رحلة الإيطالي كاسبارو بالبي

- كاسبارو بالبي المزيد...
168 /
55

ست شاهيات لكل واحد منهم، فضلا عن قالب صابون و صحن زبيب لكل واحد منهم أيضا.

في اليوم الرابع عشر- من الشهر- جاء «الأمين» ليستوفي المكس. فقبل أن يبدأ بعمله أسرعنا فقدمنا له صحن زبيب و جوزا، و أعطيناه خمس قطع صابون و ثلاث صحون زبيب؛ ثم أن كاتب «الأمين» أرسل إلينا على سبيل الهدية سمكتين، فأرجعناه محملا بعشر قطع صابون- كبيرة- مع قطع صغيرة من المادة نفسها.

و لما كان الخواجا سليمان قد غمرنا بأفضاله في هذا المكان، لا بل خلال الرحلة كلها. لذا قدمنا له عشرين قطعة صابون و صحن زبيب و مشطا من العاج. فبعث الرجل ساعيا لينبهنا بأن نسرع بالسفر لأن الصوباشي‏ (1) سيأتي بدوره إلينا ليطالب بأربعة أذرع من القماش الأحمر و عشر فينتيم‏ (2) و غير ذلك مما توحيه إليه و قاحته! لذلك أسرعنا بالرحيل من هناك فإنطلقنا نحو الساعة الحادية و العشرين.

____________

(1) صوباشي (تركية) و هو ملازم الجند الذي يؤدي أعمال الشرطة في المدن كمراقبة الأسواق و تعمير الطرقات و ما إلى ذلك.

(2) الكلمة غير واضحة «اتكون» من فئة العشرين؟

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

57

الفصل الثالث تكملة السفر من عنه إلى جبه‏ (*)

غادرنا مدينة عنه، و ما أن أبتعدنا عنها قليلا حتى إضطررنا إلى عبور أربعة منحدرات صخرية حيث يجري الماء بقوة كبيرة، فتملكنا خوف عظيم و في هذا الموقف الحرج تحققنا من مهارة الربان الجديد و نباهة الملاحين.

أكملنا السير حتى المساء، و مررنا بتسعة مواضع ضيقة جدّا بسبب وجود النواعير القائمة هناك. أما البيوت فكانت عديدة متناثرة على عدوتي النهر، كما أن تلك الحقول كانت عامرة بأشجار النخيل.

و في المساء أتينا إلى جزيرة في الفرات تسمى «اناتلبس» (1)Anatelbes حيث لا تزال تشاهد آثار أسوار

____________

(*) ذكر المؤلف رقم الفصل لكنه لم يضع له عنوانا.

(1) و هي جزيرة تلبيس أو تلبس (بدون ياء) ذكرها الرحالون مثل موزيل ص 42، و ذكرها جيسني باسم اناتلبس. تبعد نحو 14 كلم إلى الجنوب من بلدة عنه، كانت قديما محصنة. طه باقر و فؤاد سفر: المرشد إلى مواطن الآثار-

58

سامقة إلى عنان السماء، أما شرفاتها فقد تهاوت على الرض. و قد أخبرنا الملاحون أن في ذلك المكان كانت تقوم بلدة كمدن اليابسة لكنها سقطت على أثر زلزال مدمر فطمست أسسها في النهر على الحالة التي رأيناها.

ثم نظرنا إلى الشاطئ الأيسر فرأينا برجا، و أخبرنا الرجال أن الناس الذين نجوا من كارثة الزلزال الذي ذكرناه قبل قليل قد شيدوا حصنا هناك و سكنوا فيه مدة طويلة من الزمن، لكنه لم يلبث أن تهدم فتركه ساكنوه و تفرقوا.

بقينا هناك بإنتظار إحدى سفننا التي تأخرت في عنه، فأنضمت إلينا في الخامس عشر من الشهر. و في الساعة الرابعة صباحا انتقلنا من هناك تاركين على الضفة اليسرى غابة نخل و موضعا مأهولا بالسكان و عددا من النواعير. كما مررنا بمواضع ضيقة في النهر لأنها مسدودة بحجارة، و لهذا السبب كانت المياه تجري بسرعة، و كان الملاحون يبحثون بجهد كبير عن الممر المائي بين تلك الصخور، لأن تلك الممرات كانت ضيقة جدّا بحيث لا تمر المراكب إلا بصعوبة بالغة و لا مفر من ملامستها الصخور. و لكننا عبرنا تلك الممرات الستة بسلام بعون اللّه و بفضل مهارة الملاحين، و تخلصنا منها نحو الساعة السادسة من النهار.

____________

- و الحضارة، المرحلة الأولى، بغداد- 1962، ص 19- 20.

59

تقوم على الضفة اليسرى من النهر منازل عديدة تسمى «بني يابين» و جزيرة يقال لها «بيجان» (1)Beggian مليئة بأشجار النخيل، ثم رأينا موضعا يدعى «كبين» (2).Cabin

أما الجهة اليسرى فما رأينا غير الأرض القفراء و الجبال الجرادء و بعض أشجار النخيل المتفرقة.

سرنا حتى الساعة 20 مارين بمواضع مأهولة كثيرة على جهتي النهر، و عدد كبير من النواعير و هو ما يدل على أن مساحة كبيرة من الأراضي البعيدة عن النهر هي خصبة.

و بعد قليل رأينا أكواخا في موضع يدعى «سبرية»Sabrie و هو على ضفة النهر اليسرى، و تلاه بعد قليل موضع مشابه له يسمى «زاوية» (3) أو «زوية».Zouia

في الساعة 21 خلفنا وراءنا جزيرة صغيرة مليئة بالأحطاب التي تستعمل للايقاد كالطرفاء و العوسج، و أسم الجزيرة «زيرة»,Zera و من بعدها مجموعة أكواخ يقال لها «جيرة» (4)Giera و هناك عدد كبير من النواعير. و الموضع التالي الذي يشبهه يسمى «عدلية»Adlelie و بعد مسافة قليلة

____________

(1) ذكرها موزيل ص 42، و كذلك جيسني في الخارطة رقم 5.

(2) المعاضيدي: أعالي الفرات: ص 132 و 133.

(3) المرجع السابق: ص 132 و 133.

(4) أو جرعة أو كورو كما في كتاب: المرشد إلى مواطن الآثار و الحضارة 20: 1.

60

«باصبلية»Bousobileiia و هي عبارة عن حصن مأهول بالسكان، ثم «هذرتا»Ederita و «الجرمة» (1)Germa و كلاهما مأهول و يقعان على الشاطئ الأيسر.

و لما تركنا هذه المواضع و ابتعدنا عنها نحو الساعة 23 مررنا بأماكن أخرى في النهر تقدر بأربعين موضعا و كلها خطرة جدّا. و في آخر المطاف قررنا أن نأخذ قسطا من الراحة في «بينكسي»Benexi و هو موضع مأهول بالسكان و يقع على الشاطئ الأيمن من النهر.

أرتحلنا من ذلك المكان في السادس عشر من الشهر.

و في الساعة الثانية من ذلك النهار مررنا بقريتين الواحدة إزاء الأخرى: فتلك الواقعة على الجانب الأيمن تسمى «ديرة» (2),Dera أما الأخرى فتسمى «سيميا».Simia و بعد قليل رأينا على الجانب الأيسر قرية أخرى كبيرة تسمى «جيلمة» (3)Gielma و أخرى شبيهة بها لكنها على الضفة اليمنى و يقال لها «سيا»Sia ثم رأينا ستة نواعير، و قرية أخرى أسمها «الناصرية»Naseria و فيها محلات عديدة و غابات نخيل و نواعير.

____________

(1) الجرنة عند موزيل.

(2) ذكرها موزيل و كذلك جيسني.

(3) موزيل: المرجع نفسه.

61

و لما كانت هذه المنطقة عامرة بالقرى و القصبات، و لئلا يصاب القارئ بالملل فسأكتفي بذكر الأسماء فقط دون ذكر مواقعها أكانت على هذه الضفة أم الأخرى. فعلى الشاطئ الأيسر رأينا القرى الآتية: دولل ثم أسب، و بعد قليل مررنا بجبل أبيض اللون، أجرد السفح، ثم: بغيري و جديدة و هما قريتان؛ أما المدن فهي الآتية: فريكا و جديدة و دولب و لولب‏ (1) و تتوسط هذه الأخيرة غابة نخل يقال لها «ستيفا» و من هناك وصلنا إلى موضع يسمى «دولاب جديد» و اسمه يعني موضع جديد.

أما عن اليمين فقد تركنا جزيرتين مليئتين بالأحطاب المفيدة للإيقاد. و لا إسم لهما لأنهما ظهرتا مؤخرا في النهر.

و أكملنا السير فوصلنا إلى قرية واقعة عن اليمين تسمى «زبيدة» (2) و من ثم جئنا إلى «عراصة»Urasa ثم قرية أخرى تسمى «عامرية»Amerie و تبعتها «البارة»Elbara ثم تركنا هذه القصبة إلى «فوق البيرة».Fuochelbera بعدئذ قابلنا انحدار قوي في النهر في موضع ضيق، و كان الماء الهادر بين الصخور الكبيرة يجري بسرعة مجنونة. و لمحنا بين‏

____________

(1) دولب أو دويلية و جديدة (موزيل: 25).

(2) قصدر زبدة عند موزيل. و عامرية يقال لها اليوم عامرة، و البارة هي بالأحرى البارج على قول الأستاذ فرحان.

62

الصخور ثلاث أشجار كأنها قامت هناك كعلامة إلى موضع الخطر. و أخيرا تخلصنا لحسن الحظ من هذا المنحدر و ذهبنا بإتجاه «أبو شابور» (1)Abusabur و هو حصن يقع على اليسار، ثم مررنا تدريجيّا بقرى أخرى هي: بنفورة و الجديدة و الفراشية. و رأينا جبلين هناك أبيضين.

بعد مسافة قليلة رأينا ناعورا أبعدته المياه عن اليابسة فأصبح في وسط النهر كأنه جزيرة. فالمياه تحيط به من كل جانب. و رأينا أكواخا يقال لها «شيخ حديد»Segadid و أماكن عديدة كلها مأهولة، و بعض الأبراج و بقايا أسوار على ساحل النهر أي الفرات.

أخيرا وصلنا إلى مدينة تسمى «حديثة» (2)Aditi و فيها قلعة كتلك التي وصفناها من قبل في عنه، و سكانها أكثر عددا، و موقعها في جزيرة. فمررنا بها و هي على جانب‏

____________

(1) ذكرها موزيل و كذلك جيسني في المرجع نفسه، و كذلك المعاضيدي:

أعالي الفرات: ص 236.

(2) الحموي: معجم البلدان 2: 223، و هي حديثة الفرات و تعرف بحديثة النورة و بها قلعة حصينة في وسط الفرات. و قد ذكرها البلدانيون العرب.

و أنظر: فرحان الحديثي: تاريخ الحديثة، بغداد 1989 و هو يتطرق إلى الأضرحة و القباب و ما إلى ذلك، أنظر ص 153 و ما بعدها. و له أيضا مقالة في مجلة التراث الشعبي 10 (1979) العددان الأول و الثاني، ص 101- 116.

63

النهر الأيمن. و بعد قليل أبصرنا جامعا يقع على قمة تل و يسمى «شيخ ايته».Sechaite

يوجد في مدينة الحديثة «سنجق» معين من قبل «أبو ريشة» زعيم العرب.

ينتصب مقابل هذه المدينة، على الجانب الآخر من النهر، برج قديم تتناثر حوله القبور على عادة هؤلاء الناس‏ (1).

عند مغادرتنا هذه المدينة توجب علينا عبور ممر ضيق يقع بين سور المدينة و الصخور العظيمة المكدسة هناك من أجل دعم ستة نواعير قائمة في النهر مقابل المدينة. و كنا نحرك المجاذيف بصعوبة بالغة في هذا الممر الضيق، فكان إعتمادنا أكثر على مقود المركب. فأسرعنا بالعبور خوفا من السقوط في شرك يدبره لنا أولئك و لم نتلكأ بإرسال الهدايا إلى باشا السنجق إذ ادّينا له شاهيتين مع ست قطع صابون و صحن زبيب.

في نحو الساعة 21 و بينما كنا نجذف في النهر رأينا

____________

(1) أخبرني الأستاذ فرحان مشكورا أن هذا البرج يدعى «ضريح الشيخ محمد» و تتناثر جنوب هذا الموضع قبور قديمة ظاهرة يطلق عليها الأهالي أسم «قبور النصارى» و لم تتم فيها اية تنقيبات آثرية علمية إلى الآن.

64

بيوتا كثيرة متناثرة على الضفتين، فضلا عن أبراج و بساتين و أشجار نخيل.

ثم مررنا بجزيرتين مأهولتين واقعتين على يسارنا، ثم جزيرة ثالثة مأهولة أيضا و هي خاصة بكتخدا السنجق الذي يحكم تلك المنطقة. و في نحو الساعة 23 مررنا بجزيرة أخرى فعبرنا بين ناعور يقع إلى اليمين و صخور كبيرة جدّا كان بعضها مغمورا تحت الماء و القسم الآخر منها ظاهر فوق سطح الماء. و بعد مسافة أخرى رأينا حجارة كبيرة- هي في تقديري- من أجود أنواع الرخام الأبيض.

و بعد أن تركنا خلفنا عددا كبيرا من الجزر، كان بعضها مأهولا و الآخر خاليا من السكان و رأينا من جديد غابات نخيل.

و عند المساء وصلنا نطلب الراحة في الضفة اليمنى من النهر، في موقع يقال له «جزيرة آلوس» (1)Zezirnalus و هي عامرة بالأشجار و الدور و الأبراج و النخيل الكثيرة.

رحلنا من هناك في السابع عشر من الشهر قبل شروق الشمس بنصف ساعة و بعد أن مخرنا عباب النهر ثلاث ساعات وصلنا إلى موضع يقع على ضفة النهر اليمنى حيث رأينا برجين و ثلاثة بيوت. و رأينا على مسافة قصيرة منها

____________

(1) على الفرات قرب عانات و الحديثة (معجم البلدان 1: 352).

65

مسجدا قال مرافقونا عنه انه مثوى واحد من أعظم أوليائهم‏ (1). و لهذا ما أن اقتربنا من المسجد حتى هب المسلمون الذين كانوا في المركب فرفعوا أصواتهم بالدعاء و لم يتوقفوا إلى أن غاب المسجد عن أنظارهم.

ثم خلفنا وراءنا مواضع عديدة حيث يستخرج الرخام، و غابات نخيل، و عددا من النواعير و البيوت و الجزر، و مررنا من جديد بمنحدرات قوية و خطيرة حتى وصلنا إلى مدينة تسمى «جبة» (2)Giuba و تقع في الساحل الأيسر من النهر، و تحيط بها المياه من كل جانب. و هي محصنة بقلعتين في كل جهة منها. بيوتها جميلة مشيدة على الطريقة العربية، و حقولها خصبة، و ثمارها و افرة.

هنا يدفعون للأمين شاهيين عن كل مركب، و ست قطع صابون فضلا عن صحن الزبيب.

لم نتوقف في تلك البلدة خوفا من تدخل السكان بطريقة من الطرق: أ كانت بالحيلة أو الدسيسة لإنتزاع شي‏ء من سلعنا. فما كدنا نؤدي المكس حتى أكملنا السفر و نحن نمتع الأنظار بالحقول العامرة ببساتين البرتقال و النخيل.

____________

(1) من المحتمل أن يكون هذا المكان هو مقام الإمام الخضر في جزيرة الخزنة. قاله الأستاذ فرحان.

(2) معجم البلدان 2: 13؛ موزيل و جيسني المرشد إلى موطن الآثار و الحضارة 1: 18.

66

و ظهر إلى اليسار مسجد «شيخ جبة» الذي له في نفوس السكان مكانة عظيمة و إجلال كبير.

67

الفصل الرابع الطريق من جبه إلى الفلوجة (*)

لا أجد ضرورة للتوقف هنا لأذكر التجار الذين يأتون إلى هذه المدينة بأهمية و فائدة أطعام‏ (1) سنجق جبة و أمينة، لأنهما سيقتنعان بسهولة بالاراجيف التي يلفقها المسافرون- ضد الأجانب- فلا بأس من تقديم هدية طيبة خيرا من تحمل أتعاب بغنى عنها.

بعد أن أنطلقنا من هذه المدينة رأينا على جانب النهر الأيسر جزيرة مسورة مليئة بالأشجار المثمرة و الأحطاب المفيدة للإيقاد و الأشجار التي تصنع من أخشابها دواليب النواعير (2). و خلاصة القول أن تلك الأراضي كلها كانت مليئة بالتلال الصخرية و البيوت و النواعير. و بعد أن عبرنا

____________

(*) لم يضع المؤلف عنوانا لهذا الفصل.

(1) بمعنى تأدية الخاوة أو الرشوة للموظف، و التعبير للسائح نفسه لكنه لا يزال قيد الاستعمال في الوسط الشعبي.

(2) هي أشجار الغرب عادة.

68

منحدرا مائيّا و ذلك بعد مضي ساعتين من مغادرتنا «جبة» وجدنا مدينة «ناؤوسة» (1) و هي جزيرة واقعة على ضفة النهر اليمنى. و هناك جبل يقوم عليه مسجد قديم متهدم.

كانت هذه البقعة كسابقاتها عامرة بالبيوت و البساتين و الأحراش و النواعير، و تجد حولها جبالا جرداء ذات لون أبيض. إضافة إلى غابات النخيل الكثيفة و مختلف الدور التي يقال لها «خرائب»Caraib و صفرةSofera . فلما أوشك النهار على المغيب اتينا نطلب الراحة في موضع يسمى «جارجولا»Giaregiuola و لم نجد فيه بشرا. و في ذلك النهار مررنا بثمانية و أربعين مضيقا أو منحدر مياه في النهر!

صباح اليوم الثامن عشر من الشهر غادرت سفينتنا ذلك الموضع تتبعها المراكب المرافقة لنا، فوجدنا أثناء السفر في تلك الأرياف التي كنا نمر بها غابات نخيل و نواعير و جزرات مليئة بأخشاب الوقود و قرى عديدة، منها: زيريزةZiriza و بسطامية (2)Bostamia و بزينةBisina و الجزيرةJizira و غيرها لن أذكرها حبّا بالاختصار.

____________

(1) محطة قديمة على الطريق من بغداد إلى الرقة ذكرها البلدانيون.

(2) موزيل 48.

69

هيت‏

أخيرا وصلنا عند منتصف النهار إلى مدينة تدعى «هيت» (1) و هي تقع على شاطئ النهر الأيمن، و يكثر فيها اللصوص و القتلة الذين يقال لهم «جزريون» و لهم قلعة قريبة من المدينة المذكورة.

أدينا في ذلك المكان ضريبة كانت بمقدار ما دفعنا في «عنة». و يجبي المكس هنا أمين من أتباع باشا بغداد، رغم أن المدينة خاضعة لزعيم العرب المعروف بأسم «أبو ريشة». و لكي لا يخدعنا الأمين جامع الرسوم بحيله، سبقناه فأجلسناه على بساط و قدمنا له صحن زبيب و جوزا، و هذه الملاطفة لا تعد إهانة بل بالعكس فقد قابلنا لطفا بلطف أحسن من أي مكان آخر. و لهذا قدمنا لسنجق المكان نفسه و إلى كّتابه صحن زبيب و خمس قطع صابون صغيرة لكل واحد منهم.

____________

(1) معجم البلدان: 4: 997 موزيل: 49.

70

بارحنا ذلك المكان نحو الساعة 21 و مخرنا عباب النهر الجاري في سهل منبسط، و هنا أيضا رأينا جبلا يقوم على قمته مسجد جميل جدّا. و هكذا سرنا نمتع الأبصار بتلك التلال و الحقول و رأينا أحراش حطب، و أشجار نخيل؛ و مررنا قرب النواعير و الأكواخ، و مختلف البيوت المشيدة على ضفتي النهر. حتى جاء المساء فمضينا لنحل في موضع على ضفة النهر اليمنى و كان المكان أشبه ما يكون بالجزيرة.

قير هيت‏

في الساعة الواحدة ليلا وصلت إلينا في الموضع الذي نزلنا فيه إحدى سفننا التي أبطأت في السير و بقيت وراءنا بإنتظار بعض التجار الأتراك الذين ذهبوا إلى موضع قريب من هيت لمشاهدة المحل الذي يتدفق منه القير و هو أشبه ما يكون ببحيرة يفور منها القير باستمرار، و مع هذا لم يكن حارّا.

إن سكان تلك النواحي يشيدون بيوتهم من أغصان الأشجار ثم يطلونها بطبقة سميكة من القير حتى يمكن القول بأنهم يقيمون جدرانا مقيرة. و بهذه الطريقة نفسها يصنعون السفن من سعف النخيل ثم يضعون كمية كبيرة من القير فتؤدي الغاية المتوخاة كما لو كانت مصنوعة من الواح الخشب كما نفعل نحن.

71

بإمكانهم استخراج كميات من القير كما يشاؤون دون دفع أي مبلغ، لأن هذه المادة تتدفق بكميات هائلة بحيث أنهم لا يعرفون ما يصنعون بها.

و أعلم إنه أثناء فوران بحيرة القير ترتفع موجات منه فتجري خارج نطاق البحيرة و تغطي الحقول المجاورة لها.

كما تخرج من البحيرة نفسها جداول ماء عذب يصلح للشرب فيفيد البلد.

و يؤكد أولئك السكان أن نهر الفرات عندما يفيض و يتعدى مجراه يجرف كميات عظيمة من القير الموجود في تلك البراري، و لو لا ذلك الفيضان لتراكمت كميات هائلة منه و لأصبحت أقرب إلى الجبال الكبيرة.

في صباح اليوم التالي و هو التاسع عشر من الشهر، بارحنا تلك الجزيرة قبل شروق الشمس. و بعد ساعة من الجريان في النهر رأينا جبل رخام على شاطئ النهر الأيمن.

و في ذلك المكان التقينا بقارب من مدينة الفلوجة قاصدا هيتا. إن القارب يستطيع الذهاب إلى هيت لكنه لا يستطيع التقدم أبعد منها بسبب منحدرات المياه التي تحول دون مروره.

أسعار القوارب‏

ما دمنا نتكلم على القوارب فينبغي أن تعلم أن من‏

72

يشتري القوارب في بيره جك قاصدا بغداد، عليه أن يبيعها في هيت أو في الفلوجة. إذ يجب ترك السفن في إحدى هاتين المدينتين، لأن السفن لا تستطيع العودة في النهر بسبب سرعة جريانه خاصة في المنحدرات التي ذكرناها فهي تعوق تقدمها.

أما أسعار السفن فحدث عنها و لا حرج: فأنت تشتري المركب في بيره جك بخمس و عشرين دوكاة (دوقية) و تبيعه في الفلوجة أو في هيت بأربع دوكاة أو خمس لا غير!

73

تكملة الرحلة

إنطلقنا من هناك لنكمل رحلتنا فلم نجد في تلك البراري المقفرة الجرداء سوى بعض الأحراش هنا و هناك و لا شي‏ء آخر. و شاهدنا بعض الجبال، و من جملة تلك الجبال رأينا جبلا عاليا يدعى «مالبين»Maleben يقوم عليه مسجدان. و رأينا في النهر جزرا عديدة، كانت إحداها كبيرة نسبيّا لأنها قسمت النهر إلى فرعين و تسمى «الخليجي»Elchaligi و ليس فيها سوى الأشجار البرية.

ثم رأينا بالقرب من ذلك الموضع تلا ينتصب فوقه برج قديم عظيم البنيان، لكنه متهدم. هناك توقفنا نحو ثلاث ساعات، لأن ريحا شرقية عاتية هبت علينا في ذلك الوقت فحالت دون تقدمنا.

بعد أن هدأت الريح، و أصبحت الملاحة ممكنة في النهر، إنطلقنا حالا، فرأينا بعض القصور القديمة المتدمة، لكنها لا تزال محافظة على الشكل و الطراز، و يظهر أنها

74

كانت مسكن أشخاص على شي‏ء من الأهمية. و تسمى «أوسي»Auosi .

كان السهل مليئا بالأشجار البرية، و تعيش هناك حيوانات وحشية كثيرة كالوعول و الخنازير البرية و الدببة و ما شاكلها.

و لما كانت غحدى سفننا قد سبقتنا لتعد مكانا نستريح فيه تلك الليلة، لذلك اجتهدنا لنلحق بها. لكن الحظ عاكسنا إذ أرتطم مركبنا باليابسة. و كان الظلام قد لف الأرض فإضطررنا إلى قضاء تلك الليلة في ذلك المكان الموحش و الخطر، خوفا من اللصوص الذين يخرجون في أفواج مكونة من مئة إلى مئتي شخص لنهب السفن. و مما زاد في الطين بلة أن إحدى سفننا التي كانت تسير في أثرنا ارتطمت هي أيضا بالرمال فلزمنا أن نقضي الليلة هناك، و البنادق بأيدينا و نحن على أهبة الإستعداد لإستعمالها!

رحلنا في الصباح بعد جهد جهيد إذ غادرنا ذلك الموضع لنكمل سفرنا، و بعد شروق الشمس بساعتين و نصف وصلنا إلى أكواخ مشيدة بأغصان الشجر و مطلية من الخارج بالطين و يطلق على ذلك الموضع أسم «قره قول» (1)Caraguol و يتكلم أولئك الناس ثلاث لغات، و هي: العربية التركية و العجمية أي الفارسية.

____________

(1) لعله يشير إلى سكني القراغول، أنظر: أعالي الفرات: ص 278.

75

الكرود

يسقي هؤلاء الناس حقولهم بطريقة مختلفة عما يفعل الآخرون. فهم يسحبون الماء من النهر بقرب مصنوعة من جلود الماعز أو جلود الحيوانات الأخرى المتوفرة عندهم، مع العلم أنهم يمتلكون حيوانات كثيرة (و جدير بالذكر وجود أسود في ديارهم‏ (1) تزعج الفلاحين كثيرا فيضطرون على حمل السلاح دائما). و يسحبون القرب إلى الأعلى بواسطة بكرة تدور بقوة الثيران، فعندما تنزل القرب نحو الماء تسير الثيران المربوطة بحبال إلى نقطة معينة حتى ترتفع القربة إلى البكرة حيث توجد ساقية فينسكب الماء فيها، و حينئذ يوجهون الماء إلى حيث يحتاجون‏ (2).

بعد أن بارحنا ذلك المكان شاهدنا على الجانب الأيسر بيوتا عديدة متجاورة على شاكلة المدينة، و تسمى «قصور» (3)Cozzur و موقعها بالحقيقة جميل جدّا، و أرضها

____________

(1) تدل الآثار القديمة على وجود الأسود في العراق كما في آثار نينوى أو بابل و غيرها، و بقيت إلى القرن الماضي أي التاسع عشر، أنظر كوك:

بغداد مدينة السلام 1: 53 أحمد سوسة: فيضانات بغداد ص 294.

(2) كاظم سعد الدين: الكرود، مجلة التراث الشعبي 10 (1979) العدد 11 ص 89 و ما بعدها.

(3) يشير الوصف إلى موقع الرمادي التي وسعها مدحت باشا في القرن التاسع عشر، أنظر: لونكريك: أربعة قرون، ص 360.

76

خصبة لأنها غنية بالمياه التي ترويها بتلك الطريقة الغنية التي نوهنا بها.

بعد مسافة قليلة من ذلك المكان، نشاهد على الضفة اليمنى من النهر مسجدا مع منارة (1) و يسمى «مزيات» (2)Misiat و يقال أن البادية تبدأ من هناك.

في ذلك المساء ذهبنا فقضينا ليلتنا في نهاية أراضي مقاطعة- قره قولي، و هي واسعة جدّا لأننا صرفنا نهارا كاملا في قطعها و نحن نمخر النهر.

إن سكان منطقة القره قول ليسوا أتراكا و لا عربا و لا فرسا، و هم في نظر الآخرين أنا لا يتبعون شريعة قويمة، كما ننظر نحن‏ (3) إلى الهراطقة و الوثريين‏ (4).

____________

(1) لم يقل منارة بل قال برج ناقوس لأنه يجهل الأولى و ما كتبنا أصح.

(2) لعله المشهد كما عند موزيل.

(3) قوله «نحن» يشير إلى الإيطاليين الكاثوليك.

(4) الهرطوقي (ج: هراطقة) يونانية تعني المنشق عن تعاليم الكنيسة و اللوثريون هم اتباع مارتن لوثر (1483- 1546) الألماني، صاحب اجتهاد ديني خاص و زعيم ما يسمى بالإصلاح الديني، و كانت حركته على أشدها في ذلك العهد.

77

الفلوجة

في الحادي و العشرين من الشهر نفسه إنطلقنا منذ الصباح الباكر من ذلك المكان، و عند شروق الشمس رأينا جدولا (1) يصب في الفرات و منشؤه في بغداد، و هو صالح للملاحة و لكن بقوارب صغيرة.

و بعد مسافة قليلة من ذلك الموقع وجدنا أحراشا كثيفة يحتطب الناس منها و قودا لأهالي بغداد.

و بعد منتصف النهار شاهدنا «الفلوجة» (2)، و قبل أن نصل إليها مرننا بغابات النخيل الكثيفة. و ها قد وصلنا بسلام و أمان بعون اللّه تعالى إلى الفلوجة و ذلك في الساعة الحادية و العشرين.

____________

(1) إنه نهر عيسى الذي- على حد علمنا- ياخذ من الفرات و يصب في دجلة.

(2) معجم البلدان 3: 915.

78

لقد تركنا الفرات الذي تكثر فيه طيور الكركي و بنات الماء (1) و البلشون و النورس و البلقشة و غيرها (2).

يقول العرب- ممن كانوا بصحبتنا- أن فرعا من الفرات يصب في نهر دجلة قرب البصرة، و الفرع الآخر يصب في الخليج لنحدر من ثم إلى هرمز (3) من جملة الأسماك و يسمى «سمك فراتي» إنه لذيذ جدّا، و أصلح الأنواع قاطبة. و يصطادون منه كميات كبيرة على ضفتي النهر، فيعتاش منه كلهم: الملاحون و الفلاحون على السواء، و كذلك الناس الذين يقال لهم «كرجي» (4) و هم مسلمون أيضا، منهم عرب يعيشون على السلب، و منهم تركمان و هؤلاء لا يسرقون لكنهم يعادون العرب الغزاة.

و هكذا وصلنا إلى الفلوجة. و عندها نفحنا الرجل الذي دق وتدا في الأرض و ربط سفننا به أكرامية قدرها أربع شاهيات و ثلاث قطع منفئة المؤيدي.

____________

(1) و يقال له البيوضي و هو نوع من مالك الحزين شديد البياض له جمة مرغوب بها (معجم الحيوان لأمين معلوف، ص 96).

(2) المرجع نفسه.

(3) من المحتمل أن يكون هذا كري سعدة فقد كان فرعا من الفرات يخرج من جنوب هيت و يشق البادية إلى الأخيضر ثم إلى الحيرة ثم مدينة الزبير الحالية و يصب في خور الزبير مباشرة. و هو مندرس حاليّا (قاله الأستاذ فرحان أحمد مشكورا).

(4) هل يشير يا ترى إلى الأكراد كما تقترح السيدة بينتو؟ لا أظن ذلك لأنه يقول: «منهم عرب ... و منهم تركمان».

79

الفصل الخامس وصف الفلوجة حيث نزلنا للإنطلاق منها إلى بغداد و تكملة الرحلة

تبعد الفلوجة عن بغداد مسيرة يوم و نصف، و هي نقطة مرور يفد إليها عدد كبير من التجار الغرباء في طريقهم ذهابا أو إيابا بين حلب و بغداد، لأنهم ينزلون الأحمال و البضائع في هذه البلدة، و يوسقونها على القوافل أو بالعكس.

الكلك‏

يصنع أهل هذه المدينة أنواعا من القوارب أو الأطراف تحملها عشرة زقاق أو قرب، أو أثنا عشر منفرخة بالهواء و مربوطة إلى بعضها. ثم يطرحون فوقها الواح خشب و تحمل كمية كبيرة من البضائع.

لم نفرغ البضائع مساء وصولنا، بل أبقيناها في المراكب حتى انقضى اليوم التالي بأكمله. و في الليل وصل ثلاثة و عشرون جملا أتينا بها سرّا للحميل، و أرسلت رجلين من جماعتي برفقة الجمال المحملة، أما أنا فبقيت في‏

80

المركب إلى أن أعادوا الجمال إلي. لقد عملنا بسرية تامة لئلا يشعر الرئيس المحلي بوجودنا لأنه كان هناك لينفذ أوامر سيده جامعا الأموال لإرضائه‏ (1).

إنصرفنا من هناك خفية في الليل بعد أن اتفقنا مع رئيس القافلة على أن نؤدي له سبع شاهيات عن كل جمل.

بينما في أوقات أخرى عندما تكون الجمال كثيرة لا يحتاجها السيد عندئذ تهبط الأسعار فلا يدفع عن الجمل الواحد أكثر من ثلاثين مؤيديّا.

____________

(1) لعله يشير إلى ممثل أبي ريشة دون أن يذكر اسمه.

81

على مشارف بغداد

سرنا و قبلتنا بغداد، و قد تركت أحد رفاق السفر في الفلوجة لحراسة البضائع المتبقية ريثما ترسل إليه الجمال فيفعل كما فعلنا من قبل. و لما كنت في مؤخرة القافلة لإنهاء عملية التحميل و من أجل الحراسة، إضطررت إلى تقديم بعض المال و الألطاف إلى إنكشاري، و إلى جاويش، ثم إلى أمين البلدة. و هكذا سافرنا من تلك البلدة ضمن قافلة عظيمة.

عند بزوغ شمس الرابع و العشرين من شباط (1). كنا نعبر جسرا قائما على فرع من فروع الفرات، و ينشأ هذا الفرع عن أزدياد مياه الفرات و يصب في دجلة قرب بغداد (2). و في منتصف النهار اقتربنا من خرائب مدينة

____________

(1) أخطأ المؤلف فكتب في النص: كانون الثاني.

(2) جدول الصقلاوية.

82

متهدمة يقال لها «السندية» (1)Sendia و بعد نصف ساعة وجدنا في الجهة اليسرى بداية المدينة العظيمة بابل القديمة (2) و تسمى اليوم «فخرية»،Facheria و استمر بنا السير حتى حل المساء، فأتينا إلى موضع يدعى «ناريسا» (3)Nareisa و يقع في منتصف الطريق الذي يجب قطعه بين الفلوجة و بغداد، و هو مكان خطر جدّا لكثرة ما فيه من لصوص و أسود!

____________

(1) ذكرها ياقوت: قرية من قرى بغداد على نهر عيسى بين بغداد و الأنبار (معجم البلدان 3: 168).

(2) ليست بابل، و لكن بعض الآثار التي ترجع إلى العصر البابلي.

(3) كأنه يريد أن يقول نهر عيسى.

83

آثار عقرقوف‏

في اليوم الخامس و العشرين من الشهر، قبل شروق الشمس، عاودنا السير و آثار بابل القديمة لا تزال منظورة دوما عن جانبنا الأيسر و استمر المنظر حتى غابت عن أبصارنا.

فلما بزغت الشمس أبصارنا كتلا عظيمة لأسوار متهدمة، ثم شاهدنا كتلة من برج بابل الهائل في موضع يسمى «عقرقوف نمرود» (1).

و إذ أقتربنا من مكان اسمه «مسكدون» (2)Mascadon بدأنا نشاهد مساجد بغداد الحديثة (3). و كنا قبل ذلك قد مشينا أكثر من نهار كامل قرب موقع بغداد القديمة على‏

____________

(1) للدقة قال في النص «كركوفتاتي نمرو» و أضاف انه برج بابل أعتمادا على ما ورد في التوراة (سفر التكوين 10: 9).

(2) لعله يريد الإمام موسى الكاظم أو مشهد الكاظم.

(3) في النص بابل الجديدة أو الحديثة و هي بغداد.

84

جانب واحد، و هي تنتهي في موضع يقال له «دور القز» (1)Durelcus و يظهر انه كان هناك هيكل عظيم جدّا- و أقول هذا- بسبب القبة التي تشاهد هناك و هي عالية جدّا.

و لا ريب أننا عند مشاهدتنا مدينة بغداد القديمة و كيف أصبحت خرابا نرى في ذلك أصبع اللّه‏ (2).

تظهر الأراضي الواقعة بين الفلوجة و بغداد للناظرين من بعيد جيدة و خصبة، أما في الواقع فلم نشاهد شجرة واحدة أو نباتا أخضر. لقد كانت مقفرة عقيما و خرابا في خراب لا بيت فيها و لا قلاع. الشي‏ء الوحيد الذي لا حظناه هناك أن تلك الأراضي تنتج أجود أنواع الفطر (3). التي بإمكان إنسان أن يتذوقها، و هي بكميات كبيرة، و لجودتها يستطيع الإنسان تناولها نيئة كما يفعل هؤلاء الناس.

____________

(1) أشار ياقوت في كلامه على دار القز أنها: «محلة كبيرة ببغداد، في طرف الصحراء، بين البلد و بينها اليوم نحو فرسخ، و كل ما حولها قد خرب، و لم يبق إلا أربع محال متصلة: دار القز، و العتابيين، و النصرية، و شهار سوك، و الباقي تلول قائمة، و فيها يعمل اليوم الكاغد معجم البلدان 2:

522 و كرر ذلك ابن عبد الحق (ت 739 ه/ 1338 م) في مراصد الإطلاع: ص 507 (مادة: دار القز).

(2) صاحبنا متشبع بأفكار الكتاب المقدس بعهديه، و هنا يذكر ما جاء في نبوة اشعيا 14: 1- 23 و كذلك نبوءات: أرميا 39: 1- 18 و دانيال 1- 6 و أخيرا سفر الرؤيا 18- 10.

(3) إنه يشير إلى الكمأة التي تظهر في الربيع.

85

بعد مسافة قليلة من آثار المدينة القديمة، تشاهد الأطلال الشاخصة لقلعة تسمى «قلعة جاموس» و بالقرب منها خمسة مساجد، ثلاثة في هذه الجهة من الطريق التي نسلكها، و أثنان من الجهة الأخرى.

بعد منتصف النهار بساعة وصلنا إلى «دار الرقيق» (1)Rwchiche و يقع هذا الموضع على نهر دجلة مقابل بغداد الجديدة (2). و من أجل الذهاب من دار الرقيق إلى بغداد لا بد من عبور النهر على جسر من الخشب المثبت فوق سبعة و ثلاثين قاربا (جسارية) مصنوعا على شاكلة قواربنا التي نسميها بوركيللي أي العوامات التي تنقل الطين.

و قوارب الجسر هذه مربوطة إلى بعضها.

إتخذنا لنا منزلا في- منطقة- دار الرقيق ريثما ننجز معاملة إخراج بضائعنا من الكمرك.

و من أجل إختصار الأمور التي رويناها حتى الآن، ينبغي أن تعرف- أيها القارئ- أن الرحلة من حلب إلى بيره‏

____________

(1) كتبها الرحالة «ركيكة» و أظنه يشير إلى دار الرقيق و هي محلة كانت ببغداد متصلة بالحريم الطاهري من الجانب الغربي (معجم البلدان: 2:

519).

(2) يتكرر في الرحلة أسم بغداد الجديدة للإشارة إلى بغداد المعاصرة للمؤلف و لا علاقة لهذه التسمية بالحي الحديث المعروف بهذا الأسم أو كما يسمى اليوم «حي الخليج».

86

جك استغرقت مدة ثلاثة أيام، و كانت في الطريق البري ضمن قافلة حتى وصلنا الفرات. و من بيره جك إلى بغداد أمضينا تسعة و أربعين يوما متواصلا، و يرجع سبب هذا التأخر إلى أن الفصل كان شتاء فالحق يقال أن هذه السفرة كانت تتم بوقت أقصر لو جرت في غير هذا الفصل من السنة.

انفقنا في الطريق من مدينة حلب إلى بغداد سواء للرسوم أو للهدايا أو الرشوات ما هو مدون أدناه بإختصار، ما عد مصروفنا الخاص للمعيشة.

87

المصاريف من حلب إلى بغداد

للجمال من حلب إلى بيره جك: 60 مؤيدي عن الحمل الواحد، مع العلم أن المؤيدي القرش‏ (1) الذي يساوي أربعة فلوس من نقدنا (2).

أحمال البغال 45 مؤيدي للحمل الواحد

مصاريف المكس في بيره جك 10 مؤيدي للحمل الواحد

منحة للأمين 400 مؤيدي‏

اتاوة إنتزعها القاضي 200 مؤيدي‏

ثمن أربعة صحون زبيب‏

و عشرين قطعة صابون 35 مؤيدي‏

____________

(1) يشير المؤلف إلى عملة كانت متداولة في البندقية أسمهاGROSSETTO سكها الدوق بارباريكو (1486. 1511) و منها جاء القرش.

(2) إنها عملة تساوي الفلس أسمهاSoldo و هي من الفضة، و على قول السيدة بينتو كانت تزن في القرن السادس عشر 440، 0 غم.

88

للقوارب عدد 30 على 35 بستين دوكاه 2400 مؤيدي‏

لاطعام الرجال 200 مؤيدي‏

للمكس في الرقة 5 مؤيدي عن الحمل‏

ثمن 3 صحون زبيب‏

و صابون عدد 25 25 مؤيدي‏

حقوق الملك أبو ريشة

20 دوكاه 800 مؤيدي‏

للمكس في الدير 5 دوكاه 230 مؤيدي‏

ثمن 4 صحون زبيب و صابون‏

عدد 20 35 مؤيدي‏

للمكس في عشارة 10 مؤيدي‏

ثمن صحني زبيب و صابون‏

عدد 10 17 مؤيدي‏

للمكس في عنه 10 عن كل حمل‏

ثمن 4 صحون زبيب و صابون عدد 20 35 مؤيدي‏

للمكس في حديثة 10 عن كل قارب‏

ثمن صحني زبيب و صابون عدد 10 17 مؤيدي‏

89

للمكس في هيت 10 عن كل حمل ثمن 4

صحون زبيب و صابون‏

عدد 20 35 مؤيدي‏

ثمن الهدايا في الفلوجة 30 مؤيدي‏

أجرة الجمال من الفلوجة إلى بغداد 30 للحمل الواحد

هذه هي النفقات التي تصرف عادة من حلب إلى بغداد، دون أن تدخل ضمنها مصاريف الطعام الخاص بنا شخصيّا. و أعتقد في ما ذكرت الكفاية لهذا القسم من الرحلة و لنأت الآن نتحدث عن مدينة بغداد.

90

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

91

الفصل السادس وصف بغداد و السفر إلى البصرة

بغداد الحديثة التي يسميها الأتراك «بجياديت» (1)Bagiadet لها من بعيد منظر خلاب رائع الجمال شبيه بمنظر دمشق، لأن القادم من السفر يراها من بعيد للوهلة الأولى و هي راقدة بين أحضان البساتين الخلابة و الجنائن الغناء، تحيط بها الأشجار المثمرة. و ما يزيد من بهاء منظرها قباب المساجد المزخرفة باللون اللازوردي!

إنها مدينة كثيفة السكان بالرغم من أنها ليست كبيرة جدّا. و تجري فيها الأعمال التجارية بكثرة لبضائع الأجانب، لأنها ممر مهم إلى بلاد العرب، و إلى تركية،

____________

(1) لا أعلم من أين أتى المؤلف بهذا الأسم، كما أورد غيره من الرحالين الفاظا أخرى لعاصمتنا، فقالوا: بكدات و بكديت و بلداك و بلداكو و غيرها فضلا عن تسميتهم لها في معظم الأوقات «بابل» إلى أن جاء الرحالة الإيطالي ديللافالية في مطلع القرن السابع عشر فميز بوضوح بين بابل التاريخية و بغداد العربية، أنظر الهامش (2).

92

و إلى بلاد فارس، و إلى سائر الأقطار. و مما يؤيد كلامي كثرة القوافل التي تمر بها يوميّا، إذ تدخل إليها و تنطلق منها في مختلف الإتجاهات.

تزودها أرمينية بأنواع السلع التي تنقل إليها على نهر دجلة، فتصل حتى أسوار المدينة فوق أطواف (أكلاك) مصنوعة من الواح خشب مربوطة إلى بعضها فوق زقاق جلود الماعز بعد أن تنفخ بالهواء و تربط معا إلى بعضها.

فمتى وصلت هذه الأطراف إلى بغداد، تنزل البضائع منها و بعدئذ تفك الألواح و تباع في السوق المحلي. أما الزقاق فتفرغ من الهواء و تحمل على الجمال لتعاد إلى مصادرها الأصلي.

تقع هذه المدينة ضمن الحكم الفارسي‏ (1). لكنها منذ زمن و إلى الآن تخضع للحكم التركي‏ (2) و للمدينة قسم مقابل في الجانب الآخر من النهر، أي الجهة التي تواجه‏

____________

(1) إن معظم الرحالين الأجانب قسموا العراق على أن الأراضي غرب الفرات هي البادية و شرق الفرات دعوها بين النهرين، أما شرق دجلة فأرض فارس، و الجنوب الأرض العربية. و إنطلاقا من هذا التقسيم الغريب الذي يشير إلى جهل المؤلف و أمثاله، قال بالبي ما قال أعلاه.

أو لعله يشير إلى إستيلاء الفرس على بغداد في غفلة من الزمن فعاثوا في عاصمتنا فسادا.

(2) استعاد العثمانيون بغداد سنة 1534 م، جمادى الآخرة 941 ه.

93

بلاد العرب‏ (1). فهناك حصن أو محلة تدعى «دار الرقيق» و هي عامرة بالدور و الفنادق‏ (2) و المخازن حيث يحل القسم الأعظم من التجار الأجانب الذين يأتون إلى المدينة.

و عند ما يريدون مغادرة ذلك الحي للدخول إلى المدينة في الفصل الذي تزيد فيه مياه النهر بسبب كثرة الأمطار، عندئذ يضطرون إلى قطع الجسر في وسطه و يسحبون قسما منه أمام سور المدينة، أما القسم الآخر فيترك عند شاطئ ذلك الحي. و في هذه الحالة يعبرون النهر بالقوارب بخطر كبير جدّا، لأنها قوارب صغيرة تنقلب في كثير من الأحيان فيبتلعها النهر الهادر، و تسبب الموت لاناس عديدين‏ (3).

قلعة بغداد

في الجهة اليسرى من المدينة توجد قلعة على شاطئ النهر لحماية المدينة، و فيها عدد كبير من المدافع من النوع المسمى «الصقر» (4). و في القلعة جنود. و هناك قلعة أخرى‏

____________

(1) يشير على الكرخ.

(2) استعمل الكلمة بلفظها العربي، أما المخازن فتشير أيضا إلى الدكاكين أي الحوانيت، أو الخانات.

(3) لقد نقل صاحبنا وصف بغداد من رحلة فيدريجي. أنظر مجلة المرد 18 (1989) العدد الرابع، ص 165- 166.

(4) قالت بينتو أن هذا النوع من المدافع انتشر استعماله في القرن الخامس عشر.

94

داخل المدينة نفسها (1) و هي حديثة البناء، جميلة جدّا، تقوم في وسط ميدان منبسط، و تمتد أمامها ساحة فسيحة جدّا.

يقيم في القلعة الباشا، أي حاكم المدينة (2)، و له فيها عساكر كثيرة من السباهية (3) و الانكشارية (4) و غيرهم.

و في المدينة عدد كبير من الحمامات مطلية من الداخل بالقير عوض الجص، و يبلغ عددها نحو ستين حماما.

نشاهد في المدينة آثارا كثيرة يعتقد أنها منقولة من بابل القديمة، رغم أن كل ما يشاهد فيها هو قديم ما عدا القلعة التي ذكرتها التي يسكن فيها الباشا.

و هذا يكفي عن مدينة بغداد.

____________

(1) هي القلعة الداخلية التي كانت تسمى بالتركية «ايج قلعة» شيدت في أواخر حكم القره قوينلية في الموقع الذي تقوم عليه اليوم وزارة الدفاع على دجلة.

(2) و هو آنذاك الوالي علي باشا الوند (1574- 1586 م).

(3) و هم الجنود الخيالة النظامية (فارسية).

(4) سبق شرح ذلك في الهامش 18.

95

الفصل السابع وصف برج نمرود القريب من بغداد

يبعد برج نمرود عن بغداد اكثر من ثمانية أميال و يقع في هذه الجهة من نهر دجلة. و هو في سهل فسيح يمتد نحو بلاد العرب. و قد أصابه الخراب كليّا فأصبح ركاما أشبه ما يكون بجبل. رغم ذلك لا تزال كتلة كبيرة منه قائمة لكن الأنقاض غطتها تقريبا.

شيد هذا البرج بحجارة (1) مجففة بحرارة الشمس، و بطبقات من القصب التي لا تزال قوية جدّا إلى اليوم.

و يبلغ محيط البرج نحو ميل واحد.

يترك هذا البرج إنطباعا يختلف عن سائر الأبنية فتلك بقدر ما يقترب المرء منها بقدر ذلك تظهر اكبر حجما. بينما هذا البرج يظهر عظيم الشأن من بعيد و عند الإقتراب منه يصغر تدريجيّا. و سبب ذلك انه لا يوجد حواليه أي شي‏ء

____________

(1) هكذا في النص و الأصح باللبن أو الاجر.

96

كبير أو مرتفع ما عدا حجارة انقاضه. ثم لأنه يقع في سهل واسع الأرجاء (1).

و الآن بعد أن تكلمت عن المدينة و عن برج بابل، أرى من المناسب أن أقول شيئا عن الموازين و المقاييس المستعملة في بغداد. ثم أتكلم عن النقود المتداولة فيها حاليّا، و أنوه أخيرا بالرسوم التي تستوفي عن كل نوع من البضائع.

____________

(1) نقل المؤلف هذا الوصف عن رحلة فيدريجي في المرجع المذكور في الهامش 142، ص 166.

97

الفصل الثامن الموازين و النقود و المقاييس في بغداد

الموازين‏

المن البغدادي يساوي في حساب حلب رطلا و خمس أوقيات و نصف، و ان 68 منا و ثلاثة اسباع المن تعادل قنطارا حلبيّا أي 100 رطل، و تساوي في حساب البندقية 720 ليبرة بندقية صغيرة (1).

القنطار البغدادي و قوامه مئة رطل يعادل أربعة عشر رطلا حلبيّا و سبع الرطل. و هذه تساوي 1052 ليبرة زائدا أوقيتين صغيرتين بحساب البندقية. هذا هو القنطار!

و لكن من الضروري أن تعلم أن التجار عندما يتحدثون في أمور التجارة فإنهم يتعاملون بالمن و ينقصون من أوزان‏

____________

(1) الليبرة الصغيرة أو الضعيفة في حساب البندقية كانت تساوي 301، 0 كغم، أما الليبرة الكبيرة أو السمينة فتساوي 477، 0 كغم (قالته السيدة بينتو).

98

السلع حسب نوعيتها على طريقة حلب، فلكل شي‏ء حدوده الخاصة (1).

المقاييس‏

أما مقاييس المدينة المذكورة فهي عادة الذراع. و هنا أيضا يختلف مفهوم القياس بين حلب و بغداد، فالذراع البغدادي يقل عن ذراع حلب بنسبة 18 بالمئة. أي أننا لو أخذنا مئة ذارع في بغداد فهي ستحسب هناك 82 ذراعا حلبيّا.

النقود

أما نقود مدينة بغداد، فالمتداولة فيها هي: الشاهي و تساوي خمسة مؤيديات. مع العلم أن هذه الفئة الأخيرة تسك محليّا على حساب أن الدوكاه تساوي أربعين مؤيديا.

السلطانية (2) و البندقية الذهبية الواحدة تساوي 47 مؤيديا.

البياسترا (3) الواحدة تعادل 33 مؤيديا.

النقد البندقي و الريال الاسباني تباع بالوزن، كذا سعر

____________

(1) شرح السائح غير واضح لقارئ اليوم لكني نقلته بحذافيره.

(2) نقد عثماني يساوي الدوقة أو الدوكاة البندقية.

(3) نقد عثماني عرف بأسم القرش أيضا و اختلفت قيمته على مر الزمن.

99

عن كل مئة درهم‏ (1) إذ ليس لها سعر ثابت و معروف‏ (2) و عند ما يتكلم التجار في شؤون المال فإنهم يعنون أن كل مئة مثقال تعادل 150 درهما بوزن حلب.

أما في حساب دار السكة البغدادية فيأخذون النقود الأجنبية على حساب مئة الدرهم و يدفعون خمسة مؤيديات أقل من السعر الساري في البلد عن الوزن المذكور نفسه أي مئة درهم، و بعد أن يحول المبلغ إلى شاهيات يدفع على مدى أربعين يوما.

الرسوم‏

إن المكس في هذه المدينة يدفع على الطريقة الآتية، أكان عند الوصول إليها أو حين مغادرتها.

تستوفي 6 بالمئة عن كل أنواع البضائع.

أما عن المرجان و العنبر فبنسبة 5، 5 بالمئة.

الأقمشة الآتية: خام لندن، الأحمر صنع شنتو (3)،

____________

(1) الدرهم هنا لا يشير إلى النقد بل إلى الوزن.

(2) هذه الفقرة نشرها الباحث يعقوب سركيس في مقالته: نظرة في كتاب النقود و علم النميات، في مجلة المجمع العلمي العراقي 1 (1950) ص 292 و كذلك في كتابه مباحث عراقية 3: ص 17.

(3) بلدة صغيرة في إيطاليا اشتهرت منذ العصور الوسطى بتجارة الأقمشة (قالته بينتو).

100

الديباج، الأقمشة الوبرية، الأجواخ و الحرير، العتابية (1)، الأطلس و الدمشقي و المخمل و الحرير المقصب. كلها بنسبة 5 بالمئة لكنهم يحاولون دائما التقدير بسعر أعلى من ثمن البضائع الحقيقي.

كما تدفع للطواف‏ (2) و البواب و الكاتب ستة مؤيديات عن الرأس أو عن البالة أي الحزمة، و يكون الدفع نقدا.

و الأول بين هؤلاء أي الطواف هو الذي يعنى بفتح الحزم و شدها و نقلها أمام موظف الكمرك و النظر في محتوياتها.

أما الثاني و هو البواب فإنه يفتح باب الكمرك و يغلقه و يكنس المكان و يحافظ على نظافته.

كما يمنحون عادة أمين المال في سبيل المجاملة ثلاثين شاهيا، فإن امتنع أحدهم عن دفع هذه الدراهم،

____________

(1) النسبة إلى محلة في بغداد كان يصنع فيها ضرب من الثياب المخططة المتموجة و عرفت بهذا الأسم نسبة إلى عتاب بن اسيد الذي ينتهي نسبه إلى أمية بن عبد شمس ... و قد سكنت ذريته في هذا الحي و تسمت بأسمها و اشتهرت بصناعة المنسوجات.

لسترانج: بغداد في عهد الخلافة العباسية، ص 122- 123 صلاح حسين العبيدي: الملابس العربية الإسلامية في العصر العباسي، بغداد 1980، ص 54؛ مصطفى جواد و أحمد سوسة: دليل خارطة بغداد، ص 104.

(2) أستعمل الكلمة العربية في النص و سيشرحها بعد أسطر.

101

ستحدث له مفاجأة غير سارة عند إستعداد المركب للإقلاع إذ سيهبط عليه الأمين بحجة التفتيش عن العملات التي لا يجوز إخراجها من البلد، و بهذه الحجة يعمد إلى فتح الأحمال من جديد فيقلب عاليها سافلها و العياذ باللّه!

102

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

103

الفصل التاسع السفر من بغداد إلى البصرة

بعد أن أدينا ما علينا من رسوم، و قدمنا الهبات و الهدايا التي اعتادوا على تقديمها إلى مسؤولي بغداد، و بعد أن أمضينا في هذه المدينة بضعة أيام. أخيرا توكلنا على اللّه و قررنا السفر، فحملنا بضائعنا و أمتعتنا في اليوم الثالث عشر من شهر آذار سنة 1580 على متن سفينة مزدوجة (مدرعة!) لأن كل السفن التي تنحدر إلى البصرة هي من هذا النوع، أي أنها مبطنة من الداخل بطبقة سميكة مثبتة بمسامير ضخمة تمنحها قوة كبيرة جدّا، و في هذا المجال يجب أن تعرف أن أهل بغداد لافتقارهم إلى الخشب فإنهم يصنعون السفن من الواح المراكب القادمة من بيره جك، لأن هذه المراكب- كما أسلفنا- عندما تصل إلى الفلوجة تفكك أوصالها و تباع.

104

وصف المركب‏

يصنعون السفن هنا في بغداد بكواثل منخفضة على شاكلة السفن التي نسميها في البندقية «بياتي» أي المسطحة، لكن صدرها- أي مقدمتها- مرتفع على شاكلة سفننا المحلية التي نسميها «بوركي». و تصنع الدفة من أخشاب النخيل بعد ربطها إلى بعضها بحبال، و تبعد القطعة عن الأخرى أربع أصابع و نيفا ليمر الماء من الداخل و الخارج في كل الإتجاهات.

إن الرجال الذين يجذفون في السفن لا يجلسون على المقاعد في داخل المركب بل على تلك المقاعد المثبتة في الجوانب حيث يحركون المجاذف حتى أنهم عندما يعملون يكاد نصف أجسامهم تميل فوق الماء.

و بصنعون هنا نوعا ثانيا من المراكب يشبه تلك التي ندعوها «كريبي» (1) لها دعامة في صدرها، أما دفاتها فهي شبيهة بتلك التي ورد وصفها سابقا و تنشر أشرعة هذه المراكب على شكل مصلب‏ (2) كما نفعل نحن في قواربنا

____________

(1) مركب تجاري بسارية واحدة سريع الجريان يحمل عادة كميات كبيرة من البضائع (تعليق بينتو).

(2) أي أن تماس السارية بحاملة الشارع يكون على شكل صليب.