مفتاح الأصول‏ - ج3

- الشيخ اسماعيل الصالحي المازندارني المزيد...
397 /
105

فرض حجّيّته و اعتباره بدليل الرّوايات، فما معنى كونه فرش الأمارات و حكومتها عليه؟- كما هو المشتهر بين الأصحاب- و لو كان أصلا عمليّا محضا غير محرز، فما معنى كونه عرش الاصول الأخر و حكومته عليها؟- كما هو المشتهر بينهم- بل كيف يقوم حينئذ مقام القطع الطّريقيّ أو الموضوعيّ المأخوذ في الموضوع على وجه الطّريقيّة.

هذا، و لكن يمكن أن يقال- وفاقا للفحول-: إنّ الاستصحاب لأجل كونه كسائر الاصول، يكون بالإضافة إلى الأمارات فرشا و محكوما لها، و لأجل كون الشّكّ فيه مسبوقا باليقين، و أنّ الرّوايات الواردة فيه، يدلّ على النّهي عن نقضه به- مطابقة- و على الأمر بالجري العمليّ على وفقه- التزاما- يكون بالنّسبة إلى الاصول الأخر من البراءة العقليّة و النّقليّة، و الاشتغال و التّخيير عرشا و حاكما عليها، و لو لا ذلك، لزم لغويّة دليل اعتبار الاستصحاب و صيرورته بلا مورد؛ إذ المفروض، جريان الاصول الأخر في صورة عدم مسبوقيّة الشّكّ باليقين، فلو فرض جريانها- أيضا- في صورة مسبوقيّة الشّكّ باليقين، لزم كون الاستصحاب بلا مورد و لغويّة دليل اعتباره.

التّنبيه الثّاني: قد يقال: إنّ الرّوايات الواردة في باب جواز الشّهادة بالاستصحاب، تؤيّد أماريّته، و هي ثلاثة رواها معاوية بن وهب من أصحاب الصّادقين (عليهما السّلام):

الاولى: و هي مضمرة، قال: «قلت له: إنّ ابن أبي ليلى يسألني الشّهادة عن هذه الدّار، مات فلان و تركها ميراثا و أنّه ليس له وارث غير الّذي شهدنا له، فقال:

106

اشهد بما هو علمك، قلت: إنّ ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس، فقال: احلف، إنّما هو على علمك» (1).

الثّانية: قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): الرّجل يكون في داره، ثمّ يغيب عنها ثلاثين سنة و يدع فيها عياله، ثمّ يأتينا هلاكه، و نحن لا ندري ما أحدث في داره، و لا ندري ما أحدث له من الولد ... و لا تقسم هذه الدّار على ورثته الّذين ترك حتّى يشهد شاهدا عدل أنّ هذه الدّار دار فلان بن فلان مات و تركها ميراثا بين فلان و فلان، أو نشهد على هذا؟ قال: نعم ...، فقال: كلّ ما غاب من يد المرء المسلم، غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد به» (2).

الثّالثة: قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): الرّجل يكون له العبد و الأمة، قد عرف ذلك، فيقول: أبق غلامي أو أمتى، فيكلّفونه القضاة الشّاهدين بأنّ هذا غلامه أو أمته، لم يبع و لم يهب، أ نشهد على هذا إذا كلّفنا؟ قال: نعم» (3).

و فيه: أوّلا: أنّ الرّوايات، كما ترى، يستظهر منها، أنّ البناء في الشّهادة إنّما هو على اليد لا الاستصحاب؛ و لذا جاء في ذيل الثّانية التّصريح باليد و هو قوله (عليه السّلام) «كلّ ما غاب من يد المرء المسلم ...».

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 17 من أبواب الشّهادات، الحديث 1، ص 245 و 246.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 17 من أبواب الشّهادات، الحديث 2، ص 246.

(3) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 17 من أبواب الشّهادات، الحديث 3، ص 246.

107

و ثانيا: أنّ أخبار الاستصحاب جلّها لو لا الكلّ مشتملة على التّعليل و أنّه لا ينقض اليقين بالشّكّ‏ (1)؛ و هذا بخلاف الرّوايات المتقدّمة، فإنّها عارية عن هذا التّعليل، حيث إنّه ورد في الاولى: «... اشهد بما هو علمك ...» و لم يرد «اشهد بعلمك و يقينك السّابق و لا تنقضه بشكّك اللّاحق»؛ و في الثّانية: «... أو نشهد على هذا؟ قال:

نعم ... كلّ ما غاب من يد المرء المسلم ...»؛ و في الثّالثة: «... أ نشهد على هذا إذا كلّفنا؟

قال: نعم ...».

و بالجملة: ليست الرّوايات المذكورة مؤيّدة لأماريّة الاستصحاب، بل تكون من أدلّة قيام اليد- الّتي تكون من الأمارات- مقام القطع و العلم المعتبر في الشّهادة، بل لا قيام في البين.

و لعلّ الاشتباه نشأ من تسمية عنوان الباب، المذكورة فيه تلك الرّوايات و هو باب السّابع عشر من أبواب الشّهادات في وسائل الشّيعة؛ بعنوان «باب جواز البناء في الشّهادة على استصحاب بقاء الملك و عدم المشارك في الإرث ...» (2).

و تؤيّد ما ذكرناه، رواية حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قال له الرّجل: إذا رأيت شيئا في يدي رجل، يجوز لي أن أشهد أنّه له، قال: نعم، قال الرّجل:

أشهد أنّه في يده و لا أشهد أنّه له، فلعلّه لغيره، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): أ فيحلّ الشّراء منه؟ قال: نعم، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): فلعلّه لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه و يصير

____________

(1) راجع، وسائل الشّيعة: ج 1، كتاب الطّهارة، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 1، ص 174 و 175؛ ج 2، كتاب الطّهارة، الباب 37 من أبواب النّجاسات، الحديث 1، ص 1053؛ و ج 5، كتاب الصّلاة، الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصّلاة، الحديث 3، ص 321.

(2) راجع، وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 17، ص 245.

108

ملكا لك، ثمّ تقول بعد الملك هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك، ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» (1).

هذا تمام الكلام في الاستصحاب.

و أمّا قاعدة الفراغ و التّجاوز، فالحقّ أنّهما من الاصول، لا الأمارات، فلا يقومان مقام القطع؛ إذ مفاد الأخبار الدّالّة عليهما هو وجوب المضيّ العمليّ، و البناء على الإتيان بعدم الاعتناء بالشّكّ، لا أنّ مفادها هو إسقاط الشّكّ و إعطاء الكاشفيّة حتّى يكونا من الأمارات، و إليك بعض تلك الأخبار:

منها: رواية زرارة، «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل شكّ في الأذان و قد دخل في الإقامة، قال: يمضي، قلت: رجل شكّ في الأذان و الإقامة و قد كبّر، قال: يمضي، قلت: رجل شكّ في التّكبير و قد قرأ، قال: يمضي، قلت: شكّ في القراءة و قد ركع، قال:

يمضي، قلت: شكّ في الرّكوع و قد سجد، قال: يمضي على صلاته، ثمّ قال: يا زرارة! إذا خرجت من شي‏ء ثمّ دخلت في غيره، فشكّك ليس بشي‏ء» (2).

و منها: رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام): «قال: كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى، فامضه كما هو» (3).

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 25 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدّعوى، الحديث 2، ص 215.

(2) وسائل الشّيعة: ج 5، كتاب الصّلاة، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصّلاة، الحديث 1، ص 336.

(3) وسائل الشّيعة: ج 5، كتاب الصّلاة، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصّلاة، الحديث 3، ص 336.

109

و منها: ما عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السّلام): «قال: سألته عن رجل ركع و سجد و لم يدر هل كبّر أو قال: شيئا في ركوعه و سجوده، هل يعتدّ بتلك الرّكعة و السّجدة؟ قال: إذا شكّ فليمض في صلاته» (1). هذا تمام الكلام في الأمر السّادس.

الموافقة الالتزاميّة للقطع‏

الأمر السّابع: أنّ تنجّز التّكليف بالقطع كما يقتضي موافقته عملا، فهل يقتضي موافقته التزاما

و التّسليم له اعتقادا و انقيادا، بحيث يحصل امتثالان عند الموافقة الالتزاميّة- أحدهما: بحسب القلب و الجنان؛ و اخرى: بحسب العمل بالأركان- و يحصل العقوبة عند عدم الموافقة، أو لا يقتضي ذلك؟ فلا يستحقّ العقوبة على عدم الموافقة، بل إنّما يستحقّها على المخالفة العمليّة فقط.

ذهب المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(2) إلى الثّاني و هو الصّحيح، و الدّليل عليه: يكون مركّبا من صغرى وجدانيّة، و كبرى برهانيّة بصورة الشّكل الأوّل من القياس، فالصّغرى هو قولنا: الموافقة الالتزاميّة، أو عقد القلب، أو نحوهما من أمثال هذه العناوين، تكون من الامور القلبيّة، نظير الخوف و الرّجاء، و السّخط و الرّضاء، و الكبرى هو قولنا: و كلّ أمر قلبيّ نفسيّ يحصل في أفق القلب و صقع النّفس قهرا

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 5، كتاب الصّلاة، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصّلاة، الحديث 9، ص 337 و 338.

(2) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 27 و 28.

110

بتبع حصول علله و مباديه الخاصّة بلا دخل اختيار و إرادة فيه.

و النّتيجة هو قولنا: فالالتزام بشي‏ء و عقد القلب عليه، يتحقّق و يتكوّن تبعا لحصول علله و مباديه الخاصّة بلا اختيار و إرادة.

ثمّ تجعل هذه النّتيجة صغرى لكبرى قياس آخر، فيقال في الصّغرى: عقد القلب أمر تبعيّ غير اختياريّ، بحيث يجب حصوله لو حصلت مباديه و يمتنع لو امتنعت؛ و في الكبرى: و كلّ أمر كذلك لا يصلح لأن يصير واجبا شرعا؛ و في النّتيجة:

فالموافقة الالتزاميّة و عقد القلب لا يصلح لأن يصير واجبا شرعا، و هذا لا فرق فيه بين اصول الدّين و فروعه.

و إن شئت، فاختبر نفسك في هذه المسألة، فهل يمكن لك بعد العلم بوجود شي‏ء، عقد قلبك على عدمه و الالتزام بخلاف وجوده، و كذا لو تيقّنت بعدم شي‏ء، فهل تتمكّن من عقد القلب على وجوده و الالتزام بخلاف عدمه؟

هذا، و لكن قد يقال: بإمكان ذلك، مستشهدا بآية الجحود مع الإيقان و هي قوله تعالى: وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً (1).

و فيه: أنّ المراد من الجحود ليس هو الالتزام القلبيّ على خلاف ما في القلب من اليقين، بل المراد منه هو الإنكار اللّساني و عدم الالتزام العمليّ قبال الإذعان اللّساني، و الالتزام العمليّ مع عدم الالتزام القلبي، بل مع الالتزام القلبي على خلاف اللّسان و العمل، فيذعن لسانا و يعمل ظاهرا لجهات و حكم.

و انقدح ممّا ذكرناه، ضعف ما عن جمع من الأكابر منهم شيخنا الاستاذ

____________

(1) سورة النّمل (27)، الآية 14.

111

الآملي (قدّس سرّه) من: «أنّ الاعتناق و البناء القلبيّ فعل من أفعال النّفس بشهادة الوجدان و أخبار باب الكفر و الإيمان، و يدلّ عليه بعض آيات القرآن، فكثير ما يعلم الإنسان حقّيّة شي‏ء أو شخص و يكون تلك عنده كالشّمس في السّماء، لكنّه لا ينقاد له قلبا و لا يعتنق به باطنا لما فيه من خباثة و رذالة، أو لجهة اخرى من الجهات المانعة.

نعم، يطبّق نفسه في مقام العمل على وفق أوامره و نواهيه احتشاما منه، و هكذا كان حال كثير من الكفّار في الصّدر الأوّل من الإسلام، فكانوا قاطعين بنبوّة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بلا بناء قلبيّ و اعتناق باطنيّ نفسانيّ؛ و لذا كانوا كفّارا غير مؤمنين، و إلى ذلك أشار القرآن الكريم‏ وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً (1) فملاك الكفر و الإيمان هو هذا البناء، لا العلم المجرّد و عدمه، و لا مجرّد الإقرار اللّساني و البناء اللّفظيّ الظّاهري و عدمه» (2).

فتحصّل: أنّ الموافقة الالتزاميّة، بمعنى: عقد القلب على الدّين باصوله و فروعه و الالتزام به اختيارا، أمر غير ممكن فلا مجال لإيجابه. نعم، يمكن البناء القلبيّ على العمل و التّصميم لإطاعة أمر المولى و نهيه، كالبناء على عدم العمل و التّصميم لمخالفة أمر المولى و نهيه، و كذا لا مجال لحرمة التّشريع، بمعنى: الالتزام القلبي بكون حكم من الشّرع مع علمه بعدم كونه منه، أو مع عدم علمه بكونه منه؛ و ذلك، لعدم إمكان هذا الالتزام لكونه التزاما بخلاف علمه، و قد عرفت امتناعه، فلا يمكن النّهي عنه و تحريمه.

____________

(1) سورة النّمل (27)، الآية 14.

(2) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

112

نعم، التّشريع، بمعنى: إدخال ما ليس من الدّين في الدّين، يكون أمرا ممكنا مقدورا، فيكون منهيّا عنه. أضف إلى ذلك كلّه، أنّه لو سلّم إمكان وجوب الموافقة الالتزامية حسب مقام الثّبوت، فلا مجال لوجوبها حسب مقام الإثبات، لعدم دليل عليه نقلا و عقلا.

أمّا النّقل، فلأنّ المستفاد منه هو البعث إلى العمل أو الزّجر عنه و التّرغيب إلى الإتيان أو التّرهيب عنه خارجا، بلا عين و لا أثر فيه من البعث إلى الالتزام قلبا و وجوب عقد القلب شرعا، فلم يؤخذ الالتزام موضوعا للوجوب في دليل، مضافا إلى أنّه لو وجب لزم التّسلسل، فتأمّل جيّدا.

و أمّا العقل، فلأنّه لا يدلّ على وجوب الالتزام و لزوم عقد القلب بوجه، لا من باب الملازمة؛ لعدم الملازمة بين الامتثال، و بين العقد و الالتزام حتّى يجب بوجوبه؛ ضرورة، حصول الامتثال بمجرّد الإتيان خارجا و إن لم يكن معه التزام؛ و لا من باب وجوب دفع الضّرر المحتمل؛ لاندفاعه بالبراءة لو كان اخرويّا، و لعدم وجوب دفعه لو كان دنيويّا؛ و لا من باب اقتضاء رسم العبوديّة؛ إذ الرّسم يقتضي العمل بما أمر به، و المفروض أنّه لم يؤمر بعقد القلب حتّى يكون تركه خلاف رسم العبوديّة؛ و لا من باب اقتضاء شكر المنعم؛ بداهة، أنّ مقتضى شكر المنعم و إن كان وجوب عقد القلب على أحكامه، لكن عقد القلب على ما جاء به النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بنحو الجملة و الإجمال، لا يقتضي عقده على كلّ واحد واحد من الأحكام تفصيلا؛ على أنّ معنى عقد القلب على ما جاء به (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو الاعتقاد و الالتزام بأنّه من قبل اللّه تعالى، لا من قبل نفسه، و مرجعه إلى أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يفتر على اللّه كذبا، لا وجوب عقد

113

القلب على أحكامه تعالى شرعا.

و لا يخفى عليك: أنّ عقد القلب على ما جاء به النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بهذا المعنى (أنّه من قبل اللّه) يكون بالنّسبة إلى جميع أحكام اللّه تعالى حتّى المباحات، و حتّى ما يختصّ ببعض المكلّفين، كوجوب عقد القلب للرّجال على أحكام الحيض المختصّة بالنّساء، و هذا بخلاف عقد القلب على الأحكام أنفسها، فإنّه لو صحّ ثبوتا و قام عليه الدّليل إثباتا، يختصّ بالأحكام الإلزاميّة، فلا يجب على المستحبّات و نحوها من الأحكام غير الإلزاميّة، و يختصّ- أيضا- بالأحكام المتعلّقة بالمكلّف نفسه، فلا يجب عقد القلب على أحكام متعلّقة بغيره من المكلّفين.

بقي هنا شي‏ء و هو أنّه بعد تسليم وجوب الموافقة الالتزاميّة، هل يمنع عن جريان الأصل في مورد دوران الأمر بين المحذورين و في أطراف العلم الإجمالي، أم لا؟

ذهب المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1) إلى عدم المنع و هو الصّحيح؛ و ذلك، لعدم المنافاة بين الالتزام بما هو الواقع بوجه الإجمال- في مثل دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة- بمقتضى العلم الإجمالي، و بين الالتزام بالإباحة الظّاهريّة بمقتضى الأصل العمليّ.

و أمّا الالتزام بخصوص الوجوب أو الحرمة- مثلا- فغير ممكن، لعدم المعرفة، و الالتزام بأحدهما تخييرا- أيضا- غير وجيه، لعدم اقتضاء التّكليف إلّا الالتزام بنفسه عينا، لا الالتزام به أو بضدّه تخييرا.

و لقد أجاد شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) فيما أفاده في المقام، حيث قال: «و التّحقيق‏

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 30.

114

أن يقال: الالتزام إمّا يلاحظ مع الحكم الواقعي أو مع الظّاهريّ، و لا موقع للأوّل مع وجود الأصل النّافي له تنزيلا؛ و الثّاني يتحقّق بعد جريان الأصل و يكون في طوله، فلا يعقل منعه عن جريانه، و إن أبيت، فلا مزاحمة بين الالتزامين و لا يقع بينهما تمانع أصلا، حيث يمكن الالتزام بالواقع المحتمل المتردّد و بالحكم الظّاهريّ المتعيّن لاختلاف صقعهما، فلا يصادم الالتزام بالواقع، الأصل و لا الأصل، الالتزام بالواقع.

و من هنا يمكن أن يقال: الأخذ بالاصول في مورد العلم الإجماليّ، ليس من باب الحكومة على أدلّة الواقع حتّى يصل الدّور إلى البحث عن أنّ حكم العقل بوجوب الالتزام تعليقيّ أو تنجيزىّ، بل يكون ذلك الأخذ من باب عدم المزاحمة و المصادمة على ما أشرنا من اختلاف الصّقع و وجود الطّوليّة» (1).

فتحصّل: أنّ وجوب الالتزام لو سلّم لا يمنع عن جريان الأصل، لا في مورد دوران الأمر بين المحذورين، و لا في أطراف العلم الإجمالي، فيجري لو لم يكن هناك مانع آخر عن جريانه. هذا تمام الكلام في الأمر السّابع.

[الأمر الثّامن‏] قطع القطّاع‏

الأمر الثّامن: أنّ القطع المأخوذ طريقا، يترتّب عليه الأثر العقليّ و هو الحجّيّة، بلا تفاوت فيه عند العقل من حيث القاطع و المورد و السّبب بأن حصل بنحو متعارف و من سبب ينبغي حصوله منه، أو بنحو غير متعارف و من سبب لا ينبغي حصوله منه، كما هو الحال غالبا في القطّاع، و هذا أمر واضح، و قد ادّعي فيه‏

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

115

الضّرورة، كما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1)، هذا من ناحية العقل.

و أمّا من ناحية الشّرع، فلا مجال للمنع أو التّحديد- أيضا- بالنّسبة إلى ذلك القطع، لما عرفت في مبحث حجّيّة القطع من أنّه لا تناله يد الجعل و التّشريع أصلا.

و أمّا بالنّسبة إلى القطع المأخوذ في الموضوع شرعا، فقد يقيّد بسبب خاصّ متعارف بعنوانه النّفسي، بمعنى: عنوان ذوات الأسباب المتعارفة، كالكتاب و السّنّة، فيقال:- مثلا- إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة من طريق الكتاب و السّنّة، يجب عليك التّصدّق، و هذا ممّا لا إشكال فيه؛ إذ للشّرع أن يردع و يسلب الموضوعيّة عن القطع لو حصل من طريق آخر غير متعارف، كالجفر و الرّمل و نحوهما.

و قد لا يقيّد بذوات الأسباب، كالكتاب و السّنّة، بل يقيّد بعنوان «ما ينبغي حصول القطع منه» فيقال:- مثلا- إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة من طريق ما ينبغي أن يحصل منه القطع، يجب عليك التّصدق بكذا، و هذا ممّا لا يكاد يجدي الرّدع و سلب الموضوعيّة عنه لو حصل من طريق آخر؛ إذ القاطع حال قطعه يعتقد بحصوله ممّا ينبغي أن يحصل منه، و لا يلتفت إلى أنّه حصل ممّا لا ينبغي.

خاتمة

قد تقدّم: أنّ القطع الطّريقي موضوع لحكم العقل بوجوب الموافقة و حرمة المخالفة، و هذا لا فرق فيه بين أن يحصل من أسباب و مقدّمات متعارفة، و بين أن يحصل من غيرها، كالرّمل و الجفر و نحوهما.

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 31 و 32.

116

و كذا لا فرق فيه، بين قاطع- كالقطّاع- و قاطع آخر- كغيره- و لا بين متعلّق و مقطوع به، كالأحكام الفرعيّة، و بين متعلّق و مقطوع به آخر، كالمسائل الأصليّة الاصوليّة؛ كما لا فرق- أيضا- في حجّيّته في الأحكام بين أن يحصل من مباد سمعيّة نقليّة، و مباد و مقدّمات عقليّة. هذا هو الحقّ.

و لكن نقل الخلاف عن غير واحد من الأخباريين‏ (1) في حجّيّة القطع النّاشى من المقدّمات العقليّة في الأحكام الشّرعيّة.

و عليه: فينبغي بسط الكلام لمقالة الأخباريّ نقلا و نقدا، فنقول: إنّ ظاهر كلام المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(2) بل صريحه، أنّ النّزاع بين الأخباريّ و الاصوليّ، يرجع إلى الصّغرى و هي حصول القطع من المقدّمات العقليّة، فأنكرها الأخباريّ دون الاصوليّ؛ و أمّا الكبرى، و هي أصل حجّيّة القطع، فلا نزاع بينهما فيها.

و لكنّ الحقّ كما قال جمع من الفحول: أنّ كلام الأخباريين صريح في منع الكبرى- أيضا- فهم قد يمنعون الصّغرى و هي حصول القطع من المقدّمات العقليّة، إمّا لأجل أنّ المقدّمات العقليّة لا تفيد إلّا الظّن، أو لأجل منع الملازمة بين حكم العقل و الشّرع نظرا إلى إنكارهم لأصل الحسن و القبح العقليين، و إنكارهم لتمكّن العقل من إدراك الملاكات من المفاسد و المصالح، و إنكارهم لتمكّنه من إدراك الموانع و المزاحمات، و إنكارهم للملازمة بين حكم العقل و الشّرع في سلسلة علل الأحكام، أو في سلسلة معاليلها أو في سلسلة ملازمات الأحكام. و قد يمنعون الكبرى و هي‏

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 51 (التّنبيه الثّاني من تنبيهات القطع) الطّبعة الجديدة.

(2) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 32.

117

حجّيّة القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة؛ و ذلك، لأجل ورود المنع الشّرعي عن الرّجوع إلى تلك المقدّمات و إن انتجت القطع.

و التّحقيق في منع الصّغرى يقتضي أن يقال: إنّ مستند المنع لو كان عدم وجود الملازمة بين ما يدركه العقل من حسن شي‏ء أو وجود المصلحة فيه، و كذا قبح شي‏ء أو وجود المفسدة فيه، و بين الحكم الشّرعيّ بالوجوب أو الحرمة، فهو تامّ؛ إذ- كما عرفت في مبحث التّجرّي- ربما يحكم العقل و يدرك قبح شي‏ء و هو خير، حسن واقعا، و كذا العكس، كما ربما يدرك وجود المصلحة في شي‏ء أو المفسدة فيه و هو مبتلى بوجود مزاحم و مانع واقعا.

و الوجه فيه: أنّ العقل عاجز عن الإحاطة بجميع جهات المصالح و المفاسد، و كذا المزاحمات و الموانع.

نعم، لا إشكال في حصول القطع بالحكم الشّرعيّ من ناحية حكم العقل بالملازمة، نظير ما إذا أدرك العقل بالملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدّمة، فلا ريب فيه: أنّه إذا ثبت وجوب شي‏ء شرعا، كالصّلاة، حصل القطع بوجوب مقدّمته شرعا، كالوضوء.

و أمّا لو كان مستند منع الصّغرى هو عدم حصول القطع من المقدّمات العقليّة نظرا إلى أنّها لا تفيد إلّا الظّن، فهو ممنوع.

و قد بحث الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) حول هذا الكلام بوجه أوفى و نحو مستقصى، فراجع و انظر كيف خاض المدّعي و هو الأمين الأسترآبادي- من غير التفات و إرادة- في المقدّمات العقليّة، و استدلّ بها لإثبات عدم إفادتها للقطع، و لك أن تسأله،

118

هل أنت- أيّها المحدّث- قطعت من هذه المقدّمات العقليّة غير الحسيّة بأنّ المقدّمات العقليّة لا تفيد قطعا، أم لا؟ فإن قلت: بحصول القطع، فقد اعترفت بخلاف مدّعاك، و إن قلت: بعدمه، فلا دليل لك قطعيّا على دعواك. هذا بالنّسبة إلى منع الصّغرى.

و أمّا منع الكبرى، فالتّحقيق فيه يقتضي الرّجوع إلى الرّوايات الّتي يتراءى منها منع حجّيّة القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة.

فنقول: إنّ تلك الرّوايات على طوائف ثلاثة:

الاولى: ما يدلّ على النّهي عن العمل بالرّأي.

الثّانية: ما يدلّ على انحصار أدلّة الأحكام في روايات أهل البيت (عليهم السّلام).

الثّالثة: ما يدلّ على عدم تمكّن العقول و الأفكار من الوصول إلى الشّريعة و دين اللّه المتعال.

أمّا الطّائفة الاولى فهي كثيرة: منها: ما عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «إنّ المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه، و لكن أتاه عن ربّه فأخذ به» (1).

و منها: ما عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ستفرق امّتي على ثلاث و سبعين فرقة، فرقة منها ناجية، و الباقون هالكون، و النّاجون الّذين يتمسّكون بولايتكم و يقتبسون من علمكم و لا يعملون برأيهم، فاولئك ما عليهم من سبيل» (2).

و منها: ما عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث، قال: «يظنّ‏

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14، ص 26.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 30، ص 31.

119

هؤلاء الّذين يدّعون أنّهم فقهاء، علماء، أنّهم قد أثبتوا جميع الفقه و الدّين ممّا يحتاج إليه الامّة، و ليس كلّ علم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) علّموه و لا صار إليهم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا عرفوه؛ و ذلك، أنّ الشّي‏ء من الحلال و الحرام و الأحكام يرد عليهم فيسألون عنه، و لا يكون عندهم فيه أثر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و يستحيون أن ينسبهم النّاس إلى الجهل و يكرهون أن يسألوا، فلا يجيبون فيطلب النّاس العلم من معدنه، فلذلك استعملوا الرّأي و القياس في دين اللّه، و تركوا الآثار و دانوا بالبدع، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): كلّ بدعة ضلالة ...» (1).

و أمّا الطّائفة الثّانية، فمنها: ما عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «من أخذ دينه من أفواه الرّجال أزالته الرّجال، و من أخذ دينه من الكتاب و السّنّة زالت الجبال و لم يزل» (2).

و منها: ما عن الفضيل بن يسار، قال: «سمعت أبا جعفر يقول: كلّ ما لم يخرج من هذا البيت، فهو باطل» (3).

و منها: ما عن الصّادق (عليه السّلام): «يا نعمان! إيّاك و القياس، فإنّ أبي حدّثني عن آبائه، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: من قاس شيئا من الدّين برأيه، قرنه اللّه مع إبليس في‏

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 49، ص 40.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22، ص 95.

(3) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 18، ص 94.

120

النّار ... فدع الرّأي و القياس، و ما قال قوم ليس له في دين اللّه برهان، فإنّ دين اللّه لم يوضع بالآراء و المقاييس» (1).

و أمّا الطّائفة الثّالثة، فمنها: ما عن عبد الرّحمن الحجّاج، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: ليس شي‏ء أبعد من عقول الرّجال عن القرآن» (2).

و منها: ما عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «ليس شي‏ء أبعد من عقول الرّجال من تفسير القرآن، إنّ الآية ينزل أوّلها في شي‏ء، و أوسطها في شي‏ء، و آخرها في شي‏ء» (3).

و منها: ما عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «... و إنّما هلك النّاس في المتشابه، لأنّهم لم يقفوا على معناه و لم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم، و استغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء و نبذوا قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وراء ظهورهم» (4).

هذه هي جملة من الرّوايات الّتي قد يتوهّم دلالتها على منع حجّيّة القطع الطّريقيّ الحاصل من المقدّمات العقليّة، و لكن أنت ترى، أنّها بأجمعها قاصرة عن‏

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 26، ص 29.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 69، ص 149.

(3) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 73، ص 150.

(4) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 62، ص 147 و 148.

121

تلك الدّلالة، و أجنبيّة عمّا كنّا بصدد إثباته.

كيف، و إنّ عزل العقل عن الحكم في الفروع و الاصول ممّا لا يساعده النّقل، بل يكذّبه الكتاب و السّنّة.

أمّا الكتاب، ففيه آيات كثيرة صريحة في أصالة العقل و عظم شأن أولى الباب.

و أمّا السّنة: فهي الرّوايات الكثيرة المتضافرة من صحاح و موثقات مذكورة في كتاب العقل و الجهل من اصول الكافي و غيره من الكتب المعتمدة، فراجع.

ثمّ إنّه قد ورد في الفقه فروع يتراءى منها المنع عن العمل بالقطع:

منها: ما لو كان لأحد درهم عند الودعيّ و للآخر درهمان، فسرق أحد الدّراهم أو تلف من عند الودعيّ، فحكموا بأنّ لصاحب اثنين، واحدا و نصفا، و للآخر نصفا.

قد يتوهّم: إنّ الحكم بالتّنصيف مخالف للعلم الإجمالي، بأنّ تمام هذا الدّرهم المنصّف لأحدهما و هو إمّا صاحب الدّرهمين، أو صاحب الدّرهم، كما أنّه ربما يكون مخالفا للعلم التّفصيلى؛ و ذلك فيما إذا أخذ الدّرهم المشترك بينهما شخص ثالث و اشترى به متاعا، فإنّه حينئذ يقطع تفصيلا بعدم دخوله في ملكه؛ للقطع بكون بعض الثّمن ملكا للغير، فجواز التّصرّف في هذا المتاع مخالف للعلم التّفصيلي، و مانع عن العمل بالقطع.

و فيه: أنّ حكم الشّرع بالتّنصيف يكون لأحد أمرين: أحدهما: أنّه من باب الصّلح القهريّ الصّادر من له الولاية على الأنفس فضلا عن الأموال، فملّك هو

122

بولايته نصف الدّرهم لغير مالكه، حسما لمادّة الخصومة، و عليه، فيدخل النّصف في ملك الغير تعبّدا، و معه لا مخالفة للعلم الإجمالي و لا التّفصيليّ.

ثانيهما: أنّه من باب قاعدة العدل و الإنصاف و هي من القواعد العرفيّة العقلائيّة قد أمضاها الشّرع في غير مورد، نظير ما إذا تداعى شخصان في مال يكون تحت يدهما معا، أو أقام كلّ واحد البيّنة أو حلفا، أو نكلا مع عدم التّمكن من إقامة البيّنة، فالحكم حينئذ هو التّنصيف لأجل تلك القاعدة، حيث إنّه لو عمل هنا بالقرعة- مثلا- و دفع جميع المال إلى أحدهما المقروع له، احتمل وصوله بتمامه إلى مالكه، كما احتمل عدم وصول شي‏ء منه إلى مالكه، بخلاف العمل بقاعدة العدل و الإنصاف في الحكم بتنصيفه؛ إذ حينئذ يقطع بوصول بعض المال إلى مالكه و عدم وصول بعضه الآخر إليه، و عليه، فيلزم الموافقة القطعيّة و كذا المخالفة القطعيّة في الجملة.

و أمّا دفع التّوهّم المذكور، بأنّ الامتزاج موجب للاشتراك القهريّ و كلّ منهما يكون شريكا قهرا في كلّ واحد واحد من الدّراهم الثّلاثة- مثلا- و لازمه أن يكون المسروق أو التّالف لهما معا لا لأحدهما، ففيه:

أوّلا: أنّ الشّركة القهريّة إنّما تتمّ فيما إذا امتزج شيئان امتزاجا موجبا للوحدة عرفا بارتفاع الاثنينيّة، كامتزاج السّكّر و الماء، أو امتزاج الحليب و الماء و نحوهما من الأجناس المختلفة، أو امتزاج الماء و الماء، أو الحليب و الحليب و نحوهما من الأجناس المتّحدة، و أنت ترى، أنّ اختلاط الدّراهم ليس من هذا القبيل، و لا امتزاج هنا موجبا للوحدة و ارتفاع الاثنينيّة، و هذا واضح غاية الوضوح.

و ثانيا: أنّه لو سلّمت الشّركة القهريّة في مثل المقام، لزم إعطاء ثلث الدّرهمين‏

123

و هو ثلثا درهم واحد، لصاحب الدّرهم، و إعطاء ثلثي الدّرهمين و هو درهم و ثلث لصاحب الدّرهمين، و هذا خلاف ما هو المنصوص من إعطاء ربع الدّرهمين و هو النّصف لصاحب الدّرهم، و إعطاء ثلاثة أرباع الدّرهمين و هو درهم و نصف، لصاحب الدّرهمين.

و منها: ما إذا وجد المني في ثوب مشترك بين شخصين، فلو قيل: بجواز اقتداء أحدهما بالآخر أو ثالث بهما في صلاة واحدة، أو في صلاتين مترتّبتين كالظّهرين أو العشاءين، لزم أن يعلم المقتدي تفصيلا ببطلان صلاته، إمّا لجنابة نفسه أو إمامه، كما هو في فرض اقتداء أحدهما بالآخر؛ و إمّا لجنابة الإمام الأوّل أو الثّاني، كما هو في فرض اقتداء الثّالث بهما في صلاة واحدة أو لزم أن يعلم ببطلان صلاته العصر أو العشاء إمّا لجنابة الإمام، أو لفوات التّرتّب، كما هو في فرض اقتداء الثّالث بهما في صلاتين مترتّبتين.

و هنا- أيضا- فرض آخر و هو اقتداء الثّالث بهما في صلاتين غير مترتّبتين، كالعصر و المغرب، أو العشاء و الصّبح، فيعلم حينئذ ببطلان إحدى صلاتيه إمّا لجنابة الإمام الأوّل أو الثّاني.

ففي هذه الفروض حكم بجواز الايتمام و صحّة الصّلاة، و أنت ترى، أنّ هذا الحكم مخالف للعلم و القطع و مانع عن العمل به.

و فيه: أنّ الحكم بجواز الايتمام في الفروض المذكورة إنّما هو فيما إذا قلنا: بكفاية صحّة صلاة الإمام عنده فيه و لو لم تكن صحيحة عند المأموم، فيجوز له الاقتداء و يصحّ صلاته و لو علم ببطلان صلاة الإمام تفصيلا من دون أن يعلم الإمام ببطلانه،

124

فحينئذ لا علم للمأموم ببطلان صلاته كي يكون الفرع من موارد مخالفة القطع و العلم.

و هذا بخلاف ما إذا قلنا: بعدم الكفاية نظرا إلى أنّه يعتبر في جواز الاقتداء صحّة صلاة الإمام عند المأموم، أيضا.

و إن شئت، فقل: إنّ ما حكم في الفروض المتقدّمة من جواز الايتمام يدور مدار القول بكفاية صحّة الصّلاة عند الإمام دون المأموم، فهو يعلم حينئذ بصحّة صلاته، لا أنّه يعلم ببطلانها كي يكون المقام من مصاديق المنع عن العمل بالعلم و القطع.

تنجيز العلم الاجماليّ‏

الأمر التّاسع: هل القطع الإجماليّ بالتّكليف الفعليّ، كالقطع التّفصيليّ به ممّا يوجب تنجّز التّكليف و ثبوته،

و كذا يوجب سقوطه عند امتثاله، أم لا؟

فهنا مقامان:

[المقام‏] الأوّل: ثبوت التّكليف بالعلم الإجماليّ و عدمه.

الثّاني: سقوط التّكليف بالامتثال الإجمالي و عدمه.

أمّا المقام الأوّل: فالكلام فيه يقع في مراحل ثلاثة:

الاولى: هل للعلم الإجماليّ اقتضاء بالنّسبة إلى التّكليف، أم لا؟ بل يكون وجوده كالعدم، لا يؤثّر في ثبوت التّكليف و الحكم أصلا.

الثّانية: بعد الفراغ عن الاقتضاء و أصل التّأثير، هل يكون ذلك التّأثير بحدّ العلّيّة التّامّة، أم لا؟

الثّالثة: بعد تسليم كون التّأثير بحدّ العلّيّة التّامّة، هل تكون تلك العلّيّة مطلقا

125

حتّى بالنّسبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة، أم لا؟ بل تختصّ بالإضافة إلى حرمة المخالفة القطعيّة.

أمّا المرحلة الاولى: فلا شبهة في اقتضاء العلم الإجماليّ و تأثيره، بمعنى: ليس حاله حال الشّكّ البدويّ أو الظّنّ حال الانفتاح المحتاج إلى الجعل و الاعتبار، كما هو ظاهر كلام المحقّق القمي (قدّس سرّه)(1).

و الوجه في اقتضاءه و تأثيره، أنّه لا فارق بين العلم الإجماليّ و التّفصيليّ من حيث حقيقة العلم، فليس الإجماليّ طورا من العلم، و التّفصيليّ طورا آخر منه، بل هما مشتركان في العلميّة، و الامتياز إنّما هو في وصف الإجماليّ و التّفصيليّ، و واضح، أنّ هذا الوصف إنّما هو بحال المتعلّق، فلا إجمال في العلم و المعلوم بالذّات، بل الإجمال في المعلوم بالعرض و ما ينطبق عليه المعلوم بالذّات و هو الّذي قد يكون مجملا مردّدا بين أمرين أو امور، و قد يكون مفصّلا متعيّنا.

و عليه: فالعلم الإجمالي، كالتّفصيلي علم، له تأثير و اقتضاء، و لو قلنا: بعدم الاقتضاء و جواز التّرخيص في أطرافه، كما يجوز في مورد الشّكّ البدويّ، لزم صدور ترخيص من الشّرع لارتكاب المعصية القطعيّة، و العقل يستقلّ بقبحه.

و بعبارة اخرى: قبح التّرخيص في مخالفة التّكليف المعلوم يكون من الأحكام العقليّة المستقلّة مطلقا، سواء كان معلوما بالإجمال أو بالتّفصيل.

ثمّ إنّه قد يقال: بأنّ العقل إنّما يحكم بالقبح و المخالفة إذا علم المكلّف بالمخالفة و العصيان، حين العمل، و في المقام لا علم له كذلك حينما يرتكب كلّ واحد من الطّرفين‏

____________

(1) قوانين الاصول: ج 2، ص 27.

126

أو الأطراف، لاحتمال وجود التّكليف في الطّرف الآخر، فإذا لا حكم للعقل بالقبح و المخالفة.

نعم، يعلم المكلّف بالمخالفة بعد ارتكاب الكلّ، و من المعلوم، عدم الحرمة في تحصيل العلم بالمخالفة، بل الحرام هي نفس المخالفة؛ و لذا لو ارتكب مشكوك الحرمة بشكّ بدويّ لإجراء أصالة البراءة، لا مانع له عن تحصيل العلم بالحرمة بسبب السّؤال من المعصوم (عليه السّلام)، أو بمعونة الرّمل و الجفر و غيرهما من العلوم الغريبة.

و فيه: أنّ حكم العقل بقبح المخالفة يدور مدار أمرين: أحدهما: قيام الحجّة؛ ثانيهما: وجود القدرة، و المفروض وجود هذين الأمرين في المقام؛ ضرورة، أنّ المكلّف يعلم بوصول التّكليف إليه من حيث الكبرى لعلمه بحرمة كذا أو وجوب كذا، و من حيث الصّغرى لعلمه بأنّ هذا هو ذاك الحرام أو ذاك الواجب، فيتمّ البيان بهذا المقدار، بحيث لو خالف و عوقب، لم يكن عقابا بلا بيان و مؤاخذة بلا برهان.

و لقد أجاد فيما مثّل للمقام بعض الأعاظم (قدّس سرّه) فقال: «إنّا لا نرى فرقا في الحكم بالقبح بين ما إذا عرف العبد، ابن المولى بشخصه فقتله، و ما إذا علمه إجمالا بين عدّة أشخاص فقتلهم جميعا» (1).

أمّا المرحلة الثّانية: فالحقّ فيها أن يكون العلم الإجمالي علّة تامّة لإثبات اشتغال الذّمّة و لتنجيز التّكليف، بحيث لا مجال لأن يرد التّرخيص على خلافه؛ إذ لو كان التّرخيص بالنّسبة إلى جميع الأطراف لكان إذنا في المعصية القطعيّة، و بالنّسبة إلى بعضها لكان إذنا في المعصية المحتملة مع العلم بوجود تكليف في البين، و لا شبهة

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2، ص 70.

127

في كلا التّرخيصين عقلا، بل العقل يراهما مناقضا لما علم ثبوته في العهدة من التّكليف.

و إن شئت، فقل: إنّ العلم الإجماليّ كالتّفصيليّ في انكشاف الحكم و إحراز التّكليف به، و في كونه رافعا لموضوع البراءة عقلا، فينجّز التّكليف بنحو العلّيّة التّامّة كتنجيز العلم التّفصيليّ له بهذا النّحو.

غاية الأمر: يكون المكلّف في العلم الإجمالي جاهلا بمتعلّق التّكليف بعد إحراز نفسه و انكشاف التّامّ به، و هذا الجهل لا يقدح و لا يكون عذرا شرعيّا أو عقليّا، بل لا بدّ عقلا من الخروج عن عهدة ذلك التّكليف الإلزاميّ، و لا يتأتّى الخروج عنها إلّا بفعل كلا الطّرفين، أو كلّ الإطراف أو بالتّرك كذلك؛ لكون الحكم و التّكليف في هذه الدّائرة و عدم خروجه عنها، فإذا لا مساغ عقلا لجعل التّرخيص حول العلم الإجماليّ أصلا، لا كلّا و لا بعضا؛ لما عرفت: من لزوم التّرخيص في المعصية المقطوعة أو المحتملة و هو قبيح عند العقل و الشّريعة، بل مناقض لدى الارتكاز و الفطرة.

فتحصّل: أنّ جعل التّرخيص في أطراف العلم الإجماليّ غير ممكن ثبوتا، و أنّ اشتغال الذّمّة بالتّكليف في مورد العلم الإجماليّ يقينيّ تنجيزيّ غير منوط بعدم جريان الأصل. و واضح، أنّ التّكليف اليقينيّ يقتضي الفراغ كذلك و هو لا يحصل إلّا بالموافقة القطعيّة بإتيان جميع الأطراف أو بتركها.

أمّا المرحلة الثّالثة: فقد انقدح حالها ممّا ذكر في المرحلة الثّانية، بأنّ العلّيّة التّامّة للعلم الإجماليّ تكون مطلقة، و بالنّسبة إلى الموافقة القطعيّة، أيضا.

هذا، و لكن التزم المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) بخصوص الاقتضاء و التّأثير في العلم‏

128

الإجماليّ- قبال الشّكّ البدويّ- لا العلّيّة التّامّة، فقال ما محصّله‏ (1): إنّ حكم العقل بوجوب متابعة العلم الإجماليّ تعليقيّ، لا تنجيزي. بتقريب: أنّ موضوع الحكم الظّاهري و هو الجهل منحفظ في كلّ واحد من الطّرفين أو الأطراف؛ و ذلك، لعدم انكشاف التّكليف بالعلم الإجماليّ انكشافا تامّا، فإذا لا مانع من الإذن و التّرخيص بالمخالفة مطلقا، احتمالا كان أو قطعا.

نعم، قد يتوهّم مناقضة حكم الظّاهريّ مع الواقعيّ هنا، و لكن يدفع بأنّ محذور المناقضة يأتي في الشّبهة غير المحصورة و الشّبهة البدويّة- أيضا- فيتفصّى عنها هنا بما يتفصّى عنها هناك، من أنّه يحمل حكم الواقعيّ على الفعليّ التّعليقي، بمعنى: أنّه لو علم به المكلّف لتنجّز عليه، و الحكم الظّاهريّ على الفعليّ التّنجيزيّ، و عليه، فالحكمان خلافان لا متناقضان.

و لا يخفى: أنّ في كلامه (قدّس سرّه) مواقع للنّظر:

أحدها: أنّه لا معنى لقوله (قدّس سرّه): بعدم انكشاف التّكليف بالعلم الإجماليّ تمام الانكشاف، بل فيه خلط بين التّكليف و متعلّقه؛ إذ التّكليف منكشف به كذلك، كالعلم التّفصيليّ، فلا إجمال فيه من هذه الجهة، إنّما الإجمال في متعلّقه، و لا غرو فيه؛ لعدم اعتبار تمييز متعلّق التّكليف عن غيره، بل اللّازم هو وصول التّكليف و قيام الحجّة عليه بعد فرض وجود القدرة، و المفروض أنّه واصل.

ثانيها: أنّه لا وجه لما التزم به من وجود محذور المناقضة في الشّبهة غير المحصورة، و الشّبهة البدويّة؛ إذ لا معنى لتطرّق ذلك في هاتين الشّبهتين.

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 35.

129

أمّا الشّبهة البدويّة، فلأنّ المفروض، أنّ التّكليف لم يكن في موردها واصلا حتّى يناقضه الحكم الظّاهري، و هذا بخلاف مورد العلم الإجماليّ و الشّبهة المحصورة المقرونة به.

و بعبارة اخرى: قياس العلم الإجماليّ و الشّبهة المحصورة المقرونة به بالشّبهة البدويّة يكون مع الفارق، كيف، و أنّه لا بيان للتّكليف و لا وصول في مثل الشّبهة البدويّة، بل تجري فيها قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بخلاف الشّبهة المقرونة به، فإنّ فيها وصولا و بيانا، لا تجري معه قاعدة القبح بلا كلام. هذا في الشّبهة البدويّة.

و أمّا الشّبهة غير المحصورة، فلما سيجى‏ء في مبحث الاشتغال من أنّ وجه جريان الأصل في أطرافها هو عدم منجّزيّة العلم الإجماليّ فيها؛ لعدم التّمكن من إتيان جميع الأطراف أو تركها أو لوجود الضّرر أو الحرج في ذلك التّرك أو لضعف احتمال وجود المعلوم بالإجمال في مورد الارتكاب.

و لقد أجاد الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) فيما مثّل لتقريب المسألة، حيث قال: «أ لا ترى أنّه إذا كان ولدك العزيز في بلد مشتمل على مائة ألف نفس، و سمعت بهلاك نفس واحدة من أهل البلد، فإنّك لا تفزع، لاحتمال كون الهالك ولدك، و لو فزعت لكنت على خلاف المتعارف و صرت موردا للاعتراض، و هذا ليس من باب قصور في المعلوم، كما أفاده المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) بل لضعف الاحتمال لا يعتني به العقل و العقلاء» (1).

ثالثها: أنّه لا أساس لقوله (قدّس سرّه): بالفعليّة التّعليقيّة في الحكم، بمعنى: أنّه لو تعلّق‏

____________

(1) أنوار الهداية: ج 1، ص 161.

130

به القطع لتنجّز؛ و ذلك، لما عرفت منّا في المباحث الماضية ما هو معيار الفعليّة و الإنشائيّة، بل لم يقل، و لا ينبغي أن يقول أحد: بدخل العلم في الفعليّة، بل العلم دخيل في التّنجّز كالقدرة؛ و لذا نقول: باشتراك العالمين و الجاهلين في الأحكام الشّرعيّة. على أنّ المفروض هو كون متعلّق العلم الإجماليّ حكما فعليّا من جميع الجهات، فيكون فرض عدم الفعليّة من بعض الجهات خلفا.

رابعها: أنّه لا معنى لقوله (قدّس سرّه): بانحفاظ موضوع الحكم الظّاهريّ و هو الجهل في مورد العلم الإجماليّ؛ ضرورة، أنّ العلم الإجماليّ بيان للتّكليف، رافع للجهل به منكشف به الحكم انكشافا تامّا، و معه كيف يعقل أن يقال: بحفظ مرتبة الحكم الظّاهريّ و بقاء موضوعه و هو الجهل.

ثمّ إنّ شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) قد استفاد من كلام المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) أنّه أراد حلّ عويصة المناقضة بين الحكم الواقعيّ و الظّاهريّ باختلاف الرّتبة بينهما؛ و لذا أورد عليه: بأنّ المانع لا يكون تضادّ الأحكام كي يجاب باختلاف الرّتبة بينها، بل المانع عبارة عن حكم العقل بوجوب متابعة العلم تنجيزا من غير فرق بين العلمين. (1)

و استفاد ذلك- أيضا- بعض الأعاظم (قدّس سرّه)(2) من كلام المحقّق الخراساني (قدّس سرّه).

و لكنّ الإنصاف، أنّ هذه الاستفادة بعيدة عن مرامه (قدّس سرّه) غاية البعد؛ كيف، و أنّه (قدّس سرّه) قد صرّح هنا: بأنّ التّفصّي عن محذور المناقضة هو التّفصّي الّذي أشرنا إليه سابقا، و يأتي إن شاء اللّه مفصّلا، و محصّل كلامه (قدّس سرّه) الماضي و الآتي، هو ما ذكرناه من‏

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

(2) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 71.

131

الجمع بين الحكم الظّاهريّ و الواقعيّ بالحمل على الفعليّ التّقديريّ و التّنجيزيّ، كما لا يخفى على من راجع كلامه (قدّس سرّه).

و الشّاهد على ما قلناه: هو أنّه (قدّس سرّه)- على ما سيجي‏ء- أجاب عن القول بالجمع بينهما باختلاف الرّتبة، كما عن المحقّق الفشاركي (قدّس سرّه) و ظاهر كلام الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في أوّل مبحث البراءة و التّعادل و التّراجيح، فقال (قدّس سرّه): «كما لا يصحّ التّوفيق بأنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة، بل في مرتبتين ... فإنّ الظّاهري و إن لم يكن في تمام مراتب الواقعيّ، إلّا أنّه يكون في مرتبته- أيضا- و على تقدير المنافاة لزم اجتماع المتنافيين في هذه المرتبة» (1).

فتحصّل: أنّ المستفاد من كلام المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) هو أنّه كان بصدد الجمع بين الحكمين بإمكان جعل الحكم الظّاهريّ مع العلم الإجماليّ لانحفاظ مرتبته معه، و أمّا الجمع بينهما باختلاف الرّتبة، فقد أخطأه و صرّح بعدم صحّته. و عليه، فلا مجال لما عن شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) و بعض الأعاظم (قدّس سرّه) من الإيراد عليه (قدّس سرّه) مبتنيا على ما استفادا من كلامه (قدّس سرّه) من أنّه قال: بالجمع باختلاف الرّتبة، نعم، يرد عليه ما ذكرناه آنفا، فراجع.

هذا كلّه في الإذن و التّرخيص حول العلم الإجماليّ حسب مرتبة الجعل و التّشريع، فقد عرفت: أنّه لا مجال للإذن و التّرخيص في هذه المرتبة أصلا، لا بالنّسبة إلى جميع الأطراف، و لا إلى بعضها.

و أمّا الإذن و التّرخيص حسب مرتبة الفراغ و تفريغ الذّمّة عمّا اشتغلت به،

____________

(1) كفاية الاصول: ج 2، ص 53 إلى 55.

132

فهو أمر ممكن ثبوتا، فللشّرع أن يكتفي بالامتثال الاحتماليّ مكان الامتثال اليقينيّ، حتّى في موارد ثبوت التّكليف و إحرازه بالعلم التّفصيلي، كما في الاستصحابات الجارية في الموضوعات المنقّحة لموضوع الفراغ، كاستصحاب الطّهارة و نحوها، و كما في موارد جريان قاعدة التّجاوز و الفراغ، ففي هذه الموارد ترخيص و توسعة في مقام الفراغ مع أنّ العلم التّفصيلي بالتّكليف يكون علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعيّة بلا شبهة.

و لا يخفى عليك: ان التّرخيص في مقام الفراغ لا ينافي كون العلم الاجماليّ علّة تامّة، بل يؤكّد ذلك؛ إذ لو لا العلّيّة التّامّة لما احتاج إلى التّرخيص و التّوسعة من قبل الشّارع.

بقي هنا شي‏ء: و هو أنّ العلم الإجماليّ بناء على كونه علّة تامّة لتنجّز التّكليف كالعلم التّفصيلي، يوجب استحالة التّرخيص و الإذن في أطرافه، و معه لا يصل الدّور إلى الاصول العمليّة في مقام الإثبات.

و أمّا بناء على الاقتضاء و التّأثير، فهل يجري الاصول العمليّة و تسقط بالمعارضة، أو لا تجري للزوم المناقضة؟ فيه وجهان. و التّحقيق في ذلك موكول إلى محالّها المقرّرة.

إن قلت: لا ثمرة للنّزاع في العلّيّة و الاقتضاء؛ إذ على العلّيّة لا تجري الاصول، و على الاقتضاء و إن كانت تجري، لكن تسقط بالمعارضة، فأين الفائدة.

قلت: تظهر الثّمرة فيما إذا كان لجريان الأصل في بعض الأطراف مانع، نظير ما إذا كان أحد الكأسين مسبوقا بالطّهارة دون الآخر، حيث إنّ جريان استصحاب‏

133

الطّهارة في الطّرف المسبوق بها، يعارض جريان قاعدة الطّهارة في الطّرف غير المسبوق بها، فيسقطان، و حينئذ يجري قاعدة الطّهارة في الطّرف المسبوق- بلا معارضة- بناء على الاقتضاء، و أمّا بناء على العلّيّة التّامّة، فلا يجري الأصل رأسا حتّى يصل الدّور إلى المعارضة و جريان قاعدة الطّهارة.

هذا تمام الكلام في المقام الأوّل (ثبوت التّكليف بالعلم الإجماليّ).

و أمّا المقام الثّاني (سقوط التّكليف بالامتثال الإجماليّ،

بمعنى: هل يكفي الامتثال بالعلم الإجماليّ في فراغ الذّمّة مع التّمكّن من الامتثال التّفصيليّ و العلم به تفصيلا، أم لا؟).

فنقول: أمّا بناء على عدم التّمكّن من الامتثال التّفصيليّ، فلا شبهة و لا كلام في كفاية الامتثال الإجماليّ مطلقا، سواء كان في الامور التّعبّديّة أو التّوصّليّة، و سواء كان في الشّبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ أو غير المقرونة به، و سواء كان في الشّبهات الحكميّة- قبل الفحص أو بعده- أو الموضوعيّة.

و السّر فيه: عدم طريق آخر غير الامتثال الإجماليّ.

و أمّا بناء على التّمكّن من الامتثال التّفصيلي، فيقع الكلام فيه تارة في التّوصّليّات، و اخرى في التّعبّديّات.

أمّا التّوصّليّات، فلا شبهة و لا كلام- أيضا- في كفاية الامتثال الإجماليّ فيها؛ إذ ليس الغرض فيها إلّا حصول المأمور به و مجرّد وجوده بأيّ وجه اتّفق، و معه يسقط الأمر و التّكليف قطعا مطلقا، سواء كان ذلك الأمر التّوصّليّ من قبيل الدّفن، نظير دفن الميّتين فيما إذا اشتبه المسلم منهما بالكافر، أو كان من قبيل الدّين، نظير

134

إعطاء الدّرهم لزيد و عمرو إذا علم بدين درهم، إمّا لزيد أو لعمرو، أو كان من قبيل الغسل، نظير غسل المتنجّس بمائعين طاهرين يعلم إجمالا، أنّ أحدهما مطلق، و الآخر مضاف، أو كان من قبيل غير تلك الامور من البيع و الشّراء و الإجارة و الطّلاق و العتق و نحوها من العقود و الإيقاعات.

و عليه: فلا وجه لما عن بعض الأعاظم (قدّس سرّه) من إلحاق الوضعيّات- كالطّهارة و النّجاسة- و كذا العقود و الإيقاعات، بالتّوصّليّات‏ (1)؛ إذ كلّ هذه الموارد مشتملة على الأمر التّوصّليّ و لو لغير الوجوب. غاية الأمر، قد يترتّب على إتيان المأمور به أمر وضعيّ من الطّهارة، أو الملكيّة أو الرّقيّة و نحوها، و إلّا فكلّ ذلك تكون من الأعمال التّوصّليّة. هذا في التّوصّليّات.

أمّا التّعبّديّات، فلا إشكال و لا كلام- أيضا- في كفاية الامتثال الإجماليّ بالاحتياط في الصّور التّالية:

الاولى: فيما إذا كان التّكليف غير منجّز كما في الشّبهة البدويّة الموضوعيّة مطلقا أو الحكميّة بعد الفحص، بل الاحتياط في هذه الصّورة انقياد يكون أرقى و أتمّ من الامتثال التّفصيليّ.

الثّانية: فيما إذا كان التّكليف منجّزا كما في الشّبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ، أو الشّبهة البدويّة الحكميّة قبل الفحص مع فرض كون التّكليف الإلزاميّ المحتمل ضمنيّا بلا لزوم تكرار العمل، كما إذا شكّ في جزئيّة السّورة للصّلاة وجوبا أو ندبا، فيحتاط بالإتيان، و هذا لا مانع منه.

____________

(1) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 77 و 78.

135

لا يقال: إنّ المانع هنا هو اعتبار قصد الوجه حيث إنّه لا يحصل بالاحتياط.

لأنّه يقال: أوّلا: لا دليل على اعتبار قصد الوجه في العبادات؛ و ثانيا:

لو سلّم ذلك، فعمدة ما يدلّ عليه هو الإجماع، و أنت ترى، أنّه لا إجماع على اعتباره في الواجبات الضّمنيّة، كما أنّ المشهور هو عدم اعتباره فيها؛ و ثالثا: لو سلّم وجود الإجماع هنا، فلا يعتمد عليه؛ لكونه مدركيّا أو محتمل المدركيّة، حيث إنّ المتيقّن أو المحتمل استناد المجمعين في اعتبار القصد إلى أنّ حسن الفعل و قبحه يدوران مدار القصد، بمعنى: أنّ المعنون بعنوان خاصّ إنّما يصير حسنا أو قبيحا لو فعل مع قصده بعنوانه، و إلّا فلا؛ و ذلك، نظير ضرب اليتيم، فإنّه بقصد التّأديب حسن و بدونه قبيح، ففي المقام يحتمل إناطة حسن الفعل بعنوان خاصّ و هو الوجوب أو النّدب، فلا بدّ من قصده كي يصير الفعل حسنا، و مع الجهل به بخصوصه لا يمكن قصده، فلا يمكن الاحتياط.

و لكن يندفع: بأنّ الحاكم في باب الإطاعة و العصيان هو العقل و هو لا يحكم إلّا بامتثال أمر المولى بإتيان متعلّقه أو نهيه بتركه، و الزّائد على ذلك- كقصد العنوان- فإن دلّ على اعتباره دليل من نقل أو عقل، فهو، و إلّا فالمرجع في دفع اعتباره هو الإطلاق اللّفظيّ أو المقاميّ، أو الأصل العمليّ، و لو وصل الدّور إلى الشّكّ يكون المرجع هو الإطلاق اللّفظيّ لو كان، أو البراءة لو لم يكن، أو الإطلاق المقاميّ لو لم يمكن اللّفظي. بتقريب: أنّ مجرّد عدم تنبيه الشّارع على اعتبار قصد الوجه كاشف عن عدم اعتباره، و إلّا كان عليه التّنبيه بأيّ نحو ممكن و لو بالإخبار، لكون مثل هذا

136

من القيود المغفول عنها عند نوع المكلّفين، كما أشار إليه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1)، هذا كلّه في قصد الوجه.

و أمّا قصد التمييز، فإن كان بمعنى قصد العنوان فهو حاصل في الاحتياط، و إن كان بمعنى قصد تمييز الواجب عن غيره، ففيه: أنّ الواجب بوجوده الواقعي متميّز عن غيره قهرا بلا حاجة إلى قصد العنوان و قصد المكلّف و بوجوده العلمي- بأن يكون التّمييز بمعنى العلم- فليس قصديّا، فلو كان المكلّف جاهلا بالواجب لم يرتفع جهله بمجرّد قصد العلم و التّمييز، بل يرتفع بمجرد العلم بنفسه، كما لا يخفى.

الصّورة الثّالثة: فيما إذا كان التّكليف المعلوم بالإجمال استقلاليّا مع عدم لزوم تكرار العمل بالاحتياط، كما إذا شكّ في وجوب غسل الجمعة و استحبابه، فيأتي به احتياطا.

و توهّم مانعيّة اعتبار قصد الوجه هنا- أيضا- مندفع بالإطلاق اللّفظيّ، أو البراءة أو الإطلاق المقاميّ على نحو ما ذكرناه آنفا؛ و دعوى الإجماع على اعتبار قصد الوجه هنا مردودة بما أشرنا في الصّورة الثّانية، و الكلام في اعتبار قصد التّمييز في هذه الصّورة و الجواب عنه، هو ما مرّ في الصّورة الثّانية، فراجع.

الصّورة الرّابعة: فيما إذا كان التّكليف محتملا محضا، غير معلوم أصلا بلا استلزام التّكرار، كما إذا دار الأمر بين الوجوب و الإباحة، فيحتاط و يأتي بالعمل برجاء الوجوب و الأمر.

و دعوى مانعيّة اعتبار قصد الوجه في هذه الصّورة- أيضا- ممنوعة بما

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 39 و 40.

137

عرفت: من عدم الدّليل على اعتباره و عدم الاعتماد على الإجماع و الرّجوع إلى الإطلاق اللّفظيّ أو المقامي، أو البراءة عند الشّكّ. كما أنّ دعوى مانعيّة اعتبار قصد التّمييز مردودة بما مرّ في الصّورة الثّانية.

هذا تمام الكلام فيما إذا لم يستلزم الاحتياط تكرار العمل؛ و أمّا إذا استلزم ذلك، كما إذا دار الأمر بين القصر و الإتمام، فهل يجوز الاحتياط، أم لا؟ و الحقّ جوازه و عدم الإشكال فيه، أيضا.

و القول بلزوم اللّعبيّة بأمر المولى هنا فلا يصدق الامتثال، مندفع بما أفاده المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1) من منع لزوم اللّعب إذا كان التّكرار لداع عقلائيّ، كما هو كذلك فيما إذا كان تحصيل العلم التّفصيليّ، أشقّ من الاحتياط، أو مساويا معه؛ و منع كون الاحتياط- لو سلّم لزوم اللّعب- لعبا بأمر المولى كي يكون قادحا، بل يكون لعبا بكيفيّة الإطاعة و الامتثال بعد حصول الدّاعي إليها و هذا غير قادح، كالصّلاة على سطح المنارة، أو على أمكنة غير معروفة، فتجزى و تصحّ و إن كان لاعبا في الضّمائم.

فتحصّل: أنّ كفاية الامتثال الإجماليّ مع فرض التّمكن من الامتثال التّفصيليّ ممّا لا مانع منه في جميع تلك الصّور المذكورة حتّى فيما إذا استلزم الاحتياط تكرار العمل.

هذا، و لكن قد أورد على الاحتياط و الامتثال الإجماليّ في العبادات بتقدّم الامتثال التّفصيليّ عليه عقلا، و قد قرّره المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) بأنّ للامتثال و الإطاعة مراتب أربعة مترتّبة طوليّة بحكم العقل و الفطرة:

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 40.

138

إحداها: الامتثال التّفصيليّ؛ ثانيتهما: الامتثال العلميّ الإجماليّ؛ ثالثتها: الامتثال الظّنّيّ؛ رابعتها: الامتثال الاحتماليّ، فلا يكفي الامتثال الإجماليّ عند التّمكّن من التّفصيليّ.

و قال (قدّس سرّه) في وجه ذلك، ما حاصله: إنّ حقيقة الطّاعة عند العقل هو أن يكون عمل الفاعل حال العمل بداعي تعلّق الأمر به، و هذا المعنى غير متحقّق في الامتثال الإجماليّ؛ إذ المفروض فيه، أنّ المكلّف يعلم بتعلّق الأمر بأحد فردي التّرديد، و واضح، أنّ مجرّد العلم به لا يقتضي أن يكون علمه بداعي تعلّق الأمر به، أو انبعاثه عن بعث المولى، بل أقصاه أن يكون العمل بداعي احتمال الأمر، و الانبعاث عن احتمال البعث بالنّسبة إلى كلّ من العملين.

نعم، هذا النّحو من الانبعاث- أيضا- نحو من الطّاعة عند العقل، إلّا أنّه في رتبة متأخّرة عن الامتثال التّفصيليّ، و عليه، فمدّعي القطع بتقدّم رتبة الامتثال التّفصيليّ على الامتثال الإجماليّ في الشّبهات الموضوعيّة و الحكميّة مع فرض التّمكّن من إزالة الشّبهة، غير مجازف.

و لو وصل الدّور إلى الشّكّ فالمرجع هو الاشتغال لا البراءة، لرجوع الشّكّ حينئذ إلى الشّكّ في تعيين الامتثال التّفصيليّ، و التّخيير بين الامتثال التّفصيليّ و الإجماليّ. (1)

و فيه: أوّلا: أنّ المكلّف عند إتيانه العمل بداعي احتمال الأمر كان أرقى و أطوع عند إتيانه بداعي الأمر القطعيّ، كما هو واضح.

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 3، ص 69 إلى 73.

139

و ثانيا: أنّ الانبعاث في الامتثال الإجماليّ، إنّما يكون عن البعث بلا إجمال فيه، بل هو مبيّن معلوم، و الإجمال إنّما هو في متعلّقه، و لو لا ذلك البعث المعلوم لم يكن المكلّف منبعثا إلى الأطراف و آتيا بواحد منها؛ و لقد أجاد شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) فيما أفاده في المقام، حيث قال: «فالأمر و هو الدّاعي المحرّك ليس بمحتمل، بل هو مقطوع به، و الاحتمال إنّما يكون في تطبيقه، و لا يقدح هذا المقدار في تحقّق هذا الامتثال» (1).

و ثالثا: أنّ العمدة في المقام هو الرّجوع إلى العقل الحاكم في باب الإطاعة.

و لا ريب: في أنّه يحكم بصحّة العمل و لو لم يعلم المكلّف، حين الإتيان به، أنّ ما أتى به هو المأمور به بعنوان العبادة؛ و ذلك، لأنّ العلم طريق إلى حصول المطلوب، لا أنّه دخيل فيه بنحو الموضوع، كما أفاده الإمام الرّاحل (قدّس سرّه)(2).

هذا تمام الكلام في التّعرّض لأحكام القطع، فيقع الكلام فيما هو المقصود من المسألة السّابعة و هي الأمارات الّتي قيل: باعتبارها أو صحّ أن يقال: به.

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

(2) راجع، أنوار الهداية: ج 1، ص 182 و 183.

140

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

141

مباحث الظّنّ‏

* إمكان التّعبّد بالظّنّ و عدمه‏

* مقتضى الأصل عند الشّكّ‏

142

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

143

مباحث الظّنّ اعلم: أنّ البحث هنا يقع في‏

امور ثلاثة

: الأمر الأوّل: في بيان الفرق بين الأمارة العلميّة (1)، كالقطع، و بين غيرها كالظّنّ.

الأمر الثّاني: في إمكان التّعبّد بالأمارة غير العلميّة شرعا، و عدم لزوم محذور منه عقلا.

الأمر الثّالث: في أنّ مقتضى الأصل عند الشّكّ في حجّيّة شي‏ء من الأمارات هي اللّاحجّيّة.

أمّا الأمر الأوّل: فالفرق بين الأمارة العلميّة و غيرها، واضح؛ ضرورة، أنّ في مثل القطع- على ما حرّر في مبحثه- جهات ثلاث مسلّمة عند العقل و العقلاء:

الاولى: أن يكون طريقا و كاشفا تامّا. و لا ريب، أنّ هذه الجهة من آثار القطع و لوازمه، سواء قيل: بأصالة الوجود، أو أصالة الماهيّة.

الثّانية: أن يكون حجّة، و لا كلام في أنّ هذه الجهة- أيضا- من آثار القطع و شئونه، فالقطع منجّزة عند الإصابة، معذّرة عند عدمها قطعا.

نعم، في وجه الحجّيّة خلاف عند أرباب الدّراية؛ فقيل: وجهها، بناء العقلاء

____________

(1) الأمارة بالفتح في العرف و اللّغة، بمعنى: الوقت و العلامة؛ و في اصطلاح علماء الاصول تطلق على امور تكون علائم على الواقع و كواشف عنه كشفا تامّا أو ناقصا قبال الاصول العمليّة الّتي لا تحكي عن الواقع، كالبراءة و نحوها.

144

حفظا للنّظام و إبقاء للنّوع؛ و قيل: وجهها، حكم العقل و إلزامه بالعمل على وفق القطع و بالمشي و الحركة على طبقه نحو حكم المولى.

الجهة الثّالثة: أن يكون القطع ممّا لا يمكن الرّدع عن العمل به من ناحية الشّرع، و هذه الجهة ممّا لا إشكال فيه؛ ضرورة، أنّ وزان المنع الشّرعيّ عن العمل به هو وزان المنع التّشريعيّ عن تأثير النّار و الماء في الحرارة و البرودة، فيلزم من المنع عن العمل بالقطع، اجتماع الضّدّين واقعا- لو كان القطع مصيبا- و اعتقادا فقط- لو لم يكن كذلك- أو يلزم اجتماع الإرادتين المختلفتين على مراد واحد لو لم نقل بتضادّ الأحكام. هذا بالنّسبة إلى القطع الّذي هو من الأمارة العلميّة.

و أمّا الظّنّ الّذي هو من الأمارة غير العلميّة، فكاشفيّته تكون ناقصة؛ و لذا ثبوت الحجّيّة له يحتاج إلى جعل- كما في الظّنون الخاصّة، أو مطلق الظّنون الانسداديّة، بناء على مسلك الكشف- أو إلى ثبوت مقدّمات و طروّ حالات موجبة لاقتضائها الحجّيّة، كمطلق الظّنون الانسداديّة، بناء على مسلك الحكومة.

و منه ينقدح: أنّ ردع الشّرع عن العمل بها ممكن لا ممتنع، كما في الأمارة العلميّة.

و إن شئت، فقل: إنّ القطع حجّة ذاتا فهو فوق الجعل، و أجلّ من أن يناله الجعل التّشريعيّ من حيث الحجّيّة. نعم، يناله الجعل التّكوينيّ من حيث الوجود و الحقيقة، و بمجرّد جعله كذلك يكون حجّة منجّزة، أو معذّرة قهرا البتّة. و في قباله الشّكّ فليس بحجّة ذاتا، و لذا يكون دون الجعل، لا يناله لخسّته و حقارته. و أمّا الظّنّ فهو- لو خلّي و طبعه- ليس بحجّة أو لا حجّة كى لا يمسّه الجعل، لعلوّ شأنه أو لدنوّ قدره، بل هو قابل لكلا الأمرين، فإن جعل له الحجّيّة فحجّة، و إلّا فليس بحجّة.

145

فتحصّل: أنّ القطع واجب الحجّيّة؛ و الشّكّ ممتنع الحجّيّة؛ و الظّنّ ممكن الحجّيّة، فيحتاج إلى الجعل حتّى يصير حجّة فعليّة بعد ما كان بذاته حجّة شأنيّة، فالظّنّ يفارق القطع في الحجّيّة بأن لا يكون بذاته حجّة مطلقا، لا في مقام الإثبات و الاشتغال، فتجري فيه البراءة، و لا في مقام الإسقاط و الامتثال، فتجري فيه قاعدة الاشتغال. هذا تمام الكلام في الأمر الأوّل.

إمكان التّعبّد بالظّنّ و عدمه‏

الأمر الثّاني (إمكان التّعبّد بالأمارة غير العلميّة)

: فقد حكي عن ابن قبة، امتناع التّعبّد بالخبر الواحد (1) مستدلّا له بوجهين: الأوّل: أنّه لو جاز التّعبّد بالخبر الواحد في الإخبار عن النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لجاز التّعبّد به في الإخبار عن اللّه تعالى، و التّالي باطل إجماعا، و كذلك المقدّم.

الثّاني: أنّ العمل به موجب لتحليل الحرام و تحريم الحلال؛ إذ لا يؤمن أن يكون ما اخبر بحليّته حراما و بالعكس، و سيبيّن ضعف هذين الوجهين. إن شاء اللّه.

و الحريّ هنا ذكر ما استدلّ به للقول بإمكان التّعبّد به، فنقول:

إنّ القائلين بالإمكان قد استدلّوا: بأنّا قاطعون بعدم لزوم أيّ محال من التّعبّد بالظّنّ؛ و قد أورد عليه الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) بعدم إمكان حصول هذا القطع، لتوقّفه على إحاطة العقل بجميع الجهات المحسّنة و المقبّحة و علمه بانتفائها، و هو غير حاصل في المقام.

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 105، الطّبعة الجديدة.

146

ثمّ قال (قدّس سرّه): «فالأولى أن يقرّر هكذا، إنّا لا نجد في عقولنا بعد التّأمّل ما يوجب الاستحالة، و هذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان» (1).

هذا، و لكن التّحقيق في المقام يقتضي التّكلّم في جهات ثلاث:

الاولى: في أنحاء الإمكان.

الثّانية: في ما هو المراد من الإمكان الماخوذ في المسألة.

الثّالثة: في ضعف ما قرّره الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه).

أمّا الجهة الاولى: فالإمكان، كما ثبت في محلّه، له انحاء ستّة:

أحدها: الإمكان الذّاتي، و قد يعبّر عنه بالإمكان بالذّات، قبال الامتناع الذّاتي الّذي يعبّر عنه بالامتناع بالذّات.

ثانيها: الإمكان الاستعداديّ الّذي موضوعه هي المادّة الموجودة و هو غير الإمكان الخاصّ الماهويّ الّذي موضوعه هي الماهيّة، فالإمكان الخاصّ وصف عقليّ لا يتّصف بقرب و بعد، و لا بضعف و شدّة، بخلاف الإمكان الاستعداديّ فهو وصف وجوديّ يقبل به المادّة الصّور و الفعليّات المختلفة، و القرب و البعد، و الضّعف و الشّدّة.

ثالثها: الإمكان الاستقباليّ الّذي هو سلب جميع الضّرورات حتّى بشرط المحمول، و هذا النّحو يكون في الامور المستقبلة بالنّسبة إلى من لا علم له بها؛ لعدم علمه و إحاطته بالعلل و الأسباب الدّخيلة.

رابعها: الإمكان الوقوعيّ، بمعنى: كون الشّي‏ء بحيث لا يلزم من وقوعه محال قبال الامتناع الوقوعيّ، بمعنى: كون الشّي‏ء بحيث يلزم من وقوعه محال.

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1، ص 106.

147

خامسها: الإمكان الوجوديّ و الفقريّ، قبال الإمكان الماهويّ.

سادسها: الإمكان الاحتماليّ، الّذي أشار إليه الشّيخ ابن سينا بقوله: «كلّ ما قرع سمعك من الغرائب، فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان» (1).

فمعنى هذا الإمكان هو الاحتمال و عدم المبادرة في الحكم بالنّفي و الإثبات بلا قيام البرهان على أحد ذينك الطّرفين.

و لا ريب: أنّ هذه الأنحاء السّتّة هي الّتي ذكروها أرباب الحكمة، و ذكر بعض هذه الأنحاء كالإمكان الوقوعي في كتب الاصوليين، ليس بمعنى أنّه من مختصّات أرباب الاصول، كما زعمه السّيّد البروجرديّ (قدّس سرّه) حيث قال: «و قد ذكر الاصوليّون معنى آخر للإمكان سمّوه بالوقوعيّ و ...» (2) بل إنّهم- أيضا- أخذوا ذلك عن كتب الحكمة.

أمّا الجهة الثّانية: فالمراد من الإمكان هنا هو النّحو الرّابع و هو الإمكان الوقوعيّ قبال الامتناع الوقوعيّ، حيث إنّ المدّعي للامتناع لا ينبغي أن يتفوّه بأنّ التّعبّد بالظّنّ من الممتنعات الذّاتيّة، كاجتماع النّقيضين، بل مقصوده هو الامتناع من ناحية أنّه يترتّب على التّعبّد به، امور مستحيلة و محاذير عقليّة مطلقا، كاجتماع الضّدّين و المثلين، أو بالنّسبة إلى الحكيم تعالى لا مطلقا، كتحليل الحرام و تحريم الحلال و الإلقاء في المفسدة، أو تفويت المصلحة؛ كما أنّ المدّعي للإمكان، مقصوده عدم ترتّب المحال و المحذور العقلي- كاجتماع الضّدّين و نحوه- على التّعبّد بالظّنّ.

____________

(1) الإشارات و التّنبيهات: ج 2، ص 143.

(2) نهاية الاصول: ص 437، الطّبعة الجديدة.

148

و هذا هو ظاهر كلمة: «الجواز» أو «الإمكان» المأخوذة في العنوان.

و يؤيّد ذلك، ما في عبارة المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من قوله: «ثانيها في بيان إمكان التّعبّد بالأمارة الغير العلميّة شرعا، و عدم لزوم محال منه عقلا» (1) فإنّه (قدّس سرّه) قد عبّر عن الإمكان بعدم لزوم محال من التّعبّد بها عقلا، لا عدم استحالة، و هذا هو معنى الإمكان الوقوعي.

و من هنا ظهر ضعف ما عن الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) من الإشكال بأنّ تفسير الإمكان بالوقوعيّ في غير محلّه؛ إذ مع أنّه لا طريق إليه، غير محتاج إليه، و أنّ ما هو المحتاج إليه في هذا المقام هو الإمكان الاحتماليّ الواقع في كلام الشّيخ الرّئيس. (2)

وجه ظهور الضّعف: أوّلا: أنّ كون المراد من الإمكان هو الاحتماليّ أجنبيّ عن ظاهر العنوان، كما عرفت. و ثانيا: أنّا نسلّم أنّه لا طريق لنا إلى إثبات الإمكان الوقوعيّ و لا يكون محتاجا إليه، و لكن عدم طريق الإثبات إنّما هو لقصور عقلنا و عدم إحاطته بجميع الجهات المحسّنة و المقبّحة، كما أنّ عدم الحاجة إليه إنّما هو لأجل أنّ المحتاج إليه هو الوقوع لا إمكانه بدونه، فإن وقع التّعبّد بالظّنّ فهو، و إلّا فمجرّد إمكان وقوعه لا يجدي و لا يترتّب عليه ثمرة عمليّة. و هذا، كما أشرناه، أمر آخر لا يوجب صرف ظهور العنوان في الإمكان الوقوعيّ عنه إلى الإمكان الاحتماليّ، كما لا يخفى.

و الّذي يسهّل الخطب، أنّ العمدة هنا ردّ أدلّة الامتناع، لا إثبات الإمكان حتّى يورد عليه بفقد البرهان.

____________

(1) كفاية الاصول: ج 2، ص 42.

(2) راجع، تهذيب الاصول: ج 2، ص 130.

149

و كيف كان، فلو شكّ في الإمكان الوقوعيّ، لا مجال لإجراء الأصل العقلائي، لعدم جريانه في الامور العقليّة الفلسفيّة، فليس من العقلاء بناء على الإمكان، لأجل مصلحة من مصالح الإنسان، فلو شكّوا في إمكان شي‏ء لم يحكموا بأحد طرفي الشّكّ و لا يقولون: إنّ مقتضى الأصل هو الإمكان.

و معنى كلام ابن سينا: «فذره في بقعة الإمكان» هو تجويز الوقوع و عدم الإنكار و النّفي بلا بيّنة و برهان، لا الحكم بالإمكان الوقوعيّ. و بعبارة اخرى: معنى الإمكان في كلامه هو الاحتمال، و قوله: «فذره» يراد به «احتمله و لا تنكره بلا برهان» و هذا، كما ترى، من الأحكام العقليّة الّتي يدركه العقل، لا من الاصول العقلائيّة الّتي يعمل بها لأجل مصالح العرف و العقلاء، على أنّ حجّيّة الأصل تتوقّف على إمكان التّعبّد به و هو أوّل الكلام و المتنازع فيه، في المقام، كما أشار إليه السّيّد البروجردي (قدّس سرّه). (1) هذا في الجهة الثّانية.

أمّا الجهة الثّالثة (ضعف ما قرّره الشّيخ (قدّس سرّه)): فوجه ضعف ما عن في تقرير الاستدلال الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه): «من أنّا لا نجد في عقولنا بعد التّأمّل ما يوجب الاستحالة، و هذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان» (2)، هو أنّ عدم وجدان ما يوجب الاستحالة، ليس دليلا على عدم وجود ما يوجبها؛ و لذا قالوا: «عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود». نعم، مع عدم وجدان ما يوجب امتناع شي‏ء، يذره العقل في بقعة الإمكان و الاحتمال و لا ينكره، و هذا أمر عقليّ، اشير إليه في كلام‏

____________

(1) راجع، نهاية الاصول: ص 437.

(2) فرائد الاصول: ج 1، ص 106.

150

الشّيخ الرّئيس، فليس هذا طريقا عقلائيّا يسلكونه في حكمهم بالإمكان.

و لو اريد من كلام الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) هو أنّه إذا شكّ في الإمكان الذّاتيّ أو الوقوعيّ و عدمهما و لم يوجد ما يوجب الاستحالة، كان الأصل عند العقلاء هو الإمكان، و هذا طريق يسلكونه؛

ففيه ما لا يخفى: من عدم المجال لإجراء الأصل العقلائيّ في الامور العقليّة، بل لا بدّ من إقامة البرهان، كما أشرنا إليه سابقا.

و قد أورد المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) على الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) بما يرجع حاصله إلى وجوه ثلاثة:

الأوّل: منع الصّغرى، و هو إنكار أصل البناء و السّيرة على ترتيب آثار الإمكان عند الشّكّ و الحيرة.

الثّاني: منع الكبرى، و هو إنكار حجّيّة البناء و السّيرة- لو سلّم أصلها- لعدم دليل قطعيّ عليها.

الثّالث: منع الغاية و الفائدة، بمعنى: أنّه مع قيام الدّليل على وقوع التّعبّد لا حاجة إلى البحث عن الإمكان لأخصّيّة الوقوع عن الإمكان، و مع عدم الدّليل على الوقوع، لا ثمرة عمليّة في البحث عن الإمكان. نعم، له ثمرة علميّة إلّا أنّها مطلوبة في المسائل العلميّة المحضة و المباحث الاصوليّة العقليّة، لا في الاصول العمليّة الّتي يتوصّل بها لاستنباط الأحكام الفرعيّة، أو لتعيين كيفيّة العمل في موقف الشّكّ و عدم الحجّة. (1)

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 43.

151

و لكنّ الحقّ أن يقال: إنّ وجه الثّالث من تلك الوجوه تامّ، جيّد، و أمّا الوجهان الآخران، فلا مجال للتّعرّض لهما هنا أصلا، إثباتا و منعا؛ و ذلك، لأنّ الإمكان بالمعني الوقوعيّ يكون من الامور العقليّة و المقولات الفلسفيّة، فلا بدّ فيه من التّمسّك بالبرهان.

و عليه: فلا ينبغي أن يقال- كما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)-: ليس الإمكان أصلا متّبعا عند العقلاء لمنع السّيرة تارة، و منع الحجّيّة اخرى؛ بل لا بدّ أن يقال: إنّ ما كان مصبّا للبرهان، لا يناله بناء العقلاء، و لا يمكن أن يتطرّق إليه سيرتهم، لا أنّه يمكن و يعقل تحقّقها و تطرّقها إليه، إلّا أنّها لم تتحقّق و لم تتطرّق إليه، أو تحقّقت و لكن لا حجّيّة لها، نظرا إلى قيام دليل قطعيّ على اعتبارها.

ثمّ إنّ المحقّق النّائيني (قدّس سرّه)(1) ذهب إلى أنّ المراد من الإمكان المبحوث عنه في المقام هو الإمكان التّشريعيّ، بمعنى: أنّه هل يلزم من التّعبّد بالأمارة غير العلميّة محذور في عالم التّشريع من تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة و استلزامه الحكم بلا ملاك و اجتماع الحكمين المتنافيين و غير ذلك، أو لا؟ و ليس المراد من الإمكان هو التّكوينيّ بحيث يلزم من التّعبّد بها محذور في عالم التّكوين، فإنّ الإمكان التّكوينيّ لا يتوهّم البحث عنه في المقام.

و قد أورد عليه عدّة من الأساطين بوجه مشترك و إن كان عباراتهم مختلفة، منهم المحقّق العراقي (قدّس سرّه) فقال: «و كون موضوع هذا الإمكان و الاستحالة أمرا تشريعيّا لا يقتضي خروج إمكانه عن التّكوين، كما لا يخفى» (2).

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 88.

(2) فوائد الاصول: ج 3، ص 88. انظر هامشه.

152

و منهم الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) حيث قال: «فإنّ الإمكان التّشريعيّ قسم من الوقوعيّ و ليس قسيما له، و لو صحّ تقسيمه حسب المورد لصحّ تقسيمه إلى أنّه فلكيّا» (1).

و منهم بعض الأعاظم (قدّس سرّه) فقال: «إنّ الإمكان و الاستحالة من الامور الواقعيّة الّتي يدركها العقل، و ليس للإمكان قسمان: تكوينيّ و تشريعيّ، بل الإمكان دائما تكوينيّ، غاية الأمر، أنّ متعلّقه قد يكون من الامور التّكوينيّة ... و قد يكون من الامور التّشريعيّة ...» (2).

و منهم شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) حيث أفاد: «أنّ الامور التّشريعيّة كالتّكوينيّة قد تكون موضوعا للإمكان و مصبّه، لا نفسه و عينه فهو في المقام- كسائر المقامات- تكوينيّ» (3).

هذا، و لكن التّأمّل في كلام المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) يستدعي أن يقال: إنّ ظاهر ما عنونه في كلامه (قدّس سرّه) من الإمكان التّشريعيّ و إن كان موهما لما استظهره المشايخ و الأساطين من كونه قسما مقابلا للإمكانات، قسيما للوقوعيّ و غيره، إلّا أنّه من المستبعد جدّا أن يكون هذا المعنى الّذي لا ينبغي أن يتفوّه به هو مراده (قدّس سرّه) بل مراده هو الإمكان الوقوعيّ قبال الامتناع الوقوعيّ.

غاية الأمر: الممكن الوقوعيّ أو الممتنع في المقام هو التّعبّد بالأمارات غير

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 131.

(2) مصباح الاصول: ج 2، ص 91.

(3) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

153

العلميّة، فيفسّر- بناء على الإمكان- بما لا يلزم من وقوعه محال و محذور في عالم التّشريع من الإلقاء في المفسدة و تفويت المصلحة و نحوه؛ و بناء على الامتناع، بما يلزم من وقوعه محال و محذور في عالم التّشريع، و لو كان هذا المحذور أمرا تكوينيّا، كاجتماع الضّدّين و نحوه، و من هنا يصحّ أن يعبّر عن الإمكان و الامتناع بالتّشريعيين.

و يشهد على ما ذكرناه هو أنّه (قدّس سرّه) بعد ما قال: «المراد من الإمكان هو التّشريعيّ» فسرّه بقوله: «يعنى: أنّ من التّعبّد بالأمارات، هل يلزم محذور في عالم التّشريع من تفويت المصلحة ... أو أنّه لا يلزم شي‏ء من ذلك» (1)، و لعلّ هذا التّفسير إشارة إلى دفع الإيهام المذكور.

و بالجملة: إنّ المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) قد سمّى الإمكان الوقوعيّ بالإمكان التّشريعيّ، لمناسبة المقام، و فسّره بما لا يلزم من وقوعه محذور في عالم التّشريع و لو كان المحذور نفسه تكوينيّا، و فسّر مقابله و هو الامتناع، بما يلزم من وقوعه محذور في عالم التّشريع و لو كان نفس المحذور تكوينيّا.

و عليه: فالإمكان التّكوينيّ، بحسب اصطلاحه (قدّس سرّه) ما لا يلزم من وقوعه محذور في عالم التّكوين قبال الامتناع التّكوينيّ، و الإمكان التّشريعيّ ما لا يلزم من وقوعه محذور في عالم التّشريع قبال الامتناع التّشريعيّ، و ليس هذان الإمكانان إلّا نفس الإمكان الوقوعيّ لا غير. غاية الأمر: أنّ الإمكان التّكوينيّ متعلّقه هي الامور التّكوينية؛ و أنّ الإمكان التّشريعيّ متعلّقه هي الامور التّشريعيّة.

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 88.

154

و إن شئت، فقل: إنّ الإمكان الوقوعيّ تكوينيّ دائما، قد يكون متعلّقه أمرا تشريعيّا، و قد يكون تكوينيّا، فتوصيف الإمكان بالتّشريعيّ إنّما يكون باعتبار متعلّقه لا بلحاظ نفسه، و مثل المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) أجلّ من أن لا يعرف أمثال هذه الامور.

تنبيه‏

لا يخفى عليك: أنّ المحاذير المتوهّمة في التّعبّد بالأمارات غير العلميّة كاجتماع الضّدّين أو المثلين أو تحليل الحرام و تحريم الحلال، لا يختصّ بها، بل تترتّب- أيضا- على الأمارات العقليّة العلميّة عند الخطاء و عدم الإصابة، و كذا الامارات العقليّة غير العلميّة، كالظّنّ الانسداديّ بناء على الحكومة، فالتّعبّد بها يستلزم فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة، أو اجتماعهما، أو غير ذلك من سائر المحاذير المتقدّم ذكرها؛ و لذا أورد الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) على الدّليل الثّاني المحكيّ عن ابن قبة، بقوله:

«بالنّقض بالامور الكثيرة الغير المفيدة للعلم، كالفتوى و البيّنة و اليد، بل القطع- أيضا- لأنّه قد يكون جهلا مركّبا» (1).

نعم، هذا النّقض إنّما يرد على ابن قبة إذا كان ذكر الخبر الواحد في كلامه من باب الانحصار، و أمّا إذا كان من باب المثال فلا يرد النّقض عليه، كما هو واضح.

ثمّ إنّه بقي الكلام فيما استدلّ به ابن قبة على عدم امكان التّعبّد بالخبر الواحد، بل بمطلق الظّنّ- على ما عرفت في التّنبيه- و هو كما مرّ لا يخلو من أحد وجهين:

أحدهما: راجع إلى قياس الإخبار عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالخبر الواحد، على‏

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1، ص 107.