مفتاح الأصول‏ - ج3

- الشيخ اسماعيل الصالحي المازندارني المزيد...
397 /
355

و لا ريب: أنّ مقتضى هذا القول هو أنّه إذا تحقّقت مقدّمات وجوب مقدّمة الواجب و مباديها، وجبت، سواء وجب ذو المقدّمة، أم لا، و هذا بخلاف القول بالنّش‏ء و المعلوليّة، فإنّ مقتضاه عدم وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها، كما هو واضح.

و انقدح ممّا ذكرناه، أنّه يجب التّعلّم في الواجبات المشروطة أو الموقّتة قبل حصول الشّرط، أو حلول الوقت، فلو ترك الفحص و التّعلم و أدّى ذلك إلى ترك الواجب عند حصول شرطه أو حلول وقته بلا عذر، استحقّ العقوبة بلا شبهة.

الوجه الثّاني: أنّه يستقلّ العقل و العقلاء في الحكم بكون تفويت الواجب المشروط أو الموقّت- الّذي يحصل شرطه أو يحلّ وقته- عند ترك التّعلّم قبل الشّرط و الوقت، بلا عذر، موجبا لاستحقاق العقوبة و استيجاب المؤاخذة؛ و ذلك للقاعدة المعروفة من قولهم: «الامتناع بالاختيار، لا ينافي الاختيار» و هذه القاعدة و إن كانت عقليّة فلسفيّة، إلّا أنّ للتّمسّك بها في مسألتنا هنا مجالا واسعا بلا إشكال.

و من هنا ظهر، ضعف ما عن الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) من إنكار شمول القاعدة للمقام، بدعوى: أنّ الامتناع بالاختيار هنا، ينافي الاختيار، لأنّ من ترك السّير إلى أن ضاق الوقت، خرج إتيان الحجّ عن اختياره و لو كان الخروج باختياره. (1)

وجه ظهور الضّعف، هو أنّ المراد من عدم المنافاة هنا، أنّه لا ينافي الاختيار عقابا، لا خطابا.

و لا يخفى عليك: أنّه لا فرق في هذا الحكم العقليّ و العقلائيّ، بين الواجب المطلق و المشروط، فلو ترك تعلّم الواجب فأدّى تركه إلى ترك الواجب، عدّ عند

____________

(1) راجع، أنوار الهداية: ج 2، ص 427.

356

العقل و العقلاء مقصّرا و إن كان الواجب الّذي ترك تعلّمه، موقّتا أو مشروطا، و لأجل ذلك، أفتى الفقهاء بوجوب تعلّم مسائل الشّك و السّهو قبل الابتلاء و إن لم يكن وجوب نفس الواجب فعليّا.

ثمّ إنّه قد اجيب عن الإشكال المتقدّم بوجهين آخرين، لا يمكن المساعدة عليهما:

أحدهما: أنّه لا مانع من الالتزام بفعليّة الوجوب و استقباليّة الواجب في المشروط و الموقّت قبل حصول الشّرط و حلول الوقت، كما هو الحال في الواجب المعلّق، ففي مثل الحجّ يكون الوجوب فعليّا قبل أشهره، و الواجب (نفس الحجّ) استقباليّا. و عليه، فتجب مقدّماته الّتي منها التّعلّم.

و فيه: أنّ هذا مبتن على القول برجوع القيود إلى المادّة، لا إلى الهيئة، و قد تقدّم في مباحث الأوامر، أنّ الظّاهر هو رجوعها إلى الهيئة و معه يصير الوجوب كالواجب استقباليّا.

ثانيهما: أنّ التّعلّم يكون واجبا نفسيّا تهيئيّا لواجب آخر، و لا بدع فيه، و عليه، فيجب التّعلم قبل حصول الشّرط أو حلول الوقت، و لو تركه فأدّى تركه إلى ترك الواجب في وقته، كان مقصّرا مستحقّا للعقوبة. (1)

و فيه: أوّلا: أنّه خلاف ظاهر الأدلّة؛ إذ ظاهرها- لو قيل: بوجوب التّعلم شرعا- هو الوجوب المقدّمي أو الطّريقي لأجل العمل، لا النّفسي، و ما هو النّفسي ليس إلّا المعرفة و التّعلّم للمعارف الإلهيّة؛ و ثانيا: أنّ نفسيّة الوجوب تنافي تهيّئيّته، فلا تجتمعان؛ و ثالثا: أنّه لو قيل: بوجوبه النّفسي، لزم انه لو ترك الفحص فأدّى إلى‏

____________

(1) راجع، أنوار الهداية: ج 2، ص 428.

357

ترك الواقع، ان يعاقب التّارك إمّا على خصوص ترك الفحص و التّعلّم، أو على تركه و ترك الواقع بعقابين.

و أنت ترى، أنّ العقاب على خصوص ترك الفحص، بعيد غاية البعد؛ و أبعد منه هو العقاب على تركه و ترك الواقع، فيتعيّن العقاب على ترك خصوص الواقع، و قضيّة هذا هي طريقيّة وجوب التّعلّم، لا نفسيّته، فالمناسب أن يقال: إنّ وجوبه غيريّ تهيّئيّ. هذا تمام الكلام في المورد الثّاني.

المورد الثّالث: هل يجب تعلّم الأحكام بمجرّد احتمال الابتلاء بها و لو لم يعلم المكلّف أو لم يطمئنّ بابتلائه بها، أو يجب على تقدير العلم أو الاطمئنان بالابتلاء بها فقط؟ وجهان:

ذهب المشهور إلى الأوّل و هو الحقّ؛ إذ هذا هو مقتضى إطلاق أدلّة وجوب التّعلّم؛ و توهّم تقييده بموارد العلم أو الاطمئنان بالابتلاء، مندفع بندرة هذه الموارد، فيلزم تقييد الأكثر و هو مستهجن، كما لا يخفى.

و عليه: فلا يبقى المجال للقول بوجوب التّعلّم على تقدير العلم و الاطمئنان فقط، تمسّكا باستصحاب عدم الابتلاء، في مورد احتمال الابتلاء، فإذا احرز عدمه و لو بالتّعبّد، فلا يجب التّعلم.

ثمّ إنّه بقى هنا شي‏ء و هو أنّ العمل الجاهل المقصّر قبل الفحص، باطل بلا إشكال على تقدير عدم انكشاف الحال بالحجّة، و نتيجة هذا البطلان، عدم الإجزاء و عدم جواز الإجتزاء به في موقف الامتثال بحكم العقل، حيث إنّ مطابقة العمل للواقع غير محرزة.

358

و أمّا على تقدير انكشاف الحال بها، ففيه صور أربعة:

الاولى: انكشاف مخالفة المأتيّ به لفتوى من كان فتواه حجّة له حين العمل، و لفتوى من يجب الرّجوع إليه فعلا، و الحكم في هذه الصّورة هو البطلان واقعا، لأجل عدم المطابقة للواقع الّذي قامت عليه الحجّة.

الثّانية: انكشاف مطابقة المأتيّ به للفتويين المذكورتين، و الحكم في هذه الصّورة هو الصّحة الواقعيّة لأجل المطابقة للواقع الّذي قامت عليه الحجّة.

الثّالثة: انكشاف مخالفة المأتيّ به للحجّة الفعليّة و مطابقته لما كان حجّة حين العمل، و الحكم في هذه الصّورة هو البطلان لعدم المقتضي للصحّة.

أمّا الأدلّة الخاصّة الدّالّة على الصّحة، كحديث «لا تعاد الصّلاة إلّا من خمسة ...» بناء على عدم اختصاصه بالنّاسي، فلأنّها لا تشمل الجاهل المقصر التّارك لوظيفة العبوديّة، حيث إنّه عامد، لا يستحقّ الإرفاق و المنّة.

و أمّا الأدلّة العامّة الدّالّة على الإجزاء و الصّحة، فلأنّها تختصّ بمورد الأوامر الظّاهريّة، و عمدة تلك الأدلّة هو الإجماع على عدم وجوب الإعادة و القضاء بعد امتثال تلك الأوامر لو انكشف خلافها، و الجاهل المقصر التّارك للتّعلّم لا يكون عمله مستندا إلى الأوامر مطلقا حتّى الظّاهريّة منها، كما لا يخفى، فلا إجماع على الصّحة في حقّه.

الرّابعة: انكشاف مخالفة المأتيّ به للحجّة حين العمل و مطابقته للحجّة الفعليّة على عكس الصّورة الثّالثة، و الحكم في هذه الصّورة هو الصّحة و الإجزاء و عدم وجوب الإعادة و القضاء، لقيام الحجّة الفعليّة عليها، فجاز للمكلّف الجاهل‏

359

المقصّر أن يستند إليها في ترك الإعادة و القضاء.

و لا يخفى عليك: أنّ عقاب ترك الواجب في الوقت عصيانا مغاير لعقاب ترك قضاءه كذلك في خارج الوقت؛ و لذا لا يرفع القضاء، عقاب عصيان الأداء. و عليه، فترك القضاء في الصّورة الرّابعة استنادا إلى الحجّة اللّاحقة الدّالّة على صحّة العمل و عدم وجوب القضاء و الإعادة و إن لم يوجب العقوبة بلا شبهة، لكنّه لا يوجب عدم العقوبة على ترك الأداء لو كان واجبا؛ إذ لم يستند في تركه إلى الحجّة.

نعم، قد استثنيت ممّا ذكر، مسألة الجهر موضع الإخفات و بالعكس، و مسألة الإتمام موضع القصر، و مسألة الصّوم في السّفر، حيث حكموا بالصّحّة في هذه الموارد مع الجهل بالحكم و لو عن تقصير، و لكن التزموا باستحقاق العقاب على ترك الواقع النّاشي عن ترك التّعلّم و الفحص.

و التّحقيق: أنّ حكمهم بالصّحّة في تلك المسائل ممّا لا إشكال فيه و لا شبهة عليه، كما تدلّ عليه الرّواية و الفتوى، إنّما الإشكال في الجمع بين حكمهم بالصّحّة و التزامهم باستحقاق العقوبة على ترك الواجب الواقعيّ بترك التّعلّم عن حكم المسألة، فيقال: كيف يعقل الحكم بصحّة العمل المأتيّ به و سقوط القضاء و الإعادة، مع الحكم باستحقاق ما اشير إليه من العقوبة.

و قد اجيب عن هذه العويصة بوجهين:

أحدهما: ما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) فقال، ما محصّله: أنّه يمكن أن يشتمل المأتيّ به على ملاك ملزم، و كذا يشتمل الواجب الواقعيّ المأمور به على ذلك الملاك- أيضا- مع زيادة غير قابلة للتّدارك بعد استيفاء مصلحة المأتيّ به جهلا؛ و ذلك‏

360

لتضادّ المصلحتين، فالحكم بالصّحّة إنّما هو لاشتمال المأتيّ به على المصلحة الملزمة و استيفائها مع عدم إمكان استيفاء الزّيادة الكامنة في المأمور به من المصلحة، و أمّا الحكم باستحقاق العقاب، فلأجل استناد فوات الزّيادة من المصلحة، إلى جهله عن تقصير بتركه للتّعلّم البتّة، فإذا لا منافاة بين الحكم بالصّحّة، و بين الالتزام باستحقاق العقوبة. (1)

هذا، و لكن أورد عليه بعض الأعاظم (قدّس سرّه) بما لا يخلو عن قوّة، محصّله: أنّ التّضادّ بين الملاكات مع إمكان الجمع بين الأفعال أمر موهوم، كأنياب الأغوال، على أنّ المصلحتين إن كانتا ارتباطيّتين، فالحكم بالصّحّة مع عدم حصول المصلحة الزّائدة و عدم استيفائها غير وجيه، و إن كانتا استقلاليّتين لزم تعدّد الواجب و تعدّد العقوبة على تقدير ترك الصّلاة- مثلا- و هذا خلاف الضّرورة، و لا يلتزم به أحد. (2)

ثانيهما: ما ذكره كاشف الغطاء (قدّس سرّه) من الالتزام بالتّرتب كما في مسألة الصّلاة و الإزالة، بتقريب، أنّ صلاة القصر- مثلا- واجب على المكلّف ابتداء، فإذا تركه و ارتكب المعصية يجب عليه التّمام، و عندئذ ترتفع المنافاة بين الحكم بصحّة المأتيّ به و استحقاق العقاب على ترك الواجب الأوّل. (3)

و استشكل عليه المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) بامور:

الأوّل: أنّه لا بدّ في الخطاب المترتّب من أن يكون موضوعه هو عصيان‏

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 261.

(2) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 507.

(3) كشف الغطاء: ص 27.

361

خطاب المترتّب عليه، بحيث يتوقّف الخطاب المترتّب، على ترك الخطاب المترتّب عليه، كما هو كذلك في المسألة الصّلاة و الإزالة، فإنّ خطاب الصّلاة متوقّف على ترك خطاب الإزالة، فيجمع عندئذ بين صحّة المأتيّ به و بين استحقاق العقوبة لترك الواجب الأوّل، و من الواضح، عدم إمكان ذلك في مثل المقام؛ إذ المكلّف عند التفاته إلى كونه عاصيا للتّكليف بالقصر، ينقلب كونه جاهلا بوجوب القصر إلى كونه عالما به، فيخرج من عنوان الجاهل بالحكم، فلا يحكم بصحّة المأتيّ به، و عند عدم التفاته إلى ذلك، لا يعقل أن يكون حكم المجعول بهذا العنوان محرّكا له في مقام العمل.

الثّاني: أنّ عصيان الخطاب في المقام لكونه وجوبا موسّعا، إنّما يكون بانقضاء تمام الوقت و ترك الواجب فيه، و أمّا تركه في جزء منه، كما هو المفروض في المقام، لا يكون عصيانا له حتّى يؤخذ في موضوع خطاب آخر لتحقّق التّرتّب.

الثّالث: أنّه لو سلّم كون الخطاب التّرتّبي ممكنا في المقام ثبوتا، إلّا أنّه لا دليل عليه إثباتا، مع أنّ وقوعه فيه محتاج إلى دليل يدلّ عليه. (1)

هذا، و لكن لا يمكن المساعدة على شي‏ء من تلك الامور؛ أمّا الأمران الأوّلان، فلمنع توقّف الخطاب التّرتّبي على كون موضوعه هو عصيان التّكليف الآخر، بل يمكن ذلك مع كون الموضوع فيه هو مطلق التّرك، فيقال في المقام: إنّ القصر واجب مطلق، و التّمام واجب مشروط بترك القصر جهلا بوجوبه. و أمّا الأمر الأخير، فلأجل أنّ صحّة العمل المأتيّ به جهلا في المقام، ممّا قد دلّ الدّليل عليها، و هذا لا كلام فيه، إنّما الكلام في إمكانها، فحينئذ لو أمكن القول بالتّرتّب، لا يحتاج‏

____________

(1) راجع، أجود التّقريرات: ج 2، ص 336 و 337.

362

وقوعه إلى أزيد من الأدلّة الدّالّة على صحّة المأتيّ به جهلا.

و التّحقيق يقتضي أن يقال في مقام الجواب عن أصل الإشكال: أنّه لا مانع من الالتزام بأنّ الجاهل بالقصر يكون مخيّرا بين القصر و التّمام و إن لم يكن ملتفتا إلى التّخيير، نظير التّخيير بينهما الثّابت في مواضع أربعة. و عليه، فيصحّ ما أتى به من التّمام موضع القصر، كما ورد فيه النّص الخاصّ، و لا موجب لاستحقاق العقاب عند الإتيان بالتّمام و ترك القصر.

هذا تمام الكلام في الأمر الثّاني (من الأمور الّتي ينبغي الإشارة إليها في خاتمة البحث).

[الأمر الثّالث‏] الشّرطان الآخران للبراءة

الأمر الثّالث: قد ذكر الفاضل التّوني (قدّس سرّه) للبراءة شرطين آخرين، بعد الفراغ عن شرطيّة الفحص لها.

الأوّل: أن لا يكون إجراء البراءة موجبا لإثبات حكم آخر شرعيّ، نظير إجراء البراءة في أحد الإنائين المشتبهين، فإنّه يثبت الحكم بوجوب الاجتناب عن الآخر لمكان العلم الإجماليّ بنجاسة أحدهما.

الثّاني: أن لا يكون إجراءها موجبا للضّرر على مسلم أو من بحكمه، نظير إجراء البراءة في ما لو فتح إنسان قفص طائر فطار، فإنّه يوجب الضّرر على المالك. (1)

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 2، ص 449 و 455.

363

هذا، و لكن يمكن المنع عن هذين الشّرطين:

أمّا الشّرط الأوّل، فلأنّ عدم جريان البراءة في المثال المتقدّم، إنّما هو لأجل ابتلاءه بالمعارض، لوجود العلم الإجماليّ بنجاسة أحد الإنائين، لا لما ذكره الفاضل التّوني (قدّس سرّه) من كون أصل البراءة فيه مثبتا؛ و لذا لو فرضنا قيام الأمارة في الطّرفين، لا يمكن العمل بها لأجل المعارضة مع حجّيّة المثبتات من الأمارات.

أمّا الشّرط الثّاني، فلأنّ عدم جريان البراءة في المثال المذكور، إنّما هو لأجل التّمسّك بالدّليل الاجتهاديّ و هو «قاعدة لا ضرر» لوقوع الضّرر فيه لا محالة على المالك، فلا يبقى المجال في مثل ذلك لجريان البراءة عن الضّمان، لكونه خلاف الامتنان على المالك، فيحكم بالضّمان- لإطلاق قوله (عليه السّلام): «من أتلف مال الغير، فهو له ضامن»- في ما إذا ترتّب الطّيران على فعل هذا الشّخص، ترتّب المعلول على العلّة بنظر العرف، بحيث يعدّ فعله إتلافا بنظرهم.

و إن شئت، فقل: إنّ البراءة إنّما هو أصل عمليّ يجري عند الشّك في الحكم الواقعي، و واضح، أنّه إذا دلّ دليل اجتهاديّ ناظر إلى الحكم الواقعي على حكم شي‏ء، فلا مجال عندئذ لإجراء البراءة، و ذلك لحكومة دليل الاجتهاديّ على الأصل العمليّ، بحيث يرفع ذلك الدّليل موضوع البراءة و هو الشّك، ففي المقام بعد جريان «قاعدة لا ضرر» الّتي يكون دليلا اجتهاديّا ناظرا إلى الواقع، لا يصل الدّور إلى إجراء البراءة، فعدم إجراءها إنّما هو لأجل ذلك الدّليل الاجتهاديّ، لا لأجل كونه مثبتا.

364

[الأمر الرّابع‏] جريان البراءة في الشّبهات الموضوعيّة و الحكميّة

الأمر الرّابع: ربما يتوهّم أنّ لا مجال لأصالة البراءة العقليّة أو النّقليّة في الشّبهات الموضوعيّة، و أنّها تختصّ بالشّبهات الحكميّة.

بتقريب: أنّ مورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، هو ما إذا لم يرد بيان من الشّارع أو ورد و لم يصل إلى المكلّف. و من المعلوم، أنّ البيان ورد في الشّبهات الموضوعيّة و وصل إلى المكلّف بلا كلام، إذ ليست وظيفة الشّارع إلا بيان الكبريات، كقوله تعالى: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ* و المفروض أنّه قد بيّنها.

و إن شئت، فقل: إنّ الحكم الكلّيّ الإلهيّ في الشّبهات الموضوعيّة واصل معلوم، فلا شكّ في مقام الجعل و التّشريع، إنّما الشّكّ في موقف الامتثال و التّطبيق، فالمرجع حينئذ هو قاعدة الاشتغال، لا البراءة، لأنّ الاشتغال اليقينيّ يستدعي الفراغ اليقينيّ.

أو فقل: إنّه لا شكّ في الأحكام الكلّيّة في الموضوعات الخارجيّة، مطلقا لا بالذّات و لا بالاستتباع، بل هي ممّا قد بيّنها الشّارع و واصلة إلى المكلّف، و هذا بخلاف الموضوعات الخارجيّة، فإنّها مشكوكة بالذّات و بخلاف الأحكام الجزئيّة فيها فإنّها مشكوكة بالاستتباع، بمعنى: الشّكّ إنّما يكون في الموضوعات أوّلا و بالذّات، ثمّ يكون في أحكامها الجزئيّة ثانيا و بالعرض، و ليس دفع الشّكّ فيهما من وظيفة الشّارع. و بالجملة: فما كانت وظيفته قد بيّن، و ما لم يبيّن لم تكن وظيفته.

و قد دفع هذا التّوهّم بوجهين: الأوّل: ما عن الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ‏

365

الأحكام الشّرعيّة إنّما تكون مجعولة بنحو القضايا الحقيقيّة و هي القضايا الّتي علّق الحكم فيها على الأفراد المقدّر وجودها، فإذا تنحلّ تلك القضايا إلى أحكام متعدّدة بتعدّد أفراد الموضوع، فيكون مع هذا الانحلال حكم مستقلّ لكلّ فرد من أفراد الموضوع، فالشّكّ في فرديّة شي‏ء للموضوع كان شكّا في ثبوت الحكم لذلك الشّي‏ء، فكان شكّا في التّكليف و الاشتغال، لا في التّفريغ و الامتثال، فالمرجع هو البراءة لا الاشتغال. (1)

و فيه: ما عرفت في بعض مباحث الألفاظ من عدم صحّة قضيّة الانحلال، فراجع.

الثّاني: ما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من أنّ النّهي على قسمين: أحدهما: أن يكون انحلاليّا، بمعنى: أنّ لكلّ فرد من أفراد الموضوع حكما مستقلا، بحيث يكون الشّكّ في فرديّة شي‏ء للموضوع و انطباقه عليه شكّا في ثبوت الحكم و التّكليف، فيرجع إلى البراءة؛ ثانيهما: أن يكون غير انحلاليّ، بمعنى: أنّ النّهي متعلّق بالطّبيعة على نحو صرف الوجود، بحيث لا بدّ أن تترك رأسا، و هذا لا يتأتّى إلّا بترك جميع ما يكون انطباق الطّبيعة عليه محتملا، فلا بدّ في المشكوكات من الرّجوع إلى الاشتغال، نظرا إلى أنّ اشتغال الذّمّة بترك الطّبيعة معلوم البتّة و هو يقتضي الامتثال على نحو يحصل القطع بتفريغ الذّمّة، و لا يمكن ذلك إلّا بترك جميع أفراد الطّبيعة حتّى المشكوكات.

و عليه، فلا تنحصر جريان البراءة في الشّبهات الحكميّة. (2)

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 2، ص 121.

(2) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 200.

366

و فيه: أوّلا: أنّك عرفت آنفا في الجواب عن الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ الانحلال غير صحيح؛ و ثانيا: أنّ التّحقيق في مسألة النّهي عن الطّبيعة على وجه صرف الوجود، يقتضي أن يكون المرجع في الفرد المحتمل هو البراءة لا الاشتغال؛ و ذلك، لأنّ استحقاق العقوبة إنّما يترتّب على مخالفة التّكليف عند التّنجيز، و التّنجيز لا يتحقّق إلّا بتحصيل علمين: أحدهما: العلم بالكبريات المجعولة، كالعلم بحرمة الخمر- مثلا- ثانيهما: العلم بالصّغريات الخارجيّة، كالعلم بخمريّة هذا أو ذاك المائع- مثلا- فالكبرى وحدها بلا إحراز الصّغرى لا يفيد التّنجيز، و لا يصحّ استحقاق العقوبة على مخالفتها، كما أنّ الصّغرى وحدها لا تستتبع حكما، إلّا أن تكون معها كبرى محرزة معلومة.

و لا يخفى عليك: أنّه لا صغرى في الشّبهات الموضوعيّة حتّى تتمّ الحجّة و تحسن العقوبة على المخالفة، فإذا لا مناص من جريان البراءة في تلك الشّبهة، حتّى في فرض عدم الانحلال في النّهي.

[الأمر الخامس‏] حسن الاحتياط

الأمر الخامس: لا ريب في أنّ الاحتياط ممكن و حسن في موارد جريان البراءة، و الوجه فيه هو تدارك المصلحة الواقعيّة على تقدير وجودها لو كان في الواقع وجوب، أو عدم الوقوع في المفسدة الواقعيّة على تقدير وجودها لو كان في الواقع حرمة، و هذا لا فرق بين الواجبات التّوصّليّات؛ لكونه انقيادا و إطاعة حكميّة، و بين الواجبات التّعبّديّات المتردّدة بين الواجبة و المندوبة، حيث يؤتى حينئذ العمل‏

367

بدعوة أصل الأمر وجوبيّا كان، أو ندبيّا.

و القول بمنع هذا الاحتياط من جهة كونه منافيا لقصد الوجه في العبادات ممنوع، أوّلا: بأنّ اعتبار قصد الوجه في العبادات غير ثابت، بل الثّابت خلافه، كما هو المقرّر في محلّه؛ و ثانيا، بأنّه لو سلّم اعتباره فيها، لكان ذلك فيما إذا أمكن، لا مطلقا، و حيث إنّه في المقام غير ممكن، فيسقط اعتباره.

نعم، يشكل على الاحتياط في التّعبّديّات المتردّدة بين الحكمين اللّذين ليس بينهما قدر مشترك و هو الرّجحان و الأمر، كي يؤتى العمل بدعوة ذلك، نظير ما إذا دار الأمر بين الوجوب و الإباحة.

وجه الإشكال، هو أنّ إتيان العمل حينئذ لو كان بدعوة الأمر، لكان تشريعا محرّما، و لو كان بدونها لم يكن عملا عباديّا.

و القول باستكشاف الأمر شرعا من حسن الاحتياط عقلا بنحو «اللّم»، ممنوع؛ بداهة، أنّ حسن الاحتياط متوقّف على إمكان الاحتياط و ثبوته، و المفروض عدم إمكانه و ثبوته، كما أنّ القول باستكشاف الأمر من ترتّب الثّواب على الاحتياط بنحو «الإنّ»، بناء على تسليمه، ممنوع- أيضا-؛ إذ ترتّب الثّواب على الاحتياط متوقّف على إمكانه، فكيف يكون من مبادي جريانه.

هذا، و لكن الّذي يسهّل الخطب هو ما حقّق في محلّه، من عدم توقّف العباديّة على إتيان العمل بدعوة الأمر الجزميّ، بل يكفي إضافة العمل إلى المولى، و أنت تعلم، أنّ إتيان العمل بداعي احتمال الأمر، و برجاء المحبوبيّة يكون من أحسن أنحاء الإضافة، بل هو أتمّ و أكمل من الإتيان بداعي الأمر المعلوم الجزميّ، فتأمّل.

368

تنبيه‏

إنّما يحسن الاحتياط، إذا لم يستلزم اختلال النّظام، و إلّا يكون قبيحا و حراما، كما هو كذلك إذا كان مستلزما للضّرر أو تشويه وجه المذهب أو غير ذلك، فالاحتياط حسن مطلقا و في جميع الشّبهات من الحكميّة و الموضوعيّة، و من الوجوبيّة و التّحريميّة، سواء قامت الحجّة على عدم التّكليف أم لم تقم، و سواء كان احتمال التّكليف قويّا، كالظّن غير المعتبر أو ضعيفا، كالشّكّ و الوهم أو كان المحتمل قويّا أو ضعيفا، و سواء كان الاحتياط في الامور المهمّة، كالدّماء و الفروج أو في غيرها.

و لكن كلّ ذلك إذا لم يستلزم الاختلال، أو الضّرر أو تشويه المذهب أو غير ذلك، و إلّا فلا حسن للاحتياط، بل يكون قبيحا، كما هو واضح.

و لا يخفى عليك: أنّ ما هو الموجب لما ذكر من الاختلال و نحوه، ليس إلّا الاحتياط التّامّ بالجمع بين المحتملات و الأخذ بالاحتياط و العمل به في جميع الشّبهات، و لكن هذا لا مانع من حسن التّبعيض في الاحتياط. و عليه، فلا بأس بالتّبعيض فيه إذا كان الاحتياط التّامّ مستلزما للاختلال و نحوه.

و إن شئت، فقل: إنّ قبح الاحتياط التّامّ لا ينافي حسن الاحتياط النّاقص و لو كان ذلك بترجيح بعض الاحتياطات احتمالا و إن لم يكن المحتمل ذات أهميّة، أو كان بترجيح بعضها محتملا و إن كان أضعف احتمالا، كالاحتياط في موارد النّفوس و الأعراض و الأموال.

369

[الأمر السّادس‏] أخبار من بلغ‏

الأمر السّادس: لا بأس بالإشارة هنا إلى أخبار «من بلغ» و دلالتها، فنقول:

قد وردت في الشّريعة روايات دالّة على أنّ «من بلغه ثواب من اللّه على فعل و أتى به لأجل ذلك، فعلى اللّه أن يعطيه هذا الثّواب و إن لم تكن الرّوايات على ما بلغه» و هي كثيرة:

منها: رواية صفوان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «من بلغه شي‏ء من الثّواب على شي‏ء من الخير، فعمل (فعمله) به كان له أجر ذلك و إن كان (و إن لم يكن على ما بلغه خ ل) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يقله» (1).

و منها: رواية محمّد بن مروان، قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: «من بلغه ثواب من اللّه على عمل، فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثّواب، اوتيه و إن لم يكن الحديث كما بلغه» (2).

و منها: رواية هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «من سمع شيئا من الثّواب على شي‏ء، فصنعه، كان له و إن لم يكن على ما بلغه» (3).

هذه جملة من تلك الأخبار، و لا كلام فيها من جهة السّند؛ إذ بعضها مشتمل على الصّحاح، إنّما الكلام فيها من جهة الظّهور و الدّلالة، فنقول:

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 1، كتاب الطّهارة، الباب 18 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 1، ص 59.

(2) وسائل الشّيعة: ج 1، كتاب الطّهارة، الباب 18 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 7، ص 60.

(3) وسائل الشّيعة: ج 1، كتاب الطّهارة، الباب 18 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 6، ص 60.

370

إنّ في دلالتها احتمالات أربعة: أحدها: أنّها تدلّ على استحباب العمل الّذي بلغ عليه الثّواب بخبر ضعيف بعنوانه الأوّلي، فتكون من أدلّة «قاعدة التّسامح في أدلّة السّنن و المستحبّات».

ثانيها: أنّها تدلّ على استحباب ذلك العمل بعنوانه الثّانوي و هو عنوان بلوغ الثّواب عليه، بحيث كان وزان عنوان «البلوغ» وزان عنوان «الضّرر و العسر» و نحوهما من سائر العناوين الثّانويّة الموجبة لحسن الفعل، أو قبحه تكوينا و تغيّر حكمه، تشريعا.

ثالثها: أنّها تدلّ على الإرشاد إلى حسن الانقياد الّذي يحكم به العقل، كما يحكم بقبح التّجري، فيترتّب الثّواب على العمل الّذي بلغ عليه الثّواب لأجل هذا العنوان و إن لم يكن الأمر كما بلغه.

رابعها: أنّها تدلّ على حجّيّة الخبر الضّعيف في باب المستحبّات بإسقاط شرائط حجّيّة الخبر في هذا الباب.

و لا يخفى: أنّ الاحتمال الأخير و إن كان هو المناسب لما اشتهر بين الأصحاب من «قاعده التّسامح في أدلّة السّنن» إلّا أنّه لا تساعده الأخبار المتقدّمة؛ بداهة، أنّه ليس لسان الأخبار، لسان إسقاط شرائط الحجّيّة في باب المندوبات، و جعل الحجّيّة للخبر الضّعيف في هذا الباب؛ و لذا لا أساس لما اشتهر بينهم من «قاعدة التّسامح في أدلّة السّنن» كيف، و أنّه ورد في بعض الكلمات: «و ما يقال: من أنّ أدلّة السّنن يتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها فمنظور فيه؛ لأنّ الاستحباب حكم شرعيّ يتوقّف على دليل شرعي» (1).

____________

(1) نهاية الدّراية: ص 285، للسّيّد حسن الصّدر.

371

و كذا لا تساعد تلك الأخبار، الاحتمال الأوّل و الثّاني- أيضا- لعدم كونها ظاهرة في استحباب العمل و صيرورته مندوبا شرعيّا، لا بنفسه و بعنوانه الأوّليّ، و لا بغيره و بعنوانه الثّانويّ و هو عنوان «البلوغ».

و أمّا الاحتمال الثّالث، فهو ممّا تساعده تلك الأخبار، حيث إنّ لسانها لسان الإخبار عن فضل اللّه الّذي يؤتيه من يشاء، فتدلّ على أنّه سبحانه يعطي العامل، الثّواب الّذي بلغه و إن لم يكن الأمر كما بلغه.

أ لا ترى ما في رواية محمّد بن مروان، المتقدّمة، من قول أبي جعفر (عليه السّلام) «فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثّواب»، فالمتعيّن عندئذ هو الاحتمال الثّالث.

ثمّ إنّه ظهر ممّا ذكرناه، من عدم ظهور أخبار من بلغ في الاستحباب الشّرعيّ، أنّه لا مجال لما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من قوله: «لا يبعد دلالة بعض تلك الأخبار على استحباب ما بلغ عليه الثّواب، فإنّ صحيحة هشام بن سالم ... ظاهرة في أنّ الأجر كان مترتّبا على نفس العمل الّذي بلغه عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه ذو ثواب ... إلّا أنّ الثّواب في الصّحيحة إنّما رتّب على نفس العمل» (1).

كما ظهر- أيضا- أنّه لا مجال لجملة من المباحث المطروحة في المقام، منها:

البحث في أنّ المستفاد من تلك الأخبار، هل هو استحباب نفس العمل بما هو هو، أو استحباب العمل إذا أتى به بعنوان الرّجاء و الاحتياط؟

وجه عدم المجال لهذا البحث هو ما عرفت آنفا من عدم دلالة الأخبار على الاستحباب رأسا. غاية الأمر، أنّها دالّة على ترتّب الثّواب إذا أتى بالعمل بعنوان الرّجاء و احتمال المطلوبيّة.

____________

(1) كفاية الاصول: ج 2، ص 197.

372

و منها: البحث عن ظهور الثّمرة بين أن يكون مفاد الرّوايات هو إسقاط شرائط حجّيّة الخبر في باب المندوبات و جعل الحجّيّة للخبر الضّعيف، و بين أن يكون مفادها هو استحباب العمل، فيما إذا دلّ خبر ضعيف على ترتّب الثّواب على فعل ما ثبتت حرمته بعموم أو إطلاق، فعلى القول بقاعدة التّسامح و حجّيّة ذلك الخبر الضّعيف كان الخبر مخصّصا أو مقيّدا للعامّ أو المطلق، و على القول بالاستحباب يقع التّزاحم بين الحكمين و هما: الحكم الاستحبابيّ بالعنوان العرضيّ، و الحكم التّحريميّ بالعنوان الأوّليّ، فيقدّم التّحريميّ لكونه إلزاميّا على الاستحبابيّ لكونه غير إلزاميّ.

وجه عدم المجال لهذا البحث- أيضا- هو ما عرفت، من عدم دلالة الرّوايات على إسقاط الحجّيّة، و لا على الاستحباب، فلا تخصيص و لا تقييد، و لا تزاحم في البين، بل يحكم بالحرمة بلا اعتناء بالخبر الضّعيف الدّال على الاستحباب.

و منها: البحث عن معارضة أخبار «من بلغ» لأدلّة اعتبار العدالة أو الوثاقة في حجّيّة الخبر، و تقديم هذه الأخبار على تلك الأدلّة، إمّا لأجل كونها أخصّ من تلك الأدلّة، فيقدّم الخاصّ على العامّ، حيث إنّها تدلّ على إسقاط شرائط الحجّيّة في خصوص باب المستحبّات، و تلك الأدلّة تدلّ على اعتبارهما في الحجّيّة في جميع الأبواب، و إمّا لأجل كونها أشهر من تلك الأدلّة.

وجه عدم المجال لهذا البحث- أيضا- هو أنّه مبتن على دلالة أخبار «من بلغ» على حجّيّة الخبر الضّعيف في باب المندوبات و تماميّة قاعدة التّسامح في أدلّة السّنن.

و قد عرفت: عدم دلالتها عليها، و عدم تماميّة قاعدة التّسامح، فلا معارضة بين هذه الأخبار و تلك الأدلّة.

373

و منها: البحث عن ثبوت استحباب العمل، بفتوى الفقيه، نظرا إلى صدق عنوان البلوغ عليها و في فرض الصّدق ثبت الاستحباب بها.

وجه عدم المجال لهذا البحث- أيضا- هو ما عرفت: من عدم دلالة الأخبار على الاستحباب.

بقي هنا أمران:

الأوّل: لا يخفى عليك: أنّ أخبار «من بلغ» تختصّ بما بلغ فيه الثّواب فقط، فلا تعمّ ما ثبتت حرمته بعموم أو إطلاق، فإذا قام خبر ضعيف على ترتّب الثّواب على عمل و قامت حجّة معتبرة على حرمة ذلك العمل، لا ترفع اليد عن تلك الحجّة المعتبرة بذلك الخبر الضّعيف لترتّب العقاب على العمل المفروض حرمته بحجّة معتبرة.

الثّاني: قد يقال: بعدم الفرق بين القول بدلالة أخبار «من بلغ» على الحكم المولويّ و الاستحباب أو دلالتها على حجّيّة الخبر الضّعيف، و بين القول بدلالتها على الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الانقياد؛ إذ مقتضى كلا القولين هو ترتّب الثّواب على العمل الّذي بلغ الثّواب عليه، فلا فائدة و لا ثمرة في البحث عن الدّلالة على الحكم المولويّ أو الدّلالة على حجّيّة الخبر الضّعيف أو الدّلالة على الإرشاد إلى حكم العقل.

هذا، و لكن الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) قد تعرّض أنّه تظهر الثّمرة بين القولين في موردين: أحدهما: لو دلّ خبر ضعيف على غسل المسترسل من اللّحية، فيحكم بجواز المسح ببلّته في الوضوء، بناء على ثبوت الاستحباب و الحكم المولويّ بالخبر الضّعيف، و عدم جواز المسح بتلك البلّة، بناء على عدم ثبوت الاستحباب، حيث إنّه لا يحرز حينئذ كون غسل المسترسل من أجزاء الوضوء حتّى يجوز المسح ببلّته.

374

و أورد (قدّس سرّه) عليه بعدم دليل من إطلاق أو عموم على جواز الأخذ من بلّة الوضوء مطلقا، إنّما المتيقّن الثّابت هو جواز الأخذ للمسح من أجزاء بلّة الوضوء الأصليّة الواجبة، و غسل المسترسل من اللّحية ليس منها، فالقول باستحباب غسل المسترسل منها و لو صحّ، لا يستلزم جواز المسح ببلّته.

ثانيهما: ارتفاع الحدث بالوضوء الّذي دلّ خبر ضعيف عليه لغاية خاصّة، كالنّوم و الأكل، بناء على القول بثبوت الاستحباب بهذا الخبر، و عدم ارتفاع الحدث بذلك الوضوء، بناء على القول بعدم ثبوته. (1)

و قد اشكل عليه: بأنّه لم تثبت رافعيّة كلّ وضوء مستحبّ، للحدث، أ لا ترى، استحباب الوضوء للجنب و الحائض لبعض الغايات، كالنّوم و الأكل، مع أنّه لا يرتفع بها الحدث، و كذا الوضوء التّجديديّ فهو مع استحبابه، لا يرفع الحدث.

و فيه: أنّ عدم ارتفاع الحدث الأصغر بوضوء الحائض و الجنب، إنّما هو لعدم قابليّة المورد للارتفاع، لكونهما محدثين بالحدث الأكبر، و الكلام هنا في مورد القابل، فلا مجال لهذا الانتقاض، كما لا مجال له بالوضوء التّجديديّ؛ إذ عدم رافعيّته للحدث يكون من باب السّلب بانتفاء الموضوع، حيث لا حدث حتّى يرفع به، فلا إشكال على هذه الثّمرة.

نعم، لو قلنا: باستحباب الوضوء نفسيّا بلا حاجة إلى قصد غاية، فلا محلّ لهذه الثّمرة- أيضا- لكون الوضوء على هذا المبنى مستحبّا ذاتا، رافعا للحدث، سواء كان مستحبّا- أيضا- لغاية خاصّة من الغايات، أم لا.

هذا تمام الكلام في المقام الأوّل (أصالة البراءة).

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 2، ص 158.

375

المسألة الثّامنة: الاصول العمليّة مباحث الشّكّ‏

المقام الثّاني: أصالة التّخيير

دوران الأمر بين المحذورين في التّوصّليّات مع وحدة الواقعة

دوران الأمر بين المحذورين في التّعبّديّات مع وحدة الواقعة

دوران الأمر بين المحذورين في تعدّد الواقعة

376

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

377

المسألة الثّامنة: الاصول العمليّة مباحث الشّكّ المقام الثّاني: أصالة التّخيير المقام الثّاني: في أصالة التّخيير و هي الّتي موردها الشّكّ في المكلّف به مع العلم بأصل التّكليف و عدم إمكان الاحتياط، كمورد دوران الأمر بين المحذورين، نظير ما إذا دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمته لعدم نهوض حجّة على أحدهما تفصيلا بعد نهوضها عليه إجمالا.

فالمسألة ذات صور و أقوال مختلفة، لكن قبل ذكر الصّور و الأقوال فيها و بيان ما هو الحقّ في المسألة، لا بدّ من الإشارة إلى محلّ النّزاع فيها.

فنقول: إنّ النّزاع يختصّ بما و إذا لم ينحلّ العلم الإجماليّ المتعلّق بأحد الحكمين؛ إذ لو انحلّ كما لو كان أحد الحكمين مجرى للاستصحاب نفيا أو اثباتا، فلا يبقى المجال للنّزاع، بل المتعيّن حينئذ هو الرّجوع إلى هذا الاستصحاب.

إذا عرفت هذا، فاعلم، أنّ لدوران الأمر بين المحذورين أربع صور:

الاولى: دورانه بينهما في التّوصّليّات مع وحدة الواقعة.

الثّانية: في التّعبّديّات مع وحدتها و فرض كون العبادات مستقلّة.

الثّالثة: هي الصّورة الثّانية مع فرض كون العبادات ضمنيّة.

الرّابعة: دورانه بينهما مع فرض تعدّد الواقعة بلا فرق بين التّعبّديّات و التّوصّليّات.

378

دوران الأمر بين المحذورين في التّوصّليّات مع وحدة الواقعة

أمّا الصّورة الاولى، فالأقوال فيها خمسة:

الأوّل: الحكم بالبراءة عقلا و نقلا.

الثّاني: الأخذ باحتمال الحرمة تعيينا.

الثّالث: الأخذ بأحد الحكمين تخييرا شرعيّا.

الرّابع: الأخذ بأحدهما تخييرا عقليّا مع الحكم عليه بالإباحة شرعا، و هذا هو مختار المحقّق الخراساني (قدّس سرّه). (1)

الخامس: الأخذ بأحدهما تخييرا عقليّا، بمعنى: تخيير المكلّف تكوينا من دون جعل الوظيفة له، لا عقلا و لا شرعا، فتسقط الاصول العمليّة حينئذ من أصالة التّخيير (عقليّا و نقليّا) و أصالة الإباحة و أصالة البراءة (عقلا و نقلا) و استصحاب عدم الوجوب و الحرمة، و هذا هو مختار المحقّق النّائيني (قدّس سرّه). (2)

و الّذي يقوى في النّظر هو القول الأوّل دون سائر الأقوال؛ و ذلك لأنّه لا مانع من جريان البراءة العقليّة و النّقليّة في مثل المقام.

أمّا العقليّة، فلأجل قاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث إنّ المفروض عدم ورود البيان بالإضافة إلى خصوص الوجوب أو الحرمة، فيقبح العقاب عليه عقلا.

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 203.

(2) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 448.

379

لا يقال: يمنع عن جريان تلك القاعدة، لتماميّة البيان بالعلم الإجماليّ؛ إذ هو و إن لم يكن عند الدّوران منجّزا، نظرا إلى عدم تمكّن المكلّف من الموافقة أو المخالفة القطعيّة، إلّا أنّ الموافقة الاحتماليّة هنا ممكنة، فيكون بيانا بالنّسبة إليها.

لأنّه يقال: ليس المراد من البيان الّذي يجوّز العقل معه العقاب إلّا البيان على نوع التّكليف و هو الوجوب أو الحرمة، و المفروض أنّه مفقود في باب الدّوران؛ إذ البيان و هو العلم الإجماليّ إنّما هو بالإضافة إلى جنس التّكليف و هو الإلزام لا نوعه، كما هو واضح. و عليه: فالعلم الإجماليّ لم يكن مؤثّرا في المقام و لو على نحو الامتثال بالموافقة الاحتماليّة، و لا مناص إذا من جريان البراءة فيه، لصيرورته، كالشّبهة البدويّة.

أمّا البراءة النّقليّة، فلأجل شمول حديث الرّفع لمثل المقام بلا ريب؛ و الإشكال بأنّ البراءة إنّما تجري في مورد الشّكّ في التّكليف، و هذا أجنبيّ عن مورد الدّوران؛ إذ المفروض هنا معلوميّة جنس التّكليف و هو الإلزام، مندفع- أيضا- بما عرفت آنفا، من أنّ العلم بالإلزام لا أثر له، بل الأثر إنّما هو للعلم بنوع التّكليف، و هذا منتف في المقام، فتجري فيه البراءة، لرجوع الشّكّ حينئذ إلى الشّكّ في التّكليف، كما هو واضح. هذا كلّه بالنّسبة إلى القول الأوّل.

أمّا القول الثّاني (الأخذ باحتمال الحرمة تعيينا)، فغاية ما يستدلّ عليه هو أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة.

و فيه ما لا يخفى؛ إذ ربّ واجب يكون أهمّ من الحرام، فلا يصحّ أن يقال: بكون دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة على وجه الضّابطة الكلّيّة.

380

أمّا القول الثّالث (التّخيير الشّرعيّ)، فلو اريد بالتّخيير الشّرعيّ، هو التّخيير في المسألة الفرعيّة و هو الأخذ بالفعل أو التّرك في مقام العمل، لكان أمرا غير معقول، لحصول التّخيير تكوينا، فيلزم تحصيل الحاصل؛ و لو اريد به هو التّخيير في المسألة الاصوليّة و هو الأخذ بأحد الحكمين في مقام الإفتاء، كالأخذ بأحد الخبرين المتعارضين في ذلك المقام، لكان بلا دليل، إذ لا أثر من الخبرين هنا حتّى يحكم بالتّخيير الاصوليّ.

أمّا القول الرّابع (الإباحة شرعا و التّخيير عقلا)، فلا دليل عليه، بل الدّليل على خلافه، كما ستعرف ممّا أفاده المحقّق النّائيني (قدّس سرّه).

أمّا القول الخامس (التّخيير التّكوينيّ مع عدم حكم ظاهريّ أصلا)، فغاية ما يقال في وجهه: هو ما أفاده المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) من عدم إمكان جعل الوظيفة الظّاهريّة بلا فرق بين الشّرعيّة و العقليّة، كالتّخيير الشّرعيّ و العقليّ و الإباحة و البراءة الشّرعيّة و العقليّة و استصحاب عدم الوجوب و الحرمة.

فقال (قدّس سرّه)، ما حاصله: أمّا التّخيير الشّرعيّ، فلأنّ الحكم الظّاهريّ لا بدّ له من أثر شرعيّ، و إلّا لكان جعله لغوا، و المفروض عدم ترتّب الأثر على جعل التّخيير الشّرعيّ في المقام، لا الواقعيّ، و لا الظّاهريّ؛ و ذلك لحصول التّخيير بنفسه تكوينا بين فعل شي‏ء و تركه، فلا يمكن جعل ما هو حاصل بنفسه و لو ظاهريّا.

و أمّا التّخيير العقليّ، فلاختصاصه بما إذا كان في طرفي التّخيير ملاك يلزم استيفائه و لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين الطّرفين، كالتّخيير الّذي يحكم به في باب التّزاحم، و المقام ليس كذلك، لعدم ثبوت الملاك في كلّ من طرفي الفعل و التّرك.

381

و أمّا الإباحة، فلأنّها تختصّ بما إذا كان طرف الحرمة، الإباحة و الحلّ، كما هو ظاهر قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام، فهو لك حلال» و المفروض، أنّ في مورد دوران الأمر بين المحذورين كان طرف الحرمة هو احتمال الوجوب، لا احتمال الحلّ و الإباحة، على أنّ الحكم الظّاهريّ إنّما يكون في رتبة متأخّرة عن الحكم الواقعيّ، لكونه في مورد الجهل بالحكم الواقعيّ. و من المعلوم، حصول العلم الوجدانيّ بالإلزام في مورد الدّوران، فلا شكّ في الحلّيّة و الإباحة واقعا حتّى تجعل الإباحة ظاهرا.

و أمّا البراءة الشّرعيّة، فلأنّ مدركها قوله (عليه السّلام): «رفع ما لا يعلمون» و أنت تعلم، أنّ الرّفع فرع إمكان الوضع، و حيث إنّه لا يمكن وضع مجموع الوجوب و الحرمة في الدّوران، فلا يرفعان بالحديث.

و أمّا البراءة العقليّة، فلأنّه لا حاجة في الحكم بالبراءة عند الدّوران، إلى التّمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل تثبت البراءة عقلا بحصول القطع بالمؤمّن قهرا، لعدم تأثير العلم الإجماليّ هنا؛ بداهة، أنّه إنّما يقتضي التّأثير فيما إذا كان المعلوم بالإجمال صالحا للتّشريع بنحو الإجمال، و المفروض، أنّ المعلوم بالإجمال في المقام ليس إلّا أصل الإلزام المردّد بين الوجوب و الحرمة، و مثل هذا غير صالح للتّشريع؛ إذ المكلّف مخيّر بينهما تكوينا.

و أمّا استصحاب عدم الوجوب و الحرمة، فلأنّه لمّا كان من الاصول التّنزيليّة لا يمكن الجمع بين مؤدّاه و بين العلم الإجماليّ، فإنّ البناء على عدم وجوب الفعل و عدم حرمته واقعا لا يجتمع مع العلم بوجوب الفعل أو حرمته إجمالا. و بعبارة

382

اخرى، أنّ البناء على مؤدّى الاستصحابين، ينافي الموافقة الالتزاميّة، فإنّ التّديّن و التّصديق بأنّ للّه تعالى في هذه الواقعة حكما إلزاميّا، من الوجوب أو الحرمة، لا يجتمع مع البناء على عدم الوجوب و الحرمة واقعا (1). هذا محصّل ما أفاده المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) لإثبات مختاره من التّخيير التّكويني في المقام.

و لكن لا يمكننا المساعدة على ما ذكره بالنّسبة إلى البراءة العقليّة و النّقليّة، و كذا الاستصحاب؛ أمّا البراءة العقليّة، فلأنّ عدم تأثير العلم الإجماليّ لا يساوق التّأمين، بل يوجب اندراج دوران الأمر بين المحذورين تحت الشّبهة البدويّة الّتي يجب فيها تحصيل المؤمّن لا محالة و لا مؤمّن إلّا قاعدة قبح العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا حجّة و برهان.

و أمّا البراءة الشّرعيّة؛ فلأنّ المرفوع ليس هو مجموع الحكمين- كى يقال بعدم إمكان وضعه- بل هو كلّ واحد منهما، و وضع ذلك ممكن، كما لا يخفى.

و أمّا الاستصحاب، فلأنّ البناء فيه هو البناء العمليّ لا القلبيّ الاعتقاديّ كي ينافي الموافقة الالتزاميّة، و إذا فلا مانع من جريانه في باب الدّوران و لا منافاة بينه و بين العلم الإجماليّ بجنس التّكليف، فتأمّل جيّدا.

فتحصّل: أنّ القول المختار في المقام هو القول الأوّل (جريان البراءة العقليّة و النّقليّة)؛ لوجود المقتضي و عدم المانع، كما عرفت وجه ذلك، و أنّه لا يبعد- أيضا- اختيار جريان استصحاب عدم الوجوب و الحرمة.

ثمّ إنّه لا فرق بناء على القول البراءة بين أن يكون أحد الحكمين محتمل الأهميّة

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 448 إلى 450.

383

و بين أن لا يكون كذلك؛ إذ احتمال كون أحدهما على تقدير ثبوته في الواقع، أهمّ من الآخر، لا يوجب ترجيح محتمل الأهميّة على غيره، بحيث يمنع عن إجراء أصالة البراءة المقرّرة ظاهرا عند الجهل بالحكم، كما هو واضح.

نعم، بناء على القول بالتّخيير العقليّ يمكن الفرق بين الموردين و ترجيح محتمل الأهميّة، كما هو مختار المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1)؛ و يتّضح وجه ذلك، ببيان ضعف ما اختاره بعض الأعاظم (قدّس سرّه) من أنّه لا ترجيح لمحتمل الأهميّة من غير فرق بين القولين، فقال ما حاصله: إنّ المقام لا يقاس بباب التّزاحم؛ إذ الأهميّة المحتملة هنا تقديريّة، حيث إنّه لم يعلم ثبوت أحد الحكمين بخصوصه و إنّما المعلوم ثبوت الإلزام في الجملة. غاية الأمر: لو كان الإلزام في ضمن أحدهما المعيّن، احتملت اهميّته، فاحتمال الأهميّة إنّما هو على تقدير كون الالزام في ضمن أحد الحكمين معيّنا، و مثل هذا لا يصلح للتّرجيح، و هذا بخلاف باب التّزاحم؛ إذ يعلم فيه ثبوت كلّ من الحكمين، إلّا أنّه لا يجب امتثالهما معا لعجز المكلّف و عدم قدرته على الجمع بينهما. (2)

و فيه: أنّ الفرق بين باب الدّوران و باب التّزاحم بما ذكر، واضح ممّا لا يكاد يخفى، لكنّه لا يوجب الفرق بينهما بلزوم تقديم محتمل الأهميّة في باب التّزاحم دون باب الدّوران و لا يكون دليلا على الفرق بينهما من هذه النّاحية، بل الصّواب أن يقال:

إنّ العقل كما يستقلّ في الحكم بلزوم تقديم محتمل الأهميّة في باب التّزاحم، كذلك يستقلّ في الحكم بلزومه في باب الدّوران- أيضا- و لا ينبغي أن يتفوّه بالتّساوي عقلا، بين المحذورين مع كون أحدهما أهمّ و لو احتمالا.

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 207.

(2) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 334.

384

و بالجملة: أنّ الأهميّة في كلا البابين محتملة حسب الفرض. غاية الأمر، ثبوت كلا الحكمين في باب التّزاحم معلوم، بخلاف باب الدّوران، فإنّه يعلم فيه ثبوت أحدهما، و أنت ترى، أنّ هذا المقدار من الفرق غير فارق في ما ذكر من استقلال العقل في الحكم بلزوم تقديم محتمل الأهميّة، فالحقّ ما عليه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من ترجيح محتمل الأهميّة في المقام- أيضا- هذا كلّه في الصّورة الاولى (دوران الأمر بين المحذورين في التّوصّليّات مع وحدة الواقعة).

دوران الأمر بين المحذورين في التّعبّديّات مع وحدة الواقعة

أمّا الصّورة الثّانية (دورانه بينهما في التّعبّديّات مع وحدة الواقعة و كون العبادات مستقلّة)، فهي نظير ما إذا دار الأمر بين وجوب الصّلاة على المرأة و حرمتها عليها، لاحتمال الطّهر و الحيض بناء على حرمتها عليها ذاتا، بمعنى: حرمة نفسها و لو لم تقصد القربة و لم تنسب إلى المولى، و في هذه الصّورة و إن لم تكن الموافقة القطعيّة ممكنة، إلّا أنّ المخالفة القطعيّة ممكنة بإتيان ذات العمل بلا قصد القربة، فعلى تقدير الحيض، فعلت حراما، و على تقدير الطّهر، تركت واجبا، و لأجل هذا، يكون العلم الإجماليّ منجّزا بالنّسبة إلى المخالفة القطعيّة، فيحرم عليها إتيان الصّلاة بلا قصد القربة، بخلاف الموافقة القطعيّة، فإنّها حيث لا تكون ممكنة، فالعلم الإجماليّ ليس منجّزا بالنّسبة إليها، بل العقل يحكم حينئذ بكون المرأة مخيّرة بين إتيان الصّلاة رجاء و احتياطا، و بين تركها رأسا و بالمرّة.

385

تفصيل المقام: أنّ العلم الإجماليّ- كما قرّر في محلّه- على أربعة أقسام.

الأوّل: ما تمكن فيه الموافقة و المخالفة القطعيّتان، كما إذا علم إجمالا بوجوب شي‏ء أو حرمة شي‏ء آخر، فحينئذ يمكن الإتيان بالواجب و ترك الحرام، كما يمكن العكس و هو إتيان الحرام و ترك الواجب- أيضا- و لا إشكال في كون العلم الإجماليّ هنا مؤثّرة و منجّزة بالنّسبة إلى الموافقة القطعيّة فتكون واجبة، و بالنّسبة إلى المخالفة القطعيّة فتكون محرّمة.

القسم الثّاني: ما لا تمكن فيه الموافقة و المخالفة القطعيّتان، كموارد دوران الأمر بين المحذورين، و الحكم فيه ما مرّ مفصّلا من جريان الاصول النّافية في أطرافه من البراءة مطلقا و الاستصحاب.

القسم الثّالث: ما يمكن فيه المخالفة القطعيّة دون المخالفة كذلك، نظير ما إذا علمت المرأة المردّدة بين الطّهر و الحيض، بالعلم الإجماليّ بوجوب الصّلاة و حرمتها عليها كما عرفت، و نظير ما إذا علم إجمالا بوجوب أحد الضّدّين اللّذين لهما ثالث في زمان واحد، حيث تمكن المخالفة بتركهما معا و لا تمكن الموافقة بفعلهما كذلك. و في هذا القسم، أيضا- كالقسم الأوّل- يكون العلم الإجماليّ مؤثّرا و منجّزا بالنّسبة إلى المخالفة القطعيّة فتكون محرّمة.

القسم الرّابع: عكس الثّالث، كما إذا علم بحرمة أحد الضّدّين اللّذين لهما ثالث في زمان واحد، و كذا الأمر في جميع الشّبهات التّحريميّة غير المحصورة، حيث يمكن فيهما ترك الجميع و لا يمكن فعل الجميع، و الحكم في هذا القسم- أيضا- عكس القسم الثّالث، بأن يكون العلم الإجماليّ مؤثّرا و منجّزا بالنّسبة إلى الموافقة القطعيّة،

386

فتكون واجبة. هذا تمام الكلام في الصّورة الثّانية.

أمّا الصّورة الثّالثة (دوران الأمر بين المحذورين في التّعبّديّات مع وحدة الواقعة و كون العبادات ضمنيّة)، فهي نظير دوران الأمر بين جزئيّة شي‏ء أو شرطيّته لواجب تعبّدي، و بين مانعيّته عنه، و في هذه الصّورة يحكم بوجوب الاحتياط و لو بتكرار العمل و الإتيان به مرّتين، مرّة مع ذلك الشّي‏ء المشكوك شرطيّته و مانعيّته، و مرّة اخرى بدونه.

نعم، خالف في ذلك الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) فحكم بتخيير المكلّف بين الإتيان بما يحتمل كونه شرطا و مانعا و بين تركه، تنظيرا لهذه الصّورة مع الصّورة السّابقة و هي التّكليف الاستقلاليّ.

و ردّه بعض الأعاظم (قدّس سرّه) و اجاد في ذلك، حيث قال، ما حاصله: إنّ المقام لا يقاس بالصّورة السّابقة؛ إذ المفروض عدم تنجّز الإلزام المردّد بين الوجوب و الحرمة هناك لاستحالة الموافقة القطعيّة، فلا مناص إذا من الحكم بالتّخيير، و هذا بخلاف المقام، فإنّ الإلزام المعلوم المردّد بينهما هنا منجّز، لإمكان الموافقة القطعيّة كالمخالفة القطعيّة، فيجب الحكم بالاحتياط و تكرار العمل، كما مرّ آنفا، و إن شئت، فقل: إنّ الحكم بالتّخيير إنّما هو فيما إذا لم يكن المكلّف متمكّنا من الامتثال العلميّ، و أمّا إذا كان متمكّنا منه، فلو دلّ الدّليل على الاقتصار بالامتثال الاحتماليّ فهو، و إلّا- كما هو المفروض في المقام- فالعقل يستقلّ في الحكم بالامتثال العلميّ باعتبار أنّ شغل الذّمّة يقينا يقتضي الفراغ اليقينيّ‏ (1). هذا في الصّورة الثّالثة.

____________

(1) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 338.

387

دوران الأمر بين المحذورين في تعدّد الواقعة

أمّا الصّورة الرّابعة (دوران الأمر بين المحذورين في فرض تعدّد الواقعة بلا فرق بين التّعبّديّات و التّوصّليّات)، فهي على نحوين:

الأوّل: أن تكون تعدّد الواقعة عرضيّا، كما إذا علم المكلّف إجمالا بحلفه تارة على فعل أمر، و اخرى على ترك أمر آخر، و لكن اشتبه عليه هذان الأمران، فهل يحكم هنا بالتّخيير أم يحكم بالاحتياط بفعل أحدهما و ترك الآخر؟ وجهان:

و الأقوى هو الثّاني؛ إذ غاية ما يمكن أن يقال: في وجه الأوّل هو اندراج المقام في دوران الأمر بين المحذورين مع عدم إمكان الاحتياط رأسا، و قضيّة ذلك جواز الإتيان بالأمرين، كجواز تركهما معا و هذا هو التّخيير.

و فيه: أنّ العلم الإجماليّ بالإلزام المردّد بين الوجوب و الحرمة في كلّ من الأمرين، و إن لم يكن مؤثّرا في التّنجيز لعدم إمكان الاحتياط- حسب الفرض- إلّا أنّ هنا علمين إجماليين آخرين، أحدهما: العلم الإجماليّ بوجوب أحد الأمرين المشتبهين؛ ثانيهما: العلم الإجماليّ بحرمة أحدهما. و لا ريب، أنّ مقتضى العلم الإجماليّ الأوّل هو الإتيان بهما، و مقتضى العلم الإجماليّ الثّاني هو تركهما معا، و حيث إنّ المكلّف لا يكون متمكّنا من الجمع بين الفعلين و التّركين معا، فيسقط هذان العلمان الإجماليّان عن التّأثير بالنّسبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة، و هذا بخلاف فعل الأمرين أو تركهما، فإنّه متمكّن منه و مقتضاه تأثير العلمين الإجماليّين و تنجيزهما

388

بالنّسبة إلى حرمة المخالفة القطعيّة، فيلزم عليه الاحتياط بفعل أحدهما و ترك الآخر حتّى تحصل الموافقة الاحتماليّة و تجتنب عن المخالفة القطعيّة.

النّحو الثّاني: أن تكون تعدّد الواقعة طوليّا، نظير ما إذا علم المكلّف إجمالا بالحلف على فعل شي‏ء في زمان و تركه في زمان آخر، لكن اشتبه عليه الزّمانان بحيث يدور الأمر في كلّ زمان بين وجوب ذلك الشّي‏ء و بين حرمته، ففي هذا النّحو، هل يحكم بالتّخيير بين الفعل و التّرك في كلّ واحد من الزّمانين مطلقا أم يفصّل في المسألة؟ بين ما إذا لم يكن العلم الإجماليّ منجّزا في الامور التّدريجيّة، و بين ما إذا كان منجّزا فيها، وجهان: و الأقوى هو التّفصيل: و السّر في ذلك، هو أنّ القول بالتّخيير مطلقا مبتن على كون الشّي‏ء في كلّ زمان، واقعة مستقلّة يدور أمره بين الوجوب و الحرمة، و حيث إنّه لا يمكن الاحتياط رأسا و لا وجه لضمّ واقعة إلى واقعة، فمقتضاه هو التّخيير بمعنى: أنّ للمكلّف اختيار الفعل في كلّ من الزّمانين أو اختيار التّرك كذلك أو اختيار الفعل في أحدهما و التّرك في الآخر.

و فيه: أنّ هذه المسألة مبتنية على مسألة تنجيز العلم الإجماليّ في الامور التّدريجيّة و عدمه، فعلى القول بالتّنجيز لا مجال للتّخيير، بل لا بدّ من اختيار الفعل في أحد الزّمانين و التّرك في الزّمان الآخر كي لا تلزم المخالفة القطعيّة؛ و أمّا على القول بعدم التّنجيز في التّدريجيّات، فللتّخيير بين الفعل و التّرك في كلّ زمان مجال واسع.

و بالجملة: الحقّ في المقام هو التّفصيل بين ما إذا لم يكن العلم الإجماليّ منجّزا في الامور التّدريجيّة، فيحكم بالتّخيير، و بين ما إذا كان منجّزا فيها، فيحكم حينئذ بالاحتياط و اختيار الفعل في أحد الزّمانين و التّرك في الزّمان الآخر، كما هو واضح.

و سيأتي تحقيق هذه المسألة في باب الاشتغال، إن شاء اللّه تعالى.

389

تنبيه‏

لا يخفى عليك: أنّه لا مجال للبحث عن بدئيّة التّخيير و استمراريّته في باب دوران الأمر بين المحذورين إذا كانت الواقعة واحدة و لم تكن لها أفراد في طول الزّمان، و كذا لا مجال لهذا البحث مع تعدّد الواقعة، سواء كانت الواقعتان عرضيّتين، أم كانتا طوليّتين.

نعم، لو كانت الواقعة المردّدة بين الوجوب و الحرمة، ذات أفراد واقعة في طول الزّمان، كما إذا علم المكلّف إجمالا بصدور الحلف منه على إتيان فعل أو على تركه في كلّ يوم كذا أو ليلة كذا إلى شهر أو إلى سنة، لكان للبحث المذكور مجال.

و اختار المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) هنا استمراريّة التّخيير، فقال، ما حاصله: إنّ متعلّق الحلف و هو الفعل الفلاني أو التّرك، يلاحظ في كلّ يوم كذا أو ليلة كذا، واقعة مستقلّة لها حكم مستقل، و حيث إنّ المفروض، دوران الأمر بين المحذورين و عدم تمكّن الموافقة القطعيّة و لا المخالفة كذلك، فلا مناص من كون المكلّف مخيّرا بين الفعل و التّرك دائما، له أن يفعل و لا يفعل. غاية الأمر، تلزم المخالفة القطعيّة إذا اختار الفعل في ليلة- مثلا- و التّرك في ليلة اخرى، و هذا لا بدع فيه، لعدم تنجيز العلم الإجماليّ للتّكليف المردّد بين الوجوب و الحرمة، كي توجب حرمة المخالفة القطعيّة، و لا يوجب تكرّر الواقعة، تبدّل المعلوم بالإجمال و لا خروج المورد عن دوران الأمر بين المحذورين في كلّ يوم كذا أو ليلة كذا، و لا يلاحظ- أيضا- انضمام الايّام أو اللّيالي بعضها إلى بعض، بحيث يجعل المجموع واقعة واحدة، بل لا بدّ من ملاحظة كلّ يوم أو

390

ليلة وحده، و من ملاحظة الفعل في كلّ، واقعة مستقلّة، فيدور الأمر بين المحذورين فيتخيّر المكلّف بين الأمرين- من الفعل و التّرك- مستمرّا. (1)

و فيه: أنّ العلم كما يكون منجّزا في الامور الدّفعية، كذلك يكون منجّزا في الامور التّدريجيّة، و حيث إنّ المخالفة القطعيّة هنا تكون ممكنة بإتيان الفعل في كلّ يوم كذا أو ليلة كذا، أو بتركه كذلك، فالعلم الإجماليّ يكون منجّزا بالنّسبة إليها، و لذا تحرم المخالفة القطعيّة، بمعنى: يحرم التّفكيك بين الأزمنة من حيث الفعل و التّرك، بل يجب إمّا أن يختار الفعل دائما، أو التّرك كذلك، و قضيّة ذلك- كما ترى- هو التّخيير البدويّ.

إلى هنا تمّ الكلام في الجزء الثّالث- من الكتاب- المتكفّل لمباحث القطع و الظّنّ و الشّكّ (أصالة البراءة و أصالة التّخيير) و يتلوه الجزء الرّابع المتكفّل لمباحث الشّكّ (أصالة الاحتياط و الاستصحاب) و التّعادل و التّرجيح، إن شاء اللّه تعالى.

و الحمد للّه أوّلا و آخرا، و ظاهرا و باطنا.

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 453 و 454.

391

فهرس الموضوعات‏

الموضوع/ الصّفحة

المسألة السّابعة: الأمارات مباحث القطع الطّريقيّ 13

تقسيم المكلّف 13

تحقيق و تنقيح 22

القطع من المسائل الاصوليّة 29

تعقيب و تكميل 33

وجوب متابعة القطع 37

التّجرّي 46

أقسام التّجرّي 69

تنبيهات 70

القطع الموضوعيّ و أقسامه 78

قيام الأمارات مقام القطع 94

392

قيام الاصول مقام القطع 99

تنبيهان 104

الموافقة الالتزاميّة للقطع 109

قطع القطّاع 114

خاتمة 115

تنجيز العلم الاجماليّ 124

مباحث الظّنّ مباحث الظّنّ 143

إمكان التّعبّد بالظّنّ و عدمه 145

تنبيه 154

مقتضى الأصل عند الشّكّ 174

الأمارات الخارجة عن أصالة حرمة التّعبّد بالظّنّ ظواهر الكتاب و السّنّة 191

تتميم 212

تنبيهان 214

393

قول اللّغوي 215

الإجماع المنقول 221

الشّهرة الفتوائيّة 230

الخبر الواحد 236

تنبيهان 267

المسألة الثّامنة: الاصول العمليّة مباحث الشّكّ أقسام المباحث الاصوليّة 271

المقام الأوّل: أصالة البراءة 278

الاستدلال بالكتاب 281

الاستدلال بالسّنّة 283

الاستدلال بالإجماع 309

الاستدلال بالعقل 310

استدلال الأخباريّ بالكتاب 321

استدلال الأخباريّ بالسّنّة 326

استدلال الأخباريّ بالعقل 335

تقديم الأصل الموضوعيّ على البراءة 341

أصالة عدم التّذكية 342

394

وجوب الفحص 350

الشّرطان الآخران للبراءة 362

جريان البراءة في الشّبهات الموضوعيّة و الحكميّة 364

حسن الاحتياط 366

تنبيه 368

أخبار من بلغ 369

المقام الثّاني: أصالة التّخيير 377

دوران الأمر بين المحذورين في التّوصّليّات مع وحدة الواقعة 378

دوران الأمر بين المحذورين في التّعبّديّات مع وحدة الواقعة 384

دوران الأمر بين المحذورين في تعدّد الواقعة 387

395

مصادر الكتاب‏

1- القرآن الكريم.

2- إفاضة العوائد، السّيّد الگلبايگاني، مطبعة مهر، قم.

3- الإشارات و التّنبيهات، الشّيخ الرّئيس ابن سينا، دفتر نشر الكتاب، (1403 ه. ق.).

4- الاصول من الكافي، الشّيخ الكليني، دار الكتب الإسلاميّة، طهران.

5- البيان، السّيّد الخوئي، مطبعة الآداب، النّجف الأشرف.

6- الذّريعة إلى اصول الشّريعة، السّيّد المرتضى، مطبعة جامعة الطّهران.

7- الفصول الغرويّة، الشّيخ محمّد حسين الأصفهاني، الطّبعة القديمة، (1277 ه. ق.)

8- المعتبر، المحقّق الحلّي، مجمع الذّخائر الإسلاميّة.

9- أجود التّقريرات، السّيّد الخوئي، تقريرا لبحث المحقّق النّائيني، مكتبة الفقيه، قم.

10- أنوار الهداية، الإمام الخميني، مؤسّسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني، قم.

11- تذكرة الفقهاء، العلّامة الحلّي، المكتبة المرتضويّة.

12- تعريفات الجرجاني، السّيّد علي بن محمّد الجرجاني، دار الكتاب العربيّ، بيروت.

13- تفسير آلاء الرّحمن، العلّامة البلاغي، مكتبة الوجداني، قم.

396

14- تنقيح الاصول، الشّيخ التّقوي الإشتهاردي، تقريرا لبحث الإمام الخميني، مؤسّسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني، قم.

15- تهذيب الاصول، الشّيخ جعفر السّبحاني، تقريرا لبحث الإمام الخميني، مطبعة مهر، قم.

16- جواهر الكلام، الشّيخ محمّد حسن النّجفي، دار الكتب الإسلاميّة، طهران.

17- حاشية الرّسائل، الآخوند الخراساني، مكتبة بصيرتي، قم.

18- حاشية الكفاية، العلّامة الطّباطبائي، مؤسّسة نشر آثار العلّامة الطّباطبائي، قم.

19- درر الفوائد، الشّيخ الحائري، مؤسسة النّشر الإسلامي، قم.

20- رجال النّجاشي، الشّيخ النّجاشي، مكتبة الدّاوري، قم.

21- سلسلة الينابيع الفقهيّة، الشّيخ المرواريد، مؤسّسة فقه الشّيعة، الدّار الإسلاميّة، بيروت.

22- شرح اصول الكافي، المولى محمّد صالح المازندراني، المكتبة الإسلاميّة.

23- شوارق الإلهام، الشّيخ عبد الرّزاق اللّاهيجي، نشر مهدوي، أصفهان.

24- عدّة الاصول، الشّيخ الطّوسي، مطبعة ستاره، قم.

25- علل الشّرائع، الشّيخ الصّدوق، دار إحياء التّراث العربيّ، بيروت.

26- فرائد الاصول، الشّيخ الأنصاري، مجمع الفكر الإسلاميّ، قم.

27- فوائد الاصول، الشّيخ الكاظمي، تقريرا لبحث المحقّق النّائيني، مؤسّسة النّشر الإسلاميّ، قم.

397

28- قوانين الاصول، الميرزا القمي، مكتبة العلميّة الإسلاميّة، طهران.

29- كشف الغطاء، الشّيخ كاشف الغطاء، الطّبعة القديمة.

30- كشف القناع، الشّيخ أسد اللّه التّستري، مؤسّسة آل البيت (عليه السّلام)، قم.

31- كفاية الاصول، الآخوند الخراساني، مكتبة العلميّة الإسلاميّة، طهران.

32- مجمع البيان، الشّيخ الطّبرسي، المعارف الإسلاميّة.

33- مجمع الفائدة و البرهان في شرح إرشاد الأذهان، المولى أحمد الأردبيلي، منشورات جامعة المدرّسين، قم.

34- مستدرك الوسائل، المحدّث النّوري، مؤسّسة آل البيت (عليه السّلام)، قم.

35- مصباح الاصول، السّيّد محمّد سرور الواعظ الحسيني البهسودي، تقريرا لبحث السّيّد الخوئي، مطبعة النّجف.

36- معالم الاصول، الشّيخ حسن بن زين الدّين العاملي، بخط عبد الرّحيم، (المطبوع 1297 ه. ق.)، طهران.

37- نهاية الاصول، الشّيخ المنتظري، تقريرا لبحث السّيّد البروجردي، مطبعة الحكمة، قم.

38- نهاية الأفكار، الشّيخ محمّد تقي البروجردي، تقريرا لبحث المحقّق العراقي، مؤسّسة النّشر الإسلاميّ، قم.

39- نهاية الدّراية، السّيّد حسن الصّدر، مطبعة الاعتماد.

40- نهاية الدّراية، الشّيخ محمّد حسين الأصفهاني (الكمباني)، مطبعة الطّباطبائي، قم.

41- وسائل الشّيعة، الشّيخ الحرّ العاملي، المكتبة الإسلاميّة، طهران.