مفتاح الأصول‏ - ج3

- الشيخ اسماعيل الصالحي المازندارني المزيد...
397 /
255

خصّص بأدلّة عدم اعتبار خبر الفاسق، بل لنا أن نقول: بعدم العموم رأسا، إذ الفاسق المتمرّد لا يحسن منه إنذار العاصي حتّى يتفصّى عن ارتكاب المعاصي.

و بالجملة: قضيّة تناسب الحكم و الموضوع هو دلالة الآية على حجّيّة خصوص خبر العدل و الثّقة.

و قد استشكل على هذا الاستدلال من جهات:

الاولى: أنّ وجوب الحذر عقيب الإنذار و إن كان مستفادا من الآية، لكن هذا المقدار لا يجدي إلّا إذا استفيد الإطلاق- أيضا- بمعنى: أنّه يجب الحذر و قبول إنذار المنذر (بالكسر) في موقف العمل و لو لم يفد العلم، و أنّى لكم إثبات الإطلاق مع كون الآية في مقام بيان وجوب التّفقّه و الإنذار، لا وجوب الحذر، و إنّما ذكر باعتبار كونه من فوائدهما.

و عليه: فالمتيقّن من الآية، وجوب الحذر بقبول الإنذار إذا حصل العلم بمطابقة قول المنذر (بالكسر) للواقع، لا مطلقا.

و اجيب عنه بوجوه: بعضها خال عن السّداد؛

منها: أنّ الآية وردت لبيان وظيفة طائفتين: إحداهما: الّذين يجب عليهم التّفقّه و الإنذار؛ ثانيتهما: الّذين يجب عليهم القبول و الحذر، فكما يجب على الطّائفة الاولى، الإنذار مطلقا و إن لم يحصل العلم للمنذر (بالفتح) بمطابقة إنذاره للواقع، كذلك يجب على الطّائفة الثّانية، الحذر مطلقا و إن لم يحصل العلم له بالمطابقة.

لا يقال: إنّ الآية ليست في مقام بيان وجوب الحذر كي يستفاد منها الإطلاق.

256

لأنّه يقال: لو سلّم ذلك، لكن نستكشف الإطلاق من إطلاق إيجاب الإنذار؛ إذ وجوب الإنذار مطلقا حيث يكون غيريّا مقدّميّا، كاشف عن وجوب الحذر- و هو ذو المقدّمة- مطلقا، لاستحالة إطلاق المقدّمة و تقييد ذي المقدّمة.

و توهّم أنّ المقدّمة تابعة في إطلاقها لذي المقدّمة و لا عكس، مندفع، بأنّ استكشاف إطلاق ذي المقدّمة من إطلاق المقدّمة بطريق «الإنّ» لا ينافي تابعيّة المقدّمة و كونها في طول ذي المقدّمة.

و منها: أنّ الأصل في كلّ كلام يقتضي أن يكون في مقام البيان؛ لاستقرار بناء العرف و العقلاء على ذلك، إلّا أن تقوم القرينة على خلافه.

و أنت ترى، أنّ هذا الوجه خال عن السّداد؛ إذ المستشكل يدّعي أنّ الآية لا تكون في مقام البيان من ناحية خصوص وجوب الحذر، فلا إطلاق لها بالنّسبة إليها لا مطلقا، فلا بدّ من الجواب بالوجه المتقدّم آنفا.

و منها: أنّ ظاهر الآية ترتّب وجوب الحذر على الإنذار نحو ترتّب الحكم على موضوعه، فلو قيل: بوجوب الحذر إذا حصل العلم بمطابقة الخبر للواقع، لزم إلغاء عنوان الحذر بالمرّة و جعله بلا أثر.

و منها: أنّه يلزم من التّقييد بما إذا حصل العلم، تقييد بفرد نادر، و هو أمر قبيح مستهجن البتّة و إن لم يستلزم إلغاء عنوان الإنذار بالمرّة، و وجه لزوم النّدرة واضح، لأنّ الخبر الواحد لو خلّي و نفسه لا يفيد العلم أصلا و لو أفاده أحيانا، كان ذلك بمعونة القرائن الخارجيّة.

257

و كون ما يفيد العلم قدرا متيقّنا في الحجّيّة، لا يوجب التّقييد، إلّا أن يكون متيقّنا في مقام التّخاطب و موقف المخاطبة، و إلّا فكلّ مطلق له قدر متيقّن في الخارج بلا شبهة، فيلزم أن لا ينعقد إطلاق للمطلق رأسا.

و قد ذهب المحقّق الحائري (قدّس سرّه) إلى أنّ وجوب الإنذار و الحذر، وجوب مقدّميّ يكون مقيّدا بما إذا حصل العلم بالمطابقة للواقع، و لكن مع ذلك، يجب مطلق الإنذار حتّى غير المقدّمي منه، ثمّ أورد (قدّس سرّه) على نفسه، بأنّه كيف يمكن ذلك مع كون وجوب المقدّمة تابعا لوجوب ذيها إطلاقا و تقييدا، فأجاب، بأنّ غير المقدّمة من الإنذار يكون وجوبه لأجل عدم كون ما هو المقدّمة، ممتازا عند المكلّف، عنه، فيجب مطلق الإنذار للتّوصّل إلى ما هو المقصود الأصلي من بين الإنذارات، أعني: ما هو المفيد للعلم. (1)

و فيه: أنّ الإنذار غير المقدّمي الّذي لا يفيد العلم، ليس فيه ملاك المقدّميّة كي يجب مقدّميّا، و لا ملاك فيه- أيضا- ذاتا حتّى يجب نفسيّا، و عنوان عدم الامتياز عند المنذر (بالكسر) المكلّف بالإنذار، أو عند المنذر (بالفتح) المكلّف بالحذر لو أوجب التّكليف بالنّسبة إلى مطلق الإنذار، لكان ذلك من باب المقدّمة العلميّة، و كان الوجوب حينئذ عقليّا، كما هو ذلك في أطراف العلم الإجمالي في سائر الموارد، و المفروض كون الوجوب تعبّديّا مولويّا، لا إرشاديّا عقليّا. هذا كلّه في الجهة الاولى من الإشكال على آية النّفر.

____________

(1) إفاضة العوائد: ج 2، ص 90.

258

الجهة الثّانية: أنّ الإنذار و التّخويف هو وظيفة المفتي و الواعظ، لا الرّاوي و المخبر، أمّا المفتي، فلأنّه إذا استنبط الأحكام من الوجوب و الحرمة و غيرهما، يفتي ذلك بالأصالة و بالدّلالة المطابقيّة، و ينذر مقلّديه و يخوّفهم من العقوبة على المخالفة لفتاواه بالتّبع و بالدّلالة الالتزاميّة، فيجب الحذر على المقلّدين لأجل قيام الحجّة.

و أمّا الواعظ، فلأنّه يعظ النّاس و ينذرهم بامور دينيّة، فالإنذار هو شأنهم، و هذا بخلاف الرّاوي، فلا شأن له إلّا نقل الرّواية بلا إنذار و تخويف على المخالفة، بل قد ينقل مجرّد الكلمات بلا فهم و دراية. و نتيجة ذلك، أنّ الآية أجنبيّة عن المقام.

و قد اجيب عن هذا الإشكال، بأنّ الرّاوي يروي بالذّات و الأصالة، و ينذر بالعرض و التّبعيّة، بمعنى: أنّه يروي- مثلا- رواية وجوب شي‏ء أو حرمته، و ينذر ضمنيّا بالعقوبة على المخالفة، فيجب الحذر بمقتضى الآية، فتثبت حجّيّة هذا النّوع من الرّواية الدّال على الأحكام الإلزاميّة مع فرض كون الرّاوي من أهل الإنذار؛ إذ هي تكون إخبارا مع انذار و المعاتبة؛ و أمّا النّوع الآخر منها و هو الإخبار بلا إنذار، إمّا لكون الرّاوي عاميّا أو لكون المرويّ حكما غير إلزاميّ، فتثبت حجّيّته بعدم القول بالفصل.

الجهة الثّالثة: أنّ الآية تدلّ على وجوب الحذر عند إنذار الفقيه بما هو فقيه، لا الرّاوي بما هو راو، لأنّ المأخوذ فيها هو عنوان التّفقّه و الدّراية، لا النّقل و الرّواية، فالآية تكون من أدلّة حجّيّة الفتوى و النّظر، لا الرّواية و الخبر، و لا مجال للتّشبّث بعدم القول بالفصل؛ بداهة، أنّه لا يرتبط الفتوى بالرّواية، و لذا قد يقال: بحجّيّة الفتوى و عدم حجّيّة الرّواية.

259

و اجيب عن هذا الإشكال، بأنّ التّفقّه في تلك الأزمنة لم يكن بهذه الصّعوبة المتحقّقة في عصرنا (1)، بل كان يصدق على كثير من الرّوات عنوان الفقيه، حيث كانوا يعرفون معاني كلام المعصومين (عليهم السّلام) سيّما أصحاب الصّادقين (عليهما السّلام) و من بعدهما (عليهم السّلام) و كانوا رواة فقهاء.

و بالجملة: الرّواة في العصور المتقدّمة كانوا من المتفقّهين في الدّين و من المفتين و أرباب الفهم و الدّراية و الاجتهاد في الشّريعة، نظير محمّد بن مسلم، و زرارة و أمثالهما، حيث قال أمامنا الصّادق (عليه السّلام) في حقّهم: «أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا» (2).

الجهة الرّابعة: أنّ ترتّب وجوب الحذر على الإنذار الّذي هو مترتّب على التّفقّه في الدّين- كما هو ظاهر الآية- يقتضي ترتّب وجوب الحذر على الإنذار بما تفقّهوا، لا على مطلق الإنذار، فلا بدّ للحاذر من إحراز كون الإنذار، إنذارا بما تفقّه في الدّين، بمعنى: إحراز مطابقة الخبر للواقع، حتّى يجب عليه الحذر، فيحذر، فالحذر واجب لا مطلقا، بل عند الإحراز و العلم بالمطابقة.

و فيه: أنّ الإخبار بالوجوب أو الحرمة يكون إنذارا بما تفقّه في الدّين و إن لم يكن هناك مطابقة. و عليه، فالحذر المترتّب على الإنذار بما تفقّه في الدّين، يجب و إن لم يحرز مطابقة الخبر للواقع.

____________

(1) وجه الصّعوبة، هو أنّ التّفقّه في العصور المتأخّرة لا يتأتّى إلّا بتنقيح جهات ثلاث في الرّوايات: الاولى: صدورها؛ الثّانية. جهة صدورها؛ الثّالثة: دلالتها و ظهورها؛ و أمّا العصور المتقدّمة فالمحتاج إليها للتّفقّه لم يكن إلّا إثبات الجهة الاولى (صدور الرّوايات)، و لا يطلق الفقيه في تلك العصور إلّا على العارف بالأحكام، سواء كان العرفان بها بإعمال الفكر و النّظر، أم كان بدونه.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27، ص 84.

260

و بوجه أخصر يقال: إنّ وجوب الحذر متوقّف على تحقّق الإنذار و حجّيّة قول المنذر، و أمّا العلم بالمطابقة، فلا شأن له هنا. هذا تمام الكلام في الاستدلال على حجّيّة الخبر الواحد بالكتاب.

و أمّا السّنة، فهي على طوائف أربعة:

منها: الرّوايات الواردة في العلاج عند المعارضة و السّؤال عن كيفيّته، كرواية داود بن الحصين، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في رجلين اتّفقا على عدلين، جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما عن قول، أيّهما يمضي الحكم؟ قال: ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما، فينفذ حكمه و لا يلتفت إلى الآخر» (1).

تقريب الاستدلال بهذه الطّائفة على حجّيّة الخبر الواحد، هو أنّ السّؤال عن العلاج يكون دليلا على كون الحجّيّة مفروغا عنها عند الأئمة (عليهم السّلام) و أصحابهم لو لا المعارضة.

اللّهم إلّا أن يقال: بكون مورد المعارضة مقطوع الصّدور، و هذا كما ترى.

و منها: الرّوايات الآمرة بالرّجوع إلى أشخاص معيّنين من الرّواة، كرواية أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: «سألته و قلت: من اعامل؟ و عمّن آخذ؟

و قول من أقبل؟ فقال: العمريّ ثقتي، فما أدّى إليك عنّي، فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي، فعنّي يقول، فاسمع له و أطع، فإنّه الثّقة المأمون، قال: و سألت أبا محمّد (عليه السّلام) عن‏

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20، ص 80.

261

مثل ذلك، فقال: العمريّ و ابنه ثقتان، و ما أدّيا إليك عنّي، فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما و أطعهما، فإنّهما الثّقتان المأمونان» (1).

تقريب الاستدلال بهذه الطّائفة على المدّعى هو أنّ مقتضى ظاهرها هو كون حجّيّة الخبر الواحد أمرا مسلّما مفروغا عنه عند الأئمّة (عليهم السّلام) و عند أصحابهم، و الغرض في الأسئلة و الأجوبة إنّما يكون لأجل التّطبيق و التّعيين، لا تأسيس كبرى حجّيّة خبر الثّقة.

و منها: الرّوايات الآمرة بالرّجوع إلى الثّقات بوجه كلّي، كرواية أحمد بن إبراهيم المراغي، قال: «ورد على القاسم بن العلاء و ذكر توقيعا شريفا يقول فيه: فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التّشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا و نحملهم إيّاه إليهم» (2).

و منها: الرّوايات الآمرة بحفظ الرّوايات و استماعها و ضبطها، كرواية معاوية بن عمّار، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل راوية لحديثكم يبثّ ذلك في النّاس و يسدّده في قلوبهم و قلوب شيعتكم، و لعلّ عابدا من شيعتكم ليست له هذه الرّواية، أيّهما أفضل؟ قال: الرّواية لحديثنا يشدّ به [يسدّده في‏] قلوب شيعتنا، أفضل من ألف عابد» (3).

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، ص 99 و 100.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40، ص 108 و 109.

(3) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، ص 52 و 53.

262

و يلحق بهذه الطّائفة ما ورد في الأمر إلى روايات بني فضّال و كتبهم، كرواية الحسين بن روح، عن أبي محمد الحسن بن علي (عليهم السّلام): «أنّه سئل عن كتب بني فضّال، فقال: خذوا بما رووا، و ذروا ما رأوا» (1).

تقريب الاستدلال بهاتين الطّائفتين على المدّعى واضح.

هذا، و لكن اورد على الاستدلال بهذه الطّوائف الأربعة بكونها أخبارا آحادا، فلا يمكن إثبات حجّيّة الخبر الواحد بمثل ذلك؛ إذ المفروض عدم ثبوت حجيّة تلك الأخبار، و قد اجيب عنه بتواترها الإجماليّ، و العلم بصدور بعضها إجمالا.

توضيح ذلك: أنّ التّواتر على ثلاثة أقسام:

الأوّل: التّواتر اللّفظيّ و هو اتّفاق جماعة- امتنع اتّفاقهم على الكذب بحسب العادة- على نقل خبر بلفظه، كحديث «إنّما الأعمال بالنّيات» و حديث «من كنت مولاه، فهذا عليّ مولاه» و حديث «إنّي تارك فيكم الثّقلين ...» و غير ذلك.

الثّاني: التّواتر المعنويّ، و هو الاتّفاق على نقل مضمون واحد و معنى فارد مع الاختلاف في الألفاظ الدّالّة عليه بالمطابقة أو بالتّضمن أو بالاختلاف، كأخبار حالات أمير المؤمنين (عليه السّلام) في الحروب الدّالّة على شجاعته.

الثّالث: التّواتر الإجماليّ، و هو ورود جملة كثيرة من الرّوايات الّتي يعلم بصدور بعضها إجمالا مع عدم اشتمالها على مضمون واحد، و هذا كالأخبار المتقدّمة الّتي وردت في تلك الطّوائف الأربعة.

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13، ص 103.

263

فالإيراد على الاستدلال بهذه الطّوائف الأربعة، بأنّ رواياتها أخبارا آحادا مندفع، بكونها من التّواتر الإجماليّ، بحيث يعلم بصدور بعضها من المعصومين (عليهم السّلام) إجمالا.

نعم، مقتضى هذا التّواتر، هو الاقتصار في الحجّيّة على القدر المتيقّن من تلك الأخبار الدّالّة على حجّيّة الخبر الواحد و هو الأخصّ مضمونا، كالواجد لجميع الخصوصيّات المذكورة فيها من كون الرّاوي عادلا و موثّقا، و لازم ذلك هو الحكم بحجّيّة خصوص الخبر الصّحيح الأعلائي الجامع للوثاقة و العدالة، لا مطلق الخبر.

هذا، و لكن ذكر المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) بأنّ القدر المتيقّن الّذي هو أخصّ مضمونا، ليس إلّا ما دلّ على حجّيّة خبر الثّقة، فتثبت في فرض التّواتر الإجماليّ حجّيّة خبر الموثوق به. (1)

و لقد أجاد بعض الأعاظم (قدّس سرّه) في الجواب عنه (قدّس سرّه) حيث قال‏ (2)، ما حاصله: إنّ بعض تلك الأخبار دالّ على اعتبار عدالة الرّاوي، نظير قوله (عليه السّلام): «خذ بأعدلهما» و بعضها دالّ على اعتبار وثاقته كقوله (عليه السّلام): «نعم» بعد سؤال السّائل، «أ فيونس بن عبد الرّحمن ثقة، نأخذ معالم ديننا عنه؟»، و بعضها دالّ على اعتبار كون الرّاوي إماميّا- أيضا- كقوله (عليه السّلام): «لا عذر لأحد في التّشكيك فيما يرويه ثقاتنا» فإنّ إضافة كلمة:

«الثّقات» إلى ضمير المتكلّم و إسنادها إليهم (عليهم السّلام) ظاهرة في أنّ المراد منها كون الرّاوي من أهل الولاية لهم (عليهم السّلام) و حيث إنّ المقصود من الثّقة هنا هو المعنى اللّغويّ‏

____________

(1) راجع، أجود التّقريرات: ج 2، ص 113 و 114.

(2) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 194.

264

لا الاصطلاحي الدّارج بين المحدّثين و هو الإماميّ العادل، تقع النّسبة بين العدالة و الوثاقة بنحو العموم من وجه، فربّ راو عادل لا يكون ثقة لكونه كثير السّهو و الخطأ، و ربّ راو ثقة حافظ متحرّز عن الكذب، لا يكون عادلا، و ربّ راو يجتمع الصّفتان فيه، فالمتيقّن من تلك الأخبار هو مورد الاجتماع. و عليه، فعند التّواتر الإجماليّ لا يستفاد منها إلّا حجّيّة الخبر الصّحيح الأعلائي و هو ما يكون راويه موثّقا و عادلا.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1) قد اختار مسلكا آخر في المقام و هو لا يخلو من جودة و متانة، حاصله: أنّه (قدّس سرّه) بعد اعترافه بأنّ المتيقّن من تلك الأخبار هو حجّيّة الخبر الصّحيح الأعلائي، ذهب إلى أنّ المستفاد منها حجّيّة خبر الثّقة و إن لم يكن عادلا، بدعوى: أنّ في جملتها خبرا صحيحا يدلّ على حجّيّة الخبر الموثّق، كرواية الحسن بن علي بن يقطين، عن الرّضا (عليه السّلام) قال: «قلت: لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أ فيونس بن عبد الرّحمن ثقة، آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم» (2)، حيث يعلم من هذه الرّواية و نظائرها، حجّيّة خبر الثّقة و لو لم يكن عادلا ذا ملكة العدالة.

هذا كلّه في الاستدلال على حجّيّة الخبر الواحد بالسّنة.

أمّا الإجماع، فهو يقرّر بوجوه، لا حاجة بنا إلى نقل جميعها، بل نكتفي بالعمدة منها و هي وجهان:

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 97.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، ج 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 33، ص 107.

265

الأوّل: الإجماع القوليّ من الأصحاب و اتّفاقهم- عدا السّيد المرتضى (قدّس سرّه) و أتباعه- على حجّيّة الخبر الواحد.

و فيه: أوّلا: أنّ هذا الإجماع منقول بخبر واحد، فكيف يمكن أن يستدلّ به على حجّيّته.

و ثانيا: لو سلّم نقله من طريق التّواتر، فلا يعتمد عليه، لاستناد المجمعين إلى الأدلّة النّقليّة من الكتاب و السّنة، و لا أقلّ من احتمال استنادهم إلى تلك الأدلّة، فيكون الإجماع حينئذ مدركيّا أو محتمل المدركيّة.

الوجه الثّاني: الإجماع العمليّ من المتشرّعة و سيرتهم من زمن المعصومين (عليهم السّلام) و الصّحابة و التّابعين إلى زماننا هذا، على الاعتماد بخبر الثّقة.

و فيه: أنّ ثبوت هذه السّيرة و إن كان أمرا مسلّما غير قابل للإنكار؛ إذ من المقطوع به، عدم أخذ جميع المكلّفين للأحكام من شخص النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو الإمام (عليه السّلام) و لا سيّما النّساء و أهل البوادي و البلدان، بل كان كثير منهم يرجع إلى الامناء و الثّقات في الإخبار و إيصال الأحكام، لكنّه لم يكن ذلك، لكونهم متشرّعين حتّى يستكشف منه كون الخبر الواحد حجّة تعبّدا، بل كان ذلك لأجل أنّهم عقلاء.

و عليه: فلم يبق في البين دليل على حجيّة خبر الثّقة إلّا سيرة العقلاء بما هم عقلاء، بحيث استقرّ بناءهم و سيرتهم في جميع الأعصار و الأمصار على العمل بخبر الثّقة في جميع امورهم، و لم يردع عنه الشّرع و لم ينه عنها، بل نهى و ردع عن العمل بالقياس.

و بالجملة: الحياة البشريّة الاجتماعيّة تدور مدار حجّيّة الخبر الواحد بلا ريب‏

266

و شبهة، و لا يكون التّشكيك و الدّغدغة في هذه المسألة إلّا مجرّد مكابرة و سفسطة.

و توهّم أنّ الآيات النّاهية رادعة عن العمل بالظّنّ عن تلك السّيرة المستمرّة؛ لكون الخبر الواحد من الظّنون، مندفع؛ أوّلا: بأنّ تلك الآيات ناظرة إلى الاصول الاعتقاديّة، فيكون المراد من الظّنّ هناك هو الوهم و الخرافة قبال الحجج و البراهين العقليّة القاطعة؛ و لذا ترى، أنّ الصّحابة كانوا يعملون بأخبار الآحاد من الثّقات حتّى بعد نزول الآيات النّاهية بلا توقّف و عطلة، و بلا سؤال عن صاحب الشّريعة بأنّه هل يجوز لنا العمل بتلك الأخبار مع نزول هذه الآيات أو تكون الآيات رادعة عن العمل بها؟

و ثانيا: بما عرفت مرارا، من أنّ خبر الثّقة يكون علما عاديا يعامل معه معاملة العلم الحقيقي عند العقلاء؛ و لذا لا يصل الدّور إلى أنّه هل يعتبر إفادته ظنّا فعليّا، أو يكفى الظّنّ النّوعي، أو لا هذا و لا ذاك؟ بل المعتبر عدم وجود الظّنّ على الخلاف.

و عليه: فعمل الأصحاب بخبر الثقة و سيرتهم على الاعتماد به، إنّما هو لأجل كونه بمنزلة العلم عندهم، لا أنّهم عملوا به مع إفادته للظّنّ، و لعلّه لما ذكرنا- أيضا- كانوا يعملون بالظّواهر المفيد لغير العلم، مع أنّهم يقرءون الآيات النّاهية عن العمل بغير العلم، فلم يكن ذلك إلّا لكون الظّواهر- كخبر الثّقة- علوما عادية عرفيّة خارجة عن تلك الآيات تخصّصا و بوجه الحكومة، فتأمّل حتّى يتبيّن لك الحقيقة.

هذا لو قلنا: بدلالة الآيات النّاهية على حرمة العمل بغير العلم مولويّا، فتكون السّيرة الدّالّة على حجّيّة خبر الثّقة حاكمة عليها؛ إذ العمل به لا يكون حينئذ عملا بغير علم بعد كونه علما عند العرف و العقلاء. و أمّا لو قلنا: بكون الآيات النّاهية

267

إرشاديّة إلى ما يحكم به العقل من دفع المضرّة و العقوبة الاخرويّة المحتملة، كانت السّيرة الدّالّة على حجّيّة خبر الثّقة، واردة على الآيات البتّة؛ إذ لا احتمال للمضرّة و العقوبة الاخرويّة مع العمل بالحجّة المنجّزة عند الإصابة و المعذّرة عند الخطأ و المخالفة.

و من الواضح: أنّ الورود في المقام يكون نظير ورود الأمارات و الطّرق المعتبرة على الاصول العمليّة العقليّة، كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فعلى هذا التّقريب لا تدلّ الآيات، على الحرمة المولويّة بالنّسبة إلى العمل بغير العلم حتّى تكون رادعة عن بناء العقلاء و السيرة على الحجّيّة.

فتحصّل: أنّ خبر الواحد الثّقة يكون حجّة، لمكان بناء العقلاء و قيام السّيرة العقلائيّة المستمرّة غير المردوعة، على العمل به. و هذا هو الحقّ القراح الّذي لا ينبغي أن يشكك فيه بوجه، كما أنّ الحقّ حجّيّة الخبر الموثوق صدوره و لو لم يكن الرّاوي من الثّقات.

تنبيهان‏

الأوّل: قد اشتهر بين المتأخّرين، أنّ عمل المشهور بخبر الواحد الثّقة و استنادهم إليه و إفتاءهم بمضمونه، يوجب جبر ضعف هذا الخبر، و قد صرّحوا بأنّه «كلّما ازداد ضعفا من حيث السّند، ازداد وجاهة و اعتبارا بتلك الشّهرة» و أنّ الشّهرة الكذائيّة إذا كانت من القدماء المتحفّظين المقاربين لعصر المعصومين (عليهم السّلام) أوجبت العلم أو الوثوق بصدور ذلك الخبر عنهم (عليهم السّلام).

268

و كذلك اشتهر بينهم- أيضا- أنّ إعراض المشهور من الخبر، يوجب وهنه و كسره، فيسقط عن الحجّيّة، و قد صرّحوا بأنّه «كلّما ازداد الخبر صحّة من جهة السّند، ازداد وهنا و ضعفا بإعراض المشهور و مخالفة الشّهرة».

هذا، و لكن خالف بعض الأعاظم (قدّس سرّه)(1) في المسألة و ذهب إلى أنّ عمل المشهور ليس جابرا لضعف الخبر، و لا إعراضهم كاسرا لقوّته؛ فقال في وجه عدم جابريّة العمل: أنّ الشّهرة العمليّة ليست بحجّة، فلا شأن لها حتّى تكون جابرة، مضافا إلى أنّه لا سبيل إلى إحراز استناد المشهور إلى الرّواية الضّعيفة، فهو (قدّس سرّه) في هذا الوجه أنكر الصّغرى و الكبرى معا.

و قال (قدّس سرّه) في وجه عدم كاسريّة الإعراض: أنّه لا وجه لرفع اليد عن الخبر الصّحيح أو الموثّق بمجرّد إعراض المشهور بعد كون الخبر موردا لقيام السّيرة و مشمولا لإطلاق الأدلّة اللّفظيّة.

و الإنصاف: أنّ ما قال به المشهور في المسألة: من جبر السّند بالعمل و وهنه بالإعراض هو الحقّ؛ و ذلك لما أشرنا آنفا، من أنّ الشّهرة إذا كانت من القدماء- كما هو المفروض- و هم في كمال الدّيانة و الاحتياط، يحدث لنا العلم أو الوثوق بصدور الخبر الضّعيف الّذي عملوا به، و يبعد جدّا أن يقال: إنّهم تمسّكوا في الفتوى بدليل ضعيف، كما أنّ القدماء إذا لم يعملوا بخبر، يوجب ذلك ضعف هذا الخبر و عدم كونه حجّة؛ إذ لعلّهم اعتمدوا على قرينة دالّة على قدح السّند عندهم و هي لم تصل إلينا.

ثمّ إنّ المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) ذكر في وجه جابريّة عمل المشهور: أنّ الخبر المنجبر

____________

(1) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 201.

269

حجّة بمقتضى منطوق آية النّبأ الدّال على حجّيّة خبر الفاسق مع التّبيّن؛ إذ عمل المشهور من التّبيّن. (1)

و فيه: أنّ التّبيّن هو استكشاف صدق الخبر، إمّا بالوجدان أو بالتّعبد، و عمل المشهور ليس واحدا منهما، كما هو واضح.

التّنبيه الثّاني: أنّ السّيرة العمليّة غير المردوعة، كما تثبت حجّيّة الخبر الواحد في الأحكام، كذلك تثبت حجّيّته في الموضوعات- أيضا- بلا تفاوت بينهما، بل الحجّيّة هنا أولى لما في الأحكام من كثرة الاهتمام، بخلاف الموضوعات؛ و لذا قال صاحب الجواهر (قدّس سرّه): «بل ثبوت الأحكام به أكبر شاهد على ذلك» (2).

و يدلّ على حجّيّة الخبر في الموضوعات- أيضا- الأخبار الواردة في موارد خاصّة:

منها: ما ورد في مسألة عزل الوكيل، كرواية هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «... إنّ الوكيل إذا و كلّ ثمّ قام عن المجلس، فأمره ماض أبدا، و الوكالة ثابتة حتّى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلّغه أو يشافه «يشافهه خ ل» بالعزل عن الوكالة» (3).

و قد صرّح صاحب الوسائل (قدّس سرّه) بدلالة هذه الرّواية على حجّيّة الخبر في الموضوعات حيث قال: «فيه دلالة على العمل بخبر الثّقة، و على أنّه يفيد العلم،

____________

(1) راجع، أجود التّقريرات: ج 2، ص 109 و 110.

(2) جواهر الكلام: ج 6، ص 172.

(3) وسائل الشّيعة: ج 13، كتاب التّجارة و الوصيّة، الباب 2 من أبواب الوكالة، الحديث 1، ص 286.

270

كالمشافهة، و تقديمه عليها كأنّه لبيان هذا المعنى و الاهتمام» (1).

و منها: ما ورد في ثبوت الوصيّة بخبر مسلم صادق، كرواية إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سألته عن رجل كانت له عندي دنانير و كان مريضا، فقال لى: إن حدث بي حدث، فأعط فلانا عشرين دينارا، و أعط أخي بقيّة الدّنانير، فمات و لم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي: إنّه أمرني أن أقول لك، انظر الدّنانير الّتي أمرتك أن تدفعها إلى أخي، فتصدّق منها بعشرة دنانير أقسمها في المسلمين و لم يعلم أخوه أنّ عندي شيئا، فقال: أرى أن تصدّق منها بعشرة دنانير» (2).

و منها: ما ورد في الاعتماد على أذان الثّقة العارف بالأوقات، كرواية عبد اللّه بن عليّ، عن بلال في حديث، قال: «سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: المؤذّنون امناء المؤمنين على صلاتهم و صومهم ...» (3).

و القول بأنّ الاعتماد على أذان العارف، يمكن أن يكون من باب جواز التّعويل في دخول الوقت على الظّنّ المطلق و هو من أسباب الظّنّ، فلا يدلّ على جواز الاعتماد عليه في موارد يعتبر العلم أو ما يكون بمنزلته، غير وجيه.

هذا تمام الكلام في المسألة السّابعة في الأمارات.

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 13، كتاب التّجارة و الوصيّة، الباب 2 من أبواب الوكالة، الحديث 1، ص 286.

(2) وسائل الشّيعة: ج 13، كتاب التّجارة و الوصيّة، الباب 97 من أبواب الوصايا، الحديث 1، ص 482.

(3) وسائل الشّيعة: ج 4، كتاب الصّلاة، الباب 3 من أبواب الأذان و الإقامة، الحديث 7، ص 619.

271

المسألة الثّامنة: الاصول العمليّة مباحث الشّكّ‏

أقسام المباحث الاصوليّة المقام الأوّل: أصالة البراءة* الاستدلال بالكتاب‏

* الاستدلال بالسّنّة

* الاستدلال بالإجماع‏

* الاستدلال بالعقل‏

* استدلال الأخباريّ بالكتاب‏

* استدلال الأخباريّ بالسّنّة

* استدلال الأخباريّ بالعقل‏

* تقديم الأصل الموضوعيّ على البراءة

* أصالة عدم التّذكية

* وجوب الفحص‏

* الشّرطان الآخران للبراءة

* جريان البراءة في الشّبهات الموضوعيّة و الحكميّة

* حسن الاحتياط

* أخبار من بلغ‏

272

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

273

المسألة الثّامنة: الاصول العمليّة مباحث الشّكّ‏

أقسام المباحث الاصوليّة

قبل الورود في هذه المسألة ينبغي تمهيد مقدّمة و هي أنّ المباحث الاصوليّة على أقسام:

الأوّل: ما يوصل المكلّف إلى الحكم الشّرعيّ الواقعيّ على وجه القطع، نظير مسألة الملازمات و الاستلزامات العقليّة من استلزام وجوب ذي المقدّمة لوجوب المقدّمة، و استلزام وجوب الشّي‏ء لحرمة ضدّه، و نظير مسألة إمكان اجتماع الوجوب و الحرمة و امتناعه.

و هذا القسم من المباحث الاصوليّة يسمّى بالبحث عن المداليل، أو الاستلزامات العقليّة، أو العقليّات غير المستقلّة، أو مباحث لوازم الأحكام بما هي، لا بما هي من مداليل الألفاظ، فلا ربط لها بمباحث الألفاظ و إن ذكروها فيها، كصاحب المعالم (قدّس سرّه)(1) و أتباعه حيث استدلّوا على عدم وجوب المقدّمة بعدم دلالة الأمر بذي المقدّمة عليه بإحدى الدّلالات الثّلاثة.

القسم الثّاني: ما يوصل المكلّف إلى الحكم الشّرعيّ الواقعيّ لا بالقطع، بل بالتّعبّد و العلم العادي- على ما قرّرنا في المباحث الماضية- و هذا القسم على نحوين:

أحدهما: أن يكون من قبيل المباحث الصّغرويّة، نظير مباحث الألفاظ، حيث إنّ‏

____________

(1) راجع، معالم الاصول: ص 55.

274

البحث فيها إنّما هو عن صغرى ظهور الألفاظ من أنّ الظّهور، هل هو موجود، أم لا؟

و على فرض وجوده، ففي أيّ شي‏ء هو موجود؟ كمباحث المشتق، و الأمر و النّهي و العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد و مباحث المفاهيم؛ و هذا بخلاف البحث عن كبرى حجّيّة الظّهور، فإنّها عقلائيّة مسلّمة، لا يبحث عنه في الاصول.

ثانيهما: أن يكون من قبيل المباحث الكبرويّة، نظير مباحث حجّيّة الخبر الواحد، و الإجماع المنقول، و الشّهرة، و الظّنّ الانسدادي على الكشف.

القسم الثّالث: ما لا يوصل المكلّف إلى الحكم الشّرعيّ الواقعيّ مطلقا، لا بالقطع و لا بالتّعبّد أو العلم العادي، بل يوصله إلى الحكم الظّاهريّ، بأن يكون متكفّلا لبيان الحكم الشّرعيّ الظّاهريّ على تقدير الشّكّ في الحكم الواقعيّ، بحيث يتأخّر الحكم الظّاهريّ عن الواقعيّ بمرتبتين، نظير مباحث الاصول العمليّة الشّرعيّة، من البراءة أو الاحتياط أو التّخيير شرعا.

القسم الرّابع: ما لا يوصل المكلّف إلى الحكم الظّاهريّ- أيضا- بل يكون متكفّلا لبيان الوظيفة العمليّة الفعليّة عقلا عند العجز عن جميع ما تقدّم، من الوصول إلى الحكم الواقعيّ بالقطع أو التّعبّد، و من الوصول إلى الحكم الظّاهري، نظير مباحث الاصول العمليّة العقليّة من البراءة أو الاحتياط أو التّخيير عقلا.

إذا عرفت تلك المقدّمة، فاعلم، أنّ مباحث القطع و الظّنّ تكون من قبيل القسمين الأوّلين، و قد مرّ الكلام فيها مفصّلا؛ و أنّ مباحث الشّكّ تكون من قبيل القسمين الأخيرين، و الكلام يقع فيها فعلا، فنقول:

إنّ الاصول العمليّة الّتي تكون هي المرجع عند الشّكّ منحصرة في أربعة،

275

و هي البراءة، و التّخيير و الاحتياط الّذي يسمّى بقاعدة الاحتياط و قاعدة الاشتغال، و الاستصحاب.

و لا يخفى: أنّ الحصر باعتبار نفس الاصول، يكون استقرائيّا لا عقليّا؛ و ذلك لإمكان جعل أصل آخر في بعض صور الشّكّ، لكن لم يوجد إلى الآن بعد الاستقراء التّام.

و أمّا باعتبار موارد الاصول يكون عقليّا؛ إذ الشّكّ، إمّا يلاحظ فيه الحالة السّابقة، فهو مجرى للاستصحاب بلا فرق بين أن يكون الشّكّ في موضوع من الموضوعات، كالعدالة أو الاجتهاد، و بين أن يكون في التّكليف أو المكلّف به، سواء أمكن فيه الاحتياط أو لا يمكن؛ و إمّا يلاحظ فيه الحالة السّابقة، سواء كانت و لم تعتبر كما في الشّكّ في المقتضي- بناء على بعض المباني- أو لم تكن رأسا فهو مجرى للبراءة إن كان الشّكّ في أصل الحكم، تكليفيّا كان أو وضعيّا، و مجرى لقاعدة الاحتياط و الاشتغال إن كان الشّكّ في المكلّف به، هذا إذا أمكن الاحتياط، و إلّا فهو مجرى للتّخيير، كموارد دوران الأمر بين المحذورين.

ثمّ إنّ عدم ذكر أصالة الطّهارة الجارية فيما اشتبه طهارته بالشّبهة الحكميّة- كالعصير العنبي بعد الغليان، و كعرق الجنب من الحرام و نحوهما- مع كونها- أيضا- ممّا ينتهي المجتهد إليها فيما لا حجّة له على الطّهارة و النّجاسة، ليس لأجل أنّ أصالة الطّهارة خارجة عن علم الاصول، بل إنّما هو لأجل كونها من الاصول المسلّمة الثّابتة بلا خلاف، كيف، و أنّ هذه القاعدة تكون نظير قاعدة القاعدة الحلّ الجارية عند الشّكّ في الحرمة، الّتي تكون داخلة في علم الاصول بلا شبهة.

276

غاية الأمر: يفارق بين مفاد تلك القاعدتين؛ إذ مفاد قاعدة الحلّ هو الحكم التّكليفيّ، و مفاد قاعدة الطّهارة هو الحكم الوضعيّ، و هذا المقدار من الفرق لا يوجب دخول إحداهما في الاصول، و خروج الاخرى عنه البتّة.

و بالجملة: ليس وجه عدم التّعرض لأصالة الطّهارة في الاصول هو كونها خارجة عنه، بل الوجه هو كون البحث عنها ليس بمهمّ، نظرا إلى أنّها ثابتة بلا كلام من دون حاجة إلى نقض و إبرام، بخلاف الاصول الأربعة المتقدّمة.

و قد ذكر المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1) لعدم تعرّض قاعدة الطّهارة في الاصول، مضافا إلى الوجه المتقدّم، وجها آخر و هو عدم اطّرادها في جميع أبواب الفقه، بل تختصّ بباب الطّهارة فقط، بخلاف الاصول الأربعة، فإنّها جارية في كلّ الأبواب.

و لكنّه ضعيف؛ لما مضى و قرّر سابقا، من أنّ الضّابط في كون المسألة اصوليّة، ليس إلّا وقوع نتيجتها في طريق استنباط الأحكام الشّرعيّة، و لا يعتبر فيه أزيد من ذلك، كالاطّراد و الجريان في جميع الأبواب، و إلّا لخرج بعض المباحث الاصوليّة عن علم الاصول، كمبحث دلالة النّهي على الفساد في العبادة و نحوه، لعدم جريانه في غير العبادة، كما لا يخفى.

و يلحق في هذا الضّعف، ما تخيّل من أنّ وجه عدم التّعرض ليس إلّا أنّ الطّهارة و النّجاسة تكونان من الامور الواقعيّة الخارجيّة، لا من الأحكام الشّرعيّة، فالشّبهة فيهما دائما تكون شبهة مصداقيّة موضوعيّة، و أنت تعلم، أنّ الشّبهات المصداقيّة خارجة عن المسائل الاصوليّة الّتي تقع نتيجتها في طريق استنباط الأحكام الكلّيّة الإلهيّة.

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 165 و 167.

277

وجه الإلحاق هو أنّ هذا الكلام إنّما يتمّ لو اريد من الطّهارة و النّجاسة أنّهما حكمان ناشئان من المصلحة و المفسدة، و ليستا من المجعولات الجزافيّة، فالشّكّ فيهما على هذا يرجع إلى الشّكّ في ذلك المنشأ الّذي هو من الامور الواقعيّة.

نعم، لا يوجب ذلك، كون الشّكّ فيهما دائما من الشّبهة المصداقيّة، و إلّا لزم كون الشّكّ في جميع الأحكام كذلك، لأجل أنّها ناشئة عن الملاكات في نفسها أو متعلّقاتها.

و أمّا لو اريد من الطّهارة و النّجاسة أنّهما ليستا من الأحكام، بل تكونان من قبيل الخواص و الآثار الطّبيعيّة الّتي لا يعرفها إلّا الشّارع، كخواص الأشياء و الامور و الأدوية الّتي لا يعرفها إلّا الطّبيب، فلا يتمّ ذلك الكلام؛ إذ مقتضى ظاهر الأدلّة هو كونهما من الأحكام المجعولة، لا من الخواص و الآثار، كما هو واضح.

و إن شئت، فقل: إنّ الأدلّة الّتي وردت في اعتبار قاعدة الطّهارة، ظاهرة في أنّ الشّارع حكم بهما و جعلهما كسائر المجعولات الشّرعيّة، لا أنّه أخبر بهما من باب إخبار أهل الخبرة و المعرفة.

على أنّه لو سلّم كونهما من الخواص و الآثار، فلا نسلّم كون الشّبهة مصداقيّة، بل الشّبهة حينئذ تكون حكميّة، حيث إنّ المرجع عند الشّكّ في طهارة شي‏ء و نجاسته كالعصير المغليّ و عرق الجنب من الحرام، و عرق الإبل الجلّالة، هو الشّرع، لا العرف، كما في الشّبهة المصداقيّة، و هذا هو المائز بين الشّبهتين.

فتحصّل: أنّ قاعدة الطّهارة، كقاعدة الحلّ، تكون من المسائل الاصوليّة، إلّا أنّها لم يبحث عنها في الاصول، لكونها من الامور الثابتة المسلّمة الّتي لا خلاف فيها البتّة.

278

المقام الأوّل: أصالة البراءة

ثمّ إنّ الكلام في كلّ واحد من الاصول الأربعة من البراءة و التّخيير و الاشتغال و الاستصحاب يتمّ في مقامات أربعة:

المقام الأوّل: في أصالة البراءة و هي الّتي موردها هو الشّكّ في التّكليف فنقول: إنّ الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) جعل الشّكّ في التّكليف الّذي هو مجرى البراءة ثمانية أقسام؛ لأجل أنّ الشّبهة إمّا تحريميّة، أو وجوبيّة، و على على كلا التّقديرين: إمّا يكون الشّكّ ناشئا من فقدان النّص؛ أو إجماله؛ أو تعارض النّصين؛ أو امور خارجيّة كالجهل و العمى و الظّلمة و نحوها من الشّبهات الموضوعيّة، و قد بحث (قدّس سرّه) عن كلّ واحد من تلك الأقسام على حدة؛ و ذلك لاختصاص بعض أدلّة الأربعة بالشّبهة التّحريميّة فقط، نظير قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي»، و لاختصاص النّزاع الّذي وقع بين الاصوليّ القائل بالبراءة، و بين الأخباريّ القائل بالاحتياط، بهذه الشّبهة، بخلاف الشّبهة الوجوبيّة، فإنّ الأخباريّ- أيضا- قائل فيها بالبراءة كالاصوليّ، إلّا المحدّث الأمين الأسترآبادي فقال: بالاحتياط فيها- أيضا- هذا ما صنعه الشّيخ (قدّس سرّه).

و أمّا المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(2) فقد بحث عن مطلق الشّكّ في التّكليف بلا إفراد بحث لكلّ واحد من الأقسام، بل جعل جميع تلك الأقسام مجرى للبراءة عدا فرض‏

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 2، ص 17 و 18.

(2) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 167.

279

تعارض النّصين، حيث إنّه (قدّس سرّه) أدرجه في مبحث التّعادل و التّرجيح، بدعوى: أنّ البحث عنه لا يرجع إلى البراءة، بل المتعيّن فيه هو الرّجوع إلى المرجّح لو كان، و إلّا فالتّخيير، و بعبارة اخرى: البراءة هو المرجع عند فقد الدّليل، و من المعلوم، أنّ أحد النّصين هو الدّليل تعيينا مع وجود المرجّح، و تخييرا مع عدمه، و معه لا يصل الدّور إلى البراءة.

و لا يخفى عليك: أنّ ما صنعه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) قبال الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) هو الصّحيح؛ و ذلك، لأنّ ملاك جريان البراءة في جميع الصّور هو عدم قيام الحجّة على التّكليف و عدم وصوله إلى المكلّف، مع أنّ جلّ أدلّة البراءة من اللّفظيّة و اللّبيّة، و من النّقليّة و العقليّة جارية في جميع الأقسام. و عليه، فلا ينبغي تكثير الأقسام و إفراد كلّ قسم بالبحث.

نعم، يرد على المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) بأنّ إخراج تعارض النّصين مطلقا عن بحث البراءة، لا دليل عليه، لما سيجي‏ء من أنّ الأصل في التّعارض هو التّساقط، و المرجع حينئذ هو العامّ الفوق إن كان، و إلّا فالأصل العمليّ.

و واضح: أنّ التّعارض لا ينحصر في النّصين و الخبرين، بل يقع بين ظاهري الكتاب فيرجع بعد التّساقط إلى الأصل العمليّ قطعا، كما أنّه يرجع إلى هذا الأصل في فرض التّعارض بين الخبرين العامّين من وجه، لو كان العموم فيهما من ناحية الإطلاق لا الوضع؛ و ذلك لسقوط كلا الإطلاقين حينئذ، و هكذا بعض صور التّعارض الآخر على ما سيجي‏ء في مبحث التّعادل و التّرجيح.

و ليعلم، أنّ قبح العقاب بلا بيان و عدم استحقاق المؤاخذة بلا حجّة و برهان‏

280

أمر عقلىّ و نقليّ مسلّم عند جميع الأعلام من الاصوليين و الأخباريين، فلا نزاع في هذه الكبرى المسلّمة عند العقل و النّقل، إنّما النّزاع بينهما في الصّغرى و في قيام الحجّة و عدمه و تماميّة البيان و عدمها من ناحية المولى، فالأخباريّون قالوا: بقيام الحجّة و تماميّة البيان بالنّسبة إلى الأحكام الواقعيّة لوجود الأمرين: أحدهما: العلم الإجماليّ بثبوت التّكاليف و هو يقتضي وجوب الاحتياط لمنجّزيّته كالعلم التّفصيلى؛ ثانيهما:

روايات وجوب الاحتياط في المشتبهات و وجوب التّوقّف عند الشّبهات، و سيأتي التّعرض لهذين الأمرين عند استدلال الأخباريين.

و لكن الأصوليّين أنكروا قيام الحجّة و تماميّة البيان بالنّسبة إلى الأحكام و قالوا: بالبراءة، فينبغي أن يبحث في البراءة، عن صغرى المسألة و هي هل الحجّة قائمة على الأحكام، أم لا؟ و هل العلم الإجماليّ بثبوت التّكاليف الّذي إدّعاه الأخباري باق حتّى يجب الاحتياط أو منحلّ؟ و هل الرّوايات تدلّ على وجوب الاحتياط في الشّبهات البدويّة بعد الفحص و اليأس، أم لا تدلّ، بل تكون ناظرة إلى قبل الفحص أو إلى الشّبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ أو إلى غير ذلك؟ و أمّا كبرى المسألة و هي عدم استحقاق العقاب عند عدم تماميّة البيان، فلا تحتاج إلى البحث لما أشرنا آنفا من أنّها أمر مسلّم عند العقل و النّقل، إلّا أنّ الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) قد بحث عنها لبعض الأغراض و الفائدة، و لأجل ذلك نبحث عنها- أيضا- فنقول:

قد استدلّ الاصوليّون على البراءة عند الشّكّ في التّكليف بالأدلّة الأربعة:

من الكتاب و السّنّة و الإجماع و العقل.

281

الاستدلال بالكتاب‏

أمّا الكتاب، فهو قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1)،

و قوله عزّ و جلّ: وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى‏ حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى‏ إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ‏ (2) و قوله تعالى: وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ‏ (3).

تقريب الاستدلال: أنّ بعث الرّسول كناية عن بيان الأحكام و إتمام الحجّة على الأنام، فتدلّ الآيات المتقدّمة حينئذ على نفي العذاب و العقوبة بمخالفة التّكليف الّذي لم يقم عليه الحجّة و لم يتمّ فيه البيان، و هذا معنى البراءة.

و قد اورد على هذا الاستدلال بوجهين:

الأوّل: أنّ المراد من الآيات هو الإخبار عن عدم وقوع العقوبة على الامم السّابقة إلّا بعد تماميّة البيان و إتمام الحجّة عليهم، كما يشهد له استعمال لفظ الماضي فيها، فإذا لا دلالة لها على نفي العقوبة الاخرويّة عند عدم قيام الحجّة كي تكون دليلا على البراءة.

و فيه: أوّلا: أنّ نفي العقوبة الاخرويّة يستفاد من الآيات، بالأولويّة القطعيّة، لأجل أهونيّة العقوبة الدّنيويّة الّتي ليس لها دوام و بقاء.

____________

(1) سورة الإسراء (17)، الآية 15.

(2) سورة القصص (28)، الآية 59.

(3) سورة الشّعراء (26)، الآية 208.

282

و ثانيا: أنّ جملة: «ما كُنَّا» أو «ما كانَ‏» و نحوهما، إمّا تستعمل لنفي الصّلوح و الشّأنيّة، أو لنفي الإمكان و إثبات الاستحالة، فتكون منسلخة عن الزّمان بالنّسبة إلى اللّه تعالى، نظير قوله عزّ و جلّ: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ‏ و قوله تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ‏، و نتيجة ذلك، أنّ المقصود من الآيات هو أنّ التّعذيب قبل وصول التّكليف و قبل قيام الحجّة عليه، لا يليق بشأنه تعالى بلا فرق بين أن تكون العقوبة دنيويّة أو اخرويّة، و بلا فرق بين الامم و الأدوار و الأزمنة، بل هذه هي سنّة اللّه الدّائمة.

الوجه الثّاني: أنّ الآية تدلّ على نفي فعليّة العقوبة، و هذا لا يستلزم نفي استحقاقها بالمرّة، كما هو محلّ الكلام مع الأخباريّ.

و فيه: أنّ نفي الصّلوح و الشّأنيّة للتّعذيب بالدّلالة المطابقيّة، يدلّ على عدم الاستحقاق للعقوبة بالدّلالة الالتزاميّة؛ إذ من الواضح جدّا، أنّ مع الاستحقاق لا معنى لنفي صلوح التّعذيب و شأنيّته من اللّه تعالى قطعا.

و قد أجاب الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) عن هذا الوجه، بأنّ الأخباريّ يعترف الملازمة و يقول: بعدم المقتضي للاستحقاق على تقدير عدم الفعليّة، فيكفي نفي الفعليّة في عدم الاستحقاق، و نتيجة ذلك، هو أنّ الآية تدلّ على البراءة.

و لكن ردّه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) و أجاد في ذلك حيث قال، ما حاصله: أنّ الاستدلال بالآية على البراءة، يصير حينئذ جدليّا لا حقيقيّا؛ إذ دلالتها على البراءة إنّما يتمّ على مبنى الأخباريّ الّذي قال: بالملازمة، فلا ينفع بحال الاصوليّ الّذي قال:

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 2، ص 23 و 24.

283

بإنكارها، على أنّ اعتراف الأخباريّ بالملازمة بعيد إلى الغاية؛ إذ ربما تنتفي فعليّة العقوبة في مورد المعصية القطعيّة، لأجل العفو أو التّوبة أو الشّفاعة، مع ثبوت الاستحقاق هناك بلا كلام و شبهة، و ما شكّ في وجوبه أو حرمته ليس عنده بأعظم ممّا علم بحكمه، و ليس حال الوعيد بالعذاب فيه إلّا كالوعيد به فيه‏ (1). هذا تمام الكلام في الاستدلال على البراءة بالكتاب.

الاستدلال بالسّنّة

أمّا السّنة، فهي روايات، أهمّها صحيحة حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

«قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): رفع عن امّتي تسعة أشياء: الخطأ، و النّسيان، و ما اكره عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد، و الطّيرة، و التّفكر في الوسوسة في الخلق (الخلوة خ ل) ما لم ينطقوا بشفة» (2).

تقريب الاستدلال بها على البراءة عند الشّكّ في التّكليف، هو أنّ الإلزام المحتمل المجهول- من الوجوب أو الحرمة- مندرج تحت عنوان «ما لا يعلمون» فيكون مرفوعا ظاهرا و إن كان ثابتا في الواقع، فلا مؤاخذة عليه قطعا.

توضيح ذلك: أنّ الموصول في قوله (عليه السّلام): «ما لا يعلمون» له احتمالات ثلاثة:

أحدها: ما يعمّ الحكم و فعل الخارجيّ الصّادر من المكلّف؛ ثانيها: خصوص الحكم؛

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 167 و 168.

(2) وسائل الشّيعة: ج 11، كتاب الجهاد، الباب 56 من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، الحديث 1، ص 295.

284

ثالثها: خصوص الفعل الخارجي.

و لا يخفى: أنّه بناء على الاحتمال الأوّل يشمل الرّواية الشّبهات الحكميّة و الموضوعيّة و تكون من أدلّة البراءة في كلتا الشّبهتين، و وجهه واضح.

و كذا بناء على الاحتمال الثّاني فتشمل الرّواية كلتا الشّبهتين- أيضا- و ذلك، لأنّ المنشأ للجهل بالحكم، إمّا يحتمل كونه أحد امور ثلاثة، و هي فقد النّص و إجماله و تعارض النّصّين، فالشّبهة حينئذ تكون حكميّة، و إمّا يحتمل كونه امورا و عللا خارجيّة، كالجهل و العمى و الظّلمة، فالشّبهة حينئذ تكون موضوعيّة.

و بعبارة اخرى: إنّ مفاد الحديث بناء على كون المراد من الموصول هو الحكم، ليس إلّا هو رفع الحكم المجهول، سواء كان منشأ الجهل هو فقد النّص و إجماله و تعارض النّصين، أو الامور الخارجيّة.

و أمّا بناء على الاحتمال الثّالث (كون المراد من الموصول هو خصوص الفعل الخارجيّ) فتختصّ الرّواية بالشّبهة الموضوعيّة؛ إذ المراد من الفعل المجهول المرفوع هو المجهول بنفسه لا بحكمه، كأن لا يعلم أنّ أكل هذا اللّحم، أكل ميتة أو أكل مذكّى، أو لا يعلم أنّ شرب هذا المائع، شرب خمر أو شرب ماء، فعلى هذا لا تشمل الرّواية للشّبهة الحكميّة الّتي لا يكون الفعل فيها بعنوانه مجهولا البتّة.

ثمّ إنّه قد يدّعى، أنّ المتعيّن في الرّواية هو هذا الاحتمال الثّالث، فتكون حينئذ من أدلّة البراءة في الشّبهات الموضوعيّة لا الحكميّة. و يستشهد لهذه الدّعوى بجهات:

الاولى: أنّ المراد من الموصول في غير عنوان «ما لا يعلمون» هو الفعل الخارجيّ لا الحكم؛ لأنّه الّذي لا يطيقونه، أو يكرهون عليه، أو يضطرّون إليه، بخلاف‏

285

الحكم، كيف، و أنّ الحكم إنّما هو فعل الشّارع، فلا يعقل تعلّق العناوين المذكورة عليه، فوحدة السّياق يقتضي أن يكون المراد من الموصول في عنوان «ما لا يعلمون»- أيضا- هو الفعل لا الحكم. و بعبارة اخرى: لا إكراه على الحكم و لا اضطرار إليه و هكذا، بل هي كلّها إنّما يصحّ إسنادها إلى الأعمال و الأفعال الصّادرة من المكلّفين، فالفعل هو المكره عليه، و المضطرّ إليه و هكذا، لا الحكم، فلا مناص إذا من إسناد «ما لا يعلمون»- أيضا- إلى الفعل الخارجيّ لا الحكم، حفظا لوحدة السّياق بين العناوين.

و فيه: أنّ هنا خلطا بين المصداق و المفهوم؛ و ذلك، لأنّه ليس للموصول في جميع العناوين المذكورة، إلّا مفهوما واحدا مساوقا لكلمة: «الشّي‏ء» فكأنّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: رفع عن امّتي الشّي‏ء الّذي لا يعلمونه، أو لا يطيقونه، أو استكرهوا عليه، أو اضطرّوا إليه، و التّعدّد إنّما هو في مصاديق الموصول و ما ينطبق عليه خارجا، و ليس هذا إلّا لأجل التّعدّد في الصّلة و هي العناوين المذكورة، فيكون مصداقه في غير عنوان «ما لا يعلمون» من سائر العناوين هو خصوص الفعل الخارجيّ، و أمّا في عنوان «ما لا يعلمون» هو الأعمّ من الفعل و الحكم.

و عليه: فلا اختلاف في معنى الموصول حتّى يوجب انثلام وحدة السّياق، بل الاختلاف إنّما هو في المصداق الّذي لا يوجب له، فما هو الموجب للانثلام من اختلاف المعنى، غير موجود، و ما هو الموجود من اختلاف المصاديق، غير موجب له.

و بالجملة: إنّ وحدة السّياق في الحديث الّتي تدور مدار وحدة المعنى، لا توجب وحدة المصداق، كما أنّ اختلاف المصداق لا يوجب اختلاف المعنى و انثلام وحدة السّياق.

286

الجهة الثّانية: أنّه لو كان المراد من الموصول في جميع العناوين المذكورة هو الفعل الخارجيّ، لكان إسناد الرّفع في الجميع مجازيّا، لوضوح عدم تعلّق الرّفع الحقيقيّ بالفعل الخارجيّ، حيث لا يكون وضعه و رفعه بيد الشّرع، بل هو تابع لوضع علله و رفعها، كسائر الامور التّكوينيّة، فالحديث إذا، يختصّ بالشّبهات الموضوعيّة؛ و أمّا لو كان المراد منه في خصوص عنوان «ما لا يعلمون» هو الحكم، لكان إسناد الرّفع بالإضافة إليه، حقيقيّا؛ إذ رفع الحكم كوضعه يكون بيد الشّرع، و بالإضافة إلى سائر العناوين مجازيّا، و هذا في نفسه لا بدع فيه، إلّا أنّ الرّفع في الحديث قد اسند بإسناد واحد إلى عنوان جامع واحد و هو عنوان «تسعة» حيث قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع عن امّتي تسعة» و لم يقل «رفع عن امّتي ما لا يعلمون ...» حتّى يصير الإسناد بالإضافة إلى بعض العناوين حقيقيّا، و بالإضافة إلى بعضها الآخر مجازيّا، بل العناوين التّسعة بعد كلمة:

«تسعة» الّتي هو العنوان الجامع، معرّفات و تفاصيل له.

و بالجملة: فالإسناد الكلاميّ الّذي يكون معيارا للحقيقة و المجاز، واحد و إن كان بحسب اللّب و التّحليل متعدّدا، و لازم ذلك، هو أن يكون الإسناد الواحد حقيقيّا و مجازيّا بحسب اختلاف مصاديق المسند إليه و هو «تسعة»، و هذا غير جائز.

و فيه: أنّ ذلك إنّما يتمّ لو كان المراد من الرّفع هو الرّفع التّكويني؛ إذ يلزم حينئذ كون الرّفع بالنّسبة إلى الفعل مجازيّا لا محالة، نظرا إلى أنّه متحقّق في الخارج، غير قابل للرّفع، و هذا بخلاف ما لو كان المراد من الرّفع هو الرّفع التّشريعي، كما هو كذلك، فلا تلزم المجازيّة فيه حتّى فيما لو كان المرفوع هو الفعل؛ بداهة، أنّ معنى رفع الفعل تشريعا هو عدم كونه موردا للاعتبار الشّرعي، كما في بعض موارد الحكومة،

287

نظير قوله: «لا ربابين الوالد و الولد» و على هذا يكون إسناد الرّفع إلى الفعل في الحديث، كإسناده إلى الحكم حقيقيّا، فلا فرق بين أن يراد من الموصول في عنوان «ما لا يعلمون» الفعل الخارجيّ أو الحكم الشّرعيّ.

الجهة الثّالثة: أنّه لا شكّ في أنّ الصّحيحة الدّالّة على رفع «تسعة الأشياء عن الامّة» كسائر الرّوايات الدّالّة على هذا المضمون، إنّما وردت في مقام الامتنان و التّوسعة، و هذا- مضافا إلى طبيعة كلمة: «الرّفع»- يقتضي أن يكون المرفوع أمرا ثقيلا، كي يكون رفعه من الامّة من باب الإرفاق و المنّة.

و لا ريب: أنّ الثّقيل على الامّة هو الفعل و العمل الخارجيّ الصّادر من المكلّفين، لا الحكم، لأنّه فعل صادر من المولى ربّ العزّة و القدرة؛ و ليس فعلا للمكلّف حتّى يكون ثقيلا و كلفة عليه.

نعم، سمّي الحكم تكليفا، لا لكونه كلفة و ثقلا على المولى، و لا لكونه بنفسه من أثقال العباد و أعمالهم، بل لكونه موجبا للإبتلاء المكلّف بكلفة الفعل و مشقّته، أو بكلفة التّرك و صعوبته.

و عليه: فلا بدّ أن يراد من الموصول في جميع العناوين حتّى عنوان «ما لا يعلمون» هو خصوص الفعل لا الحكم، فإذا يختصّ الحديث بالشّبهات الموضوعيّة.

و فيه: أنّ التّكليف و الحكم و إن لم يكن بنفسه ثقيلا على الامّة، لكنّه يكون سببا لوقوع المكلّف في الكلفة و الصّعوبة؛ و لذلك يصحّ إسناد الرّفع إليه من باب الإسناد إلى السّبب بلا عناية و مجاز، كما يصحّ إسناده إلى الأثر- أيضا- كذلك‏

288

بلا شبهة، فيصحّ أن يقال: رفع الإلزام- و هو الوجوب أو الحرمة- أو رفع المؤاخذة و العقوبة. و تحقيق الأمر سيجي‏ء إن شاء اللّه تعالى.

الجهة الرّابعة: أنّ الرّفع و الوضع متقابلان متواردان على مورد واحد و متعلّق فارد، و المتعلّق في الوضع هو الفعل، لا الحكم، حيث إنّ التّكليف عبارة عن وضع الفعل و جعله على ذمّة المكلّف بحسب الاعتبار و التّشريع، فمتعلّق الرّفع- أيضا- هو الفعل، و قضيّة ذلك، اختصاص الحديث بالشّبهة الموضوعيّة.

و فيه: أنّ الوضع و الرّفع لكونهما تشريعيين يتعلّقان بالأحكام، لا الأفعال الخارجيّة. غاية الأمر، قد ترفع الأحكام أو توضع بلسان أنفسها، و قد ترفع و توضع بلسان موضوعاتها.

الجهة الخامسة: لا كلام و لا إشكال في شمول الحديث للشّبهات الموضوعيّة، فلا بدّ أن يراد من الموصول في عنوان «ما لا يعلمون» كسائر العناوين، خصوص الفعل يقينا؛ إذ لو اريد منه الحكم- أيضا- كي يعمّ الشّبهات الحكميّة، لزم استعمال الموصول في معنيين، و هذا غير جائز قطعا، و نتيجة ذلك، هو اختصاص الحديث بالشّبهات الموضوعيّة.

و فيه: أوّلا: أنّ هذا- كما عرفت سابقا- خلط بين المصداق و المعنى؛ و ذلك لأنّ الموصول لم يستعمل في الفعل، و لا في الحكم، بل استعمل في معناه المبهم، غاية الأمر، قد يصدق على الفعل، و قد يصدق على الحكم، كما لا يخفى، و قد عرفت: أنّ اختلاف المصاديق و تعدّدها، لا يوجب اختلاف المعاني و تعدّدها.

و ثانيا: أنّ الحديث يعمّ الشّبهات الموضوعيّة حتّى فيما إذا اريد بالموصول هو

289

الحكم فقط، من دون حاجة إلى إرادة الفعل منه- أيضا- بتقريب: أنّ الحكم المجهول، إمّا مجهول لأحد امور ثلاثة: من فقدان النّص و إجماله و تعارض النّصين، كما في الشّبهات الحكميّة، أو لأجل امور خارجة: من جهل أو عمى أو ظلمة، كما في الشّبهات الموضوعيّة.

و ثالثا: لو أغمضنا عن ذلك و قلنا: بإرادة كلتا الشّبهتين من الموصول، نمنع عدم إمكان استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد، على ما قرّر في محلّه.

فتحصّل: أنّ الشّواهد الخمسة على خصوص إرادة الفعل الخارجيّ من الموصول مردودة، بل المراد منه هو الأعمّ من الحكم و الفعل، فلا يختصّ الحديث بالشّبهات الموضوعيّة، بل يعمّها و الشّبهات الحكميّة، و على هذا يتمّ الاستدلال به على البراءة عند الشّكّ في التّكليف.

نعم، ورد على الحديث إشكالات اخرى لا بدّ من دفعها، و الحري الاكتفاء بذكر واحد منها و هو المهمّ؛ حاصله: أنّ الرّفع عبارة عن إزالة الشّي‏ء الموجود الثّابت الّذي له اقتضاء و استعداد للبقاء، قبال الدّفع الّذي هو عبارة عن منع المقتضي (بالكسر) عن التّأثير في وجود المقتضى (بالفتح).

و إن شئت، فقل: الرّفع عبارة عن إزالة الشّي‏ء بعد وجوده و تحقّقه، أو إزالة الشّي‏ء عن صفة الوجود بعد تحقّقه و تحصّله، و الدّفع عبارة عن منع الشّي‏ء عن تحصّله و تحقّقه، فالرّفع منع عن البقاء بعد الحدوث، و الدّفع منع عن أصل الحدوث، و المفروض أنّه ليس لعنوان «ما لا يعلمون» و ساير العناوين حكم ثابت موجود في زمان كي يرفع و يمنع عن بقاءه للإرفاق و الامتنان.

290

و فيه: أنّ الرّفع في الحديث و إن كان بمعناه الحقيقي و هو إزالة الشّي‏ء بعد وجوده و تحقّقه، إلّا أنّ المرفوع ليس هو الحكم كي يلزم ما ذكر من الإشكال، بل حيث إنّ الرّفع اسند إلى كلمة: «تسعة» مضافة إلى كلمة: «أشياء» كان المرفوع هو كلمة: «تسعة أشياء» الّتي تفسّر بالعناوين المذكورة من الخطأ و السّهو و ما لا يعلمون و ...، و أنت ترى، أنّ هذه الخصال التّسع امور متحقّقه موجودة في الامّة كثيرا.

و عليه: فيصحّ إسناد الرّفع إليها حقيقة من دون استعماله بدل الدّفع، كما أفاده المحقّق النّائيني (قدّس سرّه)(1) في مقام الجواب عن الإشكال المذكور، و من دون حاجة إلى الادّعاء و المسامحة، كما أفاده الإمام الرّاحل (قدّس سرّه)(2)؛ و ذلك، لأنّ الرّفع هنا- كما عرفت سابقا- تشريعيّ، بمعنى: عدم كون هذه الامور مصبّا للاعتبار الشّرعيّ حقيقة، و عدم ترتيب الشّارع عليها الأثر واقعا، فعلى هذا لا مجال للمسامحة و الادّعاء، و إنّما يتأتّى ذلك لو كان المراد من الرّفع هو الرّفع التّكويني، كما هو واضح.

و بالجملة: الرّفع معناه الإزالة دائما، غاية الأمر، قد تكون الإزالة تكوينيّة و قد تكون تشريعيّة، نظير الإرادة فإنّ معناها واحد، و الاختلاف إنّما هو من جهة كونها تكوينيّة أو تشريعيّة، و المراد منه في الحديث، هو الإزالة التّشريعيّة، فإذا لا يبقى المجال لما عن المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) من جعل الرّفع بمعنى الدّفع، و ما عن الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) من ارتكاب المسامحة و الادّعاء في معنى الرّفع.

نعم، تطبيق حديث الرّفع على مورد يحتاج إلى تحقّق شروط:

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 336 و 337.

(2) راجع، أنوار الهداية: ج 2، ص 47 و 48.

291

الأوّل: أن يكون في رفعه منّة على الامّة، فلا يرفع به ضمان الإتلاف الإكراهيّ أو الاضطراريّ أو الخطائيّ أو نحوها؛ لكون رفعه خلاف الامتنان بالنّسبة إلى المالك و إن كان امتنانا بالنّسبة إلى المتلف، و كذا لا يرفع بالحديث صحّة البيع الاضطراريّ، لأجل أنّه مخالف للإرفاق و الامتنان، كما هو واضح.

الشّرط الثّاني: أن يكون الأثر المرفوع بنفسه أو بمتعلّقه و موضوعه، مترتّبا على فعل المكلّف بما هو فعله، كشرب الخمر و قتل النّفس المحترمة، فلا يرفع بحديث الرّفع أثر نجاسة المتنجّس المترتّبة على عنوان الملاقاة للنّجاسة، لا بما هي فعل المكلّف، بل بما هي هي، و إن كانت من غير ناحية إرادته متحقّقة، فلو لاقى بدن الإنسان للنّجاسة اضطرارا أو إكراها أو نسيانا أو نحوها، لا يمكن الحكم برفع نجاسته، لعدم ترتّب تنجّس الملاقي على الملاقاة بما هو فعل المكلّف، بل هو مترتّب على نفس الملاقاة بأيّ نحو تحقّقت، و كذا لا يرفع به وجوب قضاء الفائت من المكلّف خطاء أو اضطرارا أو إكراها أو نحوها؛ إذ هو مترتّب على نفس الفوت بما هو فوت، لا بما هو فعل المكلّف و تفويت منه، و لذا ورد في الأدلّة مثل قوله (عليه السّلام): «اقض ما فات» لا «اقض ما فوّت».

الشّرط الثّالث: أن يكون الحديث ناظرا إلى الأفعال الّتي لو خلّيت و أنفسها- مع قطع النّظر عن طروّ عنوان مثل الخطأ و النّسيان- تكون ذوات آثار، كشرب الخمر و قتل النّفس المحترمة و نحوهما من الأفعال الّتي تكون محرّمة و موجبة للقصاص، و الخروج عن العدالة لو صدرت عن علم و عمد و إرادة، فإذا صدرت أمثال تلك الأفعال عن المكلّف خطاء أو نسيانا أو اضطرارا ... لكانت مرفوعة خالية

292

عن تلك الآثار بلا شبهة، و هذا بخلاف ما إذا كانت الآثار مترتّبة على الأفعال مع ملاحظة طروّ عنوان الخطأ أو النّسيان أو نحوهما، كوجوب الدّية المترتّب على قتل نفس محترمة في فرض الخطأ، و وجوب سجدتي السّهو المترتّب على نسيان السّجدة؛ فإنّها لا ترتفع بلحاظ تلك الآثار، لاستحالة أن يكون الموجب لثبوت حكم، موجبا بنفسه لارتفاع ذلك الحكم، و هذا واضح غاية الوضوح.

اعلم، أنّ النّسبة بين حديث الرّفع و بين أدلّة الأحكام الأوّليّة كدليل حرمة شرب الخمر و نحوه و إن كانت عموما من وجه، إلّا أنّهما لا يتعارضان في مورد الاجتماع؛ و ذلك، لأجل أنّ حديث الرّفع يكون حاكما على أدلّة الأحكام حكومة تحديد و تضييق، بحيث يوجب الحديث تضييق دائرة عقد الوضع من ناحية أدلّة الأحكام، كحكومة دليل نفي الضّرر أو العسر و الحرج عليها، فأدلّة شرب الخمر و نحوه تعمّ حال الاضطرار و الإكراه و الجهل و نحوها من حالات اخرى، و الحديث ناظر إليها، فيرفع تشريع شرب الخمر و نحوه في تلك الحالات و يقول: إنّ شرب الخمر- مثلا- إذا اضطر إليه، مرفوع تشريعا، بمعنى: أنّه جعل في عالم التّشريع بلا أثر.

و نتيجة ذلك: أنّ الحديث يحدّد متعلّق الحكم (شرب الخمر) و يضيّقه بإخراج الشّرب الاضطراريّ أو الإكراهيّ و نحوهما منه إخراجا تشريعيّا، و هذا يكون جمعا عرفيّا بين الحديث، و بين أدلّة الأحكام، فلا تلاحظ النّسبة و أنّها هو العموم من وجه حتّى تقع بينهما المعارضة في مورد الاجتماع، كما لا تلاحظ نسبة العموم من وجه بين الوضوء و الغسل، و بين دليل نفي الضّرر أو العسر و الحرج؛ و ذلك لما بينهما من الحكومة المضيّقة الرّافعة للتّنافي و التّعارض المتوهّم.

293

و بما ذكرنا: من الحكومة و النّظر إلى عقد الوضع و تضييقه بإخراج الفعل الاضطراريّ- مثلا- تشريعا، بمعنى: جعله بلا أثر رأسا، كما هو الظّاهر، لا مجال للتّقدير بعد قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع عن امّتي ...» حتّى يسأل عن المقدّر بأنّه هل هي المؤاخذة أو الأثر المناسب لكلّ واحد من العناوين أو جميع الآثار؟ و وجهه واضح.

نعم، بعد الغضّ عمّا ذكرنا و وصول الدّور إلى التّقدير، ليس المقدّر هو المؤاخذة أو الآثار المناسب لكلّ واحد من العناوين، بل المقدّر هو جميع الآثار، فالكلام يقع في مقامين: الأوّل: في نفي تقدير المؤاخذة و الآثار المناسب؛ الثّاني: في إثبات تقدير جميع الآثار.

أمّا المقام الأوّل: فنقول: عدم تقدير المؤاخذة له وجهان: أحدهما: إطلاق الحديث الشّامل للمؤاخذة و غيرها من آثار اخرى؛ ثانيهما: رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر، جميعا، عن أبي الحسن (عليه السّلام): «في رجل يستكره على اليمين، فيحلف بالطّلاق و العتاق و صدقة ما يملك، أ يلزمه ذلك؟ فقال: لا، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): وضع عن امّتي ما اكرهوا عليه و لم يطيقوا و ما أخطئوا» (1)، حيث استشهد الإمام (عليه السّلام) بالحديث لرفع صحّة الطّلاق و أخويه (العتاق و صدقة ما يملك)، لا لرفع المؤاخذة، و واضح، أنّ الصّحّة المرفوعة، حكم وضعيّ.

و عليه: فيعلم من هذا الاستشهاد، أنّ المرفوع ليس هو خصوص المؤاخذة، و لا خصوص الحكم التّكليفيّ، بل المرفوع جميع الآثار و الأحكام، كما يعلم منه‏

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 16، كتاب العتق و الأطعمة و الأشربة، الباب 12 من أبواب الأيمان، الحديث 12، ص 164.

294

- أيضا- أنّ صلاحيّة الحديث لرفع الحكم الوضعيّ، كالتّكليفيّ كانت مفروغا عنها و مسلّمة بين الإمام (عليه السّلام) و السّائل المخاطب، و كذا يعلم منه- أيضا- أنّ عموم الرّفع بلسان نفي الموضوع، كان هو المتبادر من الحديث لدى الأذهان، لا لأنّه كان مسلّما في فقه العامّة و مقبولا عندهم فقط حتّى يكون الاستشهاد من باب الجدل و لمجرّد إقناع الخصم؛ إذ هذا غير معلوم، بل معلوم العدم ظاهرا، كيف، و أنّ أمثال هذه المسألة لم تكن معنونة في تلك الأزمنة، بل هي معنونة في الأعصار الأخيرة، فأصل الاستشهاد به ليس من باب الجدل.

نعم، تطبيق كبرى الرّفع على المورد يكون من باب الجدل، لبطلان الحلف بالطّلاق و أخويه عندنا- لا عندهم- حال الاختيار و الرّغبة، فضلا عن حال الإكراه و الكراهة.

فعلى ما ذكرنا، لا مجال لأن يقال: لا يستفاد من مجرّد الاستشهاد، أنّ الحديث يكون دليلا على رفع جميع الآثار واقعا، لكون الاستشهاد به من باب الجدل، و لمجرّد إقناع الخصم.

هذا، مضافا إلى أنّ رفع الموضوع رأسا لرفع الأثر، أو رفع الأثر بلسان رفع الموضوع تماما، إنّما يحسن و يصحّ لو كان المراد هو رفع جميع الآثار، أو رفع ما هو العمدة بين الآثار المتعدّدة، لا رفع المؤاخذة الّتي ليست كلّ الأثر، و لا العمدة من بين الآثار المختلفة؛ إذ الموضوع لا يرفع إلّا برفعهما، كما هو الواضح.

فتحصّل: أنّ المقدّر في الحديث هو جميع الآثار، لا كلمة: «المؤاخذة» و وجهه هو أنّ تقديرها مخالف لإطلاق الحديث الشّامل للمؤاخذة و غيرها، و مخالف‏

295

لاستشهاد الإمام (عليه السّلام) بالحديث في صحيحة البزنطي على رفع الحكم الوضعى و هو صحّة الطّلاق و العتاق و الصّدقة.

و قد ذكر لعدم تقدير المؤاخذة وجهان آخران و هما ضعيفان:

أحدهما: ما عن السّيّد البروجردي (قدّس سرّه) قال، ما حاصله: إنّ المؤاخذة ليست من الامور الاعتباريّة القابلة للوضع تشريعا حتّى ترفع كذلك، و إنّما هي تكون من الامور التّكوينيّة الواقعيّة، و الأمر الّذي كان بيد الشّارع وضعا و رفعا، ليس إلّا الحكم من الوجوب و الحرمة، فهو المقدّر المرفوع لا غير. (1)

و فيه: أنّ المؤاخذة إنّما هي من تبعات المخالفة للتّكاليف الإلهيّة و آثارها، فتكون قابلة للرّفع بنفسها أو برفع ما يوجبها و هو الحكم الشّرعيّ.

و بعبارة اخرى: أنّ وضع المؤاخذة و رفعها يكونان بيد الشّرع و لو مع الواسطة، فيصحّ إسناد الرّفع إليها بتقديرها بلا شبهة.

ثانيهما: أنّ المؤاخذة و إن كانت من توابع الحكم و التّكليف و آثاره، لكن لا شبهة في كونها من توابعه على تقدير تنجّزه؛ إذ لا عقوبة و لا مؤاخذة على ما لم ينجّز منه- كالواقع المجهول- حتّى ترفع، و المفروض، أنّ التّكليف في مورد الحديث و هو الاضطرار و الإكراه و الجهل و نحوها، غير منجّز، فلا يمكن حينئذ تقدير المؤاخذة.

و فيه: أنّ المؤاخذة و إن كانت في مورد التّكليف المنجّز و هو غير مورد الحديث، إلّا أنّه مع ذلك لا مانع من تقديرها في مورده- أيضا- إذ المفروض، أنّ المؤاخذة تتأتّى بإيجاب الاحتياط في مورد الجهل و الشّكّ، فرفعها كاشف عن عدم‏

____________

(1) راجع، نهاية الاصول: ص 583 و 584.

296

إيجابه كشفا إنيّا. هذا كلّه بالنّسبة إلى عدم تقدير المؤاخذة.

و أمّا عدم تقدير الأثر المناسب لكلّ واحد من العناوين- كالمضرّة المناسبة للطّيرة، و الكفر المناسب للوسوسة، و المؤاخذة المناسبة لسائر العناوين- فقد اتّضح وجهه ممّا ذكرنا، حول عدم تقدير المؤاخذة، مضافا إلى ما أشرنا إليه، من أنّ المرفوع هي نفس عنوان «التّسعة» المفسّرة بالعناوين التّسعة، إلى هنا قد تمّ الكلام في المقام الأوّل.

أمّا المقام الثّاني (إثبات تقدير جميع الآثار): فنقول: لو وصلت الدّور إلى التّقدير، فلا مناص من تقدير جميع الآثار؛ إذ المناسب لرفع الأشياء التّسعة بتمامها من الخطأ و النّسيان و نحوهما في دائرة التّشريع هو رفع جميع آثارها، و عدم ترتيب أيّ أثر عليها، فرفع شرب الخمر- مثلا- إذا صدرت خطاء أو اضطرارا أو إكراها أو نحوها، معناه: أنّ الشّارع رفع عنه جميع الآثار المترتّبة عليه شرعا حال العمد و الاختيار، كالحرمة و المعصية و المؤاخذة و الحدّ و الفسق.

يظهر من ذلك: أنّ حديث الرّفع يعم جميع الآثار و الأحكام، سواء كانت تكليفة أو وضعيّة، فلا حاجة إلى البحث عن هذا الأمر بحياله، و قد أشرنا سابقا- أيضا- إلى شمول الحديث للشّبهات الحكميّة و الموضوعيّة.

ثمّ إنّه بقي حول الحديث بعض جهات ينبغي أن يبحث عنها بوجه الإيجاز و الإشارة:

الاولى: هل الحديث يعمّ الامور العدميّة- أيضا- أو يختصّ بالامور الوجوديّة وجهان، بل قولان: و الحقّ هو الأوّل، و لكن ذهب المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) إلى‏

297

الثّاني، فقال: «و إن اكره المكلّف على التّرك أو اضطرّ إليه أو نسي الفعل، ففي شمول حديث الرّفع لذلك إشكال- مثلا- لو نذر أن يشرب من ماء الدّجلة، فاكره على العدم أو اضطرّ إليه أو نسي أن يشرب، فمقتضى القاعدة وجوب الكفّارة عليه لو لم تكن أدلّة وجوب الكفّارة مختصّة بصورة تعمّد الحنث ... فإنّ شأن الرّفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود، لأنّ تنزيل المعدوم منزلة الموجود إنّما يكون وضعا لا رفعا، و المفروض، أنّ المكلّف قد ترك الفعل عن إكراه أو نسيان، فلم يصدر منه أمر وجوديّ قابل للرّفع، و لا يمكن أن يكون عدم الشّرب في المثال مرفوعا و جعله كالشّرب حتّى يقال: إنّه لم يتحقّق مخالفة النّذر، فلا حنث و لا كفّارة» (1).

و فيه: أنّ المرفوع على ما تقدّم منّا، إنّما يكون نفس الخطأ و النّسيان و نحوهما من سائر العناوين. و معلوم، أنّ هذه العناوين كما تتعلّق بالامور الوجوديّة و هي الأفعال، أو تنطبق عليها، كذلك تتعلّق بالامور العدميّة و هي التّروك أو تنطبق عليها، فالرّفع المتعلّق بها يرفعها بأيّ شي‏ء تعلّقت أو على أيّ شي‏ء انطبقت من أفعال أو تروك.

أ لا ترى، أنّ الخطأ- مثلا- قد يتعلّق بالفعل، كشرب الخمر، و قد يتعلّق بالتّرك، كترك صلاة اللّيل المنذورة، و الرّفع في فرض تعلّقه بالفعل كما يكون مشتملا على الإرفاق و المنّة، كذلك الرّفع في فرض تعلّقه بالتّرك. و قد عرفت: أنّ الرّفع‏

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 352 و 353.

298

تشريعيّ و معناه: هو عدم ترتيب الأثر من ناحية الشّرع على تلك العناوين، فلا تأويل في البين، و لا تنزيل أصلا.

هذا بناء على ما سلكناه من إسناد الرّفع إلى العناوين التّسعة حقيقة و أنّ المرفوع هو نفسها تشريعا، و أمّا بناء على ما سلكه الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) من الرّفع الادّعائي، فلا مجال- أيضا- لما ذكره المحقّق النّائيني (قدّس سرّه)؛ إذ الرّفع الادّعائي، كما لا يتعلّق بالأمر الوجودي حقيقة، بل يتعلّق به ادّعاء بلحاظ الآثار، كذلك لا يتعلّق بالأمر العدميّ حقيقة، بل تعلّق به ادّعاء بلحاظ الآثار. (1)

الجهة الثّانية: هل يعمّ حديث الرّفع جزء العبادة أو شرطها إذا ترك نسيانا و نحوه حتّى تصير العبادة صحيحة، أم لا؟ فيه- أيضا- وجهان: و الحقّ هو الأوّل، و لكن ذهب المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) إلى الثّاني، و استدلّ (قدّس سرّه) على مختاره بوجوه: منها: أنّ الحديث لا يشمل الامور العدميّة و أنّه لا محلّ لورود الرّفع- مثلا- على السّورة المنسيّة في الصّلاة.

و فيه: ما عرفت آنفا، من أنّ المرفوع هو نفس العناوين من الخطأ و نحوه، فلا فرق بين أن تتعلّق تلك العناوين بالأفعال أو تتعلّق بالتّروك، فكما أنّ شرب الخمر- مثلا- عن نسيان مرفوع، كذلك ترك جزء الصّلاة عن نسيان.

و منها: أنّ الأثر المترتّب على الجزء و الشّرط ليس إلّا الإجزاء و صحّة العبادة و هما ليسا من الآثار الشّرعيّة الّتي تقبل الوضع و الرّفع، بل يكونان من الآثار

____________

(1) راجع، أنوار الهداية: ج 2، في ذيل الصّفحة 52.

299

العقليّة الّتي ليس وضعها و رفعها بيد الشّارع.

و فيه: أنّ الجزئيّة و الشّرطيّة قابلتان للوضع و الرّفع بمنشإ انتزاعهما، و هذا كاف بلا حاجة إلى أثر آخر من الصّحّة و الإجزاء كي يقال: بكونه من الآثار العقليّة، فلا يتعلّق به الوضع و الرّفع الشّرعيّ.

و منها: أنّه لا كلام في كون حديث الرّفع و نحوه للإرفاق و الامتنان، و واضح، أنّ رفع الجزء أو الشّرط باعتبار أثر الصّحّة و الإجزاء، يقتضي فساد العبادة و عدم الإجزاء، و هذا خلاف الامتنان و ينتج عكس المطلوب.

و فيه: أنّ المفروض هو رفع ترك الجزء أو الشّرط نسيانا، و رفعه إنّما هو برفع آثاره و منها الجزئيّة أو الشّرطيّة، و أنت ترى، أنّه ليس في مثل هذا الرّفع خلاف الامتنان و المنّة.

هذا كلّه ما أفاده (قدّس سرّه) بالنّسبة إلى الجزء و الشّرط، و أمّا بالنّسبة إلى المركّب الفاقد لهما، فقال: «و أمّا بالنّسبة إلى المركّب الفاقد للجزء أو الشّرط المنسي، فهو و إن كان أمرا وجوديّا قابلا لتوجّه الرّفع إليه، إلّا أنّه أوّلا: ليس هو المنسيّ أو المكره عليه ليتوجّه الرّفع إليه؛ و ثانيا: لا فائدة في رفعه، لأنّ رفع المركّب الفاقد للجزء أو الشّرط لا يثبت المركّب الواجد له، فإنّ ذلك يكون وضعا، لا رفعا، و ليس للمركّب الفاقد للجزء أو الشّرط أثر يصحّ رفع المركّب بلحاظه، فإنّ الصّلاة بلا سورة- مثلا- لا يترتّب عليها أثر إلّا الفساد و عدم الإجزاء و هو غير قابل للرّفع الشّرعيّ» (1).

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3، ص 354.

300

و فيه: أنّ حديث الرّفع- على ما عرفت سابقا- حاكم على أدلّة الأحكام الأوّليّة من أدلّة المركّبات و الأجزاء و الشّرائط. و لا ريب، أنّ نتيجة إعمال الحكومة هو اختصاص الأجزاء و الشّرائط بغير حال النّسيان- مثلا- فيصير المركّب الفاقد لهما تمام المأمور به، و هذا لا فرق فيه بين نسيان الحكم و هو الجزئيّة و الشّرطيّة، و بين نسيان الموضوع و هو الجزء أو الشّرط. و عليه: فلا مجال لأن يقال: إذا كان المنسي هو الجزء- مثلا- لا الجزئيّة فلم ترفع الجزئيّة، إذ يقال في جوابه: بأنّ رفع الجزء رفع له بجميع آثاره منها الجزئيّة، و معه يصدق على المأتي به أنّه تمام المأمور به، حال النّسيان، فيسقط الأمر المتعلّق به؛ بداهة، أنّ الأمر يسقط بالامتثال أو بالعصيان- بعض الأحيان- أو بحصول الغرض.

و كذلك لا مجال لأن يقال: إنّ حديث الرّفع لا يتكفّل لتحديد دائرة المأمور به، و أنّه لا إطلاق له لرفع الجزء أو الشّرط حتّى بعد زوال النّسيان.

إذ يقال في جوابه: إنّه يكفي الرّفع حال النّسيان، لتطبيق المأمور به على المأتي به، فيسقط الأمر، و لا معنى لبقائه أو حدوث الأمر.

إن قلت: إنّ حديث الرّفع بأنّه إنّما يصحّح العبادة الفاقدة للأجزاء و الشّرائط نسيانا، إذا أمكن اختصاص النّاسي بالتّكليف و الخطاب، و المفروض أنّه غير ممكن، فلا يوجب الحديث تصحيح العبادة.

قلت: أوّلا: أنّ خطاب النّاسي تحت عنوان آخر ممكن؛ و ثانيا: لا حاجة إلى خطاب خاصّ بالنّسبة إلى النّاسي في تصحيح العبادة كي يقال: بعدم إمكانه، بل يكفي‏

301

الخطاب العامّ الشّامل للنّاسي- أيضا- في ذلك كالذّاكر، و هما منبعثان بالأمر المتعلّق بالصّلاة و هو أمر واحد لا تعدّد فيه، إلّا أنّ مصاديق طبيعة الصّلاة مختلفة حال الذّكر و النّسيان، و الاختيار و الاضطرار، و الحضر و السّفر و غيرها من أنحاء المصاديق، فحديث الرّفع بالحكومة يجعل النّاقص من مصاديق الطّبيعة، كالكامل، و هذا نظير تنزيل التّراب منزلة الماء، و تنزيل الطّهارة التّرابيّة منزلة الطّهارة المائيّة و غير ذلك.

ثمّ إنّ المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) قد التزم في ذيل كلامه المتقدّم أمران آخران، لا يمكن المساعدة عليهما، أحدهما: أنّه لا يمكن تصحيح العبادة الفاقدة للجزء أو الشّرط بمثل حديث الرّفع، لعدم تعلّقه بالامور العدميّة، بل لا بدّ من التماس دليل آخر و هو في الصّلاة، قوله (عليه السّلام): «لا تعاد الصّلاة إلّا عن خمس» مضافا إلى أنّه لو كان المدرك في صحّة الصّلاة هو حديث الرّفع، كان اللّازم صحّة الصّلاة بمجرّد نسيان الجزء أو الشّرط مطلقا من غير فرق بين الأركان و غيرها، لعدم استفادة التّفصيل من الحديث، و يؤيّد ذلك، أنّه لم يعهد من الفقهاء التّمسّك بحديث الرّفع لصحّة الصّلاة و غيرها من سائر المركّبات.

و فيه: أوّلا: أنّ حديث الرّفع يتعلّق بالأمر العدمي على ما مرّ بيانه؛ و ثانيا:

أنّ إطلاق الحديث أو عمومه بالنّسبة إلى الأركان و غيرها، ممنوع، و ذلك لورود التّقييد أو التّخصيص بدليل آخر دالّ على التّفصيل بين الرّكن و غيره، فلا يلزم من تصحيح الصّلاة بالحديث هو تصحيحها حتّى بالنّسبة إلى ترك الأركان.

و ثالثا: أنّ عدم معهوديّة التّمسّك بالحديث لصحّة الصّلاة من الفقهاء،

302

غير ثابت بل الثّابت أنّ جماعة منهم قد تمسّكوا لتصحيح الصّلاة بحديث الرّفع، كالسّيّد المرتضى (قدّس سرّه)(1) و ابن زهرة (2) و المحقّق‏ (3) و العلّامة (4) و الأردبيلي (قدّس سرّهم)(5).

هذا، مضافا إلى أنّ عدم تمسّك الفقهاء بالحديث، إنّما كان لعدم الحاجة إليه في تصحيح الصّلاة لوجود أدلّة خاصّة تدلّ على صحّتها في غالب الموارد، كما لم يتمسّكوا بحديث «لا تعاد» أيضا، لذلك.

ثانيهما: أنّه لا فرق في عدم جريان حديث الرّفع بين أن يكون النّسيان للجزء أو الشّرط مستوعبا لتمام الوقت المضروب للمركّب أو يكون غير مستوعب له، بل الأمر في غير المستوعب أوضح، لعدم صدق نسيان المأمور به عند نسيان الجزء في‏

____________

(1) المسائل النّاصريّات في ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة: ج 3، كتاب الصّلاة، ص 242، حيث قال: «دليلنا على أنّ كلام النّاسي لا يبطل الصّلاة بعد الإجماع المتقدّم ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رفع عن امّتي النّسيان و ما استكرهوا عليه و لم يرد رفع الفعل، لأنّ ذلك لا يرفع، و إنّما أراد رفع الحكم، و ذلك عامّ في جميع الأحكام».

(2) غنية النّزوع في ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة: ج 4، كتاب الصّلاة، ص 571، حيث قال:

«و يعارض من قال: من المخالفين بأنّ كلام السّاهي يبطل الصّلاة بما روي من طرقهم من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رفع عن امّتي الخطأ و النّسيان و ما استكرهوا عليه، لأنّ المراد رفع الحكم، لا رفع الفعل؛ و ذلك عام في جميع الأحكام إلّا ما خصّ الدّليل».

(3) المعتبر: ص 122، (الطّبعة القديمة)، حيث قال: «الثّاني علم النّجاسة، ثمّ نسيها و صلّى، ثمّ ذكر، فروايتان ... و رواية اخرى، لا يعيد ... قال الشّيخ (قدّس سرّه) هذا خبر شاذ ... و عندي أنّ هذه الرّواية حسنة و الاصول يطابقها، لأنّه صلّى صلاة مشروعة مأمورا بها، فيسقط بها الفرض، و يؤيّد ذلك قوله (عليه السّلام) عفي لامّتي عن الخطأ و النّسيان ...».

(4) تذكرة الفقهاء: ج 3، كتاب الصّلاة، ص 278، حيث قال: لو تكلّم ناسيا لم تبطل صلاته، و يسجد للسّهو عند علماءنا ... لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رفع عن امّتي الخطأ و النّسيان و ما استكرهوا عليه».

(5) راجع، مجمع الفائدة و البرهان: ج 3، ص 55.

303

جزء من الوقت مع التّذكّر في الباقي؛ إذ المأمور به هو الكلّي الواجد لجميع الأجزاء و الشّرائط و لو في جزء من الوقت، فمع التّذكر في الأثناء يجب الإتيان بالمأمور به لبقاء وقته لو كان المدرك حديث الرفع؛ بداهة، عدم انطباق المأتي به على المأمور به، فلو لا حديث «لا تعاد» كان اللّازم إعادة الصّلاة الفاقدة للجزء نسيانا عند التّذكر في الأثناء. (1)

و فيه: ما مرّ آنفا من أنّ حديث الرّفع، لأجل كونه حاكما على أدلّة الأجزاء و الشّرائط، يوجب صيرورة المركّب الفاقد للجزء و الشّرط بمنزلة الواجد، و هذا لا فرق فيه بين كون النّسيان مستوعبا أو غير مستوعب.

و بعبارة اخرى: تحقّق الطّبيعة إنّما يكون بتحقّق الفرد الكامل في غير النّاسي، و الفرد النّاقص في النّاسي بسبب حكومة حديث الرّفع على أدلّة الأجزاء و الشّرائط مستوعبا كان النّسيان، أو غير مستوعب.

فتحصّل: أنّ مع تحقّق النّسيان في جزء من الوقت و إتيان النّاسي للفرد النّاقص فيه و حصول المأمور به لكون النّاقص فردا للطّبيعة، كالكامل، يحصل الامتثال، فيسقط الأمر بلا شبهة؛ و أنّ حكومة الحديث في جزء من الوقت على دليل المركّب الأوّلي كافية في انطباق عنوان المأمور به على المأتي به، و بالانطباق يحصل الامتثال، و به يسقط الأمر بلا إشكال. هذا تمام الكلام في الجهة الثّانية من الجهات الّتي ينبغي أن يبحث عنها حول حديث الرّفع.

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 355.

304

الجهة الثّالثة: أنّ الشّكّ في المانعيّة، كالشّكّ في الجزئيّة و الشّرطيّة، فكما لو شكّ في جزئيّة شي‏ء أو شرطيّته للصّلاة- مثلا- يتمسّك لرفعها و لتصحيح العبادة مع ترك مشكوك الجزئيّة أو الشّرطيّة، بحديث الرّفع، كذلك الأمر لو شكّ في مانعيّة شي‏ء للصّلاة، فيتمسّك لرفع المانعيّة و تصحيح العبادة المأتي بها مع مشكوك المانعيّة، بالحديث، أيضا.

و الوجه في هذا التّعميم هو ما عرفت من حكومة الحديث على الأدلّة الأوّليّة، كما لا يخفى، فلا وجه للتّفرقة بين الموردين، كما لا وجه للفرق في شمول الحديث للشّكّ في المانعيّة بين أن يكون الشّكّ فيها من قبيل الشّكّ في الموضوع، نظير ما لو صلّى مع لباس شكّ في أنّه من مأكول اللّحم أو غيره أو أنّه من الميتة أو غيرها، و بين أن يكون من قبيل الشّكّ في الحكم، نظير ما لو صلّى مع عرق الجنابة من الحرام مع الشّكّ في مانعيّته عن الصّلاة.

هذا، و لكن فرّق المحقّق الحائري (قدّس سرّه) بين الشّكّ في الموضوع و الشّكّ في الحكم، بحيث التزم في الشّبهة الحكميّة بتصحيح العبادة، تمسّكا بالحديث ما دام الشّكّ في المانعيّة باقيا، و أمّا عند الالتفات و القطع بالمانعيّة أو قيام الحجّة المعتبرة عليها، فحكم بوجوب القضاء أو الإعادة، معلّلا بكونه مقتضى القاعدة في الأحكام الظّاهريّة، و أنّه لا مجال للقول بتخصيص المانع بما إذا علمت مانعيّته، و إلّا لزم اختصاص المانعيّة بالعالم بها و هو مستحيل، و هذا بخلاف الشّبهة الموضوعيّة، فإنّه (قدّس سرّه) التزم فيها بتصحيح العبادة، تمسّكا بالحديث مطلقا حتّى بعد الالتفات، معلّلا بأنّ مقتضى رفع الآثار عن هذا المشكوك هو تخصيص المانع بما إذا علم أنّه من غير المأكول. (1)

____________

(1) راجع، درر الفوائد: ص 445 و 446.