مفتاح الأصول‏ - ج3

- الشيخ اسماعيل الصالحي المازندارني المزيد...
397 /
205

العمل بالسّنّة؛ إذ العلم الإجماليّ المذكور، موجود فيها- أيضا- بلا شبهة.

و من المعلوم: أنّ متعلّق العلم الإجماليّ ليس مردّدا بين مطلق الأمارات حتّى لا ينحلّ بمقدار ما نجده فيما بأيدينا من الأخبار، بل يكون مردّدا بين ما بأيدينا من الأمارات، بحيث لو تفحّصنا عنه في هذه الدّائرة لظفر نابه البتّة، فإذا تفحّصنا في الأخبار و لم نجد فيها مخصّصا أو مقيّدا أو قرينة على تجوّز، علمنا أنّه لم يكن من أطراف العلم الإجماليّ، فنتمسّك بظاهر القرآن حينئذ بلا إشكال.

و لقد أجاد شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) فيما أفاده في المقام، حيث قال: «إنّ العلم الإجمالي الكبير بوجود التّخصيص و نحوه في الواقع و نفس الأمر و في دائرة مطلق الأمارات، مقرون بعلم إجماليّ صغير و هو العلم بالتّخصيص و نحوه، في دائرة ما بأيدينا من الأمارات، بحيث لو تفحّصنا عنه لظفر نابه، فينحلّ ذاك الكبير بهذا الصّغير.

و إن شئت، فقل: إنّا نقطع بأنّ المخصّصات و المقيّدات و القرائن على التّجوّزات المخالفة للظّواهر، تكون موجودة في ما بأيدينا من الأخبار و الرّوايات بحيث لو تفحّصنا عنها لظفرنا بها، و أمّا وجود مخصّصات و نحوها في الواقع غير واصلة إلينا، فلا علم لنا به، لا تفصيلا و لا إجمالا. و عليه: فلا يجب الفحص إلّا في دائرة العلم الإجماليّ الصّغير الّذي ينحلّ به العلم الإجماليّ الكبير، و حينئذ ينطبق المعلوم بالاجمال، بعد الفحص و الظّفر، على وجود المخالف، و يتعيّن هو بهذا المقدار، فينتهي أمر العلم الإجماليّ إلى الانحلال، و تجري الاصول اللّفظيّة من أصالة العموم و الإطلاق و الحقيقة، في غير مورد الظّفر بالمخالفة، بلا منع و شبهة» (1).

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

206

الوجه الخامس: دعوى أنّ الأخبار النّاهية عن التّفسير بالرّأي، شاملة لحمل الكلام الظّاهر في معنى، على إرادة ذلك المعنى، و هذه الأخبار متواترة كثيرة:

منها: ما عن الصّادق (عليه السّلام) عن آبائه: «إنّ أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن على (عليهما السّلام)، يسألونه عن «الصّمد» فكتب (عليه السّلام) إليهم، بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. أمّا بعد، فلا تخوضوا في القرآن، و لا تجادلوا فيه، و لا تتكلّموا فيه بغير علم، فإنّي سمعت جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: من قال في القرآن بغير علم، فليتبوأ مقعده من النّار» (1).

و منها: ما عن عبد الرّحمن بن السّمرة، قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لعن اللّه المجادلين في دين اللّه على لسان سبعين نبيّا، و من جادل في آيات اللّه، كفر ... و من فسّر القرآن برأيه، فقد افترى على اللّه الكذب، و من أفتى النّاس بغير علم لعنته ملائكة السّماوات و الأرض، و كلّ بدعة ضلالة، سبيلها إلى النّار» (2).

و منها: ما روى العامّة عن النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحقّ، فقد أخطأ» (3).

هذا الوجه، كما ترى، راجع إلى المنع الكبروي- أيضا- و فيه: أوّلا: أنّ حمل الظّاهر ليس من باب التّفسير؛ إذ التّفسير عبارة عن كشف القناع، و لا قناع لمثل الظّاهر، كما هو واضح.

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 35، ص 140.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 37، ص 140 و 141.

(3) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 79، ص 151.

207

و ثانيا: أنّ المنهي المذموم هو التّفسير بالرّأي، الّذي معناه هو الاعتبار العقليّ الظّني الرّاجع إلى الاستحسان، بأن يحمل المفسّر، الآيات على خلاف ظواهرها، أو على أحد الاحتمالات؛ لأجل رجحانه في نظره القاصر و عقله الفاتر.

و من المعلوم: أنّ حمل ظواهر القرآن على معانيها اللّغويّة و العرفيّة، و كون تلك المعاني مرادات جدّيّة، لا يعدّ تفسيرا، و لو سلّم ذلك، لا نسلّم أنّه يكون تفسيرا بالرّأي.

و بالجملة: أنّ المستفاد من الرّوايات النّاهية، هو النّهي عن تفسير الآيات بالاعتبار العقليّ، و عن حمل الآيات على خلاف ظواهرها بمجرّد مساعدة ذلك الاعتبار عليه من دون السّؤال عن العترة و الآل (عليهم السّلام).

و يؤيّد ذلك، رواية اسماعيل بن جابر، عن الصّادق (عليه السّلام) قال: «... و إنّما هلك النّاس في المتشابه، لأنّهم لم يقفوا على معناه، و لم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم و استغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء» (1).

و رواية موسى بن عقبة: «أنّ معاوية أمر الحسين (عليه السّلام) أن يصعد المنبر، فيخطب، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: نحن حزب اللّه الغالبون و عترته نبيّه الأقربون، و أحد الثّقلين الّذين جعلنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثاني كتاب اللّه، فيه تفصيل لكلّ شي‏ء، لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و المؤوّل علينا في تفسيره لا نتظنّى تأويله، بل نتّبع حقائقه ... و قال عزّ و جلّ: لو ردّوه إلى الرّسول و إلى أولى‏

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 62، ص 147 و 148.

208

الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم» (1).

هذا كلّه مع ورود أخبار كثيرة آمرة بالرّجوع إلى القرآن الكريم و عرض الأخبار المتعارضة عليه، و كذا ورود أخبار كثيرة دالّة على جواز الاستظهار و استفادة حكم اللّه من الآية، كما تقدّم ذكرها.

و لا يخفى: أنّه لو لم يكن لظاهر القرآن حجّيّة، فما معنى الأمر بالتّمسّك به، كالتّمسّك بالعترة (عليهم السّلام)؛ ضرورة، أنّ معنى التّمسّك ليس إلّا الأخذ و العمل، و لا مجال لهما إلّا مع الحجّيّة.

الوجه السّادس: دعوى أنّ التّحريف واقع في القرآن فيحصل لنا العلم الإجماليّ به؛ و مع هذا العلم لا يبقى المجال للحمل على الظّاهر و العمل به، هذا الوجه- أيضا- ممّا يرجع إلى المنع الكبروى، و الجواب عنه، يتوقّف على تحرير محل النّزاع في التّحريف و أنّه بأيّ معنى أو بأيّ نحو يكون مورد الكلام و مصبّ النّقض و الإبرام، فنقول: إنّ التّحريف له أنحاء مختلفة: أحدها: حمل الكلام على غير ما قصد به من المعنى الحقّ، نظير تفسير قطع يد السّارق في قوله تعالى: السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما بقطع يده عن السّرقة بإعطائه من المال ما يكفي مئونته، مع أنّ المعنى الحقّ هو قطع الجارحة المخصوصة و إجراء حدّ السّرقة.

و هذا النّحو من التحريف المسمّى بالتّحريف المعنوي قد وقع في الكتاب و السّنّة في الأعصار الماضية، و في عصرنا هذا- أيضا- بل هذه شنشنة أهل البدع‏

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 45، ص 144.

209

و المذاهب الفاسدة، و لعلّ المراد من قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ‏ هو هذا النّحو من التّحريف.

ثانيها: استعمال القول و اللّفظ بوضعه في غير محلّه، بمعنى: نقل اللّفظ عن موضعه الّذي ينبغي أن يوضع فيه، إلى غيره. و لعلّ هذا النّحو من التّحريف- أيضا- هو المراد من قوله تعالى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ*.

ثالثها: تطبيق مفاد كلام اللّه عزّ و جلّ على غير ما هو مراده تعالى، كتطبيق قوله تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ‏ على أشقى الأشقياء و هو عبد الرّحمن بن ملجم المرادي، و كتطبيق قوله عزّ و جلّ‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى‏ ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ‏ على سيّد الموحّدين أمير المؤمنين (عليه السّلام)، مع أنّه سبحانه تعالى أراد عكس ذلك.

و هذا النّحو من التّحريف قد وقع كثيرا، كما لا يخفى عليك.

رابعها: زيادة الحروف أو الحركات، و كذا نقيصتهما مع حفظ القرآن و عدم ضياعه و إن لم يكن متميّزا في الخارج عن غيره، نظير قوله تعالى: ملك يوم الدّين مكان‏ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏ أو قوله عزّ و جلّ: بئس لاسم الفسوق مكان‏ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ‏ و هذا النّحو من التّحريف قد وقع في القرآن قطعا، بناء على عدم تواتر القراءات؛ إذ على هذا يكون القرآن المنزّل، مطابقا لإحداها، و الباقى، إمّا زيادة أو نقيصة فيه.

هذا ما قال به بعض الأعاظم (قدّس سرّه)(1)، و لكنّ الحقّ، أنّ تسمية اختلاف قراءة

____________

(1) البيان، ص 216.

210

القرآن باختلاف روايته، أولى من تسميته بالتّحريف.

خامسها: زيادة الكلمة أو الكلمتين أو نقيصتهما مع التّحفظ على نفس القرآن المنزّل، و هذا النّحو من التّحريف قد يدلّ على وقوعه إجماع المسلمين على إحراق «عثمان» لجملة من المصاحف و أمره لولاته بحرق جميع المصاحف غير ما جمعه؛ ضرورة، أنّ هذا دليل على أنّ تلك المصاحف كانت مخالفة لجمعه، و إلّا لم يكن لإحراقها وجه، و قد حقّق في محلّه، أنّ ما جمعه «عثمان» كان هو القرآن المنزّل على نبيّ الإسلام (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

فيعلم، أنّ هذا النّحو من التّحريف إنّما وقع في تلك المصاحف الّتي احرقت بأمر «عثمان» لا في القرآن الموجود بين المسلمين.

هذا- أيضا- ما قال به بعض الأعاظم (قدّس سرّه)(1)، و فيه: أنّ هذا النّحو من التّحريف ليس بتحريف حقيقة، بل اختلاف في القراءة، و «عثمان» لم يفعل إلّا وحدة القراءة، فلم يكن هناك تنقيص أو تزييد في القرآن بكلمة أو كلمتين، بل الاختلاف في ذلك الزّمان كان بحسب الحروف و الحركات، فيؤول هذا النّحو من التّحريف إلى النّحو الرّابع.

سادسها: زيادة آية أو سورة و كذا نقيصتهما مع التّحفظ على القرآن المنزّل و مع التّسلّم على قراءة النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إيّاه.

و هذا النّحو من التّحريف وقع- أيضا- في القرآن، كما في مورد «البسملة»، فقد تسالم علماء الإماميّة على قراءة النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لها قبل كلّ سورة، إلّا سورة البراءة،

____________

(1) البيان، ص 217.

211

و لكن اختلف علماء العامّة في كونها من القرآن أم لا، فذهب طائفة إلى الأوّل، و طائفة اخرى إلى الثّاني. و عليه: فقد وقع التّحريف في المنزل قطعا، إمّا بالزّيادة أو بالنّقيصة.

و فيه: أنّ مثل ذلك ليس بتحريف، بل هو اختلاف بين العلماء في بعض ما في القرآن هل هو جزء، أم لا؟

سابعها: زيادة بعض ما في المصحف الّذي بأيدينا، مع أنّه ليس من الكلام المنزل.

و هذا النّحو من التّحريف باطل؛ لإجماع المسلمين على عدم وقوعه.

ثامنها: النّقيصة و الإسقاط في نفس القرآن المنزّل.

تاسعها: التّصحيف و هي زيادة نقط القرآن أو نقيصتها أو تغيير موضع منها.

إذا عرفت تلك الأنحاء التّسعة، فنقول: إنّ محل النّزاع و مورد النّهي و الإثبات في المقام، هو النّحو الثّامن و التّاسع من التّحريف، فقد يقال: بوقوعه في القرآن، كما عن بعض الأخباريين، و لكنّ المعروف بين الامّة الإسلاميّة عدم وقوعه و هو الحقّ المختار؛ بداهة، أنّ القرآن الّذي بأيدينا هو نفس المنزل على النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كما هو المشهور بين علماءنا حتّى قال الصّدوق (قدّس سرّه): إنّه يكون من معتقدات الإماميّة، و قد صرّح (قدّس سرّه) جمع من الأساطين بعدم وقوعه- أيضا- كالسّيّد المرتضى و الشّيخ الطّوسي و الطّبرسي (قدّس سرّه). (1)

و بالجملة: أنّ مزعمة التّحريف بل مظلمته، موهومة لا يساعدها العقل و النّقل، فلا ينبغي الإطناب و الإطالة في إثبات امتناعه و استحالته.

____________

(1) و قد تعرّض العلّامة البلاغي (قدّس سرّه) آراء الأعلام في المقام و بسط الكلام فيه بما لا يخلو من فائدة، فراجع، تفسير آلاء الرّحمن، ص 25 و 26.

212

تتميم‏

هل الاختلاف في القراءة يوجب الإخلال بحجّيّة ظهور الكتاب، أم لا؟

و التّحقيق يقتضي أن يقال: إنّه لا كلام، فيما إذا لم يوجب الاختلاف في القراءة اختلافا في الظّهور، كما في كلمات: «الصّراط» و «بسطة» و «كفوا» و «ضعف» و أمثال ذلك، إنّما الكلام فيما إذا أوجب الاختلاف فيها اختلافا في الظّهور، بحيث ينجرّ إلى الاختلاف في الحكم- أيضا- كما في كلمة: «يطهرن» في قوله عزّ و جلّ: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏ (1) فعلى قراءتها بالتّشديد تكون ظاهرة في توقّف المقاربة بعد النّقاء على وجوب الاغتسال، و على قراءتها بالتّخفيف تكون ظاهرة في كفاية النّقاء و انقطاع الدّم في المقاربة، فنقول: إنّ هنا صور ثلاث:

الاولى: فرض ثبوت تواتر القراءات، و الحكم فيها هو الجمع بين القراءتين بحمل الظّاهر على النّص أو الأظهر، بأن يقال: إنّ قراءة التّخفيف يكون نصّا في النّقاء، و قراءة التّشديد ظاهرا في الاغتسال، فيحكم باستحباب الغسل و جواز المقاربة بمجرّد النّقاء، حملا للنّص على الظّاهر، و لو لا هذا الجمع، فلا بدّ من التّوقّف و الرّجوع إلى دليل آخر من النّص و الخبر إن كان، و إلّا فيرجع إلى الأصل العملي، و أمّا التّرجيح في السّند، فلا مجال له في الفرض، كما هو واضح.

الصّورة الثّانية: فرض عدم ثبوت تواتر القراءات، مع فرض ثبوت الملازمة بين جواز القراءة و جواز الاستدلال بكلّ قراءة.

____________

(1) سورة البقرة (2)، الآية 221.

213

و الحكم فيها- أيضا- هو الحكم في الصّورة الاولى.

الصّورة الثّالثة: فرض عدم ثبوت تواترها، مع فرض عدم ثبوت الملازمة، أيضا.

و الحكم فيها هو التّوقف و الرّجوع إلى العموم، كقوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ‏ (1) هذا إذا ثبت العموم في كلمة: «أنّى» و إلّا فيرجع إلى استصحاب حكم المخصّص و هو قوله عزّ و جلّ: وَ لا تَقْرَبُوهُنَ‏.

نعم، لو كان في المقام نصّ دالّ على جواز المقاربة بعد النّقاء و قبل الاغتسال يؤخذ به، و لا يرجع إلى استصحاب حكم المخصّص؛ و النّص موجود هنا، كما أفتى به المشهور، على أنّ الحيض بمعنى سيلان الدّم، و التّطهر منه يكون بمعنى الانقطاع و عدم السّيلان لا الاغتسال؛ و التّحقيق موكول إلى محلّه.

فتحصّل: أنّ الاختلاف في القراءة الموجب للاختلاف في الظّهور، يوجب الإخلال بجواز التّمسّك و الاستدلال بالكتاب على تقدير عدم ثبوت تواتر القراءات، و عدم ثبوت الملازمة بين جواز القراءة و جواز الاستدلال، و أمّا على تقدير ثبوت أو ثبوت الملازمة مع فرض عدم ثبوت التّواتر، فالاختلاف في القراءة حينئذ لا يوجب الإخلال بجواز التّمسّك و الاستدلال بالكتاب، فيقع التّعارض بين القراءتين و يقال: بالجمع بينهما بالنّهج المتقدّم إن أمكن، و إلّا فالمرجع هو العموم أو الأصل.

ثمّ إنّه لا يخفى عليك: أنّ تواتر القرآن ثابت و لا طريق إلى ثبوته إلّا التّواتر، كما أطبق عليه المسلمون بجميع نحلهم و مذاهبهم، و أمّا تواتر القراءات، فالحقّ عدم‏

____________

(1) سورة البقرة (2)، الآية 222.

214

ثبوته و هو المعروف عند الشّيعة و جماعة من محقّقي أهل السّنّة.

و من المعلوم: عدم التّلازم بين تواتر القرآن و تواتر القراءات، لعدم التّنافي بين الاختلاف في كيفيّة الكلمة، و بين الاتّفاق على أصلها، كما أنّ الحقّ عدم حجّيّة القراءات و عدم جواز الاستدلال بها على الحكم الشّرعي و لو قيل: بجواز القراءة بكلّ واحدة من القراءات.

تنبيهان‏

الأوّل: أنّ الظّواهر بعد إثبات حجّيّتها تكون علوما عاديّة تقوم مقام العلوم الحقيقيّة، و يكون خروجها عن أصالة حرمة التّعبّد بالظّنّ أو أصالة عدم حجّيّة الظّنّ من باب التّخصّص لا التّخصيص؛ و لذا قلنا: بعدم تقيّد حجّيّة الظّهور، بشي‏ء من الظّنّ بالفعل، أو عدم الظّنّ بالخلاف، أو كون الشّخص مقصودا بالإفهام، و إلّا لصحّ الاعتذار عند المخالفة بأن يقول: إنّى ما كنت ظانّا بالفعل و أنّ المراد كذا، أو كنت ظانا بالخلاف و أنّ المراد غير هذا، أو لم أكن مقصودا بالإفهام، و هذا كلّه، كما ترى، غير مقبول عند العقلاء، فيعلم أنّ الحجّيّة غير مقيدة بأحد هذه الامور.

نعم، من كان عادته الاعتماد على القرائن المنفصلة، لا نأخذ بظاهر كلامه إلّا بعد الفحص. و عليه: فلا مجال لما عن المحقّق النّائيني (قدّس سرّه)(1) من أنّ بناء العقلاء ليس على التّعبّد بالظّواهر لو لم يحصل لهم الوثوق، و كذا لا مجال لما عنه (قدّس سرّه) من أنّ استخراج واقع مراد المتكلّم من ظاهر كلامه، لا يكون إلّا بعد الوثوق بأنّ الظّاهر هو المراد،

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 145.

215

و عليه بناء العقلاء.

هذا كلّه مضافا إلى أنّه لو كان المدار في حجّيّة الظّهورات على الوثوق الشّخصي، لاختلّ أمر المعاد و المعاش، و لو كان المدار على الوثوق النّوعي فهو حاصل بلا فرق بين ما إذا تعلّق الغرض باستخراج واقع مراد المتكلّم من ظاهر كلامه، و بين ما إذا كان الغرض هو الإلزام و الالتزام بالظّواهر في مقام الحجّة و الاحتجاج.

التّنبيه الثّاني: أنّ المدار في حجّيّة الظّهورات هو ظهور المركّبات، لا المفردات؛ إذ الكاشف عن المرام ليس إلّا الكلام بما له من النّسب و الضّمائم و القرائن المقاليّة أو الحاليّة أو المقاميّة؛ و لذا لا نأخذ بما يقتضيه وضع المفردات عند احتفاف الكلام بما يوجب الإجمال، و الإبهام في المراد و المرام. و هذا واضح لا يحتاج إلى البيان، هذا تمام الكلام في النّحو الأوّل من أنحاء الأمارات الّتي قيل: بخروجها عن الأصل (حرمة التّعبّد بالظّنّ) و هو ظواهر الكتاب و السّنّة.

قول اللّغوي‏

النّحو الثّاني: قول اللّغوي.

اعلم، أنّ البحث في خروج قول اللّغوي عن الأصل و كونه حجّة، أم لا؟

بحث صغرويّ، كما أنّ البحث السّابق (خروج ظواهر الكتاب و السّنّة عن الأصل و كونها حجّة، أم لا؟) بحث كبرويّ.

و الوجه في كون البحث في المقام صغرويّا هو أنّه متكفّل لتعيين الظّاهر، بأنّ‏

216

اللّفظ الكذائي، هل له ظهور في المعنى الكذائي، أم لا؟ نظير لفظ: «الصّعيد» حيث يبحث فيه أنّه هل يكون ظاهرا في التّراب الخالص أو في مطلق وجه الأرض؟ و نظير صيغة الأمر و النّهي، حيث يبحث فيها أنّها هل تكون ظاهرة في الوجوب و الحرمة، أم لا؟ و نظير كلمة: «يطهرن» حيث يبحث فيها أنّها هل تكون ظاهرة في مجرّد النّقاء من الحيض و إن لم تغتسل، أم لا؟

و الوجه في كون البحث السّابق كبرويّا، هو أنّه متكفّل لحجّيّة الظّاهر، بأنّ ظهور اللّفظ الكذائي في معناه، هل هو حجّة أم لا؟

إذا عرفت ذلك، فنقول: قد وقع الخلاف بين الأعلام في أنّه، هل يصحّ الرّجوع إلى قول اللّغوي في تعيين الظّاهر، أم لا؟ نسب إلى المشهور (1) حجّيّة قول اللّغوي بالخصوص في تعيين الأوضاع، و لكنّ الحقّ عدم حجّيّته، إلّا إذا حصل منه الوثوق.

و قد استدلّ للقول بالحجّيّة بوجوه:

الأوّل: الإجماع العملي من العلماء و اتّفاقهم على حجّيّة قول اللّغويّين برجوعهم إليهم في استكشاف المعنى، و استشهادهم بقولهم في مقام الاحتجاج و قطع مادّة المخاصمة و اللّجاجة، بلا نفي و إنكار بل مع قبول و استقبال.

و فيه: أنّ عملهم بقول اللّغويّين لو سلّم، لا يترتّب عليه فائدة؛ إذ أوّلا: يحتمل قويّا كون عملهم لأجل حصول الاطمئنان، لا مطلقا، كما يحصل ذلك عند المراجعة إذا اتّفقوا على معنى من المعاني و كان من المسلّمات عندهم، و لعلّه لذلك قال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه): «إنّ الاتّفاق لو سلّم، اتّفاقه فغير مفيد» (2).

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 65.

(2) كفاية الاصول: ج 2، ص 67.

217

و ثانيا: أنّ عملهم يتمّ فيما يتسامح فيه، نظير تفسير خطبة و بيان شعر و معنى حديث و نحوها ممّا لم يتعلّق بحكم شرعي، و أمّا في مقام استنباط الحكم الشّرعي فلا يتمّ، إلّا أن يحصل منه الوثوق.

الوجه الثّاني: الإجماع القولي على حجّيّة قول اللّغويّين.

و فيه: أوّلا: أنّ هذه دعوى بلا دليل؛ إذ لا عين و لا أثر من هذا البحث في كلمات كثير من الأعلام.

و ثانيا: أنّه ليس في مثل هذه المسألة إجماع تعبّدي كاشف عن رأي المعصوم (عليه السّلام) بل هذه المسألة كمسألة حجّيّة الظّهورات أو أخبار الآحاد، تكون من المسائل العلميّة الاصوليّة، لا من المسائل العمليّة الفقهيّة، فلا مجال فيها لدعوى الإجماع.

و ثالثا: لو سلّم ذلك، لكان مدركيّا أو محتمل المدركيّة، لاحتمال استناد المجمعين إلى سائر الأدلّة الّتي اقيم على إثبات حجّيّة قول اللّغوي، كالانسداد أو دليل حجّيّة قول الخبراء، أو دليل حجّيّة أخبار الآحاد، و الكلّ مخدوش كما سيأتي.

الوجه الثّالث: اتّفاق العقلاء بما هم عقلاء و استقرار سيرتهم على حجّيّة قول اللّغويّين، و المفروض- أيضا- عدم ورود ردع من جانب الشّريعة.

و فيه: أنّ الاتّفاق المذكور لو سلّم ثبوته، لما دلّ على حجّيّة قولهم مطلقا، بل لعلّ اتّفاقهم عليها لأجل حصول الاطمئنان و الوثوق من قولهم، و لعلّه لأجل ذلك نفى المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) هذا الاتّفاق- أيضا- بما تقدّم ذكره في ردّ الوجه الأوّل، فراجع.

218

الوجه الرّابع: دليل حجّيّة خبر الواحد.

و فيه: ما سيأتي التّحقيق من عدم تماميّة هذا الدّليل، مضافا إلى أنّ اللّغوي ليس مخبرا عن تعيين الظّاهر كي يؤخذ بقوله من باب حجّيّة خبر الواحد (بناء على حجّيّته في الموضوعات- أيضا-) بل هو من العادّين لموارد الاستعمال مجازا كان أو حقيقة.

الوجه الخامس: دليل حجّيّة قول أهل الخبرة.

و فيه: أنّ اللّغوي ليس من الخبراء في تعيين الظّواهر بالقرائن أو بالأوضاع، بل هو- كما عرفت آنفا- ممّن يحصى موارد الاستعمال، سواء كان حقيقيّا أو مجازيّا، كما لا يخفى، و ليس في كتب اللّغة غير هذا، فلو كان من أهل الخبرة لكان في هذه المرحلة فقط. اللّهمّ إلّا أن يقال: الحقيقة هو الأصل في الاستعمال، و هذا كما ترى، و لم يقل به أحد إلّا السّيّد المرتضى (قدّس سرّه)(1) مع أنّه يحتمل أن يكون مراده هو الاستعمال المطلق لا مطلق الاستعمال، فتأمّل و راجع كلامه.

الوجه السّادس: الانسداد الصّغير، بتقريب: أنّ أصل معاني اللّغات و الألفاظ و إن كان معلوما في الجملة في بعض الموارد، إلّا أنّها تكون مجهولة من حيث اتّساع دائرة انطباقها و عدم اتّساعها، فلا بدّ من الرّجوع إلى كتب أهل اللّغة حتّى ينكشف لنا، ما هو المراد من اللّغات الّتي تكون موضوعة لأحكام الشّرعيّة، و إلّا لزم الرّجوع، إمّا إلى الاحتياط، فيلزم العسر و الحرج، أو إلى الاصول النّافية، كالبراءة، فيلزم الخروج عن الدّين.

____________

(1) راجع، الذّريعة إلى اصول الشّريعة، ج 1، ص 13.

219

و فيه: أنّ انسداد باب العلم في بعض اللّغات و الموضوعات، إن استلزم انسداد باب العلم بمعظم الأحكام، رجع ذلك إلى الانسداد الكبير الموجب- لو تمّ- لحجّيّة مطلق الظّن، لا خصوص الظّنّ الحاصل من قول اللّغوي؛ و إن استلزم انسداد باب العلم ببعض الأحكام- بحيث لو رجعنا فيه إلى الاحتياط أو إلى الأصل النّافي لم يلزم محذور من العسر و الحرج أو الخروج من الدّين- لم يؤثّر شيئا، و لم يوجب اعتبار الظّنّ أصلا.

و الإنصاف: عدم الاستلزام إلّا في بعض الأحكام، بحيث لا يلزم من الأخذ بالقواعد في ذلك البعض محذور أصلا.

و لقد أجاد شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) فيما أفاده في المقام، حيث قال: «فيه ما لا يخفى: إذ لو استلزم انسداد باب العلم بمعاني الألفاظ، الانسداد الكبير في باب الأحكام بحيث يلزم تعطيل الدّين رأسا لو جرى الأصل النّافي كالبراءة، أو يلزم العسر و الحرج لو اخذ بالاحتياط، فالأمر كما ذكر، أعني: وجوب العمل بقول اللّغوي، لكن من باب حجّيّة مطلق الظّنّ، و إلّا فلا وجه لحجّيّة قوله و التّنزّل من العلم إلى الظّنّ في امتثال الأحكام، بل يجري في موارد الجهل و عدم العلم من هذه النّاحية أصل البراءة بلا لزوم تعطيل في أحكام الشّريعة أو يؤخذ بالاحتياط بلا لزوم عسر و حرج» (1).

هذا كلّه مع ما عرفت من: أنّ اللّغوي ليس من خبراء تشخيص الأوضاع و معرفة الحقائق و تمييز المجازات منها، بل هو من أهل التّتبع و الإحصاء لموارد

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

220

الاستعمال و الاطّلاع عليها، إلّا بعض من له اهتمام بتشخيص الأوضاع،- كما أنّ هذا إلى القاموس ينتهى- فلا حجّيّة حينئذ لقوله إلّا إذا حصل منه الوثوق لا مطلقا.

تنبيه‏

و اعلم، أنّ المقصود من الإحراز و الوصول المعتبر في حجّيّة الظّهور و وجوب اتّباعه، هو الأعمّ من العلم و الوثوق؛ و ذلك، لكون الوثوق علما عاديا، فكما أنّ العلم بالوضع لو حصل من قول اللّغوي، يكون علما بالدّلالة و الظّهور، فيوجب العلم بوجود ما هو حجّة قطعا، كذلك الوثوق بالوضع يكون وثوقا بالدّلالة و الظّهور، فيوجب الوثوق بوجود ما هو حجّة قطعا، و كما يجب اتّباع الحجّة المعلومة، كذلك يجب اتّباع الحجّة الموثوق بها الّتي تكون مندرجة تحت عنوان «المعلومة» عند العرف و العقلاء، و هذا عندي أمر واضح غاية الوضوح.

فلا مجال لاحتمال أنّ الوثوق الحاصل من قول اللّغوي يكون من الظّنّ الخارجي الموجب للظّنّ بالحكم فقط بلا كونه محرزا للظّهور، كما لا مجال- أيضا- لما عن المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) من أنّ الأقوى هو أنّ الوثوق الحاصل من قول اللّغوي يكون منشأ للظّهور (1) و ذلك لأن منشأ الظّهور و الدّلالة في الفرض هو الوضع، و الوثوق كالعلم يكون محرزا له لا منشأ.

فتحصّل: أنّ الوثوق بالوضع وثوق بالدّلالة و الظّهور، و معنى الوثوق بالوضع و الظّهور هو كونه محرزا لهما كالعلم بهما، لا كونه منشأ و موجبا لهما، إذ الوثوق‏

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 144.

221

لا يوجب انعقاد الظّهور كما لا يوجب انعقاد الإرادة و الحكم؛ و ذلك، لأنّ العلم و الظّنّ و الوثوق و نحوها يكون من الصّفات الحقيقيّة ذات الإضافة، فلا بدّ من معلوم أو مظنون أو موثوق به، في رتبة سابقة حتّى تتعلّق هذه الأوصاف بها، فالظّهور إمّا معلوم أو مظنون أو موثوق به، فلا مناص من كونه في رتبة سابقة على العلم و الظّنّ و الوثوق.

الإجماع المنقول‏

النّحو الثّالث: من أنحاء الأمارات الّتي قيل: بخروجها عن أصالة حرمة التّعبّد بالظّن هو الإجماع المنقول.

و التّحقيق في ذلك، يتوقّف على بيان أمر و هو أنّه اشتهر بين الأعلام: أنّ خبر الواحد يفارق عن قول الخبرة باشتراط حجّيّته بكون إخباره عن حسّ، بخلاف قول الخبرة، فإنّه حجّة و لو كان عن حدس. و عليه، فيندرج نقل الإجماع تحت خبر الواحد و يشمله أدلّة حجّيّته إذا كان ذلك النّقل عن حسّ.

تفصيل ذلك: أن الإخبار عن الشّي‏ء يكون على أقسام خمسة:

الأوّل: الإخبار عن حسّ، بلا إعمال شي‏ء من الحدس و الفكرة. و لا ريب، أنّ الحكم في هذا القسم هي الحجّيّة، لاندفاع احتمال الكذب تعمّدا، بعدالة المخبر أو وثاقته، و اندفاع احتمال الغفلة، بأصالة عدم الغفلة الّتي تكون من الاصول العقلائيّة.

الثّاني: الإخبار عن أمر محسوس، لكن مع احتمال استناد إخباره عنه إلى الحدس، لا إلى الحسّ، نظير الإخبار عن نزول المطر و هو أمر حسي، لكن يحتمل أنّ‏

222

المخبر لم يره، و مع ذلك أخبر عنه لاعتماده على المقدّمات المستلزمة للمطر، كالرّعد و البرق، و السّحب الممطرة.

و الحكم في هذا القسم، هل هي الحجّيّة أو عدمها؟ وجهان، بل قولان: ذهب جملة من الأعلام منهم المحقّق الخراساني و العراقي (قدّس سرّهما) إلى الأوّل؛ و ذهب شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) إلى الثّاني، فقال ما حاصله: إنّه مع الشّكّ في أنّ الإخبار، هل يكون عن حسّ أو حدس؟ يشكّ في الحجّيّة و لا أصل يحرز به كونه عن ذلك أو عن هذا، فالأصل عدم الحجّيّة، كما حقّق سابقا. (1)

و هذا هو الحقّ على ما سيأتي تحقيقه في مبحث حجّيّة خبر الواحد، فلا وجه ظاهرا لما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من قوله: «فإنّ عمدة أدلّة حجّيّة الإخبار هو بناء العقلاء و هم كما يعملون بخبر الثّقة إذا علم أنّه عن حسّ، يعملون فيما يحتمل كونه عن حدس، حيث إنّه ليس بناءهم إذا اخبروا بشي‏ء على التّوقّف و التّفتيش عن أنّه عن حدس أو حسّ، بل العمل على طبقه، و الجري على وفقه بدون ذلك». (2)

و كذا لا وجه لما عن المحقّق العراقي (قدّس سرّه) من قوله: «كما أنّه مع الشّكّ في كونه حدسيّا أم حسّيّا- أيضا- يلحق بالحسّ». (3)

القسم الثّالث: الإخبار عن حدس قريب من الحس فيما إذا لم يكن له مقدّمات بعيدة.

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

(2) كفاية الاصول: ج 2، ص 72.

(3) فوائد الاصول: ج 3، ص 147. انظر هامشه.

223

و الحكم في هذا القسم هو الحجّيّة؛ إذ يبعد في مثله احتمال الخطأ، و لو كان، لكان مندفعا بأصل العقلاء، كاندفاع احتمال تعمّد الكذب، بما أشرنا إليه في القسم الأوّل.

القسم الرّابع: الإخبار عن حدس مستند إلى الآثار و اللّوازم الحسّيّة الّتي تكون من آثار المخبر به و لوازمه حسب العرف و العادة، كالإخبار بالشّجاعة و العدالة و الكرم و اللّئامة، مستندا إلى آثارها المحسوسة العادية، و لوازمها الحسّيّة العرفيّة.

و الحكم في هذا القسم هو الحكم في القسم الأوّل من الحجّيّة، بلا ريب و شبهة؛ إذ الإخبار هنا و إن كان عن حدس، إلّا أنّه حيث كان مستندا إلى الآثار و اللّوازم الحسّيّة يكون ملحقا بالحس، فيجري ما حكم في الحسّ، هنا، أيضا.

القسم الخامس: الإخبار عن أمر محسوس مع كونه ناشئا عن حدس من سبب حسّي مستلزم لذلك الأمر المحسوس المخبر به، عند المخبر النّاقل و بنظره، مع كون ذلك السّبب مستلزما لذلك المخبر به عند المنقول إليه، فيحدس هو- أيضا- كالنّاقل.

و الحكم في هذا القسم هو الحجّيّة؛ إذ هو إخبار عن أمر حسّي و هو السّبب، و المفروض سببيّته و استلزامه للمخبر به عند المنقول إليه، أيضا.

القسم السّادس: الإخبار عن أمر محسوس ناش عن حدس من سبب حسّي مستلزم لذلك الأمر المحسوس المخبر به، عند المخبر النّاقل مع كون ذلك السّبب غير مستلزم لذلك المخبر به عند المنقول إليه.

و الحكم في هذا القسم هو عدم الحجّيّة؛ و ذلك، لاحتمال الخطأ في الحدس مع‏

224

عدم إحراز البناء من العقلاء على عدم الاعتناء بهذا الاحتمال. و من الواضح، أنّه لا يؤخذ بالإخبار مع عدم اندفاع احتمال الخطأ.

نعم، احتمال تعمّد الكذب مندفع بالعدالة، بل الوثاقة، و لكن هذا لا يستلزم اندفاع احتمال الخطأ و العثرة في الفكرة و الحدسة.

إذا عرفت تلك الأقسام السّتّة، فنقول: إنّه لا شكّ في أنّ نقلة الإجماعات لم يدركوا زمن الحضور، فلا يتأتّى لهم الإخبار عن رأي المعصوم (عليه السّلام) عن حسّ أو عن حدس قريب منه حتّى ينقلونه بلفظ: «الاجماع»؛ و ذلك، لأنّ الإجماع على أنواع خمسة، بعضها غير حاصل زمن الغيبة، و بعضها غير حجّة.

النّوع الأوّل: أنّ يسمّى بالإجماع الدّخولي، و المراد به اتّفاق جميع العلماء حتّى الإمام (عليه السّلام) أو اتّفاق عدّة منهم و فيهم الإمام (عليه السّلام)، فالنّاقل لمثل هذا الإجماع كأنّه نقل رأي المعصوم (عليه السّلام) عن حسّ، لدخول المعصوم (عليه السّلام) في المجمعين. هذا النّوع، كما ترى، و إن كان حجّة، إلّا أنّه غير حاصل في زمن الغيبة، و هو واضح.

النّوع الثّاني: أن يسمّى بالإجماع التّشرفيّ، و المراد به هو قول الإمام (عليه السّلام) وحده، بمعنى: أنّ واحدا من النّاس تشرّف بخدمة الإمام (عليه السّلام) و أخذ الحكم منه، إلّا أنّه لا يريد إظهار الأمر و يدّعي الإجماع لبعض دواعي الإخفاء. هذا النّوع- أيضا- ملحق بالنّوع الأوّل.

النّوع الثّالث: أن يسمّى بالإجماع اللّطفي، و المراد به اتّفاق الجميع غير الإمام (عليه السّلام) و لو في عصر واحد، فالنّاقل للإجماع حينئذ نقل رأي المعصوم (عليه السّلام) عن حدس من سبب مستلزم له بالملازمة العقليّة، بين اتّفاقهم على حكم و بين قول‏

225

الإمام (عليه السّلام) لأجل قاعدة اللّطف.

هذا النّوع و إن أمكن حصوله في زمن الغيبة، إلّا أنّه ليس بحجّة، و ذلك لعدم تماميّة قاعدة اللّطف؛ إذ أحسن ما قيل في تقريرها وجهان: الأوّل: ما ذكره الشّيخ الطّوسي (قدّس سرّه) من قوله: «متى اتّفق ذلك و كان على القول الّذي انفرد به الإمام (عليه السّلام)، دليل من كتاب أو سنّة مقطوع بهما، لم يجب عليه الظّهور، و لا الدّلالة على ذلك، لأنّ ما هو موجود من دليل الكتاب و السّنّة كاف في باب إزاحة التّكليف؛ و متى لم يكن على القول الّذي انفرد به (عليه السّلام) دليل، وجب عليه الظّهور أو إظهار من يبيّن الحقّ في تلك المسألة ...». (1)

الثّاني: ما ذكره المحقّق التّستري (قدّس سرّه) من قوله: «الثّالث من وجوه الإجماع أن يستكشف عقلا رأي الإمام (عليه السّلام) من اتّفاق من عداه من العلماء على حكم و عدم ردعهم عنه، نظرا إلى قاعدة اللّطف الّتي لأجلها وجب على اللّه تعالى نصب الحجّة المتّصف بالعلم و العصمة، فإنّ من أعظم فوائده، حفظ الحقّ و تمييزه من الباطل كي لا يضيع بخفائه و يرتفع عن أهله أو يشتبه بغيره، و تلقينهم طريقا يتمكّن العلماء و غيرهم، من الوصول به إليه و منعهم و تثبيطهم عن الباطل أوّلا، أو ردّهم عنه إذا أجمعوا عليه». (2)

و لكن أنت ترى ما في هذين الوجهين من الضّعف؛ إذ أوّلا: لا يتوقّف صحّة التّكليف- بعثا كان أو زجرا- إلّا على التّمكن و القدرة على الامتثال، فيعتبر فيه‏

____________

(1) عدّة الاصول: ج 2، ص 631 و 637.

(2) كشف القناع: ص 164.

226

وجود المقدّمات و الامور الموجبة للتّمكن و القدرة على الإطاعة و العصيان، كما أنّه يعتبر فيه عدم المقدّمات و الامور الموجبة لسلب الاختيار و القدرة.

و هنا امور اخرى لا دخل لها في التّمكن و القدرة، كما لا دخل لها في سلبهما و هي إمّا تكون من وظائف العبد، كتعلّم الأحكام، أو من شئون الرّب، كبيان الأحكام، بإنزال الكتب و إرسال الرّسل لكيلا يلزم نقض الغرض.

و عليه: فلا دليل على اعتبار الزّائد على ما ذكرناه في التّكليف، لا قاعدة اللّطف و لا غيرها، فلا يجب على الإمام (عليه السّلام) الأمين على الحلال و الحرام، إلّا بيان الأحكام بالطّرق المتعارفة المعتادة عند الأنام، و المفروض، أنّ الإمام (عليه السّلام) أدّى هذه الوظيفة بلا كلام، و أمّا إلقاء الخلاف عند اتّفاق العلماء على الخلاف، فلا دليل على أنّه- أيضا- كان من وظيفته حتّى يستكشف من عدم الإلقاء أنّ رأيه (عليه السّلام) موافق لرأي هؤلاء المجمعين و أنّه راض بما قالوا.

و ثانيا: أنّ ظهور الإمام (عليه السّلام) و تصرّفه (عليه السّلام) كأصل وجوده يكون لطفا قطعا، و مع ذلك لم يظهر بعد و لم يتصرّف؛ لمصلحة الاختفاء، فلا بدع في اختفاء بعض الأحكام لمصلحة فيه أو لعدم مصلحة في إظهاره، بل هذا أسهل و أولى من ذلك، كما لا يخفى.

و ثالثا: أنّ الإلقاء إمّا يكون مع إظهار الإمامة، فهو غير واقع، و لو سلّم الوقوع، فلا موقع للإجماع أصلا، كما لا يخفى، و إمّا يكون مع إخفائها، فهو غير نافع؛ إذ مقتضاه مخالفة شخص مجهول، فلا يترتّب عليه الفائدة، و لا ينحلّ به العقدة عند أرباب العقول.

227

و رابعا: أنّ اللّطف و إظهار الحقّ لو كان واجبا، لكان واجبا في كلّ موارد الخطأ في الأمارات و الاصول، و بالنّسبة إلى كلّ واحد من المكلّفين و ذوي العقول، و هذا، كما ترى، لا دليل عليه، لا في الفروع، و لا في الاصول.

النّوع الرّابع: أن يسمّى بالإجماع الحدسي، و المراد به- أيضا- كالنّوع الثّالث هو اتّفاق الجميع غير الإمام (عليه السّلام) و لو في عصر واحد، إلّا أنّ ناقل الإجماع هنا نقل رأي المعصوم عن حدس من سبب مستلزم له بالملازمة العادية بين اتّفاقهم على حكم، و بين قول الإمام (عليه السّلام)؛ و ذلك لتقريبين:

أحدهما: أنّ اتّفاق العلماء يستلزم القطع بقول المعصوم (عليه السّلام) و لا أقلّ من الاطمئنان عادة، لمكان تراكم الظّنون، فيحصل من قول فقيه، ظنّ ما، و من قول آخر موافق له، يتقوّى هذا الظّنّ، و هكذا إلى أن يصل إلى حدّ الاطمئنان، أو يحصل القطع، و هذا هو الحال في المتواتر من الأخبار، حيث إنّه يحصل ظنّ من إخبار شخص، فيتقوّى بإخبار بعد إخبار إلى أن يصل إلى حدّ الاطمئنان أو يحصل القطع.

ثانيهما: أنّ مقتضى العادة هو عدم انفكاك رأي الرّعيّة عن رأي الحاكم، و عدم انفكاك رأي المرءوسين عن رأي الرّئيس، و قد مثّل له الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) بقوله:

«أنّ من ورد في مملكة فرأى في كلّ بلد و قرية و كورة و ناحية منها، أمرا رائجا بين أجزاء الدّولة، كقانون النّظام- مثلا- يحدس حدسا قطعيا بأنّ هذا قانون المملكة و ممّا يرضى به رئيس الدّولة». (1)

و مثّل له- أيضا- بعض الأعاظم (قدّس سرّه) بقوله: «إنّ اتّفاق جميع الوزراء و جميع‏

____________

(1) أنوار الهداية: ج 1، ص 257.

228

أركان الحكومة على أمر، لا ينفكّ عن موافقة رأي السّلطان بحكم العادة». (1)

هذا النّوع- أيضا- بكلا التّقريبين مخدوش؛ إذ هو إنّما يتمّ إذا كان في عصر الحضور و بشرط المصاحبة و الملازمة، و إلّا فلا، و التّمثيلات قياسات مع الفارق، كما هو واضح.

و لقد أجاد السّيّد البروجردي (قدّس سرّه) فيما أفاده في المقام، حيث قال: «إنّا لا نسلّم تماميّة هذه الطّريقة بنحو الكليّة، بحيث يحكم بالملازمة العادية بين اتّفاق العلماء على أمر، و بين العلم بتلقّيهم ذلك من المعصوم (عليه السّلام) أو وصول دليل معتبر منه إليهم، أ لا ترى، أنّ علماء المعقول مع تعمّقهم و دقّة أنظارهم كثيرا ما اتّفقوا على بعض المسائل في أعصار متتالية ثمّ ظهر خلافها بالدّليل و البرهان.

نعم، لو كانت المسألة من المسائل النّقليّة المحضة و اتّفق عليه الفقهاء الّذين لا يتعبّدون إلّا بالنّقل طبقة بعد طبقة إلى عصر المعصومين (عليهم السّلام)، علم منه قهرا أنّهم تلقّوها منهم (عليهم السّلام) بعد ما أحرزنا أنّهم لم يكونوا ممّن يفتي بالقياس و الاستحسانات العقليّة و الاعتبارات الظّنّية، و لكن هذا الكلام يجري في المسائل الكلّيّة الأصليّة المبتنية على النّقل المحض، نظير بطلان العول و التّعصيب في المواريث الّذي هو من ضروريات فقه الشّيعة بتلقّيهم إيّاه من الأئمّة (عليهم السّلام).

و أمّا المسائل العقليّة المحضة، كالمسائل الكلاميّة، و كذا المسائل التّفريعيّة الّتي استنبطها الفقهاء من المسائل الأصليّة و القواعد الكليّة بإعمال النّظر و الاجتهاد، فاتّفاق العلماء فيها لا يكشف عن تلقّيها عن المعصومين (عليهم السّلام) بل يكون من باب‏

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2، ص 140.

229

التّوافق في الفهم و النّظر». (1)

النّوع الخامس: أن يسمّى- أيضا- بالإجماع الحدسي، و المراد به هو اتّفاق الجميع غير الإمام (عليه السّلام) كالنّوعين السّابقين، إلّا أنّ ناقل الإجماع هنا نقل رأي المعصوم (عليه السّلام) عن حدس، لا من باب الملازمة عقلا، لأجل قاعدة اللّطف، و لا من باب الملازمة العادية، بل من باب الملازمة الاتّفاقيّة، كما هو طريقة المتأخّرين. (2)

هذا النّوع و إن كان مقبولا في الجملة و لا ينبغي أن ينكر، إلّا أنّه ليس حجّة على وجه العموم و الكلّيّة؛ إذ المفروض، أنّ الملازمة هنا لم تكن عقليّة و لا عادية، بل تكون اتّفاقيّة، فتختلف باختلاف الأشخاص و الأحوال، فربّ شخص يستكشف من اتّفاق جمع قليل من الحجج، رأي الحجّة (عليه السّلام)، و ربّ شخص آخر لا يرى الملازمة أصلا، أو لا يستكشف رأي الحجّة (عليه السّلام) إلّا من اتّفاق علماء جميع الأمصار و الأعصار.

و بالجملة: الملازمة الاتّفاقيّة تكون مسلّمة، لا ينبغي إنكارها إلّا أنّها لا تثبت عموم الحجّيّة لإجماع الطّائفة.

فتحصّل: أنّ الإجماعات المنقولة لا تثبت حجّيّتها لنا على الوجه الكلّي، مضافا إلى أنّ جلّ هذه الإجماعات مبتنية على قواعد أو اصول أو إطلاقات أو عمومات قد يظنّ كونها متّفقا عليها، فتكون تلك الإجماعات مدركيّة؛ و لذا قد يدّعى الإجماع في مسألة، ثمّ يدّعى ما يعارضه من الإجماع- أيضا- في نفس المسألة، و من‏

____________

(1) نهاية الاصول: ص 534. الطّبعة الجديدة.

(2) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 69.

230

العجب أنّ المدّعي قد يكون شخصا واحدا.

و قد تصدى الشّيخ (قدّس سرّه) لنقل بعض الموارد من تلك الإجماعات، فراجع كلامه (قدّس سرّه). (1)

الشّهرة الفتوائيّة

النّحو الرّابع: من أنحاء الأمارات الّتي قيل: بخروجها عن أصالة حرمة التّعبّد بالظّنّ هي الشّهرة الفتوائيّة.

و الكلام هنا و إن كان في الشّهرة الفتوائيّة، إلّا أنّه لا بأس بذكر أقسام الشّهرة، و هي ثلاثة:

الأوّل: الشّهرة الرّوائيّة.

الثّاني: الشّهرة العمليّة.

الثّالث: الشّهرة الفتوائيّة.

أمّا الشّهرة الرّوائيّة، فالمراد بها اشتهار الرّواية بين الرّواة و أرباب الحديث بكثرة نقلها و تكرّرها في المنابع و الجوامع الرّوائيّة، يقابلها الشّذوذ و النّدرة؛ و هذه الشّهرة تكون من المرجّحات في باب التّعارض عند المشهور، استنادا إلى الرّوايتين:

إحداهما: مرفوعة زرارة، قال: «قلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان، فبأيّهما نعمل؟ قال: خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشّاذ النّادر ...» (2).

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 204 إلى 209، الطّبعة الجديدة.

(2) مستدرك الوسائل: ج 17، ص 303، الحديث 2.

231

ثانيتهما: مقبولة عمر بن حنظلة، قال: «فقال (عليه السّلام): ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الّذي حكما به، المجمع عليه عند أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشّاذ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ...» (1).

و التّحقيق في ذلك موكول إلى محلّه.

أمّا الشّهرة العمليّة، فالمراد بها استناد المشهور إلى رواية و عملهم بها في مقام الإفتاء، و هذه الشّهرة هي جابرة لضعف سند الرّواية عند المشهور، كما أنّ عدم استناد المشهور إلى رواية و إعراضهم عنها في مقام الإفتاء، يكون كاسرة و موهنا لها و لو كانت صحيحة أو موثّقة عند المشهور- أيضا- بحيث يقال: كلّ ما ازداد الخبر صحّة، ازداد ضعفا و وهنا، و قد خالف في ذلك بعض الأعاظم (قدّس سرّه). (2)

و سيأتي تحقيق المسألة في مبحث حجّيّة خبر الواحد.

أمّا الشّهرة الفتوائيّة، فالمراد بها اشتهار الفتوى بحكم بلا إحراز مستندها، و هذه الشّهرة هي المبحوث عنها في المقام من جهة كونها حجّة خارجة عن تحت أصالة حرمة التّعبّد بالظّنّ و عدم كونها كذلك.

و قد استدلّ على حجّيّتها بوجوه:

الأوّل: عموم تعليل قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (3) بتقريب: أنّ التّعليل يدلّ حسب‏

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 9 من أبواب صفات القاضى، الحديث 1، ص 75 و 76.

(2) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 143.

(3) سورة الحجرات (49)، الآية 6.

232

المنطوق على أنّ التّبيّن إنّما يجب في كلّ مورد كان العمل بخبر الفاسق سفاهة و جهالة، و يدلّ حسب المفهوم على أنّ التّبيّن لا يجب فيما لا يكون العمل به كذلك.

و من المعلوم: أنّ العمل بالشّهرة لا يكون فيه سفاهة فلا يجب التّبيّن فيها، و مقتضاه هو كونها حجّة، نظير خبر الواحد العدل أو الثّقة.

و السّر في عموم التّعليل هو أنّ العلّة كما تكون مخصّصة، نظير قولنا: لا تأكل الرّمان لأنّه حامض، كذلك تكون معمّمة، نظير قولنا: لا تشرب الخمر لأنّه مسكر، حيث يحكم بحرمة خصوص الرّمان الحامض في المثال الأوّل، و يحكم بحرمة كلّ مسكر في المثال الثّاني.

و فيه ما لا يخفى؛ إذ التّعميم في التّعليل- لو سلّم في بعض الموارد- لا يقتضي نفي الحكم عن غير مورد العلّة، إلّا إذا كان منحصرة، فوجوب التّبيّن في كلّ ما كان العمل به سفاهة لعموم التّعليل، لا يدلّ على عدمه في كلّ ما لا يكون العمل به سفاهة؛ و ذلك لإمكان وجوب التّبيّن فيه- أيضا- من جهة اخرى، كما أنّ الأمر كذلك في مثل: لا تشرب الخمر لأنّه مسكر، حيث إنّ الحكم بحرمة المسكرات كلّها بسبب عموم التّعليل، لا يوجب الحكم بحلّيّة كلّ ما لا يكون مسكرا.

أ لا ترى، أنّ النّجس لا يكون مسكرا، و لكن يحرم شربه أو أكله، و كذا مال الغير بلا إذنه ليس بمسكر، إلّا أنّه لا يجوز التّصرف فيه، إلى غير ذلك من الموارد المتعدّدة.

الوجه الثّاني: مقبولة عمر بن حنظلة، قال: «فقال (عليه السّلام): ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الّذي حكما به، المجمع عليه عند أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا،

233

و يترك الشّاذ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه؛ و إنّما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده، فيتّبع؛ و أمر بيّن غيّه، فيجتنب؛ و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه و إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ...» (1).

بتقريب: أنّ المراد من قوله (عليه السّلام): «المجمع عليه» هو المشهور لا الإجماع المصطلح، و تشهد على ذلك قرينة المقابلة و هي قوله (عليه السّلام): «و يترك الشّاذ الّذي ليس بمشهور»، و من المعلوم، أنّ مقتضى إطلاق المشهور شموله للشّهرة الفتوائيّة- أيضا- و حينئذ تدلّ المقبولة على اعتبار هذه الشّهرة و حجّيّتها.

و فيه: أوّلا: أنّ المراد من «المجمع عليه» هو المجمع على صدوره من المعصوم (عليه السّلام) و هو الخبر المعلوم صدوره، أو المطمئن بصدوره في قبال «الشّاذ النّادر» غير المعلوم صدوره أو غير المطمئن بصدوره؛ و يدلّ على ذلك قوله (عليه السّلام): «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» حيث علّل (عليه السّلام): «المجمع عليه» بكونه ممّا لا ريب فيه، و هذا لا يصدق إلّا على ما علم صدوره أو اطمئنّ بصدوره، كما يدلّ على ذلك- أيضا- قوله (عليه السّلام): «الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده، فيتّبع؛ و أمر بيّن غيّه، فيجتنب؛ و أمر مشكل، يردّ علمه إلى اللّه تعالى و إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» حيث طبّق (عليه السّلام) الأمر البيّن على الخبر المجمع عليه، فيكون معلوم الصّدور المقتضى لكونه حجّة قطعا، و في قباله الخبر الشّاذ الّذي يكون من قبيل الأمر المشكل، فيكون غير معلوم الصّدور فلا يكون حجّة، أو يكون لا حجّة.

و ثانيا: لو سلّم كون المراد من «المجمع عليه» هو المشهور، لكن إطلاقه‏

____________

(1) الاصول من الكافي: ج 1، باب اختلاف الحديث 10، ص 67 و 68.

234

للشّهرة الفتوائيّة ممنوع؛ إذ المفروض أنّ السّؤال في الرّواية وقع عن الخبرين المتعارضين، فإذا لا مناص من حمل الموصول في قوله: «المجمع عليه» على خصوص الخبر المشهور، قضاء لتطابق الجواب مع السّؤال.

الوجه الثّالث: مرفوعة زرارة، قال: «... قال (عليه السّلام): خذ بما اشتهر بين أصحابك» (1).

بتقريب: أنّ الموصول و هو كلمة: «ما» من المبهمات و معرّفه صلته و هي كلمة: «اشتهر» و إطلاقها يعمّ الشّهرة الفتوائيّة.

و فيه: أنّ المراد من المشهور هنا هو المعنى اللّغوي و هو «الظّاهر الواضح»، كما يقال: شهر فلان سيفه أو سيف شاهر فيما إذا ظهر و وضح سيفه، أو إذا كان السّيف ظاهرا و واضحا.

و عليه: فيحمل الموصول على خصوص الخبر الواضح صدوره، سواء كان ممّا يقطع بصدوره أو يطمئنّ به، و معناه، أنّ هذا الخبر هو الحجّة فيجب أخذه، و ما يكون في قباله و هو الخبر الشّاذ، ليس بحجّة فيجب تركه، و من هنا ليست شهرة أحد الخبرين المتعارضين من المرجّحات بأن ترجّح إحدى الحجّتين على الآخر، بل تكون من موهنات الآخر و مسقطاته عن الحجّيّة.

الوجه الرّابع: هي الفحوى و الأولويّة القطعيّة، بتقريب، أنّ الظّنّ الحاصل من الشّهرة الفتوائيّة أقوى من الظّنّ الحاصل من الخبر الواحد، كما لا يخفى، فالدّليل الدّال على حجّيّة الخبر يدلّ على حجّيّة الشّهرة الفتوائيّة بطريق أولى.

____________

(1) مستدرك الوسائل: ج 17، ص 303، الحديث 2.

235

و فيه: أوّلا: أنّ حجّيّة الخبر الواحد إنّما هي لأجل كونه إخبارا عن حسّ؛ و لذا يكون مطابقا للواقع غالبا، و هذا بخلاف الفتوى فإنّه يكون إخبارا عن حدس، فالقياس مع الفارق.

و إن شئت، فقل: إنّ الخبر الواحد حسّ و خبر، و الفتوى رأى و نظر، فلا مجال لقياس النّظر بالخبر، أو قياس الرّأي بالرّؤية.

و ثانيا: أنّه تقدّم منّا في مبحث حجّيّة الظّواهر، أنّ الخبر الواحد يكون علما عرفيّا خارجا عن أصالة حرمة التّعبّد بالظّنّ تخصّصا. و عليه، فليس حجّيّة الخبر لأجل إفادته للظّنّ كي يقال: الشّهرة الفتوائيّة تفيد ظنّا أقوى و أتم، فتكون حجّة بالأولويّة القطعيّة.

اللّهم إلّا أن يقال: إنّ الشّهرة الفتوائيّة- أيضا- تكون علما عاديا أو اطمئنانا عرفيّا، فهي- أيضا- كالخبر حجّة، خارجة عن الأصل تخصّصا.

فتحصّل: أنّ الوجوه الأربعة الّتي اقيمت على حجّيّة الشّهرة الفتوائيّة و خروجها عن تحت أصالة حرمة التّعبّد بالظّنّ، كلّها مخدوشة.

و التّحقيق في المقام يقتضي التّفصيل بين الشّهرة الفتوائيّة من القدماء (قدّس سرّهم)(1) فتكون حجّة، و بين الشّهرة الفتوائيّة من المتأخّرين‏ (2) فلا تكون حجّة.

أمّا حجّيّة الشّهرة من القدماء (قدّس سرّهم) فلأنّ فقههم (قدّس سرّهم) كان منصوصا مأثورا متلقّى‏

____________

(1) و هم قدماء الأصحاب إلى زمن الشّيخ الطّوسي (قدّس سرّه)، و قد يعبّر عن هؤلاء بالمتحفّظين على الاصول و المفتين بالمتون بلا تصرّف و تأويل.

(2) و هم المتأخّرون من زمن الشّيخ طوسي (قدّس سرّه) إلى زماننا هذا، و قد يعبّر عن هؤلاء بأصحاب الاجتهاد و أرباب التّفريعات و الفتاوى.

236

من المعصومين (عليهم السّلام) و كان ديدنهم ضبط الاصول المتلقّاة عنهم (عليهم السّلام) في كتبهم، و التّحفّظ عليها، و الإفتاء بمتون الأخبار، أو بما يقرب منها من دون إعمال الاجتهاد و النّظر بالوجه المتداول في العصور الأخر.

و عليه: فاشتهار الحكم و الفتوى بين هؤلاء، يكون فيه مناط الإجماع، بل ليس الإجماع إلّا هذا، فذلك الاشتهار كاشف قطعا أو اطمئنانا عن وجود نصّ معتبر، أو عن كون ذلك الحكم معروفا من لدن عصر المعصومين (عليهم السّلام) بحيث كان مسلّما مفروغا عنه و غير قابل للإنكار. هذا بالنّسبة إلى حجّيّة الشّهرة الفتوائيّة من القدماء (قدّس سرّهم). و قد عرفت: أنّ وزانها وزان الإجماع من القدماء (قدّس سرّهم).

و أمّا عدم حجّيّة الشّهرة من المتأخّرين، فلعدم دليل على حجّيّتها من باب حجّيّة الظّنون الخاصّة، و لا تكون كاشفة عن وجود الحجّة المعتبرة، بل وزانها وزان الإجماعات المتأخّرة، لابتناء التّفريعات و الفروع المستنبطة على الآراء و الاجتهادات.

الخبر الواحد

النّحو الخامس: من أنحاء الأمارات الّتي قيل: بخروجها عن أصالة حرمة التّعبّد بالظّنّ هو الخبر الواحد.

قبل الورود في تحقيق المقام ينبغي التّكلّم في أمرين:

الأوّل: في أنّ البحث عن حجّيّة الخبر الواحد، ممّا لا ريب في كونه من المسائل الاصوليّة؛ و ذلك، لأنّ هذا البحث ممّا يقع في كبرى استنباط الأحكام الشّرعيّة، بل هو المدار في استنباطها عصر الغيبة، و كذلك لا ريب في كون البحث عن حجّيّة الخبر

237

الواحد من أهمّ المسائل الاصوليّة؛ بداهة، أنّه لا يمكننا الوصول إلى الأحكام الشّرعيّة من طريق العلم الضّروري، سوى الأحكام الكلّيّة بنحو الإجماع، نظير أصل الوجوب في الصّلاة و الصّوم و أمثالهما، و أصل الحرمة في الخمر و الميسر و نظائرهما، كما لا يمكننا الوصول إليها غالبا من طريق الأخبار الّتي يقطع بصدورها، كالمتواتر أو المحفوف بالقرائن القطعيّة. و عليه، فينحصر إثبات الأحكام الشّرعيّة في مثل عصرنا هذا، بالأخبار الآحاد.

الثّاني: في تحرير محلّ الكلام، فنقول: إنّ الخبر الواحد الّذي يتوقّف عليه إثبات الأحكام، لا بدّ أن يكون تامّا من جهات ثلاث:

الاولى: أصل الصّدور، بمعنى: أنّه صادر عن المعصومين (عليهم السّلام).

الثّانية: جهة الصّدور، بمعنى: أنّه صادر لبيان الحكم الواقعي، لا للتّقيّة.

الثّالثة: حجّيّة الظّهور، بمعنى: أنّ الكلام الصّادر عنهم (عليه السّلام) ظاهر في كونه مرادا لهم (عليه السّلام) أيضا.

و لا ريب: أنّ المقصود من البحث عن الخبر الواحد في المقام هو إثبات تماميّة الخبر من الجهة الاولى فقط؛ و أمّا إثبات تماميّته من الجهة الثّانية، فيتكفّل له الاصول العقلائيّة الّتي تقتضي كون الكلام صادرا لبيان الحكم الواقعي؛ و أمّا إثباتها من الجهة الثّالثة، فالمتكفّل له هي أصالة الظّهور الّتي تكون من الاصول العقلائيّة الدّارجة بينهم في محاوراتهم.

إذا عرفت هذين الأمرين، فاعلم، أنّ مسألة حجّيّة الخبر الواحد و كونه صادرا عن المعصومين (عليهم السّلام) ذات قولين: قول بعدم الحجّيّة، و اختاره جمع من‏

238

قدماء الأصحاب منهم السّيّد المرتضى و ابن إدريس و ابن زهرة (قدّس سرّهم)(1)؛ و قول بالحجّيّة، و اختاره المشهور (2) من القدماء و المتأخّرين و هو الحقّ.

أمّا القول بعدم الحجّيّة، فقد استدلّ عليه بالكتاب و السّنّة و الإجماع:

أمّا الكتاب، فهي طوائف من الآيات، أهمّها ما دلّ على النّهي عن اتّباع غير العلم، كقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (3)، و قوله عزّ و جلّ: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* (4).

و فيه: أوّلا: أنّ هذه الطّائفة أجنبيّة عن مورد البحث؛ إذ هي ناظرة إلى موارد اصول العقائد الّتي لا بدّ للمكلّف من تحصيل العلم بالنّسبة إليها.

و ثانيا: لو سلّم ذلك، لكان موردها هو اتّباع غير العلم إذا لم يرد على حجّيّته دليل خاصّ، و سيأتي، إن شاء اللّه تعالى، إثبات حجّيّة الخبر الواحد غير المفيد للعلم بالأدلّة الخاصّة.

أمّا السّنّة، فهي على طوائف، منها: ما دلّ على عدم جواز الأخذ بالخبر إلّا إذا كان عليه شاهد أو شاهدان من الكتاب و السّنّة، كرواية عبد اللّه بن بكير، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السّلام) في حديث، قال: «إذا جاءكم عنّا حديث فوجدتم عليه شاهد أو شاهدين من كتاب اللّه، فخذوا به، و إلّا فقفوا عنده، ثمّ ردّوه إلينا حتّى يستبين لكم» (5).

____________

(1) راجع، نهاية الأفكار: ج 2، ص 102.

(2) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 78.

(3) سورة الإسراء (17)، الآية 36.

(4) سورة يونس (10)، الآية 36.

(5) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 18، ص 80.

239

و رواية عبد اللّه بن أبي يعفور، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به و منهم من لا نثق به، قال (عليه السّلام): إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إلّا فالّذي جاءكم به أولى به» (1).

و فيه: أنّ هذه الطّائفة و إن كانت ظاهرة في إثبات جواز العمل بخصوص الخبر الّذي له شاهد من الكتاب، و كذا ظاهرة في نفي جواز العمل بما ليس كذلك، إلّا أنّه لا معنى لإرادة هذا الظّاهر؛ ضرورة أنّه إذا كان للخبر شاهد من الكتاب أو السّنّة القطعيّة لما احتجنا إلى التّمسّك بالخبر. و عليه، فلا مناص من حمل هذه الطّائفة على مورد التّعارض و أخذ أحد المتعارضين إذا كان له شاهد من الكتاب و السّنّة و طرح الآخر الّذي لا يكون كذلك، و هذا أجنبيّ عن مورد الكلام.

و منها: ما دلّ على المنع عن العمل بالخبر المخالف للكتاب، نظير رواية السّكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ على كلّ حقّ، حقيقة، و على كلّ صواب، نورا، فما وافق كتاب اللّه، فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه، فدعوه» (2).

و رواية جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «الوقوف عند الشّبهة خير

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 11، ص 78، و لا يخفى أنّ في قوله (عليه السّلام): «إذا ورد عليكم حديث ... أو من قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» جزاء الشّرط محذوف، أي: فاقبلوه ...، راجع، الاصول من الكافي: ج 1، ص 69، الحديث 2، انظر هامشه.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10، ص 78.

240

من الاقتحام في الهلكة ... فما وافق كتاب اللّه، فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه، فدعوه» (1).

و فيه: أنّ هذه الطّائفة من الأخبار موردها هي الأخبار المخالفة للكتاب بنحو التّباين أو العموم من وجه، و أنت ترى، أنّ مورد النّزاع ليس من هذا القبيل؛ إذ بطلان العمل بالأخبار المباينة للكتاب الّتي وردت من طرق الدّساسين ممّا لا ينكره أحد و لا نزاع فيه، فالنّزاع إنّما هو في الأخبار الآحاد الّتي تخالف الكتاب بنحو العموم المطلق، فتكون مقيّدة للكتاب، أو مخصّصة له.

و واضح: أنّ الطّائفة المذكورة لا تشمل مثل هذا، كيف، و أنّ الضّرورة قائمة على ورود الأخبار الكثيرة المقيّدة أو المخصّصة.

و منها: ما دلّ على بطلان ما لا يوافق الكتاب، نظير رواية أيّوب بن راشد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «ما لم يوافق من الحديث، القرآن، فهو زخرف» (2).

و رواية أيّوب بن الحرّ، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: كلّ شي‏ء مردود إلى الكتاب و السّنّة، و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه، فهو زخرف» (3).

و الجواب عن هذه الطّائفة هو الجواب عن الطّائفة الثّانية؛ إذ المراد من عدم موافقة الخبر للكتاب، هو مخالفته عرفا، و هي لا تصدق إلّا إذا خالف الكتاب بنحو التّباين أو العموم من وجه.

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 35، ص 86.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12، ص 78.

(3) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14، ص 79.

241

أمّا الإجماع، فقد ادّعى السّيّد المرتضى (قدّس سرّه) أنّ العمل بالخبر الواحد كان بمنزلة العمل بالقياس عند مذهب الشّيعة، و كذا ادّعى الطّبرسي (قدّس سرّه) أنّه لا يجوز العمل بالظّنّ عند الإماميّة إلّا في بعض الموارد. (1)

و فيه: أوّلا: أنّ هذا الإجماع كان من الإجماعات المنقولة الّتي لم تثبت حجّيّتها، كما هو المقرّر في محلّه؛ و ثانيا: لو سلّم حجّيّة هذا الإجماع، لكان منقولا بالخبر الواحد، فلا يعقل التّمسّك بمثله لعدم حجّيّة الخبر الواحد؛ بداهة، أنّه يلزم من عدم حجّيّة الخبر الواحد عدم حجّيّة الإجماع المنقول به؛ و ثالثا: لو سلّم ذلك، لوقع التّعارض بين هذا الإجماع، و بين الإجماع المدّعى على حجّيّة الخبر الواحد، كما سيأتي؛ و رابعا: لو أغمضنا عن ذلك، لما كان معتبرا لأجل كونه مدركيّا، أو محتمل المدركيّة؛ و ذلك، إمّا لاستناد المجمعين إلى الآيات و الأخبار المتقدّمة أو لاحتمال استنادهم إليها. هذا كلّه في القول بعدم حجّيّة الخبر الواحد.

أمّا القول بحجّيّة الخبر الواحد، فقد استدلّ عليه- أيضا- بالأدلّة الثّلاثة:

من الكتاب و السّنّة و الإجماع.

أمّا الكتاب، فبآيات، أهمّها آيتان:

الاولى: آية النّبأ و هي قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (2).

تقريب الاستدلال به على حجّيّة الخبر الواحد يتمّ في ضمن امور:

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 246.

(2) سورة الحجرات (49)، الآية 6.

242

الأوّل: دلالة الاقتضاء، و قد يعبّر عنها بمناسبة الحكم و الموضوع، توضيحه:

أنّ وجوب التّبيّن و عدم القبول بدونه يناسب جهة فسق المخبر حيث لا يتحرّز معه عن المعاصي الّتي منها تعمّد الكذب، فوجب التّبيّن كي لا يتحقّق الإصابة بجهالة و الإصباح بندامة، و أمّا العدالة فإنّها حقيقة عاصمة مبعدة عن المعاصي الّتي منها تعمّد الكذب، و قضيّة ذلك حجّيّة خبر العادل و وجوب قبوله، و لزوم العمل على طبقه بلا حاجة إلى تبيّن و استبانة.

و بعبارة اخرى: الفسق يوجب عدم الاعتبار فيجب التّبيّن، و العدل يوجب الاعتبار فلا يجب التّبيّن.

و فيه: أنّ الظّاهر رجوع هذا الأمر إلى الأمر الآتي و هو مفهوم الوصف و تعليق الحكم، فيقال في مثل: أكرم العالم، إنّ العلم ممّا يناسبه وجوب الإكرام بخلاف الجهل، فيجب إكرام العالم، و لا يجب إكرام الجاهل. و سيأتي إن شاء اللّه الرّحمن، أنّ تعليق الحكم بالوصف لا يدلّ على العلّيّة المنحصرة. و عليه، فالآية لا تدلّ على حجّيّة خبر الواحد العادل بطريق الاقتضاء و المناسبة.

الأمر الثّاني: مفهوم الوصف، توضيحه: أنّ في الآية علّق وجوب التّبيّن عن النّبأ، بوصف الفاسق، و هذا يقتضي حسب المفهوم عدم وجوب التّبيّن عن نبأ غير الفاسق.

و فيه: أنّ مفهوم الوصف إنّما يدلّ على حجّيّة خبر العادل إذا تمّ دلالة تعليق الحكم بالوصف على العلّيّة، فضلا عن انحصارها؛ و الحقّ عدم تماميّة ذلك، و لو سلّم الإشعار بالعليّة، فلا نسلّم الظّهور فيها، و لو سلّم الظّهور فيها، فلا نسلّم الانحصار قطعا.

243

نعم، تعليق الحكم بالوصف يدلّ على أنّ الحكم ليس للطّبيعة بما هي و لو كانت عن الوصف عارية، و إلّا لزم اللّغويّة، و هذا المقدار من المفهوم مقبول البتّة، و لكن دلالته على كون الوصف علّة مستقلّة منحصرة، فليست بمقبول.

و واضح: أنّ المفهوم بمعنى الانتفاء عند الانتفاء يدور مدار الانحصار في العليّة.

الأمر الثّالث: مفهوم الشّرط، توضيحه: أنّ في الآية علّق وجوب التّبيّن عن الخبر، على مجي‏ء الفاسق به، و مقتضى ذلك حسب المفهوم هو انتفاء وجوب التّبيّن عند مجي‏ء غير الفاسق به، و هذا معنى حجّيّة خبر العادل.

و قد أورد على هذا الاستدلال بوجهين:

الأوّل: عدم وجود المقتضي في الآية للمفهوم.

و الثّاني: وجود المانع عن انعقاد المفهوم لو سلّم وجود المقتضي له.

أمّا الأوّل، فتقريبه: أنّ الشّرط هنا كالشّرط في المثالين المعروفين و هما «إن رزقت ولدا فاختنه»، «إن ركب الأمير فخذ ركابه» فكما أنّ الشّرط فيها إنّما سيق لبيان تحقّق الموضوع، كذلك الشّرط في الآية، و هذا لا يفيد إلّا انتفاء الموضوع بانتفاء الشّرط، فينفي الحكم حينئذ من باب القضيّة السّالبة بانتفاء الموضوع.

أ لا ترى، أنّ وجوب الختان منتف قهرا عند انتفاء رزق الولد و عدم تحقّقه في الخارج، و كذا وجوب أخذ ركاب الأمير منتف عند انتفاء ركوب الأمير و عدم تحقّقه في الخارج، و المقام يكون من هذا القبيل، فوجوب التّبيّن عن النّبأ منتف قهرا عند انتفاء مجي‏ء الفاسق به، و هذا غير المفهوم؛ بداهة، أنّ المفهوم إنّما يصدق في ما إذا

244

كان الشّرط من حالات الموضوع، لا من مقوّماته، نظير قولنا: إن جاءك زيد فأكرمه، بحيث ينتفي الحكم هنا بانتفاء شرطه من باب القضيّة السّالبة بانتفاء المحمول.

و إن شئت، فقل: إنّ الموضوع في الآية هو مجي‏ء الفاسق بالنّبإ، و الحكم فيها هو وجوب التّبيّن، فمع وجود الموضوع يترتّب عليه الحكم، و مع عدمه لا يترتّب، و هذا ليس من باب المفهوم، بل من باب السّلب بانتفاء الموضوع، فكأنّ اللّه تعالى قال: إن تحقّق نبأ الفاسق و وجد في الخارج، يجب التّبيّن، كما أنّ الموضوع في المثالين هو ولد المرزوق و الأمير الرّاكب، و الحكم فيهما هو وجوب الختان و أخذ الرّكاب، فمع وجود الموضوع يترتّب عليه الحكم، و مع عدمه لا يترتّب؛ و ذلك لا يكون من باب المفهوم، بل من باب السّلب بانتفاء الموضوع.

و الضّابط، أنّ الموضوع في القضايا الشّرطيّة لو لم يتقوّم بالشّرط، بل يبقى مطلقا حتّى مع انتفاءه، فالشّرط لا يكون مسوقا لبيان الموضوع، و لا من محقّقاته حينئذ، بل يكون من طواريه و حالاته، نظير «إن جاءك زيد فأكرمه» حيث إنّ الموضوع هو «زيد» و له حالتان: حالة المجي‏ء، و حالة عدم المجي‏ء. و عليه، فالقضيّة الشّرطيّة تكون ذات مفهوم بناء على بعض الأقوال.

و أمّا لو تقوّم الموضوع بالشّرط و كان باقيا ببقائه و فانيا بفنائه، فالشّرط حينئذ يكون مسوقا لبيان الموضوع و محقّقاته، كما في الآية. و عليه، فلا تكون القضيّة الشّرطيّة ذات مفهوم أصلا حتّى عند القائلين بمفهوم الشّرط.

و فيه: أنّ الموضوع في الآية- حسب الظّاهر- هو النّبأ، لا مجي‏ء الفاسق به، بل مجيئه به يكون شرطا للحكم الّذي هو وجوب التّبيّن عنه، بمعنى: أنّ للنّبإ حالتين:

245

حالة مجي‏ء الفاسق به، و حالة عدم مجي‏ء الفاسق به، كما أنّ لزيد في مثل «إن جاءك زيد» حالتين: حالة المجي‏ء، و حالة عدم المجي‏ء. و عليه، فلا يكون الشّرط في الآية مسوقا لبيان الموضوع و من محقّقاته له، بل يكون من حالاته.

و بعبارة اخرى: فرق واضح بين أن يكون الموضوع في الآية هو النّبأ الجائي به الفاسق، فالشّرط إذا مسوق لبيانه و يكون من مقوّماته؛ إذ التّقدير هكذا «إن تحقّق و وجد نبأ الفاسق في الخارج، يجب التّبيّن عنه» فلا مجال حينئذ لأخذ المفهوم، كما لا يخفي؛ و بين أن يكون الموضوع نفس النّبأ، فالشّرط و هو «مجي‏ء الفاسق بالخبر» يكون حينئذ من حالاته؛ إذ التّقدير هكذا «النّبأ إن جاء به الفاسق يجب التّبيّن عنه» فيفيد- بناء على وجود المفهوم الشّرط- النّبأ إن لم يجي‏ء به الفاسق لا يجب التّبيّن عنه، و هذا مساوق عرفا مع قولنا: «إن جاء به العادل لا يجب التّبيّن عنه» و ظاهر الآية هو كون الموضوع من هذا القبيل، خلافا للشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) حيث ذهب إلى أنّ الآية ظاهر في أنّ جملة الشّرطيّة مسوقة لبيان تحقّق الموضوع. (1)

و من هنا ظهر ضعف ما عن بعض الأعاظم (قدّس سرّه) من جعل الاحتمال في الآية ثلاثة، و تقوية الاحتمال الثّالث و هو كون الموضوع فيها هو الفاسق، فقال ما هذا لفظه: «و أمّا إن كان الموضوع هو الفاسق و له حالتان؛ لأنّ الفاسق قد يجي‏ء بالنّبإ و قد لا يجي‏ء به، و علّق وجوب التّبيّن على مجيئه بالنّبإ، و يكون مفاد الكلام حينئذ إنّ الفاسق إن جاءكم بنبإ فتبيّنوا، فلا دلالة للقضيّة على المفهوم، لأنّ التّبيّن متوقّف على مجيئه بالنّبإ عقلا، فتكون القضيّة مسوقة لبيان الموضوع؛ إذ مع عدم مجيئه بالنّبإ كان‏

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 257.

246

التّبيّن منتفيا بانتفاء موضوعه» (1).

وجه ظهور الضّعف، هو أنّه لا معنى لكون وجوب التّبيّن حكما للفاسق، فلا يصحّ أن يقال: يجب التّبيّن عن الفاسق، بل هو حكم لخصوص النّبأ و الخبر، لكن لا مطلقا، بل على تقدير كون الجائي به هو الفاسق لا غيره، كما أنّ الموضوع لحكم وجوب التّصدّق في المثال الّذي أشار إليه بعض الأعاظم (قدّس سرّه) بقوله: «إن أعطاك زيد درهما فتصدّق به» هو الدّرهم لا زيد، فيصير المعنى هو أنّه يجب عليك التّصدّق بالدّرهم لكن على تقدير إعطاء زيد إيّاك، لا مطلقا، فلا معنى لكون وجوب التّصدّق حكما لزيد و لا يصحّ أن يقال: زيد يجب التّصدّق به، و هذا بخلاف ما إذا قلنا: إن جاءك زيد، فأكرمه، فإنّ وجوب الإكرام يكون حكما لزيد، فيصحّ أن يقال: زيد يجب إكرامه، أو واجب الإكرام.

فتحصّل: أنّ دلالة الآية على المفهوم و هو عدم وجوب التّبيّن عن النّبأ على تقدير عدم مجي‏ء الفاسق به، تكون تامّة غير قاصرة، فلا مجال لمنع المقتضي للدّلالة و القول بالقصور من هذه النّاحية. هذا كلّه في الوجه الأوّل من الإيراد على الآية (عدم وجود المقتضي لأخذ المفهوم) و الرّد عليه.

أمّا الوجه الثّاني (وجود المانع عن انعقاد المفهوم) فتقريبه: أنّ المفهوم لو سلّم انعقاده، يعارضه عموم التّعليل- في ذيل الآية- بإصابة القوم بجهالة، بناء على كون الجهالة، بمعنى: عدم العلم بالواقع المشترك بين العادل و الفاسق.

وجه المعارضة هو أنّ مقتضى المفهوم على ما قرّر آنفا، عدم وجوب التّبيّن‏

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2، ص 161.

247

بالنّسبة إلى ما أخبره العادل، و نتيجة ذلك، هو حجّيّة خبره، و لكن مقتضى التّعليل في الذّيل، وجوب التّبيّن بالنّسبة إلى كلّ خبر لا يؤمن الوقوع في النّدم من العمل به، بلا فرق بين أن يكون المخبر عادلا أو فاسقا، و نتيجة ذلك، هو عدم حجّيّة خبر العادل- أيضا- فيقع التّعارض بينهما، و حيث كان التّرجيح إذا مع ظهور التّعليل، فيمنع عن اقتضاء الآية لأخذ المفهوم.

هذا، و لكن قد يقال: في دفع هذا الإيراد، بأنّ النّسبة بين المفهوم و العلّة، عموم مطلقا؛ و ذلك، لانحصار المفهوم في حجّيّة خبر العدل الّذي لا يفيد العلم، فهو أخصّ مطلقا، و العلّة تعمّ كلّ ما لا يفيد العلم من خبر العدل و غيره، فهو أعمّ مطلقا، فيخصّص بالمفهوم و ينتج حجّيّة خبر العدل بلا شبهة.

و فيه: أنّ تقديم الأخصّ- و إن كان مفهوما- على الأعمّ- و إن كان منطوقا- و حمل الأعمّ عليه بتخصيصه به، أمر مسلّم، إلّا أنّه يتمّ في فرض ثبوت المفهوم الاخصّ، و قد عرفت: أنّ اقتران المنطوق في الآية بالعلّة، مانع عن تحقّق المفهوم الأخصّ البتّة.

و إن شئت، فقل: إنّه لا مفهوم في البين حتّى يقع التّعارض بينه و بين عموم العلّة حتّى يعالج بجعل النّسبة بينهما عموما مطلقا فيخصّص عام العلّة بخاصّ المفهوم.

و التّحقيق: يقتضي أن يقال: في دفع ذلك الإيراد، بأنّ عموم التّعليل و منعه عن حصول المفهوم إنّما يتأتّى بناء على كون المراد من الجهالة هو الجهل و عدم العلم بالواقع المشترك بين خبر العادل و الفاسق، و أمّا بناء على كون المراد منها هي السّفاهة الّتي يقابل البصيرة و التّثبّت و التّأمّل، فلا يمنع عموم التّعليل عن حصول‏

248

المفهوم، و المفروض أنّ الجهالة في الآية إنّما هي بمعنى: السّفاهة لا الجهل.

كيف، و أنّها لو كانت بمعنى: الجهل، لزم تخصيص الحكم بما ثبتت حجّيّته شرعا و اعتباره عرفا و عقلاء و لو لم يكن علما، نظير فتوى الفقيه و رأي الخبير و شهادة البيّنة و ظواهر الكتاب و السّنّة و غير ذلك من الأمارات المعتبرة، و اللازم باطل قطعا؛ و الملزوم مثله، وجه بطلان اللّازم هو أنّ سياق الآية آب عن التّخصيص؛ و أنّه يلزم تخصيص الأكثر البتّة.

و بالجملة: الجهالة يكون بمعنى: الجهل الّذي يقابل العقل و الحكمة، لا العلم و المعرفة، و قد يعبّر عنها بالسّفاهة، و إلى هذا المعنى اشير في الآيات القرآنيّة، كقوله تعالى: قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ‏ (1) و قوله عزّ و جلّ: إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ‏ (2) و قوله جلّ جلاله:

وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (3).

هذا، و لكن قد استشكل‏ (4) على كون معنى الجهالة هي السّفاهة، بأنّه لو كان كذلك لما عمل أصحاب النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و هم عقلاء- بخبر الوليد الفاسق مع أنّهم عملوا به و رتّبوا عليه الأثر، كما عن الطّبرسي (قدّس سرّه) حيث قال: «قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ، نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في صدقات بني المصطلق، فخرجوا يتلقّونه فرحا به و كانت بينهم عداوة في الجاهليّة، فظنّ أنّهم همّوا

____________

(1) سورة الأعراف (7)، الآية 138.

(2) سورة هود (11)، الآية 29.

(3) سورة الفرقان (25)، الآية 63.

(4) فوائد الاصول: ج 3، ص 172.

249

بقتله، فرجع إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: إنّهم منعوا صدقاتهم، و كان الأمر بخلافه، و غضب النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و همّ أن يغزوهم، فنزلت الآية» (1).

و قد أجيب عنه، أوّلا: بأنّه لم يثبت من طرقنا أنّ الأصحاب عملوا بخبر الوليد؛ و ثانيا: بأنّه لو سلّم ذلك، لم يكن عملهم مع التّرديد و التّشكيك في ارتداد الوليد، بل لعلّهم كانوا عالمين معتقدين بوثاقته و عدالته، أو كانوا غافلين في تلك الحال عن فسقه و خروجه عن حريم العدالة، و لذا اعتمدوا على خبره و أرادوا تجهيز الجيش على قتال بني المصطلق.

و فيه: أنّ المذكور في القصّة على ما حكاها المفسّرون و منهم الطّبرسي (قدّس سرّه) هو أنّ شخص الوليد رجع إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: إنّهم منعوا صدقاتهم، مع أنّ الأمر خلاف ذلك، فغضب النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و همّ أن يغزوهم، و أنت ترى، أنّه لا عين و لا أثر في القصّة، من عمل الأصحاب بخبر الوليد حتّى يشكل بأنّ الأصحاب الّذين هم عقلاء كيف عملوا بخبره، مع أنّ العمل به بلا تبيّن يكون جهالة و سفاهة. و يجاب عنه، بأنّ عملهم كان إمّا لأجل اعتقادهم بعدالته، أو لغفلتهم عن فسقه، بل القصّة صريحة في كون الوليد مبعوثا إلى بني المصطلق من جانب نبيّ الرّحمة (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنّ شخصه رجع إليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أخبره بارتدادهم بمنع صدقاتهم.

لا يقال: كيف أرسل الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مثل هذا الشّخص الفاسق لأخذ الصّدقات و جعله وكيلا لنفسه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لهذه العمليّة الّتي تحتاج إلى كون العامل لها شخصا أمينا موثّقا.

____________

(1) مجمع البيان: ج 9، ص 132.

250

لأنّه يقال: إنّ القضيّة شخصيّة خارجيّة لا تعلم بجميع أبعادها و خصوصيّاتها، إلّا أنّ أصل نزول الآية المباركة في قصّة الوليد، أمر مسلّم و يكون مستفيضا من طرق الفريقين.

و كيف كان، ظاهر القصّة يقتضي همّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للغزو مع بني المصطلق، و لكن ظاهر الآية يقتضي همّ الأصحاب لذلك، و لعلّ أساطين الاصول الّذين تصدّوا لجواب الإشكال المقدّم، نظروا إلى ظاهر الآية و لم يعتمدوا إلى مقتضي القصّة المذكورة، و لعلّ القصّة بنظرهم مجعولة لتنزيه الوليد و تطهيره من الفسق و الخباثة.

ثمّ إنّ المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) قد أنكر المعارضة بين المفهوم و بين عموم التّعليل حتّى في فرض كون الجهالة بمعنى: الجهل المقابل للعلم، لا بمعنى السّفاهة؛ و ذلك، لا لأجل تخصيص مفهوم الجملة الشّرطيّة لعموم العلّة كي يقال: بإبائه عن التّخصيص بالمرّة، بل لأجل حكومة المفهوم على عموم العلّة، نظرا إلى أنّ عموم العلّة يقتضي عدم جواز العمل بغير العلم، و المفهوم يقتضي كون خبر العدل علما تعبّدا و تشريعا، فيكون العموم محكوما للمفهوم. و من المعلوم، أنّ المحكوم و لو كان أظهر أو كانت النّسبة بينه و بين الحاكم عموما من وجه، لا يعارض الحاكم المتصرّف في عقد وضعه بالتّوسعة و الإدراج، أو بالتّضيق و الإخراج، كالمفهوم في الآية المضيّق لموضوع عام العلّة و المخرج لخبر العادل عنه بجعله علما تعبّدا و تشريعا. (1)

هذا، و لكن يورد عليه: بأنّ معنى الحكومة هو النّظر و الشّرح، بالتّوسعة أو

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 172 و 173.

251

التّضييق في الموضوع بلحاظ ما له من الأثر و الحكم في الدّليل المحكوم، بمعنى: أنّ دليل الحاكم، تارة يثبت ذلك الأثر لغير موضوعه- أيضا- بلسان إثبات الموضوع، نظير «الطّوف بالبيت صلاة»، فتوجب التّوسعة لدائرة الموضوع و إدراج غيره فيه؛ و اخرى ينفيه عن بعض مصاديق الموضوع بلسان نفي الموضوع، نظير «لا ربابين الوالد و الولد» فيوجب التّضيق لدائرة الموضوع و إخراج بعض مصاديقه عنه، فإذا لا تنطبق الحكومة على المفهوم بالنّسبة إلى عموم العلّة؛ إذ عرفت: أنّ المستفاد في مورد الحكومة هو إثبات الموضوع أو نفيه أوّلا، ثمّ إثبات الحكم أو نفيه ثانيا؛ و الأمر في الآية على العكس؛ لأنّ المستفاد من منطوق الآية أوّلا: هو وجوب التّبيّن عن خبر الفاسق؛ و ثانيا: عدم اعتباره شرعا، فيكون مفاد المفهوم أوّلا: عدم وجوب التّبيّن عن خبر العادل؛ و ثانيا: اعتباره علما شرعا، فإذا يكون المفهوم مخصّصا لعموم العلّة، لا حاكما عليه. و قد علمت: أنّ التّخصيص ممّا يأباه عموم التّعليل، فيعود محذور المعارضة و منع عموم التّعليل عن انعقاد المفهوم.

و قد ظهر ممّا ذكرناه، أنّ الجواب الصّحيح عن إيراد المعارضة هو ما أشرنا سابقا، من أنّ معنى: الجهالة هي السّفاهة، لا الجهل و عدم العلم بالواقع كي يوجب عدم الفرق بين خبر العادل و الفاسق في وجوب التّبيّن.

هذا، و لكن الّذي يسهّل الخطب، أنّ الآية ليست في مقام بيان أنّ «خبر كذا» حجّة و «خبر كذا» ليس بحجّة، بل تكون ناظرة إلى النبأ و الخبر الخطير المهمّ الّذي لا ينبغي في مثله الإقدام و الاقتحام بلا تثبّت و رويّة، بل لا بدّ فيه من التّبيّن كي لا يلزم الإصابة بالجهالة و الإصباح بالنّدامة، و هذا لا فرق فيه بين الفاسق و العادل بلا شبهة،

252

و أمّا تخصيص الفاسق بالذّكر، فلأجل التّنبيه على فسق الوليد البتّة.

و يشهد على كون معنى النّبأ هو الخبر الخطير، قوله تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ‏ (1) و قوله عزّ و جلّ: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ‏ (2) و قوله جلّ جلاله: وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ‏ (3)

فتحصّل: أنّ آية النّبأ لا تدلّ على حجّيّة الخبر الواحد، أو لا تكون ظاهرة في حجّيّته ظهورا قويّا مطمئنّا يحتجّ به عند المخاصمة و المحاجّة سيّما مع اشتمال الآية على كلمتين و هما: «التّبيّن» و «النّبأ» فليست الآية «إن أخبركم فاسق» أو «إن حدّثكم فاسق» بل هي: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا و معناه: «إن جاءكم بأمر خطير مهمّ» بحيث لو كان لبان، فكأنّ هذا الخبر جاء من عند نفس الفاسق أو كأنّه اختلقه، و لا ريب، أنّ مثل ذلك يحتاج إلى التّبيّن. هذا تمام الكلام في الآية الاولى (آية النّبأ) المستدلّ بها على حجّيّة الخبر الواحد.

الآية الثّانية: آية النّفر و هي قوله عزّ و جلّ: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ (4).

تقريب الاستدلال بها على حجّيّة الخبر الواحد يتوقّف على بيان خمسة امور:

____________

(1) سورة النّبأ (78)، الآية 1 و 2.

(2) سورة ص (38)، الآية 67.

(3) سورة نمل (27)، الآية 22.

(4) سورة التّوبة (9)، الآية 122.

253

الأوّل: أنّ التّفقّه في الدّين كما يكون- في الأعصار المتأخّرة و عصرنا هذا- بالنّظر في الكتاب من ناحية الدّلالة، و في الخبر من ناحية الصّدور و الجهة و الظّهور، و بالاجتهاد و النّظر فيهما من ناحية الفحص عن المخصّص أو المقيّد أو المعارض و إعمال قواعد التّرجيح أو الرّجوع إلى الاصول العمليّة عند فقد الأمارات و الأدلّة الاجتهاديّة، كذلك كان في العصر المتقدّم و عصر الظّهور، لكن لا بهذا النّحو المبسوط المتداول في هذه الأزمنة، بل بنحو بسيط موجز، فكانوا (عليهم السّلام) قد يعلّمون بعض أصحابهم كيفيّة الاستدلال بالآيات لاستخراج بعض الأحكام، نظير قوله (عليه السّلام): لمّا قال زرارة: من أين علمت أنّ المسح ببعض الرّأس، «لمكان الباء» فعرّفه (عليه السّلام) طريق النّظر و الاجتهاد من ظاهر الكتاب و دلالة الآية.

الأمر الثّاني: أنّ الإنذار و إن كان منصرفا في بدو النّظر إلى بيان أحكام البرزخ و المعاد، إلّا أنّه يعمّ بأدنى تأمّل، إبلاغ الأحكام- أيضا- من الواجب و الحرام سيّما باعتبار كونه غاية للتّفقّه في الدّين الشّامل لجميع الأحكام من البرزخ و المعاد و أفعال العباد.

الأمر الثّالث: أنّ صدر الآية و هو قوله تعالى: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً و إن كان غير آب عن العموم المجموعيّ، بمعنى النّفر بهيئة الاجتماع، لكن ذيل الآية و هو قوله جلّ جلاله: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏ ظاهر في العموم الاستغراقي الأفراديّ؛ إذ المطلوب هو تفقّه كلّ فرد فرد من أفراد الطّائفة، لا تفقّه مجموعهم من حيث المجموع، فلا اعتداد بهيئة الاجتماع، و الأمر في الإنذار كذلك، بمعنى: أنّ المراد منه هو إنذار كلّ فرد فرد من المتفقّهين من كلّ طائفة لا مجموعهم من حيث المجموع،

254

و كذلك الأمر في الحذر، فالجمع فيه- أيضا- استغراقيّ أفراديّ.

و يتّضح حال هذا النّحو من الخطاب عند مقايسته بالخطابات العرفيّة، كأمر الوالد- مثلا- لأولاده بالنّفر للطّبابة أو التّجارة أو الزّراعة و غيرها، فلا يراد منه هو نفر مجموع الأولاد من حيث المجموع، بل يراد منه هو نفر كلّ واحد واحد منهم.

الأمر الرّابع: أنّ متعلّق كلمة: «لعلّ» يكون دائما من العلل الغائيّة لما قبلها، من غير فرق بين التّكوينيّات و التّشريعيّات، و بين الاختياريّات و غيرها.

و عليه: فإذا كان المتعلّق أمرا اختياريّا، كان حكمه حكم ما قبل كلمة: «لعلّ» من الوجوب أو النّدب، و حيث إنّ الإنذار يكون واجبا، فالحذر كذلك؛ إذ جعل الفعل الاختياريّ غاية للواجب يلازم وجوبه- أيضا- و إلّا لم يكن من العلل الغائيّة.

الأمر الخامس: أنّ المراد من الحذر ليس هو الخوف النّفساني غير الواصل إلى مرتبة العمل و الامتثال الخارجي؛ إذ لا معنى لكون ذلك غاية للتّفقّه و الإنذار، بل المراد منه هو الحذر العمليّ و الاتّباع الخارجيّ الّذي يحصل بالعمل بقول المنذر و تصديق قوله و الجري على ما يقتضيه من الحركة و السّكون.

إذا عرفت تلك الامور الخمسة، علمت: أنّ آية النّفر تدلّ على حجّيّة خبر الواحد من العدل و الثّقة؛ لما اشير إليه من وجوب حذر كلّ واحد من المنذرين (بالفتح) بإنذار كلّ واحد من المنذرين (بالكسر) و مقتضاه هو أنّ الإنذار و لو صدر من شخص واحد يكون حجّة على المنذر (بالفتح) فيجب عليه العمل بقوله، و الجري على ما يقتضيه من الحركة و السّكون.

و العموم و إن كان يعمّ إنذار الفاسق و وجوب الحذر بإنذاره- أيضا- إلّا أنّه‏