مفتاح الأصول‏ - ج3

- الشيخ اسماعيل الصالحي المازندارني المزيد...
397 /
155

الإخبار عن اللّه تعالى به، فكما أنّ الإجماع قام على بطلان الإخبار عن اللّه تعالى به، كذلك الإخبار عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) به.

و الجواب عنه، ما أفاده الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) فراجع كلامه. (1)

ثانيهما: راجع إلى كون العمل بالخبر الواحد موجبا لتحليل الحرام و تحريم الحلال، و لكنّ الأصحاب ذكروا هنا محاذير أخر للتّعبّد بالخبر الواحد؛ و لذا ينبغي قبل الورود في الجواب عن هذا الوجه من الاستدلال، تنويع المحاذير المتوهّمة و تقسيمها، ثمّ تبيينها و تفسيرها كي يتّضح الجواب عنه، فنقول:

أمّا تنويع المحاذير، فالمعروف المتلقى من الأساطين، منهم المحقّق النّائيني (قدّس سرّه)(2) و تلميذه بعض الأعاظم (قدّس سرّه) و كذا شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) أنّ المحذور قسمان: الأوّل:

ملاكيّ؛ الثّاني: خطابيّ، إلّا أنّ الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) خالفهم، فقسّم المحاذير إلى أقسام أربعة:

أحدها: ما يرجع إلى الملاك، كمحذور اجتماع المصلحة و المفسدة الملزمتين بلا كسر و انكسار؛ ثانيها: ما يرجع إلى نفس الخطاب، كمحذور اجتماع الضّدّين و النّقيضين و المثلين؛ ثالثها: ما يرجع إلى مبادي الخطاب، كمحذور اجتماع الإرادة و الكراهة و الحبّ و البغض؛ رابعها: ما يرجع إلى لازم الخطاب، كمحذور الإلقاء في المفسدة و تفويت المصلحة، ثمّ اعترض (قدّس سرّه) على المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) بأنّ حصر المحذور في الملاكيّ و الخطابيّ ممّا لا وجه له. (3)

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 106.

(2) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 89.

(3) راجع، تهذيب الاصول: ج 2، ص 131.

156

هذا، و لكنّ يمكن أن يقال: بإمكان التّصالح و التّوفيق بين هذين الرّأيين، بأنّ المحذور إمّا ملاكيّ أو خطابيّ، و الخطابيّ على أنحاء ثلاثة: منها: ما هو راجع إلى نفس الخطاب؛ و منها: إلى مبدئه؛ و منها: إلى لازمه.

و بعبارة اخرى: إنّ المحاذير الثّلاثة الّتي جعلها الإمام (قدّس سرّه) قسيمة للمحذور الملاكيّ كلّها خطابيّة راجعة إلى الخطاب نفسه و مبدئه و لازمه. و عليه، فترجع الأقسام الأربعة إلى القسمين و هما الملاكيّ و الخطابيّ.

نعم، عدّ الإلقاء و التّفويت من المحذور الخطابيّ و من لوازم الخطابات، إنّما هو باعتبار كونهما في طول الخطاب، و إلّا فهما أمران قبيحان محذوران للمخاطب (بالكسر)، فيكون المحذور إذا ملاكيّا أو خطابيّا أو مخاطبيّا.

و إن شئت، فقل: إنّ محذور الإلقاء في المفسدة و تفويت المصلحة خطابيّ باعتبار، و مخاطبيّ باعتبار آخر، كما يمكن أن يكون ملاكيّا باعتبار ثالث، بمعنى: أنّه يكون محذورا ناشئا من الملاك، و لولاه لم يلزم التّفويت و الإلقاء، كما هو واضح.

ثمّ إنّ في المقام قسم آخر من المحذور- أيضا- يسمّى بنقض الغرض و هو المحذور الّذي يلزم من ناحية الآمر أو النّاهي المخاطب، بتقريب، أنّ الغرض من الأمر هو تحصيل العبد للمصلحة و تلبّسه بها، و الغرض من النّهي هو تبعّده عن المفسدة و التّحرز عنها، فلو جاز التّعبّد بالأمارة غير العلميّة و ورود الأمر به من جانب الشّرع، لزم نقض الغرض و التّلبّس بالمفسدة، أو التّبعّد عن المصلحة عند المخالفة و عدم الإصابة للواقع.

و لا يخفى عليك: أنّ محذور اجتماع الضّدّين أو النّقيضين إنّما يلزم لو خالفت‏

157

الأمارة و لم تصب الواقع، و إلّا يلزم اجتماع المثلين. هذا كلّه في تقسيم المحاذير.

و أمّا تفسير المحاذير، فنقول: بنحو الإيجاز و الإشارة، أمّا عنوان تحريم الحلال الواقع في كلام ابن قبة، فالمراد منه- على تقدير قيام الأمارة على الوجوب- هو الإلزام بفعل شي‏ء مع كونه مباحا، حلالا تركه واقعا، و- على تقدير قيام الأمارة على الحرمة- هو الإلزام بتركه مع كونه مباحا، حلالا فعله واقعا، فيلزم تحريم ترك المباح أو تحريم فعله، و هذا كما ترى.

و أمّا عنوان تحليل الحرام الواقع في كلامه، فالمراد منه هو التّرخيص في الفعل أو التّرك مع كونه ممنوعا واقعا، فقامت الأمارة على جواز ارتكاب شي‏ء مع كونه حراما واقعا أو على جواز تركه مع كونه واجبا واقعا، و هذا هو الموجب للإلقاء في المفسدة أو تفويت المصلحة، و كلّ ذلك صدوره من الحكيم، محال بحكم العقل و الفطرة.

و أمّا محذور اجتماع المثلين، فيلزم عند إصابة الأمارة للواقع، فيجتمع حينئذ الوجوبان أو الحرمتان؛ كما أنّ محذور اجتماع الضّدّين يلزم إذا كان الواقع أحد الأحكام الخمسة و أدّت الأمارة إلى خلافه؛ و محذور اجتماع النّقيضين يلزم إذا أدّت إلى نفيه.

و أمّا محذور اجتماع المصلحة و المفسدة الملزمتين أو غير الملزمتين أو محذور لزوم الحكم بلا ملاك، فهو فيما إذا قامت الأمارة على وجوب شي‏ء أو استحبابه مع كونه في الواقع حراما و مكروها، فمع بقاء ملاك كلّ من الوجوب و الحرمة، أو الاستحباب و الكراهة، يلزم اجتماع المصلحة و المفسدة، و مع عدم الملاك لأحدهما، يلزم وجود الحكم بلا ملاك.

158

و أمّا المحذور الّذي أشرنا إليه و هو نقض الغرض، فقد عرفت تقريبه و تفسيره بما حاصله: أنّ المفروض في الأوامر و النّواهي تعلّق الإرادة الجدّيّة بإيجاد الفعل و إعدامه، فلو ورد الأمر من ناحية الشّارع بالتّعبّد بالأمارة المفضية إلى خلاف الواقع، لزم نقض الغرض المستحيل حتّى عند الأشعريّ المنكر للحسن و القبح العقليّ.

هذه هي المحاذير المتوهّمة و تفاسيرها، فلنشرع الآن في دفعها:

فنقول: يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: في دفع المحاذير على مبنى انسداد باب العلم.

الثّاني: في دفعها على مبنى انفتاحه.

أمّا الأوّل: فبناء على المختار في باب الأمارات من كونها حجّة على وجه الطّريقيّة المحضة، تندفع المحاذير كلّها البتّة؛ إذ على هذا الوجه لا حكم إلّا الواقع و لا ملاك إلّا ملاكه فقط، ليس وراءه حكم آخر، و ليس وراء ملاكه ملاك آخر، و عليه، فلا مجال للزوم أيّ محذور من المحاذير المتقدّمة، لا تحريم الحلال و لا تحليل الحرام و لا اجتماع المثلين عند الإصابة أو الضّدّين أو النّقيضين عند الخطاء و لا لزوم الحكم بلا ملاك.

و إن شئت، فقل: إنّ الأمر في باب الأمارات و وجوب العمل على طبقها يكون طريقيّا، لا شأن له إلّا حفظ الواقع، كما لا شأن لنفس الأمارة إلّا كشف الواقع و الحكاية عنه. غاية الأمر، تكون منجّزة للواقع على المكلّف عند الإصابة، و معذّرة عند الخطاء من دون أن يكون هناك ملاك آخر وراء ملاك الواقع مقتض لحكم آخر من المولى قبال الواقع، فإذا لا يلزم المحاذير المتقدّمة، كما هو واضح.

159

نعم، يبقى محذور تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة؛ و محذور نقض الغرض، بحالهما؛ و لذا يقال: لم لم يجعل الشّارع وجوب الاحتياط في الشّبهات كلّها حتّى لا يلزم التّفويت و الإلقاء.

هذا، و لكن تصدّى المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) لدفع هذا المحذور على فرض الانسداد، فقال: «فإنّ المكلّف لا يتمكّن من استيفاء المصالح في حال انسداد باب العلم، إلّا بالاحتياط التّام، و ليس مبنى الشّريعة على الاحتياط في جميع الأحكام، فالمقدار الّذي تصيب الأمارة للواقع يكون خيرا، جاء من قبل التّعبّد بالأمارة و لو كان مورد الإصابة أقلّ قليل، فإنّ ذلك القليل- أيضا- كان يفوت لو لا التّعبّد، فلا يلزم من التّعبّد إلّا الخير» (1).

حاصل كلامه (قدّس سرّه) يرجع إلى أنّ مبنى الشّريعة- و هي سمحة، سهلة- ليس على الاحتياط، و إجراء البراءة في كلّ مورد يوجب التّفويت رأسا، فلا محيص عن جعل الأمارة و الأمر بالتّعبّد بها و إن أوجب بعض الأحيان، التّفويت و الإلقاء، بل المقدار الّذي تصيب الأمارة يكون خيرا، جاء من قبل التّعبّد بالأمارة و لو كان مورد الإصابة أقلّ قليل.

و قد أورد عليه الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) بقوله: «يرد عليه بأنّ الأمر لو كان دائرا بين العمل على طبق الأمارة و ترك العمل و الإهمال رأسا، كان الأمر كما أفاده (قدّس سرّه)، لكنّه ليس دائرا بينهما، بل هو دائر بين العمل بالاحتياط أو التّجزّي فيه، أو العمل بالأمارة، فحينئذ يرد الإشكال عينا على التّرخيص في ترك الاحتياط أوّلا، و على‏

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 90.

160

العمل بالأمارة دون التّجزّي في الاحتياط ثانيا» (1).

و لكن يمكن أن يقال في دفع هذا الإيراد: إنّ إصابة الواقع و الوصول إليه بالاحتياط النّاقص، ليست بأكثر من الوصول و الإصابة بالأمارة، مضافا إلى ما في العمل بها من التّسهيل و السّهولة، أو يقال: إنّ العمل بالأمارة يكون ذا مصلحة جابرة، أو العمل بالاحتياط يكون ذا مفسدة غالبة.

و قد أورد على المحقّق النّائيني (قدّس سرّه)- أيضا- شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) ذلك الإيراد المذكور بتقرير آخر، فقال: «إنّ المنافي لأساس السّهولة و السّماحة الشّريعة ليس إلّا الاحتياط التّام المخلّ بالنّظام، أو الموجب للعسر و الحرج، و أمّا الاحتياط غير التّام، فلا» (2).

و لا يخفى: أنّ هذا التّقرير خال عن الإشكال و الإيراد. هذا تمام الكلام في محذور التّفويت.

و أمّا محذور نقض الغرض، فهو- أيضا- ممّا لا يدفع بالبيان الّذي تقدّم في دفع سائر المحاذير، و وجهه ظاهر، إلّا أنّ المحقّق العراقي (قدّس سرّه) قد تصدّى لدفعه في ظرف الانسداد، فقال ما هذا لفظه: «و أمّا شبهة نقض الغرض و تفويت المصلحة فهما غير جاريتين في ظرف الانسداد؛ لأنّ فوت الغرض و المصلحة حينئذ أمر قهريّ لازم بمقتضى حكم العقل بالبراءة، فلا يكون ذلك مستندا إلى التّعبّد بالأمارة، كما هو واضح» (3).

____________

(1) أنوار الهداية: ج 1، ص 193.

(2) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

(3) نهاية الأفكار: ج 3، ص 59.

161

و فيه: أنّ نقض الغرض و التّفويت كما ربما يستندان إلى حكم العقل بالبراءة، كذلك يستندان إلى التّعبّد بالأمارة عند الخطاء و عدم الإصابة.

هذا بناء على المختار من كون الأمارات حجّة على وجه الطّريقيّة.

و أمّا بناء على كونها كذلك على وجه الموضوعيّة، فيندفع بعض المحاذير المتقدّمة، كمحذورى التّفويت أو الإلقاء، و نقض الغرض؛ و ذلك، لانجبار ما يفوت من الواقع بما في الحكم الظّاهريّ من الملاك، أو لاندفاع ما يقع فيه من مفسدة الواقع بما يحصّله من مصلحة الظّاهر.

و أمّا بعض آخر، كمحذور اجتماع المثلين أو النّقيضين أو الضّدّين، فيبقى على حاله.

و قد دفع المحقّق العراقي (قدّس سرّه) محذوري التّفويت و نقض الغرض، بناء على الموضوعيّة- أيضا- بعين ما قال في دفعهما، بناء على الطّريقيّة، و الجواب عنه هو الجواب المتقدّم بعينه. هذا تمام الكلام في المقام الأوّل (دفع المحاذير بناء على الانسداد).

و أمّا المقام الثّاني (دفع المحاذير بناء على الانفتاح) فعلى طريقيّة الأمارة، كما هو المختار، يندفع محاذير تحريم الحلال و تحليل الحرام، و اجتماع المثلين و الضّدّين و النّقيضين، بخلاف محذور التّفويت و نقض الغرض، فهو باق على حاله.

و الوجه في اندفاع المحاذير، أوّلا: هو ما حقّق في مبحث اجتماع الأمر و النّهي، من أنّ تضادّ الأحكام و نحوه الّذي بنى عليه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) في مسألة الاجتماع و الامتناع و اشتهر بينهم و صار مسلّما عندهم، لا أساس له عند أرباب الفنّ و مهرة

162

العلوم العقليّة أصلا، و نتيجة ذلك، عدم لزوم محذور اجتماع الضّدّين عند التّعبّد بالأمارة مع فرض مخالفتها للواقع.

و ثانيا: أنّ الأحكام الواقعيّة في جميع موارد الاصول و الأمارات تكون مشتركة بين العالمين و الجاهلين؛ لعدم تقيّد الخطابات الشّرعيّة بحال العلم و عدم اختصاصه بالعالم فقط.

نعم، الأحكام بالنّسبة إلى العالم بها تكون فعليّة عالية، ضرورة، أنّ هذه الفعليّة منوطة عقلا بالعلم و الاطّلاع، كما أنّها منوطة بالتّمكّن و القدرة- أيضا- و لذا قلنا في غير موضع: أنّ تنجّز التّكليف منوط بأمرين: أحدهما: قيام الحجّة؛ ثانيهما:

وجود القدرة.

و أمّا بالنّسبة إلى الجاهل بالأحكام، فهي تكون إنشائيّة أو فعليّة دانية؛ و قد أشار الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) إلى هذا التّقسيم بقوله: «إنّ لفعليّة التّكليف مرتبتين؛ إحداهما:

الفعليّة الّتي هي قبل العلم، و هي بمعنى: تماميّة الجهات الّتي من قبل المولى، و إنّما النّقصان في الجهات الّتي من قبل المكلّف، فإذا ارتفعت الموانع الّتي من قبل العبد يصير التّكليف تامّ الفعليّة و تنجّز عليه؛ و ثانيتهما: الفعليّة الّتي هي بعد العلم و بعد رفع سائر الموانع الّتي تكون من قبل العبد و هو التّكليف الفعليّ التّام المنجّز» (1).

و قد أشار- أيضا- شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) إلى هذا التّقسيم حيث عبّر عن الفعليّة الدّانية، بالفعليّة بلا فاعليّة و محرّكيّة؛ و عن الفعليّة العالية، بالفعليّة مع الفاعليّة و المحرّكيّة. (2)

____________

(1) أنوار الهداية: ج 1، ص 200.

(2) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

163

و كيف كان، الأحكام الواقعيّة تكون إنشائيّة، أو فعليّة دانية بالنّسبة إلى الجاهلين، و إلى موارد الاصول و الأمارة المخالفة للواقع، و معه لا مانع و لا محذور في التّرخيص الفعليّ على خلافها، لا محذور اجتماع الضّدّين، و لا محذور آخر، كما لا يخفى.

فلا بدع في كون صلاة الجمعة حراما في موقف الجعل و الإنشاء، و مرحلة الفعليّة الدّانية، و واجبة في موقف الظّاهر و مرحلة الفعليّة العاليّة.

و بالجملة: مفاد أدلّة اعتبار الاصول و الأمارات ليس إلّا ترتيب الآثار حتّى آثار الطّهارة، كما في قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر» (1)، و آثار الحلّية كما في قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء هو لك حلال» (2)، فإن أصاب الواقع فهو، و إلّا بقي الحكم الواقعيّ في موقف الجعل و الإنشاء، و مرحلة الفعليّة الدّانية، و يصير مفاد الأمارات، أو الاصول فعليّا تامّا في موقف العمل، فلا يلزم محذور أصلا. هذا بالنّسبة إلى محاذير اجتماع المثلين أو الضّدّين أو النّقيضين.

و أمّا محذور التّفويت و نقض الغرض، فقد عرفت: أنّه غير مندفع بناء على الانفتاح، و وجهه واضح، إلّا أنّ المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) قد دفعه بقوله: «إنّه لا يلزم عليه محذور التّفويت؛ إذ المراد من الانفتاح هو إمكان الوصول إلى الواقع بالسّؤال عن شخص الإمام (عليه السّلام) لا فعليّته، حيث إنّ الانفتاح بهذا الوجه ممّا لا يمكن دعواه، فقد يكون الشّخص متمكّنا من الوصول إلى الواقع و لكن لم يصل إليه؛ لاعتماده على الطّرق‏

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 2، كتاب الطّهارة، الباب 37 من أبواب النّجاسات، الحديث 4، ص 1054.

(2) وسائل الشّيعة: ج 12، كتاب التّجارة، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4، ص 60.

164

المفيدة للعلم مع خطأ علمه و كونه من الجهل المركّب ... فلا ملازمة بين الانفتاح و بين عدم الوقوع في خلاف الواقع، و على هذا، يمكن أن تكون الأمارات الظّنيّة في نظر الشّارع، كالأسباب المفيدة للعلم الّتي يعتمد عليه الإنسان من حيث الإصابة و الخطاء ... فلا يلزم محذور من التّعبّد بالأمارات الغير العلميّة؛ لعدم تفويت الشّارع من التّعبّد، مصلحة على العباد» (1).

و قد أورد عليه المحقّق العراقي (قدّس سرّه): بأنّ قياس الأمارات الظّنيّة بالعلم يكون مع الفارق؛ إذ لا تفويت في موارد خطأ العلم، بل هناك يفوت المصلحة من المكلّف قهرا، لعدم التفاته حين قطعه إلى خطأ قطعه، فالفوت مستند إلى الجهل المركّب من المكلّف و عدم التفاته إلى ما وقع فيه من الخطاء، و هو أمر قهريّ غير اختياريّ، هذا بخلاف التّعبّد بالأمارة مع احتمال خطائها، حيث إنّه تفويت اختياريّ من ناحية الشّارع لو أمر به، و هو أمر قبيح، يستحيل صدوره منه، فلا مجال لمقايسة أحدهما بالآخر. (2)

هذا، و لكن في كلتا المقالتين ما لا يخفى، أمّا مقالة المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) ففيها ما مضى: من أنّ المخلّ بالنّظام أو الموجب للعسر و الحرج، المنافي للسّهولة هو الاحتياط التّام بخلاف النّاقص. و عليه، فلا مانع من العمل بالاحتياط في الشّبهات، و الاعتماد في الموارد الأخر على القطع الحاصل من موجباته من الأمارات القطعيّات.

و أمّا مقالة المحقّق العراقي (قدّس سرّه) ففيها: أنّ فوت المصلحة في موارد خطأ القطع‏

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 90 و 91.

(2) راجع، نهاية الأفكار: ج 3، ص 60.

165

و عدم الإصابة، يكون منشؤه عدم إيجاب الشّارع للاحتياط، فكأنّه لعدم اهتمامه بالواقع، و عدم تشديد أمر الواقع بطريق إيجاب الاحتياط، فوّت المصلحة في موارد القطع مع عدم الإصابة، كتفويته الاختياريّ في موارد الأمارة عند خطائها و عدم الإصابة.

و إن شئت، فقل: إنّه لا فرق بين موارد القطع غير المصيب، و موارد الأمارات غير العلميّة المخطئة، في استناد فوت المصلحة و الوقوع في المفسدة إلى الشّارع، حيث إنّه لم يوجب الاحتياط، ففوّت الواقع بعدم إيجابه له، و لذا فاتت المصلحة، أو وقع المكلّف في المفسدة. و عليه، فالتّفويت في كلا الموردين اختياريّ.

ثمّ إنّه قد يتمسّك لدفع شبهة تفويت مصلحة الواقع من ناحية التّعبّد بالأمارة غير العلميّة، بالمصلحة السّلوكيّة، كما قال بها الشّيخ الأنصارى (قدّس سرّه)، و قد أوضح المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) هذه المقالة بعد ما قال: «فلنا أن نلتزم بالسّببيّة على وجه تتدارك المصلحة الفائتة على اصول المخطّئة من دون أن يلزم التّصويب الباطل» (1).

محصّل كلامه (قدّس سرّه) أنّ سببيّة الأمارة لحدوث المصلحة الجابرة المتدارك بها المصلحة الفائتة عند خطائها، على وجوه ثلاثة: (2)

الأوّل: السّببيّة الأشعريّة، بأن يكون قيام الأمارة عند الجاهل بالأحكام الواقعيّة سببا لحدوث مصلحة مستتبعة لجعل أحكام على طبقها، و قضيّة ذلك، اختصاص الأحكام الواقعيّة بالعالمين و لا يكون للجاهلين إلّا مؤدّيات الأمارة، و هذه‏

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 94.

(2) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 95 و 96.

166

هي الأحكام الواقعيّة لهم الّتي تختلف باختلاف آرائهم، تتعدّت بتعدّد أنظارهم فهي تابعة لآراء المجتهدين وجودا و عدما، حدوثا و بقاء، توحّدا و تعدّدا.

و واضح: أنّه على هذا المسلك، ليس وراء مؤدّى الأمارة حكم آخر واقعيّ حتّى يلزم من ناحية التّعبّد بها و العمل على خلاف ذلك الحكم، تفويت بالنّسبة إلى مصلحة الواقع، و هذا هو التّصويب الأشعريّ الّذي قام على خلافه الضّرورة، و على بطلانه الإجماع، مضافا إلى دعوى تواتر الأخبار و تظافر الرّوايات على اشتراك الأحكام الواقعيّة بين العالم و الجاهل، أصابها من أصاب، و أخطأها من أخطأ، على أنّ الأماريّة لا تجامع السّببيّة المولّدة المحدّثة، فافهم و اغتنم.

الوجه الثّاني: السّببيّة المعتزليّة، بأنّ الحكم الواقعيّ و إن كان متحقّقا في الواقع، دائرا مدار المصلحة أو المفسدة النّفس الأمريّة، مشتركا فيه العالم و الجاهل، إلّا أنّ قيام الأمارة موجب لحدوث مصلحة أقوى في المؤدّى‏ (1) من مصلحة الواقع؛ إذ مقتضى التّساوي هو التّخيير بينه و بين المؤدّى، و المفروض، أنّ الحكم الفعليّ ليس إلّا المؤدّى.

و واضح: أنّه على هذا المسلك- أيضا- تندفع شبهة التّفويت؛ إذ مع قيام الأمارة على خلاف ما في الواقع، يكون الحكم الواقعيّ الفعليّ هو مؤدّى الأمارة الّذي‏

____________

(1) في هذا التّعبير تسامح؛ إذ المصلحة لا تكون في المؤدّى و هو الحكم بل تكون في متعلّقه، و المناسب أن يقال: قيام الأمارة موجب لحدوث مصلحة أقوى في نفس العنوان الذّاتي، نظير أن يكون «صلاة الجمعة» مثلا، مشتملة على مفسدة واقعا، مستتبعة للحرمة، لكنّ الأمارة قامت على وجوبها، فصار قيامها عليه موجبا لحدوث مصلحة فيها أقوى من تلك المفسدة، أو قامت على وجوب الظّهر، فصار قيامها عليه موجبا لحدوث مصلحة أقوى من تلك المفسدة.

167

تكون المصلحة فيه أقوى، فلا يلزم تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة، و هذا هو التّصويب المعتزليّ الّذي يدلّ على بطلانه قيام الإجماع و دلالة الرّوايات على الاشتراك، و أنّ الواقع لا يتغيّر عمّا هو عليه بقيام الأمارة، مضافا إلى ما عرفت: من أنّ الأماريّة تنافي السّببيّة بأيّ وجه كانت، فافهم.

الوجه الثّالث: السّببيّة السّلوكيّة، بأن يكون قيام الأمارة موجبا لحدوث مصلحة في السّلوك على طبقها و التّطرق بها و تطبيق العمل على مؤدّاها و البناء على أنّه هو الواقع بترتيب آثاره عليه، فعلى هذا المسلك- أيضا- تندفع شبهة التّفويت بل نقض الفرض- كما عن شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه)- إذ يتدارك بهذه المصلحة ما فات على المكلّف من مصلحة الواقع بسبب قيام الأمارة على خلافه، و لا يلزم التّصويب الباطل هنا- أيضا- بداهة، أنّ الواقع و المؤدّى باقيان على ما هما عليه من المصلحة و المفسدة بلا حدوث مصلحة في المؤدّى بسبب قيام الأمارة غير ما كان عليه قبل قيامها.

هذا و لكن أورد على هذا المسلك بوجوه:

منها: ما عن الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) فقال، ما حاصله‏ (1): أنّه يرد على المصلحة السّلوكيّة امور:

الأوّل: أنّه لا أساس لها أصلا؛ إذ لا شأن للأمارات إلّا الطّريقيّة و الإيصال إلى الواقع، و هي طرق عقلائيّة إمضائيّة يعمل بها العقلاء؛ لمكان مرآتيّتها و أمضاها الشّرع لأجل هذه الخصوصيّة، فليست في سلوكها أيّة مصلحة.

الثّاني: أنّ السّلوك و التّطرّق و التّطبيق و البناء و أمثالها، مفاهيم مصدريّة

____________

(1) راجع، أنوار الهداية: ج 1، ص 194 و 195.

168

نسبيّة، لا حقيقة لها إلّا في عالم الاعتبار، فلا تتّصف بالمصالح و المفاسد، بل مصبّ المصلحة و المفسدة نفس العناوين الواقعيّة، كالصّلاة و الخمر.

الثّالث: أنّه لو كانت المصلحة في سلوك الأمارة و تطرّق الطّريق وراء ما في الواقع في الإخبار عن الامور الشّرعيّة، لزم قيامها و وجودها في السّلوك و التّطرّق في الإخبار عن الامور العادية- أيضا- و هذا، كما ترى.

و القول بقيامها في خصوص تطرّق الطّريق القائم على الحكم الشّرعيّ، مجازفة.

الرّابع: أنّه يلزم من تدارك المصلحة الواقعيّة بالسّلوكيّة، الإجزاء و عدم لزوم الإعادة و القضاء، لسقوط الأمر رأسا بالتّدارك، و هذا- أيضا- كما ترى.

و منها: ما عن بعض الأعاظم (قدّس سرّه)(1) من أنّ السّببيّة بهذا المعنى يستلزم تبدّل الحكم الواقعيّ بنوع من التّصويب. بتقريب: أنّ سلوك الأمارة لو كان مشتملا على مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع الفائتة، لا يعقل تعلّق الإيجاب بالواقع تعيينا، لكونه ترجيحا بلا مرجّح، بل لا بدّ حينئذ من تعلّقه به، و بالسّلوك تخييرا- مثلا- لو فرض أنّ مصلحة صلاة الظّهر تقوم بأمرين: أحدهما: نفس صلاة الظّهر، و ثانيهما:

سلوك الأمارة الدّالّة على وجوب صلاة الجمعة لمن لم ينكشف له الخلاف، فامتنع من الشّارع الحكيم تخصيص الوجوب الواقعي بخصوص صلاة الظّهر؛ لقبح التّرجيح بلا مرجّح.

و عليه: فلا يكون الحكم الواقعيّ مشتركا بين العالم و الجاهل بنحو واحد، بل‏

____________

(1) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 97.

169

في حقّ العالم تعيينيّ، و في حقّ الجاهل تخييريّ، و هذا نوع من التّصويب، يدلّ على بطلانه مضافا إلى الإجماع، روايات اشتراك الأحكام.

و فيه ما لا يخفى: لأنّ الجاهل لا يجب عليه إلّا خصوص السّلوك، كوجوب صلاة الظّهر على العالم. و عليه، فلا يلزم في حقّ الجاهل كون الحكم الواقعيّ تخييريّا.

و منها: ما عن المحقّق البروجرديّ (قدّس سرّه)(1) فقال، ما حاصله: أنّه يرد على المصلحة السّلوكيّة من جهتين:

الاولى: أنّ السّلوك ليس أمرا وراء العمل يوجده المكلّف و يكون محكوما بالحكم الواقعيّ، و إذا لو فرض قيام الأمارة على وجوب صلاة الجمعة- مثلا- و كانت بحسب الواقع محرّمة، فليس معنى سلوك الأمارة و العمل على طبقها حينئذ إلّا إتيان الجمعة و الفرض كونها مشتملة على المفسدة، و لا مناص إذا من أن تكون المصلحة في السّلوك أقوى بحيث تتدارك بها المفسدة الواقعيّة للجمعة، و لازم ذلك هو انقلاب الحكم الواقعي؛ إذ لا يعقل أن يوجد في موضوع واحد ملاكان مستقلّان يؤثّر كلّ منهما في حكم مستقلّ.

الجهة الثّانية: أنّ سلوك الأمارة لو سلّم كونه عنوانا مستقلّا مشتملا على ملاك مستتبع للحكم، لكن ليس هذا الحكم ظاهريّا، طريقيّا ثابتا لحفظ الواقع عند الجهل به، بل يكون لأجل اشتماله على الملاك، حكما واقعيّا في عرض سائر الأحكام الواقعيّة، و لازم ذلك، أن لا يتنجّز الواقع بقيام الأمارة و إن صادفته؛ إذ العلم بحكم ثابت لعنوان، لا يكون منجّزا لحكم آخر مجعول على عنوان آخر، و هذا، كما ترى.

____________

(1) راجع، نهاية الاصول، ص 446 إلى 448. الطّبعة الجديدة.

170

هذه كلّها إشكالات من الأساطين على مقالة الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، و لكن التّأمّل في كلماته (قدّس سرّه) يقتضي أن يقال: إنّه ليس في كلامه (قدّس سرّه) ما يدلّ على كون قيام الأمارة سببا لحدوث مصلحة في نفس السّلوك، كيف! و أنّ لازمه أن يكون أمر الشّارع بالتّعبّد بها- بأن يقول: مثلا، اسلك الأمارة أو اعمل بها أو تعبّد بها- أمرا نفسيّا، عرضيّا، مولويّا، نظير أمره بالصّلاة و الصّوم و الحجّ مع أنّ أمثال هذه الأوامر طريقيّة إرشاديّة صدرت لحفظ الواقع.

و الموجود من كلامه (قدّس سرّه) هنا، ليس إلّا عبارتان: إحداهما: أن لا تكون مشتملة لعنوان المصلحة السّلوكية و هي هذه: «إنّ التّعبّد بالخبر يتصوّر على وجهين:

أحدهما: أن يجب العمل به لمجرّد كونه طريقا إلى الواقع ... الثّاني: أن يجب العمل به لأجل أنّه يحدث فيه- بسبب قيام تلك الأمارة- مصلحة راجحه على المصلحة الواقعيّة الّتي تفوت عند مخالفة تلك الأمارة للواقع، كأن يحدث في صلاة الجمعة بسبب إخبار العادل بوجوبها، مصلحة راجحة على المفسدة في فعلها على تقدير حرمتها واقعا» (1).

فهذا الكلام، كما ترى، ناظر إلى الطّريقيّة المحضة و إلى السّببيّة المعتزليّة، لا إلى المصلحة السّلوكيّة كما هو مورد البحث.

ثانيتهما: أن تكون مشتملة لعنوان المصلحة السّلوكية و هي هذه: «و حيث انجرّ الكلام إلى التّعبّد بالأمارات الغير العلميّة، فنقول: في توضيح هذا المرام و إن كان خارجا عن محلّ الكلام، إنّ ذلك يتصوّر على وجهين: الأوّل: أن يكون ذلك من باب‏

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1، ص 108 و 109. الطّبعة الجديدة.

171

مجرّد الكشف عن الواقع ... الثّاني: أن يكون ذلك لمدخليّة سلوك الأمارة في مصلحة العمل و إن خالف الواقع، فالغرض إدراك مصلحة سلوك هذا الطّريق الّتي هي مساوية لمصلحة الواقع أو أرجح منها» (1).

و لا يخفى: أنّه لا دلالة في هذا الكلام على إيجاد المصلحة السّلوكيّة بنفس قيام الأمارة؛ إذ قوله (قدّس سرّه) في ذيل الوجه الثّاني: «فالغرض إدراك مصلحة سلوك هذا الطّريق ...» يدلّ على أنّ طريق الأمارة إلى الواقع مشتمل على مصلحة لا تكون تلك المصلحة في طريق آخر من القطع و الاحتياط، فلو سلك سالك هذا الطّريق و عمل على طبقه لوصل إلى مصلحته، لا أنّه يدلّ على كون قيام الأمارة بنفسه سببا لحدوث مصلحة في سلوك الأمارة.

نعم، يستشكل على هذا القول (الّذي ذكره (قدّس سرّه) في ذيل الوجه الثّاني) بأنّ الغرض من التّعبّد بالأمارات الغير العلميّة ليس إلّا الامتثال من فعل ما امر به و ترك ما نهي عنه، و تحصيل مصالح المأمور به و إدراكها، و التّحرّز عن مفاسد المنهي عنه و إبعادها، و أمّا الزّائد على هذا المقدار كإدراك مصلحة السّلوك، فلا. غاية الأمر، لو لم يصل إلى الواقع و فات منه مصلحته، تتدارك تلك المصلحة الفائتة بمصلحة سلوك الأمارة، هذا بالنّسبة إلى ذيل كلامه (قدّس سرّه) في الوجه الثّاني.

أمّا صدره و هو قوله (قدّس سرّه): «أن يكون ذلك لمدخليّة سلوك الأمارة في مصلحة العمل بها» فلا دلالة فيه- أيضا- على ما ذكر من كون قيام الأمارة سببا لحدوث مصلحة في سلوكها، بل قوله (قدّس سرّه): «في مصلحة العمل بها» يدلّ على اشتمال العمل‏

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1، ص 112.

172

بالأمارة، على مصلحة، إلّا أنّ قوله (قدّس سرّه): «لمدخليّة سلوك الأمارة ...» يدلّ على دخل سلوك الأمارة في مصلحة العمل بها، و المفروض، أنّ السّلوك ليس إلّا العمل، فيصير مضمون الكلام، دخل العمل بالأمارة في مصلحة العمل بالأمارة، أو دخل سلوك الأمارة في مصلحة سلوك الأمارة، و هذا كما ترى.

اللّهمّ إلّا أن يكون مراده (قدّس سرّه)، أنّ استيفاء مصلحة العمل بالأمارة و تحصيلها، لا سبيل إليه إلّا العمل بها و سلوكها، لا أنّ المصلحة تحدث في العمل و السّلوك بالعمل، كما هو ظاهر قوله (قدّس سرّه): «لمدخليّة سلوك الأمارة».

و كيف كان، لا محصّل ظاهرا لهذا الكلام، و لقد أحسن و أجاد (قدّس سرّه) في التّعبير عن المصلحة السّلوكيّة في القسم الثّالث من أقسام الوجه الثّاني من وجهي التّعبّد بالأمارة فقال (قدّس سرّه): «الثّالث: أن لا يكون للأمارة القائمة على الواقعة تأثير في الفعل الّذي تضمّنت الأمارة حكمه، و لا تحدث فيه مصلحة، إلّا أنّ العمل على طبق تلك الأمارة و الالتزام به في مقام العمل، على أنّه هو الواقع ... يشتمل على مصلحة فأوجبه الشّارع ... و تلك المصلحة لا بدّ أن يكون ممّا يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع لو كان الأمر بالعمل به مع التّمكّن من العلم، و إلّا كان تفويتا لمصلحة الواقع و هو قبيح، كما عرفت في كلام ابن قبة» (1).

هذه العبارة كما ترى، ظاهرة في أنّ العمل بالأمارة و سلوكها مشتمل على مصلحة يتدارك بها فوت مصلحة الواقع، لا أنّ قيام الأمارة بنفسه يوجب حدوث مصلحة في السّلوك. و عليه: فالعبارة ناظرة إلى ما في العمل بالأمارة، من مصلحة التّسهيل.

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1، ص 114 و 115.

173

نعم، تدارك مصلحة الواقع بمصلحة التّسهيل الّتي لا تكون من سنخ تلك المصلحة الواقعيّة، فيه ما لا يخفى.

إلّا أنّا نقول: لا نحتاج إلى التّدارك؛ لدوران الأمر بين إجراء البراءة و الإهمال بالمرّة الّذي قضيّته أن يكون الأنام كالأنعام، و بين تحصيل القطع أو إعمال الاحتياط الّذي هو إخلال بالنّظام أو تعب و عسر، ينافي سهولة الشّريعة، و بين العمل بالأمارات الظّنيّة غير العلميّة، و هذا هو سهل و يسر، ملائم لسهولة الإسلام، و في العمل بهذا الطّريق الّذي قد يخطئ، إرفاق و توسعة يوجب الجذب و الإقبال، خلاف طريق الاحتياط الّذي فيه تضييق، يوجب الدّفع و الإدبار.

و الحاصل: أنّ الشّارع أمرنا بالتّعبّد بالأمارات الظّنيّة مع علمه بأنّها قد تكون مخطئة، و أمضى هذه الطّريقة العرفيّة العقلائيّة الّتي يعمل على طبقها العقلاء في كلّ يوم و ليلة؛ و ذلك، لما فيه من السّهولة، خلاف ما في إجراء البراءة و الإهمال من الخسران و الضّلالة، و خلاف ما في تحصيل العلم و القطع أو إجراء الاحتياط من العسر و الإخلال بالنّظام و المعيشة، فالعمل على وفق الأمارات فيه خير كثير، و شرّ يسير، بخلاف غيره، ففيه شرّ محض أو شرّ كثير غالب.

على أنّ العلم و القطع يكون كالظّنّ، في الخطأ و الإصابة، فلا يجدي تحصيله في التّجنّب عن فوت مصلحة الواقع؛ لفواتها أحيانا و لو كان المكلّف قاطعا. هذا تمام الكلام في الأمر الثّاني‏ (1) (إمكان التّعبّد بالأمارة غير العلميّة).

____________

(1) من الامور الثّلاثة الّتي أشرنا إليها في ابتداء مبحث الظّنّ.

174

مقتضى الأصل عند الشّكّ‏

الأمر الثّالث: (مقتضى الأصل عند الشّكّ)

فلا ريب في أنّ الأصل عند الشّكّ في حجّيّة الأمارات غير العلميّة و عدمها، يقتضي عدم الحجّيّة؛ لمساوقة الشّكّ في الحجّيّة للقطع بعدمها، كما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) حيث قال: «إنّ الأصل فيما لا يعلم اعتباره بالخصوص شرعا و لا يحرز التّعبّد به واقعا، عدم حجّيّته جزما، بمعنى: عدم ترتّب الآثار المرغوبة من الحجّة عليه قطعا» (1).

و قد يستشكل هنا، بأنّه كيف يكون الشّكّ في الحجّيّة مساوقا للقطع بعدمها مع أنّ الشّكّ مناف للقطع، و القطع هادم للشّكّ و معدم له، و لا يعقل أن يكون الشّي‏ء مساوقا لمنافيه و ضدّه.

و بعبارة اخرى: الشّكّ في الحجّيّة معناه، هو الشّكّ في إنشاء الحجّيّة و التّرديد في جعلها، أو الشّكّ في تصويبها و إمضاءها و عدم القطع بذلك، فإذا كيف يتصوّر كونه مساوقا للقطع بعدم الجعل و الإنشاء، أو القطع بعدم التّصويب و الإمضاء، و هل هذا مثل أن يقال: الشّك في الوجود مساوق للقطع بالعدم، أو الشّك في العدم مساوق للقطع بالوجود.

و لكن أشار المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) إلى دفع هذا الإشكال في عبارته المتقدّمة، حيث فسّر (قدّس سرّه) كون الشّكّ في الحجّيّة مساوقا للقطع بعدمها، بقوله: «بمعنى: عدم ترتّب الآثار المرغوبة من الحجّة عليه قطعا».

____________

(1) كفاية الاصول: ج 2، ص 55.

175

توضيح كلامه (قدّس سرّه) يتوقّف على بيان أمرين: الأوّل: أنّ الحجّة تطلق على شي‏ء و يراد منها أحد المعاني الأربعة: منها: الحدّ الوسط الواقع في الحجج و البراهين، سواء كانت «لمّيّة» أو «إنّيّة» ففي البرهان «اللّم» تكون واسطة في الثّبوت، و في البرهان «الإنّ» تكون واسطة في الإثبات، و الحجّة بهذا المعنى تسمّى بالحجّة المنطقيّة.

و منها: نفس القضايا التّصديقيّة المعلومة الموصلة إلى التّصديقات المجهولة قبال المعرّف و هي التّصوّرات المعلومة الموصلة إلى التّصوّرات المجهولة.

و إن شئت، فعبّر: أنّ الحجّة تقال و تحمل على نفس القياس المؤلّف من المقدّمتين (الصّغرى و الكبرى) الموصلتين إلى النّتيجة، قبال المعرّف و القول الشّارح الّذي يكون من قبيل التّصور المعلوم الموصل إلى التّصور الآخر المجهول، و الحجّة بهذا المعنى- أيضا- تسمّى بالحجّة المنطقيّة.

و منها: ما يحتجّ به المولى على العبد و يقطع به العذر، أو ما يكون منجّزا للواقع عند الإصابة، أو معذّرا عند الخطاء، و الحجّة بهذا المعنى تسمّى بالحجّة الاصوليّة.

و منها: ما يكون وسطا لإثبات متعلّقه موضوعا كان أو حكما، و هذا المعنى- أيضا- يرجع بوجه إلى الحجّة المنطقيّة و يندرج تحت البراهين و لو كانت تلك البراهين عقلائيّة أو شرعيّة.

و لا يخفى: أنّ المناسب للاصول هو المعنى الثّالث و هي الحجّة الاصوليّة؛ إذ هذا المعنى هو المراد في باب الأمارات، حيث إنّ معنى كون الظّنّ- مثلا- حجّة هو أنّه‏

176

يكون ممّا يحتجّ به المولى على عبده. هذا في الأمر الأوّل.

الأمر الثّانى: أنّ الأثر المترتّب على الشّي‏ء يكون على أقسام ثلاثة: أحدها:

أن يكون شرعيّا مترتّبا عليه، مجعولا له مطلقا، و في حال العلم و الجهل، لا بشرط العلم به، و لا بشرط الجهل به، فالبول نجس بعنوانه النّفسي الذّاتيّ، و الماء طاهر كذلك، بلا دخل للعلم في ترتّب هذا الأثر. نعم، العلم ببوليّة هذا المائع- مثلا- دخيل في تنجّز نجاسته، لا في أصل الحكم.

ثانيها: أن يكون الأثر الشّرعيّ مترتّبا على الشّي‏ء بشرط الجهل و الشّكّ، كالطّهارة المترتّبة على المائع المشكوك طهارته و نجاسته، و الحليّة المترتّبة على الشّي‏ء المشكوك حلّيّته و حرمته، فهذا الشّي‏ء بعنوانه الأوّلي ماء طاهر، أو بول نجس؛ أو خلّ حلال، أو خمر حرام، لكنّه بعنوانه الثّانويّ عند طروّ الشّكّ في الطّهارة و النّجاسة، أو الحليّة و الحرمة، يكون حلالا أو طاهرا.

ثالثها: أن يكون الأثر عقليّا مترتّبا على الشّي‏ء بشرط العلم، نظير منجّزيّة حرمة الخمر المترتّبة عليه عند العلم، فلو علم المكلّف بالحرمة صارت منجّزة.

إذا عرفت هذين الأمرين، فنقول في توضيح كلام المحقّق الخراساني (قدّس سرّه): أنّ للحجّيّة آثار أربعة عقليّة: الأوّل: التّنجيز؛ الثّاني: التّعذير؛ الثّالث: التّجرّي؛ الرّابع: الانقياد. و هذه الآثار إنّما تترتّب على الحجّة المعلوم حجّيّتها و المحرز اعتبارها، بمعنى: أنّه لا بدّ في ترتّب تلك الآثار من إحراز الصّغرى و الكبرى، فمع الشّكّ في صغرى الحجّيّة و أنّ الحجّة الفلانيّة هنا موجودة، أم لا؟ أو الشّكّ في كبرى الحجّيّة و أنّ هذا الأمر الفلاني حجّة، أم لا؟ لا يترتّب شي‏ء من الآثار المتقدّمة قطعا،

177

و هذا هو مراده (قدّس سرّه) و غيره من الأعلام من قولهم: إنّ الشّكّ في الحجّيّة مساوق للقطع بعدم الحجّيّة.

و لا يخفى: أنّ مرادهم من الحجّة هنا: هي الحجّة الفعليّة، بمعنى: أنّ الشّكّ في إنشاء الحجّيّة لأمر كذا، أو الشّكّ في إمضاء حجّيّته، مساوق للقطع بعدم الحجّيّة الفعليّة، و عدم ترتّب تلك الآثار الأربعة، لا أنّ الشّكّ في إنشاء الحجّيّة مساوق للقطع بعدم إنشائها حتّى يشكل عليه بما اشير إليه من الإشكال، و لا أنّ معناه، أخذ العلم بالحجّيّة موضوعا لها، بحيث لا تكون حجّة واقعا مع عدم العلم بها، فإنّ ذلك واضح الفساد؛ بداهة، أنّ الحجّيّة كسائر الأحكام الوضعيّة و التّكليفيّة لا يدور وجودها الواقعيّ، مدار العلم بها، بل معناه، عدم ترتّب آثار الحجّة عليها، من كونها منجّزة للواقع عند الإصابة و عذرا عند المخالفة، فإنّ التّنجز يتوقّف على العلم بالحكم أو ما يقوم مقامه. هذا ما أفاده المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) و نعم ما أفاد (1).

ثمّ إنّ الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2) سلك مسلكا آخر لإثبات عدم حجّية ما شكّ في حجّيّته، مع عدم ورود دليل يدلّ على وقوع التّعبّد به من نقل أو عقل.

محصّل مقالته (قدّس سرّه): هو أنّ الأثر المترتّب على الحجّيّة اثنان: أحدهما: هو الاستناد إلى الحجّة في مجال العمل و مقام الإتيان و الامتثال؛ ثانيهما: هو الالتزام بكون بمؤدّاها هو حكم اللّه تعالى في حقّ المكلّف و إسناده إليه تعالى، و حيث إنّ هذين الأمرين لا يترتّبان مع الشّك في الحجّيّة، فيكشف إنّا عن عدم حجيّة ما شك في‏

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 123.

(2) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 125 إلى 132. الطّبعة الجديدة.

178

حجيّته. و الوجه في عدم ترتّبهما عند الشّك فيها هو، أنّ الاستناد بلا علم يكون تشريعا عمليّا، و الإسناد بدونه يكون تشريعا قوليّا، و التّشريع محرّم بالأدلّة الأربعة (الكتاب و السّنّة و الإجماع و العقل).

هذا، و لكن أجاب عنه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) بوجهين: أحدهما: قوله (قدّس سرّه): «و أمّا صحّة الالتزام بما أدّى إليه من الأحكام و صحّة نسبته إليه تعالى، فليسا من آثارها؛ ضرورة، أنّ حجّيّة الظّنّ عقلا على تقرير الحكومة في حال الانسداد، لا توجب صحّتهما»؛ ثانيهما: قوله (قدّس سرّه): «و لو فرض صحّتهما شرعا مع الشّكّ في التّعبّد به، لما كان يجدي في الحجّيّة شيئا ما لم يترتّب عليه ما ذكر من آثارها ... فبيان عدم صحّة الالتزام مع الشّكّ في التّعبّد و عدم جواز الاستناد إليه تعالى غير مرتبط بالمقام، فلا يكون الاستدلال عليه بمهمّ، كما أتعب به شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) بما أطنب من النّقض و الإبرام» (1).

و لا يخفى: أنّ كلا الوجهين مردود:

أمّا الأوّل: فلأنّ معنى الحجّة هنا هو ما يحتجّ بها المولى على العبد و يقطع به العذر، سواء كان مؤدّاها هو الواقع، أو الوظيفة الفعليّة، و كيف كان، يستند مؤدّاها إلى الشّرع و الشّارع، و بهذا المعنى، تكون الاصول- أيضا- حججا قاطعة للعذر يحتجّ بها المولى على العبد و يكون مؤدّاها و هي الوظيفة الفعليّة مسندا إلى الشّارع، سواء كانت الوظيفة الفعليّة هي الواقعيّة، أم لا؟ و كيف يمكن أن يكون الشّي‏ء حجّة شرعا أو عقلا و لا يصحّ إسناد مؤدّاها إلى الشّارع، و كذا العكس.

____________

(1) كفاية الاصول: ج 2، ص 55 و 58.

179

و أمّا الظّنّ الانسداديّ على الحكومة، فمؤدّاه- أيضا- يسند إلى الشّارع لو كان حجّة في طريق إثبات التّكليف، و لكن سيجي‏ء في مبحث الانسداد، أنّه يقع في طريق إسقاطه، فمرجع حجّية الظّنّ، بناء على الحكومة، إلى حكم العقل بجواز الاكتفاء في مقام امتثال التّكاليف المعلومة إجمالا بالظّنّ، و أنت تعلم، أنّ المراد من الحجّة هنا ما يقع في طريق إثبات التّكليف لا إسقاطه. و عليه، فالظّنّ الانسداديّ ليس بحجّة؛ و لذا ذهب عدّة من الأعلام إلى أنّ مقدّمات الانسداد على تقرير الحكومة لا تنتج حجيّة الظّنّ، بل نتيجتها هو التّبعيض في الاحتياط بالأخذ بالمظنونات دون المشكوكات و الموهومات.

و أمّا الوجه الثّاني: و هو قوله (قدّس سرّه): «و لو فرض صحّتهما شرعا مع الشّكّ في التّعبّد به، لما كان يجدي في الحجّيّة شيئا ...» فلأنّه أوّلا: مجرّد فرض؛ و ثانيا: يكون أجنبيّا عمّا قال به الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) غير نافع له؛ إذ هو (قدّس سرّه) يستفيد من عدم جواز الاستناد و الإسناد، عدم الحجّيّة، و أنت ترى، أنّ هذا ممّا لا ينافيه جوازهما مع عدم الحجّيّة، لإمكان كونهما لازمين أعمّ للحجّيّة.

و قد تقرّر في محلّه، أنّ نفي الأعمّ مستلزم لنفي الأخصّ، كنفي الحيوان المستلزم نفي الإنسان، بخلاف إثبات الأعمّ، فهو لا يستلزم إثبات الأخصّ، فإثبات الحيوان لا يستلزم إثبات الإنسان، فنفي جواز الاستناد و الإسناد مستلزم لنفي الحجّيّة، و لكن إثباتهما لا يستلزم إثباتها، بمعنى: أنّ نفيهما مستلزم لنفي الحجّيّة حتّى إذا فرض إمكان إثباتهما مع نفيها، فلا يبقى المجال لما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من أنّ إثباتهما حيث لا يستلزم إثبات الحجّيّة، فلا يكون نفيهما مستلزما لنفيها.

180

و قد انقدح ممّا ذكرناه: أنّ ما ادّعاه الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في مقام تأسيس: من حرمة التّعبّد بالظّن الّذي لم يدلّ على وقوع التّعبّد به دليل‏ (1)، لا يرد عليه ما عن الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) من أنّ البحث عن حرمة التّعبّد بالظّنّ تكليفا لا يناسب مع تقرير الأصل في المسألة الاصوليّة (2)؛ إذ أشرنا آنفا إلى أنّ غرضه (قدّس سرّه) نفي الحجّيّة عند الشّكّ، بإثبات الحرمة بالأدلّة الأربعة، من باب البرهان اللّمي، و لعلّ هذا النّوع من البحث هنا مبنيّ على ما بناه (قدّس سرّه) في الأحكام الوضعيّة من عدم كونها مجعولة- وضعا و رفعا- ابتداء، بل تكون منجعلة بجعل الأحكام التّكليفيّة، و منتزعة عنها؛ و لذا قال (قدّس سرّه): بثبوت الحجّيّة بجواز الاستناد و الإسناد و عدمها بحرمتهما.

نعم، يرد على الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ الأدلّة الأربعة الّتي أقامها على حرمة التّعبّد بالظّنّ، من الكتاب و السّنّة و الإجماع و العقل كلّها، غير تامّة عدا الأخير.

أمّا الكتاب، فقد اكتفى (قدّس سرّه)(3) بذكر آية الافتراء في قوله تعالى: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏ (4) بتقريب: أنّها دلّت على أنّ ما ليس بإذن من اللّه تعالى، كإسناد الحكم إلى الشّارع، فهو افتراء.

و أنت ترى، أنّ الافتراء لا يصدق إلّا في مورد كان إسناد الحكم إلى الشّارع كذبا، نظير الإسناد إليه مع العلم بأنّ الحكم ليس من اللّه تعالى، و أمّا الإسناد مع الجهل به، كما في مورد التّعبّد بالظّنّ، فهو ليس بافتراء قطعا.

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 125.

(2) راجع، تهذيب الاصول: ج 2، ص 157.

(3) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 125.

(4) سورة يونس (10)، الآية 159.

181

و بعبارة اخرى: الافتراء ليس مطلق إسناد الشّي‏ء إلى الشّارع و لو مع عدم العلم بأنّه منه، بل هو إسناد خصوص ما علم أنّه ليس منه؛ إذ المراد من الإذن في الآية هو الإذن الواقعي، فلا مناص من أن يراد بالافتراء بقرينة المقابلة هو ما ليس فيه إذن، أو ما علم عدم الإذن فيه واقعا، و هذا أجنبيّ عن مورد المشكوك حجّيّته و هو التّعبّد بالظّنّ؛ بداهة، أنّه ممّا يحتمل وجود الإذن فيه واقعا، فليس في مورده افتراء.

نعم، لو كان المراد من الإذن هو الإذن الواصل إلى المكلّف، فالافتراء يصدق في مورد الشّكّ في الحجّيّة، لصدق عدم وصول الإذن مع الشّكّ.

هذا، و لكنّ الالتزام الجزميّ و الاستناد القطعيّ مع الشّكّ أمر مستحيل عقلا، فلا يكون حراما؛ إذ الحركة، كالوجوب منوطة بالاختيار و الإرادة، كما أشار إليه الإمام الرّاحل (قدّس سرّه). (1)

و هنا آيات آخر (2)، ربما يستدلّ بها على حرمة التّعبّد بالظّنّ، و لكنّ الإنصاف، أنّ تلك الآيات إرشادات إلى ما سيجي‏ء من حكم العقل، كما تفطّن به السّيّد البروجردي (قدّس سرّه) حيث قال: «فليس مضمون الآيات إلّا نفس ما دلّ عليه العقل، و ليست الآيات دليلا مستقلّا في قباله» (3).

و أمّا السّنة، فقد اكتفى (قدّس سرّه)(4)- أيضا- بذكر حديث القضاء، كقول‏

____________

(1) راجع، تهذيب الاصول: ج 1، ص 158.

(2) سورة النّجم (53)، الآية 28؛ سورة الإسراء (17)، الآية 36.

(3) نهاية الاصول: ص 464.

(4) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 126.

182

أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «القضاة أربعة: ثلاثة في النّار، و واحد في الجنّة ...» (1).

و فيه: أوّلا: أنّ التّوبيخ، لعلّه لأجل تصدّي هذا المنصب الّذي هو أمر خطير مع عدم الأهليّة، لا لأجل القضاء بما لا يعلم؛ و ثانيا: أنّ مقام القضاء مقام إنشاء الحكم، لا إسناده إلى اللّه تعالى، فيقول القاضي: «حكمت و قضيت بكذا و كذا» و لا يقول: «اللّه يقول: كذا و كذا» فتأمّل.

و أمّا الإجماع، فقد اكتفى (قدّس سرّه) بنقل‏ (2) ما ادّعاه الفريد البهبهاني (قدّس سرّه) في بعض رسائله، من كون عدم الجواز بديهيّا عند العوام، فضلا عن العلماء.

و لكن ضعفه واضح؛ إذ هو مدركيّ مستند إلى ما ذكر من الأدلّة، أو لا أقلّ من كونه محتمل المدركيّة، فلا يعتمد عليه. هذا بالنّسبة إلى الأدلّة الثّلاثة (الكتاب و السّنّة و الإجماع).

و أمّا العقل، فيبقى سالما عن المناقشة. بتقريب: أنّ العقلاء حكموا بتقبيح من يتكلّف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده عن المولى و لو كان جاهلا مع التّقصير، و هذا ممّا لا ينكر.

بقي هنا امور:

الأوّل: أنّ الغرض من تأسيس الأصل عند الشّكّ في الحجّيّة هو تأسيسه فيما لا دليل على اعتباره بالخصوص من الظّنون حتّى يكون مرجعا متّبعا في موارد الشّكّ.

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6، ص 11.

(2) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 126.

183

و أمّا البحث عن التّشريع هنا بشئونه و جوانبه و بجهاته الأربعة الّتي تعرّض لها المحقّق النّائيني (قدّس سرّه)(1) و أورد عليها الإمام الرّاحل (قدّس سرّه)(2) فكلّ ذلك خارج عن المقام، فلا ينبغي الورود في هذا البحث، نقلا و نقدا، نقضا و إبراما.

الثّاني: أنّ الأنسب بعلم الاصول فيما ذكر من الأصل، هو ما قرّره المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)- على ما عرفت سابقا- من أنّ الأصل عدم الحجّيّة؛ لكون الشّكّ في الحجّيّة مساوقا للقطع بعدمها (3)؛ وجه الأنسبيّة هو كون الحجّيّة من المسائل الاصوليّة، كما لا يخفى.

و أمّا تقرير الأصل بما ذكره الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(4) من أنّ التّعبّد بالظّنّ الّذي لم يدلّ دليل على وقوع التّعبّد به، محرّم بالادلّة الأربعة، فهو الأنسب بعلم الفقه، و هو واضح.

الثّالث: أنّ الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(5) قد تعرّض وجها آخر لتقرير الأصل و هو استصحاب عدم الحجّيّة عند الشّكّ فيها. بتقريب: أنّ الحجّيّة إنشاء أو إمضاء مسبوقة بالعدم، فيجري استصحاب عدمها عند الشّكّ في حدوثها؛ و لكن أورد (قدّس سرّه) على هذا الاستصحاب بعدم ترتّب الأثر العمليّ على مقتضاه، فإنّ حرمة العمل بالظّنّ يكفي في موضوعها، عدم العلم بورود التّعبّد و عدم إحرازه، فلا حاجة إلى إحراز عدم‏

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 120.

(2) راجع، أنوار الهداية: ج 1، ص 225.

(3) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 55.

(4) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 125.

(5) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 127.

184

ورود التّعبّد به، ليحتاج إلى إجراء أصل الاستصحاب.

محصّل إيراده (قدّس سرّه) هو أنّ التّمسّك بالاستصحاب المذكور يكون لغوا، لا يترتّب عليه فائدة أصلا؛ إذ المفروض ترتّب الأثر على نفس الشّكّ في الحجّيّة و عدم العلم بها، فلا يصل الدّور إلى إحراز عدم الحجّيّة و تحصيل العلم بعدمها تعبّدا بإجراء الأصل التّعبّدي و هو الاستصحاب.

و لقد أجاب المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) عن هذا الإيراد بوجهين: (1)

الأوّل: أنّ الحاجة إلى الأثر في الأصل الجاري للعمل، إنّما هي في الاصول الجارية في الشّبهات الموضوعيّة؛ و أمّا الاصول الجارية في الشّبهات الحكميّة، فيكفي في صحّة جريانها ثبوت نفس الحكم و المؤدّى من بقاء الحكم، أو عدمه في الاستصحابات الوجوديّة أو العدميّة، فوجوب شي‏ء، أو عدم وجوبه بنفسه، يكون من الآثار الّتي يصحّ جريان الأصل بلحاظها، بلا حاجة إلى أثر آخر وراءها.

و من المعلوم: أنّ الحجّيّة و عدمها، يكون من الأحكام، فاستصحاب عدم الحجّيّة، كاستصحاب عدم الوجوب أو الحرمة، ممّا لا يحتاج إلى أثر آخر وراء نفس عدم الحجّيّة.

الثّاني: لو سلّمنا، أنّ الحجّيّة من الموضوعات الخارجيّة، فيتوقّف جريان الأصل فيها على ترتّب أثر عمليّ، لكن ذلك، لا يمنع عن استصحاب عدمها، فإنّ حرمة التّعبّد، كما تكون أثرا للشّكّ في الحجّيّة، كذلك تكون أثرا لنفس عدم الحجّيّة واقعا.

و عليه: فالشّكّ في الحجّيّة مورد لكلّ من الاستصحاب و القاعدة المضروبة

____________

(1) راجع، حاشية الرّسائل: ص 5.

185

لحال الشّكّ و يقدّم الاستصحاب على القاعدة بالحكومة، نظير حكومة استصحاب الطّهارة على قاعدة الطّهارة، أو حكومة استصحاب الحليّة على قاعدة الحلّ.

و بالجملة: أنّ الضّابط هنا هو كون الأثر على أحد أنحاء ثلاثة:

أحدها: أن يترتّب الأثر على الواقع فقط، فلا مجال إلّا للاستصحاب.

ثانيها: أن يترتّب على الشّكّ فقط، فلا مجال إلّا للقاعدة المضروبة للشّكّ.

ثالثها: أن يترتّب على كلّ من الواقع و الشّكّ، فلكلّ من الاستصحاب و القاعدة مجال، إلّا أنّ الاستصحاب يقدّم على القاعدة بالحكومة.

هذا، و لكن ردّ هذين الوجهين المحقّق النّائيني (قدّس سرّه)(1) ذابا عن مقالة الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) فقال في ردّ الوجه الأوّل، ما حاصله: إنّ الحجّيّة و إن كانت من الأحكام الوضعيّة المجعولة، إلّا أنّها بوجودها الواقعيّ لا يترتّب عليها أثر عمليّ أصلا، و الأثر المترتّب عليها نوعان: أحدهما: ما يترتّب عليها بوجودها العلميّ من المنجّزيّة عند الإصابة، و المعذريّة عند المخالفة؛ ثانيهما: ما يترتّب على نفس الشّكّ في الحجّيّة، كحرمة التّعبّد بها، و عدم جواز إسناد المؤدّى إلى الشّارع، فعدم الحجّيّة الواقعيّة بنفسه لا يقتضي الجري العمليّ حتّى يستصحب؛ إذ لا أثر لإثبات هذا العدم إلّا حرمة التّعبّد و هو حاصل بنفس الشّكّ في الحجّيّة وجدانا، لأنّ الشّكّ تمام الموضوع لحرمة التّشريع و عدم جواز التّعبد، و معه لا مجال للاستصحاب في إثبات هذا الأثر، لكونه من تحصيل الحاصل.

و قال في ردّ الوجه الثّاني، ما حاصله: إنّه لا يعقل أن يكون الشّكّ في الواقع‏

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 129 إلى 132.

186

موضوعا للأثر في عرض الواقع، مع أنّه على هذا الفرض لا يجري الاستصحاب- أيضا- لترتّب الأثر بمجرّد الشّكّ، فلا يبقى مجال للاستصحاب؛ بداهة، أنّه لا يصل الدّور إلى إثبات بقاء الواقع كي يجري فيه الاستصحاب؛ إذ المفروض تحقّق موضوع الأثر في الرّتبة السّابقة على هذا الإثبات و ترتّب الأثر عليه، فأيّ فائدة في جريان الاستصحاب.

و ما قرع سمعك من حكومة الاستصحاب على القاعدة المضروبة لحال الشّكّ، فإنّما هو فيما كان ما يثبته الاستصحاب غير ما تثبته القاعدة، نظير قاعدتي الطّهارة و الحلّ و استصحابهما، فإنّ القاعدة لا تثبت الطّهارة و الحلّيّة الواقعيّة، بل مفادها ليس إلّا ترتيب آثارهما من جواز الاستعمال و حليّة الأكل و نحو ذلك، بخلاف الاستصحاب، فإنّ مفاده بقاء الطّهارة و الحليّة الواقعيّة، و قد يترتّب على بقاءهما غير جواز الاستعمال و حلّيّة الأكل من آثار أخر، نظير جواز الصّلاة في أجزاء الحيوان المشكوك حلّيّته إذا جرى فيه استصحاب الحليّة، و عدم جواز الصّلاة فيها إذا لم يجر فيه استصحابها و إن جرت أصالة الحلّ، فالإنصاف، أنّه لا مجال لتوهم جريان استصحاب عدم الحجّيّة عند الشّكّ فيها.

هذا، و لكنّ الحقّ مع المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) فيما ذكره في الوجه الأوّل: من أنّ استصحاب عدم الحجّيّة، كاستصحاب عدم الوجوب. و ما قال المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) في ردّه غير وجيه ظاهرا؛ و ذلك، لأنّ اللّازم في الاستصحاب هو كون المستصحب ممّا يترتّب على وجوده العمل في ظرف العلم به، أو يترتّب على عدمه نفي العمل في ظرف العلم بالعدم، و هذا إمّا بلا واسطة أو مع الواسطة، و الحجّيّة المجعولة، نظير الوجوب‏

187

المجعول، إلّا أنّها يكون أمرا وضعيّا.

و عليه: يترتّب على استصحابها العمل، فيحكم العقل بوجوب الموافقة و لزوم الحركة على وفق الحجّة في مقام العمل، كما يترتّب على استصحاب عدمها، عدم وجوب الموافقة، نظير استصحاب الوجوب و حكم العقل بلزوم العمل و وجوب الإطاعة، و نظير استصحاب عدم الوجوب و حكم العقل بعدم لزوم العمل و وجوب الإطاعة.

كما أنّ الحقّ مع المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)- أيضا- فيما ذكره في الوجه الثّاني من حكومة الاستصحاب على القاعدة، و لا مجال لما أورده المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) عليه (قدّس سرّه) إذ مع الشّكّ في الحجّيّة و إن كان تجري القاعدة فيها- أيضا- كالاستصحاب، لكنّه يقدّم عليها بالحكومة، لإزالة الشّكّ و رفعه تعبّدا و بالعناية، فلا يبقى الشّكّ مع جريان الاستصحاب حتّى يصل الدّور إلى القاعدة.

و بعبارة اخرى: يعمل في الاستصحاب على وفق اليقين السّابق، فلا ينقض بالشّكّ اللّاحق، و معه لا يصل الدّور إلى القاعدة الّتي لا حالة سابقة متيقّنة في موردها.

هذا تمام الكلام في تأسيس الأصل، و قد عرفت: أنّ مقتضاه عدم حجّيّة ما شكّ في حجّيّته من الظّنون و الأمارات غير العلميّة، و أنّه لا يجوز التّعبّد به عقلا و شرعا، فلا بدّ في الخروج عن هذا الأصل من دليل قطعيّ محرز للحجّيّة.

و لا يخفى عليك: أنّ إثبات الحجّيّة و إحرازها للطّرق و الأمارات غير العلميّة، يكون من الامور المهمّة و من المسائل الأصليّة الّتي لها فائدة كثيرة، بل عليه يدور الفقه؛ إذ جلّ الأحكام من الوضعيّة و التّكليفيّة تكون مستنبطة من الكتاب و السّنّة

188

اللّذان ظهوراتهما طرق و أمارات ظنيّة، أو تكون مستنبطة من مطلق ما يفيد الظّنّ و لو لم يكن كتابا و سنّة، كما ذهب إليه الميرزا القميّ (قدّس سرّه)(1) و من تبعه، فقالوا: بحجّيّة الظّنّ مطلقا، بناء على الانسداد.

و عليه: فلنشرع في بيان الأمارات الّتي قيل: بخروجها عن أصالة حرمة التّعبّد بالظّنّ و هي على أنحاء:

____________

(1) راجع، قوانين الاصول: ج 1، ص 440؛ و ج 2، ص 144.

189

الأمارات الخارجة عن أصالة حرمة التّعبّد بالظّنّ‏

* ظواهر الكتاب و السّنّة

* قول اللّغوي‏

* الإجماع المنقول‏

* الشّهرة الفتوائيّة

* الخبر الواحد

190

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

191

ظواهر الكتاب و السّنّة

النّحو الأوّل: ظواهر الكتاب و السّنّة، بل مطلق الظّواهر.

و لا ريب: في أنّ تلك الظّواهر حجّة عند العقلاء، و هم متسالمون على حجّيّتها في المحاورات، و بانون على العمل بها في امورهم قاطبة، و هذا التّسالم و البناء كان منهم في الأزمنة السّابقة و استمرّ إلى أزمنتها اللّاحقة، و لا اختراع للشّارع في محاوراته طريقة خاصّة، بل سلك على هذا المسلك و أمضاه.

و عليه: فأصل حجّيّة الظّواهر يكون متسالما عليه، لا خلاف فيه ظاهرا، كما أشار إليه الأعلام؛ و لذا كانت هذه المسألة من المسائل المسلّمة في علم الاصول بلا حاجة إلى البحث عنها و المداقّة في أطرافها.

و لقد أجاد الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) فيما أفاده في المقام، حيث قال، ما حاصله: إنّ الأمارات المعمولة في استنباط الأحكام الشّرعيّة من الكتاب و السّنّة على قسمين:

أحدهما: ما يعمل لتشخيص مراد المتكلّم عند احتمال إرادته خلاف ذلك، كأصالة الحقيقة و العموم و الإطلاق، و مرجع الكلّ إلى أصالة عدم القرينة الصّارفة عن المعنى الّذي يقطع بإرادة المتكلّم الحكيم له إذا حصل القطع بعدم القرينة.

ثانيهما: ما يعمل لتشخيص أوضاع اللّفظ و تشخيص مجازاتها من حقائقها و ظواهرها عن خلافها، نظير تشخيص أنّ لفظ: «الصّعيد» موضوعة لمطلق وجه الأرض أو التّراب الخالص. و لا ريب: أنّ المطلوب في هذا القسم، هو أنّ اللّفظ هل يكون ظاهرا في هذا المعنى، أو غير ظاهر؟ كما أنّ المطلوب في القسم الأوّل، هو

192

أنّ الظّاهر المفروغ عن كونه ظاهرا، هل يكون مرادا أم لا؟

و من المعلوم: أنّ القسم الأوّل معتبر في الجملة بلا خلاف و إشكال؛ إذ المفروض اعتبار تلك الامور عند أهل اللّسان في محاوراتهم المقصود بها التّفهيم، و ليس طريق محاورات الشّارع في تفهيم مقاصده مغايرا لطريقهم‏ (1). و لقد أفاد تلك المقالة- أيضا- المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) و نعم ما أفاده. (2)

و لا يخفى: أنّ مقتضى كلمات الأصحاب هو أنّ الظّهورات مطلقا، سواء كانت من الكتاب و السّنّة، أو غيرهما، تكون من الأمارات الظّنيّة، إلّا أنّها خارجة بالدّليل عن أصالة حرمة التّعبد بالظّنّ خروجا تخصيصيّا.

و لكنّ الحقّ عندي خلافه و إن كنت في الأزمنة السّالفة من المعتقدين الظّانين بكون الظّهورات من الظّنون و أنّ حجّيّتها من باب إفادتها للظّنّ نوعا، إلّا أنّه بعد التّأمّل و النّظر، عدلت عن ذلك المبنى و اعتقدت بأنّ الظّهورات ليست من الظّنون، بل تكون من العلوم العرفيّة العقلائيّة، لا الدّقيّة الفلسفيّة، فيعامل العرف مع الظّهورات معاملة العلم، فيحلف فلان باسم الجلالة و يقول: إنّ فلانا مراده من كلامه هذا، كذا قطعا، و أنّ كلامه هذا دالّ على مرامه، كذا، حتما، بحيث يحتجّ بكلامه عليه احتجاجا على وجه الجزم، و كذلك يحتجّ بظاهر كلامه على من ينكره و يكابره.

و عليه: فخروج الظّهور عن حيطة أصالة حرمة التّعبّد بالظّنّ يكون من باب التّخصّص، لا التّخصيص، و معه لا مجال للقول بكون الظّنّ الشّخصي بالوفاق أو عدم‏

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 135 إلى 137. الطّبعة الجديدة.

(2) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 58 إلى 64.

193

الظّنّ الشّخصي بالخلاف، شرطا للحجّيّة، كما لا مجال للقول بكون الظّنّ الشّخصي بالخلاف، مانعا عنها؛ إذ المفروض، أنّ الدّلالات و الظّهورات تكون علوما عرفيّة عقلائيّة و إن لم تكن كذلك بالدّقة و بحسب الميزان و الفلسفة.

و إن شئت تحقيق المقام، فنقول: إنّ كلام المتكلّم له صور ثلاثة:

الاولى: أن لا يقصد بكلامه الحكاية و التّفهيم، بل يقصد به التّلفظ و التّمرين أو اختبار كيفيّة صوته، بحيث لا دلالة للكلام إلّا التّصوّريّة، نظير ما إذا سمعت كلمة أو كلاما من اصطكاك الأجسام و الحركة على سبيل الاتّفاق و الصّدفة، و هذه الصّورة خارجة عن محلّ البحث بالمرّة، كما هو واضح.

الثّانية: أن يقصد به التّفهيم و الإفادة، لكن لا بإرادة جدّيّة، بل الغرض و الدّاعي هو الهزل و السّخريّة أو الاختبار و غيره. و بعبارة اخرى: لا يريد المتكلّم في هذه الصّورة إلّا إرادة تفهيميّة، استعماليّة، ظاهريّة أو صوريّة، لا جدّيّة واقعيّة.

و لنا في هذه الصّورة علم عادي و قطع عرفيّ بمراد المتكلّم في مقام الاستعمال، و أنّه أراد من اللّفظ معناه و لو بداع مثل الهزل؛ بداهة، أنّه كان بصدد تفهيم المعنى و إحضاره في ذهن السّامع و لم ينسب قرينة على خلافه. و عليه: فالظّهور في هذه الصّورة و إن كان ظنّا بالدّقة، لكنّه علم بحسب العرف و العادة.

الثّالثة: أن يقصد به التّفهيم و الإفادة بإرادة جدّيّة واقعيّة، لا بإرادة استعماليّة ظاهريّة، و لنا في هذه الصّورة- أيضا- علم عادي و قطع عرفيّ بمراد المتكلّم جدّا، و أنّ بين الإرادتين (الاستعمالي و الجدّي) تطابقا، إلّا أن يكون هناك قرينة على كون الدّاعي هو الهزل، لا الجدّ، و المفروض غير ذلك.

194

و عليه: فالظّهور في هذه الصّورة ليس ظنّا، بل يكون علما، كالصّورة الثّانية، فيكون خارجا عن أصالة حرمة التّعبّد بالظّنّ تخصّصا، و لا يصل الدّور إلى شرطيّة الظّنّ بالوفاق أو عدم الظّنّ بالخلاف فعلا، أو إلى مانعيّة وجود الظّنّ بالخلاف فعلا؛ إذ عرفت: أنّ الظّهور لا يكون من الظّنون، بل هو من العلوم، فلا مجال- أيضا- للتّفصيل بين ظاهر و ظاهر، و لا بين مستمع و مستمع، و كيف كان، فأصل حجّيّة الظّاهر مطلقا، أمر مسلّم لا ينبغي الشّكّ فيها.

هذا، و لكن ذهب المحقّق القميّ (قدّس سرّه) و كذا الأخباري إلى خلاف ذلك، و الحريّ أن نذكر هنا مقالتهما كي يتّضح ضعفهما.

أمّا مقالة المحقّق القمي (قدّس سرّه)(1) فهي راجعة إلى التّفصيل بين من قصد إفهامه بالخطاب، فالظّواهر حجّة بالنّسبة إليه من باب الظّنّ الخاصّ، و بين من لم يقصد إفهامه، فلا تكون حجّة بالنّسبة إليه، كأمثالنا بالإضافة إلى أخبار الأئمّة (عليهم السّلام) الصّادرة عنهم (عليهم السّلام) في مقام الجواب عن سؤال السّائلين، و بالإضافة إلى الكتاب العزيز، بناء على عدم كون خطاباته موجّهة إلينا، و عدم كونه من باب تأليف المصنّفين، فالظّهور اللّفظي ليس حجّة حينئذ، إلّا من باب الظّنّ المطلق الثّابت حجّيّته عند انسداد باب العلم.

و قد استدلّ على هذه المقالة بأنّ الخطابات على قسمين: أحدهما: ما لا يختصّ إفهام المراد منه بشخص أو رهط، كما في المؤلّفات و التّصانيف و السّجلّات الرّاجعة إلى الوصايا و الأقارير و الأوقاف و نحوها، فالمقصود في أمثالها هو إفهام نفس مفاد

____________

(1) راجع، قوانين الاصول: ج 1، ص 229 و 398 و 403؛ و ج 2، ص 103.

195

الكلام، بمعنى: أنّ الغرض ليس إلّا تفهيم ما هو المراد منه بلا تخصيص بشخص خاصّ أو بطائفة خاصّة.

ثانيهما: ما يكون الغرض من إلقاء الخطاب، إفهام شخص خاصّ، أو طائفة خاصّة، نظير ما إذا كان الكلام جوابا عن سؤال منهما، فللسّائل حينئذ الأخذ بظاهره و هو حجّة بالنّسبة إليه؛ إذ احتمال إرادة خلافه، إمّا يكون ناشئا من احتمال غفلة المتكلّم عن إقامة القرينة أو غفلة المخاطب و عدم استماع القرينة. و كلّ ذلك مندفع بالأصل العقلائي، و هي أصالة عدم الغفلة، و هذا إنّما يتمّ بالنّسبة إلى من قصد إفهامه؛ و أمّا من لم يقصد إفهامه، فلا يكون سبيل له إلى الأصل المذكور، لمكان احتمال آخر سوى الغفلة و هو احتمال وجود قرينة مقاليّة أو حاليّة سابقة أو لاحقة معهودة بين المخاطب و المخاطب، فلا يمكن الوثوق بأنّ الظّاهر هو المراد، بل لا يحصل الظّن به فضلا عن الوثوق سيّما إذا كان دأب المتكلّم الاعتماد على القرائن المنفصلة، و غالب الرّوايات أجوبة عن أسئلة لأشخاص، و دأب الشّارع- أيضا- الاعتماد على القرائن المنفصلة، كما يظهر للمتتبّع في الرّوايات، فحجيّة الأخبار ليست من صغريات حجيّة الظّهور و الظّنّ الخاصّ، بل تكون من صغريات حجيّة الظّنّ المطلق بمعونة مقدّمات الانسداد.

و فيه: منع صغرى و كبرى؛ أمّا المنع الصّغروي، فلأنّ الشّارع إنّما يكون في مقام التّشريع و التّقنين. و واضح، أنّ مقتضاه كون النّاس و المكلّفين جميعا مقصودين بالإفهام، بلا فرق فيه بين الخطابات الواردة في الكتاب، و بينها الواردة في السّنّة، كما لا فرق- أيضا- في الخطابات الرّوائيّة، بين كونها مسبوقة بالأسئلة، و بين عدم كونها كذلك.

196

إن شئت، فقل: إنّ الخطابات الشّرعيّة لا تختصّ بالمخاطبين بها، بل المقصود بالإفهام بها، هم المكلّفون كافّة، كما هو الشّأن في المؤلّفات و المصنّفات و نحوهما.

نعم، نقلة الرّوايات في مبدإ السّلسلة كانوا هم المخاطبين بالكلام غالبا، و لكن اختصاصهم بالمخاطبة لا يلازم اختصاصهم بالمفاهمة.

على أنّ كثيرا من الأخبار غير مسبوق بالسّؤال أو موصول إلينا و منقول لنا من ناحية غير المخاطب السّائل، كقول الرّاوي: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فسأله رجل كذا عن أمر كذا، فقال (عليه السّلام) له: كذا.

و بالجملة: فالكلّ مقصودون بالإفهام، فلا يلزم انسداد باب العلميّ. هذا كلّه في المنع الصّغروي.

أمّا المنع الكبروي، فلأنّ الاعتماد على القرائن المنفصلة، لا يوجب إلّا الفحص قبل التّمسّك بالخطابات حتّى بالنّسبة إلى من قصد بالإفهام دون السّقوط عن الاعتبار رأسا و عن الحجّيّة بالمرّة بالنّسبة إلى من لم يقصد إفهامه، كما هو واضح.

كيف، و أنّ المفروض كون الرّاوي عارفا بأساليب الكلام و شئون المكالمة و خصوصيّات المحاورة، كما أنّ المفروض كونه أمينا و ثقة، لا يخلّ بالقرائن المقاليّة المتّصلة و لا يترك ذكرها- كما لا يخلّ بالقرائن الحاليّة المؤثّرة- بل يذكر و ينبّه على تلك القرائن البتّة.

و عليه: فلا تختصّ حجّيّة الظّهور بمن قصد إفهامه، بل يكون حجّة لكلّ شخص و طائفة.

و توهّم أنّ ورود التّقطيع في الأخبار من ناحية نقلة الآثار، مانع عن انعقاد

197

الظّهور أو عن حجّيّته؛ لاحتمال وجود قرينة على خلاف ما نستظهر من الرّواية قد خفيت علينا لذلك التّقطيع، مندفع بما أفاده بعض الأعاظم (قدّس سرّه)(1) محصّله: أنّ ذلك إنّما يتمّ لو كان المقطّع غير عارف بشئون الكلام أو غير ورع في الدّين، و هذا كلّه ممّا لا يجوز التّفوّه به بالنّسبة إلى دعائم الإسلام و أركان الفضيلة من أمثال الكليني (قدّس سرّه) و الشّيخ الطّائفة (قدّس سرّه).

فتحصّل: أنّ المكلّفين بأجمعهم مقصودون بالإفهام بالإضافة إلى الكتاب و السّنّة، فظواهرهما تكون حجّة لهم بلا فرق بين كونهم مخاطبا في الخطابات أو غير مخاطب فيها، و لو سلّم أنّ المقصودين بالإفهام هم المخاطبون خاصّة، فنقول: لا دليل على اختصاص حجّيّة الظّواهر بمن قصد إفهامه؛ لكون بناء العقلاء على التّفهيم.

و لقد أجاد الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) فيما أفاده في المقام، حيث قال: «إنّ من المرسوم الدّائر في بعض الأحيان مراقبة الرّسائل الدّائرة بين الأصدقاء و الإخوان من جانب الحكومة، و لا شكّ أنّ الرّسائل الدّائرة لم يقصد كاتبها إلّا إفهام من أرسله إليه، إلّا أنّ الحكومة و الرّقابة العسكريّة إذا وجدوا فيها ما يستشمّ منه الخيانة أو التّجمع للفتنة صاروا إلى إحضار الكاتب و زجره و حبسه» (2).

هذا تمام الكلام في مقالة المحقّق القميّ (قدّس سرّه).

و أمّا مقالة الأخباري، فهي راجعة إلى التّفصيل بين ظواهر الكتاب، فلا تكون حجّة، و لا يجوز العمل بها، و بين ظواهر غيره، فتكون حجّة و يجوز العمل بها.

____________

(1) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 121 و 122.

(2) تهذيب الاصول: ج 2، ص 164 و 165.

198

و قد استدلّ عليه بوجوه، يرجع بعضها إلى منع صغروي، و بعضها الآخر إلى منع كبروي.

الأوّل: دعوى اختصاص فهم القرآن بمن خوطب به من النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ذرّيته (عليهم السّلام) نظرا إلى أنّ ألفاظ القرآن الكريم رموز، كفواتح السّور، و كنايات عن مطالب و مقاصد لا يعرفها إلّا النّبي و آله (عليهم السّلام).

و تشهد على ذلك روايتان: إحداهما: مرسلة شبيب بن أنس عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال لأبي حنيفة: «أنت فقيه العراق؟ قال: نعم، قال: فبم تفتيهم؟

قال: بكتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال: يا أبا حنيفة! تعرف كتاب اللّه حقّ معرفته، و تعرف النّاسخ و المنسوخ؟ قال: نعم، قال: يا أبا حنيفة! لقد ادّعيت علما، ويلك ما جعل اللّه ذلك إلّا عند أهل الكتاب الّذين انزل عليهم، ويلك و لا هو إلّا عند الخاصّ من ذرّية نبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ما ورثك اللّه من كتابه حرفا ... يا أبا حنيفة! إذا ورد عليك شي‏ء ليس في كتاب اللّه و لم تأت به الآثار و السّنّة، كيف تصنع؟ فقال: أصلحك اللّه، أقيس و أعمل فيه برأيي، فقال: يا أبا حنيفة! إنّ أوّل من قاس إبليس الملعون، قاس على ربّنا تبارك و تعالى، فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار و خلقته من طين، قال: فسكت أبو حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة! أيّما أرجس، البول أو الجنابة؟ فقال:

البول، فقال: فما بال النّاس يغتسلون من الجنابة و لا يغتسلون من البول؟ فسكت، فقال: يا أبا حنيفة! أيّما أفضل؟ الصّلاة أم الصّوم؟ قال: الصّلاة، قال: فما بال الحائض تقضي صومها و لا تقضي صلاتها، فسكت» (1).

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 6 من أبواب الصّفات القاضي، الحديث 27، ص 30.

199

ثانيتهما: رواية زيد الشّحام، قال: «دخل قتادة على أبي جعفر (عليه السّلام) فقال له:

أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر (عليه السّلام): بلغني أنّك تفسّر القرآن، فقال له قتادة: نعم، فقال له أبو جعفر (عليه السّلام): فإن كنت تفسّره بعلم فأنت أنت ...

قال (عليه السّلام) ويحك يا قتادة: إن كنت إنّما فسرّت القرآن من تلقاء نفسك، فقد هلكت و أهلكت، ويحك يا قتادة! إنّما يعرف القرآن من خوطب به» (1).

هذا الوجه، كما ترى، يرجع إلى منع الصّغرى، و إنكار أصل ظهور الكتاب.

و فيه: أوّلا: أنّ اختصاص فهم القرآن بمن خوطب به، مخالف لما نجده فيه من الظّهور و الوضوح، و مناف لكونه معجزة خالدة، و لكونه نورا و بيانا.

كيف، و أنّ النّاس يفهمون ظاهره و يعترفون بإعجازه و عدم القدرة على الإتيان بمثله، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين الّذين قالوا: بأنّه سحر عظيم.

و ثانيا: أنّ المعصومين (عليهم السّلام) أمرونا بالرّجوع إليه عند تعارض الخبرين، بل مطلقا، فلو كان رمزا فاقدا للظّهور، لم يكن للإرجاع إليه وجه أصلا.

و من هنا ظهر، أنّ دعوى كون ألفاظ القرآن من قبيل الألغاز و الأحاجي و من قبيل فواتح السّور من دون ظهور له و فهم شي‏ء منه، في غاية الوهن و السّقوط.

نعم، حيث إنّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و آله (عليهم السّلام) يفهمون من القرآن مطلقا- من المتشابهات و المحكمات و الظّواهر و البواطن- ما لا يفهمون منه غيرهم، فلا بدّ في العمل بظواهره من الرّجوع إلى الرّوايات و الفحص عن المنافيات و المعارضات، و هذا أمر آخر غير قابل للإنكار.

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 13 من أبواب الصّفات القاضي، الحديث 5، ص 136.

200

و لعلّ ردع أبي حنيفة و توبيخه، و كذا قتادة في الرّوايتين المتقدّمتين، إنّما هو لأجل استقلالهما في الفتوى و استدلالهما بلا الرّجوع إلى النّصوص، و بلا التّفحّص عن المعارض.

كيف، و قد أشرنا آنفا إلى أنّهم (عليهم السّلام) كانوا قد يرجعون إلى الكتاب المبين في موقف التّعارض بين الخبرين، بل مطلقا، كما أنّهم (عليهم السّلام) كانوا قد يشيرون إلى الاستدلال به و ينبّهون عليه، و قد ورد ذلك في روايات:

منها: رواية عبد الأعلى مولى آل سام، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ، قال اللّه تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، امسح عليه» (1).

و منها: رواية زرارة، قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): أ لا تخبرني من أين علمت و قلت: إنّ المسح ببعض الرّأس، و بعض الرّجلين؟ فضحك (عليه السّلام) فقال (عليه السّلام) يا زرارة! قاله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و نزل به الكتاب من اللّه عزّ و جلّ ... فقال تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏ فعرفنا حين قال تعالى: بِرُؤُسِكُمْ‏ أنّ المسح ببعض الرأس لمكان «الباء»، ثمّ وصل الرّجلين بالرّأس ... فقال تعالى: وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏ فعرفنا حين وصلهما بالرّأس أنّ المسح على بعضهما» (2).

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 1، كتاب الطّهارة، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 5، ص 327.

(2) وسائل الشّيعة: ج 1، كتاب الطّهارة، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 1، ص 290 و 291.

201

و منها: رواية حريز، قال: «كانت لإسماعيل بن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) دنانير و أراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن، فقال إسماعيل: ... أ فترى أن أدفعها إليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يا بنيّ! أما بلغك أنّه يشرب الخمر، فقال إسماعيل: هكذا يقول النّاس ... فقال (عليه السّلام) يا بنيّ! إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول في كتابه:

يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ يقول: يصدّق اللّه و يصدّق للمؤمنين، فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم، و لا تأتمن على شارب الخمر، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول في كتابه: وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ‏ فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر! ...» (1).

فالإنصاف: يقتضي عدم الحكم بظهور الأخبار المذكورة في النّهي عن العمل بظاهر الكتاب بعد الفحص و التّتبع في سائر الأدلّة، خصوصا الرّوايات الواردة عن المعصومين (عليهم السّلام).

و لقد أجاد شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) فيما أفاده في المقام، حيث قال: «إنّ إنكار وجود الظّواهر في الآيات القرآنية خلاف الوجدان؛ إذ فيه آيات كثيرة ظاهرة في المقصود غاية الظّهور. نعم، لا يجوز الأخذ بظهور الكتاب إلّا بعد الفحص عن المخصّص و المقيّد و نحوهما، و هذا أمر آخر، لا يرجع إلى إنكار حجّيّة ظهوره، بل يؤكّدها، كما لا يخفى» (2).

هذا تمام الكلام في الوجه الأوّل من الاستدلال على مقالة الأخباري.

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 13، كتاب التّجارة و الوصيّة، الباب 6 من أبواب أحكام الوديعة، الحديث 1، ص 230.

(2) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

202

الوجه الثّاني: دعوى احتواء القرآن على مطالب غامضة و مضامين شامخة بحيث لا يكاد تصل إليها أيدي الأعالي، فضلا عن الاوساط و الأداني.

و ربما يستشهد لهذا الوجه- أيضا- برواية عبد الرّحمن بن الحجّاج، قال:

«سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: ليس شي‏ء أبعد من عقول الرّجال عن القرآن» (1).

و رواية جابر، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يا جابر! إنّ للقرآن بطنا، و للبطن ظهرا، و ليس شي‏ء أبعد من عقول الرّجال منه، إنّ الآية لينزل أوّلها في شي‏ء، و أوسطها في شي‏ء، و آخرها في شي‏ء، و هو كلام متصرّف على وجوه» (2).

هذا الوجه- أيضا- كالوجه السّابق يرجع إلى إنكار الصّغرى و أصل ظهور الكتاب، و لكن ضعفه واضح؛ إذ مضافا إلى ما عرفت في ردّ الوجه الأوّل و إبطاله، أنّ اشتمال القرآن على الغوامض و المعاني العالية، لا ينافي ظهور آيات ظاهرة في الأحكام من الأوامر و النّواهي.

و لقد أجاد السّيّد البروجردي (قدّس سرّه) فيما أفاده في المقام، حيث قال، ما حاصله: إنّ اشتمال المذكور و إن كان مسلّما، إلّا أنّه لكونه كتاب الإرشاد و الهداية انزل على وجه يفيد تلك المطالب العالية لمن عرف اللّغة العربيّة، و القياس بكلمات الأوائل قياس مع الفارق، لكون كتبهم كتبا علميّة محضة، ليست للإرشاد و الهداية، بخلاف كتاب اللّه عزّ و جلّ، فإنّه كتاب انزل للإرشاد و الهداية و لبيان صلاح الامّة و فساد العامّة. (3)

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 63، ص 149.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 74، ص 150.

(3) راجع، نهاية الاصول: ص 480 و 481.

203

الوجه الثّالث: دعوى اشتمال الكتاب للمتشابه الّذي ورد المنع عن اتّباعه.

و واضح، أنّ المتشابه شامل للظّاهر- أيضا- و لا أقلّ من احتمال شموله لتشابه المتشابه و إجماله.

توضيح ذلك: أنّ اللّه تعالى منع و نهى عن اتّباع المتشابه بقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ‏ (1) و المراد من المتشابه هو ما يحتمل فيه الخلاف مقابل المحكم و هو النّص الّذي لا يحتمل فيه الخلاف أصلا و لو كان ضعيفا.

و عليه: فالظّاهر الّذي يحتمل فيه الخلاف و لو كان ضعيفا، مشمول للمتشابه و لا أقلّ من احتمال ذلك، و اندراج الظّاهر تحته باعتبار تشابه المتشابه و إجماله و كونه غير ظاهر المراد، فيشكّ في حجّيّة الظّاهر، و قد مضى في مبحث تأسيس الأصل، أنّ مقتضاه عدم جواز العمل بما هو مشكوك الحجّيّة.

هذا الوجه، كما ترى، يرجع إلى منع الكبرى، و إنكار حجّيّة ظهور الكتاب، و قد أجاب عنه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) بقوله: «أمّا الثّالثة، فللمنع عن كون الظّاهر من المتشابه، فإنّ الظّاهر كون المتشابه هو خصوص المجمل و ليس بمتشابه و مجمل» (2).

و فيه: أوّلا: أنّه يلزم على هذا المعنى أن يكون المحكم المقابل للمتشابه، بمعنى المبيّن بقرينة المقابلة في قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏ (3) فيندرج الظّاهر كالنّص تحت عنوان المحكم المبيّن، لا تحت المتشابه‏

____________

(1) سورة آل عمران (3)، الآية 7.

(2) كفاية الاصول: ج 2، ص 61.

(3) سورة آل عمران (3)، الآية 7.

204

المبهم المجمل، و هذا باطل، و الوجه فيه- كما أفاده العلّامة الطّباطبائي (قدّس سرّه)(1)- أنّ خصوصيّة المحكم ليست وضوح ظاهره و بيانه، بل إحكامه، و لذا وصف اللّه تعالى في الآية المتقدّمة بأنّ المحكمات أمّ الكتاب، و الامّ، بمعنى: المرجع، فتكون المحكمات تامّة في نفسها ترجع إليها بقيّة الآيات ممّا لا إحكام و لا ثبات في ظاهرها.

و ثانيا: أنّ ظاهر القرآن ليس ممنوعا اتّباعه، خصوصا بالنّظر إلى ما عرفت في الجواب عن الوجه الأوّل: من أنّ الأئمّة (عليهم السّلام) أرجعوا النّاس إلى الكتاب بعرض الأخبار المتعارضة عليه، و قد أمروا بطرح ما هو المخالف له. و واضح، أنّ المقصود من المخالفة هو كون الرّواية مخالفا لظاهر الكتاب لا نصّه.

و ثالثا: أنّه ورد عنهم (عليهم السّلام) في موارد خاصّة، أخبار دالّة على جواز التّمسّك بظاهر القرآن، و قد تقدّم ذكر هذه الأخبار، فراجع.

الوجه الرّابع: دعوى أنّ القرآن و إن كان ظاهرا بالذّات، إلّا أنّه صار مجملا بالعرض؛ للعلم الإجماليّ بطروّ التّخصيص و التّقييد و التّجوّز في غير واحد من ظواهر القرآن. و عليه: فتكون ظواهره مجملات حكما؛ لمانعيّة العلم الإجماليّ المذكور عن العمل بها.

هذا الوجه- أيضا- كالوجه السّابق ممّا يرجع إلى إنكار الكبرى.

و فيه: أنّا لا ننكر هذا العلم الإجماليّ، إلّا أنّه لا يقتضي سقوط الظّاهر عن الحجّيّة بالمرّة، بل يوجب الفحص عن المخصّص و المقيّد و القرينة، و نحن لم ندّع حجّيّة الظّواهر و جواز العمل بها بلا فحص و مراجعة، بل نقول بها بعده، كما هو الشّأن في‏

____________

(1) راجع، حاشية الكفاية: ص 207 و 208.