جرى نقل الأصنام إلى المبنى الجديد، و يورد الأزرقى بشهادة رأى العين لأناس يحظون باحترام كبير، ليثبت حقيقة مهمة (لم يلاحظها أحد فى ذلك الوقت)، مفادها أن شكلا لمريم البتول، و فى حجرها (سيدنا) عيسى (عليه السلام)- هذه الصورة جرى نحتها بوصفها من الآلهة- على عمود من الأعمدة الستة بالقرب من بوابة الكعبة.

كان عبد المطلب بن هاشم، جد محمد (صلى اللّه عليه و سلم) قد أعاد حفر بئر زمزم قبل حرق الكعبة بوقت غير طويل.

عندما دخل محمد (صلى اللّه عليه و سلم) بلد أجداده منتصرا، دمر كل الصور و التماثيل التى فى الكعبة، و ألغى عبادة الأصنام التى كان يمارسها بنو وطنه، و راح مؤذن الرسول، بلال الزنجى يؤذن فى الناس (المسلمين) من فوق الكعبة لأداء الصلاة.

كانت قريش قد بنت بلدة صغيرة حول الكعبة، و قد عبدوا هذه البلدة إلى حد أنهم كانوا يرفضون أن يقوم أى أحد بتعلية سقف بيته عن سقف هذه البلدة المقدسة، و قد أكد الإسلام على الحج إلى ذلك الضريح الشريف، الذى بناه العرب الوثنيون.

كان عمر بن الخطاب أول من بنى مسجدا حول الكعبة فى العام 17 الهجرى، و بعد شراء المنازل الصغيرة المحيطة من القرشين، و بعد بناء جدار حول المنطقة، قام‏

209

عثمان بن عفان فى العام 27 بتوسعة الميدان، و فى العام 63 الهجرى عندما جرت محاصرة يزيد المهرطق المتمرد فى مكة بواسطة عبد الله بن الزبير، ابن أخت السيدة عائشة، جرى تدمير الكعبة عن طريق الحرق، هناك من يقولون إن ذلك كان من قبيل المصادفة، و هناك أيضا من يقول مؤكدا إن ذلك حدث عن طريق المنجنيق الذى وجهه إليها يزيد من فوق جبل قبيص الذى اتخذ منه موقعا له. بعد طرد يزيد، قام ابن الزبير بتوسعة محيط السور عن طريق شراء المزيد من المنازل من المكيين، و إضافة أرض هذه المنازل بعد هدمها، إلى السور كما قام ابن الزبير أيضا بإعادة بناء الكعبة على نطاق كبير، و زاد ارتفاعها من ثمانية عشر رمحا (ارتفاع الكعبة فى زمن القرشيين) إلى سبعة و عشرين رمحا، أو إلى ما يقرب من ارتفاعها الذى كانت عليه فى زمن إبن قصى. فتح ابن الزبير بابين فى الكعبة، و كان البابان فى مستوى سطح المنطقة، كما أنشأ للكعبة سقفا مزدوجا، محمولا على ثلاثة أعمدة بدلا من ستة أعمدة. كان طول الكعبة الجديد يقدر بخمسة و عشرين قدما أما عرضها فكان عشرين قدما من أحد الأجناب و إحدى و عشرين قدما من الجانب الآخر. فى داخل الكعبة، كانت البئر الجافة المسماة بير أهسف، لا تزال موجودة، و كان يجرى فيها الاحتفاظ بالكنوز و الهدايا، و بخاصة الأوعية و الأوانى الذهبية التى جرى تقديمها للكعبة، الذى يقال إنه مشتق من كعب، بمعنى مكعب، و هو الشكل الذى عليه الكعبة فى الوقت الحاضر. كان اسم الكعبة قبل ذلك (بيت الله)، أو البيت العتيق، و هو لا يزال يطلق على الكعبة.

بعد عشرين عاما من التاريخ سالف الذكر، قام الحجاج بن يوسف الثقفى، الذى كان حاكما على مكة فى ذلك الزمان، و الذى لم تعجبه توسعة الكعبة، بتقليل أبعاد الكعبة إلى ما كانت عليه فى زمن قريش، بأن اقتطع من طولها ستة رماح، كما أعاد الحجاج الجدار الذى يسمونه الحجر، الذى كان ابن الزبير قد أضافه إلى المبنى. كان الحجم الذى عليه المبنى فى ذلك الوقت هو الحجم الذى هو عليه فى الوقت الراهن، و أصبح يجرى الالتزام به فى الإصلاحات و الترميمات التى جددت بعد ذلك.

210

فى أواخر القرن الأول الهجرى، كان الوليد بن عبد الملك أول من أقام أعمدة فى المسجد. و هو الذى أمر بتغطية رءوس الأعمدة بطبقة من الذهب، و هو الذى أنفق كثيرا على زينات المسجد و زخرفاته، و يروى أن الزينات الذهبية كلها، التى أهداها الوليد بن عبد الملك للمسجد جاءت من طليطلة فى إسبانيا، و جرى نقلها على ظهور البغال عبر كل من إفريقيا و الجزيرة العربية.

فى العام 139 الهجرى، قام أبو جعفر المنصور بتوسعة الجانبين الشمالى و الجنوبى من المسجد الحرام، و جعله ضعف الحجم الذى كان عليه من قبل، الأمر الذى جعل المسجد يشغل حاليا مساحة طول ضلعها سبعة و أربعين رمحا و نصف الرمح.

كما أمر أبو جعفر المنصور برصف الأرض المجاورة لبئر زمزم بالرخام.

أضاف الخليفة المهدى إلى حجم المسجد فى فترتين مختلفتين، كانت الإضافة الأخيرة فى العام 163 الهجرى، و قد اشترى الخليفة المهدى الأرض اللازمة لهاتين الإضافتين، أو إن شئت فقل: التوسعتين من المكيين، بأن دفع لهم خمسة و عشرين دينارا عن كل رمح مربع. و الخليفة المهدى هو الذى جلب الأعمدة من مصر، كما سبق أن قلت. هذه التحسينات التى بدأها الخليفة المهدى، أكملها ولده الهادى، و جرى عمل السقف الخاص بالبهو المعمد من الخشب الهندى، و جرى إنزال الأعمدة التى جلبت من مصر على بعد مسافة مسير يوم واحد عن جدة من ناحية الشمال، لكن بسبب بعض المشكلات التى ثارت لم يجر نقل الأعمدة كلها إلى مكة، فقد جرى ترك بعض من هذه الأعمدة على الرمل على شاطئ البحر. و أنا أشير إلى ذلك لتنوير الرحالة المستقبليين، الذين إذا ما وجدوا هذه الأعمدة، لا يحسبونها بقايا مستوطنة أو مستعمرة مصرية أو يونانية قديمة.

يبدى مؤرخو مكة ملاحظة، و فى شى‏ء من الاندهاش، مفادها أن الخليفة هارون الرشيد، على الرغم من زيارته الكعبة مرات عدة، فإنه لم يضف أى شى‏ء إلى المسجد الحرام، اللهم باستثناء منبر جديد.

211

فى العام 226 الهجرى، و أثناء حكم الخليفة المعتصم بالله جرى تغطية بئر زمزم من أعلى، كانت البئر من قبل قد جرى إقامة سور من حولها، لكن لم يجر تغطية ذلك السور أو سقفه.

فى العام 241 الهجرى جرى رصف المنطقة فيما بين حجر إسماعيل و الكعبة بالرخام الجميل. فى ذلك الوقت كانت هناك بوابة تفضى إلى المساحة الموجودة داخل مسور الحجر.

فى العام 281 الهجرى، قام الخليفة المعتضد بترميم المسجد الحرام كله؛ فقد أعاد بناء جدران المسجد كله، و أنشأ بوابات جديدة، و أطلق عليها أسماء جديدة، كما وسع المبنى من الجانب الغربى بأن أضاف إليه المساحة التى كانت تشغلها من قبل دار الندوة، و دار الندوة هذه واحدة من البنايات القديمة فى مكة، و الشهيرة فى تاريخ العرب الوثنيين، من منطلق أن دار الندوة هذه كانت المجلس العام لشيوخ مكة، و يقال إن دار الندوة تقع بالقرب من المقام الحنفى الحالى.

فى العام 314 الهجرى، أو العام 301 الهجرى، على حد قول مؤرخين آخرين لقيت مكة و المسجد الحرام هزائم كثيرة؛ فقد قام جيش القرامطة المهرطقين، بقيادة رئيسهم أبو طاهر القرموطى بغزو الحجاز، و استولوا على مكة، و جرى قتل خمسين ألفا من سكان مكة أثناء السطو على مكة و سلبها و نهبها، و جرى تجديد الكعبة هى و المسجد الحرام من الزينات الثمينة كلها. و بعد البقاء فى مكة مدة واحد و عشرين يوما، رحل العدو عنها حاملا معه جوهرة مكة الثمينة، ألا و هو الحجر الأسود الموجود فى الكعبة، و خلال الحريق الذى أضرم فى الكعبة فى زمن ابن الزبير كانت النار قد قسمت الحجر الأسود إلى ثلاثة أجزاء، جرى ضمها إلى بعضها البعض فيما بعد، و وضعت فى مكانها السابق و أحيطت بإطار من الفضة، و قام هارون الرشيد بتجديد هذا الأطار و تقويته.

212

حمل القرامطة الحجر إلى الحجر (*). التى هى بقعة خصبة فى الصحراء، على طريق الحج السورى، شمالى المدينة المنورة التى اختارها القرامطة لتكون موطنا من مواطن إقامتهم. كان القرامطة يأملون أن يأتى المسلمون كلهم لزيارة ذلك الحجر، و بالتالى يصبح من حقهم الحصول على الثروة التى يجلبها الحجاج معهم من سائر أنحاء الأرض إلى مكة، فى ظل هذا الانطباع، رفض أبو طاهر القرموطى عرضا مقداره خمسين ألف دينار فدية للحجر الأسود، لكن بعد وفاة أبو طاهر القرموطى، أعاد القرامطة فى العام 339 الهجرى عن طيب خاطر، الحجر الأسود، اقتناعا من خبرة مفادها أن توقعاتهم للثروة، من وراء امتلاك الحجر، لم تكن قائمة على أساس سليم، و أن قلة قليلة من المسلمين هم الذين جاءوا إلى الحجر بغية تقبيل الحجر. فى ذلك الوقت كان الحجر الأسود قطعتين، إذ انقسم الحجر جراء ضربة أصابته من أحد القرامطة يوم أن كانوا يسلبون مكة و ينهبونها.

بعد سبعين عاما من إعادة الحجر الأسود إلى مكانه القديم، كابد الحجر انتهاكا آخر، فقد أوفد الحاكم بأمر الله، ملك مصر المجنون، و صاحب النوايا السيئة فى إعادة بعض الأمجاد السماوية لنفسه، أوفد فى العام 413 الهجرى مصريا مع قافلة الحج إلى مكة لتدمير الحجر الأسود. و استعمل ذلك المصرى عكازا حديديا خبأه فى طيات ملابسه، و اقترب الرجل من الحجر الأسود، و قال متعجبا:" إلى متى سيظل الناس يعبدون الحجر و يقبلونه؟" و ليس هناك محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أو على رضى اللّه عنه حتى يمنعانى من القيام بذلك، و أنا اليوم سوف أدمر هذا المبنى!" ثم ضرب ذلك المصرى الحجر ثلاث مرات بعكازه الحديد. كانت هناك مجموعة من الخيالة، من ضمن القافلة التى سافر معها إلى مكة، و كانت تلك المجموعة من الخيالة مستعدة لتقديم يد العون و المساعدة

____________

(*) يقول العصمى إن الحجر تم نقله إلى الأحساء، بالقرب من الخليج الفارسى، و هى مدينة بناها مؤخرا أبو طاهر القرموطى. و قد عثرت فى رحلات ابن بطوطة على بلدة فى منطقة الأحساء يسمونها الحجر.

213

لذلك المارق، فور الانتهاء من مهمته، لكن هذه المجموعة لم تستطع حماية ذلك المصرى من غضب السكان. و جرى قتله بخنجر أحد المواطنين اليمنيين، و جرى مطاردة الخيالة، و جرى سلب القافلة المصرية و نهبها فى تلك المناسبة.

بعد تفحص الحجر، و جد أن ثلاث قطع فى حجم ظفر الرجل، قد قطعت من الحجر الأسود بفعل الضربات، هذه القطع الثلاث جرى طحنها و أخذ الرماد الناتج عنها، و تم عجنه بالأسمنت ثم جرى مل‏ء الكسور بتلك العجينة. و اعتبارا من ذلك التاريخ، لم يواجه الحجر بعد ذلك أية مساوئ اللهم باستثناء العام 1674 الميلادى، حيث اكتشف الناس فى صباح أحد الأيام تلطيخ الحجر الأسود بالأقذار، هو و باب الكعبة، الأمر الذى جعل هؤلاء الذين يقبلون على تقبيله بالتراجع اشمئزازا، مؤلف هذه النكتة المدنسة للمقدسات، جرى البحث عنه دون جدوى، و حامت الشكوك حول بعض الفارسيين، لكن لم يتم إثبات ذلك الاتهام الموجه إلى الفارسيين‏ (*).

مسألة قداسة الحجر الأسود تبدو كأنها محل نقاش كبير من جانب واحد من أهم دعائم الإسلام. و ها هو الأزرقى يورد شهادة كثير من الشهود، الذين سمعوا عمر بن الخطاب و هو يقول متعجبا عندما كان يقف أمام الحجر الأسود:" أنا أعرف أنك حجر ليس إلا، و أنك لا يمكنك أن تضرنى أو تنفعنى، و لا ينبغى أن أقبلك، لو لا أنى رأيت محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يفعل الشى‏ء نفسه".

فى العام 354 الهجرى، بنى الخليفة المقتدر مدخلا بالقرب من باب المسجد، الذى يسمونه باب إبراهيم، هذا المدخل يبرز إلى ما وراء الخط المستقيم المكون من الأعمدة، و ضم إلى هذا المدخل بوابتين قديمتين هما باب بنى جومة، و باب الخياطين. و اعتبارا من ذلك الوقت لم تحدث أية تحسينات على امتداد قرون عدة.

____________

(*) راجع العصمى للمزيد عن هذه التفاصيل.

214

فى العام 802 الهجرى، دمر حريق الجانبين الشمالى و الغربى من المسجد الحرام، و بعد ذلك بعامين، أعيد بناء هذين الجانبين على حساب الناصر الفراج ابن الظاهر برقوق، سلطان مصر، و جرى نقل الخشب المطلوب لهذا الغرض من مصر و من الطائف إلى حد ما، حيث يوجد شجر العرار، الذى هو نوع من الصنوبر، الذى يعد من الأخشاب الجيدة.

فى العام 906 الهجرى، أعاد قنصوه الغورى، سلطان مصر، بناء القسم الأكبر من الجانب المسمى باب إبراهيم. و الحجاز مدين لقنصوه الغورى بإنشاء مبان عامة أخرى متعددة.

فى العام 959 الهجرى، أثناء حكم سليمان بن سليم الأول، سلطان اسطنبول، جرى تجديد سقف الكعبة.

فى العام 980 الهجرى، أعاد السلطان نفسه بناء ذلك الجانب من المسجد الحرام فى اتجاه شارع المسعى، كما أمر أيضا ببناء القباب التى تغطى سقف البهو المعمد.

أمر سليمان بن سليم الأول بوضع الرصيف الموجود حاليا حول الكعبة، كما جرى أيضا عمل رصيف حول الأبهاء المعمدة.

فى العام 984 الهجرى، قام مراد ولد سليمان بن سليم الأول بترميم و إعادة بعض أجزاء الجوانب الثلاثة، التى لم يرممها والده.

فى العام 1039، (أو المصادف للعام 1626 من زمننا) انهمر سيل قادم من جبل النور إلى المدينة، و سرعان ما غمر المسجد الحرام، مما أدى إلى غرق كل هؤلاء الذين كانوا فى المسجد فى ذلك الوقت، و قد أدى ذلك إلى تدمير كل الكتب، و النسخ الفاخرة من القرآن، التى تركت فى الشقق السكنية الموجودة فى أسوار المبنى، كما جرف السيل أيضا جزءا من الجدار الموجود أمام الكعبة، المسمى حجر إسماعيل، كما جرف أيضا ثلاثة جوانب من جوانب الكعبة نفسها، و تسبب ذلك السيل فى وفاة خمسمائة نفس من الأنفس التى كانت تعيش فى المدينة. و فى العام التالى جرى‏

215

إصلاح تلك الأضرار، و أعيد بناء الكعبة بعد انهيار ذلك الجانب الذى كان قد نجا من السيل.

فى العام 1072، جرى إقامة المبنى الذى فوق بئر زمزم، بالشكل الذى هو عليه حاليا، و فى العام 1074 جرى بناء المقامات الأربعة من جديد.

لم يأت المؤرخون على ذكر أية إصلاحات أو ترميمات تمت بعد هذا التاريخ فى المسجد الحرام، و مبلغ علمى أنه لم تحدث أية إصلاحات أو ترميمات فى القرن الثامن عشر. من هنا يمكن القول: إن المسجد الحرام بالشكل الذى هو عليه حاليا، يمكن أن يعزى كلية إلى رعاية سلاطين مصر المتأخرين و عنايتهم، و من جاءوا بعدهم، و إلى سلاطين إسطنبول العثمانيين، اعتبارا من القرنين الخامس عشر و السادس عشر.

فى خريف العام 1816 الميلادى جرى استخدام حرفيين، و عمال متعددين جاءوا من إسطنبول، إلى الحجاز، فى إصلاح كل الأضرار التى نتجت عن الوهابيين فى مساجد الأولياء الذين فى هذا البلد، و فى القيام بالترميمات و الإصلاحات الضرورية فى مساجد كل من مكة (المكرمة) و المدينة (المنورة).

وصف أماكن أخرى مشرفة متعددة يزورها الحجاج في كل من مكة و المنطقة المجاورة لها

فى زمن الوهابيين لم يجرؤ أحد على زيارة هذه الأماكن دون تعريض نفسه لعداء هؤلاء الناس، و قد قام الوهابيون بتدمير المبانى كلها التى جرى إنشاؤها فى هذه الأماكن، أو بالأحرى دمروا القباب فى أضعف الأحوال.

فى مدينة مكة كان يجرى ما يلى:

مولد النبى، مسقط رأس محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فى الحى الذى سمى بهذا الاسم. فى زمن الفاسى كان هناك مسجد مقاما بالقرب من هذا المكان، و كان يسمى مسجد

216

المخطبة. أثناء مقامى فى مكة، كان العمال مشغولين بإنشاء المبنى المقام فوق المولد فى موقعه السابق نفسه، كان المبنى يتكون من مبنى مستدير تعلوه قبة، و كانت أرضية ذلك المبنى تنخفض بحوالى خمسة و عشرين قدما عن مستوى الشارع، و كان هناك درج (سلم) يؤدى إلى المبنى. و هناك حفرة صغيرة واضحة فى أرضية المبنى، كانت والدة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) تجلس فيها أثناء ولادته، و يقال إن ذلك كان منزل عبد الله والد محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

مولد ستنا فاطمة، أو مسقط رأس فاطمة، ابنة محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، هو عبارة عن مبنى جيد من الحجر، و يقال إنه كان منزل والدتها خديجة فى الشارع المسمى زقاق الحجر.

و هناك درج (سلم) يؤدى إلى أرضية هذا المبنى، الذى هو أيضا تحت مستوى الشارع مثل المولد السابق. هذا المبنى الصغير يشتمل على مكانين مشرفين: فى أحدهما حفرة شبيهة بالحفرة التى فى المولد السابق، أو بالأحرى فى مولد النبى، هذه الحفرة تبين المكان الذى ولدت فيه (ستنا) فاطمة، و بجوار هذه الحفرة توجد حفرة أخرى، أقل عمقا من الحفرة الأولى، تحدد المكان الذى كانت تدير فيه رحاها، بعد أن شبت عن الطوق.

و فى مسكن قريب من هذا المكان، توجد خلوة ضيقة، كان من عادة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) الجلوس فيها و هو يتلقى من جبريل سور القرآن المنزل من السماء. هذا المكان يسميه الناس هنا قبة الوحى.

مولد الإمام على، فى الحى المسمى شعب على رضى اللّه عنه. هذا المولد عبارة عن مصلّى صغير توجد فى أرضيته حفرة تحدد مسقط رأس على، ابن عم محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، على حد قول الناس.

مولد سيدنا أبو بكر، عبارة عن مصلّى صغير مقابل الصخرة التى سلمت على محمد (صلى اللّه عليه و سلم) قائلة" سلام عليكم" كلما كان (صلى اللّه عليه و سلم) يمر عليها. هذا المكان خلو من الأماكن المقدسة، لكن أرضية هذا المكان مفروشة بسجاجيد فارسية فاخرة.

217

هذه الموالد كلها جرى ترميمها ترميما كاملا بعد انسحاب الوهابيين، فيما عدا مولد محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، الذى كان العمال لا يزالون مشغولين بالعمل فى ترميمه و اصلاحه.

هناك عائلات متعددة تقوم على رعاية هذه الأماكن، و بخاصة الأشراف، الذين يرعون هذه الأماكن بالتناوب هم و مجموعة من الخدم المرافقين لهم. فى كل ركن من أركان هذه الأماكن المشرفة تفرش المناديل البيضاء، أو السجاجيد الصغيرة، التى ينتظر من الزائرين أن يلقوا عليها ببعض النقود، يزاد على ذلك أن النساء يجلسن على أجناب البوابات، انتظارا لأن يعطيهن الحجاج شيئا من النقود. توزيع ما قيمته شلن واحد من البارات فى كل مولد من تلك الموالد، يعد استجابة كاملة لمطالب هؤلاء النساء الجشعات المعوزات.

مولد أبى طالب، فى معالة، قد دمّر تدميرا كاملا، كما سبق أن قلت، و الأرجح أنه لن يعاد بناؤه.

قبر ستنا خديجة- قبر خديجة- زوج محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و قد هدم الوهابيون قبة ذلك القبر، و لم يجر بعد بناء هذه القبة، هذا القبر يزوره الحجاج بصورة منتظمة، و بخاصة أيام الجمعة فى الصباح. هذا القبر يقع فى منطقة مدافن المعالة، عند منحنى السلسلة الغربية، و يحيط بهذا القبور سور مربع الشكل، و ليس فيه أى شى‏ء غريب أو مثير للفضول سوى شاهد القبر، الذى يحمل نقشا بالخط الكوفى، مكون من بعض الآيات القرآنية، مأخوذة من سورة الكرسى. و نظرا لأن أحرف النقش ليست أحرف كوفية قديمة، فأنا يراودنى شك مفاده أن هذا الشاهد، لم يكن مقصودا له تغطية هذا القبر:

النقش خال من التواريخ. كان الشريف سرور، الذى خلف الشريف غالب، متباهيا، فقد أصدر أوامر بدفنه بعد وفاته بالقرب من قبر السيدة خديجة، فى المسور نفسه الموجود حاليا. و على مقربة من هنا يوجد قبر آمنة أم محمد (صلى اللّه عليه و سلم). هذا القبر جرت تغطيته بلوح من الرخام، عليه نقش كوفى، بأحرف أقدم من أحرف النقش سالف الذكر. كسّر الوهابيون ذلك النقش، و أزالوا القطعتين، تعبيرا عن استيائهم من الزيارات التى يقوم بها الناس (الحجاج) إلى مستودعات عظام الأموات، الأمر الذى يعده الوهابيون شكلا من أشكال عبادة الأوثان. عند هذه القبور أيضا وجدت نساء سمح لهن بفرد مناديلهن استجداء لصدقات الزائرين.

218

عندما تجولت بين هذه الجبانات الواسعة، عثرت على كثير من شواهد القبور الأخرى التى تحمل نقوشا كوفية، لكنها ليست بأحرف كوفية قديمة. لم أستطع فك شفرة أى تاريخ سابق للقرن الساس الهجرى (المصادف للقرن الثانى عشر الميلادى)، لكن السواد الأعظم من هذه النقوش عبارة عن مجرد دعوات و أدعية، دون ذكر اسم المتوفى أو التاريخ. القبور هنا، تتكون بشكل عام من أربعة أحجار كبيرة موضوعة على شكل مستطيل، مع وجود حجر عريض عمودى على نهاية القبر يحمل نقشا. لم أشاهد قبورا ضخمة، أو محفورة فى الحجر، أو أية زينة من الزينات المستخدمة فى أجزاء أخرى من آسيا. قامت الأسر المكية الأولى بإحداث بعض البنايات الصغيرة القليلة، و قد أحدثوا تلك البنايات بغية تسوير قبور أقاربهم، هذه المسورات مرصوفة أو ممهدة من الداخل، لكنها بلا سقف، كما أنها عبارة عن إنشاءات بسيطة للغاية. فى اثنين أو ثلاثة من هذه المسورات عثرت على بعض الأشجار المزروعة، و التى يجرى ريها من خزانات موجودة داخل المسور لاستقبال مياه المطر، هنا يقضى أصحاب هذه المسورات جزءا من نهار اليوم. قام الوهابيون أيضا بتدمير مبان متعددة عليها قباب، و تحتوى على رفات رجال اشتهروا بعلمهم. هؤلاء الوهابيون المتشددون لم يلمسوا القبور نفسها، كما احترموا أيضا رفات الموتى فى كل مكان، من بين هذه القبور نجد قبورا أيضا لباشوات متعددين من سوريا و من مصر، شيدت بلا زينة أو بهرجة.

عند نهاية كل قبر، و مقابل شاهد القبر نفسه، وجدت عشبا منخفضا، نوع من أنواع الصبار، جرى زرعه فى الأرض، هذا النوع من الصبار دائم الخضرة، و لا يحتاج إلا إلى القليل من الماء، شأنه شأن اسمه العربى" الصبار"، و قد جرى اختيار هذا النبات لاسمه و لأنه يشير إلى الصبر الذى يتحتم الصبر عليه إلى يوم الحشر. على كل حال، هذه الجبانة مخربة، و يقال إن التخريب الذى طالها جاء من الوهابيين، لكنى أرى أن ذلك ناتج عن اقتحام المكيين القليل للقبور.

المزارات الموجودة خارج المدينة هى التى تحتوى على رفات أقاربهم و أصدقائهم.

219

جبل أبو قبيص؛ هذا واحد من أعلى الجبال القريبة من مدينة مكة، و يشرف على المدينة من ناحية الشرق. و الحديث (الشريف) يقول: إن جبل أبو قبيص هو أول جبل خلق على سطح الأرض، هذا الاسم موجود فى كتب التاريخ العربى كلها و عند معظم الشعراء، الحجاج يزورون مكانين مختلفين على قمة هذا الجبل؛ المكان الأول يسمونه مكان الحجر الذى اعتاد (سيدنا) عمر بعد أن تولى الخلافة، أن يدعو الناس منه إلى أداء الصلاة، خلال سنوات الإسلام الأولى، يوم أن كان السواد الأعظم من القرشيين، أو إن شئت فقل: سكان مكة، يعبدون الأصنام، هنا فى هذا المكان يوجد تجويف محفور فى إحدى الصخور، يشبه قبرا صغيرا، يقال إن الله سبحانه و تعالى أمر ملائكته، أثناء الطوفان، أن يضعوا الحجر الأسود فى ذلك التجويف، ذلك الحجر الذى كانوا يوقرونه و يجلونه قبل أن يبنى (سيدنا) إبراهيم الكعبة بزمن طويل، و إن اللّه سبحانه و تعالى جعل الصخرة تنطبق على ذلك الحجر، حتى لا يمسه الماء، و إن جبريل بعد انحسار الطوفان فلق الصخرة، و أعاد الحجر ثانية إلى موقع الكعبة. المزار الثانى، يوجد عبر واد ضيق، على بعد مسافة قريبة من المزار الأول، و على قمة جبل أبو قبيص أيضا، هذا المزار يسمونه شق القمر المكى، أو إن شئت فقل المكان الذى انشق فيه القمر- إحدى معجزات محمد (صلى اللّه عليه و سلم)- و مع ذلك، نجد أن قصة انشقاق القمر هذه يرويها المكيون بطريقة مختلفة، و هم يقولون: إنه عندما كان محمد (صلى اللّه عليه و سلم) يصلّى هنا فى وقت الظهيرة، جاءه القرشيون الأوائل الكفار و طلبوا إليه أن يقنعهم على الفور ببعض معجزاته‏ (*)، التى تثبت فعلا أنه نبى الله. رد عليهم قائلا:" ما ذا تريدوننى أن أفعل كى أجعلكم مؤمنين صادقين؟ قالوا: اجعل الشمس تغرب، و اجعل القمر و النجوم تظهر، اجعل القمر يهبط إلى الأرض، و يجى‏ء إلى هذا الجبل، و يدخل فى كم من أكمام جلبابك، و يخرج من الكم الآخر، ثم يعود إلى السماء، ثم اجعل ضوء النهار يطلع‏

____________

(*) يسجل المؤرخون أن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) بناء على رغبة بعض القرشيين الكفار، جعل البدر يظهر كما لو كان منشقا، لدرجة أن نصف القمر كان مرئيا خلف جبل أبو قبيص، و النصف الثانى مرئيا فى الجانب المقابل من العالم (الكون) فوق جبل قيقعان.

220

علينا من جديد". و هجع محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و دعا الله سبحانه و تعالى بدعاء قصير، و حدثت المعجزة كلها، و على أثرها تحول القرشيون كلهم إلى الإسلام و دخلوا فيه. هذه الحكاية و حكايات أخرى يرويها الرواة لا تؤيدها أو تساندها الأحاديث المتواترة عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم). أهل مكة يجيئون إلى هذا المكان، لاستطلاع هلال شهر رمضان، و هلال شهر شوال. بين هذين المزارين، و على مقربة منهما من ناحية الشرق، توجد أنقاض بناية قديمة، لم يتبق منها سوى بعض الجدران، و يقال إن هذا المكان كان من قبل سجنا رسميا من سجون أشراف مكة. فى هذا المكان توجد بعض الأبراج الشبيهة بالزنازين، و ربما كان قلعة بناها على جبل أبو قبيص، مقذر الهاشمى، أحد رؤساء مكة فى العام 530 الهجرى أو العام 540، أو قد يكون هذا المزار مسجدا سمى باسم مسجد إبراهيم، الذى وجد، على حد قول الأزرقى، فى هذا المكان فى القرن السابع الميلادى. يظن العامة من أهل مكة، أن من يأكل رأس خروف مطهو فوق جبل أبى قبيص لا تصيبه أوجاع الرأس مدى الحياة.

جبل النور- يقع فى شمال مكة (المكرمة)- المار على منزل الشريف و حديقته على الطريق المؤدى إلى عرفات، يدخل بعد مسافة قصيرة من منزل الشريف، واديا يمتد فى اتجاه الشمال الشرقى ثم الشمال، و ينتهى ذلك الوادى بالجبل مخروطى الشكل. كان قد جرى من قبل نحت درج فى ذلك المطلع الجبلى المنحدر، لكن هذا الدرج لم يعد له وجود حاليا، و استغرق وصولنا إلى قمة ذلك الجبل ثلاثة أرباع الساعة و جهدا مضنيا. هنا فى أرضية أحد المنازل الصغيرة الذى دمره الوهابيون، يوجد شق فى أرضية المنزل الصخرية، طول هذا الشق أو الفلق يساوى طول الرجل المعتاد و عرضه يساوى أيضا عرض الرجل المعتاد. يقال إن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) بعد أن ضاق، و حزن لتأكيدات أعدائه، هم و أتباعه من المكيين المتشككين، بعد أن أشاعوا أن الرب (الله) قد تخلى عن محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، تراجع إلى هذا الجبل، و مدد نفسه فى ذلك الفلق أو الشق طالبا العون و المساعدة من أعلى، و أرسل إليه جبريل حاملا إليه تلك السورة القصيرة

221

من سور القرآن، التى نسميها السورة الرابعة و التسعين التى تبدأ بقوله سبحانه و تعالى:" ألم نشرح لك صدرك؟"- السورة السابقة تشير أيضا إلى حال حزنه.

يوجد على مقربة من هذا المكان تجويف صغير فى حجر الصوان أحمر اللون، الذى يشكل الطبقة العليا من هذا الجبل، هذا التجويف يطلقون عليه اسم مغارة الحيرة (*).

يقال أيضا إن أجزاءا أخرى عدة من القرآن نزلت على محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فى هذا المكان المرتفع الذى كان يأوى إليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، لكن أحدا من الموجودين لم يستطع أن يحدد لى تلك الأجزاء. خدم هذين المكانين من بدو قبيلة اللهيان.

كنت قد غادرت مكة مشيا على الأقدام بصحبة مجموعة كبيرة من الحجاج، لزيارة هذا المكان الذى جرت العادة أن تكون فى أيام السبت، و وصلنا قمة الجبل قبل طلوع الفجر، و عندما طلعت الشمس، كشف منظر مترام عن نفسه أمامنا، و كان يمتد شمالا و غربا، أما النقاط الأخرى فكانت تحدها الجبال. منظر المنطقة التى أمامنا موحش و قفر، و ليس فيه من الخضرة شى‏ء، تلال قاحلة جرداء سوداء اللون و رمادية اللون أيضا، و وديان رملية بيضاء اللون، هذا كله هو ما تراه عيناى، فوق منحدر الجبل، و على مقربة من قمته، يوجد خزان حجرى صغير، جرى إنشاؤه لتزويد الزائرين بالماء. كان ذلك الخزان جافا عندما رأيته و لم يكن مصانا صيانة جيدة.

جبل ثور. على بعد ساعة و نصف الساعة من مكة (المكرمة)، و على يسار الطريق المؤدية إلى قرية الحسينية، يوجد جبل عال يحمل هذا الاسم، و يقال إن هذا الجبل أعلى من جبل النور، على قمة هذا الجبل يوجد تجويف أو غار لجأ إليه محمد (صلى اللّه عليه و سلم) هو و صديقه أبو بكر هربا من المكيين قبل فراره (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة (المنورة) كان العنكبوت‏

____________

(*) فى زمن العرب الوثنيين كان الناس يطلقون على هذا الجبل اسم جبل الحيرة، و أنا أضيف هنا أن كثيرا من جبال الحجاز و وديانها فقدت أسماءها القديمة. و هذا ما تؤكده الملاحظات الطبوغرافية الكثيرة التى أوردها الأزرقى، و هو من مؤرخى المدينة المنورة، و كذلك الملاحظات الطبوغرافية التى وردت أيضا عند الزمخشرى، فى كتابه القيم المعنون الميات أو الجبال.

222

قد نسج عشه على باب ذلك الغار، و عندما رأى مطاردوه ذلك العش تأكدوا أن الهاربين لا يمكن أن يكونا داخل هذا الغار. القرآن يشير إلى هذا الظرف فى السورة رقم 9 لكنى لم أزر هذا المكان.

العمرة. تحدثت عن ذلك المبنى سلفا، و العمرة عبارة عن مصلى صغير فيه صف واحد من الأعمدة على الطريق المؤدية إلى وادى فاطمة، لكن ذلك المصلى يقع فى الجانب الأيسر بالنسبة إلى الأماكن سالفة الذكر. العمرة تحيط بها أنقاض مساكن كثيرة مدمرة، و توجد بئر غزيرة الماء بالقرب من العمرة، كما نشاهد أيضا آثارا لزراعة قديمة فى الوادى. و أنا أرى أن هذه البئر هى تلك البئر التى أسماها المؤرخون المكيون" بئر تنايم".tenaym ، و استنادا إلى الفاسى‏Fasy نجد أن مسجد أهليلجة فى عصور الإسلام الأولى كان مقاما فى هذا المكان، و سوف أنهى وصفى لمكة بوصف افتتاح الكعبة الذى أجلته منعا لمقاطعة وصفى للمسجد.

تفتح الكعبة ثلاث مرات فقط فى العام الواحد: فى اليوم العشرين من شهر رمضان، و فى اليوم الخامس عشر من شهر ذى القعدة، و فى اليوم العاشر من شهر المحرم (العاشور كما يسميه العرب) تفتح الكعبة، بعد ساعة واحدة من طلوع الشمس، و عندها يجرى دفع السلم ذى العجلات إلى باب الكعبة، و ما إن يلامس السلم بوابة الكعبة حتى تتدافع جماهير كبيرة على السلم، و سرعان ما تمتلئ الكعبة بالبشر من الداخل. يكون السلم محاطا بطواشيّة المسجد الحرام على جانبيه، و الذين يحاولون حفظ النظام، و تهوى عصيهم ثقيلة على أولئك الذين لا يضعون هبة أو عطية مالية فى أيديهم، يجرى دهس عدد كبير من الناس بلا رحمة أو هوادة بسبب التدافع و الاندفاع داخل الكعبة، مطلوب من الزائر أن يصلّى ثمانى ركعات أو ست عشرة سجدة، بحيث يصلى الزائر ركعتين فى كل ركن من أركان الكعبة الأربعة، لكن بوسعنا أن نتخيل طريقة أداء تلك الركعات، و أنه فى الوقت الذى ينحنى زائر نازلا إلى الأسفل، يعبر من فوقه زائر آخر، بعد الانتهاء من الصلاة، يتعين على الزائر الاتكاء على أى جانب من‏

223

جوانب الكعبة و يدعو بدعاءين دينيين. و هكذا تمتلئ الغرفة بالبكاء و العواء، و أنا أعتقد أنى شاهدت و لاحظت كثيرا من العواطف الجياشة و التوبة الصادقة من جانب عدد كبير من الزائرين، و الدعوات التالية هى و دعوات أخرى سمعتها تتردد داخل الكعبة، و شاهدت وجوها كثيرة مبللة بالدموع،" يا رب البيت، يا رب سامحنى، و اغفر لوالدى، و لأولادي! يا رب، أدخلنى جنتك! يا الله، أعتق رقابنا من نار جهنم، يا رب البيت العتيق.

" لم أستطع البقاء داخل الكعبة سوى خمس دقائق، كانت درجة الحرارة مرتفعة إلى حد أنى كاد يغمى على، بل إن كثيرا من الأشخاص جرى حملهم إلى خارج الكعبة و هم فاقدى الوعى تماما. يجلس عند مدخل الكعبة واحد من الأشراف، حامل مفتاح الكعبة الفضى فى يده، و الذى يقدمه لكى يقبله الحاج، الذى يدفع مبلغا نظير ذلك، بعد الخروج من الكعبة، تعطى النقود أيضا لواحد من الطواشيّة يجلس بجوار الشريف حامل المفتاح الفضى. هناك أيضا بعض آخر من الطواشيّة يقفون على السلم، و العديد أيضا من العمال الذين يقومون بالأعمال الحقيرة و بعض الخدم الذين ينتقدون هذا العمل المشين انتقادا شديدا، و يقولون: إن أقدس بقاع الأرض لا يمكن أن تكون مسرحا للجشع و الطمع، لكن المكيين لا يعيرون تلك الإهانات أى اهتمام.

تظل الكعبة مفتوحة إلى حوالى الساعة الحادية عشرة، و فى اليوم التالى يجرى فتحها للنساء فقط. بعد زيارة الكعبة، من الضرورى الطواف حولها.

الكعبة من الداخل مكونة من غرفة واحدة، سقفها محمول على عمودين، و ليس بها أى مصدر للضوء سوى بابها. سقف الكعبة، النصف العلوى من العمودين، و كذلك الحوائط الجانبية و على ارتفاع خمسة أقدام من أرضية الكعبة، مغطى بنوع من الحديد السميك أحمر اللون، المشغول بالفضة، و الجزء السفلى من كل عمود من الأعمدة مبطن بخشب العود المحفور، أما الجزء من الجدران الواقع أسفل الستائر الحديدية، فهو مبطن برخام فاخر أبيض اللون، مزين بنقوش بارزة، و الأرابيسك الجميل، و كل شى‏ء مصنوع بمصنعية غاية فى الروعة، و أرضية الكعبة التى هى على مستوى واحد مع الباب، و بالتالى يصبح على ارتفاع حوالى سبعة أقدام فوق مستوى ساحة المسجد،

224

مرصوف بالرخام مختلف الألوان، فيما بين الأعمدة، توجد مصابيح عدة، كلها من عطايا المؤمنين و تبرعاتهم، و يقال إنها من الذهب الخالص، لم يقرب الوهابيون تلك المصابيح‏ (*). فى الركن الشمالى الغربى من غرفة الكعبة توجد بوابة صغيرة، تؤدى إلى سطح المبنى المنبسط. لم ألاحظ شيئا آخر جديرا بالملاحظة غير ذلك الذى تحدثت عنه، لكن الغرفة شديدة الظلمة، إلى الحد الذى يحتاج إلى شى‏ء من الوقت كى تتكيف الأعين مع رؤية الأشياء الموجودة داخل الكعبة. الزينات الداخلية، تتفق مع إعادة بناء الكعبة فى العام 1627 الميلادى، و أنا أعرف شيئا عن مسألة غسل الكعبة، على النحو الذى ورد عليه فى أسفار على بك العباسى؛ لقد شاهدت الطواشية و هم يقومون بهذه العملية، التى تتم بالطريقة نفسها التى يجرى بها غسل الرصيف المحيط بالكعبة، على الرغم من أن تاريخ العصمى يوضح أن أرضية الكعبة يجرى غسلها فى بعض الأحيان بواسطة كبار الشخصيات.

زيارة الكعبة من الداخل لا تعد جزءا من أركان الحج، كما أن عددا كبيرا من الحجاج يغادرون مكة دون مشاهدة الكعبة من الداخل، أما أنا فقد شاهدت الكعبة من الداخل مرتين، مرة فى اليوم الخامس عشر من شهر ذى القعدة، و المرة الثانية فى اليوم العاشر من شهر المحرم. و فى المرة الثانية كانت الستائر الجديدة، التى جرى جلبها من القاهرة بواسطة محمد على باشا، قد علقت داخل الكعبة، كانت تلك الستائر من قماش فاخر جدا، أفخم و أقيم من حيث الخامة من الغطاء الخارجى أسود اللون الذى يغطى الكعبة، و جرى بعد ذلك بيع الستائر القديمة التى مضى عليها عشرون عاما أو أكثر للمؤمنين بسعر دولار واحد للقطعة التى تصل مساحتها إلى ست بوصات مربعة. كان حق بيع هذه الستائر حكرا على الشخص الذى قدم الكسوة الخارجية، على الرغم من حدوث استثناءات فى بعض الأحيان، و خير مثال على ذلك هو ما حدث‏

____________

(*) يروى قطب الدين أن شيوخ مكة سرقوا المصابيح الذهبية المعلقة فى الكعبة، و هربوا بها و هم يخفونها بين طيات ملابسهم الفضفاضة، و قد أرسل السلطان سليمان كثيرا من المصابيح الذهبية إلى الكعبة.

225

فى العام 865 الهجرى عندما أرسل شاه روخ ملك فارس كسوة فاخرة للكعبة من الداخل‏ (*).

أمام باب السلام يوجد دكان يبيع قطعا من الكسوة الخارجية و الكسوة الداخلية للكعبة، هذه القطع معروضة للبيع بصورة دائمة، قطع الكسوة الداخلية هى المفضلة و المطلوبة دوما. شاهدت صدريات مصنوعة من قماش الكسوة الداخلية، و هذا يعد شيئا ثمينا إذا ما لبسه أحد المؤمنين، تباع فى هذا الدكان نفسه رسومات لكل من مكة و المدينة المنورة، هذه الرسوم معدة بطريقة بدائية على الورق أو قطع من القماش، كما توجد أيضا رسومات لأدعية صغيرة، كما أن هناك أيضا أدعية محفورة على قطع من الخشب. اشتريت بعضا من هذه الرسوم و بعضا من هذه الأدعية، لاستعمالها فى الأغراض نفسها التى يستعملها فيها الحجاج، و كنت قد اشتريت أيضا بعض القوارير المملوءة بماء زمزم.

ملاحظات عن سكان مكة و سكان جدة

مكة و جدة تسكنهما طبقة واحدة من السكان، و طابع المدينتين و عاداتهما واحدة أيضا. لقد ذكرت بالفعل أن أثرياء المكيين لهم بيوت فى جدة، كما أشرت أيضا إلى أن الأعمال التجارية فى المدينتين متشابهة.

يمكن القول إن سكان مكة كلهم من الأجانب، أو من نسل الأجانب، باستثناء بعض بدو الحجاز أو أحفادهم، الذين استقروا فى هذه المدينة و جعلوها لهم موطنا.

قبيلة قريش الجائلة، التى انقسمت إلى فرعين أحدهما جائل و الآخر مستقر، تكاد تكون انقرضت. لا يزال هناك بعض من بدو قريش فى المنطقة المجاورة لمكة، لكن القرشيين المستقرين، الذين كانوا يسكنون مكة فى زمن محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، كان قد جرى القضاء

____________

(*) راجع قطب الدين.

226

عليهم، أو نزحوا عن المدينة نتيجة الحروب المتكررة. حاليا لا يوجد فى مكة سوى ثلاث عائلات فقط، هم أحفاد تلك القبيلة العريقة التى كانت تحمل هذا الاسم، و عميد عائلة من تلك العائلات الثلاث هو ما يسمونه" النائب"، أو راعى المسجد، أما العائلتين الأخريين فهما من الفقراء، و العائلتان أيضا مرتبطتان بخدمة المسجد. المنطقة المجاورة لسوق جدة الكبير، المحطة السنوية التى تجى‏ء إليها القوافل الضخمة كل عام، هى و البيت العتيق، انضم إليها أو التحق بها عدد كبير من الغرباء ليقوموا بالدور الذى كان الفرنسيون يقومون به. فى كل موسم من مواسم الحج يتخلف بعض الحجاج، و المسلم إذا ما أقام و استقر بصورة دائمة فى مكان من الأماكن يجد نفسه مقتنعا بالزواج، و يتخذ لنفسه زوجا من المكان الذى يقيم فيه، الأمر الذى يجعله يرتبط بذلك المكان و يقيم فيه إقامة دائمة. من هنا نجد أن السواد الأعظم من المكيين هم أحفاد الأجانب جاءوا إلى مكة من مختلف أصناف الأرض، و نجد أيضا أن هؤلاء الأحفاد اكتسبوا السلوكيات العربية، و عن طريق الزواج من المواطنات المكيات أنجبوا عرقا لا يمكن تمييزه عن سكان الجزيرة العربية الأصليين. و نحن عندما سألنا أصحاب الدكاكين، و التجار، و العلماء، و المطوفين، بل و أناسا آخرين مختلفى المشارب، وجدنا أنهم أبناء الأجانب أو أحفادهم أو من نسلهم، و النسبة الكبيرة من هؤلاء السكان تنحدر عن أولئك الآباء الذين جاءوا من اليمن و حضرموت، يلى ذلك هؤلاء الذين هم أحفاد للهنود و المصريين و المغاربة و الأتراك، هناك أيضا مكيون من أصل فارسى، و هناك أيضا مكيون من أصل تاتارى، و بخارى، و كردى، و أفغانى، أو من كل أنحاء البلاد الإسلامية إذا ما أردنا اختصار القول. و المكى يحرص أشد الحرص على المحافظة على معارفه التى اكتسبها من بلده الأصلى. مطوفى أو مرشدى أرجع إلىّ أصله إلى تاتارى أوزبكى، من المنطقة المجاورة لبخارى، و عندما كان حاج يجى‏ء من هذه المنطقة، كان لا يفشل مطلقا فى جعل نفسه مرشدا لمثل هؤلاء الحجاج، على الرغم من أنه يجهل تماما لغة هؤلاء القوم.

مع ذلك، هناك فرع من سكان الجزيرة العربية القدامى لا يزال باقيا فى مكة، هذا الفرع يتمثل فى الأشراف، (باعتبارهم مجموعة مميزة عن أولئك الأشراف الذين‏

227

انحدروا عن الأشراف الأجانب الذين استوطنوا مكة) هؤلاء الأشراف يرجع نسبهم إلى الحسن و الحسين، ولدى فاطمة الزهراء- رضى الله عنها-، ابنة محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، هذا النسب يدعيه بعض آخر من الأشراف، الذين تعد صفاتهم النسبية أقل أصالة.

أشراف مكة يكونون طبقة كبيرة من البشر، لا تسمح بانضمام الأجانب إليها، و هى تنتشر فى أنحاء أخرى من الجزيرة العربية. أنا لست على معرفة جيدة بالتاريخ الخاص بهؤلاء الأشراف، أو حتى الفترة التى بدأوا يتفرقون خلالها إلى قبائل بعينها، و ما أستطيع قوله هو أن الأشراف يشملون أنواعا كثيرة، لكن أشراف اليمن لا يدخلون كلهم ضمن الأشراف، كما أن هناك أشرافا آخرين فى الحجاز يمتون بصلة قرابة بعيدة إلى الأشراف الأصليين. ينقسم الأشراف فى الوقت الراهن إلى قبائل عدة، التى ينبغى اختيار الشريف الحاكم حاليا من بين أفرادها. و هذا هو ما سوف أوضحه هنا. فى مكة يمكننا ملاحظة فارق فى الاسم الذى يعطى للأشراف، و ذلك من منطلق المهنة التى يمتهنها هؤلاء الأشراف، الأشراف الذين يعملون أو يمتهنون الدراسة و البحث و الشريعة، و يشغلون أنفسهم بالمسجد و ملحقاته هم الذين يطلق عليهم لقب سيد، أما أولئك الذين يعملون بالجندية، و يختلطون بشئون الدولة منهم لا يطلق عليهم سوى لقب شريف؛ الأسياد هم أتباع الدين و أنصاره (و هم ما يمكن أن نسميهم المكيون)، أما الأشراف فهم الجنود. من هنا نجد أن الابن يخلف والده فى مهنته.

هؤلاء الأشراف المواطنون هم رؤساء المدينة، أو كانوا كذلك، فى أضعف الأحوال، قبل تحطيم كبريائهم عن طريق الغزو التركى.

على الرغم من أن سكان مكة يعدون خليطا بشريا، فإنهم يلبسون لباسا واحدا، و لهم تقاليد واحدة، و على الرغم أيضا من أنهم من أصول مختلفة، فهم يتشبثون بلباسهم الوطنى و سلوكياتهم الوطنية فى هذه المدينة المقدسة، أكثر منها فى أى مكان آخر. فى مصر و فى سوريا، نجد أن الغرباء و الأجانب الوافدين على هذين البلدين من سائر أنحاء آسيا يحافظون تماما على لباسهم الوطنى و أسلوب حياتهم الوطنى، على الرغم من استقرارهم و إقامتهم الدائمة فى مكة، هذا الظرف هو الذى يضفى على‏

228

منظر السوق الشرقية أهمية كبيرة، و ذلك على العكس تماما من أى تجمع من التجمعات البشرية فى أوروبا. و على العكس من ذلك، نجد أن السواد الأعظم من الزائرين الأجانب للحجاز يغيرون زيهم الوطنى بالزى الذى يرتديه المواطنون الأصليون، كما أن أطفالهم الذين يولدون فى مكة يربون و يرتدون الثياب التى يرتديها المكيون. الهنود، كما سبق أن أسلفت أثناء الحديث عن جدة، يعدون استثناء من هذه القاعدة العامة، و هم يشكلون جالية متميزة، و يحتفظون بلغتهم الوطنية، التى غالبا ما ينساها أطفال الأجانب الآخرين، نظرا لأن أمهاتهم غالبا ما يكن عربيات، أى مواطنات مكيات.

تميل بشرة المكى و الجداوى إلى الاصفرار المشوب باللون البنى الذى يوحى بالمرض، و يزداد لون البشرة أو يقل غماقة طبقا لأصل الأم، التى غالبا ما تكون أمة حبشية. و ملامح المكيين و الجداويين تقترب من ملامح البدو أكثر مما لاحظته فى سكان مدن أخرى كثيرة من مدن الشرق، و هذا يلاحظ بصفة خاصة فى الأشراف، الذين وهبهم الله وجوها شديدة النضارة، فعيونهم، و وجوههم و أنوفهم مثل عيون و وجوه و أنوف البدو لكنها بضة. الطبقة الأدنى من ذلك من المكيين تميل إلى البنية القوية، و أطراف مفتولة العضلات، فى حين تكون الطبقات الأعلى من ذلك متميزة بأشكالها الضعيفة الهزيلة، كما هو حال أولئك الذين يجيئون من أصول هندية أو يمانية. على الرغم من أن البدو المحيطين بمكة، أقوى بنية من بدو داخل الصحراء الأكثر منهم ثراء، فإن عادات هؤلاء البدو أقل انتشارا، و ربما كان ذلك أيضا راجع إلى أن هؤلاء البدو أقل تعرضا لمصاعب الرحلات الطويلة. يمكن القول بشكل عام، إن المكى أقل قوة و حجما من السورى أو المصرى، لكنه يفضلهما من حيث الملامح المعبرة، و بخاصة حيوية الأعين و لمعانها و بريقها.

كل المواطنين المكيين و الجداويين الذكور معلّمون بعلامة معينة، أو إن شئت فقل بوشم محدد، هذا الوشم يجريه الآباء لأطفالهم عندما يبلغ الواحد منهم من العمر أربعين يوما. هذا الوشم يتكون من ثلاثة شلوخ أسفل كل خد من خدى الطفل، و شلخين على الصدغ الأيمن، و يصل عرض الشامة الناتجة عن هذين الشلخين إلى‏

229

حوالى ثلاثة خطوط أو أربعة، و أهل مكة يطلقون على هذه العلامة اسم المشالة البدو لا يلجأون إلى هذا الإجراء لكن المكيين يتباهون به لأنه يميزهم عن غيرهم، و يستبعد غيرهم من السكان و يحرمهم من الادعاء فى البلاد الأجنبية بأنهم من مواليد المدينتين المقدستين. هذا الوشم ينطبق فى بعض الأحيان، إن لم يكن نادرا، على البنات (الأطفال) المكيات. أهل برنو فى وسط إفريقيا، عندهم علامة شبيهة بهذه العلامة على الخدين، لكنها أخف من العلامة المكية.

ملابس الطبقات المتوسطة فى فصل الشتاء، عبارة عن بنش من القماش، و هم يسمون هذا البنش العباءة الخارجية، و من تحت هذا البنش يلبس الرجل الجبة و هى أيضا مصنوعة من القماش، و هى مثل الجبة التى يلبسها الناس فى سائر أنحاء تركيا. كما يلبس الرجل أيضا رداء فاخرا من الحرير له حزام رقيق من الكشمير، كما يلبس الرجل أيضا عمامة من الحرير الموسلينى الأبيض، كما يلبس أيضا مركوبا أصفر اللون، و بذلك يكتمل لبس الرجل. فى فصل الصيف يلبس الرجل بدلا من الساش، أو العباءة الخارجية المصنوعة من القماش، عباءة خارجية أخرى مصنوعة من الحرير الخفيف جدا، من المصنوعات الهندية، و يطلقون عليها اسم مقطر خانة.

ملابس الطبقات الراقية، الذين يحاكون الأزياء التركية فى لباسهم، يلبسون على رؤسهم طواقى بربرية تحت العمامة، أما أفراد الطبقات الأخرى فيلبسون طاقية قطنية فاخرة مطرزة بالحرير، من صنع نساء مكة، تمثل هدية شائعة من المرأة إلى حبيبها، مطرز عليها من أعلى و بأحرف كبيرة بعض الجمل المأخوذة من القرآن.

ملابس المهندمين من الطبقة المتوسطة تصنع عادة من الموسلين الهندى الأبيض، بدون أية بطانة، و يسمونها بدن، و هى تختلف عن العنترى الشائع فى منطقة الشرق، من حيث إنه يكون قصير جدا، و بلا أكمام، و لأنه أكثر برادا من العنترى، و يلبس الرجل فوق بدن جبة من القماش الخفيف، أو من الحرير الهندى،

230

يحملها الرجل على كتفيه إذا ما اشتدت الحرارة. تصنع القمصان من الحرير الهندى أو الكتان المصرى أو الأناضولى، و فى حدود إمكانيات اللبيس الشرائية.

جرت العادة أن يرتدى أفراد الطبقات الدنيا، فى فصل الصيف على الأقل، لا شى‏ء سوى قميص، كما يلبسون بدلا من البنطال (السروال) قطعة من القماش الهندى أصفر اللون أو من الكتان المصرى المقلم يلفونها حول الردفين، و هم يلبسون من فوق هذا الرداء، فى فصل الشتاء، بدن من البفتة الهندية المقلمة، لكن بدون حزام يثبته على الجسم.

الطبقات الدنيا و الطبقة المتوسطة يلبسون نعالا بدلا من الأحذية، و هذه عادة تناسب هذا المناخ الحار، نظرا لأن النعال تساعد على برودة القدمين. و أفضل النعال هى تلك التى تأتى من اليمن، التى تزدهر فيها صناعة الجلود.

فى فصل الصيف، يلبس الناس، هم وهنود الطبقات الدنيا، يلبسون غطاء رأس فقط بلا عمامة. العمامة المعتادة تصنع من قماش الكمبريس الهندى، أو من الموسلين، الذى تلفه الطبقات كلها حول الرأس بطريقة معينة. هؤلاء الذين يصفون أنفسهم بالعلماء، يتركون ذيلا للعمامة يتدلى من الخلف إلى منتصف الظهر. المكيون أنظف لباسا من أهل الشرق الذين شاهدتهم أو التقيتهم. و نظرا لأن الموسلين الأبيض، أو الكمبريس الأبيض، هما اللذان يشكلان القسم الرئيسى من الملابس، فإن هذه الملابس تكون دائما بحاجة إلى الغسل بصورة مستمرة، و هذا هو ما يجرى عمله بصورة منتظمة، إلى حد أن يجرى بصورة دورية تغيير الملابس حتى و لو مرة واحدة كل أسبوع. خلال الأسبوع الواحد. أما الأثرياء فهم يرتدون كل يوم لباسا مختلفا، و ليس من الغرابة فى شى‏ء أن يكون لدى كثير من الناس أربعين طاقما أو خمسين من الملابس. أهل الحجاز يفرحون بالملابس أكثر من مسلمى الشمال، يضاف إلى ذلك أن ما تكسبه الطبقات الدنيا ينفق على الملابس. و المكى عندما يعود من دكانه إلى منزله، أو حتى بعد مشوار صغير فى المدينة، يسارع إلى خلع ملابسه، و يعلقها على حبل معلق عبر المجلس، ثم يخلع عمامته، و يغير قميصه، ثم يجلس على سجادة، واضعا على‏

231

رأسه طاقية خفيفة، و هم يستقبلون الزائرين و هم على هذا الحال، و من يريد تحديد من هو المكى، عليه أن يراه و هو جالس بعد أن يخلع ملابسه، بجوار أحد النوافذ، و فى يده مروحة مصنوعة من قصاصات سعف النخيل، يحاول بها طرد الذباب بعيدا عنه، و فى يده الأخرى خرطوم الشيشة الفارسية الطويل.

فى أيام العيد يستعرض المكيون و الجداويون حبهم للملابس بدرجة كبيرة، و هم من غنيهم لفقيرهم، بل إن كل واحد منهم يتعين عليه ارتداء طاقم من الملابس الجديدة، و إذا لم يكن قادرا على الشراء، فإنه يستأجر من التجار طاقما من الملابس لمدة يومين أو ثلاثة أيام، و فى مثل هذا الظرف قد يدفع المستأجر مائة قرش فى بعض الأحيان مقابل استئجار مثل هذا الطاقم الذى يبلغ ثمنه حوالى ألف و خمسمائة قرش أو ألفى قرش. و هنا لا نجد أحدا راضيا عن الثوب الذى يناسب مكانته فى الحياة، و لكنه يرتدى ثياب من هم أعلى منه فى سلم الحياة. صاحب الدكان الذى يمضى القسم الأكبر من العام مرتديا لباسه القصير، و من حول خصره فوطة تستر ردفه و فخذيه، تراه فى أيام مرتديا لباسه بنش بالساتان، و عمامة مطرزة بالذهب، و ساش (حزام) من الحرير الخالص، مشغول بخيوط الفضة، و جنبيّة (خنجر) أو سكينا معقوفا، معلق أو مغروس فى الحزام، و جراب هذه الجنبيّة مرصع بالعملات المعدنية الفضية و الذهبية، و الأطفال يلبسون أيضا ملابس غالية، و الشخص يمكن أن يستسلم لإطلاق لقب اللص عليه، بدلا من إعطاء من هم فى منزلته حق التفوق عليه فى مسألة الملبس هذه. الناس يفضلون الألوان الغامقة بشكل عام، و العباءة العلوية لا بد أن تكون فى تقابل مع لون الملابس التى تحتها، يرتدى الناس أيضا الشيلان الكشميرية فى أيام العيد، على الرغم من عدم مشاهدة تلك الشيلان فى أحيان أخرى، لكنهم باستثناء النساء، هن و الأشراف المحبين للحرب، و مع ذلك فإن كل واحد من المكيين الميسورين لديه فى دولاب ملابسه عدد لا بأس به من هذه الشيلان. بعد العيد يضع المكى طاقم ملابس العيد جانبا، و يعود كل واحد إلى وضعه السابق. كل واحد من المكيين الكبار، يحمل عصا طويلة، هذه العصى تسمى فى الأوساط المتدنية عكاكيز، و العالم لا يمكن‏

232

أن يراه الناس بلا عصا. قلة قليلة من الناس هم الذين يمشون مسلحين، اللهم باستثناء الطبقات الدنيا، أو الأشراف الذين يحملون خناجر أو سكاكين معقوفة مثبتة فى أحزمتهم.

نساء مكة و نساء جدة يلبسن ملابس مصنوعة من الحرير الهندى، كما يلبسن سراويل طويلة زرقاء اللون و مقلمة، تصل إلى كعوبهن، و هى مطرزة من أسفل بخيوط الذهب، و فوق هذه السراويل و الثياب يلبسن رداء واسعا يسمونه الحبرة، و هى ملاية من الحرير المقلم بالأبيض و الأسود، و تصنعها بلاد الهند، و هن يغطين وجوههن ببرقع أبيض اللون أو أزرق خفيف، و النساء يلبسن على رءوسهن التى تغطيها الملايات، طواقى مثل طواقى الرجال، و كل طاقية من هذه الطواقى تلف المرأة حولها قطعة من القماش الموسلين الملون، التى تلف لفا جيدا حول الطاقية. يقال إن لباس الرأس أقل زينة من حيث العملات الذهبية و اللؤلؤ، و المجوهرات عن لباس الرأس عند النساء المصريات و السوريات، لكن لباس رأس المرأة المكية يشتمل على خيط معلق فيه بعض العملات من فئة السكوين، مكيات كثيرات لديهن قلادات من الذهب، و أساور من الذهب، و خلاخيل من الفضة، أما النساء فيلبسن القميص المصرى أزرق اللون، و بناطيل كبيرة، مثل البناطيل سالفة الذكر، كما يلبسن أيضا أساور من قرون الحيوانات، أو من الزجاج أو الكهرمان.

أطفال مكة ليسوا مدللين من قبل والديهم مثل أطفال بلدان الشرق الأخرى، و الطفل منهم عندما يستطيع المشى يتركه أهله يلعب أمام باب الدار، مرتديا ثيابا خفيفة جدا أو شبه عار، و هم كانوا أقوياء و أحسن صحة لهذا السبب، عن الأطفال السوريين و المصريين الذين يعتنى بهم آباؤهم عناية كبيرة و الذين يمكن القول عنهم، إنهم يراعون حتى الممات.

قلة قليلة من العائلات المكية هم الذين ليس عندهم عبيد. و تفتحت عينا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) على استقرار تجارة العبيد فى الجزيرة العربية، على نحو لم يحاول إلغاءه، و بذلك يكون محمد (صلى اللّه عليه و سلم) قد أكد، و وسع هذه التجارة فى أنحاء شمالى إفريقيا، بكل‏

233

ما تنطوى عليه هذه التجارة من قوة، إضافة أيضا إلى المصاعب التى صاحبت انتشار الإسلام. الخدم و الخادمات زنوج، أو بالأحرى نوبيون، يجرى جلبهم عادة من سواكن، أما المحظيات فهن عادة من الحبشيات الإماء. لا أحد من المكيين يفضل أمنه و سلامه المنزلى على إشباع احتياجاته العاطفية؛ هذا يعنى أن المكيين لهم محظيات بالإضافة إلى زوجاتهم الشرعية، لكن الأمة إذا ما أنجبت طفلا فإن سيدها عادة ما يتزوجها، و إذا ما أخفق فى ذلك أصبح محطا لانتقادات المجتمع. مسألة الاحتفاظ بالمحظيات الحبشيات لا تزال أمرا شائعا فى جدة؛ كثير من المكيين ليس لهم سوى زوجات حبشيات، نظرا لغلو مهور المواطنات العربيات، اللاتى لا يملن إلى التسليم بإرادة الزوج و رغباته. هذا الإجراء يلجأ إليه كثير من الأجانب الذين يقيمون فى الحجاز فترات قصيرة. هؤلاء الأغراب و الأجانب يقومون فور وصولهم إلى مكة بشراء رفيقة، برغبة بيعها عندما يرحلون عن المدينة، لكن هؤلاء الأغراب و الأجانب قد يطول مقامهم فى مكة، و تحمل الأمة، و يتزوجها الرجل، و يستقر فى مكة. قلة قليلة من الرجال هم الذين من غير المتزوجين أو الذين ليس لهم إماء محظيات. هذه مسألة عامة و شائعة فى الشرق، و لا تشيع فى أى مكان آخر أكثر مما هى عليه فى مكة. الاختلاط بالدم الحبشى هو الذى أعطى المكيين تلك البشرة المائلة إلى الاصفرار، التى تميز المكيين عن سكان الصحراء.

الطبقات الأكثر ثراء من الطبقات السابقة، تعد بيع الأمة أمرا مشينا و مخزيا.

و الأمة عندما تنجب طفلا، و لا تكون فى عصمة سيدها أربع نساء فإنه يعقد عليها و يتزوجها، و إذا لم تنجب منه فإنها تظل فى منزله مدى الحياة، و فى بعض الأحيان يتزايد عدد المحظيات إلى ما يقرب من اثنتى عشرة محظية من كبار السن و من الشابات. الطبقات الوسطى و الطبقات الدنيا فى مكة ليست على شاكلة الطبقات التى تعلوها، هذا يعنى أن هذه الطبقات الدنيا و المتوسطة يشترون الحبشيات الصغيرات عن طريق المضاربة، و يقومون بتعليمهن فى الأسرة، و يعلمونهن الطبخ، و الحياكة إلخ، ثم يبيعونهن للأجانب و الأغراب بأثمان غالية. لقد أبلغنى الأطباء، و الحلاقون، و باعة

234

العقاقير أن مسألة الإجهاض شائعة فى مكة. و أن بذور أشجار البلسم المكى هى الدواء الشائع الاستعمال فى مسألة الإجهاض. المكيون لا يفرقون بين أولادهم من الإماء الحبشيات أو من النساء العربيات الحرائر.

سكان مكة عندهم نوعين من العمالة، التجارة، و خدمة بيت الله، أو إن شئت فقل:

المسجد الحرام، و لكن التجارة هى المفضلة عند المكيين، يضاف إلى ذلك قلة قليلة من العلماء هم الذين يعملون فى المسجد الحرام، و حتى هذه القلة القليلة من العلماء لها أيضا شئونها التجارية، على الرغم من اعتزازهم الذى يمنعهم من ممارسة التجارة علانية، و لعل القارئ يكون قد لاحظ فى وصفنا السابق لمكة، كيف أن قلة قليلة من الحرفيين و أصحاب الحرف هم الذين يعيشون فى شوارع مكة، هؤلاء الحرفيون، هم من البنائين، و النجارين، و الخياطين، و الغرازين، و الحدادين، إلخ، و أن هؤلاء الحرفيين، أقل مهارة بكثير عن أمثالهم فى مصر. و إذا ما نحينا جانبا تلك القلة القليلة من صناع الفخار، و المصابغ، نجد أن المكيين ليست لديهم أية صناعات أخرى، لكن المكيين شأنهم شأن أهل جدة يعتمدون على البلدان الأخرى فى الحصول على احتياجاتهم. من هنا، نجد أن مكة فيها قدر كبير من التجارة الأجنبية، التى تجرى خلال موسم الحج، و خلال بضعة أشهر قبل ذلك الموسم، و الذى يقوم بهذه التجارة هم الحجاج الأثرياء، الذين يجلبون المنتجات الوطنية من البلاد الإسلامية إلى جدة إما عن طريق البحر و إما عبر الصحراء من دمشق، و يروحون يتبادلون تلك المنتجات فيما بينهم، أو قد يتلقون من تجار مكة البضائع الهندية و بضائع الجزيرة العربية، التى سبق أن خزنها تجار مكة فى مخازنهم. فى هذه الفترة، تتحول مكة إلى واحدة من أكبر أسواق الشرق، بل و أهم هذه الأسواق كلها؛ نظرا لتباين الأمم التى تتوافد على المدينة. على كل حال، فإن قيمة الصادرات من مكة تفوق الواردات، الأمر الذى يتطلب مبالغ كبيرة من الواردات و السكوينات لسداد ذلك العجز و إحداث نوع من التوازن. بعض هذه الصادرات يشق طريقه إلى اليمن و الهند، و يتبقى حوالى ربع هذه الصادرات فى أيدى المكيين. هذه التجارة مربحة جدا إلى حد أن البضاعة التى يجرى شراؤها فى جدة، من التجار

235

الذين يشترونها من على ظهر السفن التى تصل إلى جدة قادمة من الهند، تدر على صاحبها إذا ما بيعت بسعر الجملة، أثناء موسم الحج، ربحا صافيا يتردد بين عشرين فى المائة و ثلاثين فى المائة، و تدر إذا ما بيعت بالتجزئة ربحا يقدر بحوالى خمسين فى المائة. من هنا، لا يصبح الأمر مدهشا، إذا ما عرفنا أن أهل مكة كلهم من التجار، و كل من يستطيع توفير بضع مئات من الدولارات يسافر إلى جدة، و يستثمرها فى البضاعة التى يعرضها للبيع خلال موسم الحج. يحقق المكيون أرباحا كثيرة أيضا عن طريق التدليس، معروف أن كثيرا من الحجاج يجهلون اللغة العربية، و لذلك يقعون فى أيدى السماسرة أو المترجمين الذين يجعلونهم يدفعون أثمانا غالية نظير الخدمات، واقع الأمر أن مكة كلها متحدة فى مسألة غش الحجاج و خداعهم.

فى الماضى، و يوم أن كانت القوافل تتمتع بالأمن الكامل على الطريق، كانت البضائع تنقل إلى مكة بطريق البر، فى الوقت الراهن نجد قلة قليلة من التجار هم الذين يعرّضون ممتلكاتهم لمخاطر النقل عبر الصحراء، يضاف إلى ذلك أن هؤلاء التجار يضحون بميزة استيراد بضاعتهم إلى مكة خالصة الجمارك، و هذه ميزة مقصورة على القوافل، و ينقلون بضاعتهم بالبحر إلى جدة، و هذا الطريق يدفع فيه الحجاج القادمون من إفريقيا و الحجاج القادمون من تركيا رسوما مضاعفة، و محمد على باشا يحصل هذه الرسوم الجمركية مرة فى مصر و مرة أخرى فى جدة. فى الوقت الراهن نجد أن الحركة التجارية الصغيرة، لا تقوم بها سوى القوافل، التى لا تبقى سوى أيام قلائل فى مكة. و هنا نجد أن أصحاب الدكاكين و تجار التجزئة فى المدينة يحققون أرباحا كبيرة من هذه البضاعة، هذا يعنى أن أرباح تجار التجزئة فى مثل هذه الظروف تكون أكثر من أرباح تجار الجملة. معروف أن حركة تجار الجملة تروج خلال الأشهر السابقة للحج، و ذلك بعد وصول التجار الأجانب إلى مكة عن طريق جدة، و يكون أمامهم متسع من الوقت لتسوية أمورهم قبل دخول موسم الحج.

236

فى زمن السلم مع المناطق الداخلية تروج التجارة رواجا كبيرا مع البدو و بخاصة مع سكان مدن نجد، الذين يحتاجون إلى البضائع الهندية، و العقاقير الهندية، و الملابس أيضا، و التى يحصلون عليها إما من المدينة المنورة، أو بسعر رخيص من مكة. و البن الذى يستخدم على نطاق واسع فى الصحراء يستورده أهل نجد بأنفسهم، إذ يرسلون قوافلهم الخاصة بهم إلى اليمن الذى ينتج البن.

المكيون الذين ليسوا على قدر من الغنى و الثراء يمكّنهم من الاتجار فى البضائع الهندية (التى تحتاج إلى مبالغ نقدية كبيرة، و التى قد تبقى لفترات طويلة) يستثمرون رأسمالهم فى موسم الحج، فى تجارة الحبوب و التموينات. كان ذلك الأسلوب أكثر ربحا فى الزمن الماضى عنه حاليا، و السبب فى ذلك أن محمد على بعد أن قام باحتكار هذه السلع، اضطر الناس إلى شراء القمح من جدة بالسعر الذى يحدده الباشا، و أن يكونوا راضين عن تحقيق هامش ربح عندما يعيدون بيع القمح فى مكة. بعد دفع مصاريف النقل، يتبقى لهؤلاء التجار ربح يتردد بين خمسة عشر فى المائة و عشرين فى المائة، و هذا النوع من الاتجار يناسب تماما رءوس الأموال الصغيرة، نظرا لتباين الأسعار، هذا نوع من اليانصيب يمكن أن تؤدى فى بعض الأحيان إلى مضاعفة رأس المال خلال فترة وجيزة.

مع اقتراب موسم الحج، ترتفع أسعار المؤن و التموينات كلها، و بالتالى أيضا أسعار السلع الأخرى. و بذلك يضمن هؤلاء الذين لديهم مخازن عامرة بالقمح، و الأرز، و البسكويت حصولهم على أرباح كبيرة. مسألة توفير الأغذية و الطعام، طوال مقامهم، لدفق من السكان يصل إلى حوالى ستين ألفا من البشر، و لحوالى عشرين ألف جمل، إضافة إلى المؤن و التموينات اللازمة لهذه الآلاف المؤلفة عند العودة إلى أوطانهم، تعد مسألة غاية فى الأهمية، و لم يخاطر محمد على باشا بوضع أبعاد كل هذه المسألة بين يديه. و المكى الذى يمتلك حفنة دولارات، يستثمر هذا المبلغ فى شراء نوع من التموينات يقوم بنقله على حماره مع اقتراب موسم الحج، من جدة إلى مكة.

237

عندما تنفتح المناطق الداخلية من الجزيرة العربية أمام القوافل، يجى‏ء البدو من سائر الأنحاء المحيطة بمكة لشراء مؤنهم السنوية من القمح من مكة، التى تستقبل هى بدورها، فى زمن السلم، كميات كبيرة من القمح من اليمن، و بخاصة المخواه، تلك البلدة التى تبعد مسير عشرة أيام عن مكة، و تقع عند السفح الشرقى لسلسلة الجبال الكبيرة، كما تعد سوقا للعرب الذين يقومون بزراعة هذه الجبال. و علمت أيضا أن الواردات من المخواه تقدر بنصف احتياجات مكة، لكن هذا أمر تدور من حوله الشكوك، على الرغم من أنى ليست لدىّ الوسائل التى تمكننى من القيام بتقدير هذه الاحتياجات تقديرا دقيقا، و سبب ذلك أن الطريق فى الوقت الراهن، غير مطروق، كما أن مكة تتلقى مؤنها و تمويناتها كلها من جدة، و يجب أن نلاحظ أن استهلاك الحبوب، فى الجزيرة العربية أكبر بكثير من أى دولة من الدول المجاورة، يزاد على ذلك أن السواد الأعظم من السكان يعتمدون تماما على القمح و الشعير، و العدس، أو الأرز، و هم لا يستعملون الخضراوات، و إنما يستعملون مقدارا كبيرا من الزبد.

الشخص نفسه إذا لم يكن من العاملين فى مجال التجارة، أو إذا لم يكن له صديق ألمعى بين تجار الجملة، يصعب، إن لم يستحل عليه، الحصول على تفاصيل دقيقة عن هذه التجارة الواسعة التى تجرى فى مكة. و أنا هنا سوف أتحاشى مسألة إيراد بعض الملاحظات الخاطئة حول هذا الأمر، الذى لست على دراية كاملة به، و الذى لم أعثر فى مكة على أحد يمكنه أن يشرح لى تفاصيله.

من الطبيعى أن نسلم أن مكة بلد غنى، و سوف تزداد مكة غنى على غناها، إذا لم تسارع الطبقات الدنيا إلى إنفاق مكتسباتها فى تلبية المطالب الشخصية. تجار الجملة أثرياء، و نظرا لأن تجار الجملة فى مكة يعملون بنظام الدفع الفورى، فهم بذلك يكونون أقل تعرضا للخسارة عن التجار الشرقيين الآخرين. السواد الأعظم من تجار الجملة المكيين لهم مكاتب و مؤسسات فى جدة، و بذلك نجد أن التجارة فى المدينتين متصلة ببعضها البعض. فى زمن الوهابيين، كانت المناطق الداخلية فى الجزيرة العربية

238

مفتوحة أمام مكة، لكن الواردات الأجنبية، عن طريق البر و البحر، أصبحت تقتصر على ما هو مطلوب لاستعمال السكان، و نجد أيضا أن سوق الحج الكبيرة لم تعد تنعقد، و على الرغم من أن بعض الحجاج الأجانب لا يزالون يزورون مكة، فإنهم لا يعرّضون بضاعتهم لخطر الاستيلاء عليها بواسطة الوهابيين. مع مثل هذه الظروف نجد أن اهتمام المكيين الذى ينصب على المدن نفسها و البقاء فيها طلبا للأرباح الطائلة لم يعد موجودا. الذين عجزوا عن أن يكونوا أثرياء ينتظرون تجديد أو استئناف قوافل الحج، لكن كثيرا من الفقراء الذين عجزوا عن كسب عيشهم، تركوا مكة، و استقروا فى جدة، أو فى موانئ أخرى على البحر الأحمر، و تبعهم فى تلك الموانئ عدد كبير من التجار المحترمين.

التجارة هنا تتم عن طريق السماسرة الذين منهم عدد كبير من الهنود، واقع الأمر أن الجالية الهندية هى أغنى جاليات مكة، و هم على اتصال مباشر بكل موانئ هندوستان، و يستطيعون فى معظم الأحيان منافسة الغير فى الأسعار. الكثيرون منهم، كما سبق أن قلنا، يقيمون فى مكة، فى حين تواصل البقية الباقية من هؤلاء الهنود التنقل جيئة و ذهابا بين الحجاز و الهند. هؤلاء الهنود جميعهم يحتفظون بلغتهم الوطنية، التى يعلمونها لأبنائهم، كما يعلمونها أيضا لكثير من تجار مكة، إلى حد أن السواد الأعظم من تجار مكة يفهمون أو يعرفون الأعداد الهندية فى أضعف الأحوال، فضلا عن معرفتهم أيضا للعادات الشائعة جدا المستخدمة فى البيع و الشراء. الهنود يعملون فى ظل ظروف صعبة جدا يتعلمون خلالها اللغة العربية، و لم يحدث أن رأيت مطلقا أحدا من هؤلاء الهنود، مهما طالت إقامته فى مكة، يتكلم العربية بطريقة سليمة، و هم من هذه الناحية أقل من الأتراك، الذين نعد نطقهم للغة العربية مدعاة للسخرية و التهكم فى معظم الأحيان أمام العرب. أبناء الهنود الذين ولدوا فى مكة يتكلمون العربية كما لو كانت لغتهم الوطنية، و قد درج الهنود على كتابة اللغة العربية بأحرف هندية.

239

يقال إن الهنود بخلاء تماما، و من واقع ما رأيته من الهنود فى منازل بعض تجارهم الأول، أرى أنهم يستحقون هذا الوصف. إنهم تجار شديدى الحرص، و طماعين، إلى حد أنهم يفوقون العرب فى ذلك. الناس يحتقرونهم لأنهم يفتقرون إلى الإحسان، لكنهم فيما بينهم تسود بينهم روح تضفى عليهم شيئا من الاحترام، بل و تجعل الناس يخشونهم و يخافونهم فى مكة. كثير من الهنود لهم شركاء فى الهند، و بالتالى فهم يحصلون على البضاعة بأثمان أرخص من الأثمان التى يشترون بها من السفن الهندية فى جدة؛ الأمر الذى يجعل التجار الصغار، و أصحاب الداكاكين يشترون منهم بآجال قصيرة، بدلا من السفر إلى جدة، التى يجرى فيها الشراء بالنقد. و باستثناء منزل أو منزلين، نجد أن تجار مكة كلهم، لا تصلهم البضاعة من الهند مباشرة و إنما يذهبون للشراء مباشرة من الأسطول الهندى، و ليس هنا من بين سكان مكة من هم أكثر مداومة و محافظة على الطقوس الدينية من الهنود.

عندما يتساوم تجار الجملة فى وجود شخص يودون أن يخفوا عنه أمورهم المالية و الأعمالية، يضعون أيديهم اليمنى جنبا إلى جنب عند طرف الثوب أو عند أكمام طرف من الأطراف الموجودة، و عن طريق لمس و صلات الأصابع المختلفة، يستطيعون ملاحظة الأعداد و بذلك يبرمون صفقاتهم فى هدوء.

المكيون الذين لا تستهويهم التجارة، يرتبطون بالحكومة، أو بمؤسسة المساجد، و لكن كما سبق أن أسلفت، يشتركون بصورة أو بأخرى فى فرع من أفرع التجارة، فضلا عن أن السكان جميعهم يتطلعون إلى موسم الحج، باعتباره المصدر الرئيسى للدخل.

هؤلاء الذين يعملون فى المسجد الحرام يتلقون رواتب بصفة منتظمة و يشاركون فى الهدايا و العطايا العامة التى تقدم لبيت الله، فيما عدا بعض العطايا و الهدايا الخاصة التى تأتى من أهل الخير و المحسنين، كما يشاركون أيضا فى التبرعات التى تأتى مع القافلتين السورية و المصرية. هذه التبرعات التى يسمونها الصرة، (التى سبق‏

240

الحديث عنها) تأتى أصلا من سلاطين إسطنبول، الذين يحددون فور وصولهم إلى الحكم مبلغا محددا لعون التبرعات يجرى توزيعها فى المدينتين بواسطة القاضى حسبما يراه مناسبا، لكن إذا ما حصل شخص على جزء من هذه التبرعات، فإنه يداوم الحصول عليه مدى الحياة، بل إن هذا الحق ينتقل إلى أطفاله. مثل هذا الشخص يحصل على بطاقة موقعة من القاضى، و من الشريف، و من كاتب الصرة، كما يجرى إدراج اسم مثل هذا الشخص فى أحد السجلات فى مكة، هذا السجل ترسل منه سنويا نسخة إلى إسطنبول، حيث يجرى إدراج تلك الأسماء ضمن سجل الصرة العام، هذه الصرة يجرى تقسيمها فى إسطنبول إلى مبالغ صغيرة يمثل كل منها اسم الشخص المرسل له مثل هذا المبلغ، و إذا ما أرسل مبلغ إضافى لتوزيعه على المحتاجين، فإن القاضى هو الذى يقوم بتوزيع هذا المبلغ الإضافى، و يقوم القاضى بعد ذلك بإبلاغ مفتش الصرة فى إسطنبول باسم الشخص الذى حصل على المبلغ، و بذلك تجرى فى العام التالى إضافة تلك المبالغ الإضافية إلى المبالغ السابقة. بعض صرر التبرعات تأتى من مصر، لكن القسم الأكبر يأتى من إسطنبول عن طريق سوريا، هذا القسم من التبرعات يجرى الحصول عليه بصورة منتظمة. كل قافلة لها كاتب صرتها الخاصة، و تتمثل مهمة ذلك الكاتب فى توزيع النقود و الهبات التى تدفعها القوافل لكل من البدو و العرب و هى فى طريقها إلى مكة.

يجرى توزيع صرة مكة فى المسجد الحرام، من نوافذ منزل القاضى و تحت إشرافه، بعد عودة الحج. هناك من يتسلم مبالغ صغيرة قد تصل إلى قرش واحد، أما القسم الأكبر فيتراوح بين عشرة قروش و عشرين قرشا، لكن هناك عددا قليلا جدا من الأسر التى تتسلم ما يقرب من ألف قرش كل عام. و على الرغم من عدم إعطاء هذه المبالغ لمستحقيها، فإن عددا كبيرا من الأسر الفقيرة تحصل على نصيب من هذا الدعم.

بطاقات هذه المعونات قابلة للتحويل، لكن تحويل هذه البطاقة لا بد أن يكون بموافقة كل من القاضى و الشريف و توقيعهما على هذه البطاقة، و ذلك نظير هدية صغيرة تقدم لكاتب القاضى، يجرى تسجيل الاسم الجديد و إرساله إلى إسطنبول، فى الماضى كان‏

241

من الصعب إقناع المكى ببيع نصيبه من الصرة، التى يعدها نوعا من التشريف فضلا عن كونها أيضا المورد الرئيسى لإعاشة أسرته، و مع ذلك نجد أن قيمة الصرة تغيرت تغيرا كبيرا. هذه البطاقات فقدت قيمتها تماما فى زمن الوهابيين؛ نظرا لأن حملة هذه البطاقات لم يحصلوا على شى‏ء طوال ثمانى سنوات. هذه البطاقات بدأت تعود إلى سابق عهدها على استحياء، لكن بعض هذه البطاقات بيعت بقيمة عامين و نصف العام من ثمنها، الأمر الذى يثير التساؤلات حول مدى استقرار الحكم التركى، أو عودة الوهابيين.

أتفه الناس، و أرذلهم، و أكثرهم وقاحة من بين المكيين هم الذين يمتهنون مهنة الإرشاد (مطوف أو دليل)، و نظرا لأن الناس ليسوا بحاجة إلى هذه الصفات، و نظرا أيضا لزيادة الطلب على المرشدين أثناء موسم الحج، نجد أن عدد هؤلاء المطوفين و الأدلاء يتزايد فى موسم الحج. و إلى جانب الأماكن التى أتيت على ذكرها فى مدينة مكة، نجد أن المطوفين يرافقون الحجاج إلى أماكن الزيارة الأخرى فى المدينة المقدسة، و نجدهم أيضا على استعداد لتقديم الخدمات على اختلاف أنواعها فى المدينة، لكن فائدة هؤلاء المطوفين الأدلاء لا تتناسب مطلقا مع انتهازيتهم و وقاحتهم، ترى هؤلاء المطوفين و هم يحاصرون غرفة الحاج من طلوع الشمس إلى غروبها، و لا يسمحون له بالقيام بأى عمل من الأعمال دون تدخل منهم و اللجوء إليهم؛ تراهم يجلسون معه فى تناول الإفطار و الغداء و العشاء و يدخلونه فى سائر المصروفات و النفقات التى يصيبون منها جزءا، و الويل كل الويل للتركى بسيط الحال الذى يتخذ من المطوف مترجما له فى أية مسألة من المسائل التجارية. كان أول دليل معى من المدينة المنورة، و كنت أسكن فى منزل هذا المطوف فى الأيام الأخيرة من شهر رمضان، و عندما عدت إلى مكة مرة ثانية، التقيت ذلك المطوف فى الشارع، و على الرغم من أنى كنت بعيدا تماما عن الترحيب به، إذ كان لدىّ من الأسباب ما يكفى للتشكيك فى أمانته، فإنه قبلنى و احتضننى و جعل من بيته سكنا لى. فى البداية كان يرافقنى كل يوم فى طوافى حول الكعبة، للدعاء بالأدعية المخصصة لمثل هذه المناسبة، هذه الأدعية سرعان ما حفظتها

242

عن ظهر قلب، الأمر الذى جعلنى أستغنى عن خدماته فى هذا الشأن. كان الرجل يجلس دوما معى لتناول الغداء، و كان يحضر معه سلة صغيرة كان يطلب إلى خادمى أن يملأها بالبسكويت و اللحم، و الخضروات أو الفاكهة و يأخذها معه عند الانصراف.

و كان يطلب منى كل ثلاثة أيام أو أربعة شيئا من النقود: كان يقول لى:" أنت لم تعطنى شيئا، و إنما الذى أعطانى هو الله سبحانه و تعالى". و عند ما وجدت أنى عاجز عن إيجاد طريقة مناسبة للتخلص من هذا المطوف، قلت له بمنتهى الصراحة إنى لا أريد بعد شيئا من خدماته، و تلك لغة لم يعتدها الدليل أو المطوف المكى، و بعد ثلاثة أيام عاد إلىّ ذلك المطوف و كأن شيئا لم يكن، و طلب منى دولارا. رددت عليه قائلا:

" الله لم يحثنى أو يحركنى كى أعطيك شيئا، لو كان الله سبحانه و تعالى يجد ذلك حقا، لرقق قلبى تجاهك و لدفعنى إلى إعطائك حافظة نقودى كلها". قال متعجبا:" أندف ذقنى، إذا لم يرزقك الله فيما بعد بعشرة أمثال ما ستعطينى إياه حاليا". و رددت عليه أنا بدورى قائلا:" أندف كل شعرة من شعرى إن أعطيتك بارة واحدة دون اقتناع منى بأن الله سيجعلها عملا من أعمال إحسانى". و عند ما سمع المطوف ذلك منى هب واقفا و انصرف و هو يقول:" نحن نلجأ إلى الله سبحانه و تعالى من قلوب المتكبرين، و من أيدى البخلاء و المقترين". هؤلاء المطوفين لا يقولون عشر كلمات دون أن يذكروا اسم الله سبحانه و تعالى أو اسم محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، تراهم دوما ممسكين بالمسابح فى أيديهم، و تراهم أيضا يتمتمون بالدعاء حتى أثناء الحوار. شخصية المطوف هذه تنطبق على أهل مكة بصفة عامة، إلى حد أنهم عندما يكونون فى القاهرة يستعملون المثل التالى فى التعبير عن انتهازية الشحاذ البذى‏ء:" أنت مثل المكى، تقول:" أعطنى، و أنا سيدك".

كنت بحاجة إلى دليل (مطوف) و اضطررت بعد ذلك إلى استخدام رجل مسن من أصل تتارى، توصلت معه، منذ البداية، إلى اتفاق، كنت راضيا عنه تماما. وصل إجمالى ما دفعته فى مكة للمطوفين، و فى أماكن الزيارة ما يقرب من ثلاثمائة و خمسين قرشا، أى ثلاثين دولارا، لكنى لم أقدم أية هدايا للمسجد أو لأى من العاملين فيه، لأن‏

243

مثل هذا العمل لا يتأتى إلا من جانب كبار الحجاج، أو أولئك الذين يودون شهرة على المستوى العام. هناك بعض المطوفين الذين يقيمون دوما بجوار الكعبة، انتظارا لمن يستأجرهم للقيام بعملية الطواف، و إذا ما رأى هؤلاء المطوفين حاجا يمشى بمفرده، فإنهم يتقدمون، دون أن يطلب ذلك أى أحد منهم، بالإمساك بيد هذا الحاج، و يبدأون فى تلاوة الدعاء، و الأجر الذى يتقاضاه المطوف نظير هذه العملية يقدر بحوالى نصف قرش، و قد سمعت المطوفين و هم يساومون الحاج عند باب الكعبة، على مسمع و مرأى من كل الحاضرين، و المطوفون الفقراء يرضون بربع قرش. كثير من أصحاب الدكاكين، و من أفراد الطبقة الثالثة يوفدون أبناءهم الذين يحفظون هذا الدعاء عن ظهر قلب، يرسلونهم إلى هذا المكان لكى يتعلموا مهنة الطوافة، أما هؤلاء الذين يعرفون اللغة التركية يحصلون على أجور كبيرة، و لما كان الحجاج الأتراك يصلون عن طريق جدة، و يعيشون سويا فى مكة، فإن مطوفا واحدا هو الذى يتولى أمر هذه الجماعة و يتوقع أتعابا من أفراد الجماعة كلهم. يتصادف عند عودة الجماعة إلى أرض الوطن، أن تزكى ذلك المطوف عند جماعة أخرى من إخوانهم المواطنين، الذين يرسلون فى طلب ذلك المطوف، عندما يصلون إلى جدة و يطلبون منه توفير سكن لهم فى جدة، و أن يشرف على رحلتهم القصيرة إلى المدينة المقدسة، و أن يكون مرشدا لهم فى الدعاء الذى يقال عند دخول الحرم أول مرة. بعض هؤلاء المطوفين يوجدون دائما فى جدة طوال الأشهر الثلاثة التى تسبق الحج، و لقد رأيتهم و أنا فى طريقى إلى مكة و هم يتقدمون جماعتهم و يتعاملون معها بمنتهى الأدب و الاحترام. التركى الذى يجى‏ء من أوروبا، أو من آسيا الصغرى، و الذى لا يعرف كلمة عربية واحدة يفرح فرحا شديدا عندما يعثر على عربى يتكلم لغته، و يعده بكل سبل الراحة فى مكة، و الذى لقّن على أنها مكان لا ينتظره فيه سوى الخطر و التعب. المطوف الذى يقوم بإرشاد اثنى عشر حاجا تركيا مدة شهر واحد، جرت العادة أن يحقق مكاسب تكفى للوفاء باحتياجات منزله على امتداد عام كامل، إضافة إلى كسوته و كسوة عياله و أطفاله.

بعض هؤلاء المطوفين لهم مهمة فريدة جدا. الشريعة الإسلامية تنص على أن المرأة غير المتزوجة لا يحق لها الحج، كما تنص الشريعة أيضا على أن تكون المرأة

244

المتزوجة بصحبة زوجها إذا ما أرادت أداء الفريضة، أو وجود محرم معها فى أضعف الأحوال (و المذهب الشافعى لا يقر هذا المحرم)، و لا تزال النساء التركيات يأتين فى بعض الأحيان لأداء فريضة الحج، كما تأتى أيضا الأرامل اللاتى يردن مشاهدة مكة و زيارتها قبل أن توافيهم المنية، كما تأتى إلى مكة أيضا النساء اللاتى يكنّ بصحبة أزواجهن الذين يموتون و هم فى طريقهم إلى مكة. فى مثل هذا الحال، تجد المرأة التى من هذا القبيل دليلا أو مطوفا (أو ما يسميه أهل هذا البلد بالمحلل) يكون مستعدا لتسهيل تحرك النساء اللاتى من هذا القبيل فى الأراضى، و هنا تقوم المرأة التى بصحبتها المطوف بأداء فريضة الحج فى مكة و عرفات، و الأماكن المقدسة كلها. على كل حال، المفهوم ضمنا أن هذا مجرد زواج اسمى، و يقوم المطوف بتطليق المرأة فور عودته إلى جدة: و إذا ما رفض المطوف تطليق المرأة، فإن الشرع لا يجبره على ذلك، و يعد الزواج ملزما فى مثل هذا الحال، لكن مثل هذا الرجل لا يستطيع بعد ذلك ممارسة مهنة المطوف، و قد أبلغنى الراوى عن مثالين لمطوفين رفضا تطليق النساء و استمرا فى لعب دور الزوج. و أنا أرى أنى لا أبالغ عندما أقول إن هناك ثمانمائة مطوف من الشبان، إضافة إلى عدد كبير من الصبية الذين يتعلمون المهنة.

و صاحب الدكان الذى يخسر زبائنه، يضاف إلى ذلك أن الرجال المساكين الذين يودون اكتساب المزيد من المال الذى يمكنهم من شراء أمة حبشية يتحولون إلى العمل فى مجال الطوافة. صحيح أن مهنة المطوف من المهن المتواضعة التى لا تحظى بسمعة كبيرة، لكن كثيرا من المكيين ميسورى الحال، كانوا فى وقت من الأوقات يعملون فى مجال الطوافة.

تنهمر على مكة كل عام ثروات طائلة من التجارة، و التبرعات، و العطايا و الأرباح؛ الأمر الذى يجعل مكة واحدة من أغنى مدن الشرق، اللهم باستثناء عادات أهلها السيئة، و إذا ما استثنينا تجار الطبقة الأولى، الذين يعيشون أقل من مستواهم، على الرغم من مؤسساتهم الكبيرة، و إذا ما استثنينا أيضا قسما كبيرا من أفراد الطبقة الثانية، الذين يجمعون المال بغية الوصول إلى المرتبة الأولى، نجد أن غالبية المكيين،

245

على اختلاف مهنهم و أوصافهم هم من المبذرين السائبين غير المنظمين. هذا يعنى أن المكاسب الكبيرة التى يحققها هؤلاء الناس خلال ثلاثة أشهر أو أربعة يجرى إنفاقها على الحياة الطيبة، و الملبس الطيب و أعظم الإشباعات، و فى ضوء توقعاتهم لمكاسب العام المقبل، لا يهتمون كثيرا بادخار شى‏ء مما لديهم. فى شهر المحرم، و عقب انتهاء الحج مباشرة، و بعد رحيل القسم الأكبر من الحجاج، يجرى عرف الزواج و الختان بحفلاتهما البهيجة. الزواج و الختان يجرى الاحتفال بهما فى مكة على نطاق واسع و بطريقة رائعة، و الرجل الذى لا يملك سوى ثلاثمائة دولار ينفقها خلال العام، يلقى بنصف هذا المبلغ فى الزواج أو فى ختان طفل من أطفاله. قداسة مكة، و النصوص القرآنية تعجز عن ردع سكان مكة و منعهم من استعمال المشروبات الروحية (المسكرة)، و الدخول فى المبالغات المعتادة التى تترتب على تعاطى المسكرات. يجلب الأسطول الهندى كميات كبيرة من الراكى المعبأ فى براميل. هذا المشروب المسكر، إذا ما خلط بشى‏ء من السكّر، و قطعة من القرفة، يجرى بيعه تحت اسم ماء القرفة. أشراف مكة، و جدة و كبار التجار، و العلماء، و كذلك كبار الشخصيات كلهم معتادون على شرب هذا المشروب، الذى يقنعون أنفسهم بأنه ليس نبيذا أو من أنواع البراندى، و من ثم فإن الشرع لا يحرمه. السكان الأقل ثراء لا يقوون على شراء سلعة غالية من هذا القبيل، لكنهم يستعملون مشروبا متخمرا يصنعونه من الزبيب، و يجرى جلبه من الطائف، أما الطبقات الأدنى من ذلك فتستعمل البوظة. أثناء مقامى فى الطائف، قام أحد الأتراك، الذين ينتمون إلى حاشية محمد على باشا بتقطير البراندى من العنب، و راح يبيعه بسعر أربعين قرشا للقارورة الواحدة.

المكيون مغالين فى منازلهم؛ غرفهم مفروشة بالسجاد و عامرة بالمخاد و الأرائك المكسوة بالقماش الفاخر، و وسط هذا الأثاث يرى الناظر أوان جميلة مصنوعة من الخزف، و شياش عدة مزينة بالفضة. و صاحب الدكان البسيط يشعر بالخجل إذا ما استقبل ضيوفه و معارفه فى بيت أقل من هذا المستوى. موائدهم مجهزة و عامرة على نحو أفضل منه فى أية مدينة أخرى من مدن الشرق، التى تعيش فيها الأسر المحترمة

246

حياة اقتصادية، المكى من الطبقة الدنيا، لا بد من وجود اللحم على مائدته كل يوم، الذى يباع الرطل منه بما يتردد بين قرش و نصف و قرشين، يزاد على ذلك أن دلة قهوته لا ترفع من فوق النار مطلقا، كما أنه هو و زوجاته و أطفاله يستعملون الشيشة بصورة مستمرة، و التبغ الذى يستخدم فى هذه النرجيلة يكلف كثيرا جدا.

استحدثت النساء عادة هى شائعة أيضا فى تركيا، ألا و هى زيارة بعضهن البعض مرة واحدة كل أسبوع فى أضعف الأحوال و معهن أطفالهن، هذه الزيارة تستمر طوال النهار، و تقدم خلال هذه الزيارة مسليات و فيرة، و هذا يجعل ربة البيت تبذل أقصى ما فى وسعها طلبا للتفوق على الأخريات من حيث الاستعراض و العظمة، و هذا يكلف الأسر مبالغ كبيرة. و يمكن أن ندرج ضمن المصارف العائلية شراء الإماء الحبشيات اللاتى يحتفظ بهن الرجال، أو المبالغ التى تنفق على النساء اللاتى يتردد الرجال عليهن مرارا؛ إنفاق مبالغ كبيرة على الإشباعات الحسية، لا يزال كبيرا و يحط من القدر، لكنه يشيع فى مدن الحجاز مثلما هو شائع فى أجزاء أخرى من آسيا، أو فى مصر أثناء حكم المماليك. لقد لاحظت بالفعل أن المسجد المكى نفسه، هذا المسجد الأشد قداسة من بين المساجد الإسلامية، يجرى تلوينه يوميا بأبشع أنواع الفسوق. هذه الممارسات لا تعد من قبيل العار، و يجرى تشجيع الكبار و الصغار على إتيان هذه الممارسات، يزاد على ذلك أن الوالدين يتعين عليهما التغاضى عن ذلك طلبا للمال، و مع ذلك، فإن مخيمات البدو العرب تخلو من هذه الملوثات، على الرغم من أن أسلافهم لم يخلوا منها، أو محصنين ضدها، و هذا من واقع الطّرف التى يرويها المؤرخون الشرقيون.

كلامى عن الساقطات من النساء، (و هن كثيرات جدا) لا بد من استئنافه و تواصله.

سبق أن قلت إن ذلك الحى أو الشارع الذى يسمونه شعب عامر تسكنه الطبقة الأكثر فقرا، أما أفراد الطبقة الأعلى من هذه الطبقة فيوزعون على سائر أنحاء المدينة.

سلوكهم الظاهرى أكثر احتشاما عن سائر النساء الساقطات فى بلاد الشرق، و الأمر هنا يحتاج إلى عين المكى الخبيرة المجربة للتأكد من الحركة المعينة التى تتمثل فى‏

247

مشيتها، و أن الأنثى المحجبة التى تمر من أمامه تنتمى إلى القبيلة الفاسدة. و أنا لن أغامر بالكلام عن نساء الحجاز المتزوجات؛ سمعت كثيرا من النكات المتصلة بهذا الموضوع، و التى لا تثنى عليهن، لكن فى الشرق، كما هو الحال فى المدن الأخرى، نجد أن الشبان يتفاخرون فى بعض الأحيان بأشياء لم يتمتعوا بها مطلقا. السلوك و المظهر الخارجى لنساء جدة و مكة يصطبغ بالحشمة، قلة قليلة من هؤلاء النسوة هن اللاتى يشاهدن يمشين أو راكبات فى الشوارع، و هذا أمر شائع فى القاهرة، على الرغم من تعارضه مع أفكار الشرق عن الحشمة و الاحتشام، لقد عشت فى ثلاثة منازل مختلفة فى مكة دون أن أرى الوجوه غير المحجبة.

كبار تجار مكة يعيشون حياة رغدة؛ فى بيوت الجيلانى، و السقاط و العجيل و النور توجد مؤسسات تضم ما بين خمسين شخصا و ستين. هؤلاء الأشخاص جمعوا ثرواتهم فى زمن حكم الشريف غالب، الذى عمل معه كل من الجيلانى و السقاط جاسوسين على التجار الآخرين. موائد هؤلاء الأشخاص تحفل يوميا بكل المأكولات الوطنية الفاخرة، فضلا عن الأصناف التى يحصلون عليها من الهند و من مصر. يجلس معهم على مائدة الغداء حوالى عشرين شخصا كل يوم، العبيد الأحباش المقربين، الذين يعملون كتبة أو صيارفة يسمح لهم بالجلوس على مثل هذه الموائد التى يقيمها سادتهم، أما العبيد الأدنى من ذلك هم و الخدم فيعيشون على الطحين و الزبد. الأطباق المصنوعة من الخزف و من الزجاج و التى يقدم فيها الطعام، هى من أفضل الأنواع، و ماء الورد ينثر على لحى الرجال بعد الغداء، و تمتلئ الغرفة برائحة العود، الذى يجرى حرقه فوق النراجيل و الشياش. الأدب جم و بلا رسميات، و ليس هناك من يمكن أن يظهر بمظهر محبوب أكثر من المكيين و بخاصة عندما ينقلون كرم الضيافة إلى الضيوف. و من يتصادف وجوده فى الصالة الخارجية عند تقديم الطعام، يطلب إليه المشاركة فى الطعام، و يشارك الرجل فى الطعام دون إحساس منه بأنه مضطر إلى ذلك بسبب الدعوة، فى الوقت الذى يحس المضيف فيه بأن مشاركة مثل هذا الشخص فى الطعام تعد تشريفا للمضيف نفسه.

248

يتناول المكيون وجبتين يوميا، واحدة قبل الظهر و الثانية بعد غروب الشمس، الطبقات الدنيا تتناول وجبة الإفطار مع طلوع الشمس، و لا يأكلون بعد ذلك إلا عند غروب الشمس، كما هو الحال فى بلاد الزنوج ليس من اللياقة فى شى‏ء أن ترى رجلا يأكل فى الشارع؛ الجنود الأتراك، الذين يراعون سلوكياتهم الوطنية و يحافظون عليها يوبخهم الناس و ينتقدونهم يوميا لسوء التربية فى هذا الصدد.

قبل الغزو التركى، و قبل الحروب التى خاضها الشريف ضد الوهابيين كان تجار مكة يحيون حياة سعيدة. خلال شهرى مايو و يونيو كان التجار يحضرون مزاد بيع البضاعة الهندية فى جدة، و فى شهرى يوليو و أغسطس (اللهم إلا أن نصادف ذلك مع موسم الحج) كان هؤلاء التجار يلجأون إلى منازلهم فى الطائف، لتمضية موسم الحر الشديد، تاركين وراءهم شركاءهم أو كتبتهم فى كل من جدة و مكة. طوال شهور الحج، يبقى هؤلاء التجار فى مكة، و كانت الأسر المكية الثرية تصاحب الحج إلى عرفات باعتبار ذلك شكلا من أشكال التمتع، و كانت تلك الأسر تخيم أيضا فى وادى منى على امتداد أيام ثلاثة.

فى شهر رجب، الذى هو الشهر السابع بعد الحج، كانت تنطلق قافلة من مكة قاصدة المدينة المنورة، و كانت تلك القافلة تضم مئات عدة، راكبين ذللا. فى ذلك الوقت كانت هناك سوق تنعقد فى المدينة المنورة، و كان كثير من البدو يؤمون تلك السوق فى كثير من الأحيان، كما كان أهل الحجاز و أهل نجد يؤمون هذه السوق أيضا.

كانت البضاعة تصل إلى تلك السوق من مكة عن طريق قوافل كبيرة من الإبل، و كانت تلك القوافل تستأنف مسيرها عقب سفر الحجاج مباشرة، و كان الناس يطلقون على هذه القوافل اسم ركب المدينة (*) المنورة. كان الناس يبقون حوالى عشرين يوما

____________

(*) جرت العادة أن يطلق أهل الحجاز اسم" ركب" على القوافل، و هم عندما يتكلمون عن قافلة بغداد يقولون ركب الشام، أو ركب العراق.

249

فى المدينة المنورة يعودون بعدها إلى مكة. هذا التغيير المتكرر المنتظم و المتكرر للمسكن، لا بد أن يكون فى مصلحة التجار، و بخاصة فى تلك الأزمان، يوم أن كان هؤلاء التجار يعرفون على وجه الدقة احتمالات الربح من موسم الحج التالى، و لما كانت الطائف و المدينة المنورة شبه مدمرتين فى ذلك الوقت، فقد حدا ذلك بتجار مكة إلى التحول إلى جدة باعتبارها المكان الترفيهى الوحيد، و مع ذلك نجد أن التجار الذين لهم زوجات و منازل فى جدة، يتحدثون عن مؤسساتهم فى مكة باعتبار أن أوقاتهم طوال العام تكون فى تلك المؤسسات.

سكان كل من مكة و جدة (و إلى حد ما) سكان المدينة المنورة يتميزون بحيوية أكثر من حيوية السوريين أو المصريين. لا أحد من هذه الآلات الصامتة المتجهمة له وجود هنا فى هذا المكان، على الرغم من شيوع هذه الوجوه فى أجزاء أخرى من الشرق، هذه الوجوه ترى فى غبائها، و تبلد إحساسها دليلا على رهافة الإحساس، و الحصافة و الحكمة.

شخصية المكى تشبه شخصية البدوى من هذه الناحية، هذا يعنى أن الجشع و الجرى وراء المكاسب لا يشوه ملامح هذه الشخصية فى كثير من الأحيان، هذا يفيد أن ابتسامة المرح تعلو شفاه هؤلاء الناس بصفة دائمة. فى الشوارع، و فى أسواق العاديات الشرقية، و فى المنازل بل و حتى فى المسجد ترى المكى منبسطا و ميالا إلى الضحك و التنكيت. و المكيون عندما يتعاملون مع بعضهم البعض، أو عندما يتحدثون فى أمور خطيرة، تراهم دائما يستعملون الأمثال أو التوريات، أو الإشارات الألمعية، الأمر الذى يولد الظرف و يجلب الضحك. حوارات المكيين مقبولة جدا، و سبب ذلك أن هؤلاء الناس وهبهم الله مزاجا عامرا بالحيوية، و وهبهم أيضا رجاحة العقل، و السلوك الحسن، و هم يعرفون كيف يفيدون من هذه السجايا و يجعلونها تتفق و تتوافق مع دواخلهم، و كل من يعرف هؤلاء المكيين و لو معرفة سطحية، يندر ألا يصيب شيئا من طباعهم الطيبة. المكيون مؤدبون مع بعضهم البعض، و مع الأجانب و الغرباء أيضا، و هم فى ذلك يكونون على العكس من المصريين و السوريين، و فيهم أيضا شى‏ء من طبيعة

250

البدو الحسنة، نظرا لأن أصول المكيين هى أصول بدوية. المكيون عندما يلاقون بعضهم بعضا فى الشارع لأول مرة، ترى الصغير يقبل يد الكبير، أو يقبل الأدنى يد الأعلى من حيث المقام، فى حين يقوم الآخر برد التحية بقبلة يطبعها على جبين من يحييه.

الأنداد الذين يكونون من منزلة واحدة و من سن واحدة، و لا ينتمون إلى الطبقة الأولى يقبلون أيادى بعضهم البعض. (*) و هم يقولون للغرباء و الأجانب:" يا مؤمن" أو" يا أخى"، يضاف إلى ذلك أن القول المأثور" إنما المؤمنون أخوة" يتردد دوما على ألسنتهم. و صاحب الدكان يقول لزبونه الأجنبى" مرحبا و ألف مرحبا"،" أنت من غرباء الله سبحانه و تعالى و أنت ضيف فى المدينة المقدسة، كل ممتلكاتى تحت أمرك". و المكى إذا ما أراد خدمة من الخدمات يقول:" إعاشتنا كلها تعتمد، بعد الله سبحانه و تعالى، عليكم أيها الحجاج، ألا يستحق ذلك شكرنا و امتناننا لكم؟" إذا ما كان الغريب فى المسجد الحرام يجلس فى الشمس فإن المكى يفسح له مكانا فى الظل، و إذا ما كان المكى يسير فى الشارع فإنه يسمع من يناديه لتناول كوب من الشاى أو القهوة، و المكى عندما يتناول الشربة (الجرة) ليشرب منها، فإنه يقدمها قبل أن يشرب منها لمن يكون بجواره، أى أنه يؤثره على نفسه، و فى ظل أقل قدر ممكن من المعرفة ترى المكى يقول لصديقه الجديد:" متى تشرفنى فى منزلى و تتناول معى العشاء؟" و المكيون عندما يتعاركون فيما بينهم، لا تسمع منهم لعنا أو سبا أو لغة بذيئة، مثل تلك المستخدمة فى مصر و سوريا، تبادل اللكمات لا يحدث مطلقا إلا فى المناسبات الشاذة، و وصول رجل من الرجال المحترمين يضع حدا للنزاع على الفور عندما يقول:" لقد جعلنا الله خطائين كبارا"، و يردان عليه قائلين:" لكنه أعطانا أيضا فضيلة الندم".

____________

(*) عندما يصافح أهل الحجاز بعضهم بعضا يمسك الواحد منهم إبهام الآخر و اليد كلها و يروح يضغط عليها، ثم يفتح اليد مرتين أو ثلاث مرات. و هذا هو ما يسمونه المصافحة، و يقال إن المصافحة كانت عادة من عادات (سيدنا) محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

251

المكيون يضيفون إلى هذه الصفات الحميدة صفة أخرى، لا بد من ذكرها لهم؛ المكيون جنس أو عرق متباه، على الرغم من أن تباهيهم لا يقوم على قيم داخلية، و هذا التباهى مفضل على العبودية الصارخة التى تتجلى فى سكان الشرق الآخرين، الذين يسترجعون إذعانهم العبودى لمن هم أعلى منهم، عن طريق التعالى و التكبر على من هم أقل منهم. المكيون يتباهون بأنهم مواطنى المدينة المقدسة، و أنهم أبناء بلد النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و أنهم حافظوا، إلى حد ما، على أخلاقه و سلوكياته، و أنهم يتكلمون لغته الصافية، و هم يتفاخرون بأنهم سينعمون بكل المباهج فى الحياة الآخرة التى وعد كل أولئك الذين يعيشون بالقرب من الكعبة (المشرفة)، و يتباهون أيضا بأنهم أكثر حرية من أولئك الأجانب الذين يجيئون أفواجا إلى المدينة المنورة. و المكيون يكشفون عن ذلك التباهى أمام كبارهم، الذين لقنوهم أن يتعاملوا معهم بسماحة و حذر و صبر، يضاف إلى ذلك أن المكيين ينظرون إلى الشعوب الإسلامية كلها على أنها أقل منهم، و أن إشفاقهم على هذه الشعوب و تأدبهم معها إنما يرجع إلى انخفاض مستوى هذه الشعوب. هذا التباهى و الفخر قد يتمخضا عن نتائج كثيرة لا يمكن لأية أمة بدونها، أن تحتفظ لنفسها بمكانة بين الأمم. هذا التباهى و الفخر هو الذى منع شعب (أهل) مكة من الوقوع فى إسار العبودية مثلما حدث لبعض جيرانهم، هذا الفخر و التباهى لا يستحثهم على فعل أشياء جديرة بالثناء، فى حين تظهر آثار هذا التباهى فى احتقارهم للأجانب. هذا الاحتقار، كما سبق أن أوضحت فى الحديث عن جدة، يتجلى بصفة أساسية تجاه الأتراك، و فى جهلهم باللغة العربية، و فى لباسهم و سلوكياتهم و وقاحة تصرفاتهم و وضاعتها عند ما يعجزون عن الحديث كسادة، هذا الاحتقار للأتراك يتجلى أيضا فى الجبن الذين يكونون عليه عند ما يجرى الهجوم على قافلة الحج و هى فى طريقها عبر الصحراء، كما يتجلى ذلك الاحتقار أيضا فى قلة الاحترام من جانب حكام مكة للأتراك فى ظل تعاظم قوة الشريف و عدم انكسارها، الأمر الذى كان يسفر عن التقليل من قدر هؤلاء الأتراك فى نظر العرب، إلى حد أن الناس فى الحجاز كانوا ينظرون إليهم على أنهم أفضل من غير المسلمين و لكن بقدر ضئيل جدا، و على الرغم من أن كثيرا من المكيين هم من أصل تركى، فإنهم ينضمون إلى أبناء جلدتهم فى الحط

252

من قدر السلالة أو العرق الذى انحدروا عنه. ينعتون الأتراك فى كثير من الأحيان بأنهم نصارى، أو يهود، يضاف إلى ذلك أن سلوكيات الأتراك و لغتهم تعدان دوما مصدرا دائما من مصادر السخرية و التقريع. السوريون و المصريون تقع عليهم تأثيرات مباشرة من ذلك التباهى و الفخر من جانب أهل الحجاز، و لكن السوريين بصفة خاصة، شأنهم شأن المصريين، خلافا لسائر الأجانب جميعهم، هم الأقرب إلى شعب الجزيرة العربية، من حيث العادات و اللغة، كما أنهم يحتفظون بأمتن العلاقات مع أهل الجزيرة العربية، من حيث العادات و اللغة، كما أنهم يحتفظون بأمتن العلاقات مع أهل الجزيرة العربية. و لكن السورى المسلم المتباهى، الذى يقول إن دمشق أو حلب هى" أم الدنيا" و الذى يصدق أنه ليس هناك جنس من البشر يتساوى مع الجنس السورى، و الذى يعتقد أيضا أنه ليست هناك لغة أصفى من اللغة السورية، على الرغم من أن اللهجة السورية هى أرود اللهجات بعد اللهجة المغربية، هذا السورى مضطر إلى أن يسلك هنا مسلك المتواضعين و الحذرين، و أن يتظاهر بالأدب فى أضعف الأحوال. و على الرغم من أن السورى عربى فإنه يوبّخ للباسه و معيشته التى يحياها على الطريقة التركية، كما أن كنية" شامى" (سورى) تعنى وغد ثقيل الظل غير متعلم. لو قدر لأهل الجزيرة العربية أن يروا الأتراك فى البلاد التى هم فيها سادة، لزاد استياؤهم من هؤلاء الأتراك، و هنا يتعين علينا القول إن سلوك الأتراك فى المدينة المقدسة بشكل عام، يكون أرق و أكثر التزاما بمفاهيم دينهم، عن سلوكهم فى البلدان التى يجيئون منها.

يرى المكيون أن مدينتهم المقدسة، بكل سكانها هى فى رعاية العناية الإلهية، و حمايتها، و أنهم مفضلون على سائر الأمم، و المكيون يقولون متعجبين، عندما يستغرب أحد من بقائهم فى المدينة أثناء كساد التجارة و فى غياب الحجاج:" هذه مكة! هذه مدينة الله"،" لا أحد هنا يفتقر إلى طعامه اليومى أو قوت يومه"،" لا أحد هنا يخشى من الأعداء أو يخافهم". المكيون ينظرون إلى إنقاذ مكة من السلب و النهب على يدى سعود و إلى عدم حدوث سلب و نهب للمدينة بواسطة الخيالة الأتراك عندما استولى مصطفى بك على مكة من الوهابيين، و إلى استيلاء الشريف غالب على مكة دون وقوع مذابح فى‏

253

أى ركن من أركان مكة، ينظر المكيون إلى ذلك كله باعتباره معجزات حقيقية من عند الله سبحانه و تعالى، و أن هذه المعجزات تؤكد صدق ما ورد فى المقطوعة القرآنية (المأخوذة من السورة رقم 106) و التى تقول: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ‏ (3) (الكعبة) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ‏ (4)". لكن المكيين ينسون الرجوع إلى تاريخهم، الذى يأتى على ذكر كثير من المجاعات المخيفة و المعارك الطاحنة، التى وقعت فى ذلك المكان المقدس. واقع الأمر أن الحجاز عانى من المجاعات أكثر من أى مكان آخر من البلاد الشرقية. المؤرخون عندهم الكثير من الأوصاف لتلك الأحداث المؤلمة، و سوف آتى على ذكر واحدة من تلك المجاعات، و بخاصة تلك التى وقعت فى العام الميلادى 1664، يروى العصمى أن الناس فى ذلك العام باعوا أطفالهم فى مكة نظير مكيال واحد من القمح، و أنه عندما كان فى جدة، كان الناس يتغذون على اللحم البشرى.

حكى لى أحد المكيين، أنه بعد أن قرر أن يغادر مكة، نتيجة لعدم وصول الحجاج الأتراك، ظهر له ملك فى المنام فى الليلة السابقة للرحيل. كان الملك يحمل سيفا مشتعلا فى يده و كان يقف على بوابة مكة، التى كان الحاكم على وشك المرور خلالها مغادرا المدينة، و قال الملك متعجبا:" ابق أيها الكافر! سيأكل المكيون عسلا فى حين يرضى بقية أهل الأرض بالخبز وحده!" و تأسيسا على هذه الرؤيا، تخلى الرجل عن مشروع الرحيل عن المدينة، و واصل عيشه فيها.

أدب المكيين الظاهرى يتفق مع أمانتهم، مع عقيدتهم و إيمانهم الصادق، و التزامهم بدينهم، و اتباعهم لتعاليمه. كثير من أهل مكة، و بخاصة أولئك الذين ليست لهم مصلحة خاصة فى التطفل على الحجاج عن طريق الالتزام الظاهرى الصارم، يتراخون فى اتباع الشكليات الدينية و مراعاتها، اعتقادا منهم أنهم يكفيهم أنهم مكيون، و أنهم ينادون بمفاهيم الدين على الملأ، أو من باب أن الفرض الصارم لأحكام الدين على الزائرين الأجانب ليس أمرا ملزما لأولئك الذين يزورون مكة مرة واحدة فى حياتهم.

أهل مكة، شأنهم شأن البدو، لا يداوم الكثيرون منهم على الصلاة، أو لا يصلون على الإطلاق. فى صلاة الجمعة، التى يتعين على كل مسلم مقيم فى مكة أداؤها، ترى‏

254

المسجد الحرام يغص فقط بالغرباء و الأجانب، فى حين ترى الكثير من المكيين و هم يدخنون فى دكاكينهم فى وقت الصلاة. بعد مغادرة الحجاج للمدينة، يقل الاهتمام بخدمة المسجد الحرام. و أهل مكة لا يخرجون صدقات، متعللين بأن العناية الإلهية هى التى وضعتهم فى هذه المدينة لتلقى الإحسان، و ليس لتقديم الإحسان. إنهم يتبعون سلوكيات محمد (صلى اللّه عليه و سلم) حتى فى أصغر الأمور، و المكيون يقصون شواربهم، و يشذبون لحاهم، لأن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) كان من عادته أن يفعل ذلك. و بالطريقة نفسها نجد المكيين يتركون طرف العمامة، يتدلى على غطاء الرأس، و هم أيضا يكحلون عيونهم يوما بعد آخر، و يمسكون دوما سواكا فى أيديهم، و هذا السواك يأخذونه من شجيرة الأراك، أو قد يكون سواكا من تلك التى يستوردها أو يجلبها الحجاج الفارسيون. و هم يحفظون عن ظهر قلب كثيرا من سور القرآن و الأحاديث النبوية، و هم يشيرون أو يقتبسون تلك الآيات و الأحاديث فى كل لحظة، لكنهم ينسون أن هذه الأحكام إنما جاءت لتكون قواعد سلوكية، و ليست لمجرد الإعادة و التكرار. المشروبات المسكرة تباع أمام المسجد الحرام، المطوفون أنفسهم يتصرفون على نحو يتعارض مع الشرع، عندما يروحون يرددون الأدعية بصوت عال فى المسجد الحرام، أمام تلاميذهم من الحجاج، مستهدفين بذلك جذب المزيد من الحجاج إليهم، كما يحمل كل واحد منهم تلك العصا الغليظة التى يملها كل واحد من المكيين. هؤلاء المطوفين يعتدون على الشرع أيضا عندما يرون الحشيش المسكر يجرى تدخينه علانية، الورق (الميسر) يلعبه الناس فى كل مقهى من المقاهى العربية، (و هم يستعملون ورقا صينيا صغير الحجم)، على الرغم من أن القرآن يحرم تحريما قاطعا اللعب الخطرة. حماية الحكومة العلنية و الصريحة للمتهتكين أو المتهتكات، هى فى حد ذاتها تشجيع لهؤلاء البشر على الاعتداء على مبادئ الشريعة الإسلامية. المكيون يعرفون تماما أن تلك رذائل مخزية، المطوفون جميعهم يتعجبون من فساد السلوك، لكن أحدا منهم لم يضرب مثلا على الإصلاح، و مع أن هؤلاء المطوفين يتصرفون دوما طبقا لمبادئ هى على العكس تماما من تلك المبادئ التى يؤمنون بها، فإنهم جميعا و بلا استثناء يقولون: