بغية الطلب في تاريخ حلب‏ - ج2

- ابن العديم عمر بن أحمد بن أبي جرادة المزيد...
429 /
995

بالأصوليين و المنطق و غير ذلك، و قرأ الأدب على الشيخ الموفق أبي الحجاج يوسف ابن محمد المعروف بابن الخلال كاتب الدست، و صحبه مدة، و سمع من الشريف أبي المفاخر سعيد بن الحسين المأموني و غيره، و تصدر للإقراء، و له ديوان شعر مشهور و مدح جماعة من الملوك و الوزراء و غيرهم و تقلب في الخدم الديوانية، و حدث، أنشدنا عنه جماعة من أصحابنا (1).

أنشدني الشيخ الحافظ رشيد الدين أبو الحسن يحيى بن علي بن عبد اللّه القرشي للنفيس أحمد بن عبد الغني القطرسي من قصيدة، قال: و كان فقيها فاضلا متكلما أصوليا.

بين الكثيب و النقا* * * ما أرب لو لا التقا

و في اللثام قمر* * * أضلني و أشرقا

و منها في ذكر الصعيد:

ليس صعيدا طيبا* * * لكن صعيدا زلقا

أخبرنا أبو المحامد القوصي أن مولد النفيس بن القطرسي بمصر و توفي بها في شهور سنة ثلاث و ستمائة.

أحمد بن عبد الغني القشيري الحموي:

الملقب بالتاج، ابن بنت (229- و) الشيخ أبي سعد النحوي الحموي الضرير، شيخنا، و كان أبوه عبد الغني من أهل المغرب، و كان ولده هذا أحمد شاعرا مجيدا فاضلا، و كان مقيما بحماه عند جده لأمه أبي سعد النحوي، و قدم الى حلب في محاكمة شرعية.

روى لنا عنه شيئا من شعره عفيف الدين عبد الرحمن بن عوض المعرّي، و وصفه لي بالذكاء وحدة الخاطر، و جودة الشعر.

____________

(1)- التكملة لوفيات النقلة: 3/ 156- 157.

996

قال: و كان ناظما ناثرا فاضلا عروضيا، نحويا، حسن المحاضرة، رقيق الحاشية لطيف المعاشرة، و صنف كتابا في العروض، و مات و لم يبلغ ثلاثين سنة.

أنشدني عفيف الدين عبد الرحمن بن عوض قال: أنشدني تاج الدين أحمد بن عبد الغني حفيد الشيخ أبي سعد النحوي لنفسه يرثي شمس الدين محمد بن علي بن المهذب، و كان غرق بحماه في العاصي عند مسجد ابن نظيف، و كان صديقا له، فأسف عليه، و قال فيه يرثيه:

لتبك العيون الجامدات محمدا* * * فقد أبلت الأيام حسن شبابه‏

غريب غريق أدركته شهادة* * * تخفف عن أهليه عظم مصابه‏

كريم أسال البحر من سيب كفه‏* * * فلذ له أن مات تحت عبابه‏

و أنشدني عبد الرحمن بن عوض المعري قال: كتب إلي أحمد بن عبد الغني لنفسه، ثم أنشدنيها بعد ذلك:

ما بين خيف منى إلى الجمرات‏* * * فمواقف الحجاج من عرفات‏

(229- ظ)

ظبيات أنس يقتنصن الأسد بال* * * ألحاظ أفديهن من ظبيات‏

عارضننا بالمازمين‏ (1) سوافرا* * * عن أوجه بالورد منتقبات‏

و نحرننا عوض الأضاحي فاغتدت‏* * * أبداننا تجزى عن البدنات‏

منها:

أمعرة النعمان بعدك مل من‏* * * جسمي الضنا و سئمت طيب حياتي‏

أ ترى يساعدني الزمان فأرتوي‏* * * من عذبك السلسال قبل مماتي‏

ما بين ثغرتها و باب كفيرها* * * رام يصيب مواقع الثغرات‏

____________

(1)- موضع في مكة بين المشعر الحرام و عرفه، و هو شعب بين جبلين يفضي آخره الى بطن عرفه. معجم البلدان.

997

يا صاحبيّ خذا بثاري و اعلما* * * أني قتيل جفونه الغنجات‏

قال لي عبد الرحمن بن عوض: توفي أحمد بن عبد الغني سنة اثنتين و عشرين و ستمائة بحماه.

أحمد بن عبد القاهر بن أحمد بن عبد القاهر بن أحمد بن عبد الوهاب بن أحمد ابن طاهر بن الموصول:

أبو سالم الحلبي المعروف بأمين الدولة، كان من عدول حلب و أمنائها و أعيانها، و كبرائها و علمائها و فضلائها، و رواتها و أدبائها.

حدث بها عن أبي الحسن علي بن عبد الله بن أبي جرادة الحلبي، و سمع منه بحلب القاضي أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الصمد الطرسوسي، و الحافظ أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي، و روى لنا عنه عمي أبو غانم محمد بن هبة الله بن أبي جرادة، و الشيخ أبو محمد عبد الرحمن (230- و) بن عبد الله علوان الأسدي و ولده القاضي جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن، و أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن الطرسوسي الحلبي.

و ذكر لي بعض الحلبيين أنه كان ينوب في كتابة الإنشاء في زمن نور الدين محمود بن زنكي في سنة أربعين و خمسمائة إلى أن توفي نور الدين.

و سمعت أبا الفضل هبة الله بن عبد القاهر بن الموصول يقول: كان أبو سالم بن الموصول مقداما في الأمور، جسورا على ما يفعله، و كان سني المذهب.

أخبرنا عمي أبو غانم محمد بن هبة الله بن محمد بن أبي جرادة، قراءة عليه بحلب، و أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الصمد بن الطرسوسي الحلبي بها قالا: أخبرنا أمين الدولة أبو سالم أحمد بن عبد القاهر بن أحمد بن الموصول- بقراءة الحافظ عبد القادر الرهاوي عليه و نحن نسمع- قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة قال: أخبرنا أبو الفتح عبد

998

الله بن اسماعيل بن أحمد بن الجلي الحلبي قال: أخبرنا أبو عبيد الله بن عبد السلام بن عبد الواحد القطبي قال: أخبرنا أبو بكر السبيعي قال: أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن مستفاض الفيريابي القاضي ببغداد قال: حدثنا أبو جعفر العقيلي قال: حدثنا كثير بن مروان المقدسي عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عقبة بن وشاح عن عمران بن مصين قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «كفى بالمرء إثما أن يشار إليه بالأصابع» قالوا (230 ظ) يا رسول الله و إن كان خيرا؟ قال: «و إن كان خيرا فهي مزلة إلّا من رحم الله و إن كان شرا فهو شر» (1).

أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي و ولده أبو عبد الله القاضي- بقراءتي عليهما بحلب منفردين- قالا: أخبرنا أمين الدولة أبو سالم أحمد بن عبد القاهر بن أحمد بن الموصول قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي جرادة قال: أخبرنا أبو الفتح عبد الله بن اسماعيل بن أحمد الحلبي قال: أخبرنا عبد الرزاق بن أبي نمير العابد الأسدي قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن صالح قال: أخبرنا أبو عبد الله جعفر بن أحمد بن يوسف الأودي الصيرفي الكوفي ابن كارد بالكوفة قال: حدثنا محمد بن حفص بن راشد أبو جعفر قال: حدثنا الحارث بن عمران عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: رأى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رجلا يطوف بالبيت و هو يقول:

اللهم اغفر لي و لأخي فلان، فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «ما قلت»؟

قال: يا رسول الله إن أخا لي استودعني أن أدعو له في هذا المكان، فقال له رسول الله: «قد غفر لك و لأخيك» (2).

قرأت بخط بعض الحلبيين: لأمين الدولة أبي سالم بن الموصول، قال: و كتب‏

____________

(1)- انظره في كنز العمال: 3/ 5939.

(2)- لم أجده بهذه اللفظ.

999

بهذه الأبيات إلى قاضي الحكم بحلب يتضوّر من عمة، و كان اغتصب أكثر أملاكه. (231 و).

يا حاكم الشرع إنّي أستغيث إلى‏* * * حكم الشريعة تحكيما علي ولي‏

و إني واثق من حسن رأيك لي‏* * * أن لا يسوّغ ظلمي من عليّ و لي‏

سير إلي الشريف جمال الدين أبو المحاسن عبد الله بن محمد بن عبد الله الهاشمي بيتين من شعر أبي سالم أحمد بن عبد القاهر بن الموصول، و ذكر أنه نقلها من خط والده أبي حامد محمد بن عبد الله‏

أشكو إليك زمانا* * * قد ضاع فيه الصواب‏

يضمّني فيه قوم‏* * * حاشى الكلاب كلاب‏

أنشدني الأمير بدران بين جناح الدولة حسين بن مالك بن سالم العقيلي الحلبي لجده لأمة أمين الدولة أبي سالم بن الموصول يهجو رجلا من أهل حلب يلقب بالعفيف.

أعلن الدين مستغيثا ينادي‏* * * خلصوني وقعت وسط الكنيف‏

لعن الله دولة أصبح الجامو* * * س فيها ملقّبا بالعفيف‏

قال لي بدران بن حسين بن مالك: توفي جدي لأمي أبو سالم بن الموصول سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة، و ذكر غيره وفاته كانت سنة سبعين و خمسمائة، و الله أعلم.

من اسم أبيه عبد الكريم من الاحمدين‏

أحمد بن عبد الكريم بن يعقوب الانطاكي الحلبي:

أبو بكر المؤدّب، معلم أبي عدنان (231 ظ)، سمع بحلب أبا الحسن محمد بن أحمد بن عبد الله الرافقي، و أبا عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي‏

1000

الأذني، و أبا حفص عمر بن سليمان الشرابي في سنة سبع و عشرين و ثلاثمائة، و حدث عنهم، و عن المنقري، روى عنه أبو المعمّر المسدّد بن علي الأملوكي الحمصي.

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن عبد الله، قاضي اليمن، و مكرم بن محمد بن حمزة بن أبي الصقر القرشي، أبو الفضل، بحلب، و أبو عبد الله محمد ابن غسان بن غافل الأنصاري بدمشق قالوا: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن جعفر الحرستاني قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد قال: أخبرنا أبو المعمر المسدد بن علي الأملوكي قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد الكريم الحلبي قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد الرافقي قال:

أخبرنا الفضل بن العباس بن إبراهيم قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال:

حدثنا أبو معاوية عن اسماعيل بن مسلم عن حميد بن هلال عن أبي قتادة العدوي قال: أذّن بلال بليل فأمره النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن يصعد فينادي: إنّ العبد نام، قال: فصعد بلال و هو يقول: ليت بلالا لم تلده أمه، و ابتل من نضج دم جبينه، فصعد فنادى: إنّ العبد نام، فلما طلع الفجر أعاد الأذان.

حدث أبو بكر أحمد بن عبد الكريم بحمص (232 و) في محرم سنة ثمان و ستين و ثلاثمائة، فقد توفي بعد ذلك.

أحمد بن عبد الكريم الانطاكي:

روى عن ابن قتيبة، روى عنه أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه الهمذاني.

أحمد بن عبد اللطيف المعري:

شاعر كان بمعرة النعمان، ظفرت له بقطعة يرثى بها أبا صالح محمد بن‏

1001

المهذب، و أخشى أن يكون هو أحمد بن علي بن محمد بن عبد اللطيف بن زريق الآتي ذكره، و قد أسقط ذكر أبيه وحده، و نسبة إلى جده الأعلى، فإن بني زريق يعرفون ببني عبد اللطيف، فإن كان هو و إلّا فهذا غيره، و الأبيات مذكورة في مراثي بني المهذب، و وفاة أبي صالح كانت في سنة خمس و ستين و أربعمائة، و هي:

أبني المهذّب وجدكم وجدي به‏* * * و مصابكم هذا الجليل مصابي‏

بي ما بكم من لوعة لفراقه‏* * * و لو استزدت لكنت غير محاب‏

يا وحشة الدنيا و وحشة أهلها* * * لفراق هذا الصّالح الأوّاب‏

ما ذا أعدّد من جميل جلاله‏* * * و يسيرها يربي على إطنابي‏

أنا إن غدوت مقصّرا أو مقصرا* * * فلما بقلبي منه من أوصاب‏

أبني علي بن المهذب أصبحت‏* * * موصولة بحبالكم أسبابي‏

فبما تأكّد من صفاء ودادنا* * * و وشائج الأسباب و الأنساب‏

كونوا لعذري باسطين فإنّه‏* * * قصر الغرام إطالة الإسهاب‏

أحمد بن عبد المجيد بن اسماعيل بن محمد القيسي الحنفي:

قاضي ملطيّة، فقيه مذكور، أخذ الفقه عن والده أبي سعد عبد المجيد الحنفي، قاضي بلاد الروم، و سنذكر أباه إن شاء الله تعالى في بابه.

ذكر من اسم أبيه عبد الملك من الاحمدين‏

أحمد بن عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس:

أبو العباس بن أبي عبد الرحمن الهاشمي، كان بمنبج مع أبيه، و له ذكر في بني صالح.

قرأت في كتاب نسب بني صالح بن علي بخط القاضي أبي طاهر الحلبي الهاشمي قال: و كان أحمد بن عبد الملك عالما بالطب و الفلسفة، قد قرأ الكتب‏

1002

و طلبها، و لقي أهل المعرفة بهذا الفن و أخذ عنهم فكان يعد العلاجات و الأدوية و الأشربة التي لا توجد عنه أحد إلّا عنده و يعطيها في السبيل.

أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد بن عبد الصمد بن بكر المؤذن الحافظ:

أبو صالح النيسابوري، سمع بمنبج أبا علي الحسن بن الأشعث المنبجي، و بدمشق أبا القاسم عبد الرحمن بن عبد العزيز، و أبا عبد الله الحسين بن محمد ابن أحمد الحلبيين، و مسدد بن علي الأملوكي، و رشاء بن نظيف بن ما شاء الله، و بالموصل أبا الفرج محمد بن إدريس بن محمد و أخاه هبة الله بن إدريس، و بجرجان أبا القاسم حمزة بن يوسف السّهمي، و بأصبهان أبا نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، و عبد الله بن يوسف بن باموية الأصبهانيين، و أبا بكر بن أبي علي، و بهمذان أبا طالب علي بن الحسين الحسني، و ببغداد أبا القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران، و أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، و سمع أبا عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، و أبا نعيم عبد الملك بن الحسن الأزهري، و أبا الحسين محمد بن الحسين الحسيني العلوي، و أبا طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، و أبا زكريا يحيى ابن إبراهيم المزكى، و أبا بكر محمد بن زهير بن أخطل النسوي، و أبا سعيد محمد ابن موسى الصيرفي، و أبا سعد عبد الرحمن بن حمدان بن محمد الشاهد، و أبا عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، و أبا الحسن علي بن محمد بن السقا، و أبا القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج، و أبا بكر محمد بن الحسن بن فورك و جماعة غيرهم.

روى عنه ابنه أبو سعد اسماعيل بن أحمد، و أبو بكر الخطيب البغدادي، و أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي، و أبو القاسم زاهر، و أبو بكر وجيه ابنا طاهر بن محمد الشحاميان، و أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن و ابن أخيه أبو الاسعد هبة الرحمن بن أبي سعيد القشيريان، و أبو سعيد اسماعيل‏

1003

بن أبي القاسم الفوسنجي، و أبو علي الحسن ابن عمر بن أبي بكر الطوسي البياع و أبو القاسم عبد الكريم بن الحسين بن أحمد الصفار البسطامي، و أبو الحسن طريف بن محمد بن عبد العزيز الحيري، و عبد الغافر بن اسماعيل بن عبد الغافر الفارسي، و أبو الوفاء علي بن زيد بن شهريار، و مر بحلب مجتازا (233- ظ).

أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الاسدي- و هذا أول حديث سمعناه منه في مشيخته- قال: أخبرنا أبو محمد عبد الواحد بن عبد الماجد ابن عبد الواحد بن عبد الكريم بن هوازن القشيري- و هذا أول حديث سمعناه منه بجامع حلب في يوم الثلاثاء الثاني و العشرين من شهر الله الاصم رجب من سنة ست و خمسين و خمسمائة- قال: أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي- و هذا أول حديث سمعته منه بقراءتي عليه، و أول حديث كتبته عنه- ح.

و حدثنا عمر بن بدر بن سعيد الموصلي من لفظه و حفظه- و هو أول حديث سمعته منه قال: حدثنا أبو الغنائم شيرويه بن شهردار بن شيرويه الكيا الديلمي- و هو أول حديث سمعته من لفظه و حفظه بهمذان- قال: حدثنا أبو القاسم زاهر ابن طاهر بن محمد الشحامي- و هو أول حديث سمعته من لفظه و حفظه، قدم علينا همذان- ح.

و أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمر بن عبد الغالب العثماني الاموي من لفظه و حفظه- و هو أول حديث سمعناه منه- قال: أخبرنا أبو مسلم هشام بن عبد الرحيم بن الاخوة البغدادي- و هو أول حديث سمعته منه- قال: حدثنا أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي- و هو أول حديث سمعته منه بأصبهان- ح.

و حدثنا ابراهيم بن محمد بن الازهر الصريفيني- و هذا أول حديث سمعته (234- و) من لفظه- قال: حدثنا أبو الفتوح محمد بن الجنيد الاصبهاني من لفظه بأصبهان- و هذا أول حديث سمعته منه- ح.

1004

و أنبأنا به أبو الفتوح الاصبهاني- و هذا أول حديث كتبناه عن كتابه- قال:

حدثنا زاهر بن طاهر بن محمد- و هذا أول حديث سمعته منه من حفظه من لفظه قال: حدثنا الشيخ أبو صالح أحمد بن عبد الملك بن علي المؤذن- و هذا أول حديث سمعته منه- قال: حدثنا الامام أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن محمش الزيادي- و هذا أول حديث سمعته منه في شهر ربيع الاول من سنة سبع و أربعمائة- قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزاز- و هذا أول حديث سمعته منه- قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم العبدي و هو أول حديث سمعته منه- قال: حدثنا سفيان بن عيينة- و هو أول حديث سمعته منه- عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء» (1).

و أخبرنا أبو الحسن علي بن أبي الفضائل هبة الله بن سلامة بن المسلم بن أحمد بن علي اللخمي المصري الخطيب الفقيه المعروف بابن الجميزي بحلب قال:

أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي قال: أخبرنا أبو الحسن (234- ظ) ظريف بن محمد بن عبد العزيز النيسابوري ببغداد، و أبو الوفاء علي ابن زيد بن شهريار الزعفراني بأصبهان قالا: أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك ابن علي المؤذن بنيسابور قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزاز قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم العبدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو عن عبد الله بن عمرو أن‏

____________

(1)- انظره في كنز العمال: 3/ 5969.

1005

رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء».

قال عبد الرحمن: هذا أول حديث سمعته من سفيان، قال أبو حامد: هذا أول حديث سمعته من عبد الرحمن، قال أبو طاهر: هذا أول حديث سمعته من أبي حامد، قال أبو صالح: هذا أول حديث سمعته من أبي طاهر، قال ظريف و علي: هذا أول حديث سمعناه من أبي صالح، قال الحافظ أبو طاهر: و هذا أول حديث سمعته من ظريف ببغداد، و من علي قبله بأصبهان، قال شيخنا أبو الحسن: و هذا أول حديث سمعناه من الحافظ السلفي، قلت: و هذا أول حديث سمعناه من أبي الحسن بن الجميزي.

أخبرنا الشريف أبو الفتوح محمد بن محمد بن محمد بن عمروك البكري الصوفي- قراءة عليه بدمشق غير مرة- قال: أخبرنا (235- و) أبو الاسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد ابن عبد الكريم بن هوازن القشيري قال: أخبرنا الشيخ أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن سنة تسع و ستين و أربعمائة قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي سنة ثلاث و أربعين و ثلاثمائة قال: أخبرنا أبو علي الحسين ابن داوود البلخي- املاء- قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا حميد عن أنس قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «من دخل سوقا من أسواق المسلمين فقال: لا اله الا الله وحده، كتب الله له ألف ألف حسنة و محي عنه ألف ألف سيئة، و بنى له قصرا في الجنة» (1).

أخبرنا المؤيد بن محمد بن علي الطوسي- في كتابه الينا من نيسابور- قال:

أخبرنا أبو الاسعد هبة الرحمن بن عبد الرحمن القشيري قال: أخبرنا أبو صالح‏

____________

(1)- انظره في كنز العمال: 4/ 9327، 9443.

1006

أحمد بن عبد الملك المؤذن قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن الاشعث المنبجي- بها- قال: حدثنا أبو علي الحسن بن عبد الله الحمصي قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز ابن مروان الحلبي قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: اذا قال لك الرجل: لم أذكر حاجتك فاعلم أنه لم يعنى بها (235- ظ).

أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي قال: أخبرنا عبد الكريم ابن أبي بكر- اجازة ان لم يكن سماعا- قال: أنشدنا خره شير بن محمد بن عبد العزيز السهروردي قال: أنشدنا عبد الغافر بن اسماعيل الفارسي املاء بنيسابور قال: أنشدنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك الحافظ قال: أنشدنا الشريف أبو الحسن عمران بن موسى المغربي لنفسه:

جزيت وفائي منك غدرا و خنتني‏* * * كذاك بدور التم شيمتها الغدر

و حاولت عند البدر و الشمس سلوة* * * فلم يسلني يا بدر شمس و لا بدر

و في الصدر مني لوعة لو تصورت‏* * * بصورة شخص ضاق عن حملها الصدر

أمنت اقتدار البين من بعد بينكم‏* * * فما لفراق بعد فرقتكم قدر

أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي- اجازة- قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن صرما عن أبي بكر الخطيب البغدادي قال: أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد بن عبد الصمد بن بكر، أبو صالح المؤذن النيسابوري، قدم علينا حاجا و هو شاب في حياة أبي القاسم بن بشران ثم عاد الى نيسابور، و قدم علينا مرة ثانية في سنة أربع و ثلاثين و أربعمائة، فكتب عني في ذلك الوقت و كتبت عنه في المقدمتين جميعا، و كان يروي عن أبي نعيم عبد الملك بن الحسن الأسفراييني، و محمد بن الحسين العلوي الحسني، و أبي طاهر الزيادي، و عبد الله بن يوسف بن بامويه (236- و) الاصبهاني، و أبي عبد الرحمن السلمي، و من بعدهم.

1007

و قال لي: أول سماعي في سنة تسع و تسعين و ثلاثمائة، و كنت اذ ذاك قد حفظت القرآن، و لي نحو من تسع سنين، و كان ثقة (1).

أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي- قراءة عليه و أنا أسمع- قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني- اجازة ان لم يكن سماعا قال: أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد بن عبد الصمد بن بكر المؤذن، أبو صالح، من أهل نيسابور، الامين المتقن الثقة المحدث، الصوفي، نسيج وحده في طريقته و جمعه و افادته، و كان عليه الاعتماد في الودائع من كتب الحديث المجموعة في الخزائن الموروثة عن المشايخ، و الموقوفة على أصحاب الحديث، و كان يصونها و يتعهد حفظها، و يتولى أوقاف المحدثين من الخبز و الكاغد، و غير ذلك، و يقوم بتفرقتها عليهم، و ايصالها اليهم، و كان يؤذن على منارة المدرسة البيهقية سنين احتسابا، و وعظ المسلمين و ذكرهم الاذكار في الليالي، و كان في أكثر الاوقات قبل الصبح اذا صعد يكرر هذه الآية و يقول: «أ ليس الصبح بقريب» (2) و كان يأخذ صدقات الرؤساء و التجار و يوصلها الى المستحقين و المستورين من ذوي الحاجات و الارامل و اليتامى، و يقيم مجالس الحديث، و تقرأ عليه، و كان اذا فرغ يجمع و يصنف و يقيد، و كان (236- ظ) حافظا ثقة، دينا خيرا، كثير السماع، واسع الرواية، جمع بين الحفظ و الافادة و الرحلة، و كتب الكثير بخطه.

سمع أبا نعيم عبد الملك بن الحسن الأزهري، و أبا الحسين محمد بن الحسين الحسني العلوي، و أبا محمد عبد الله بن يوسف بن بامويه الأصبهاني، و أبا طاهر محمد بن محمد محمش الزيادي، و أبا بكر أحمد بن الحسن الحيري، و أبا سعيد محمد بن موسى الصيرفي، و أبا عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، و أبا زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي، و أبا بكر محمد بن الحسن بن فورك، و أبا عبد الله‏

____________

(1)- تاريخ بغداد: 4/ 267- 268.

(2)- سورة هود- الآية: 81.

1008

محمد بن عبد الله الحافظ البيّع، و أبا القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج، و بجرجان أبا القاسم حمزة بن يوسف السهمي، و بأصبهان أبا نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، و أبا القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران الواعظ، و جماعة كثيرة من مشايخ جرجان، و الريّ، و العراق، و الحجاز، و الشام، كما تنطق به تصانيفه، و ما تفرغ الى عقد الإملاء لكثرة ما هو بصدده من الاشتغال و القراءة عليه.

روى لنا عنه: أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الصاعدي، و أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري، و أبو سعيد إسماعيل بن أبي القاسم الفوسنجي، و أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي، و أبو علي الحسن بن عمر بن محمد الطوسي، و جماعة سواهم (237- و).

صنف التصانيف، و جمع الفوائد، و عمل التواريخ منها التاريخ لبلدنا مرو، و مسودته عندنا بخطه، و صحب جماعة من الشايخ الكبار مثل: أحمد بن نصر الطالقاني، و أبي الحسن الجرجاني، و أبي علي الدقاق، و أبي سعيد بن أبي الحسن، و أبي القاسم القشيري، و غيرهم من مشايخ العراق و الشام، و كان حسن السيرة، مليح المعاشرة، حسن النقل و الضبط.

و قال: كان مولد أبي صالح المؤذن في سنة ثمان و ثمانين و ثلاثمائة.

أنبأنا أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد القاضي قال: أخبرنا أبو القاسم علي ابن الحسن الحافظ الدمشقي قال: أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد بن عبد الصمد بن بكر، أبو صالح المؤذن الحافظ، سمع بدمشق أبا القاسم بن الطبيز، و أبا عبد الله الحسين بن محمد بن أحمد الحلبي و مسدّد بن علي الأملوكي، و رشاء بن نظيف، و بخراسان أبا نعيم عبد الملك بن الحسن الأزهري، و أبا محمد عبد الله بن يوسف بن بامويه، و أبا طاهر محمد بن محمش، و أبا زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي، و أبا بكر محمد بن زهير بن أخطل النسوي، و أبا عبد الرحمن‏

1009

السلمي، و أبا سعيد الصيرفي، و أبا الحسن علي بن محمد بن السقاء، و أبا القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج، و أبا القاسم بن بشران ببغداد، و غيرهم.

روى عنه أبو بكر الخطيب، و حدثنا عنه ابنه أبو سعد (237- ظ) إسماعيل ابن أبي صالح، و أبو القاسم زاهر، و أبو بكر وجيه ابنا طاهر بن محمد الشحاميان و أبو علي الحسن بن عمر بن أبي بكر الطوسي البياع، و أبو القاسم عبد الكريم بن الحسن بن أحمد الصفار البسطامي، و كان ثقة خيارا.

أنبأنا زين الأمناء أبو البركات بن محمد قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم قال: و فيما كتب إليّ أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر يخبرني قال:

أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد بن عبد الصمد، الشيخ الحافظ أبو صالح المؤذن الأمين المتقن المحدث الصوفي، نسيج وحده في طريقته و جمعه و افادته، و ما رأينا مثله، حفظ القرآن، و جمع الأحاديث، و سمع الكثير و صنف الأبواب و المشايخ و سعى في الخيرات، و صحب مشايخ الصوفية، و أذّن سنين حسبة، و لو ذهبت إلى شرح ما رأيته منه من هذه الأخبار لسودت أوراقا جمّة، ولد سنة ثمان و ثمانين و ثلاثمائة، و توفي يوم الاثنين التاسع من شهر رمضان سنة سبعين و أربعمائة (1).

و ذكره أبو زكريا يحيى بن أبي عمرو بن مندة في تاريخ أصبهان و قال: أبو صالح المؤذن قدم أصبهان و سمع من أبي نعيم، و أبي بكر بن أبي علي و من في وقتهما حافظ للحديث، رحل و كتب الكثير و سمع.

أخبرنا أبو هاشم بن الفضل عن أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني قال:

سمعت أبا القاسم زاهر بن طاهر الشحامي بنيسابور (238- و) يقول: خرج أبو صالح المؤذن ألف حديث من ألف شيخ له.

و أخبرنا أبو هاشم عن أبي سعد السمعاني قال: قرأت بخط أبي جعفر محمد بن‏

____________

(1)- مختصر تاريخ دمشق: 3/ 158- 159.

1010

أبي علي الحافظ بهمذان: سمعت الشيخ الزكي أبا بكر بن أبي اسحاق المزكي يقول:

ما يقدر أحد يكذب في الحديث في هذه البلدة- يعني نيسابور- و أبو صالح المؤذن حيّ، لأنه كان يذب الكذب عن حديث رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم).

قال: و قرأت بخط أبي جعفر أيضا: سمعت الشيخ الإمام أبا المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني المروزي يقول: إذا دخلتم على أبي صالح المؤذن فادخلوا بالحرمة يغفر لكم بغير مهلة، فإنه نجم الزمان و شيخ وقته في هذا الأوان.

قال: و قرأت بخطه أيضا: سمعت الشيخ الصالح أبا الحسن بن أحمد الكوار البسطامي يقول: سألت الله أن أرى أبا صالح المؤذن في المنام، فرأيته ليلة على هيئة صالحة، فقلت له: أبا صالح أخبرني عن ما عندكم، فقال: يا حسن كنت من الهالكين لو لا كثرة صلاتي على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال‏ (1): أين أنتم عن الرؤية و اللقاء؟ فقال: هيهات قد رضينا منه بدون ذلك، فانتبهت و وقع علي البكاء.

أخبرنا أبو هاشم قال: أخبرنا أبو سعد- إجازة إن لم يكن سماعا- قال:

قرأت بخط والدي (رحمه الله): سمعت أسعد بن حيان النسوي يحكي عن أبي صالح المؤذن أنه دخل (238 ظ) على أحمد بن نصر الشبوي مع شاهفور، فقال الشيخ لفقير: خذ سلاحك، فأمر لشاهفور بسؤاله عن السلاح، فقال: هو الوضوء، ثم سأله عن الحديث، و أراد أن يقرأ عليه كتاب البخاري عن الشبوي فقال: ذكر في أوله الاعمال بالنية، و أنا ما سمعت هذا الكتاب لأحدث سمعته لأعمل به.

أخبرنا زين الأمناء الحسن بن محمد بن الحسن- إذنا- قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن قال: سألت أبا سعد بن أبي صالح عن وفاة والده فقال: في سنة سبعين و أربعمائة، قيل: في أي شهر؟ فقال: في شهر رمضان، و ذلك‏

____________

(1)- كذا بالاصل، و الاصح: فقلت.

1011

أنه كان قد سأل الله بمكة أن لا يقبضه إلا في شهر رمضان، فكان إذا دخل شهر رجب تفرغ للعبادة الى أن يخرج شهر رمضان.

و قال الحافظ أبو القاسم: كتب إلي أبو نصر إبراهيم بن الفضل بن إبراهيم البار قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الكتبي قال: سنة سبعين و أربعمائة ورد الخبر بوفاة أبي صالح المؤذن الحافظ في رمضان، و كان مولده سنة ثمان و ثمانين و ثلاثمائة (1).

أخبرنا أبو هاشم الحلبي عن أبي سعد السمعاني قال: قرأت بخط أبي جعفر محمد بن أبي علي الحافظ بهمذان: توفي الإمام الحافظ أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن يوم الاثنين بالباكر لتسع خلون من شهر رمضان سنة سبعين و أربعمائة، و قد بلغ خمسا و ثمانين سنة (239 و) من عمره رآه بعض الصالحين في تلك الليلة في النوم كأن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قد أخذ بيده و قال له: «جزاك الله خيرا فنعم ما أقمت بحقي و نعم ما أديت من من قولي و نشرت من سنني».

من اسم أبيه عبد الواحد من الأحمدين‏

أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن اسماعيل بن منصور:

أبو العباس المقدسي، و يعرف بالبخاري الحنبلي، فقيه فاضل رحل رحلة واسعة الى العراق، و خراسان، و ما وراء النهر، و لحق الرضي النيسابوري و علق عليه الخلاف و مهر فيه، و برز على أقرانه، و عرف بالبخاري لطول مقامه ببخارى، و سمع الحديث الكثير بدمشق، و بالبلاد التي رحل إليها، روى لنا عنه أبو المحامد اسماعيل بن حامد القوصي، و أبو الحسين يحيى بن علي بن عبد الله المعروف بالرشيد العطار، و اجتاز في طريقه بحلب.

____________

(1)- مختصر تاريخ دمشق: 3/ 159.

1012

ذكر لي ذلك شيخنا عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي و قال إن أصحابنا المقادسة الذين رحلوا دخلوا كلهم حلب، و كان قد تصدر بحمص لإفادة علم الحديث و الفقه، و رتب له الملك المجاهد شيركوه صاحبها بها معلوما، و حدث بها و بغيرها من البلاد، و روى عنه أخوه الحافظ ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد ابن أحمد، و ذكر له ترجمة في جزء جمع فيه أخبار المقادسة و دخولهم الى دمشق وقع إلي بخطه فنقلت ما ذكره على قضه نقلا من خطه، و قد أجاز لي رواية ذلك مع غيره.

أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد و قال- و نقلته من خطه-: أحمد (239 ظ) بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن اسماعيل بن منصور، أبو العباس أخي، يعرف بالبخاري، و هو ممن يشتغل بالعلم من صغره الى كبره، و برز على أقرانه، و دخل خراسان، و غزنه‏ (1)، و ما وراء النهر، و أقام مدة ببخارى، و لحق الرضي النيسابوري، و علق عليه الخلاف، و كان قبل ذلك قد اشتغل ببغداد على أبي الفتح بن المني (رحمه الله)، و سمع الحديث الكثير بدمشق، و بغداد، و واسط، و همذان، و نيسابور، و هراة، و بخارى، فسمع بدمشق أبا المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن صابر، و أبا الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز الأزدي المعروف بابن أبي العجائز، و أبا المجد الفضل بن الحسين بن البانياسي، و أبا طالب الخضر بن هبة الله بن طاوس، و عبد الرزاق النجار، و محمد بن علي البحراني، و غيرهم، و ببغداد سمع أبا الفتح عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل، و عبد المغيث بن زهير، و أبا السعادات نصر الله بن عبد الرحمن القزاز، و غيرهم، و بنيسابور أبا البركات عبد المنعم الفراوي، و خلقا كثيرا يطول ذكرهم، و أقام في سفره نحوا من أربع عشرة سنة، و رجع الى وطنه، و وجد أصحابنا به راحة عظيمة من قضاء حوائجهم عند السلاطين و الحكام و الولاة، مع عفة و دين و أمانة، و قل من رآه و عرفه إلا أحبه من قريب أو بعيد حتى أني سمعت من بعض من يخالفنا أنه قال (240 و) لشخص: لم لا تكون مثل البخاري الذي يدخل حبه على القلب بغير استئذان.

____________

(1)- عاصمة الدولة الغزنوية هي من مدن أفغانستان حاليا.

1013

و مولده في سنة أربع و ستين و خمسمائة في الشوال في العشر الآخر منه، ذكره لي والدي.

أخبرنا أبو المحامد اسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن القوصي قال: أخبرنا الفقيه الإمام شمس الدين أبو العباس أحمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي الحنبلي قراءة عليه بدمشق قال: أخبرنا الشيخ أبو المعالي عبد المنعم بن عبد الله الفراوي؛ قال القوصي: و أجازه لي عبد المنعم، ح.

و أخبرناه عاليا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي القرطبي الدمشقي بالمسجد الحرام تجاه الكعبة شرفها الله، و الإمام عبد المحسن بن أبي العميد بن خالد أبو طالب الأبهري الخفيفي بمسجد الخيف من منى، و أبو عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبي بمسجد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالمدينة، و أبو البركات محمد بن الحسين بن عبد الله الأنصاري بحماه و بحلب قالوا: أخبرنا أبو المعالي عبد المنعم بن عبد الله الفراوي قال: أخبرنا أبو الحسن ظريف بن محمد بن عبد العزيز الحيري، و أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم، و أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الحيزباراني قالوا: أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن منصور قال: أخبرنا أبو عمرو اسماعيل ابن نجيد بن أحمد السلمي قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الله البصري قال: (240 ظ) حدثنا أبو عاصم عن أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله قال: رمى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) جمرة العقبة لا ضرب و لا طرد و لا إليك إليك، و كانوا يمشون أمام رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم).

أخبرنا أبو الحسين يحيى بن علي الحافظ بمصر قال: أخبرنا أبو العباس أحمد ابن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن اسماعيل بن منصور المقدسي ثم الدمشقي الفقيه قال: أخبرنا أبو الفتح عبيد الله بن عبيد الله بن شاتيل الدباس قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن المظفر بن سوسن التمار قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: حدثنا أبو بكر محمد بن العباس بن نجيح البزاز من لفظه‏

1014

قال: حدثنا محمد بن الفرج الأزرق قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا حنظلة عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا (1).

أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد- و نقلته من خطه- قال: سمعت والدتي تقول: لما حملت بأخيك أحمد رأيت كأن لنا كبشا له قرون، فأرسلت فأولته، فقيل: يولد لهم ولد يكون يدفع عنهم الخصوم، و لعمري إنه لكذلك، فإنه كان يمضي الى المخالفين و يناظرهم و يظهر كلامه على كلامهم، و يدخل على القضاة، و إن كان لأحد حاجة أو حكومة هو يتولى ذلك حتى أنه أثبت كتبا عند الحاكم لم يكن غيره يقدر على اثباتها.

قال أبو عبد الله- و نقلته من خطه-: سمعت والدتي تقول: رأى أبوك قبل أن يولد أخوك أنه يبول في المسجد، قالت: فسألت عن تأويله، فقيل: يولد لك مولود يكون عالما، أو ما هذا معناه.

و قال- و نقلته من خطه-: سمعت والدتي تقول: قال العز- يعني أبا الفتح محمد بن الحافظ عبد الغني-: كل من جاء منا ترك الاشتغال بالعلم غير فلان- يعني أخي- فإنه بعد مجيئه لم يترك الاشتغال بالعلم.

قال: و سمعت أخي أبا العباس يقول، و قد جاء من الغزاة، و كان غزا يافا فوقعت في فخذة نشابة جرخ‏ (2)، قال: لما وقعت في كنت أشتهي لو وقعت في هذا الموضع حتى تحصل لي الشهادة (241 و) أي تقع في مقتل.

و قال: سمعت بعض أهلي يحكي أن جماعة من أصحابنا مضوا الى زيارة امرأة صالحة متعبدة، و كان فيهم أخي، فقالت: في هذه الجماعة ثلاثة من الأبدال، فسمت أخي أحمد أحدهم.

____________

(1)- انظره في كنز العمال: 3/ 8923.

(2)- من أنواع النشاب في الحروب الصليبية، غالبا ما استخدمت من قبل الفرنجة.

1015

قال: و سمعت أبا العباس أحمد بن سعيد يقول: سمعت في النوم قائلا يقول:

ثلاثة من أهل الجنة، فسمى- يعني- أخي أحد الثلاثة.

وسعت أحمد يقول: لما وضعت جنازته- يعني أخي- غفوت و الإمام يخطب، و كأن قائلا يقول: لو كانوا وضعوا على جنازته إزارا ثم وضعوا الإزار على الناس ليحصل لهم من بركته، أو ما هذا معناه.

قال: و توفي رحمة الله عليه ليلة الجمعة خامس عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث و عشرين و ستمائة بالجبل‏ (1)، و دفن بجنب قبر خاله الإمام موفق الدين (رحمه الله).

و سمعت اختي قالتا: هلل الله قبل موته و أضاء وجهه و أسفر جدا، قالت أم محمد: و كان يهلل تهليلا فصيحا.

و قال: سمعت الحافظ أبا موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني يقول: لما مات كافور الخادم المنتمي الى ست الشام، رأيته تلك الليلة في المنام و هو في هيئة حسنة و عليه لباس حسن، فوقفت معه ساعة يحدثني، ثم عرفت أنه مات، فقلت: هل لقيت أصحابنا؟ فقال: نعم، فقلت: فمن فيهم أفضل، فقال: ما أعطي أحد مثل ما أعطي الشمس البخاري (241 ظ) أو قال: ليس أحد مثل منزلة الشمس البخاري.

أخبرنا الحافظ رشيد الدين يحيى بن علي في معجمه قال: الشيخ أبو العباس هذا- يعني البخاري- من أهل دمشق، فقيه فاضل من فقهاء الحنابلة، و يعرف بالشمس، البخاري، و أصلهم من البيت المقدس أو من أعماله.

حدث عن جماعة من شيوخ الشام و العراق، و كان مولده في العشر الآخر من شوال سنة أربع و ستين و خمسمائة، و توفي ليلة الجمعة الخامس عشر من جمادى‏

____________

(1)- أي جبل صالحيه دمشق. انظر القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية لابن طولون- ط. دمشق 1949: 299- 300.

1016

الآخرة سنة ثلاث و عشرين و ستمائة. كتب إليّ مولده و وفاته أخوه الحافظ أبو عبد الله.

و ذكر الحافظ أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري في كتاب التكملة (1) أنه ولي القضاء بحمص، و ليس كذلك، و إنما ولي التحديث بحمص في أيام الملك المجاهد شيركوه بن محمد، أحضره إليها للتحديث، فظن الناقل أنه ولي القضاء، و كان قاضي حمص صالح بن أبي الشبل، قبل وصول البخاري إلى حمص، و استمر في قضائها الى بعد وفاة البخاري و وفاة شيركوه.

أحمد بن عبد الواحد بن هاشم بن علي، أبو الحسين المعدل الاسدي الحلبي:

والد الخطيب أبي طاهر هاشم بن أحمد، سمع أبا محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن يحيى بن سنان الخفاجي الحلبي، و أخاه سعيد بن عبد الواحد بن هاشم، و أبا يعلى عبد الباقي، و أبا سعد عبد الغالب ابني عبد الله أبي حصين بن المحسن التنوخيين، و أبا الحسن علي بن مقلد بن منقد سديد الملك، و كان أمينا فاضلا، و تصرف في الديوان في الغربيات من عمل حلب؛ روى عنه ابنه الخطيب أبو طاهر هاشم بن أحمد خطيب حلب.

أنشدنا الخطيب أبو عبد الرحمن محمد بن هاشم بن أحمد بن عبد الواحد بن هاشم قال: أنشدنا أبي الخطيب أبو طاهر هاشم بن أحمد بن عبد الواحد قال:

أنشدني أبي أبو الحسين أحمد بن عبد الواحد بن هاشم قال: أنشدنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد الخفاجي الحلبي لنفسه.

أ رأيت من داء الصبابة عائدا* * * و وجدت في شكوى الغرام مساعدا

أم كنت تذكر بالوفاء عصابة* * * حتى بلوتهم فلم تر واحدا

تركوك و الليل الطويل و عندهم‏* * * سحر يرد لك الرقاد الشاردا

و كأنما كانت عهودك فيهم‏* * * دمنا حبسن على البلى و معاهدا

____________

(1)- لم يصلنا الجزء الحاوي لذكر وفاته من التكملة.

1017

يا صاحبي و متى نشدت محافظا* * * في الودّ لم أزل المعني الناشدا (242 و)

أعددت بعدك للملامة وقرة* * * و ذخرت عندك بالصبابة شاهدا

و رجوت فيك على النوائب شدّة* * * فلقيت منك نوائبا و شدائدا

أما الخيال فما نكرت صدوده‏* * * عني و هل يصل الخيال الساهدا

سار تيمم جوشنا من حاجر* * * مرمى كما حكم النوى متباعدا

كيف اهتديت له و دون مناله‏* * * خرق تجور به الرياح قواصدا

ما قصّرت بك في الزيادة نية* * * لو كنت تطرق فيه جفنا راقدا

عجبت لاخفاق الرجاء و ما درت‏* * * أني ضربت به حديدا باردا

ما كان يمطره الجهام سحائبا* * * تروى و لا يجد السراب مواردا

و إذا بعثت الى السباخ برائد* * * يبغي الرياض فقد ظلمت الرائدا (1)

كتب إلينا عبد الوهاب بن علي الأمين أن الخطيب أبا طاهر هاشم بن أحمد بن عبد الواحد أنشدهم قال: أنشدنا والدي قال: أنشدني أبو الحسن علي بن مقلد ابن منقذ لنفسه:

أحبابنا لو لقيتم في مقامكم‏* * * من الصبابة ما لاقيت في ظعني‏

لأصبح البحر من أنفاسكم يبسا* * * كالبرّ من أدمعي ينشق بالسفن‏

أنبأنا المؤيد بن محمد الطوسي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني- إجازة إن لم يكن سماعا- قال: أنشدنا أبو طاهر هاشم بن أحمد بن عبد الواحد الأسدي إملاء من حفظه بحلب، و أنبأنا صقر بن يحيى بن صقر عن الخطيب هاشم قال: أنشدني والدي من لفظه قال: أنشدني القاضي أبو يعلى ابن أبي حصين لنفسه:

بانوا فجفن المستهام قريح‏* * * يخفي الصبابة تارة و يبوح‏

____________

(1)- سبق أن ذكرت أن المكتبة الظاهرية كانت تحتوي على نسخه من ديوان ابن سنان لكنها مفقودة الان.

1018

من طرفه وصلت جراحة قلبه‏* * * و إليه فاض نجيعه المسفوح‏

لم يبق بعدهم له من جسمه‏* * * شي فواعجباه أين الروح‏

أحمد بن عبد الواحد المدروز العجمي:

شيخ كبير صالح، ورد حلب (242 ظ) و أقام بها بمسجد السيدة علويه بنت وثاب بن جعبر النميريه والدة محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، بالقرب من تحت القلعة (1)، و انضم إليه في المسجد جماعة من الفقراء الصالحين، و كان يخدمهم بنفسه و يدروز (2) لهم في زنبيل كبير كان معه، و يمد لهم من ذلك سفرة في كل يوم، و لما شاخ و احدودب و ضعف عن حمل الزنبيل، كان يأخذ معه فقيرا من الفقراء يحمل الزنبيل معه، و كان يعرف بأحمد الزنبيل لذلك.

و كان حسن الأخلاق معروفا بالخير و الصلاح، صحب روزبهار و قضيب البان بالموصل و شاهدته و أنا صبي و قد انحنى و احدودب، و قد حضر سماعا مع الفقراء، و طاب فانتصب قائما تام القامة، و كانت هذه عادته إذا طاب في السماع، و كان يحكى عن قضيب البان كرامات.

و أخبرني تاج الدين أحمد بن هبة الله بن أمين الدولة قال: سمعت الشيخ أحمد بن عبد الواحد المدروز يقول: إن سبب اشتغالي بالدروزة أنني كنت قد حججت وزرت النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فبقيت بالمدينة ثلاثة أيام لا أطعم طعاما، فجئت الى قبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و جلست عنده و قلت: يا رسول الله أكون ضيفك ولي ثلاثة أيام لم أطعم طعاما، قال: فهومت و انتبهت و في يدي درهم كبير، فخرجت و اشتريت به شيئا أكلته، و شيئا للبسي، ثم اشتغلت بعد ذلك بالدروزة.

____________

(1)- يبدو أن هذا المسجد قد اندثر لذلك لم يرد ذكره في الاعلاق الخطيرة و لا في الدراسات حول آثار حلب، و كان محمود بن نصر من أشهر أمراء الاسرة المرداسية كما أن أمة تمتعت بمكانة رفيعة و شغلت دورا كبيرا في تاريخ بني مرداس. انظر كتابي (بالانكليزية) امارة حلب: 158، 165- 178.

(2)- أي يقدم لهم المأكولات الطيبة. القاموس و المعرب للجواليقى و لسان العرب‏

1019

قلت: و كان الملك الظاهر (رحمه الله) (243 و) و أمراؤه يحترمونه و يكرمونه، و توفي (رحمه الله) بحلب بمسجد السيدة (1) في ثامن شوال من سنة سبع عشرة و ستمائة، و كان قد ناهز مائة سنة، و صلي عليه بالمسجد الجامع، و دفن بمقام إبراهيم، و مروا بجنازته على باب داري و صعدت الى غرفة في الدار مشرفة على الطريق، فوجدت زوجتي فيها نائمة، فنبهتها و قلت: اجلسي و انظري جنازة الشيخ أحمد المدروز، فانتبهت و قالت لي: الساعة رأيت في منامي جنازة تمر بين السماء و الأرض، و الميت مغطى بازار أبيض و الهواء يهببه، و قد جاءوا بالجنازة الى مشهد الملك رضوان خارج حلب فأدخلوا الجنازة الى البستان الى جانبه، و هو البستان المعروف بالجنينة.

قلت: و تبع جنازته جمع عظيم، رحمة الله عليه.

أحمد بن عبد الواحد بن مراء:

أبو العباس الحوراني القاضي، الملقب بالتقي الشافعي فقيه فاضل، أديب زاهد، شاعر، قدم حلب و أقام بها مدة و تفقه بها على شيخنا الشريف قاضي القضاة أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم، و سمع منه الحديث و من شيخنا الشريف أبي هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي و غيرهما، و برز في علم الفقه و الأدب، ثم توجه من حلب الى سنجار و ولي بها القضاء، ثم انتقل عنها الى بغداد و ذكر بها مسألة فولي الإعادة بالمدرسة المستنصرية من جهة الشافعية و سمع بها الحديث من ابن الخازن و غيره، ثم تزهد و انقطع عن الدنيا و جاور بمكة و بالمدينة.

و حدث بمكة و بسنجار عن أبي هاشم (243 ظ) عبد المطلب الهاشمي بشمائل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لأبي عيسى الترمذي، و بمسند الإمام الشافعي رضي الله عنه عن ابن الخازن النيسابوري و عن غيرهما، و كان لي به اجتماع بحلب، و كان‏

____________

(1)- كان لقب علوية أم محمود بن نصر «السيدة».

1020

يسمع معنا الحديث، ثم قدم الديار المصرية من المدينة- على ساكنها الصلاة و السلام في ذي القعدة من سنة ثمان و خمسين و ستمائة رسولا من صاحبها الى قطز المعزي، بعد أن استولى على مصر، و امتدت يده في الظلم، و قبض أوقاف المدينة بالديار المصرية، فوجده قد قتل و تولى قاتله الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، فاجتمع به، و قضى شغله و أطلق الوقف، و كنت إذ ذاك بمصر، فحضر إلي و علقت عنه فوائد و شيئا من شعره، و سألته عن مولده، فقال: عمري الآن سبعة و سبعون سنة، و كان سؤالي إياه في رابع و عشرين من ذي القعدة من سنة ثمان و خمسين و ستمائة.

و أخبرني في ذلك اليوم قال: أخبرني هارون بن الشيخ عمر عن بعض الصلحاء المجاورين بمكة شرفها الله من أهل اليمن أنه فيما يرى النائم كأنه قد نزل الى البيت المعظم ليطوف به على جاري العادة، فلم يجده، فقال: ذهب الإسلام، راح الدين، فقيل له: مه كيف تقول هذا؟! قال: أين البيت الذي كان يطوف المسلمون، فقيل له الساعة يجي‏ء، قال: من يجي‏ء به؟ قيل: أهل مصر، أو أصحاب مصر، قال:

متى يجي‏ء؟ قال: لا تعجل الساعة يجي‏ء فبينا هو كذلك إذ جاء البيت، و عاد في مكانه كهيئته الأولى لكنه لا كسوة عليه، فقال: أين كسوته؟ فقيل: الساعة تجى‏ء فبينا هو كذلك إذ أفرغ على البيت المعظم الكريم (244 و) كسوة بيضاء و انتبه.

قلت: فقدر الله تعالى أن التتار استولوا على الشام في سنة ثمان و خمسين، و خرج عسكر مصر و من التجى إليهم من عسكر الشام مع قطز، و التقوا بعسكر التتار على عين جالوت فكسروا التتار و مضوا الى الشام جميعه فاستولوا عليه، و نرجو من ألطاف الله أن الكسوة البيضاء تكون عمارة الشام و عود ما تشعث من مدنه و حصونه إن شاء الله تعالى.

و أخبرني أبو العباس الحوراني أن بعض الصالحين أخبره من فيه أنه رأى أنه فتح في السماء بابان، و نزل من أحدهما ملائكة خيالة على خيل، و سمع قائلا يقول:

1021

هؤلاء ملائكة قد نزلوا من السماء لنصرة الاسلام، و قيل للباب الآخر هذا الباب الاخر باب رحمة له سنين لم يفتح، و قد فتح الآن لتنزل منه الرحمة على الناس.

أخبرني أبو العباس بن عبد الواحد قال: أخبرني شخص من كبار الصالحين يعرف بعمر بن الزغب أنه كان مجاورا بالمدينة المقدسة، و أنه خرج في بعض السنين في يوم عاشوراء الذي تجتمع الإمامية فيه لقراءة المصرع الى قبة العباس، فسأل شيئا في محبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه كما جرت عادة السؤال، فقال له رجل شيخ من الحاضرين: اجلس حتى تفرغ، فلما فرغوا أخذه الى داره و سلط عبدين له عليه، فكتفاه و أوجعاه ضربا، ثم قطع لسانه، و قال: اخرج الى الذي طلبت لأجله ليرد عليك لسانك، فجاء و هو مقطوع اللسان تجاه الحجرة المقدسة يستغيث و يقول:

يا رسول الله تعلم ما قد جرى عليّ في محبة صاحبك، فإن كان صاحبك (244 ظ) على حق أحب أن يرجع الي لساني، فإن لم يرجع الى لساني و إلا شككت في ايماني، قال: فبينما هو في أثناء الليل إذ استيقظ فوجد لسانه في فيه كما كان قبل قطعه، ثم عاد في مثل ذلك اليوم في العام المقبل الى القبة المذكورة، و قام و قال: أريد في محبة أبي بكر الصديق دينارا مصريا، فقال له حدث من الحاضرين اقعد حتى تفرغ، فلما فرغوا أتى به ذلك الحدث الى تلك الدار التي قطع فيها لسانه فأدخله إليها و أجلسه في مكان مفروش و أحضر له طبق طعام و واكله و استزاده في الأكل حتى اكتفى، ثم رفع الطعام و فتح بيتا، و جعل الفتى يبكي، فقام عمر المذكور لينظر سبب بكائه، فرأى قردا مربوطا عنده و هو ينظر إليه و يبكي، فسأله عن ذلك، فازداد بكاؤه و ارتفع نحيبه، ثم سكنه حتى سكن، و سأله عن ذلك القرد ما هو، فقال لي: إن حلفت لي أنك لا تحكي هذه الحكاية في المدينة المقدسة أخبرتك، فحلف له بما استحلفه أنه لا يخبر بها أحد في المدينة النبوية، فقال له: اعلم أنه أتانا شخص في العام الماضي و طلب شيئا في قبة العباس التي أتيت إلينا العام فيها، و سأل شيئا في محبة أبي بكر الصديق و كان والدي من فقهاء الإمامية و علماء الشيعة ممن يرجع الى فتياه و قوله في‏

1022

مذهبه، فسلط عليه عبدين له فكتفاه و أوجعاه ضربا، ثم قطع لسانه و أخرجه و قال:

اذهب الى الذي طلبت لأجله ليرد عليك لسانك، فلما كان في أثناء الليل صرخ أبي صرخة عظيمة فاستيقظنا لها فوجدناه قد مسخ (245 و) قردا، و هو هذا، فجددنا إسلامنا نحن، و تبرأنا من ذلك المذهب، و خطر لنا إظهار موته، فأظهرنا موته، و أخذنا خشبة نخل بالية تشبه الآدمي، و لففنا عليها خرقا و دفناه، و كنت أظهرت أني حلفت أنه لا يتولى غسله إلا أنا و والدتي لئلا يطلع أحد على شي‏ء من ذلك.

قال: فقال له الشيخ عمر فأنا أزيدك في الحكاية زيادة، و هو أني أنا الشخص الذي قطع لساني، و قد عاد كما كان، فأكب عليه يقبل رأسه و يديه و يتبرك به، و أعطاه دينارا و كساه ثوبا، و كان يتفقده مدة مقامه في المدينة النبوية على ساكنها السلام.

قال: و حكى لي هذه الحكاية بمنى أيام الموسم، و ذكر ان اسم الممسوخ كان أحمد.

أنشدنا محمد بن أبي محمد بن الصفار السنجاري بها قال: أنشدني تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الواحد الحوراني المدرس الشافعي- ثم اجتمعت بأبي العباس أحمد فأنشدني- قال: أنشدني الشيخ موفق الدين أبو الثناء محمود بن أحمد الخجندي الفقيه الشافعي لنفسه بسنجار

و جالس للدروس يعمه في‏* * * مسلك تيه للأسد فرّاس‏

في جدر ألفت مساكنها* * * من غصب وال و مكس مكاس‏

ينهى عن الظلم في دراسته‏* * * و أكله من مظالم الناس‏

فقف عليه و سل ملاءمة* * * بين نقيضي ذا الذاكر الناسي‏

تقطعه في معرك الجدال و ما* * * في طلل بالوقوف من باسي‏

1023

أنشدني تقي الدين أبو العباس الحوراني بمصر لنفسه و قال لي: هذه الأبيات أنشدتها (245 ظ) ببغداد حين استذللت في المسأله و مدحت بها المستنصر:

له شرف الخلافة من قريش‏* * * و مجد من مساعيها العظام‏

له سرّ النبوة من معد* * * فهذا السر في هذا الإمام‏

فرأي بين من و اقتداء* * * و عزم بين سر و انتقام‏

أنشدنا أبو العباس أحمد بن عبد الواحد بن مراء لنفسه قراءة عليه و أنا أسمع:

دعها تسير من العراق سريعا* * * فلعلها ترد الحجاز ربيعا

أضحت تحنّ الى العقيق صبابة* * * و تمد أعناقا لهن خضوعا

وردت على ماء العذيب فسرّها* * * ذاك الورود فنقطته دموعا

و الله لو لا حبّ من سكن الحمى‏* * * ما كان قلبي للغرام مطيعا

أحمد بن عبد الوارث بن خليفة القلعي:

سمع بحلب الفقيه أبا علي عالي بن إبراهيم بن اسماعيل الغزنوي الحنفي، و حدث عنه بدمشق في شهر ربيع الآخر سنة ست و ستين و خمسمائة فقد توفي بعد ذلك.