مفتاح الأصول‏ - ج3

- الشيخ اسماعيل الصالحي المازندارني المزيد...
397 /
305

و فيه ما لا يخفى؛ إذ أوّلا: أنّ استحالة تخصيص المانع بالعالم بالمانعيّة، إنّما هي في جعل المانعيّة له ابتداء، و أمّا جعلها بنحو الإطلاق و تشريعها بوجه التّعميم ثمّ رفعه و العفو عنها في مرحلة الشّكّ و الجهل و في موقف الامتثال و التّطبيق، كما هو مقتضى حكومة حديث الرّفع على أدلّة الأوّليّة للإرفاق و المنّة، فليس فيه وجه للإشكال و التّرديد.

و إن شئت، فقل: المحذور إنّما يلزم فيما إذا قلنا: بالتّخصيص في موقف الجعل و التّشريع، بخلاف ما إذا قلنا: به في موقف التّنجيز و مرحلة الإطاعة و التّطبيق، فلا محذور فيه أصلا، أو فقل: إنّ مقتضى حديث الرّفع هو الرّفع و التّضييق في مقام الامتثال و التّطبيق دون مقام الجعل و التّشريع، فإنّه مصون عن الرّفع؛ إذ رفعه لا يكون إلّا بالنّسخ، فتأمّل.

و ثانيا: أنّ إشكال الاستحالة لو تمّ في صورة الشّكّ في المانعيّة لجرى في صورة الشّكّ في الجزئيّة و الشّرطيّة- أيضا- فيقال: يستحيل تخصيص الجزء أو الشّرط بما إذا علمت جزئيّته أو شرطيّته، و قضيّة ذلك، أنّه لو شكّ المصلّي في جزئيّة شي‏ء للصّلاة أو شرطيّته لها، فحديث الرّفع ينفع لصحّة صلاته ما دام شاكا، و أمّا إذا قطع بالجزئيّة أو الشّرطيّة أو قامت عليها الحجّة يجب عليه القضاء أو الإعادة، كما هو مقتضى القاعدة في الأحكام الظّاهريّة، فلا وجه لاختصاص الإشكال بالشّكّ في المانعيّة.

و الّذي يسهّل الخطب هو ما عرفت آنفا: من أنّ الرّفع و العفو ليس بحسب مقام الجعل و التّقنين حتّى يلزم تخصيص الحكم بالعالم به، بل يكون بحسب مقام‏

306

الامتثال و التّطبيق، و أنّ حكومة حديث الرّفع على الأدلّة الأوّليّة، تنتج العفو و الرّحمة الملاءمة لسقوط القضاء و الإعادة. و عليه، فينفع الحديث لصحّة الصّلاة دائما، لا ما دام شاكّا من غير فرق بين كون الشّبهة حكميّة أو موضوعيّة، فافهم و اغتنم.

الجهة الرّابعة: أنّ ما ذكرناه في الأجزاء و الشّرائط و الموانع في مثل الصّلاة من العبادات، يجري في أجزاء أسباب المعامليّة من العقود و الإيقاعات و شرائطها و موانعها- أيضا- فعند اشتراط العربيّة- مثلا- في العقد لو اضطرّ العاقد إلى إيقاعه «بالفارسيّة» أو اكره عليه أو نسي العربيّة، يحكم بصحة العقد و تأثيره في المسبّب لأجل حديث الرّفع.

و قد خالف في ذلك، المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) فقال: بأنّ وقوع النّسيان و الإكراه و الاضطرار في أجزاء الأسباب و شرائطها، لا يقتضي صحّتها و تأثيرها في السّبب و اندراجها في حديث الرّفع؛ و ذلك لما تقدّم منه (قدّس سرّه) في باب الشّرائط و الأجزاء في العبادات من عدم تكفّل الحديث لتنزيل الفاقد منزلة الواجد و عدم إثباته لأمر لم يوجد و لم يكن، و لأجل ذلك حكم (قدّس سرّه)- بناء على اشتراط العربيّة في العقد- بأنّه لو اضطرّ العاقد إلى إيقاع العقد «بالفارسيّة» أو اكره عليه أو نسي العربيّة كان العقد باطلا، فإنّ رفع العقد الفارسيّ لا يقتضي وقوع العقد العربيّ، و ليس للعقد الفارسيّ أثر يصحّ رفعه بلحاظ رفع أثره، و شرطيّة العربيّة ليست هي المنسيّة حتّى يكون الرّفع بلحاظ رفع الشّرطيّة. (1)

و الجواب عنه ما أفاده الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) من أنّ هنا تفصيل بين عنوان‏

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 355 و 356.

307

النّسيان و الإكراه و الاضطرار، فقال: ما حاصله: أمّا عنوان النّسيان فلا يخلو تعلّقه بأحد امور ثلاثة: أحدها: أن يتعلّق بنفس السّبب (العقد) فحينئذ لا مجال للتّمسّك لحديث الرّفع لتصحيحه؛ إذ لا عقد عند النّسيان حتّى يصححه، و المفروض- أيضا- عدم ترتّب الأثر على تركه حتّى يرفعه. نعم، لو نذر أن لا يوقع عقدا فأوقعه نسيانا فلا خلف و لا حنث لأجل حديث الرّفع؛ ثانيها: أن يتعلّق بما يتقوّم به العقد عرفا من شروطه العرفيّة، كقصد تحقّق مفهوم العقد- مثلا- فلا مجال حينئذ- أيضا- للتّمسّك بحديث الرّفع، إذ لا عقد عرفا بطروّ النّسيان حتّى يصححه الحديث تعبّدا؛ ثالثها: أن يتعلّق بشروط العقد الشّرعيّة، كالعربيّة و تقديم الإيجاب على القبول- مثلا- فلا إشكال عندئذ في التّمسّك بالحديث لتصحيح العقد عند نسيان تلك الشّروط؛ و ذلك لتحقّق العقد العرفيّ وجدانا، و كون الشّرط الشّرعيّ قابلا للرّفع لأجل نسيانه، بمعنى:

رفع شرطيّته.

فما أفاده المحقّق النّائيني (قدّس سرّه): من أنّ رفع العقد الفارسيّ لا يقتضي وقوع العقد العربيّ، غير وجيه؛ الرّفع تعلّق بالعربيّة المنسيّة لا بالعقد الفارسيّ كي يقال: إنّ رفعه لا يقتضي وقوع العقد العربيّ.

و نتيجة ذلك كلّه، هو أنّ رفع الشّرط لأجل نسيانه، كالعربيّة، أو تقديم الإيجاب على القبول، إنّما هو لأجل حكومة حديث الرّفع على دليل الشّرط، كحكومته على دليل الجزء و المانع، هذا كلّه في عنوان «النّسيان».

و أمّا عنوان الإكراه، فلا يخلو تعلّقه- أيضا- بأحد امور ثلاثة؛ إذ هو إمّا إكراه على ترك السّبب و هو العقد- مثلا- أو ترك ما يتقوّم به عرفا، فلا مجال للتّمسّك‏

308

بالحديث للصّحّة كما عرفت في عنوان «النّسيان»، و إمّا إكراه على إيجاد سبب و مسبّب، فلا قدح في جواز التّمسّك بالحديث للبطلان، و إمّا إكراه على ترك شرط أو جزء شرعيّ أو على إيجاد مانع كذلك، فيتمسّك بالحديث لرفع ما اكره عليه إذا كان العاقد مكلّفا بإيجاد العقد لحاجة ضروريّة، أو لجهة شرعيّة من نذر و شبهه، فيكرهه المكره، و لو لا تلك الحاجة أو هذه الجهة لما صدق الإكراه حتّى يتمسّك بالحديث.

و أمّا عنوان الاضطرار، فهو ملحق بعنوان الإكراه، فيأتي فيه ما تقدّم في الإكراه من الصّور و الحكم فيها، إلّا أنّه يفارق عن الإكراه في صورة تعلّقه بإيجاد السّبب و المسبّب، فلو اضطرّ شخص إلى إيجاد سبب و مسبّب، كالعقد فأوقعه لا يرفع ذلك بالحديث لكونه خلاف الامتنان، بخلاف ما إذا اكره على إيجاده فيرفع بالحديث، كما تقدّم. (1)

ثمّ إنّ المحقّق العراقي (قدّس سرّه) قد منع عن جريان حديث الرّفع في مورد شروط المعاملة أو غيرها حال النّسيان، بدعوى: أنّ قضيّة نفي الشّرطيّة أو غيره في المعاملة إيجاب الوفاء بالفاقد و هو خلاف الامتنان في حق المكلّف. (2)

و فيه: أنّ الأمر على عكس ذلك؛ إذ رفع الشّرط أو غيره في الفرض يقتضي صحّة المعاملة و نفوذها. و من المعلوم، أنّ في ذلك منّة و رحمة على المتعاملين الّذين أقدما عليها لرفع الحوائج بها، لا سيّما إذا كانت الحوائج الدّاعية إلى المعاملة مهمّة ضروريّة، فليس الحكم بالصّحة خلاف الامتنان، بل خلافه إنّما هو من ناحية الحكم بالبطلان. هذا تمام الكلام في الاستدلال على البراءة بالسّنة.

____________

(1) راجع، أنوار الهداية: ج 2، ص 62 إلى 65؛ و تنقيح الاصول: ج 3، ص 242.

(2) راجع، هامش فوائد الاصول: ج 3، ص 357.

309

الاستدلال بالإجماع‏

أمّا الإجماع، فتقريره من وجوه:

أحدها: اتّفاق الأصوليّين و الأخباريّين على قبح المؤاخذة عند مخالفة التّكليف الّذي لم يصل بنفسه أو بطريقه إلى المكلّف.

و فيه: أوّلا: أنّ هذا الاتّفاق إنّما هو على أمر عقليّ و مسألة كلاميّة اعتقاديّة، لا على أمر شرعيّ و مسألة فرعيّة عمليّة، و مثل هذا لا ينفع للمقام لعدم كونه إجماعا تعبّديّا كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السّلام).

و ثانيا: لو سلّم ذلك، فلا يجدي مع الاختلاف بينهم في تحقّق الصّغرى، حيث إنّ الأخباريّين يدّعون وصول التّكاليف المجهولة المشكوكة بطريق الاحتياط إلى المكلّف، سواء كان في خصوص الشّبهات التّحريميّة و هو مسلك الكلّ أو الجلّ منهم، أو في الشّبهات الوجوبيّة- أيضا- كما عليه المحدّث الأسترآبادي (قدّس سرّه) و ذلك لأجل الأخبار الدّالّة على التّوقف و الاحتياط في مطلق الشّبهات و المشتبهات.

ثانيها: الاتّفاق على أنّ الحكم الشّرعيّ الظّاهريّ في موارد الجهل بالحكم الواقعيّ و عدم وصوله بنفسه و لا بطريقه إلى المكلّف، هو الإباحة و التّرخيص.

و فيه: ما مرّ، من أنّ الاتّفاق المذكور إنّما يجدي عند ثبوت الاتّفاق على الصّغرى، و المفروض عدم ثبوته عند الأخباريّين، كما علمت آنفا.

ثالثها: الاتّفاق على أنّ الحكم الظّاهري في موارد الجهل بالحكم الواقعيّ و عدم وصوله بنفسه إلى المكلّف، هو الإباحة و التّرخيص.

310

و فيه: أنّ هذا الاتّفاق لو ثبت لكان نافعا، لكنّه لم يثبت، كيف، و قد اتّفق الأخباريّون على أنّ الحكم الظّاهريّ في تلك الموارد هو وجوب الاحتياط، لا الإباحة.

هذا تمام الكلام في الاستدلال على البراءة بالإجماع.

الاستدلال بالعقل‏

أمّا العقل، فتقريب دلالته على البراءة عند الشّكّ في التّكليف، هو أنّه حكم بقبح العقوبة على مخالفة ما لم يرد فيه بيان من ناحية الشّرع، و هذا هو المسمّى بقاعدة «القبح بلا بيان».

و لا يخفى: أنّ تلك القاعدة تامّة مسلّمة عند الكلّ، بناء على القول بالحسن و القبح العقليّين، كما عليه الإماميّة و المعتزلة؛ إذ الغرض من البعث و الزّجر هو الانبعاث و الانزجار.

و واضح، أنّهما لا يتأتّيان بلا وصول التّكليف، و بلا علم بالبعث و الزّجر، فلا مجال عقلا للعقاب على عدم الانبعاث و الانزجار حينئذ.

و إن شئت، فقل: إنّ الباعث و الزّاجر إنّما هو التّكليف الواصل إلى العبد، لا الصّادر من المولى غير الواصل إليه، فإذا لم يصل إليه و ترك التّكليف، لم يكن ذلك مستندا إلى تقصير من العبد حتّى يحسن عقابه، بل هو مستند إلى عدم وصول التّكليف إليه و عدم قيام الحجّة عليه، فيقبح عقابه حينئذ بلا كلام، أو فقل: إنّ العبد يكون مسئولا بالنّسبة إلى التّكليف بوجوده العلميّ، لا بوجوده الواقعيّ، و هذا من أوضح أحكام العقل عند الكلّ حتّى الأخباريّ.

311

نعم، في قبال تلك القاعدة قاعدة اخرى، تستدعي الاحتياط عند الشّكّ في التّكليف و هي قاعدة وجوب دفع الضّرر المحتمل، فلا مناص إذا من ملاحظة النّسبة بين تلك القاعدتين، و أنّ أيّهما هو المقدّم على الاخرى، فنقول:

ذهب المشهور إلى أنّ النّسبة بينهما هي الورود. بتقريب: أنّ مع استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، لا يحتمل الضّرر حتّى يجب دفع احتماله بحكم العقل، كما أشار إليه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1)، و مقتضي ذلك هو تقديم قاعدة القبح بلا بيان على قاعدة دفع الضّرر المحتمل.

و قد اشكل عليه: بأنّ الأمر معكوس، فتكون قاعدة دفع الضّرر المحتمل واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ و ذلك، لأنّ حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل فيما إذا شكّ في التّكليف، يكون بيانا على ذلك التّكليف الواقعيّ المشكوك غير الواصل إلى المكلّف بنفسه، فيرفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان و هو عدم البيان.

و نتيجة ذلك، أنّه لا ترجيح لإحدى القاعدتين على الاخرى، و أنّ احتمال كون قاعدة قبح العقاب بلا بيان رافعة لموضوع قاعدة دفع الضّرر المحتمل، مندفع باحتمال عكس ذلك، بأن تكون قاعدة دفع الضّرر رافعة لموضوع قاعدة القبح.

هذا، و لكن التّحقيق يقتضي أن يقال: إنّه لا تنافي بين القاعدتين؛ لعدم اجتماعهما في مورد أصلا؛ بداهة، أنّ قاعدة دفع الضّرر المحتمل تجري فيما إذا كان التّكليف المحتمل منجّزا على فرض ثبوته واقعا، نظير موارد الشّبهات المقرونة بالعلم‏

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 179.

312

الإجماليّ و موارد الشّبهات الحكميّة قبل الفحص و اليأس عن الظّفر بالحجّة، و أمّا قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنّما هي تجري في عدم كون التّكليف المحتمل منجّزا على تقدير ثبوته واقعا و هو مورد عدم وصوله إلى المكلّف تفصيلا و لا إجمالا بنفسه و لا بطريقه، نظير الشّبهات الحكميّة بعد الفحص و اليأس عن الظّفر بالحجّة، فالقاعدتان لا يجتمعان، هذا بناء على كون المراد من الضّرر هو الضّرر الاخروي (العقاب).

و أمّا بناء على كون المراد من الضّرر هو الضّرر الدّنيوي، فلا مجال لجريان قاعدة وجوب دفع الضّرر المحتمل عند الشّكّ في التّكليف كي تعارض قاعدة القبح العقاب بلا بيان؛ و ذلك لمنع جريانها صغرى و كبرى، أمّا الصّغرى، فلأجل أنّ ارتكاب الحرام غير مستلزم للضّرر الدّنيويّ، بل ربما تكون في ارتكابه منفعة دنيويّة، كما في الرّبا و الانتفاع بمال الغير غصبا و نحوهما، و الأمر كذلك في ترك الواجب؛ و أمّا الكبرى، فلأجل أنّ العقل لا يرى وجوب دفع الضّرر الدّنيويّ لو كان، كيف، و أنّ العقلاء ربما يقدمون على المقطوع به من الضّرر الدّنيويّ فضلا عن المحتمل. غاية الأمر، إنّ الإقدام عليه لا بدّ أن يكون مع غرض عقلائيّ، و إلّا يعدّ سفهيا موجبا للملامة فقط، لا أنّه قبيح عقلا مستلزم للعقوبة حتّى يصير من المحرّمات الشّرعيّة بمعونة قاعدة الملازمة (كلّ ما حكم به العقل حكم به الشّرع)؛ إذ على هذا لزمت حرمة كلّ فعل خال من غرض عقلائيّ، و هذا كما ترى، واضح البطلان البتّة.

فتحصّل: أنّ كلّ واحدة من القاعدتين مستقلّة حسب المورد، فلا تجتمعان على محلّ واحد أصلا؛ إذ بناء على كون المراد من الضّرر في قاعدة دفع الضّرر المحتمل‏

313

هو الضّرر الاخرويّ، يمنع الصّغرى في مورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان و هو الشّبهة بعد الفحص و اليأس عن الظّفر بالحجّة؛ بداهة، عدم احتمال الضّرر الاخرويّ حينئذ كي يحكم بوجوب دفعه عقلا، و بناء على كون المراد منه هو الضّرر الدّنيويّ يمنع الصّغرى و الكبرى معا، فالتّنافي بين تلك القاعدتين مرفوع بحذافيره.

ثمّ إنّه ذهب الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) إلى أنّ النّزاع هنا ليس بين كبرى القاعدتين، بل صحّتهما ممّا لا إشكال فيه، و لا يتوقّف صدقهما على وجود مصداق لصغراه، فالعقاب بلا بيان قبيح، سواء كان في العالم بيان، أو لا، و كذا دفع الضّرر المحتمل واجب، سواء كان هناك احتمال للضّرر، أم لم يكن، فلا تكون إحداهما حاكمة أو واردة على الاخرى قطّ، و إنّما يكون أحد القياسين الموجودين هنا بعد تماميّة مقدّماته وجدانا أو برهانا دافعا لصغرى القياس الآخر.

توضيحه: أنّه يمكن تقرير قاعدة قبح العقاب بلا بيان بصورة القياس بهذا النّحو: «إنّ العقاب على محتمل التّكليف بعد الفحص التّامّ و عدم العثور عليه عقاب بلا بيان، و العقاب بلا بيان قبيح، بمعنى: يمتنع صدوره عن المولى الحكيم العادل، و النّتيجة هو أنّ العقاب على محتمل التّكليف ممتنع»؛ و هكذا يمكن تقرير قاعدة دفع الضّرر المحتمل بصورة القياس بهذا النّحو: «إنّ ارتكاب محتمل الحرمة أو ترك محتمل الوجوب ممّا فيه الضّرر المحتمل (العقاب)، و الضّرر المحتمل يجب دفعه و التّحرّز عنه، و النّتيجة أنّ ارتكاب محتمل التّكليف يجب دفعه و التّحرز عنه».

و من الواضح: أنّ صغرى القياس الأوّل وجدانيّة، و كبراه برهانيّة، و النّتيجة المتحصّلة منهما قطعيّة، و هذا بخلاف القياس الثّاني؛ إذ صغراه ليست فعليّة

314

وجدانيّة، لتوقّف صحّتها على أحد امور غير صحيحة، من تقصير العبد في الفحص عن تكاليف المولى أو كون المولى بلا عدل و بلا حكمة أو كون العقاب بلا بيان غير قبيح، و الكلّ، كما ترى.

و عليه: فالقياس الأوّل لكون صغراه وجدانيّة، و كبراه برهانيّة، دافع لصغرى القياس الثّاني، بمعنى: أنّه دافع لاحتمال الضّرر، فليس مع وجود القياس الأوّل، احتمال للضّرر في البين حتّى يصير دفعه واجبا عقلا بلا رين، هذا ملخص ما أفاده الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) من التّحقيق في المقام. (1)

و لكن أنت ترى، أنّ هذا التّحقيق اللّطيف مرجعه- أيضا- إلى ورود قاعدة قبح العقاب بلا بيان على قاعدة دفع الضّرر، فيرفع موضوع هذه القاعدة بتلك، سواء عبّر عنه بدفع الصّغرى، أم عبّر برفع موضوع الكبرى؛ إذ الصّغرى في المقام تدفع بمحموله الحدّ الأوسط الّذي صار موضوعا في كبرى القياس حسب ما هو الميزان في الشّكل الأوّل، كما هو المقرّر في علم المنطق، و لاجل ذلك يصالح بين الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) و بين جمع من الأكابر القائلين بورود قاعدة قبح العقاب بلا بيان على قاعدة دفع الضّرر المحتمل؛ و كيف كان، الحقّ ما حقّق آنفا من استقلال كلّ واحدة من القاعدتين و انفكاك مصبّ كلّ من الاخرى، فلا حكومة و لا ورود في البين.

ثمّ إنّه قد يقال: بأنّ مقتضى حكم العقل عند الشّكّ في التّكليف هو وجوب الاحتياط و حسن العقاب على تقدير المخالفة، على عكس ما قالوا: من أنّ مقتضى حكمه هو قبح العقاب بلا بيان. بتقريب: أنّ ملاك وجوب طاعة اللّه- جلّ جلاله-

____________

(1) راجع، تهذيب الاصول: ج 2، ص 252 إلى 254.

315

و قبح معصيته إنّما هو مولويّته و مالكيّته، فللّه تعالى حق الطّاعة على العبد، لأنّه مولى حقيقيّ و مالك بجميع شئونه. و لا ريب، أنّ دائرة هذا الحقّ و حدوده متّسعة، تعمّ المحتملات و المشكوكات من التّكاليف، حيث إنّ تحصيل أغراض المولى أهمّ من تحصيل أغراض العبد، فكما أنّه يهتمّ بأغراض نفسه حتّى في المحتملات و المشكوكات، فيسلك سبيل الاحتياط لتحصيل تلك الأغراض، كذلك له أن يهتمّ بأغراض المولى حتّى في المحتملات و المشكوكات، فيجب عليه الاحتياط لتحصيل تلك الأغراض. و نتيجة ذلك، أنّ العقل مستقلّ في الحكم بوجوب الاحتياط، في موارد المشكوكات مطلقا حتّى الشّكّ في التّكليف، تحصيلا لأغراض المولى.

و فيه: أوّلا: أنّ قياس أغراض المولى بأغراض العبد، إنّما يصحّ بالنّسبة إلى الموالي العرفيّة، و أمّا المولى الحقيقيّ و هو الخالق الباري تعالى، فليس له أغراض نفسيّة راجعة إلى شخصه الغنيّ بالذّات، و إنّما الأغراض و المصالح المبتنية عليها أحكامها و الكامنة في متعلّقات تلك الأحكام، تكون راجعة إلى العباد الفقراء إليه تعالى، و كذلك المضار و المفاسد، و يشهد على هذا رواية ... عن الرّضا (عليه السّلام): «و وجدنا المحرّم من الأشياء ما لا حاجة للعباد إليه، بل وجدناه مفسدا داعيا إلى الفناء و الهلاك» (1).

و ثانيا: أنّ العبد لعدم علمه المحيط بأغراضه و منافعه، لا بدّ أن يحتاط و يسلك سبيل الاحتياط كيلا تفوت منه تلك الأغراض، و أمّا اللّه العليم المحيط بأغراضه، فعليه أن يبيّن تلك الأغراض و يوصلها إلى عباده بحجج ظاهرة أو باطنة و يتمّ‏

____________

(1) علل الشّرائع: ج 2، ص 592، ح 43.

316

الحجّة عليهم حتّى يكون له تعالى الحجّة البالغة، و لا يكون للعباد عليه تعالى حجّة، كما ورد في قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (1) فحقّ الطّاعة للّه تعالى على العبد يدور مدار دائرة تمام البيان و إتمام الحجّة، و إلّا فالمؤاخذة على المخالفة تكون قبيحة.

بقي في المقام شي‏ء و هو أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان، إنّما تتمّ في دلالتها على البراءة، إذا لم تلاحظ مع أدلّة الاحتياط، و إلّا فلو تمّت تلك الأدلّة من جهة السّند و الدّلالة على وجوب الاحتياط في الشّبهات البدويّة بعد الفحص و اليأس عن الظّفر بالحجّة وجوبا طريقيّا لحفظ الواقع، لكانت واردة على القاعدة، رافعة لموضوعها بلا كلام؛ و ذلك لتماميّة البيان في الشّبهات على تقدير دلالة الأدلّة على وجوب الاحتياط، و تنجّز الحكم الواقعيّ حينئذ على تقدير ثبوته، لأنّه و إن لم يصل إلى المكلّف بنفسه، لكنّه وصل إليه بطريقه، و سنتكلّم في تماميّة تلك الأدلّة من حيث الصّدور و الظّهور و عدم تماميّتها، عند نقل أدلّة الأخباريّين و نقدها، إن شاء اللّه تعالى.

هذا تمام الكلام في الاستدلال على البراءة بالأدلّة الأربعة (الكتاب و السّنّة و الإجماع و العقل).

و قد يستدلّ على البراءة عند الشّكّ في التّكليف- أيضا- باستصحاب البراءة المتيقّنة حال الصّغر أو الجنون. بتقريب: أنّه لم يكن للشّخص حال الصّغر و قبل البلوغ، و كذا حال الجنون، تكليف قطعا، فبعد البلوغ أو الإفاقة إذا شكّ في توجّه التّكليف إليه، يستصحب عدمه السّابق و يحكم بعدم التّكليف بعدهما.

____________

(1) سورة الأنفال (8)، الآية 42.

317

هذا، و لكن أشكل عليه الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) بوجهين:

الأوّل: أنّ المستصحب، إمّا يكون براءة الذّمة من التّكليف، و إمّا عدم المنع من الفعل، و إمّا عدم استحقاق العقاب، و المطلوب في الآن اللّاحق ليست إلّا أحد الأمرين: أحدهما: القطع بعدم ترتّب العقاب على الفعل؛ إذ مع احتمال العقاب يحتاج إلى انضمام حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان حتّى يحصل له أمان بلا احتياج إلى الاستصحاب و لحاظ الحالة السّابقة؛ ثانيهما: الإذن و التّرخيص في الفعل. و معلوم، أنّه لا يكون شي‏ء من هذين الأمرين مترتّبا على المستصحبات المذكورة، أمّا أمر الأوّل، فلأنّه ليس من اللّوازم المجعولة الشّرعيّة حتّى يحكم بها الشّرع في الظّاهر؛ و أمّا الأمر الثّاني، فلأنّه و إن كان قابلا للجعل و يستلزم انتفاء العقاب واقعا، إلّا أنّ الإذن الشّرعيّ ليس لازما شرعيّا للمستصحبات المذكورة، بل هو من المقارنات لعدم انفكاك عدم المنع من الفعل عن كونه مرخّصا فيه، فيلزم إثبات أحد المقارنين بإثبات الآخر، نظير إثبات أحد الضّدّين بنفي الآخر، و هذا من أوضح مصاديق الأصل المثبت. هذا كلّه بناء على القول باعتبار الاستصحاب من باب عدم جواز نقض اليقين بالشّكّ، بمعنى: كونه من الاصول العمليّة الّتي لا تثبت بها إلّا الآثار المجعولة الشّرعيّة.

و أمّا بناء على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظّنّ، بمعنى: كونه من الأمارات، فللتّمسّك به لإثبات البراءة مجال، و هكذا له مجال- أيضا- بناء على القول بالأصل المثبت، بمعنى: أنّه يثبت بالاستصحاب من باب التّعبّد كلّ ما لا ينفكّ عن المستصحب لو كان معلوم البقاء و لو لم يكن من اللّوازم الشّرعيّة، انتهى محصّل‏

318

كلامه (قدّس سرّه) في الوجه الأوّل. (1)

و الجواب عنه ما أفاده المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) حاصله: أنّ الاستصحاب أصل تعبّديّ، فكما يصحّ التّعبّد بثبوت حكم شرعيّ أو بموضوع ذي حكم شرعيّ، كذلك يصحّ التّعبّد بنفي حكم شرعيّ أو بنفي موضوع شرعيّ مترتّب عليه نفي الحكم و لو كان ذلك بحسب البقاء فقط، لا الحدوث- أيضا- لأجل كونه أزليّا، ففي المقام يستصحب عدم المنع من الفعل، و هذا المقدار كاف في صحة الاستصحاب.

نعم، يترتّب عليه حينئذ عدم ترتّب العقاب قهرا و هو و إن كان لازما عقليّا لعدم المنع، لكنّه لازم لمطلق عدم المنع و لو كان ظاهريّا ثابتا بمعونة الاستصحاب، و ذلك نظير وجوب الموافقة و حرمة المخالفة المترتّبين على التّكليف من الوجوب و الحرمة و لو كانا ظاهريين ثابتين بالاستصحاب، و هذا بخلاف ما لو كان الأثر مترتّبا عقلا على المستصحب بوجوده الواقعيّ، لا بمطلق وجوده و لو كان ظاهريّا، فإنّه لم يترتّب عليه باستصحابه. (2)

الوجه الثّاني: أنّ الاستصحاب لا بدّ في جريانه من اتّحاد القضيّة المتيقّنة مع القضيّة المشكوكة ببقاء الموضوع؛ إذ لولاه لم يصدق عند عدم جريانه، نقض اليقين بالشّكّ، و لم يترتّب الأثر حين الشّكّ، بل كان ترتيب الأثر مع عدم الاتّحاد بعدم بقاء الموضوع، من قبيل إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر، فيكون من باب القياس لا الاستصحاب، و المقام من هذا القبيل؛ إذ الموضوع لبراءة الذّمّة المتيقّنة في‏

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 2، ص 59 و 60.

(2) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 331.

319

السّابق أو الرّخصة كذلك، كان هو الصّغير و هو حال الشّكّ لم يكن باقيا؛ إذ المفروض أنّ المكلّف في هذا الحال كبير بالغ، و هما موضوعان متغايران عرفا، و ليست براءة ذمّة أحدهما أو رخصته المشكوكة، بقاء براءة ذمّة الآخر أو رخصته المتيقّنة حتّى يلزم نقض اليقين بالشّكّ لو لم يجر الاستصحاب و جرت البراءة. (1)

و لا يخفى: أنّ هذا الإشكال من الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) وارد. و الوجه فيه: هو أنّ العنوان المأخوذ في موضوع الحكم إذا كان من حالات الموضوع، كقولنا: «أكرم هذا الجالس» يجري الاستصحاب عند تبدّل الحالات، كأن يكون الجالس «قائما» في مثال المتقدّم، فيحكم بإكرام القائم- أيضا- عند الشّكّ فيه بالاستصحاب، و أمّا إذا كان من مقوّماته بحيث ينتفي الموضوع بانتفاء العنوان، كعنوان «العادل» لجواز الاقتداء، و كعنوان «الفقيه» لجواز التّقليد، فلا يجري الاستصحاب عند تبدّل العنوان بأن يكون العادل فاسقا، أو الفقيه جاهلا في المثال المتقدّم؛ إذ الفاسق و الجاهل موضوعان آخران، و إثبات حكم العادل و الفقيه لهما يكون من قبيل إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر؛ و كذا لا يجري الاستصحاب فيما إذا شكّ في كون العنوان من المقوّمات أو من الحالات، كالتّغيّر، المأخوذ في نجاسة الماء إذا زال بنفسه؛ إذ لو كان «مقوّما» لم يجر الاستصحاب و لا يكون عدم جريانه من باب نقض اليقين بالشّكّ، لكون الموضوع حينئذ هو الماء المتغيّر، و المفروض زوال تغيّره، فلم يبق الموضوع بتمامه، و أمّا لو كان «حالا» فيجري الاستصحاب و يكون عدم جريانه نقضا لليقين بالشّكّ؛ إذ الموضوع و هو الماء باق، و حيث يكون الأمر مشكوكا من حيث‏

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 2، ص 60 و 61.

320

المقوّميّة و الحاليّة، كان التّمسّك بدليل الاستصحاب و هو قوله: «لا تنقض اليقين بالشّك» تمسّكا بالعامّ في الشّبهة المصداقيّة له، فلا يجري الاستصحاب.

هذا، و لا يبعد دعوى كون المقام من قبيل مقوّمات الموضوع، بل الظّاهر أنّه كذلك حسب العرف، فلا يجري الاستصحاب فيه، لكونه أشبه بالقياس، كما أشار إليه الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، أو لا أقلّ من كونه من باب الشّكّ في المقوّميّة و الحاليّة، فلا يجري فيه الاستصحاب- أيضا- لكونه من قبيل التّمسّك بالعامّ في الشّبهة الموضوعيّة.

ثمّ إنّ المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) قد أشكل على استصحاب البراءة بوجه آخر، محصّله:

أنّ الاستصحاب إنّما يجري فيما إذا كان الأثر المطلوب مترتّبا على الواقع المشكوك فيه، لا على الشّكّ فيه و لا على الأعمّ من الواقع و الشّكّ فيه؛ إذ بعد كفاية مجرّد الشّكّ في ترتّب الأثر، لا حاجة إلى إحراز واقع المستصحب بالاستصحاب، بل لازم هذا الاستصحاب تحصيل ما هو حاصل وجدانا و عقلا، بالتّعبّد و النّقل، و هذا من أردإ أنحاء تحصيل الحاصل، و المقام من هذا القبيل، فلا يجري استصحاب عدم التّكليف قبل البلوغ لترتيب أثر عدم العقاب و إحرازه بالتّعبّد لترتّبه على مجرّد الشّكّ في التّكليف و إحرازه عقلا و بالوجدان، بمعونة قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و نظير المقام، التّشريع المحرّم بناء على كونه عبارة عن إدخال ما لم يعلم أنّه من الدّين في الدّين، أو الأعمّ منه و من إدخال ما ليس منه فيه، ففيما شكّ كونه من الدّين، لا يجري استصحاب عدم كونه من الدّين لإثبات حرمة الإسناد إلى الشّارع و إحرازها؛ بداهة، أنّ هذا الأثر مترتّب على مجرّد الشّكّ في كونه شي‏ء من الدّين بلا حاجة إلى الاستصحاب المحرز له بالتّعبّد. (1)

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 4، ص 129 و 186 و 187.

321

و فيه: أنّ ذلك إنّما يتمّ لو كان الأثر مترتّبا على خصوص الشّكّ، و أمّا إذا كان الأثر مترتّبا على الأعمّ منه و من الواقع، فلا مانع من جريان الاستصحاب، بل يجري و يحرز به الأثر المطلوب تعبّدا، كما يرفع به الشّكّ كذلك- أيضا- فإذا لا يبقى الشّكّ بعد جريانه حتّى يلزم تحصيل الحاصل.

و بعبارة اخرى: أنّ موضوع قاعدة قبح العقاب هو اللّابيان، فمع البيان على التّكليف أو على عدمه ينتفي موضوعها، و الاستصحاب في المقام بيان على عدم التّكليف، و معه لا مجال للقاعدة لعدم بقاء موضوعها حينئذ، كما أنّه لا مجال لقاعدة الحلّ مع قيام الأمارة على الحلّ أو على الحرمة أو مع وجود استصحابهما، و كذا لا مجال لقاعدة الطّهارة مع وجود الأمارة عليها أو على النّجاسة أو وجود استصحابهما. هذا تمام الكلام فيما استدلّ به الاصوليّون على البراءة في الشّبهات البدويّة الحكميّة (من التّحريميّة و الوجوبيّة بعد الفحص و اليأس عن الظّفر بالحجّة).

[أدلة القائلين بوجوب الاحتياط]

استدلال الأخباريّ بالكتاب‏

و أمّا الأخباريّون القائلون بوجوب الاحتياط في الشّبهات البدويّة الحكميّة التّحريميّة بعد الفحص و اليأس عنه، دون الوجوبيّة، فقد استدلّوا على ذلك بالكتاب و السّنة و العقل.

أمّا الكتاب، فهو ثلاث طوائف من الآيات:

الاولى: هي الآيات النّاهية عن القول و الاتّباع بلا علم، كقوله تعالى: وَ أَنْ‏

322

تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (1)، و قوله عزّ و جلّ: أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (2) و قوله جلّ جلاله: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (3).

الثّانية: هي الآيات النّاهية عن الإلقاء إلى التّهلكة، كقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (4).

الثّالثة: هي الآيات الآمرة بالتّقوى، كقوله عزّ و جلّ: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏ (5) و قوله جلّ جلاله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏ (6).

تقريب الاستدلال بالآيات المذكورة على وجوب الاحتياط، هو أنّ القول بالتّرخيص و الحكم بالإباحة في الشّبهات، قول بغير العلم و المعرفة و إلقاء للنّفس إلى التّهلكة و مخالفة للتّقوى و الطّاعة، و كلّ ذلك حرام و معصية، و قضيّة هذه الحرمة وجوب الاحتياط و ترك الشّبهات بلا شبهة.

و فيه: أنّ تلك الطّوائف من الآيات غير ناهضة للدّلالة على وجوب الاحتياط:

أمّا الطّائفة الاولى، فلانّ كبرى حرمة القول على اللّه تعالى بلا علم- لكونه تشريعا محرّما- مسلّمة عند الكلّ، لا خلاف فيها بين الاصوليّ و الأخباريّ، فكما أنّ القول بالتّرخيص و الحكم بالإباحة في الشّبهات بلا حجّة و علم، يكون قولا

____________

(1) سورة البقرة (2)، الآية 169.

(2) سورة الأعراف (7)، الآية 28.

(3) سورة الإسراء (17)، الآية 36.

(4) سورة البقرة (2)، الآية 195.

(5) سورة التّغابن (64)، الآية 16.

(6) سورة آل عمران (3)، الآية 102.

323

على اللّه جلّ جلاله بغير علم و تشريعا محرّما عند الاصوليّ، كذلك القول بوجوب الاحتياط في الشّبهات بلا حجّة و علم، فهو- أيضا- يكون قولا بغير علم و تشريعا محرّما عند الأخباريّ، و إنّما الخلاف بينهما في الصّغرى، بأنّ القول بغير علم، هل يصدق على القول بالبراءة في الشّبهات البدويّة و الحكم بالتّرخيص و الإباحة فيها أو يصدق على القول بوجوب الاحتياط في تلك الشّبهات؟ فيدّعي الاصوليّ عدم صدق ذلك على القول بالبراءة، بل يدّعي صدقه على القول بالاحتياط؛ و في قباله الأخباريّ، فإنّه يدّعي عكس ذلك.

و بالجملة: كلّ واحد من الفريقين (الأخباريّ و الاصوليّ) جاهل بالواقع، فيكون قوله بالنّسبة إليه قولا بغير علم، و أمّا بالإضافة إلى مرحلة الظّاهر فكلّ يدّعي العلم، حيث إنّ القول بالتّرخيص و السّعة و كذا القول بالاحتياط و عدم السّعة قول بالعلم و الحجّة، فلا يكون صغرى لكبرى حرمة القول بغير علم.

و نتيجة ذلك كلّه، هو أنّ الآية أجنبيّة عن دلالتها على وجوب الاحتياط؛ إذ المسألة صغرويّة لا كبرويّة.

أمّا الطّائفة الثّانية، فلأنّ كبرى حرمة الإلقاء إلى التّهلكة مسلّمة لا خلاف فيها بين الفريقين- أيضا- و هذا ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في أنّ موارد الشّبهات البدويّة الّتي يدّعي الاصوليّ البراءة فيها، هل تكون من موارد التّهلكة كي تصير صغرى لتلك الكبرى، أم أنّها أجنبيّة عن مواردها؟

و الإنصاف، أنّها أجنبيّة عنها؛ و ذلك لما أفاده الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) فقال، ما حاصله: إنّ مورد الآية- حسب مقتضى سياقها- يحتمل أن يكون هو الإنفاق‏

324

للفقراء بإعطاء الزّكوات و الصّدقات لهم و رفع حوائجهم حتّى ينفتح باب الرّأفة و الرّحمة، و ينسدّ باب العداوة و الخصومة و باب إلقاء نفوس ذوي الثّروة بأيديهم إلى التّهلكة، حيث إنّهم لو تركوا الإنفاق للفقراء، يوجب ذلك تحريك إحساساتهم و إثارة خصوماتهم، فينهضوا على ذوي الثّروة حتّى ينجرّ إلى إلقائهم إلى التّهلكة، بخلاف ما لو أنفقوا للفقراء، فإنّهم لمّا رأوا الرّأفة و الرّحمة و عدم منعهم من حقوقهم اللّازمة من ناحية ذوي الثّروة، لم ينهضوا عليهم، فلا يلزم أيّ إلقاء إلى التّهلكة.

و يحتمل أن يكون هو إنفاق أهل الإسلام في سبيل الجهاد و المقاتلة حتّى ينفتح به باب غلبة جنود الإسلام و تقويتهم و ينسدّ باب إلقاء نفوسهم بأيديهم إلى التّهلكة، حيث إنّهم لو تركوا الإنفاق لكان فيه مظنّة غلبة جنود الكفر عليهم، فينجّز إلى إلقائهم إلى التّهلكة.

إذا عرفت هذا، فاعلم، أنّ موارد الشّبهات البدويّة الّتي يقع فيها الكلام بين الاصوليّ و الأخباريّ، ليس فيها تهلكة، لا اخرويّة (العقوبة) لقيام الأدلّة على الإذن في الاقتحام و الرّخصة، و لا دنيويّة، إلّا في بعض الأحيان و على وجه الشّذوذ و النّدرة؛ و لذا أطبقوا كلّهم حتّى الأخباريّ على البراءة في الشّبهات الموضوعيّة مطلقا، و في الحكميّة إذا كانت وجوبيّة.

و نتيجة ذلك كلّه، أنّ الآية ناظرة إلى غير موارد الشّبهات البدويّة، فتكون أجنبيّة عن المقام. (1)

أمّا الطّائفة الثّالثة، فلأنّ الاستدلال بها على وجوب الاحتياط، إنّما يتمّ‏

____________

(1) راجع، تهذيب الاصول: ج 2، ص 255.

325

بناء على شمول التّقوى بمرتبتها الواجبة، لفعل محتمل الوجوب و ترك محتمل الحرمة- أيضا- إذ حينئذ يجب الاحتياط في المشكوكات و المحتملات بالفعل أو التّرك، و إلّا لزمت مخالفة التّقوى، و أمّا بناء على ما هو مقتضى التّحقيق من شمول التّقوى بتلك المرتبة، لخصوص فعل الواجبات المعلومة و ترك المحرّمات كذلك، فلا يتمّ الاستدلال بها؛ لوضوح أنّ فعل المحتملات أو تركها حينئذ ممّا لا يشمله التّقوى حتّى تكون مخالفة ذلك، مخالفة للتّقوى.

لا يقال: إنّ وجوب الاحتياط في الشّبهات معلوم، فتكون مخالفة هذا الواجب- أيضا- مخالفة للتّقوى.

لأنّه يقال: أوّلا: هذا خلف؛ إذ المفروض عدم معلوميّة وجوب الاحتياط مع قطع النّظر عن الآية المذكورة، و إلّا يصير الاستدلال بها على وجوب الاحتياط لغوا، لعدم الحاجة حينئذ إليها لإثبات ذلك.

و ثانيا: لو كان وجوب الاحتياط في المشتبهات معلوما، لكانت الآية بالنّسبة إليه إرشادا إلى وجوب إطاعته، كما أنّها بالنّسبة إلى سائر الواجبات المعلومة من الصّلاة و الصّيام و نحوهما تكون إرشادا إلى وجوب إطاعتها؛ بداهة، أنّه لا يعقل تعلّق الأمر التّعبّديّ برعاية الواجبات الإلهيّة و إطاعتها، و إلّا لزم التّسلسل، كما حقّق ذلك في مثل آية: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ*.

و عليه: فتخرج الآية من الأدلّة التّعبّديّة الدّالّة على وجوب الاحتياط.

نعم، لا مانع من شمول التّقوى بمرتبتها الرّاجحة لفعل مشكوك الوجوب أو ترك مشكوك الحرمة، إلّا أنّه لا يجدي الأخباريّ القائل بوجوب الاحتياط؛ إذ

326

الرّجحان أعمّ من الوجوب، فلا يضرّ بمقالة الاصوليّ لعدم إنكاره رجحان الاحتياط، بل هو ينكر وجوبه فقط. هذا كلّه في استدلال الأخباريّ بالكتاب.

استدلال الأخباريّ بالسّنّة

أمّا السّنة، فهي على طوائف:

منها: ما يدلّ على حرمة القول بغير علم، كصحيحة هشام بن السّالم، قال:

«قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): ما حقّ اللّه على خلقه؟ قال: أن يقولوا ما يعلمون، يكفّوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك، فقد أدّوا إلى اللّه حقّه». (1)

و لا يخفى عليك: أنّ الاستدلال بهذه الطّائفة هو نظير الاستدلال بالآيات النّاهية عن القول بغير علم، و الجواب عنها هو الجواب عن الآية.

و منها: ما يدلّ على وجوب ردّ العلم إلى اللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة (عليهم السّلام)، كرواية حمزة بن طيّار: «أنّه عرض على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) بعض خطب أبيه حتّى إذا بلغ موضعا منها، قال له: كفّ و اسكت، ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إنّه لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون إلّا الكفّ عنه و التّثبت و الرّد إلى أئمّة الهدى حتّى يحملوكم فيه على القصد، يجلوا عنكم فيه العمى و يعرفوكم فيه الحقّ، قال اللّه تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ*. (2)

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، ص 112.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3، ص 112.

327

و كرواية أحمد بن الحسن الميثمي، عن الرّضا (عليه السّلام) في حديث اختلاف الأحاديث «قال (عليه السّلام): و ما لم تجدوه في شي‏ء من هذه الوجوه، فردّوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم، و عليكم بالكفّ و التّثبت و الوقوف و أنتم طالبون باحثون حتّى يأتيكم البيان من عندنا». (1)

و الجواب عن هذه الطّائفة هو أنّ الرّوايتين أجنبيّتان عن الدّلالة على وجوب الاحتياط؛ أمّا الرّواية الاولى، فلأنّها ناظرة أنّ الخطبة لعلّها كانت مشتملة على مطالب شامخة بعيدة عن الأذهان المتوسّطة، فأمر (عليه السّلام) عندئذ بالكفّ عنها و ردّ علمها إلى أئمّة الهدى، فلا تكون من الأدلّة الدّالّة على وجوب الاحتياط في الشّبهات البدويّة و نفي البراءة المستندة إلى الحجّة العقليّة أو النّقليّة.

و أمّا الرّواية الثّانية، فلأنّها ناظرة إلى أصحاب الاستقلال الّذين عملوا بآرائهم، و هذا غير ما هو مورد الكلام من البراءة في الشّبهات البدويّة بعد الفحص و اليأس عن الظّفر بالحجّة.

و منها: ما يدلّ على تثليث الامور، كرواية عمر بن حنظلة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث، «قال: و إنّما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده، فيتّبع؛ و أمر بيّن غيّه، فيجتنب؛ و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه و إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشّبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشّبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم، ثمّ‏

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 31، ص 121.

328

قال في آخر الحديث: فإنّ الوقوف عند الشّبهات خير من الاقتحام في الهلكات». (1)

و كرواية جميل بن صالح، عن الصّادق (عليه السّلام) عن آبائه (عليهم السّلام): «قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في كلام طويل: الامور ثلاثة: أمر تبيّن لك رشده، فاتّبعه؛ و أمر تبيّن لك غيّه، فاجتنبه؛ و أمر اختلف فيه، فردّه إلى اللّه عزّ و جلّ». (2)

و كرواية محمّد بن عليّ بن الحسين (ابن بابويه) قال: «إنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) خطب النّاس، فقال في كلام ذكره: حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم، فهو لما استبان له أترك، و المعاصي حمى اللّه، فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها». (3)

و كرواية النّعمان بن بشير، قال: «سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: إنّ لكلّ ملك حمى، و إنّ حمى اللّه حلاله و حرامه، و المشتبهات بين ذلك، كما لو أنّ راعيا رعى إلى جانب الحمى، لم يثبت غنمه أن تقع في وسطه، فدعوا المشتبهات». (4)

و الجواب عن هذه الطّائفة هو أنّ روايتي عمر بن حنظلة و جميل بن صالح الدّالتين على ردّ علم الأمر المشكل و الأمر المختلف فيه، إلى اللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9، ص 114.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 23، ص 118.

(3) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22، ص 118.

(4) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40، ص 122 و 123.

329

أجنبيّتان عن القول بالبراءة و الحكم بالتّرخيص و الإباحة الظّاهريّة في الشّبهات الحكميّة التّحريميّة البدويّة بعد الفحص و اليأس عن الظّفر بالحجّة، مستندا إلى الحجج القاطعة من العقليّة أو النّقليّة، كما هو واضح.

و أمّا روايتا محمّد بن علي بن الحسين و النّعمان بن بشير الدّالتان على أنّ الأخذ بالشّبهات يوجب ارتكاب المحرّمات من حيث لا يعلم، أو الرّتع حول المعاصي ربما يوجب الدّخول فيها، فهما ظاهرتان، بل صريحتان في استحباب الاجتناب عن الشّبهات، لوضوح عدم ممنوعيّة الرّعي حول الحمى، أو إلى جانبه، بل الممنوع إنّما هو الرّعي في نفس الحمى، و حيث إنّ الرّعي حوله ربما يوجب الرّعي فيه نفسه، فينبغي الاجتناب عنه كي لا يلزم ارتكاب المحرّم و المعصية، و كذا الأمر في الشّبهات، فإنّها ليست بمحرّمة، إلّا أنّ الاعتياد بها و تكرّر ارتكابها، كالاعتياد بالمكروهات و تكرّر ارتكابها، يوجب تجرّي النّفس و الجسارة لارتكاب المعاصي و المحرمات الصّغيرة، بل الكبيرة، فينبغي التّجنّب عنها كى لا يقع في الحرام، و هذا هو معنى استحباب الاجتناب لا وجوبه.

و منها: ما يدلّ على التّوقف معلّلا بأنّ الوقوف عند الشّبهة خير من الاقتحام في الهلكة، كرواية أبي سعيد الزّهري، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «الوقوف عند الشّبهة خير من الاقتحام في الهلكة، و تركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحص». (1)

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2، ص 112.

330

و كرواية مسعدة بن زياد، عن جعفر (عليه السّلام) عن آبائه (عليهم السّلام): «أنّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: لا يجامعوا في النّكاح على الشّبهة، وقفوا عند الشّبهة، يقول: إذا بلغك أنّك قد رضعت من لبنها و أنّها لك محرم و ما أشبه ذلك، فإنّ الوقوف عند الشّبهة خير من الاقتحام في الهلكة». (1)

و لا يخفى: أنّ تقريب الاستدلال بهذه الطّائفة على وجوب الاحتياط، يتوقّف على بيان امور:

الأوّل: أنّ كلمة: «خير» منسلخ عن معنى «التّفضيل» الكاشف عن الاستحباب، بل إنّما هو بالمعنى «المقابل للشّر»، و إلّا يلزم أن يكون الاقتحام في الهلكة- أيضا- خيرا، مع أنّك تعرف أنّه شرّ محض.

الثّاني: أنّ التّعليل يفيد التّعميم، فيشمل لمطلق الشّبهات.

الثّالث: أنّه لا بدّ من السّنخيّة بين العلّة و المعلول في الإيجاب و الحرمة، فحيث إنّ العلة هنا يكون في حدّ الوجوب، فلا مناص من أن يكون المعلول و هو الوقوف عند الشّبهات- أيضا- واجبا.

و الجواب عن هذه الطّائفة هو أنّ دلالتها على وجوب الاحتياط، إنّما تتمّ فيما إذا لم يعلم فيه الإذن و التّرخيص و الحلّيّة ظاهرا، و أمّا فيما إذا علم فيه ذلك فهو خارج عن الشّبهة خروجا تخصّصيّا موضوعيّا، بل هو مندرج في معلوم الحلّيّة و الإباحة، فلا يعمّه كبرى العلّة المذكورة في الرّوايات و هي الوقوف عند الشّبهات خير

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 14، كتاب النّكاح، الباب 157 من أبواب مقدّمات النّكاح و آدابه، الحديث 2، ص 193.

331

من الاقتحام في الهلكات.

و يشهد على ذلك أنّه لا يجب الوقوف في الشّبهات الموضوعيّة مطلقا، و لا في الحكميّة الوجوبيّة بعد الفحص، و ليس هذا إلّا لخروج هذه الشّبهات عن موضوع الشّبهة بالأدلّة الدّالّة على الرّخصة فيها، لا لتخصيص أدلّة وجوب التّوقّف بعد الفراغ عن صدق الموضوع و الاندراج تحت عنوان الشّبهة؛ و ذلك لإباء لسان أدلّة وجوبه عن التّخصيص، فلا يصحّ أن يقال: الوقوف عند الشّبهة خير من الاقتحام في الهلكة، إلّا الوقوف في الشّبهات الموضوعيّة مطلقا و في الحكميّة الوجوبيّة؛ إذ معنى هذا التّخصيص هو أنّ الوقوف في هاتين الشّبهتين لا يكون خيرا من الاقتحام في الهلكة، و هذا كما ترى.

و بالجملة: المراد من الشّبهة هو المشتبه رأسا، و الشّبهة البدويّة ليست كذلك مع وجود أدلّة الرّخصة و الحلّيّة، فلا مناص من أن يقال: بالتّخصّص و خروج هذه الشّبهة بتلك الأدلّة، عن أدلّة الوقوف موضوعا.

أضف إلى ذلك كلّه، هو أنّ معنى كبرى التّعليل هو عبارة عن قولنا: قف عند الشّبهة و لا توقع نفسك في الهلكة، و لا تقتحم في العقوبة. و لا ريب، أنّ مقتضى ذلك هو أن تكون الهلكة عند ارتكاب الشّبهة، مفروضة التّحقّق مع قطع النّظر عن هذه الرّوايات كي يعلّل بها وجوب التّوقف، و ليس هذا إلّا في مورد الشّبهتين: أحدهما:

الشّبهة البدويّة قبل الفحص و اليأس عن الظّفر بالحجّة؛ ثانيهما: الشّبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ، و أمّا الشّبهة البدويّة بعد الفحص و اليأس عنه، فليست فيها هلكة و عقوبة لوجود أدلّة البراءة و الرّخصة من العقليّة و النّقليّة فيها.

332

لا يقال: إنّ الهلكة مترتّبة على نفس وجوب التّوقف المستفاد من تلك الرّوايات الآمرة به.

فإنّه يقال: لا يمكن ذلك إلّا على وجه الدّائر؛ إذ المفروض أنّ الهلكة علّة لوجوب التّوقف و متقدّمة عليه، فلو فرض كونها مترتّبة على التّوقف و معلولا له، لزم أن يتوقّف أحدهما على الآخر، و ما هو المتقدّم يكون متأخّرا، و هذا هو الدّور المستحيل.

و عليه: فالأمر بالتّوقّف و النّهي عن الاقتحام يكونان- كالأمر بالإطاعة و النّهي عن المعصية في الشّرع، و كأمر الطّبيب و نهيه في العرف- إرشادين إلى أنّ هناك خطرا و هلاكة، لا أنّهما من الأوامر و النّواهي المولويّة التّعبّديّة.

و إن شئت، فقل: ليست تلك الرّوايات المتضمّنة للأمر بالتّوقّف، إلّا نظير آية التّهلكة المتقدّمة الّتي تكون ناظرة إلى بيان كبرى حرمة الإلقاء في الهلكة المسلّمة عند الكلّ من الأخباريين و الاصوليين، و لا دليل على وجود الهلكة في ارتكاب الشّبهات البدويّة، بل أدلّة البراءة تدلّ على عدمها البتّة.

فتحصّل: أنّ الرّوايات الدّالّة على الوقوف المشتملة على التّعليل، لا تدلّ على وجوب الاحتياط في الشّبهات البدويّة بعد الفحص، بل تدلّ على وجوبه فيما كانت هناك هلكة مع قطع النّظر عنها، كالشّبهات البدويّة قبل الفحص، و الشّبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ.

و منها: ما يتراءى منه وجوب الاحتياط في المشتبهات، كرواية عبد اللّه بن وضّاح أنّه كتب إلى العبد الصّالح (عليه السّلام): «يسأله عن وقت المغرب و الإفطار،

333

فكتب (عليه السّلام) إليه: أرى لك أن تنتظر حتّى تذهب الحمرة، و تأخذ بالحائط لدينك». (1)

و كمرسلة الشّهيد الأوّل (قدّس سرّه) في الذّكرى، قال: «و قال الصّادق (عليه السّلام): لك أن تنتظر الحزم و تأخذ بالحائط لدينك». (2)

و كرواية عنوان البصري، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السّلام): «يقول: سل العلماء ما جهلت، و إيّاك أن تسألهم تعنّتا و تجربة، و إيّاك أن تعمل برأيك شيئا، و خذ بالاحتياط في جميع امورك ما تجد إليه سبيلا، و اهرب من الفتيا هربك من الأسد، و لا تجعل رقبتك عتبة للنّاس». (3)

و كصحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء بينهما أو على كلّ واحد منهما جزاء؟ قال:

لا، بل عليهما أن يجزي كلّ واحد منهما الصّيد، قلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك، فلم أدر ما عليه، فقال: إذا اصبتم مثل هذا فلم تدروا، فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه، فتعلموا». (4)

و لا يخفى عليك: أنّ تلك الرّوايات المذكورة من هذه الطّائفة قاصرة

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 37، ص 122.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 58، ص 127.

(3) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 54، ص 127.

(4) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، ص 111 و 112.

334

الدّلالة على وجوب الاحتياط، مضافا إلى ضعف سند بعضها.

أمّا رواية عبد اللّه بن وضّاح، فلأجل ظهورها في أنّ شبهة السّائل كانت في حقيقة المغرب و أنّه هل تتحقّق باستتار القرص فقط- كما هو المشهور عند العامّة- أو بذهاب الحمرة المشرقيّة- كما هو المشهور عند الخاصّة- و لمّا كانت التّقيّة في ذلك الزّمان حاكمة و كانت هي طريق التّخلّص من شرّ الحكومة، التجأ الإمام (عليه السّلام) إلى أن قال: «أرى لك أن تنتظر حتّى تذهب الحمرة، و تأخذ بالحائط لدينك» و لو لا التّقيّة لكانت الوظيفة بيان حقيقة المغرب بالصّراحة، و أنّها تحقّقت بذهاب الحمرة المشرقيّة، لكونه (عليه السّلام) عالما بحقيقة الحال و الأمر، و ليس من شأنه أن يجيب بالاحتياط إذا سئل عن الشّبهات، فالرّواية لا تكون دليلا على وجوب الوقوف و لزوم الاحتياط في الشّبهات الحكميّة بعد الفحص و اليأس عن الظّفر بالحجّة.

و أمّا مرسلة الشّهيد الأوّل (قدّس سرّه) فلأنّها مضافا إلى الإرسال، غير مشتملة للسّؤال، و لعلّ ما تضمّنته هو كلام مبتدأ غير مسبوق بالسّؤال، و كيف كان، لا ظهور لهذه المرسلة فيما هو مدّعى الاخباريّ.

و أمّا رواية عنوان البصري، فلأنّها مضافا إلى كونها مرسلة، غير ناظرة إلى وجوب الاحتياط في الشّبهات، بل هي ناظرة إلى أصحاب الرّأي و أتباع القياسات و الاستحسانات، كيف، و أنّ الإفتاء إذا كان مستندا إلى الكتاب و السّنة و ما ورد من العترة (عليه السّلام) من الرّوايات يكون مطلوبا قطعا، كما يشهد عليه قول أبي جعفر (عليه السّلام)- مخاطبا لأبان تغلب-: «اجلس في مجلس المدينة و أفت النّاس، فإنّي احبّ أن يرى في شيعتي مثلك». (1)

____________

(1) رجال النّجاشي: ج 1، ص 73 و 74.

335

و أمّا صحيحة عبد الرّحمن بن حجّاج، فلأنّها ناظرة إلى زمان الحضور و راجعة إلى الشّبهات قبل الفحص و السّؤال مع التّمكن منه، كما يشهد عليه قوله (عليه السّلام):

«فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه، فتعلموا»، حيث إنّه (عليه السّلام) جعل السّؤال و العلم بالأحكام، غاية للاحتياط، فلو فرض عدم إمكان السّؤال و تحصيل العلم بها لكان ذلك لغوا. هذا تمام الكلام في استدلال الأخباريّ على وجوب الاحتياط بالسّنة.

استدلال الأخباريّ بالعقل‏

أمّا العقل، ففي تقريب دلالته على وجوب الاحتياط وجوه:

الأوّل: أنّ في ارتكاب الشّبهة احتمال الوقوع في المضرّة، بلا كلام فيه، فيجب دفعه بحكم العقل و الفطرة.

و فيه: ما تقدّم مبسوطا في البحث حول قاعدة قبح العقاب بلا بيان، من أنّ الضّرر المحتمل الّذي يحكم العقل بوجوب دفعه لو اريد به الضّرر الدّنيويّ، فيمنع عنه في الشّبهات البدويّة صغرى و كبرى.

أمّا الصّغرى، فلعدم الملازمة بين ارتكاب الشّبهة و بين الضّرر الدّنيويّ، بل ربما يكون ارتكاب الشّبهة نافعا دنيويّا.

و أمّا الكبرى، فلأنّ العقلاء ربما يقدمون على المقطوع به من هذا الضّرر، فضلا عن المحتمل، فحكم العقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل، ممنوع.

و أمّا لو اريد به الضّرر الاخرويّ و هو العقاب، فيمنع عنه في الشّبهات البدويّة من ناحية الصّغرى فقط؛ و ذلك، لعدم احتمال العقاب في ارتكاب الشّبهة بعد

336

الفحص و اليأس عن الظّفر بالحجّة مع وجود قاعدة قبح العقاب بلا بيان، في ذلك المورد.

هذا، مضافا إلى أنّ مقتضى الوجه المذكور من دليل العقل، هو تعميم وجوب الاحتياط لموارد الشّبهات الموضوعيّة مطلقا، و لموارد الشّبهات الحكميّة الوجوبيّة- أيضا- مع أنّ الأخباريّ القائل بالاحتياط لا يلتزم به، بل يقول في تلك الموارد:

بالبراءة.

الوجه الثّاني: أنّ الأصل في الأفعال غير الضّروريّة قبل الشّرع و الشّريعة هو الحظر و عدم الإباحة، و قضيّة ذلك هو الاحتياط و وجوب الوقوف عند الشّبهة.

و فيه: أوّلا: أنّ مورد أصالة الحظر هو الفعل قبل الشّريعة و قبل جعل الحكم له من ناحيتها، بخلاف أصالة البراءة، فإنّ موردها هو الفعل بعد التّشريع و التّقنين.

و إن شئت، فقل: إنّ موضوع أصالة الحظر هو الفعل المتيقّن بأنّه لم يجعل له حكم شرعيّ بعد، و أمّا أصالة البراءة فموضوعها هو الفعل المشكوك حكمه، فلا ملازمة بين المسألتين، و نتيجة ذلك، هو أنّ القول بالحظر هناك لا يستلزم القول بالاحتياط هنا، كما أنّ القول بالبراءة هنا لا يستلزم القول بالإباحة هناك.

و ثانيا: أنّ أصالة الحظر هناك ليست بمسلّمة، كيف، و قد قال جمع من الجهابذة: بأصالة الإباحة، و توقّف جمع آخر في المسألة.

و ثالثا: أنّ مع وجود الأدلّة المرخّصة الدّالّة على البراءة في الشّبهات البدويّة، لا يبقى المجال للقول بالحظر و نفي الإباحة فيها.

الوجه الثّالث: أنّ المكلّف البالغ يعلم إجمالا بتكاليف إلزاميّة، ايجابيّة أو

337

تحريميّة، و العلم الإجماليّ ينجّز تلك التّكاليف الواقعيّة عند الإصابة، و مقتضى ذلك، وجوب الاحتياط في الشّبهات مطلقا، إلّا إذا انحلّ العلم الإجماليّ لقيام حجّة معتبرة على ثبوت التّكليف أو نفيه في بعض أطرافه بالمطابقة أو بالالتزام، كقيامها- مثلا- على وجوب صلاة الجمعة، أو على عدم وجوب صلاة الظّهر عند دوران الأمر بين وجوب هذه أو تلك، و المفروض، أنّه لا تقوم الحجّة في المقام على نفي التّكليف في بعض أطراف العلم الإجماليّ، لا بالمطابقة، كما هو واضح، و لا بالالتزام؛ إذ الأمارات القائمة على ثبوت التّكاليف في بعض الأطراف ليس لها إلّا لسان الإثبات، لا النّفي، بمعنى: أنّ مقتضى قيام الأمارات على أحكام في موارد خاصّة هو ثبوتها فيها فقط، لا نفي ثبوت أحكام اخرى عن غير تلك الموارد، فإذا لا ينحلّ العلم الإجماليّ المتعلّق بتكاليف الزاميّة، بل يبقى التّنجيز على حاله، و معه يجب الاحتياط في الشّبهات.

و فيه: أنّ انحلال العلم الإجماليّ في المقام و إن وقع فيه خلاف بين الأعلام، إلّا أنّ الحقّ هو الانحلال و عدم وجوب الاحتياط فيه.

توضيح ذلك: أنّ لانحلال العلم الإجماليّ موردين: أحدهما: ما اتّفق الأعلام عليه و هو مورد العلم بانطباق المعلوم بالتّفصيل على المعلوم بالإجمال، بحيث يصير ما علم إجمالا عين ما علم تفصيلا، سواء كان في البين علم إجماليّ واحد- نظير ما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الكأسين، فقامت البيّنة على أنّ النّجس المعلوم بالإجمال هو هذا الإناء- أو كان في البين علمان إجماليّان، أحدهما أكبر من الآخر، و علم أنّ ما هو المعلوم بالإجمال في الأكبر هو عين ما علم كذلك في الآخر، نظير ما إذا علم إجمالا بوجود خمس شياة مغصوبة في قطيع من الغنم، ثمّ علم كذلك بوجود

338

خمس شياة مغصوبة في جملة السّود من هذا القطيع، و قامت البيّنة على أنّ هذه الخمس الموجودة في السّود عين تلك الخمس الّتي كانت معلومة إجمالا في كلّ القطيع من السّود و البيض، ففي هذا المورد، لا كلام في أنّ العلم الإجماليّ منحلّ إلى العلم التّفصيليّ و الشّكّ البدويّ.

ثانيهما: ما اختلف الأعلام فيه و هو مورد احتمال انطباق المعلوم بالتّفصيل على المعلوم بالإجمال، نظير ما إذا قامت البيّنة على نجاسة أحد الكأسين المشتبهين من دون الدّلالة على أنّه عين ما علم نجاسته إجمالا، بل يحتمل كون هذا المعلوم بالتّفصيل هو عين النّجس المعلوم بالإجمال.

و كذا نظير ما إذا قامت البيّنة على وجود خمس شياة مغصوبة في جملة السّود بلا دلالة على أنّ هذه الخمس هو عين الخمس المعلوم بالإجمال في كلّ الغنائم من السّود و البيض، بل يحتمل كونه كذلك، ففي هذا المورد و إن كان انحلال العلم الإجماليّ موردا للخلاف، إلّا أنّ الحقّ هو الانحلال؛ و ذلك، لأنّ المعيار في بقاء العلم الإجماليّ أن تكون هناك قضيّة منفصلة حقيقيّة، نظير هذا نجس أو ذاك نجس، و نظير هذا حرام أو ذاك حرام.

و من المعلوم: أنّه مع العلم بانطباق المعلوم بالتّفصيل على المعلوم بالإجمال، أو احتمال انطباقه، لا تبقى تلك القضيّة على حالها، بل تنقلب إلى حمليّتين: إحداهما:

حمليّة بتّيّة؛ و الاخرى: حمليّة مشكوكة، فيقال: هذا نجس بلا كلام، و ذاك مشكوك النّجاسة، أو هذا حرام كذلك، و ذاك مشكوك الحرمة.

إذا عرفت هذا التّوضيح، فنقول: إنّ المقام كان من قبيل احتمال الانطباق،

339

فينحلّ فيه العلم الإجماليّ- أيضا- إذ مع احتمال انطباق ما هو المعلوم بالإجمال من المحرّمات في دائرة العلم الإجماليّ الكبير، على المحرّمات الكثيرة المستفادة من الطّرق و الأمارات المعتبرة، يزول العلم الإجماليّ عن لوح النّفس و ينتفي التّرديد قطعا، فينقلب القضيّة المنفصلة المردّدة إلى حمليّة بتّيّة و مشكوكة، فيعلم تفصيلا بحرمة امور دلّت على حرمتها الأمارات المعتبرة، و يشكّ في حرمة ما عداها شكّا بدويّا تجري في مورده البراءة. هذا مجمل الكلام في المقام، و سنبحث عن مسألة الانحلال في مبحث الاشتغال بوجه مبسوط، إن شاء اللّه تبارك و تعالى.

قد يقال: إنّ العلم التّفصيليّ في المقام، لكونه حادثا متأخّرا عن العلم الإجماليّ، لا يسعه أن يرفع أثره المترتّب عليه قبل حدوث هذا العلم و إن أوجب زوال نفس العلم الإجماليّ و انحلاله بانقلاب القضيّة المنفصلة إلى حمليّة بتّيّة و حمليّة مشكوكة، نظير حدوث الاضطرار بأحد الطّرفين بعد العلم الإجماليّ، أو خروجه عن محلّ الابتلاء كذلك، حيث إنّ الاضطرار و الخروج عن محلّ الابتلاء لا يؤثّران في رفع التّكليف عن الطّرف الآخر المبتلى به، أو غير المضطرّ إليه، بل يجب الاجتناب عن ذلك الطّرف، و المقام نظير ما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الكأسين أو الثّوبين، ثمّ علم تفصيلا بنجاسة الكأس الأبيض أو الثّوب الأخضر- مثلا- فالعلم الإجماليّ و إن انحلّ حينئذ قطعا، لكنّه لكونه سابقا على العلم التّفصيليّ أثّر أثره و نجّز التّكليف قبله، فيكون الكأس أو الثّوب الآخر، واجب الاجتناب فعلا- أيضا- كما كان كذلك قبلا.

و بالجملة: إنّ المقام و إن كان ممّا علم فيه تفصيلا بأحكام خاصّة في موارد خاصّة بالوقوف على الطّرق و الأمارات المعتبرة، لكن هذا العلم التّفصيليّ لتأخّره عن‏

340

العلم الإجماليّ، لا يسعه أن يزيل أثره و يرفع التّنجيز بالنّسبة إلى ما في غير موارد الطّرق و الأمارات من الأحكام و التّكاليف، فيجب الاحتياط و ترك المشتبهات بأثرها.

و فيه: أنّ هذا الكلام إنّما يتمّ فيما إذا كان العلم التّفصيليّ و ما يتعلّق به من المعلوم تفصيلا كلاهما حادثين متأخّرين، كما اشير في المثال المتقدّم، و في موارد الخروج عن محلّ الابتلاء و طروّ الاضطرار، و أمّا إذا كان العلم التّفصيليّ، و كذا المعلوم تفصيلا متقدّمين على العلم الإجماليّ أو مقارنين له، فلا ريب، أنّ هذا العلم التّفصيليّ كاشف عن عدم الحقيقة و الواقعيّة لذلك العلم الإجماليّ، بل كان زعميّا صوريّا و جهلا مركّبا، نظير ما إذا علم يوم الأحد بنجاسة أحد الكأسين، ثمّ علم يوم الإثنين بأنّ الكأس الأبيض- مثلا- كان نجسا يوم السّبت أو يوم الأحد، فهذا العلم التّفصيليّ يوجب انحلال العلم الإجماليّ و رفع أثره رأسا، بل يكشف عن عدم انعقاده إلّا زعميّا صوريّا و جهلا تركّبيّا، بحيث لو كان عالما بنجاسته تفصيلا في ذلك الزّمان لما حصل له علم إجماليّ أصلا، و المقام من هذا القبيل، كما لا يخفى.

أضف إلى ذلك كلّه، أنّ العلم الإجماليّ لو كان موجبا للاحتياط في الشّبهات الحكميّة التّحريميّة، لكان موجبا له في الوجوبيّة و الموضوعيّة مطلقا، مع أنّ الأخباري لا يقول به فإذا يكون استدلاله بالعقل منقوض بما ذكر.

«خاتمة»

ينبغي الإشارة في ختام البحث إلى امور متعلّقة بالمقام:

341

[الأمر الأول‏] تقديم الأصل الموضوعيّ على البراءة

الأوّل: أنّه يشترط في جريان البراءة العقليّة و النّقليّة في كلّ شبهة مطلقا- موضوعيّة كانت أو حكميّة، تحريميّة كانت أو وجوبيّة- بعدم وجود أصل حاكم أو وارد عليها من استصحاب موضوعيّ أو حكميّ موافق أو مخالف لها، و إلّا فلا تجري في مورد الشّبهة بلا ريب؛ و ذلك، لأنّ موضوع البراءة العقليّة هو عدم البيان و البرهان، و موضوع البراءة الشّرعيّة هو عدم العلم، فكلّ ما يصلح أن يكون بيانا أو علما و لو بنحو التّعبّد يتقدّم على البراءة، إمّا بالحكومة، كما عن الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1)، و إمّا بالورود، كما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(2).

و الجدير هنا أن نذكر بعض الأمثلة في المقام، مزيدا للإيضاح، فنقول:

أمّا الشّبهة الموضوعيّة، فهو نظير ما إذا علم بخلّيّة مائع ثمّ شكّ في صيرورته خمرا، ففي مثل هذا الشّكّ و إن كان مقتضى البراءة هو جواز الشّرب و الحلّيّة، إلّا أنّ هنا أصلا آخر موافقا لمقتضاها و هو استصحاب الخلّيّة السّابقة المتيقّنة. و لا ريب، أنّ هذا الأصل يرفع موضوع البراءة و هو الشّكّ، لكونه علما تعبّدا و بالعناية، فيكون واردا أو حاكما عليها، هذا بالنّسبة إلى الأصل الموافق للبراءة.

و أمّا الأصل المخالف لها، فهو نظير عكس ما ذكر في المثال المتقدّم، بأن علم خمريّة مائع، ثمّ شكّ في صيرورته خلّا، ففي هذا المورد و إن تقتضي البراءة- أيضا-

____________

(1) فرائد الاصول: ج 2، ص 109.

(2) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 190 و 351 و 354.

342

جواز الشّرب و الحلّيّة، إلّا أنّ هنا أصلا آخر مخالف لمقتضاها و هو استصحاب الخمريّة السّابقة، فيرفع به موضوع البراءة و هو الشّكّ؛ إذ الاستصحاب يكون علما تعبّدا، فلا يبقى المجال لجريان البراءة حتّى يحكم بجواز الشّرب و الحلّيّة. هذا في الشّبهة الموضوعيّة.

أمّا الشّبهة الحكميّة، فهو نظير ما إذا شكّ في جواز وطء الحائض بعد النّقاء و انقطاع الدّم و قبل الاغتسال، ففي مثل هذا الشّكّ و إن تقتضي البراءة، حلّيّة الوطء، إلّا أنّ هنا أصلا آخر مخالفا لها و هو استصحاب الحرمة السّابقة المتيقّنة، فيرفع به موضوع البراءة و هو الشّكّ، لما علمت من أنّ الاستصحاب علم تعبّديّ فيكون حاكما أو واردا عليها.

أصالة عدم التّذكية

تفريع: قد فرّع العلمان (الشّيخ الأنصاري و المحقّق الخراساني (قدّس سرّهما)) على الأمر الأوّل، جريان أصالة عدم التّذكية فيما إذا شكّ في قابليّة حيوان للتّذكية و عدمها، و لا بأس أن نتكلّم حول هذا الأصل، لترتّب الفائدة عليه، فنقول:

إنّ الشّبهة البدويّة في حرمة اللّحم و حلّيّته، تارة: تكون موضوعيّة؛ و اخرى: حكميّة، أمّا الموضوعيّة فلها صور أربعة: الاولى: أن يكون الشّكّ في الحرمة لأجل تردّد اللّحم بين ما يؤكل كالشّاة، و بين ما لا يؤكل كالأرنب، بعد الفراغ من إحراز وقوع التّذكية الجامعة للشّرائط على الحيوان أيّا ما كان، و الحكم في هذه الصّورة هو جريان أصالة الحلّ و الإباحة فيها، بلا أصل موضوعيّ متقدّم عليها بالورود أو الحكومة.

343

و ما حكي عن الشّهيد (قدّس سرّه)(1) من أنّ الأصل في اللّحوم مطلقا هو الحرمة أجنبيّ عن هذه الصّورة؛ إذ المفروض فيها هو العلم بوقوع التّذكية، فلا مجال معه، لهذا الأصل بالمرّة.

لا يقال: إنّ في المقام أصلا آخر يقتضي حرمة أكل اللّحم و هو استصحاب الحرمة السّابقة المتيقّنة حال حياة الحيوان و قبل زهاق روحه، فيكون هذا الأصل حاكما أو واردا على أصالة الحلّ و الاباحة.

لأنّه يقال: أوّلا: أنّ متيقّن الحرمة كان هو الحيوان الحيّ، و أمّا مشكوك الحرمة فهو ليس إلّا اللّحم، فهما موضوعان متغايران عرفا و في مثل ذلك لا يجري الاستصحاب.

و ثانيا: أنّه لا دليل على حرمة أكل الحيوان إذا كان حيّا، و لذا يفتي جماعة بحليّة بلع السّمك الصّغير، و حلّية بلعه حيّا مع أنّه غير مذكّى؛ بداهة، أنّه لا يصير مذكّى بمجرّد إخراجه من الماء حيّا، بل تذكيته هو خروجه من الماء كذلك بعد عروض الموت عليه.

الصّورة الثّانية: أن يكون الشّكّ في حرمة اللّحم و حلّيّته، لأجل احتمال طروّ ما يمنع عن قبول التّذكية، كالجلل أو الوطء، أو الارتضاع من لبن خنزيرة في مثل الشّاة.

و لا يخفى: أنّ في هذه الصّورة يجري الأصل الحاكم على الحلّ و البراءة، و هو استصحاب عدم طروّ المانع من التّذكية، فيحكم بالحلّيّة بعد تحقّق التّذكية الواجدة للشّرائط المقرّرة في محلّه، و هذا من موارد وجود الأصل الحاكم على البراءة الموافق لها في النّتيجة.

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 2، ص 110.

344

الصّورة الثّالثة: أن يكون الشّكّ في الحرمة و الحلّية لأجل احتمال عدم قبول التّذكية رأسا مع العلم بوقوع الذّبح و فري الأوداج الأربعة مع سائر شرائطه، نظير ما إذا كان الحيوان المذبوح أو لحمه المطروح، مردّدا بين شاة و خنزيرة، لعلل و امور خارجيّة، كالجهل أو العمى أو الظّلمة، و في هذه الصّورة بناء على القول بوجود العموم الدّال على قابليّة كلّ حيوان للتّذكية إلّا ما خرج بالدّليل، كالكلب و الخنزير، على ما إدّعاه صاحب الجواهر (قدّس سرّه)(1)، لا مجال للحكم بالحلّيّة و الطّهارة؛ إذ المفروض، أنّ الحيوان مردّد بين مأكول اللّحم و غيره، فيكون التّمسّك بالعامّ حينئذ تمسّكا به في الشّبهة المصداقيّة للمخصّص و هو غير جائز.

اللّهم إلّا أن يتمسّك به، بعد إجراء استصحاب عدم الكلبيّة- مثلا- إذا قيل بجريانه في الأعدام الأزليّة حتّى في العناوين الذّاتيّة، فيحكم على هذا الوجه بالحلّيّة و الطّهارة.

و أمّا بناء على القول بإنكار العموم، كما هو الظّاهر، فإذا قلنا: بكون التّذكية أمرا وجوديّا بسيطا حاصلا من الذّبح بشرائطه- نظير الطّهارة الحاصلة من الوضوء و الغسل، و نظير الملكيّة الحاصلة من الإيجاب و القبول- يستصحب عدمها، فلا يحكم بالطّهارة و الحلّيّة؛ و إذا قلنا: بكونها نفس الذّبح مع شرائطه الخاصّة، فلا مجال لأصالة عدمها؛ إذ لا شكّ حينئذ فيها، بل القطع حاصل بتحقّقها، فالمرجع هو أصالة الحلّ و الطّهارة.

____________

(1) جواهر الكلام: ج 36، ص 196.

345

الصّورة الرّابعة: أن يكون الشّكّ في الحرمة و الحلّيّة لأجل احتمال عدم تحقّق التّذكية بعد إحراز القابليّة، إمّا لأجل عدم تحقّق الذّبح و فري الأوداج الأربعة، أو عدم تحقّق شرائطه المقرّرة؛ و هذه الصّورة تجري فيها أصالة عدم التّذكية بلا شبهة، و النّتيجة هي الحرمة و عدم الحلّيّة البتّة. هذا تمام الكلام في الشّبهة الموضوعيّة.

و أمّا الشّبهة الحكميّة، فهي ذات صور ثلاثة:

إحداها: أن يكون الشّكّ في الحرمة و الحلّيّة من غير ناحية التّذكية، نظير ما إذا شكّ في حلّيّة أكل لحم الأرنب، أو بعض أنواع السّمك و حرمته، مع العلم بوقوع التّذكية عليه؛ و ذلك، لفقد الدّليل على الحرمة و الحلّيّة، و في هذه الصّورة يكون المرجع أصالة الإباحة و الحلّيّة، و لا أصل حاكما أو واردا عليها.

اللّهم إلّا أن يقال: باستصحاب الحرمة السّابقة المتيقّنة حال الحياة و قبل وقوع التّذكية. و قد عرفت: في الصّورة الاولى من الشّبهة الموضوعيّة، ما فيه من الإشكال، فراجع.

ثانيتها: أن يكون الشّكّ في الحرمة و الحلّيّة من ناحية التّذكية، إمّا لأجل الشّكّ في اعتبار شي‏ء في التّذكية و عدمه، نظير الشّكّ في اشتراط كون الذّبح بالحديد أو بإسلام الذّابح، أو غير ذلك من سائر الشّرائط، و إمّا لأجل الشّكّ في مانعيّة شي‏ء فيها، و في هذه الصّورة لا مانع من الحكم بنفي اعتبار الأمر المشكوك فيه، تمسّكا بالدّليل الاجتهاديّ و هو إطلاق أدلّة التّذكية، نظير قوله تعالى: ... إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏ (1) و قول أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «... و كلّ شي‏ء منه جائز إذا علمت أنّه ذكّي و

____________

(1) سورة المائدة (5)، الآية 3.

346

قد ذكّاه الذّبح ...» (1) أو بالأصل العمليّ و هو البراءة لو لم يكن إطلاق في البين، أو كان و لكن لا يجوز التّمسّك به، فترفع بهذا الأصل، الشّرطيّة أو المانعيّة المشكوكة، و مع رفعهما لا يشكّ في التّذكية و عدمها حتّى تجري أصالة عدمها.

نعم، لو جرت أصالة عدم التّذكية، تترتّب عليها الحرمة و النّجاسة، كما بيّناه سابقا.

هذا، و لكن ذهب بعض الأعاظم (قدّس سرّه)(2) إلى عدم جواز التّمسّك بإطلاق الأدلّة في المقام، معلّلا بعدم كون التّذكية من الامور العرفيّة حتّى ينزّل الخطاب على ما هو الرّائج عرفا و يرفع احتمال التّقييد بإطلاقه، كما كان الأمر كذلك في مثل قوله تعالى:

أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏.

و فيه ما لا يخفى؛ إذ ليس معنى التّذكية حسب العرف و اللّغة إلّا الذّبح و فري الأوداج الأربعة، فهو أمر عرفيّ- كالبيع و الإجارة و نحوهما- ليس للشّرع فيها تأسيس و إبداع. نعم، زاد فيها قيودا، كما زاد في غيرها من العناوين المعامليّة المذكورة آنفا.

و عليه: فلا مانع من التّمسّك بإطلاق أدلّة التّذكية لنفي ما شكّ في كونه معتبرا في التّذكية، كما لا مانع من التّمسّك بإطلاق (أحلّ اللّه البيع) و نحوه فيما إذا شكّ في اعتبار شي‏ء في صحّة البيع.

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 3، كتاب الصّلاة، الباب 2 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1، ص 250.

(2) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 313.

347

هذا، مضافا إلى أنّ التّمسّك بإطلاق الخطابات الواردة من ناحية الشّرع في الموضوعات الشّرعيّة، كالصّلاة و الصّوم و الحجّ و نحوها، يكون من المسلّمات عند أرباب فنّ الاصول و أصحاب الاجتهاد من الفحول؛ و نتيجة ذلك، جواز التّمسّك في المقام بالإطلاق الوارد في التّذكية و لو كانت من الموضوعات الشّرعيّة غير العرفيّة.

ثالثتها: أن يكون الشّكّ في الحرمة و الحلّيّة من ناحية التّذكية، لأجل الشّكّ في قابليّة الحيوان للتّذكية و عدمها، كالحيوان المتولّد من شاة و خنزير بلا صدق اسم أحدهما عليه، فعلى مسلك صاحب الجواهر (قدّس سرّه)- من قبول كلّ حيوان للتّذكية إلّا ما خرج بالدّليل، كالكلب و الخنزير، استنادا إلى رواية عليّ بن يقطن، الواردة في الجلود- كان المرجع هو العموم‏ (1)، فلا مجال لأصالة عدم التّذكية؛ إذ الأصل غير معتبر مع وجود العموم و الأمارة.

و عليه: فالحكم في هذه الصّورة هو الطّهارة و الحلّيّة، بلا حاجة في الرّجوع إلى العموم إلى إجراء استصحاب العدم الأزليّ، بل لا مجال له، لأنّ المفروض هو أنّ الشّبهة في المقام حكميّة لا موضوعيّة كي ترفع بالاستصحاب، هذا بناء على القول بالعموم.

و أمّا بناء على القول بعدم العموم، فهل تجري حينئذ أصالة عدم التّذكية أولا؟ و على فرض جريانها، هل يحكم بالنّجاسة- أيضا- أو يحكم بالحرمة فقط؟

فهنا نزاعان:

أمّا النّزاع الأوّل: فالحقّ فيه جريان أصالة عدم التّذكية بلا فرق بين الأقوال‏

____________

(1) جواهر الكلام: ج 36، ص 196.

348

المختلفة في حقيقة التّذكية من كونها أمرا واحدا و هو الذّبح و فري الأوداج الأربعة مع الشّرائط المقرّرة فيها (كالقابليّة، و كون الذّبح بحديد و استقبال القبلة و إسلام الذّابح و التّسمية) و هو القول المختار، أو كونها مركّبة من تلك الامور أو كونها أمرا بسيطا محصّلا منها أو كونها أمرا انتزاعيّا منها.

و الوجه في ما ذكرناه: هو أنّ الشّكّ في القابليّة يوجب الشّكّ في تحقّق الأمر الواحد، أو الأمر المركّب أو الأمر البسيط المحصّل أو المنتزع من تلك الامور، فتجري أصالة عدم التّذكية.

و من هنا ظهر: أنّ ما عن بعض الأعاظم (قدّس سرّه) من جريان أصالة الحلّ في المقام دون أصالة عدم التّذكية، غير وجيه. نعم، لو علم قبول الحيوان للتّذكية و شكّ في الحلّيّة و الحرمة كانت أصالة الإباحة هناك محكّمة؛ إذ الشّكّ حينئذ ليس في التّذكية، بل هو في الحلّيّة و الحرمة، و لا أصل معه إلّا الإباحة و الحلّيّة.

أمّا النّزاع الثّاني: فالحقّ فيه هو ترتّب النّجاسة و الحرمة على الحيوان بجريان أصالة عدم التّذكية فيه؛ بداهة، أنّ ما هو المؤثّر في الطّهارة و الحلّيّة هو تحقّق التّذكية الشّرعيّة فيه، فمجرّد إحراز كون الحيوان غير المذكّى بإجراء الأصل عند الشّكّ في واحد من الشّرائط المذكورة في التّذكية، كاف في الحكم بالنّجاسة و الحرمة عليه.

هذا، و لكن اشكل على أصالة عدم التّذكية و ترتيب أثر النّجاسة و الحرمة عليها، بأنّها معارضة بأصالة عدم الموت. و واضح، أنّ الحرمة و النّجاسة من أحكام الميتة، فلا مناص من الرّجوع في المقام إلى أصالة الإباحة و الطّهارة. (1)

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 2، ص 128.

349

توضيح الإشكال: أنّ الميتة عبارة عن خصوص ما مات حتف أنفه، و أمّا غير المذكّى، فهو أعمّ منه و من كلّ ما لم يذكّ بوجه شرعيّ، فلا مجال لإثبات خصوص الميتة الّتي كانت أحد أفراد غير المذكّى بأصالة عدم التّذكية و إحراز أنّ الحيوان غير مذكّى.

و ببيان أخصر يقال: كلّ ميتة غير مذكّى، و لكن ليس كلّ غير مذكّى بميتة، فلا مجال لإثبات الميتة بنفي التّذكية و إحراز عدمها. و عليه، فلا تثبت الحرمة و النّجاسة اللّتان تترتّبان على الميتة، بأصالة عدم التّذكية.

و الجواب عنه ما أفاده الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) و هو راجع إلى وجهين:

أحدهما: أنّ الميتة شرعا عبارة عن غير المذكّى، لا خصوص ما مات حتف أنفه، فبأصالة عدم التّذكية يحرز أنّ الحيوان في المسألة المفروضة، ميتة محرّمة و نجسة، فلا مجال لأن يقال: كيف تثبت الميتة بأصالة عدم التّذكية.

ثانيهما: أنّ الحرمة و النّجاسة، كما تترتّبان على الميتة، كذلك تترتّبان على عنوان غير المذكّى، فلا حاجة إلى إثبات الموت بأصالة عدم التّذكية حتّى يقال:

بالمعارضة بينها و بين أصالة عدم الموت، و يدلّ على ترتّبهما على عنوان غير المذكّى مفهوم قوله تعالى: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏ حيث إنّ المذكّى طاهر، حلال بحكم المنطوق و غير المذكّى نجس، حرام بحكم المفهوم. (1)

هذا تمام الكلام في الأمر الأوّل (من الامور الّتي ينبغي الإشارة إليها في خاتمة البحث).

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 2، ص 128 و 129.

350

[الأمر الثّاني‏] وجوب الفحص‏

الأمر الثّاني: أنّه يشترط في جريان البراءة- عقليّة كانت أو نقليّة- وجوب الفحص و اليأس عن الظّفر بالدّليل في المسألة؛ أمّا البراءة العقليّة، فلأنّ موضوعها هو عدم البيان، و هذا لا يحرز إلّا بالفحص و التّفتيش.

و أمّا البراءة النّقليّة، فلأنّ قضيّة إطلاق أدلّتها- كحديث الرّفع- و إن كان هو عدم اعتبار الفحص فيها، سواء كانت الشّبهة موضوعيّة، أو حكميّة، لكنّها مقيّدة بما بعد الفحص بالقرينتين (العقليّة المتّصلة الهادمة لظهور تلك الاصول في الإطلاق، و النّقليّة المنفصلة من الكتاب و السّنّة الهادمة لحجّيّة إطلاق تلك الاصول).

و بالجملة: لا كلام في أصل وجوب الفحص و اليأس عن الظّفر بالدّليل في جريان البراءة، إنّما الكلام في موارد:

الأوّل: هل يجب الفحص بمقدار حصول العلم بعدم الدّليل، أم يكفي حصول الاطمئنان أو الظّن، وجوه، و الأقوى هو الثّاني، فلا يلزم حصول العلم به، كما لا يكفي مجرّد الظّن به.

أمّا عدم لزوم حصول العلم، فلأنّه أوّلا: ممّا لا دليل عليه؛ و ثانيا: أنّه يوجب العسر و الحرج؛ و ثالثا: أنّه يستلزم سدّ باب الاجتهاد، إذ لا يحصل العلم بعدم الدّليل بسبب الفحص عادة و إن كان الفاحص ملحّا.

و أمّا عدم كفاية مجرّد الظّن، فلأنّه- أيضا- ممّا لا دليل عليه، كيف، و أنّ الظّن ممّا لا يغني من الحقّ شيئا، فلا اعتداد به قطعا. و عليه، فالمتعيّن هو حصول‏

351

الاطمئنان، لكونه حجّة كالعلم، بل هو نفس العلم عرفا و عادة.

و إن شئت، فقل: إنّ الاطمئنان حجّة ببناء العقلاء، و لم يرد الرّدع عنه من الشّارع، كما هو واضح.

و لا يخفى: أنّه لا صعوبة في تحصيل الاطمئنان بمعونة الفحص بعد ضبط الأحاديث و ترتيبها و تبويبها و تمييز صحاحها و معتبراتها من ضعافها، من جانب أصحابنا الأقدمين، و كذا بعد الفحص و البحث عن الأحاديث الفقهيّة و التّحقيق الجامع فيها من نواح شتّى في الكتب الاستدلاليّة من جانب فقهائنا الأساطين.

المورد الثّاني: هل وجوب الفحص و تعلّم الأحكام نفسيّ، نظير وجوب الصّوم و الصّلاة و نحوهما حتّى يعاقب تاركه و إن لم يخالف الواقع، أو طريقيّ، نظير وجوب العمل بالطّرق و الأمارات المعتبرة؟ وجهان، بل قولان:

ذهب المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) إلى الأوّل، حيث قال: «فلا محيص عن الالتزام بكون وجوب التّعلم نفسيّا، لتكون العقوبة- لو قيل بها- على تركه، لا على ما أدّى إليه من المخالفة، و لا بأس به، كما لا يخفى ...» (1).

و الصّواب هو القول الثّاني، و قبل الورود في بيان وجه ذلك، لا بدّ من تحرير محلّ النّزاع، فنقول: إنّ النّزاع في المقام ليس إلّا في مواطن ثلاثة:

أحدها: وجوب تعلّم الفروع، لا الاصول الاعتقاديّة؛ إذ تعلّمها واجب، عقليّ، نفسيّ، عينيّ قطعا، بلا كلام فيه.

ثانيها: وجوب تعلّم الأحكام التّكليفيّة الإلزاميّة، كالوجوب و الحرمة أو

____________

(1) كفاية الاصول: ج 2، ص 259.

352

تعلّم ما يؤول إليها من الأحكام الوضعيّة، كالنّجاسة و الطّهارة و الزّوجيّة و الملكيّة و نحوها؛ و ذلك، لعدم وجوب تعلّم الاستحباب و الكراهة أصلا و لو كان طريقيا.

ثالثها: وجوب التّعلم على كلّ مكلّف بالنّسبة إلى تكاليفه المختصّة به الّتي يبتلي هو نفسه بها؛ و أمّا بالنّسبة إلى تعلّم جميع الأحكام من الحلال و الحرام، فهو خارج عن محلّ الكلام؛ إذ هو واجب على طائفة من الأنام بنحو الوجوب الكفائيّ، كما اشير إليه في قوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏ (1).

إذا عرفت محل النّزاع، فاعلم، أنّ الصّواب- كما أشرنا- هو أنّ وجوب التّعلم طريقيّ، و إثبات وجوبه النّفسيّ، دونه خرط القتاد؛ إذ ليس نفس الفحص عن شي‏ء و السّؤال عنه، إلّا طريقا، للاعتقاد به و عقد القلب عليه، أو طريقا لأجل العمل و الإتيان به، فقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (2) ظاهر في وجوب السّؤال طريقيّا و أنّه لأجل العمل القلبيّ و الجانحيّ، أو الخارجيّ الجارحيّ، و كذا وجوب التّفقّه في آية النّفر.

و الشّاهد عليه، أنّه قد وردت الرّوايتان في المقام و هما صريحتان في كون وجوب التّعلم للعمل، فيكون طريقا بلا ريب:

إحداهما: رواية مسعدة بن زياد الرّبعي، قال: «سمعت جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) و قد سئل عن قوله تعالى: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فقال: إنّ اللّه تعالى يقول للعبد يوم‏

____________

(1) سورة التّوبة (9)، الآية 122.

(2) سورة الأنبياء (21)، الآية 7.

353

القيامة: أ كنت عالما، فإن قال: نعم، قال له: أ فلا عملت بما علمت، و إن قال: كنت جاهلا، قال له: أ فلا تعلّمت حتّى تعمل، فيخصمه، و ذلك الحجّة البالغة». (1)

ثانيتهما: رواية محمّد بن مسكين و غيره، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «قيل له:

إنّ فلانا أصابته جنابة و هو مجدور، فغسّلوه، فمات، فقال: قتلوه ألّا سألوا؟! ألّا يمّموه؟! إنّ شفاء العيّ، السّؤال». (2)

أضف إلى ذلك كلّه، أنّ القول: باستحقاق العقاب على ترك التّعلم مع إتيان العمل، وفقا للواقع على سبيل التّصادف، بعيد جدّا، إلّا على القول باستحقاق المتجرّي له.

و أبعد من ذلك هو القول: باستحقاقه على مجرّد ترك التّعلم المؤدّي إلى مخالفة الواقع، من دون استحقاقه على نفس مخالفة الواقع، كيف، و أنّ وجوب التّعلم إنّما هو لأجل الواقع، و هل يمكن أن يقال: باستحقاق العقاب على ترك الفحص عن الواقع، و عدم استحقاقه على ترك نفسه؟

و بالجملة: إذا لم يثبت القول باستحقاق العقاب على ترك الفحص، مضافا إلى استحقاقه على ترك الواقع، يتعيّن القول باستحقاق العقاب على مجرّد ترك الواقع، لا على ترك الفحص- أيضا- و نتيجة ذلك، هو أنّ وجوبه يكون طريقيّا.

نعم، قد اشكل على وجوب التّعلم طريقيّا في الواجب المشروط بشرط غير حاصل، و الواجب الموقّت قبل حلول وقته، بأنّه لا وجوب للواجب قبل حصول‏

____________

(1) بحار الأنوار: ج 1، ص 177 و 178، الحديث 58.

(2) وسائل الشّيعة: ج 2، كتاب الطّهارة، الباب 5 من أبواب التّيمّم، الحديث 1، ص 967.

354

شرطه أو حلول وقته، كي يجب تعلّمه و سائر مقدّماته، و أمّا بعد حصول الشّرط و حلول الوقت، فلأجل ترك التّعلّم قبل ذلك، لا يكون قادرا على الامتثال، فالتّكليف ساقط. و عليه، فلا وجوب للتّعلم في الفرض أصلا، لا قبل الشّرط و الوقت، و لا بعدهما.

و لعلّه لأجل هذا الإشكال التجأ جمع من الأساطين، كالمحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) و صاحب المدارك (قدّس سرّه) و المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1) إلى الوجوب النّفسيّ في الفحص و التّعلم.

هذا، و لكن يمكن الجواب عن هذا الإشكال بوجهين:

الأوّل: أنّ وجوب التّعلّم إنّما هو لأجل المقدّميّة، لكن لا على وجه النّشوء، بأن يكون وجوب التّعلّم ناشئا من وجوب الواجب- في فرض اشتراطه بشرط أو توقيته بوقت- حتّى يقال: بعدم معقوليّة المقدّميّة النّشوئيّة هنا، للزوم وجود وجوب المقدّمة و هو المعلول قبل وجوب ذي المقدّمة و هو العلّة.

و الوجه في ما ذكرناه، هو ما حقّق في محلّه، من أنّه ليس المراد من المقدّميّة هو كون وجوبها ناشئا من وجوب ذي المقدّمة، و لا إرادتها ناشئة من إرادته، كما توهّم ذلك من عبائرهم المحكيّة، نظير ما قالوا: من كون وجوب المقدّمة ترشّحيّا، أو ظلّيّا أو نحوهما، بل المراد منها هو امتناع إرادة الشّي‏ء و إيجابه، من دون إرادة مقدّماته و إيجابه، و إلّا يلزم أن يكون كلّ من المقدّمة و ذيها مباد و مقدّمات خاصّة، بحيث إذا وجدت وجب كلّ منهما، و إلّا فلا.

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 258 و 259.