مفتاح الأصول‏ - ج3

- الشيخ اسماعيل الصالحي المازندارني المزيد...
397 /
55

و عليه: فالصّواب في وجه عدم استحقاق المتجرّي للعقاب هو لزوم تعدّد العقاب في فرض المصادفة و المعصية بالتّقريب الّذي ذكرناه سابقا.

هذا تمام الكلام في الجهة الثّانية (أنّ المتجرّي هل هو كالعاصي يستحقّ العقوبة، أم لا؟).

و قد عرفت: أنّ التّجرّي لا يوجب استحقاق المؤاخذة، و أنّ المتجرّي لا يستحقّ العقوبة نوع عقوبة العاصي.

و أمّا الجهة الثّالثة (أنّ الفعل المتجرّى به، هل يخرج بالتّجرّي عمّا كان هو عليه، أم لا؟ بمعنى: أنّه هل يصير حراما بعد ما كان حلالا، أو يصير قبيحا بعد ما كان حسنا، أم لا؟) ففيه وجهان: و الحقّ هو الثّاني، فلا يخرج الفعل المتجرّى به عمّا كان عليه، بل يبقى على ما هو من الأحكام.

و الدّليل عليه: بطلان دعوى الخروج و عدم البقاء؛ توضيحه: أنّ مدّعي الخروج قد استند إلى وجوه كلّها مردودة:

الأوّل: أنّ القطع بانطباق عنوان حسن ذي مصلحة ملزمة على شي‏ء، يكون من موجبات حدوث المصلحة فيه و لو لم يكن ذلك الشّي‏ء من مصاديق ذلك العنوان واقعا، و كذا القطع بانطباق عنوان قبيح ذي مفسدة ملزمة على شي‏ء- كالقطع بخمريّة مائع- يكون من موجبات حدوث عنوان المفسدة في ذلك الشّي‏ء و لو لم يكن من مصاديقه واقعا، كما هو المفروض في التّجرّي.

و نتيجة ذلك: أنّ الفعل المتجرّى به يصير حراما بالعنوان الثّانوي، أو واجبا كذلك بعد ما كان مباحا- مثلا- بعنوانه الأوّلي، فمقطوع الخمريّة (فيما إذا كان متعلّق‏

56

القطع موضوعا) أو الحرمة (فيما إذا كان متعلّق القطع حكما) يصير حراما بحدوث مفسدة فيه مع كونه ماء مباحا غير حرام.

و فيه: أنّه لا شأن للقطع الطّريقي، إلّا الطّريقيّة و المرآتيّة، و لا صنع له إلّا المنجّزيّة و المعذريّة، كسائر الأمارات و الطّرق المعتبرة، فلا يكون دخيلا في الملاكات مطلقا، لا تمام الدّخل و لا بعضه، و لا يكون من محدثات المناطات من المصالح و المفاسد، بل الملاكات تدور مدار نفس العمل حدوثا و بقاء، وجودا و عدما، فهل ينبغي لأحد أنّ يتفوّه بأنّ القطع بخمريّة الخلّ يوجب حدوث مفسدة الخمريّة فيه؟ و هل يمكن أن يقال: القطع بكون هذا الماء سمّا، يجعله سمّا، و يوجب ترتّب آثار السّمّ عليه؟

هذا في القطع المتعلّق بالموضوع، و الأمر في القطع المتعلّق بالحكم كذلك- أيضا- فهل ينبغي أن يقال: بأنّ القطع بحرمة الخلّ يجعله حراما، أو القطع بحرمة الماء يوجب انقلابه من حكم الحلّيّة إلى الحرمة بإحداث ملاك الخمريّة- مثلا- فيهما؟

و بالجملة: الملاك و هو المصلحة و المفسدة، أمر عينيّ تكوينيّ مترتّب على نفس العمل بلا دخل للقطع فيه أصلا، فملاك حرمة الخمر يكون في نفسه، و ملاك وجوب الصّلاة يكون في نفسها، و لا معنى لدخل القطع فيه. نعم، هو دخيل في التّنجيز و التّعذير فقط.

الوجه الثّانى: أنّ التّجرّي و ارتكاب مقطوع الخمريّة- مثلا- كاشف عن خبث باطن الفاعل و سوء سريرته، و كون المتجرّي في مقام الطّغيان و هتك الحرمة، و هذا يوجب خبث الفعل عقلا، فيحكم بحرمته شرعا لقاعدة الملازمة.

57

و بعبارة اخرى: أنّ التّجرّي كاشف عن القبح الفاعليّ فيوجب القبح الفعليّ، بمعنى: أنّه يوجب قبح فعل المتجرى به عقلا، و بمعونة قاعدة الملازمة يحكم بحرمته شرعا، فيكون الفعل المتجرّى به حراما بالعرض و العنوان الثّانويّ.

و فيه: أنّ خبث الفاعل غير خبث الفعل، فربّ فاعل يكون خبيثا و لكن يفعل عملا حسنا؛ و لذا يمكن أن يكون لخبث الفاعل و سوء سريرته، حرمة غير حرمة الفعل و عقوبة مسانخة لتلك الحرمة، غير عقوبة الفعل الحرام.

و إن شئت، فقل: إنّ القبح الفاعلي غير القبح الفعلي، كما أنّ الحسن الفاعل غير الحسن الفعلي، فربّ فاعل قبيح يفعل فعلا حسنا، و كذا ربّ فاعل حسن يفعل فعلا قبيحا.

و نتيجة ذلك: أنّ قبح الفاعل لا يسري إلى الفعل، و لا يوجب صيرورته قبيحا عقلا كي يحرم شرعا بمعونة الملازمة، فلا يثبت بهذا الوجه الثّاني- أيضا- حرمة الفعل المتجرّى به، مضافا إلى أنّه قد عرفت: عدم جريان قاعدة الملازمة في محور المعاليل و مسبّبات الأحكام، فلو تمّت لكانت جارية في محور العلل و أسباب الأحكام.

الوجه الثّالث: أنّ القطع بحسن الفعل أو بقبحه ممّا يحسّنه و يقبّحه، بحيث يصير ذلك الفعل حسنا أو قبيحا عقلا، فبمعونة قاعدة الملازمة يصير واجبا أو حراما شرعا، فيقال: إنّ القطع بقبح الفعل المتجرّى به يوجب قبحه عقلا، فيحكم بحرمته شرعا لقاعدة الملازمة.

و فيه: أنّ حقيقة هذا الوجه راجع إلى الوجه الأوّل، حيث إنّ القطع بقبح‏

58

الفعل لا يجعله قبيحا، إلّا إذا أوجب حدوث مفسدة فيه، و كذا القطع بحسنه لا يجعله حسنا، إلّا إذا أوجب حدوث مصلحة فيه.

و قد عرفت: أنّ القطع الطّريقيّ ليس في وسعه إلّا المنجّزيّة أو المعذّريّة و أنّه ليس دخيلا في الملاكات مطلقا، بل هي تدور مدار نفس العمل وجودا و عدما، حدوثا و بقاء.

هذا، و لكن أجاب المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) عن هذا الوجه الثّالث بطريق آخر فقال، ما حاصله‏ (1): أنّ العنوان المقبّح أو المحسّن، لا بدّ و أن يكون ذاتيّا استقلاليّا، متعلّقا لإرادة المكلّف، و القطع ليس كذلك، إذ هو- لاجل طريقيّته- يكون عنوانا طارئاً آليّا؛ و عليه، فلا يكون من العناوين المقبّحة أو المحسّنة.

و بعبارة اخرى: الفعل المتجرّى به في مثل مقطوع الخمريّة أو الحرمة له عنوانان: أحدهما: ذاتيّ استقلاليّ- و لو كان زعميّا غير واقعيّ- كعنوان الخمريّة أو الحرمة، و بهذا العنوان يكون اختياريّا ملتفتا إليه؛ ثانيهما: عرضيّ آليّ كعنوان القطع في مقطوع الخمريّة أو الحرمة، فلا يكون بهذا العنوان اختياريّا، ملتفتا إليه غالبا، و مثل هذا العنوان، لا يمكن أن يكون من العناوين المحسّنة الموجبة لحدوث الحسن، أو المقبّحة الموجبة لحدوث القبح.

هذا، و لكن لا حاجة إلى هذا الطّريق لإثبات عدم كون القطع من العناوين المحسّنة و المقبّحة؛ و ذلك لجواز الاكتفاء في إثبات ذلك بطرق آخر.

الأوّل: أنّه لا يمكن اجتماع كون القطع، طريقيّا آليّا مع كونه دخيلا في الحسن أو

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 13.

59

القبح؛ إذ هما متناقضان، حيث إنّ معنى الطّريقيّة و الآليّة هو أنّه لا شأن للقطع إلّا الكشف و الحكاية عن ذي الطّريق على ما هو عليه، من الحسن أو القبح بلا دخل له فيهما أصلا، لا تماما و لا بعضا، و أمّا معنى كونه من الوجوه المحسّنة أو المقبّحة، هو عدم الكشف و الحكاية، بل التّأثير و الدّخالة بإحداث القبح أو الحسن في الفعل الّذي هو مقطوع الوجوب أو الحرمة.

و بعبارة اخرى: معنى الآليّة، بقاء الفعل على ما هو عليه من الحسن أو القبح و من الوجوب أو الحرمة، بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلّق القطع بغير ما هو عليه من الحكم أو الصّفة، و معنى كون القطع من الوجوه المقبّحة أو المحسّنة، عدم بقاء الفعل على ما هو عليه و حدوث تفاوت فيه بسبب تعلّق القطع، و هذا تناقض.

الطّريق الثّاني: أنّه لو كان القطع من العناوين المقبّحة المولّدة للقبح في الفعل الّذي تعلّق به، لزم تعدّد القبح و الحرمة و العقوبة في صورة المصادفة للواقع، و هذا مردود.

بيان ذلك: لا ريب في أنّ الفعل من جهة فرض مصادفة القطع للواقع يكون حراما، قبيحا، ذاتا، و من جهة فرض تعلّق القطع به يصير قبيحا و بقاعدة الملازمة يصير حراما- أيضا-، و لازم ذلك، تعدّد القبح و الحرمة، كما أنّ لازم ذلك هو كون القطع طريقا منجّزا بالنّسبة إلى الحرمة الواقعيّة الذّاتيّة، و موضوعا محقّقا بالنّسبة إلى الحرمة النّاشئة من قبله بقاعدة الملازمة، و هذا كما ترى.

الطّريق الثّالث: أنّ العنوان المقبّح كالظّلم، لا بدّ أن ينطبق على المعنون، و يحمل عليه حمل الكليّ على الفرد، فيقال: ضرب اليتيم- مثلا- ظلم. و من الواضح:

60

أنّ القطع لا ينطبق و لا يحمل على الفعل المتجرّى به، فلا يقال: شرب الماء المقطوع خمريّته- مثلا- قطع و علم و معلوم بالذّات، بل يقال: أنّه مقطوع و معلوم بالعرض.

و إن شئت، فقل: القطع و العلم هو المعلوم بالذّات، و الفعل المتجرّى به هو المعلوم بالعرض، و لا ينطبق المعلوم بالذّات على المعلوم بالعرض، فلا ينطبق القطع على الفعل المتجرّى به و لا يكون عنوانا مقبّحا. أو قل: القطع من صفات النّفس، و المتجرّى به عمل و فعل خارجيّ، فلا يمكن الانطباق و الهوهويّة عندئذ. أو قل: القطع عمل نفسيّ جانحيّ، و المتجرّى به عمل عينيّ جارحيّ، فلا يمكن الانطباق و الهوهويّة بينهما.

و كيف كان، عدم كون القطع من الوجوه المقبّحة أو المحسّنة في غاية الوضوح، لا يحتاج إلى الإطناب و الإطالة و جرّ البحث و الكلام إلى الاختيار و الإرادة، كما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه).

هذا كلّه، مضافا إلى أنّ ما قال به (قدّس سرّه) من إثبات عدم اختياريّة القطع، و أنّه لذلك لا يكون من الوجوه المقبّحة، فيه نوع مغالطة؛ إذ المفروض أنّه (قدّس سرّه) استدلّ لإثبات ذلك بعدم كون الفعل المتجرّى به بما هو مقطوع الحرمة اختياريّا، فإنّ القاطع لا يقصده إلّا بما قطع أنّه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي، لا بعنوانه الطاري الآلي.

و هذا الاستدلال، كما ترى، مشتمل على المغالطة، و وضع المقطوع به و هو الفعل المتجرّى به، في الدّليل، مكان القطع المعنون في الدّعوى، مع أنّه كان اللّازم أن يثبت ابتداء في الدّليل، عدم اختياريّة القطع، و يستنتج عدم كونه من العناوين المقبّحة أو المحسّنة، ثمّ يستنتج بقاء الفعل المتجرّى به على ما هو عليه و عدم حرمته، لا عدم‏

61

اختياريّة الفعل المتجرّى به بما هو مقطوع.

اللّهم إلّا أن يريد (قدّس سرّه) عدم اختياريّته، لعدم اختياريّة القطع، و هذا، كما ترى أكل من القفاء.

ثمّ إنّ بعض الأعاظم (قدّس سرّه) بعد ردّ مقالة المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) في عدم إمكان جعل القطع من العناوين المحسّنة أو المقبّحة، أقام برهانا على ذلك سمّاه (قدّس سرّه) برهانا آخر أبسط، فقال، ما حاصله‏ (1): إنّ القبح المتوهّم استتباعه للحكم الشّرعي بمعونة قاعدة الملازمة، إمّا مختصّ بعنوان التّجرّي و مخالفة القطع، أو عامّ شامل للمعصية- أيضا- و كلا الفرضين ممنوع، أمّا فرض الاختصاص فلأنّه يرد عليه أوّلا: بفساده و بطلانه لمكان حكم العقل بالقبح في كلتا الصّورتين، و هما مخالفة القطع للواقع و موافقته له؛ و ذلك، لوجود ملاك القبح و هو الهتك و الجرأة على المولى فيهما.

و ثانيا: بعدم قبول هذا الحكم للبعث و المحرّكيّة أصلا؛ إذ يعتبر في صحّة التّكليف، القدرة، و من مبادي القدرة على الامتثال هو الالتفات إلى الموضوع، و المفروض أنّه في عنوان التّجرّي لا يمكن الالتفات إلى عنوان القطع المخالف للواقع، إذ الالتفات إليه مساوقة لزواله، نظير الالتفات إلى النّسيان، فكما لا يمكن توجيه التّكليف إلى النّاسي بعنوانه لاشتراط التّكليف بالالتفات، و مع الالتفات إلى كونه ناسيا ينقلب الأمر إلى الذّكر، كذلك لا يمكن تكليف القاطع بعنوان مخالفة قطعه للواقع.

هذا في فرض اختصاص القبح المستتبع للحكم الشّرعيّ بالتّجرّي.

و أمّا فرض شموله و عمومه للمعصية- أيضا- بجامع الهتك و الجرأة، فلأنّه‏

____________

(1) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 26 و 27.

62

يرد عليه بأن جعل الحكم الشّرعي مستلزم للتّسلسل؛ بتقريب: أنّ التّجرّي أو العصيان قبيح عقلا على الفرض، و قبحهما يستتبع الحرمة الشّرعيّة، و من المعلوم: أنّ عصيان هذه الحرمة أو التّجرّي فيها- أيضا- قبيح عقلا، و القبح العقلي مستلزم للحرمة الشّرعيّة و هكذا إلى ما لا نهاية له، فحكم العقل بقبح العصيان و التّجرّي و بحسن الاطاعة و الانقياد، لا يستلزم حكما شرعيّا مولويّا، بل لا يمكن جعل الحكم في مورده على ما عرفت؛ و لذا حملوا الأوامر الشّرعيّة الدّالّة على وجوب الإطاعة و النّواهي الشّرعيّة الدّالّة على حرمة المعصية على الإرشاد دون المولويّ‏ (1).

و فيه: أنّ هذا الكلام، كما ترى، خلط بين التّجرّي و الفعل المتجرّى به؛ إذ المفروض في الجهة الثّالثة من البحث، كما عرفت، هو كون القطع من العناوين المغيّرة الموجبة لصيرورة الفعل المتجرّى به قبيحا عقلا، ثمّ يصير حراما شرعا بقاعدة الملازمة.

و عليه: فليس الكلام في قبح التّجرّي حتّى يسأل و يقال: هل هو مختصّ بعنوان التّجرّي، أو عامّ شامل للمعصية- أيضا- و قد مرّ مرارا، أنّ عدم جريان قاعدة الملازمة إنّما هو في التّجرّي، حيث إنّه كالمعصية يكون قبحه في سلسلة المعلول، كحسن الانقياد و الإطاعة، و جريان القاعدة فيها مستلزم للتّسلسل و عدم الوقوف إلى نهاية.

و أمّا الفعل المتجرّى به الّذي هو مورد البحث، فلا مانع من جريان القاعدة فيه، حيث إنّ قبحه يكون في سلسلة العلل- نظرا إلى أنّه لا قبح للمتجرّى به عقلا إلّا بحدوث مفسدة فيه بواسطة القطع- و أنت ترى، أنّ جريانها في العلل لا يستتبع محذور التّسلسل.

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2، ص 27.

63

فتحصّل: أنّ الفعل المتجرّى به لا يخرج عمّا كان عليه، فلا يصير حراما بعد ما كان حلالا، أو قبيحا بعد ما كان حسنا، و الدّليل عليه ما ذكرناه: من أنّ القطع الطّريقيّ لا يكون دخيلا في الملاكات، و لا يكون من محدثات المناطات من المصالح و المفاسد، بل الملاكات تدور مدار نفس العمل حدوثا و بقاء، وجودا و عدما؛ و أمّا الدّليل الّذي أقامه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) و بعض الأعاظم (قدّس سرّه) على ذلك، فقد علمت ما فيه من الضّعف.

ثمّ إنّه قد يدّعى و يقال: بحرمة الفعل المتجرّى به بنفس ملاك الحرام الواقعي و باعتبار شمول إطلاقات الأدلّة الأوّليّة لموارد التّجرّي.

و قد أشار بعض الأعاظم (قدّس سرّه) إلى دليل ذلك، تبعا للمحقّق النّائيني (قدّس سرّه)(1) فقال، ما حاصله: إنّ الدّليل مركب من ثلاث مقدّمات: الاولى: لزوم مقدوريّة متعلّق التّكليف؛ الثّانية: كون سبب حركة العضلات نحو العمل، هو القطع بالنّفع، و سبب الزّجر عن العمل، هو القطع بالضّرر، فالمحرّك التّكوينيّ هو نفس القطع و الانكشاف، و أمّا المصادفة و عدمها، فأجنبيّة عن المحرّكيّة أو الزّاجريّة؛ و لذا يتحرّك القاطع العطشان إلى ما قطع بكونه ماء و إن كان في الواقع سرابا و يموت عطشا، و لا يتحرّك نحو ماء موجود لعدم علمه به؛ الثّالثة: تعلّق التّكليف باختيار الفعل و إرادته؛ لأنّ الإرادة التّشريعيّة إنّما تتعلّق بالفعل الصّادر عن المكلّف بالاختيار، لا بالصّادر عنه و لو اضطرارا، فلا محالة يكون متعلّق التّكليف إرادة الفعل و اختياره حتّى يكون الفعل صادرا عنه بالإرادة و الاختيار، و المفروض تبعيّة إرادة المكلّف لقطعه بالنّفع أو

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 37 و 38 و 39.

64

الضّرر، فلا محالة يكون متعلّق البعث و الزّجر عين ما تعلّق به القطع مطابقا للواقع أو غير مطابق له. و عليه، فنسبة العصيان إلى المطابق و المخالف للواقع على حدّ سواء؛ لخروج المطابقة و المخالفة عن حيطة اختيار المكلّف، فلا معنى لإناطة العقاب و التّكليف بهما، فمعنى: «أكرم العلماء» بعث إلى إكرام من قطع بكونه عالما، و معنى:

«لا تشرب الخمر» زجر عن شرب ما قطع بكونه خمرا، و إطلاقهما يعمّ صورة مخالفة القطع للواقع، أيضا. (1).

هذا، و لكن يمكن الجواب عن تلك الدّعوى: بأنّ اعتبار القدرة في التّكليف، و كذا دخل العلم و القطع في الانبعاث إلى العمل أو الانزجار عنه، أمر بيّن واضح؛ فلا بدّ في حصولهما من التّصوّر و تصديق الفائدة و غيرهما.

و أمّا الأحكام و التّكاليف من الأوامر و النّواهي، فهي تابعة للملاكات، و الملاكات كامنة في أفعال المكلّفين و أعمالهم، فالأحكام متعلّقة بالأفعال و الأعمال لا بالإرادة و الاختيار، و لا شأن للعلم و القطع، و لا دخل له في التّكليف إلّا الكشف و الحكاية، و المنجّزيّة لدى الإصابة أو المعذّريّة عند المخالفة، فمعنى: «أكرم العلماء» هو البعث إلى إكرام العلماء، لا إكرام من قطع بكونه عالما، و معنى: «لا تشرب الخمر» هو الزّجر عن شرب الخمر، لا الزّجر عن شرب ما قطع بكونه خمرا.

و عليه، فليس القطع مأخوذا في متعلّق التّكليف حتّى يؤخذ بإطلاقه و يقال:

و لو كان مخالفا للواقع، كما في التّجرّي، ثمّ يستنتج و يقال: بحرمة الفعل المتجرّى به، بدعوى شمول الإطلاقات له.

____________

(1) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 20 و 21.

65

على أنّ معنى أخذ القطع في المتعلّق و أخذ الإطلاق، هي الموضوعيّة و ترتيب الحكم على نفس القطع، و الكلام فعلا إنّما يكون في القطع الطّريقي.

و قد أجاب المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) و كذا بعض الأعاظم (قدّس سرّه)(1)- أيضا- عن الدّعوى المذكورة، و لكن لا حاجة إلى ذكر جوابهما بعد ما عرفت من الجواب الّذي ذكرناه.

نعم، لا بأس بذكر الجواب النّقضي الّذي ذكره بعض الأعاظم (قدّس سرّه) لأنّه متين جيّد، فقال: «و الجواب عنه أوّلا: بالنّقض بالواجبات؛ لعدم اختصاص الدّليل المذكور بالمحرّمات، فلو فرض أنّ الواجب المستفاد من قول المولى: «صلّ في الوقت» هو اختيار ما قطع بكونه صلاة في الوقت، فصلّى المكلّف مع القطع بدخول الوقت ثمّ بان خلافه، فلا بدّ من الالتزام بسقوط التّكليف لتحقّق المأمور به الواقعي و هو ما قطع بكونه صلاة في الوقت، فلزم القول بالإجزاء في موارد الأوامر العقليّة الخياليّة، و لم يلتزم به أحد من الفقهاء» (2).

و لشيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) في مبحث التّجرّي تبعا للمحقّق العراقي (قدّس سرّه)(3) مسلك سلكناه سابقا، و قرّرناه في تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة، و لكن عدلنا عنه أخيرا، محصّل المسلك: أنّ التّجرّي يقتضي قبح الفعل المتجرّى به و استحقاق العقوبة عليه؛ و ذلك، لا لاجل أنّ التّجرّي مستتبع لتحريم شرعيّ مولوي و أنّ مجرّد

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 39 و 40؛ و مصباح الاصول: ج 2، ص 21 و 22.

(2) مصباح الاصول: ج 2، ص 21.

(3) راجع، نهاية الأفكار: ج 3، ص 30 و 31.

66

القطع موجب لصيرورة العمل قبيحا و معاقبا عليه، بل لصدق عنوان الطّغيان على ذلك الفعل، كصدقه على العمل في فرض العصيان، فهذا عنوان جامع مشترك موجب لاستحقاق العقوبات و النّيران.

و الوجه في العدول ما أشرنا إليه سابقا: من أنّ مخالفة الأوامر و النّواهي المولويّة المسّماة بالمعصية، هو تمام الموضوع و الملاك المستقلّ التّامّ لاستحقاق المؤاخذة و العقوبة مع قطع النّظر عن أيّ عنوان آخر، و هذه هي الجهة الخاصّة بصورة المصادفة و صدق عنوان المعصية، فلو كانت الجهة المشتركة بين التّجرّي و المعصية من مثل عنوان العزم على العصيان، موجبة لاستحقاق العقوبة و كانت هي- أيضا- علّة مستقلّة لذلك، لزم تعدّد الاستحقاق على تقدير المصادفة و تحقّق المعصية.

على أنّ تلك العناوين منها امور قلبيّة، لا عقوبة لها، كعقوبة المخالفة و المعصية.

نعم، لها عقوبات اخرى مسانخة لها.

و ممّا ذكرناه، ينقدح ما في مسلك المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من اقتضاء التّجرّي لاستحقاق العقوبة على مجرّد العزم على المعصية، لا على الفعل المتجرّى به لبقائه على ما هو عليه من المحبوبيّة و المصلحة؛ لعدم كون القطع من الوجوه و العناوين المغيّرة المقبّحة. (1)

فالحقّ في المسألة ما ذهب إليه الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2) من عدم اقتضاء التّجرّي عدا الكشف عن خبث الباطن و سوء السّريرة الّذي لا يترتّب عليه سوى‏

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 13.

(2) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 39 إلى 50، الطّبعة الجديدة.

67

الملامة، مثل البخل و الحسد و غيرهما من الأوصاف المذمومة، و المحرّمات الجنانيّة الّتي لا يترتّب عليها عقوبة المعصية مع بقاء الفعل المتجرّى به على ما هو عليه من المحبوبيّة و المصلحة.

فتحصّل: أنّ الفعل المتجرّى به باق على ما كان عليه، و لا يصير قبيحا و مبغوضا بالتّجرّي بعد أن كان حسنا و محبوبا بذاته. نعم، لو قلنا: بالقبح و المبغوضيّة، فليس فيه محذور اجتماع الضّدّين من ناحية اجتماع الحسن و القبح أو الحبّ و البغض.

و الوجه فيه، ما حرّر في الأوامر و النّواهي من أنّ مصبّ الأحكام و متعلّق التّكاليف هو العنوان لا الخارج، و العنوان هنا مختلف، فشرب الماء أو الخلّ- مثلا- بما هو شرب الماء أو الخلّ حلال مباح، و بما هو أنّه تجرّ و هتك، قبيح مبغوض، فلا اجتماع للضّدّين في البين.

و لقد أجاد شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) فيما أفاده هنا، حيث قال: «قد تقرّر في محلّه، أنّ البعث و مباديه، و كذا الزّجر، لا يمكن أنّ يتوجّه إلى الخارج؛ إذ هو ظرف سقوطه، بل يقف على العنوان. و عليه: فإن كان العنوانان ممتازين في صقع تقرّرهما و مرحلة ذاتهما بحيث لا يكون بينهما جهة اشتراك، كالصّلاة و التّجرّي- مثلا- فلا مانع من أن يكون أحدهما: حسنا محبوبا مصبّا للمصلحة؛ و الآخر: قبيحا مبغوضا مصبّا للمفسدة، و كذا لا مانع من أن يكون أحدهما: مبعوثا إليه؛ و الآخر: مزجورا عنه و إن تصادقا على مورد واحد؛ و ذلك، لعدم سراية تلك الامور إلى الخارج حتّى يلزم اجتماع المتقابلات». (1)

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

68

كما أجاد (قدّس سرّه)- أيضا- فيما قال به، تبعا للمحقّق العراقي (قدّس سرّه)(1) من أنّ العناوين هنا طوليّان، فلا بأس بالقول بالحكمين و لو قيل: بامتناع الاجتماع في عنوانين عرضيين.

و بالجملة: التّجرّي و الانقياد، كالعصيان و الإطاعة يكونان من العناوين المتأخّرة المعلولة للأمر و النّهي، فلا يسري إليهما أحكام العناوين المتقدّمة المعروضة للأمر و النّهي السّابقة عليهما؛ و الفرق بينهما و بين العصيان و الإطاعة هو أنّ الأمر أو النّهي هنا يكون زعميّا و هناك يكون حقيقيّا، فعنوان شرب الماء- مثلا- عنوان ذاتيّ سابق على الأمر المولويّ و الإرادة المولويّة، فيكون حسنا محبوبا، و أمّا عنوان التّجرّي و الطّغيان، فعنوان عرضيّ لا حق معلول للأمر و الإرادة المولويّة، كالعصيان، فيكون قبيحا مبغوضا.

و إن شئت، فقل: العناوين الذّاتيّة تكون في سلسلة موضوعات الأحكام أو متعلّقاتها- حسب ما اصطلحوا- و أمّا التّجرّي و الانقياد، أو العصيان و الإطاعة تكون في سلسلة معاليل الأحكام. و عليه: فلا يسري حسن شرب الماء إلى التّجرّي و لا قبح التّجرّي إلى شرب الماء لو تجرّى و ارتكب الشّرب مع القطع بالخمريّة، مثلا.

و من هنا يظهر: أنّ ما قال به الإمام الرّاحل (قدّس سرّه): من الإشكال و أنّ قياس التّجرّي بالإطاعة، قياس مع الفارق، و أنّ الإرادة لم تتعلّق بشرب الماء، بل تعلّقت بإتيان ما هو مقطوع الحرمة، غير وارد ظاهرا؛ و ظنّي، أنّه وقع فيه الخلط بين إرادة

____________

(1) راجع، نهاية الأفكار: ج 3، ص 33.

69

الآمر و إرادة العامل، فراجع‏ (1)، و تأمّل، لعلّك تصل إلى ما لم أصل إليه من حقيقة الأمر؛ إذ كان صاحب هذا الكلام في المرتبة العليا من الدّقة و الفهم.

هذا تمام الكلام في الجهة الثّالثة (أنّ الفعل المتجرّى به، هل يخرج عمّا كان هو عليه لو لا التّجرّي، أم لا؟).

أقسام التّجرّي‏

أمّا الجهة الرّابعة: (أقسام التّجرّي)، فنقول: إنّ التّجرّي له أقسام ثلاثة:

الأوّل: أن يكون مع القطع بالمعصية.

الثّاني: مع الظّنّ بها.

الثّالث: مع احتمالها.

ثمّ إنّ كلّ واحد من الظّنّ و الاحتمال على أنحاء ثلاثة:

أحدهما: أن يكون الإقدام على العمل برجاء المصادفة.

ثانيهما: أن يكون برجاء عدمها.

ثالثها: أن يكون لمجرّد دعوة الشّهوة.

و لا يخفى: أنّ التّجرّي إنّما يتحقّق و يصدق في القسم الأوّل (القطع بالمعصية)، و كذا الثّاني (الظّنّ بها) بأنحائه الثّلاثة إذا كان من قبيل الظّنّ المعتبر، كالأمارات المعتبرة، و كذا الاصول المحرزة المعتبرة المثبتة للتّكليف، بخلاف النّافية له كالبراءة،

____________

(1) راجع، تهذيب الاصول: ج 2، ص 92.

70

فلا تجرّي في موردها؛ لعدم الحجّة على التّكليف، بل البراءة تكون مؤمّنة، و كذلك لا تجرّي في مورد الظّنّ الّذي لم يقم عليه دليل معتبر؛ إذ المفروض، عدم تنجّز الواقع عليه بعد عدم حجّيّة ظنّه.

و أمّا القسم الثّالث (احتمال المعصية): فلا أثر للتّجرّي فيه، بل يمكن أن يقال:

بعدم صدق التّجرّي هنا، بلا فرق فيه بين أنحائه الثّلاثة المتقدّمة (رجاء المصادفة و عدمها، و دعوة الشّهوة).

نعم، لو فعل محتمل الحرمة- مثلا- برجاء المصادفة و إدراك الحرام واقعا، كان هذا نوعا خفيفا من التّجرّي.

تنبيهات‏

الأوّل: قد ظهر لك من المباحث المتقدّمة، أنّ مورد الكلام في التّجرّي هو القطع الطّريقيّ، حيث إنّه ممّا يتطرّق إليه كشف الخلاف بالنّسبة إلى الحكم، فيوجب ذلك صدق عنوان التّجرّي، و كذلك الظّنّ المعتبر، فيقع فيه الكلام، نظرا إلى كشف الخلاف فيه- أيضا- كالقطع.

و أمّا القطع الموضوعي، أو الظّنّ، بل الاحتمال- أيضا- إذا اخذ في موضوع الحكم، فخارج عن مورد الكلام؛ لعدم كشف الخلاف حتّى يصدق عنوان التّجرّي، بل الحكم في الجميع ثابت واقعا و لو كان القطع أو الظّنّ أو الاحتمال مخالف للواقع؛ إذ المفروض، أنّ موضوع الحكم ليس إلّا نفس القطع و نحوه، لا الواقع وحده، و لا هو و القطع و نحوه معا.

71

و عليه: فعند كشف الخلاف في مثل ذلك، ينتفي الحكم بانتفاء موضوعه، و لا معنى للتّجرّي حينئذ، و هذا نظير الظّنّ بالتّضرّر من الوضوء أو الغسل- مثلا- حيث يكون موضوعا لوجوب التّيمّم، فلا يتحقّق التّجرّي فيما إذا توضّأ أو اغتسل مع هذا الظّنّ، ثمّ انكشف و بان عدم الضّرر؛ ضرورة عدم كشف الخلاف هنا بالنّسبة إلى الحكم (وجوب التّيمّم)؛ إذ عرفت: أنّ موضوع الحكم هو نفس القطع أو الظّنّ أو الاحتمال، و بعد انكشاف أنّ كلّ واحد منها مخالفا للواقع، ينتفي الحكم بانتفاء موضوعه، فليس هناك تجرّ أصلا.

التّنبيه الثّاني: حكي عن صاحب الفصول (قدّس سرّه) أنّ قبح التّجرّي لا يكون ذاتيّا، بل يختلف بالوجوه و الاعتبارات، فإذا كان الفعل المتجرّى به حراما في الواقع، ففيه ملاكان للقبح (أحدهما: ملاك التّجرّي؛ ثانيهما: ملاك الحرمة الواقعيّة) فلا محالة يتداخل العقابان و قبح التّجرّي في هذا الفرض يكون أشدّ ممّا إذا كان الفعل المتجرّى به في الواقع مكروها، كما أنّ القبح في هذا الفرض- أيضا- أشدّ ممّا إذا كان الفعل المتجرّى به مباحا، و القبح فيه أشدّ ممّا إذا كان الفعل المتجرّى به مستحبّا، و أمّا إذا كان الفعل المتجرّى به واجبا في الواقع، فيقع التّزاحم بين ملاك الوجوب و ملاك قبح التّجرّي، فربما يتساويان، و ربما يكون ملاك الوجوب أقوى، فيتقدّم؛ و ربما يكون ملاك قبح التّجرّي أقوى، فيكون قبيحا. (1)

أقول: إنّ هذا الكلام يرجع إلى دعا و ثلاثة كلّها مردودة:

الاولى: أنّ قبح التّجرّي لا يكون ذاتيّا، بل يختلف الأمر حسب اختلاف‏

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 54 و 55؛ و مصباح الاصول: ج 2، ص 30 و 31.

72

الوجوه و الاعتبارات، فيمكن أن يغلب مصلحة الواقع على مفسدة التّجرّي فيصير حسنا، كما يمكن أن تكونا متساويين، فلا حسن و لا قبح.

و فيها: أنّ قبح التّجرّي لو سلّم، لكان ذاتيّا لصدق عنوان الظّلم و الطّغيان و هتك الحرمة عليه، فليس مثل الصّدق و الكذب.

الدّعوى الثّانية: تداخل العقابين عند مصادفة الفعل المتجرّى به، المعصية الواقعيّة. (1)

و فيها: أنّ هذه الدّعوى مبنيّة على القول باستحقاق العقوبة للتّجرّي بما هو هو، و قد قرّرنا بما لا مزيد عليه، أنّ قبح التّجرّي لا يستلزم الحرمة و العقوبة.

على أنّ قبح التّجرّي لو كان، لم يكن من سنخ قبح المعصية، بل لو كان موجبا للعقوبة، لم تكن نوع عقوبة المعصية، كيف، و أنّ التّجرّي أمر جانحيّ، و العصيان أمر جارحيّ، فلا عقوبة للتّجرّي حتّى يقال: بالتّداخل، و لو كانت، لكانت سنخا آخر غير عقوبة المعصية فلا مجال- أيضا- للتّداخل.

ثمّ إنّ بعض الأعاظم (قدّس سرّه) قد أورد على هذه الدّعوى: بأنّ مناط استحقاق العقاب في التّجرّي و المعصية أمر واحد و هو هتك المولى و التّعدّي عليه، فليس في المعصية الحقيقيّة إلّا هتك واحد، فلا ملاك لتعدّد العقاب حتّى نلتزم بالتّداخل، و لعلّه لوضوح أنّ العاصي لا يستحقّ إلّا عقابا واحدا. (2)

____________

(1) الفصول الغرويّة: ص 70 من مبحث التّنبيه الرّابع من تنبيهات مقدّمة الواجب، و إليك نصّ كلامه (قدّس سرّه): «فإنّ التّحقيق، أنّ التّجرّي على المعصية- أيضا- معصية، لكنّه إن صادفها تداخلا و عدّا معصية واحدة».

(2) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 31.

73

و ضعفه واضح؛ إذ قد عرفت: أنّ قبح التّجرّي لو كان، لا يستلزم الحرمة و العقوبة، و لو استلزم العقوبة لكانت سنخا آخر غير عقوبة المعصية، و القول بأنّ الملاك مطلقا واحد و هو هتك الحرمة، خلاف الضّرورة، كما أفاده الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) حيث قال: «إنّ الالتزام بأنّ التّجرّي و الهتك لحرمة المولى، لا يوجب شيئا أصلا، خلاف الضّرورة و الوجدان الحاكم في باب الطّاعة و العصيان» (1) و ذلك، للزوم أن لا يكون للمنهى عنه مفسدة اخرويّة، بل لازمه أن يكون في الطّاعة و الانقياد منشأ واحد للاستحقاق، و أن لا يكون للمأمور به مصلحة أصلا، و هو خلاف ارتكاز المتشرّعة، و خلاف الآيات الكريمة و الأخبار الشّريفة الواردتين في باب الثّواب و العقاب.

الدّعوى الثّالثة: أنّ الجهات الواقعيّة، كالحرمة و الكراهة، و الإباحة و الاستحباب و الوجوب، توجب اختلاف التّجرّي و مراتب قبحه من جهة الأشدّيّة و عدمها، بل توجب أحيانا زوال القبح رأسا مع عدم الالتفات إلى تلك الجهات.

و فيها: أنّ الجهات الواقعيّة عند عدم الالتفات إليها لا تؤثّر في التّجرّي، و لا في اختلاف مراتبه من حيث القبح، فضلا عن زوال قبحه.

التّنبيه الثّالث: قال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)- بعد البناء على إيجاب التّجرّي لاستحقاق العقوبة- ما هذا لفظه: «العقاب إنّما يكون على قصد العصيان و العزم على الطّغيان» (2).

و قد أورد (قدّس سرّه) على نفسه: بأنّ القصد و العزم إنّما يكون من مبادي الاختيار

____________

(1) أنوار الهداية: ج 1، ص 89.

(2) كفاية الاصول: ج 2، ص 14 إلى 16.

74

و هي ليست باختياريّة، و إلّا لتسلسل؛ فأجاب (قدّس سرّه) عن هذا الإيراد بوجهين: الأوّل:

أنّ الاختيار و إن لم يكن بالاختيار، إلّا أنّ بعض مباديه غالبا يكون وجوده بالاختيار للتّمكن من عدمه بالتّأمّل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة و اللّوم و المذمّة. الثّاني: أنّ العقوبة إنّما تكون من تبعة بعده عن المولى بالتّجرّي كما في العصيان، فكما أنّ التّجرّي يوجب البعد، كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة، فإنّه و إن لم يكن باختياره، إلّا أنّه بسوء سريرته و خبث باطنه بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتا، و الذّاتي ضروريّ الثّبوت للذّات؛ و لذلك- أيضا- ينقطع السّؤال عن أنّه لم اختار الكافر و العاصي، الكفر و العصيان، و اختيار المؤمن و المطيع، الإطاعة و الإيمان، فإنّه يساوق السّؤال عن أنّ الحمار لم يكون ناهقا، و الإنسان لم يكون ناطقا.

هذا، و لكن أمثال هذه المسائل الدّقيقة العميقة، لا بدّ إيكالها إلى محالّها، فلا ينبغي البحث عنها في الاصول و نحوه من العلوم الاعتباريّة.

التّنبيه الرّابع: قد يستدلّ لإثبات حرمة التّجرّي بالآيات و الرّوايات الدّالتان على المؤاخذة و المعاقبة بمجرّد قصد المعصية.

أمّا الآيات، فكقوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ (1). و قوله جلّ جلاله: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ‏ (2). و قوله عزّ من قائله:

وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ‏

____________

(1) سورة البقرة (2)، الآية 284.

(2) سورة البقرة (2)، الآية 225.

75

مَسْؤُلًا (1). و قوله جلّ و علا: وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَ لكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ‏ (2).

تقريب الاستدلال هو أنّ هذه الآيات ظاهرها جعل المؤاخذات و العقوبات على ما في القلب من الخطرات و الخطورات، فمقتضاها حرمة التّجرى و استحقاق المتجرّي الخارج عن زيّ العبوديّة، للعقوبة.

و أمّا الرّوايات، فكقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «... و نيّة الكافر شرّ من عمله» (3)، و كقوله (عليه السّلام): «القضاة أربعة: ثلاثة في النّار، واحد في الجنّة، رجل قضى بجور و هو يعلم، فهو في النّار، و رجل قضى بجور و هو لا يعلم، فهو في النّار، و رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم، فهو في النّار، و رجل قضى بالحقّ و هو يعلم، فهو في الجنّة» (4).

دلالة هاتين الرّوايتين على استحقاق المتجرّي للعقوبة واضحة، حيث إنّ في الاولى، جعل التّجرّي و هو قصد الكافر للمعصية، مدار الشّرّ المترتّب عليه العقاب و لو لم يطابق قصده للواقع و لم يتحقّق منه المعصية؛ و في الثّانية، جعل التّجرّي و هو القضاء بالجور و كذا القضاء بالحقّ مع عدم علم القاضي، مدار العقوبة و دخول النّار و لو انكشف أنّه قضى بالحقّ.

____________

(1) سورة الإسراء (17)، الآية 36.

(2) سورة الأحزاب (33)، الآية 5.

(3) وسائل الشّيعة: ج 1، كتاب الطّهارة، الباب 6 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 3، ص 35.

(4) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6، ص 11.

76

نعم، قد وردت روايات أخر يستفاد منها نفي العقوبة بمجرّد قصد المعصية:

منها: ما عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السّلام) قال: «... و من همّ بسيّئة لم تكتب عليه، و من همّ بها و عملها كتبت عليه سيّئة» (1).

و منها: ما عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «... و إنّ المؤمن ليهمّ بالسّيّئة أن يعملها، فلا يعملها فلا تكتب عليه» (2).

و منها: ما عن جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إذا همّ العبد بالسّيّئة لم تكتب عليه ...» (3).

و قد تصدّوا للجمع بين هاتين الطّائفتين بوجوه: أهمّها اثنان:

الأوّل: أنّ الطّائفة الاولى تحمل على قصد المعصية مع الاشتغال ببعض مقدّماتها؛ و الطّائفة الثّانية تحمل على مجرّد قصدها بلا اشتغال بالمقدّمة أصلا.

و فيه: أنّ هذا الجمع تبرّعي لا شاهد له، بل يشهد على خلافه، قوله تعالى:

إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏ فإنّه ينافي حمل الطّائفة الثّانية، حيث إنّ مفاده هي المحاسبة بمجرّد القصد مع السّعي على إخفاءه و عدم إبداءه مطلقا حتّى بالاشتغال بإحدى المقدّمات، و كذا قوله جلّ جلاله: بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ‏ و قوله جلّ و علا: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ ....

و هكذا تشهد على خلاف هذا الجمع، الرّوايات المتقدّمة الدّالّة على عدم‏

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 1، كتاب الطّهارة، الباب 6 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 6، ص 36.

(2) وسائل الشّيعة: ج 1، كتاب الطّهارة، الباب 6 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 7، ص 36.

(3) وسائل الشّيعة: ج 1، كتاب الطّهارة، الباب 6 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 10، ص 37.

77

المؤاخذة بمجرّد قصد المعصية و لو اشتغل الإنسان ببعض مقدّماتها، فإنّها تنافي حمل الطّائفة الاولى و هو واضح.

الوجه الثّاني: أنّ الطّائفة الاولى محمولة على صورة استمرار قصد المعصية و عدم الارتداع و رفع اليد عنه إلى أن حال الحائل بينه و بين العمل، بحيث لولاه لكان عمل؛ و الطّائفة الثّانية محمولة على صورة الارتداع و عدم استمرار القصد و النّية.

و لا يخفى: أنّ هذا الجمع ممّا يشهد له ما عن النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنّة، فالقاتل و المقتول في النّار، قيل يا رسول اللّه: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لأنّه أراد قتلا» (1) فإنّ المراد من إرادة قتله هو أنّه استمرّ و لم يرتدع عن قصده، إلّا أنّه لم يتمكّن منه، و لا مجال لتخيّل وجود خصوصيّة في إرادة القتل المستتبعة للحرمة، لوضوح أنّه لا فرق بين القتل و بين سائر المعاصي من هذه النّاحية.

هذا، و لكنّ الحقّ في المقام أن يقال: إنّ الطّائفة الاولى من الرّوايات كلّها قاصرة الدّالّة على المدّعى، مضافا إلى ضعف سند بعضها، كالنّبويّ المذكور.

و الوجه في قصور الدّلالة، هو أنّ مفاد هذه الرّوايات هي المؤاخذة و المحاسبة بالنّسبة إلى نيّة المعصية و قصد ارتكاب الحرام الواقعيّ، لانيّة التّجرّي و قصد ارتكاب الحرام الزّعمي الاعتقاديّ غير الواقعيّ، على أنّه لو سلّمنا دلالتها على ذلك، فلا تدلّ إلّا على أنّ القصد ممّا يحاسب به و يعاقب عليه، لا على ما هو مورد البحث‏

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 11، كتاب الجهاد، الباب 67 من أبواب جهاد العدوّ و ما يناسبه، الحديث 1، ص 113.

78

و الاستدلال من كون الفعل المتجرّى به من المحرّمات المولويّة كالمعاصي، و لا بدع في ذلك.

و إن شئت، فقل: لو سلّم دلالة الرّوايات على المؤاخذة حتّى بالنّسبة إلى قصد المعصية الزّعميّة- كما في مورد التّجرّي- لكنّها لا تدلّ على حرمة الفعل المتجرّى به و استحقاق العقوبة لأجله، و لذا يجمع بينها و بين الطّائفة الثّانية: بحمل هذه الطّائفة على أنّ نفس السّيّئة المنويّة الّتي لم تعمل، لا تكتب و لا محاسبة و لا مؤاخذة عليها، لا أنّ القصد- أيضا- لا يكتب و لا يحاسب عليه، بل يمكن أن يقال: بعدم التّنافي بين الطّائفتين من الرّوايات بهذه الملاحظة حتّى تحتاجا إلى التّوفيق و الجمع.

هذا تمام الكلام في الأمر الرّابع و هو البحث عن «التّجرّي».

القطع الموضوعيّ و أقسامه‏

الأمر الخامس: القطع الموضوعيّ و أقسامه‏

اعلم، أنّ القطع على قسمين: أحدهما: أنّه طريقيّ و كاشف محض، لا شأن له إلّا المرآتيّة و الحكاية عن متعلّقه بلا دخل له في الموضوع، لا تماما و لا بعضا، و لا على وجه الصّفتيّة، و لا على نحو الكاشفيّة، سواء تعلّق بموضوع عينيّ خارجيّ، أو بموضوع ذي حكم أو بحكم شرعيّ مترتّب على موضوعه.

ثانيهما: أنّه موضوعيّ، بمعنى: يؤخذ و يجعل دخيلا في الموضوع، بحيث لا يترتّب الحكم عليه بدون القطع، و هذا هو مورد الكلام فعلا.

فنقول: إنّ القطع الموضوعيّ قد قسّم على قسمين:

79

الأوّل: أن يؤخذ تمام الموضوع، بحيث لا شأن للواقع في ترتّب الحكم أصلا.

الثّاني: أن يؤخذ بعض الموضوع و جزءه، بحيث لو كان هناك قطع بلا واقع، أو واقع بلا قطع، لم يترتّب عليه الحكم، ففي المثال الّذي ذكره المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من قوله: «إذا قطعت بوجوب شي‏ء يجب عليك التّصدّق بكذا» (1) يكون القطع بوجوب «الشّي‏ء» حتّى عند الخطأ، موجبا لوجوب التّصدّق لو اخذ تمام الموضوع، و يكون عند الإصابة فقط موجبا لوجوبه لو اخذ بعض الموضوع و جزءه.

و في كلّ من هذين القسمين قد يؤخذ القطع في الموضوع بما هو كاشف و حاك عن متعلّقه، و قد يؤخذ بما هو وصف خاصّ للقاطع مع قطع النّظر عن جهة كشفه و خصوصيّة حكايته عن متعلّقه، فأقسام القطع الموضوعي أربعة (و هي القطع المأخوذ تمام الموضوع على نحو الطّريقيّة، و القطع المأخوذ كذلك على نحو الصّفتيّة، و القطع المأخوذ بعض الموضوع على نحو الطّريقيّة، و القطع المأخوذ كذلك على نحو الصّفتيّة.

ثمّ إنّ المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) قد أشكل‏ (2) على إمكان أخذ القطع تمام الموضوع على وجه «الطّريقيّة» بل استظهر عدم إمكانه. بتقريب: أنّ أخذه تمام الموضوع يستدعي عدم لحاظ الواقع و ذي الصّورة بوجه من الوجوه، و أخذه على وجه «الطّريقيّة»، يستدعي لحاظ الواقع؛ إذ على هذا يكون النّظر في الحقيقة إلى الواقع المنكشف بالعلم، كما هو الشّأن في كلّ طريق. و عليه: فأخذ القطع تمام الموضوع لا يمكن إلّا بأخذه على وجه «الصّفتيّة».

____________

(1) كفاية الاصول: ج 2، ص 18.

(2) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 11.

80

و لكن أورد عليه (قدّس سرّه) الإمام الرّاحل (قدّس سرّه)(1) أوّلا: بعدم اختصاص الإشكال بفرض أخذ القطع تمام الموضوع، بل يجري في فرض أخذه بعض الموضوع- أيضا- فلا يبقى المجال لما التزم (قدّس سرّه) به من إمكان جعل القطع جزء الموضوع على نحو «الطّريقيّة»؛ و ثانيا: بقوله: «فإنّ الجمع بين الطّريقيّة و الموضوعيّة إنّما لا يمكن فيما إذا أراد القاطع نفسه الجمع بينهما، فإنّ القاطع يكون نظره الاستقلاليّ إلى الواقع المقطوع به و يكون نظره إلى القطع آليّا طريقيّا، و لا يمكن في هذا اللّحاظ الآلي أن ينظر إليه باللّحاظ الاستقلاليّ مع أنّ النّظر إلى الموضوع لا بدّ و أن يكون استقلاليّا غير آليّ، هذا بالنّسبة إلى القاطع، و أمّا غير القاطع إذا أراد أن يجعل قطع غيره موضوعا لحكم يكون نظره إلى قطع القاطع- الّذي هو طريق- لحاظا استقلاليّا و لا يكون لحاظه لذي الطّريق، بل يكون للطّريق، فلحاظ القاطع طريقيّ آليّ و لحاظ الحاكم لقطعه الطّريقي موضوعيّ استقلاليّ، فأيّ محال يلزم إذا لحظ لاحظ باللّحاظ الاستقلاليّ القطع الطّريقي الّذي لغيره و جعله موضوعا لحكمه على نحو الكاشفيّة على وجه تمام الموضوع، و هل هذا إلّا الخلط بين اللّاحظين».

و لعلّه لأجل إشكال الخلط بين اللّاحظين عدل بعض الأعاظم (قدّس سرّه) عن التّقريب الّذي ذكره المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) في الإشكال على أخذ القطع تمام الموضوع على وجه الطّريقيّة، إلى تقريب آخر.

فقال، ما محصّله: إنّ أخذ القطع تمام الموضوع على نحو «الطّريقيّة» يؤول إلى دخل الواقع في الحكم و عدم دخله فيه، و هذا كما ترى، من قبيل الجمع بين‏

____________

(1) راجع، أنوار الهداية: ج 1، ص 94 و 95.

81

المتناقضين، فالصّحيح هو تثليث الأقسام في القطع الموضوعي. (1)

و الحقّ في المقام أن يقال: إنّ معنى كون القطع تمام الموضوع بما هو كاشف و طريق، هو أخذه و جعله تمام الموضوع بالنّسبة إلى أمر بما هو حاك و كاشف عن متعلّقه، فالقطع بعدالة زيد- مثلا- يكون تمام الموضوع لجواز الاقتداء به، فهو طريق بالإضافة إلى متعلّقه، و موضوع بالإضافة إلى أمر آخر، و هو جواز الاقتداء.

و بعبارة اخرى: القطع بالعدالة، أخطأ أو أصاب، يؤخذ موضوعا تامّا لجواز الايتمام، فلا يلزم الجمع بين اللّحاظين المتنافيين و لو كان الجاعل الآخذ هو نفس القاطع، و لا يلزم- أيضا- دخل الواقع و عدم دخله كي يكون من قبيل الجمع بين المتناقضين؛ إذ الدّخل و عدمه إنّما يكونان بالنّسبة إلى أمرين متمايزين.

و من هنا يظهر ضعف مقالة المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) و هو لزوم الجمع بين اللّحاظين المتنافيين، و ضعف ما عن الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) في الايراد عليه من تماميّة الجمع بين اللّحاظين بالنّسبة إلى ما لو كان الجاعل الآخذ هو نفس القاطع بخلاف غيره، و ضعف ما ذكره بعض الأعاظم (قدّس سرّه) في تقريب الإشكال من لزوم دخل الواقع و عدم دخله.

فتحصّل: أنّه لا محذور في جعل القطع تمام الموضوع على وجه «الطّريقيّة» حتّى بالنّسبة إلى القاطع، لا من جهة التّهافت في اللّحاظ، و لا من جهة دخل الواقع و عدم دخله.

و لقد أجاد شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) فيما أفاده، ردّا على محذور الدّخل‏

____________

(1) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 33 و 34.

82

و عدمه، حيث قال: «إنّ القطع طريق محض بالنّسبة إلى متعلّقه، غير دخيل في ثبوته و تحقّقه، و موضوع بالنّسبة إلى حكم من الأحكام، كأن يقال: «إذا قطعت بحرمة شي‏ء، يجب عليك التّصدّق بكذا» فالقطع طريق بالإضافة إلى الحرمة، و موضوع بالإضافة إلى وجوب التّصدّق، فالدّخل و عدمه يكونان بالإضافة إلى أمرين متمايزين». (1)

بقي هنا جهات:

الاولى: أنّ المراد من القطع الموضوعيّ هو القطع المأخوذ في موضوع الحكم واقعا، نظير العلم المأخوذ في ركعات صلاة المغرب و الصّبح و الاوليين من الرّباعيّات على ما يستفاد من الرّوايات، فلو شكّ بين الواحدة و الاثنتين في صلاة الصّبح و الرّباعيّات، أو بين الاثنتين و الثّلاث في المغرب، فأتمّ الصّلاة رجاء، كانت فاسدة و لو انكشف أنّه أتى بركعتين، أو ثلاث ركعات؛ و ذلك، لكون العلم بعدد الرّكعات حال الصّلاة مأخوذا في الحكم بصحّتها، فالقطع الّذي له دخل في ترتّب الحكم واقعا هو المراد بالقطع الموضوعي.

و أمّا القطع المأخوذ في لسان الدّليل فقط، فلا يراد به القطع الموضوعيّ؛ إذ ربما يكون مأخوذا في الدّليل و ليس بموضوع، كقوله تعالى: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ (2) حيث إنّ التّبيّن هنا طريق محض، لا دخل له في حكم وجوب الإمساك رأسا، لا تماما و لا بعضا؛ ضرورة، أنّ الحكم مترتّب على‏

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

(2) البقرة (2)، الآية 187.

83

طلوع الفجر، و كقوله جلّ جلاله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ (1) بناء على أن يكون المراد مشاهدة الهلال، لا حضور «شهر رمضان» و حلوله، فليس للمشاهدة دخل في وجوب الصّوم، بل المعيار هو دخول الشّهر و حلوله و إن لم يشاهد هلاله، بل قامت عنده بيّنة على ذلك.

الجهة الثّانية: اعلم، أنّ القطع المأخوذ تمام الموضوع أو جزئه في الحكم، أقساما.

منها: ان يكون مأخوذا في موضوع الحكم المخالف لما تعلّق به. و منها في موضوع الحكم المماثل له. منها: في موضوع الحكم المضادّ له. منها: في موضوع نفس الحكم الّذي تعلّق به.

فالحريّ أن نبحث هنا في جميع تلك الأقسام، فنقول: أمّا القسم الأوّل، فلا محذور و لا إشكال فيه، نظير ما «إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة، يجب عليك التّصدّق» أمّا القسم الثّاني و كذا الثّالث، ففيهما إشكال، نظير ما «إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة، يجب عليك صلاة الجمعة» بوجوب آخر مثل وجوبها الأوّل، أو «يحرم عليك صلاة الجمعة» و الإشكال هنا من وجوه:

الأوّل: اجتماع المثلين في فرض المماثلة، أو الضّدّين، في فرض المضادّة، كما صرّح به المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(2).

و الجواب: ما مرّ في الأوامر (مبحث التّرتّب)؛ و في النّواهي (مبحث اجتماع‏

____________

(1) البقرة (2)، الآية 185.

(2) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 25.

84

الأمر و النّهي)، من أنّ التّضادّ إنّما يكون بين الامور الوجوديّة المتأصّلة المتعاقبة على موضوع واحد، أو المندرجة تحت جنس واحد قريب. و واضح: أنّ هذا التّعريف لا ينطبق على الأحكام الشّرعيّة بأنحائها؛ و ذلك، لما أفاده الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) بقوله:

«إنّ تعلّق الأحكام بموضوعاتها و متعلّقاتها ليس حلوليّا، عروضيّا نحو قيام الأعراض بالموضوعات، بل قيامها بها قيام اعتباري، لا تحقّق لها أصلا، فلا يمتنع اجتماعها في محلّ واحد؛ و لذا يجوز الأمر و النّهي بشي‏ء واحد من جهة واحدة من شخصين أو شخص واحد مع الغفلة، و لو كان بينها تضادّ لما صار ممكنا مع حال الغفلة» (1). هذا حال المضادّة، و أمّا المماثلة فيظهر حالها ممّا ذكرناه.

الثّاني: اجتماع المصلحتين في موضوع واحد، بناء على المماثلة، أو المصلحة مع المفسدة كذلك، بناء على المضادّة.

و الجواب: أنّه لا مانع من هذا الاجتماع إذا كان من جهتين، بأن تكون «صلاة الجمعة» مثلا، ذات مصلحة بنفسها و بعنوانها الذّاتيّ؛ و ذات مصلحة أو مفسدة بعنوانها الطّاري من كونها مقطوعا بوجوبها.

الثّالث: اجتماع الحسنيين في موضوع واحد، بناء على المماثلة، أو الحسن و القبح، كذلك بناء على المضادّة.

و فيه ما مرّ في الجواب المتقدّم: من أنّه لا مانع منه إذا كان باعتبار عنوانين (نفسيّ و غير نفسيّ).

الرّابع: اجتماع الحبّين في موضوع واحد على فرض المماثلة، أو الحبّ و البغض‏

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 95 و 96.

85

كذلك على فرض المضادّة.

و فيه: أنّ الحبّ و البعض إنّما يكونان من الأوصاف النّفسانيّة، يتعلّقان بصور نفسانيّة ذهنيّة. و من المعلوم: أنّ صورة الموضوع تختلف باختلاف العنوان، فيتعلّق بصورة حبّ، و بصورة اخرى حبّ آخر أو بغض.

الخامس: اجتماع الإرادتين في موضوع واحد على المماثلة، أو الإرادة و الكراهة كذلك على المضادّة. و الجواب عن هذا الإشكال، هو الجواب عن الإشكال الرّابع، فلا نعيد.

السّادس: لزوم اللّغويّة على بعض التّقادير، نظير ما إذا علم أنّ المكلّف ينبعث بمجرّد حصول القطع له بحكم، فلو جعل حكم آخر مثله حينئذ، يكون لغوا، لعدم ترتّب الانبعاث عليه.

نعم، لا يلزم محذور اللّغويّة لو علم عدم انبعاث المكلّف إلّا بأمر و حكم آخر، بل الأمر الثّاني حينئذ يكون لازما.

و فيه: ما اشير إليه في المباحث الماضيّة و أصرّ عليه الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) في مبحث التّرتّب في إحدى المقدّمات السّبع، من أنّ الأحكام مجعولة على نهج القانون.

و عليه: فحيث إنّ المكلّفين مختلفون من جهة الانبعاث و عدمه، و من جهة أنّ بعضهم لا ينبعث عن أمر و حكم واحد، فلا بأس لجعل حكم آخر مماثل على نهج القانون و لو لأجل حصول الانبعاث في ذلك البعض و حينئذ لا تلزم اللّغويّة.

نعم، إذا كانت الأحكام و الخطابات شخصيّة جزئيّة، تلزم اللّغويّة على بعض التّقادير دون بعض، ففيما لو علم انبعاث المكلّف بالأمر الأوّل وحده أو عدم انبعاثه‏

86

أصلا، تلزم اللّغويّة، و فيما لو علم أنّه لا ينبعث إلّا بأمر ثان أو ثالث أو ... مماثل للأوّل، لا تلزم اللّغويّة حينئذ، كما هو واضح.

السّابع: لزوم طلب المحال و نقض الغرض فيما إذا جعل حكم مضادّ لمتعلّق القطع، نظير ما إذا «قطعت بحرمة شرب الخمر، يجب عليك شرب الخمر» و لا ريب:

أنّه يلزم حينئذ طلب المحال و نقض الغرض الّذي جعل الحرمة للخمر لأجله، و هكذا يلزم نقض الغرض لو جعل مقطوع الخمريّة أو الحرمة مرخّصا فيه، نظير ما إذا «قطعت بحرمة شرب الخمر، يجوز عليك شرب الخمر»، هذا في مورد القطع بالحرمة.

و الأمر كذلك في مورد القطع بالوجوب، فيلزم طلب المحال و نقض الغرض فيما إذا جعل حكم مضادّ لمتعلّق القطع، نظير ما إذا «قطعت بوجوب صلاة الجمعة، يحرم عليك صلاة الجمعة» و كذا يلزم ذلك فيما إذا جعل حكم مرخّص فيه، نظير ما «إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة، يجوز عليك صلاة الجمعة».

و لا يخفى: أنّ هذا الإشكال وارد لا دافع له البتّة.

هذا تمام الكلام في القسم الثّاني و الثّالث، فقد عرفت الإشكالات السّبعة فيهما و اندفاع الجميع إلّا الأخير.

و أمّا القسم الرّابع (القطع المأخوذ في نفس الحكم الّذي تعلّق به)، فقد اختلفت كلمات الأعلام في إمكانه و عدمه، نظير ما «إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة، يجب عليك صلاة الجمعة بنفس وجوبها الأوّل» فقد ذهب المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) إلى عدم إمكانه، فقال: «لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع‏

87

نفس هذا الحكم، للزوم الدّور» (1).

تقريب الدّور هو توقّف القطع بالحكم على وجود الحكم، و المفروض توقّف الحكم- أيضا- على القطع به لكونه موضوعا.

هذا، و لكن التّحقيق يقتضي التّفصيل بين القطع المأخوذ تمام الموضوع، فلا يلزم فيه محذور الدّور، و بين المأخوذ جزءه، فيلزم فيه محذور الدّور؛ ضرورة، أنّ القطع في فرض ما إذا اخذ جزء الموضوع، يكون موضوعا مع الواقع؛ و لذا لا حكم لو لم يصب القطع.

و عليه: فالقطع بالحكم يتوقّف على وجود الحكم، و المفروض توقّف الحكم على القطع- أيضا- لكونه جزء الموضوع، و كما يتوقّف الحكم على تمام الموضوع و يكون في طوله، كذلك يتوقّف على جزءه و يكون في طوله، و هذا هو الدّور المصرّح.

و أمّا في فرض ما إذا اخذ القطع تمام الموضوع، سواء أصاب أم لم يصب، فلا يتوقّف القطع على وجود الواقع المقطوع به المعلوم بالعرض، بمعنى: لا يتوقّف القطع بالحكم على أن يكون ذلك الحكم موجودا في الخارج، بل يتوقّف على الحكم بصورته الذّهنيّة المعلومة بالذّات. و من المعلوم: عدم توقّف هذه الصّورة على القطع، بل المتوقّف عليه إنّما هو الحكم بوجوده العيني الخارجي، فلا يلزم الدّور.

و بعبارة اخرى: المتوقّف عليه القطع غير المتوقّف على القطع؛ إذ المتوقّف عليه القطع هو المعلوم بالذّات و هي الحكم بصورته الذّهنيّة و وجوده العلميّ، و أمّا المتوقّف على القطع هو المعلوم بالعرض و هو الحكم بوجوده العينيّ الخارجيّ أو

____________

(1) كفاية الاصول: ج 2، ص 25.

88

الجعليّ الاعتباريّ، و معه فلا دور في البين؛ لعدم التّوقّف إلّا من أحد الطّرفين.

و من هنا يظهر: أنّه لا مجال لما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من لزوم الدّور مطلقا، و كذا ما عن السّيّد البروجردي (قدّس سرّه) من أنّ معنى كون القطع مأخوذا في موضوع حكم، عدم تحصّل هذا الحكم مع قطع النّظر عنه؛ و معنى كونه متعلّقا بهذا الحكم، تحصّل الحكم مع قطع النّظر عنه، و مرجع ذلك إلى كون القطع بالنّسبة إلى حكم واحد طريقيّا و موضوعيّا، فيلزم كون الحكم متحصّلا في حد نفسه على الطّريقيّة، و غير متحصّل على الموضوعيّة، فيجتمع النّقيضان. (1)

ثمّ إنّ شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) قد التزم بأنّه ليس هنا محذور الدّور، بل محذور آخر و هو التّهافت في اللّحاظ. أمّا عدم محذور الدّور، فقال في تقريبه: إنّ الحكم و إن يتوقّف على القطع؛ لكونه في رتبة موضوعه، لكنّ القطع بالحكم لا يتوقّف على الحكم، فقد يحصل القطع و لا مقطوع به واقعا.

و بعبارة اخرى: المعلوم على قسمين: أحدهما: بالذّات؛ و ثانيهما: بالعرض؛ و ما يتوقّف القطع و العلم عليه هو الأوّل، و هي الصّورة الحاصلة للنّفس؛ و أمّا الثّاني و هو الأمر الخارج عن صقع النّفس، فلا يتوقّف القطع عليه، فلا دور.

و أمّا المحذور الآخر (التّهافت في اللّحاظ): فقال في تقريبه: إنّ القطع و إن كان لا يحتاج إلى وجود المقطوع به، إلّا أنّه بالنّظر إلى كونه موضوعا، يرى متقدّما و يلاحظ سابقا، و بالنّظر إلى كونه متعلّقا بالحكم، محتاجا إليه- لكونه من الصّفات الحقيقيّة ذوات الإضافة- يرى متأخّرا عن الحكم و يلاحظ لاحقا، فيلزم اجتماع‏

____________

(1) راجع، نهاية الاصول: ص 403.

89

اللّحاظين المتهافتين في القطع و هو محال.

و قد أشار (قدّس سرّه) في ذيل كلامه (قدّس سرّه) إلى محذور اللّغويّة و تحصيل الحاصل- أيضا- و أنّ المقام مثل ما أن يقال: في موقف الإخبار «إذا قطعت بأنّ النّار حارّة، فالنّار حارّة» (1).

و فيه: أوّلا: أنّ الدّور قد عرفت: لزومه على تقدير الجزئيّة للموضوع فقط، دون ما لو جعل القطع تمام الموضوع، لما اشير إليه سابقا؛ و ثانيا: أنّ الظّاهر عدم التّهافت في اللّحاظ إذا لوحظ شي‏ء واحد متقدّما و متأخّرا باعتبارين، كما في المقام؛ و ثالثا: أنّ محذور اللّغويّة إنّما يلزم على بعض التّقادير و هو ما لو جعل حكم آخر مماثل، بخلاف ما لو جعل شخص الحكم و نفسه. نعم، يلزم هنا تحصيل الحاصل و إيجاد الموجود و إنشاء المنشأ و اعتبار المعتبر، و هذا أمر محال، كما لا يخفى.

هذا، و لكن قد ذهب المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) إلى إمكان أخذ القطع بالحكم في موضوع نفس هذا الحكم بنحو نتيجة التّقييد، فقال: «و أمّا أخذه موضوعا بالنّسبة إلى نفس الحكم الّذي تعلّق العلم به، فهو ممّا لا يمكن إلّا بنتيجة التّقييد. و توضيح ذلك:

هو أنّ العلم بالحكم لمّا كان من الانقسامات اللّاحقة للحكم، فلا يمكن فيه الإطلاق و التّقييد اللّحاظي لاستلزامه الدّور، كما أوضحناه في مبحث التّعبّديّ و التّوصّليّ.

و قلنا: إنّ أخذ العلم قيدا أو جزءا أو شرطا أو مانعا، ممّا لا يمكن في مرتبة الجعل و التّشريع، و إذا امتنع التّقييد امتنع الإطلاق؛ لأنّ التّقابل بين الإطلاق و التّقييد، تقابل العدم و الملكة، و لكن الإهمال الثّبوتي- أيضا- لا يعقل، بل لا بدّ، إمّا

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

90

من نتيجة الإطلاق، أو من نتيجة التّقييد، فإنّ الملاك الّذي اقتضى تشريع الحكم، إمّا أن يكون محفوظا في كلتي حالتي الجهل و العلم، فلا بدّ من نتيجة الإطلاق، و إمّا أن يكون محفوظا في حالة العلم فقط، فلا بدّ من نتيجة التّقييد، و حيث لم يمكن أن يكون الجعل الأوّلي متكفّلا لبيان ذلك، فلا بدّ من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الإطلاق أو التّقييد، و هو المصطلح عليه بمتمّم الجعل، فاستكشاف كلّ من نتيجة الإطلاق و التّقييد يكون من دليل آخر» (1).

و قد قرّر شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) تلك المقالة، ثمّ أجاب عنه بما هو الصّحيح عندنا، فلنذكر أوّلا ما أفاده (قدّس سرّه) في التّقرير- لانّ ذكره لا يخلو عن فائدة- و ثانيا ما أفاده في الجواب عنه. أمّا التّقرير، فقال «إنّ التّقييد و إن كان محالا للزوم الدّور فيستحيل الإطلاق، لكن هذا إذا كان إنشاء الحكم و جعله بخطاب واحد و جعل فارد كأن يقال: إذا علمت بوجوب شي‏ء يجب عليك ذلك الشّي‏ء، و أمّا إذا كان ذلك بخطابين: أحدهما: لجعل اصل الحكم؛ و ثانيهما: لتتميمه و تكميله، فلا يلزم محال، فللشّارع المقنّن أن يقول: تجب صلاة الجمعة- مثلا- و هذا خطاب أوّل جاء لتشريع أصل الوجوب و إبراز الإرادة الحتميّة بالنّسبة إلى صلاة الجمعة، ثمّ يقول بعد ذلك:

الحكم مختصّ بالعالم فقط، و هذا خطاب ثان متمّم للأوّل، المعبّر عنه به «متمّم الجعل» ينتج نتيجة التّقييد بلا لزوم دور، أو يقول: الحكم الملقى بالخطاب الأوّل مشترك بين العالم و الجاهل، فينتج نتيجة الإطلاق، كما قرّر ذلك في مثل قصد القربة. و عليه، فلا إهمال ثبوتا حتى يقال: بعدم معقوليّة و لا تقييد- أيضا- كى يقال: باستلزامه للدّور،

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 11 و 12.

91

و لا إطلاق كى يقال: بامتناعه لامتناع التّقييد، لكون التّقابل بينهما تقابل العدم و الملكة».

و أمّا الجواب عنه، فقال: «و فيه: أوّلا: أنّه لو سلّم كون الإطلاق و التّقييد متقابلين تقابل العدم و الملكة، كان ذلك بين اللّحاظين منهما، فاستحالة التّقييد اللّحاظي تستلزم استحالة الإطلاق اللّحاظي، و أمّا الإطلاق الذّاتيّ، فلا يكون مستحيلا باستحالة التّقييد، بل ربما يقال: بتعيّنه حينئذ؛ ضرورة، أنّ معنى الإطلاق الذّاتي هي سعة الانطباق على كلتا الحالتين من العلم و الجهل بحكم العقل، و هذا ناش من عدم لحاظ الإناطة و التّقييد، سواء أمكن لحاظه، أم لم يمكن كما في مثل المقام.

و ثانيا: ليس الإشكال منحصرا في مرحلة الإثبات و ناحية البيان و الخطاب حتّى يدفع بتعدّد الجعل و تثنية الخطاب، بل هو جار في مقام الثّبوت- أيضا- إذ دخل القطع بالحكم في موضوع نفسه لا يكون جزافا، بل لا بدّ أن يكون ذلك بدخله في المصلحة المترتّبة على المتعلّق. و عليه: يلزم الدّور هنا؛ ضرورة، أنّ تحقّق المصلحة و ترتّبها متوقّف على القطع بالحكم، لكونه دخيلا في الموضوع، تماما أو بعضا.

و واضح: أنّ القطع المتعلّق بالحكم، متأخّر عنه، و الحكم متأخّر عن المصلحة، متوقّف عليها، فيتوقّف القطع على المصلحة، كما هو قضيّة المساواة، و هذا هو الدّور، فالصّواب ما أشرنا إليه آنفا من الإطلاق الذّاتي» (1).

الجهة الثّالثة: هل يجوز أخذ القطع بمرتبة الحكم في مرتبة اخرى منه أو من مثله أو من ضدّه، أم لا؟

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

92

ذهب المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1) إلى جواز ذلك و هو الصّحيح؛ إذ لا يلزم منه محذور الدّور و لا غيره؛ و ذلك، مثل أن يقال: إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة وجوبا إنشائيّا، تجب عليك صلاة الجمعة وجوبا فعليّا؛ أو يقال: إذا قطعت بوجوبها الاقتضائيّ، تجب عليك وجوبا إنشائيّا؛ أو إذا قطعت بوجوبها الفعليّ، تجب عليك وجوبا تنجيزيّا و كذلك المماثل أو المضادّ.

و الوجه في عدم لزوم الدّور و غيره في المقام واضح، حيث إنّ ما يتوقّف عليه القطع هو الوجوب الإنشائيّ في المثال الأوّل، فلا بدّ أن يكون في مرتبة سابقة على القطع، و ما يتوقّف على القطع هو الوجوب الفعلي.

و هذا، كما ترى، ممّا لا يلزم منه محذور الدّور.

و ما عن بعض الأعاظم (قدّس سرّه) من أنّ القطع بالجعل ملازم للفعليّة، فلا محالة يتعلّق القطع بالحكم الفعليّ، و حيث إنّ المفروض دخل القطع في فعليّة الحكم لزم الدّور (2)؛ غير سديد، ضرورة، أنّه ربما يكون المصلحة في مجرّد إنشاء الحكم و إخفاءه و عدم إبلاغه إلى حين، فلا يصير فعليّا حتّى يحين حينه- و لو قطع به أحيانا- فلا ملازمة بين القطع بالجعل و الفعليّة، و قد عرفت بما لا مزيد عليه، معيار فعليّة الأحكام في المباحث الماضيّة، على ما قرّره الإمام الرّاحل (قدّس سرّه).

و ممّا ذكرناه، ينقدح ضعف ما أورده بعض الأعاظم (قدّس سرّه) على المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) فقال- بعد الإشارة إلى الملازمة بين القطع بالجعل و الفعليّة و لزوم‏

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 25.

(2) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 47.

93

الدّور- ما هذا لفظه: «توضيح ذلك (الملازمة و لزوم الدّور) أنّ وجوب الحجّ- مثلا- المجعول على المستطيع بنحو القضيّة الحقيقيّة، لا يشمل هذا المكلّف، و لا يكون حكما له إلّا بعد حصول الاستطاعة خارجا، و إلّا فليس حكما مجعولا له، بل هو حكم مجعول لغيره، فلا يمكن تعلّق القطع بشمول الحكم له جعلا، إلّا بعد حصول الاستطاعة له خارجا، و معه يكون الحكم فعليّا في حقّه، فلو فرض أخذ القطع بالحكم بنحو القضيّة الحقيقيّة في موضوع مرتبة الفعليّ منه، لا يعلم بثبوت الحكم له جعلا، إلّا بعد حصول القطع، و حصول القطع به يتوقّف على ثبوته له جعلا؛ إذ القطع طريق إلى الحكم، فلا بدّ في تعلّقه به من تحقّق الحكم و ثبوته في رتبة سابقة على تعلّق القطع به، و هذا هو الدّور» (1).

وجه ضعف هذا الإيراد هو ما عرفت: من معيار الإنشاء و الفعليّة، و إنكار الملازمة بينهما، و اندفاع الدّور بعد ذلك. بتقريب: أنّ فعليّة الحكم- مثلا- تتوقّف على القطع به جعلا و إنشاء، و لا يتوقّف القطع به كذلك على ثبوته الفعليّ، بل يتوقّف على ثبوته الجعليّ الإنشائيّ، فلا يلزم الدّور.

هذا كلّه في القطع المأخوذ في موضوع الحكم، و قد عرفت الأقسام فيه من جهة كونه مأخوذا فيه، إمّا على نحو الصّفتية أو على نحو الطّريقيّة، و على كلا التّقديرين، إمّا يكون تمام الموضوع أو جزءه و على هذا التّقدير- أيضا- إمّا يكون مأخوذا في موضوع نفس الحكم الّذي تعلّق به، أو الحكم المخالف لما تعلّق به، أو الحكم المماثل له أو الحكم المضادّ له، و قد مرّ أحكام جميع تلك الأقسام، فراجع.

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2، ص 47.

94

و أمّا الظّنّ المأخوذ في موضوع الحكم فتجري فيه- أيضا- تلك الأقسام، مع إضافة تقسيم آخر إليها و هو أنّ الظّنّ على جميع التّقادير المتقدّمة، إمّا يكون معتبرا أو غير معتبر.

هذا، و لكن حيث إنّ البحث عن أكثر أقسامه يكون علميّا محضا لا يترتّب عليه ثمرة علميّة- أيضا- فلا جدوى في التّعرض لها و النّقض و الإبرام حولها فندعها بحالها، كما أشار إليه الإمام الرّاحل (قدّس سرّه)(1) و كذا بعض الأعاظم (قدّس سرّه). (2)

قيام الأمارات مقام القطع‏

الأمر السّادس: هل الطّرق و الأمارات المعتبرة، و كذا الاصول بأقسامها تقومان مقام القطع بأقسامه، أم لا؟

فههنا بحثان:

[البحث‏] الأوّل: قيام الطّرق و الأمارات المعتبرة مقام القطع.

الثّاني: قيام الاصول بأقسامها مقام القطع.

أمّا البحث الأوّل: فالكلام فيه يقع تارة في القطع الطّريقي؛ و الاخرى في القطع الموضوعيّ.

أمّا القطع الطّريقيّ، فقد ادّعى شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه): «أنّ الظّاهر وجود الاتّفاق على قيام الأمارات مقام القطع الطّريقيّ، بنفس دليل اعتبارها، و إنّما

____________

(1) راجع، تهذيب الاصول: ج 2، ص 101.

(2) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 50.

95

الاختلاف في وجه منجّزيّة الأمارات، فالأقوال فيه أربعة:

منها: ما ذهب إليه الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) من: تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، بمعنى:

يستفاد من أدلّة اعتبار الأمارات، أنّ مؤدّاها كالواقع و بمنزلته.

منها: ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من: أنّ مفاد دليل اعتبار الأمارات هو جعل الحجّيّة أو الحجّة.

منها: ما اختاره المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) من: أنّ المجعول في باب الطّرق و الأمارات هو نفس الوسطيّة و الكاشفيّة، و أنّه بتتميم الكشف يتحقّق فرد من العلم بالواقع، و مصداق من القطع به، كالقطع الوجداني، فيتّبع بحكم العقل، كوجوب الاتّباع الوجداني بحكمه من دون احتياج إلى حكم تكليفيّ من قبل الشّارع، و هذا هو المستفاد من دليل اعتبار الأمارات.

منها: ما هو المختار، من: أنّ مفاد دليل الاعتبار هو تنزيل الظّنّ منزلة العلم في الأثر المتمشّي جعله من الشّرع و هو وجوب الاتّباع و الجري العمليّ على وفقه، كما هو الأثر المرتّب على القطع» (1).

هذه هي الأقوال في المسأله، و لكن التّحقيق فيها يقتضي قولا آخر و هو ما اختاره الإمام الرّاحل (قدّس سرّه)(2) من أنّ الطّرق العرفيّة و الأمارات العقلائيّة، كالظّواهر و خبر الثّقة و اليد و نحوها، ممّا هو الدّائر في ألسنة المحقّقين و العلماء، إنّما تكون حججا معتبرة عند العقلاء كافّة، و معتمدة لدى أبناء البشر قاطبة و في جميع الامور من‏

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

(2) أنوار الهداية: ج 1، ص 105 إلى 108.

96

المعامليّة و السّياسيّة و غيرهما، كحجّيّة القطع لديهم من دون أن يكون بينهما ترتّب و طوليّة، فتلك الأمارات تكون كاشفة محرزة للواقع عند العقلاء، ككون القطع كذلك، فكما لا مجال لجعل الحجّيّة للقطع، كذا لا مجال لجعلها للطّرق و الأمارات المعتبرة عند العقلاء، أيضا.

و عليه: فلا تنزيل هنا أصلا، لا تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، كما عن الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، و لا تنزيل الظّنّ منزلة العلم في وجوب الاتّباع، كما عن شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه)، و كذا لا جعل للحجّيّة أو الحجّة، كما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)، و لا تتميم للكشف أو إعطاء جهة الكاشفيّة و الطّريقيّة، كما عن المحقّق النّائيني (قدّس سرّه).

و السّر فيه: هو أنّه لا حاجة إلى هذه الامور، بل بعضها غير معقول، و لا دليل في مقام الإثبات يدلّ على صدور أمثال هذه الأعمال من الشّارع، بل هو كأحد العقلاء قد عمل بها بلا جعل و تنزيل أصلا.

فمجموع ما ذكرناه امور ثمانية:

أحدها: أنّ الأمارات و الطّرق العقلائيّة و العرفيّة، يكون كالظّهورات و أخبار الثّقة و نحوهما، حججا معتبرة عند العقلاء كافّة، و لدى أبناء البشر قاطبة، و في جميع المسائل، من المعامليّة أو السّياسيّة أو غيرهما.

ثانيها: أنّ وجه حجيّة الأمارات و الطّرق هو أنّه لولاها، لزم اختلال النّظام و توقّف رحى الحياة الاجتماعيّة.

ثالثها: أنّه لا جعل للأماريّة و الطّرق من قبل الشّارع أصلا، لا من باب تتميم الكشف، و لا تنزيل المؤدّى، و لا جعل الحجّيّة، و لا وجوب الاتّباع، بل هو- أيضا-

97

أحد العقلاء قد عمل بها من دون دخل و تصرّف فيها، بل لا يعقل الدّخل للزوم تحصيل الحاصل.

رابعها: أنّه لا يمكن ردع الحجّيّة عنها من ناحية الشّرع؛ إذ لو لا الحجّيّة لزم الاختلال و جاء الانحلال.

خامسها: أنّه لا دليل في مقام الإثبات، من الكتاب و السّنّة على ما ذكره الأساطين و الأعلام من وجوه الجعل، كالتّنزيل و نحوه، بل في نفس الرّوايات الدّالّة على حجّيّة خبر الثّقة (1) شواهد واضحة على تسلّم العمل بخبر الثّقة، و السّؤال إنّما هو لأجل حصول العلم بالصّغرى و إحرازها، و أنّ فلانا هل هو ثقة أم لا؟

سادسها: أنّ الأمارات و الطّرق حجج مستقلّة في عرض القطع لا في طوله.

غاية الأمر: يكون القطع طريقا عقليّا مقدّما عليها يعملون بها لولاه، و إلّا فيعملون به.

سابعها: أنّ الطّريق ينحصر بالقطع عند العقلاء كي يكون العمل بغيره عند فقده من باب العناية و التّنزيل، أو جعل الحجّيّة أو التّتميم أو وجوب الاتّباع.

ثامنها: أنّ العمل بالطّرق المتداولة المتعارفة، ليس من باب قيامها مقام القطع الطّريقي بعد التّتميم أو التّنزيل أو غيرهما من الوجوه المشار إليها آنفا، بل يكون من‏

____________

(1) راجع، وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء، الباب 11 من أبواب الصّفات القاضي، الحديث 4، 9، 19، ص 99 إلى 104؛ كقول أبي الحسن (عليه السّلام): «... العمري ثقتي ... فاسمع له و أطع، فإنّه الثّقة المأمون ...».

و كالتّوقيع الشّريف لخطّ مولانا صاحب الزّمان (عليه السّلام): «... و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنّا حجّة اللّه ...»؛ و كقول أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «... فإذا أردت حديثنا، فعليك بهذا الجالس [زرارة بن أعين‏] ...».

98

باب العمل بها مستقلّا و بلا عناية و تأويل، بل من غير التفات إلى تلك المعاني المدرسيّة، و الوجوه الدّقيقة الفنيّة الحوزويّة. هذا كلّه في القطع الطّريقيّ.

و أمّا القطع الموضوعي، فالبحث عن قيام الأمارات و الطّرق مقام القطع الموضوعيّ و عدم قيامها، يحتاج إلى ذكر الجهات و الخصوصيّات الموجودة في هذا القطع و هي ثلاثة:

الاولى: أصل الكاشفيّة، بمعنى: أنّه يؤخذ في الموضوع تماما أو بعضا بما أنّه طريق و كاشف بلا اعتبار تماميّة كشفه.

الثّانية: تماميّة الكشف، بمعنى: أنّه يؤخذ في الموضوع كذلك، بما أنّه كشف تامّ.

الثّالثة: كونه نعتا و وصفا نفسانيّا، بمعنى: أنّه يؤخذ في الموضوع كذلك، بما أنّه وصف و نعت نفسانيّ.

فعلى الاولى: ليس الموضوع إلّا الطّريق و الكاشف بلا اعتبار خصوصيّة اخرى. و عليه: يعمل بالطّرق و الأمارات العقلائيّة عند فقد القطع، لكونها من مصاديق الطّرق و الكواشف كالقطع، لا لقيامها مقامه بإعمال عنايات زائدة من ناحية الشّرع، كالتّتميم أو التّنزيل أو نحوهما من وجوه التّصرّف و التّأويل.

و أمّا على الثّانية و الثّالثة: فلا يعمل بالطّرق و الأمارات عند فقد القطع، و لا يترتّب عليه الأثر لعدم كون الظّنّ كشفا تامّا، و لا وصفا نفسانيّا من سنخ القطع، بل يكون كشفا ناقصا و وصفا نفسانيّا خاصّا آخر.

و إن شئت، فقل: إنّ الموضوع هنا (الجهة الثّانية و الثّالثة) هو خصوص القطع فإن كان، يترتّب عليه الأثر، و إلّا فلا يترتّب الأثر من باب السّلب بانتفاء الموضوع.

99

و الّذي يسهّل الخطب، أنّه لم نقف في الكتاب و السّنة على مورد اخذ فيه العلم موضوعا على وجه الصّفتيّة تماما أو بعضا، كما أشار إليه المحقّقان النّائيني‏ (1) و العراقي (قدّس سرّهما) (2).

هذا تمام الكلام في البحث الأوّل (قيام الطّرق و الأمارات مقام القطع).

[البحث الثّاني‏] قيام الاصول مقام القطع‏

و أمّا البحث الثّاني (قيام الاصول بأقسامها مقام القطع بأقسامه) فالكلام فيه يقع في موردين:

المورد الأوّل: في الاصول غير المحرزة و هي- على ما يستفاد من أدلّتها- الوظائف المقرّرة للجاهل بالواقع كي يرفع التّحيّر عنه في مقام العمل بالوظيفة، نظير أصالة الطّهارة و الحلّ و نحوهما. و لا ريب: أنّ هذه الاصول لا معنى لقيامها مقام القطع في التّنجيز أصلا.

نعم، قد يتوهّم أنّ الاحتياط الّذي يكون من الاصول غير المحرزة، يقوم مقام القطع في تنجّز التّكليف به لو كان.

و قد أجاب عنه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) بقوله: «أمّا الاحتياط العقليّ فليس إلّا نفس حكم العقل بتنجّز التّكليف و صحّة العقوبة على مخالفة، لا شي‏ء يقوم مقام القطع في هذا الحكم؛ و أمّا النّقليّ فإلزام الشّارع به و إن كان ممّا يوجب التّنجّز و صحّة

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 26 و 27.

(2) راجع، نهاية الأفكار: ج 3، ص 23.

100

العقوبة على المخالفة كالقطع، إلّا أنّه لا نقول به في الشّبهة البدويّة، و لا يكون بنقليّ في المقرونة بالعلم الإجمالي، فافهم» (1).

هذا، و لكن لنا جواب آخر عنه، و هو أنّ الاحتياط ليس إلّا إتيان جميع المحتملات كي يتحقّق الامتثال على كلّ تقدير، فليس فيه جهة كشف و حيثيّة حكاية حتّى يقوم مقام القطع في حكمه، و ليس هو- أيضا- نفس حكم العقل أو الشّرع- كما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)- بل العقل يحكم بلزوم الاحتياط أو يدرك لزومه، و كذا الشّرع.

و عليه: فليس الاحتياط إلّا نفس الإتيان المذكور، لا نفس الحكم، و لا شيئا كالقطع، يقوم مقامه، و لعلّ قول المحقّق الخراساني (قدّس سرّه): «فافهم» إشارة إلى هذا الجواب الّذي ذكرناه، أو إلى أنّ الرّوايات بالنّسبة إلى الشّبهات المقرونة بالعلم الإجمالي تكون إشارات إلى حكم العقل.

المورد الثّاني: في الاصول المحرزة و هي قد تسمّى بالاصول التّنزيليّة، نظير الاستصحاب و قاعدة التّجاوز و الفراغ و اليد؛ و البحث عن قيام هذه الاصول مقام القطع، يستدعي التّكلّم في كلّ واحد من تلك الأقسام المذكورة.

فنقول: أمّا الاستصحاب، فقيامه مقام القطع أو عدم قيامه، مبنيّ على البحث في أنّه، هل يكون أمارة، أو أصلا؟ و التّحقيق في ذلك يحتاج إلى ذكر مستند كلّ واحد من احتمال كون الاستصحاب أمارة، أو أصلا.

أمّا احتمال كونه أمارة، فيمكن استناده إلى أنّ جعل الأماريّة لكلّ شي‏ء

____________

(1) كفاية الاصول: ج 2، ص 23.

101

تتوقّف على جهات ثلاثة:

الاولى: كونه ذات جهة كاشفيّة و طريقيّة؛ إذ لو لم يكن كذلك، لا يكون صالحا لجعله أمارة شرعيّة، بل يكون حينئذ دون الجعل، كالشّكّ.

الجهة الثّانية: عدم كونه بنفسه أمارة- عقليّة أو عقلائيّة- إذ لو كان كذلك لما يقبل الجعل، بل يكون حينئذ فوقه، كالقطع.

الجهة الثّالثة: كون العناية في مقام الجعل إلى جهة الطّريقيّة و حيثيّة الكاشفيّة.

و هذا الجهات الثّلاثة الدّخيلة في جعل الأماريّة، كلّها موجودة في الاستصحاب.

أمّا الجهة الاولى، فلأنّ اليقين بالحالة السّابقة كاشف عن البقاء؛ و لذا قيل:

ما ثبت يدوم، و ليس هو في الآن اللّاحق كالشّكّ المحض غير القابل للأماريّة.

و أمّا الجهة الثّانية، فلأنّ أساس عمل العقلاء بالاستصحاب، ليس مجرّد اليقين بالحالة السّابقة، بل لعلّه لاحتفاف المقام بامور موجبة للوثوق و الاطمئنان، لا لكون الاستصحاب ذات كشف عن الواقع كشفا ناقصا حتّى يكون أمارة، كخبر الثّقة. و عليه: فالاستصحاب يصلح أن يناله يد الجعل الشّرعيّ.

و أمّا الجهة الثّالثة، فلأنّ المستفاد من الرّوايات الواردة في باب الاستصحاب هو أنّ العناية فيه إنّما يكون بإبقاء اليقين و إطالة عمره تشريعا، نظير قوله (عليه السّلام):

«... و إلّا فإنّه على يقين من وضوءه و لا ينقض اليقين بالشّكّ أبدا ...» (1).

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 1، كتاب الطّهارة، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 1، ص 174 و 175.

102

و أمّا احتمال كون الاستصحاب أصلا، فمستنده هو أنّ الأماريّة إنّما تتقوّم بكون الشّي‏ء ذات جهة كاشفيّة و طريقيّة إلى الواقع و لو ناقصا، و المفروض، أنّ الاستصحاب ليس كذلك؛ إذ اليقين السّابق قد زال، و لا حظّ للمكلّف حين الاستصحاب إلّا الشّكّ، و أمّا اقتضاء وجود المستصحب للبقاء فيما كان فيه الاقتضاء، و كون الوجود الكذائي كاشفا- و لو ناقصا عن بقاءه- موجبا لحصول الظّنّ به، فهو و إن كان كذلك، لكنّه أجنبيّ عن اليقين السّابق و أماريّته، كما أشار إليه الإمام الرّاحل (قدّس سرّه)(1).

مع أنّه لا يكون بناء العقلاء على العمل بهذه المرتبة من الظّنّ بلا حصول وثوق و اطمينان، كما هو واضح.

أضف إلى ذلك، أنّ الأمارة تتقوّم- أيضا- بكون العناية في مقام الجعل إلى الكاشفيّة و الطّريقيّة، و المفروض، أنّه لا عناية في روايات الاستصحاب إلى كاشفيّة الوجود السّابق، عن البقاء حتّى يجعل ذلك الوجود أمارة عليه باعتبار كونه موجبا لحصول ظنّ ما، و إنّما العناية إلى أنّ اليقين لإبرامه لا ينبغي أن ينقض بالشّكّ الّذي لا إبرام فيه.

و عليه: فالاستصحاب يكون من الاصول التّعبّديّة الشّرعيّة، كما أشار إليه الإمام الرّاحل (قدّس سرّه)(2).

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ مقتضى التّحقيق في المسألة هو ما اختاره الإمام‏

____________

(1) راجع، تهذيب الاصول: ج 2، ص 114.

(2) راجع، أنوار الهداية: ج 2، ص 110.

103

الرّاحل (قدّس سرّه) من أنّ الاستصحاب يكون من الاصول لا الأمارات، و يدلّ عليه، الأخبار، حيث إنّ مفادها عبارة عن حرمة نقض اليقين بالشّكّ و الحكم ببقائه في ظرف الشّكّ من حيث العمل.

و إن شئت، فقل: إنّ غاية ما يستفاد من الرّوايات، أنّ الاستصحاب عبارة عن حكم الشّرع ببقاء نفس اليقين، أو بترتيب آثاره في ظرف الشّكّ من حيث الجري العمليّ، فكأنّه قيل: ما هو مقطوع الحدوث و مشكوك البقاء، باق على حاله تعبّدا، كما قيل في باب الطّهارة: ما هو مشكوك الحلّيّة أو الطّهارة، حلال و طاهر.

إذا عرفت هذا، فاعلم، أنّ الاستصحاب بناء على القول بكونه أمارة يقوم مقام القطع الطّريقيّ أو الموضوعيّ المأخوذ على وجه الكاشفيّة، بل الاستصحاب على هذا يكون مصداقا للقطع لا قائما مقامه.

نعم، لا يقوم مقام القطع الموضوعيّ المأخوذ على وجه الصّفتيّة؛ و السّر فيه: ما أفاده الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) من أنّ مفاد أدلّة حجّيّة الاستصحاب أجنبيّة عن ذلك؛ إذ هي لا تدلّ إلّا على جعل الوسطيّة في الإثبات و إعطاء صفة الإحراز. و من المعلوم: أنّه لا جامع بين الوسطيّة في الإثبات، و بين القطع الموضوعيّ المأخوذ على وجه الصّفتيّة.

و بعبارة اخرى: أنّ أدلّة الاستصحاب تفيد كون المجعول هو القطع الطّريقيّ تعبّدا و إطالة عمر اليقين الطّريقي، فتكون قاصرة عن تنزيل الاستصحاب منزلة القطع الصّفتيّ، بل يمكن دعوى استحالة قيامه مقام هذا القطع؛ و ذلك، للزوم الجمع بين اللّحاظين المتنافيين، حيث إنّ لحاظ الصّفتيّة يقتضي لحاظ القطع بلا نظر إلى جهة كشفه، بخلاف لحاظ الطّريقيّة، فإنّه يقتضي لحاظه مع النّظر إلى جهة كشفه، و هذا

104

كما ترى، جمع بين اللّحاظين المتنافيين، و استحالة ذلك واضح. هذا كلّه بناء على القول بكون الاستصحاب أمارة.

و أمّا بناء على القول المختار من كون الاستصحاب أصلا، فلا يقوم- أيضا- مقام القطع الصّفتيّ؛ و ذلك، لما عرفت- في فرض كون الاستصحاب أمارة- من أنّ أدلّة الاستصحاب قاصرة عن تنزيله منزلة هذا القطع، فلا معنى لقيامه حينئذ مقامه؛ و الّذي يسهّل الخطب هو عدم وجود هذا النّوع من القطع في الكتاب و السّنة.

أمّا القطع الطّريقيّ بجميع أقسامه، سواء كان طريقا محضا أو مأخوذا في الموضوع تماما أو بعضا، فلا يبعد أن يقوم الاستصحاب مقام هذا القطع؛ إذ كبرى دليل الاستصحاب و هي قوله (عليه السّلام): «لا تنقض اليقين بالشّكّ» حاكمة على الدّليل المأخوذ فيه القطع مطلقا، سواء كانت الحكومة حاصلة بنفسها، أو نتيجتها؛ و ذلك، لما اشير إليه، من أنّ معنى الاستصحاب، إمّا هو التّعبّد ببقاء نفس اليقين من حيث العمل و الأثر، فالحكومة نفسها حاصلة، و إمّا هو التّعبّد بلزوم ترتيب أثر اليقين في زمان الشّكّ، فنتيجة الحكومة حاصلة، كما لا يخفى.

تنبيهان‏

الأوّل: هنا عويصة يصعب حلّها على القائلين بكون الاستصحاب من الاصول المحرزة.

توضيحها: أنّه لو كان الاستصحاب أصلا عمليّا، فما معنى كونه محرزا؛ إذ المحرز يكون من الطّرق و الأمارات، سواء كانت معتبرة أو غيرها، و لو كان أمارة مع‏