تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام ومكة والحرم وولاتها الفخام‏ - ج1

- محمد بن أحمد المالكي المكي المزيد...
557 /
53

تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام و المشاعر العظام و مكة و الحرم و ولاتها الفخام تأليف الشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن محمد المالكي المكي المعروف بالصبّاغ 1243- 1321 ه دراسة و تحقيق أ. د. عبد الملك بن عبد اللّه بن دهيش‏

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

55

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[مقدمة المؤلف‏]

يقول العبد الفقير إلى ربه القدير [محمد بن أحمد بن سالم بن محمد الصباغ، المالكي‏] (1) مذهبا، المكي بلدا: الحمد للّه الذي جعل البيت العتيق مثابة للناس و أمنا، و أكرمه بالنسبة إلى نفسه تشريفا و تعظيما، و أمر بتطهير البيت الحرام للطائفين و العاكفين، و أزال عنهم الخوف و البأس، و جعل المسجد الحرام أمنا، و قيّض لعمارته من شاء من خلقه من الخلفاء و السلاطين.

نحمده على حصول المزايا، و نشكره على الكرامة و الإسعاد بهذا الحرم الشريف الذي سواء العاكف فيه و البادي.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له البرّ السلام، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله المنزل عليه: قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏ [البقرة: 144] صلى اللّه عليه و على آله و صحبه العظام، نجوم الدين و مصابيح الظلام، ما طاف بالبيت العتيق طائف، و اعتكف بالمسجد الحرام عاكف، و وقف بعرفات و المشعر الحرام واقف.

أما بعد: لما وفقني اللّه لطلب العلم الشريف، و جعلني من جيران بيته المعظم المنيف؛ تشوقت نفسي للاطلاع على علم الآثار، و إلى فنّ التاريخ و الأخبار. فلما طالعت ذلك وفقني اللّه إلى هذا التأليف، فشرعت فيه من‏

____________

(1) ما بين المعكوفين كشط في الأصل، و كتب مكانه: عبد الستار الدهلوي الصديقي الحنفي. و انظر المقدمة ص: 11.

56

كل خبر لطيف، و أثر مبارك شريف.

و لا يحملك الاعتراض من غير تأمل؛ فإن هذا قد جبلت عليه الأقران؛ من إنكار ما يجده لغيره من المزايا الحسان، و لا يميلك استصغار مؤلفه إلى نبذ فوائده، و الاستنهال [من‏] (1) عظم فرائده، فإن لك غنمها و على غيرك غرمها. و ما علم فضل نفسه بمثل اعتراف الفضل في كل فاضل، و مع ذلك لم أدّع رتبة الكمال؛ ففوق كل ذي علم عليم. و لا أزعم التنزه عن النقص و العيب؛ فالمنزه عن كل عيب هو اللّه القدوس العزيز العليم، و لقد قيل:

لا يبعد ذو كمال من نقص، و لا يخلو ذو نقص من كمال، فلا يمنعك نقص الكمال من استفادة كلامه، و لا يوعبك كمال النقص في الميل إلى نقصه.

و لقد كتب أستاذ البلغاء القاضي عبد الرحيم البياني إلى العماد الأصفهاني الكاتب معتذرا عن كلام استدركه عليه: و قد وقع لي شي‏ء و ما أدري أدفع لك أم لا؟ و ها أنا أخبرك به، و ذلك أني رأيت أن لا يكتب إنسان كتابا في يومه، إلا قال في [غده‏] (2): لو غيّر هذا المكان كان أحسن، و لو زيد هذا يستحسن، و لو قدم هذا لكان أفضل، و لو ترك هذا لكان أجمل. و هذا من أعظم العبر، و هو دليل على استيلاء النقص على البشر.

انتهى.

فالأليق بالفاضل إن عثر بشي‏ء مما كتبه المؤلف؛ أن يستر الزلل، و يسدّ الخلل، و الكريم غفار، و الحليم ستار، و استعنت اللّه على ذلك، راقيا فيه أعلا المسالك، و انتخبته من كتب عديدة، لأئمة كبار ذوي مناقب حميدة،

____________

(1) في الأصل: في.

(2) في الأصل: عدة مواضع.

57

منها (1): السيرة النبوية المسماة ب «إنسان العيون» للشيخ علي بن برهان الدين الحلبي. و «شفاء الغرام»، و «العقد الثمين» للسيد تقي الدين الفاسي مؤرخ مكة، و «المواهب اللدنية» للحافظ أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني، و شرحها للشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني، و «البحر العميق» لأبي الضياء محمد بن أحمد بن محمد أبي الضياء المكي العمري القرشي، و «الإعلام لأهل بلد اللّه الحرام» للشيخ قطب الدين محمد بن أحمد المكي الحنفي مؤرخ مكة، و «درر الفرائد» للشيخ عبد القادر الأنصاري الجزيري الحنبلي مؤرخ مكة، و «زبدة الأعمال في فضائل مكة» للشيخ سعد الدين الإسفرائيني، و «كتاب مكة» للأزرقي، و «منائح الكرم في أخبار البيت و ولاة الحرم» للسنجاري، و «توضيح المناسك»، و حاشيته لشيخنا الشيخ حسين- مفتي المالكية بمكة- ابن إبراهيم بن حسين بن محمد بن عامر (2)، و المغربي أصلا، و غيرهم من فحول الرجال.

تنبيه: قال العلماء في آداب البحث: إذا كنت ناقلا كلاما فصححه؛ أي: إذا كنت ناقلا كلام غيرك فصحح النقل، و لا عليك شي‏ء، و قد ذكرت من أين نقلت. فمن لم يقنع فليراجع ما ذكرنا من الكتب، و العلم أمانة، و سميته: «تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام، و المشاعر العظام، و مكة و الحرم».

و رتبته على ستة أبواب و فصول بما يقتضيه الحال، و خاتمة في ذكر مقابر مكة و تعريفها، و بعض من دفن فيها، و تعريف بعض من دفن في غيرها، كسيدنا عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و سيدي عبد اللّه المحجوب، و سيدي‏

____________

(1) سبق التعريف بهذه الكتب مقدمة الكتاب في الفصل الرابع.

(2) في الأعلام للزركلي: عابد (2/ 230).

58

محمود بن الأدهم، و غيرهم مما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

و أتممته بذكر أمراء مكة من الأشراف و غيرهم، طبقة بعد طبقة، إلى وقتنا هذا [و هو سنة ألف و مائتين و أربعة و ثمانين‏] (1)، و ذكر الفتن، و السيول، و الصواعق، و الوباء، و ظهور النار بالمدينة، و ما ناسب ذلك من الحوادث، مما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

الباب الأول: في بناء البيت الحرام، و عدد بنائه، و أول من بناه، و من جعل له بابا، و ذكر ميزابه، و أول من جعل ذلك ... إلخ. و ذكر معاليق البيت، و ذكر الكسوة، و حكم بيعها، و ذكر بعض فضائل البيت، و فضل النظر إليه. و فيما يتعلق بالحجر الأسود، و الحجر، و المقام، و الملتزم، و الحطيم، و المستجار، و المطاف و فضلهم. و في الأماكن التي صلّى فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حول البيت و داخله، و في سدانة (2) البيت- أي: و هي الحجابة- و هي لبني شيبة (3)، و أن الحجابة بيدهم من زمن قصي، و زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) [و ما بعده‏] (4)، و أن عقبهم [باق‏] (5) ما دام البيت.

و فيه ثمانية عشر فصلا:

الفصل الأول: في بناء البيت الحرام، و عدد بنائه، و أول من بناه.

الفصل الثاني: فيمن جعل له بابا، و أول من بوّبه.

الفصل الثالث: في ذكر ميزاب البيت، و من حلّاه، و أول من جعل له‏

____________

(1) ما بين المعكوفين طمس في الأصل.

(2) في الأصل: سدنة.

(3) بنو شيبة: هم بطن من عبد الدار من قريش، حجبة الكعبة المعروفون إلى الآن ببني شيبة (نهاية الأرب ص: 310).

(4) قوله: و ما بعده، طمس في الأصل.

(5) في الأصل: باقي.

59

ذلك.

الفصل الرابع: في ذكر تحلية الكعبة، و أول من حلّاها.

الفصل الخامس: في ذكر معاليق الكعبة، و أول من علّق عليها المعاليق.

الفصل السادس: في ذكر كسوة الكعبة قديما و حديثا، و أول من كساها، و حكم بيعها و شرائها، و التبرّك بها.

الفصل السابع: في ذكر بعض فضائل الكعبة المشرفة.

الفصل الثامن: فيما يتعلق بالحجر الأسود و أنه من الجنة، و في سبب نزوله و ما قيل فيه، و أخذ القرامطة له، و رجوعه إلى محله، و في تحليته و أول من حلاه.

الفصل التاسع: في فضائل الحجر الأسود، و الركن اليماني، و ما ورد بأن الدعاء يستجاب عندهما.

الفصل العاشر: فيما يتعلق بالملتزم من الفضائل، و معرفة محله.

الفصل الحادي عشر: فيما يتعلق بالمستجار، و معرفة محله، و ما جاء في فضله.

الفصل الثاني عشر: فيما جاء في الحطيم و الحجر، و اختلاف العلماء في محل الحطيم، و فيمن جدد الحجر بعد الحجاج، و ما جاء في فضلهما.

الفصل الثالث عشر: فيما يتعلق بمقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام و فضله، و من حلّاه، و أول من جعل ذلك، و في أي موضع كان زمن إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) و زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و من أخّره إلى موضعه الذي هو فيه الآن.

الفصل الرابع عشر: فيما يتعلق بالمطاف، و أول من فرشه بعد ابن الزبير، و فضل الطواف، و أول من طاف بالبيت، و من دفن حول البيت و بين المقام و زمزم من الأنبياء، و ما جاء في فضل الطواف في الحرّ و المطر

60

و غيره.

الفصل الخامس عشر: في معرفة الأماكن التي صلّى فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حول البيت و داخله.

الفصل السادس عشر: في [سدانة] (1) البيت- و هي الحجابة- أي:

خدمة البيت و تولي أمره، و فتح بابه و إغلاقه، من زمن قصي إلى زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هم بنو شيبة، و أن عقبهم باق ما دام البيت، كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

الفصل السابع عشر: في فتح الكعبة المشرفة زمن الجاهلية و الإسلام، و في أيّ يوم تفتح من السنة.

الفصل الثامن عشر: في المصابيح التي تقاد حول المطاف، و أول من جعل ذلك.

الباب الثاني: فيما يتعلق بزمزم، و فيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في إخراج زمزم لإسماعيل عليه الصلاة و السلام بواسطة جبريل.

الفصل الثاني: في ذكر حفر عبد المطلب جدّ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) زمزم بعد اندراسها.

الفصل الثالث: في فضل زمزم و أسمائها.

الباب الثالث: فيما كان عليه وضع المسجد الحرام في أيام الجاهلية و صدر الإسلام، و بيان ما حدث فيه من التوسع من زيادة عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان رضي اللّه عنهما، و زيادة ابن الزبير، و المهدي الأولى‏

____________

(1) في الأصل: سدنة.

61

و الثانية، و توسيعه بهذه الحالة الذي هو عليه الآن، و تجديد آل عثمان له، و ما عمّر فيه الخلفاء و السلاطين، و فضله، و فيه تسعة فصول:

الفصل الأول: فيما كان عليه المسجد الحرام زمن الجاهلية، و زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أبي بكر رضي اللّه عنه، و زيادة عمر بن الخطاب، و عثمان بن عفان، و ابن الزبير رضي اللّه عنهم، و زيادة المهدي العباسي الأولى و الثانية، و توسيعه له بهذه الحالة الموجودة. و لم يزد فيه أحد [شيئا] (1) بعده إلا زيادة دار الندوة (2)، و زيادة باب إبراهيم. و من عمّر فيه من الملوك و السلاطين، إلى أن آل أمر الحرمين إلى الدولة العثمانية فجدّدوه، إلى آخر ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

الفصل الثاني: في تجديد آل عثمان الحرم الشريف بهذه القبب الموجودة، و ذرعه، و عدد أساطينه و قببه و شرافاته، و عدد أبوابه و أسمائها قديما و حديثا.

الفصل الثالث: فيما حدث في المسجد الحرام لأجل المصلحة من مقامات الأئمة و غيرها.

الفصل الرابع: فيما وضع في المسجد الحرام لمصلحة من المنائر و المنابر.

الفصل الخامس: في ذكر المصابيح التي توقد في المسجد الحرام.

الفصل السادس: في عمارة ملوك آل عثمان بعد بنائهم الأول، أي:

بناء السلطان سليم و السلطان مراد.

____________

(1) في الأصل: شي‏ء.

(2) دار الندوة: بناها قصي جد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في الجانب الشمالي، و هو الآن رحبة باب الزيادة، و كانت أشبه بالبرلمان في وقتنا الحالي (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 6). و هو المكان الذي أقيم عليه المقام الحنفي بالمسجد الحرام (اللسان، مادة: ندي).

62

الفصل السابع: في فضل المسجد الحرام، و فضل الصلاة فيه، و حدود الحرم، و تحريره بالذرع و الأميال، و ما المراد بالمسجد الحرام في حديث ابن الزبير: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ... إلخ».

الفصل الثامن: في ذكر الصفا و المروة و ذرع ما بينهما.

الفصل التاسع: في ذكر عرفة، و بيان محل موقف النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في عرفة، و ذكر مسجد عرفة و يقال له: مسجد إبراهيم، و حدود عرفة، و فضل يومه، و ذكر المزدلفة و حدودها، و المشعر الحرام، و بيان وادي المحسر، و ذكر منى و فضلها، و ذكر الجعرانة، و بيان المحل الذي أحرم منه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و فضلها، و ذكر التنعيم، و بيان محل مسجد عائشة رضي اللّه عنها، و فضل العمرة. و ذكر الحديبية، و بيان محلها، و فضل جدة.

الباب الرابع: في ذكر مكة المشرفة و أسمائها، و فضل جبالها التي بالحرم مما يقارب مكة، و الأماكن المباركة فيها من المساجد التي بها، و ما قاربها مما هو في الحرم، و الدور المباركة بمكة، و المواليد، و المساجد التي بمنى، و فيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في ذكر مكة المشرفة و عدد أسمائها.

الفصل الثاني: في ذكر جبال مكة المشرفة و ما قاربها مما هو في الحرم و فضلهم.

الفصل الثالث: في الأماكن المشرفة التي بمكة مما هو فيها و في الحرم، كالمساجد التي بمنى و ما قاربها مما هو في الحرم التي يستحب زيارتها و الصلاة و الدعاء فيها رجاء بركتها، و هذه الأماكن منها: مساجد و دور و مواليد، و المساجد أكثر من غيرها.

63

الباب الخامس: في فضل مكة المشرفة، و فيما جاء في تحريم حرمها، و فضل أهلها، و حكم المجاورة بها و فضلها، و في أن مكة و المدينة أفضل بقاع الأرض، و اختلاف العلماء أيهما أفضل، أي: بعد البقعة التي دفن فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و في الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء بمكة و الحرم و ما قاربهما، و فيه خمسة فصول:

الفصل الأول: في فضل مكة المشرفة و ما جاء في تحريم حرمها.

الفصل الثاني: في فضل مكة و المدينة، و أنهما أفضل بقاع الأرض، و اختلاف العلماء أيهما أفضل، بعد اتفاقهم بالفضل على البقعة التي فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

الفصل الثالث: في الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء بمكة و الحرم و ما قاربهما.

الفصل الرابع: في فضل أهالي مكة.

الفصل الخامس: في حكم المجاورة بمكة و فضلها.

الباب السادس: في ذكر عيون مكة و البرك و الآبار و السقايات مما هو بها و بالحرم و ما قاربهما، و ذكر حياضها، و فيه أربعة فصول:

الفصل الأول: في ذكر العيون التي بمكة و بالحرم و ما قاربهما.

الفصل الثاني: في ذكر المدارس و الأربطة الموقوفة بمكة قديما و حديثا، و ذكر البرك التي بمكة و بالحرم و ما قاربهما.

الفصل الثالث: في ذكر الآبار و السقايات التي بالحرم و ما قاربهما.

الفصل الرابع: في ذكر الحياض التي بمكة.

الخاتمة: في ذكر مقابر مكة و تعريفها و من دفن فيها من الصحابة و الصالحين، و معرفة قبر سيدنا عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما.

64

و أتممت هذا الكتاب بذكر أمراء مكة من الأشراف و غيرهم، [و ذكر] (1) الحوادث مما ستقف عليه إن شاء اللّه.

____________

(1) قوله: و ذكر، كشطت في الأصل.

65

الباب الأول و فيه فصول كما تقدم:

الفصل الأول: في عدد بناء البيت الحرام، و أول من بناه‏

ذكر الحلبي في السيرة و لفظه: ففي بعض الآثار: إن اللّه سبحانه و تعالى قبل أن يخلق السموات و الأرض كان عرشه على الماء- أي: العذب-، فلما اضطرب العرش كتب عليه: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه فسكن العرش، فلما أراد أن يخلق السموات و الأرض أرسل الريح على ذلك الماء فتموّج فعلا دخانه، فخلق اللّه من ذلك الدخان السموات، ثم أزال ذلك الماء عن موضع الكعبة فيبس.

و في لفظ: أرسل على الماء ريحا هفافة (1) [فصفقت الريح الماء] (2)- أي:

ضرب بعضه بعضا-، فأبرز عنه خشفة (3)- أي: بالخاء المعجمة- و هي:

حجارة يبست بالأرض في موضع الكعبة كأنها قبة ... الحديث‏ (4).

و بسط اللّه من ذلك الموضع جميع الأرض طولها و العرض، فهي أصل الأرض [و سرتها] (5). و لما ماجت الأرض وضع عليها الجبال، و كان أول‏

____________

(1) ريح هفافة: سريعة المرور في هبوبها. (النهاية، مادة: هفت).

(2) في الأصل: فضفقته للريح للماء. و التصويب من السيرة الحلبية.

(3) الخشفة: هي حجارة تنبت في الأرض نباتا، و تروى بالحاء المهملة و بالعين بدل الفاء.

(اللسان، مادة: خشف).

(4) أخرجه الأزرقي من حديث ابن عباس (1/ 32).

(5) في الأصل: و صرتها. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 237). و انظر: (القاموس المحيط، مادة: سرر).

66

جبل وضع عليها [أبو قبيس‏] (1)، و على هذا فهو أبو الجبال و أفضلها. اه حلبي‏ (2).

و حديث البيهقي عن ابن عباس و لفظه: أول بقعة وضعت من الأرض موضع البيت ثم مدّت منها الأرض، و إن أول جبل وضعه اللّه تعالى على وجه الأرض أبو قبيس، ثم مدت منه الجبال. كذا في الجامع الصغير (3).

اه.

و لما خاطب اللّه السموات و الأرض بقوله: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏ [فصلت: 11] كان المجيب من الأرض موضع الكعبة، و من السماء ما حاذاها، الذي هو البيت المعمور.

و لما قال اللّه سبحانه و تعالى للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30] و قالوا: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ [البقرة: 30] فغضب عليهم ربهم.

و في لفظ (4): ظنت الملائكة- أي: علمت- أن ما قالوا [ردّ] (5) على ربهم، و أنه قد غضب عليهم من قولهم، فلاذوا بالعرش و طافوا به سبعة أطواف يسترضون ربهم، فرضي عليهم.

و في لفظ: فنظر إليهم و نزلت الرحمة عليهم، فعند ذلك قال اللّه لهم:

____________

(1) في الأصل: أبا قبيس. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 238). و أبو قبيس: الجبل المشرف على الكعبة المشرفة من مطلع الشمس، و كان يزحم السيل فيدفعه إلى المسجد الحرام، فنحت منه الكثير و شق بينه و بين المسجد الحرام طريقا للسيل و طريقا للسيارات، و هو مكسو بالبنيان (معجم معالم الحجاز 7/ 89).

(2) السيرة الحلبية (1/ 237- 239).

(3) البيهقي في شعب الإيمان (3/ 432 ح 3984)، و فيض القدير (3/ 83).

(4) انظر: الدر المنثور (1/ 310).

(5) في الأصل: ردا. و التصويب من الدر المنثور.

67

ابنوا لي بيتا في الأرض يعوذ به من سخطت عليه من بني آدم، فيطوفون حوله كما فعلتم بعرشي فأرضى عنهم، فبنوا الكعبة.

و في هذه الرواية اختصار بدليل ما قيل: وضع اللّه تحت العرش البيت المعمور على أربع أساطين من زبرجد، يغشاهن ياقوتة حمراء، و قال للملائكة: طوفوا بهذا البيت أي: لأرضى عليكم. ثم قال لهم: ابنوا لي بيتا في الأرض بمثاله و قدره- أي: ففعلوا-، و قدره عطف تفسير على بمثاله، فالمراد بالمثال: القدر.

و في لفظ: لما قال اللّه تعالى للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30] و قالوا: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ... الآية [البقرة: 30] خافوا أن يكون اللّه عابها عليهم لاعتراضهم في علمه، فطافوا بالعرش سبعا يسترضون ربهم و يتضرّعون إليه، فأمرهم أن ينبوا البيت المعمور في السماء السابعة و أن يجعلوا طوافهم به، فكان ذلك أهون عليهم من الطواف بالعرش. ثم أمرهم أن يبنوا في كل سماء بيتا، و في كل أرض بيتا.

قال مجاهد: هي أربعة عشر بيتا متقابلة، لو سقط بيت منها لسقط على مقابله، و البيت المعمور في السماء السابعة، و له حرمة كحرمة مكة في الأرض، و اسم البيت الذي في سماء الدنيا: بيت العزة.

و في كلام بعضهم: في كل سماء بيت تعمره الملائكة بالعبادة؛ كما يعمر أهل الأرض البيت العتيق بالحج في كل عام، و الاعتمار في كل وقت، و الطواف في كل أوان.

قال الحلبي في السيرة (1): و لينظر ما معنى بناء الملائكة للبيوت في‏

____________

(1) السيرة الحلبية (1/ 241- 243).

68

السموات؛ فقد قال بعضهم: ما تقدم من الأثرين الدالين على أن أول من بناها الملائكة لم يصح واحد منهما، و كانت قبل ذلك- أي: و كان محلها قبل بناء آدم لها- خيمة من ياقوتة حمراء أنزلت لآدم عليه الصلاة و السلام من الجنة أي: لها بابان: باب من زمرد أخضر شرقي، و باب غربي من ذهب منظومان من درّ الجنة، فكان آدم عليه الصلاة و السلام يطوف بها و يأنس إليها، و قد حج إليها من الهند [ماشيا] (1) أربعين حجة.

قال الحلبي: و يجوز أن تكون تلك الخيمة هى البيت المعمور، و عبّر عنها بحمراء؛ لأن سقف البيت المعمور كان ياقوتة حمراء.

و ذكر: أن آدم (عليه السلام) لما أهبط إلى الأرض كان رجلاه بها و رأسه في السماء (2).

و في لفظ: كان رأسه يمسح السحاب فصلع فأورث ولده الصلع‏ (3)- أي: بعض ولده-، و كان آدم يسمع تسبيح الملائكة و دعاءهم فاستأنس بذلك فهابته الملائكة- أي: [صارت‏] (4) تنفر منه-، فشكى إلى اللّه تعالى فنقصه إلى ستين ذراعا بالذراع المتعارف، و قيل: بذراع آدم، فلما فقد أصوات الملائكة حزن و شكى إلى اللّه تعالى، فقال: يا آدم، إني قد أهبطت بيتا يطاف به- أي: تطوف به الملائكة- كما يطاف حول عرشي، [و يصلى عنده كما يصلى عند عرشي‏] (5) أي: كان ذلك- أي: الطواف بالعرش و الصلاة عنده- شأن الملائكة أولا، فلا ينافي ما تقدم أنهم بعد ذلك صاروا

____________

(1) قوله: ماشيا، زيادة من السيرة الحلبية.

(2) أخرجه الأزرقي من حديث ابن عباس (1/ 36).

(3) ذكره القرطبي في تفسيره (1/ 319).

(4) في الأصل: صارة.

(5) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية.

69

يطوفون بالبيت المعمور كما تقدم، فاخرج إليه- أي: طف به- و صلّ عنده، و هذا البيت هو هذه الخيمة [التي‏] (1) أنزلت لأجله، و قد علمت أنه يجوز أن تكون تلك الخيمة هي البيت المعمور (2).

و قيل: أهبط آدم و طوله ستون ذراعا، أي: على الصفة التي خلق عليها، و هو المراد بقوله (صلى اللّه عليه و سلم): خلق اللّه آدم على صورته و طوله ستون ذراعا. اه حلبي.

أقول: و الذي في البخاري‏ (3): «خلق اللّه آدم و طوله ستون ذراعا».

قال القسطلاني‏ (4): زاد عبد الرزاق عن معمر: «على صورته» ...

إلخ‏ (5). و هذه الزيادة هي التي ذكرها الحلبي بقوله: «خلق اللّه آدم على صورته» ... إلخ أي: أوجده اللّه على الهيئة التي خلقه عليها، لم ينتقل عن النشأة أحوالا، بل خلقه كاملا سويا من أول ما نفخ فيه الروح؛ فالضمير في: «صورته» يرجع إلى آدم (عليه السلام).

و عورض هذا التفسير بحديث: «خلق اللّه آدم على صورة الرحمن» (6)، فهي إضافة تشريف و تكريم؛ لأن اللّه خلقه على صورة لم يشاكلها شي‏ء من الصور في الكمال و الحال. اه قسطلاني.

و القيل المتقدم من أنه أهبط و طوله ستون ذراعا يوافقه ما جاء في‏

____________

(1) في الأصل: الذي. و انظر السيرة الحلبية.

(2) انظر: الأزرقي (1/ 42).

(3) صحيح البخاري (3/ 1210 ح 3148).

(4) في الأصل: القسطلان.

(5) صحيح البخاري (5/ 2299 ح 5873)، و مسلم (4/ 2183 ح 2841).

(6) ذكره القرطبي في تفسيره (20/ 114).

70

الحديث المرفوع: «كان طوله ستين ذراعا في سبعة أذرع» (1).

و من ثمّ قال الحافظ ابن حجر (2): إن ما روي من أن آدم لما أهبط كان رجلاه في الأرض و رأسه في السماء، فحطه اللّه إلى ستين ذراعا- أي: الذي تقدم-. لكن ظاهر الخبر الصحيح يخالفه و هو: أنه خلق في ابتداء الأمر على طول ستين ذراعا و هو الصحيح.

و كان آدم (عليه السلام) أمرد، و كان مهبطه بأرض الهند، و جاء: أنه نزل بنخلة العجوة؛ مكان بين مكة و الطائف. اه.

أقول: هو المعروف الآن بالمضيق.

ثم لما أمر اللّه آدم بالخروج لتلك الخيمة، خرج إليها حتى انتهى إلى مكة، و إذا خيمة في موضع الكعبة أي: الذي به الكعبة الآن، و تلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة مجوفة أي: و لها أربعة أركان بيض، و فيها ثلاثة قناديل من ذهب فيها نور يلتهب من نور الجنة، طولها ما بين السماء و الأرض. كذا في بعض الروايات.

و لعل وصف الخيمة بما ذكر لا ينافي ما تقدم؛ [لأنه‏] (3) يجوز أن تكون تلك الخيمة هي البيت المعمور، و إنما رفعت زمن الطوفان إلى السماء على ما يأتي. و وصف بأنه ياقوتة حمراء؛ لأن سقفه كان ياقوتة حمراء، إلا أن التعدد بعيد فليتأمل.

و نزل مع تلك الخيمة الركن و هو الحجر الأسود؛ ياقوتة بيضاء من أرض الجنة و كان كرسيا لآدم (عليه السلام) يجلس عليه أي: و لعل المراد

____________

(1) ذكره ابن حجر في فتح الباري (6/ 367).

(2) فتح الباري (6/ 367).

(3) في الأصل: أنه.

71

يجلس عليه في الجنة. و هذا السياق يدل على أن آدم (عليه السلام) أهبط من الجنة إلى أرض الهند ابتداء.

و في مثير الغرام عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أن آدم (عليه السلام) أهبطه اللّه إلى موضع الكعبة و هو مثل الفلك من شدة رعدته ثم قال: يا آدم تخطّ فتخطى فإذا هو بأرض الهند، فمكث هناك ما شاء اللّه ثم استوحش إلى البيت فقيل له: حجّ يا آدم، فأقبل يتخطى حتى قدم مكة ...

الحديث‏ (1).

و السياق المذكور أيضا يدل على أن الخيمة و الحجر الأسود نزلا بعد خروج آدم من الجنة، و يدل كون الحجر الأسود نزل عليه ما في مثير الغرام: و أنزل الحجر الأسود و هو يتلألأ كأنه لؤلؤة بيضاء، فأخذه آدم فضمّه إليه استئناسا به. هذا كلامه‏ (2).

و في رواية عنه: أنزل الركن و المقام مع آدم (عليه السلام) ليلة نزل آدم من الجنة، فلما أصبح رأى الركن و المقام فعرفهما فضمهما إليه‏ (3).

[قال الحلبي‏] (4): فليتأمل الجمع.

و في رواية: إن آدم نزل بتلك الياقوتة؛ فعن كعب الأحبار قال: أنزل اللّه من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم عليه الصلاة و السلام فقال: يا آدم هذا بيتي أنزلته معك يطاف حوله كما يطاف حول العرش، و يصلى حوله كما يصلى حول عرشي أي: على ما تقدم. و نزل معه الملائكة فرفعوا قواعده‏

____________

(1) العلل المتناهية (2/ 570).

(2) مثير الغرام (ص: 373).

(3) الدر المنثور (1/ 325).

(4) قوله: قال الحلبي، زيادة من ب. (و انظر: السيرة الحلبية 1/ 245).

72

من الحجارة، ثم وضع البيت أي: تلك الياقوتة عليها (1).

[قال الحلبي‏] (2): و حينئذ يحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما.

و قد يقال في الجمع: يجوز أن تكون المعية ليست حقيقية، و المراد: أنه نزل بعده [قريبا] (3) من نزوله، فلقرب الزمن عبّر بالمعية، فلا ينافي ما تقدم من قوله: يا آدم إني قد أهبط بيتا يطاف به، فاخرج إليه.

و جاء: أن آدم نزل من الجنة و معه الحجر الأسود متأبطه- أي: تحت إبطه- و هو ياقوتة من يواقيت الجنة، و لو لا أن اللّه تعالى طمس ضوءه ما استطاع أحد أن ينظر إليه‏ (4).

و كون آدم نزل بالحجر الأسود متأبطا له مخالفا للرواية المتقدمة: أنه نزل مع تلك الخيمة التي هي الياقوتة بعد نزوله، و حينئذ يحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما.

و أيضا يحتاج إلى الجمع بين ذلك و بين ما روي عن وهب بن منبه: أن آدم لما أمره اللّه تعالى بالخروج من الجنة، أخذ جوهرة من الجنة- أي: التي هي الحجر الأسود- مسح بها دموعه بتلك الجوهرة حتى اسودّت من دموعه، ثم لما بنى البيت أمره جبريل أن يجعل تلك الجوهرة في الركن‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي من حديث كعب (1/ 40)، و ذكره البيهقي في شعب الإيمان (3/ 436).

(2) قوله: قال الحلبي، زيادة من ب. (و انظر: السيرة الحلبية 1/ 245).

(3) في الأصل: قريب.

(4) أخرجه الأزرقي من حديث ابن عباس (1/ 329). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 325) و عزاه إلى الأزرقي.

73

ففعل‏ (1).

و في بهجة الأنوار: أن الحجر الأسود كان في الابتداء ابتداؤه ملكا صالحا، و لما خلق اللّه آدم [أباح‏] (2) له الجنة كلها إلا الشجرة التي نهاه عنها، ثم جعل ذلك الملك موكلا على آدم عليه الصلاة و السلام ألا يأكل من تلك الشجرة، فلما قدّر اللّه أن يأكل آدم من تلك الشجرة غاب عنه ذلك الملك، فنظر اللّه تعالى إلى ذلك الملك بالهيبة فصار جوهرة. ألا ترى أنه جاء في الأحاديث: الحجر الأسود يأتي يوم القيامة و له يدان و لسان و أذن و عين؛ لأنه كان في ابتدائه ملكا. ذكره الحلبي‏ (3).

و سيأتي تمام الكلام على الحجر الأسود في فصله‏ (4).

و جاء: أن آدم عليه الصلاة و السلام أتى تلك الخيمة التي هي البيت المعمور على ما تقدم ألف مرة من الهند ماشيا بثلاثمائة حجة و سبعمائة عمرة، و أول حجة حجها جاءه جبريل (عليه السلام) و هو واقف بعرفة فقال: يا آدم برّ نسكك، فقد طفنا بهذا البيت قبل أن تخلق بخمسين ألف سنة (5).

و في رواية: لما حج آدم عليه الصلاة و السلام استقبلته الملائكة بالردم- أي: ردم بني جمح- فقالوا: برّ حجك يا آدم، فقد حججنا هذا البيت قبلك بألف عام‏ (6).

____________

(1) ذكره الحلبي في سيرته (1/ 245).

(2) في الأصل: و أباح. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 245).

(3) السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(4) الفصل الثامن ص: 174.

(5) ذكره الأصبهاني في العظمة (5/ 1587). و فيه: بخمسمائة ألف.

(6) ذكره الأزرقي في تاريخه (1/ 44). و فيه: بألفي عام.

74

و في تاريخ مكة للأزرقي‏ (1): أن آدم عليه الصلاة و السلام حج على رجليه سبعين حجة ماشيا، و أن الملائكة لقيته بالمأزمين.

و المأزمان‏ (2) بين مزدلفة و عرفة. و قال الطبري: ما دون منى أيضا مأزمين. و اللّه أعلم المراد منهما. هذا كلام الطبري‏ (3).

و جاء: أنه وجد الملائكة بذي طوى‏ (4) و قالوا: يا آدم ما زلنا ننتظرك هاهنا منذ ألفي سنة. و كان بعد ذلك إذا وصل إلى المحل المذكور خلع نعليه‏ (5).

قال الحلبي‏ (6): و يحتاج للجمع بين كون الملائكة استقبلته بالردم، و كونها لقيته بالمأزمين، و كونه وجدهم بذي طوى، و بين كونهم حجوا البيت قبله بألف عام و بخمسين ألف عام.

أقول: و يمكن الجمع بأنه لقيهم في كل مما ذكر لتكرر مجيئه، و عند ذلك قال آدم: ما كنتم تقولون حول البيت؟ قالوا: كنا نقول: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر. قال آدم عليه الصلاة و السلام: زيدوا فيها: و لا حول و لا قوة إلا باللّه‏ (7).

____________

(1) أخبار مكة للأزرقي (1/ 45).

و المأزمان: طريق يأتي المزدلفة من جهة عرفة، إذا أفضيت معه كنت في المزدلفة، و هو طريق ضيق بين جبلين يسميان الأخشبين، و قد عبّد اليوم، و جعلت له ثلاثة معبدات، إحداها طريق للمشاة يفصله عن طريق السيارات شبك.

(2) في الأصل: و المأزمين.

(3) القرى (ص: 48).

(4) ذي طوى: واد بأسفل بمكة (معجم البلدان 4/ 45)، و هو بمحلة جرول معروف إلى الآن، و يستحب الاغتسال فيه للمحرم.

(5) ذكره السهيلي في الروض الأنف (2/ 300).

(6) السيرة الحلبية (1/ 246).

(7) أخرجه الأزرقي من حديث ابن عباس (1/ 45- 46).

75

و كان طوافه [سبعة] (1) أسابيع بالليل و خمسة بالنهار. و لما فرغ من الطواف صلى ركعتين تجاه باب الكعبة، ثم أتى الملتزم- أي: محله- فقال:

«اللهم إنك تعلم سري و علانيتي فاقبل معذرتي، و تعلم ما في نفسي و ما عندي فاغفر لي ذنبي، و حاجتي فأعطني سؤلي» ... الحديث‏ (2).

قال الحلبي: قول الملائكة: قد طفنا بهذا البيت لا يحسن أن [يعنوا] (3) به تلك الخيمة المعينة بقوله تعالى لآدم عليه الصلاة و السلام: قد أهبط بيتا ...

إلى آخر ما تقدم، و كونها أهبطت مع آدم عليه الصلاة و السلام، بل المراد:

محل ذلك البيت الذي هو الخيمة قبل أن تنزل.

و يجوز أن يكون المراد تلك الخيمة بناء على أنها البيت المعمور، و أن الملائكة طافوا بها قبل نزولها إلى الأرض.

و جاء عن عطاء و سعيد بن [المسيب‏] (4) و غيرهما: أن اللّه تعالى أوحى إلى آدم عليه الصلاة و السلام أن اهبط إلى الأرض [ابن‏] (5) لي بيتا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء (6).

و في رواية: و طف به و اذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي‏ (7)- أي: على ما تقدم- و هذا السياق بظاهره يوافق ما تقدم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أن هبوط آدم عليه الصلاة و السلام كان من الجنة

____________

(1) في الأصل: سبع.

(2) الطبراني في الأوسط (6/ 118 ح 5974).

(3) في الأصل: يعنون. و انظر: السيرة الحلبية (1/ 247).

(4) في الأصل: جبير. و التصويب من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(5) في الأصل: ابني.

(6) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (5/ 92 ح 9092).

(7) ذكره القرطبي في تفسيره (2/ 121).

76

إلى موضع الكعبة ابتداء، و اللّه أعلم. ذكره الحلبي‏ (1).

قال: و جاء أن جبريل (عليه السلام) بعثه اللّه إلى آدم و حواء فقال لهما:

ابنيا أي: قال لهما: إن اللّه يقول لكما: ابنيا لي بيتا. فخط لهما جبريل (عليه السلام)، فجعل آدم عليه الصلاة و السلام يحفر و حواء تنقل التراب حتى أجابه الماء و نودي من تحته: حسبك يا آدم‏ (2).

و في رواية (3): حتى إذا بلغ الأرض السابعة فقذفت فيها الملائكة الصخر ما يطيق الصخرة ثلاثون رجلا. انتهى. ذكره الحلبي‏ (4).

ثم قال: و فيه أنه إن كان أمر آدم عليه الصلاة و السلام ببناء البيت بعد مجيئه إلى تلك الخيمة من الهند ماشيا يخالف ظاهر ما تقدم عن عطاء و سعيد بن المسيب: أوحى اللّه إلى آدم عليه الصلاة و السلام: أن اهبط إلى الأرض [ابن لي بيتا؛ إذ ظاهره: أنه أوحي إليه بذلك و هو في الجنة إلا أن يقال:

المراد بالأرض في قوله: اهبط إلى الأرض‏] (5)- أي: أرض الحرم- أي:

اذهب إلى أرض الحرم ابن‏ (6) لي بيتا.

ثم لا يخفى أن قوله: فقذفت فيه الملائكة الصخر يقتضي: أن إلقاء الملائكة للصخر بعد حفر آدم عليه الصلاة و السلام، و هو لا يخالف ما تقدم: أنزل اللّه من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم عليه الصلاة و السلام فقال اللّه: يا آدم هذا بيتي أنزلته معك، و نزل معه الملائكة فرفعوا قواعده من‏

____________

(1) السيرة الحلبية (1/ 247).

(2) ذكره ابن كثير في البداية و النهاية (2/ 299).

(3) أخرجه الأزرقي في من حديث ابن عباس (1/ 36- 37).

(4) السيرة الحلبية (1/ 247- 248).

(5) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية.

(6) في الأصل: ابني.

77

الحجارة، ثم وضع البيت عليها. فيكون إلقاء الملائكة للصخر بعد حفر آدم عليه الصلاة و السلام، فلما تم ذلك الأس جعل ذلك البيت فوق الصخر. و يكون المراد بقوله: و نزل معه الملائكة- أي: صحبوه- من أرض الهند إلى أرض الحرم.

و جاء في بعض الروايات: أن آدم و حواء لما أسساه، نزل البيت من السماء من ذهب أحمر و كلّ به سبعون ألف ملك، فوضعوه على أس آدم عليه الصلاة و السلام، و نزل الركن فوضع موضعه اليوم من البيت، فطاف به آدم عليه الصلاة و السلام أي: كما كان يطوف به قبل ذلك، و بهذا تجتمع الروايات. قاله الحلبي‏ (1).

ثم قال: و حينئذ لا مانع أن ينسب بناء هذا الأس الذي وضعت عليه الملائكة تلك الخيمة لآدم عليه الصلاة و السلام، و أن ينسب للملائكة؛ أما نسبته للملائكة فظاهر. و أما نسبته لآدم عليه الصلاة و السلام؛ فلأنه السبب فيه، أو أنه كان إذا ألقت الملائكة الصخر يضع آدم عليه الصلاة و السلام بعضه على بعض.

و على نسبة بناء ذلك الأس للملائكة و لآدم عليه الصلاة و السلام؛ يحمل القول بأن أول من بنى الكعبة؛ الملائكة، و القول بأن أول من بنى الكعبة آدم عليه الصلاة و السلام. ذكره الحلبي، ثم قال: فليتأمل.

و جاء: أن آدم عليه الصلاة و السلام بناه من لبنان‏ (2)- جبل بالشام- و من طور زيتا (3)- جبل من جبال القدس-، و من طور

____________

(1) السيرة الحلبية (1/ 248).

(2) لبنان: جبل بالشام (معجم ما استعجم 4/ 1150).

(3) طور زيتا: جبل بقرب رأس عين عند قنطرة الخابور، على رأسه شجر زيتون عذي يسقيه-

78

سيناء (1)- جبل بين مصر [و إيلياء] (2)-. و في كلام بعضهم: أنه جبل من جبال الشام، و هو الذي نودي عليه موسى عليه الصلاة و السلام، و من الجودي‏ (3) و هو جبل بالجزيرة (4).

و في مشارق القاضي عياض‏ (5): الجودي جبل بجزيرة ابن عمر من ناحية الموصل. اه.

و من حراء (6)- جبل بمكة- حتى استوى على وجه الأرض.

و في رواية: من ستة أجبل؛ الخمسة السابقة، و من أبي قبيس- جبل بمكة-، و من رضوى- كسكرى؛ و هو جبل بقرب ينبع‏ (7) في طريق‏

____________

- المطر، و لذلك سمي: طور زيتا. و يقال: إنه مات في هذا الجبل سبعون ألف نبي، و منه رفع عيسى ابن مريم (عليه السلام)، و به صلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه (معجم البلدان 4/ 47).

(1) طور سيناء: الطور جبل ببيت المقدس، ممتد ما بين مصر و أيلة، و هو الذي نودي منه موسى (عليه السلام)، قال تعالى: وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ (معجم ما استعجم 3/ 897).

(2) في الأصل: إيلاء، و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 248)، و انظر: معجم البلدان (1/ 293).

و إيلياء: اسم مدينة بيت المقدس، قيل: معناه بيت اللّه. قال ياقوت: حكى الحفصي فيه القصر، و فيه لغة ثالثة حذف الياء الأولى فيقال: إلياء- بسكون اللام و المد-. قال أبو علي: و قد سمي البيت المقدس إيلياء (معجم البلدان، الموضع السابق).

(3) الجودي: جبل بالموصل يطل على دجلة، و قيل: هو بباقردى من أرض الجزيرة. و على هذا الجبل استوت سفينة نوح (عليه السلام) لما نضب ماء الطوفان. قال تعالى: وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ‏ (معجم ما استعجم 1/ 403).

(4) أخرجه الأزرقي من حديث ابن عباس (1/ 37).

(5) المشارق (1/ 169).

(6) سيأتي تعريفه عند ذكر جبال مكة.

(7) ينبع: هي عن يمين رضوى لمن كان منحدرا من المدينة إلى البحر على ليلة من رضوى من المدينة، و هي لبني حسن بن علي، و كان يسكنها الأنصار و جهينة و ليث، و فيها عيون عذاب غزيرة (معجم البلدان 5/ 449- 450).

79

المدينة-، و من أحد (1)- جبل بالمدينة- (2).

فالمتحصل من الروايتين: أنه بناه من ثمانية أجبل و لا مانع من ذلك.

و استمر ذلك البيت الذي هو الخيمة إلى زمن نوح عليه الصلاة و السلام، فلما كان الغرق بعث اللّه له سبعين ألف ملك رفعوه إلى السماء- أي: الرابعة- و هو البيت المعمور كما في الكشاف‏ (3)، و كان رفعه لئلا يصيبه الماء النجس، و بقيت قواعده التي هي الأس. انتهى‏ (4).

و في رواية: أن أول من بنى الكعبة- أي: كلها- بعد أن رفعت تلك الخيمة بعد موت آدم عليه الصلاة و السلام، ولده شيث (عليه السلام)، بناها بالطين و الحجارة أي: فهي أولية إضافية، ثم لما جاء الطوفان انهدم و بقي محله. و قيل: إنه استمر و لم يبنه أحد إلى زمن إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

ذكره الحلبي‏ (5).

و ذكر ابن خلدون في مقدمة تاريخه و نصه: يقال أن آدم (عليه السلام) بناها قبالة البيت المعمور ثم [هدمها] (6) الطوفان بعد ذلك، و ليس فيه خبر صحيح يعول عليه و إنما اقتبسوه من مجمل الآية في قوله: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ‏ [البقرة: 127].

____________

(1) أحد: اسم الجبل الذي كانت عنده غزوة أحد، و هو جبل أحمر ليس بذي شناخيب، و بينه و بين المدينة قرابة ميل في شماليها، و عنده كانت وقعة أحد التي قتل فيها حمزة عم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و سبعون من المسلمين، و كسرت رباعية النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و شجّ وجهه الشريف و كلمت شفته (معجم البلدان 1/ 109).

(2) ذكره ابن حجر في فتح الباري (6/ 407).

(3) الكشاف (4/ 33).

(4) السيرة الحلبية (1/ 248- 249).

(5) السيرة الحلبية (1/ 250).

(6) في الأصل: هدمه.

80

ثم بعث اللّه إبراهيم و كان من شأنه و شأن زوجته سارة و غيرتها من هاجر ما هو معروف، و أوحى اللّه إليه أن يترك ابنه إسماعيل و أمه هاجر بالفلاة، فوضعهما عند البيت و سار عنهما، و كيف جعل اللّه [لهما] (1) من اللطف في نبع ماء زمزم، و مرور الرفقة من جرهم حتى احتملوهما و سكنوا إليهما، و نزلوا معهما حوالي زمزم كما عرف في موضعه، فاتخذ إسماعيل بموضع الكعبة بيتا يأوي إليه، و أدار عليه سياجا من الردم و جعله زربا لغنمه، و جاء إبراهيم عليه الصلاة و السلام مرارا لزيارته من الشام أمر في آخرها ببناء الكعبة مكان ذلك الزرب. اه (2).

و ذكر الحلبي و لفظه: ففي رواية: أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام لما أراد بناء الكعبة جاءه جبريل (عليه السلام) فضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن أسّ ثابت على الأرض السابعة، ثم بناها إبراهيم عليه الصلاة و السلام على ذلك الأس، و يقال له القواعد، و هذا الأس كما علمت لآدم عليه الصلاة و السلام و الملائكة، و إنما قيل له: أس إبراهيم و قواعده؛ لأنه بنى على ذلك الأس و لم ينقضه‏ (3).

و مما يدل للقيل المذكور: ما جاء في بعض الروايات عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: دثر مكان البيت‏ (4) [أي: بسبب الطوفان بدليل ما جاء في رواية: قد درس مكان البيت‏] (5) بين نوح و إبراهيم عليهما الصلاة

____________

(1) قوله: لهما، زيادة من مقدمة ابن خلدون.

(2) مقدمة ابن خلدون (1/ 350).

(3) أخرجه الأزرقي بأطول منه من حديث ابن عباس (1/ 36).

(4) ذكره ابن حجر في اللسان (1/ 97)، و الجرجاني في الكامل (1/ 251)، و الذهبي في الميزان (1/ 181).

(5) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية.

81

و السلام، و كان موضعه أكمة حمراء، و كان يأتيه المظلوم و المتعوذ من أقطار الأرض، و ما دعا أحد عنده إلا استجاب اللّه له. انتهى‏ (1).

و جاء أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها: لم يحج البيت هود عليه الصلاة و السلام و صالح عليه الصلاة و السلام؛ لتشاغل هود بقومه، و لتشاغل صالح بقومه ثمود (2).

و جاء: أن اللّه سبحانه و تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه الصلاة و السلام:

أن ابن لي بيتا. فقال إبراهيم عليه الصلاة و السلام: أين [أبنيه‏] (3)؟ فأوحى اللّه إليه: أن اتبع السكينة و هي: ريح لها وجه كوجه الإنسان‏ (4)، و قيل:

كوجه الهرة، و جناحان، و لها لسان تتكلم به‏ (5).

و في الكشاف في تفسير السكينة التي كانت في التابوت الذي هو صندوق التوراة قيل: هو صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهرة، و ذنب كذنبها.

و عن علي كرم اللّه وجهه: كان لها وجه كوجه الإنسان. هذا كلام الكشاف‏ (6).

و في رواية: بعث اللّه ريحا يقال لها: الخجوج‏ (7) لها جناحان و رأس في صورة حية، فكشفت لإبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام ما

____________

(1) السيرة الحلبية (1/ 250).

(2) المرجع السابق.

(3) في الأصل: أبنه.

(4) في الأصل زيادة: أي.

(5) السيرة الحلبية (1/ 250).

(6) الكشاف (1/ 473)، الآية: 248 من البقرة. قال تعالى: وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ....

(7) الريح الخجوج: هي الريح الشديدة المرور في غير استواء (النهاية 2/ 11).

82

حول البيت من أساس البيت الأول‏ (1).

و في رواية: أرسل اللّه سبحانه و تعالى سحابة فيها رأس، فقال الرأس:

يا إبراهيم إن ربك أمرك أن تأخذ بقدر السحابة، فجعل ينظر إليها و يخط قدرها، ثم قال الرأس له: قد فعلت ذلك؟ قال: نعم، فارتفعت‏ (2).

فليتأمل الجمع بين هذه الروايات و بين ما تقدم: أن جبريل (عليه السلام) ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ... إلخ. ذكره الحلبي‏ (3).

و جاء: أن السكينة جعلت تسير، و دليله الصّرد و هو: طائر معروف فوق العصفور، و صار إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام يتبعون الصرد حتى [وصلا] (4) إلى محل البيت، و صارت السكينة سحابة و قالت:

يا إبراهيم، خذ قدر ظلّي فابن عليه‏ (5).

و في لفظ: لما أمر اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام ببناء البيت ضاق به ذرعا، فأرسل اللّه إليه السكينة و هي: ريح خجوج متلوية في هبوبها لها رأس ... الحديث‏ (6)، فحفر إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) فأبرز- أي:

الحفر- عن أس ثابت في الأرض، فبنى إبراهيم، و إسماعيل يناوله الحجارة- أي: التي تأتي بها الملائكة كما سيأتي- حتى ارتفع البناء.

____________

(1) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (10/ 34)، و الطبري في تاريخه (1/ 153).

(2) ذكره القرطبي في تفسيره (2/ 121)، و ابن عبد البر في التمهيد (10/ 31).

(3) السيرة الحلبية (1/ 252).

(4) في الأصل: وصل. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 254).

(5) ذكره الترمذي في نوادر الأصول في أحاديث الرسول (2/ 14)، و القرطبي في تفسيره (7/ 270).

(6) أخرجه الأزرقي من حديث علي بن أبي طالب (1/ 61). و انظر: الأحاديث المختارة (2/ 62 ح 438)، و المستدرك (1/ 629)، و المعجم الأوسط (7/ 89 ح 6941).

83

انتهى‏ (1).

قال الحلبي: يحتمل أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام لما أوحى اللّه إليه بذلك كان بمكة عند إسماعيل عليهما الصلاة و السلام، و أنهما كانا بمحل بعيد عن محل البيت، و يحتمل أنهما كانا بغيرها ثم جاءا. انتهى‏ (2).

ثم لما ارتفع البناء جاء بالمقام- أي: و هو الحجر المعروف-، فقام عليه و هو يبني و هما يقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ [البقرة: 127]. و صار كلما ارتفع البناء ارتفع به المقام في الهواء، فأثّر قدم إبراهيم عليه الصلاة و السلام في ذلك الحجر. و جعل ارتفاع البيت تسعة أذرع، قيل: و عرضه ثلاثون ذراعا. قال بعضهم: و هو خلاف المعروف.

[قال القليوبي‏] (3): و كان يبني كل يوم مدماكا (4) لا بقصّة و لا مدر (5)، بل يرضمه رضما (6)، و قيل: أساسه بطين و بقيته رضم. اه.

و في الأخبار: ما رفع حجرا إلا بلّه بدموعه، و ما رفع حجرا إلا بعد أن ناداه: ارفعني يا إسماعيل. قاله القليوبي. اه.

و لم يجعل له سقفا، و لا بناها بمدر و إنما رصه رصا، و جعل له بابا لاصقا بالأرض غير مرتفع عنها، و لم ينصب عليه بابا- أي: يقفل- و إنما

____________

(1) السيرة الحلبية (1/ 254- 255).

(2) المرجع السابق (1/ 255).

(3) قوله: قال القليوبي، زيادة من ب.

(4) المدماك: مقياس قديم لأهل مكة.

(5) القصّة: الجصّ، و قيل: الحجارة من الجص (اللسان، مادة: قصص). و المدر: قطع الطين اليابس، و قيل: الطين العلك الذي لا رمل فيه، واحدته: مدرة (اللسان، مادة: مدر).

(6) الرضم: صخور عظام يرضم بعضها فوق بعض في الأبنية (لسان العرب، مادة: رضم، و المعجم الوسيط 1/ 351).

84

جعله تبع الحميري بعد ذلك، و حفر له بئرا داخله عند بابه- أي: على يمين الداخل منه- يلقى فيه ما يهدى إليها، و كان يقال له: خزانة الكعبة.

و ذكر ابن خلدون في مقدمة تاريخه‏ (1) و لفظه: و قد وجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين افتتح مكة في الجبّ الذي كان بالكعبة سبعين ألف أوقية من الذهب، مما كانت الملوك تهدي إلى البيت، فيها ألف ألف دينار- مكررة مرتين- بمائتي قنطار (2) وزنا. و قال له علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه! لو استعنت بهذا المال على حربك، فلم يفعل، ثم ذكر لأبي بكر رضي اللّه عنه فلم يحركه. هكذا قال الأزرقي‏ (3).

و أقام ذلك المال إلى أن كانت فتنة الأفطس، و هو [الحسين بن الحسن‏] (4) بن علي بن علي‏ (5) زين العابدين سنة تسع و تسعين و مائة حين غلب على مكة، عمد إلى الكعبة فأخذ ما في خزانتها [و قال‏] (6): ما تصنع الكعبة بهذا المال؟ و بطلت الذخيرة من الكعبة من يومئذ. اه.

و لما أراد أن يجعل حجرا يجعله علما للناس- أي: يبتدئون الطواف منه و يختمون به-، ذهب إسماعيل عليه الصلاة و السلام إلى الوادي يطلب حجرا، فنزل جبريل (عليه السلام) بالحجر الأسود يتلألأ نورا أي: فكان‏

____________

(1) مقدمة ابن خلدون (1/ 353- 354)، و انظر: أخبار مكة للأزرقي (1/ 247).

(2) القنطار هو: من الأوزان المصرية، و هو يساوي 100 رطل أو 36 أوقة (دائرة معارف القرن العشرين 7/ 954).

(3) أخبار مكة للأزرقي (1/ 246).

(4) في الأصل: الحسن بن الحسين، و هو خطأ، و انظر ترجمته في: غاية المرام (1/ 389)، و العقد الثمين (3/ 417)، و شفاء الغرام (2/ 310)، و سيأتي ذكره لاحقا كما أثبتناه.

(5) في الأصل زيادة: بن. و هو خطأ.

(6) في الأصل: فقال. و المثبت من الغازي (1/ 245).

85

نوره يضي‏ء إلى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية (1).

و في الكشاف‏ (2): أنه اسودّ لما مسته الحيّض في الجاهلية.

و تقدم: أنه اسود من مسح آدم عليه الصلاة و السلام لما مسح به دموعه.

و جاء: أن خطايا بني آدم سوّدته.

و أما شدة سواده؛ فبسبب إصابة الحريق الذي أصابه أولا في زمن قريش، و ثانيا في زمن ابن الزبير رضي اللّه عنه على ما يأتي بيانه إن شاء اللّه.

و قد كان رفع حين غرقت الأرض زمن نوح عليه الصلاة و السلام بناء على أنه كان موجودا في تلك الخيمة كما تقدم في رواية: أن إبراهيم قال لإسماعيل عليهما الصلاة و السلام: يا بني اطلب لي حجرا حسنا أضعه هاهنا. قال: يا أبتي إني كسلان لغب‏ (3)- أي: تعب- قال: عليّ بذلك فانطلق. و جاء جبريل (عليه السلام) بالحجر من الهند، و هو الحجر الذي خرج به آدم عليه الصلاة و السلام من الجنة، فوضعه إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و قيل: وضعه جبريل (عليه السلام) فجاء إسماعيل عليه الصلاة و السلام بحجر من الوادي فوجد إبراهيم عليه الصلاة و السلام قد وضع الحجر مكانه‏ (4).

____________

(1) أخرجه الأزرقي من حديث محمد بن إسحاق (1/ 65). و ذكره ابن حجر في فتح الباري (6/ 406).

(2) الكشاف (1/ 94).

(3) لغب: اللغوب: التعب و الإعياء، و لغب بالكسر لغة ضعيفة و معناه: أعيا أشد الإعياء، قال في التنزيل: وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ‏. (اللسان، مادة: لغب).

(4) ذكره الطبري في تفسيره (1/ 550).

86

و جاء: أن اللّه استودع الحجر بأبي قبيس حين أغرق اللّه الأرض و قال له: إذا رأيت خليلي يبني بيتي فأخرجه له، أي: فلما انتهى إبراهيم عليه الصلاة و السلام لمحل الحجر نادى أبو قبيس إبراهيم عليه الصلاة و السلام فقال: يا إبراهيم هذا الركن، فجاء فحفر عنه فجعله في البيت. و قيل:

تمخض أبو قبيس فانشق عنه‏ (1).

و عن قتادة رضي اللّه عنه قال: ذكر لنا أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام بنى البيت من خمسة أجبل: من طور سيناء، و من طور زيتا، و لبنان، و الجودي، و حراء، و ذكر لنا أن قواعده من حراء التي وضعها آدم عليه الصلاة و السلام مع الملائكة الكرام‏ (2).

و تقدم: أن القواعد كانت من جبل لبنان، و من طور سيناء، و من طور زيتا، و من الجودي، و من حراء، إلا أن يقال: يجوز أن يكون معظم القواعد من حراء فليتأمل. ذكره الحلبي‏ (3).

و ذكر بعضهم: إنه جعل له ركنان و هما اليمانيان أي: و لم يجعل له إبراهيم عليه الصلاة و السلام إلا الركنين المذكورين فجعلت له قريش حين بنته أربعة أركان.

و ذكر الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه)(4): أن ذا القرنين الأول، و وصفه بالأول احترازا عن ذي القرنين الأصغر و هو الإسكندر اليوناني- قتل‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي من حديث محمد بن إسحاق (1/ 65).

(2) أخرجه الأزرقي من حديث قتادة (1/ 63)، و عبد الرزاق (5/ 92 ح 9092) من حديث عطاء، نحوه. و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 323) و عزاه إلى الأزرقي. و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 179).

(3) السيرة الحلبية (1/ 258).

(4) فتح الباري (6/ 382).

87

«دارا» و سلبه ملكه و تزوج بنته و اجتمع الروم و فارس- فإنه كان قريبا من زمن عيسى عليه الصلاة و السلام، و كان بين عيسى و إبراهيم عليهما الصلاة و السلام أكثر من [ألفي‏] (1) سنة. و كان إسكندر اليوناني كافرا.

و اللّه أعلم‏ (2).

و اسكندر الأول المذكور في القرآن في قصة موسى عليه الصلاة و السلام هو إسكندر الحميري، و اسمه الصعب، على الراجح، و هو من العرب. اه من شرح المواهب.

قدم مكة فوجد إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام يبنيان الكعبة، فاستفهمهما عن ذلك، فقالا: نحن عبدان مأموران، [فقال لهما: من يشهد لكما؟] (3) فقالت خمسة أكبش: نشهد بذلك- أي: قلن: نشهد أن إبراهيم و إسماعيل مأموران بالبناء- فقال: رضيت، و صدقهما (4).

قال الفاكهي: و أظن الأكبشة المذكورة التي شهدت أحجارا، و يحتمل أن تكون غنما. و اللّه أعلم. ذكره الحلبي‏ (5).

و لما فرغ إبراهيم عليه الصلاة و السلام من بناء البيت قال: يا رب قد فرغت، قال له: أذّن في الناس بالحج، قال: يا رب أي: كيف أقول؟ قال:

قل: يا أيها الناس إن اللّه كتب عليكم الحج فحجوا إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم عز و جل. فوقف على المقام و ارتفع به حتى كان أطول‏

____________

(1) في الأصل: ألف. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 258)، و انظر: فتح الباري، الموضع السابق.

(2) السيرة الحلبية (1/ 258).

(3) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية (1/ 258).

(4) ذكره ابن حجر في فتح الباري (6/ 382).

(5) السيرة الحلبية (1/ 258).

88

الجبال فنادى و أدخل أصبعيه في أذنيه، و أقبل بوجهه شرقا و غربا ينادي بذلك ثلاث مرات أي: وزويت له الأرض يومئذ سهلها و جبالها و بحرها و إنسها و جنها حتى أسمعهم جميعا فقالوا: لبيك اللهم لبيك. و بدأ بشق اليمن‏ (1).

و حينئذ يكون أول من أجاب أهل اليمن. [و سيأتي التصريح بذلك في بعض الروايات.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: كان أهل اليمن‏] (2) أكثر إجابة.

و من ثمّ جاء في الحديث: «الإيمان يماني» (3). و قال (صلى اللّه عليه و سلم) في حق أهل اليمن:

«يريد أقوام أن يضعوهم و يأبى اللّه إلا أن يرفعهم» (4).

و روى الطبراني بإسناد عن علي كرم اللّه وجهه عنه (صلى اللّه عليه و سلم): «من أحب أهل اليمن فقد أحبني، و من أبغضهم فقد أبغضني». انتهى‏ (5).

و قد ذكر في تفسير قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ [آل عمران: 97]: هو نداء إبراهيم عليه الصلاة و السلام على المقام.

و في رواية: أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام نادى: يا أيها الناس إن اللّه كتب عليكم [الحج‏] (6).

و في لفظ: إن ربكم قد اتّخذ بيتا، و طلب منكم أن تحجّوه، فأجيبوا ربكم- كرر ذلك ثلاث مرات- فأسمع من في أصلاب الرجال و أرحام‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي من حديث محمد بن إسحاق (1/ 67).

(2) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية (1/ 259).

(3) البخاري (3/ 1202)، و مسلم (1/ 71).

(4) الأحاديث المختارة (6/ 276)، و الترمذي (5/ 757).

(5) السيرة الحلبية (1/ 258- 259). و لم أجده في المطبوع من الطبراني.

(6) قوله: الحج، زيادة من السيرة الحلبية (1/ 260).

89

النساء، فأجابه من سبق في علمه أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك، فليس حاج يحج إلى أن تقوم الساعة إلا ممن كان أجاب إبراهيم عليه الصلاة و السلام، فمن [لبّى‏] (1) تلبية واحدة حجّ حجة واحدة، و من لبّى مرتين حج مرتين، و هكذا. أي: ثم أتى بالمقام فوضعه قبلة، فكان يصلي إليه مستقبل الباب أي: جهته‏ (2).

و أول من أخّره إلى محله الآن: عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و قيل:

أول من وضعه موضعه الآن: النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في فتح مكة.

و سيأتي الجمع بين الروايات إن شاء اللّه في فصل المقام.

و ذكر ابن حجر الهيثمي في رواية عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام صعد على أبي قبيس، و قيل: صعد ثبيرا (3) و أذّن، و أن أول من أجابه أهل اليمن‏ (4).

و لا مانع من تعدد ذلك أي: وقوفه على تلك الأماكن التي هي المقام، و أبو قبيس، و ثبير. انتهى‏ (5).

و جاء: أنه أذّن في ثنية الحجون‏ (6) كما يأتي.

و جاء: أنه لما فرغ من دعائه ذهب به جبريل (عليه السلام) فأراه الصفا (7)

____________

(1) في الأصل: لب، و كذا وردت في الموضع التالي.

(2) أخرجه الأزرقي من حديث محمد بن إسحاق مختصرا (1/ 86)، و انظر: المستدرك (2/ 601)، و سنن البيهقي (5/ 176).

(3) ثبير: جبل بمكة، و هي أربعة أثبرة بالحجاز، و هو الذي صعد فيه النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فرجف به، فقال: اسكن ثبير، فإنما عليك نبي و صديق و شهيد (معجم ما استعجم 1/ 335- 336).

(4) رواه ابن حجر في فتح الباري (3/ 409) مختصرا.

(5) السيرة الحلبية (1/ 259- 261).

(6) الحجون: هو الجبل المشرف الذي بحذاء مسجد البيعة على شعب الجزارين (معجم البلدان 2/ 225).

(7) الصفا: هو مكان عال يقع في جنوب المسجد الحرام في أصل جبل أبي قبيس، و هو مبدأ-

90

و المروة (1) و حدود الحرم، و أمره أن ينصب عليه الحجارة ففعل، و علّمه المناسك- أي: مع إسماعيل عليهما الصلاة و السلام- ثم لما فرغ إبراهيم عليه الصلاة و السلام من بناء البيت و حج و طاف بالبيت لقيته الملائكة في الطواف فسلموا عليه فقال لهم: ما تقولون في طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم عليه الصلاة و السلام: سبحان اللّه، و الحمد للّه، و لا إله إلا اللّه، اللّه أكبر، فأعلمناه بذلك، فقال: زيدوا: و لا حول و لا قوة إلا باللّه.

فقال إبراهيم عليه الصلاة و السلام: زيدوا فيها: العلي العظيم فقالت الملائكة ذلك‏ (2).

و كان بناء إبراهيم عليه الصلاة و السلام للبيت بعدما مضى من عمره مائة سنة. ذكره الحلبي في السيرة (3)، و اللّه أعلم.

ثم بنته العمالقة ثم بنته جرهم، و قيل عكسه.

و قد يتوقف في بناء العمالقة له: أما في الأول؛ فلأن أول من نزل مكة مع هاجر و ولدها إسماعيل عليه الصلاة و السلام جرهم، و إنهم بعد إسماعيل عليه الصلاة و السلام و بعض ولده كانوا ولاة البيت.

و أما الثاني؛ فلأن ولاية البيت كانت لخزاعة بعد جرهم، و كيف‏

____________

- السعي، و الصفا في الأصل هو: العريض من الحجارة الملس (مرآة الحرمين 1/ 320- 321).

(1) المروة: يقع في الشمال الشرقي للمسجد الحرام في أصل جبل قعيقعان، و هو منتهى السعي. و المروة في الأصل هي: الحجارة البيض تقتدح بها النار، و لا تكون سوداء و لا حمراء (مرآة الحرمين 1/ 321).

(2) أخرجه الأزرقي من حديث ابن عباس (2/ 13).

(3) السيرة الحلبية (1/ 262- 263).

91

يبنون‏ (1) البيت و لا ولاية لهم عليه؟ إلا أن يقال: لا مانع من أن يكونوا حينئذ أهل ثروة بخلاف جرهم و خزاعة.

و في كتاب أخبار مكة للفاكهي‏ (2) ما يدل على تقديم بناء جرهم على ذلك، و لا يصح ذلك لاتفاقهم على أن ولاية العمالقة لمكة كانت قبل ولاية جرهم، و على أنه لم يل مكة بعد جرهم إلا خزاعة.

و العماليق من ولد عملاق أو عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه الصلاة و السلام. و قيل: من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة و السلام. ذكره الحلبي‏ (3).

ثم بناه قصي جد النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و سقفه بخشب الدوم و جريد النخل‏ (4).

و قال التقي الفاسي: بناء قصي، قد ذكره ابن بكار و أبو عبد اللّه محمد بن عابد الدمشقي، و جزم به الماوردي فإنه قال: بناها قصي و سقفها بالدوم و جريد النخل‏ (5).

و قال التقي الفاسي أيضا في شفاء الغرام: و ما رواه القاضي ابن بكار أن قصيا بنى الكعبة على خمسة و عشرين ذراعا ففيه نظر؛ لما اشتهر في الأحكام: أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام بنى الكعبة فجعل ارتفاعها تسعة أذرع، [و أن قريشا لما بنت الكعبة زادت في طولها تسعة أذرع‏] (6)، و أن قصيا أراد أن يجعل عرضها خمسة و عشرين ذراعا.

____________

(1) في الأصل: يبنوا، و المثبت من السيرة الحلبية.

(2) أخبار مكة (5/ 138).

(3) السيرة الحلبية (1/ 263).

(4) المرجع السابق.

(5) شفاء الغرام (1/ 181)، و انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (ص: 282).

(6) ما بين المعكوفين زيادة من الإعلام، و انظر: شفاء الغرام (1/ 182).

92

فالمعروف أنه من الجهة الشرقية- أي: من الحجر الأسود إلى الركن العراقي-، و الغربية- أي: من الركن اليماني إلى الركن الشامي- لا ينقص على ثلاثين ذراعا. فبناء الخليل لا ينقص بل يزيد على ثلاثين ذراعا، و إن أراد عرضها من الجهة الشامية و اليمانية؛ فعرضها في هاتين الجهتين ينقص على خمسة و عشرين ذراعا، ثلاثة أذرع أو أزيد.

و كل من بنى الكعبة المشرفة لا يزيد و لا ينقص على قواعد الخليل؛ غير أن قريشا اقتصرت من عرضها من الجهة الشامية لأمر اقتضى الحال، و صنع ذلك الحجّاج بعد ابن الزبير رضي اللّه عنه [عنادا له‏] (1). و اللّه أعلم. ذكره القطب الحنفي‏ (2).

ثم بنته قريش لما بلغ عمره (صلى اللّه عليه و سلم) خمسا و ثلاثين سنة على الصحيح؛ جاء سيل حتى أتى من فوق الردم الذي صنعوه لمنع السيل فأخربه أي: و دخلها و صدع جدرانها بعد توهينها من الحريق الذي أصابها، و ذلك أن امرأة بخرتها، فطارت شرارة في ثياب الكعبة فأحرقت جدرانها، فخافوا أن تفسدها السيول فتذهبها بالمرة (3).

و قيل: تبخير المرأة لها كان زمن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه، و لا مانع من التعدد.

و كان ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إبراهيم عليه الصلاة و السلام و لم يكن لها سقف، أي: و كان الناس يلقون الحلي و المتاع؛ كالطيب الذي يهدى إليها في بئر داخلها على يمين الداخل أعدت لذلك، يقال لها: خزانة

____________

(1) قوله: عنادا له، زيادة من شفاء الغرام و الإعلام.

(2) شفاء الغرام (1/ 181- 182)، و الإعلام (ص: 43- 44).

(3) انظر: حريق الكعبة في الأزرقي (1/ 65).

93

الكعبة، فأراد شخص في أيام جرهم أن يسرق من ذلك شيئا فوقع على رأسه و انهار البئر عليه فهلك‏ (1).

و في كلام بعضهم: فسقط عليه حجر فحبسه في ذلك البئر، حتى أخرج منها و انتزع المال‏ (2).

قال الحلبي: فليتأمل الجمع. و قد يقال على بعد: جاز أن يكون هذا الرجل تكررت منه السرقة، و كان هلاكه في المرة الثانية، فعند ذلك بعث اللّه حية بيضاء، سوداء الرأس و الذنب، رأسها كرأس الجدي، و أسكنها تلك البئر، و كانت لحفظ تلك الأمتعة. و كانت تخرج منها لظاهر البيت فتشرق- بالقاف، أي: تبرز- للشمس على جدار الكعبة فيبرق لونها، و ربما التفّت عليه فيصير رأسها عند ذنبها، لا يدنو أحد منها إلا كشّت- أي: صوّتت و فتحت فاها- معطوف على كشّت.

و في حياة الحيوان‏ (3): و كشيش الأفعى: صوتها من جلدها لا من فيها.

فحرست بئره و خزانة البيت خمسمائة عام، لا يقربه أحد- أي: لا يقرب بئره و خزانته- إلا [أهلكته‏] (4)، فلم تزل كذلك حتى كان زمن قريش، و وجد السيل و الحريق، أرادوا هدمها و بناءها، و أن يشيدوا بناءها- أي: يرفعوه- و يرفعوا بابها حتى لا يدخلها إلا من شاؤوا. و اجتمعت القبائل من قريش تجمع الحجارة، كل قبيلة تجمع على حدة، و أعدوا لذلك نفقة- أي: طيبة- ليس فيها مهر بغيّ، و لا بيع ربا، و لا مظلمة أحد من‏

____________

(1) انظر: الأزرقي (1/ 87).

(2) الأزرقي (1/ 244- 245)، و السيرة الحلبية (1/ 229- 230).

(3) حياة الحيوان للدميري (1/ 41).

(4) في الأصل: هلكته. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 230).

94

الناس، بعد أن قام أبو وهب [بن‏] (1) عمرو بن [عائذ] (2) فتناول منها حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال عند ذلك: يا معاشر قريش! لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا ... الحديث‏ (3).

أي: و في لفظ أنه قال: لا تدخلوا في نفقة هذا البيت مهر بغي- أي زانية- و لا بيع ربا.

و في لفظ: لا تجعلوا في نفقة هذا البيت من شي‏ء أصبتموه غصبا، و لا قطعتم فيه رحما، و لا انتهكتم فيه ذمة أحد بينكم و بين أحد من الناس.

و أبو وهب هذا خال عبد اللّه أبي النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و كان شريفا في قومه، و كان (صلى اللّه عليه و سلم) ينقل معهم الحجارة من جياد (4).

و عند ابن إسحاق‏ (5): أن الناس هابوا هدمها و فرّوا منه- أي: خافوا من أن يحصل لهم بسببه بلاء-، فقال لهم الوليد بن المغيرة: [أ تريدون‏] (6) بهدمها الإصلاح أم الإساءة؟ قالوا: بل نريد الإصلاح، قال: فإن اللّه لا يهلك المصلحين، قالوا: من الذي يعلوها فيهدمها؟ قال: أنا أعلوها و أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام عليها و هو يقول: اللهم لا ترع أي:

بالراء و العين المهملتين، و الضمير في «ترع» راجع للكعبة، أي: لا ترع في الكعبة، أي: لا نريد إلا الخير.

أي: و في رواية: «لا نزغ» بالنون و الزاي- أي المعجمة- أي: لم نحل‏

____________

(1) قوله: بن، زيادة من تاريخ الطبري (1/ 525).

(2) في الأصل: عابد. و هو تصحيف. انظر: تاريخ الطبري، الموضع السابق.

(3) فتح الباري (3/ 444)، و التمهيد (10/ 41)، و شرح الزرقاني (2/ 399).

(4) السيرة الحلبية (1/ 230).

(5) السيرة النبوية لابن إسحاق (1/ 126).

(6) في الأصل: أتريدوا.

95

عن دينك. ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة و قالوا:

ننظر؛ فإن أصيب لم نهدم منها شيئا و رددناها كما كانت، و إن لم يصبه شي‏ء هدمناها فقد رضي اللّه ما صنعنا. فأصبح الوليد من ليلته غاديا إلى عمله، و هدم الناس معه حتى انتهى بهم إلى الأساس- أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام- فأفضوا إلى حجارة كالأسنمة- أي: أسنمة الإبل- فأدخل رجل ممن كان يهدم عتلة (1) بين حجرين ليقلع [بها بعضها] (2)، فلما تحرك الحجر انتفضت مكة- أي تحركت بأسرها- و أبصر القوم برقة خرجت من تحت الحجر كادت تخطف بصر الرجل، فانتهوا عن ذلك الأساس، [و وجدت قريش‏] (3) كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود فإذا فيه: أنا اللّه ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السموات و الأرض، و صورت الشمس و القمر، و حففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا يزول أخشباها- أي: جبلاها، [و هما] (4) [أبو قبيس- و هو جبل مشرف على الصفا- وقعيقعان- و هو جبل مشرف على مكة وجهه إلى أبي قبيس-] (5)، يبارك لأهلها في الماء و اللبن.

و وجد في المقام- أي: محله- كتابا آخر مكتوب فيه: مكة بيت اللّه،

____________

(1) العتلة: حديدة كأنّها رأس فأس عريضة، في أسفلها خشبة يحفر بها الأرض و الحيطان، و ليست بمعقّفة كالفأس، و لكنها مستقيمة مع الخشبة. و قيل: العتلة:

العصا الضّخمة من حديد، لها رأس مفلطح كقبيعة السّيف تكون مع البنّاء يهدم بها الحيطان (لسان العرب، مادة: عتل).

(2) في الأصل: بهما بعضهما. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 232).

(3) في الأصل: و وجدوا قريشا. و التصويب من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(4) في الأصل: و هو. و التصويب من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(5) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

96

يأتيها رزقها من ثلاث سبل‏ (1).

و وجدوا كتابا آخر مكتوب فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة، أي: ما يغبط- أي يحسد حسدا محمودا عليه- و من يزرع شرا يحصد ندامة- أي ما يندم عليه- تعملون السيئات و تجزون الحسنات أجل- أي نعم- أي كما [لا] (2) يجنى من الشوك العنب- أي الثمر-. ذكره الحلبي‏ (3).

و في البخاري عن ابن عباس: لما أتى إبراهيم (عليه السلام) من الشام لزيارة ولده بمكة إسماعيل فسأل زوجة إسماعيل فقال: ما طعامكم؟

قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم و الماء. قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): و لم يكن لهم حب و لو كان لهم دعا لهم فيه.

قال: فهما لا يخلوا عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. انتهى‏ (4).

و في السيرة الشامية: أن ذلك وجد مكتوبا في حجر في الكعبة.

و في كلام بعضهم: وجد حجر مكتوب فيه ثلاثة أسطر؛ السطر الأول:

أنا اللّه ذو بكة، صنعتها يوم صنعت الشمس و القمر ... إلخ.

و في الثاني: أنا اللّه ذو بكة، خلقت الرحم و شققت له اسما من أسمائي، فمن وصله وصلته، و من قطعه بتته.

و في الثالث: أنا اللّه ذو بكة، خلقت الخير و الشر، فطوبى لمن كان الخير

____________

(1) أخرجه الأزرقي من حديث ابن عباس بأطول من هذا (1/ 78). و ذكره ابن عبد البر في التمهيد (10/ 44)، و ابن هشام في السيرة (2/ 18).

(2) قوله: لا، زيادة على الأصل.

(3) أخرجه الأزرقي من حديث محمد بن إسحاق (1/ 80)، و انظر: السيرة الحلبية (1/ 232).

(4) أخرجه البخاري (3/ 1229).

97

على يديه، و ويل لمن كان الشر على يديه‏ (1).

قال ابن المحدث: و رأيت في مجموع: أنه وجد بالكعبة حجرا مكتوبا عليه: أنا اللّه ذو بكة مفقر [الزناة] (2) و معري تارك الصلاة، أرخصها و الأقوات فارغة، و أغليها و الأقوات ملآنة- أي فارغ محلها، و ملآن محلها- هذا كلامه. انتهى‏ (3).

و قد يقال: لا مانع أن يكون ذلك حجرا آخر [أو يكون هو ذلك‏] (4) الحجر، و ما ذكر مكتوب في محل آخر.

و في الإصابة عن الأسود بن عبد يغوث، عن أبيه: أنهم وجدوا كتابا بأسفل المقام فدعت قريش رجلا من حمير فقال: إن فيه لحرفا لو حدثتكموه لقتلتموني قالوا: و ظننا أن فيه ذكر محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فكتمناه. ذكره الحلبي‏ (5).

و كان البحر قد رمى بسفينة إلى ساحل جدة (6)- أي: الذي به جدة الآن- و كان ساحل مكة قبل ذلك الذي يرمى به السفن يقال له:

[الشعيبة] (7)- بضم الشين- فلا يخالف قول واحد. فلما كانت السفينة

____________

(1) أخرجه عبد الرزاق من حديث الزهري (5/ 149).

(2) في الأصل: الزنا. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 233).

(3) السيرة الحلبية (1/ 233).

(4) في الأصل: و يكون ذلك. و التصويب من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(5) الإصابة (1/ 72)، و السيرة الحلبية (1/ 233).

(6) جدّة: بضم الجيم و تشديد الدال المهملة و هاء، و هي الميناء الرئيسي اليوم في الحجاز (معجم معالم الحجاز 2/ 130).

(7) في الأصل: الشعيبية، و كذا وردت في كل المواضع التالية، و الصواب ما أثبتناه (انظر:

معجم البلدان 3/ 350).

و الشعيبة: تصغير شعبة، و هو مرفأ السفن من ساحل بحر الحجاز، و كان مرفأ مكة و مرسى سفنها قبل جدة (معجم البلدان 3/ 350- 351).

98

بالشعيبة انكسرت. و في لفظ: حبسها الريح. و كانت تلك السفينة لرجل من تجار الروم اسمه باقوم و كان بانيا. و قيل: كانت تلك لقيصر ملك الروم، يحمل فيها الرخام و الخشب و الحديد، سرحها مع باقوم إلى الكنيسة التي أحرقتها الفرس بالحبشة، فلما بلغت مرساها من جدة- و قيل: من الشعيبة- بعث اللّه تعالى عليها ريحا فحطمها- أي: كسّرها-. فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة، فابتاعوا خشبها فأعدوه لسقف الكعبة (1).

و قيل: هابوا هدمها من أجل تلك الحية العظيمة، فكانوا كلما أرادوا القرب منه- أي: البيت- ليهدموه بدت لهم تلك الحية فاتحة فاها. فبينما هي ذات يوم [تشرف‏] (2) على جدار البيت كما كانت تصنع، بعث اللّه طائرا أعظم من النسر فاختطفها و ألقاها في الحجون فالتقمتها الأرض.

قيل: هي الدابة التي تكلم الناس يوم القيامة أي: قرب يوم القيامة.

و جاء: أن الدابة تخرج من شعب أجياد.

و في حديث: سأل موسى عليه الصلاة و السلام ربه أن يريه الدابة التي تكلم الناس يوم القيامة أي: قربه فأخرجها له من الأرض، فرأى [منظرا] (3) هاله، فقال: أي ربّ ردّها، فردّها. اه (4).

فقالت قريش عند ذلك: إنا لنرجو أن يكون اللّه قد رضي بما أردنا، أي: بعد أن اجتمعوا عند المقام و عجوا إلى اللّه: ربنا لن تراع، أردنا تشريف‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي من حديث أبي الطفيل (1/ 157).

(2) في الأصل: تشرق. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 233).

(3) في الأصل: منظر. و التصويب من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(4) السيرة الحلبية (1/ 233- 234).

99

البيت و تزيينه، فإن كنت ترضى بذلك فأتمه و اشغل عنا هذا الثعبان- يعنون الحية- و إلا فما بدا لك فافعل. فسمعوا في السماء صوتا و وجبة (1)، و إذا الطائر المذكور أخذها، فقالوا ما ذكر، و قالوا: عندنا عامل رقيق، و عندنا أخشاب، و قد كفانا اللّه الحية، و ذلك العامل هو باقوم الرومي الذي كان في السفينة، و كان بانيا كما قدمنا، فإنهم جاءوا به معهم إلى مكة.

ثم لما أرادوا بناءها تجزأتها قريش، أي: بعد أن أشار عليهم بذلك أبو وهب [بن‏] (2) عمرو بن عائذ فقال: إني [أرى‏] (3) أن تقسموا أربعة أرباع، فكان شق الباب لعبد مناف و زهرة، و كان ما بين الركن اليماني و الحجر الأسود لبني مخزوم و قبائل من قريش انضموا إليهم، و كان ظهر البيت لبني جمح و بني سهم بن عمرو، و كان شق الحجر- بكسر الحاء- لبني عبد الدار و بني أسد و لبني عدي.

و في الإصابة: اسم الرجل الذي بنى الكعبة لقريش باقوم، و كان روميا، و كان في سفينة حبسها الريح، فخرجت إليها قريش فأخذوا خشبها و قالوا له: ابنها على بنيان الكنائس. و إن باقوم الرومي أسلم، ثم لما [بنوها جعلوها] (4) مدماكا من خشب الساج‏ (5) و مدماكا من الحجارة من أسفلها إلى أعلاها (6).

____________

(1) الوجبة: السقطة مع الهدّة (اللسان، مادة: وجب).

(2) قوله: بن، زيادة من تاريخ الطبري (1/ 525).

(3) في الأصل: أريد. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 234).

(4) في الأصل: بنوا جعلوا. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 235).

(5) السّاج: خشب يجلب من الهند، واحدته ساجة، و هو شجر يعظم جدّا، و يذهب طولا و عرضا، و له ورق أمثال التّراس الدّيلميّة (لسان العرب، مادة: سوج).

(6) الإصابة (1/ 265).

100

و في تاريخ الخميس: كانت الحجارة ستة عشر مدماكا و الخشب خمسة عشر مدماكا، و زادوا فيها تسعة أذرع، فكان ارتفاعها ثمانية عشر ذراعا (1).

قال ابن إسحاق‏ (2): كانت الكعبة في عهد قريش رضما فوق القامة، و لم تكن مسقفة (3)، و هذا يخالف ما تقدم أن قصيا سقّفها بخشب الدوم و الجريد، و رفعوا بابها من الأرض، فكان لا يصعد إليها إلا في درج، و ضاقت بهم النفقة على بنيانها على تلك القواعد، فأخرجوا منها الحجر.

و في لفظ: أخرجوا من عرضها أذرعا من الحجر، و بنوا عليه جدارا قصيرا علامة على أنه من الكعبة.

و لما بلغ البنيان محل الحجر الأسود اختصم القبائل، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى أعدوا للقتال، فقدمت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم و بنو عدي- أي تحالفوا على الموت- و أدخلوا أيديهم في تلك الجفنة فسموا: لعقة الدم، و مكث النزاع بينهم أربع أو خمس [ليال‏] (4)، ثم اجتمعوا بالمسجد الحرام، و كان أبو أمية ابن المغيرة، و اسمه: حذيفة، و هو أسن قريش يومئذ، أي: و هو والد أم سلمة رضي اللّه عنها، و هو أحد أجواد قريش المشهورين بالكرم، فقال: يا معاشر قريش! اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم. فكان أول من دخل منه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما رأوه‏

____________

(1) تاريخ الخميس (1/ 115)، و انظر: السيرة الحلبية (1/ 234- 235).

(2) السيرة النبوية (1/ 124).

(3) في هامش الأصل زيادة: قوله: رضما .. إلخ، عبارة الفيروزآبادي: الرضم: و يحرك و ككتاب: صخور عظام يرضم بعضها فوق بعض في الأبنية. اه باختصار.

(4) في الأصل: ليالي. و المثبت من الغازي (1/ 255).

101

(صلى اللّه عليه و سلم) قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أي: لأنهم كانوا يتحاكمون إليه (صلى اللّه عليه و سلم) في الجاهلية؛ لأنه كان لا يداري و لا يماري. فلما انتهى إليهم و أخبروه الخبر قال (صلى اللّه عليه و سلم): هلم إليّ ثوبا، فأتي [به‏] (1)، و في رواية: فوضع إزاره و بسطه في الأرض. أي: و يقال: إنه كساء أبيض من متاع الشام، و يقال: إن ذلك الثوب كان للوليد بن المغيرة، فأخذ (صلى اللّه عليه و سلم) الحجر الأسود فوضعه فيه بيده الشريفة، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب أي: بزاوية من زواياه، ثم ارفعوا جميعا، فرفعوا. فكان في ربع عبد مناف: عتبة بن ربيعة، و كان في الربع الثاني [أبو] (2) زمعة، و كان في الربع الثالث أبو حذيفة بن المغيرة، و كان في الربع الرابع قيس بن عدي، حتى إذا بلغوا به موضعه:

وضعه (صلى اللّه عليه و سلم) بيده الشريفة. انتهى‏ (3).

و جعلوا في داخلها [ست‏] (4) دعائم في صفين ثلاثا في كل صف من شق الحجر إلى الشق اليماني، و جعلوا في ركنها الشامي داخلها درجة يصعد منها إلى سطح الكعبة. ذكره العلامة الحلبي.

ثم بناها عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه؛ و سبب بنائه من الحريق الذي أصابها؛ و ذلك أن يزيد بن معاوية لما وجه الجيش عشرين ألف فارس، و سبعة آلاف رجل، و أميرهم مسلم بن قتيبة لقتال أهل المدينة، و هي وقعة الحرة، و هي وقعة مشهورة قتل فيها من وجوه المهاجرين و الأنصار ألف و سبعمائة، و من القرّاء سبعمائة. و جالت الخيل في مسجد

____________

(1) زيادة من السيرة الحلبية.

(2) زيادة من الأزرقي (1/ 164)، و انظر: الغازي (1/ 256).

(3) السيرة الحلبية (1/ 235- 236).

(4) في الأصل: ستة.

102

رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، وراثت بين القبر الشريف و المنبر، و أباح المدينة ثلاثة أيام، و انفضّت فيها ألف بكر، و قتل من أخلاط الناس عشرة آلاف. و ابتلى اللّه أمير هذا الجيش بمرض بعد هذه الواقعة بثلاثة أيام، و صار يعوي مثل الكلب، و مات لا (رحمه اللّه)، ثم ولّي على الجيش بعد هذا الخبيث حصين بن نمير. و هذا الذي وقع من اليزيد فيه تصديق لقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «لا يزال أمر أمتي بخير قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له: يزيد» (1).

و عن سعيد بن المسيب: لقد رأيت ليالي الحرة و ما في المسجد غيري، و ما يأتي وقت الصلاة إلا سمعت الأذان و الإقامة من القبر الشريف‏ (2).

و لما جاء الجيش إلى مكة حاصر عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه، و ضرب بالمنجنيق‏ (3) الذي نصبه على أبي قبيس. قيل: و على الأحمر (4)- و هما أخشبا مكة- نصبه جيش اليزيد لمحاصرة سيدنا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه، فأصاب الكعبة من ناره فأحرق ثيابها و سقفها؛ لأن الكعبة كانت في زمن قريش مبنية مدماكا من خشب الساج، و مدماكا من حجارة الحرم.

و ذكر في المشرق: أن اللّه بعث عليهم صاعقة بعد العصر فأحرقت المنجنيق و أحرقت تحته ثمانية عشر رجلا من أهل الشام، ثم عمل منجنيقا

____________

(1) مسند أبي يعلى (2/ 176 ح 871)، و مسند الحارث (2/ 642 ح 616).

(2) ذكره الزهري في الطبقات الكبرى (5/ 132)، و الذهبي في السير (4/ 228)، و اللالكائي في كرامات الأولياء (1/ 166).

(3) المنجنيق: آلة قديمة من آلات الحصار، كانت ترمى بها حجارة ثقيلة على الأسوار فتهدمها (المعجم الوسيط 2/ 855).

(4) الجبل الأحمر: جبل مشرف على قعيقعان بمكة، كان يسمى في الجاهلية: الأعرف (معجم البلدان 1/ 117).