بغية الطلب في تاريخ حلب‏ - ج2

- ابن العديم عمر بن أحمد بن أبي جرادة المزيد...
429 /
845

له: نريد أن تكون العصا من عندنا، فتوقفت عن جوابه لأفكر فيه، فقام و قال:

فكر في أمرك الى أن أعود إليك و انصرف و ندمت بعد انصرافه على إخراجي عنه، و أمرت الغلمان بطلبه و رده فتفرقوا في كل طريق و ما وجدوه.

قال القاسم: و قال لي المعتضد بالله: أ تدري ما أراد أحمد بن الطيب لعنه اللّه بهذا الحديث؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين، قال: إنما أراد أن سبيل موسى (عليه السلام) في العصا كانت كسبيل هذا الرجل في الحجرين و أن الجميع بحيلة، و كان ذاك من أكبر ما نقمت عليه.

أخبرنا أبو الحسن بن المقير إذنا عن أبي الفضل بن ناصر قال: أنبأنا أبو القاسم بن أحمد عن أبي أحمد بن أبي مسلم عن أبي بكر الصولي قال: و أنشدني يحيى بن علي لنفسه في ابن الطيب، و كان قد زعم أنه أحرق كتبه كلها إلا الحديث و الفقه و اللغة و الشعر، فقال المعتضد: و ما ينفعه ذلك مع كفره.

يا من يصلى رياء* * * و يظهر الصّوم سمعه‏

و ليس يعبد ربّا* * * و لا يدين بشرعه‏

قد كنت عطلت دهرا* * * فكيف أسلمت دفعه‏

إن كنت قد تبت فالشّ‏* * * يخ لا يفارق طبعه‏

لو ظلت في كل يوم‏* * * مصلّيا ألف ركعه‏

و صمت دهرك لا مف* * * طرا و لا يوم جمعه‏

ما كنت في الكفر إلا* * * كالنار في رأس قلعه‏ (1)

تتلو القرآن و لو تس* * * طيع فرقت جمعه‏

و إن سمعت بحق‏* * * حاولت بالزور دفعه (139 ظ)

قل لي أبعد اتباع ال* * * كندي تعمر ربعه‏

____________

(1)- كتب ابن العديم في الحاشية: خ- أي في نسخة أخرى- تلعه.

846

و تستقي الكفر منه‏* * * و لا تحاذر شنعه‏

أظهرت تقوى و نسكا* * * هيهات في الأمر صنعه‏

و لو بدا لك سلح‏* * * منه لآثرت لطعه‏ (1)

فاذهب الى مذهب الشي* * * خ ربّ صك برجعه‏

فما تقاك مليحأ* * * و ليس كفرك بدعه‏

فأنشدتها المعتضد بالله في آخر أيام ابن الطيب، فقال: اكتبها و ادفعها إليه، ففعلت ذلك.

ذكر أبو الحسين محمد بن أحمد القواس قال: ولي أحمد بن الطيب الحسبة يوم الاثنين، و المواريث يوم الثلاثاء، و سوق الرقيق يوم الاربعاء لسبع خلون من رجب سنة اثنتين و ثمانين و مائتين.

قال: و في هذا اليوم و هو يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الأولى سنة ثلاث و ثمانين غضب على أحمد بن الطيب.

قال: و في يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الأولى ضرب أحمد بن الطيب مائة سوط و حول إلى المطبق‏ (2)، و في صفر سنة ست و ثمانين و مائتين مات أحمد بن الطيب السرخسي.

____________

(1)- اللطع: أن تضرب مؤخر الانسان برجلك، و لطعه بالعصا: ضربه. القاموس.

(2)- من سجون بغداد.

847

حرف الظاء في آباء الأحمدين فارغ‏

ذكر حرف العين في آباء الأحمدين (140 و)

من اسم أبيه عاصم من الاحمدين‏

أحمد بن عاصم بن سليمان:

أبو عمر الجعدي البالسي الخضيب، حدث ببالس عن العباس بن اسماعيل قريق، و محمد بن عمرو الباهلي، روى عنه أبو أحمد عبد اللّه بن عدي الحافظ

أخبرنا أبو الفرج محمد بن علي بن حمرة القبيطي في كتابه قال: أخبرنا أبو الكرم المبارك بن الحسن الشهر زوري عن أبي القاسم اسماعيل بن مسعدة الاسماعيلي قال: أخبرنا أبو عمرو عبد الرحمن بن محمد الفارسي قال: أخبرنا أبو أحمد عبد اللّه بن عدي الحافظ قال: حدثنا أحمد بن عاصم البالسي قال: حدثنا محمد بن عمر الباهلي عن عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد عن مجاهد (1) بن معاوية قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لا تعجلن الى شي‏ء تظن انك ان استعجلت اليه انك مدركه و ان كان الله عز و جل لم يقدر ذلك، و لا تستأخرن من شي‏ء تظن أنك ان استأخرت أنه مدفوع عنك و ان كان الله عز و جل قد قدره عليك.

____________

(1)- كذا بالاصل و هي تصحيف صوابه «عن» انظر الكامل لابن عدي: 5/ 1932.

حيث الحديث و علته في عبد الوهاب بن مجاهد ذلك أن عامة ما يرويه لا يتابع عليه.

848

أحمد بن عاصم الانطاكي:

أبو عبد الله، و قيل أبو علي الزاهد الحكيم صاحب المواعظ، من كبار المشايخ و زهادهم و أولى الحكمة و اللسان، روى عن الهيثم بن جميل الانطاكي، و مخلد بن الحسين، و أبي قتادة، و سفيان بن عيينة، و يوسف بن أسباط (140 ظ) و أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، و أبي يعقوب اسحاق بن إبراهيم الحنيني، و قيل إنه رأى الفضيل بن عياض.

روى عنه أحمد بن أبي الحواري، و أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، و أبو عمرو السراج، و أبو حصين محمد بن إسماعيل بن محمد بن يحيى التميمي، و عبد العزيز بن محمد بن المختار، و أحمد بن صالح، و اسحاق بن عبد المؤمن الدمشقي، و علي بن الموفق البغدادي، و محمود بن خالد، و أبو محمد عبد الله بن هلال الدومي الربعي، و عبد الواحد بن أحمد الدمشقي، و أبو الحسن محمد بن الفيض بن محمد بن الفياض الغساني.

أخبرنا أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني في كتابه إلينا من مرو غير مرة قال: أخبرنا الشيخ أبو سعد محمد بن منصور بن عبد الرحيم الحرضي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى بن إبراهيم المزكي إجازة قال: (141 و) أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي قال: أحمد بن عاصم الأنطاكي كنيته أبو علي، و يقال أبو عبد الله، من متقدمي مشايخ الثغور من أقران بشر بن الحارث، و سري، و حارث المحاسبي.

سمعت أبا القاسم النصر أباذي يقول: كان يقال: أحمد بن عاصم الأنطاكي جاسوس القلوب و ذكر لي غيره أن أبا سليمان الداراني كان يسميه كذلك.

أخبرنا أبو البركات بن محمد بن الحسن إذنا قال: أخبرنا علي بن الحسن ابن هبة الله قال: أخبرنا أبو عبد الله الخلّال قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مندة قال: أخبرنا أبو طاهر الحسين بن سلمة الهمذاني قال: أخبرنا أبو الحسن الفأفاء، ح.

849

قال ابن مندة و أخبرنا حمد بن عبد الله الأصبهاني إجازة قالا: أخبرنا ابن أبي حاتم قال: أحمد بن عاصم أبو عبد الله الأنطاكي، سمعت أبي و أبا زرعة يقولان ذلك، و سمعت أبا زرعة يقول: رأيته بدمشق يجالس محمود بن خالد و سمعت أبي يقول: أدركته و لم أكتب عنه، كان صاحب مواعظ و زهد.

أخبرنا عمي أبو غانم محمد بن هبة الله بن محمد بن أبي جرادة قال: أخبرنا الفتوح عبد الوهاب بن شاه بن أحمد الشاذيافي، ح.

و أنبأتنا زينب بنت عبد الرحمن في كتابها إلينا من نيسابور قالا: أخبرنا أبو الفتوح عبد الوهاب بن شاه بن أحمد الشاذيافي، ح.

و أنبأنا أبو النجيب بن عثمان القاري قال: أخبرنا أبو الأسعد القشيري قالا:

أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري قال: (141 ظ) و منهم أبو علي أحمد بن عاصم الأنطاكي من أقران بشر بن الحارث، و السري، و الحارث المحاسبي، و كان أبو سليمان الداراني يسميه جاسوس القلوب لحدة فراسته‏ (1).

و قال أحمد بن عاصم: اذا طلبت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ لسانك، و قال أحمد بن عاصم: قال الله تعالى: «انما أموالكم و أولادكم فتنة» و نحن نستزيد من الفتنة. (2).

أخبرنا عبد الرحيم بن أبي سعد المروزي كتابة قال: أخبرنا أبو الخير جامع ابن عبد الرحيم بن ابراهيم السقاء الصوفي قال: أخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد العزيز الصفار قال: أخبرنا أبو عبد الرحيم السلمي قال: أحمد بن عاصم، و هو أحمد بن عاصم الانطاكي أبو علي، و يقال أبو عبد الله و هو الاصح، و هو من أقران بشر بن الحارث، و السري، و حارث المحاسبي، و يقال إنه رأى الفضيل بن عياض. (3).

____________

(1)- الرسالة القشيرية- ط. القاهرة (محمد علي صبيح و اولاده) ص 18.

(2)- سورة الانفال- الآية: 28.

(3)- من كبار شخصيات التصوف الاولى انظرهم في الرسالة القشيرية: 8- 15.

850

سمعت أبا العباس محمد بن الحسن الخشاب يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: سمعت الجنيد و ابن مسروق، و الجريري يقولون: قال أبو عبد الله أحمد بن عاصم الانطاكي: قرة العين، و سعة الصدر، و روح القلب و طيب النفس في أمور أربعة: الاستبانة للحجة، و الانس بالاحبة، و الثقة بالعدة، و المفائز للمناية

أخبرنا عمي أبو غانم قال: أخبرنا عمر بن علي الجويني، ح.

و أنبأتنا زينب الشعرية قالا: أخبرنا أبو الفتوح الشاذيافي، ح.

و أنبأنا أبو النجيب القاري قال: أخبرنا أبو الاسعد (142 و) القشيري قالا:

أخبرنا أبو القاسم بن هوازن القشيري قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي قال: حدثنا عباس ابن حمزة قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو عبد الله الانطاكي:

ان أقل اليقين اذا وصل الى القلب يملأ القلب نورا، و ينفي عنه كل ريب، و يمتلئ القلب به شكرا، و من الله خوفا.

و قالا: أخبرنا أبو القاسم القشيري قال: أخبرنا محمد بن الحسين قال: أخبرنا أبو جعفر بن أحمد بن سعيد الرازي قال: حدثنا عباس بن حمزة قال: سمعت أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أحمد بن عاصم الانطاكي يقول: من كان بالله أعرف كان له أخوف. (1).

أنبأنا عبد الرحيم بن أبي سعد قال: أخبرنا أبو سعد الحرضي قال: أخبرنا أبو بكر المزكي اجازة قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السّلمي قال: سمعت عبد الله بن محمد الرازي يحكى عن أحمد بن عاصم أنه قال: وافقنا الصالحين في أعمال الجوارح و خالفناهم في الهمم.

____________

(1)- الرسالة القشيرية: 17.

851

و قال أبو عبد الرحمن: سمعت محمد بن ظاهر الوزيري يقول: سمعت الحسن ابن محمد بن اسحاق يقول: سمعت سعيد بن عثمان الحناط يقول: حدثنا أحمد ابن أبي الحواري يقول: سمعت أحمد بن عاصم أبو عبد الله الانطاكي يقول:

الصبر هو أول مقام الرضا.

أخبرنا عمي أبو غانم محمد بن هبة الله قال: أخبرنا أبو الفتح عمر بن علي بن محمد بن حمّوية (142 ظ) قال: أخبرنا أبو الفتوح عبد الوهاب بن شاه الشاذيافي، ح.

و أخبرنا أبو النجيب اسماعيل بن عثمان بن اسماعيل القاري، و زينب بنت عبد الرحمن في كتابيهما، قال أبو النجيب: أخبرنا أبو الاسعد القشيري، و قالت زينب: أخبرنا الشاذيافي، قالا: أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري قال: و سمعته يعني محمد بن الحسين السلمي يقول: سمعت النصر أباذي يقول:

سمعت ابن أبي حاتم يقول: سمعت علي بن شهمردان يقول: قال أحمد بن عاصم الانطاكي- و سئل ما علاقة الرجاء في العبد- قال: أن يكون اذا أحاط به الاحسان ألهم الشكر راجيا لتمام النعمة من الله عليه في الدنيا، و تمام عفوه في الآخرة.

أنبأنا أبو بكر عبد الله بن عمر، و عبد الرحمن بن عمر قالا: أخبرنا أبو الخير القزويني قال: أخبرنا زاهر بن طاهر أن أبوي عثمان الصابوني و البحيري، و أبوي بكر البيهقي و الحيري كتبوا اليه: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا اسحاق ابراهيم بن محمد بن يحيى يقول: أنشدنا مسعر بن علي البرذعي قال: أنشدنا عبد الله بن أحمد بن عقبة الاصبهاني قال: أنشدنا أبو الحسن علي بن متوية لأحمد بن عاصم الأنطاكي:

852

داعيات الهوى تخفّ علينا* * * و خلاف الهوى علينا ثقيل‏

فقد الصدق في الأماكن حتى‏* * * وصفه اليوم ما عليه دليل (143 و)

لا نرى خائفا فيلزمنا الخوف‏* * * و لا صادقا كما قد نقول‏

فبقينا مردّدين حيارى‏* * * نطلب الصدق ما إليه سبيل‏

أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بدمشق قال: أخبرنا أبو محمد القاسم بن علي بن الحسن الحافظ قال: أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل قال: أخبرنا جدي أبو محمد مقاتل بن مطكود السوسي قال: أنشدنا أبو علي الحسن بن علي الاهوازي قال: أنشدنا أبو القاسم العطار قال: أنشدنا أبو القاسم ابن أبي العقب قال أنشدني أبو زرعة الدمشقي قال: أنشدنا أحمد بن عاصم الأنطاكي:

هون عليك فكل الأمر منقطع‏* * * و خلّ عنك عنان الهمّ يندفع‏

فكلّ همّ له من بعده فرج‏* * * و كلّ همّ إذا ما ضاق يتّسع‏

إن البلاء و إن طال الزمان به‏* * * فالموت يقطعه أو سوف ينقطع‏ (1)

أخبرنا أبو بكر منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي اجازة قال: أخبرنا جد أبي أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي- اجازة ان لم يكن سماعا- قال: أخبرنا الامام أبو سعيد محمد بن علي الخشاب قال: أخبرنا محمد بن الحسين قال: سمعت أبا جعفر الرازي يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أحمد بن عاصم الانطاكي يقول: يسير اليقين يخرج كل الشك من القلب، و يسير الشك يخرج اليقين كله من القلب (143 ظ)

____________

(1)- في مختصر ابن عساكر لابن منظور: 3/ 130 ثلاثة أبيات غير هذه دالية.

853

ذكر من اسم أبيه العباس من الاحمدين‏

أحمد بن العباس بن أحمد بن الخواتيمي:

أبو العباس بن أبي الفضل، كان أبوه قاضي طرسوس، و كان ابنه من الثقات الامناء العدول المؤهلين للرئاسة.

حكى عنه القاضي أبو عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي.

قرأت بخط القاضي أبي عمرو في سير الثغور من تأليفه قال: و حدثني أبو العباس أحمد بن العباس بن أحمد الخواتيمي، و هو ابن القاضي، و كان من يتحفظ اذا تكلم، و يعد من الصادقين، أنه أحصى على أبي بكر محمد بن محمد بن داود مدة شهري كانون الاول و الآخر و عشرا من شباط في كل يوم كسوة لا تشبه التي تقدمتها.

و قرأت بخط أبي عمرو أيضا قال: توفي أبو العباس أحمد بن العباس بن الخواتيمي أول يوم من شهر صفر من سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة، و كان يرجى و يؤهل للرئاسة لفضله و نبله و ستره و ثقته و عدالته، و كان أبوه القاضي عليلا، فلما عزوه به، و انصرف المعزون من داره أمسك على لسانه فلم يتكلم ثلاثا و مات. (144 ظ).

854

أحمد بن العباس بن عثمان، أبو العباس الكشاني:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

و به توفيقي‏

روى إنشادا بحلب عن الفقيه علي بن عبد الله السمنقاني، روى عنه جعفر بن الحسن ابن أحمد بن علي أبو الفضل النيسابوري.

أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني قال: أنشدنا جعفر بن الحسن القارئ، بعين أيوب‏ (1) إملاء، قال: أنشدنا أبو العباس أحمد بن العباس بن عثمان الكشاني المقرئ بحلب قال: أنشدني الفقيه علي بن عبد الله السمنقاني لنفسه:

الدمع ينطق و اللسان كتوم‏* * * و الصبر ناء و الغرام مقيم‏

و القلب من ألم الفراق مروّع‏* * * فيه لهجران الحبيب كلوم‏

و لنا على خلل المنازل وقفة* * * منا البكاء و منهم التسليم‏

فنفاوض الشكوى بكسر جفوننا* * * خوف الرقيب و سرنا مكتوم‏

أحمد بن العباس بن علي بن نوبخت:

كاتب أبي بكر محمد بن رائق، كان في صحبة أبي بكر بن رائق حين وصل الى حلب واليا عليها في سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة، و مدحه أبو الفرج علي بن أبي بكر بن العلاف بحلب بأبيات أولها:

____________

(1)- لم يذكرها ياقوت في معجم البلدان.

855

غادني يا غلام بالبابلي‏* * * ..... (145- و)

و كان ابن نوبخت فاضلا أديبا، و كاتبا أريبا، و له رأي ثاقب، و تدبير حسن صائب؛ و قد ذكرنا دخوله حلب في ترجمة علي بن الحسن بن العلاف‏ (1).

من أسم أبيه عبد الله من الاحمدين‏

أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الحسين:

أبو نصر بن أبي محمد بن أبي العباس الماسرجسي المطوعي، كان كثير الغزو و الجهاد، و خرج الى طرسوس مجاهدا، فتوفي بعد دخوله الى الشام و هو متوجه إليها بأعمال حلب.

و ذكره أبو عبد الله الحاكم في تاريخ نيسابور بما أخبرنا به أبو بكر عبد الله ابن عمر بن علي بن الخضر القرشي، و عبد الرحمن بن عمر الغزال في كتابيهما قالا:

أخبرنا أبو الخير القزويني قال: أخبرنا زاهر بن طاهر الشحامي قال: أخبرنا أبو بكر البيهقي و الحيري، و أبو عثمان الصابوني و البحيري فيما أذنوا لنا فيه قالوا:

أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قال: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الحسين، أبو نصر بن أبي محمد بن أبي العباس الماسرجسي، ابن ابنه الحسن بن عيسى بن ماسرجس، و كان من المطوعة الكثيري الجهاد.

سمع جده أبا العباس، و أباه، و عمه أبا أحمد، و أبا أحمد والد الحسين، و غيرهم من أهل بيته، و سمع أبا بكر محمد بن اسحاق، و أبا العباس السراج و أقرانهما.

____________

(1)- القسم الحاوي لترجمته من البغية هو بحكم المفقود، و لم يذكره الثعالبي في يتيمة الدهر، و من أجل ولاية ابن رائق انظر زبد الحلب: 1/ 99- 102.

856

توفي أبو نصر الماسرجسي في متوجهه (145- ظ) الى طرسوس و خرجت له الفوائد عند خروجه الى طرسوس سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة، و فيها توفي بالشام.

أحمد بن عبد الله بن أحمد المرعشي أبو الحسن:

حدث عن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، روى عنه القاضي أبو بكر محمد بن يوسف بن الفضل الجرجاني.

أخبرنا أبو بكر القاسم بن أبي سعد بن أبي حفص الصفار في كتابه إلينا من نيسابور قال: أخبرنا جدي أبو حفص عمر بن أحمد بن منصور الصفار، و أخته عائشة قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن عمير بن خلف الشيرازي قال: أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن يوسف بن الفضل الجرجاني- قدم علينا رسولا- قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن أحمد المرعشي قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال: حدثنا طالوت بن عبد الله الجحدري قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي الأحوص عن عبد الله قال:

أتى رجل الى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: أخبرني عن «شهد الله» بماذا شهد ربنا؟ فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «لما خلق الله اللوح و سماه محفوطا جعل دفيته من ياقوتة حمراء، ثم خلق الله القلم من لؤلؤة رطبة، مشقوق شفته، يستمدّ من غير من يستمدّ و أقام (146- و) بإزاء عرشه، و أراد منهم الإقرار، فقال لهم: من أنا؟ فقالوا: أنت الله لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، فأمر الله القلم اكتب «شهد الله أنه لا إله إلّا هو»، ثم خلق الله الملائكة بعلمه لا يعلم عددهم إلا الله، و أراد منهم الإقرار، فقال لهم: من أنا؟ فقالوا: «أنت الله لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك»، فأمر الله القلم: اكتب «و الملائكة» فكتب القلم «و الملائكة» ثم وقف، و خلق الله آدم (عليه السلام) و سماه أبا البشر و خلق‏

857

ذريته على مثال الذر و أقامهم بإزاء عرشه، و أراد منهم الإقرار فقال لهم: من أنا؟

فقالوا: أنت «الله الذي لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك» فأمر الله القلم:

اكتب «و أولو العلم قائما بالقسط لا إله إلّا هو العزيز الحكيم» (1).

أحمد بن عبد الله بن اسحاق:

أبو الحسن و قيل أبو الحسين الخرقي، كان له اختصاص بالمتقي لله قبل أن يلي الخلافة فلما وليها خلع عليه، و ولاه قضاء مصر و الشامات جميعها و الحرمين، و مرّ في الشارع و الجيش معه، و كان المتقي يشاركة في الرأي و يقبل مشورته، و سيره في رسائل عدة منها أنه كان قدم مع المتقي الى الرقة حين قدمها و قد جرى له ما جرى مع توزون، فسيره المتقي رسولا الى حلب الى الإخشيذ أبي بكر محمد ابن طغج، فقدم عليه حلب يسأله أن يسير إليه (146- ظ) ليجتمع معه بالرقة و يجدد العهد به، و يستعين به على نصرته و يقتبس من رأيه، و لما وصل أبو الحسن الى حلب تلقاه الإخشيذ و أكرمه و أظهر السرور، و المتعة بقرب المتقي، و سار الإخشيذ الى المتقي الى الرقة، فأكرمه و كناه، و خاطبه بأبي بكر، و سنذكر ذلك في ترجمة الإخشيذ إن شاء الله تعالى.

أنبأنا أبو روح عبد المعز الهروي عن زاهر بن طاهر قال: أنبأنا أبو القاسم البندار عن أبي أحمد المعرى‏ء قال: أخبرنا أبو بكر الصولي إجازة قال في حوادث سنة ثلاثين و ثلاثمائة: و صرف القضاة عن الجانبين ببغداد، و تقلد القضاء بهما أبو الحسين أحمد بن اسحاق الخرقي لأربع بقين من شهر ربيع الآخر، و خلع عليه في يوم خميس و نزل في جامع الرصافة، و قرأ عهده‏ (2).

و قال أبو بكر الصولي في حوادث سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة قال: و وجه المتقى لله أحمد بن عبد الله بن اسحاق القاضي من الرقة الى الأمير توزون ليؤكد الأيمان عليه و يجددها، و وافقه على شرائط اشترطها عليه المتقي لله، و أشهد عدو له‏

____________

(1)- سورة آل عمران- الآية: 18.

(2)- كتاب الاوراق (أخبار الراضي بالله و المتقي لله) ط. بيروت 1979 ص 226

858

عليه و وجوه الهاشميين أصحاب المراتب الذين يصلون الى السلطان أيام الموكب، و يتقدمون القضاة و العالم في السلام، و يسمعون أيمانه، و ما عملت له منها مما يطوقون رقبته، فوصل القاضي الى بغداد يوم الخميس لأربع خلون من صفر سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة، ففعل جميع ما تقدم به إليه المتقي (147- و) لله، و كان قد وجه معه بخلع و طوق من ذهب ليخلعها على الأمير توزون إذا فرغ مما بينه، و بينه، ففعل هذا كله إلّا أمر الخلع فإنه دافع عنه.

قال: و تحدث الناس بمجي‏ء الخليفة الى هيت، و خرج القاضي إليه و عرفه جميع ما جرى و طيب نفسه، و سكن الى ذلك، و رجع القاضي الى الأمير توزون فعرفه ما صنع، فدخل بغداد للنصف من صفر، ثم ذكر قبض توزون على المتقي لله، و أنه كحله.

قال: و عبر توزون مع المستكفي بالله يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر، و نزل بباب الشماسية، و قبض على أبي الحسين علي بن محمد بن مقلة وزير المتقي، و على القاضي الخرقي، و على جماعة معهم.

قال: و حمل القاضي الخرقي الى دار ابن شيرزاد ليؤدي ما بقي عليه من مال مصادرته التي فورق عليها. (147- ظ) (1)

أحمد بن عبد الله بن الحسن القاضي:

أبو الفضل الأنطاكي، من الرؤساء و أولي الهيئات و الممدحين بأنطاكية، و مدح المتنبي فيه يدل على فضله و سعة علمه.

أنبأنا أبو محمد عبد العزيز بن محمود بن الأخضر قال: أخبرنا الرئيس أبو الحسن علي بن علي بن نصر بن سعد قال أخبرنا أبو البركات محمد بن عبد الله بن‏

____________

(1)- الصولي- المصدر نفسه: 279- 284، مع فوارق كبيرة.

859

يحيى قال: أخبرنا علي بن أيوب بن الحسين قال: أنشدنا أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي لنفسه يمدح القاضي أبا الفضل أحمد بن عبد الله بن الحسن الأنطاكي:

لك يا منازل في القلوب منازل‏* * * أقفرت أنت و هنّ منك أواهل‏

قال فيها:

جمع الزمان فلا لذيذ خالص‏* * * مما يشوب و لا سرور كامل‏

حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤ* * * يته المنى و هي المقام الهائل‏

ممطورة طرقي إليه و دونها* * * من جوده في كلّ فجّ وابل‏

محجوبة بسرادق من هيبة* * * يثني الأزمّة و المطيّ ذوامل‏

للشمس فيه و للرياح و للسحاب‏* * * و للبحار و للأسود شمائل‏

و لديه ملعقيان و الأدب المفاد* * * و ملحياة و ملممات مناهل‏

لو لم تهب لجب الوفود حواله‏* * * لسرى إليه قطا الفلاة الناهل‏

يدري بما بك قبل تظهره له‏* * * من ذهنه و يجيب قبل تسائل (148 و)

و تراه معترضا لها و مواليا* * * أحداقنا و تحار حين تقابل‏

كلماته قضب و هنّ فواصل‏* * * كلّ الضرائب تحتهن مفاصل‏

هزمت مكارمه المكارم كلها* * * حتى كأنّ المكرمات قتائل‏

و قتلن ذفرا و الدهيم فما ترى‏* * * أمّ الدهيم و أم ذفر هائل‏

علامة العلماء و اللجّ الذي‏* * * لا ينتهي و لكلّ لج ساحل‏

لو طاب ولد كل حيّ مثله‏* * * ولد النساء و مالهنّ قوابل‏

لو بان بالكرم الجنين بيانه‏* * * لدرت به ذكرا أم أنثى الحامل‏

ليزد بنو الحسن الشراف تواضعا* * * هيهات تكتم في الظلام مشاعل‏

ستروا الندى ستر الغراب سفاده‏* * * فبدا و هل يخفي الرباب الهاطل‏

(1)

____________

(1)- ديوانه: 185- 188.

860

أحمد بن عبد الله بن حمدون بن نصير بن ابراهيم:

أبو الحسن الرملي المعروف بالجبريني، أظن أن أصله من بيت جبرين‏ (1)، و سكن الرملة.

سمع بحلب أبا بكر أحمد بن محمد بن أبي ادريس إمام جامعها، و بأنطاكية أبا بكر محمد بن الحسن بن فيل، و حدث عنهما و عن أبي محمد عبد الله بن أبان بن شداد العسقلاني، و أبي الفضل عباس بن محمد بن الحسن بن قتيبة، و أبي هاشم محمد بن عبد الأعلى بن عليك الإمام، و أبي الحسن داود بن أحمد بن مصحح العسقلاني و أبي الحسن محمد بن بكار بن يزيد السكسكي الدمشقي.

روى عنه عبد الوهاب بن جعفر الميداني، و تمام بن محمد الرازي (148 ظ)

أحمد بن عبد الله بن سابور بن منصور الدقاق:

أبو العباس البغدادي السابوري، منسوب الى جده سابور، قدم حلب و سمع بها أبا نعيم عبيد بن هشام، و بركة بن محمد الحلبيين و حدث عنهما، و سمع بغيرها أبا بكر بن أبي شيبة، و عبد الله بن أحمد بن شبّوية، و سفيان بن وكيع و واصل بن عبد الأعلى الكوفي، و نصر بن علي الجهضمي، و محمد بن أبي نوح فراد.

روى عنه أبو الحسين محمد بن المظفر بن موسى الحافظ، و أبو عمر بن حيوية و أبو بكر الأبهري، و ابن المقرئ، و عمر بن محمد بن سنبك، و أبو محمد عبد العزيز بن الحسن بن علي بن أبي صابر.

أخبرنا أبو اسحاق إبراهيم بن عثمان الكاشغري في كتابه، و قرأت عليه بحلب قال: أخبرنا أحمد بن صالح بن شافع الجيلي قال: أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد

____________

(1)- بلد بين القدس و غزة و كانت فيه قلعة عظيمة. معجم البلدان.

861

ابن عبد الله بن محمد بن البيضاوي قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الطيوري قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن المظفر بن موسى الحافظ قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق قال: حدثنا بركة بن محمد بحلب قال: حدثنا يوسف بن أسباط بن واصل الشيباني عن سفيان بن سعيد عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) جعل الاستنشاق و المضمضة للجنب ثلاثا فريضة (149- ظ).

أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد اللّه الدمشقي قال: أخبرنا أبو مسلم المؤيد بن عبد الرحيم بن الأخوة و صاحبته عين الشمس قالا: أخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي- قالت: إجازة؛ قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمود الثقفي، و أبو الفتح منصور بن الحسين- قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي المقرئ قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد اللّه بن سابور الدقاق قال: حدثنا أبو نعيم الحلبي قال: حدثنا المعتمر بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد أن ابن عباس- قال: سمعته عن علي- قال: ألا أخبركم بخبر الناس بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ قالوا: بلى، قال: أبو بكر و عمر رضي اللّه عنهما.

أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد- قراءة عليه و أنا أسمع- قال:

أخبرنا أبو القاسم علي بن طرّاد بن محمد الزينبي، ح.

قال ابن طبرزد: و أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي و ابن المجلي- إجازة إن لم يكن سماعا منهما أو من أحدهما- قالوا: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي قال: قرئ على حمزة بن يوسف السهمي و أنا حاضر أسمع قال:

سألت أبا الحسن الدارقطني عن أبي العباس أحمد بن عبد اللّه بن سابور الدقاق فقال: ثقة.

862

أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي فيما أذن لنا في روايته عنه قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر أحمد ابن علي بن ثابت قال: أحمد بن عبد اللّه بن سابور بن منصور أبو العباس الدقاق، سمع أبا بكر بن أبي شيبة، و أبا نعيم (150 و) عبيد بن هشام، و بركة بن محمد الحلبيين، و عبد الله بن أحمد بن شبّويه المروزي، و سفيان بن وكيع بن الجراح، و نصر بن علي الجهضمي، و واصل بن عبد الأعلى الكوفي.

روى عنه عمر بن محمد سنبك، و أبو عمر بن حيّويه، و أبو بكر الأبهري الفقيه، و غيره.

و قال الخطيب: أخبرني الأزهري قال: قال لنا محمد بن العباس الخزاز: مات أبو العباس أحمد بن عبد اللّه بن سابور الدقاق يوم السبت بالعشي، و دفن يوم الأحد ضحوة لعشر بقين من المحرم سنة ثلاث عشرة و ثلاثمائة (1).

أنبأنا أبو الحسن بن علي بن المفضل المقدسي قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد ابن محمد بن أحمد السّلفي الأصبهاني قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي- قرأت عليه من أصل ابن الفرات- قال: قرأت على أبي اسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي: أخبركم أبو الحسن محمد بن العباس بن الفرات في كتابه قال: قرئ على أبي عبد الله محمد بن مخلد و نحن نسمع فأقر به و قال: نعم، قال: سنة ثلاث عشرة و ثلاثمائة: فيها مات أبو العباس أحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق في المحرم.

و أنبأنا حسن بن أحمد الأوقي قال: أخبرنا السّلفي قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار: قال أخبرنا أبو الحسن الحربي قال: أخبرنا أبو محمد الصفار قال:

____________

(1)- تاريخ بغداد: 4/ 225.

863

أخبرنا عبد الباقي بن قانع قال: سنة ثلاث عشرة و ثلاثمائة، أبو العباس بن سابور الدقاق في المحرم- يعني مات.

أحمد بن عبد الله بن سليمان:

ابن محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أنور بن أرقم بن أسحم، و قيل أنور بن أسحم بن النعمان، و هو الساطع بن عدي بن عبد غطفان بن عمرو بن بريخ بن جذيمة بن تيم اللّات، و هو مجتمع تنوخ بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن العرنج بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر، و هو هود (عليه السلام)، أبو العلاء بن أبي محمد التنوخي المعري.

قرأ النحو و اللغة على أبيه أبي محمد عبد اللّه بمعرّة النعمان، و محمد بن عبد اللّه بن سعد النحوي بحلب.

و حدث عن أبيه أبي محمد عبد اللّه بن سليمان بن محمد- بن محمد (1)-، و جدّه سليمان بن محمد و أبي الفتح محمد بن الحسن بن روح، و يحيى بن مسعر (150 ظ) أبي زكريا و أخويه أبي المجد و أبي الهيثم عبد الواحد ابني عبد اللّه، و أبي الفرج عبد الصمد بن أحمد بن عبد الصمد الفقيه الضرير الحمصي، و أبي عبد اللّه محمد بن يوسف الرقي المعروف بابن كراكير، و أبي بكر محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الرحيم الرحبي، و القاضي أبي عمرو عثمان بن عبد اللّه الطرسوسي قاضي معرة النعمان، وجدته أم سلمة بنت الحسن بن اسحاق بن بلبل.

و رحل إلى بغداد سنة ثماني و تسعين و ثلاثمائة، و دخلها سنة تسع و تسعين‏

____________

(1)- كذا بالأصل و هي زيادة.

864

و ثلاثمائة، و سمع بها أبا الحسن علي بن عيسى الربعي، و أبا أحمد عبد السلام ابن الحسين البصري المعروف بالواجكا.

و قرأ عليه ببغداد أبو القاسم التنوخي، و ابن فورجه، و روى عنه أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي، و أقام مدة بالمعرة يقرأ عليه، و أبو المكارم عبد الوارث بن محمد بن عبد المنعم الأبهري، و أبو محمد الحسن بن علي بن عمر المعروف بقحف العلم، و ابن أخيه القاضي أبو محمد عبد اللّه بن محمد قاضي معرة النعمان، و ابنه أبو المجد محمد بن عبد اللّه بن محمد، و الشيخ أبو الحسين علي بن محمد بن عبد اللطيف بن زريق المعري، و ابنه أبو الفضل أحمد بن علي، روى عنه سبعة أجزاء من حديث أبي العلاء عن شيوخه، و أبو الحسن يحيى بن علي بن عبد اللطيف ابن زريق، وجد جدي أبو الفضل هبة اللّه بن أحمد بن يحيى بن أبي جرادة، و أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبيان، و القاضي أبو الفتح ابن أحمد بن أبي الروس (151 و) السروجي، و الخليل بن عبد الجبار بن عبد الله التميمي القرّائي، و عثمان بن أبي بكر السفاقسي المغربي، و أبو التمام غالب بن عيسى بن أبي يوسف الأنصاري الأندلسي، و أبو الخطاب العلاء بن حزم الأندلسي و أبو الحسن علي بن أخيه أبي المجد بن عبد اللّه بن سليمان، و زيد بن أخيه أبي الهيثم عبد الواحد، و أبو غالب همّام بن الفضل بن جعفر بن المهذب، و أبو صالح محمد ابن المهذب بن علي بن المهذب، و أبو اليقظان أحمد بن محمد بن أبي الحواري، و أبو العباس أحمد بن خلف الممتع، و ابن أخته إبراهيم بن الحسن البليغ، و محمد ابن الخضر المعروف بالسابق بن أبي مهزول، و أبو الفضل بن صالح المعريون، و القاضي أبو القاسم المحسن بن عمرو التنوخي المعري، و أبو القاسم عبيد اللّه بن علي ابن عبد اللّه الرقّي الأديب، و أبو الحسن رشاء بن نظيف بن ما شاء اللّه، و أبو نصر محمد بن محمد بن هميماه السالار، و أبو الحسن الدلفي الشاعر المصيّصي، و أبو سعد إسماعيل بن علي السّمّان، و أبو الوليد الدربندي، و أبو طاهر

865

محمد بن أحمد بن أبي الصّقر الأنباري، و أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن عبد اللّه الأصبهاني، و أبو الفرج محمد بن أحمد بن الحسن التبريزي، و أبو المظفر إبراهيم ابن أحمد بن الليث الآذري.

و كتّابه الذين كانوا يكتبون مصنفاته و ما يمليه: أبو الحسن علي بن عبيد اللّه ابن أبي هاشم، و ابنه أبو الفتح محمد بن علي، و جعفر بن أحمد بن صالح، و أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن إبراهيم الخطيب (151 ظ) القارئ.

و كان خشن العيش، قنوعا من الدنيا بملك ورثه من أبيه، و الناس فيه مختلفون على مذهبين فمنهم: من يقول أنه كان زنديقا ملحدا و يحكون عنه أشياء تدل على كفره، و منهم من يقول أنه كان على غاية من الدين و الزهد، و أنه كان يأخذ نفسه بالرياضة و الخشونة و ظلف العيش، و أنه كان مقتنعا بالقليل، غير راغب في الدنيا، و سأورد من قول كل فريق ما فيه كفاية و مقنع، و قد أفردت كتابا جامعا في ذكره، و شرحت فيه أحواله و تبينت وجه الصواب في أمره، و سمته «بدفع الظلم و التجري عن أبي العلاء المعري» فمن أراد معرفة حقيقة حاله فلينظر في ذلك الكتاب فإن فيه غنية في بيان أمره‏ (1)، و تحقيق صحة اعتقاده، و علو قدره ان شاء اللّه تعالى.

أخبرنا أبو عبد اللّه محمد بن أبي المعالي بن البناء البغدادي بدمشق، و أبو سعد ثابت بن مشرف بن أبي سعد البناء البغدادي بحلب قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبيد اللّه بن نصر بن الزاغوني قال: حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر الخطيب الأنباري من لفظه قال: أخبرنا أبو العلاء أحمد بن عبد اللّه بن سليمان التنوخي بقراءتي عليه في داره بمعرة النعمان قال: حدثني أبو زكريا بن مسعر

____________

(1)- نشرت قطعة من هذا الكتاب أولا من قبل الشيخ راغب الطباخ في أعلام النبلاء ثم أعيد نشرها في كتاب تعريف القدماء بأخبار أبي العلاء، و قد أشرت في مقدمتي الى وجود نسخة كاملة من هذا الكتاب.

866

التنوخي المعري قال: حدثنا أبو عروبة بن أبي معشر الحراني قال: حدثنا هوبر قال: حدثنا مخلد بن عيسى الخياط عن أبي الزناد عن أنس بن مالك عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه كان يقول: (152 و) «إن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، و إن الصدقة تطفى‏ء الخطيئة كما تطفى‏ء الماء النار، فالصلاة نور المؤمن و الصيام جنّة من النار (1)».

قرأت بخط أحمد بن علي بن عبد اللطيف المعري: و ولد- يعني أبو العلاء- يوم الجمعة عند غروب الشمس لثلاثة أيام مضت من شهر ربيع الاول سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة.

و قرأت في تاريخ جمعه أبو غالب همّام بن الفضل بن جعفر بن علي بن المهذب المعري التنوخي قال: سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة، فيها ولد الشيخ أبو العلاء أحمد ابن عبد اللّه بن سليمان المعري التنوخي، يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول.

و سير إلي قاضي معرة النعمان أبو المعالي أحمد بن مدرك بن سليمان جزءا بخطه يتضمن أخبار بني سليمان، نقله من نسخة عنده، فقال في ذكر أبي العلاء: ولد يوم الجمعة قبل مغيب الشمس لسبع و عشرين ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة، و اعتل علة الجدري التي ذهب بصره فيها في جمادى الأولى من سنة سبع و ستين و ثلاثمائة.

أنبأنا أبو اليمن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: حدثني أبو الخطاب العلاء بن حزم الأندلسي قال: ذكر لي أبو العلاء المعري أنه ولد في يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة (2).

____________

(1)- انظر كنز العمال: 3/ 7438.

(2)- تاريخ بغداد: 4/ 241.

867

أخبرنا أبو الحسن بن أبي جعفر أحمد بن علي، و أبو المحامد إسماعيل بن حامد ابن عبد الرحمن (152 ظ) القوصي قالا: أخبرنا أبو جعفر محمد بن المؤيد بن أبي اليقظان أحمد بن محمد بن حواري التنوخي المعري- قال أبو الحسن: إجازة- قال: أخبرني جدي أبو اليقظان قال: كان مولد الشيخ أبي العلاء بن سليمان المعري (رحمه الله) بمعرة النعمان يوم الجمعة مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة، و جدّر في أول سنة سبع و ستين و ثلاثمائة فعمي من الجدري، و غشّى يمنى حدقتيه بياضا، و أذهب اليسرى جملة.

و رحل إلى بغداد سنة ثمان و تسعين، و دخلها سنة تسع و تسعين، و أقام بها سنة و سبعة أشهر، و لزم منزله عند منصرفه من بغداد مدة سنة أربعمائة، و سمى نفسه رهين المحبسين للزومه منزله و لذهاب عينيه، و توفي بين صلاتي العشاءين ليلة الجمعة الثالث من شهر ربيع الأول سنة تسع و أربعين و أربعمائة، فكان عمره ستا و ثمانين سنة إلا أربعة و عشرين يوما، و لم يأكل اللحم من عمره خمسا و أربعين سنة، و قال الشعر و هو ابن إحدى عشرة سنة أو اثنتي عشرة سنة، رحمة اللّه عليه.

أخبرنا أبو القاسم الحسين بن عبد اللّه بن رواحة الحموي عن أبي طاهر أحمد ابن محمد السلفي قال: سمعته- يعني أبا محمد عبد اللّه بن الوليد بن غريب الإيادي المعري- يقول: دخلت على أبي العلاء و أنا صبي مع عمي أبي طاهر نزوره، فرأيته قاعدا على سجادة لبد و هو يسبح، فدعا لي و مسح على رأسي (153 و) و كأني انظر إليه الساعة، و إلى عينيه إحداهما بادرة و الأخرى غائرة جدا، و هو مجدر الوجه نحيف الجسم.

أخبرني والدي (رحمه الله) يأثره عن شيوخ الحلبيين أنه بلغهم أن أبا العلاء بن سليمان قال: أحقق من الألوان لون الحمرة، و ذلك أنني لما جدّرت ألبستني أمي قميصا أحمر فأنا أذكر ذلك اللون و أحققه قبل العما.

868

و قرأت فيما سيّره القاضي أبو المعالي أحمد بن مدرك قاضي المعرة من أخبار بني سليمان قال: و لما قدم من بغداد- يعني أبا العلاء- عزم على العزلة و الانقضاب من العالم فكتب إلى أهل معرة النعمان:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

هذا كتاب إلى السّكن المقيم بالمعرة شملهم اللّه بالسعادة، من أحمد بن عبد اللّه بن سليمان، خصّ به من عرفه و داناه، سلّم اللّه الجماعة و لا أسلمها و لم شعثها و لا آلمها.

أما الآن فهذه مناجاتي بعد منصرفي عن العراق، مجتمع أهل الجدل، و موطن بقية السّلف، بعد أن قضيت الحداثة فانقضت، و ودّعت الشبيبة فمضت، و حلبت الدهر أشطره، و خبرت خيره و شره، فوجدت أقوى ما أصنعه أيام الحياة أن اخترت عزلة تجعلني من الناس كبارح الأروى‏ (1) من سانح النعام، و ما ألوت نصيحة لنفسي، و لا قصرت في اجتذاب المنفعة إلى حيّزي، فأجمعت على ذلك، و استخرت اللّه فيه بعد جلائه عن نفر يوثق بخصائلهم، فكلهم رآه حزما و عدّة إذا تم (153 ظ) رشدا، و هو أمر أسري عليه بليل قضى سنة، و خبت به النعامة، ليس بنسج الساعة و لا ربيب الشهر و السنة، و لكنه غذيّ الحقب المتقادمة، و سليل الفكر الطويل، و بادرت إعلامهم ذلك مخافة أن يتفضل منهم متفضل بالنهوض إلى المنزل الجارية عادتي بسكناه ليلقاني فيه، فيتعذر ذلك عليه، فأكون قد جمعت بين سمجين: سوء الأدب، و سوء القطيعة، و ربّ ملوم لا ذنب له.

و المثل السائر خلّ امرأ و ما اختار (2)، و ما أسمحت القرون الإياب حتى وعدتها أشياء ثلاثة: نبذة كنبذة فتيق النجوم‏ (3)، و انقضابا من العالم‏

____________

(1)- الأروى: أنثى الوعل. القاموس.

(2)- المثل «دع امر أو ما اختار» في أمثال أبي عبيد. ط. دمشق 1980: 112

(3)- لعله يريد به الليل و في القاموس الفتيق: الصبح المشرق.

869

كانقضاب القابية من القوب‏ (1)، و ثباتا في البلد إن جال أهله من خوف الروم، فإن أبى من يشفق عليّ أو يظهر الشفق إلا النفرة مع السواد كانت نفرة الأعضب‏ (2) و الأدماء (3).

و أحلف ما سافرت استكثر من النشب، و لا أتكثّر بلقاء الرجال، و لكن آثرت الإقامة بدار العلم، فشاهدت أنفس ما كان لم يسعف الزمن بإقامتي فيه، و الجاهل مغالب القدر، فلهيت عما ما استأثر به الزمان، و اللّه يجعلهم أحلاس الأوطان، لا أحلاس الخيل و الركاب، و يسبغ عليهم النعمة سبوغ القمراء الطلقة على الظبي الغرير، و يحسن جزاء البغداديين فلقد وصفوني بما لا أستحق (154 و) و شهدوا لي بالفضيلة على غير علم و عرضوا علي أموالهم عرض الجد، فصادفوني غير جذل بالصفات و لا هش الى معروف الأقوام، و رحلت و هم لرحلتي كارهون، و حسبي اللّه «و عليه فليتوكل المتوكلون‏ (4)

قال: و انما قيل رهن المحبسين للزومه منزله، و كف بصره، و أقام مدة طويلة في منزله محتجبا لا يدخل عليه أحد، ثم ان الناس تسببوا اليه حتى دخلوا عليه، فكتب الشيخ أبو صالح محمد بن المهذب إلى أخيه أبي الهيثم عبد الواحد بن عبد اللّه بن سليمان رحمهما اللّه في ذلك.

بشمس زرود لا ببدر معان‏* * * ألمّا و إن كان الجميع شجاني‏

يقول فيها:

أبا الهيثم اسمع ما أقول فإنّما* * * يعين على ما قلت خير معان‏

قريضي هجاء إن حرمت مديحه‏* * * لأروع وضّاح الجبين هجان‏

____________

(1)- في القاموس: تخلصت قابة من قوب: أي بيضة من فرخ، يضرب لمن انفصل عن صاحبه.

(2)- الاعضب: من لا ناصر له و القصير اليد.

(3)- الأدماء: أي الفقراء.

(4)- سورة يوسف- الآية: 67.

870

أطلّ على بغداد كالغيث جاءها* * * بأسعد نجم في أجلّ أوان‏

نضاها ثياب المحل و هي لباسها* * * و بدّلها من شدّة بليان‏

فياطيب بغداد و قد أرجت به‏* * * على بعدها الأطراف من أرجان‏

غدا بكم المجد المضى‏ء و إنّه‏* * * ليقمر من أضوائه القمران‏

ميسّر المعالي دوننا هل يسرّها* * * بطون و هاد أو ظهور رعان‏

(154 ظ)

نأى ما نأى فالموت دون فراقه‏* * * فما عذره في النأي إذ هو دان‏

فكن حاملا مني إليه رسالة* * * تبيّن لينا في هضاب أبان‏

فإن قال: أخشى من فلان تشبها* * * فقل ما فلان عندنا كفلان‏

هو الخلّ ما فيه اختلال مودّة* * * فلا تخشى منه زلة بضمان‏

فإن خنت عهدا أو أسأت خليقة* * * و لم يك شأني في المودّة شاني‏

فلا أحسنت في الحرب امساك مقبضي‏* * * يميني و لا يسراي حفظ عناني‏

لعلّ حياتي أن تعود نضيرة* * * لديه كما كانت و طيب زماني‏

قلت: و كان أبو صالح بن المهذب قائل هذا الشعر ابن عمة أبي العلاء.

و كان أبو العلاء مفرط الذكاء و الحفظ، و أخبرني والدي (رحمه الله) فيما يأثره عن أسلافه أنه قيل لأبي العلاء: بم بلغت هذه الرتبة في العلم؟ فقال: ما سمعت شيئا إلا حفظته، و ما حفظت شيئا فنسيته.

و حكى لي أيضا والدي فيما يأثره عن سلفه قال: سار أبو العلاء من المعرة الى بغداد، فاتفق عند وصوله إليها موت الشريف أبي أحمد الحسين والد المرتضى و الرضي، فدخل الى عزيته، و الناس مجتمعون، فخطا الناس في المجلس، فقال له بعضهم و لم يعرفه: الى أين يا كلب؟ فقال: الكلب من لم يعرف للكلب كذا و كذا اسما، ثم جلس في أخريات الناس الى أن أنشد الشعراء، فقام و أنشد قصيدته الفائية التي أولها (155 و):

871

أودى فليت الحادثات كفاف‏* * * مال المسيف و عنبر المستاف‏

يرثي بها الشريف المتوفى، فلما سمعها الرضي و المرتضى قاما إليه و رفعا مجلسه إليهما و قالا له: لعلك أبو العلاء المعري؟ فقال: نعم، فأكرماه و احترماه، و طلب أن تعرض عليه الكتب التي في خزائن بغداد، فأدخل إليها و جعل لا يعرض عليه كتاب إلا و هو على خاطره، فعجبوا من حفظه‏ (1).

و زادني غير والدي أنه لما أنشد:

أودى فليت الحادثات كفاف‏* * * ..........

قيل له: كفاف، فأعادها كفاف، فتأملوا ذلك و عرفوا أن الصواب ما قال.

أخبرنا الشريف أبو علي المظفر بن الفضل بن يحيى العلوي الاسحاقي- إجازة كتبها لي ببغداد و أنا بها و قد اجتمعت به بحلب و علقت عنه فوائد- قال:

حدثني والدي رضي اللّه عنه و أرضاه يرفعه الى ابن منقذ قال: كان بأنطاكية خزانة كتب، و كان الخازن بها رجلا علويا، فجلست يوما إليه فقال: قد خبأت لك غريبة طريفة لم يسمع بمثلها في تاريخ و لا كتاب منسوخ، قلت: و ما هي؟ قال: صبي دون البلوغ ضرير يتردد إلي و قد حفظته في أيام قلائل عدة كتب، و ذاك أنني أقرأ عليه الكراسة و الكراستين مرة واحدة فلا يستعيد إلا ما يشك فيه، ثم يتلو علي ما قد سمعه كأنه قد كان محفوظه، قلت: فلعله يكون يحفظ ذلك، قال:

سبحان اللّه كل كتاب في الدنيا (155- ظ) يكون محفوظا له، و إن كان ذلك كذلك فهو أعظم، ثم حضر المشار إليه و هو صبي دميم الخلقة، مجدور الوجه على عينيه بياض من أثر الجدري كأنه ينظر بإحدى عينيه قليلا، و هو يتوقد ذكاء، يقوده رجل طوال من الرجال أحسبه يقرب من نسبه فقال له الخازن: يا ولدي‏

____________

(1)- و يروى أنه دب الخلاف اثر ذلك بينه و بين الشريف المرتضى بسبب المتنبي.

انظر الخبر مفصلا في معجم الادباء (ط. بيروت 1980) 2/ 123- 124.

872

هذا السيد رجل كبير القدر، و قد وصفتك عنده، و هو يحب أن تحفظ اليوم ما يختاره لك، فقال: سمعا و طاعة فليختر ما يريد.

قال ابن منقذ: فاخترت شيئا و قرأته على الصبي و هو يموج و يستزيد، فإذا مر به شي‏ء يحتاج الى تقريره في خاطره يقول: أعد هذا، فأردده عليه مرة واحدة حتى انتهيت الى ما يزيد على كراسة، ثم قلت له: يقنع هذا من قبل نفسي، قال:

أجل حرسك اللّه، قلت: كذا و كذا و تلا علي ما أمليته عليه و أنا أعارضه بالكتاب حرفا حرفا حتى انتهى الى حيث وقفت عليه، فكاد عقلي يذهب لما رأيت منه، و علمت أن ليس في العالم من يقدر على ذلك إلا أن يشاء اللّه، و سألت عنه فقيل لي: هذا أبو العلاء التنوخي من بيت العلم و القضاء و الثروة و الغناء.

قلت: ذكره لهذه الحكاية أنها كانت بأنطاكية لا يصح، فإن أنطاكية استولى عليها الروم و انتزعوها من أيدي المسلمين في ذي الحجة سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة، و ولد (156 و) أبو العلاء بعد ذلك بأربع سنين و ثلاثة أشهر، و بقيت أنطاكية في أيدي الروم الى أن مات أبو العلاء بن سليمان في سنة تسع و أربعين و أربعمائة و بعده الى أن فتحها سليمان بن قطلمش في سنة سبع و سبعين و أربعمائة (1)، فكيف يتصور أن يكون بها خزانة كتب و خازن علوي و هي في أيدي الروم، و يشبه أن تكون هذه الواقعة بكفر طاب أو بغيرها، و قد يتصحف كفر طاب بأنطاكية، و ابن منقذ أبو المتوج مقلد بن نصر بن منقذ كان من أقران أبي العلاء، و كانت له كفر طاب فيحتمل أن يكون ذلك كان معه و اللّه أعلم.

و قرأت في كتاب «جنان الجنان و رياض الأذهان» (2) لابن الزبير المصري ما يناسب هذه الحكاية، قال ابن الزبير: حدثني القاضي أبو الفتح محمود بن‏

____________

(1)- أشار الى ذلك بشكل مفصل في الجزء الاول لدى الحديث عن أنطاكية.

(2)- هذا الكتاب بحكم المفقود.

873

القاضي اسماعيل بن حميد الدمياطي قال: حدثني أبي قال: حدثني هبة اللّه بن موسى المؤيد في الدين، و كانت بينه و بين أبي العلاء صداقة و مراسلة (1)، قال: كنت أسمع من أخبار أبي العلاء و ما أوتيه من البسطة في علم اللسان ما يكثر تعجبي منه، فلما وصلت المعرة قاصدا للديار المصرية لم أقدّم شيئا على لقائه، فحضرت إليه، و اتفق حضور أخي معي و كنت بصدد أشغال يحتاج إليها المسافر فلم أسمح بمفارقته و الاشتغال بها، فتحدث معي أخي حديثا باللسان الفارسي فأرشدته الى ما يعمله فيها، ثم عدت الى مذاكرة أبي العلاء، فتجارينا الحديث الى أن (156 ظ) ذكرت ما وصف به من سرعة الحفظ، و سألته أن يريني من ذلك ما أحكيه عنه فقال:

خذ كتابا من هذه الخزانة- لخزانة قريبة منه- و اذكر أوله، فإني أورده عليك حفظا، فقلت: كتابك ليس بغريب إن حفظته، قال: قد دار بينك و بين أخيك كلام بالفارسية إن شئت أعدته، قلت: أعده، فأعاده ما أخل و اللّه منه بحرف، و لم يكن يعرف اللغة الفارسية.

أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل- إذنا- قال: أخبرنا أبو سعد السمعاني- إجازة إن لم يكن سماعا- قال: و ذكر أبو العلاء بن سليمان، و حكى تلميذه أبو زكريا التبريزي أنه كان قاعدا في مسجده بمعرة النعمان بين يديه يقرأ عليه شيئا من تصانيفه، قال: و كنت قد أتممت عنده سنتين و لم أر أحدا من بلدي، فدخل مغافصة (2) المسجد بعض جيراننا للصلاة فرأيته و عرفته و تغيرت من الفرح، فقال لي أبو العلاء: ما أصابك، فحكيت له أني رأيت جارا لي بعد أن لم ألق أحدا من بلدي منذ سنين، فقال لي: قم و كلمه، فقلت: حتى أتمم السّبق‏ (3)، فقال: قم أنا أنتظرك، فقمت و كلمته بالأذربيجية شيئا كثيرا، الى‏

____________

(1)- داعي الدعاة الفاطمي، له ديوان شعر و مجالس و سيرته لنفسه، و أورد ياقوت في معجم الادباء: 2/ 176- 212 (من ط. بيروت 1980) رسائله مع أبي العلاء.

(2)- أي فجأة و على حين غرة. القاموس.

(3)- أي ما سبق لي أن بدأت بقراءته.

874

أن سألت عن كل ما أردت، فلما عدت و قعدت بين يديه قال لي: أي لسان هذا؟

قلت: هذا لسان أهل أذربيجان، فقال: ما عرفت اللسان و لا فهمته غير أني حفظت ما قلتماه، ثم أعاد لفظنا بلفظ ما قلنا، فجعل (157 و) جاري يتعجب غاية العجب، و يقول: كيف حفظ شيئا لم يفهمه.

و أخبرني عنه بمثل هذه الحكاية والدي (رحمه الله) يأثره عن أسلافه قال: كان لأبي العلاء جار أعجمي فاتفق أنه غاب عن معرة النعمان، فحضر رجل أعجمي يطلبه قد قدم من بلده فوجده غائبا و لم يمكنه المقام فأشار إليه أبو العلاء أن يذكر حاجته إليه، فجعل ذلك الرجل يتكلم بالفارسية و أبو العلاء يصغي إليه الى أن فرغ من كلامه، و لم يكن أبو العلاء يعرف باللسان الفارسي، و مضى الرجل، فقدم جاره الغائب، و حضر عند أبي العلاء فذكر له حال الرجل، و جعل يذكر له بالفارسية ما قال و الرجل يبكي و يستغيث و يلطم الى أن فرغ من حديثه، و سئل عن حاله، فأخبرهم أنه أخبر بموت أبيه و أخوته و جماعة من أهله.

قال لي والدي: و مما بلغني من ذكائه أن جارا سمانا كان له و بينه و بين رجل من أهل المعرة معاملة، فجاءه ذلك الرجل و حاسبه برقاع كان يستدعي فيها ما يأخذ منه عند دعو حاجته إليه، و كان أبو العلاء في غرفة له يسمع محاسبتهما.

قال: فسمع أبو العلاء السمان المذكور بعد مدة يتأوه و يتململ، فسأله عن حاله، فقال: كنت حاسبت فلانا برقاع كانت له عندي، و قد عدمتها و لا يحضرني حسابه، فقال له: ما عليك من بأس تعال إلي فأنا أملي عليك حسابه، و جعل يملي (157 ظ) معاملته جميعها رقعة رقعة، و السمان يكتبها الى أن فرغ و قام، فما مضت إلا أيام يسيرة و وجد السمان الرقاع و قد جذبها الفأر الى زاوية في الدكان، فقابل بها ما أملاه عليه أبو العلاء، فلم تخرم حرفا واحدا.

أخبرني القاضي أبو المعالي أحمد بن مدرك بن سعيد بن مدرك بن علي بن‏

875

سليمان قاضي معرة النعمان، قال: أخبرني جماعة من سلفنا أن بعض أمراء حلب قيل له: إن اللغة التي ينقلها أبو العلاء إنما هي من الجمهرة، و عنده نسخة من الجمهرة ليس في الدنيا مثلها، و حسنوا له طلبها منه قصدا لأذاه فسيّر أمير حلب إليه من يطلبها منه، فقال للرسول: سمعا و طاعة للأمير، تقيم عندنا هذه الأيام حتى نقضي شغلك، ثم أمر من يقرأ عليه كتاب الجمهرة، فقرئت عليه حتى فرغت، ثم دفعها الى الرسول، و قال: ما قصدت بذلك إلا بأن أمرها على خاطري خوفا من أن يكون قد شذ منها شي‏ء عن خاطري، فعاد الرسول بها و أخبر أمير حلب بذلك، فقال: من يكون هذا حاله لا يجوز أن يؤخذ منه هذا الكتاب، و أمر برده إليه.

قلت و كان أبو العلاء قد سمع الجمهرة من أبيه أبي محمد عبد اللّه، و سمعها أبوه من أبي عبد اللّه الحسين بن خالويه و رواها أبو عبد اللّه عن ابن دريد الأزدي.

و سمعت أبا المعالي قاضي المعرة يقول: سمعت (158 و) جماعة من أهلنا يقولون كان الشيخ أبو العلاء متوقد الخاطر على غاية من الذكاء من صغره، و تحدث الناس عنه بذلك، و هو إذ ذاك صبي صغير، فكان الناس يأتون إليه ليشاهدوا منه ذلك، فخرج جماعة من أهل حلب الى ناحية معرة النعمان و قصدوا أن يشاهدوا أبا العلاء، فدخلوا الى معرة النعمان و سألوا عنه، فقيل لهم هو يلعب مع الصبيان، فجاءوا إليه و سلموا عليه، فرد (عليهم السلام)، فقيل له: إن هؤلاء جماعة من أكابر حلب جاءوا لينظروك و يمتحنوك، فقال لهم: هل لكم في المقافاة؟ فقالوا:

نعم، فجعل كل واحد منهم ينشد بيتا و هو بافية حتى فرغ محفوظهم بأجمعهم و قهرهم، فقال لهم: أعجزتم أن يعمل كل واحد منكم بيتا يقافي به عند الحاجة؟

فقالوا له: فافعل أنت ذلك، فجعل يجيب كل واحد منهم من نظمه في مقابلة ما أنشده حتى قهرهم، فعجبوا منه و انصرفوا.

876

و من أعجب ما بلغني من ذكائه ما حدثني به والدي (رحمه الله) قال: بلغني أنه لما سافر أبو العلاء الى بغداد و أقام بها المدة التي أقامها اجتاز في طريقه و هو متوجه بشجرة، و هو راكب على جمل، فقيل له طأطى‏ء رأسك لئلا تلحقك الشجرة، ففعل ذلك، فلما عاد من بغداد و وصل الى ذلك الموضع، و كانت الشجرة قد قطعت، طأطأ رأسه (158 ظ) فقيل له في ذلك، فقال: هاهنا شجرة، فقال‏ (1) له: ما هاهنا شجرة، فقال: بلى، فحفروا في ذلك الموضع، فوجدوا أصلها، و اللّه أعلم.

أخبرني بعض أهل المعرة بها قال: كان أبو العلاء المعري يشرب الماء من بئر بالمعرة يقال له بئر القراميد، و كان يستطيب ماءه، فلما رحل الى بغداد سيرت له والدته من ماء بير القراميد شيئا، فلما وصل الماء لم يعلموه به، و سقوه منه، فلما شربه قال: لا إله إلا اللّه ما أشبه هذا الماء بماء بير القراميد.

و أخبرني الوزير الفاضل مؤيد الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن العلقمي‏ (2) ببغداد قال: سمعت شيخي في النحو ابن أيوب يقول: كان ببغداد رجل من أهل العلم يقال له: أبو القاسم، و كان أديبا و بينه و بين أبي العلاء بن سليمان مكاتبات قد تكررت، و لم يكونا اجتمعا، فاتفق أن أبا القاسم المذكور قدم الشام و دخل على أبي العلاء، و لم يكن رآه قبل ذلك، فسلم عليه فقال له: أبو القاسم؟ فقال:

نعم، فقيل له: كيف عرفت أنه أبو القاسم؟ فقال: أخذت اسمه من كلامه.

قرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي: سمعته- يعني أبا الزاكي حامد بن بختيار خطيب الشمسانية (3)- يقول: سمعت عبد المنعم- يعني أبا المهذب بن أحمد بن أبي الروس- يقول: سمعت أخي- يعني أبا الفتح- يقول: دخل‏

____________

(1)- كذا بالاصل، و الاصح أن يقال: فقيل له.

(2)- آخر وزراء الدولة العباسية في بغداد، و قد شهد سقوطها لهولاكو.

(3)- بليدة بالخابور. معجم البلدان.

877

أبو العلاء المعري يوما على عمه القاضي أبي محمد التنوخي فلما رآه من بعيد يقصده قال لجارية لهم: قومي الى سيدك و خذي بيده، فقامت و أخذت بيده، فلما قام أشار إليها أيضا، فأخذت بيده لتوصله الى حجرته، فلما أخذ يدها التفت الى عمه و قال: دخلت و هذه الجارية بكر، و الآن فهي ثيب، فقال: و من أين تعلم، أ يوحى إليك؟ فقال: حاشى و كلا، قد انقطع الوحي بعد المصطفى محمد عليه الصلاة و السلام، و لكنني لما دخلت مسكت يدها و عصب الزند كالأوتار المشدودة، فعلمت أنها بكر، و الآن فقد ارتخت، فعلمت أن البكورية زالت، فبحث القاضي أبو محمد و إذا ابن له قد دخل بها في تلك الساعة.

و هذا القاضي أبو محمد هو ابن أخي أبي العلاء، و أبو العلاء عمه، و لعل بعض رواة هذا الخبر نقله من حفظه، فاشتبه عليه أي الرجلين عم صاحبه، فوهم و اللّه أعلم.

أخبرنا أبو يوسف يعقوب بن محمود بن الحسين الساوي بالقاهرة عن الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني قال: سمعت أبا الحسن علي بن بركات بن منصور التاجر الرحبي بالذنبة (1) من مضافات (159 و) دمشق يقول: سمعت أبا عمران المعري يقول: عرض على أبي العلاء التنوخي الكفيف كف من اللوبياء، فأخذ منها واحدة و لمسها بيده، ثم قال: ما أدري ما هي إلا أني أشبهه بالكلية، فتعجبوا من فطنته و اصابة حدسه.

أخبرنا أبو القاسم عبد اللّه بن الحسين بن عبد اللّه بن رواحة عن الحافظ أبي طاهر السلفي، ح.

و كتب إلينا أبو القاسم عيسى بن عبد العزيز بن عيسى اللخمي قال: سمعت‏

____________

(1)- لم يزد ياقوت في تعريفه عن قوله: «من أعمال دمشق» و لم يذكرها كردعلي في غوطة دمشق.

878

أحمد بن محمد الأصبهاني يقول: سألت أبا زكريا التبريزي إمام عصره في اللغة ببغداد و قلت له: قد رأيت أبا العلاء بالمعرة، و عالي بن عثمان بن جني الموصلي بصور، و القصباني بالبصرة، و ابن برهان ببغداد، و غيرهم من الأدباء، فمن المفضل من بينهم؟ فقال: هؤلاء أئمة لا يقال لهم أدباء، و أفضل من رأيته ممن قرأت عليه أبو العلاء.

أخبرنا أبو القاسم بن أبي علي الأنصاري قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد قال: سمعت أبا الطيب سعيد بن إبراهيم بن سعيد الطّلبيري الطبيب بالثغر يقول:

سمعت عبد الحليم بن عبد الواحد السوسي بسفاقس‏ (1) يقول: سئل الحسن بن رشيق‏ (2) عن أبي العلاء المعري هل هو أشعر أم أنت؟ فقال: قد ألفت أنا كتابا و هو كتابا في معناه، فالفرق ما بيننا كالفرق ما بين الترجمتين، سمى هو كتابه «زجر النّابح» و سميت (159 ظ) أنا كتابي «ساجور الكلب» يشير إلى أن أبا العلاء أفضل و ألطف و أهدى إلى المعاني و أعرف‏ (3).

أخبرنا عبد اللّه بن أبي علي الحموي عن أبي طاهر أحمد بن محمد، و كتب إلي أبو القاسم عيسى بن عبد اللّه بن عيسى اللخمي- قال: أخبرنا أبو طاهر السّلفي قال: سمعت أبا عبد اللّه محمد بن الحسن بن زرارة اللغوي يقول: كان بالمشرق لغوي، و بالمغرب لغوي في عصر واحد لم يكن لهما ثالث و هما ضريران، فالمشرقي أبو العلاء التنوخي بالمعرة، و المغربي ابن سيدة الأندلسي. و ابن سيده أعلم من المعري، أملى من صدره كتاب المحكم ثلاثين مجلدا، و ما في كتب اللغة أحسن منه.

قلت: و هذا غير مسلم لابن زرارة فإن ابن سيدة إن كان أملى المحكم في اللغة

____________

(1)- من مدن تونس المشهورة.

(2)- ابن رشيق القيرواني صاحب العمدة.

(3)- عثر على مقتطفات من كتاب زجر النابح، نشرها بدمشق 1982، الدكتور أمجد الطرابلسي.

879

فأبو العلاء قد أملى من خاطره نثرا: «كالأيك و الغصون، و الفصول و الغايات، و السجع السلطاني» و غير ذلك مما يتضمن اللغة و غيرها من الألفاظ البليغة، و الكلمات الوجيزة، و نظما مثل: «استغفر أو استغفري، و لزوم ما لا يلزم، و جامع الأوزان» يزيد على المحكم في المقدار أضعافا مضاعفة، و كتبه محصورة و لولا خوف الإطاله بذكرها لذكرت أسماءها و بيان حجم كل مصنف منها، و قد استوعبت ذلك في كتاب «دفع الظلم و التجري عن أبي العلاء المعري».

أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أحمد بن عبد اللّه سليمان أبو العلاء التنوخي الشاعر من أهل معرة (160 و) النعمان، كان حسن الشعر، جزل الكلام، فصيح اللسان، غزير الأدب، عالما باللغة حافظا لها.

و ذكر لي القاضي أبو القاسم التنوخي أنه ورد بغداد في سنة تسع و تسعين و ثلاثمائة و أنه قرأ عليه ديوان شعره ببغداد.

قال الخطيب: و كان أبو العلاء ضريرا، عمي في صباه و عاد من بغداد إلى بلده معرة النعمان، فأقام به إلى حين وفاته، و كان يتزهد و لا يأكل اللحم، و يلبس خشن الثياب، و صنف كتابا في اللغة، و عارض سورا من القرآن، و حكي عنه حكايات مختلفة في اعتقاده حتى رماه بعض الناس بالالحاد (1).

أخبرنا أبو القاسم بن أبي علي الرمّاني قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد السّلفي- إذنا إن لم يكن سماعا-؛ و كتب إلينا أبو القاسم عيسى بن عبد العزيز الأندلسي قال: أخبرنا أحمد بن محمد قال: يحكى عن أبي العلاء المعري في الكتاب الذي أملاه و ترجمه «بالفصول و الغايات» و كأنّه معارضة منه للسور و الآيات، فقيل له: أين هذا من القرآن؟ فقال: لم تصقله المحاريب أربعمائة سنة.

____________

(1)- تاريخ بغداد: 4/ 240- 241.

880

و سمعت والدي يقول: قيل إن أبا العلاء عارض القرآن العزيز، فقيل له:

ما هذا إلّا مليح إلا أنه ليس عليه طلاوة القرآن، فقال: حتى تصقله الألسن أربعمائة سنة و عند ذلك انظروا كيف يكون.

و قرأت بخط الشيخ أبي محمد عبد اللّه بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي في كتاب له تتبع الكلام فيه على الصرفة (1)، و نصر فيه مذهب المعتزلة في أن القرآن ليس (160 ظ) بمعجز في نفسه، لكن العرب صرفوا عن معارضته، فقال فيه: و قد حمل جماعة من الأدباء قول أرباب الفصاحة أنه لا يتمكن أحد من المعارضة بعد زمان التحدي على أن نظموا على اسلوب القرآن و أظهر ذلك قوم و أخفاه آخرون و مما ظهر منه قول أبي العلاء في بعض كلامه: أقسم بخالق الخيل و الريح الهابة بليل بين الشرط و مطالع سهيل إن الكافر لطويل الويل، و إن العمر المكفوف الذيل، اتق مدارج السّيل، و طالع التوبة من قبيل تنج و ما أخالك بناج.

و قوله: أذلت العائدة أباها، و أضاءت الوهدة و رباها، و اللّه بكرمه احتباها، أولاها الشرف بما حباها، أرسل الشمال و صباها «و لا يخاف عقباها» (2).

و هذا الكلام الذي أورده ابن سنان هو في كتاب «الفصول و الغايات في تمجيد اللّه تعالى و العظات» (3) و هو كتاب إذا تأمله العاقل المنصف علم أنه بعيد عن المعارضة و هو بمعزل عن التشبه بنظم القرآن العزيز و المناقضة، فإنه كتاب وضعه على حروف المعجم، ففي كل حرف فصول و غايات، فالغاية مثل قوله: نباج، و الفصل ما يقدم الغاية، فيذكر فصلا يتضمن التمجيد أو الموعظة و يختمه بالغاية على الحرف من حروف المعجم، مثل تاج، و راج، و حاج، كالمخمسات و الموشحات في الشعر.

____________

(1)- صرف الحديث أن يزاد فيه و يحسن من الصرف بالدراهم. القاموس.

و المراد هنا أن اللّه تعالى صرف القوى البشرية عن المعارضة و لذلك عجزوا و لولا صرفه تعالى لهم لاستطاعوا أن يأتوا بمثله، هكذا يزعم.

(2)- سورة الشمس- الآية: 15.

(3)- طبع في القاهرة 1977 بتحقيق محمود حسن زناتي.

881

و له كتاب آخر كبير نحو ستين مجلدا على هذا الوضع أيضا سماه «الأيك (161 و) و الغصون» و سماه «الهمزه و الردف» يتضمن أيضا تمجيد اللّه تعالى و الثناء عليه و المواعظ، و لم ينسبوه فيه إلى معارضة القرآن العزيز، و إنما نسبوه في الفصول و الغايات لا غير، و قد كان له جماعة يحسدونه على فضله و مكانته من أبناء زمانه تصدّوا لأذاه، و تتبعوا كلامه و حملوه على غير المقصد الذي قصده كما هو عادة أبناء كل زمان في افتراء الكذب و اختلاق البهتان، و وقفت له على كتاب وضعه في الرد على من نسبه إلى معارضة القرآن و الجواب عن أبيات استخرجوها من نظمه رموه بسببها بالكفر و الطغيان، سمى الكتاب «بزجر النابح» ورد فيه على الطاعن في دينه و القادح.

قرأت بخط أبي طاهر السلفي في رسالة كتبها أبو المظفر إبراهيم بن أحمد بن الليث الآذري إلى الكيا أبي الفتح الأصبهاني قال: و منها- يعني من قنسرين- أدلجت متوجها الى معرة النعمان، و السوق الى أبي العلاء أحمد بن عبد الله التنوخي أسعده اللّه، يحدو ركابي، و الحنين إلى لقائه يحثّ أصحابي، و بلغت المعرة ضحية فلم أطق صبرا حتى دخلت إلى الشيخ أبي العلاء أسعده اللّه، فشاهدت منه بحرا لا بدرك غوره، و قليب ماء لا يدرك قعره، فأما اللغة ضمن قلبه، و النحو حشو ثوبه، و التصريف نشر بيته، و العروض ملك يده، و الشعر طوع طبعه، و الترسل بين أمره و نهيه، و رأيت أسبابه كلها أسباب من علم أن العيش (161 ظ) تعليل و أن المقام فيها قليل.

قال فيها: و رأيت من كتبه كتاب «الفصول و الغايات، و كتاب لزوم ما لا يلزم، و كتاب زجر النابح» و سبب تصنيفه هذا الكتاب أن قوما من حساده فكوا من مقاطيع له في كتاب «لزوم ما لا يلزم» أبياتا كفروه فيها، و شهدوا عليه باستحالة معانيها، و مقاصد الشيخ أبي العلاء فيها غير مقاصدهم، و مغايصه في معانيها غير مغايصهم، فمن ذلك قوله:

882

إنما هذه المذاهب أسباب‏* * * لجذب الدنيا إلى الرؤساء

عرض القوم لا يرقون لدمع‏* * * الشمّاء و الخنساء (1)

كالذي قام يجمع الزّنج بالبصرة (2)* * * و القرمطي بالأحساء

(3)

و أول الأبيات:

يا ملوك البلاد فزتم بنسى‏ء (4) العمر* * * و الجور شانكم في النّساء

ما لكم لا ترون طرق المعالي‏* * * قد يزور الهيجاء زيّ النّساء (5)

يرتجي الناس أن يقوم إمام‏* * * ناطق في الكتيبة الخرساء

كذب الظنّ لا إمام سوى العقل‏* * * مشيرا في صبحه و المساء

فإذا ما أطعته جلب الرّحمة* * * عند المسير و الإرساء

ثم يقول: «إنما هذه المذاهب» الأبيات الثلاثة، فأي بأس بهذا الشعر، و هل أتي القوم إلا من ضعف الخيزة (6) و سوء الفكر.

قرأت بخط الإمام أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني: سمعت الشيخ أبا الطيب سعيد بن إبراهيم بن سعيد الأندلسي يقول: سمعت عبد الحليم بن عبد الواحد بسفاقس (162 و) يقول: قدم بعض أهل الأدب من المشرق إلى إفريقية، فسأله الحسن بن رشيق عن أبي العلاء المعري و قال: أنشدني شيئا من شعره، فأنشده القصيدة التي أولها:

____________

(1)- في اللزوميات ط. دمشق 1986: 1/ 61 «غرض القوم متعه لا يرقوx xx لدمع الشماء و الخنساء».

(2)- من أجل ثورة الزنج. انظر كتابي تاريخ العرب و الاسلام: 308- 310.

(3)- درست في كتابي الجامع في أخبار القرامطة تاريخ دولة الاحساء و علاقاتها بالخلافة الفاطمية.

(4)- النسى‏ء. التأخير و التأجيل.

(5)- في اللزوميات- المصدر نفسه: «زير نساء».

(6)- النحيزة: الطبيعة. القاموس.

883

منك الصّدود و مني بالصدود رضا* * * من ذا عليّ بهذا في هواك قضى‏

(1)

فلم يرتض هذا المذهب من الشعر، و استلانه، و عزم على هجائه، فهجاه، ثم أنشده بعد بعض أحد الأدباء ممن جاء من المشرق أيضا:

هات الحديث عن الزوراء أو هيتا* * * و موقد النار لا تكرى بتكريتا (2)

فقطع ما عمل فيه من الهجو، و قال: لو أخرج أبو العلاء يده من المعرة وصكّ ابن رشيق صكّة لرده إلى الزّاب من حيث جاء، و كان رشيق أبوه مملوكا ربي بالزّاب.

أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن عبد الجبار بن عبد اللّه العثماني في كتابه قال:

سمعت الشيخ الإمام الحافظ السلفي (رحمه الله) إملاء من لفظه و من كتابه قال: سمعت أبا المكارم عبد الوارث بن محمد بن عبد المنعم الأسدي رئيس أبهر (3) بأبهر، و كان من أفراد الزمان، يقول: سمعت رشاء بن نظيف بن ما شاء الله المقرئ الفاضل الكبير بدمشق يقول: ما حملت الأرمض مثل أبي العلاء العري في فنه؛ و كان يتغالى فيه، و كان قد رآه و قرأ عليه. (162 ظ).

____________

(1)- معجم الادباء: 2/ 138.

(2)- شروح سقط الزند- ط. القاهرة 1948: 4/ 1553.

(3)- مدينة مشهورة بين قزوين و زنجان. معجم البلدان.

884

[تنبيه‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

و به توفيقي‏

أخبرنا أبو القاسم عبد اللّه بن الحسين بن عبد اللّه، و عيسى بن عبد العزيز الأندلسي- قراءة على الأول، و كتابة من الثاني- قالا: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني- قال عبد اللّه: إجازة إن لم يكن سماعا- قال: سمعت محمد بن حمزة بن أحمد التنوخي يقول: سمعت عبد الباقي بن علي المعري يقول:

كان أبو نصر المنازي أحد وزراء نصر الدولة بن مروان بديار بكر، فأرسله إلى مصر رسولا، فوصل إلى المعرة، و دخل إلى أبي العلاء، مسلما، فتناشدوا و انبسط أحدهما إلى الآخر، فذكر أبو العلاء ما يقاسي من الناس و كلامهم فيه، فقال له أبو نصر: ما ذا يريدون منك و قد تركت لهم الدنيا و الآخرة! فقال: و الآخرة أيضا و الآخرة أيضا، و أطرق و لم يكلمه إلى أن قام.

و هذا هو عبد الباقي هو أبو المناقب عبد الباقي بن علي من أهل معرة النعمان، و كان قد أقام بمصر و تلقب خريطة النايات، و شعره شعر بارد متهلهل النسج، و الذي ذكره عن المنازي وجده في تاريخ غرس النعمة (1) أبي الحسن محمد بن هلال بن المحسّن بن إبراهيم بن هلال الصابئ- و قرأته فيه- قال: و حدثني الوزير فخر

____________

(1)- اسم هذا التاريخ: عيون التواريخ، ذيل به على تاريخ أبيه، وصلنا بشكل غير مباشر داخل كتاب مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي، و حقق كرسالة ماجستير في كلية الآداب بجامعة دمشق 1987. انظر ص 77- 78. هذا و المنازي هو أحمد بن يوسف (ت 437/ 1045) شاعر مشهور أصله من منازكرد، و قد وزر في ميافارقين للدولة المروانية- انظره في أعلام الزركلي.

885

الدولة أبو نصر بن جهير قال: حدثني المنازي الشاعر قال: اجتمعت بأبي العلاء المعري بمعرة النعمان و قلت له: ما هذا الذي يروى عنك و يحكى؟ فقال: (163 و) حسدني قوم فكذبوا علي و أساءوا إلي، فقلت له: على ما ذا حسدوك و قد تركت لهم الدنيا و الآخرة؟! فقال: و الآخرة أيها الشيخ؟ قلت: أي و الله، ثم قلت له: لم تمتنع من أكل اللحم و تلوم من يأكله؟ فقال: رحمة مني للحيوان، قلت: لا بل تقول إنه من شر الناس، فلعمري إنهم يجدون ما يأكلون و يتجزون به عن اللحمان و يتعوضون، فما تقول في السباع و الجوارح التي خلقت لا غذاء لها غير لحوم الناس و البهائم و الطيور و دمائها و عظامها، و لا طعام يعتاض به عنها و لا يتجزى به منها، حتى لم تخلص من ذلك حشرات الأرض، فإن كان الخالق لها الذي بقوله نحن، فما أنت بأرأف منه بخلقه و لا أحكم منه في تدبيره، و إن كانت الطبائع المحدثة لذاك على مذهبك فما أنت بأحذق منها، و لا أتقن صنعة و لا أحكم عملا حتى تعطلها و يكون رأيك و عقلك أوفى منها و أرجح و أنت من أبجادها غير محسوس عندها، فأمسك.

قلت: و هذا يبعد وقوعه من أبي نصر المنازي فإنه كان قدم على أبي العلاء و حكى ما أخبرنا به أبو القاسم بن رواحة عن أبي طاهر السّلفي قال: سمعت أبا الحسن المرجي بن نصر الكاتب يقول: سمعت خالي الوزير أبا نصر أحمد بن يوسف المنازي يقول:

بعثني نصر الدولة أبو نصر أحمد بن مروان‏ (1) سنة من ميافارقين إلى مصر رسولا، فدخلت معرة النعمان و اجتمعت (163 ظ) بأبي العلاء التنوخي، و جرت بيننا فوائد، فقال أصحابه فينا قصائد، و من جملتها هذه الأبيات:

تجمع العلم في شخصين فاقتسما* * * على البريّة شطريه و ما عدلا

____________

(1)- أشهر أمراء الدولة المروانية. انظر كتابي تاريخ العرب و الاسلام: 367- 369.

886

جاءا أخيري زمان ما به لهما* * * مماثل وصل الجد الذي وصلا

أبو العلاء و أبو نصر هما جمعا* * * علم الورى و هما للفضل قد كملا

هذا كما تراه رامح علم‏* * * و ذاك أعزل للدنيا قد اعتزلا

هما هما قدوة الآداب دانية* * * طورا و قاصية إن مثلا مثلا

لو لا هما لتفرّ العلم عن حلم‏* * * أو لافترى صاحب التمويه إن سئلا

يا طالب الأدب اسأل عنهما و أهن‏* * * إذا رأيتهما أن لا ترى الأولا

خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به‏* * * فطلعة البدر تغني أن ترى زحلا

فلو كان المنازي واجه أبا العلاء بهذا الكلام القبيح المستفظع لما مدح أصحابه أبا نصر بما ذكره، و كذلك الذي احتج به في ترك اللحم لا يليق أن يصدر مثله من أبي نصر المنازي، و قد كان عارفا بالفقه، و شهد له سليم الرازي بأن له يدا في الفقه و اللغة على ما نذكره في ترجمته، و مثل ما نقله الناقل عنه جوابا عن قوله في ترك أكل اللحم أنه رحمة للحيوان لا يحسن الجواب عنه بما ذكر، و الرحمة للحيوان من الخصال المندوب إليها كما قال (صلى اللّه عليه و سلم): «و الشاة إن رحمتها رحمك» (1)، و قد ترك جماعة (164 و) من الزهاد و العباد أكل الشهوات و الطيبات تقربا إلى اللّه تعالى، و عدّ ذلك في مناقبهم و محاسنهم، و لم ينكر عليهم، فكيف يجعل الامتناع من أكل اللحم تركا للآخرة، و قد استقصينا الكلام على هذا في كتاب «دفع الظلم و التجري».

و قد قال أبو نصر المنازي في أبي العلاء أبياتا خاطبه بها في مدحه:

لله لؤلؤ ألفاظ تساقطها* * * لو كن للغيد ما استأنسن بالعطل‏

و من عيون معان لو كحلن بها* * * نجل العيون لأغناها عن الكحل‏

سحر من اللفظ لو دارت سلافته‏* * * على الزمان تمشي مشية الثمل‏

____________

(1)- انظره في كنز العمال: 12/ 35233.

887

فمن هذا خطابه له و ذكره لما قيل فيهما كيف يصح عنه أنه يواجهه بهذا الكلام الفاحش الخارج عن حسن الآداب، المجانب لصحة القول و الصواب.

أخبرنا عبد الله بن أبي علي الانصاري عن أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ قال: ذكر- يعني أبا الفضل هبة الله بن المثنى بن ابراهيم الهيتي- له أنه دخل المعرة، و كان أبو العلاء يعيش فيها، فنهاه أبو صالح بن شهاب عن الدخول عليه.

قلت: و هذا أبو صالح هو أبو صالح محمد بن المهذب بن علي بن المهذب ابن أبي حامد بن همام بن أبي شهاب، و كان ابن عمه أبي العلاء، و هو الذي كتب الأبيات النونية الى أبي الهيثم أخي أبي العلاء حين احتجب أبو العلاء و منع الناس من (164 ظ) الدخول عليه و أولها:

بشمس زرود لا ببدر معان ....

و قد ذكرناها و فيها من المدح و التقريظ لأبي العلاء و التحيل في الدخول عليه ما هو واضح، فكيف يمنع الناس من الدخول عليه و ينهاهم عنه، اللهم إلّا إن كان ذلك وقع في الوقت الذي قدم أبو العلاء من بغداد، و عزم على العزلة عن الناس، و كتب الى أهل المعرة ما كتب، و أراد أبو الفضل الهيتي الدخول عليه فنهاه أبو صالح عن ذلك مخافة أن يمضي فيتعذر عليه فيكون كما قال في رسالته:

«فأكون قد جمعت بن سمجين: سوء الأدب و سوء القطيعة».

ذكر ابن السيد البطليوسي في شرح سقط الزند لأبي العلاء قال: و كان المعري متدينا، كثير الصيام و الصدقة، يسمع له بالليل هينمة (1) لا تفهم، و كان لا يقرع أحد عليه الباب حتى تطلع الشمس، فاذا سمع قرع الباب علم أن الشمس قد طلعت، فقطع تلك الهينمة و أذن في الدخول عليه، و كان لا يرى أكل اللحم، و لا شرب‏

____________

(1)- الهينمة: الصوت الخفي. القاموس.

888

المسكر، و لا النكاح، و كان ذا عفة و نزاهة نفس، إلّا أنه كان مخالفا لما عليه أهل السنّة.

و قول ابن السيد: «أنه كان مخالفا لما عليه أهل السنة» لا أعلم بأي طريق وقعت المخالفة، و قد وصفه بهذه الصفات المحمودة، و كان شافعي المذهب من أهل السنة و الجماعة.

و قرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي في تعليق له: سمعته يقول:- يعني حامد بن بختيار ابن جروان الشمساني- سمعت عبد المنعم يقول:- يعني عبد المنعم بن أحمد بن أبي الروس السروجي- سمعت أخي- يعني أبا الفتح- يقول:

دخل رجل من أهل الساحل على الشيخ أبي العلاء التنوخي بالمعرة و نحن عنده، و كان يعرفه، فقال له: أريد أن يملي سيدنا علي شيئا من غريب القرآن، فقال يا هذا من أين وصل إليّ غريب القرآن و أنا هاهنا في زاوية البيت، فلما خرج قال لنا: مضى فلان؟ فقلنا: نعم، فقال: ضعوا ما في أيديكم من الكراريس و خذوا سواها، ففعلنا، فقال: اكتبوا غريب القرآن فأملى علينا غريب القرآن و الكلام عليه ثلاثة أسابيع من صدره، فقلنا له بعد ذلك: العلم لا يحل منعه و قد منعت ذلك الرجل الساحلي، فقال: ما كنت لأضيع الحكمة مع رجل يسب أصحاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و يتنقصهم.

و أخبرنا أبو القاسم بن رواحة عن أبي طاهر السلفي قال: قال لي الرئيس (165 و) أبو المكارم يعني عبد الوارث بن محمد بن عبد المنعم الابهري، و كان من أفراد الزمان ثقة مالكي المذهب: لما توفي أبو العلاء اجتمع على قبره ثمانون شاعرا و ختم في اسبوع واحد عند القبر مائتا ختمة، و هذا ما لم يشارك فيه.

و كانت الفتاوى في بيتهم على مذهب الشافعي من أكثر من مائتي سنة بالمعرة.

قلت: و لم ينقل أن أبا العلاء كان مبتدعا، لكن نسبوه الى ما هو أعظم من ذلك.

889

و قرأت في تاريخ غرس النعمة ابن الصابئ: أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري الشاعر، الأديب الضرير، و كان له شعر كثير، و فيه أدب غزير، و يرمى بالالحاد، و أشعاره دالة على ما يزن به من ذاك، و لم يك يأكل لحوم الحيوان و لا البيض، و لا اللبن، و يقتصر على ما تنبته الأرض، و يحرم ايلام الحيوان و يظهر الصوم زمانه جميعه، و نحن نذكر طرفا مما بلغنا من شعره ليعلم صحة ما يحكى عنه من الحاده، و له كتاب سماه «الفصول و الغايات» عارض به السور و الآيات، لم يقع الينا منه شي‏ء فنورده.

و ذكر أشعارا: نسبها اليه، فمنها ما هو من شعره في «لزوم ما لا يلزم» و في «استغفر و استغفري» قد أجاب عنها في كتابه المعروف «بزجر النابح» و الكتاب «بنجر الزجر»، و اذا تأملها المنصف حق التأمل لم يجد فيها ما يوجب القدح في دينه، و منها ما وضع على لسانه و تعمل (165 ظ) تلامذته المنحرفون و غيرهم من الحسدة نظمها على لسانه و ضمنوها أقاويل الزنادقة، و فيها من ركاكة اللفظ و العدول عن الفصاحة التي هي ظاهرة في شعره ما يوجب نفيها عنه و بعدها منه، فمما أورده و هو موضوع عليه:

إذا كان لا يحظى برزقك عاقل‏* * * و ترزق مجنونا و ترزق أحمقا

فلا ذنب يا رب السماء على إمرئ‏* * * رأى منك ما لا يشتهى فتزندقا

(1)

و هذا شعر في غاية السقوط و النزول و الهبوط، يقضي على ناظمة بالجهل و العمه و الكفر و السفه و مما أورد من الأشعار الموضوعة على لسانه البعيدة عن فصاحته و بيانه.

صرف الزمان مفرق الإلفين‏* * * فاحكم إلهي بين ذاك و بيني‏

أنهيت عن قتل النفوس تعمدا* * * و بعثت أنت بقبضها ملكين‏

و زعمت أن لها معادا ثانيا* * * ما كان أغناها عن الحالين‏ (2)

____________

(1)- عيون التواريخ: 74. مع فوارق.

(2)- المصدر نفسه: 73. مع بعض الفوارق.

890

و لم يعز غرس النعمة شيئا من هذه الاشعار المكذوبة الى كتاب يعتمد عليه، و لا: نسب روايتها الى ناقل أسندها اليه، بل اقتصر في ذكرها كما ذكر على البلاغ و لم يتأمل أن مثلها مما يختلق عليه زورا و يصاغ.

و قد نسج أبو يعلى بن الهبارية على منوال غرس النعمة من غير فكر و لاروية، فقال في كتابه الموسوم «بفلك المعاني» المشحون بقول الزور فيما ينقله و يعاني: (166 و) و قد قال أبو العلاء أحمد بن سليمان مع تحذلقه و دعواه الطويلة العريضة و شهرته نفسه بالحكمة و مظاهرته:

و نهيت عن قتل النفوس تعمدا* * * و بعثت تقبضها مع الملكين‏

و زعمت أنّك في المعاد تعيدها* * * ما كان أغناها عن الحالين‏

قال ابن الهبارية: و هذا كلام مجنون معتوه يعتقد أن القتل كالموت، و الموت، كالقتل، فليت هذا الجاهل الذي حرم الشرع و برده، و الحق و حلاوته، و الهدى و نوره، و اليقين و راحته، لم يذع ما هو برى‏ء منه بعيد عنه و لم يقل:

غدوت مريض العقل و الرأي فأتني‏* * * لتخبر أنباء الأمور الصحائح‏

حتى سلط الله عليه أبا نصر بن أبي عمران داعي الدعاة بمصر، فقال: أنا ذلك المريض رأيا و عقلا، و قد أتيتك مستشفيا فاشفني، و جرت بينهما مكاتبات كثيرة، و أمر باحضاره حلب، و وعده على الإسلام خيرا من بيت المال، فلما علم أبو العلاء أنه يحمل للقتل أو الإسلام سمّ نفسه فمات‏ (1).

و ابن الهبّاريّة لا يعتمد على ما ينقله، و أبو نصر بن أبي عمران هو هبة الله ابن موسى، المؤيد في الدين، و كان اجتمع بأبي العلاء بمعرة النعمان، و ذكرنا فيما نقله ابن الزبير باسناده أنه كانت بينه و بين أبي العلاء صداقة و مراسلة، و ذكر حكايته معه.

____________

(1)- انظر معجم الأدباء: 2/ 185.

891

و أما الرسائل التي جرت (166 ظ) بينه و بين أبي العلاء فإنني وقفت عليها، و ملكتها نسخه، و المؤيد في الدين ابتداه و قال: بلغني عن سيدنا الشيخ بيتا، و ذكر البيت المذكور، و قال: أنا ذلك المريض عقلا و رأيا و قد أتيتك مستشفيا، لم امتنعت عن أكل اللحم؟

فأجابه أبو العلاء أن ذلك لرقة تأخذه على الحيوان، و أن الذي يحصل له من ملكه لا يقوم بسعة النفقه.

فأجابه بجواب حسن و قال: إنه قد تقدم إلى الوالي بحلب أن يحمل إليه ما يقوم بكفايته، لا كما ذكر ابن الهبّاريّة بأن يحمل الى حلب، و أنه وعد عن الاسلام خيرا من بيت المال، فامتنع أبو العلاء عن قبول ما بذله له و أجابه عن كتابه بجواب حسن، فورد جواب المؤيد في الدين يتضمن الاعتذار إليه عن تكليفه المكاتبة في المعنى المذكور، و شغل خاطره، لا كما ذكر ابن الهبارية.

و كذلك قول ابن الهبّاريّة أن أبا العلاء «سم نفسه فمات»، خطأ فاحش من القول فإن أبا العلاء مات حتف أنفه بمرض أصابه، و سنذكر ذلك إن شاء الله في ذكر وفاته.

قرأت بخط أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد سليمان أو بخط أبيه أبي محمد عبد الله فإن خطيهما متشابهان، في ورقة وقعت إليّ، ذكر فيها شيئا من أحوال أبي العلاء، و قال فيها: إن المستنصر بالله صاحب مصر بذل له ما لبيت المال بمعرة النعمان من الحلال، فلم يقبل منه شيئا و قال: (167 و).

كأنما غانة لي من غنى‏* * * فعدّ عن معدن أسوان‏ (1)

سرت برغمي عن زمان الصبى‏* * * يعجلني وقتي و أكواني‏

ضد أبي الطيب لما غدا* * * منصرفا عن شعب بوّان‏ (2)

____________

(1)- معدن أسوان هو الذهب.

(2)- من شعر اللنزوميات انما لم أقف عليهم في طبعة دمشق.

892

و قال:

لا أطلب الأرزاق و المولى‏* * * يفيض علي رزقي‏

إن أعط بعض القوت أعلم‏* * * أن ذلك ضعف حقي‏ (1)

قال: و كان رضي اللّه عنه يرمى من أهل الحسد له بالتعطيل، و تعمّل تلامذته و غيرهم على لسانه الأشعار يضمنونها أقاويل الملحدة قصدا لهلاكه، و إيثارا لتلاف نفسه، فقال رضي اللّه عنه:

حاول إهواني قوم‏* * * فما واجهتهم إلا بإهوان‏

تخوّنوني بسعاياتهم‏* * * فغيروا نية إخواني‏

لو استطاعوا لوشوا بي‏* * * إلى المريخ في الشهب و كيوان‏

و قال:

غريت بذمّي أمة* * * و بحمد خالقها غريت‏

و عبدت ربي ما استطعت‏* * * و من بريته بريت‏

و فرتني الجهال حا* * * شدة علي و ما فريت‏ (2)

سعروا علي فلم أحس‏* * * و عندهم أني هريت (167 ظ)

و جميع ما فاهوا به‏* * * كذب لعمرك حنبريت‏ (3)

و قال أيضا في ذلك:

و اللّه سلم بعدما* * * حشد العداة و نفّروا

و سعوا الى الأمراء علي‏* * * في المجال أفرفر (4)

____________

(1)- ليسا في طبعة دمشق من الملزوميات.

(2)- كتب ابن العديم في الحاشية: أي فرقت.

(3)- كتب ابن العديم في الحاشية: أي خالص.

(4)- كتب ابن العديم في الحاشية: انفض.

893

و تراسلوا و تألبوا* * * و سكت لما اسحنفروا

خالوني الصيد الأخير* * * سطا عليه غضنفر

و اللّه يعلم أينا* * * أطغى و أي أكفر

قال: و كان يدفع اللّه سبحانه عند مكائد الأعداء، و يقوم له من المتقدمين من ينتخي له، و يذب عنه، فقال في ذلك رضي اللّه عنه:

ضعفت عن كيدهم غير* * * أن اللّه بالحكمة قواني‏

أعانني من عز سلطانه‏* * * فلم أبك قلة أعواني‏

و زينوا هلكي بعدوانهم‏* * * لكل ذي جور و عدوان‏

و مدّ في القصر (1) حديثي و كم‏* * * ذممت في قصر و إيوان‏

كفاني الصدق و رب رأى‏* * * تعظيمه معظم ديواني‏

فما رموا سهما لهم بالغوا* * * في سمه إلا و أشواني‏ (2)

يا دائبا في عنتي جاهدا* * * إبليس في ودّك أغواني‏

خال من الضغن و خال حجى‏* * * إني و إياك لخلوان (168 و)

كأن طرحي في لظى مالك‏* * * يدخله جنة رضوان‏

قال: و لم يكن من شأنه أن يلتمس من أحد من خلق اللّه شيئا، و كان كثير الأمراض فقال:

لا أطلب السّيب من الناس‏* * * بل أطلبه من خالق السّيب‏

و يشهد الأول أني امرؤ* * * لي جسد يغرق في عيني‏

تضرب أضراسي و طبي بها التعطيس‏* * * بالكندس في جيبي‏

و يلي مما أنا فيه وجل‏* * * الأمر عن ويح و عن ويب‏

____________

(1)- كتب ابن العديم في الحاشية: يعني القصر بمصر.

(2)- كتب ابن العديم في الحاشية: أي لم يصب مقتلي.

894

لو أن أعمالي محمودة* * * لقلت حوطي بي و أعني بي‏

قال: و أبان عن تعظيم اللّه سبحانه و اعتقاده الصحيح فيه فقال:

ترتاح في الصيف الى أشهر* * * القرّ و في مشتاك للصيف‏

فخف إلها عز سلطانه‏* * * و جل عن أين و عن كيف‏

و علم الناس محاسن الأخلاق فقال:

و الرزق مقسوم فياسر و لا* * * تطلبه بالرمح و السيف‏

و كن لما تملكه باذلا* * * و لا تهاون بقرى الضيف‏

فاز امرؤ أنصف في دهره‏* * * و خاب من مال الى الحيف‏

سمعت العماد ساطع بن عبد الرزاق بن المحسن بن أبي حصين المعري يقول:

بلغني أن الناس لما أكثروا القول في الشيخ أبي العلاء بن سليمان و رموه بما (168 ظ) رموه به من الإلحاد، سير صاحب حلب قصدا لأذاه، فلما جاءه الرسول بات على عزم أن يأخذوه بكرة اليوم الآتي، فبات الشيخ أبو العلاء تلك الليلة في محرابه يدعو اللّه و يذكره، و يسأله أن يكفيه شره، و قال لبعض أصحابه أرقب النجم الفلاني فما زال يرقبه الى أن أخبره بأنه غاب، و الشيخ يدعو مستقبلا القبلة. فلما أصبح جاءه الرسول فقال له أبو العلاء: امض فقد قضي الأمر، فقال: و ما ذاك؟ قال: إن صاحبك مات، قال: تركته و هو في عافية، قال: إنه قد مات الليلة، فعاد فوجد الأمر كما ذكر، و ذاك أنه سقط بيت كان به، و تقصفت الأخشاب فمات، هذا معنى ما ذكره لي أو قريب منه‏ (1).

____________

(1)- كان المعري معاصرا لحكم الدولة المرداسية، و قد درست تاريخ حكم هذه الدولة بشكل مفصل فلم أقف على خبر موت واحد من الامراء المرداسيين كما جاء بهذه الرواية، كما لم تتحدث المصادر عن علاقة بين المرداسيين و أبي العلاء سوى اللقاء بينه و بين صالح بن مرداس الذي سيأتي الحديث عنه.