بغية الطلب في تاريخ حلب‏ - ج2

- ابن العديم عمر بن أحمد بن أبي جرادة المزيد...
429 /
895

و قرأت بخط الشريف إدريس بن الحسن بن علي بن عيسى بن علي الإدريسي الحسني قال: أخبرني الشريف النقيب: نظام الدين أبو العباس بن أبي الجن الحسيني قال: حدثني ابن أخت أمين الدولة الشريف القاضي الأفطسي قال: كان الشريف أبو ابراهيم محمد يحضر مجلس معز الدولة ثمال بن صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب، و يحضره المحبرة العباسي من ولد إسماعيل بن صالح و كل واحد منهما فقيه نبيل في المذهب الذي عرف به، و كان المحبرة يدق على أبي العلاء بن سليمان و يكفره و يحض معز الدولة على قتله، فكان معز الدولة يستطلع رأي (169 و) الشريف أبي إبراهيم فيه، فيقول فيه بخلاف ما يقول المحبرة و يقرظه عند معز الدولة و يرغبه في إبقائه و ينشده من أشعاره التي لا يلم فيها بأمر منكر، فجمع المحبرة جماعة من الفقهاء و غيرهم من أهل السنّة و صعد الى معز الدولة و ألجأه الى أن يبعث إليه فيحضره الى حلب، و يعقد له مجلس يخاطب فيه على ما شاع له من الشعر و التصانيف التي صنفها، فندب لإحضاره رسولا من خاصته، فيقال: إن أبا العلاء بن سليمان صعد في الليلة التي ورد فيها الرسول لإحضاره، و بسط منديلا عليه رماد فوضع عليه خده و دعا اللّه عز و جل بدعاء الفرج طول ليلته، فلم ينزل إلا و رسول ثان من معز الدولة يقول للأول:

لا تزعج الرجل و اتركه، فعاد، و اتفق في تلك الليلة أن سقط المحبرة من سطوح داره فمات.

و غبر على ذلك مدة طويلة و أبو إبراهيم محمد ينتظر الثواب من أبي العلاء على ما كان منه إليه، و كان أبو العلاء لا يمدح أحدا ترفعا و ضنّا بنفسه و شعره، إلا ما كان من مدحه لنفسه أو أحد من أهل بيته كالقاضي التنوخي، و الفصيصي، و ما اضطر إليه، فابتدأه الشريف أبو ابراهيم بالقصيدة النونية التي أولها:

غير مستحسن وصال الغواني‏* * * بعد ستين حجة و ثمان (169 ظ)

896

فأجابه عنها بالقصيدة المكتوبة في سقط الزند:

عللاني فان بيض الأماني‏* * * فنيت و الظلام ليس بفان‏ (1)

قلت: و الشريف المحبرة هو أبو علي محمد بن محمد بن هارون الهاشمي الحلبي، و كان قد تصدى للسعي بأبي العلاء، و التأليب عليه، و كان من أكابر الحلبيين و فقهائهم، و لم يسقط من سطح داره، لكن معز الدولة ثمال بن صالح اعتقله بقلعة حلب سنة أربعين و أربعمائة مع جماعة من أكابر حلب عندما طرق ناصر الدولة بن حمدان الشام، ثم قتله دونهم بسعاية علي بن أحمد بن الأيسر في سنة إحدى أو اثنتين و أربعين، و لم يكن الشريف أبو إبراهيم محمد بن أحمد ناظم النونية موجودا، و لا أدرك زمان ثمال فإنه توفي قبل الأربعمائة، و يحتمل أن أبا إبراهيم المذكور الذي كان يقرظ أبا العلاء عند معز الدولة هو أبو إبراهيم محمد بن جعفر بن أبي إبراهيم، فإنه كان جليل القدر محترما عند صالح بن مرداس و ثمال بن صالح، لكن الشعر الذي ذكره لجده أبي إبراهيم الأكبر، و اللّه أعلم‏ (2).

أنبأنا الشريف أبو علي المظفر بن الفضل بن يحيى العلوي قال: قرأت بخط ابن سنان الخفاجي في ذكر أبي العلاء بن سليمان أنه ترك أكل اللحم تزهدا، و كان مع ذلك يصوم أكثر زمانه و يفطر على الخل و البقل و يقول: ان في هذا لخيرا كثيرا.

أخبرنا عمر بن محمد بن طبرزد اجازة عن أبي الفضل بن ناصر قال: (170 و) حدثنا أبو زكريا التبريزي قال: كان المعري يجري رزقا على جماعة ممن كان يقرأ

____________

(1)- شروح سقط الزند. ط. القاهرة 1945: 2/ 425.

(2)- سيترجم ابن العديم لناصر الدولة الحمداني، و وقفت في المقفى للمقريزي على ترجمة لثمال من المرجح أنه نقلها عن كتاب بغية الطلب و قد نشرتها في ملحق كتابي مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية، انظر أيضا كتابي- بالانكليزية- امارة حلب: 140- 143.

897

عليه، و يتردد لاجل الأدب إليه، و لم يقبل لاحد هدية و لا صلة، و كان له أربعة رجال من الكتاب المجودين في خزانته و جارية يكتبون عنه ما يرتجله و يمليه.

أنبأنا زيد بن الحسن الكندي قال: أنبأنا هبة اللّه بن علي العلوي الشجري قال: حدثنا أبو زكريا التبريزي قال: ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة و لم يعرفها المعري، و لقد اتفق قوم ممن كان يقرأ عليه و وضعوا حروفا و ألفوها كلمات و أضافوا إليها من غريب اللغة و وحشيها كلمات أخرى و سألوه عن الجميع على سبيل الامتحان، فكان كلما وصلوا الى كلمة مما ألفوه ينزعج لها و ينكرها و يستعيدها مرارا ثم يقول:

دعوا هذه، و الألفاظ اللغوية يشرحها و يستشهد عليها حتى انتهت الكلمات، ثم أطرق ساعة مفكرا و رفع رأسه و قال: كأني بكم و قد وضعتم هذه الكلمات لتمتحنوا بها معرفتي و ثقتي في روايتي، و الله لئن لم تكشفوا لي الحال و تدعوا المحال، و إلا هذا فراق ما بيني و بينكم، فقالوا له: و اللّه الأمر كما قلت، و ما عدوت ما قصدناه، فقال: سبحان اللّه، و اللّه ما أقول إلّا ما قالته العرب و ما أظن أنها نطقت بشي‏ء و لم أعرفه.

قرأت في كتاب تتمة اليتيمة لأبي منصور الثعالبي و ذكر فيها أبا العلاء المعري فقال: (170 ظ) و كان حدثني أبو الحسن الدلفي المصيّصي الشاعر، و هو ممن لقيته قديما و حديثا في مدة ثلاثين سنة قال: لقيت بمعرة النعمان عجبا من العجب، رأيت أعمى شاعرا طريفا يلعب بالشطرنج و النرد، و يدخل في كل فن من الجد و الهزل، يكنى أبا العلاء؛ و سمعته يقول: أنا أحمد اللّه على العمى كما يحمده غيري على البصر، فقد صنع لي و أحسن بي إذ كفاني رؤية الثقلاء و البغضاء.

قال: و حضرته يوما و هو يملي في جواب كتاب ورد من بعض الرؤساء إليه:

وافى الكتاب فأوجب الشكرا* * * فضممته و لثمته عشرا

898

و فضضته و قرأته فإذا* * * أحلى كتاب في الورى يقرا

فمحاه دمعي من تحدره‏* * * شوقا إليك فلم يدع سطرا

فتحفظتها و استعملتها في مكاتبات الإخوان‏ (1).

قلت: و هذا الذي حكاه الدلفي لم أسمعه في كتاب غير تتمة اليتيمة، و لم ينقل أحد من المعريين و غيرهم عن أبي العلاء اشتغالا بشطرنج أو نرد، أو دخولا في فن من فنون الهزل، و لم تزل أوقاته منذ نشأ مصروفة إلى الاشتغال بالعلم، كيف و هو أن منصب أبيه و منصب أخيه لا يقتضى تمكينه من شي‏ء من ذلك، فقد كانا من العلماء الفضلاء، و كان أبو العلاء يزيد عليهما.

أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد اللّه قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن اسماعيل الطرسوسي قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي إجازة (171 و)- قلت: و نقلته أنا من خط المقدسي، قال: سمعت الرئيس أبا نصر أحمد بن أحمد بن عبدوس الوفراوندي بها يقول: سألت شيخ الإسلام أبا الحسن علي بن أحمد بن يوسف الهكاري عن أبي العلاء المعري- و كان قد رآه- فقال: رجل من المسلمين.

أخبرنا أبو القاسم عبد اللّه بن الحسين بن عبد اللّه بن رواحة- قراءة عليه- قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي- إجازة، إن لم يكن سماعا-، ح.

و كتب إلينا أبو القاسم عيسى بن عبد العزيز اللخمي من الاسكندرية قال:

سمعت أبا طاهر السّلفي يقول: سمعت أبا الزاكي حامد بن بختيار بن جروان النميري الخطيب بالشمسانية- مدينة بالخابور- يقول: سمعت القاضي أبا الفتح عبد المنعم بن أحمد بن أبي الروس السروجي يقول: سمعت أخي القاضي أبا الفتح‏

____________

(1)- انظر معجم الأدباء: 2/ 129- 130.

899

يقول: دخلت على الشيخ أبي العلاء التنوخي بالمعرة ذات يوم في وقت خلوة بغير علم منه، و كنت أتردد إليه و أقرأ عليه، فسمعته و هو ينشد من قبله:

كم غودرت غادة كعاب‏* * * و عمرت أمّها العجوز

أحرزها الوالدان خوفا* * * و القبر حرز لها حريز

يجوز أن تبطئ المنايا* * * و الخلد في الدّهر لا يجوز

ثم تأوه مرات و تلا قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَ ما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا (171 ظ) لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ» (1)، ثم صاح و بكى بكاء شديدا و طرح وجهه على الأرض زمانا، ثم رفع رأسه و مسح وجهه و قال:

سبحان من تكلم بهذا في القدم، سبحان من هذا كلامه، و سكت و سكن، فصبرت ساعة ثم سلمت عليه، فرد علي و قال: يا أبا الفتح متى أتيت؟ فقلت: الساعة، فأمرني بالجلوس، فجلست و قلت: يا سيدنا أرى في وجهك أثر غيظ، فقال: لا يا أبا الفتح بل أنشدت شيئا من كلام المخلوق و تلوت شيئا من كلام الخالق، فلحقني ما ترى، فتحققت صحة دينه و قوة يقينه.

أخبرنا أبو القاسم الأنصاري عن الحافظ أبي طاهر السّلفي، و أنبأنا أبو القاسم اللخمي قال: و سمعت أبا طاهر أحمد بن محمد يقول: و قد كان شيخانا أبو زكريا التبريزي ببغداد و أبو المكارم الأبهري بأبهر، و هما هما و لا يخفى من العلم محلّهما، يبالغان في الثناء عليه و يصفانه بالزهد و الدين القوي، و العقيدة الصحيحة القوية، و الخوف من الله تعالى، و إن كل ما يذكر من شعره إنما كان يذكره على ما جرت به عادة أهل الأدب، كما فعله أبو الحسين بن فارس في فتيا فقيه العرب، و قبله أبو بكر بن دريد في الملاحن، و عدّ ذلك منهما في جملة

____________

(1)- سورة هود- الآيات: 103- 105.

900

المناقب و المحاسن، و هذا الإمامان فمن أجلّاء (172 و) من رأيته من أهل الأدب و المتبحرين في علوم العرب، و الى أبي العلاء انتماؤهما و في العربية اعتزاؤهما، و قد أقاما عنده برهة من الدهر للقراءة و الأخذ عنه و الاستفادة.

أخبرنا القاضي أبو المعالي أحمد بن مدرك بن سعيد بن سليمان قاضي معرّة النعمان قال: بلغني من شيوخ المعرة أن جماعة من أهل حلب خرجوا إلى ناحية المعرة فقالوا: نريد أن نجتمع بالشيخ أبي العلاء فقال: واحد منهم يقال له ابن الطرسوسي: أي حاجة بنا أن نمضي إلى ذلك الأعمى الأصطيك فقالوا:

لابد لنا من المضي إليه، فمضوا حتى وصلوا إلى بابه و دقوا الباب و استأذنوا عليه، فقال: يؤذن للجماعة كلهم ما خلا فلان فلا حاجة له إلى أن يجتمع بالأعمى الأصطيلي، فدخلوا و سألوه الإذن له، فأذن له، و عجبوا من ذلك.

قرأت بخط أبي الفرج محمد بن أحمد بن الحسن الكاتب الوزير في روزنامج أنشأه لولده الحسن يذكر فيه رحلته الى الحج من أذربيجان و عبوره بحلب و معرة النعمان في سنة ثمان و عشرين و أربعمائة، و كان رجلا جليلا و فاضلا، و سنذكر ترجمته في موضعها إن شاء اللّه.

ذكر معرّة النعمان ثم قال و حسنتها و غرّتها و ديباجتها و عالمها و راويتها و علّامتها و نسابتها الشيخ الجليل العالم أبو العلاء أحمد عبد الله بن سليمان المعروف برهن المحبسين، و هو العالم المقصود (172 ظ) و البحر من الأدب المورود، و الإمام الموجود، و الأديب الذي يشهد بفضله الحسود، و الزاهد الذي لو أحلّ الدين السجود لوجب له السجود، و الفاضل الذي تنضى إليه الركائب، و تركب إلى الاقتباس منه الطريق الموعّر و اللاحب‏ (1)، و تهجر لمواصلته المناسب و المصاحب، و تطوى إليه البلاد، و يخالف للاكتحال به الرقاد و يحالف السهاد ليؤخذ منه العلم المحض و السداد، و يستفاد من مجالسته العلم المطلوب و الرشاد،

____________

(1)- اللاحب الطريق الواضح. القاموس.

901

يفقد لديه الزيغ و الإلحاد و الفضول في الدين و العناد، الفهم مل‏ء إهابه، و الفضل حشو ثيابه، شخص الأدب ماثلا، و لسان البلاغة قائلا: جمال الأيام، و زينة خواص الأنام، و فارس الكلام، و المقدم في النثار و النظام، قد لزم بيته فما يرى متبرزا، و ألف داره و أصبح فيها معتمدا متعززا لا يؤنسه عن الوحشة إلّا الدفاتر، و لا يصحبه في الواحدة إلا المحابر، و قد اقتصر من دنياه على الزاوية، و أنس الاعتزال و العافية، و قصر همته على أدب يفيده، و تصنيف يجيده، و قريض ينظمه، و نثر ينثره فيحكمه، و متعلّم يفضل عليه، و مسترفد صعلوك يحسن إليه، فهو عذب لمشرب، عف المطلب، نقي الساحة من (173 و) المآثم، بري‏ء الذمة من الجرائم يرجع الى نفس أمّارة بالخير، بعيدة من الشر، قد كفّ عن زخرف الدنيا و نضرتها، و غضّ طرفه عن متاعها و زهرتها، و نقىّ جيبه فأمن الناس عيبه، قد استوى في النزاهة نهاره و ليله، فلم يتدنّس بفاحشة قط ذيله، و عاد لإصلاح المعاد بإعداد الزاد، و اعتزل هذه الغدّارة، و أفرج عن المراد.

و له دار حسنة يأويها، و معاش يكفيه و يمونه، و أولاد أخ باق يخدمونه و يقرءون بين يديه، و يدرسون عليه، و يكتبون له، و وراق برسمه مستأجر، ثم ينفق على نفسه من دخل معاشه نفقة طفيفة، و ما يفضل عنه يفرقه على أخيه و أولاده و اللائذين به الفقراء و القاصدين له من الغرباء، و لا يقبل لأحد دقيقا و لا جليلا، فقد استعمل قول النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن رجلا أتاه فقال: يا رسول اللّه أي الناس أفضل؟

قال: رجل يجاهد في سبيل اللّه بماله و نفسه. قال ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب يعبد اللّه و يدع الناس من شره‏ (1) و ما روي أن عقبة بن عامر قال: يا رسول اللّه ما النجاة؟ قال: أملك عليك لسانك و ليسعك بيتك، و ابك على خطيئتك‏ (2) فقد اتخذ اللّه تعالى ذكره صاحبا، و ترك الناس جانبا.

فمضيت اليه مسلما، و للاستسعاد به مغتنما، فرأيت شيخا (173 ظ) حكمت‏

____________

(1)- انظر كنز العمال: 11/ 30968.

(2)- المصدر نفسه: 3/ 7854.

902

بأنه مولود في طالع الكمال، و أنه جملة الجمال، شمس عصره، و زينة مصره، و علم الفضل المطلوب، و واسطة عقد الادب المحبوب يزيد على العلماء زيادة النور على الظلام، و الكرام على اللئام، و ينيف عليهم انافة صفحة الشمس على كره الارض و يشأهم‏ (1) كما يشأى السابق يوم الامتحان و العرض.

و ذكر قصائد سمعها منه من شعره، و قال في آخرها: يا ولدي أبقاك الله هذا ما علقته عن هذا الشيخ المذكور في زورة كانت أقصر من ابهام الضب، و عتاب الصب، و حسوة الطائر، و هجعة السائر، و سالفة الذباب، و دولة الخضاب، ثم عرضت عليه ما أسأرته النوائب من حالي، و تخطته الحوادث من نفقتي و مالي، فأبى عن القبول و امتنع و تلكأ علي و دفع، فلما عرفت مذهبه و ظلف نفسه جئته من الباب الذي اقترن بمراده و أنسه.

قرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي في رسالة كتبها الكيا أبو الفتح الحسن ابن عبد اللّه بن صالح الأصبهاني الى أبي المظفر الليثي الآذري، و قد سأله عن حاله في سفرة سافرها الى الشام و غيرها، قال فيها: و هل أدرك أبا العلاء المعري المحجوب حجب الله عنه السوء، و هو أديبهم الراجح، و عالمهم الفاضل، و شاعرهم البارع، و عهدي به راجعا من بغداد، و لم يصح بجانبي ليله النهار، و لم يقع على شبابه لوقائع الدهر غبار، و هو ... احتجت الى علمه، و جئت ... الى وطني أربح ...

رأيته معنا مغنّا ... فتذكرت قول ... لساني و قلبي ... صارم كالسيف‏

... (2) كتبها الى الدهخذا أبي الفرج محمد بن أحمد قال: فيها و الشيخ أبو العلاء المعري فاني وجدته كما قال أبو الطيب.

____________

(1)- شوأ: سبق أو أحزن أو أعجب. القاموس.

(2)- كتبت هذه النصوص في الحاشية، و يبدو أن تلفا أصاب طرف الورقة فقام أحد الناس بإلصاق ورقة فوق التلف فطمس الكتابة و لم أجد في دفع الظلم و التجري و غيره من المصادر ما يساعد على تدارك المطموس.

903

علامة العلماء و اللج الذي‏* * * لا ينتهي و لكل لج ساحل‏ (1)

و لم يكن التقائي به في دفعتين الا قدر قبسة العجلان و خفقه النعسان.

أخبرنا أبو اسحاق ابراهيم بن أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن سليمان قال: أخبرني أبي أبو اليسر قال: أخبرني جدي أبو المجد محمد بن عبد الله قال: كان ظهر بمعرة النعمان منكر في زمن صالح بن مرداس، فعمد شيوخ البلد الى انكار ذلك المنكر، فأفضى الى أن قتلوا الضامن بها، و أهرقوا الخمر، و خافوا فجمعهم الى حلب و اعتقلهم بها، و كان (174 و) فيهم بعض بني سليمان، فجاء الجماعة الى الشيخ أبي العلاء و قالوا له:

ان الامر قد عظم و ليس له غيرك، فسار الى حلب ليشفع فيهم، فدخل الى بين يدي صالح، و لم يعرفه صالح، ثم قال له: السلام عليك أيها الامير.

الامير أبقاه الله كالسيف القاطع، لان وسطه، و خشن جانباه، و كالنهار الماتع قاظ، وسطه، و طاب جانباه، «خذ العفو و أمر بالمعروف و أعرض عن الجاهلين» (2)، فقال له: أنت أبو العلاء؟ فقال: أنا ذاك، فرفعه الى جانبه، و قضى شغله و أطلق له من كان من المحبسين من أهل المعرة، فعمل فيه- قال لي: قال لي أبي: قال لي جدي: و أنشدنيها لنفسه:

و لما مضى العمر إلا الأقل‏* * * و حان لروحي فراق الجسد

بعثت رسولا إلى صالح‏* * * و ذاك من القوم رأي فسد

فيسمع مني هديل الحمام‏* * * و أسمع منه زئير الأسد

فلا يعجبني هذا النفاق‏* * * فكم محنة نفقت ما كسد

و قرأت هذه الحكاية في تاريخ أبي غالب همام بن المهذب المعري، و ذكر أن‏

____________

(1)- ديوانه: 187.

(2)- سورة الاعراف- الآية: 199.

904

اجتماع أبي العلاء بصالح كان بظاهر معرة النعمان قال: سنة سبع عشرة و أربعمائة فيها: صاحت امرأة في الجامع يوم الجمعة، و ذكرت أن صاحب الماخور أراد أن يغصبها نفسها، فنفر كل من في الجامع إلا القاضي و المشايخ، و هدموا الماخور، و أخذوا خشبه و نهبوه، و كان أسد الدولة صالح في (174 ظ) نواحي صيدا.

ثم قال: سنة ثماني عشرة و أربعمائة فيها: وصل أسد الدولة صالح بن مرداس الى حلب و أمر باعتقال مشايخ المعرة و أما ثلها، فاعتقل سبعون رجلا في مجلس الحصن سبعين يوما، و ذلك بعد عيد الفطر بأيام، و كان أسد الدولة غير مؤثر لذلك، و انما غلب تاذرس‏ (1) على رأيه و كان يوهمه أنه يقيم عليهم الهيبة، و لقد بلغنا أنه خاطبه في ذلك فقال له: أقتل المهذب و أبا المجد بسبب ماخور، ما أفعل و قد بلغني أنه دعي لهم في آمد و ميافارقين، و قطع عليهم ألف دينار، و استدعى الشيخ أبا العلاء بن عبد اللّه بن سليمان (رحمه الله) بظاهر معرة النعمان، فلما حصل عنده في المجلس قال له الشيخ أبو العلاء: مولانا السيد الاجل، أسد الدولة و مقدمها و ناصحها، كالنهار الماتع اشتد هجيره و طاب أبرداه، و كالسيف القاطع لان صفحه و خشن حداه: «خذ العفو و أمر بالمعروف و أعرض عن الجاهلين» فقال صالح: قد وهبتهم لك أيها الشيخ، و لم يعلم الشيخ أبو العلاء أن المال قد قطع عليهم و الا كان قد سأل فيه، ثم قال الشيخ أبو العلاء بعد ذلك شعرا:

تغيبت في منزلي برهة* * * ستير العيون فقيد الحسد

فلما مضى العمر إلّا الأقل‏* * * و حم لروحي فراق الجسد (175 ظ)

بعثت شفيعا إلى صالح‏* * * و ذاك من القوم رأي فسد

فيسمع مني سجع الحمام‏* * * و أسمع منه زئير الأسد

فلا يعجبني هذا النفاق‏* * * فكم نفقت محنة ما كسد

____________

(1)- كان وزيره و مدبر أمره و قد قتل معه في معركة الاقحوانة.

905

قلت: و بلغني في غير هذه الرواية أنه قال بيتين حين أطلق صالح أهل المعرة:

نجى المعرة من براثن صالح‏* * * رب يداوي كل داء معضل‏

ما كان لي فيها جناح بعوضة* * * اللّه ألحفهم جناح تفضل‏ (1)

نقلت من خط أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ في تاريخه قال: و حدثني أبي قال: حدثني أبو المعافى بن المهذب قال: عمل الشيخ أبو العلاء في بغداد:

منك الصدود و مني بالصدود رضا ...

و هي قصيدة مليحة، فلما ظهرت غني بها، فهو ليلة قاعد في بيته اذ سمع في جواره غناء من القصيدة:

بي منك ما لو بدا بالشمس ما طلعت‏* * * و الغصن ماماس أو بالبرق ماو مضا

قال: فلطم و بكى و استغفر الله من ذلك و قال: و الله لو علمت أنه يغنى بشعري لما نطقت به.

أنشدنا ضياء الدين الحسن بن عمرو بن دهن الخصا بقراءتي عليه بحلب قال:

أنشدنا أبو الفضل خطيب الموصل قال: أنشدنا أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي، ح.

و أنشدنا الخطيب أبو عبد اللّه محمد بن عبد الواحد بن حرب (175 ظ) خطيب قلعة حلب، و الشريف أبو المحاسن عبد الله بن محمد بن عبد الله الهاشمي الحلبيان بها، و القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن مدرك بن سعيد بن ابن سليمان المعري بها، و شهاب الدين أبو المحامد اسماعيل بن حامد القوصي بدمشق، قالوا: أنشدنا القاضي المؤيد أبو جعفر محمد بن مؤيد بن أحمد بن حواري قال: أنشدني جدي أبو اليقظان أحمد بن محمد بن حواري قالا: أنشدنا

____________

(1)- انظر كتابي- بالانكليزية- امارة حلب: 245، 249.

906

أبو العلاء أحمد بن عبد اللّه بن سليمان المعري لنفسه و هي في أبي الرضا عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه القصيصي الكاتب:

يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر* * * لعل بالجزع أعوانا على السفر

و إن بخلت عن الأحياء كلهم‏* * * فاسق المواطر حيا من بني مطر

و يا أسيرة حجليها أرى سفها* * * حمل الحلي بمن أعيى عن النظر

ما سرت إلّا و طيف منك يصحبني‏* * * سرى أمامي و تأويبا على أثري‏

لو حط رحلي فوق النجم رافعة* * * ألفيت ثم خيالا منك منتظري‏

يود أن ظلام الليل دام له‏* * * و زيد فيه سواد القلب و البصر

لو اختصرتم من الاحسان زرتكم‏* * * و العذب يهجر للافراط في الخفر

أبعد حول تناجي الشوق ناجية* * * هلا و نحن على عشر من العشر

قال فيها في المدح:

يا روع اللّه سوطي كم أروع به‏* * * فؤاد و جناء مثل الطائر الحذر (176 و)

باهت بمهرة عدنانا فقلت لها:* * * لو لا الفصيصي كان المجد في مضر

و قد تبين قدري أن معرفتى‏* * * من تعلمين سترضيني عن القدر

القاتل المحل اذ تبدو السماء* * * لنا كأنها من نجيع الجدب في أزر

و قاسم الجود في عال و منخفض‏* * * كقسمة الغيث بين النبت و الشجر

قد أخذ قوم على أبي العلاء قوله: لو لا الفصيصي كان المجد في مضر و جعلوا هذا القول دليلا على سوء اعتقاده لانه يشعر بتفضيل الفصيصي على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، لان المجد في مضر كان به (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما جاء الفصيصي صار المجد في قحطان.

قالوا: و هذا تفضيل للفصيصي نعوذ بالله من ذلك، و كنت أبدا أستعظم معنى هذا البيت و أفكر له في وجه يحمل عليه، و تأويل يصرفه عن هذا المعنى القبيح الذي طعن به الطاعن على ناظمه، فلم يخطر لي في تأويله شي‏ء أرتضيه، و مضى‏

907

لي على ذلك سنون، فرأيت في منامي ليلة من ليالي سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة كأنني أذاكر رجلا بهذا البيت و أقول له: ان هذا كفر، فقال لي ذلك الرجل: لم يرد أبو العلاء ما ذهبت اليه من التفضيل و انما أراد أن المجد كله كان في مضر دون غيرها من القبائل فلما جاء الفصيص و انما صار لقحطان به مجد و نصيب منه، و هذا تأويل حسن، و تكون الالف و اللام لاستغراق الجنس و الله أعلم. (176 ظ).

أنشدنا أبو اسحاق ابراهيم بن عثمان بن يوسف بن أيوب الكاشغري قال:

أنشدنا هبة الله بن يحيى بن الحسن بن البوقي الفقيه الشافعي قال: أنشدنا أبو محمد الحسن بن علي بن عمر قحف العلم قال: أنشدنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه:

أما يفيق المرء من سكر* * * مجتهدا في سيره و السرى‏

نمت عن الأخرى فلم تنتبه‏* * * و في سوى الدين هجرت الكرى‏

كم قائل راح الى معشر* * * أبطل فيما قاله و افترى‏

على القرا يحمل أثقاله‏* * * و إنما يأمل نزر القرى‏

يفتقر الحيّ و يثرى و ما* * * يصير إلا حثوة في الثرى‏

اسمع فهذا هاتف صادق‏* * * أراك عقباك فهلّا ترى‏

أخبرنا أبو هاشم بن أبي المعالي الحلبي قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي بكر الإمام قال: أنشدتنا أم سلمة سنّبك بنت عبد الغابر بن اسماعيل الفارسي بنيسابور، و أبو حفص عمر بن أحمد بن منصور الإمام بمرو قالا: أنشدنا أبو نصر الرامشي النحوي الإمام قال: أنشدني أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه:

رغبت الى الدنيا زمانا فلم تجد* * * بغير عناء و الحياة بلاغ‏

908

و القى ابنه اليأس المريح و بنته‏* * * لدي فعندي راحة و فراغ (177 و)

و زاد بلاء الناس في كل بلدة* * * أحاديث مما تفترى و تصاغ‏

تأمّلتها عصر الشباب فلم تسغ‏* * * و ليس لها من المشيب مساغ‏

و من شرّ ما أسرجت في الصبح و الدجى‏* * * كميت لها بالراكبين مراغ‏

أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن على بن ثابت الخطيب قال: و بلغنا أنه- يعني أبا العلاء- مات في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة تسع و أربعين و أربعمائة. (1)

و قرأت بخط أبي الفضل هبة الله بن بطرس الحلبي النصراني المعروف بابن شرارة: لزم أبو العلاء منزله من سنة أربعمائة الى أن توفي يوم الجمعة لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول من سنة تسع و أربعين بمعرة النعمان.

و قرأت في الجزء الذي سيره لي قاضي المعرة أبو المعالي بن سليمان في أخبار بني سليمان أنه توفي (رحمه الله) وقت صلاة العصر من يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الأول من سنة تسع و أربعين و أربعمائة، و دفن في مقابر أهله بمعرة النعمان، و صلى عليه ابن أخيه أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان (رحمه الله).

و كذلك قرأت وفاته بخط مؤيد الدولة أبي المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ الكناني.

أخبرنا أبو العرب بن أبي الشكر بن أبي القاسم الأنصاري قال: أخبرنا محمد ابن المؤيد التنوخي قال: أخبرني جدي أحمد بن محمد المعري التنوخي (177 ظ) أبو اليقظان قال: و توفي- يعني- أبا العلاء بين صلاتي العشاءين ليلة الجمعة الثالث من شهر ربيع الأول سنة تسع و أربعين و أربعمائة.

____________

(1)- تاريخ بغداد: 4/ 241.

909

و قرأت في تاريخ غرس النعمة أبي الحسن محمد بن هلال الصابئ في حوادث سنة تسع و أربعين و أربعمائة قال: و في الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول توفي بمعرة النعمان من الشام أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان.

قال: و أذكر عند ورود الخبر بموته تذاكرنا أمره و إظهاره الإلحاد و كفره، و معنا غلام يعرف بأبي غالب بن نبهان من أهل الخير و السلامة و العفة و الديانة، فلما كان من غد يومنا حكى لنا و قد مضى ذلك الحديث يسمعه غرضا فقال: أريت البارحة في منامي رجلا ضريرا و على عاتقه أفعيان متدليان الى فخذيه و كل منهما يرفع فمه الى وجهه فيقطع منه لحما يزدرده و هو يصيح و يستغيث، فقلت من هذا- و قد أفزعني ما رأيته منه، و روعني ما شاهدته عليه-؟ فقيل لي: هذا المعري الملحد، فعجبنا من ذلك و استطرفناه بعقب ما تفاوضناه من أمره و تجاريناه‏ (1).

قلت: خفي على غرس النعمة تأويل المنام و هو أن الأفعيين: هو و الذي كان يذاكره بإلحاد المعري و كفره، فرأى هذا الغلام في النوم ما عاينه منهما في اليقظة، قال الله سبحانه و تعالى: «أ يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه» (2) و أما (178 و) صياحه و استغاثته فإلى الله تعالى عليهما.

ذكر الوزير القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني في كتاب «إنباء الأنباه في أنباء النحاة» قال: قرأت بخط المفضل بن مواهب بن أسد الفارزي الحلبي قال: حدثني الشيخ أبو عبد الله الأصبهاني قال: لما حضرت الشيخ أبا العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي الوفاة أتاه القاضي الأجل أبو محمد عبد الله التنوخي‏ (3) بقدح شراب فامتنع من شربه فحلف القاضي أيمانا مؤكدة لا بد من أن‏

____________

(1)- عيون التواريخ: 78.

(2)- سورة الحجرات- الآية: 12.

(3)- كتب ابن العديم في الحاشية: «يعني ابن أخيه قاضي المعرة».

910

يشرب ذلك القدح و كان سكنجبين‏ (1)، فقال أبو العلاء مجيبا له عن يمينه:

أعبد الله خير من حياتي‏* * * و طول ذمائها موت صريح‏

تعلّلني لتشفيني فذرني‏* * * لعلي أستريح و تستريح‏

و كان مرضه ثلاثة أيام و مات في اليوم الرابع و لم يكن عنده غير بني عمه، فقال لهم في اليوم الثالث: اكتبوا فتناولوا الدوى و الأقلام، فأملى عليهم غير الصواب، فقال القاضي أبو محمد: أحسن الله عزاءكم في الشيخ فإنه ميت، فمات في غداة غد، و إنما أخذ القاضي هذه المعرفة من ابن بطلان، لأن ابن بطلان- كان يدخل على أبي العلاء، و يعرف ذكاءه و فضله، فقيل له قبل موته بأيام قلائل: إنه أملى شيئا فغلط فيه، فقال ابن بطلان: مات أبو العلاء، فقيل: و كيف عرفت ذلك فقال: هذا رجل (178 ظ) فطن ذكي و لم تجر عادته بأن يستمر عليه سهو و لا غلط، فلما أخبرتموني بأنه غلط علمت أن عقله قد نقص، و فكره قد انفسد (2)، و آلاته قد اضطربت، فحكمت عليه عند ذلك بالموت و الله أعلم.

قرأت بخط بعض البغداديين، قيل: لما مات أبو العلاء المعري سامحه الله وقف على قبره سبعون شاعرا من أهل المعرة، فأنشد كل منهم قصيدة يرثيه بها فقال بعضهم:

إن كنت لم ترق الدماء زهادة* * * فلقد أرقت اليوم من عيني دما

سيرت ذكرك في البلاد كأنّه‏* * * مسك فسامعة تضمّخ أو فما

و أرى الحجيج إذا أرادوا ليلة* * * ذكراك أوجب فدية من أحرما

____________

(1)- شراب من العسل و الخل أو السكر و الخل. مفيد العلوم و مبيد الهموم لابن الحشاء- ط. الرباط 1941: ص 121 (1121).

(2)- كتب ابن العديم في الحاشية: «صوابه فسد و انما حكى (رحمه الله) لفظ ابن بطلان على صورته» و كان ابن بطلان طبيبا عراقيا قدم الى حلب و سبق أن نقل ابن العديم عنه في المجلدة الاولى.

911

قلت: و هذه الأبيات لعلي بن محمد بن همام التنوخي، و سنذكرها في ترجمته إن شاء الله تعالى.

قرأت في مجموعة بخط بعض الفضلاء لابن أخي المعري يرثي عمه أبا العلاء.

لو كان ينفع بعد مصرع مالك‏* * * تطويلي الأشعار و الأشعارا

لوقفت في سبل القوافي خاطري‏* * * و لبست من شعري عليك شعارا

قلت: و إياه عنى أبو محمد الخفاجي الشاعر في قصيدته الرائية بقوله:

و مقيما على المعرّة تطويه‏* * * الليالي و ذكره منشورا (1)

و وقع إلي جزء بخط بعض المعريين فيه بعض مارثي به أبو العلاء من الشعر (179 و) فقرأت فيه لأبي مسلم وادع بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان من جملة قصيدة:

ألا يا شبيه البحر أقسم لو درى‏* * * بموتك ما جاشت بليل غواربه‏

و يا من بكى طرف المكارم وحشة* * * له و لسان الفضل و الحلم نادبه‏

و لو نطقت كتب العلوم إذا بكى‏* * * على فقده من كلّ علم غرائبه‏

و لو أنّ هذا الليل يعلم أنه‏* * * قضى لقضى ألّا تزول غياهبه‏

و لو علمت شهب الظلام بفقده‏* * * إذا ندبته في الظلام كواكبه‏

سقى قبره السحب الغزار و خصه‏* * * من الله عفو لا يزال يصاحبه‏

فما زال كلّ الناس ينهب علمه‏* * * الى أن غدا صرف الردى و هو ناهبه‏

و قد عمّ أهل الأرض جمعا مصابه‏* * * كما عمّهم إحسانه و مواهبه‏

رعى الله قبرا أنت يا عمّ ملحد* * * به و سقاه من حيا المزن صائبه‏

و لولا توخيك الطهارة شيمة* * * لقلت: سقاه من دم الدمع ساكبه‏

____________

(1)- كان في المكتبه الظاهرية نسخة من ديوانه المطبوع مفقودة الآن.

912

و قرأت فيه لأبي يعلى عبد الباقي بن أبي حصين من قصيدة:

نصال الدهر أقصد من سواها* * * و إن أدمت و لم تدم النصال‏

أ لم تر كيف لم يأمن شباها* * * أمين الأرض و الورع البجال‏

و سار سريره فوق الهوادي‏* * * لقد خفّت مذ اليوم الجبال‏

و أقبر في المعرّة و هو أولى‏* * * بقبر في المجرّة لا يطال (179 ظ)

و قرأت فيه لأبي الفتح الحسن بن عبد اللّه بن أبي حصينة:

العلم بعد أبي العلاء مضيّع‏* * * و الأرض خالية الجوانب بلقع‏

لا عالم فيها يبين مشكلا* * * للسائلين و لا سماع ينفع‏

وعظ الانام بما استطاع من الهدى‏* * * لو كان يعقل جاهل أو يسمع‏

و مضى و قد ملأ البلاد غرائبا* * * أسفي عليه و قد مشيت وراءه‏

ما كنت أعلم و هو يودع في الثرى‏* * * أن الثرى فيه الكواكب تودع‏

جبل ظننت و قد تزعزع ركنه‏* * * أنّ الجبال الراسيات تزعزع‏

و عجبت أن تسع المعرة قبرة* * * و يضيق عرض الارض عنه الأوسع‏

أسفي عليه و قد مشيت وراءه‏* * * و متالع فوق المناكب ترفع‏

و الشمس كاسفة الضياء كئيبة* * * و الجوّ مسود الجوانب أسفع‏

و الأرض عادمة النسيم كأنما* * * سدّت منافسها الرياح الأربع‏

لو فاضت المهجات يوم وفاته‏* * * ما استكثرت فيه فكيف الأدمع‏

إني لمحتشم و قد دخل الثرى‏* * * و يكون لي كبد و لا تتقطع‏ (1)

أخبرنا أبو اليمن الكندي في كتابه قال: أجاز لنا أبو عبد الله محمد بن نصر القيسراني، و قال: و كتبها عند قبر أبي العلاء بمعرة النعمان.

____________

(1)- ديوان ابن أبي حصينة- ط. دمشق 1956: 1/ 373- 374.

913

نزلت فزرت قبر أبي العلاء* * * فلم أر من قرى غير البكاء

ألا يا قبر أحمدكم جلال‏* * * تضمه ثراك و كم ذكاء (1)

و زرت قبر أبي العلاء في البرية التي فيها مقابر أهله داخل معرة النعمان، بالقرب من آدر بني سليمان، (رحمه الله).

أحمد بن عبد الله بن صالح:

ابن عبد الله بن صالح بن علي عبد الله بن العباس، أبو جعفر الصالحي من أهل حلب، وجدت ذكره (180 و) في جزء وقع إلي بخط القاضي أبي طاهر صالح بن جعفر الهاشمي يتضمن نسب بني صالح بن علي.

قال: و كان- يعني أحمد بن عبد الله بن صالح- سيد ولد عبد الله بن صالح في أيامه، و جليلهم الذي يقتدون برأيه و يرجعون الى أمره.

أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم:

أبو الحسن العجلي الكوفي الحافظ، كان حافظا كبيرا كثير الحديث، تفقه في الحديث و مهر فيه، و خرج عن الكوفة و قدم الشام، و دخل أنطاكية، و توجه منها الى الساحل، و دخل مصر، و توجه الى أطرابلس المغرب و أقام بها الى أن مات.

سمع بأنطاكية نزيلها يعقوب بن كعب الحلبي، و بالمصيصة نزيلها موسى بن أيوب النصيبي، و روى عنهما و عن أبيه عبد الله بن صالح، و عن الامام أبي عبد الله أحمد بن حنبل، و عبيد الله بن موسى، و الحسين بن علي الجعفي، و أبي أحمد الأسدي، و محمد بن جعفر غندر، و يحيى بن معين، و أبي داود الجفري، و محمد ابن يوسف الفيريابي، و أبي سفيان الحميري، و أبي نعيم الفضل بن دكين، و عثمان ابن محمد العبسي، و محمد و يعلى ابني عبيد، و قاسم العرفطي، و أبي زيد سعيد بن‏

____________

(1)- ليسا فيما أورده العماد في الخريدة من شعره.

914

الربيع الهروي، و أسد بن موسى، و قبيصة بن عقبة، و عفان بن مسلم، و حجاج بن منهال، و عبد الله بن نافع الزبيري، و شبابه، و سليمان بن حرب، و يزيد بن هارون و اسماعيل بن عبد الكريم و ابن أبي مريم، و اسماعيل بن خليل، و نعيم بن حماد، و عمر بن حفص بن غياث، و جعفر بن عون، و يعقوب بن اسحاق، و يحيى بن آدم، و نصر بن علي، و عمرو بن عون، و العلاء بن عبد الجبار.

روى عنه ابنه أبو مسلم صالح بن أحمد، و كان زاهدا، ورعا، و هو من بيت العلم و الحديث، وجده صالح من شيوخ الكوفة من أقران سعيد الثوري (180 ظ) والد سفيان، و أبوه كان قاضيا بشيراز من أصحاب شعبة و اسرائيل، و قد أخرجه البخاري في صحيحه، و ابنه صالح بن أحمد كان من أهل العلم و الرواية، و له سؤالات سأل عنها أباه.

أنبأنا أبو الحسن علي بن المفضل بن علي المقدسي قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد الاصبهاني- إجازة ان لم يكن سماعا- قال: أخبرنا أبو المعالي ثابت بن بندار بن ابراهيم البقال قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر ابن محمد السلماسي قال: أخبرنا أبو العباس الوليد بن بكر بن مخلد بن أبي زياد الغمري الاندلسي قال: سمعت علي بن أحمد- يعني ابن زكريا بن الخصيب الهاشمي- قال: سمعت صالح بن أحمد يقول: سمعت أبي أحمد يقول: طلبت الحديث سنة سبع و تسعين و مائة، و كان مولدي بالكوفة سنة اثنتين و ثمانين و مائة.

أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد بن يوسف- فيما أذن لنا أن نرويه عنه عن أحمد بن محمد بن أحمد السلفي- قال: أخبرنا ثابت بن بندار قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر السلماسي قال: أخبرنا أبو العباس الوليد بن بكر بن مخلد الغمري قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن زكريا قال: حدثنا أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي قال: حدثني أبي قال: حدثنا يعقوب‏

915

ابن كعب قال: حدثنا يحيى بن اليمان العجلي عن أشعث بن اسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال: الذين يبخلون و يأمرون الناس بالبخل. قال: هذا في العلم.

و قال: حدثنا أبو (181 و) مسلم قال: حدثني أبي قال: أخرج إلي أحمد بن نوح نفقة دنانير كثيرة فقال: خذ منها حاجتك، أراك رث الهيئة، فأخرجت اليه منطقة لي فيها دنانير بعت بها بزا بأنطاكية فقلت: لو كنت أحوج الخلق أجى‏ء الى أسير آخذ منه.

قلت: و كان أحمد بن نوح محبوسا في المحنة مع أحمد بن حنبل‏ (1).

أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين الانصاري عن الحافظ أبي طاهر قال:

أخبرنا أبو المعالي البقال قال: أخبرنا أبو عبد الله بن جعفر قال: أخبرنا أبو العباس الوليد بن بكر بن مخلد قال: و كان أبو الحسن أحمد بن عبد الله من أئمة أصحاب الحفاظ المتقنين، و من ذوي الورع و الزهد.

كما سمعت زياد بن عبد الرحمن أبا الحسن اللولي بالقيروان يقول: سمعت مشايخنا بهذا المغرب يقولون لم يكن لابي الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي ببلادنا شبه و لا نظير في زمانه و معرفته بالحديث و اتقانه له، و زهده و ورعه.

و قال: أخبرنا الوليد قال: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن زكريا بن الخطيب بأطرابلس المغرب قال: حدثنا أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم الحافظ بالقيروان قال: سألت مالك بن عيسى القفصي- و كان من علماء أصحاب الحديث بالمغرب- فقلت له: من أعلم من رأيت بالحديث؟ فقال لي: أما من الشيوخ فأبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي الساكن باطرابلس المغرب.

و قال: أخبرنا الوليد قال: و حدثنا علي بن أحمد قال: حدثنا أبو العرب قال:

____________

(1)- محنة خلق القرآن أيام الخليفة المأمون العباسي.

916

حدثنا مالك بن عيسى قال: حدثنا عباس بن يحيى الدوري عن عبد الله بن صالح العجلي- قال مالك بن عيسى: فقلت لعباس الدوري: إن له ابنا عندنا بالمغرب، فقال: أحمد؟ فقلت نعم، قال عباس: إنما كنا نعده مثل أحمد بن حنبل، و يحيى بن معين- قال: قال لي علي بن أحمد: و قد ذكر أحمد بن عبد الله بن صالح أن ابن حنبل و ابن معين قد كانا يأخذان عنه. (1)

و قال: أخبرنا الوليد قال: حدثنا علي بن أحمد قال: حدثنا محمد بن أحمد ابن غانم الحافظ قال: سمعت أحمد بن معتب- مغربي ثقة- يقول: سئل يحيى بن معين عن أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم فقال: ثقة ابن ثقة ابن ثقة.

قال (181 ظ) الوليد: و إنما قال فيه يحيى بن معين بهذه التزكية لأنه عرفه بالعراق قبل خروج أحمد بن عبد الله إلى المغرب، و كان نظيره في الحفظ إلا أنه دونه في السن، و كان خروجه إلى المغرب أيام محنة أحمد بن حنبل لأنه يقول في هذه السؤالات: دخلت على أحمد بن حنبل و هو محبوس بصور (2)، و ذلك أن المأمون احتمل ابن حنبل إليه من بغداد للمحنة في القرآن.

و أحمد بن عبد الله هذا أقدم في طلب العلم، و أعلى إسنادا، و أجل عند أهل المغرب في القديم و الحديث ورعا و زهدا من محمد بن اسماعيل البخاري لأنه سمع من الحسين بن علي الجعفي، و من محمد بن جعفر غندر، و من أبي داود الجفري، و أبي سفيان الحميري، و أبي عامر العقدي، و محمد و يعلى ابني عبيد، و من أسد ابن موسى بمصر، و سمع الأكابر من أصحاب سفيان و شعبة، و غيرهما، و هو كثير الحديث، خرج عن الكوفة و العراق بعد أن تفقه في الحديث، ثم نزل أطرابلس المغرب.

____________

(1)- وصلنا كتاب طبقات أبي العرب ناقصا، ليس فيه هذا الخبر، كما لم أقف عليه في كتاب المحن و هو لابي العرب أيضا.

(2)- كتب ابن العديم في الحاشية: أظنه بطرسوس و قد تصحف.

917

قال: أخبرنا الوليد قال: حدثنا علي بن أحمد قال: حدثنا أبو مسلم عن أبيه قال: آخر سفرة سافرتها الى البصرة كتبت بها ألف حديث منتقا إلا حديث حماد بن سلمة القعيني، و استعرت حديث حفص بن عمر النميري، و كانت عشرين ألف حديث فما تنقيت منها إلا مائتي حديث فسمعتها.

قال: أخبرنا الوليد قال: قلت لزياد بن عبد الرحمن: أي شي‏ء أراد أحمد بن صالح بخروجه إلى المغرب؟ فقال: أراد التفرد للعبادة.

يحكي ذلك عن مشايخ المغرب، قال: و سمعت علي بن أحمد يقول نحو ذلك.

قال الوليد: و حدث أحمد، و تصانيفه و أخباره بالمغرب، و حديثه عزيز بمصر و الشام و العراق لبعد المسافة.

و توفي باطرابلس، و قبره هناك على الساحل، و قبر ابنه صالح إلى جنبه رحمهما الله.

أنبأنا أبو علي الأوقي عن أبي طاهر السّلفي قال: أخبرنا ثابت بن بندار قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر السلماسي قال: أخبرنا الوليد بن بكر الأندلسي قال: حدثنا علي بن أحمد قال: سمعت صالح بن أحمد قال: و مات أبي بعد الستين و المائتين. (182 و).

أحمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين:

ابن مصعب بن رزيق بن أسعد بن زاذان الخزاعي، الأمير أبو الفضل ابن الأمير أبي العباس ابن الأمير أبي طلحة ذي اليمينين؛ أمير فاضل من الأمراء الكبراء، و الأجواد الكرماء، قدم الشام، و نزل جبل السماق فاستطاب ماءه، و استلذ هواءه، و أعجب به إعجابا كثيرا، و رحل منه عن هوى له، فقال أبياتا ذكرها السّري الموصلي في كتابه الذي سماه «المحب و المحبوب و المشموم و المشروب» فقال: أنشد المبرد قال: أنشدني أحمد بن عبد الله بن طاهر لنفسه:

918

يا جبل السماق سقيا لكا* * * ما فعل الظبي الذي حلّكا

فارقت أطلالك لا أنه‏* * * قلاك قلبي لا و لا ملكا

فأي لذاتك أبكي دما؟* * * ماءك أم ظبيك أم ظلكا

أم نفحات منك تبدي إذا* * * دمع الندى إثر الدجى بلكا (1)

أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن عبد الرزاق السلمي:

أبو القاسم (182 ظ) العطار بن أبي محمد البغدادي، سمع أباه أبا محمد عبد الله، و أبا الوقت عبد الأول بن شعيب السّجزي، و أبا الفتح محمد بن عبد الباقي بن البسطي و غيرهم بإفادة والده أبي محمد، و كان والده من شيوخ الحديث ببغداد.

و قال القاضي أبو المحاسن عمر بن علي القرشي فيما نقلته من خطه: كان يذكر- يعني أبا محمد عبد الله- أنه من ولد أبي عبد الرحمن السلمي.

و كان أبو القاسم ولده شيخا صالحا ورعا ثقة أمينا صموتا، حسن السمت، اجتمعت به بدمشق في سنة ثلاث و ستمائة، و كان عطارا بها، و سمعت منه جزء بيتي الهرثمية، ثم قدم علينا حلب في سنة اثنتي عشرة و ستمائة، و أنزله الملك المحسن أحمد بن الملك الناصر يوسف بن أيوب في جواره، و كان يصحبه بدمشق، فسمعت منه بحلب صحيح البخاري و مسند الدارمي بروايته لهما عن أبي الوقت، و غيرهما من الأجزاء، و كان (رحمه الله) تعجبه قراءتي الحديث، و كان به لما قدم علينا حلب رياح الشوكة؛ و سألته عن مولده فقال: يوم الجمعة ثامن عشر شهر ربيع الآخر من سنة ست و أربعين و خمسمائة- يعني ببغداد-.

أخبرنا الشيخ الثقة شمس الدين أبو القاسم أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد

____________

(1)- المحب و المحبوب و المشموم و المشروب. ط. دمشق 1986: 2/ 193- 194.

919

السلمي قراءة عليه بدمشق قال: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السّجزي قال: أخبرتنا الحرة أم عزّي بيبي بنت عبد (183 و) الصمد بن علي بن محمد الهرثمية قالت: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الأنصاري قال:

أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال: حدثنا مصعب بن عبد الله بن مصعب قال: حدثني مالك بن أنس عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه و ليفعل الذي هو خير» (1).

أخبرنا أبو القاسم بن أبي محمد قراءة عليه بحلب حرسها الله قال: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداوودي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمّوية السرخسي قال:

أخبرنا أبو عمران عيسى بن عمر بن العباس السمرقندي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال: أخبرنا يوسف بن موسى قال: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا محمد بن الحسن الصنعاني قال: حدثنا منذر عن وهب بن منبه‏ (2) قال: مجلس يتنازع فيه العلم أحب إليّ من قدره صلاة، لعل أحدهم يسمع الكلمة فينتفع بها سنة أو ما بقي من عمره.

رجع شيخنا أبو القاسم من حلب إلى دمشق فتوفي بها في يوم الخميس سابع عشر شعبان من سنة خمس عشرة و ستمائة، و دفن من يومه بجبل قاسيون. (183 ظ)

و أخبرني الحافظ أبو الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي قال: أبو القاسم هذا بغدادي سكن دمشق، من أهل الصلاح و العفاف و الخير، و يعرف بالشمس‏

____________

(1)- انظر كنز العمال: 16/ 46407، 46408، 46412.

(2)- كان أصله من الابناء، ولي القضاء لعمر بن عبد العزيز في اليمن، و اتهم بالقدر و توفي مسجونا سنة 111 ه. نسب اليه كتاب التيجان في ملوك حمير، وصلتنا عدة أوراق من مغازيه.

920

العطار، محدث ابن محدث، و كان والده يذكر أنه من ولد أبي عبد الرحمن السلمي.

و ذكر الحافظ أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري في كتاب «التكملة لوفيات النقلة» فيمن مات سنة خمس عشرة و ستمائة قال: و في ليلة السابع عشر من شعبان توفي الشيخ الأجل أبو القاسم أحمد بن الشيخ الأجل أبي محمد عبد الله بن عبد الصمد بن عبد الرزاق السلمي البغدادي العطار الصيدلاني، نزيل دمشق، بدمشق، و صلي عليه من الغد بالمدرسة المجاهدية ظاهر باب الفراديس، و دفن بجبل قاسيون.

سمع بإفادة والده، و ذكر بعضهم أن أبا القاسم هذا توفي في جمادى الآخرة من السنة، و الأول أكثر (1). (184 و).

____________

(1)- التكملة لوفيات النقله: 4/ 342- 343 (1616).

921

أحمد بن عبد الله بن علي:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

و به توفيقي‏

أبو العباس الفرائضي الرازي، سمع بحلب نزيلها سليمان بن المعافى بن سليمان و محمد بن معاذ الحلبي المعروف بدرّان، و بالمصيصة الحسن بن منصور المصّيصي.

و روى عنهم و عن: الحسين بن أحمد بن الفضل الباهلي، و الحسن بن علي بن زكريا العدوي، و مطين الحضرمي، و أبي بكر محمد بن قارن، و أبي بكر أحمد بن سعيد السوسي، و عثمان بن الأصبغ الرقّي، و الحسين بن محمد بن أبي الأحوص، و جعفر بن محمد الفريابي، و أحمد بن جعفر القطان، و عبد الله بن أحمد القواريري، و أبي شعيب الحراني، و ابن أبي حسان؛ و عن موسى بن عمران الوراق، سمع منه بطرسوس، و يوسف بن يعقوب القاضي، و مكي بن أحمد بن ماهان.

روى عنه: أبو الحسن الدارقطني، و أبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين، و يوسف القواس، و أحمد بن الفرج بن الحجاج، و عبد الله بن عثمان الصفار، و أبو الحسن علي بن محمد بن اسحاق بن محمد بن يزيد الحلبي.

أنبأنا أحمد بن عبد الله بن علوان عن أبي البركات الخضر بن شبل الحارثي قال: أخبرنا أبو الحسن رشاء بن نظيف المقرئ- إجازة- قال: أخبرنا أبو الحسن‏

922

علي بن محمد الحلبي قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الله الفرائضي قال:

حدثنا موسى بن عمران الوراق بطرسوس قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي قال: حدثنا يحيى بن اليمان قال: سمعت سليمان الأعمش يقول: إني لأرى الشيخ يخضب بالحناء، ليس عنده شي‏ء من الحديث فأشتهي أن ألطم قفاه.

أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن ابن محمد القزاز قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أخبرنا أبو بكر البرقاني قال:

أخبرنا أبو (185- و) الحسن الدارقطني قال: أحمد بن عبد الله بن علي الفرائضي رازي ثقة.

أحمد بن عبد الله بن علوان:

أبو العباس الأسدي الحلبي، أخو شيخنا أبي محمد عبد الرحمن بن الاستاذ، شيخ حسن صالح، زاهد ورع، حسن الأخلاق، كثير العبادة و الدعاء.

سمع بحلب الحافظ أبا بكر محمد بن علي بن ياسر الحياني، و أبا طالب عبد الرحمن بن الحسن بن العجمي الحلبي، و محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مسعود المسعودي الفنجديهي و غيرهم، و سمع بمكة أبا محمد عبد الدائم بن عمر بن حسين الكتاني و غيره، و بالموصل أبا الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي.

و كان سار من حلب صحبة والدته، و كانت امرأة صالحة، و صحبه أخيه الشيخ علوان إلى الحج، فجاور بمكة مع أخيه و والدته يخدمهما إلى أن مات أخوه علوان، فأقام بمكة يخدم والدته إلى أن ماتت، فكانت إقامته بمكة عشرين سنة متوالية يخدم والدته، ثم عاد إلى حلب الحروسة من مكة بأخت له كانت مع والدته، و كان بعد ذلك يتردد من حلب حاجا إلى مكة في بعض السنين، و كان يجاور في بعضها، و آخر حجة حجّها في سنة ثمان و ستمائة، سيره الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب ليلحق عمته ربيعه خاتون بنت أيوب، و كانت حجت في هذه السنة، ليعلمها مناسك‏

923

الحج، و كانت حجت من إربل، و عادت على الشام، فقدم معها، و كنت بالبيت المقدس، فقدم علينا معها في أوائل سنة (185- ظ) تسع و ستمائة، و أقام بعدها بحلب إلى أن مات.

و قال لي ابن أخيه القاضي الإمام زين الدين أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن:

إنه تكمل للشيخ أحمد- عمه- إلى أن مات ثلاثون حجة إلى مكة حرسها الله بسني المجاورة.

و سمعت القاضي زين الدين المذكور يقول: كان الشيخ ربيع بن محمود المارديني- و كان أحد الأولياء- يقول: لو صعد أحد إلى السماء بخدمة والدته لصعد الشيخ أحمد، فإنه لم يخدم أحد والدته مثل خدمته.

قال: و بلغني أنه طاف ليلة بأمه من العشاء إلى الصباح و يدها على كتفه لضعفها و معه إبريق فيه ماء، و هو يطوف و الماء معه معدّ لأمه إن عرضت لها حاجة إليه.

قال: و كان الشيخ عبد الحق الفاسي، و كان أيضا أحد الأولياء قد سكن الفين، قرية في وادي بطنان، و أقام بمسجدها، و ذلك بعد موت الشيخ أبي زكريا المدفون بدير النقيرة، و عزم عبد الحق على أن لا يخرج من الفين إلى أن يموت، فلما قدم الشيخ أحمد من مكة بعد المجاورة الطويلة، دخل عبد الحق من الفين قصدا لرؤيته، و أقام بحلب أياما قلائل حتى قضى حق زيارته، ثم عاد إلى الفين.

و سألت القاضي أبا محمد المذكور عن مولد عمه أبي العباس، فقال: لا أعلم، إلا أنه كان بينه و بين والدي في العمر مقدار سبع سنين، و مولد والدي في سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة في ربيع، فيكون تقدير (186- و) مولد عمي في سنة إحدى أو اثنتين و أربعين و خمسمائة، ثم وجدت في تعليق بخط رفيقنا رزق الله الدنيسري:

إن شيخنا أحمد مولده سنة أربع و أربعين و خمسمائة، فلا أدري من أين وقع له ذلك.

924

سمعت من الشيخ أحمد (رحمه الله) كتاب الصحاح للجوهري في اللغة، بحق سماعه لها من أبي محمد عبد الدائم الكناني عن أبي البركات بن العرقي، و بإجازته من ابن العرقي، و كان له إجازة حسنة من شيوخ مصر و دمشق و أصبهان، و غير ذلك من البلاد، أخذها له و لأخيه شيخنا أبي محمد بن عبد الرحمن الفنجديهي، و سمعت منه عدة أجزاء من حديثه، و علقت عنه فوائد و انشادات عن شيوخه.

أخبرنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن علوان الاسدي الحلبي بها قال: أخبرنا أبو طالب عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن العجمي الحلبي بها قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن بيان الرزاز قال: أخبرنا أبو قاسم طلحة ابن علي بن الصقر بن عبد المجيب بن عبد الحميد قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن أحمد بن ابراهيم قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي قال:

حدثنا ابن وهب قال: أخبرنا عمرو بن الحارث عن كعب بن علقة التنوخي عن عبد الرحمن بن شماسة المهري عن أبي الخير عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله (186- ظ) عليه و سلم قال: «كفارة النذر كفارة اليمين‏ (1)» هذا حديث صحيح أخرجه مسلم.

أخبرنا أحمد بن عبد الله بن علوان قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن ابن محمد بن أبي الحسن المسعودي قال: أخبرنا أبو الخير محمد بن أحمد بن محمد بن عمر المقدر قال: أخبرنا الشيخ أبو عمرو عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن مندة قال: أخبرنا والدي أبو عبد الله محمد بن اسحاق قال: أخبرنا أبو بكر محمد ابن الحسين بن الحسن القطان قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «يضحك‏

____________

(1)- انظره في جامع الاصول: 11/ 554 (9159).

925

الله لرجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة» قالوا: و كيف يا رسول الله؟

قال: «يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر فيهديه الى الاسلام، ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد» (1).

أنشدنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن علوان من لفظه قال: أنشدني الخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي بالموصل بمسجده عند منزله، في سنة ثمان و ستين و خمسمائة قال: أنشدني والدي لنفسه:

إني و إن بعدت داري لمغترب‏* * * منكم بمحض موالاة و اخلاص‏

و ربّ دان و إن دامت مودته‏* * * أدنى الى القلب منه النازح القاصي‏

(187- و)

و أنشدنا أبو العباس قال: أنشدنا الخطيب أيضا لوالده:

إنا و إن بعد اللقاء فودنا* * * باق و نحن على النأي أحباب‏

كم نازح بالود و هو مقارب‏* * * و مقارب بودادنا مرتاب‏

أنشدنا أحمد بن عبد الله الاسدي قال: أنشدني شيخ بالحجاز لبعضهم:

قد تفاءلت بالأراك فلما* * * أن رأيت الأراك قلت أراكا

و تخوفت أن يكون سواكا* * * فيكون الذي أراه سواكا

توفي شيخنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بحلب في سنة سبع عشرة و ستمائة، و دفن بالجبيل في التربة المدفون بها والده رحمها الله.

أحمد بن عبد الله بن عمر بن جعفر:

أبو علي المالكي البغدادي، نزيل حلب، و قيل ان اسم جد أبيه حفص بدل جعفر، حدث عن أبي جعفر الحسن بن علي بن الوليد الفسوي، و أبي شعيب‏

____________

(1)- انظره في كنز العمال: 4/ 11124.

926

الحراني، و جعفر بن محمد بن المستفاص الفريابي، و خلد بن عمرو العكبري، و الحسن بن علي بن الوليد الفارسي.

روى عنه محمد بن يونس بن هاشم الاسكاف، و تمام بن محمد بن عبد الله الرازي.

أخبرنا يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قال: أخبرنا أبو طاهر بركات ابن ابراهيم بن طاهر قال: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي، ح.

و أخبرنا أبو القاسم بن محمد بن أبي الفضل الحرستاني- إجازة عاليا- قال: (187- ظ) أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة قال: أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن محمد الكتاني قال: أخبرنا أبو القاسم تمام بن محمد ابن عبد الله الرازي قال: حدثنا أبو علي أحمد بن عبد الله بن عمر بن حفص البغدادي- و مسكنة حلب، قدم دمشق- قال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني قال: حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي قال: حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية عن محمد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «اذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ بالله من عذاب القبر و عذاب جهنم، و من فتنة المحيا و الممات، و شر المسيح الدجال.

هكذا في كتابه، و الصواب حسان بن عطية عن محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة، و الله أعلم.

أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أحمد بن عبد الله بن عمر جعفر، أبو علي، سكن حلب، و حدث بدمشق عن: أبي شعيب الحراني، و جعفر الفريابي، و الحسن بن علي بن الوليد الفارسي.

927

روى عنه تمام الرازي.

أحمد بن عبد بن محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق:

ابن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو العباس، صاحب الخال، نسب نفسه هكذا.

و قيل: أحمد بن عبد الله بن محمد بن جعفر.

و قيل: محمد بن عبد الله بن جعفر، و قيل عبد الله بن أحمد بن محمد بن اسماعيل (188- و).

و قيل: ان اسمه الحسين بن زكرويه بن مهرويه‏ (1) و قيل ابن مهري- الصواني، من أهل صوان، من سواد الكوفة، و هو المعروف بصاحب الخال، أخو علي بن عبد الله القرمطي، نسب نفسه الى محمد بن اسماعيل بن جعفر، و تسمى بالمهدي.

و بايعته القرامطة بعد قتل أخيه بنواحي دمشق‏ (2) و صار الى السخنة، و الاركه و الزيتونة (3) و خناصرة من الأحص من أعمال حلب، و دخل هذه المواضع عنوة، و نهب ما فيها من الاموال و السلاح.

و أفسد بالشام، و عاث في بلادها، و غلب على أطراف حمص، و خطب على منابرها، و فتحوا له بابها، و سار الى حماه، و معرة النعمان و غيرهما من البلاد، فقتل أهلها، و النساء و الاطفال، ثم جاء الى سلمية، فمنعوه، ثم أعطاهم الامان ففتحوا له بابها، فدخل و قتل الهاشميين أجمعين بها، ثم قتل الرجال، ثم البهائم ثم الصبيان ثم خرج منها و ليس بها عين تطرف.

و جهز جيشا كثيفا بخيل و رجاله مع بعض دعاته و يعرف بعميطر المطوّق،

____________

(1)- لقد تناولت هذه المسألة بالدراسة في كتابي الجامع في أخبار القرامطة و هو قيد الطباعة الان.

(2)- سيذكر بعد قليل مقتل صاحب الناقة خارج دمشق.

(3)- مواقع على مقربة من تدمر ما تزال تحمل هذه الاسماء.

928

الى ناحية حلب فأوقعوا بأبي الاغر خليفة بن المارك‏ (1) بوادي بطنان، و قتلوا خلقا عظيما، و انتهبوا عسكره، و أفلت أبو الأغر في ألف رجل لا غير، فدخل الى حلب، و وصلوا خلفه الى حلب، فأقاموا عليها على سبيل المحاصرة، و تسرع أهل حلب في يوم الجمعة سلخ شهر رمضان من سنة تسعين و مائتين، و طلبوا الخروج لقتالهم فمنعوا من ذلك، فكسروا قفل باب المدينة، و خرجوا الى (188- ظ) القرامطة فتحاربوا، و نصر الله الرعية من أهل حلب عليهم، و قتل من القرامطة جماعة كبيرة، و خرجوا يوم السبت يوم عيد الفطر مع أبي الأغر الى مصلى العيد، و عيد المسلمون و خطب الخطيب على العادة، و دخل الرعية الى مدينة حلب في أمن و سلامة، و أشرف أبو الأغر على عسكر القرامطة فلم يخرج اليه أحد منهم، فلما يئسوا من فرصة ينتهزونها من حلب ساروا و مضوا الى صاحب الخال.

و لما انتهى الى المكتفي بالله هذه الامور خرج نحوه، و جهز اليه عسكرا قويا في المحرم سنة احدى و تسعين و مائتين، فقتل من أصحاب القرمطي خلق كثير، و انهزم نحو الكوفة، فقبض بالدالية من سقي الفرات، و حمل الى الرقة الى المكتفي بالله.

فحمل الى بغداد، و شهر و طيف به على جمل، و قيل على فيل، ثم بنيت له دكة فقتل عليها هو و أصحابه في شهر ربيع الاول من سنة احدى و تسعين و مائتين.

و كثير مما يقع الاختلاف في اسمه و نسبه، و اسم أخيه الذي قبله علي بن عبد الله، و بعضهم يسمي أخاه محمد بن عبد الله بن يحيى، و الصحيح أن الذي ثبت عليه في اسمه و نسبه: أبو العباس أحمد بن عبد الله، و هو دعي.

و انما سموا القرامطة، زعموا أنهم يدعون الى محمد بن اسماعيل بن جعفر

____________

(1)- سترد فيما ترجمة أبي الاغر، هذا و ذكر الطبري في حوادث سنة 290 ه ص 2222 من ط. ليدن: و لثلاث عشرة بقيت من ربيع الاخر خلع علي أبي الاغر، و وجه لحرب القرمطي بناحية الشام، فمضى الى حلب في عشرة الاف رجل.

929

ابن محمد بن علي، و نسبوا الى قرمط، و هو حمدان بن الاشعث، كان (189- و) بسواد الكوفة، و انما سمي قرمطا لأنه كان رجلا قصيرا، و كان رجلاه قصيرتين، و كان خطوه متقاربا، فسمي بهذا السبب قرمطا، و كان قرمط قد أظهر الزهد و الورع و تسوق به على الناس مكيدة و خبثا.

و كان أول سنة ظهر فيها أمر القرامطة سنة أربع و ستين و مائتين، و ذكر بعض العلماء أن لفظة قرامطة انما هو نسبة الى مذهب يقال له القرمطة خارج عن مذاهب الاسلام، فيكون على هذه المقالة عزوة الى مذهب باطل، لا الى رجل‏ (1).

و انما قيل لهذا القرمطي صاحب الخال، لانه كان على خده الايمن خال‏ (2)، و يعرف بابن المهزول زكرويه بن مهري الصواني، من أهل صوان، من سواد الكوفة و قيل هو و أخوه من قيس من بني عبادة بن عقيل من بني عامر، ثم من بني قرمطي ابن جعفر بن عمرو بن المهيّا بن يزيد بن عبد الله بن يزيد بن قيس بن جوثة بن طهفة بن حزن بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، فادعى أنه من ولد محمد بن اسماعيل بن جعفر، فعلى هذا يكون منسوبا الى قرمطي، و لا يبعد أن يكون الأمران جميعا، و الله أعلم.

و قرأت في رسالة أبي عبد الله محمد بن يوسف الانباري‏ (3) الكاتب الى أخيه أبي علي في ذكر أخبار هذا (189- ظ) القرمطي: انه ادعى أنه أحمد بن عبد الله بن جعفر، و أنه المهدي، و أنه نظر محمد بن اسماعيل في النسب، فلما وقف على بعد هذا النسب، ادعى بعد وقعة السطح‏ (4) من الكسوة، أنه محمد بن‏

____________

(1)- عالجت في كتابي الجامع في أخبار القرامطة مسألة التسمية و وصلت الى محصلة أن كلمة قرمطي تعني باطني.

(2)- اتخذ الخال علامة على صحة امامته.

(3)- لعله هو الذي ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: 3/ 393. و انظر أيضا المصدر نفسه: 14/ 65.

(4)- قرية على مقربة من الكسوة جنوب دمشق. انظرها في معجم البلدان.

930

عبد الله بن جعفر، و كتب بذلك كتابا بخطه الى المعروف بابن حوي السكسكي ممن يسكن بيت لهيا (1)، فصار ابن حوي الى أبي نصر حمد بن محمد، كاتب طغج، ثم نزع عن هذا النسب الى عبد الله بن ادريس الحسني القادم من الحجاز الى مدينة أذرعات من جهة دمشق، و قيل ان القرمطي من يهود نجران، و أنه دعي و ذكر أبو محمد عبد الله بن الحسين الكاتب القطربلي و محمد بن أبي الازهر في التاريخ‏ (2) الذي اجتمعا على تأليفه في حوادث سنة تسع و ثمانين و مائتين قالا:

و في آخر هذه السنة ظهر رجل يقال له محمد بن عبد الله بن يحيى، من ولد اسماعيل ابن جعفر العلوي بنواحي دمشق، يدعو الى نفسه، و اجتمع اليه خلق كثير من الاعراب، و أتباع الفتن، فسار بهم الى دمشق، و كان بها طغج بن جف مولى أمير المؤمنين من قبل هارون بن خمارويه عامل أمير المؤمنين على مصر و الشام، فلما بلغه خبره استعد لحربه، و تحصن طغج بدمشق، فحصره هذا العلوي بها، و كانت بينهما وقعات، و انقضت‏ (3).

قالا: و في هذه السنة- يعني سنة تسعين و مائتين- جرت بين طغج بن جف و بين القرمطي حروب كثيرة كلها على طغج، فكتب الى هارون‏ (4) (190- و) يستنجده، فوجه اليه من مصر جيشا بعد جيش، كل ذلك يهزمهم القرمطي.

ثم وجه هرون بن خمارويه ببدر الحمامي، و كتب الى طغج في معاضدته، و ضم اليه وجوه القواد بمصر و الشام، فخرج الى القرمطي، فكانت بينهم حروب كثيرة أتت على أصحاب بدر الحمامي، و كان هذا القرمطي قد جعل علامته ركوب جمل‏

____________

(1)- من قرى غوطة دمشق. معجم البلدان.

(2)- أنظر حولهما: تاريخ بغداد: 3/ 288، 291. بغية الوعاة للسيوطي- ط.

القاهرة 1926: 104. الاعلان بالتوبيخ للسخاوي- ط. القاهرة 1963: 694.

(3)- أي سنة 289 ه.

(4)- أي هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر انذاك.

931

من‏ (1) جماله، و ترك ركوب الدواب، و لبس ثيابا واسعة، و تعمم عمة أعرابية، و أمر أصحابه أن لا يحاربوا أحدا و ان أتي عليهم حتى ينبعث الجمل من قبل نفسه من غير أن يثيره أحد، فكانوا اذ فعلوا ذلك لم يهزموا، و كان اذا أشار بيده الى ناحية من النواحي انهزم من يحاربه، و استغوى بذلك الاعراب.

فخرج إليه بدر يوما لمحاربته، فقصد القرمطي رجل من أصحاب بدر يقال له زهير بزانة (2)، فرماه بها فقتله، و لم يظهر على ذلك أصحاب بدر إلّا بعد مدة، فطلب في القتلى فلم يوجد، و كان يكنى أبا القاسم.

قال ابن أبي الأزهر: و حدثني كاتبه المعروف بإسماعيل بن النعمان، و يكنى بأبي المحمّدين، و سبب هذه الكنية أنه وافى مع جماعة من القرامطة بعد الصلح و قبولهم الأمان من القاسم بن سيماء، و كان على طريق الفرات، و من عبد الله بن الحسين بن سعد و كان على القابون‏ (3)، فكان القاسم بن سيماء يكنى أبا محمد و صاحب الخرائط قرابة أبي (190- ظ) مروان يكنى أبا محمد، فكني إسماعيل هذا أبا المحمدين، فبقي معروفا بذلك.

فحدثني إسماعيل عن هذه الوقعة قال: فصرت إليه غير مرة و هو راكب على نجيبه، و عليه درّاعة ملحم، فقلت له: قد اشتد الأمر على أصحابنا، و قد قربوا منك، فتنح عن هذا الموضع إلى غيره، فلم يرد علي جوابا، و لم يثر نجيبه، فعدلت إليه ثانية، فقلت له: قم، فانتهرني و لم يرم إلى أن وافته زانة، أو قال: حربة، فسقط عن البعير، و كاثرنا من يريد أخذه، فمنعنا منه، و قتل زهاء مائة إنسان في ذلك الوضع، ثم أخذناه و تنحينا بأجمعنا.

____________

(1)- اقتباسا من رواية ان ناقة النبي كانت مأمورة يوم دخل المدينة مهاجرا (صلى اللّه عليه و سلم).

(2)- من أنواع الحراب.

(3)- خارج دمشق معروفة بهذا الاسم.

932

فقلت: هذا الذي أقمتموه مقامه أهو أخوه؟ فقال لا و الله ما نعلم ذاك غير أنه وافانا قبل هذه الحادثة بيومين، فسألناه من أنت من الإمام؟ فقال: أنا أخوه، و لم نسمع من الشيخ شيئا في أمره، يعني المكتني أبا القاسم.

و كان هذا المدّعي أخاه يكنى أبا العباس، و اسمه أحمد بن عبد الله، فعقد لنفسه البيعة على القرامطة، و دعاهم إلى مثل ما كان أخوه يدعوهم إليه، فاشتدت شوكته، و رغبت البوادي في النهب، و انثالت عليه انثيالا، و ذلك في آخر شهر ربيع الآخر من هذه السنة.

ثم صار الى دمشق فصالحه أهلها على خراج دفعوه إليه، فانصرف عنهم، ثم سار إلى أطراف دمشق و حمص فتغلب عليها، و خطب له على منابرها، و تسمى بالمهدي، ثم صار إلى مدينة حمص فأطاعه (191- و) أهلها و فتحوا له بابها فدخلها، ثم صار إلى حماه، و سلمية، و بعلبك فاستباح أهلها، و قتل الذراري و لم يبق شريفا لشرفه، و لا صغيرا لصغره، و لا امرأة لمحرمها؛ و قتل أهل الذمة، و فجروا بالنساء.

و حدثني من كان معهم قال: رأيت عصاما سيافه و قد أخذ من بعلبك امرأة جميلة جدا و معها طفل لها رضيع، فرأيته و الله و قد فجر بها، ثم أخذ الطفل بعد ذلك فرمى به نحو السماء ثم تلقاه بسيفه فرمى به قطعتين، ثم عدل إلى أمه بذلك السيف بعينه، فضربها به فبترها.

فلما اتصل عظيم خبرهم، و اقدامهم على انتهاك المحارم، و دام، خرج أمير المؤمنين المكتفي بالله متوجها نحوه، يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر رمضان، في قوّاده، و مواليه، و غلمانه، و جيوشه، و أخذ على طريق الموصل، ثم صار الى الرقّة و أقام بها، و أنفذ الجيوش نحو القرامطة، و قلّد القاسم بن عبيد الله بن سليمان تدبير أمر هذه الجيوش، فوجه القاسم محمد بن سليمان الكاتب‏

933

صاحب الجيش خليفة له على جميع القواد، و أمرهم بالسمع و الطاعة، فنفذ عن الرقة في جيش ضخم، و آلة جميلة، و سلاح شاك؛ و كتب الى جميع القواد و الأمراء في النواحي بالسمع له و الطاعة لأمره، و ضم محمد بن سليمان القواد بعضهم الى بعض، و صمد نحو القرمطي، فلم يزل يعمل التدبير، و يذكي العيون، (191- ظ) و يشاور ذوي الرأي، و يتعرف الطرقات الى أن دخلت سنة إحدى و تسعين.

قال: و في أول هذه السنة كتب أمير المؤمنين الى محمد بن سليمان، و إلى سائر القواد في مناهضة القرمطي فساروا إليه فالتقوا على اثني عشر ميلا من حماه في موضع‏ (1) بينه و بين سلمية، فاشتدت الحرب بينهم و صدقوهم القتال، فتجمع القرامطة و حملوا على الميمنة حملة رجل واحد، فثبت الأولياء، فمروا صادفين عنها و جعلوها هزيمة، و منح الله أكتافهم، و قتل منهم و أسر أكثر من عشرة آلاف رجل، و شرد الباقون في البوادي، و استمرت بهم الهزيمة، و طلبهم الأولياء الى وقت صلاة عشاء الآخرة من ليلة الأربعاء لسبع خلون من المحرم.

و لما رأى القرمطي ذلك، و رأى من بقي من القرامطة قد كاعوا (2) عنه، حمل أخا له يكنى أبا الفضل مالا، و تقدم إليه أن يلحق بالبوادي الى أن يظهر في موضع آخر، فيصير إليه، و تجمع رؤساء القرامطة، و هم الذين كانوا صاروا الى رحبة مالك بن طوق‏ (3)، فطلبوا الأمان، و هم: أبو المحمدين، و النعمان بن أحمد، و أحمد بن النعمان أخو أبي المحمدين، و وشاح، و عطير، و شديد بن ربعي، و كليب من رهط النحاس، و عصمة (4) السياف، و سجيفة رفيقه، و مسرور، و غشام‏

____________

(1)- اسم الموضع عند الطبري 2239 «تمنع» و لعله قرية التمانعة الحالية التابعة لمدينة حماه.

(2)- تخلوا عنه و هربوا أو تخاذلوا.

(3)- اسمها الان الرحيبة على مقربة من الميادين على الفرات في سورية.

(4)- تقدم قبل قليل أنه «عصام».

934

فقالوا للقرمطي، و هو صاحب الخال،: قد وجب حقك علينا، و قد رأيت ما كان من جدنا و اجتهادنا (192- و) و من حقك علينا أن ندعك و رأيك، و إنما يطلبنا السلطان بسببك، فانج بنفسك، فأخذ ألف دينار فشدها في وسطه في هميان‏ (1)، و أخذ معه غلاما له روميا يقال له لؤلؤ، كان يهواه و يحل منه محل بدر من المعتضد بالله، و ركب معه المدثر، و كان يزعم أنه ابن عمه، و المطوق غلامه، و مع كل واحد منهم هميان في وسطه.

فأما المطوق- و هو اتخذ له سخاب‏ (2) وقت دخوله الى مدينة السلام- فإني سألت عنه أبا المحمدين فذكر أنه رجل من أهل الموصل، و أنه صار الى الإمام- بزعمه- فجعل يورق له و يسامره، و لم يعرف قبل ذلك الوقت.

و أخذوا دليلا، و سار يريد الكوفة عرضا في البرية، فغلط بهم الدليل الطريق، و أخرجهم بموضع بين الدالية و الرحبة يقال له بنو محرز، فلما صاروا الى بني محرز نزلوا خارج القرية في بيدر عامر، فأخرجوا دقيقا كان معهم في مزود، و اقتدحوا نارا، و احتطبوا ليخبزوا هناك، و كان وقت مغيب الشمس، فعلا الدخان، و ارتاب الموكلون ببني محرز من أصحاب المسالح بما رأوه، فأموا الموضع، فلقوا الدليل فعرفه بعضهم، فقال ما وراءك؟ قال: هذا القرمطي وراء الدالية، فشدوا عليهم فأخذوهم، و كتبوا الى أبي خبزة و هو في الدالية يعلمونه بهذا، فأتاهم ليلا، فأخذهم و صار بهم الى الدالية، و أخذ من وسط غلام له هميانا فيه ألفا دينار، (192- ظ) و من وسط المدثر مثل ذلك، و أخذ الهميان الذي كان مع القرمطي، و وكل بهم في دار بالدالية، و كتب الى أحمد بن محمد بن كشمرد و هو

____________

(1)- الهميان- فارسية معربة، شداد السراويل: و تكة و ما يجعل فيه الدراهم و يشد على الحقو. اللسان.

(2)- السخاب: قلادة. اللسان: و جاء في الطبري: 2243- 2244 أنه لما دخل الرقة كان يشتم الناس اذا دعوا عليه و يبزق عليهم، فاتخذ له ما يشبه اللجام لئلا يفعل ذلك.

935

بالرحبة يخبره فأسرع في السير إليهم، فلما وافى احتبس القرمطي في بيت لطيف في مجنب الحيري، فحدثني بعض أهل الدالية قال: لما وافى ابن كشمرد سأل القرمطي ما أخذه منك؟ قال: ما أخذ مني شي‏ء، فقال له المطوق: أتبغي من الإمام ما لا يحسن منه الإقرار به، و دعا بالبزاز فأخذ ثيابا، ثم دعا بالخياط ليقطع للقرمطي تلك الثياب، فقال ما لخياط للقرمطي: قم حتى أقدر الثوب عليك، فقال المطوق للخياط: أ تقول يا بن اللخناء للإمام قم! اقطع ثكلتك أمك على سبعة أشبار.

و صار ابن كشمرد و أبو خبزه بالقرمطي الى الرقة، و رجعت جيوش أمير المؤمنين بعد أن تلقطوا كل من قدروا عليه من أصحاب القرمطي في أعمال حمص و نواحيها، و ورد كتاب القاسم بن عبيد الله بأن القرمطي أدخل الرقة ظاهرا للناس على جمل فالج‏ (1)، و عليه برنس حرير و دراعة ديباج، و بين يديه المدثر و المطوق على جملين في يوم الاثنين لأربع ليال بقين من المحرم سنة إحدى و تسعين و مائتين حتى صير بهم الى دار أمير المؤمنين بالرقة فأوقفوا بين يديه، ثم أمر بهم فحبسوا، و استبشر الناس و الأولياء بما هنأه الله في أمر هذا القرمطي، و قرظ أمير المؤمنين القاسم بن عبيد الله في (193- و) هذا الوقت و أحمده فيما كان من تدبيره في أمر هذا الفتح، و خلع عليه خلعا شرفه بها، و قلده سيفا و لقبه بولي الدولة، و انصرف الى منزله بالرقة.

و خلف أمير المؤمنين عساكره مع محمد بن سليمان، و شخص من الرقة في غلمانه و وجوه أصحابه، و حرمه، و شخص معه أبو الحسين القاسم بن عبيد الى بغداد و حمل معه القرمطي و المدثر، و المطوق و جماعة ممن أسر في الوقعة مستهل صفر، و قعد في الحراقات في الفرات، و لم يزل متلوما في الطريق حتى وصل الى البستان المعروف بالبشرى ليلة السبت لليلتين بقيتا من صفر، فأقام به، ثم عبر من هناك الى‏

____________

(1)- الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين. القاموس.

936

الجانب الشرقي، فعبأ الجيوش بباب الشماسية، و كان أمير المؤمنين قد عزم على أن يدخل القرمطي بغداد مصلوبا على دقل‏ (1)، و الدقل على ظهر فيل، و أمر بهدم الطاقات التي يجتاز بها الفيل اذ كانت أقصر من الدقل، ثم استسج ذلك، فعمل له دميانة غلام يازمار كرسيا ارتفاعه ذراعان و نصف، و أجلسه عليه، و ركب الكرسي على ظهر الفيل، فدخل أمير المؤمنين مدينة السلام صبيحة يوم الاثنين مستهل ربيع الأول في زي حسن، و تعبئة جيش كثيف، و آلة تامة، و سلاح شاك، بين يدي القرمطي على جمل فالج، و عليه دراعة حرير (193- ظ) و برنس، ثم القرمطي على الكرسي على ظهر الفيل و عليه دراعة ديباج و برنس حرير، ثم دخل أمير المؤمنين خلفه حتى اشتق مدينة السلام الى قصره المعروف بالحسني، و القاسم بن عبيد الله خلفه، و أمر بالقرمطي و المدثر فأدخلا الحبس بالحسني، و وجه بالأسرى الى الحبس الجديد بالجانب الغربي، و مضى المكتفي من ساعته من الحسني الى الثريا بعد أن خلع على أبي الحسين القاسم بن عبيد الله، و انصرف الى منزله.

و وافى محمد بن سليمان بعد اصلاحه الأمور و تلقطه جماعة من قوّاد القرمطي و قضاته و أصحاب شرطه، فأخذهم و قيدهم، و انحدر و القوّاد الذين تخلفوا معه إلى مدينة السلام فوافى بغداد إلى الباب المعروف بباب الأنبار ليلة الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، و كان أمر القوّاد جميعا بتلقي محمد بن سليمان و الدخول معه إلى بغداد، ففعلوا ذلك، و دخل محمد بن سليمان صبيحة يوم الخميس و بين يديه نيف و سبعون أسيرا غير من أسمينا و القواد معه حتى صاروا إلى دار أمير المؤمنين بالثريا، فدخلوا عليه، و أمر أن يخلع على محمد بن سليمان، و يطوق بطوق ذهب، و يسور بسوار، و خلع على جميع القواد القادمين معه، و طوقوا و سوروا و انصرفوا إلى منازلهم، و أدخل الأسرى إلى الحبس الجديد بمدينة السلام في الجانب الغربي منها.

____________

(1)- الدقل: ما يشبه سارية السفينة. القاموس.

937

فلما كان في يوم السبت (194- و) لعشر بقين من شهر ربيع الأول بنيت دكّة في المصلى العتيق من الجانب الشرقي الذي تخرج إليه الثلاث الأبواب و من باب خراسان، تكسير ذرعها عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، و جعل لها أربع درج يصعد منها إليها، و أمر القوّاد جميعا بحضور هذه الدكة، و نودي بذلك في الناس أن يحضروا عذاب القرامطة ففعلوا و كثر الناس في هذا الموضع، و حضر القوّاد و الواثقي‏ (1) المتقلد للشرطة بمدينة السلام، و حضر محمد بن سليمان، فقعدوا جميعا عليها، و أحضروها ثلاثمائة و نيفا و عشرين إنسانا ممن كان أسر قديما، و من جاء به محمد بن سليمان، و أحضر القرمطي و المدّثّر فأقعدا، و قدم نيف و ثلاثون إنسانا من هؤلاء الأسارى من وجوههم فقطعت أيديهم و أرجلهم و ضربت أعناقهم، ثم قدم القرمطي فضرب مائتي سوط، ورش على الضرب الزيت المغلى، و كوي بالجمر، ثم قطعت يداه و رجلاه، و ضربت عنقه، فلما قتل انصرف القواد و أكثر الناس ممن حضر للنظر إلى عذاب القرمطي، و أقام الواثقي إلى وقت العشاء الآخرة في جماعة من أصحابه حتى ضرب أعناق باقي الأسارى، ثم انصرف، فلما كان يوم الأربعاء لست بقين من هذا الشهر صير ببدن القرمطي إلى جانب الجسر الأعلى من الجانب الشرقي فصلب هناك، و حفر لأجساد القتلى آبار إلى (194- ظ) جانب الدكة فطرحوا فيها، و طمت، فلما كان بعد أمر بهدم الدكة و تعفية أثرها ففعل ذلك.

قال ابن أبي الأزهر في هذا التاريخ في حوادث سنة ثلاث و تسعين و مائتين:

و فيها ورد الخبر بأن أخا الحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة ظهر بالدّالية من طريق الفرات في نفر و اجتمع إليه جماعة من الأعراب و سار بهم إلى نحو دمشق،

فعاث في نواحيها، فندب للخروج إليه حسين بن حمدان فخرج في جماعة، و ورد الخبر برجوعه إلى الدّالية.

____________

(1)- اسمه في الطبري: 2245 «أحمد بن محمد الواثقي».

938

فحدث محمد بن داود بن الجرّاح‏ (1) أن زكرويه بعد قتل صاحب الشامة أنفذ رجلا كان معلما للصبيان يقال له عبد الله بن سعيد، فتسمى نصرا ليخفي أمره، فدار في أحياء كلب يدعوهم إلى رأيه، فاستجاب له جماعة من صعاليكهم و سقاطهم و سقاط العلّيصيين‏ (2)، فسار فيهم إلى بصرى و أذرعات من كورتي حوران و البثنيّة فقتل و سبى، و أخذ الأموال.

قال: و أنفذ زكرويه رجلا يقال له القاسم بن أحمد داعية، فصار إلى نحو رستاق نهر ملخانا (3).

قال: فالتقت به طائفة، فساروا إلى الكوفة حتى صبحوها غداه يوم النحر و هم غارون فوافوا باب الكوفة عند انصراف الناس من المصلى، فأوقعوا بمن قدروا عليه، و سلبوا و قتلوا نحوا من عشرين رجلا، و كان رئيسهم هذا قد حملوه في قبة يقولون: هذا ابن رسول الله و هو (195- و) القاسم بن أحمد داعية زكرويه، و ينادون يا ثارات الحسين- يعنون الحسين صاحب الشامة-، و شعارهم يا محمد يا أحمد- يعنون ابني زكرويه، و يموهون بهذا القول على أهل الكوفة- و نذر بهم الناس فرموهم بالحجارة من المنازل.

و إنما ذكرت هذا الفصل من قول ابن أبي الأزهر لأن فيه ما يدل على أن صاحب الخال كان يسمى الحسين بن زكرويه، و عاش زكرويه بعد ولديه القرمطيين في زعمه.

أنبأنا تاج الأمناء أبو الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله الدمشقي قال: أخبرنا عمي أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ قال: أخبرنا أبو غالب بن‏

____________

(1)- هو عم علي بن عيسى الوزير المشهور، قتل سنة 296 ه/ 909 م، له كتاب الورقة مطبوع، و كتاب آخر هو «من اسمه عمرو بن الشعراء» نشره الاستاذ حمد الجاسر في مجلته العرب.

(2)- من أمراء كلب.

(3)- في الطبري: 22260 «نهر تلحانا».

939

البنّاء قال: أخبرنا أبو الحسين بن الآبنوسي قال: أخبرنا عبيد الله بن عثمان بن يحيى الدقاق قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن علي بن اسماعيل الحطمي قال:

قام مقامه- يعني مقام صاحب الجمل- أخ له في وجهه خال يعرف به يقال له صاحب الخال، فأسرف في سوء الفعل، و قبح السيرة، و كثرة القتل، حتى تجاوز ما فعله أخوه، و تضاعف قبح فعله على فعله، و قتل الأطفال، و نابذ الإسلام و أهله، و لم يتعلق منه بشي‏ء، فخرج الكتفي إلى الرقة، و سير إليه الجيوش، فكانت له وقائع و زادت أيامه على أيام أخيه في المدّة و البلاء حتى هزم و هرب، فظفر به في موضع يقال له الدّالية (195- ظ) بناحية الرحبة، فأخذ أسيرا، و أخذ معه ابن عم له يقال له المدثر كان قد رشحه للأمر بعده، و ذلك في المحرم سنة إحدى و تسعين.

و انصرف المكتفي بالله إلى بغداد و هو معه، فركب المكتفي ركوبا ظاهرا في الجيش و التعبئة، و هو بين يديه على الفيل، و جماعة من أصحابه على الجمال مشهرين بالبرانس، و ذلك يوم الاثنين غرة ربيع الأول من سنة إحدى و تسعين، ثم بنيت له دكة في المصلى، و حمل إليها هو و جماعة أصحابه فقتلوا عليها جميعا في ربيع الآخر بعد أن ضرب بالسياط، و كوى جميعه بالنار، و قطعت منه أربعته، ثم قتل و نودي في الناس فخرجوا مخرجا عظيما للنظر إليه، و صلب بعد ذلك في رحبة الجسر.

و قيل إنه و أخوه من قرية من قرى الكوفة يقال لها الصوّان، و هما فيما ذكر ابنا زكرويه بن مهرويه القرمطي الذي خرج في طريق مكة في آخر سنة ثلاث و تسعين و مائتين، و تلقى الحاج في المحرم من سنة أربع و تسعين فقتلهم قتلا ذريعا لم يسمع قط بمثله، و استباح القوافل، و أخذ شمسة (1) البيت الحرام، و قبل ذلك ما دخل الكوفة يوم الأضحى بغتة و أخرج منها، ثم لقيه جيش السلطان بظاهر الكوفة بعد دخوله إياها، و خروجه عنها، فهزمهم و أخذ ما كان معهم من السلاح و العدة، فتقوى‏

____________

(1)- أشبه بمظلة كانت توضع فوق الحجر الاسود و قد اختلف شكل الشمسة العباسية عن الشمسة الفاطمية.

940

بها، و عظم أمره في النفوس (196- و) و هال السلطان، و أجلبت معه كلب و أسد، و كان يدعى السيد، ثم سير إليه السلطان جيشا عظيما فلقوه بذي قار بين البصرة و الكوفة في الفراض‏ (1) فهزم و أسر جريحا، ثم مات، و كان أخذه أسيرا يوم الأحد لثمان بقين من ربيع الأول سنة أربع و تسعين بعد أن أسر، فقدم به إلى بغداد مشهورا في ربيع الأول، و شهرت الشمسة بين يديه ليعلم الناس أنها قد استرجعت، فطيف به ببغداد، و قيل إنه خرج يطلب ثأر ابنه المقتول على الدكة (2).

و ذكر ابن أبي الأزهر في تاريخه أنه لما خرج على قافلة الحاج أن أصحابه أكبوا على الحاج فقتلوهم كيف شاؤوا و احتووا على جميع ما كان في القافلة، و سبوا النساء الحرائر، و جمع القرمطي لعنه الله أجساد القتلى، فعمل منها دكة تشبيها بالدكة التي قتل عليها أصحابه.

و سير إلي بعض الشراف الهاشميين بحلب تاريخا جمعه أبو غالب همام بن الفضل بن جعفر بن علي بن المهذب، ذكر أنه تذكرة كتبها مما وجده في التواريخ المتقدمة، و مما وجده بخط جد أبيه الشيخ أبي الحسين علي بن المهذب بن أبي حامد محمد بن همام بن أبي شهاب و غيره قال فيه: سنة تسعين و مائتين فيها نجم بالشام قرمطي بأرض دمشق، انتسب إلى العلوية.

قال: و ذكر الشيخ أبو الحسين علي بن المهذب أن أباه المهذب أخبره أن (196- ظ) هذا القرمطي أول من وقع عليه هذا اللقب، و كان خرج في بطن من بني عدي من كلب يقال لهم بنو العلّيص، فخرج إليه طغج بن جفّ والي دمشق من قبل الطولونية محتقرا له في غير عدة و لا عدة، و كان هذا القرمطي في بادية كلب فأوقع بطغج، و دخل إلى دمشق مهزوما، ثم رجع فجمع عسكره، و حشد، و خرج‏

____________

(1)- في معجم البلدان: الفراض موضع بين البصرة و اليمامة قرب فليج.

(2)- مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور: 3/ 139- 141.

941

إليه فكان الظفر للقرمطي أيضا، و قتل حلقا كثيرا من أصحاب طغج، و نهبوا عسكره و عاد طغج إلى دمشق، فقوي القرمطي و كتب طغج إلى مصر، فوجه إليه جماعة من الفرسان و الرجّالة، و أمدّهم من في الشام، فصار جيشا عظيما، فخرج و هو غير شاك في الظفر به، فأوقع القرمطي به، و كانت الوقعة في موضع بعرف بالكسوة، و سار القرمطي إلى بعلبك ففتحها و قتل أهلها، و نهب و أحرق، و سار منها إلى حمص فدعا لنفسه بها، و بث ولاته في أعمالها، و ضرب الدنانير و الدراهم، و كتب عليها المهدي المنصور أمير المؤمنين، و كذلك كان يدعى له على المنابر، و أنفذ سرية إلى حلب فأوقع بأبي الأغرّ خليفة بن المبارك السلمي، و عادت السرية، و جبى الخراج، و حمل إليه مال جند حمص، فأنفذ الأمير أبو الحجر المؤمل بن مصبح أمير برزويه و البارة و الرّوق‏ (1) و أفامية و أعمال ذلك- و بقي والي هذه المواضع من قبل الخلفاء ببغداد أربعين سنة فيها- رجلين من أهل معرة النعمان اسم أحدهما (197- و) أحمد بن محمد بن تمام، و الآخر ابن عاص القسري، و جاءا إلى القرمطي يرفعان على أهل معرة النعمان فمضيا إليه، و قالا له: إن أهل معرة النعمان قد شقوا العصا، و بطلوا الدعوة، و غيروا الأذان، و منعوا الخرج، و كان أهل معرة النعمان قد أرسلوا معهما الخراج فأخذ منهما في الطريق، فلما قالا له ذلك، التفت إلى كاتبه و قال له: اكتب «و شهد شاهدان من أهلها»، فسار إليها و قال لأصحابه: إن أغلقوا الباب فاجعلوها غارة على الدارين‏ (2)، فخرج أهل معرة النعمان و لا علم لهم بما قد جرى، و أصحاب القرمطي يقولون: القوا مولانا السيد، فبلغ كثير من الناس إلى قرب حناك، و أخذ الأبواب أصحاب القرمطي على الناس، فقتل خلق كثير، و دخلها يوم الأربعاء النصف من ذي الحجة، فأقام يقتل المشايخ و النساء و الرجال و الأطفال، و يحرق و ينهب خمسة عشر يوما، فذكر أن القتلى كانوا بضعة عشر ألفا.

____________

(1)- كتب ابن العديم في الحاشية: الروق هو الذي يقال له الروج كورة معروفة.

(2)- كتب ابن العديم في الحاشية: لعله الذراري.

942

و خرج المكتفي إلى الرقة و أنفذ عساكره مع محمد بن سليمان الأنباري، و كان شهما شجاعا مدبرا، فحصل في حلب في جيش فيه ثلاثون ألفا مرتزقة، فيما ذكر غير واحد، و كان جهير بن محمد يقول له: تخرج إليهم فقد أهلكوا عشيرتي، فيقول له ابن الأنباري الكاتب: لو أخذوا بلحيتي ما خرجت إليهم حتى يهل هلال المحرم، يريد سنة إحدى و تسعين.

قال أبو غالب (197- ظ) بن المهذب: سنة إحدى و تسعين، فيها: سار محمد ابن سليمان الكاتب الأنباري إلى القرامطة فأوقع بهم في قرية تعرف بالحسينية فقتلهم و بدد شملهم، و لما تصور القرمطي و رأى أنه لا طاقة له بعساكر الخلافة هرب قبل الوقعة بأصحابه، فحصل في قرية شرقي الرحبة تعرف بالدالية، في نفر يسير من خواص أصحابه، فتستروا بها، و بعث بعض أصحابه متنكرا ليمتار لهم ما يحتاجون إليه، فأخذ و أنكر، و أتي به إلى رجل كان يتولى معونة الدالية يعرف بأبي خبزة لأحمد ابن محمد بن كشمرد والي الرقة، و كان أبو خبزة صغير الشأن حقيرا في الجند، فسأله أبو خبزة عن خبره و قصته، فتبين منه قولا مختلفا، فألح عليه أبو خبزة، فأقر ذلك الرجل بأنه من رجال القرمطي، و دل عليهم في أي موضع هم، فخرج أبو خبزة فيمن جمعه من الأجناد الرجال إلى الموضع الذي فيه القرمطي و أصحابه فظفر بهم و بالقرمطي، و كان معهم حملان من المال، فأخذهم و المال معهم، و حملهم إلى ابن كشمرد والي الرقة، فأخذهم و كتب بخبرهم إلى المكتفي، فبعث إليه من تسلمهم منه و أوردهم الرقة، و انحدر المكتفي إلى مدينة السلام بغداد و هم معه، فبنى لهم دكة عظيمة بظاهر القصر المعتضدي، و عذبوا عليها بأنواع العذاب.

أخبرنا أبو البركات بن محمد بن الحسن كتابة (198- و) قال: أخبرنا علي ابن أبي محمد الدمشقي قال: قرأت على أبي منصور بن خيرون عن أبي محمد الجوهري و أبي جعفر بن المسلمة عن أبي عبد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني‏

943

قال: أحمد بن عبد الله الخارج بالشام في أيام المكتفي بالله، و كان ينتمي إلى الطالبيين، و هو المعروف بصاحب الخال، و قتل بالدكة في سنة إحدى و تسعين و مائتين يروى له و لأخيه علي بن عبد الله شعر يشك في صحته، فمما يروى لأحمد:

متى أرى الدنيا بلا كاذب‏* * * و لا حروري و لا ناصبي‏

متى أرى السيف على كل من‏* * * عادى عليّ بن أبي طالب‏

متى يقول الحقّ أهل النهى‏* * * و ينصف المغلوب من غالب‏

هل لبغاة الخير من ناصر* * * هل لكؤوس العدل من شارب‏

قال: و يروى له:

نفيت من الحسين و من عليّ‏* * * و جعفر الغطارف من جدودي‏

و خيب سائلي و جفوت ضيفي‏* * * و بتّ فقيد مكرمة وجود

و أعطيت القياد الدّهر مني‏* * * يمين فتى وفيّ بالعهود

لئن لم أعط ما ملكت يميني‏* * * لحرب من طريف أو تليد

و أفتتحنها حربا عوانا* * * تقحم بالبنود على البنود

فإما أن أبوح بروح عزّ* * * و جدّ آخذ ثار الجدود

و إما أن يقال فتى أبيّ‏* * * تخرّم في ذرى مجد مشيد

و هي أكثر من هذا فيقال أن عبد الله بن المعتز أجابه عنها بقصيدة منها:

تهددنا زعمت شبوب حرب‏* * * تقحم بالبنود على البنود

فكان السيف أدنى عند ورد* * * إلى ودجيك من حبل الوريد (1)

قرأت بخط أبي بكر محمد بن يحيى الصّولي، و أخبرنا به أبو القاسم عبد الصمد بن (198- ظ) محمد بن أبي الفضل، فيما أذن لنا أن نرويه عنه، قال: كتب‏

____________

(1)- لم يصلنا قسم الاحمدين من معجم الشعراء للمرزباني.

944

إلينا أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي أن أبا القاسم البندار أنبأهم عن أبي أحمد ابن أبي مسلم عن أبي بكر الصولي قال: و أجلس القرامطة مكان علي بن عبد الله أخا له يقال له أحمد بن عبد الله، زعموا أنه عهد إليه، و صار أحمد بن عبد الله إلى حمص و دعي له بها و بكورها، و أمرهم أن يصلوا الجمعة أربع ركعات، و أن يخطبوا بعد الظهر، و يكون أذانهم: أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن عليا ولي المؤمنين حي على خير العمل؛ و ضرب الدراهم و الدنانير و كتب عليها الهادي المهدي، لا إله إلا الله محمد رسول الله، «جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا» (1) و على الجانب الآخر «قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى» (2).

و وجه أحمد بن عبد الله هذا برجل يعرف بالمطوق- أمرد فرأيته بعد ذلك- فكبس أبا الاغر و هو غافل، فقتل أكثر أصحابه، و أفلت أبو الاغر، ثم خرج المكتفي بالله اليه، و أقام بالرقة، و أنفذ الجيوش اليه محمد بن سليمان، و أنفذ غلامه سوسنا معه في جيش عظيم، فورد الخبر بأنه قتل، ذكر ذلك الصولي في سنة احدى و تسعين و مائتين.

قال: ثم أتى الخبر للنصف من المحرم من الدالية بأن فارسين من الكلبيين أحدهما من بني الاصبغ و الآخر من بني ليلى نزلا بالسقافية (3) (199- و) فأخذا فأقرا أنهما من القرامطة، و أن القرمطي بالقرب، فركب محمد بن علي أبو خبزة، و أحمد بن محمد بن كشمرد من الرحبة فظفرا بالقرمطي، و أخذ معه رجل يقال له المدثر، و كاتبه، و غلام أمرد حدث يقال له المطوق، و حمل الى الرقة، و قد ذكرنا خبره.

قال الصولي: و مما يروى من شعر أحمد بن عبد الله:

____________

(1)- سورة الإسراء- الآية: 81.

(2)- سورة الشورى- الآية: 23.

(3)- لم أجدها في المصادر الجغرافية.