بغية الطلب في تاريخ حلب‏ - ج2

- ابن العديم عمر بن أحمد بن أبي جرادة المزيد...
429 /
645

النور الذي يظاهر لا هو تيته في ممدوحه، و قال:

أنا مبصر و أظن أنّي حالم‏ (1) و دار على الألسن، قالوا: قد تجلى لأبي الطيب ربّه، و بهذا وقع في السجن و الوثاق الذي ذكره في شعره أيا خدّد الله ورد الخدود (2).

و لم يذكر سبب لقبه على صدقه (29- و) و إنما وجّه له وجها ما، كما حكى عنه أبو الفتح عثمان بن جني أن سببه هو قوله:

أنا في أمة تداركها اللّه‏* * * غريب كصالح في ثمود (3)

و إنما هو أن الخيوط في رأسه كانت تديره و تزعجه، فتحين غيبة سيف الدولة في بعض غزواته، و قصد أعراب الشام، و استغوى مقدار ألف رجل منهم، و اتصل خبره بسيف الدولة فكرّ راجعا و عاجله فتفرق عنه أصحابه، و جى‏ء به أسيرا، فقال له: أنت النبي؟ قال: بل أنا المتنبي حتى تطعموني و تسقوني فإذا فعلتم ذلك فأنا أحمد بن الحسين، فأعجب بثبات جأشه و جرأته في جوابه، و حقن دمه و ألقاه في السجن بحمص إلى أن قرر عنده فضله فأطلقه و استخصه، و لما أكثروا ذكره بالتبني تلقب به كيلا يصير ذمّا، إذا احتشم أخفي عنه، و شتما لا يشافه به. و استمر الأمر على ما تولى التقلب به.

قلت: قول أبي الريحان: «إنه تحين غيبة سيف الدولة في بعض غزواته» الى آخر ما ذكره ليس بصحيح، فإن أهل الشام و غيرهم من الرواة لم ينقلوا أن‏

____________

(1)- ليس في ديوانه.

(2)- الشطر الثاني: و قد قدود الحسان القدود. ديوانه ط. 1969: 76.

(3)- ديوانه: 73.

646

المتنبي ظهر منه شي‏ء من ذلك في أيام سيف الدولة و مملكته بحلب و الشام، و لا أنه حبسه منذ اتصل به، و إنما كان ذلك في أيام لؤلؤ الإخشيذي أمير حمص.

أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن البغدادي كتابه قال أخبرنا أبو منصور بن زريق، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: و أخبرنا علي بن المحسن التّنوخي قال:

حدثنا أبي (29- ظ) قال: حدثني أبو علي بن أبي حامد قال: سمعت خلقا بحلب يحكون، و أبو الطيب المتنبي بها إذ ذاك، أنه تنبأ في بادية السماوة و نواحيها الى أن خرج إليه لؤلؤ أمير حمص من قبل الإخشيذية فقاتله و أسره و شرد من كان اجتمع إليه من كلب و كلاب و غيرهما من قبائل العرب و حبسه في السجن دهرا طويلا فاعتل و كاد أن يتلف حتى سئل في أمره فاستتابه، و كتب عليه وثيقة أشهد عليه فيها ببطلان ما ادعاه و رجوعه الى الإسلام و أنه تائب منه، و لا يعاود مثله و أطلقه.

قال: و كان قد تلا على البوادي كلاما ذكر أنه قرآن أنزل عليه و كانوا يحكون له سورا كثيرة، نسخت منها سورة ضاعت و بقي أولها في حفظي و هو: و النجم السيار، و الفلك الدوّار، و الليل النهار إن الكافر لفي أخطار، امضى على سننك، و اقف إثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه و ضلّ عن سبيله، قال: و هي طويلة لم يبق في حفظي منها غير هذا.

قال: و كان المتنبي إذا شوغب في مجلس سيف الدولة- و نحن إذ ذاك بحلب- يذكر له هذا القرآن و أمثاله مما كان يحكى عنه، فينكره و يجحده.

قال: و قال له ابن خالويه النحوي يوما في مجلس سيف الدولة: لو لا أن الآخر جاهل لما رضي أن يدعى بالمتنبي، لأن متنبي معناه كاذب، و من رضي أن يدعى بالكذب فهو جاهل، فقال له (30- و) أنا لست أرضى أن أدعى بهذا، و انما يدعوني به من يريد الغض مني، و لست أقدر على الامتناع.

قال الخطيب: قال لنا التنوخي: قال: قال لي أبي: فأما أنا فإني سألته بالأهواز في سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة، عند اجتيازه بها الى فارس، في حديث‏

647

طويل جرى بيننا، عن معنى المتنبي، لأني أردت أن أسمع منه هل تنبىّ أم لا؟

فأجابني بجواب مغالط لي، و هو أن قال: هذا شي‏ء كان في الحداثة أوجبته الصورة، فاستحييت أن أستقصي عليه و أمسكت.

و قال لي أبو علي بن أبي حامد: قال لي أبي و نحن بحلب، و قد سمع قوما يحكون عن أبي الطيب المتنبي هذه السورة التي قدمنا ذكرها: لو لا جهله أين قوله:

«امضي على سننك» إلى آخر الكلام من قول اللّه تعالى: «فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين انا كفيناك المستهزئين» (1) إلى آخر القصة، و هل تتقارب الفصاحة فيهما أو يشتبه الكلامان‏ (2)؟!

قرأت في نسخة وقعت إلي من شعر أبي الطيب المتنبي ذكر فيها عند قوله:

أبا عبد الإله معاذ أنى خفي‏* * * عنك في الهيجاء مقامي‏

ذكرت جسيم ما طلبي و إنّ‏* * * نخاطر فيه بالمهج الجسام‏

أمثلي تأخذ النكبات منه‏* * * و يجزع من ملاقاة الحمام‏

و لو برز الزمان إلي شخصيا* * * لخضبّ شعر مفرقه حسامي‏

و ما بلغت مشيتها الليالي‏* * * و لا سارت و في يدها زمامي‏

(30- ظ)

إذا امتلأت عيون الخيل مني‏* * * فويل للتيقظ و المنام‏ (3)

و قال: أبو عبد اللّه معاذ بن اسماعيل اللاذقي: قدم المتنبي اللاذقية في سنة نيف و عشرين و ثلاثمائة و هو كما عذر (4)، و له وفرة الى شحمتي أذنه، و ضوى إلي فأكرمته و عظمته لما رأيت من فصاحته و حسن سمته، فلما تمكن الأنس بيني و بينه،

____________

(1)- سورة الحجر الآية: 94.

(2)- تاريخ بغداد: 4/ 104- 105.

(3)- ديوانه: 222.

(4)- عذر تعذيرا: الغلام نبت شعر عذاره: القاموس.

648

و خلوت معه في المنزل اغتناما لمشاهدته، و اقتباسا من أدبه، و أعجبني ما رأيت، قلت: و الله انك لشاب خطير تصلح لمنادمة ملك كبير، فقال لى: ويحك أ تدري ما تقول: أنا بني مرسل، فظننت أنه يهزل، ثم فكرت أني لم أحصّل عليه كلمة هزل منذ عرفته، فقلت له: ما تقول؟ فقال: أنا نبي مرسل، قلت له: مرسل الى من؟

قال: الى هذه الأمة الضالة المضلة، قلت: تفعل ما ذا؟ قال أملأها عدلا كما ملئت جورا، قلت بماذا؟ قال: بإدرار الأرزاق و الثواب العاجل و الآجل لمن أطاع و أتى، و ضرب الأعناق و قطع الأرزاق لمن عصى و أبى، فقلت له: إن هذا أمر عظيم أخاف منه عليك أن يظهر، و عذلته على قوله ذلك، فقال بديها:

أبا عبد الله معاذ أنى خفى‏* * * عنك في الهيجاء مقامي‏

الأبيات، فقلت له: لم ذكرت أنك نبي مرسل إلى هذه الأمة، أفيوحى إليك؟

قال: نعم، قلت: قاتل علي شيئا من الوحي إليك، فأتاني (31- و) بكلام ما مر بسمعي أحسن منه، فقلت: و كم أوحي إليك من هذا؟ فقال: مائة عبرة و أربع عشرة عبرة، قلت: و كم العبرة؟ فأتى بمقدار أكبر الآي من كتاب الله، قلت:

ففي كم مدة أوحي إليك، قال: جملة واحدة، قلت، فأسمع في هذه العبر أن لك طاعة في السماء فما هي؟ قال: أحبس المدرار لقطع أرزاق العصاة و الفجار، قلت أ تحبس من السماء مطرها؟ قال: أي و الذي فطرها، أفما هي معجزة؟ قلت: بلى و الله، قال: فإن حبست عن مكان تنظر إليه و لا تشك فيه هل تؤمن بي و تصدقني على ما أتيت به من ربي؟ قلت: أي و الله، قال: سأفعل فلا تسألني عن شي‏ء بعدها حتى آتيك بهذه المعجزة و لا تظهر شيئا من هذا الأمر حتى يظهر، و انتظر ما وعدته من غير أن تسأله، فقال لي بعد أيام: أ تحب أن تنظر الى المعجزة التي جرى ذكرها؟

قلت: بلى و اللّه، فقال لي: إذا أرسلت إليك أحد العبيد فاركب معه و لا تأخر و لا يخرج معك أحد، قلت: نعم.

649

فلما كان بعد أيام تغيمت السماء في يوم من أيام الشتاء، و إذا عبده قد أقبل، فقال: يقول لك مولاي: اركب للوعد، فبادرت بالركوب معه، و قلت أين ركب مولاك؟ فقال: الى الصحراء و لم يخرج معه أحد غيري، و اشتد وقع المطر، فقال:

بادر بنا حتى نستكن معه من هذا المطر، فإنه ينتظرنا بأعلى تل لا يصيبه فيه المطر، قلت: و كيف عمل؟ قال: أقبل ينظر الى السماء (31- ظ) أول ما بدا السحاب الأسود و هو يتكلم بما لا أفهم، ثم أخذ السوط فأدار به في موضع ستنظر اليه من التل و هو يهمهم و المطر مما يليه و لا قطرة منه عليه، فبادرت معه حتى نظرت إليه، و اذا هو على تل على نصف فرسخ من البلد فأتيته و إذا هو عليه قائم ما عليه من ذلك المطر قطرة واحدة، و قد خضت في الماء الى ركبتي الفرس و المطر في أشد ما يكون، و نظرت الى نحو مائتي ذراع في مثلها من ذلك التل يابس ما فيه ندى و لا قطرة مطر، فسلمت عليه، فرد علي و قال لي: ما ترى؟ فقلت: ابسط يدك فإني أشهد أنك رسول الله، فبسط يده فبايعته بيعة الاقرار بنبوته، ثم قال لي: ما قال هذا الخبيت لما دعا بك- يعني عبده-؟ فشرحت له ما قال لي في الطريق لما استخبرته، فقتل العبد و قال:

أي محل أرتقي‏* * * أي عظيم أتقي‏

و كلّما قد خلق الل* * * ه و ما لم يخلق‏

محتقر في همّتي‏* * * كشعرة في مفرقي‏ (1)

و أخذت بيعته لأهلي، ثم صح بعد ذلك أن البيعة عمّت كل مدينة بالشام و ذلك بأصغر حيلة تعلمها من بعض العرب، و هي صدحة المطر، يصرفه بها عن أي مكان أحب بعد أن يحوي عليه بعضا و ينفث بالصدحة التي لهم، و قد رأيت كثيرا منهم بالسكون و حضرموت و السكاسك من اليمن يفعلون هذا و لا يتعاظمونه‏

____________

(1)- ديوانه: 174.

650

حتى أن أحدهم يصدح عن غنمة و ابله و بقره، و عن القرية من القرى فلا يصيبها من المطر قطرة و يكون المطر (32- و) مما يلي الصدحة، و هو ضرب من السحر، و رأيت لهم من السحر ما هو أعظم من هذا، و سألت المتنبي بعد ذلك: هل دخلت السكون؟ قال: نعم، و والدي منها، أما سمعت قولي:

أ منسيّ السّكون و حضرموتا* * * و والدتي و كندة و السّبيعا (1)

فقلت: من ثم استفاد ما جوزه على طغام أهل الشام، و جرت له أشياء بعد ذلك من الحروب و الحبس و الانتقال من موضع إلى موضع حتى حصل عند سيف الدولة و علا شأنه.

قلت: و الصدحة التي أشار إلى أنها تمنع المطر معروفة إلى زماننا هذا، و أخبرني غير واحد ممن أثق به من أهل اليمن أنهم يصرفون المطر عن الإبل و الغنم و عن زرع عدوه، و إن رعاء الإبل و الغنم ببلادهم يستعملون ذلك، و هو نوع من السحر.

و ذكر أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن فورجة في كتاب التجنّي على ابن جنيّ قال: أخبرني أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري عمن أخبره من الكتاب قال: كنت بالديوان في بعض بلاد الشام، فأسرعت المدية في اصبع بعض الكتاب و هو يبري قلمه و أبو الطيب حاضر، فقام إليه و تفل عليه و أمسكها ساعة بيده، ثم أرسلها و قد اندملت بدمها، فجعل يعجب من ذلك و يري من حضر أن ذلك من معجزاته.

قال: و مما كان يمخرق به على أبيات البادية أنه كان مشّاء قويا على السير سيرا لا غاية بعده، و كان عارفا (32- ظ) بالفلوات، و مواقع المياه، و محال‏

____________

(1)- ديوانه: 154.

651

العرب بها، فكان يسير من حلة إلى حلة بالبادية في ليلة و بينهما مسيرة ثلاث. فيأتي ماء و يغسل يديه و وجهه و رجله، ثم يأتي أهل تلك الحلّة فيخبرها عن الحلة التي فارقها، و يريهم أن الأرض طويت له، فلما علت سنّه رغب عن ذلك و زهد فيه.

و أقبل على الشعر و قد وسم بتلك السّمة.

أنبأنا أبو محمد عبد العزيز بن محمود بن الأخضر قال: أخبرنا الرئيس أبو الحسن علي بن علي بن نصر بن سعيد قال: أخبرنا أبو البركات محمد بن عبد الله ابن يحيى قال: أخبرنا علي بن أيوب بن الحسين قال: أنشدنا أبو الطيب المتنبي لنفسه. و كان قوم في صباه وشوا به إلى السلطان، و تكذبوا عليه، و قالوا له:

قد انقاد له خلق من العرب و قد عزم على أخذ بلدك حتى أوحشوه منه، فاعتقله و ضيق عليه، فكتب إليه يمدحه:

أيا خدّد الله ورد الخدود* * * و فدّ قدود الحسان القدود

فهنّ أسلن دما مقلتي‏* * * و عذّبن علبي بطول الصّدود

قال فيها في ذكر الممدوح:

رمى حلبا بنواصي الخيول‏* * * و سمر يرقن دما في الصّعيد

و بيض مسافرة ما يقم* * * ن لا في الرقاب و لا في الغمود

يقدن الفناء غداة اللقاء* * * إلى كل جيش كثير العديد

(33- و)

فولّى بأشياعه الخرشنيّ‏* * * كشاء أحس بزأر الأسود

يرون من الذعر صوت الرياح‏* * * صهيل الجياد و خفق البنود

فمن كالأمير ابن بنت الأمي* * * ر أم من كآبائه و الجدود

سعوا للمعالي و هم صبية* * * و سادوا و جادوا و هم في المهود

أمالك رقي و من شأنه‏* * * هبات اللّجين و عتق العبيد

652

دعوتك عند انقطاع الرجا* * * ء و الموت مني كحبل الوريد

دعوتك لما براني البلى‏* * * و أوهن رجليّ ثقل الحديد

و قد كان مشيهما في النعال‏* * * فقد صار مشيهما في القيود

و كنت من الناس في محفل‏* * * فها أنا في محفل من قرود

تعجّل فيّ وجوب الحدود* * * و حدّي قبيل وجوب السجود

و قيل عدوت على العالمين‏* * * بين ولادي و بين القعودي‏

فما لك تقبل زور الكلام‏* * * و قدر الشهادة قدر الشهود

فلا تسمعن من الكاذبين‏* * * و لا تعبأن بمحك‏ (1) اليهود

و كن فارقا بين دعوى أردت‏* * * و دعوى فعلت بشأو بعيد

و في جود كفّيك ما جدت لي‏* * * بنفسي و لو كنت أشقى ثمود (2)

و ذكر أبو منصور الثعالبي في اليتيمة عن ابن جني أنه قال: سمعت أبا الطيب يقول: إنما لقبت بالمتنبي لقولي: (33- ظ)

أنا في أمة تداركها الله‏* * * غريب كصالح في ثمود

ما مقامي بدار نخلة إلّا* * * كمقام المسيح بين اليهود (3)

أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني قال: أنشدنا الأستاذ أبو علي أحمد بن محمد المعروف بمسكويه قال: أنشدنا المتنبي:

و من نكد الدنيا على الحر أن يرى‏* * * عدوا له ما من صداقته بدّ (4)

____________

(1)- في ديوانه: 77 «بعجل».

(2)- ديوانه: 76- 77.

(3)- يتيمة الدهر ط. القاهرة 1956: 1/ 129.

(4)- ديوانه: 83.

653

قال: قيل للمتنبي: على من تنبأت؟ قال: على الشعراء، فقيل لكل نبي معجزة فما معجزتك؟ قال: هذا البيت.

و قرأت في رسالة علي بن منصور الحلبي، المعروف بدوخله، و هي التي كتبها إلى أبي العلاء بن سليمان و أجابه عنها برسالة الغفران، و ذم فيها أبا الطيب المتنبي و قال: و ذكر ابن أبي الأزهر و القطر بلي في التاريخ الذي اجتمعا على تصنيفه‏ (1) أن الوزير علي بن عيسى أحضره إلى مجلسه فقال له: أنت أحمد المتنبي؟ فقال: أنا أحمد النبي، ولي علامة في بطني خاتم النبوة، و أراهم شبيها بالسلعة على بطنه فأمر الوزير بصفعه فصفع و قيد، و أمر بحبسه في المطبق.

ثم طالعت التاريخ المشار اليه فقرأت فيه حوادث سنة اثنتين و ثلاثمائة (34- و) قال: و فيها جلس الوزير علي بن عيسى للنظر في المظالم، و أحضر مجلسه المتنبي و كان محبوسا ليخلي سبيله، فناظره بحضرة القضاة و الفقهاء، فقال: أنا أحمد النبي ولي علامة في بطني خاتم النبوة، و كشف عن بطنه و أراهم شبيها بالسلعة (2) على بطنه، فأمر الوزير بصفعه فصفع مائة صفعة، و ضربة و قيده، و أمر بحبسه في المطبق‏ (3). فبان لي أن أبا الحسن علي بن منصور الحلبي رأى في تاريخ ابن أبي الازهر و القطربلي «ذكر أحمد المتنبي» فظنه أبا الطيب أحمد بن الحسين، فوقع في الغلط الفاحش لجهله بالتاريخ، فان هذه الواقعة مذكورة في هذا التاريخ في سنة اثنتين و ثلاثمائة، و لم يكن المتنبي ولد بعد، فان مولده على الصحيح في سنة ثلاث و ثلاثمائة، و قيل ان مولده سنة احدى و ثلاثمائة، فيكون له من العمر

____________

(1)- اسم هذا الكتاب «الهرج و المرج» و القطربلي هو أبو محمد عبد الله بن الحسين و ابن أبي الازهر هو محمد بن مزيد، انظر كتابي تاريخ أخبار القرامطة: 26.

(2)- السلع: البرص و تشقق القدم. القاموس.

(3)- سجن بغداد.

654

سنة واحدة و أبو محمد عبد الله بن الحسين الكاتب بن القطربلي و محمد بن أبي الازهر ماتا جميعا قبل أن يترعرع المتنبي و يعرف.

و هذا المتنبي الذي أحضره علي بن عيسى هو رجل من أهل أصبهان تنبأ في أيام المقتدر، يقال له أحمد ابن عبد الرحيم الاصبهاني، و وجدت ذكره هكذا منسوبا في كتاب عبيد الله بن أحمد بن طاهر الذي ذيل به كتاب أبيه في تاريخ بغداد

أخبرني ياقوت بن عبد الله الحموي قال: وقع لي كتاب مصنف في أخبار أبي الطيب صغير الحجم تصنيف الاستاذ (34- ظ) أبو القاسم عبيد الله بن عبد الرحيم الاصبهاني، و ذكر فيه ادعاءه النبوة، و قال فيه: و قد هجاه الشعراء بذلك فقال الضب الضرير الشامي فيه:

أطللت يا أيها الشقي دمك‏* * * لا رحم الله روح من رحمك‏

أقسمت لو أقسم الامير علي‏* * * قتلك قتل العشار ما ظلمك‏

و يروى قبل العشاء، فأجابه المتنبي فقال:

إيها أتاك الحمام فاخترمك‏* * * غير سفيه عليك من شتمك‏

همك في أمرد تقلّب في‏* * * عين دواة من صلبه قلمك‏

و همّتي في انتضاء ذي شطب‏* * * أقد يوما بحده أدمك‏

فاخسى‏ء كليبا و اقعد على ذنب‏* * * و أطل بما بين أليتيك فمك‏ (1)

قال: و هجاه شاعر آخر فقال- و قيل هو الضب أيضا:

قد صح شعرك و النبوة لم تصح‏* * * و القول بالصدق المبين يتضح‏

الزم مقال الشعر تحظ برتبة* * * و عن التنبي لا أبا لك فانتزح‏

تربح دما قد كنت توجب سفكه‏* * * إن الممتع بالحياة لمن ربح‏

____________

(1)- ليس في ديوانه.

655

فأجابه بأبيات و هي:

نار الذراية من لساني تقتدح‏* * * تغدو عليّ من النهى ما لم يرح‏

بحر لو اغترفت لطامة موجه‏* * * بالأرض و السبع الطباق لما نزح (35 و)

أمري إلي فإن سمحت بمهجة* * * كرمت عليّ فإن مثلي من سمح‏ (1)

أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة الحموي و أبو يعقوب يوسف بن محمود الساوي الصوفي قالا: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي اجازة- ان لم يكن سماعا- قال: سمعت أبا عبد الله الحسين ابن علي بن همام الحسيني الطالقاني ببغداد يقول: هجا أبو عبد اللّه بن الحجاج أبا الطيب المتنبي لما دخل بغداد بمقطعات منها:

ياديمة الصفع هبّي‏* * * على قفا المتنبي‏

و يا قفاه تقدم‏* * * تعال و اجلس بجنبي‏

و يا يدي فاصفعيه‏* * * بالنعل حتى تدبي‏

ان كان هذا نبي‏* * * فالقرد لا شك ربي‏

فلما بلغ أبا الطيب قال:

عارضني كلب بني دارم‏* * * فصنت منه الوجه و العرضا

و لم أكلمه احتقارا به‏* * * من ذا يعض الكلب إن عضا (2)

كذا رواه السلفي «هبى» و المحفوظ «صبي».

و قال لي ياقوت الحموي: و ذكر الاستاذ أبو القاسم عبيد الله بن عبد الرحيم الأصبهاني في أخبار أبي الطيب قال: و قد تعلق قوم ممن يتعصب على المتنبي‏

____________

(1)- ليس في ديوانه.

(2)- ليس في ديوانه المطبوع.

656

فانتزع من شعره أبياتا زعم أنها تدل على فساد اعتقاد، و قد جعل لها من يتعصب وجها منها.

هوّن على بصر ما شق منظره‏* * * فإنما يقظات العين كالحلم (35- ظ)

قالوا: هذا البيت من اعتقاد السوفسطائية، و قوله في أخرى:

تمتع من سهاد أو رقاد* * * و لا تأمل كرى تحت الرجام‏

فإن لثالث الحالين معنى‏* * * سوى معنى انتباهك و المنام‏ (1)

قالوا: فهذا ينبي عن اعتقاد الحشيشية (2)، و قوله في أخرى:

تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم‏* * * إلّا على شجب و الخلف في الشجب‏

فقيل تسلم نفس المرء باقية* * * و قيل تشرك جسم المرء في العطب‏ (3)

قالوا: فهذا مذهب من يقول بالنفس الناطقة، و قوله في عضد الدولة:

نحن بنو الدنيا فما بالنا* * * نعاف ما لا بد من شربه‏

تبخل أيدينا بأرواحنا* * * على زمان هي من كسبه‏

فهذه الأرواح من جوه‏* * * و هذه الاجساد من تربه‏ (4)

فهذا مذهب الهوائية و أصحاب الفضاء، و قوله في ابن العميد:

يعللنا هذا الزمان بذا الوعد* * * و يخدع عما في يديه من النقد

فإن يكن المهديّ من بان هديه‏* * * فهذا و إلا فالهدى ذا فما المهدي‏ (5)

____________

(1)- ليسا في ديوانه.

(2)- اسم أطلق في بلاد الشام على فرع النزارية من اتباع الدعوة الاسماعلية الجديدة التي أسسها حسن الصباح، و لا نعرف أصل هذه التسمية و سبب اطلاقها

(3)- ديوانه: 44 و فيه فقيل تخلص نفس المرء سالمة.

(4)- ديوانه: 57 و فيه الشطر الاول من البيت الاول «نحن بنو الموتى ...».

(5)- ديوانه: 108- 109.

657

قالوا: فهذا مذهب أهل النجوم.

و قال لي ياقوت الحموي: نقلت من خط أبي الريحان محمد بن أحمد البيروني في رسالة له سماها التعلل بإجابة الوهم في معاني نظوم أولى الفضل قال في أثناء كلام ذكره: ثم ان لي من أخلاقهم- يعني الشعراء- أسوة حسنة و مسلاة (36- و) أكيدة بامام الشعراء الذي طرق لهم و لمن بعده الى طريقته المخترعة في الشعر، و خلفهم من معاني كلامه في بروق تخطف أبصارهم و بصائرهم، كلما أضاء لهم مشوا فيه و اذا أظلم عليهم قاموا، أبي الطيب المتنبي، حتى أن أفاضل أهل زماننا كأحمد بن فارس يحسده على ما آتاه الله من فضله، و يقول: انه مبخوت و إلّا.

قال لي ياقوت كذا رأيته مبيضا بخطه.

و يقول: سألت أبا الفضل بن العميد عن معنى قوله:

و فاؤكما كالربع أشجاه طاسمه .... (1).

فأجابني بأن المتنبي خرج من الدنيا بعد ستين سنة عاشها و لم يكن وقف على معناه. و كان أبو الطيب على ضيق عطنه‏ (2) رفيع الهمة في صناعته، فاقتصر لها في رحلته بمدح عضد الدولة و وزيره ابن العميد، و راوده الصاحب اسماعيل بن عباد على التزاور رغبة في مديحه، فأبى الانحطاط الى الكتبة، و هذا ما حمله على الخوض في مساوئ شعره، و ليس يترفع عن حله و نثره في أثناء كتابته و مشاركة الحاتمي في ادامة حل نظمه في رسائله بعد مقالته التي عملها فيه محرضا عليه و متنادرا به كنوادر المخنثين، كما حمل مثله أبا محمد المهلبي‏ (3) مستوزر بختيار بن معز الدولة على‏

____________

(1)- ديوانه: 244.

(2)- العطن: وطن الابل و مبركها، و رحب العطن: كثير المال واسع الرحل، رحب الذراع. القاموس.

(3)- انظر تحفة الامراء في تاريخ الوزراء لهلال من المحسن الصابئ ط. القاهرة 1958: 358.

658

اغراء سفهاء بغداد عليه، و معاملته بالسخف الذي أعرض بوجهه عنه و عنهم و لم يزد (36- ظ) في الجواب على الخسأ ترفعا و تنزها و اكتفاء من مهاجاتهم على ما في خلال شعره من مثل قوله:

أفاضل الناس أعراض لذا الزمن‏* * * يخلو من الغم أخلاهم من الفطن‏

(1)

و ذكر أبياتا مثله و قال: ثم ما يدريني هل كان سبب الفتك به من الاعرابي نبذ من ذلك الاغراء، فالقائل بالشر غير مبال أيضا بفعله، و خاصة عند استماع ما كان حظي به لدى المقصودين من القبول و الاقبال حتى أنه قال عند دخوله الى شيراز:

أنا لا أنشد ما ثلا، فأمر عضد الدولة بكرسي له، فلما دخل و رآه أنشده قائما، فأمره بالجلوس، فأبى و قال: هيبتك تمنع عن ذلك، فوقع قوله و فعله منه أحسن المواقع.

و كان المهلبي مع بختيار يناكر أن عضد الدولة فعل ذلك، حنفا و جهلا بالقدر.

قال: و مما يغيظني حقا قوم متسمون بالفضل يكابرون عقولهم في أمره، و يرتكبون في اطفاء نوره، كشمس المعالي قابوس، فقد كان يقول: ليس للمتنبي في ديوانه ما يسوى استماعا الا أربعة أبيات، ثم لم يكن يبتدئ من ذات نفسه بالاشارة اليها، و كان سوء خلقه يمنعني من سؤاله عنها، و كأبي الفتح البستي في قوله:

سئلت عن المتنبي فقلت‏* * * مقال إمرئ ليس يغلو (2)

له في مواضع فصل الخطاب‏* * * و سائر ما قاله فهو فسل‏ (3) (37-

و)

____________

(1)- ديوانه: 266.

(2)- كذا بالاصل، و ينقص الشطر الثاني من هذا البيت تفعيلة، و البيتان من البحر المتقارب.

(3)- الفسل: الرذل الذي لامروءة له. القاموس.

659

قال: و لو كان قلبه فقال: «ان مواضع منه فسل» و سائر ما قاله فصل خطاب لكان أبعد عن الاثم، و أقرب الى الصدق و الصواب.

و ذكر ابن الصابئ في كتاب الوزراء أن ابن العميد (1) كان يجلس المتنبي في دسته و يقعد بين يديه، فيقرأ عليه الجمهرة لابن دريد، لان المتنبي كان يحفظها عن ظهر قلب.

و قرأت في بعض مطالعاتي أن المتنبي لما اجتاز بالرملة و مدح طاهر بن الحسن ابن طاهر بن يحيى العلوي، أجلسه طاهر في الدست، و جلس بين يديه حتى فرغ من مدحته.

و قرأت في كتاب «نزهة عيون المشتاقين» لأبي الغنائم الزيدي قال: حدثني جماعة أن المتنبي لما مدح طاهر بن الحسن بن طاهر إجازة ألف دينار.

قلت: و القصيدة التي مدحه بها هي القصيدة البائية التي أولها:

أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب‏* * * و ردوا رقادي فهو لحظ الحبائب‏

(2)

و قال ابن فورجة في كتاب «التجني على ابن جني»: حدثني الشيخ أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه بأصبهان، و كان تربية ابن العميد و نديمه قال:

حضرت مجلس ابن العميد بأرجان‏ (3) و قد دخل عليه أبو الطيب، و كان يستعرض سيوفا، فلما بصر بأبي الطيب نهض من مجلسه، و أجلسه في دسته، ثم قال لابي الطيب: اختر سيفا من هذه السيوف، فاختار منها واحدا ثقيل الحلي، و اختار ابن‏

____________

(1)- لم يصلنا الجزء المتعلق بوزراء الدولة البويهية من كتاب الوزراء لابن الصابئ.

(2)- ديوانه: 29.

(3)- مدينة كبيرة كثيرة الخير بها نخل كثير و زيتون و فواكه و هي برية بحرية سهلية جبلية، بينها و بين شيراز ستون فرسخا و بينها و بين سوق الاهواز ستون فرسخا أيضا. معجم البلدان.

660

العميد أخر غيره، فقال كل منهما: سيفي الذي اخترته أجود، ثم اصطلحا على أن يجرباهما، فقال ابن العميد: فبماذا (37- ظ) نجربهما؟ فقال أبو الطيب: في الدنانير فيؤتى بها فينضد بعضها على بعض، ثم تضرب به، فان قدها، فهو قاطع، فاستدعى ابن العميد بعشرين دينارا، فنضدت ثم ضربها أبو الطيب فقدها و تفرقت في المجلس فقام من مجلسه المفخم يلتقط الدنانير المتبددة في كمه، فقال ابن العميد: ليلزم الشيخ مجلسه فان أحد الخدام يلتقطها و يأتيه بها، فقال: بل صاحب الحاجة أولى بها.

قال ابن فورجة: و كان رجلا ذا هيئة مر النفس شجاعا حفظة للآداب، عفيفا، و كان يشين ذلك كله ببخله.

قرأت على ظهر نسخة قديمة من شعر المتنبي ما صورته: و حكى أبو بكر الخوارزمي أن المتنبي كان قاعدا تحت قول الشاعر:

و ان أحق الناس باللوم شاعر* * * يلوم على البخل الرجال و يبخل‏

و انما أعرب عن طريقته و عادته بقوله: وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه.

قال: فحضرت عنده يوما و قد أحضر مال، فصب بين يديه من صلات سيف الدولة على حصير قد افترشه، فوزن و أعيد في الكيس، و تخللت قطعة كأصغر ما تكون خلال الحصير، فأكب عليه بمجامعه يعالج لاستنقاذها منه، و يشتغل عن جلسائه حتى توصل الى اظهار بعضها، و أنشد قول قيس من الخطيم:

تبدت لنا كالشمس بين غمامة (1)* * * بدا حاجب منها و ضنت بحاجب

(38- و)

ثم استخرجها و أمر باعادتها الى مكانها و قال: انها تخضر المائدة.

____________

(1)- كتب ابن العديم في الحاشية: المعروف «تحت غمامة» و يتوافق هذا مع رواية جمهرة أشعار العرب لابي زيد القرشي ط. بولاق 1308: 123.

661

أنبأنا أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب البغدادي في كتابه عن أبي بكر محمد ابن عبد الباقي الانصاري قال: أخبرنا أبو غالب بن بشران- اجازة- قال: أخبرنا محمد بن علي بن نصر الكاتب- قلت: و نقلته من خطه ببغداد- قال: حدثني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر الببغاء قال: كان أبو الطيب المتنبي يأنس بي و يشكو عندي سيف الدولة، و يأمنني على غيبته له، و كانت الحال بيني و بينه صافية عامرة دون باقي الشعراء، و كان سيف الدولة يغتاظ من عظمته و تعاليه، و يجفو عليه إذا كلمه، و المتنبي يجيبه في أكثر الأوقات، و يتغاضى في بعضها.

قال: و أذكر ليلة و قد استدعى سيف الدولة بدرة فشقها بسكين الدواة، فمدّ أبو عبد الله ابن خالوية النحوي جانب طيلسانه، و كان صوفا أزرق، فحثا فيه سيف الدولة صالحا، و مددت ذيل درّاعتي و كانت ديباجا فحشا لي فيها، و أبو الطيب حاضر، و سيف الدولة ينتظر منه أن يفعل مثل فعلنا، أو يطلب شيئا منها، فما فعل، فغاظه ذلك، فنثرها كلّها، فلما رأى أنها قد فاتته زاحم الغلمان يلتقط معهم، فغمزهم عليه سيف الدولة، فداسوه و ركبوه، و صارت عمامته و طرطوره في حلقه، و استحيا و مضت به ليلة عظيمة، و انصرف فخاطب أبو عبد الله بن خالويه (38- ظ) سيف الدولة في ذلك، فقال: من يتعاظم تلك العظمة يتضع إلى مثل هذه المنزلة لو لا حماقته؟!

و مما يحكى من بخله و شحه ما قرأته في تاريخ أبي غالب همّام بن الفضل بن المهذب المعري‏ (1)، سيره الي بعض الشراف بحلب، قال: و كان سيف الدولة قد أقطعه- يعني المتنبي- ضيعة تعرف ببصّف من ضياع معرة النعمان القبلية، فكان يتردد اليها، و كان يوصف بالبخل فمما ذكر عنه ما حدثوه جماعة من أهل بصف أن كلبا من كلاب الضيعة المعروفة بصهيان كان يطرق تين بصف فذكر ذلك لأبي الطيب المتنبي فقال للناطور: إذا جاء الكلب فعرفني به، فلما جاء عرفه، فقال:

شدوا على الحصان، و خرج إليه فطرده أميالا، ثم عاد لا يعقل من التعب و قد عرق فرسه، فقال له أهل بصف: يا أستاذ كيف جرى أمر الكلب؟ فقال كأنّه كان فارسا

____________

(1)- أكثر ابن العديم في كتابه النقل عن هذا التاريخ، و قد ورد ذكره مصنفه بين تلامذة أبي العلاء المعري.

662

مرة إن جئته بالطعنة عن اليمين عاد الى الشمال، و ان جئته من الشمال عاد الى اليمين.

قال أبو همّام المعري: و حدثوا عنه أن أبا البهي‏ء بن عدي، شيخ رفنّية (1)، و كان صديقا له: فنزل عنده ببصف، فسمعوه و هو يقول له: يا أبا البهي‏ء أوجز في أكلك فإن الشمعة تتوا (2)، و سمعوه يحاسب وكيلا له و هو يقول: و الحتان ما فعلتا، يعني فضه.

أخبرني ياقوت بن عبد الله مولى الحموي قال: قرأت في أخبار المتنبي تصنيف (39- و) أبي القاسم عبيد الله بن عبد الرحيم الأصبهاني قال: و أخبرني أبو الحسين الطرائفي ببغداد أنه قال: رأيت المتنبي و قد مدح رجلا بقوله:

انصر بجودك ألفاظا تركت بها* * * في الشرق و الغرب من عاداك مكبوتا

فقد نظرتك حتى حان مرتحل‏* * * و ذا الوداع فكن أهلا لما شيتا (3)

فأعطي دون الخمسة دراهم و قبلها.

قال: و أخبرني الطرائفي قال: حدثني المتنبي قال: أول يوم وصلت بالشعر الى ما أردته أني كنت بدمشق فمدحت أحد بني طغج بقصيدتي التي أولها:

أيا لائمي إن كنت وقت اللّوائم‏* * * علمت بما بي بين تلك المعالم‏ (4)

فأثابني الممدوح بمائة دينار، ثم ابيضت أيامي بعدها.

____________

(1)- بقاياها تحمل الآن اسم بعرين (أوبارين) و هي تتبع الآن منطقة مصياف و تبعد عنها مسافة/ 17/ كم و عن مدينة حماة/ 42/ كم.

(2)- أي تقارب على الانطفاء- انظر مادة «تتأن» في القاموس.

(3)- ديوانه: 59.

(4)- الممدوح هنا الامير أبو محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج. ديوان المتنبي:

241.

663

قال أبو القاسم بن عبد الرحيم، و اتصل بعد هذا بأبي العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان و نفق عليه نفاقا تاما، فأجرى ذكره عند سيف الدولة أبي الحسن علي بن حمدان، فأمره باحضاره عنده، فاشتط المتنبي عليه و اشترط أن ينشده جالسا، و أن لا يكلف بتقبيل الأرض بين يديه، فأجابه الى ذلك، و أنشده، فصادف من سيف الدولة رجلا قد غذي بالعلم، و حشي بالفهم، فأعجبه شعره و استخلصه لنفسه و أجزل عطاءه، و أكرم مثواه و وصله بصلات كثيرة، و سلّمه إلى الرّواض فعلموه الفروسية، و صحب سيف الدولة في عدة غزوات إلى بلد الروم منها غزوة الفناء (39- ظ) التي لم ينج منها إلّا سيف الدولة بنفسه، و أخذت عليه الروم الطرق، فجرّد السيف و حمل على العسكر، و خرق الصفوف و نجا بنفسه‏ (1).

قرأت بخط محمد بن علي بن نصر الكاتب في كتابه الموسوم «بالمفاوضة»، و أخبرنا به أبو حفص عمر بن محمد معمر بن طبرزد و غيره إجازة عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، قال: أنبأنا أبو غالب بن بشران قال: أخبرنا ابن نصر قال: حدثني أبو القاسم الرّقي المنجم عن سيف الدولة أنه انهزم في بعض السنين و قد حللت الصناديق عن بغاله في بعض دروب الروم، و أنها ملأت الدروب، و كان على فرس له يعرف بالثريا و أنه حرك عليها نحو الفرسخ حتى نزل، و لم يعثر و لم يتلعثم، و أخبرني أنه بقي في هذه السفرة في تسعة أنفس أحدهم المتنبي، و أنه كان يحدث أبا عبد الله بن خالوية النحوي حديث الهزيمة، و أن المتنبي كان يجري بفرسه فاعتلقت بعمامته طاقة من الشجر المعروف بأم غيلان، فكلما جرى الفرس انتشرت العمامة، و تخيل المتنبي أنه قد ظفر به، فكان يصيح: الأمان يا علج، قال:

فهتفت به و قلت: أيما علج، هذه شجرة قد علقت بعمامتك، فودّ أن الأرض‏

____________

(1)- كان ذلك سنة 339 ه. انظر زبدة الحلب لابن العديم ط. دمشق 1951:

1/ 121- 122.

664

خاست‏ (1) به، و ما سمعته يقول ذلك، فقال له ابن خالويه: أيها الامير أفليس قام معك حتى بقي في تسعة أنفس تكفيه هذه الفضيلة.

و قرأت في مجموع (40- و) بخط بعض الفضلاء أنه لما فعل ذلك لحقه سيف الدولة و ضحك منه و قال له: يا أبا الطيب أين قول:

الخيل و الليل و البيداء تعرفني‏* * * و الطعن و الضرب و القرطاس و القلم‏

(2)

و لم يزل يضحك منه بقية يومه في منهزمه.

أنبأنا أبو الحسن علي بن أبي عبد الله بن المقيّر عن أبي علي الحسن بن جعفر ابن المتوكل البغدادي و نقلته من خطه قال: حدثني الشيخ الإمام الفصيحي وقت قراءتي عليه ديوان أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي و هو ابن عيدان السقاء قال:

قدم بعض الأشراف من الكوفة فدخل إلى مجلس فيه المتنبي، فنهض الناس كلهم له سوى المتنبي، فجعل كل واحد من الحاضرين يسأله عن الأحوال بالكوفة، و ما تجدد هناك، فقال له المتنبي: يا شريف كيف خلفت الأسعار بالكوفة؟ فقال:

كل راوية برطلين خبز فأخجله. و قصد الشريف أن يعرّض بأن أباه كان سقاء.

ذكر ابن فورجه في «التجني على ابن جني» و قال: و قال: و أما محله- يعني المتنبي في العلم، فقال الحسن بن علي الجلاب: سمعته يقول: من أراد أن يغرب علي بيتا لا أعرفه فليفعل، قال: و هذه دعوى عظيمة، و لا ريب أنه صادق فيها.

و أخبرت عن أبي العلاء بن سليمان المعري أنه كان يسمى المتنبي «الشاعر»

____________

(1)- كتب ابن العديم في الحاشية: صوابه «ساخت».

(2)- ديوانه: 250.

665

و يسمي غيره من الشعراء باسمه (40- ظ) و كان يقول: ليس في شعره لفظة يمكن أن يغرم عنها ما هو في معناها.

و قرأت في بعض كلام أبي العلاء: قد علم أن أحمد بن الحسين كان شديد التفقد لما ينطق به من الكلام، يغير الكلمة بعد أن تروى عنه، و يفرّ من الضرورة و إن جلب إليها الوزن.

سمعت شيخنا ضياء الدين الحسن بن عمرو الموصلي، المعروف بابن دهن الخصا يقول: كان أبو العلاء المعري يعظم المتنبي و يقول: إياي عني بقوله:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي‏* * * و أسمعت كلماتي من به صمم‏ (1)

أنبأنا أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب السبّاك قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري- إجازة عن أبي علي التنوخي- قال: حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الصقر الكاتب- رجل من أهل معلثايا (2)، و ممن نشأ بالموصل، و كان أبوه عاملا لسيف الدولة على أنطاكية، و هو من أهل الأدب قال:

جرى ذكر أبي الطيب المتنبي بين يدي أبي العباس النامي المصيصي فقال لي النامي:

كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبي.

قال: و قال لي في هذا المجلس: كنت أشتهي أن أكون قد سبقته إلى معنيين قالهما ما سبق إليهما، و لا أعلم أنّ أحدا أخبر عنهما قبله، فقلت: ما هما؟ قال:

أما أحدهما فقوله: (41- و)

رماني الدهر بالأرزاء حتى‏* * * فؤادي في غشاء من نبال‏ (3)

____________

(1)- ديوانه: 249.

(2)- بلد قرب جزيرة ابن عمر من نواحي الموصل. معجم البلدان.

(3)- ديوانه: 190.

666

و الآخر قوله:

في جحفل ستر العيون غباره‏* * * فكأنما يبصرن بالآذان‏ (1)

أخبرني ياقوت بن عبد الله الحموي قال: حكى لي بعض الفضلاء في المذاكرة قال: لما ورد المتنبي إلى شيراز مادحا لعضد الدولة كان يجتاز على مجلس أبي علي و قد اجتمع إليه أعيان أهل العلم، و كان زي المتنبي زيا عجيبا يلبس طرطورا طويلا و قباء، و يعمل له عذبة طويلة تشبّها بالأعراب، فكان أبو علي يستثقله، و يكره زيّه، و يجد في نفسه نفورا منه، و كان إذا اجتاز عليهم يقول أبو علي لتلاميذه: إذا سلم عليكم فأوجزوا في الردّ لئلا يستأنس فيجلس إلينا، و كان أبو الفتح عثمان بن جني يعجب بشعره و يحب سماعه، و لا يقدر على مراجعة شيخه فيه، فقال أبو علي يوما: هاتوا بيتا تعربونه، فابتدر أبو الفتح فأنشد للمتنبي:

حلت دون المزار فاليوم لو زر* * * ت لحال النحول دون العناق‏ (2)

فقال أبو علي: أعد، أعد، فأعاده، فقال: ويحك لمن هذا الشعر فإنه غريب المعنى؟ قال: هو للذي يقول:

أمضى إرادته فسوف له قد* * * و استقرب الأقصى فثمّ له هنا (3)

قال: فازداد أبو علي عجبا و قال: ما أعجب هذه المعاني و أغربها من (41- ظ) قائلها؟ قال الذي يقول:

و وضع الندى في موضع السيف بالعلى‏* * * مضرّ كوضع السيف في موضع الندى‏

(4)

____________

(1)- ديوانه: 274. و من أجل أخبار النامي انظر يتيمة الدهر: 1/ 241- 248 و ترجمته المقبلة في كتابنا هذا.

(2)- ديوانه: 175.

(3)- يعني انه نافذ الارادة لا بعيد لديه. ديوانه: 265.

(4)- ديوانه: 95.

667

قال: فاستخف أبا علي الطرب و قال: ويحك من قائل هذا؟ قال: الذي يقول قال: و نسي البيت الذي أنشده قال: فقال أبو علي: أحسن و الله، و أطلت أنت، من يكون هذا؟ قال: هو صاحب الطرطور الذي يمر بك فتستثقله و لا تحب محاضرته، قال: ويحك أهذاك يقول هذا؟! فقال: نعم، قال أبو علي: و الله ما ظننت أن ذلك يأتي بخير أبدا، إذا كان في الغد و مر بنا فاسألوه أن يجلس إلينا لنسمع منه، فلما كان الغد و مرّ بهم كلموه و سألوه النزول عندهم ففعل، و استنشده أبو علي فملأ صدره، و أحبه و عجب منه و من فصاحته وسعة علمه، فكلم عضد الدولة فيه حتى أحسن إليه و ضاعف جائزته.

قلت: و هذه الحكاية لا يقبلها القلب و لا تكاد تثبت، فإن أبا علي الفارسي كان يعرف المتنبي قبل أن يصير بشيراز حين كانا بحلب، و قد حكى أبو الفتح عثمان بن جني عن أبي علي الفارسي في كتاب الفسر ما يشهد بخلاف ما تضمنته الحكاية.

قال أبو علي: خرجت بحلب أريد دار سيف الدولة، فلما برزت من السور إذا أنا بفارس متلثم قد أهوى نحوي برمح طويل فكدت أطرح نفسي من الدابّة فرقا، فلما قرب مني ثنى السنان و حسر لثامه، فإذا المتنبي و أنشدني: (42- و)

نثرت رؤوسا بالأحيدب منهم‏* * * كما نثرت فوق العروس الدراهم‏

ثم قال: كيف ترى هذا القول أحسن هو؟ فقلت: ويحك قتلتني يا رجل.

قال ابن جني: فحكيت هذه الحكاية بمدينة السلام لأبي الطيب فعرفها، و ضحك لها، و ذكر أبا علي بالثناء و التقريظ بما يقال في مثله‏ (1).

و جرى للمتنبي مع ابن خالويه مثل هذه الواقعة التي حكاها أبو علي فإنني نقلت من خط أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني المالكي‏

____________

(1)- الخبر في يتيمة الدهر: 1/ 134.

668

من كتابه الموسوم «بالبداية و النهاية في التاريخ‏ (1)» قال فيه: حدثني أبي قال:

حدثني- و بيض و لم يذكر من حدّث أباه- قال: حدثني ابن خالويه، و كان نديما و مجالسا لسيف الدولة، قال: خرجت في بعض الأيام إلى ظاهر حلب فقعدت أطالع في كتاب، و أنظر الى قوقق، فما رفعت رأسي إلّا من وقع فرس، فنظرت فإذا بفارس مسدد نحوي رمحه، فقلت: و الله ما أعرف بيني و بين واحد من الناس ما يوجب هذا و رأيت الفارس متلثما فلما دنا حط لثامه فإذا بأحمد بن الحسين المتنبي فسلم عليّ فرددت السلام و جاريته الحديث فقال: كيف رأيت قصيدتي التي أنشدتها أول أمس الأمير سيف الدولة؟ فقلت: و الله إنها لمليحة، و إن أولها لا يحتاج إلى تمام في قولك:

«على قدر أهل العزم تأتي العزائم»، و فيها كذا و كذا، فقال: ما رأيت إلا مليحا و الذي فيه ما سبقني إليه؛ من أحسن فيه من ذكر الدراهم فإنها (42- ظ) لا تأتي في شعر إلا بردته و ضعّفته، إلا ما جاءني:

نثرتهم فوق الأحيدب نثرة* * * كما نثرت فوق العروس الدراهم‏

أخبرنا أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف بن علي- إذنا- عن أبي الفتح محمد ابن عبد الباقي بن البطي عن أبي نصر الحميدي قال: أخبرنا غرس النعمة محمد بن هلال بن المحسّن بن أبي نصر اسحاق الصابئ قال: و حدثني رضي الله عنه- يعني أباه هلال بن المحسّن- قال: حدثني أبو اسحاق جدي تجاوز الله عنه‏ (2) قال: لما ورد أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي إلى بغداد متوجها إلى حضرة الملك عضد الدولة بفارس أعدّ له أبو محمد عشرة آلاف درهم و ثيابا كثيرة مقطوعة و صحاحا، و فرسا بمركب ليعطيه ذلك عند مديحه له، فأخر المتنبي من ذاك ما كان متوقعا منه، و حضر

____________

(1)- لم يصلنا هذا الكتاب، و نقول ابن العديم عنه اهم مصدر لتعريفنا به، و يبدو انه ذيل به على تاريخ ابن المهذب المعري.

(2)- قال ذلك لانه مات و هو متمسك بدين الصابئة الحرانيين.

669

مجلس أبي محمد للسلام عليه الذي لم يخلط به غيره، فغاظ أبا محمد فعله، و خاطبت المتنبي على استعماله ما استعمل و تأخيره من خدمة الوزير ما أخر، فقال: لم تجر عادتي بمدح من لم يتقدم له إليّ جميل، فقلت: إن الوزير شديد الشغف بموردك، و معتقد فيك الزيادة بك على أملك، و الامتناع من خدمته إلا بعد الاستسلاف لصلته غير مستحسن منك بل مستقبح لك، فقال: ليس الى مخالفة عادتي سبيل (43- و) و اتصل ذلك بأبي محمد من غير وجهتي، فأكد غيظه، و أظهر الاملال به، و الاطراح له، و فرق ما كان أعده على الشعراء، و زادهم، مدة مقام أبي الطيب، من الاحسان و العطاء، و توجه أبو الطيب إلى شيراز، ثم عاد منها، فكانت وفاته في الطريق بين دير العاقول و مدينة السلام، على ما شرح في أخباره؛ و قد كان أبو محمد اعتقد أن يقطعه بالفعال الجميل، و الحباء الجزيل عن قصد شيراز، فلما جرى أمره على ما جرى، تغيرت نيته، و استحالت تلك العزيمة منه.

قلت: و هذا الوزير أبو محمد هو المهلبي.

قال: و حدثني قال: حدثني أبو علي والدي قال: حدثني أبو اسحاق والدي قال: راسلت أبا الطيب المتنبي في أن يمدحني بقصيدتين، و أعطيته خمسة آلاف درهم، و وسطت بيني و بينه صديقا له ولي، فأعاد الجواب بأنني ما رأيت بالعراق من يستحق المدح غيرك، و لا من أوجب علي حقا سواك، و إن أنا مدحتك تنكر لك الوزير أبو محمد المهلبي لأنني لم أمدحه، و جرى بيننا في ذاك ما قد عرفته، فإن كنت لا تراعي هذه الحال، لأنني لم أمدحه، و جرى بيننا في ذاك ما قد عرفته، فأن كنت لا تراعي هذه الحال، و لا تباليها فعلت و لم أرد منك عوضا من مال. قال:

فنبهني و الله الى ما كان ذهب عني، علمت أنه نصحني، فلم أعاوده. (43- ظ) (1)

____________

(1)- في الحاشية: بلغ بدر الدين عبد الواحد.

670

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

671

[تنبيه‏]

بسم الله الرحمن الرحيم و به توفيقي‏

و ذكر علي بن عيسى الربعي في كتاب «التنبيه» الذي رد فيه على ابن جني في كتاب «الفسر» قال: كنت يوما عند المتنبي بشيراز فقيل له: أبو علي الفارسي بالباب، و كانت بينهما مودة، فقال: بادروا إليه فأنزلوه، فدخل عليه أبو علي و أنا جالس عنده، فقال: يا أبا الحسن خذ هذا الجزء فأعطاني جزءا من كتاب التذكرة و قال: اكتب عن الشيخ البيتين اللذين ذاكرتك بهما، و هما:

سأطلب حقيّ بالقنا و مشايخ‏* * * كأنّهم من طول ما التثموا مرد

ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا* * * كثير إذا شدّوا قليل إذا عدّوا

فهما مثبتان في التذكرة بخطي، قال: و هذا من فعل الشيخ أبي علي الفارسي عظيم، قال الربعي: و كان قصد أبي علي الفارسي نفعه لا التأدب و التكثّر، و أيّا قصد فهو كثير.

قرأت بخط يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد الحصكفي في تعليق له، حكي أن السّريّ الرفّاء حين قصد سيف الدولة ابن حمدان (رحمه الله) أنشده بديها بيتين هما:

إني رأيتك جالسا في مجلس‏* * * قعد الملوك به لديك و قاموا

فكأنك الدهر المحيط عليهم‏* * * و كأنهم من حولك الأيام‏ (1)

____________

(1)- ديوانه: 82- 83.

672

ثم أنشده بعد ذلك ما كان قال فيه من الشعر، و بعد يومين أو ثلاثة (45- و) أنشده أبو الطيب المتنبي: أ يدري الدمع‏ (1) أي دم أراقا.

إلى أن انتهى إلى قوله:

و خصر تنبت الأبصار فيه‏* * * كأنّ عليه من حدق نطاقا

قال: فقال السري هذا و الله معنى ما قدر عليه المتقدمون، ثم إنه حمّ في الحال حسدا، و تحامل إلى منزله، فمات بعد ثلاثة أيام.

قلت: هكذا وجدته بخط الحصكفي، و المتنبي فارق سيف الدولة في سنة ست و أربعين و ثلاثمائة و السري توفي بعيد سنة ستين و ثلاثمائة ببغداد على ما نقله الخطيب في تاريخه‏ (2)، و قيل سنة اثنتين و ستين و ثلاثمائة، فعلى هذا لا يكون لهذه الحكاية صحة.

و قد نقل ابو اسحاق إبراهيم بن حبيب السقطي في تاريخه المسمى «بلوامع الأمور» أن السري توفي سنة أربع و أربعين و ثلاثمائة، فعلى هذا تكون هذه الحكاية محتملة الصحة بشرط أن يكون موت السري بالشام، و لم ينقل ذلك كيف، و هو أن هذه القصيدة من أول شعر أبي الطيب المتنبي في سيف الدولة و الله أعلم.

أخبرنا ياقوت بن عبد الله الحموي قال: و حدث أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبيّ أن الصاحب إسماعيل بن عبّاد قال بأصبهان، و هو يومئذ على الانشاء:

بلغني أن هذا الرجل، يعني المتنبي، قد نزل بأرجان متوجها إلى ابن العميد، و لكن إن جاءني خرجت إليه من جميع (45- ظ) ما أملكه، و كان جميع ما يملكه لا يبلغ ثلاثمائة دينار، فكنا نعجب من بعد همته و سمو نفسه و بلغ ذلك المتنبي، فلم‏

____________

(1)- كتب فوقها بالاصل: الربع، و ليست القصيدة في ديوان المتنبي المطبوع.

(2)- تاريخ بغداد: 9/ 194.

673

يعرج عليه، و لا التفت إليه، فحقدها الصاحب حتى حمله على اظهار عيوبه في كتاب ألفه، لم يصنع فيه شيئا، لأنه أخذ عليه مواضع تحمّل فيها عليه.

أخبرني في بعض أهل الأدب قال: وحدت في كتاب بعض الفضلاء عن أبي القاسم عبد الصمد بن بابك قال: قال أبو الفتح بن جني: كنت أقرأ ديوان أبي الطيب عليه، فقرأت قوله في كافور:

أغالب فيك الشوق و الشوق أغلب‏* * * و أعجب من ذا الهجر و الوصل أعجب‏

حتى بلغت إلى قوله:

ألا ليت شعري هل أقول قصيدة* * * فلا أشتكي فيها و لا أتعتّب‏

و بي ما يذود الشعر عني أقلّه‏* * * و لكن قلبي يا ابنة القوم قلّب‏ (1)

فقلت له: يعز علي كيف يكون هذا الشعر في ممدوح غير سيف الدولة، فقال:

حذرناه و أنذرناه فما نفع، أ لست القائل فيه:

أخا الجود أعط الناس ما أنت مالك‏* * * و لا تعطين الناس ما أنا قائل‏

(2)

فهو الذي أعطاني لكافور بسوء تدبيره و قلة تمييزه.

و أحضر إليّ عماد الدين أبو القاسم علي بن القاسم بن علي بن الحسن الدمشقي، و قد قدم علينا حلب في رحلته إلى خراسان، جزءا فيه أخبار سيف الدولة بن حمدان‏

____________

(1)- ديوانه: 50- 51.

(2)- ليس في ديوانه المطبوع.

674

(46- و) تأليف أبي الحسن علي بن الحسين الديلمي الزرّاد، فنقلت منه: و كان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة فيتكلمون بحضرته، و كان يحضره أبو إبراهيم، و ابن ماثل القاضي، و أبو طالب البغدادي، و غيرهم، فوقع بين المتنبي و بين أبي عبد الله الحسين بن خالويه كلام، فوثب ابن خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح كان معه، ففتخه و خرج دمه يسيل على ثيابه و غضب، فمضى الى مصر، فامتدح كافورا الاخشيدي.

أنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد القاضي عن أبي الحسن علي بن أحمد بن منصور الغساني و أبي الحسن علي بن المسلم السلمي قالا:

أخبرنا أبو نصر بن طلاب قال: أملى علينا أبو عبد الله المحسن بن علي ابن كوجك، و أخبرنا أن أباه حدثه قال: كنت بحضرة سيف الدولة و أبو الطيب اللغوي و المتنبي و أبو عبد الله بن خالويه، و قد جرت مسألة في اللغة تكلم فيها ابن خالويه مع أبي الطيب اللغوي، و المتنبي ساكت، فقال له الامير سيف الدولة: ألا تتكلم يا أبا الطيب، فتكلم فيها بما قوى حجة أبي الطيب اللغوي، و أضعف قول ابن خالويه، فحرد منه و أخرج من كمه مفتاح حديد لبيته ليلكم به المتنبي، فقال له المتنبي: اسكت ويحك فانك عجمي، و أصلك خوزي، و صنعتك الحياكة فما لك و للعربية؟!.

و دفع الى بعض الشراف من أهل حلب كتابا فيه تاريخ جمعه أبو غالب همام ابن الفضل بن جعفر بن علي بن المهذب المعري قال: في حوادث سنة سبع و ثلاثين و ثلاثمائة، و فيها: وصل أبو الطيب المتنبي الشاعر الى سيف الدولة و مدحه بالقصيدة الميمية.

و فاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... (1).

____________

(1)- ديوانه: 244.

675

بعد انصرافه من حصن برزويه. (1).

و قال في حوادث سنة ست و أربعين و ثلاثمائة: فيها سار المتنبي من الشام الى مصر.

و وقع إلي أجزاء من تاريخ مختار الملك محمد بن عبيد اللّه بن أحمد المسبحي‏ (2)، فقرأت فيه قصيدة لأبي الطيب يرثي بها أبا بكر بن طغج الاخشيذ، و يعزي ابنه أنوجور بمصر سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة، و القصيدة ليست في (46- ظ) ديوان شعره، فقد كان أبو الطيب صعد الى مصر مرة أخرى قبل هذه المرة التي ذكرناها، و أول القصيدة.

هو الزمان مشت بالذي جمعا* * * في كل يوم ترى من صرفه بدعا

إن شئت مت أسفا أو فابق مصطبرا* * * قد حل ما كنت تخشاه و قد وقعا

لو كان ممتنع تغنيه منعته‏* * * لم يصنع الدهر بالاخشيذ ما صنعا

و هي طويلة.

و قرأت في كتاب أبي القاسم يحيى بن علي الحضرمي الذي ذيل به تاريخ أبي سعيد بن يونس، و ذكر فيه من دخل مصر من الغرباء فقال: أحمد بن الحسين بن الحسن الكوفي الشاعر، أبو الطيب، يعرف بالمتنبي، رحل من مصر سرا من السلطان ليلة النحر سنة خمسين و ثلاثمائة، و وجه الاستاذ كافور خلفه رواحل الى جهات شتى، فلم يلحق‏ (3).

____________

(1)- بقايا هذا الحصن قريبة من جسر الشغر السورية.

(2)- من أعظم من أرخ للدولة الفاطمية في مصر وصلتنا قطعة صغيرة من تاريخه فيها حوادث 414- 416 موجودة في مكتبة دير الاسكوريال، و قد نشرت في مصر.

(3)- كتاب ابن يونس بحكم المفقود و كذلك ذيله، و نقل المقريزي هذا الخبر في ترجمته للمتنبي في المجلدة الاولى من كتابه المقفى (مخطوطة برتو باشا) انما دون ذكر المصدر، لكنه زادنا بتفاصيل خبر مغادرته لمصر حيث قال: «و عند ما عزم على الهرب من مصر أرسل الى أبي بكر الفرغاني أحد جلساء كافور يقول له: اني أجد

676

أنشدنا علي بن أحمد المادرائي قال: كتب أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي في حاجة كانت له بالرملة:

إني سألتك بالذي‏* * * زان الامامة بالوصي‏

و أبان في يوم الغدير* * * لكل جبار غوي‏

فضل الإمام عليهم‏* * * بولاية الرب العلي‏

إلّا قصدت لحاجتي‏* * * و أعنت عبدك يا علي‏

قال: و كان يتشيع، و قيل: كان ملحدا، و الله أعلم.

قلت: و سنذكر (47- و) في ترجمة طاهر بن الحسن بن طاهر حكاية عن الخالديين تدل على أن المتنبي كان مخالفا للشيعة.

أنبأنا أبو اليمن الكندي عن الشيخ أبي منصور موهوب بن أحمد الجواليقي قال: قال علي بن حمزة البصري صاحب أبي الطيب المتنبي- أو غيره ممن صحب المتنبي، شك فيه أبو منصور قال: بلوت من أبي الطيب ثلاث خلال محمودة، و تلك:

____________

وجعا، و للاستاذ عندي رقعة فيها مهم، فتدفعها اليه عشية العيد عند العتمة اذا خلا، فقد هنيته بالعيد و ذكرت عذري في التأخر، فأخذ الفرغاني الرقعة، و هرب المتنبي من ساعته، و أصبح الناس بشغل العيد، و جلس كافور عشية العيد للشعراء فسأل عن المتنبي، و قال: سلو عنه، فتوانى من قيل له، و توانى الفرغاني أيضا تلك الليلة في ايصال الرقعة الى كافور، فلم يوصلها اليه الا من الغد، فجاء بها كافور مع العتمة، و قال له و الشمع بين يديه: دفع لي عبدك أبو الطيب المتنبي رقعة و هو ضعيف من شي‏ء يجده، و عرفني أن فيها مهما، فاتهمه كافور أنه قد هجاه في الرقعة فأخذها بيده، و قال: أرسلوا الي أبي الطيب، سلوا عنه، فمضى عدة من الرسل في طلبه، فانكشف الامر أنه قد هرب، فوضع كافور الرقعة في الشمعة و أحرقها بيده، و علم أنه هجاه، و أخذ يسب من حسن له التقصير في أمره، و تأسف عليه و قلق بذهابه». و المثير في خبر فرار المتنبي أن كافور الاخشيدي كان سيدا لمصر و لجنوب الشام بامكانه الايعاز الى عماله بملاحقة المتنبي، و هنا لا بد من افتراض وجود من دبر فرار المتنبي مما يرجح القول أنه كان يعمل لحساب الدعوة الاسماعلية.

677

أنه ما كذب، و لا زنى، و لا لاط، و بلوت منه ثلاث خلال ذميمة كل الذم، و تلك:

أنه ما صام، و لا صلى، و لا قرأ القرآن، عفا الله عنا و عنه آمين.

و ذكر ابن فورجة في كتاب «التجني على ابن جني» عن أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري عن رجل من أهل الشام كان يتوكل لابي الطيب‏ (1) في داره، يعرف بأبي سعد، قال: و بقي الى عهدنا، قال: دعاني أبو الطيب يوما و نحن بحلب، أظنه قال، و لم أكن عرفت منه الميل الى اللهو مع النساء و لا الغلمان فقال لي: أ رأيت الغلام ذا الاصداغ الجالس الى حانوت كذا من السوق، و كان غلاما وسيما فحاشا فيما بسبيله، فقلت: نعم و أعرفه، فقال: امض فاتني به و اتخذ دعوة و أنفق و أكثر، فقلت: و كم قدر ما أنفقه، فلم يزدني على قوله: أنفق و أكثر، و كنت أستطلع رأيه في جميع ما أنفق، فمضيت، و اتخذت له ثلاثة ألوان من الاطعمة و صحفات من الحلواء، و استدعيت الغلام، فأجاب و أنا متعجب من جميع ما أسمع منه، اذا لم تجر له عادة بمثله، فعاد من (47- ظ) دار سيف الدولة آخر النهار و قد حضر الغلام، و فرغ من اتخاذ الطعام، فقال: قدم ما يؤكل و واكل ضيفك، فقدمت الطعام فأكلا و أنا ثالثهما، ثم أجن الليل، فقدمت شمعة و مرفع دفاتره، و كانت تلك عادته كل ليلة، فقال: أحضر لضيفك شرابا و اقعد الى جانبه فنادمه، ففعلت ما أمرني به، كل ذلك و عينه الى الدفتر يدرس و لا يلتفت إلينا إلّا في الحين بعد الحين، فما شربنا إلّا قليلا حتى قال: افرش لضيفك و افرش لنفسك و بت ثالثنا، و لم أكن قبل ذلك أبايته في بيته، ففعلت و هو يدرس حتى مضى من الليل أكثره، ثم أوى الى فراشه و نام، فلما أصبحنا قلت له: ما يصنع الضيف؟

فقال: احبه و اصرفه، فقلت له: و كم أعطيه؟ فأطرق ساعة ثم قال: أنطه ثلاثمائة درهم، فتعجبت من ذلك، ثم جسرت نفسي فدنوت اليه و قلت: انه ممن يجيب بالشي‏ء اليسير و أنت لم تنل منه حظا، فقطب ثم قال: أ تظنني من هؤلاء

____________

(1)- كرر بالاصل عباره لابي الطيب.

678

الفسقة، أنطه ثلاثمائة درهم و لينصرف راشدا، قال: ففعلت ما أمرني به، و صرفته‏

قال: و هذا من بديع أخباره، و لو لا قوة اسناده لما صدقت به.

أنبأنا أبو الحسن بن المقير عن أبي الفتح بن البطي عن أبي نصر الحميدي قال:

أخبرني غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال بن المحسن بن أبي اسحاق الصابئ قال: و حدثني رضي الله عنه- يعني والده هلال بن المحسن- قال: حدث الرضي أبو الحسين محمد بن الحسين الموسوي قال: حدثني أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف حكار قال: لما وصل أبو الطيب المتنبي الى حضرة عضد الدولة في أول مجلس شاهده فيه، قال لي عضد الدولة: أخرج و استوقفه و اسأله كيف شاهد مجلسنا، و أين الامراء الذين لقيهم في نفسه منا؟ قال: فامتثلت ما أمرني به، و لحقته و جلست معه و حادثته و طاولته و أطلت معه في المعنى الذي ذكرته، فكان جوابه عن جميع ما سمعه مني أن قال: ما خدمت عيناي قلبي كاليوم، فجاء بالجواب موزونا، و استوفى القول في اختصار من اللفظ.

قرأت في مجموع صالح بن ابراهيم بن رشدين بخطه قال لي أبو نصر بن غياث النصراني الكاتب: اعتل أبو الطيب المتنبي بمصر العلة التي وصف الحمى في أبياته من القصيدة الميمية، فكنت أواصل عيادته و قضاء حقه (48- و) فلما توجه الى الصلاح و أبل أغببت‏ (1) زيارته ثقة بصلاحه، و لشغل قطعني عنه، فكتب إلي: وصلتني وصلك الله معتلا و قطعتني مبلا، فان رأيت أن لا تحبب العلة إليّ، و لا تكدر الصحة علي فعلت ان شاء الله.

و نقلت من هذا المجموع بخطه: ذكر لي أبو العباس بن الحوت الوراق (رحمه الله) أن أبا الطيب المتنبي أنشده لنفسه هذين البيتين:

____________

(1)- أي انقطعت عن زيارته.

679

تضاحك منّا دهرنا لعتابنا* * * و علمنا التمويه لو نتعلم‏

شريف زغاويّ و زان مذكر* * * و أعمش كحال و أعمى منجّم‏ (1)

أنشدنا أبو حفص عمر بن علي بن قشام الحلبي- قراءة عليه بها- قال:

أنشدنا الحافظ أبو بكر محمد بن علي بن ياسر الجياني الحافظ قال: أنشدني أبو القاسم زاهر بن طاهر قال: أخبرنا أبو الحسين البحيري قال: أنشدنا محمد بن الحسين بن موسى السلمي قال: أنشدني محمد بن الحسين البغدادي قال:

أنشدني المتنبي:

هنيئا لك العيد الذي أنت عيده‏* * * وعيد لمن سمّى و ضحّى و عيّدا

فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى‏* * * كما كنت فيهم أوحدا كان أو حدا

(2)

أخبرنا الشيخ الصالح أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي قال: أخبرنا محمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الخطيب قال:

أخبرنا أبو بكر محمد بن منصور بن محمد السمعاني قال: سمعت الشيخ أبا الحسن علي بن أحمد المديني قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي قال: سمعت السيد أبا الحسن محمد بن أبي (48- ظ) اسماعيل العلوي يقول: دخل المتنبي على الاستاذ الرئيس أبي الفضل محمد بن الحسين، و بين يديه مجامر من آس و نرجس، قد أخفي فيها مواضع النار، لا ترى النار، و يشم رائحة الند، فقال:

يا أبا الطيب قل فيه شيئا، فأنشأ يقول:

أحبّ الذي حبّت الأنفس‏* * * و أطيب ما شمّه المعطس‏

و نشر من الند لكنه‏* * * مجامره الآس و النرجس‏

و لست أرى وهجا هاجه‏* * * فهل هاجه عزك الأقعس‏

و إنّ القيام الذي حوله‏* * * لتحسد أقدامها الأرؤس‏ (3)

____________

(1)- ليسا في ديوانه.

(2)- ديوانه: 94 من قصيدة قالها يمدح بها سيف الدولة و يهنئه بعيد الاضحى سنة اثنتين و أربعين و ثلاثمائة.

(3)- ليست في ديوانه.

680

أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن محمود بن الاخضر البغدادي في كتابه قال:

أخبرنا الرئيس أبو الحسن علي بن علي بن نصر بن سعيد البصري قال: أخبرنا أبو البركات محمد بن عبد الله بن يحيى الوكيل قال: أخبرنا علي بن أيوب بن الحسين بن الساربان قال: و خرج يعني المتنبي من شيراز لثمان خلون من شعبان قاصدا الى بغداد ثم الى الكوفة، حتى اذا بلغ دير العاقول‏ (1) و خرج منه قدر ميلين، خرج عليه فرسان و رجاله من بني أسد و شيبان فقاتلهم مع غلامين من غلمانه ساعة و قتلوه، و قتل معه أحد الغلامين و هرب الآخر، و أخذوا جميع ما كان معه، و تبعهم ابنه المحسّد طلبا لكتب أبيه فقتلوه أيضا، و ذلك كله يوم الاثنين لثمان بقين من رمضان سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة (49- و).

أنبأنا زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: خرج المتنبي الى فارس من بغداد فمدح عضد الدولة و أقام عنده مدة مديدة، ثم رجع يريد بغداد فقتل في الطريق بالقرب من النعمانية في شهر رمضان سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة (2).

و قرأت في تاريخ أبي محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني: لما هرب المتنبي الشاعر من مصر و صار الى الكوفة فأقام بها، و صار الى ابن العميد فمدحه، فقيل انه صار اليه منه ثلاثون ألف دينار، و قال له: تمضي الى عضد الدولة، فمضى من عنده اليه، فمدحه و وصله بثلاثين ألف دينار، و فارقه على أن يمضي الى الكوفة يحمل عياله و يجي‏ء معهم إليه، و سار حتى وصل الى النعمانية (3) بازاء قرية تقرب منها يقال لها بنورا، فوجد أثر خيل هناك فتنسم خبرها فاذا خيل قد كمنت له، فصادفته لانه قصدها فطعن طعنة نكس عن فرسه، فلما سقط الى الأرض نزلوا

____________

(1)- كان على دجلة بينه و بين بغداد خمسة عشر فرسخا. معجم البلدان.

(2)- تاريخ بغداد: 4- 105.

(3)- بليدة بين واسط و بغداد. معجم البلدان.

681

فاحتزوا رأسه ذبحا، و أخذوا ما كان معه من المال و غيره، و كان مذهبه أن يحمل ماله معه أين توجه، و قتل ابنه معه و غلام من جملة خمس غلمة كانوا معه، و إن الغلام المقتول قاتل حتى قتل، و كان قتل المتنبي يوم الاثنين لخمس بقين من شهر رمضان سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة.

قال الفرغاني: و حدثت أنه لما نزل المنزل الذي رحل منه فقتل جاءه قوم خفراء فطلبوا منه خمسين (49- ظ) درهما ليسيروا معه فمنعه الشح و الكبر، فأنذروا به، فكان من أمره ما كان.

قال: و قيل بأنهم لما طلبوا منه الخفارة اعتذر في ذلك أن قال لهم:

لا أكذب نفسي في قولي‏ (1)* * * يذمّ لمهجتي سيفي و رمحي‏

ففارقوه على سخط و أنذروا به و كان من أمره ما كان.

و قرأت في جذاذة طرس مطروح في النسخة التي وقعت إليّ بسماع جد جد أبي القاضي أبي الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة من شعر المتنبي على محمد بن عبد الله بن سعد النحوي الحلبي و فيها مكتوب بغير خط النسخة: المتنبي أبو الطيب أحمد بن الحسين، عاد من شيراز من عند فناخسرو و ابن العميد وزيره بأموال جزيلة، فلما صار بالصافية من أرض واسط وقع به جماعة من بني أسد و غيرهم فقتلوه و خمس غلمان كانوا معه و ولده، و سلبوا المال، و ذلك في شوال من سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة، و كان المتولي لقتله رجل منهم يقال له فاتك بن أبي جهل، و هو ابن خالة ضبة الذي هجاه المتنبي، و كان على شاطى‏ء دجلة.

و سمعت والدي (رحمه الله) يقول لي: بلغني أن المتنبي لما خرج عليه قطاع الطريق و معه ابنه و غلمانه أراد أن ينهزم، فقال له ابنه: يا أبة و أين قولك:

____________

(1)- كذا بالاصل و هذا الشطر غير مستقيم الوزن و هو من الوافر، و ليس بالديوان المطبوع.

682

الخيل و الليل و البيداء تعرفني‏* * * و الطعن و الضرب و القرطاس و القلم‏

(1)

فقال له: قتلتني يا بن اللخناء ثم ثبت و قاتل حتى قتل. (50- و).

سير الى الشريف الاجل العالم تاج الشرف شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي الحسيني جزءا بخطه في مقتل أبي الطيب كتب فيه ما نقلته و صورته: نقلت من خط أبي بكر محمد بن هاشم الخالدي، أحد الخالديين في آخر النسخة التي بخطه من شعر أبي الطيب المتنبي ما هذه صورته، ذكر مقتله:

كنا كتبنا الى أبي نصر محمد بن المبارك الجبلي نسأله شرح ذلك، و هذا الرجل من وجوه التناء (2) بهذه الناحية و له أدب و حرمة فأجابنا عن كتابنا جوابا طويلا يقول فيه: و أما ما سألتما عنه من خبر مقتل أبي الطيب المتنبي (رحمه الله)، فأنا أنسقه لكما و أشرحه شرحا بينا:

إعلما أن مسيره كان من واسط في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة و قتل ببيزع‏ (3) ضيعة بقرب من دير العاقول في يوم الاربعاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة، و الذي تولى قتله و قتل ابنه و غلامه رجل من بني أسد يقال له فاتك بن أبي الجهل بن فراس بن بداد، و كان من قوله و هو منعفر: قبحا لهذه اللحية يا سباب، و ذلك أن فاتكا هذا قرابة لوالدة ضبّة بن يزيد العيني الذي هجاه المتنبي بقوله:

ما أنصف القوم ضبّة* * * و أمه الطرطبة

و يقال ان فاتكا خال ضبة، و أن الحمية داخلته لما سمع ذكرها بالقبيح في الشعر و ما للمتنبي شعر أسخف من هذا الشعر كلاما، فكان على سخافته و ركالته (50- ظ) سبب قتله و قتل ابنه و ذهاب ماله.

____________

(1)- ديوانه: 250.

(2)- أي الدهاقين أو الذين يتولون ادارة الاراضي و المزارع.

(3)- قرية بين دير العاقول و جبل. معجم البلدان.

683

و أما شرح الخبر فان فاتكا كان صديقا لي، و كان كما سمي فاتكا لسفكه الدماء و اقدامه على الاهوال، فلما سمع الشعر الذي هجي به ضبة، أحفظه ذلك و اشتد عليه، و رجع على ضبة باللوم، و قال له: قد كان يجب أن لا تجعل لشاعر عليك سبيلا، و أضمر غير ما أظهر، و اتصل به انصراف المتنبي من بلد فارس الى العراق، و أن اجتيازه بجبل و دير العاقول، فلم يكن ينزل عن فرسه و جماعة معه من بني عمه رأيهم في المتنبي مثل رأيه في طلبه و استعلام خبره من كل صادر و وارد و كان فاتك يتحرق خوفا أن يفوته، و كان كثيرا ما يجيئني و ينزل عندي، فقلت له يوما و قد جاءني و هو يسأل قوما مجتازين عنه: قد أكثرت المسألة عن هذا الرجل فأي شي‏ء عزمك أن تفعله به متى لقيته، قال: ما عزمي إلا الجميل، و أن أعذله على ما أفحش فيه من الهجاء، فقلت: هذا الأليق بأخلاقك و الأشبه بأفعالك، فتضاحك ثم قال: يا أبا نصر و الله لئن اكتحلت عيني به، أو جمعتني و اياه بقعة لأسفكن دمه و لأمحقن حياته إلا أن يحال بيني و بينه، فقلت له: كف عافاك الله عن هذا القول، و ارجع الى الله، و أزل هذا الرأي عن قلبك، فان الرجل شهير الاسم، بعيد الصوت، و قتلك إياه في شعر قاله لا يحسن، و قد هجت الشعراء الملوك في الجاهلية و الخلفاء في الاسلام فما علمنا أن شاعرا قتل بهجاء، و قد قال:

هجوت زهيرا ثم إني مدحته‏* * * و ما زالت الأشراف تهجا و تمدح‏

و لم يبلغ جرمه ما يوجب قتله، فقال: يفعل الله ما يشاء، و انصرف، فلم يمض لهذا القول (51- و) إلّا ثلاثة أيام حتى وافى المتنبي و معه بغال موقرة بكل شي‏ء من الذهب و الفضة و الثياب و الطيب و الجوهر و الآلة، لأنه كان اذا سافر لم يخلف في منزله درهما و لا دينارا و لا ثوبا و لا شيئا يساوي درهما واحدا فما فوقه، و كان أكثر اشفاقه على دفاتره لانه كان قد انتخبها و أحكمها قراءة و تصحيحا.

قال فتلقيته و أنزلته داري و سائلته عن أخباره و عمن لقي، و كيف وجد من‏

684

قصده، فعرفني من ذاك ما سررت به، و أقبل يصف لي ابن العميد و فضله و أدبه و عمله و كرمه، و سماحة الملك فنا خسرو و رغبته في الادب و ميله الى أهله، فلما أمسينا قلت له: على أي شي‏ء أنت مجمع؟ قال: على أن أتخذ الليل جملا، فان السير فيه يخفّ عليّ، قلت هذا هو الصواب رجاء أن يخفيه الليل و لا يصبح إلّا و قد قطع بلدا بعيدا، و الوجه أن يكون معك من رجالة هذه المدينة الذين يخبرون الطريق، و يعرفون المواضع المخوفة فيه، جماعة يمشون بين يديك الى بغداد، فقطب و قال: لم قلت هذا القول؟ قلت: تستأنس بهم، قال: أما و الجراز (1) في عنقي فما بي حاجة الى مؤنس غيره، قلت الامر كما تقول، و الرأي في الذي أشرت به عليك، فقال: تلويحك هذا ينبي عن تعريض، و تعريضك يخبر عن تصريح، فعرفني الأمر و بين لي الخطب، قلت: ان هذا الجاهل فاتك الأسدي كان عندي منذ ثلاثة أيام، و هو محفظ عليك لأنك هجوت ابن أخته، و قد تكلم بأشياء توجب الاحتراس و التيقظ، و معه أيضا نحو العشرين فارسا من بني عمه قولهم مثل قوله، قال: و غلامه- و كان عاقلا لبيبا فارسا- يسمع كلامنا، فقال: الصواب ما رآه أبو نصر، خذ معك (51- ظ) عشرين راجلا يسيرون بين يديك الى بغداد، فاغتاظ غيظا شديدا و شتم الغلام شتما قبيحا، و قال: و الله لا تحدّث عني أني سرت في خفارة أحد غير سيفي.

قلت: يا هذا فأنا أوجه قوما من قبلي في حاجة يسيرون بمسيرك و يكونون في خفارتك، قال: و الله لا فعلت شيئا من هذا، ثم قال لي: يا أبا نصر أبخروا الطير تخشيني، و من عبيد العصا تخاف عليّ، و و الله لو أن مخصرتي هذه ملقاة على شاطى‏ء الفرات و بنو أسد معطشون لخمس و قد نظروا الى الماء كبطون الحيات ما جسر لهم خف و لا ظلف أن يرده، حاشى لله من فكر اشتغله بهم لحظة العين،

____________

(1)- أي السيف- القاموس.

685

فقلت له: قل ان شاء الله، فقال: كلمة مقولة لا تدفع مقضيا و لا تستجلب آتيا، ثم ركب فكان آخر العهد به.

قال: و لما صح عندي خبر قتله، وجهت من دفنه و ابنه و غلامه، و ذهبت دماؤهم هدرا. و الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد النبي و على أهل بيته الطيبين الطاهرين و سلم تسليما و كتب محمد بن هاشم الخالدي بالموصل في سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة، و هو يستغفر الله و يستقيله من كل ذنب و خطيئة عن عمد أو خطأ. (1).

أما قولنا بخروا الطير تخشيني و من عبيد العصا تخاف علي، فان أسد يلقبون خروا الطير، قال امرؤ القيس:

فرت بنو أسد خروا الطير عن أربابها ...

و يلقبون أيضا عبيد العصا، قال الشاعر، و نظنه امرؤ القيس أيضا:

قولا لدودان عبيد العصا.

آخر ما كان بخط أبي بكر الخالدي.

......... ما غركم بالأسد الباسل‏ (2)

____________

(1)- الآراء متباينة في عصرنا حول كيفية و أسباب مقتل المتنبي، و هناك من رأى وجود مؤامرة دبرتها السلطات البويهية، و أن الامر ارتبط بعقيدة المتنبي و نشاطاته التي قيل انها كانت لصالح الدعوة الاسماعيلية المرتبطة بالخلافة الفاطمية.

(2)- روي أن حجر بن الحارث الكندي كان على بني أسد، و كانت له عليهم أتاوة في كل سنة، و قد بعث مرة اليهم جابيه الذي كان يجبيهم، فمنعوه ذلك، و ضربوا رسله، فسار حجر اليهم بجيش كثيف فاجتاحهم و أخذ سرواتهم و جعل يقتلهم بالعصا فسموا عبيد العصا، و بعد فترة عفا عنهم، ثم انهم وجدوا غفلة منه فقتلوه، فثار بدمه امرؤ القيس الشاعر و كان أصغر أولاده. انظر شعراء النصرانية قبل الاسلام للويس شيخو ط بيروت 1967: 8، 18.

686

كذا في الاصل، قد أتم هذا هذا البيت و أظنه بخط أخيه أبي عثمان و لا أتحققه. (52- و)

أخبرنا تاج الاماء أحمد بن محمد بن الحسن- كتابة- قال: أخبرنا عمي أبو القاسم عن أبي غالب شجاع ابن فارس بن الحسين الذهلي قال: أنشدني الحكيم أبو علي الحسين بن عبد الرحمن الثقفي النيسابوري لابي القاسم المظفر الزوزني الكاتب يرثي المتنبي- قلت: هو المظفر بن علي:

لا رعى الله سرب هذا الزمان‏* * * إذ دهانا في مثل ذاك اللسان‏

ما رأى الناس ثاني المتنبي‏* * * أي ثان يرى لبكر الزمان‏

كان في نفسه الكبيرة في جي* * * ش و في كبرياء ذي سلطان‏

كان في لفظه نبيا و لكن‏* * * ظهرت معجزاته في المعاني‏

أنشدني نجيب الدين داود بن أحمد بن سعيد بن خلف بن داود الطيبي التاجر إملاء من لفظه بحلب قال: أنشدني شمس الدين بن الوالي بالموصل لأخت المتنبي ترثي أخاها المتنبي لما قتل:

يا حازم الرأي إلا في تهجمه‏* * * على المكاره غاب البدر في الطفل‏ (1)

لنعم ما عاملتك المرهفات به‏* * * و نعم ما كنت توليها من العمل‏

الأرض أم أضناها بواحدها (2)* * * فاسترجعته و ردّته الى الحبل‏

أحمد بن الحسين بن حمدان، أبو العباس التميمي الشمشاطي:

أديب فاضل شاعر، له معرفة بالنحو و اللغة، قدم حلب في أيام سيف الدولة أبي الحسن بن حمدان و أملى بها أمالي و فوائد، و كتب عنه بعض (52- ظ)

____________

(1)- الطفل: الظلمة، و الشمس طلعت و احمرت عند الغروب. القاموس.

(2)- هذا الشطر مضطرب الوزن و قد يستقيم في قولنا: «الارض أم و أضناها بواحدها».

687

أفاضل الحلبيين شيئا منها، و روى في أماليه عن أبوي بكر بن دريد و ابن الأنباري، و أبوي عبد الله بن إبراهيم بن محمد نفطويه، و الحسن بن اسماعيل المحاملي و اسماعيل بن العباس الوراق، و أبي زكريا بن محمد، و حجظة البرمكي، و مغصا غلام أبي عبد الله نفطويه، و محمد بن يحيى الصولي، و محمد بن عبد الله بن الحسين المستعيني، و أبي نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي، و جماعة سواهم.

روى عنه أبو القاسم سلامة بن محمد بن عترة، و أبو الحسن محمد بن عبد الكافي بن محمد، و أبو بكر أحمد بن عمر بن البقال، و غيرهم.

نقلت من أمالي أبي العباس أحمد بن الحسين الشمشاطي التي أملاها بحلب من خط من كتبها عنه بها، و أنشدنا الشيخ لنفسه.

إذا شئت أن تكبت الحاسدي* * * ن غيظا و تقمع كيد العدو

فأغض و عفّ و سوّ المسا* * * ء في الفضل يزداده بالغدو

تبت حاسديك على غصّة* * * و تحم عدوّك طيب الهدو

و نقلت من الأمالي المذكورة بعينها: أنشدنا الشيخ لنفسه- يعني التميمي-:

قد تستزلّ المرء أوقاته‏* * * و يطمح السمع به و البصر

فالكيّس العاصي هوى نفسه‏* * * و الأيّد العفّ إذا ما قدر

استغفر اللّه فكم نظرة* * * سكرتها ما كلفت من سهر

قال: و أنشدنا الشيخ لنفسه: (53- و)

حسرات تطول إن أنت أكثر* * * ت التفاتا إلى الزمان القديم‏

لك فيما فقدتّ أسوة أسيان‏* * * ن‏ (1) و سال و جاهل و عليهم‏

____________

(1)- كتب ابن العديم في الحاشية: الاسيان الحزين.

688

كلّهم راعة الزمان بشيب‏* * * و فراق لصاحب و نعيم‏

فاستكانوا لذلك طوعا و كرها* * * و رضوا بالبقاء و التسليم‏

لو بقوا هانت الرّزايا و لكن‏* * * سلبوا بعد ذاك روح النسيم‏

قال: و أنشدنا الشيخ لنفسه:

أيها الرائح في العيد* * * بأرواح الوقوف‏

فاتر لحظك تفترّ* * * عن الدرّ الرصيف‏

أنت في العالم إحدى‏* * * بدع البرّ اللّطيف‏

إنّ من قلّدك السيف‏* * * جهول بالسيوف‏

أو غفول عند إيما* * * نك باللحظ الضّعيف‏

و قرأت في كتاب «اطرغش» تأليف أبي عبد الله الحسين بن خالويه النحوي، و ذكر جماعة مدحوه و مدحوا كتابه المذكور، و قال: قال أبو العباس:

الشميشاطي تميمي‏* * * للعلم لألاء بجانبيه‏

ليس بنحو نحو سيبويه‏* * * إلّا إذا قرأته عليه‏

و قد كان بين أبي العباس و بين ابن خالويه مودة تقتضي الثناء عليه، فإنني وقفت على أبيات لابي العباس يرثي بها أبا عبد الله بن خالويه بعد وفاته (53- ظ) أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال:

أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أحمد بن الحسين بن حمدان، أبو العباس التميمي الشمشاطي، حدّث ببغداد عن محمد بن عبد الله بن الحسين المستعيني.

روى عنه أبو بكر أحمد بن عمر البقال، و قال: هو شيخ ثقة قدم علينا من الموصل في سنة إحدى و سبعين و ثلاثمائة (1).

____________

(1)- تاريخ بغداد: 4/ 106- 107.

689

رأيت اجازة بخط أبي العباس التميمي كتبها لأبي الحسن محمد بن عبد الملك بن محمد، و قال في آخرها: و كتب أحمد بن الحسين التميمي بخطه بشاطئ دجلة في شوال سنة احدى و سبعين و ثلاثمائة فتكون وفاته بعد ذلك.

أحمد بن الحسين بن سعد بن أبان:

الشاهد الطرسوسي، حدّث عن أبي بكر محمد بن إبراهيم الشيرازي، روى عنه ... (1)

أحمد بن الحسين بن العباس الطرسوسي:

أبو علي حدّث‏ (2) ...، روى عنه الحسن بن فارس الطرسوسي نزيل سمرقند.

أحمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم بن الحكم بن عبد الله:

أبو زرعة الرازي، رحل في طلب الحديث، و دخل حلب، و سمع بها أبا بكر محمد بن الحسين بن صالح بن إسماعيل السّبيعي الحافظ، روى عنه أبو الطيب أحمد بن علي الطالبي الجعفري و غيره، و ذكره أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد، بما أخبرنا به زيد بن الحسن الكندي إذنا، قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا (54- و) الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال:

أحمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم بن الحكم بن عبد الله، أبو زرعة الرازي، سمع محمد بن إبراهيم بن نومرد، و عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، و علي ابن ابراهيم القطان القزويني، و عبد الله بن محمد الحارثي، و بكر بن عبد الله المحتسب البخاري، و الحسين بن إسماعيل المحاملي، و محمد بن مخلد الدّوري و كان حافظا متقنا ثقة، رحل في الحديث، و سافر الكثير، و جالس الحفاظ،

____________

(1)- لم يكمل ابن العديم هذه الترجمة.

(2)- فراغ بالاصل.

690

و جمع التراجم الأبواب، و حدّث ببغداد، فحدثنا عنه القاضيان: أبو العلاء الواسطي، و أبو القاسم التنوخي، و أبو زرعة روح بن محمد الرازي، و رضوان ابن محمد الدينوري‏ (1).

أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد بن يوسف الأوقي الصوفي- إجازة إن لم يكن سماعا- عن الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الأصبهاني قال: أخبرنا أبو البقاء المعمّر بن محمد بن علي الحبال بالكوفة قال: أخبرنا أبو الطيّب أحمد بن علي بن محمد الطالبي الجعفري قال حدثنا أبو زرعة أحمد ابن الحسين بن علي بن إبراهيم بن الحكم بن عبد الله الرازي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين بن اسماعيل السّبيعي بحلب قال: أخبرني المنذر بن محمد القابوسي قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي الحسين بن سعيد قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو أيوب الإفريقي عبد الله (54- ظ) بن علي قال: حدثني سماك عن جابر بن سمرة قال: كان أصحاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يتناشدون عنده الشعر و يذكرون أمر جاهليتهم، فيضحك رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و يتبسم إليهم.

أخبرنا أبو الحسن علي بن شجاع عن سالم قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن عبد المولى بن محمد اللبني قال: أخبرنا أبي قال: حدثنا أبو خلف عبد الرحيم ابن محمد المدبر قال: حدثنا المروزي- يعني أبا عبد الله الحسن بن علي بن محمد- قال: حدثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي (رحمه الله) قال:

حدثنا ابن رميس قال: حدثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي قال: حدثنا أبو زيد الهروي قال: حدثنا شعبة عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه كان يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له أ تفعل هذا و قد غفر «الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر (2)»؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا (3)! (55- و)

____________

(1)- تاريخ بغداد: 4/ 109.

(2)- سورة الفتح- الآية: 2.

(3)- انظره في كنز العمال: 7/ 18581.

691

أنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري القاضي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن قبيس الغساني قال: أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أخبرنا علي بن المحسن قال: سألنا أبو زرعة الرازي عن مولده، فقال: لست أحفظه، و لكن خرجت الى العراق أول دفعة لطلب الحديث سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة و كان لي آنذاك أربع عشرة سنة أو نحوها.

أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي- إجازة- قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن زريق القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ قال: قرأت في كتاب أبي القاسم بن الثلاج بخطه: فقد أبو زرعة أحمد ابن الحسين الرازي في طريق مكة سنة خمس و سبعين و ثلاثمائة (1).

أحمد بن الحسين بن علي بن محمد السكران:

ابن عبد الله بن الحسين بن الحسن الأفطس بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو القاسم الحسيني الأنطاكي الشاعر، ولد بمصر ثم انتقل إلى نصيبين، ثم أنطاكية، فسكنها فعرف بالأنطاكي لذلك.

و وفد على الأمير سيف الدولة أبي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان إلى حلب، و كان عنده بها في سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة حين استولى نقفور على حلب، و أسر الروم في تلك السنة امرأته فاطمة بنت محمد (55- ظ) بن أحمد ابن محمد بن الشبيه العلوية، و خلصها الله تعالى من الأسر بغير سعي، و قد ذكرنا حكاية أسرها و خلاصها في ترجمتها في ذكر النساء فيما يأتي في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.

و حكى عنه ابنه منها أبو يعلى، و كان أبو القاسم الشريف هذا شاعرا مجيدا

____________

(1)- تاريخ بغداد: 4/ 109.

692

جليل المقدار فاضلا أديبا، و من شعره ما أورده الشريف النسابة أبو الحسن علي ابن أبي الغنائم العمري.

قدك عني سئمت ذلّ الضراعة* * * أنا ما لي و صنيعة و بضاعة

إنما العزّ قدرة تملأ الأرض‏* * * و إلّا فعفّة و قناعة

أحمد بن الحسين بن القاسم:

و قيل ابن أبي القاسم، أبو خالد الصنعاني، قدم منبج، و حدث بها عن أبي القاسم يحيى بن الحسين بن موسى العطار، و سعيد بن العباس النيسابوري المقرئ؛ روى عنه المبارك بن محفوظ بن أحمد الرهاوي.

أخبرنا أبو حفص عمر بن علي بن قشام الحلبي الفقيه الحنفي فيما أذن لنا برويه عنه قال: أخبرنا أبو الفضائل عبد الوهاب بن صالح بن محمد بن علي الهمذاني في كتابه قال: حدثنا أبو القاسم عبد الغالب بن عمار بن الحسين بن محمد الخطيب بحلب قال: حدثني أبو الاسد محمد بن عبد العزيز بن محمد البالسي ببالس قال: أخبرنا والدي أبو تمام عبد العزيز (56- و) بن محمد القاضي قال:

أخبرنا ناشي بن مروان البصير قال: حدثنا المبارك بن محفوظ بن أحمد الرهاوي قال: حدثنا أبو حامد أحمد بن الحسين بن القاسم الصنعاني، قدم علينا منبج، قال: أخبرنا أبو القاسم يحيى بن الحسين بن موسى العطار قال: حدثنا الحسين ابن عبد العزيز الواعظ الكواز قال: حدثنا أبو الفرج عبد الرزاق بن حمدان البطين قال: حدثنا أبو بكر محمد بن المنذر قال: حدثني الربيع بن سليمان قال:

سمعت الشافعي يقول: فارقت مكة و أنا ابن خمس عشرة سنة، و ذكر القصة الى آخرها، أعني رحلة الإمام الشافعي رضى الله عنه‏ (1).

____________

(1)- يريد بذلك رحلته الى المدينة للاخذ على الامام مالك. انظر آداب الشافعي و مناقبه لابن أبي حاتم الرازي ط. القاهرة 1593: 25- 28.

693

أحمد بن الحسين بن محمد بن أحمد:

أبو العباس البغدادي الحنبلي المقرئ العراقي، كان عارفا بعلوم القرآن، و انتفع به جماعة، و كان حسن المحاضرة، دخل حلب و سمع بها أبا عبد الرحمن بن أبي الرضا بن سالم الرحبي، و قرأ عليه قصيدة أبي عبد الله محمد بن علي المعروف بابن المتقنه في الفرائض بروايته لها عنه، و كانت قراءته عليه بمدرسة الزجاجين في شهر رجب من سنة اثنتين و أربعين و خمسمائة، و سمع أيضا بحلب أبا الحسين أحمد ابن منير الأطرابلسي، و سمع ببغداد أبا محمد سعد الخير الأنصاري و محمد بن عبد الله بن سهلون السبط (56- ظ).

و روى عن هؤلاء المذكورين، و حدثنا أيضا بدمشق الإجازة عن أبي بكر محمد بن عبيد الله بن نصر الزاغوني، و روى عنه أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد المقدسي، و شيخنا أبو محمد عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن الحنبلي، و روى لنا عنه أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي.

أخبرنا الشيخ الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن الحسين بن محمد بن أحمد البغدادي المقرئ، بقراءتي عليه بدمشق في سنة اثنتين و ثمانين و خمسمائة، قلت له: أخبركم محمد بن عبد الله بن سهلون السبط بقراءتك عليه فأقر به، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن محمد بن عبد الله بن هزارمرد الصريفيني قراءة عليه في مسجده بصريفين‏ (1) في شعبان سنة ستين و أربعمائة قال: أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن اسحاق ابن سليمان بن حبابة قراءة عليه قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال: حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا شعبة و شيبان عن قتادة قال:

____________

(1)- ذكرها ياقوت باسم «صريفون» و قال: هي قرية كبيرة غناء شجراء بين عكبراء و أوانا على ضفة نهر دجيل.

694

سمعت أنس بن مالك قال: صليت خلف النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أبي بكر و عمر و عثمان رضى الله عنهم، فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم‏ (1).

و أخبرنا به أعلى منه بدرجة الشيخ أبو سعد ثابت بن مشرف (57- و) بن أبي سعد البناء البغدادي، بقراءتي عليه بحلب، قال: أخبرنا الشيخ أبو القاسم نصر بن نصر بن علي بن يونس العكبري و أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الزاغوني قالا: أخبرنا الشيخ أبو القاسم علي بن أحمد البسري قال: أخبرنا أبو طاهر محمد ابن عبد الرحمن بن العباس البزاز المخلص قراءة عليه في شهر ربيع الأول سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي فذكره باسناده مثله سواء.

وقع الى جزء بخط أبي الخطاب عمر بن محمد العليمي، جزءا يتضمن أسماء جماعة أجازوا لأبي العباس أحمد بن الحسين بن محمد بن أحمد البغدادي العراقي هذا، فمنهم: أبو الفتح بن البطي و أبو محمد عبد الله بن الموصلي، و أبو بكر بن المقرّب و يحيى بن ثابت؛ و من أهل أصبهان: أبو الخير مسعود الثقفي و أبو عبد الله الرستمي، و أبو المطهر الصيدلاني، و أبو موسى الحافظ و جماعة يطول ذكرهم.

قرأت بخط شيخنا ناصح الدين أبي محمد عبد الرحمن بن نجم بن الحنبلي في كتاب «الاستسعاد بمن لقيت من صالحي العباد في البلاد» و قد أجاز لنا الرواية عنه الشيخ أحمد بن الحسين بن محمد البغدادي و رأيت بخطه: العراقي سمع الحديث الكثير ببغداد، و قرأ القرآن العزيز بطرق كثيرة، و كان ماهرا فيه و تصدر لإقراء القرآن. تحت النسر (2) بجامع دمشق، فختم عليه القرآن جماعة، و كان كثير الحكايات و النوادر، قدم من بغداد مع الفقيه الأعز سنة أربعين و خمسمائة، قال لي:

____________

(1)- انظر كنز العمال: 2/ 4876.

(2)- الاشهر «قبة النسر» داخل جامع بني أمية بدمشق.