ترحال في الجزيرة العربية - ج1

- جان لوئيس بوركهارت المزيد...
305 /
255

إن هذا هو حال الزمن، و ذلك من باب تبرير القول المأثور:" إن الحرام فى بلاد الحرمين بمعنى" إن المدن المحرمة على الكفار تعج بالمحرمات".

الاضطهاد لا يمكن أن يكشف عن نفسه فى الأماكن التى ليس فيها تباين ملى، و ربما كان من السهل تحريض المكيين على ارتكاب التجاوزات مع أولئك الذين يسميهم المكيون الكفار، و أنا ألاحظ دوما فى الشرق أن المسلمين الذين يهملون فى الالتزام بتعاليم دينهم هم الأعنف فى تطبيق أحكام الدين على الكفار، كما لاحظت أيضا أن الخرافات الكبيرة عادة ما تنتشر بين أولئك الذين يتلاعبون بتعاليم الدين و أحكامه، أو بالأحرى يحتقرونها و يقللون من شأنها كما يفعل العثمانيون، و ينتهجون التفكير الحر. الطبقة الوحيدة من بين الأتراك التى تكن حقدا دفينا و كراهية للمسيحيين، هم أولئك الذين إذا ما دخلوا فى حوار مع المسيحيين يجدوا أنفسهم مضطرين إلى التخلى، و لو لبرهة قصيرة، عن إساءاتهم الشكلية أو المظهرية. يعيش المغاربة فى سائر أنحاء موانئ البحر الأبيض المتوسط عيشة الكفرة، لكنهم فى وطنهم لا شى‏ء يحثهم على وضع حدود لتشددهم سوى الخوف وحده. هذا أيضا هو حال الأتراك فى جزر الأرخبيل، و أنا أستطيع أن آتى بأمثلة كثيرة من كل من سوريا و مصر لتأكيد ما أقوله هنا. إذا كان التزمت قد قلّ بعض الشى‏ء خلال العشرين عاما الماضية فى الإمبراطورية التركية، فإن هذا التناقص، فى رأيى يعزى إلى، التناقض الذى طرأ على طاقة السكان من ناحية و زيادة لا مبالاة هؤلاء السكان بدينهم من ناحية أخرى، و أن ذلك لا يمكن أن يعزى إلى انتشار مبادئ الخير و الإحسان. نص الشريعة الإسلامية واضح و دقيق؛ فهو يحث أتباع هذه الشريعة على المعاداة الدائمة و الاحتقار الدائم لكل أولئك الذين يتبعون مللا أخرى. هذه الكراهية لم تتناقص، لكن هذا العداء يختفى وراء أدب مظهرى و شكلى، إذا ما تعلق الأمر بمصلحة من المصالح الإسلامية.

هذا يعنى أن حد التسامح مع المسيحيين يعتمد على مصالح الحكومة المحلية التى يعيش فى كنفها هؤلاء المسلمون، و إذا ما كانت هذه المصلحة فى صالح المسلمين، فإنك‏

256

تجد المواطن التركى ينحنى للمسيحى. و قد وجدت فى دول الشرق التى زرتها، أن المسيحيين يحصلون بشكل عام على امتيازات أكثر مما تنص عليه الشريعة الإسلامية، لكن حال هؤلاء المسيحيين يعتمد على سلطة الحاكم فى المدينة أو الحى، مثلما حدث لهم قبل حوالى سبع سنوات فى دمشق تحت حكم يوسف باشا، يوم أن أعيد المسيحيون إلى حالهم السيئ الذى كانوا عليه من قبل. قبل عشرين عاما مضت كان حال أقباط مصر على الوتيرة نفسها كما هو حال اليهودى حاليا فى بلاد البربر لكنه فى الوقت الراهن، و فى ظل حكم محمد على باشا، صاحب الفكر الحر، و لكنه ليس ليبراليا بمعنى الكلمة، نجد أن الرجل، يكتشف أن مصلحته تكمن فى التصالح مع المسيحيين، الأمر الذى ترتب عليه أن أصبح اليونانى يضرب التركى بلا خوف من النتائج التى يمكن أن تترتب على ذلك، و أنا أعرف حالة رجل أرمينى (من الأرمن) قتل خادمه المسلم، و هرب من العقاب، بأن دفع غرامة للحكومة، على الرغم من ذيوع خبر هذا القتل على الملأ. و على الرغم من اقتناع الأتراك حاليا، فى أنحاء كثيرة من الشرق، بتفوق و سيادة هؤلاء الأوروبيين، الذين لا يمكن أن ينظروا إليهم إلا من منطلق الأخوة، فإن سلوك هؤلاء الأتراك تجاه المسيحيين و تصرفاتهم معهم تتحدد طبقا لمشاعر حكام هؤلاء الأتراك، و من السهولة بمكان على محمد على باشا فى مصر، أن يقلل من شأن المسيحيين، و بكلمة واحدة، و بإمكانه أيضا أن يرفع من شأنهم، مثلما هم عليه الآن، و لذلك أنا أرى أن المسيحيين فى مصر أسمى بكثير مما هم عليه فى الأجزاء الأخرى من تركيا.

كراهية المسيحيين تكاد تكون واحدة فى كل جزء من أجزاء الإمبراطورية العثمانية، و المسلمون إذا ما تنازلوا عن هذا الإحساس، فلن يكون ذلك بدافع من الإحسان أو الإنسانية، و إنما يكون بدافع ممالأة أصحاب السلطة و القائمين على الأمور، بل تصل الوضاعة إلى حد أنهم اليوم يقبلون أيدى ذلك الذى داسوه بأقدامهم بالأمس. و نحن عندما ندرس قضايا العربدة الشديدة، المسجلة، فى المحاكم العليا للقناصل الأوروبيين فى الشرق، نكتشف بل نجد أن الحكومة كان لها نصيب فى تلك‏

257

الصراعات، و أنها كانت تنجح فى سهولة و يسر فى إخماد تلك العربدات و القضايا و إسكاتها. و هذا هو المرحوم السلطان سليم، عندما أدخل هذا النظام من جديد، اضطر إلى محاباة المسيحيين، و أن هذا الأمر لم يلق معارضة من شعبه، و لكن الانكشارية الحاقدين الحاسدين هم الذين كانوا يعارضون هذه المحاباة، و نجد أيضا أن هؤلاء الانكشارية عندما أصبحت لهم اليد العليا غاص أعيان إسطنبول و كبراؤها فى المذهب السنى من جديد. و فى بعض الأحيان كنا نجد متهورا، أو شيخا مجنونا، أو درويشا من الدراويش، يثبت و هو على رأس مجموعة من الأتباع أنه يعد استثناء من الأحكام العامة سالفة الذكر، و يروح يلعن و يسب مسيحيا من أولئك الذين يحظون تماما بمحاباة السلطات العامة لهم، مثلما حدث فى دمشق فى العام 1811 الميلادى، للبطريارك اليونانى بعد خلع يوسف باشا من منصبه، و لكننا نجد على الرغم من ذلك، أن إخوانه المواطنين الذين يحظون بالمبادئ نفسها، و تفيض أنفسهم بالقسوة، كانوا عاجزين عن التعبير عن مشاعرهم، أو الحذو حذو ذلك الولى. هذا يعنى أننا لا نجد حاليا فى دول الشرق شيئا من تلك الاضطرابات السياسية الشعبية، التى كانت تسود أوروبا فى كثير من الأحيان، عندما كان القائمون على أمر الكنيسة يلاحظون بعض الأفراد الذين يحاولون توسيع نفوذهم. و أيا كانت نظرتنا الأخلاقية إلى مثل هذه الأمور، فإننا يتعين علينا احترام طاقة ذلك الإنسان الذى يدخل على الفور فى صراع حول مسألة غير محددة، و تكون لها آثار سيئة على مصالحه الدنيوية، متخيلا أو معتقدا أن واجبه الدينى هو الذى يتحكم فى وجوده. مسلم الإمبراطورية التركية، على حد معرفتى، يسهل عليه إخفاء مشاعره و سترها، كما يسهل عليه أيضا إخفاء عواطفه و انفعالاته، و يسهل عليه أيضا ستر ما يمليه عليه ضميره، بل و ستر و إخفاء كل ما يرى أنه يتفق و مشيئة الله، كل ذلك من أجل تحقيق مصالحه، أو تمشيا مع السلطة الحاكمة أو تأسيا بها.

أثناء حكم الشريف كان المسيحيون تساء معاملتهم فى جدة، و لم يكن مسموحا لهم بارتداء الملابس الأوروبية، أو الاقتراب من ذلك الحى الواقع فى اتجاه بوابة مكة.

258

و بعد وصول جيش محمد على باشا، أصبح المسيحيون يتمشون حيثما شاءوا و يرتدون ما يشاءون. فى شهر ديسمبر من العام 1814 الميلادى، و عندما تجاوز إنجليزيان بوابة مكة، أثناء تجوالهما فى مدينة جدة (و هما أول شخصين، يرتديان الملابس الأوروبية، حاولا اجتياز الحدود المقدسة) سمع الناس امرأة و هى تتعجب قائلة:

" صحيح، لقد اقتربت الدنيا من نهايتها، إذا ما سمح للكفار أن يطأوا هذه الأرض أو يمشوا عليها!" و إلى يومنا هذا، إذا ما مات مسيحى فى جدة، فإنه لا يسمح بدفنه على الشاطئ و إنما يحملون جثمانه إلى جزيرة صغيرة فى الميناء. و عندما انتشر الطاعون فى الحجاز فى العام 1815 الميلادى، و ذاك حادث لم يسبق وقوعه هناك، قام قاضى جدة، و معه هيئة العلماء، بالتوجه إلى حاكم المدينة التركى، ليطلبوا منه تدمير طاحونة هوائية أقامها بعض اليونانيين الذين جاءوا من القاهرة، خارج بوابة من بوابات جدة، بناء على أوامر من محمد على باشا. قال القاضى و العلماء، إنهم متأكدون أن يد الله طالتهم بسبب هذا الانتهاك للأرض المقدسة من قبل المسيحيين. تحطمت منذ سنوات، سفينة إنجليزية بالقرب من جدة، و كان من بين المسلوبات من تلك السفينة خنزير كبير، و الأرجح أن هذا الحيوان الكبير لم يسبق أن رآه أحد من أهل جدة من قبل. كان ذلك فى زمن حكم الشريف غالب و انطلق هذا الحيوان فى المدينة و معه نعامتان، الأمر الذى شكل رعبا كبيرا لكل من باعة الخبز و الخضراوات، و سبب ذلك أن مجرد لمس هذا الحيوان النجس، حتى و لو لامسته حافة الثوب، تصيب المسلم بالنجاسة، و يتعذر عليه أداء الصلاة دون الوضوء من جديد. و جرى الاحتفاظ بذلك الخنزير الكبير طيلة ستة أشهر إلى أن تم بيعه لقبطان أمريكى مقابل خمسين دولارا، لكنه رفض دفع هذا الثمن، أدى بعد ذلك بفترة قصيرة إلى تقديم تضحية كبيرة إرضاء للسكان.

المكيون يؤون داخل جدرانهم و أسوارهم بعض الزنادقة الألداء، و قد تطرقت بالفعل إلى الطائفة الإسماعيلية، ذلك المذهب الوثنى المستورد من الهند، و الذى يظهر أتباعه هنا فى ثياب المسلمين. الحجاج الفارسيون باعتبارهم من الشيعة، و شتامين و لعانين‏

259

لمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) و أتباعه، لا يجرى إخضاعهم لمضايقات بعينها. كان الشريف غالبا يتسامح معهم، لكنه كان يفرض عليهم ضريبة الرءوس. يضاف إلى ذلك أن الأشراف أنفسهم- و هذا ما سوف أشرحه بعد ذلك- معظمهم من أتباع المذهب الزيدى، هذا يعنى أن هؤلاء الزيود يعارضون السنيين المتشددين (معروف أن أهل السنة أعداء ألداء للشيعة الفارسيين) فى كثير من مصطلحاتهم و أحكامهم الدينية.

المكيون عندما تذكر عندهم كلمة مسيحى أو أوروبى تكون مقرونة بأقذع كنى الاحتقار. هذا يعنى أن هؤلاء المكيين يدخلون هاتين الكلمتين ضمن كلمة كافر، دون أن تكون لديهم أفكار واضحة عن الأمم التى تنضوى تحت هذين الاسمين. و مع ذلك و نظرا لأن الإنجليز هم الأكثر اتصالا بالمكيين بحكم ممتلكاتهم فى الهند، فهم يطلقون عليهم اسم" الكافر" أو" الكفار"، هذا يعنى أن المكيين عندما يستعملون هذه التسمية فإنهم يقصدون بها الإنجليز. معنى ذلك أن المكيين عندما يقولون" الكافر" فى الهند فهم يعنون بها" الكافر (الإنجليزى) فى الهند"، و عندما يقولون مركب الكافر فى جدة" فهم يقصدون بذلك الإنجليز.

عندما غزا الفرنسيون مصر، قام ولى مغربى، يدعى الشيخ الجيلانى، و هو أحد الأقارب غير المباشرين لتاجر مكى ثرى، قام الرجل بالصعود إلى المنبر فى المسجد الحرام، و أعلن قيام الحرب على الكفار الذين استولوا على بوابة الكعبة، باعتبار أن الاسم" بوابة الكعبة" كان يطلق على مصر فى ذلك الوقت. و لما كان ذلك الولى من المتكلمين المفوهين، و لما كان يحظى بتوقير و احترام شديدين، فقد تدافع كثير من العرب و انضووا تحت لوائه، فى حين قدم له الآخرون المال، و يقال إن كثيرا من النساء أحضرن له مصوغاتهن من الذهب و الفضة، مشاركة منهن له مشروعه المقدس. سافر الجيلانى و أبحر هو و أتباعه من جدة فى أسطول صغير و نزل هو و رجاله فى القصير.

و يبدو أن حكومتى مكة و جدة كان لهما نصيب صغير فى تلك الحملة، على الرغم من أنهما لم تضعا المصاعب أو العقبات أمام هذه الحملة. و كل من يقرأ الوصف الذى‏

260

أورده دينون عن المقاومة الشرسة التى قامت بها تلك الحملة ضد الفرنسيين فى الوجه القبلى، يتبين مصير الكثيرين من هؤلاء العرب الذين كان السواد الأعظم منهم من القبائل الوهابية، التى شكلت فيما بعد مقاومة شرسة ضد محمد على باشا. و لقى الشيخ الجيلانى ربه فى تلك الحملة، و لم يعد إلى جدة و مكة سوى عدد قليل من أفراد هذه الحملة. و مبلغ علمى أن دينون يبالغ فى عدد أفراد هذه الحملة، لأنى لم أسمع مطلقا أن عددهم كان يزيد على ألف و خمسمائة رجل بأى حال من الأحوال.

المكيون، شأنهم شأن السكان الأتراك، لا يتسمون باللصوصية أو الاختلاس، و يندر السماع عن السرقات بين هؤلاء الناس، و ذلك على الرغم من أن مكة أثناء الحج و فى الشهر السابق و الشهر اللاحق للحج تغص بكثير من الأوغاد بفتح الأقفال فى هذا البلد.

فيما مضى كان عبيد الشريف شهيرين بسلوكهم المشين، و مع ذلك استطاع الشريف غالب إعادتهم إلى جادة الصواب، و فى عهد الشريف غالب لم يقع مطلقا أى حادث من حوادث السرقة، دون التوصل إلى مرتكبيه و معاقبتهم عقابا شديدا.

شوارع مكة عامرة بالشحاذين و فقراء الحجاج، الذين يعيشون على إحسان الغرباء، نظرا لأن المكيين يعدون أنفسهم معفيين من هذا الواجب. من بين هؤلاء الحجاج الفقراء من يمتهنون التسول و يجعلونه حرفة لهم، و بخاصة أثناء موسم الحج، عندما يضطر الحجاج إلى إتيان هذه الفضيلة التى تركز عليها المبادئ المحمدية.

الغالبية العظمى من الشحاذين هم من الهنود، و بعض منهم من السوريين، و من المغاربة، و من المصريين، و لكن الزنوج يشكلون قلة قليلة من هؤلاء الشحاذين، نظرا لأن الزنوج يفضلون العمل على التسول، و لكن هناك قسم كبير من المتسولين، يأتون من اليمن. و يتردد فى الشرق أن مكة هى فردوس الشحاذين، بعض هؤلاء الشحاذين قد يوفرون أو يدخرون شيئا من المال، لكن المنظر المذرى لبعض آخر من الشحاذين يوضح مدى خيبة الأمل التى منيوا بها. الهنود هم أكثر الشحاذين تواضعا، و هم يقتربون من الغريب و يقولون:" يا الله، يا كريم!، و إذا ما رفض المحسن إعطاءهم صدقه، انصرفوا

261

لحال سبيلهم، دون أن يقولوا شيئا سوى:" يا الله، يا كريم." الشحاذون اليمنيون أو المكيون ليسوا على هذه الشاكلة، و إنما يصيحون قائلين:" أفهم واجب الحاج، الله سبحانه و تعالى لا يحب أصحاب القلوب الباردة، هل ترفض نعم المؤمنين؟ أعط، و سيعطيك الله، و هكذا يخاطب الشحاذون اليمنيون و الشحاذون المكيون الناس بهذه الجمل و العبارات، و بعد أن يحصلوا على الصدقة، مثلما كان يفعل مزورى (دليلى) يقولون:" الله سبحانه و تعالى هو الذى يعطينى و ليس أنت". بعض هؤلاء الشحاذين منتهزين للفرص تماما و يطلبون الصدقات كما لو كانت لهم حقا معلوما. عندما كنت فى جدة، كان شحاذ يمنى يصعد المئذنه كل يوم، بعد صلاة الظهر، و ينادى بأعلى صوته، لكى يسمعه الناس فى سائر أنحاء السوق و هو يقول:" طالب من الله، خمسين دولارا، و طقم من الملابس و نسخة من القرآن، اسمعونى، يا مؤمنين، أسألكم أن تعطونى خمسين دولارا، راح ذلك الشحاذ اليمنى يكرر هذا الطلب على امتداد أسابيع عدة، عندما استرعى ذلك الرجاء انتباه أحد الحجاج الأتراك، و طلب منه أن يأخذ ثلاثين دولارا، و يتوقف عن تكرار هذا النداء، الذى كان يلحق العار بإحسان الحجاج الموجودين و يسى‏ء إليهم. رد الشحاذ قائلا:" لا، لن آخذ الثلاثين دولارا، لأنى على قناعة أن الله سبحانه و تعالى سيعيطنى كل ما أطلبه". و بعد أن راح ذلك الشحاذ اليمنى يكرر نداءه على امتداد بضعة أيام، أعطاه الحاج التركى مبلغ الخمسين دولارا التى كان يطلبها، لكن الشحاذ لم يشكر له هذا المعروف. و لقد سمعت الناس و هم يتعجبون بعد الصلاة فى المسجد الحرام و يقولون:" يا إخوان، يا مؤمنين، اسمعونى! أطلب من الله عشرين دولارا، أجرة عودتى إلى بلدى، عشرين دولارا لا غير. أنتم تعلمون أن الله كريم، و قادر على أن يعطينى مائة دولار، و لكنى لا أطلب سوى عشرين دولارا فقط. لا تنسوا أن الإحسان هو الطريق الموصل إلى الجنة". و ليس هناك من شك فى أن هذه الممارسات تكلل بالنجاح فى بعض الأحيان.

لكن العلم و التعليم لا يمكن أن يزدهر فى مكان الشغل الشاغل للعقول فيه هو المكاسب أو الجنة، و أنا أرى أن لدىّ من الأسباب الكثير الذى يجعلنى أؤكد أن مكة فى‏

262

الوقت الراهن، أقل بكثير فى التعليم الإسلامى، من بلدان أخرى مماثلة لها فى السكان كما هو الحال فى كل من سوريا أو مصر. الأرجح أن مكة لم تكن كذلك عندما جرى فيها بناء الكثير من المدارس العامة، التى حولها الناس حاليا إلى مساكن خاصة للحجاج. يقول الناس: إن مكة، فى زمنه، كانت تحتوى على إحدى عشرة مدرسة إضافة إلى بعض الأربطة، أو المدارس الأقل قليلا من ذلك، و التى كانت تشتمل هى الأخرى على مساكن لفقراء الحجاج، و لا تزال هناك بعض الأربطة فى المنطقة المجاورة للمسجد الحرام، لكن هذه الأربطة لا تستعمل إلا مجرد مساكن للحجاج. و المدينة ليس فيها مدرسة عامة واحدة، يجرى فيها إلقاء المحاضرات، كما هو الحال فى الأجزاء الأخرى من تركيا، و بيت الله (المسجد الحرام) هو المكان الوحيد الذى يوجد فيه العلماء الشرقيون. يضاف إلى ذلك، أن المدارس التى يجرى فيها تعليم الصبية القراءة و الكتابة تنعقد- كما سبق أن قلت- فى المسجد الحرام، حيث يقوم بعض العلماء عقب الصلاة مباشرة بتفسير قلة قليلة من الكتب الدينية و شرحها لجمهور صغير جدا من الناس، يتكون فى أساسه من الهنود، و بعض سكان الملايو، و بعض الزنوج، و قلة قليلة من مواطنى حضرموت و اليمن الذين جذبهم و شدهم اسم مكة، فبقوا فيها سنوات قليلة، إلى أن يتمكنوا من العودة إلى بلادهم بعد أن يتسلحوا بالعلم على نحو يتمكنون معه من نشر العلم الذى تعلموه فى بلادهم. و المكيون الذين يودون الاستزادة من العلم يسافرون إلى دمشق أو القاهرة. و نحن نصادف الكثيرين منهم فى القاهرة لأنهم يدرسون فى الأزهر الشريف.

المسجد الحرام ليس له مكتبة عامة، و المكتبات القديمة التى سبق الحديث عنها، اختفت جميعها. كاتب الحرم لديه مجموعة صغيرة من الكتب المملوكة أصلا للمسجد الحرام، لكنها تعد حاليا ملكا خاصا لهذا الكاتب، و الكتب لا يمكن استعارتها بسهولة.

الأزهر فى القاهرة شى‏ء مختلف تماما. كل رواق من أروقة الأزهر، و المخصصة لمختلف الأمم الإسلامية (و قد بلغ عدد هذه الأروقة فى الوقت الراهن ستة و عشرين رواقا) له أو ملحق به مكتبة خاصة، و أعضاء الرواق لهم مطلق الحرية فى أخذ الكتب من تلك المكتبة لكى يستعينوا بها فى دراساتهم و أبحاثهم. مكة تفتقر أيضا إلى المكتبات‏

263

الخاصة، باستثناء مكتبات الأثرياء من التجار، الذين يعرضون بعض الكتب التى تميزهم عن عامة الناس، أو مكتبات العلماء، الذين يمتلك البعض منهم كتبا يرجعون إليها يوميا فيما يتعلق بالأمور الشرعية.

نقلا عن بعض التقارير، قام الوهابيون بنقل أحمال كثيرة من الكتب، لكن يقال إن الوهابيين دفعوا أثمان كل هذه الكتب التى أخذوها، و من غير المرجح أن يكون الوهابيون نقلوا مكتبات مكة كلها، و قد حاولت، دون جدوى، اكتشاف أية مجموعة من الكتب. و أنا لم أعثر على محل واحد لبيع الكتب فى مكة، و لم أعثر أيضا على مجلّد واحد من مجلّدى الكتب. بعد عودة الحج من عرفة يقوم بعض العلماء بعرض بعض الكتب للبيع فى المسجد الحرام، بالقرب من باب السلام. كل الكتب التى شاهدتها كانت عن الشريعة، و مصاحف و تفاسير و شروح، و مؤلفات أخرى من هذا القبيل مع بعض الكتب الخاصة بالنحو و القواعد، و على الرغم من المصاعب التى واجهتها فى هذا الصدد، لم تقع عينى على أى كتاب من كتب التاريخ الخاصة بمكة، على الرغم من عدم معرفة المكيين لأسماء هؤلاء المؤرخين. قالوا لى: إن تجار الكتب كانوا يأتون إلى مكة أثناء موسم الحج قادمين من اليمن، و كانوا يبيعون كتبا قيمة، أحضروها أصلا من صنعاء و لوهيا الكتاب الجيد الوحيد الذى رأيته فى مكة كان نسخة جيدة من المعجم العربى الذى يسمونه القاموس، و قد اشتراه واحد من أهل الملايو نظير ستمائة و عشرين قرشا، فى القاهرة يمكن شراء هذا الكتاب بنصف هذا الثمن. كان هناك عدد كبير من الحجاج يبحثون عن الكتب، و كانوا على استعداد لدفع أثمان مرضية نظير هذه الكتب، و قد كانت مفاجأة لى أن أجد أن المكيين لا يعنون بهذه التجارة، التى لا تبدو لهم رابحة مثل تجارة البن و السلع الهندية. و أنا شخصيا كنت جد آسف على افتقارى إلى الكتب و بخاصة الكتب المتعلقة بتاريخ مكة و مؤرخى مكة، و بخاصة أنى كنت قد تركت هذه الكتب فى القاهرة، لو كانت تلك الكتب بحوزتى لسهلت لى القيام بكثير من التحريات عن النواحى الطبوغرافية، التى تناولها الأزرقى باستفاضة و اهتمام كبير.

264

حجاج فارس و كذلك حجاج الملايو هم الذين يبحثون عن الكتب، يقال إن الوهابيين بصفة خاصة هم الأكثر بحثا عن الكتب التاريخية، هذه الملاحظة سمعتها تتردد مرارا فى المدينة المنورة. أثناء مقامى فى دمشق، التى تعد أغنى الأسواق من حيث الكتب فى الشرق كله، كما أنها تعد الأرخص من حيث أسعار الكتب نظرا لعدم تردد الأوروبيين عليها بصورة متكررة، و قد بلغنى أن كثيرا من عرب بغداد، الذين جرى تكليفهم سرا من قبل سعود- الرئيس الوهابى- قاموا بشراء الكثير من المؤلفات التاريخية، و عندما قام أبو نقطة بتخريب موانئ اليمن، قام بنقل عدد كبير من الكتب، التى أرسلها إلى الدرعية.

يمكن أن نعزو ندرة الكتب القيمة فى مكة إلى تواصل شراء الحجاج للكتب، و ربما كان ذلك راجعا أيضا إلى ندرة النساخ فى مكة حتى يمكن استعواض الكتب التى يجرى تصديرها (*). مسألة النقص فى عدد النساخ هذه موجودة أيضا فى كل من سوريا و مصر، الأمر الذى يمكن أن يؤدى فى نهاية المطاف إلى عجز كبير فى الكتب فى هذه البلاد، إذا ما استمر تصدير هذه الكتب إلى أوروبا. يوجد فى القاهرة فى الوقت الراهن حوالى ثلاثة آلاف ناسخ أو ما يزيد على ذلك، هؤلاء النساخ ينسخون الكتب بخط جيد، أو لديهم معرفة وجيزة كافية تجنبهم الوقوع فى الأخطاء الجسيمة.

فى مكة كان هناك رجل من لاهور، كان يكتب خطا عربيا جميلا، على الرغم من أنه كان لا يتحدث العربية جيدا. كان ذلك اللاهورى يجلس فى مكان قريب من باب السلام، و كان ينسخ للحجاج الأدعية التى يدعون بها أثناء الحج. الخط الحجازى مختلف عن الخط المستعمل فى مصر أو سوريا، لكن الأمر لا يحتاج إلا إلى شى‏ء قليل من الممارسة و بعدها يتمكن المرء من قراءة ذلك الخط. عموما، ليست بلدان الشرق كلها، بل كل منطقة من مناطقه، لها أسلوبها و طريقتها الخاصة فى الكتابة، و الممارسة وحدها كفيلة بجعل الناس يميزون هذه الطرق بعضها عن بعض. هناك بعض‏

____________

(*) شاهدت فى القاهرة كتبا مكتوبة بالخط الحجازى، و قد اشتريت بعضا من هذه الكتب.

265

الاختلافات الطفيفة فى كتابات أهل حلب، و كتابة أهل دمشق، و كتابة عكا، و فى مصر نجد أن الكتابة القاهرية يسهل تمييزها عن كتابة الوجه القبلى، و كتابة المسلمين تختلف عن كتابة المسيحيين، الذين يتعلمون الكتابة على أيدى القساوسة، و ليس على أيدى المدارس أو المدرسين الأتراك. أقباط مصر أيضا تختلف كتابتهم عن كتابة المسيحيين الآخرين المقيمين فى البلاد. الأشخاص الخبيرين، يعرفون من عنوان الخطاب، المنطقة و الجنس الذى تنتمى إليه هذه الرسالة. لهجات كتابة الرسائل و أسلوبها يمكن تمييز بعضها عن بعض مثل الخطوط تماما، و هذه الملاحظة تنطبق أيضا على تعبيرات التحية التى عادة ما تعج بها الرسائل. الأسلوب السورى هو أكثر الأساليب توردا، و نجد هذه اللغة الوردية مستعملة أيضا فى خطابات و رسائل المال و الأعمال، أما أسلوب الحجاز فهو أسلوب بسيط، و رجولى و يقترب جدا من صراحة البدو و تلقائيتهم، و لا يرد فى الرسالة قبل الهدف منها سوى كلمات قليلة يسأل فيها مرسل الرسالة عن صحة المرسل إليه و أحواله. يضاف إلى ذلك أن كل بلد له أسلوبه و طريقته الخاصة فى طى الرسالة. فى الحجاز يجرى غلق الرسالة بالصمغ العربى، و يجرى وضع إناء صغير مملوء بالصمغ المخفف بالقرب من بوابة أى منزل من المنازل الكبيرة أو أى خان من الخانات.

لا تزال لغة مكة أكثر نقاء و رونقا بغض النظر عن عدم اهتمام المكيين بالتعليم‏ (*)، هذا النقاء و الرونق يتجلى على مستوى العبارة و على مستوى مخارج الألفاظ و نطقها، و ذلك على العكس من البلدان الأخرى الناطقة باللغة العربية. لغة مكة هى الأقرب إلى اللغة العربية المدونة القديمة، و هى خالية من تكلفات المعنى الأصلى و تحريفاتها التى تكثر فى البلدان الأخرى، و أنا لا أنظر إلى اللغة العربية باعتبار أنها مصابة بالانحطاط، صحيح أنه لم يكن هناك شعراء يكتبون و يؤلفون مثل المتنبى، أو أبى‏

____________

(*) و أنا أشير هنا على سبيل المثال، إلى إهمال التعليم فى مكة، من خلال سؤال طرحته على اثنتى عشرة شخصية من الشخصيات المرموقة فى الحياة، حول المكان الذى كانت تنعقد فيه سوق عكاظ، و لم يعرف أى منهم مكان تلك السوق، و ما إذا كانت موجودة أم لا. عكاظ: هى المكان الذى كان الشعراء العرب-

266

العلاء، أو ابن الفارض، و صحيح أيضا أن العرب لم يكن عندهم نثر جميل منساب.

الشعراء المحدثون مكتفون بمحاكاة أساتذتهم القدامى، و يقترضون منهم الاستعارات الجميلة، و الأفكار العاطفية الراقية التى فاضت بها صدور هؤلاء الأساتذة القدامى، و ذلك بدلا من اقتراضهم عن العلماء الحاليين، لكن العلماء ما زالوا يدرسون اللغة إلى يومنا هذا دراسة عميقة، و دراسة اللغة هى العلم الوحيد الذى يزجى فيه المسلم الحقيقى وقت فراغه، بعد استكشاف متاهة الشريعة، يزاد على ذلك أن دراسة اللغة تعد مطلبا لا غنى عنه فى التعليم الجيد، لا من أجل تدوين اللغة تدوينا نقيا، و إنما بدراسة و قراءة الشعراء القدامى، و حفظ مؤلفاتهم أو قصائدهم الجيدة عن ظهر قلب.

الباحثون العرب ينظرون إلى كتابهم العظام نظرة إعزاز و تقدير شأنهم فى ذلك شأن الأوروبيين فى نظرتهم إلى روائعهم القديمة. صحيح أن السواد الأعظم من سكان الشرق لا يكتبون أو يقرءون، لكن من بين هؤلاء العارفين بالأدب، قسم كبير يكتبون كتابات أنيقة ورائعة، و ذائعى الصيت على المستوى المحلى، أكثر منه بين الطبقة نفسها فى أوروبا.

المكيون يكادون لا يدرسون شيئا غير اللغة و الشريعة. بعض الصبية يتعلمون اللغة التركية بالقدر الذى يمكنهم من غش الحجاج العثمانيين و خداعهم، و على النحو الذى يؤهل هؤلاء الصبية- فى عيون الحجاج العثمانيين- أن يكونوا مزورين و أدلة لهم فى موسم الحج. فلكى المسجد الحرام يتعلم التوقيتات الدقيقة لتحرك الشمس، و يشغل نفسه فى بعض الأحيان بالفلك و طوالع النجوم. و هذا طبيب فارسى، هو الوحيد من‏

____________

يلتقون فيه، إلى أواخر عصر سيدنا محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و كان من عادة هؤلاء الشعراء إلقاء قصائدهم على الجماهير التى كانت تتجمع فى تلك السوق الكبيرة. كان يجرى تعليق القصائد على جدران الكعبة، و من هنا جاءت تسمية القصائد السبع الشهيرة التى أطلقوا عليها اسم المعلقات السبع. و قد أبلغنى بدوى من هذيل أن عكاظ كانت فى ذلك الوقت مكانا مهدما فى بلاد بنى النصيرة، التى تبعد سير يومين أو ثلاثة عن بلاد الطائف، لكنى وجدت أن الفاسى يقول: إن عكاظ تبعد مسير يوم واحد عن الطائف، و أنها توقفت عن كونها سوقا شعرية فى العام 129 الهجرى. و الأزرقى يؤيد أنها كانت تبعد مسير يوم واحد عن الطائف، على الطريق المؤدية إلى صنعاء فى اليمن، و أنها كانت تنتمى إلى قبيلة بنى كنانة.

267

نوعه، الذى رأيته فى مكة، لا يتعامل فى شى‏ء سوى أنواع البلسم التى تحدث المعجزات و الإكسيرات التى تحدث المعجزات أيضا، محاليل هذا الطبيب كلها حلوة المذاق و مقبولة الطعم، و هذا هو بخور العود، و كذلك المسك اللذان ينشران ريحا طيبة فى دكان هذا الطبيب الأمر الذى زاد من شهرته و حسن سمعته. العرب يعشقون الموسيقى بشكل عام، لكنها أقل ممارسة فى مكة عنها فى سوريا و مصر. و هم لا يملكون من الآلات الموسيقية سوى الربابة (التى هى نوع من الجيتار) ولديهم أيضا الناى، ولديهم أيضا الطمبور و يصبح فيه أيضا الطمبورين. قلة قليلة من الأغانى، هى التى يرددها الناس فى فترة المساء، باستثناء ذلك الذى يحدث عند البدو على أطراف مدينة مكة. و الأغنية الكورالية التى يسميها الناس هنا الجوق، لا يرددها سوى الشبان أثناء الليل فى بعض الأحيان فى المقاهى، و يكون أداء هذا الجوق بمصاحبة التصفيق بالأيدى. أصوات الحجازيين ليست من الأصوات السلسة و ليست صافية أيضا، و أنا لم أستمع إلى صوت من تلك الأصوات الرخيمة و العذبة التى تظهر و تتجلى بشكل واضح فى مصر، و أكثر منها فى سوريا، سواء أكان الغناء للحب، أو التغنى بمدح محمد (صلى اللّه عليه و سلم) من فوق المآذن، و التى يكون لها تأثير طيب فى جوف الليل. يزاد على ذلك أن أئمة المسجد الحرام، هم أولئك الذين يرددون الكلمات الأخيرة من كلام الإمام، هؤلاء الرجال الذين يجرى اختبارهم فى الأماكن الأخرى، فى ضوء جمال الصوت و عذوبته، يتميزون هنا فى مكة بخشونة الصوت و جشاشته.

الشريف غالب لديه فرقة موسيقى عسكرية، شبيهة بتلك الفرق الموسيقية التى لدى الباشوات، هذه الفرقة مكونة من الطبول الشبيهة بالغلايات، و من الأبواق، و النايات إلخ، هذه الفرقة تقوم بالعزف مرتين يوميا أمام باب منزل الشريف، كما تقوم بالعزف مدة ساعة تقريبا كل مساء مع ظهور الهلال الجديد.

الأفراح تحييها سيدات محترفات، يغنين و يرقصن، و يقال إن هؤلاء السيدات لهن أصوات عذبة، و إنهن لا ينتمين إلى تلك الطبقة المنحلة التى تنتمى إليها المغنيات و الراقصات الشعبيات فى كل من سوريا و مصر. يقول المكيون إن المغنيات كن يغنين‏

268

قبل الغزو الوهابى، فى الشوارع كل مساء، لكن صرامة الوهابيين، المتيمين بأغانيهم البدوية، لا تقر غناء النساء على الملأ، بل إنهم قاموا بتدمير الأعمال الموسيقية كلها، و مع ذلك قد يكون ذلك مجرد فكرة طائشة أو عابرة، التى تسود فى كل من الشرق و أوروبا، و التى مفادها أن الأزمان الماضية كانت أحسن من الأزمان الحاضرة من جميع النواحى.

السقائين‏sakas ، أو بالأحرى جالبى المياه، و معظمهم من الأجانب، يترنمون بأغنية لها وقع طيب بسبب بساطتها من ناحية و الغرض المستخدمة فيه من ناحية أخرى، و قد جرت العادة أن يقوم الحجاج الأثرياء بشراء الماء الذى فى قربة السقاء، عندما يهم هؤلاء الحجاج بمغادرة المسجد أثناء الليل، و يطلبون إلى السقاء توزيع ذلك الماء مجانا على الفقراء. و السقاء عندما يصب الماء فى ذلك الكوب الخشبى الذى يتزود به كل فقير من الفقراء يقول متعجبا:" سبيل الله يا عطشان، سبيل"، ثم يبدأ فى التغنى بالأغنية التالية المكونة من ثلاث نغمات لم يسبق أن سمعتها من قبل و التى تقول:

Ed- djene wael moy fe za ta ly Saheb casn byl

" الجنة وال موى فاذه لى صاحب السبيل" بمعنى" فلتكن الجنة و المغفرة مثوى لمن قدم لك هذا الماء!".

أنا لا يمكننى وصف حفلات الزواج فى مكة، لأنى لم أحضر أيا منها لكنى رأيت العروس و هم ينقلونها إلى منزل زوجها، و بصحبتها، صديقاتها. الناس لا يستخدمون هنا كوشة أو موسيقى كما هو الحال فى مصر، لكن الناس هنا يستعرضون الألبسة الفاخرة و الأثاث الفاخر و الولائم الفاخرة أيضا، و هى تدوم طيلة أيام ثلاثة أو أربعة.

269

عند عقد القران يجرى حمل المهر فى موكب من منزل العريس إلى منزل العروس، و يجرى حمل المهر على كرسيين صغيرين بلا ظهر، و ملفوفين فى مفارش فاخرة، و مغطيان بقطعة من القماش الحرير المطرز، و يمشى أمام الشخصين اللذين يحملان هذين الكرسيين، رجلان آخران، يحمل كل منهما قارورة ماء ورد فى إحدى يديه، و مبخرة فى اليد الأخرى، يجرى فيها حرق كل أنواع الأخشاب المعطرة.

و من خلف هذين الرجلين يسير رهط كبير من أقارب العريس و أصدقائه، و هم يرتدون أبهى ملابسهم. و يتردد مهر العذراوات فى الأوساط المكية المحترمة بين أربعين و ثلاثمائة دولار، و بين عشرة دولارات و عشرين دولارا فى الطبقات الفقيرة. و عادة ما يدفع نصف هذا المبلغ فقط، و يبقى النصف الثانى فى حوزة الزوج، ليدفعه عندما ينوى تطليق الزوجة.

حفلات الختان شبيهة بتلك التى تجرى فى القاهرة، و الطفل يرتدى بعد عملية الختان أبهى ملابسه، و يجرى إركابه على حصان فخم مزين تزيينا حسنا، و يجرى المرور به على شكل موكب يجوب أنحاء البلدة و الطبول تقرع أمامه.

و الجنائز هناك لا تختلف فى شى‏ء عما يجرى فى مصر و سوريا.

أهل مكة ليست لديهم خيول كثيرة، و أنا أعتقد أن عدد الخيول لا يزيد على ستين حصانا يقتنيها بعض الأفراد. و الشريف لديه ما يتردد بين عشرين حصانا و ثلاثين حصانا فى إسطبلاته، لكن الشريف غالب لديه قطيع أكبر من ذلك. الأشراف العسكر لديهم بعض الأفراس، لكن القسم الأكبر من تلك الأفراس كان مع الجيش. البدو المستعربين ضاحية المعابدة، و فى بعض الأجزاء الأخرى من مكة، لهم أيضا خيولهم الخاصة و ذلك من باب اهتمام هؤلاء البدو بالشئون العامة، لكن التجار و الطبقات الأخرى لا يقتنون الخيول. هؤلاء التجار يخشون من حرمان الشريف لهم من امتلاك أى حصان قيم من هذه الخيول، و لذلك يكتفى هؤلاء التجار باستعمال البغال (أو السلالات المتدنية من الخيول). الحمير هنا شائعة تماما، و لكن أصحاب المقامات الرفيعة لا يركبون الحمير. الخيول القليلة التى يقتنيها الناس فى مكة هى من السلالات الأصيلة، و يجرى شراؤها من البدو، فى فصل الربيع يجرى إيفاد تلك الخيول إلى مخيم من مخيمات البدو، لكى تتغذى على أعشاب الصحراء الغضة. الشريف يحيى لديه فرس‏

270

رمادية اللون، حصل عليها من السلالة التى لدى الشريف غالب، و يبلغ ثمن تلك الفرس حوالى عشرين كيسا، هذه الفرس كانت مخلوقا جميل الشكل، و هى الفرس الجميلة الوحيدة من نوعها التى التقيتها فى الحجاز. بدو البلاد بصفة عامة، و البدو الذين يعيشون حول مكة بصفة خاصة، يفتقرون تماما إلى الخيول، قلة قليلة من الشيوخ هم الذين لديهم خيول، نظرا لندرة المراعى، و نظرا لأن اقتناء حصان واحد يكلف صاحبه ثلاثة قروش كل يوم. فى السهل الشرقى الواقع خلف الطائف، تتزايد أعداد الخيول، و مع ذلك فإن أعداد هذه الخيول أقل منها فى كل من نجد و فى الصحراء السورية، و السبب فى ذلك هو ندرة عليق القمح، و ندرة المطر، الذى إذا ما نقص تسبب فى بقاء البدو بلا حياة نباتية أو غطاء نباتى طوال عام كامل، و هذا أمر نادر الحدوث فى أقاصى الصحراء الشمالية التى يندر ألا يسقط المطر فيها فى المواسم المناسبة.

حكومة مكة

مناطق كل من مكة، و الطائف، و القنفذة (التى تمتد جنوبا إلى هالى على ساحل البحر)، و كذلك ينبع، كانت كلها، قبل الغزو الوهابى و الغزو المصرى، خاضعة لحكم شريف مكة، الذى امتد سلطانه إلى جدة على الرغم من أن هذه البلدة كانت مفصولة عن ممتلكاته من الناحية الاسمية، و كان يحكمها واحد من الباشوات، أرسله الباب العالى إلى هذه البلدة، ليكون سيدا فريدا على جدة، و أن يتقاسم مداخيلها مع الشريف. كان الباشا قد وصل إلى مركزه عن طريق القوة، أو النفوذ الشخصى، و بموافقة من عائلات أشراف مكة، و بذلك يكون الرجل قد استمد سلطته من السيد الكبير، الذى أكد هو الآخر للباشا موافقته على اعتلائه للسلطة. (*) كان الباشا يحصل‏

____________

(*) كانت حكومة الحجاز موضوع جدل كبير بين خلفاء بغداد، و سلاطين مصر، و أئمة اليمن. كان الشريف المصاحب للسيطرة الاسمية على المدينتين المقدستين، هو الشغل الشاغل للجميع، و بدلا من أن يتسبب هذا الأمر فى زيادة مداخيلهم اضطرهم إلى إنفاق الكثير. كانت الميزة الوحيدة تتمثل فى كسوة الكعبة، و الدعاء لهم فى خطبة الجمعة فى المسجد الحرام، و لما كانت السيادة المصرية على مكة قد تأكدت فى بداية القرن الخامس عشر، فقد انتقلت هذه السيادة إلى السلاطين بعد أن غزا السلطان سليم الأول مصر، ثم إلى سلاطين إسطنبول.

271

كل عام على بليسه يجرى إحضارها من إسطنبول بواسطة القفطانجى باشا، و فى إطار المراسيم و الاحتفالات التركية كان يجرى إدراج ذلك الباشا، ضمن الباشوات الأول فى الإمبراطورية، و عندما أصبحت سلطة باشوات جدة مجرد سلطة اسمية، و بعد أن عجز الباب العالى عن إرسال جيوش قوية مع قوافل الحج المسافرة إلى الحجاز، لتأمين حكمه على البلاد، استقل أشراف مكة، و راحوا لا يلقون بالا لأوامر الباب العالى، على الرغم من استمرارهم فى تسمية أنفسهم باسم خدام السلطان، كما كانوا يتسلمون أيضا البليسه السنوية كل عام، كما كانوا يقرون و يعترفون أيضا بالقاضى الموفد من إسطنبول، و كانوا أيضا يدعون للسلطان فى المسجد الحرام.

استطاع محمد على باشا إعادة السلطة العثمانية على الحجاز، كما اغتصب لنفسه سلطان الشريف كلها، و لم يبق الرجل للشريف يحيى الحالى سوى السلطة الاسمية فقط.

جرى اختيار شريف مكة من بين أفراد واحدة من قبائل الأشراف الكثيرة، أو من أحفاد النبى (صلى اللّه عليه و سلم) الذين استوطنوا الحجاز، هؤلاء الأحفاد كانت أعدادهم كبيرة فى يوم من الأيام لكنهم فى الوقت الراهن أصبحوا يقتصرون على قلة قليلة من الأسر و العائلات المكية. فى أواخر القرن الماضى، كان حق الولاية مقصورا على ذوى‏ (*) بركات، الذين سموا بهذا الاسم، تيمنا باسم بركات ولد السيد حسان العجلان، الذى خلف والده فى العام 829 الهجرى، كان الرجل ينتمى إلى قبيلة الأشراف المسماة قتادة التى استقرت أو استوطنت وادى القامية مشكلة بذلك جزءا من ينبع النخل، و كانت ترتبط من ناحية الإناث، بقرابة مع بنى هاشم، الذين جرى تجريدهم من حكم مكة فى العام 600 الهجرى، بعد وفاة آخر الهاشميين، المدعو مقزر. طوال القرن الماضى تعين على دوى (ذوى) بركات خوض حروب كثيرة مع القبائل المنافسة لهم، ثم‏

____________

(*) المقصود ب" دوى" (ذوى) بركات هم: أهل أو" عائلة" بركات.

272

استسلموا فى نهاية المطاف لذوى زيد الذين يفوقونهم عددا، و الذين ينتمى إليهم الشريف الحالى، و الذين يكونون مع قتادة جزءا من قبيلة أبو نيمة الكبيرة. و قد نزع القسم الأكبر من ذوى بركات، و استقر الكثيرون منهم فى وديان الحجاز الخصبة، كما استقر البعض منهم فى اليمن. و قد ذكر الناس لى من الأشراف الحاليين الموجودين فى مكة و حولها خمسة أشخاص هم؛ العبادلة، و أهل سرور، و الحرازى، و ذوى حمود و السواملة (*).

مسألة تولى الحكم فى مكة، شأنها شأن تولى المشيخة بين البدوى، لم تكن وراثية، على الرغم من بقاء المشيخة فى القبيلة نفسها مادامت القبيلة قوية. فى حال وفاة الشريف يصبح أحد أقربائه خلفا له سواء أكان ولده، أو ابن عمه، ما دام ذلك الشخص هو صاحب الطرف القوى، أو صاحب الصوت المسموع بين أفراد قبيلته.

لم تكن هناك حفلات أو مراسيم تنصيب أو قسم للولاء. كان الشريف الجديد يتلقى التهانى من المكيين على شكل زيارات يقومون بها لمنزل الشريف، و كانت الفرقة الموسيقية تقوم بالعزف أمام باب المنزل، الأمر الذى يبدو إشارة من إشارات السيادة، مثلما هو الحال فى بلاد السودان، و من ثم يجرى الدعاء لاسم الشريف فى الصلاة العامة.

على الرغم من أن اعتلاء المنصب لم يكن يحدث بلا صراع، فإن مسألة سفك الدماء كانت قليلة إلى حد كبير، و على الرغم من حدوث بعض مظاهر القسوة فى بعض الأحيان فإن مبادئ الشرف و حسن النية التى تميز حروب قبائل الصحراء كانت‏

____________

(*) يزاد على هؤلاء، تلك الأسماء التى وردت عند العصمى، مثل ذوى مسعود، و ذوى شمير، و ذوى الحارث، و ذوى ثقابة، و ذوى جازان، و ذوى باز. مسألة تأليف تاريخ لمكة من المصادر السابقة يحتاج إلى المزيد من الوقت. لقد أورد دهسون ملاحظة تاريخية عن الأشراف فى مكة، و هذه الملاحظة فيها أخطاء عدة. أشجار الأنساب الطويلة التى يتعين تتبعها، ابتغاء الوصول إلى فكرة واضحة عن حكام أى جزء من أجزاء الجزيرة العربية يجعل من تاريخ هذا البلد أمرا متشابكا و بالغ التعقيد.

273

تجرى مراعاتها و الالتزام بها. هذا يعنى أن المتمردين و الغرماء كانوا يستسلمون، و عادة ما كانوا يبقون فى المدينة، و لا يحضرون استقبالات الأصيل التى يقيمها قريبهم المنتصر، و لا يخشون غضبه أو استياءه، بعد إقرار السلام بينهم. أثناء الحرب، كانت حقوق الضيافة و الكرم تعد أمورا مقدسة كما هو الحال فى الصحراء، كان حق الدخيل يحترم احتراما كاملا، كما كان يجرى تسوية مسألة سفك الدماء على الجانبين عن طريق دفع الغرامات (الدية) لأهالى القتلى، و كان الناس أيضا يعملون طبقا لقوانين الثأر السائدة بين البدو. كان هناك دوما طرف معارض للسلطة الحاكمة، و كانت تلك المعارضة تتجلى بصورة أوضح فى الحماية التى كان الرئيس يوفرها للأشخاص المضطهدين، و ليس للمحاولات العلنية التى تستهدف الخروج على سلطته. كانت الحروب، تحدث فى كثير من الأحيان، و كان لكل طرف مؤيدين من بين البدو المجاورين له، و لكن هذه الحروب كانت تجرى طبقا لمنظومة الصراعات البدوية، و لم تكن تلك الحروب تستمر زمنا طويلا.

على الرغم من أن العادات التى من هذا القبيل يغلب عليها القضاء على سلطة الشريف الحاكم، فإنها كانت تسفر عن نتائج سيئة للجماعة، هذا يعنى أن كل فرد من الأفراد يتعين عليه الانضمام إلى هذا الجانب أو ذاك، و أن يخضع لحام، يعامل أتباعه بنفس الظلم و الاستبداد الذى يقع عليه هو نفسه من رئيسه، أو من هو أعلى منه. و قد أدى سرور إلى التقليل من سلطة الأشراف إلى حد بعيد، هذا السرور تولى الحكم فى الفترة من 1773 إلى 1780، و الأدهى من ذلك، أنه غالبا فى الأزمات الأخيرة، كان دائم الشجار و الصراع مع أقاربه، على الرغم من أن سلطته و سلطانه كانا أوسع و أكبر من سلطات أولئك الذين جاءوا قبله.

هذه المشاجرات الحادة و المستمرة، و كذلك الحروب و الصراعات التى دارت بين مختلف الأطراف، إضافة إلى عثرات الحظ التى صاحبت كل ذلك، علاوة على الفنون و الحيل التى كان الروساء يلجأون إليها لزيادة شعبيتهم، كل ذلك أضفى على حكم الحجاز طابعا مختلفا عن طابع السواد الأعظم من حكومات الشرق الأخرى، هذا

274

الطابع المميز لحكم الحجاز، أبقى على شكله الظاهرى إلى ما بعد اعتلاء الشريف غالب لسدة الحكم المستبد. لم يجر مراعاة مراسم الحكم، التى تمثل حدا فاصلا بين الحكام الشرقيين و نوابهم من ناحية، و بينهم و بين الشعب من ناحية أخرى.

هذا يعنى أن بلاط الشريف كان صغير العدد، و خاليا من العظمة و الأبهة. لم يكن لقب ذلك الحاكم سلطانا أو سلطانا شريفا، أو حتى" منشئ" على حد قول على بك العباسى. كان رعاياه يستخدمون لقب" سيدنا"، فى حوارهم معه، أو قد يقولون له" سادتكم"، و هو اللقب الذى يعطى للباشوات جميعهم. هذا يعنى أن المسافة بين الرعايا و الحاكم لم تكن كبيرة، بحيث تحول بين الرعايا، فى حالة الحاجة، و بين تعبيرهم عن أحزانهم الشخصية، و يطالبون مطالبة جريئة بالإصلاح، فى إطار لغة و أسلوب مؤدبين.

الشريف الحالى ليس لديه هيئة كبيرة من القوات النظامية، لكنه كان يستدعى أعوانه من بين الأشراف، و أتباعهم، إذا ما احتدم الأمر و دقت أجراس الحرب. هؤلاء الأشراف كان يجرى ربطهم بشخص الشريف غالب، و ذلك عن طريق احترامه لمنزلتهم و نفوذهم، هؤلاء الأشراف بدورهم كانوا يبادلون الرجل المعاملة نفسها إذ كانوا ينظرون إليه باعتباره الأول بين المتساويين و الأنداد.

مسألة سرد تاريخ للأحداث التى وقعت فى مكة اعتبارا من الفترة التى توقف عندها المؤرخون العرب (حوالى منتصف القرن السابع عشر على حد تقديرى)، سوف تتحول إلى عمل مضن؛ إذ يتطلب الأمر استخلاص تلك الأحداث من بين الروايات الشفهية، هذا البلد ليس فيه أحد، ممن يفكرون فى تدوين الأحداث التى وقعت فى أزمانهم، يزاد على ذلك أن الظروف التى زرت البلد فى ظلها، كان يمكن أن تحول بينى و بين الحصول على المعلومات الوافية و الدقيقة عن الوضع السياسى لهذه البلاد، حتى و إن توفر لى الوقت اللازم لذلك، نظرا لأن التحريات و الاستقصاءات التى من هذا القبيل ربما تضطرنى إلى الاختلاط بالناس، و بخاصة أصحاب المناصب و المقامات، و الاختلاط أيضا بأهل الحل و الربط، و هذه الطبقة من المجتمع هى التى حاولت جاهدا

275

تحاشيها دوما لأسباب واضحة. و فيما يلى أورد المعلومات التى استطعت جمعها فيما يتصل بتاريخ مكة الحديث.

فى العام 1750 الميلادى عين الشريف مسعد حاكما لمكة، و شغل هذا المنصب مدة عشرين عاما. أدت قوة الأشراف إلى دخول الرجل فى حروب ضدهم فى كثير من الأحيان، و قد أدى عدم نجاح الرجل فى حروبه ضد الأشراف إلى استمرار نفوذهم، بعد أن كشف مسعد عن دلائل عدائه تجاه على بك، حاكم مصر فى ذلك الزمان، قام على بك بإيفاد أبى الدهب، عبده القوى المفضل، بعد أن منحه لقب بك، على رأس مجموعة كبيرة من الجنود، بصفته رئيسا لقافلة الحج المسافرة إلى مكة، لطرد مسعد، لكن الشريف مسعد وافته المنية قبل أيام قلائل من وصول أبى الدهب.

فى العام 1769 أو 1770 بعد أن لقى مسعد ربه، قامت جماعة حسين، الذى كان من القبيلة نفسها التى ينتمى إليها مسعد، بتوصيل حسين العدو اللدود لمسعد فى كل المناسبات إلى سدة الحكم، و أيدهم فى ذلك أبو الدهب. و بقى حسين فى الحكم إلى العام 1773 أو 1774.

فى العام 1773 أو 1774 قتل حسين فى الحرب التى دارت بينه و بين سرور ولد مسعد. هذا الاسم سرور الذى حكم مدة ثلاثة عشر عاما أو أربعة عشر، لا يزال يحظى بالتقدير و الاحترام من قبل المكيين؛ كان سرور أول من كسر كبرياء الأشراف و قوتهم، و أول من أقام العدل فى المدينة. قبل عهد الشريف سرور كان كل شريف من الأشراف يحتفظ فى منزله بمؤسسة مكونة مما يتردد بين ثلاثين عبدا و أربعين عبدا مسلحا، و من الخدم، و الأقارب، فضلا عن أصدقائه الأقوياء من بين البدو. و نظرا لأن كل هؤلاء الأشراف لم يكونوا يعرفون من المهن سوى صناعة السلاح راحوا يعيشون على الماشية التى كانوا يحفظونها عند البدو، و فى أجزاء مختلفة من الحجاز، و كانوا يعتمدون أيضا على الصرة التى كانت تأتيهم من إسطنبول مع الحج، كما كانوا يعتمدون أيضا على الهدايا التى كانوا يحصلون عليها من الحجاج، من أتباعهم فى‏

276

البلد. كان بعض هؤلاء الأشراف يحصلون إلى جانب هذه المصادر، على بعض الرسوم الجمركية المفروضة على السفن، أو بعض السلع التجارية، كما كانوا يحصلون على دخل أيضا من رسوم المرور التى كانوا يحصلونها على بوابات جدة، كما كانوا يحصلون أيضا على دخل من ضريبة الرءوس التى كانوا يفرضونها على الحجاج الفارسيين إلخ إلخ. يضاف إلى ذلك أن سلوك هؤلاء الناس فى مكة كان سلوكا بريا و غير متحضر أو منظم، يزاد على ذلك أن أوامر كبير الأشراف كان يجرى إهمالها و التغاضى عنها، كان كل واحد من هؤلاء الأشراف يستغل نفوذه الشخصى لزيادة ثروته، كانت المشادات و الصراعات العائلية تجرى فى كثير من الأحيان، و فى زمن الحج كان أولئك الأشراف يضللون جماعات صغيرة من الحجاج و هم قادمون من المدينة المنورة أو من جدة إلى مكة، و يقومون بسلب ما معهم و نهبه، و يقتلون الذين يعترضون أو يمانعون ذلك السلب و النهب.

نجح سرور، بعد نضال طويل، فى إلجام الأشراف و إجبارهم على الطاعة و ذلك عن طريق كسب الرأى العام لعامة المكيين إلى جانبه، و عن طريق كسب البدو أيضا إلى جانبه، عن طريق تبسطه معهم فى السلوك، و عن طريق بشاشته و بشره الشخصى و عن طريق كرمه مع أصدقائه، فضلا عن ذيوع صيت شجاعته المفرطة، و رجاحة عقله.

كان الرجل يؤثر دوما مسالمة أعدائه، و مع ذلك كانت الحروب تنشب بينه و بين أعدائه فى كثير من الأحيان. يروى أن الرجل اكتشف ذات مرة مؤامرة كانت تهدف إلى اغتياله، أثناء طوافه فى الليل حول الكعبة، و مع ذلك عفا عن المتآمرين، و اكتفى فقط بنفيهم من مكة، كان لدى سرور مجموعة كبيرة من العبيد المسلحين، و البدو الذين كانوا يعملون دوما لخدمته، و أنه كان يدفع تكاليف هذه المجموعة الكبيرة و مصروفاتها من أرباحه التجارية؛ نظرا لأنه كان يمارس تجارة نشطة مع اليمن، و استطاع الرجل، فى نهاية المطاف، إجبار أسر الأشراف الأقوياء على نفى أنفسهم بأنفسهم، و يبحثون لأنفسهم عن ملجأ فى اليمن، فى حين أجهز الرجل على عدد كبير من الأشراف فى إحدى المعارك، و وقع بعض آخر من هؤلاء الأشراف فى قبضة الجلاد (عشماوى). بعد

277

كل ذلك آلى سرور على نفسه إقامة العدل بين الناس، و هناك أشياء كثيرة يرويها الناس عن الشريف سرور و حبه للعدل و الحكمة، و قد قام الشريف سرور بطرد اليهود من جدة، التى جمعوا فيها ثروات طائلة عن طريق المسرة و التدليس، و حمى الرجل الحجاج أثناء تجوالهم فى الحجاز، و نظم تحصيل الرسوم الجمركية و الضرائب التى سبق فرضها بطريقة عرفية تماما. و بعد أن لقى الرجل ربه، قام سكان مكة كلهم بتشييع جنازته إلى مثواه الأخير. و لا يزال المكيون ينظرون إلى الشريف سرور باعتباره وليا، بل إن الوهابيين يوقرون أيضا اسمه و يحترمونه.

العام 1785 أو 1786 بعد وفاة الشريف سرور خلفه عبد المعين، أحد إخوانه، لمدة أربع سنوات أو خمس، فى حين قام أخوه غالب الأصغر منه سنا، مستفيدا من مهارته فى التآمر، و مستفيدا أيضا من ذيوع شجاعته و قدرته على الفهم، و أقبل على تجريد شقيقه عبد المعين من سلطته و أجبره على التقاعد. كان الشريف غالب، طوال سنى حكمه الأولى، أداة فى أيدى عبيد الشريف سرور و طواشيّه، الذين كانت لهم سلطة كاملة على مكة، و راحوا يسلكون السلوك المستهتر نفسه، و يمارسون الظلم و القمع الذى تميز به حكم الأشراف من قبل. و مع ذلك، سارع غالب إلى تحرير نفسه من نفوذ هؤلاء العبيد، و أصبحت له، فى نهاية الأمر، سلطة قابضة على الحجاز، و كانت تلك السلطة أكثر حزما و أكثر قوة من سلطات أولئك الذين سبقوه أو جاءوا قبله، و أفلح غالب فى الإبقاء على هذه السلطة إلى أن وضعت الحروب الوهابية، و خيانة غالب لمحمد على باشا، حدا لحكم هذا الرجل (الشريف غالب). كان حكم الشريف غالب أسلس و أعدل من حكم الشريف سرور، على الرغم من ابتعاد حكم الشريف غالب ابتعادا كبيرا عن إقامة العدل و تحقيق العدالة. صحيح أن الذين أعدموا بأوامر منه كانوا يعدون على أصابع اليد الواحدة، لكن الرجل أصبح جشعا، و كان يسمح فى كثير من الأحيان للمجرمين بافتداء حياتهم عن طريق دفع أثمان كبيرة، أو بالأحرى غرامات باهظة. و تحقيقا لهذا الهدف راح الرجل يملأ سجونه بالمجرمين لكن الدماء كانت تسيل فى تعامل الرجل مع الوهابيين. و أثناء حروب الشريف غالب مع الوهابيين حاول ولدا

278

الشريف سرور الصغيرين: عبد الله بن سرور و سيد بن سرور، اغتصاب الحكم من عمهما لكنهما فشلا فى ذلك، و بعد أن تصالحا مع غالب، سمح لهما أن يعودا هادئين إلى مكة، و أقام الابنان فى مكة عندما وصل إليها محمد على باشا. أرسل محمد على باشا عبد الله مع الشريف غالب إلى القاهرة، و لكن الباب العالى أصدر أوامره لمحمد على بإطلاق سراح عبد الله بن سرور. كان عبد الله قد سافر ذات مرة إلى إسطنبول ليطلب عون السلطان له فى مواجهة غالب. تهور عبد الله و طيشه أكسبه كثيرا من المعجبين منهم أصدقاء فى مكة، لكن من المرجح أنه إذا ما تحتم على الأتراك التخلى عن الحجاز من جديد، فإن عبد الله بن سرور سوف يحل محل أخيه يحيى، الشريف الحالى لمكة، الذى تسلم حكم المدينة من محمد على باشا فى العام 1813 الميلادى، و الذى تتوافق سمعته و نفوذه فى مكة مع منصبه المشرف. بعد أن استولى الباب على مداخيل مكة، حدد الشريف راتبا شهريا مقداره خمسين كيسا (صرة)، أى ما يقرب من ثمانمائة جنيه إنجليزى، كما يعول قواته و أهل بيته. أهل البيت هؤلاء كانوا هم أهل البيت نفسه قبل الغزو التركى، و يشملون بعض الأشراف، و بعض المكيين، و بعض الأحباش، أو العبيد السود، المعينين فى وظائف محددة و معينة خاصة بالشريف و المأخوذة أسماؤها من الكتاب الأحمر الخاص بالمحكمة التركية. كان غالب يحتفظ فى كل من ينبع، و الطائف، و مكة و جدة بنائب له، كانوا يطلقون عليه اسم الحاكم فى مكة و الطائف. هذا الحاكم كان له خازندار، أى وزيرا للخزانة، كما كان له أيضا سلحدار، أو حامل السيف، كما كان له أيضا موهردار، أى حامل الأختام، كما كان معه أيضا قلة قليلة من الموظفين الذين كانوا بعيدين كل البعد عن مراعاة مراسم الإتيكيت و الذوق العام المعمول بها فى البلاط التركى. كان إجمالى مؤسسة الشريف غالب عبارة عن خمسين خادما و موظفا أو ستين، و عدد كبير من العبيد و الطواشى.

كان الشريف غالب يحتفظ بحوالى أربع و عشرين أمة حبشية إلى جانب زوجاته، فضلا عن ضعف هذا العدد من الإماء اللاتى يقمن على رعاية أمور النساء و تربية الأطفال.

كان عدد الخيول التى فى إسطبلات الشريف غالب يتردد بين ثلاثين حصانا و أربعين حصانا من أحسن السلالات العربية، و حوالى ستة بغال، التى كان يركبها فى بعض‏

279

الأحيان، و كان هناك عدد كبير أيضا من الإبل. أبلغنى واحد من كبار خدم الشريف غالب الطاعنين فى السن، أن المخزن كان يصرف يوميا إردبا واحدا (حوالى خمسة عشر بوشل) للاستهلاك المنزلى كل يوم، كان يصرف مع هذا الإردب حوالى خمسين وزنة من الزبد، و خروفين، و هذا بحد ذاته يشكل الإنفاق الرئيسى اليومى على المؤن و التموينات. هذا الإردب هو و الزبد كان يجرى استهلاكه يوميا بواسطة البدو، الذين كانوا يفدون على مكة لإنجاز بعض الأعمال، و الذين اعتادوا على التردد على منزل الشريف، طلبا فى كرمه كما لو كانوا ينزلون عند خيمة شيخ من الشيوخ فى مخيم من مخيمات الصحراء. هؤلاء البدو عندما كانوا يرحلون كانت خرجهم تملأ بالمؤن و التموينات تحسبا للطريق، و هذه عادة من عادات العرب، يضاف إلى ذلك أن أشراف مكة كانوا يكشفون دوما عن استعدادهم للتعامل مع البدو تعاملا يقوم على الكرم و الحنان.

ملابس الشريف لا تختلف عن ملابس عملاء أسر الأشراف فى مكة، و عادة ما تتكون هذه الملابس من رداء من الحرير الهندى، و من فوقه عباءة بيضاء اللون، مصنوعة فى الأحساء، على الخليج الفارسى، و شال كشمير يضعه الشريف على رأسه، و مركوب أصفر اللون، أو قد يلبس بلغة فى رجليه فى بعض الأحيان. لم أر أحدا من أشراف مكة يلبس عمامة خضراء اللون. النوعيات التى من هذا القبيل إما تلتحق بخدمة الحكومة أو تعمل بالجندية، و هنا نجد المكيين يطلقون عليهم اسم" الأشراف" و عادة ما يضعون على رءوسهم شيلانا كشميرية ملونة، النوعية الأخرى من الأشراف الذين يحيون حياة خاصة، أو يعملون فى مجال الشريعة و المسجد الحرام، يلفون شالا أبيض صغيرا من الموسلين حول طواقيهم. الأشراف عادة ما تكون لهم علامة مميزة فى لباسهم، هذه العلامة عبارة عن طاقية صوفية عالية خضراء اللون، يلفون حولها شالا أبيض من الموسلين أو الكشمير، و يبرز غطاء الرأس من هذا الشال لكى يحجب الشمس عن وجه لابس ذلك الشال، بعض كبار السن يستعملون الشال فى هذا الغرض، لكن هذه المسألة ليست تقليدا عاما بين الجميع.

280

عندما يخرج الشريف فى موكب و يكون راكبا دابته فإنه يحمل فى يده عصا قصيرة مستدقة يسمونها المطرق، شبيهة بالعصا التى يستعملها البدو فى سياقه الإبل، الخيال الذى يكون قريبا من الشريف، يحمل فى يده مظلة، صينية الصنع، لها شراريب من الحرير، ليظلل بها رأس الشريف من أشعة الشمس. و هذه هى العلامة الوحيدة من علامات الملكية التى تميز الشريف عندما يكون بين رعاياه، هذه المظلة لا تستعمل عندما يمشى الشريف فى الشارع. و قد أجبر الوهابيون الشريف غالب على التخلى عن المظلة و أن يذهب إلى المسجد سيرا على قدميه، بدعوى أن ذلك يتعارض مع التواضع، إذا ما وصل الرجل الكعبة المشرفة راكبا على ظهر حصان. لكن غالب عندما كانت له السلطة كلها فى مكة، كان يجبر الباشوات المصاحبين للحج على أن تكون له الأولوية فى المناسبات كلها، كما أذاع الرجل فى سائر أنحاء الحجاز زعما مفاده أن مرتبته أرقى من أية مرتبة أخرى بين العاملين فى خدمة الباب العالى، كما أشاع الرجل أيضا أنه عندما يكون فى إسطنبول فإن الباب العالى، من باب اللياقة يقف لتحية الشريف غالب. يزاد على ذلك، أنى أتيت على ذكر مسألة الزى الذى يحصل الشريف عليه سنويا من القفطانجى. جرت العادة من حيث المراسم أن يقوم الشريف بالزيارة الأولى لباشا الحج فور وصول القافلة، و باشا الحج هذا يسمونه أيضا أمير إلخ. و عندما يقوم باشا الحج برد الزيارة، يقبل من الشريف حصانا على سبيل الهدية. و بعد عودة الحج من وادى منى، يقوم الباشا بإهداء الشريف فى اليوم الأول، حصانا أيضا، و يقوم الاثنان بتبادل الزيارات فى خيمتيهما فى منى. و عندما تستعد القافلة لمغادرة مكة، عائدة إلى الوطن، يقوم الشريف بزيارة أمير الحج مرة ثانية، فى مخيمه خارج المدينة، حيث يجرى إهداؤه حصانا آخر.

المفترض أن تكون قبائل الحجاز البدوية كلها تحت إمرة الشريف من منطلق أن هذه القبائل مدونة فى سجل كل من الباب العالى و سجلات الشريف أيضا. عندما كان الشريف غالب فى أوج قوته، كان له نفوذ كبير على القبائل، لكنه لم تكن له سلطة مباشرة على تلك القبائل. كانت القبائل تنظر إلى الشريف و جنوده كأنه شيخ من‏

281

شيوخهم، و أتباعه، يضاف إلى ذلك أن الشريف كان يلتزم التزاما صارما بقوانين الحرب السارية فى الصحراء. كان برفقة الشريف غالب حوالى ستة آلاف بدوى أو ثمانية آلاف، انضموا إليه، كما لو كانوا ينضمون إلى شيخ آخر، و وقفوا إلى جانبه فى حملاته الأخيرة التى جردها على الوهابيين، و لم ينتظر هؤلاء البدو من الشريف أجرا على الخدمات التى قدموها له، سوى أتباعهم لشيوخهم الذين اشترى الشريف غالب ولاءهم و اهتمامهم عن طريق تقديم الهدايا.

تشكل حكومة مكة من هؤلاء الذين ليست لهم دراية بسياسة الصحراء، مجموعة من الأشياء الفريدة، لكن الأمور يسهل شرحها و الوقوف عليها إذا أخذنا بعين اعتبارنا أن الشريف غالب ليس سوى شيخ بدوى، سمحت له الثروة و السلطة أن يكون له صولجان عرفى، هذا الشريف هو حاكم عثمانى فى ظاهره، لكنه ملتزم التزاما تاما بعاداته و تقاليده القديمة. فى الماضى كان عمداء عائلات الأشراف فى مكة، يمارسون السلطة و النفوذ الذى كان الآباء يمارسونه فى المخيمات البدوية، و لكن سلطة الشيخ الكبير هى التى أصبح لها الغلبة فى النهاية، الأمر الذى اضطر الآخرين إلى الخضوع لهذه السلطة، لكنهم ظلوا، فى كثير من الأحوال، يحتفظون بحقوق آبائهم. كانت الأطراف المتصارعة تنظر إلى المكيين من غير البدو، على أنهم مستوطنون خاضعون لسيطرتهم و هيمنتهم، تماما مثل القبائل البدوية التى تحارب من أجل القرى التى تدفع لها إتاوة، و التى تنظر إلى سكان هذه القرى باعتبارهم من منزلة أدنى من منزلة هذه القبائل البدوية. و مع ذلك لم يكتب للمكيين أن يعاملوا معاملة بلدان مقاطعات شمالى تركيا، كان المكيون يشاركون فى الصراعات التى كانت تجرى بين الأشراف، كما كانوا يشاركون أيضا فى النفوذ و السلطة التى كانت تتحقق لرعاياهم. عندما أصبح لكل من غالب و سرور سلطة واسعة و غير محدودة، و ذلك على العكس ممن جاءوا قبلهم، راح بقية الأشراف يتوحدون بصورة أوثق مع المكيين، و ظلوا إلى وقت قريب يشكلون هيئة محترمة تتسم بالطابع الحربى، و هذا هو ما وقفنا عليه فى المشاجرات و المنازعات المستمرة التى دارت بين الأشراف، و وقفنا على ذلك أيضا فى مقاومة هذه الهيئة

282

للحكومة، عندما أثرت إجراءاتها على حياة أفراد هذه الهيئة أو أعضائها، و ذلك على الرغم من تقليم أظافر هذه الهيئة على نحو يجعلها لا تثور أو تتمرد إلا عندما يجرى الهجوم أو الاعتداء على أموالها و ممتلكاتها.

كانت حكومة الشريف غالب حكومة متساهلة و حريصة على الرغم من الابتزاز المالى الذى كانت تمارسه، كان الشريف غالب يحترم كبرياء المكيين، و لم يحاول الاعتداء مطلقا على سلامة الناس أو ثرواتهم، على الرغم من ترعرع هؤلاء الأفراد فى ظل تلك القواعد التى كان لها تأثير جماعى على الناس كلهم. سمح الشريف غالب لأعدائه اللدودين بالعيش بين أهليهم و عائلاتهم، كما سمح للناس أيضا بالدخول فى معارك دموية فيما بينهم، الأمر الذى كان يفضى إلى الثأر، أو إثارة الأحقاد التى ملأت صدور الناس فى مختلف المناطق، ضد بعضهم البعض، و قد وصل الأمر إلى حد اقتتال هؤلاء الناس طوال أسابيع عدة، مع بعضهم البعض، مستخدمين فى ذلك، العصى، و الحراب، و الخناجر، دون اللجوء إلى الأسلحة النارية.

هؤلاء الأشراف، أحفاد محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، المقيمون فى مكة و فى المنطقة المجاورة لها، و المولعون بالسلاح، و يدخلون فى صراعات مدنية فى معظم الأحوال، درجوا على إرسال الطفل الذكر، بعد ثمانية أيام من مولده، إلى خيمة من خيام البدو المجاورين، لينشأ مع أطفال الخيمة، و يتعلم أن يكون بدويا بحق و حقيقة لمدة ثمانى سنوات أو عشر، أو إلى أن يصبح الطفل قادرا على ركوب الفرس، و هنا يأخذه والده مرة ثانية، و لا يسمح للطفل طوال هذه الفترة بزيارة والديه، أو الدخول إلى البلدة اللهم باستثناء الشهر السادس، عندما تأخذه الأم البديلة فى زيارة قصيرة إلى أسرته، لتعود به بعد ذلك مباشرة إلى قبيلتها. هذا يعنى أن الطفل لا يبقى بين يدى أمه، تحت أى ظرف أكثر من ثلاثين يوما، يتعين بعدها أخذه إلى القبيلة، و قد يطول مقام هذا الطفل بين البدو إلى أن يبلغ الثالثة عشرة أو الخامسة عشرة من عمره؛ بذلك يتألف الطفل مع كل أخطار الحياة البدوية و تقلباتها، و هنا يعتاد جسد مثل هذا الطفل على التعب و الحرمان، و يكتسب لغة البدو النقية السليمة، كما يكتسب أيضا منهم تأثيرا تكون له أهمية كبيرة

283

فى حياته فيما بعد. هؤلاء البدو لا يوجد بينهم شريف، بدءا من الشيخ و انتهاء بأفقر فقرائهم، لأنهم جميعهم تربوا و نشأوا بين البدو، يضاف إلى ذلك أن الكثيرين يتزوجون من فتيان بدويات. أبناء الشريف الموجود حاليا فى الحكم نشأوا و تعلموا فى قبيلة عدوان، هؤلاء العدوان شهيرون بالشجاعة و الكرم، لكن هؤلاء العدوان جرى تقليم أظافرهم من ناحية بفعل الحروب الطاحنة التى خاضوها إلى جانب الأشراف، و من الناحية الأخرى بفعل الغزو الذى قام به محمد على باشا مؤخرا، الأمر الذى اضطر هؤلاء العدوان إلى التعجيل بالتخلى عن أراضى الحجاز، و البحث عن ملجأ و ملاذ لهم فى مخيمات قبائل السهل الشرقى. عثمان المضايفة نفسه، ذلك الشيخ الوهابى الشهير، و الأداة الرئيسية التى يستخدمها سعود فى إخضاع الحجاز، هو نفسه شيخ من شيوخ العدوان، و الشريف غالب تزوج شقيقة عثمان المضايفة.

كان الأشراف الآخرين يرسلون أطفالهم إلى مخيمات قبائل هذيل، و ثقيف، و بنى سعد، و قبائل أخرى، بعض آخر من هؤلاء الأشراف كانوا يرسلون أطفالهم إلى قريش أو حرب.

الخيمة التى يتربى فيها شريف من الأشراف تحظى منه بمعاملة تقوم على احترام أهلها كما لو كانوا والديه و إخوانه، مثل هذا الشريف ينادى ربها على أنه والده، و ربتها على أنها أمه و أبناؤها على أنهم إخوته، و هو نفسه يحظى منهم بتسميات مماثلة. و هم عندما يجيئون إلى مكة يقيمون فى منزل تلميذهم، و لا يغادرون هذا المنزل إلا و هم محمّلين بالهدايا. طوال فترة تلمذة هذا الشريف، تراه يطلق الاسم إرهام على أقاربه البعيدين من الأسرة البدوية، و بخاصة أولئك الذين من حقهم مصادقته و اهتمامه بهم، يضاف إلى ذلك أن هذا الشريف، يعد نفسه طوال حياته، منتميا إلى ذلك المخيم الذى أمضى فيه السنوات الأولى من حياته؛ تراه يصف سكان هذا المخيم بقوله:" ناسنا"، أو" عائلتنا" و يهتم اهتماما كبيرا بكل ما يحدث لهم، و يزورهم كلما سمح وقته بذلك و بخاصة فى شهور الربيع و فى بعض الأحيان قد يرافقهم فى ترحالهم و تجوالهم و أيضا فى حروبهم.

284

كان الشريف غالب يحافظ بصورة دائمة على أن يكون مقبولا عند والديه البدويين، و عندما كان والداه البديلان يزورانه كان يقف من مقعده و يحتضنهما، على الرغم من عدم اختلاف ملبسهما عن ملبس بقية سكان الصحراء. حدث فى كثير من الأحيان أن رفض أبناء الشريف غالب، الاعتراف بأبويهما الفعليين و كانوا يهربون، فى بعض الأحيان، و ينضمون أو يلحقون أصدقاء الطفولة، البدو الذين يعيشون فى الصحراء.

هذه العادة التى أتيت على وصفها هى واحدة من العادات القديمة فى الجزيرة العربية لقد تربى محمد (صلى اللّه عليه و سلم) بين الأجانب و الأغراب، فى قبيلة بنى سعد، و المكيون يضربون به (صلى اللّه عليه و سلم) المثل إذا ما تكلموا فى مثل هذا الأمر، الذى لا يزال ساريا بين الأشراف، لكن الأشراف هم الوحيدون من بين سكان الجزيرة العربية كلها، الذين ينهجون هذا النهج، البدو الذين يطلق عليهم اسم الموالى‏ (*)، و الذين كانوا يشكلون قبيلة قوية فى يوم من الأيام، و الذين يرعون قطعانهم فى المنطقة المجاورة لحلب، هم الوحيدون الذين عثرت بينهم على شى‏ء من هذا القبيل. عند الموالى نجد أن ولد شيخ القبيلة يجب أن يتربى و ينشأ عند فرد آخر من أفراد القبيلة نفسها، و غالبا ما يكون ذلك فى مخيم مختلف، إلى أن يكبر و يصبح قادرا على العناية بنفسه، بقية حياته.

يستقى الأشراف مزايا عديدة من تربيتهم البدوية، و هم لا يكتسبون مجرد القوة و البنية القوية، و إنما يكتسبون أيضا بعضا من تلك الطاقة، و حرية التصرف و الجرأة التى يتميز بها سكان الصحراء، إضافة إلى تقديرهم الكامل لحسن النية، و قوة الإيمان، و الكرم على نحو يختلف تماما عما لو كانوا قد تربوا و نشئوا فى مكة.

____________

(*) هذه القبيلة هى أصلا من الحجاز: كانت تلك القبيلة تقيم فى منطقة قريبة من المدينة المنورة، و يأتى كثير من مورخى المدينة المنورة على ذكر هذه القبيلة، خلال القرن الأول الذى تلا وفاة محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

285

أنا لم ألتق كثيرا من الأشراف. و من بين الأشراف الموجودين حاليا فى مكة يجرى استخدام البعض منهم- و ذلك أثناء مقامى فى مكة- فى العمل مرشدين و أدلاء مع جيش محمد على باشا، أو بدمجهم، بواسطة محمد على، مع بعض البدو ليشكل منهم فيلقا صغيرا، يقوده الشريف راجح، الذى هو واحد من أبرز رجال الأشراف، أو قد يجرى توظيفهم لخدمة الشريف يحيى، الذى أوفدهم فى مهمة إلى المواقع المتقدمة فى اتجاه اليمن. تقاعد البعض من هؤلاء الأشراف بعد أسر الشريف غالب، و عادوا إلى الوهابيين أو إلى اليمن، فى حين لم يتبق منهم فى مكة سوى قلة قليلة. هؤلاء الذين سنحت لى الفرصة بمقابلتهم، كانوا يتميزون بكثير من السمات التى توحى و تعبر عن أصلهم النبيل، إضافة إلى أن ظاهرهم جميعا يوحى و يدل على أنهم من البدو، هؤلاء الأشراف أحرار، جسورين، صرحاء، أصدقاء حميمون، أعداء ألداء، ينشدون الشهرة، و فى داخلهم فضيلة الفخر و الكبرياء، التى تضعهم على حد زعمهم فوق مستوى أعلى من مستوى سلطان اسطنبول. و أنا لم أر رجلا فى مستوى أناقة الشريف راجح، الذى أتيت على ذكره عندما كنت أتحدث عن حملة محمد على باشا، و كيف أن وقفاته و مواقفه المحترمة ستذيع شهرته بين الآلاف، و لا يمكن لامرئ أن يتخيل وجها صبوحا يفيض حيوية و ذكاء مثل وجه الشريف غالب. الشريف يحيى، الحاكم الحالى، صاحب بشرة شديدة السواد مثل والده تماما؛ كانت أمه أمة حبشية تميل بشرتها إلى اللون البنى الغامق.

المكيون لا يثنون كثيرا على أمانة الأشراف. و أنهم غالبا ما كانوا يكشفون عن تقلب كبير فى الشخصية و السلوك، لكن الأمر يختلف عن ذلك تماما إذا ما أخذنا بعين اعتبارنا المكان و الزمان اللذين عاش فيهما هؤلاء الأشراف: تعليم هؤلاء الأشراف البدوى هو الذى جعلهم متميزين و مفضلين، من نواح كثيرة على عامة المكيين.

هناك قاعدة بين الأشراف مفادها أن بنات الشريف الحاكم لا يمكن أن يتزوجن، بينما يقوم أشقاؤهن باللعب فى الشارع مع أندادهم الذين لا يتميزون عنهم من حيث‏

286

الملبس، أو وقار المظهر، نجد أن البنات التعيسات يبقين محبوسات فى منزل و الدهن.

لقد رأيت ولدا من أبناء الشريف غالب، و كان والده من بين الأسرى المحتجزين فى سالونيكا، رأيته و هو يلعب أمام باب المنزل. لكنى عرفت و سمعت أنه عندما يعود أبناء الشريف الحاكم من الصحراء، و يكونون لم يبلغوا بعد الحد الذى يظهرون معه على الملأ و قد تحلوا بمظهر الرجولة، فإنهم يجرى الاحتفاظ بهم فى منزل والدهم أو فى فنائه، و لا يراهم أو يتصل بهم إلا أهل البيت من أفراد العائلة، و لا يظهرون على الملأ للمرة الأولى إلا و هم ركوب على ظهور الخيل، و يسيرون إلى جانب والدهم، و اعتبارا من تلك اللحظة يصبحون فى سن تؤهلهم للزواج على الفور، و يبدأون المشاركة فى الشئون العامة.

القسم الأكبر من أشراف مكة، و بخاصة هؤلاء الذين فى سدة الحكم فى الوقت الراهن أو بالتحديد ذوى زيد، تدور من حولهم الشكوك، بأنهم مسلمون ملّيون ينتمون إلى الزيود، و بخاصة الجبال المحيطة بمدينة صعداء. على كل حال، الأشراف لا يقرون هذا المذهب أو يتبعونه، و إنما هم يلتزمون بالمذهب الشافعى، الذى ينتمى إليه السواد الأعظم من المكيين، لكن الأشراف الذين يعيشون خارج البلاد لا ينكرون هذا المذهب، و عند مناقشة النقاط التى فيها اختلاف شرعى و تحمل على ما يعتقده الزيود، و يختلفون فيه عن أهل السنة، ترى الأشراف دوما لا يتخذون موقفا إيجابيا فى النقاش الذى يكون من هذا القبيل.

مبلغ علمى أن الزيود ينقسمون إلى مذاهب عدة. زيود اليمن و مكة الذين يعترفون بالإمام الهادى للحق يحيى بن الحسين مؤسسا لهذا المذهب، الذى يرجع نسبه إلى الحسن بن على رضى اللّه عنه. و قد ولد الإمام يحيى فى مدينة الرس، فى منطقة القصيم، فى العام 245 الهجرى و ظهر أول مرة داعيا للدين فى بلدة صعداء، فى اليمن فى العام 280 الهجرى، حارب الإمام يحيى مع العباسيين، و استولى على صنعاء، التى طرد منها، ثم هاجم القرامطة بعد ذلك، و توفى مسموما فى صعداء فى العام 298 الهجرى. بعض آخر يردون أصل هذا المذهب إلى ما هو أعلى من ذلك، أى‏

287

إلى زيد بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب، الذى قتل فى الكوفة فى العام 121 الهجرى بأيدى جماعة الخليفة هشام. يبدو أن الزيود يوقرون عليا- رضى الله عنه- توقيرا كبيرا، لكنهم فى الوقت ذاته لا يسبون أو يلعنون أبا بكر أو عمر- رضى الله عنهما-. هؤلاء الزيود لديهم أفكار غير التى لدى السنة فيما يتعلق بولاية الأئمة الاثنى عشر، لكنهم يتفقون مع السنة فى الأمور الأخرى، هذا يعنى أن نقاط الائتلاف بين الزيود و السنة أكثر من نقاط الاختلاف مع الفرس. زيود اليمن الذين ينتمى إليهم إمام صنعاء، يعدون أنفسهم أصحاب المذهب الخامس من المذاهب الإسلامية، و أن هذا المذهب الزيدى يجى‏ء بعد المذاهب الأربعة: الأحناف، و الشافعية، و المالكية، و الحنابلة، و لهذا السبب فهم يطلقون على أنفسهم أهل المذاهب الخمس، هؤلاء الزيود يذيعون معتقداتهم على الملأ، و فى مكة يخفون هذه المعتقدات. بلغنى أن من بين معتقداتهم الرئيسية، ذلك المعتقد الذى مفاده أن الصلاة إذا ما كانت فى المسجد أو المنزل، يجب ألا تحتوى على أية تعبيرات أخرى غير تلك التعبيرات الواردة فى القرآن، أو التعبيرات التى يجرى تشكيلها من مقتطفات من ذلك الكتاب.

المكيون ينظرون إلى الزيود باعتبارهم مهرطقين، و يؤكدون أن الزيود، شأنهم شأن الفارسيين، لا يحترمون الخلفاء الذين خلفوا محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) مباشرة. تتردد بعض القصص التى مفادها أن زيود اليمن يكتبون اسم معاوية على أقذر الأماكن فى منازلهم، و ذلك من باب الاحتقار لذلك الرجل، لكن هذه المفاهيم لا يجاهر بها هؤلاء الزيود، و أن الأشراف يتفقون ظاهريا مع كل ما يقول به أهل السنة، و ذلك بغض النظر عن آرائهم الخاصة.

سبق أن قلت إن قاضى مكة يوفد سنويا من إسطنبول، طبقا أو تمشيا مع الإجراءات الحكومية التركية المعتادة فيما يتصل بالمدن الكبرى فى الإمبراطورية التركية. و قد بدأ ذلك النظام بالأباطرة الأوائل، الذين ظنوا أنهم إذا ما حرموا الحكام المحليين من إقامة العدل، و وضعوا إقامة العدل هذه بين أيدى عالم يوفد من إسطنبول‏

288

بين الحين و الآخر، و يكون مستقلا تماما عن الحكام، يمكن أن يمنعوا الحكام من ممارسة أى نفوذ لا لزوم له على المحاكم، و يصبح بوسعهم أيضا تحاشى الأحكام التى يمكن أن تترتب على بقاء قاض فى منصبه فترة من الزمن. لكن السلوكيات فى الإمبراطورية تغيرت و تباينت عما كانت عليه قبل ثلاثة قرون من الزمن. القاضى حاليا، فى أية مدينة من المدن يكون تحت نفوذ الحاكم مباشرة و سيطرته، هذا الحاكم يستبد كما يشاء، شريطة أن يرسل الإعانات التى يتحتم إرسالها إلى الباب العالى، أو يدفع رشوة للقاضى، الذى يتقاسمها مع الحاكم، أو قد يتغاضى عنها الحاكم مقابل أن يراعى القاضى مصالح الحاكم فى بعض القضايا الأخرى. و قد ارتفعت أيضا رسوم التقاضى ارتفاعا كبيرا، و وصلت إلى حد الربع من المبلغ محل التقاضى، هذا فى الوقت الذى تتغاضى فيه المحكمة عن أوضح الحقوق و أجلاها، إن لم يكن ذلك مدعوما بهبات كثيرة و كبيرة للقاضى من ناحية، و لمجموعة الموظفين و الخدم المحيطين به من الناحية الأخرى. هذه الاضطرابات على مرأى و مسمع من الباب العالى، هذا يعنى أن منصب القاضى كان يباع لأعلى سعر، من باب أن القاضى يعرف أنه سيعوض ما دفعه من خلال الأجور الإضافية التى ستحصل عليها إدارته.

فى تلك البلدان التى يتدافع العرب فيها على المحكمة، نجد أن القاضى، الذى جرت العادة ألا يعرف سوى القليل جدا من اللغة العربية، يكون بين يدى مترجمه، و المترجم هذا وظيفته دائمة، و هو الذى يعرف كل قاض من القضاة الجدد بأساليب الرشوة السائدة فى المكان، و يحصل لنفسه على نصيب وافر من حصاد هذه العملية. هذه المظالم السافرة و الرشوة المخزية، التى تحدث فى المحاكم وقاعات العدل كل يوم قد تبدو للأوروبى بصفة عامة و الإنجليزى بصفة خاصة أمورا لا يصدقها العقل.

بذلك يكون قاضى مكة قد لقى مصير إخوانه القضاة فى سائر أنحاء الإمبراطورية العثمانية، عندما أصبح خاضعا لنفوذ الشريف، الذى أصبحت القضايا كلها تقدم إلى محكمته، مما أدى إلى تزجية وقته فى أشياء و أمور لا نفع منها. لقد

289

أبلغنى القاضى نفسه، أن الباب العالى، و هو يقدر الموقف منذ سنوات مضت، رأى أن يدفع كل عام لقاضى مكة، من خزانته ما قيمته مائة كيس (صرة). بعد الغزو الذى قام به محمد على باشا بدأ القاضى يستعيد أهميته، مواكبا بذلك انحسار نفوذ الشريف.

عندما كنت فى مكة، كانت القضايا كلها يجرى البت فيها فى المحاكم. لم يحدث أن تدخل محمد على فى عمل المحاكم، مستهدفا بذلك اكتساب رضا العرب، و يبدو أن القاضى نفسه تلقى من محمد على باشا أوامر تقضى بتوخى الحذر فى العمل، الأمر الذى أدى إلى إقامة العدل فى ذلك الوقت، قياسا على المحاكم الأخرى فى أضعف الأحوال، يزاد على ذلك أن السكان لم يكونوا معارضين للنظام الجديد. قاضى مكة هو الذى يعين شاغلى المناصب القضائية فى كل من جدة و الطائف، و هؤلاء المعينين يكونون من العرب و ليسوا من الأتراك. يضاف إلى ذلك أن أئمة المذاهب الأربعة لهم رأيهم أيضا فى القضايا الشرعية المهمة.

يأتى دخل الشريف بصفة خاصة من الرسوم الجمركية التى يجرى تحصيلها فى جدة، هذه الرسوم، كما سبق أن أوضحت لا يجرى اقتسامها، بناء على أوامر الحكومة، بين الشريف و باشا جدة. زد على ذلك أن جمارك جدة التى تتساوى و تتفق مع الجمارك فى سائر أنحاء الإمبراطورية العثمانية، قام الشريف غالب بزيادتها زيادة كبيرة، لتصبح بذلك السبب الرئيسى وراء معارضة التجار لذلك الرجل. استأثر محمد على باشا لنفسه بجزء كبير من التجارة. كانت هناك ثمانى سفن من طراز الدهو، تابعة لمحمد على باشا و تعمل فى تجارة البن بصورة مستمرة بين اليمن، و جدة، و مصر، و عندما كان سوق البن يصاب بالكساد كان محمد على يجبر التجار على شراء شحناته نقدا بسعر السوق، لكى يسارع بإرسال دولاراته إلى اليمن. قامت سفينتان من كبريات سفنه (إحداهما إنجليزية الصنع جرى شراؤها من بومباى، و حمولتها أربعمائة طن) برحلة إلى جزر الهند الشرقية و كانت هذه الرحلة تتكرر كل عام، و كان يجرى بيع حمولات هاتين السفينتين إما للحجاج فى مكة، أو تقسيم تلك الحمولات بين تجار جدة الذين كانوا يجبرون على شراء هذه البضائع.

290

أخضع محمد على باشا ميناء ينبع- شأنه شأن ميناء جدة- للظروف نفسها على الرغم من أن الشريف كان قد عين حاكما (محافظا) لذلك الميناء. كما فرض محمد على ضريبة أيضا على الماشية و المؤن و التموينات التى كانت تنقل من داخل البلاد إلى جدة، كما فرض ضرائب أيضا على الماشية و المؤن و التموينات التى تنقل إلى كل من مكة، و الطائف- و استثنى من ذلك البضائع و الماشية و المؤن و التموينات التى تأتى بصحبة قافلتى الحج الكبيرتين اللتان تأتيان من الشمال، و ذلك فى جميع الأماكن و المحطات التى تمر عليها هاتان القافلتان. لم يكن سكان مكة أو جدة يدفعون أية ضرائب أخرى غير تلك التى سبق الإشارة إليها، فقد كانت بيوتهم، و أشخاصهم و ممتلكاتهم معفاة من الضرائب بكل أشكالها، سكان مكة و جدة لم يعترفوا أو يقروا بهذه الميزة، لأنهم لم يقارنوا أنفسهم بالمحيطين بهم فى كل من سوريا و مصر. كانت أفرع مداخيل الشريف الأخرى تتمثل فى الأرباح التى كان يجنيها من وراء بيع المؤن و التموينات فى مكة، و التى لم يكن يحتكرها لنفسه مثل محمد على باشا، و إنما كان لديه رصيد حاضر كبير من هذه المؤن و التموينات، الأمر الذى كان يمكنه من التأثير على الأسعار اليومية لهذه الأشياء. مصدر آخر من مصادر مداخيل الشريف، كان يتمثل أيضا فى ضريبة الرءوس التى كانت تفرض على الفرس الذين يصلون عن طريق البر قادمين من بغداد، و عن طريق البحر الأحمر و اليمن، و هناك مصدر آخر كان يتمثل فى الهدايا الكبيرة التى كانت تأتيه عن طيب خاطر أو بالغصب من أثرياء الحجاج الذين يفدون من مختلف البلاد (*).

كان الشريف يقتطع لنفسه مبلغا كبيرا من النقود التى كانت ترسل من إسطنبول إلى المدينة المقدسة، و يقال إن الشريف كان يحصل لنفسه على نصيب من الهدايا التى‏

____________

(*) فى الماضى، و عندما كان الأشراف أقوى مما هم عليه حاليا، كانوا يفرضون إتاوة على قافلتى الحج الكبيرتين، و كانت تلك الإتاوة مساوية لتلك التى كان البدو يجبونها على الطريق. كان أبو نيمه، فى العام 654 الهجرى يجبى ثلاثين درهما على كل حمل من أحمال القافلة اليمنية، و خمسين درهما على كل حمل من أحمال القافلة المصرية.

291

كانت ترسل للمسجد الحرام. كانت لدى الشريف أملاك عقارية كبيرة. هذا يعنى أن كثيرا من البساتين المحيطة بالطائف، و كثير من المزارع التى كانت فى وادى الحسينية، و وادى فاطمة، و وادى الليمون، و وادى مضيف، كانت من ممتلكات ذلك الرجل. كان له فى جدة أيضا من المساكن التى كان يجرى تأجيرها للأجانب، و بذلك كان شبيها إلى حد كبير بمحمد على الذى جاء بعده، أى أنه كان يعول على الربح و الأرباح مهما كانت تافهة، كان انتباه الشريف غالب منصبا على جمع الثروة. كان دخل الشريف السنوى، يوم أن كان فى أوج قوته، يصل إلى حوالى ثلاثمائة و خمسين ألف جنيه إنجليزى، لكن بعد غزو الوهابيين الحجاز لم يكن دخل الرجل يتجاوز نصف هذا المبلغ.

لما كان الشريف غالب تاجرا و مالكا للأرض، و لما كان أيضا يجلب السلع الاستهلاكية بسعر المصنع، فإن إعاشته و أهل بيته و حاشيته، و نسائه و عبيده، لا تحتاج- على حد تخيلى- إلى أكثر من عشرين ألف جنيه إنجليزى كل عام. فى زمن السلم، يحتفظ الشريف بقوة عاملة، لا يزيد قوامها على خمسمائة رجل، منها حوالى مائة فرد فى حامية جدة، و خمسين فردا فى الطائف، و خمسين فردا فى ينبع، و الباقى فى مكة، كانت هذه القوة تضم أيضا ثمانمائة خيّال، إضافة أيضا إلى أفراد أسرته و أهل بيته. يزاد على ذلك أن عددا كبيرا من الجنود كانوا عبيدا للشريف غالب، لكن القسم الأكبر من هذه القوة كانوا من البدو من أجزاء مختلفة من الجزيرة العربية، و كان العدد الأكبر من هؤلاء البدو. يجيئون من اليمن، و من جبال عسير، و من نجد. كان الواحد منهم يتقاضى أجرا شهريا يتردد بين ثمانية دولارات و اثنى عشر دولارا، و كانوا يعملون تحت قيادة الأشراف، الذين كانوا يطيعونهم مثلما يطيع البدو قائدهم أثناء الحرب، هذا يعنى أن هؤلاء الجنود، بحكم عدم تدريبهم تدريبا نظاميا، كانوا يرافقون الشريف كلما كان يقوم بجولة خارج المدينة، و أنهم كانوا يفتحون نيران بنادقهم عند العودة، طبقا لأعراف الجزيرة العربية و تقاليدها، التى تخول لهم القفز و الجرى هنا و هناك. كان جنود المشاة مسلحين ببنادق فتيلية، و خنجر معقوف، أما

292

الخيالة فكانوا مسلحين بالحراب و الرماح. عندما كان الشريف غالب يدخل حربا من الحروب، كانت تلك القوة تتزايد عن طريق دخول أشراف كثيرين آخرين فى الحرب و معهم أتباعهم، هؤلاء الأشراف لا يحصلون على أجر اللهم إلا باستثناء الهدايا التى كانت تقدم لهم بين الحين و الآخر، فضلا عن أنصبتهم من الغنائم، كانت هذه الحروب موجهة ضد القبائل البدوية، التى كانت ماشيتها هى بيت القصيد من الغزو. فى المناسبات التى من هذا القبيل، كان بدو آخرون ينضمون إلى الشريف غالب ثم يعودون إلى منازلهم مع شيوخهم فور انتهاء الحملة أو الغزو. مع بداية الحرب الوهابية، و عندما بدأ الوهابيون القيام بهجمات ناجحة على الحجاز، وجد الشريف غالب أن من الضرورى زيادة عدد جيشه النظامى و لذلك أضاف إلى هذا الجيش بعضا من العبيد السود، ليصل عدد الجيش إلى ثمانمائة رجل، مهتديا فى ذلك بمن سبقوه، الذين كانوا ينظرون إلى عبيدهم بمنظار أنهم أخلص الناس لهم‏ (*)، كما أضاف الشريف غالب مزيدا من البدو إلى جيشه، الأمر الذى أوصل عدد جيشه خلال ذلك الصراع إلى ما يتردد بين ألفين و ثلاثة آلاف رجل، و ظن الرجل أن هذا العدد كان لحماية مدنه. كان الرجل كلما خطط لهجوم على الوهابيين، يجمع حلفاءه من بين البدو، و يتقدم مرات عدة صوب نجد و معه قوة متحدة (موحدة) قوامها عشرة آلاف رجل. و عندما اضطر هؤلاء الحلفاء مرارا، إلى الاستسلام للغزاة، و عندما انكسر بدو الجنوب الذين كان غالب يعتمد عليهم بصورة أساسية أمام الجهود الكبيرة و القتال و النشاط الكبير من جانب عثمان المضايفة، وجد الشريف غالب نفسه وحيدا، بصحبة قواته القليلة جدا و عاجزا عن مواصلة القتال، و سرعان ما جرى طرده بعد ذلك إلى أصقاع بعيدة، و اضطر إلى الاستسلام على الرغم من احتفاظه بمجموعة من القوات كان يتكفل بدفع أجورها، بعد أن أحكم سعود قبضته على الحجاز، و أدار شئونه على نحو يضمن استمرار سلطته، و احترام الوهابيين.

____________

(*) ظل أشراف مكة طوال القرن الماضى يحتفظون بجماعات صغيرة من المماليك الجورجيين باعتبارهم حرسا خاصا لهم.

293

كانت تكاليف زيادة قوات الشريف غالب أثناء الحرب الوهابية كبيرة تماما، و كان من الضرورى تقديم الهبات و العطايا لكل من الشريف و البدو حتى يمكن جعل البدو يراعون مصالح الشريف غالب، لكن تصادف أن كانت مصالح الشريف هى مصالح البدو أيضا، و على الرغم من أن البدو لا يكلون أو يملون السؤال و طلب الهدايا، فإنهم يرضون بالقليل. و هنا يمكن لنا القول: إن الشريف غالب لم يحدث طوال سنى حكمه أن عاش فى حدود مداخيله و موارده، و مع ذلك كان أهل الحجاز يعرفون جيدا أن الشريف غالب طوال سنى حكمه السبعة و العشرين، قد كدس كنزا هائلا من الأموال.

بعد أن ألقى محمد على باشا القبض على الشريف غالب، كان إجمالى ثروة الشريف غالب فى كل من مكة و جدة يقدر بحوالى مائتى ألف جنيه إنجليزى أو مائتين و خمسين ألف جنيه، و قيل إن الشريف غالب إما أن يكون قد أخفاها فى قلعته، أو أنه سلمها إلى أصدقائه فى الهند فى الوقت الذى كان محمد على باشا يستعد للهجوم عليه، و المرجح أن الشريف غالب لجأ إلى الطريقتين؛ أى إخفاء الثروة المالية، و بذلك يكون هو الآخر قد زاد المبالغ الكبيرة التى يجرى تخبئتها كل يوم فى بلاد الشرق، بواسطة أولئك الذين يتولون الحكم فى بلاد الشرق، أو عن طريق أشخاص معينين. هذه هى واحدة من الطرق السنية التى يلجأ إليها حكام الشريف عندما يخفون ثرواتهم، الأمر الذى لا يجعل أكثر الناس ثراء يعانى كثيرا جراء هذه الخسارة. (*)

____________

(*) شيوع مسألة إخفاء الثروات فى تركيا و أسباب هذه المسألة يمكن الوقوف عليها من الحادث التالى الذى وقع فى العام 813 الميلادى فى القاهرة. بعد أن طلب محمد على باشا مبلغا يقدر بحوالى 15000 كيس (صرة) من الأقباط المستخدمين فى المالية المصرية، قسموا هذا المبلغ فيما بينهم، و رفض المعلم فلتؤس، ذلك الرجل العجوز، الذى كان كبيرا للممولين دفع مبلغ يساوى ألف صرة و مائتى صرة، أى ما يقرب من 18000 جنيه إنجليزى، رفض المعلم فلتؤس دفع هذا المبلغ مدعيا الفقر، و أرسل الباشا فى طلبه، و هدده و عندما وقف على عناده، أمر بضربه، و بعد أن تلقى المعلم فلتؤس خمسمائة ضربة بالعصا و بعد أن أشرف على الوفاة، أقسم بأنه لا يستطيع دفع سوى مائتى كيس. ظن محمد على أن الرجل كان يقول الحق، و لكن إبراهيم باشا، ولد محمد على، الذى تصادف وجوده فى ذلك الوقت، قال إنه على يقين من أن المعلم فلتؤس لديه مال أكثر من ذلك. و تلقى فلتؤس ثلاثمائة ضربة إضافية، اعترف بعدها أن لديه المبلغ المطلوب و وعد بدفع المبلغ المطلوب، و سمح له بالعودة إلى منزله بعد ذلك، و بعد مضى أسبوعين، و بعد أن تعافى من آثار الضرب و أصبح يقوى على المشى، جرى إرسال المبعوثين إليه من قبل الباشا-

294

مناخ كل من مكة و جدة و أمراضهما

مناخ مكة شديد الحرارة و الرطوبة و غير صحى؛ الصخور التى تطوق وديان مكة تحجب عنها الريح و تعترض مرورها، و بخاصة الرياح التى تهب من الشمال، كما تعكس هذه الصخور أشعة الشمس الأمر الذى يضاعف من درجة الحرارة. تصل الحرارة إلى أقصى مدى لها فى أشهر أغسطس و سبتمبر و أكتوبر. أثناء مقامى فى مكة سادت الجو ريح خانقة استمرت خمسة أيام من شهر سبتمبر و الأمطار فى مكة متقطعة، كما هو الحال فى البلدان الاستوائية الأخرى، إذ لا تسقط الأمطار هنا إلا على فترات تتراوح بين خمسة أيام و ستة أيام، لكنها تسقط بعد ذلك بشكل غزير و عنيف، و زخات المطر تسقط بين الحين و الآخر، حتى فى فصل الصيف، و المكى يقول:

إن السحب التى تأتى من على ساحل البحر هى التى تغمر الأرض بمائها، أما السحب التى تأتى من الشرق، أو من الجبال العالية، فهى التى تنتج عنها زخات المطر الخفيفة، أو إن شئت فقل: الوابل الخفيف. لقد بلغنى أن المطر الغزير قد يستمر طوال أربع سنوات متتالية و هذا أمر جد نادر، و لربما كان ذلك هو السبب الرئيسى وراء فقر البدو اللذين يعيشون فى المناطق المجاورة لمكة، إذ غالبا ما يسفر الجفاف الشديد عن نفوق القسم الأكبر من ماشيتهم بسبب نقص المرعى.

هواء مكة جاف جدا بشكل عام. و يبدأ الندى فى التساقط اعتبارا من شهر فبراير، بعد سقوط نوبات غزيرة من المطر. جدة على العكس من هذا تماما، حيث‏

____________

- و جرى استدعاء بعض العمال، و نزل فلتؤس مع الجميع إلى مرحاض منزله، و رفع العمال عند أسفل المرحاض، حجرا كان يغطى ممرا طويلا فى قبو على شكل قبة، فيه صندوقين من الحديد، عند فتح الصندوقين، جرى العثور على ألف كيس من السكوينات، أخذ الباشا منها ألفا و مائتى كيس، و ترك الباقى لفلتؤس الذى توفى بعد ذلك بثلاثة أشهر، لا بسبب الضربات التى تلقاها و إنما بسبب حزنه على النقود. لو تمكن ذلك الفلتؤس من نقل الكنز سرا، لفعل ذلك، و يا ليتهم لم يعينوا عليه حارسا عقب الوعد الذى قطعه على نفسه بدفع المبلغ، كان الباشا على يقين من أن المبلغ مخبأ فى مكان ما طبقا للعرف الذى كان ساريا فى الشرق فى ذلك الوقت.

295

يكون الجو شديد الرطوبة فيها، حتى مع ارتفاع درجة الحرارة، و هذا ناتج عن بخار ماء البحر و المستنقعات المتعددة الموجودة على ذلك الشاطئ المنخفض. تصل رطوبة الجو فى جدة حدا، جعلنى أحس، و نحن فى شهر سبتمبر، و الجو حار و السماء صافية، أن ردائى الخارجى قد ابتل تماما، نظرا لوقوفى مدة ساعتين فى الهواء الطلق. الندى يكون غزيرا جدا أيضا أثناء الليل، فى شهرى سبتمبر و أكتوبر، كان الضباب الكثيف يظهر على الشاطئ و ساحل البحر، فى المساء و الصباح. أثناء شهور الصيف تهب الريح عادة فيما بين الشرق و الجنوب، و نادرا ما تنحرف غربا، لكنها قد تنحرف شمالا فى بعض الأحيان. فى شهر سبتمبر، تهب الرياح الشمالية و تستمر طوال فصل الشتاء، و فى الحجاز كما هو الحال على ساحل البحر فى مصر تهب الرياح الشمالية الشرقية الأكثر رطوبة عن سائر الرياح الأخرى، أثناء هبوب الرياح الشمالية الشرقية، تبدو الأرصفة الداخلية فى المنازل و كأنها مغطاة بالندى.

الأمراض المنتشرة فى المدينتين تكاد تكون واحدة، و يدخل ساحل الحجاز ضمن بلدان الشرق غير الصحية. تشيع فى المدينتين الحمى المتقطعة بكل أشكالها، كما تنتشر فيها أيضا الدوسنتاريا، التى غالبا ما تنتهى بتورمات فى البطن، و غالبا ما تفضى إلى الموت. قلة قليلة من البشر هم الذين يمضى عليهم عام دون الإصابة بهذه الأمراض، و لا يستوطن أجنبى كلا من مكة أو جدة، دون أن يصاب فى بداية إقامته بواحد من هذه الأمراض، و هذه الحقيقة جرى التأكد منها، فى الجيش التركى بقيادة محمد على باشا. حمى الالتهابات بكل أنواعها تعد أشياء نادرة الحدوث فى جدة عنها فى مكة، لكن جدة يشيع فيها نوع من حمى العفن التى قد تبدو معدية، على حد قول السكان، و قيل إن خمسين شخصا ماتوا متأثرين بهذه الحمى فى يوم واحد، و فى الأعوام 749، 793، 829، نقل أشخاص آخرون العدوى إلى المدينة، و فى العام التالى لهذه العدوى توفى ألف شخص بفعل هذه الحمى. و مع ذلك، لا تجد هؤلاء المؤلفين يأتون على ذكر الطاعون، و لا يذكر الطاعنون فى السن أن الطاعون ظهر ذات مرة فى الحجاز، و من هنا سرى اعتقاد بين الناس مفاده، أن المولى سبحانه و تعالى يحمى هذه‏

296

المنطقة من غضبه، لكن فى ربيع العام 1815 الميلادى، انتشر الطاعون انتشارا واسعا و عنيفا على النحو الذى سوف أتناوله فى موضع آخر، الأمر الذى جعل مكة و جدة تخسران سدس سكانهما.

الرمد شى‏ء نادر الحدوث فى الحجاز. و أنا لم أر سوى حالة واحدة لشخص أبرص بين البدو، فى بلدة الطائف. مرض الفيل و الدودة الغينية أمور شائعة هنا، و بخاصة مرض الفيل الذى شاهدت حالات كثيرة منه هنا فى جدة و مكة. يقال أيضا إن حصوة المثانة من الأمور الشائعة فى مكة، و ربما كان ذلك ناتجا عن نوعية المياه، التى يعزو الكثيرون أمراضا كثيرة إلى رداءتها. بلغنى أن الجراحين الوحيدين الذين يعرفون كيف يجرون عملية استخراج الحصوة من المثانة هم بدو قبيلة بنى سعد، الذين يعيشون على بعد ثلاثين ميلا من بلدة الطائف. فى زمن السلم يأتى بعض جراحى بنى سعد إلى مكة لإجراء هذه العملية التى يقولون إن أسرار عملها مقصورة على بعض عائلات قبيلة بنى سعد، و يقال إنهم يستعملون موسى عادية و تنجح العملية بشكل عام.

تقرحات القدمين، مرض شائع تماما فى كل من مكة و جدة، و بخاصة تورمات عظمة الساق الأكبر، و لكن هذا المرض يزيد بشكل أكبر فى جدة نظرا لأن رطوبة الجو تجعل علاج هذا المرض أمرا صعبا، واقع الأمر أن أصغر خدش فى هذا المناخ الرطب، أو أية لسعة من لسعات الحشرات يمكن إذا ما أهملت أن تتحول إلى قرحة، و سرعان ما تتحول بعد ذلك إلى جرح مفتوح، و من الشائع جدا هنا أن نرى تقرحات على أرجل الناس و هم سائرين فى الشوارع، هذه التقرحات إذا ما أهملت قد تؤدى إلى انكشاف عظمة الساق. و لما كان علاج هذه التقرحات يحتاج إلى شى‏ء من الصبر، و الراحة قبل كل شى‏ء فإن الطبقات الدنيا يندر أن تتنبه إلى ذلك منذ البداية، و عندما يصبح علاج هذه التقرحات أمرا لا مفر منه، يعجز الناس عن العثور على الجراح الجيد، و يعقب ذلك إصابة المريض بالحمى و يموت كثير من المرضى بسبب هذا الإهمال. مبلغ علمى أن ربع سكان جدة يعانون من قرح فى أرجلهم، و يتزايد خطر هذا المرض مع استعمال الماء المالح فى الوضوء.

297

أثناء مقامى فى مكة لم أنعم أبدا بالصحة الجيدة، فقد داهمتنى الحمى مرتين، و بعد رحيل قافلة الحج السورية أصابتنى نوبة إسهال حاد، نجوت منها عندما شرعت فى السفر إلى المدينة المنورة. فى تلك الأيام و عندما كنت خاليا من المرض، كنت أستشعر الكسل و التراخى، و الاكتئاب، و فقدان الشهية. طوال أيام الحج الخمسة، كنت بصحة جيدة، على الرغم من تخوفى من النتائج المترتبة على خلع ملابس الإحرام. تضاءلت قوتى، و تطلبت منى جهدا كبيرا، كلما كنت أود الخروج من غرفتى.

عزوت مرضى إلى عدم صلاحية المياه، و قد تعلمت من تجاربى السابقة أن جسمى شديد الحساسية لنقص الماء الخفيف أو غيابه، مادة الحياة الأولى فى بلدان الشرق.

الماء المالح فى الصحراء قد يحظى برضا و تحية الرجّالة. و على الرغم من ارتفاع درجة حرارتهم بسبب الرحلة، و على الرغم من عملهم تحت ضغوط العمل و معوقاته الناجمة عن نوعية الطعام الذى يتناولونه على الطريق، فإن الماء المالح يعد ملينا لطيفا، و بالتالى فهو يعمل عمل الجرعات الطبية، لكن الوضع على العكس من ذلك إذا ما استعمل هذا الماء المالح أثناء الإقامة المستقرة لفترة طويلة، مما يجعل المعدة تتعود على هذا النوع من الماء. لو كنت فى صحة أفضل، و روح معنوية أفضل، فلربما قمت بزيارة بعض الوديان القريبة من الجنوب، أو أمضيت أشهرا معدودة بين البدو الحجازيين، لكن النتائج التى تترتب على اعتلال الصحة، تشكل نوعا من القلق و الإزعاج للرحال و يروح يرافقه، هو و المخاوف التى تستحوذ على ذهنه، و الأخطار التى قد لا يدركها الرحال فى ظل مثل هذه الظروف.

أسعار المؤن و التموينات فى مكة كانت على النحو التالى فى شهر ديسمبر

من العام 1814: قرش بارة

رطل لحم بقرى/ 2/ 10

رطل لحم الضأن/ 2/ 0

رطل لحم جملى/ 1/ 0

298

رطل من الزبد/ 5/ 0

رطل من الجبن الطازج غير المملح/ 3/ 0

دجاجة/ 6/ 0

بيضة واحدة/ 0/ 8

رطل من الحليب/ 2/ 0

رطل من الخضراوات: الكراث، السبانج، اللفت‏

الفجل، الكوسة، الباذنجان، البصل الأخضر ... إلخ/ 0/ 30

رغيف صغير مستدير من الخبز/ 0/ 20

رطل من البسكويت الجاف/ 0/ 32

رطل من زبيب الطائف/ 0/ 20

رطل من التمر/ 1/ 25

رطل من السكر (هندى) 0/ 10

رمانة/ 0/ 15

برتقالة/ 0/ 15

ليمونة فى حجم اللوزة (من نوعية الليمون المصرى// 10

رطل من التبغ السورى الجيد

رطل من التبغ العادى/ 6/ 00

رطل من التمباك، أو تبغ للشيشة الفارسية/ 1/ 30

كلية قمح/ 3/ 0

1 دو من الدقيق‏

1 دو من الأرز الهندى/ 3/ 0

1 دو من العدس المصرى/ 3/ 20

1 دو من الجراد المجفف/ 3/ 0

قربة ماء/ 3/ 30

حطب لطبخ طبقين/ 2/ 00

299

عامل لمدة يوم/ 3/ 0

عامل للذهاب إلى وسط البلد/ 1/ 0

مسافة نصف ميل‏

أجور عامة الخدم‏ (*)، إضافة/ 30/ 0

إلى الملبس و الطعام لمدة شهر

أجور الحرفيين، مثل الحدادين، و النجارين،

باليوم، إضافة إلى الطعام/ 5/ 0

ملاحظة مهمة: كان الدولار الإسبانى يساوى فى ذلك الوقت ما يتردد بين ثمانية قروش و اثنى عشر قرشا، طوال إقامتى فى مكة، كما كان صرف الدولار يتغير من يوم لآخر. كان سعر صرف القرش يساوى أربعين بارة أو ديوانى حسبما يسمى أهل الحجاز البارة. الرطل المكى فيه مائة و أربعة و أربعون درهما. و الإردب المصرى يساوى حوالى خمسة عشر بوشل إنجليزى و هو يقسم إلى خمسين كيلة، و الكيلة هنا مكيال من المكاييل. فى المدينة المنورة يقسم الإردب المصرى إلى ست و تسعين كيلة. و رطل جدة يساوى ضعف رطل مكة.

____________

(*) المكيون ليس لديهم سوى عبيد، لكن كثيرا من المصريين على استعداد للعمل فى خدمة الحجاج. أشهر الخدم من الأسر المكية هم الأبناء صغار السن أو بعض الأقارب.

300

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

301

المؤلف فى سطور: جوهان لورفنج بوركهارت‏Johann Burckhardt

هو سويسرى من مدينة بازل توفى و دفن فى القاهرة فى اواخر العام 1815 الميلادى.

تلقى الرجل تعليمه فى لندن و أوفدته الرابطة البريطانية إلى الشرق، و من خلال إقامته مدة تزيد على عامين فى حلب، و من خلال التجوال فى كل من سورية و النوبة، أمكن لذلك الرجل أن ينتحل بصورة متدرجة شخصية الرجل الشرقى و طابعه، و اشتهر باكتشاف بيترا الى كانت عاصمة للأقباط و مركزا من مراكز تجارة القوافل.

كان بوركهارت يتكلم العربية بطلاقة و كانت لغته سليمة، و كان ضليعا فى الأعراف الإسلامية.

لم ينكر إنه أوروبى و لكنه كان يدعى ادعاءا منطقيا بأنه مرتد عن دينه و دخل فى الإسلام منذ بضع سنين.

انتقل بوركهارت تحت اسم إبراهيم بن عبد الله من جدة إلى الطائف مارا بذلك على ركن من أركان مكة المكرمة كما مر أيضا فوق جبل قدره.

تحسنت علاقته بمحمد على باشا و عاد فى ثوب التقوى و الدين إلى مكة ليكون فى انتظار مجئ قوافل الحج.

أدى فريضة الحج فى شهرى نوفمبر و ديسمبر و ضاعت منه فرصة العودة، و غادر مكة مع بعثة الحج السورية نظرا لهروب الجمّالة الذين كانوا يرافقونه.

302

المترجم فى سطور صبرى محمد حسن‏

أستاذ اللغويات غير المتفرغ، له أكثر من عشرين بحثا و مقالا نشرت فى المجلات و الصحف العربية المحلية و الدولية منها:

له مقالات و أبحاث نشرت بمجلة الفيصل- الرياض- المملكة العربية السعودية، و مجلة كلية الملك عبد العزيز الحربية- الرياض- المملكة العربية السعودية، و المجلة العربية- الرياض- المملكة العربية السعودية، و مجلة الهلال- القاهرة- جمهورية مصر العربية.

و له كتب مترجمة إلى العربية منها:

(أ) كتب و روايات نشرتها دور نشر عربية.

1- التفكيكية: النظرية و الممارسة، تأليف كرسيتوفرنوريس، دار المريخ، الرياض، المملكة العربية السعودية.

2- الشاعر و الشكل، تأليف: جدسون جيروم، دار المريخ.

3- الإستراتيجية العربية و الإسرائيلية وجها لوجه، دار المريخ.

4- الأطفال و المخدرات، دار المريخ.

(ب) كتب نشرتها دار آفاق الإبداع العالمية للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية.

1- الموظف المشاكس.

2- عمل الفريق الفعال.

303

(ج) كتب نشرت ضمن كتاب الهلال. القاهرة، جمهورية مصر العربية.

1- هارون الرشيد، تأليف: فيلبى.

2- الكوكائين و المراهقين.

3- بنات مدمنى و مدمنات المسكرات.

(د) روايات مترجمة نشرت ضمن روايات الهلال.

1- حلم ليلة إفريقية.

(ه) كتب و روايات مترجمة نشرها المجلس الأعلى للثقافة، جمهورية مصر العربية.

1- سبعة أنماط من الغموض، تأليف: و ليم أمبسون.

2- وسط الجزيرة العربية و شرقها، تأليف: بالجريف (جزءان).

3- حركات التحرر الإفريقى، تأليف: ريتشارد جبسون.

4- إرادة الإنسان فى علاج الإدمان.

5- قلب الجزيرة العربية (جزءان).

6- سيرتى الذاتية، تأليف أحمد بللو.

(و) روايات مترجمة نشرها المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، جمهورية مصر العربية.

1- سكين واحد لكل رجل.

2- نجوم حظر التجوال الجدد.

3- المهمة الاستوائية.

304

المراجع فى سطور: محمد صابر إبراهيم عرب‏

أستاذ تاريخ العرب الحديث بقسم التاريخ و الحضارة- جامعة الأزهر 1994- حتى الآن.

أستاذ بمعهد البحوث و الدراسات العربية 1994- 2005

رئيس دار الوثائق القومية 1999 حتى نهاية 2004

رئيس مكتب النادى العربى للمعلومات- مكتب القاهرة.

عضو مجلس أكاديمية الفنون.

رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب و الوثائق القومية يناير 2005

من أهم مؤلفاته:

1-" المتغيرات الاجتماعية فى المجتمع المصرى خلال الحرب العالمية الثانية".

2- «نهاية مملكة هرمز 1622".

3-" المنهج التاريخى فى كتابات المؤرخ العمانى سالم بن حمود السيابى".

4-" المنهج التاريخى فى كتابات المؤرخ العمانى حميد بن رزيق".

5-" تجارة الخليج العربى فى ظل السطرة البرتغالية".

6-" رؤية نقدية فى مصادر التاريخ العمانى".

7-" دولة اليعاربة بين الوحدة الوطنية و الانتصارات الخارجية".

8-" الدكتور محمد حسين هيكل بين الاعتدال و التطرف".