تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام ومكة والحرم وولاتها الفخام‏ - ج1

- محمد بن أحمد المالكي المكي المزيد...
557 /
453

و تسعمائة ذراع و إحدى و ستون ذراعا و سبع ذراع بذراع اليد، يكون ذلك [أحد] (1) عشر ميلا و ثلاثة أخماس ميل و خمس سبع عشر ميل، يزيد [ذراعا] (2) و سبع ذراع. و جبل الرحمة كان صعب المرقى فسهّله الوزير الجواد الأصفهاني‏ (3).

قال أبو الفداء في تاريخه‏ (4): توفي سنة خمسمائة [و تسع‏] (5) و خمسين، و اسمه جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني، وزير قطب الدين صاحب الموصل، و أوصى أن يدفن بالمدينة المنورة فحمل إلى مكة و طيف به حول الكعبة، ثم حمل إلى المدينة المنورة و دفن في رباطه الذي بالمدينة الذي بناه لنفسه، و بينه و بين قبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) نحو خمسة عشر ذراعا، و هو بجانب باب البقيع.

و جمال الدين هذا هو الذي جدّد مسجد الخيف بمنى، و بنى الحجر- بكسر الحاء- و زخرف الكعبة، و بنى المسجد الذي على جبل عرفات و عمل الدرج إليه، و عمل بعرفات مصانع.

قال الفاسي‏ (6): و كانت فيه قبة جدّدت في سنة [تسع‏] (7) و سبعين و سبعمائة بعد سقوطها (8)، و ما عرفت من أيّ وقت [عمّرت‏] (9) هذه‏

____________

(1) في الأصل: إحدى.

(2) في الأصل: ذراع.

(3) شفاء الغرام (1/ 565).

(4) البداية و النهاية (12/ 248- 249)، و المختصر في أخبار البشر (3/ 41- 42).

(5) في الأصل: تسعة.

(6) شفاء الغرام (1/ 565).

(7) في الأصل: تسعة، و كذا وردت في الموضع التالي.

(8) إتحاف الورى (3/ 406)، و درر الفرائد (ص: 316).

(9) قوله: عمّرت، زيادة من شفاء الغرام (1/ 565).

454

القبة، و كانت موجودة في سنة تسع و سبعين و خمسمائة، و يذكر أنها تنسب لأم سلمة رضي اللّه عنها. كذا في شفاء الغرام. اه.

ذكر ابن بطوطة في رحلته‏ (1): أن بأعلا جبل الرحمة قبة تنسب لأم سلمة، و في وسطها مسجد يتزاحم الناس فيه للصلاة. اه.

و استحب العلماء الوقوف بموقف النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و إلا فعرفات كلها موقف؛ لقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «الحج عرفة» (2). فمن وقف بعرفة فقد تم حجّه مطلقا من غير تعيين موضع دون موضع.

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «عرفة كلها موقف، و ارتفعوا عن بطن عرنة». و هذا الحديث رواه ابن ماجه‏ (3)، و فيه القاسم بن [عبد اللّه‏] (4) و هو متروك، و رواه البيهقي‏ (5) مرسلا مرفوعا و موقوفا على ابن عباس.

و رواه الحاكم‏ (6) من حديث ابن عباس مرفوعا: «ارفعوا عن بطن عرنة و ارفعوا عن بطن محسر» و قال: إنه صحيح على شرط مسلم.

و عن جبير بن مطعم عنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «كل عرفات موقف و ارتفعوا عن عرنات، و كل مزدلفة موقف، و ارتفعوا عن محسر، و كل فجاج مكة منحر، و كل أيام التشريق ذبح‏ (7)» (8). رواه أحمد.

____________

(1) رحلة ابن بطوطة (1/ 187).

(2) أخرجه الترمذي (3/ 237 ح 889)، و الدارقطني (2/ 240 ح 19) كلاهما من حديث عبد الرحمن بن يعمر.

(3) أخرجه ابن ماجه (2/ 1002).

(4) في الأصل: محمد. و هو خطأ. و التصويب من السنن. و انظر: تقريب التهذيب (ص: 450).

(5) سنن البيهقي (5/ 115).

(6) أخرجه الحاكم (1/ 647).

(7) في الأصل: مذبح. و التصويب من المسند. و انظر: البحر العميق (2/ 47).

(8) أخرجه أحمد (4/ 82). و في الأصل زيادة: عن جابر.

455

و عن جابر رضي اللّه عنه أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «وقفت هاهنا، و عرفة كلها موقف». أخرجه مسلم و مالك‏ (1)، و زاد: «و ارتفعوا عن بطن عرنة، و المزدلفة كلها موقف، و ارتفعوا عن بطن محسر». زاد الطحاوي عن ابن عباس: «و شعاب مكة كلها منحر». انتهى من البحر العميق‏ (2).

[قال‏] (3): شيخنا في توضيح المناسك: و يكره الوقوف على جبالها التي ليست في وسطها، و أما التي في وسطها كجبل الرحمة و غيرها فلا يكره، و يكره الوقوف بمسجد عرفة و يقال له: مسجد إبراهيم للخلاف هل هو من عرفة أم لا؟

و أما فضل يوم عرفة ... (4).

و عرفة قيل: اسم للمكان، و قيل: لليوم. حكاه القرشي‏ (5).

و إنما سميت عرفة؛ لأن آدم عليه الصلاة و السلام اجتمع فيه مع حواء، و قيل: كان جبريل (عليه السلام) لما علّم إبراهيم عليه الصلاة و السلام قال له: عرفت المناسك؟ قال: نعم، و قيل غير ذلك. ذكره الحلبي‏ (6).

تنبيه: في حاشية الصفطي على ابن تركي: و أما ما اشتهر على ألسنة العوام من أنه إن كان الوقوف بعرفة يوم الجمعة فهو أفضل من سبعين حجة، أو من اثنتين‏ (7) و سبعين حجة في غير الجمعة، أو غير ذلك من‏

____________

(1) أخرجه مسلم (2/ 893)، و مالك (1/ 388).

(2) البحر العميق (2/ 47).

(3) قوله: قال، زيادة على الأصل.

(4) كذا في الأصل.

(5) البحر العميق (2/ 48).

(6) السيرة الحلبية (1/ 249).

(7) في الأصل: اثنين.

456

الأعداد المعينة، فهو باطل لا أصل له عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لا عن الصحابة و لا عن التابعين، كما ذكره سيدي محمد الزرقاني‏ (1) و غيره. انتهى.

لكن ذكر شيخنا العلامة حسين في حاشيته على مناسك الحطاب و لفظه: ذكر الحطاب على منسك سيدي خليل القرافي هل لمصادفة الحج و الوقوف يوم الجمعة زيادة فضيلة على وقوف ذلك في غير يوم الجمعة أو هما سواء؟

الذي نراه زيادة ذلك، و نرى أنه يقتضي مذهب مالك. قلت: حقيق أنه المذهب و أنه يقتضيه مذهب مالك، و أنه روي أنه أفضل من سبعين حجة في غير يوم الجمعة. انتهى ما ذكره شيخنا.

قال ابن جماعة: و من حيث سقوط الفرض فلا مزية. انتهى شيخنا في حاشيته على مناسك الحطاب.

ورد أيضا عنه عليه الصلاة و السلام: «إذا كان عرفة يوم الجمعة غفر اللّه لجميع أهل الموقف»، و كذا ذكر هذا أبو طالب المكي في قوت القلوب، ثم ذكر شيخنا أن بعض الطلبة سأل والد ابن جماعة فقال: قد جاء: أن اللّه يغفر لأهل الموقف، فما وجه تخصيص ذلك بيوم الجمعة؟

فأجاب ب: يحتمل أن اللّه يغفر لجميع أهل الموقف في يوم الجمعة بغير واسطة، و في غير يوم الجمعة يهب قوما لقوم. انتهى.

ثم قال شيخنا: و الحاصل أن لوقفة الجمعة مزية على غيرها بخمسة أوجه:

الأول: أنها أفضل من غيرها بسبعين حجة؛ للخبر المتقدم.

____________

(1) شرح الزرقاني (2/ 53).

457

الثاني: كون اللّه يغفر لجميع أهل الموقف بغير واسطة.

[الثالث‏] (1): أنه أفضل أيام الأسبوع.

[الرابع‏] (2): الساعة التي في يوم الجمعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل اللّه شيئا إلا أعطاه.

[الخامس‏] (3): أنها صادفت حجة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم). انتهى.

و في الشبرخيتي على خليل قال حجّة الإسلام الغزالي‏ (4): إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إن اللّه وعد هذا البيت أن يحجّه كل سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا كملتهم الملائكة، و إن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة، و كل من حجّها يتعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة فيدخلون معها» (5).

قال الحافظ العراقي: و لم أجد لذلك أصلا. انتهى.

قال حجّة الإسلام: يقال: إن اللّه تعالى إذا غفر ذنبا لعبد في الموقف غفر ذلك الذنب لمن أصابه في ذلك الموقف. انتهى‏ (6).

و في الحديث: «أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة و ظنّ أن اللّه لا يغفر له» (7). رواه الحافظ في تفسيره.

و يروى: أن الشيطان- لعنه اللّه- ما رؤي في يوم هو أصغر و أحقر

____________

(1) في الأصل: الثالثة.

(2) في الأصل: الرابعة.

(3) في الأصل: الخامسة.

(4) إحياء علوم الدين (1/ 241).

(5) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (1/ 278)، و الهروي في المصنوع (ص: 63).

(6) المرجع السابق (1/ 240).

(7) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (1/ 164).

458

و أذلّ من يوم عرفة، و ما ذلك إلا لما يرى من تنزل الرحمات، و تجاوز اللّه عن الذنوب العظام‏ (1)، إذ يقال: إن من الذنوب ذنوبا لا يكفّرها إلا الوقوف بعرفة. انتهى.

و عن العباس بن مرداس السلمي أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) دعا لأمته عشية عرفة، فأجيب له أني قد غفرت لهم ما خلا ظلم بعضهم بعضا، فإني آخذ من المظلوم للظالم فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «إنك لقادر أن تغفر للظالم و تعوض المظلوم‏ (2) من عندك خيرا من مظلمته» فلم يجب له (صلى اللّه عليه و سلم) في ذلك العشية. فلما كان عند المشعر الحرام و وقف به و دعا و أعاد الدعاء لهم، و تضرع للّه في أن يتحمل عنهم المظالم و التبعيات، فلم يلبث (صلى اللّه عليه و سلم) أن تبسم فقال له أصحابه: أضحك اللّه سنك، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «إن إبليس عدو اللّه لما علم أن اللّه قد استجاب دعائي لأمتي و غفر لهم المظالم ذهب يدعو بالويل و الثبور و يحثو على رأسه التراب فأضحكني ما رأيته من جزعه» (3). أخرجه ابن ماجه.

و ذكر ابن المبارك من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: قال (صلى اللّه عليه و سلم) بعرفات و قد كادت الشمس أن تغرب فقال: «يا بلال، أنصت الناس». فقام بلال فقال: أيها الناس، أنصتوا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأنصت الناس فقال: «معاشر الناس إن جبريل أقرأني من ربي السلام و قال: إن اللّه عز و جل غفر لأهل عرفة و أهل المشعر و ضمنت عنهم التبعات».

فقام عمر رضي اللّه عنه فقال: يا رسول اللّه، لنا خاصة هذا؟ قال: «هذا

____________

(1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3/ 461)، و الفاكهي في أخبار مكة (5/ 26 ح 2762)، و مالك في الموطأ (1/ 336 ح 245)، و عبد الرزاق في مصنفه (4/ 378) كلهم من حديث طلحة بن عبيد اللّه بن كريز.

(2) هنا يوجد سقط في الأصل قدر عدة لوحات، و قد استدرك من نسخة ب.

(3) أخرجه ابن ماجه (2/ 1002 ح 3013).

459

لكم و لمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة». فقال عمر رضي اللّه عنه: كثير خير اللّه و طاب‏ (1). اه من مناسك ابن فرحون‏ (2).

و عن عمرو بن العاص قال: لما جعل اللّه الإسلام في قلبي أتيت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقلت: ابسط يدك لأبايعك فبسط يده فقبضت يدي فقال: «ما لك يا عمرو؟» قال: قلت: أشترط؟ قال: «تشترط ماذا؟». قلت: أن يغفر لي.

قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، و أن الهجرة تهدم ما قبلها، و أن الحج يهدم ما قبله» (3). رواه مسلم.

و عن عمر رضي اللّه عنه عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «تابعوا بين الحج و العمرة، فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر و الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد». رواه ابن ماجه‏ (4).

و روى الترمذي و النسائي و ابن حبان عن ابن عباس مرفوعا و لفظه‏ (5) ... (6).

ذكر المزدلفة و حدودها

[المزدلفة: الموضع الذي يؤمر الحاج بنزوله و المبيت فيه بعد دفعه من عرفة ليلا، هو ما بين مأزمي عرفة و محسر، و مأزمي عرفة هو الذي يقال له:

____________

(1) ذكره المنذري في الترغيب و الترهيب (2/ 130)، و ابن عبد البر في التمهيد (1/ 128).

(2) البحر العميق (1/ 30- 31).

(3) أخرجه مسلم (1/ 112).

(4) أخرجه ابن ماجه (2/ 694).

(5) لفظ الحديث: «تابعوا بين الحج و العمرة، فإنهما ينفيان الفقر و الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد و الذهب و الفضة، و ليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة». أخرجه الترمذي (3/ 175)، و النسائي (2/ 322)، و ابن حبان (9/ 6).

(6) يوجد هنا أيضا سقط في نسخة ب قدر لوحة. و قد استدركت بداية الفقرة التالية من شفاء الغرام (1/ 584- 585) إلى قوله: «و هو صغير».

460

المضيق، و قد ذكر حدّ المزدلفة بما ذكرناه جماعة من العلماء منهم: عطاء، كما في تاريخ الأزرقي عنه‏ (1)، و الإمام الشافعي في كتابه «الأم» (2)، لأنه قال:

المزدلفة حدّها من حيث يفيض من مأزمي عرفات إلى أن يأتي قرن محسر، هكذا على يمينك و شمالك من تلك المواطن القوابل، و الظواهر، و النجاد، و الوادي، كل ذلك من المزدلفة. انتهى.

و سميت مزدلفة؛ لازدلاف الناس إليها- أي: اقترابهم- و قيل: لمجي‏ء الناس إليها في زلف من الليل- أي ساعات- و قيل: غير ذلك، و يقال للمزدلفة: جمع، سميت بذلك لاجتماع الناس بها، و قيل: لاجتماع آدم و حواء فيها، و قيل: لجمع الصلاتين فيها. و بها مسجد حول قزح‏ (3)، و هو صغير] (4)، مربع ليس بالطويل [الحيطان‏] (5)، طوله إلى جهة القبلة ستة و عشرون [ذراعا] (6) إلا ثلث ذراع غير أن الجهة التي على يسار المصلي تنقص في الطول عن الجهة اليمنى خمسة أذرع إلا [ثلثا] (7)، و عرضه اثنان و عشرون ذراعا، و في قبلته محراب فيه حجر مكتوب: أن الأمير يلبغا [الخاصكي‏] (8) جدّد هذا المكان بتاريخ القعدة سنة ستين و سبعمائة. و ذرع‏

____________

(1) الأزرقي (2/ 190- 193).

(2) الأم (2/ 212).

(3) قزح: جبيل صغير يقع في الطرف الجنوبي الشرقي من مزدلفة، أقيم عليه اليوم قصر ملكي، و هو يشرف على مسجد المشعر الحرام من الجنوب، و بينه و بين ذات السليم (مكسر) الطريقان (3 و 4) المؤديان إلى طريق ضب. و الجبل الذي كان يعرف (بالمقيدة) لأنهم كانوا يوقدون عليه النار، و لا زال قزح على حاله لم يؤخذ منه إلا اليسير.

(4) إلى هنا ينتهي المستدرك من شفاء الغرام.

(5) قوله: الحيطان، زيادة من شفاء الغرام (1/ 585).

(6) في ب: ذرعا، و كذا وردت في الموضع التالي.

(7) في ب: ثلث.

(8) في ب: الخصفكي. و المثبت من شفاء الغرام، الموضع السابق.-

461

هذا المسجد بالذراع الحديد. اه شفاء الغرام‏ (1).

ذكر المشعر الحرام‏

قيل: المشعر الحرام قزح و عليه الميقدة. كذا ذكر صاحب الهداية و حافظ الدين و صاحب المجمع.

و في البدائع: الأفضل الوقوف على الجبل الذي يقال له قزح، و هو تأويل ابن عباس للمشعر الحرام أنه الجبل و ما حواليه.

و قال صاحب الغاية: قزح آخر المزدلفة، و هو المشعر الحرام. و صحح في مناسكه: أن المشعر الحرام في المزدلفة لا يمين المزدلفة، و تبعه [الكرماني‏] (2) أن قزح هو المشعر الحرام. انتهى من البحر العميق‏ (3).

و قال قاضي خان: المزدلفة يقال لها: المشعر الحرام، و المستحب الوقوف عند جبل قزح.

و قال الطحاوي: إن للمزدلفة ثلاثة أسماء؛ أحدها: المشعر الحرام.

و قال أبو الليث في تفسيره: إن المزدلفة هي المشعر الحرام، و عند عامة أهل العلم: المشعر الحرام: مزدلفة.

و صحح صاحب الكشاف‏ (4): أن المشعر الحرام هو قزح لا المزدلفة.

و لفظه: المشعر الحرام: قزح و هو الجبل الذي يقف عليه الإمام و عليه‏

____________

- و الخاصكي، و الخاصكية (خاسكية): خاص بالسلطان، أي: (الخاصة الملكية). (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 42).

(1) شفاء الغرام (1/ 585).

(2) في ب: الكراماتي. و التصويب من البحر العميق (2/ 73).

(3) البحر العميق (2/ 73).

(4) الكشاف (1/ 124).

462

الميقدة. و قيل: المشعر الحرام ما بين جبل المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، و ليس المأزمين و لا وادي محسر من المشعر الحرام. و الصحيح أنه الجبل؛ لما روى‏ (1) جابر رضي اللّه عنه أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لما صلى الفجر- يعني بالمزدلفة- ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام [فدعا و كبّر و هلّل، و لم يزل واقفا حتى أسفر.

و قوله تعالى: عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ‏ [البقرة: 198]] (2) معناه: مما يلي المشعر الحرام قريبا منه، و ذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة [و إلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر] (3)، أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر و متصلة به عند المشعر. اه كلامه.

و جزم حافظ الدين النسفي في [المدارك‏] (4): أن المشعر الحرام هو جبل قزح، و لم يذكر قولا آخر (5).

و قال في [المنافع شرح النافع‏] (6): أنه المزدلفة.

و قال النووي في شرح مسلم‏ (7): المشعر الحرام هو جبل في المزدلفة يقال له: قزح، و قيل: المشعر الحرام: المزدلفة كلها.

و قال أيضا في شرح حديث جابر الطويل‏ (8): ثم ركب القصوى حتى‏

____________

(1) في ب زيادة: أن.

(2) ما بين المعكوفين زيادة من الكشاف (1/ 124).

(3) ما بين المعكوفين زيادة من الكشاف، الموضع السابق.

(4) في ب: المدراك. و هو تحريف.

(5) تفسير النسفي (1/ 171).

قلت: بل ذكر قولا آخر، و هو: أن المشعر الحرام، مزدلفة.

(6) في ب: النافع شرح اليافع. و انظر: كشف الظنون (4/ 616).

(7) شرح النووي على صحيح مسلم (8/ 181).

(8) أخرجه مسلم (2/ 891). و انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (8/ 189).

463

أتى المشعر الحرام، المراد به هاهنا قزح- بضم القاف و فتح الزاي- و هو جبل معروف بالمزدلفة، ثم قال: و هذا الحديث حجّة للفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح.

و قال جماهير المفسرين و أهل الحديث: المشعر الحرام: جميع المزدلفة.

ثم قال: و قد جاء في الأحاديث ما يدل على كلا المذهبين. انتهى‏ (1).

و في نهاية ابن الأثير و مشارق الأنوار للقاضي عياض‏ (2): أن المشعر الحرام هو المزدلفة.

و في تفسير البغوي‏ (3) و لفظه: المشعر الحرام و هو ما بين جبل المزدلفة من مأزمي عرفة إلى محسر، و ليس المأزمان‏ (4) و لا المحسر من المشعر الحرام.

انتهى.

و في المغرب‏ (5): المشعر الحرام جبل بالمزدلفة و اسمه قزح.

و قال القاضي عياض‏ (6): قزح موضع بالمزدلفة، و هو موقف قريش بالجاهلية إذ كانت لا تقف بعرفة. انتهى من البحر العميق‏ (7).

و في القاموس‏ (8): قزح بالمزدلفة.

و عن علي كرم اللّه وجهه: أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لما أصبح بجمع- أي قزح-

____________

(1) شرح النووي على صحيح مسلم (9/ 41).

(2) مشارق الأنوار (1/ 393- 394).

(3) معالم التنزيل (1/ 174).

(4) في ب: المأزمين.

(5) المغرب (1/ 445).

(6) مشارق الأنوار (2/ 199).

(7) البحر العميق (2/ 73- 74).

(8) القاموس المحيط (ص: 302).

464

فوقف عليه و قال: «هذا قزح و هو الموقف، و جمع كلها موقف» (1).

أخرجه أبو [داود] (2) و الترمذي و قال: حسن صحيح.

و عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه رأى ناسا يزدحمون على الجبل الذي يقف عليه الإمام فقال: يا أيها الناس، لا تشقوا على أنفسكم، ألا إن ما هاهنا مشعر كله. أخرجه سعيد بن منصور.

و عنه قال: المشعر الحرام المزدلفة كلها. أخرجه أبو ذر. كذا ذكره القرشي‏ (3).

قال المحب الطبري‏ (4): و هذا الحديث مصرّح بأن المشعر الحرام هو المزدلفة، و هو الذي تضمنه كثير من كتب التفسير.

و حديث جابر الطويل و حديث عليّ يدلان على أن قزح هو المشعر الحرام، و هو المعروف في كتب الفقه، فتعين أن يكون في أحدهما [حقيقة، و في الآخر مجازا؛ دفعا] (5) للاشتراك، إذ المجاز [خير منه، فترجح احتماله‏] (6) عند التعارض، فيجوز أن يكون حقيقة في قزح، فيجوز إطلاقه على الكل لتضمنه إياه، و هو أظهر الاحتمالين في الآية، فإن قوله: عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ‏ [البقرة: 198] يقتضي أن يكون الوقوف في غيره،

____________

(1) أخرجه أبو داود (2/ 193)، و الترمذي (3/ 232).

(2) في ب: ذر. و التصويب من البحر العميق (2/ 74).

(3) البحر العميق (2/ 74).

(4) القرى (ص: 419- 420).

(5) زيادة من القرى (ص: 419)، و البحر العميق (2/ 74). و في ب: أحدهما مجاز للاشتراك.

(6) في الأصل: خير من ترجيح احتماله، و التصويب من القرى و البحر العميق، الموضعين السابقين.

465

[و تكون‏] (1) المزدلفة كلها عنده؛ لمّا كانت كالحريم [له‏] (2). و لو أراد [بالمشعر] (3) الحرام: المزدلفة لقال: في المشعر الحرام. و يجوز أن يكون حقيقة في المزدلفة كلها، و أطلق على قزح وحده [تجوّزا] (4)؛ لاشتمالها عليه، و كلاهما وجهان من وجوه‏ (5) المجاز- أعني: إطلاق اسم الكل على البعض، و بالعكس- و هذا القائل يقول: حروف [المعاني‏] (6) يقوم بعضها مقام بعض، فقامت «عند» مقام «في». انتهى. ذكره القرشي‏ (7).

ثم قال: فالأولى أن يجمع الإنسان بينهما.

و قال ابن الصلاح: إن قزح جبل صغير في آخر المزدلفة، و قد استبدل الناس الوقوف على الموضع الذي ذكرنا فيقفون على بناء استحدث في وسط المزدلفة و لا تتأدّى‏ (8) به هذه السّنّة. انتهى.

و في القاموس‏ (9): المشعر الحرام بالمزدلفة، و عليه بناء اليوم، و وهم من ظنه جبيلا بقرب ذلك البناء.

و قال المحب الطبري‏ (10): و الظاهر أن البناء إنما هو على الجبل المسمى بقزح، و لم أر من ذكر هذا غير ابن الصلاح.

____________

(1) في ب: و يكون. و المثبت من القرى و البحر العميق، الموضعين السابقين.

(2) زيادة من القرى (ص: 419)، و البحر العميق (2/ 74).

(3) في ب: المشعر. و التصويب من القرى و البحر العميق، الموضعين السابقين.

(4) في ب: تجوّز. و التصويب من القرى و البحر العميق، الموضعين السابقين.

(5) في ب زيادة: التجوّز.

(6) في ب: المباني. و التصويب من القرى (ص: 419)، و البحر العميق (2/ 74).

(7) البحر العميق (2/ 74).

(8) في الأصل: تباري. و التصويب من القرى (ص: 420)، و البحر العميق (2/ 74)، الموضعين السابقين.

(9) القاموس المحيط (ص: 534).

(10) القرى (ص: 420).

466

و قال الشيخ عز الدين ابن جماعة: و ما ذكره المحب الطبري هو الظاهر الذي يقتضيه نقل الخلف عن السلف. انتهى‏ (1).

و قال صاحب المغرب‏ (2): الميقدة بالمشعر الحرام على قزح، كان أهل الجاهلية يوقدون عليها النار.

و قال قوام الدين في شرح الهداية: و قيل: إنه كان كانون‏ (3) آدم عليه الصلاة و السلام.

قال ابن اللخمي: و الميقدة بناها قصي جدّ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ليشهدوا بها الحجاج المقربون من عرفات. انتهى.

قال الأزرقي: و على جبل قزح أسطوانة- أي: مأذنة- من حجارة تدويرها أربعة و عشرون ذراعا، و طولها في السماء اثنا عشر ذراعا، و فيها خمس و عشرون درجة، و هي على أكمة مرتفعة، كانوا يوقدون عليها في خلافة الرشيد [شمعا] (4) ليلة مزدلفة، و كانوا قبل ذلك يوقدون بالحطب، و بعد هارون يوقدون بالمصابيح الكبار فيصل نورها إلى مكان بعيد، ثم مصابيح صغار. انتهى‏ (5).

ذكر منى‏

اعلم أن منى من حرم مكة المشرفة بلا خلاف، و الجبال المحيطة بها ما أقبل منها عليها فهو منها، و ما أدبر فليس منها.

____________

(1) البحر العميق (2/ 74).

(2) المغرب (2/ 364).

(3) الكانون و الكانونة: الموقد (اللسان، مادة: كنن).

(4) في ب: أشمع.

(5) الأزرقي (2/ 187)، و انظر: الفاكهي (4/ 324).

467

قال النووي في تهذيب الأسماء (1): و هو شعب ممدود بين جبلين أحدهما: ثبير، و الآخر: الضائع. قال: و حدّها من جهة شماله جمرة العقبة، و من المشرق وجه المزدلفة و عرفات بطن المسيل [إذا هبطت‏] (2) من وادي المحسر، و تقدم تعريفه وحده.

و من جمرة العقبة إلى وادي محسر سبعة آلاف [و مائتا] (3) ذراع، و عرض منى من مؤخر المسجد الذي‏ (4) يلي الجبل [إلى الجبل الذي‏] (5) بحذائه ألف ذراع و ثلاثمائة ذراع، و عرض شعب علي و هو حيال جمرة العقبة ستة و عشرون ذراعا، و عرض الطريق الأعظم- أي: عقبة المدرج- ستة و ثلاثون ذراعا.

و ذكر الأزرقي‏ (6): أن الطريق الوسطى طريق النبي (صلى اللّه عليه و سلم) التي سلكها يوم النفر من قزح إلى الجمرة، و لم تزل أئمة الحجّ تسلكها حتى تركت من سنة مائتين من الهجرة. اه شفاء الغرام‏ (7).

و من جمرة العقبة إلى الجمرة الوسطى: أربعمائة ذراع و سبعة و ثمانون ذراعا و اثنا عشر أصبعا، و من جمرة الوسطى إلى الجمرة التي تلي مسجد الخيف: ثلاثمائة ذراع و خمسة أذرع، و من الجمرة التي تلي مسجد الخيف إلى وسط أبواب المسجد: ألف ذراع و ثلاثمائة ذراع و إحدى و عشرون‏

____________

(1) تهذيب الأسماء (3/ 333)، و انظر الأزرقي (2/ 186).

(2) في ب: إذ هبط. و التصويب من تهذيب الأسماء، الموضع السابق.

(3) قوله: و مائتا، زيادة من تهذيب الأسماء، الموضع السابق، و انظر الأزرقي (2/ 186).

(4) إلى هنا انتهى النقل من ب.

(5) قوله: إلى الجبل الذي، زيادة من تهذيب الأسماء (3/ 333)، و انظر الأزرقي (2/ 186).

(6) الأزرقي (2/ 186).

(7) شفاء الغرام (1/ 591).

468

ذارعا (1).

ثم قال الأزرقي‏ (2): و قد كانت الجمرة زائلة عن محلّها شيئا يسيرا منها و من فوقها، فردّها إلى موضعها الذي لم تزل عليه، و بنى من ورائها جدارا و مسجدا متصلا بذلك الجدار؛ لئلا يصل [إليها] (3) من يريد الرمي من أعلاها، و الرمي: أن يرمي من أسفل الوادي يجعل مكة عن يساره و منى عن يمينه، و يرمي كما فعل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه.

و الذي بنى الجدر و المسجد: إسحاق بن [سلمة الصائغ‏] (4) الذي أنفذه المتوكل العباسي. اه فاسي‏ (5).

و منى- بكسر الميم و التخفيف- سميت بذلك؛ لما يمنى فيها من الدماء- أي: يراق و يصبّ- من أمنى [النطفة] (6). هذا هو المشهور الذي قاله جماهير أهل اللغة.

و نقل الأزرقي‏ (7) و غيره: أن جبريل قال لآدم (عليه السلام): تمنّ في ذلك المحل، فسميت منى، و قيل: غير ذلك. انظر البحر العميق‏ (8).

و في شفاء الغرام‏ (9): أن من باب بني شيبة إلى أعلا العقبة التي هي حد منى ثلاثة عشر ألف ذراع و ثلاثمائة ذراع و ستون ذراعا، يكون ذلك ثلاثة

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 549).

(2) الأزرقي (1/ 303).

(3) في الأصل: إليه. و انظر شفاء الغرام، و الأزرقي، الموضع السابق.

(4) في الأصل: مسلم الصانع. و التصويب من شفاء الغرام (1/ 550)، و انظر: الأزرقي (1/ 301).

(5) شفاء الغرام (1/ 549- 550).

(6) في الأصل: الطفت. و التصويب من البحر العميق (2/ 33).

(7) الأزرقي (2/ 180).

(8) البحر العميق (2/ 33).

(9) شفاء الغرام (1/ 598).

469

أميال و أربعة أخماس ميل و عشر (1) عشر ميل.

و من باب المعلا إلى حد منى من جهة مكة: إحدى عشر ألف ذراع و مائتا (2) ذراع و إحدى و أربعون ذراعا و سبع ذراع، يكون ثلاثة أميال و خمس‏ (3) خمس عشر ميل يزيد ذراعا و سبع ذراع انتهى. شفاء الغرام.

تنبيهان:

الأول: [قال‏] (4) شيخنا في توضيح المناسك: يشترط المبيت بمنى: أن يكون فوق جمرة العقبة، فمن بات دونها جهة مكة لم يبت بمنى.

الثاني: في حاشية شيخنا على مناسك الحطاب: قال مالك في المدونة (5): يكره البناء الذي أحدثته الناس بمنى. قال سند: و حمله على ذلك أن منى لا ملك لأحد فيها، و ليس لأحد أن يحجر فيها موضعا إلا أن ينزل منزلا فيختص به حتى يفرغ من مناسكه و يخرج منها. و الأصل ما روي عن عائشة قالت: قلنا: يا رسول اللّه، ألا نبني لك بيتا يظلك بمنى؟ قال:

«لا، منى مناخ من سبق» (6). أخرجه الترمذي و النسائي.

و هذا يمنع أن يحدث أحد فيها بنيانا إلا أن يكون نازلا بها، و إن كان نازلا بها كره له أيضا.

قال مالك: لأنه يضيق على الناس، و كره إجارة البنيان الكائن بها.

و قوله في الحديث: «مناخ» بضم الميم. انتهى.

____________

(1) في شفاء الغرام: و خمس.

(2) في شفاء الغرام: و مائة.

(3) في شفاء الغرام زيادة: ميل و خمسي.

(4) قوله: قال، زيادة على الأصل.

(5) المدونة الكبرى (2/ 399).

(6) أخرجه الترمذي (3/ 228). و لم أقف عليه في سنن النسائي.

470

و عند غيره: أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من [الصلاة] (1) في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، كما تقدم من حديث ابن الزبير رضي اللّه عنه.

و ذكر الطحاوي في شرح الآثار (2): أن الرجل يوجب على نفسه أن يصلي في مكان فيصلي في غيره.

و اعلم أن التفضيل هذا مختص بالفرائض، و صلاة النوافل في البيوت أفضل من المسجد، لحديث عبد اللّه بن سعد: لأن أصلي في بيتي أحب إليّ من أن أصلي في المسجد (3). و حديث ابن ثابت: خير الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (4).

فإن قيل: قد جاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أن حسنات الحرم كل حسنة بمائة ألف حسنة، و هذا يدل على أن المراد بالمسجد الحرام في فضل تضعيف الصلاة في الحرم جميعه؛ لأنه عمم التضعيف في جميع الحرم.

أجاب عنه الشيخ محب الدين الطبري‏ (5) بأنا نقول: بموجب حديث ابن عباس: أن حسنة الحرم مطلقا بمائة ألف، لكن المسجد مخصوص بتضعيف ذلك على ذلك، و الصلاة في مسجد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بألف صلاة، كل صلاة بعشر حسنات، كما جاء عن اللّه عز و جل، فتكون بعشرة آلاف حسنة، و الصلاة في المسجد الحرام بمائة [صلاة في مسجد النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و قد بيّنا أنها في مسجده بعشرة آلاف، فتكون الصلاة في المسجد الحرام بألف ألف‏

____________

(1) في الأصل: الصلوات. و التصويب من البحر العميق (1/ 19).

(2) شرح معاني الآثار (3/ 125).

(3) أخرجه ابن ماجه (1/ 439 ح 1378)، و البيهقي (2/ 411)، و ابن خزيمة (2/ 210)، و المقدسي في الأحاديث المختارة (9/ 409).

(4) أخرجه البخاري (1/ 256 ح 698)، و مسلم (1/ 539 ح 781).

(5) القرى (ص: 658- 659).

471

الشافعي: التشديد خطأ، و هي على ثمانية عشر ميلا. قاله الباجي. و قيل:

على بريد. ذكره الفاكهي‏ (1). كذا في الخميس.

و سمي هذا الموضع بامرأة كانت تلقب بالجعرانة، و هي [ريطة] (2) بنت سعد و هي المراد بقوله تعالى: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها [النحل: 92].

و في شفاء الغرام‏ (3): [أخبرني زياد أن محمد بن طارق‏] (4) اعتمر مع مجاهد من الجعرانة فأحرم من وراء الوادي حيث الحجارة المنصوبة. قال:

و من هاهنا أحرم النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و إني [لأعرف‏] (5) أول من اتخذ المساجد على الأكمة، بناه رجل من قريش سماه، و اشترى مالا عنده نخلا فبنى هذا المسجد.

قال ابن جريج: فلقيت أنا محمد بن طارق فسألته فقال: التقيت أنا و مجاهد بالجعرانة، فأخبرني أن المسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى مصلّى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالجعرانة. و أما هذا المسجد فبناه رجل من قريش، و اتخذ ذلك الحائط.

و ذكر ابن خليل عن ابن جريج أن الذي بنى المسجد الأدنى هو عبد اللّه بن خالد الخزاعي.

و ذكر الواقدي أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أحرم من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى من الجعرانة، و كان مصلاه (صلى اللّه عليه و سلم) إذا كان بالجعرانة به، و أما الأدنى فبناه رجل من قريش، و اتخذ ذلك الحائط عنده، و لم يجز

____________

(1) أخبار مكة للفاكهي (5/ 69).

(2) في الأصل: رابطة. و التصويب من نزهة الألباب في الألقاب (1/ 173).

(3) شفاء الغرام (1/ 546)، و أخبار مكة للأزرقي (2/ 207).

(4) في الأصل: أن زياد بن محمد. و التصويب من الأزرقي، الموضع السابق.

(5) في الأصل: لا أعرف. و انظر شفاء الغرام (1/ 546)، و أخبار مكة للأزرقي (2/ 207).

472

(صلى اللّه عليه و سلم) الوادي إلا محرما.

و كان إحرامه (صلى اللّه عليه و سلم) لثنتي عشر خلت من ذي القعدة على أصح الأقوال.

و قسم (صلى اللّه عليه و سلم) غنائم حنين‏ (1) بالجعرانة، و اعتمر من الجعرانة ثلاثمائة نبي، و بها ماء شديد العذوبة يقال: إن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) [فحص موضع الماء بيده المباركة فانبجس‏] (2)، و شرب منه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و الناس‏ (3). و يقال: إنه غرز رمحه فنبع الماء منه‏ (4). انتهى شفاء الغرام‏ (5).

و المسجد الذي بها الآن جدّدته حرمة هندية في نيف و ستين بعد المائتين و الألف، و هو في الوادي بجانب البئر.

ذكر التنعيم‏

هو على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة. كذا في القاموس‏ (6).

و في مناسك ابن جماعة: حدّ الحرم من جهة المدينة دون التنعيم عند بيوت نفار- بكسر النون‏ (7)- على ثلاثة أميال، و هو قول الجمهور.

و عن مالك عن عمر بن الخطاب: حد الحرم بعد الكشف من جهة المدينة نحو أربعة أميال إلى التنعيم. انتهى.

____________

(1) حنين: واد قبل الطائف، و قيل واد بجنب ذي المجاز، بينه و بين مكة ثلاث ليال، و قيل:

بضعة عشر ميلا (معجم البلدان 2/ 313) و من وادي حنين تأتي عين زبيدة إلى مكة؛ لأن المياه تجتمع فيه لانخفاضه و إحاطة الجبال به.

(2) في الأصل و ب: تحمى موضع الماء المبارك فانبجث. و التصويب من شفاء الغرام (1/ 548).

(3) أخرجه الفاكهي (5/ 69 ح 2858) من حديث خالد بن عبد العزى.

(4) أخرجه الفاكهي (5/ 68 ح 2854) من حديث خالد بن عبد العزى.

(5) شفاء الغرام (1/ 548).

(6) القاموس المحيط (ص: 1502).

(7) في الأصل زيادة: و الفاء و الراء.

473

«فالصلاة هاهنا- و أومأ بيده إلى مكة- خير من ألف صلاة هاهنا- و أومأ بيده إلى الشام-». أخرجه أحمد (1).

و عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «الصلاة في المسجد الحرام تفضل على غيره بثلاثة آلاف صلاة، و في مسجدي بألف صلاة، و في مسجد بيت المقدس بخمسمائة صلاة». حديث غريب من حديث [سعيد بن بشير، عن إسماعيل بن عبيد اللّه‏] (2)، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، و الصحيح ما تقدم من حديث ابن الزبير. انتهى. ذكره القرشي‏ (3).

و في الدر المنثور للسيوطي‏ (4): أخرج البزار و ابن خزيمة و الطبراني و البيهقي في الشّعب عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، و في مسجدي ألف صلاة، و في مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة» (5).

و روى ابن عباس رضي اللّه عنه قال: قرأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ‏ [الأنبياء: 106] قال: « [الصلوات‏] (6) الخمس في المسجد الحرام بالجماعة» (7).

____________

(1) أخرجه الحاكم (3/ 576)، و المقدسي (4/ 83)، و الطبراني في الكبير (1/ 306). و لم أجده في مسند أحمد.

(2) في الأصل: سعد بن بشير عن إسماعيل بن عبد اللّه. و التصويب من الشعب (3/ 485)، و انظر: تحفة الأشراف (8/ 239)، و تقريب التهذيب (ص: 234).

(3) البحر العميق (1/ 19).

(4) الدر المنثور (2/ 95).

(5) أخرجه البيهقي في الشعب (3/ 485).

(6) في الأصل: الصلاة. و انظر الدر المنثور (4/ 613).

(7) أخرجه الفاكهي (2/ 96 ح 1198)، و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 81)، و عزاه للمفضّل الجندي. و انظر: الدر المنثور (4/ 613).

474

قال المحب الطبري‏ (1): و المسجد الأقصى بعد الهبوط من الأكمة في بطن الوادي. انتهى.

و ذرع مسجد الهليلجة من وسط المحراب إلى الجدر الذي في آخر درجة خمسة و عشرون ذراعا، و عرضه ثلاثة و عشرون ذراعا، و بين هذا المسجد و بين الأعلام التي في الأرض سبعمائة ذراع و أربعة عشر ذراعا كل ذلك بذراع الحديد.

و طول المسجد الآخر المنسوب لعائشة رضي اللّه عنها الذي يلي مسجد الهليلجة من المحراب إلى جدر الدرجة المقابل له أربعة و عشرون ذراعا و ثلثي ذراع، و عرض المحل المقبب منه من الجدر الذي فيه المحراب إلى طرف العقد ما يلي الدرجة عشرة أذرع و ثلثي ذراع، و طول المقبب منه ثلاثة و عشرون ذراعا و ثلاثة أرباع ذراع بالذراع الحديد.

و ذرع ما بين المسجدين المشار إليهما ثمانمائة ذراع و اثنان و سبعون ذراعا بالذراع المذكور.

و ممن عمّر مسجد الهليلجة: إبراهيم بن محمد بن علي أبو النصر و أنه عمّر مسجد الإهليلجة لشجرة كانت هناك فيه سقطت منه سنين قريبة، و كان بناه في رجب سنة [ست‏] (2) و ستين و أربعمائة، ثم الملك المسعودي صاحب اليمن سنة [تسع عشرة] (3) و ستمائة (4).

و ممن عمّر المسجد الآخر عبد اللّه بن محمد بن داود بن عيسى‏

____________

(1) القرى (ص: 623).

(2) في الأصل: ستة.

(3) في الأصل: تسعة عشر.

(4) غاية المرام (1/ 596- 597).

475

العباسي، ثم العجوز والدة المقتدر، ثم زوج المنصور صاحب اليمن سنة [خمس‏] (1) و أربعين و ستمائة. انتهى شفاء الغرام‏ (2).

و في الإعلام للقطب‏ (3): مسجد عائشة بعيد عن الأميال [التي‏] (4) هي حد الحرم، و كان يسمى مسجد الهليلجة، و قد تهدم هذا المسجد و ما بقي منه إلا أثر جدران قائمة، و كأنه المكان الذي أحرمت منه السيدة عائشة، و لا يصل إليه المعتمرون الآن بل يقتصرون على أميال الحرم و يبرزون عنها قليلا و يحرمون بالعمرة و يعودون.

و مسجد عائشة مما يتعين تجديده و تعميره؛ لأنه من الآثار المباركة القديمة، و قد تركه الناس [لتهدّمه‏] (5)، و اقتصروا على مساجد [مرضومة] (6) بالأحجار الصغار، تهدم و يرضم غيرها، و كلها من وراء الأميال. انتهى.

قلت: و قد بني مسجد محل المساجد التي كانت تهدم، و هو الآن عامر.

و ممن جدّده السلطان عبد المجيد خان، و هو الذي يعتمرون منه الناس و لا يتجاوزونه من أجل أن مسجد السيدة عائشة درس محلّه لخرابه.

قال ابن جماعة: و ليس الإحرام من الموضع المعروف بمسجد عائشة بلازم كما يتوهم، و لكنه حسن كما قاله ابن الصلاح. انتهى.

و في الموطأ عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

____________

(1) في الأصل: خمسة.

(2) شفاء الغرام (1/ 540- 541).

(3) الإعلام (ص: 454).

(4) في الأصل: الذي.

(5) في الأصل: لتهدده. و المثبت من الإعلام.

(6) في الأصل: مرصوصة. و المثبت من الإعلام.

476

«العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما. و الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (1).

و في الموطأ أيضا: جاءت امرأة إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقالت: إني [قد] (2) كنت تجهزت إلى الحج، فقال لها (صلى اللّه عليه و سلم): «اعتمري في رمضان. فإن عمرة فيه كحجّة» (3).

و عن ابن عمر رضي اللّه عنه قال: افصلوا بين حجكم و عمرتكم، فإن ذلك أتمّ لحج أحدكم و أتمّ لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج‏ (4). انتهى.

شيخنا في توضيح المناسك.

و أفضل جهات الحلّ الجعرانة، ثم التنعيم. قال النووي‏ (5): ثم الحديبية.

و في حاشية قوله: «ثم التنعيم» تبع في هذا- أي: الحطاب- سيدي خليل، و هو تابع لما في النوادر، لكن الذي عليه الأكثر كما قال بهرام و ابن شاس، و ابن الحاجب، و ابن عرفة، و غيرهم: أن التنعيم مساويا للجعرانة لا أفضلية لواحد منهما على الآخر، كما في الرياحين.

و سمي التنعيم؛ لأن على يمينه جبل نعيم و على يساره جبل ناعم، و اسم الوادي نعمان‏ (6). انتهى.

[و في‏] (7) رحلة ابن بطوطة (8): أن بطريق التنعيم جبال الطير و هي أربعة

____________

(1) أخرجه مالك (1/ 281 ح 65).

(2) قوله: قد، زيادة من الموطأ (1/ 281).

(3) أخرجه مالك (1/ 281 ح 66).

(4) أخرجه مالك (1/ 282 ح 67).

(5) الإيضاح (ص: 423).

(6) القاموس المحيط (1/ 1502)، و معجم البلدان (2/ 49)، و معجم ما استعجم (1/ 321).

(7) في الأصل: في.

(8) رحلة ابن بطوطة (1/ 165- 166).

477

جبال، يقال أنها الجبال التي وضع الخليل (عليه السلام) عليها أجزاء الطير ثم دعاها، و عليه أعلام من حجارة. انتهى.

لكن لم أر من ذكر هذا غيره. و اللّه أعلم.

ذكر الحديبية

و هي على عشرة أميال من مكة على ما ذكره الأزرقي. و الحديبية سميت لبئر أو لشجرة حدباء. كذا في القاموس‏ (1)، و هي في الحرم. كذا ذكره شيخنا. انتهى.

عياض في المشارق: هي قرية ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة. قال مالك: من الحرم. و قال ابن القصار: بعضها من الحرم. انتهى [من‏] (2) شفاء الغرام‏ (3).

و كانت هذه الشجرة شجرة ثمر، ثم غيبت لما قطعها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حين بلغه أن الناس يأتون إليها و يعظّمونها.

قال الفاكهي‏ (4): و هذا المسجد على يمين طريق جدة، و هذا المسجد زعم الناس أنه الموضع الذي كان به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه، و هو مسجد الرضوان‏ (5).

و ثمّ مسجد آخر و هل الناس فيه، بناه يقطين بن موسى في الشق الأيسر.

____________

(1) القاموس المحيط (ص: 93).

(2) في الأصل: و في.

(3) شفاء الغرام (1/ 553).

(4) أخبار مكة (5/ 82).

(5) في الفاكهي: مسجد آل كرز.

478

و هذان المسجدان و الحديبية لا يعرفان. قاله الفاسي‏ (1).

و نزل بأقصاها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) حين قدم محرما فصدّه المشركون من دخول مكة، و أرسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سيدنا عثمان بن عفان بكتابه لأشراف قريش يعلمهم بأنه قدم مكة معتمرا لا مقاتلا، فصمموا على أن لا يدخل مكة في هذا العام، ثم رمى رجل من أحد الفريقين على الفريق الآخر، فكانت بينهما معاركة بالنّبل و الحجارة، [و أمسكت‏] (2) قريشا عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، و أشاع إبليس لعنه اللّه أنهم قتلوه، و أمسك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعض المشركين و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «لا نبرح حتى [نناجزهم‏] (3) الحرب» و دعى الناس عند الشجرة للبيعة على الموت أو على أن لا يفرّوا، فبايعوه على ذلك، و ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ‏- [أي‏] (4): تحت الشجرة- إلى قوله: عَظِيماً [الفتح: 10]، فلما سمع الكفار بالمبايعة نزل بهم الخوف و أرسلوا رجلا منهم يعتذر بأن القتال ما وقع إلا من سفهائهم، و طلبوا أن يرسل من أسر منهم فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «إني غير مرسل حتى يأتوني أصحابي»، فقال ذلك الرجل: أنصفت، فبعث إليهم فأرسلوا سيدنا عثمان بن عفان و جماعة من المسلمين رضي اللّه عنهم، و وقع الصلح بينه و بين ذلك الرجل على شرط أن توضع الحرب بينهم عشر سنين، و أن يؤمّن بعضهم بعضا، و أن يرجع عنهم عامهم هذا و يأتي معتمرا في العام القابل، و أن يرد إليهم من جاء منهم مسلما، و أن لا يردوا إليه [من‏] (5) جاء إليهم ممن تبعه،

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 553).

(2) في الأصل: و أمسكوا.

(3) في الأصل: ننجازهم.

(4) قوله: أي، زيادة على الأصل.

(5) في الأصل: ما.

479

و كتب لهم علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه بذلك كتابا فكره المسلمون هذا الشرط و قالوا: يا رسول اللّه إنا نرد و لا يردون، فقال: نعم، أما من ذهب منا إليهم فأبعده اللّه، و من جاء منهم إلينا فسيجعل اللّه له فرجا و مخرجا. ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): «قوموا فانحروا و احلقوا». انتهى من الباجوري على السنوسية.

ذكر فضل جدّة و شي‏ء من خبرها

قال ابن ظهيرة في الجامع اللطيف‏ (1) و نصه: جدة الآن ساحل مكة.

ذكر ابن المجاور في تاريخه: أن العجم لما خربت شبراق انفلت أهل شبراق إلى السواحل، فجاء جماعة منهم إلى جدة و فيهم اثنان: أحدهما اسمه سيار و الآخر مياس، فسكنوا جدة و بنوا لها سورا و ركّبوا له أربعة أبواب، باب الدومة، و باب المدبغة، و كان عليه حجر حفر فيه طلسم: إذا سرق السارق بها ليلا وجد اسم ذلك السارق [مكتوبا] (2) في الحجر، و باب مكة، و باب الفرضة مما يلي البحر، فلما حصنوا الفرس البلد بنوا بها على الأصح بباطن البلد خمسمائة صهريج و بظاهرها مثلها، و أنها خربت في بعض السنين. و السبب في ذلك: أن صاحب مكة أنفذ إلى شيخ التجار يطلب منه حمل حديد، فقال الشيخ لغلامه: أعطيه حمل حديد، فأعطاه، فلما وصل إلى صاحب مكة وجده قضبان ذهب، فردّ رسوله و هو يسأل فضل الشيخ بأن ينعم عليه بحمل ثان من عين هذا الحديد، فهم الأمر و المسألة، فاستشار جماعة فاتفقوا على الخروج منها بما معهم و ركبوا

____________

(1) الجامع اللطيف (ص: 53).

(2) في الأصل: مكتوب.

480

البحر و تركوها، فاستمرت خربا أعواما.

و نقل أيضا: أن في زمن دولة الأمير عيسى بن فليتة (1) كان يأخذ الجزية من المغاربة، و السبب في ذلك: أن كلبا دخل إلى جدة من كلابه فأخذ رغيفا فقتله المغاربة، فأراد الأمير قتلهم هو و قواده، فلما تحققوا المغاربة الهلاك جعلوا له الجزية، كل إنسان عليه سبعة يوسفية و يوسفي للقواد، فتقرر ذلك إلى زمن الأمير مكثر، و أول من أسسه الأمير عيسى بن فليتة، و بقي إلى آخر دولة الأمير مكثر، فأنفذ الأمير صلاح الدين بن يوسف ستة آلاف أردب حب، و جعلها للأمير مكثر في مقابلة ما يأخذه من المغاربة، فأخذها و ترك ما يأخذه من المغاربة. و اللّه أعلم. كذا في الجامع.

و جدّة- بضم الجيم و تشديد المهملة-: موضع على ساحل البحر غربي مكة بينهما مرحلتين‏ (2)، سمّاها بعضهم: [منقطع‏] (3) الأعشاش- جمع عشة-.

و سميت جدة؛ لأنها حاضرة البحر، و الجدة ما والى البحر، و النهر ما والى البر.

قال في التنبيه: و أصل الجدة: الطريق الممتد. قاله البكري في المعجم‏ (4).

انتهى.

____________

(1) انظر ترجمته في: شفاء الغرام (2/ 339)، و غاية المرام (1/ 527)، و العقد الثمين (5/ 437).

(2) المرحلة: هي المسافة التي يقطعها السائر في نحو يوم، أو ما بين المنزلين (المعجم الوسيط 1/ 335).

(3) في الأصل: مقطع. و التصويب من الأزرقي (2/ 131).

(4) معجم ما استعجم (1/ 371).

481

و قال (عليه السلام): «مكة رباط، وجدة جهاد» (1). أخرجه الفاكهي.

قال التقي الفاسي في شفاء الغرام‏ (2): جدة رباط.

و عن عطاء: جدة خزانة مكة، و إنما يؤتى به إلى مكة لا يخرج به منها (3).

قال ابن جريج: إني لأرجو أن يكون فضل مرابط جدة [على سائر المرابط] (4) كفضل مكة على سائر البلدان‏ (5).

حدثنا محمد بن عمر، عن صنوان بن فخر (6) قال: كنت جالسا مع عباد بن كثير في المسجد الحرام، فقلت: الحمد للّه الذي جعلنا في أفضل المجالس و أشرفها، قال: و أين أنت عن جدة؟! الصلاة فيها بكذا و كذا، والدرهم فيها بكذا و كذا، و أعمالها بقدر ذلك، يغفر اللّه للناظر فيها بقدر مدّ بصره مما يلي البحر (7).

و قال الفاكهي‏ (8) عن فرقد السبخي أنه قال: إني رجل أقرأ هذا الكتاب، و إني لأجد فيما أنزل اللّه عز و جل [من كتبه‏] (9): جدّة أو جديدة يكونوا بها قتلى و شهداء، لا شهداء يومئذ على وجه الأرض أفضل منهم.

____________

(1) أخرجه الفاكهي (3/ 52 ح 1780).

(2) شفاء الغرام (1/ 165).

(3) أخرجه الفاكهي (3/ 53 ح 1781).

(4) قوله: على سائر المرابط، زيادة من شفاء الغرام. و انظر: الفاكهي (3/ 53).

(5) أخرجه الفاكهي (3/ 53).

(6) في الفاكهي: صو بن فخر، و في شفاء الغرام: ضوء بن فجر.

(7) أخرجه الفاكهي (3/ 53 ح 1783).

(8) أخرجه الفاكهي (3/ 55 ح 1786)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 166)، و إتحاف الورى (2/ 232).

(9) قوله: من كتبه، زيادة من الفاكهي.

482

و قال بعض أهل مكة: إن الحبشة جاءت جدة في سنة [ثلاث‏] (1) و ثمانين فوقعوا بأهل جدة، فخرج الناس من مكة إلى جدة غزاة في البحر.

و روى الفاكهي‏ (2) أيضا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أن قبر حواء بجدة.

و ذكر ابن جبير (3) أنه كان بجدة موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يذكر أنها منزل حواء أم البشر. و لعل هذا الموضع قبر حواء.

و ذكر ابن جبير (4) أنه رأى بجدة أثر سور محدق بها، و أن بها مسجدين ينسبان لعمر بن الخطاب، أحدهما يقال له: مسجد الأبنوسة.

قال ابن ظهيرة (5): و هو معروف إلى الآن، و الآخر غير معروف و لعله- و اللّه أعلم- المسجد الذي تقام فيه الجمعة، و هو من عمارة [المظفر] (6) صاحب اليمن. انتهى.

ثم قال: وجدة الآن ساحل مكة الأعظم. و عثمان بن عفان- رضي اللّه عنه- أول من جعلها ساحلا في سنة [ست‏] (7) و عشرين من الهجرة بمشورة الصحابة رضي اللّه عنهم، و اغتسل في بحرها و توجه في طريق‏

____________

(1) في الأصل: ثلاثة.

(2) أخرجه الفاكهي (4/ 268 ح 2600).

(3) رحلة ابن جبير (ص: 68).

(4) الموضع السابق.

(5) الجامع اللطيف (ص: 53).

(6) قوله: المظفر، زيادة من الجامع اللطيف (ص: 53).

(7) في الأصل: ستة.

483

عسفان‏ (1) إلى المدينة. انتهى ما ذكره الفاسي‏ (2).

و كوشف لبعض الأولياء رضي اللّه عنهم قال: إني رأيت الثغور كلها تسجد لعبّادان‏ (3)، و رأيت عبادان ساجدة لجدة. ذكره الغزالي في الإحياء (4).

و أول من أحدث بها العشور: بارسباي. انتهى منائح [الكرم‏] (5).

و أول من جعل لها سورا: الغوري صاحب مصر. كذا ذكره القطب‏ (6) في قصة طويلة، فانظره إن شئت، لكن هذا يخالف ما تقدّم عن جار اللّه ابن ظهيرة من أن الفرس جعلوا لها سورا، فليحرر. انتهى.

____________

(1) عسفان: بلدة عامرة تقع شمال مكة على ثمانين كيلا على المحجّة إلى المدينة، على التقاء وادي فيدة بوادي الصّغو، فيها آبار عذبة قديمة مجصصة و مرقبة، منها بئر التّفلة (معجم معالم الحجاز 6/ 99).

(2) شفاء الغرام (1/ 167).

(3) عبادان: بلد على بحر فارس بقرب البصرة شرقا منها بميلة إلى الجنوب. و قال الصغاني:

عبادان جزيرة أحاط بها شعبتا دجلة ساكبتين في بحر فارس (المصباح المنير 2/ 389).

(4) إحياء علوم الدين (1/ 242).

(5) في الأصل: الكرام.

و انظر الخبر في: منائح الكرم (2/ 433).

(6) الإعلام (ص: 244).

484

الباب الرابع: في ذكر مكة المشرفة و أسمائها و فضل جبالها مما هو بها و في الحرم، و الأماكن المباركة فيها من المساجد التي بها و ما قاربها مما هو في الحرم من الدور و المواليد و المساجد التي بها و خارجها مما هو في الحرم و فضائلها، و في أيهما أفضل هي أم المدينة، و في فضل أهل مكة و فضل المجاورين بها، و حكم المجاورة بها و فيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في ذكر مكة المشرفة و أسمائها

و قد أتت لها أسماء جليلة مكرمة، و ذكرها في مواضع كثيرة من القرآن، و كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى بالإعزاز و التبجيل، كما في أسماء اللّه تعالى، و أسماء رسوله (صلى اللّه عليه و سلم).

قال النووي‏ (1) (رحمه اللّه): و لم يعلم بلد أكثر أسماء من مكة و المدينة؛ لكونهما أفضل بقاع الأرض، و ذلك لكثرة الصفات المقتضية. انتهى.

فسماها اللّه: مكة، و ذلك قوله تعالى: بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: 24]. و في سبب تسميتها بهذا الاسم أقوال:

منها: لأنها يؤمها الناس من كل فج عميق فكأنها تجذبهم إليها، و قيل:

لأنها تمك من ظلم فيها- أي: تهلكه- من قولهم: مككت الرجل إذا أردت [أن‏] (2) تهلكه، و قيل: لأنها تمك الذنوب- أي: تذهب بها- و قيل غير ذلك.

____________

(1) تهذيب الأسماء (3/ 332).

(2) قوله: أن، زيادة على الأصل.

485

و بكة؛ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: لأنها تبك أعناق الجبابرة- أي: تدقها- و ما قصدها جبار إلا قصمه اللّه تعالى‏ (1).

و لأنها تضع من نخوة المتكبّرين، و لذا لا يدخل فيها متكبّر إلا [ذل‏] (2) واضعا رأسه. قاله اليزيدي (رحمه اللّه).

قال ابن الجوزي: و اتفق العلماء أن مكة اسم لجميع البلد، و اختلفوا في بكة، فقال جماعة من العلماء: إن بكة هي مكة، و قيل: بكة- بالباء- اسم للبقعة التي فيها الكعبة. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: و مكة اسم لما وراء ذلك. قاله عكرمة. و قيل بكة- بالباء-: اسم للكعبة و المسجد، و مكة اسم للحرم كله. قاله الجوهري‏ (3).

و البلد؛ في قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [البلد: 1] قال القرطبي‏ (4):

أجمعوا على أن البلد مكة، و البلد في اللغة: صدر القرية.

و القرية؛ ففي قوله تعالى: [وَ ضَرَبَ‏] (5) اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً ... الآية [النحل: 112] الإشارة إلى مكة، و القرية: اسم لما يجتمع جماعة كثيرة من الناس، من قولهم: قريت الماء في الحوض إذا جمعته فيه.

و أم القرى؛ ففي قوله تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها [الشورى: 7] يعني: مكة. قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما.

و عتيقة: سميت به؛ لأنها أقدم الأرض. و الثاني: لأنها قبلة يؤمها جميع‏

____________

(1) أخرج الأزرقي (1/ 89) عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال: سميت بكة لأنها كانت تبك أعناق الجبابرة، و عن ابن جريج (1/ 280)، و ذكره الفاكهي (2/ 282).

(2) في الأصل: زل.

(3) الصحاح (5/ 1896).

(4) تفسير القرطبي (20/ 60).

(5) في الأصل: ضرب. و هو خطأ.

486

الأئمة. و الثالث: لأنها أعظم القرى شأنا. و الرابع: لأن فيها بيت اللّه.

و البلدة؛ ففي قوله تعالى: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ [النمل: 91] الإشارة فيه إلى مكة.

و البلد الأمين؛ لقوله تعالى: وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ [التين: 3].

و أم رحم- بضم الراء المهملة و إسكان الحاء- قاله مجاهد، و قيل:

سميت به؛ لأن الناس كانوا يتراحمون فيها و يتهادون. حكاه البغوي‏ (1).

و صلاح- بفتح الصاد و كسر الحاء مبني على الكسر؛ كقطام و حذام- سميت بذلك لأنها محل الصلاح و الفلاح. قال الشاعر:

أبا مطر هلمّ إلى الصلاح‏* * * فيكفيك [الندامى‏] (2) من قريش‏

و صرفها للضرورة.

و الباسّة- بالباء الموحدة و السين المهملة- لأنها تبسّ من ألحد فيها- أي تحطمه و تهلكه- و منه قوله تعالى: [وَ بُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا] (3) [الواقعة: 5].

و الناسّة- بالنون و السين المهملة-، و النساسة؛ لأنها تنسي الملحد- أي:

تطرده و تنفيه-. ذكره القرشي‏ (4). ثم قال: سميت به لقلة مائها، و النّسّ:

اليبس‏ (5).

و الحاطمة؛ أي: لحطمها الملحدين، و قيل: لحطمها الذنوب و الأوزار.

انتهى.

____________

(1) معالم التنزيل (1/ 328).

(2) في الأصل: الفدا. و التصويب من شفاء الغرام (1/ 99).

(3) في الأصل: و بثت الجبال بثا. و هو خطأ.

و انظر الخبر في: شفاء الغرام (1/ 98).

(4) الجامع اللطيف (ص: 161).

(5) شفاء الغرام (1/ 98)، و هداية السالك (2/ 738).

487

و الرأس- بسكون الهمزة- قال النووي‏ (1): لأنها مثل رأس الإنسان، و كأنه أراد و اللّه أعلم مثل رأسه في الفضيلة، كما أن الرأس أشرف عضو في الإنسان، كذلك مكة أشرف بقاع الأرض، أو أنها شبيه بالرأس؛ لأنها وسط الدنيا و أقرب إلى السماء من غيرها.

[و كوثى‏] (2)- بضم الكاف- سميت به باسم موضع فيها، و هو محلة بني عبد الدار. هكذا حكاه القرشي‏ (3).

و العريشة- بضم العين المهملة و إسكان الراء- كما ذكره القاضي عياض في المشارق‏ (4).

و العرش- بضم العين و الراء- كما ضبطه البكري‏ (5).

و قال القاضي عياض (رحمه اللّه): و هو جمع عريش و هي بيوت مكة.

و في حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه يقطع التلبية إذا نظر عرش مكة. قاله ابن الأثير (6). و يقال لها: العريش، كما ذكره ابن سيده.

و القادسية و القادس. ذكره القرشي‏ (7).

و سبوحة- بفتح السين مخففة-. حكاه الجوهري‏ (8).

و الحرام. قاله ابن خليل في منسكه.

____________

(1) تهذيب الأسماء (3/ 332).

(2) في الأصل: و كوني. و انظر الأزرقي (1/ 281)، و منائح الكرم (1/ 213)، و شفاء الغرام (1/ 99)، و الإعلام (ص: 48).

(3) الجامع اللطيف (ص: 159).

(4) مشارق الأنوار (2/ 108).

(5) معجم ما استعجم (3/ 932).

(6) النهاية في غريب الحديث (3/ 208).

(7) الجامع اللطيف (ص: 158). و فيه: القادس و القادسة.

(8) الصحاح (1/ 372).

488

و المسجد الحرام؛ ففي قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ‏ [الفتح: 27]، الإشارة إلى مكة.

و المعطّشة؛ سميت به لقلة مائها.

و برّة؛ لبرها للمؤمنين، و كثرة خيرها الذي لا يوجد في محل سواها.

و قال بعضهم: لأنها بلدة الأبرار، و هي مبرورة بهم.

و من أسمائها: أم، قال القاضي عز الدين ابن جماعة في منسكه، قال:

و لأن الأم مقدمة.

و من أسمائها: الرتاج. [قاله‏] (1) الشيخ محب الدين الطبري في التنبيه.

و من أسمائها: أم رحم- بضم الراء و الحاء-. قاله المرجاني في بهجة النفوس‏ (2).

و الإسراء، و قيل: أم رحم كما تقدم. قاله القرشي‏ (3).

و الناسئ- بفتح الهمزة-.

و البلد الحرام. قاله جماعة من العلماء، و جزم به القرشي، و قال: هو من أسمائها.

و أم الرحمة. ذكره ابن العربي.

و أم [كوثى‏] (4). قال القرشي (رحمه اللّه)(5): هو من أسمائها.

و قد زادها بعضهم أسماء نذكرها إن شاء اللّه عند فضل مكة.

و أما ذكر البلد؛ فقد ذكر القطب (رحمه اللّه) في كتابه الإعلام لأهل بلد

____________

(1) في الأصل: قال. انظر: شفاء الغرام (1/ 100).

(2) بهجة النفوس (2/ 272).

(3) الجامع اللطيف (ص: 159).

(4) في الأصل: كوني. و انظر: منائح الكرم (1/ 213)، و الإعلام (ص: 48).

(5) الجامع اللطيف (ص: 160).

489

اللّه الحرام و لفظه‏ (1): اعلم أن مكة المشرفة بلدة مستطيلة واسعة، و لها مبدأ و نهاية (2)؛ فمبدؤها المعلا، و منتهاها من جهة جدة الشبيكة.

قلت: هذا بحسب وقته و إلا فقد اتصل البناء من جهة المعلا إلى الأبطح و هو المحصّب‏ (3)، و هو خيف بني كنانة. كذا عرفه القاضي عياض في المشارق‏ (4)، و هو ما وراء المعابدة (5). انتهى.

و من جهة جدة فقد اتصل البناء في زماننا إلى بئر طوى. انتهى.

ثم قال: و من جانب اليمن قرب مولد سيدنا حمزة في لصق بازان.

و عرضها جبل جزل إلى أكثر [من‏] (6) نصف أبي قبيس، و يقال لهذين الجبلين: [الأخشبان‏] (7)، و سماهما الأزرقي أخشبا مكة فإنه قال‏ (8):

[أخشبا] (9) مكة: أبو قبيس، و هو الجبل المشرف على الصفا، و الآخر الجبل الذي يقال [له‏] (10): الأحمر، و كان يسمى في الجاهلية: الأعرف، و يسمى جبل جزل، و جبل أبي الحارث، و جبل المولى، و هو الجبل المشرف‏

____________

(1) الإعلام (ص: 10).

(2) في الإعلام: و نهايتان.

(3) المحصب: اسم المفعول من الحصباء، و الحصب: هو الرمي بالحصى، و هو مسيل ماء بين مكة و منى.

(4) المشارق (1/ 57).

(5) المعابدة، حي من مكة، و هو ما يعرف بالأبطح، و البنيان اليوم في الأبطح و جانبيه، كل ذلك المعابدة، و هو يشمل أحياء كثيرة منها: الخانسة و الجعفرية و الجميزة (معجم معالم الحجاز 8/ 190).

(6) قوله: من، زيادة من الإعلام (ص: 10).

(7) في الأصل: الأخشبين. و هو لحن.

(8) الأزرقي (2/ 266- 267).

(9) في الأصل: أخشبين.

(10) قوله: زيادة من الأزرقي (2/ 267).

490

على قعيقعان و على دور عبد اللّه بن الزبير. انتهى‏ (1).

فيكون قعيقعان- بضم القاف و بعدها عين مفتوحة و ياء ساكنة و قاف مكسورة و عين مفتوحة مثاله- ما يشرف عليه الجبل المقابل لأبي قبيس.

و أما موضع الكعبة فهو في وسط المسجد، و المسجد بين هذين الجبلين في وسط مكة.

و لها شعاب كثيرة، و هي تسع [خلقا كثيرا] (2) خصوصا في أيام الموسم، و هي تنقص عمارتها و تزيد بحسب الأزمان و بحسب [الولاة] (3) و الأمن و الخوف و الغلاء و الرخاء، و هي الآن في دولة السلطان مراد خان في غاية الأمن و الرخاء (4). انتهى.

قلت: هي الآن في غاية الأمن و الرخاء و ترتيب الحب و الصدقات لأهلها و المجاورين بها حتى امتلأت جبالها بالبناء و كثرت الخلق فيها، و ذلك في دولة السلطان الأعظم و الخاقان‏ (5) المفخم حضرة السلطان عبد العزيز خان، و حامي حمى بلد اللّه سيدنا الشريف عبد اللّه ابن المرحوم سيدنا الشريف محمد بن عبد المعين بن عون رحم اللّه أسلافه و جميع المسلمين. انتهى.

ثم قال القطب‏ (6): و كنت أشاهد قبل الآن في سن الصبا خلو المطاف‏

____________

(1) الإعلام (ص: 10- 11).

(2) في الأصل: خلق كثيرة. و التصويب من الإعلام (ص: 11).

(3) في الأصل: الولا. و التصويب من الإعلام، الموضع السابق.

(4) الإعلام (ص: 11).

(5) الخاقان: اسم لكل ملك من ملوك الترك (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 42).

(6) الإعلام (ص: 11).

491

و خلو الحرم، حتى أني أدركت الطواف وحدي من غير أن يكون معي أحد مرارا كثيرة، كنت أترصد ذلك لكثرة ثوابه بأن يكون الشخص يقوم بتلك العبادة وحده في جميع الدنيا، و هذا لا يكون إلا بالنسبة للإنسان.

و أما الملائكة فلا يخلو منهم المطاف، بل لا يمكن أن يخلوا عن أولياء اللّه [ممن‏] (1) لا تظهر صورته و يطوف خافيا عن أعين الناس، و لكن لما كان ذلك خلاف الظاهر صار الإنسان يترصد على أداء هذه العبادة بالانفراد ظاهرا كثيرا من الصلحاء؛ لأن معناه ليس عبادة يمكن أن ينفرد بها رجل واحد و لا يشاركه أحد في جميع الدنيا و لا يشاركه غيره في تلك العبادة بعينها إلا الطواف، فإنه يمكن أن ينفرد به شخص بحسب الظاهر، و اللّه أعلم. انتهى.

ثم قال‏ (2): و حكى والدي (رحمه اللّه): أن وليا من أولياء اللّه رصد الطواف أربعين سنة ليفوز بالطواف وحده، فرأى بعد هذه المدة خلو الطواف، فتقدم ليشرع و إذا بحية تشاركه في ذلك الطواف، فقال: ما أنت من خلق اللّه تعالى؟ فقالت: إني أرصد ما رصدته قبلك بمائة سنة، فقال:

حيث إنك كنت من غير البشر فإني فزت بالانفراد من بين البشر، و أتم طوافه. انتهى.

ثم قال‏ (3): و حكى لي الشيخ معمر- من أهالي مكة-: أن [الظباء] (4) كانت تنزل من جبل أبي قبيس إلى الصفا و تدخل من باب الصفا إلى‏

____________

(1) في الأصل: مما. و التصويب من الإعلام (ص: 12).

(2) الإعلام (ص: 12).

(3) الإعلام (ص: 12).

(4) في الأصل: الضباء. و انظر الإعلام، الموضع السابق، و مختار الصحاح (1/ 170).

492

المسجد ثم تعود لخلو المسجد [من‏] (1) الناس و هو صدوق عندي. انتهى ما ذكره القطب.

ثم قال أيضا (2): و كنا نرى سوق المسعى وقت الضحى خاليا من الباعة، و كنا نرى القوافل تأتي بالحنطة من بجيلة (3) فلا تجد من يشتري منهم جميع ما جلبوه، فكانوا يبيعون ما جاؤوا به بالأجل لأجل الاضطرار ليعودوا بعد ذلك و يأخذوا أثمان ما باعوه، و كانت الأسعار رخيصة جدا؛ لقلّة الناس و عسر الدراهم.

و أما الآن فالناس كثيرون.

قلت: هذا في زمانه، و أما الآن فلا يعلم ما فيها من كثرة الخلق إلا اللّه تعالى.

قال القطب‏ (4): و مكة شرفها اللّه بها جبال تحيط بها لا يسلك إليها الخيل و الإبل و الأحمال إلا من [ثلاثة] (5) مواضع:

أحدها: من جهة المعلا، و الثانية: جهة الشبيكة، و الثالثة: جهة المسفلة.

و أما الجبال المحيطة بها: فيسلك من بعض شعابها الرجال على أقدامهم لا الخيل. و كانت مكة مسوّرة في قديم الزمان، مسوّرة من جهة المعلا، كان بها سور عريض من طرف جبل عبد اللّه بن عمر إلى الجبل المقابل له، و كان فيه باب من خشب مصفح بالحديد أهداه بعض ملوك الهند إلى‏

____________

(1) في الأصل: عن. و التصويب من الإعلام، الموضع السابق.

(2) الإعلام (ص: 12).

(3) بجيلة: قرية لذوي زيد من الأشراف العبادلة، شمال شرقي الرميدة في وادي ليّة، شرق الطائف (معجم معالم الحجاز 1/ 178).

(4) الإعلام (ص: 13).

(5) في الأصل: ثلاث.

493

صاحب مكة.

قال القطب‏ (1): و قد أدركنا منه قطعة قصيرة قدر القامة، و هو على سمت قطعة جدار مبني إلى خلف سبيل على مجرى دبل عين حنين‏ (2)، بناه مصطفى ناظر العين باسم السلطان سليمان، و جعل في علو السبيل منظرة (3) بأربع شبابيك.

قال القطب‏ (4): و ذلك باق إلى الآن، أي: إلى زمنه، و أما زماننا فلم يوجد شي‏ء مما ذكر.

ثم قال: و كان بجهة الشبيكة سور، فيه بابان بعقدين.

قال القطب‏ (5): أدركت [هذين‏] (6) العقدين يدخل منه الجمال و الأحمال، ثم تهدّمت شيئا فشيئا إلى أن لم يبق [منه‏] (7) شي‏ء، و لم يبق منه إلا فج بين جبلين متقاربين. انتهى.

قلت: كان محلّه ريع الرسام. انتهى.

ثم قال‏ (8): و كان [سور في‏] (9) جهة المسفلة في درب اليمن. قال‏

____________

(1) الإعلام (ص: 13).

(2) عين حنين: تعرف أيضا بعين بازان، و عين زبيدة، ظلت إلى عهد قريب سقيا أهل مكة الوحيد إلى أن أجريت عيون أخرى، و كذلك مياه التحلية. عمرت أكثر من مرة، و اليوم لها إدارة تسمى إدارة عين زبيدة و العزيزية (انظر: الأزرقي 2/ 231- 232، و شفاء الغرام 1/ 632- 633، معالم مكة التاريخية ص: 197).

(3) المنظرة: مكان من البيت يعد لاستقبال الزائرين، و المنظرة: القوم الذين ينظرون إلى الشي‏ء (المعجم الوسيط 2/ 932).

(4) الإعلام (ص: 13).

(5) الإعلام، الموضع السابق.

(6) في الأصل: هذه.

(7) في الأصل: منها. و التصويب من الإعلام (ص: 13).

(8) الإعلام (ص: 13).

(9) في الأصل: من. و التصويب من الإعلام (ص: 13).

494

القطب: [لم ندركه و لم ندرك‏] (1) آثاره. انتهى.

و ذكر التقي الفاسي‏ (2) أنه كان بمكة سور في أعلاها دون السور الذي تقدم ذكره قريبا من المسجد المعروف بمسجد الراية، و أنه كان من الجبل الذي من جهة القرارة (3)- و يقال لذلك الجبل: لعلع‏ (4)- إلى الجبل المقابل له إلى سوق الليل. قال: و في الجبل آثار تدل على اتصال السور بها.

قال القطب‏ (5): و لم ندرك شيئا من آثار هذا السور مطلقا، و لعل دور مكة كانت تنتهي إلى هذا المحل حيث وضع السور، ثم اتصل العمران إلى أن احتيج إلى سور المعلا.

قال الفاكهي‏ (6): و من آثار النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فيه عند بئر جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل، و كان الناس لا يتجاوزون السكنى قدم الدهر هذا البئر، و ما فوق ذلك خاليا من الناس، و في ذلك يقول عمر بن [أبي‏] (7) ربيعة شعر:

نزلوا بمكة في قبائل نوفل‏* * * [نزلوا و خلف‏] (8) البئر أعلا منزلا

و المسجد موجود و البئر خلفه، وضع رأيته (صلى اللّه عليه و سلم) يوم فتح مكة فيه.

____________

(1) في الأصل: لم يدركه و لم يدرك. و التصويب من الإعلام (ص: 13).

(2) شفاء الغرام (1/ 46).

(3) القرارة: حي من أحياء مكة في قرارة شمال الحرم في جبل قعيقعان تفصل جبل شيبة شرقا يصعد إليها من الفلق، كانت تعرف بقرارة جبل شيبة (معجم معالم الحجاز 7/ 105).

(4) لعلع: جبل كانت به وقعة لهم. قال أبو نصر: لعلع: ماء في البادية و قد وردته، و قيل: بين البصرة و الكوفة (معجم البلدان 5/ 18).

(5) الإعلام (ص: 14).

(6) أخبار مكة (4/ 19).

(7) قوله: أبي، زيادة على الأصل. و انظر: الأعلام للزركلي (5/ 52).

(8) في الأصل: و نزلوا خلف. و قد عدلت لاستقامة الوزن الشعري.

495

قال الفاسي‏ (1): ما عرفت متى أنشئت هذه الأسوار و لا من أنشأها و لا من عمّرها، غير أنه بلغني أن الشريف قتادة بن إدريس عمّرها، و أظن أن السور الذي بأعلى مكة عمّر في دولته، و سهلت العقبة التي بني عليها سور [باب‏] (2) الشبيكة، و ذلك من جهة المظفر صاحب إربل في سنة [سبع‏] (3) و ستمائة، و لعله الذي بنى السور الذي بأعلى مكة، و اللّه أعلم. ذكره التقي الفاسي في شفاء الغرام. انتهى.

و في العقد الثمين للتقي الفاسي‏ (4) في ترجمة الشريف حسن: أنه جدّد سور المعلا و باب الماجن؛ لتخلل البناء، و قصّر جداره و ذلك في سنة ثمانمائة [و ست عشرة] (5). انتهى.

ثم قال الفاسي‏ (6): و رأيت في بعض التواريخ ما يقتضي أنه كان [لمكة] (7) سور في زمن المقتدر العباسي، و ما عرفت هل هو السور الذي بأعلا مكة و أسفلها أو من أحد الجهتين.

ثم قال القطب‏ (8): و طول مكة بالذراع من باب المعلا- أي: من بركة الشامي- إلى باب [الماجن‏] (9) درب المسفلة موضع السور الذي كان موجودا في زمنه مارا على طريق المدعى و المسعى و سيل وادي إبراهيم،

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 44)، و انظر الإعلام (ص: 14).

(2) قوله: باب، زيادة من شفاء الغرام، و الإعلام.

(3) في الأصل: سبعة.

(4) العقد الثمين (3/ 370).

(5) في الأصل: و ستة عشر.

(6) شفاء الغرام (1/ 45)، و انظر الإعلام (ص: 14)، و درر الفرائد (ص: 568).

(7) في الأصل: بمكة. و التصويب من شفاء الغرام و الإعلام.

(8) الإعلام (ص: 15)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 45)، و درر الفرائد (ص: 568).

(9) في الأصل: الجان. و التصويب من الإعلام، الموضع السابق، و شفاء الغرام و درر الفرائد، الموضعين السابقين.

496

و السوق الذي يقال له الآن: السوق الصغير مع ما فيه من دورات و لفتات [ليست‏] (1) على الاستواء: أربعة آلاف ذراع و أربعمائة و اثنان و سبعون ذراعا- بتقديم السين- بذراع اليد، و هو ينقص ثمن ذراع عن ذارع الحديد المستعمل الآن- يعني: ذراع الشرع-.

و طول مكة من باب المعلا على طريق المدعى ثم [يعدل‏] (2) عنه إلى السويقة ثم إلى الشبيكة: أربعة آلاف و مائة ذراع و اثنان و سبعون ذراعا بتقديم السين. انتهى من القطب.

و في درر الفرائد (3): طول مكة من المعلا إلى المسفلة نحو ميل، و عرضها من أسفل أجياد إلى قعيقعان نحو ثلث ميل، و بمكة ثلاثة (4) حمامات، و كان بها ستة عشر حماما. كذا ذكره الشيخ عبد القادر في درر الفرائد، و الشيخ عبد القادر كان موجودا بعد الألف.

و في العقد الثمين للفاسي‏ (5) في ترجمة أحمد بن عبد الملك بن مطرف الكنجري صاحب الرباط الذي بالمروة على يسار الذاهب إليها: و أنه صاحب الحمّام الذي بجياد، و ذلك الحمّام وقف على الرباط، و كان مولد أحمد صاحب الحمّام سنة [اثنتين‏] (6) و خمسمائة. انتهى.

قلت: و أما في زماننا فلم يكن بها إلا حمّامين، حمّام في باب العمرة بناه محمد باشا صاحب المدرسة التي عند باب الزيادة، و محمد باشا هو وزير

____________

(1) في الأصل: ليس. و التصويب من المصادر السابقة.

(2) في الأصل: يعود. و التصويب من المصادر السابقة.

(3) درر الفرائد (ص: 567- 568).

(4) في الأصل: ثلاث.

(5) لم أقف عليه في المطبوع من العقد الثمين.

(6) في الأصل: اثنين.

497

السلطان سليمان خان، أمر أن يبنى له موضع بقرب الحرم يكون محلا للفقراء صونا للحرم الشريف- أي: و هي عند باب الزيادة- و أن يبنى حمّام في وسط البلد يكون عظيم الشأن، فبني له جميع ذلك، و ذلك سنة تسعمائة و أربع‏ (1) و ثمانين. كذا في منائح [الكرم‏] (2). انتهى‏ (3).

و الآخر في القشاشية، و لم يذكر الشيخ محل الحمّامات و لا من بناها.

و قوله: «ستة عشر» لعله أراد الحمّامات التي كانت في البيوت، لأني لم أر من ذكر ذلك غيره. انتهى.

و أما حكم بيع دورها، ذكر الحطاب على منسك سيدي خليل عن اللخمي أنه اختلف قول مالك في كراء دور مكة و بيعها، فمنع من ذلك مرة.

و حكى أبو جعفر الأبهري أنه كره بيعها و كرائها، فإن بيعت أو كريت لم يفسخ ذلك، و حاصل ما روي في ذلك أربع روايات: المنع، و الجواز، و الكراهة، و كراهة كرائها في أيام الموسم خاصة.

و قال القاضي تقي الدين الفاسي‏ (4): و القول بمنع ذلك فيه نظر؛ لأن غير واحد من علماء الصحابة و خلافهم عملوا بخلافه في أيام مختلفة، ثم ذكر وقائع من ذلك عن عمر و عثمان و ابن الزبير و معاوية رضي اللّه عنهم.

و على القول بجواز البيع و الكراء اقتصر ابن الحاج فإنه قال بعد ذكر

____________

(1) في الأصل: أربعة.

(2) في الأصل: الكرام.

(3) منائح الكرم (3/ 444).

(4) شفاء الغرام (1/ 64).

498

الخلاف: و أباحت طائفة من أهل العلم بيع رباع مكة و كراء [منازلها] (1)، منهم: طاووس و ابن دينار، و هو قول مالك و الشافعي. قال: و الدليل على صحة قول مالك و من يقول بقوله، قول اللّه عز و جل: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ‏ [الحشر: 8]، و قوله يوم الفتح: من دخل دار أبو سفيان كان آمنا، فأثبت لأبي سفيان ملك داره، و أثبت لهم أملاكهم على دورهم. و أن عمر ابتاع دارا بأربعة آلاف درهم‏ (2)، و أن دور أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيد أعقابهم؛ منهم: أبو بكر الصديق، و الزبير بن العوام، و عمرو بن العاص و غيرهم. و قد بيع بعضها و تصدّق ببعضها، و لم يكونوا يفعلون ذلك إلا في أملاكهم‏ (3)، و تأولوا قوله تعالى: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ [وَ الْبادِ] (4) [الحج: 25] في البيت خاصة. انتهى من حاشية شيخنا على مناسك الحطاب.

و عند الشافعي يجوز. و عند أبي حنيفة قولان: أجاز أصحابه و منعه الإمام. انظر شفاء الغرام‏ (5).

الفصل الثاني: في ذكر جبال مكة و ما قاربها مما هو في الحرم و فضلهم‏

قال القطب: اعلم أن جبال مكة شرفها اللّه تعالى لا تعد.

ذكر الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) قال: و بحرم مكة شرفها اللّه تعالى اثنا عشر ألف جبل.

____________

(1) في الأصل: منازلهم. و المثبت من شفاء الغرام.

(2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (6/ 34).

(3) شفاء الغرام (1/ 68).

(4) في الأصل: و البادي.

(5) شفاء الغرام (1/ 72- 73).

499

قال القرشي: إن جبال مكة متمائلة رؤوسها كالسجود للكعبة، يرى هذا من ثبير.

قال النقاش (رحمه اللّه): و دونها جبال من فضة و ذهب و كنوز و جوهر، و ربما يكشف عن بعضها لمن هو موعود بذلك. انتهى.

فمنها: الجبل المعروف بأبي قبيس‏ (1)، و هو الجبل المشرف على الصفا، و هو أحد أخشبي مكة، و سمي [بأبي‏] (2) قبيس قيل: باسم رجل من إياد يقال له: أبا قبيس. ذكره الأزرقي‏ (3).

و قيل: إن هذا الرجل من مذحج. ذكره ابن الجوزي. و قيل: سمي بأبي قبيس باسم رجل صالح من جرهم كان قد وشى بين [عمرو] (4) بن مضاض و بين ابنة عمه مية، فنذرت أن لا تكلمه- و كان شديد المحبة لها- فحلف ليقتلن قبيسا، فهرب منه في الجبل المعروف به و انقطع خبره، إما مات فيه و إما تردى منه. و صحح النووي في التهذيب الأول‏ (5)، و قال: إن الوجه الثاني ضعيف أو غلط.

و قال الأزرقي: الأول أشهر عند أهل مكة (6).

و قيل: إنه اقتبس منه الحجر كما تقدم. و كان يسمى في الجاهلية:

الأمين؛ لأن الحجر الأسود استودعه اللّه فيه زمن الطوفان على قول كما

____________

(1) أبو قبيس: الجبل المشرف على الكعبة المشرفة من مطلع الشمس، و كان يزحم السيل فيدفعه إلى المسجد الحرام، فنحت منه الكثير و شق بينه و بين المسجد الحرام طريقا للسيل و طريقا للسيارات، و هو مكسو بالبنيان (معجم معالم الحجاز 7/ 89).

(2) في الأصل: أبي. و التصويب من الغازي (1/ 692).

(3) الأزرقي (2/ 267).

(4) في الأصل: عمر. و انظر معجم البلدان (1/ 81).

(5) تهذيب الأسماء (3/ 287).

(6) الأزرقي (2/ 267).

500

تقدم، فلما بنى الخليل الكعبة نادى أبو قبيس: الركن منّي بمكان كذا و كذا، و قيل: إن آدم اقتبس منه نار الدنيا. كذا في حاشية شيخنا. انتهى.

و عن مجاهد قال: أول جبل وضع على وجه الأرض أبو قبيس، ثم مدت الجبال منه‏ (1). ذكره الأزرقي و الواحدي.

و قال النقاش في فهم المناسك: من صعد إلى أبي قبيس رأى الحرم مثل الطير يزهر (2)، و هو أحد جبال الجنة. قال: و هو من آيات اللّه سبحانه و تعالى، و عليه كان انشقاق القمر.

تنبيه: لم يرد أثر و لا خبر يعتمد عليه أن انشقاق القمر كان في المحل الذي أمام المسيل الذي تسميه عوام الناس: المشق، بل الناس اعتادت هذا المحل الذي هو في آخر الجبل من جهة المسيل يصلون فيه، و يقولون هذا محل انشقاق القمر، و يعنون ذلك البقعة و ليس كذلك.

قال القطب الحنفي‏ (3): و في جبل أبي قبيس موضع يزعم الناس أن القمر انشق فيه للنبي (صلى اللّه عليه و سلم). قال: و ليس لذلك صحة. كذا ذكره السيد الفاسي (رحمه اللّه)(4).

و قال القرشي‏ (5): كون وقع انشقاق القمر في الموضع الذي يقوله الناس اليوم، فلم أر ما يدل على ذلك. انتهى.

و حاصل ما جاء في انشقاق القمر كما ذكره الحلبي‏ (6) عن ابن عباس:

____________

(1) أخرجه الأزرقي، الموضع السابق.

(2) انظر: لسان العرب، مادة: زهر.

(3) الإعلام (ص: 443).

(4) شفاء الغرام (1/ 521).

(5) البحر العميق (3/ 293).

(6) السيرة الحلبية (1/ 491).

501

أن المشركين- و هم الوليد بن المغيرة، و أبو جهل، و العاص بن وائل، و العاصي بن هشام، و الأسود بن عبد يغوث، و الأسود بن عبد المطلب و نظائرهم- طلبوا من النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قالوا له: إن كنت صادقا فشقّ لنا القمر فرقتين، نصفا على أبي قبيس و نصفا على قعيقعان.

[و قيل: يكون نصفه بالمشرق و نصفه الآخر بالمغرب، و كانت ليلة أربعة عشر. أي: ليلة البدر، فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن فعلت تؤمنوا».

قالوا: نعم. فسأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ربه أن يعطيه ما سألوا، فانشق القمر نصفا على أبي قبيس و نصفا على قعيقعان‏] (1).

و في لفظ: فانشق القمر فرقتين، فرقة فوق الجبل و فرقة دونه- أي:

أمامه- و لعل الفرقة التي كانت [فوق‏] (2) [الجبل كانت جهة المشرق، و التي كانت دون الجبل كانت‏] (3) جهة المغرب، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «اشهدوا، اشهد يا فلان و يا فلان». و لا منافاة بين الروايتين و لا بينهما و لا بين ما جاء في رواية: فانشق القمر نصفين، [نصف‏] (4) على الصفا [و نصف‏] (5) على المروة قدر ما بين العصر إلى الليل ينظر إليه ثم غاب، أي: ثم إن كان الانشقاق قبل الفجر فواضح و إلا فمعجزة أخرى؛ لأن القمر ليلة أربعة عشر يستمر الليل كله. انتهى.

و في الخفاجي على الشفا (6): فرقة فوق الجبل و فرقة دونه- أي: أمامه-

____________

(1) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية.

(2) في الأصل: فوقه.

(3) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية.

(4) في الأصل: نصفا.

(5) في الأصل: و نصفا.

(6) نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض (3/ 3).

502

و الجبل حراء أو أبو قبيس.

قال ابن هشام اللخمي في شرح المقصورة: اختلفت الروايات في محل الانشقاق، فقيل: بمكة، و قيل: بمنى، و في أخرى: رئي حراء بينهما، و قيل:

شقة منه على أبي قبيس و أخرى على السويداء، و قيل: شقة على أبي قبيس و شقة على قعيقعان. و هذه الروايات في محلها لا تنافي [بينها] (1)؛ لأن كل راء يرى القمر بأي مكان كانت رؤيته. انتهى.

و ذكر القزويني في كتابه عجائب المخلوقات‏ (2) من أنه: من أكل عليه رأسا مشويا يأمن وجع الرأس.

قلت: اعتادت الناس أكل الرأس فوقه و يظنون أنه سنّة، و يأكلون ذلك في رأس الجبل في وسط صهريج معد للماء، لماء كان على رأسه، كان قبل ذلك قلعة لبعض ملوك مكة، بناها مكثر أخو داود بن عيسى، يتخلص بها عند انهزامه من أخيه داود، ثم بعد ذلك نقضها مكثر لما ولي مكة (3) بدل أخيه داود، و ذلك في سنة خمسمائة [و ثمان‏] (4) و ثمانين‏ (5). كذا في تاريخ مصطفى الشهير بجنابي.

و عامة الناس يسمون ذلك المحل: حبس الحجاج، و ليس كذلك، و هو الآن خراب قد انهدم سقفه.

و فوق أبي قبيس مسجد مشرف على الكعبة و الحرم، بناه رجل هندي‏

____________

(1) في الأصل: بينهما.

(2) عجائب المخلوقات و غرائب المخلوقات (ص: 201).

(3) في الأصل زيادة: على.

(4) في الأصل: و ثمانية.

(5) انظر: الغازي (1/ 694)، و التاريخ القويم (2/ 285).