تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام ومكة والحرم وولاتها الفخام‏ - ج1

- محمد بن أحمد المالكي المكي المزيد...
557 /
103

آخر، فنصبوه على أبي قبيس. و ذكر: أن النار لما أصابت الكعبة أنّت بحيث يسمع أنينها كأنين المريض: آه، آه، آه، و هذا من أعلام نبوته (صلى اللّه عليه و سلم)؛ فقد جاء إنذاره (صلى اللّه عليه و سلم) بإحراق الكعبة، فعن ميمونة رضي اللّه عنها زوج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قالت: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «كيف أنتم إذا [مرج‏] (1) الدين فظهرت الرغبة و الرهبة، و حرّق البيت العتيق». انتهى. ذكره الحلبي‏ (2).

و قيل: إن سبب بناء سيدنا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه: أن امرأة بخرت الكعبة، فطارت شرارة فعلقت بثيابها فحصل ذلك.

و قال محيي الدين ابن العربي في كتابه مسامرة الأخيار: إن رجلا من أصحاب ابن الزبير الذين كانوا معه يقاتلون جيش اليزيد- أي: أوقد النار مما يلي الصفا بين الركن اليماني و الحجر- و الكعبة يومئذ مبنية مدماكا من خشب و مدماكا من حجر و هو بناء قريش، فطارت شرارة من تلك النار التي أوقدها فأحرقت ثياب الكعبة، و أحرقت الخشب الذي كان بين الأحجار. و كان احتراقها يوم السبت ثالث شهر ربيع الأول، قبل أن يأتي خبر موت يزيد بخمسة و عشرين يوما، و جاء خبره في شهر ربيع الآخر ليلة الثلاثاء، سنة أربع و ستين- هذا سبب بناء ابن الزبير الكعبة- و لا مانع من التعدد، و حرق قرنا الكبش مع حرق الكعبة الذي فدي به سيدنا إسماعيل‏

____________

(1) في الأصل: برح. و التصويب من مصنف ابن أبي شيبة (7/ 460)، و مسند أحمد (6/ 333). و انظر: السيرة الحلبية (1/ 271).

و قوله: «مرج الدين»: أي فسد و قلقت أسبابه (اللسان، مادة: مرج). و قوله: «فظهرت الرغبة»: أي كثر السؤال و قلّت العفّة، و معنى ظهور الرغبة: الحرص على الجمع، مع منع الحق (اللسان، مادة: رغب).

(2) السيرة الحلبية (1/ 271)، و مسند أحمد (6/ 333 ح 26872)، و الطبراني في الكبير (24/ 26 ح 67).

104

عليه الصلاة و السلام فإنهما كانا معلقين في السقف. ذكره الحلبي‏ (1).

ثم قال: و لعل تعليقهما في السقف كان بعد تعليقهما في الميزاب، فقد ذكر بعضهم: جاء الإسلام و رأس الكبش معلق بقرنيه على الميزاب. و يدل لتعليقهما في السقف: ما جاء عن صفية بنت شيبة قالت لعثمان بن طلحة:

لما دعاك النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بعد خروجه من البيت ما قال؟ قال: قال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إني رأيت قرني الكبش في البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمّرهما فخمّرهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شي‏ء يشغل مصليا» (2).

و يقال: إن سبب بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه أنه جاء سيل عظيم فطبقها، فكان سيدنا عبد اللّه بن الزبير يطوف سباحة (3). و لا مانع من وجود الأمرين، و انصدع الحجر الأسود من تلك النار من ثلاثة أماكن، و عند محاصرة الجيش لعبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه جاء الخبر بموت اليزيد الخبيث، فرجع جيش اليزيد إلى الشام.

فلما رأى سيدنا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه ما وقع في الكعبة شاور من حضر، و من جملتهم سيدنا عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما في هدمها، فهابوا هدمها فقالوا: نرى أن تصلح ما و هى منها و لا تهدم.

فقال سيدنا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه: لو أن بيت أحدكم أحرق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، و لا يكمل إصلاحها إلا بهدمها. و قد حدثته خالته عائشة رضي اللّه عنها زوج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: أ لم تري قومك- يعني قريشا- حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم‏

____________

(1) السيرة الحلبية (1/ 272).

(2) مسند أحمد (4/ 68 ح 16688)، و مسند الحميدي (1/ 257 ح 565).

(3) أخرجه الفاكهي من حديث مجاهد (1/ 251).

105

عليه الصلاة و السلام حين عجزت بهم النفقة، لو لا حدثان قومك بالجاهلية، و في لفظ: [لو لا الناس حديثو] (1) عهد بالجاهلية أي: قرب عهدهم بها، أي: و في لفظ: لو لا الناس حديثو عهد بالكفر، و ليس عندي من النفقة ما يقوى على بنيانها لهدمتها و جعلت لها خلفا، [أي بابا من خلفها] (2) أي و في لفظ: لجعلت لها بابا يدخل منه و بابا [بحياله يخرج الناس منه، و في لفظ: و جعلت لها بابين بابا شرقيا و بابا] (3) غربيا، و ألصقت بابها بالأرض- أي: كما كان عليه في زمن إبراهيم عليه الصلاة و السلام- و لأدخلت الحجر فيها، أي: و في رواية: لأدخلت نحو ستة أذرع، و في رواية: ستة أذرع و شيئا، و في رواية: و شبرا، و في رواية: قريبا من سبعة أذرع؛ فقد اضطربت الروايات في القدر الذي أخرجته قريش. و في لفظ:

لأدخلت فيها ما أخرج منها، و في لفظ: لجعلتها على أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام و أزيد، أي: بأن أزيد في الكعبة من الحجر، أي: و ذلك ما أخرجته قريش‏ (4).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال لعبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه: دع بناء و أحجارا أسلم عليها المسلمون و بعث عليها النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أي:

فإنه يوشك أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم و تبنى، فيتهاون الناس بحرمتها، و لكن أرقعها- أي: رمّها- فقال عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه: إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عازم على أمري، فلما مضى الثلاث‏

____________

(1) في الأصل: لو لا حديث. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 275).

(2) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(3) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية (1/ 275).

(4) السيرة الحلبية (1/ 272- 275).

106

أجمع أمره على أن ينقضها، فتحاماها الناس و خشوا أن ينزل بأول من يقصدها أمر من السماء، حتى صعدها رجل و ألقى منها حجارة، فلم ير الناس أصابه شي‏ء فتابعوه. انتهى‏ (1).

أي: و قيل: أول فاعل ذلك عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه بنفسه، و خرج ناس كثير من مكة إلى منى و منهم: عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما، فأقاموا بها ثلاثة أيام مخافة أن يصيبهم عذاب شديد بسبب هدمها.

و أمر ابن الزبير جماعة من الحبشة بهدمها رجاء أن يكون منهم الذي أخبر به النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه يهدمها.

و فيه: أن الذي أخبر به النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه يهدمها ذكر صفته حيث قال: كأني أنظر إليه أسود أفحج فينقضها حجرا حجرا.

[و جاء] (2) في وصفه [أنه‏] (3) مع كونه أفحج الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن. و وصف أيضا بأنه أصلع، و في لفظ: أجلح و هو: من ذهب شعر مقدم رأسه، و وصف بأصعل أي: صغير الرأس‏ (4)، و بأنه أصمع أي: صغير الأذنين، معه أصحابه ينقضونها حجرا حجرا و يتناولونها حتى يرموا بها [إلى البحر، أي و قوله: و يتناولونها حتى يرموا بها إلى‏] (5) البحر لعله لم يثبت عنده- أي: ابن الزبير-، و كذا تلك‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي من حديث ابن جريج بأطول من هذا (1/ 204- 205)، و انظر: السيرة الحلبية (1/ 275).

(2) في الأصل: و ما. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 276).

(3) قوله: أنه، زيادة من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(4) في هامش الأصل: قوله: بأنه أصعل بتقديم العين على اللام. و في القاموس: الصعلة نخلة فيها عوج و أصول سعفها جرداء و الدقيقة الرأس. اه. مصححه محمد المناوي.

(5) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية (1/ 276).

107

الأوصاف، و هدم الحبشة لها يكون بعد موت عيسى عليه الصلاة و السلام، و رفع القرآن من الصدور و المصاحف. أي: و ورد أن أول ما يرفع رؤية نبينا عليه الصلاة و السلام في المنام، و القرآن، و أول نعمة ترفع من الأرض: العسل.

و هدمها عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه إلى أن انتهى الهدم إلى القواعد أي: التي هي الأساس.

قال: و في رواية: كشف له عن أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام فوجده داخلا في الحجر ستة أذرع و شيئا، و أحجار ذلك الأساس كأنها أعناق الإبل، حجارة حمراء، آخذ بعضها في بعض، مشتبكة كتشبك الأصابع، و أصاب فيه قبر أم إسماعيل عليه الصلاة و السلام، و هذا ربما يدل على أنه لم يصب فيه قبر إسماعيل عليه الصلاة و السلام، و هو يؤيد القول بأن قبره في حيال الموضع الذي فيه الحجر الأسود لا في الحجر.

انتهى.

و ذكر الطبري (رحمه اللّه): أنه تحت البلاطة الخضراء التي بالحجر (1).

قلت: تبع الحلبي في سيرته قول المسعودي: قبض إسماعيل عليه الصلاة و السلام و له من العمر مائة و سبع و ثلاثون سنة، و دفن في المسجد حيال الموضع الذي فيه الحجر الأسود كما في شفاء الغرام. انتهى‏ (2).

لكن مما يؤيد قول المحب الطبري ما رواه الديلمي‏ (3) مرفوعا: قبر إسماعيل في الحجر، كما في البدر المنير للشعراني.

____________

(1) القرى (ص: 654- 655)، و انظر: السيرة الحلبية (1/ 275- 276).

(2) المرجع السابق (1/ 250- 251).

(3) الفردوس بمأثور الخطاب (3/ 221).

108

فدعى عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه خمسين رجلا من وجوه الناس و أشرافهم و أشهدهم على ذلك الأساس، و أدخل عبد اللّه بن المطيع العدوي عتلة كانت بيده في ركن من أركان البيت فتزعزعت الأركان كلها فارتجّ جانب البيت و رجفت مكة بأسرها رجفة شديدة، و طار منه برقة فلم يبق دار من دور مكة إلا دخلت فيه ففزعوا، و جعل عبد اللّه رضي اللّه عنه على تلك القواعد سورا فطاف الناس من ورائه حتى بنى عليها و ارتفع البناء، و زاد ارتفاعها على ما كانت من بناء قريش تسعة أذرع، فكانت سبعا و عشرين ذراعا، و كانت سبعة و عشرين مدماكا، و عرض جدرانها ذراعان، و جعل فيها ثلاث دعائم، و كانت قريش في الجاهلية جعلت فيها [ست‏] (1) دعائم، و أرسل ابن الزبير إلى صنعاء (2) فأتى برخام منها يقال لها: البلق فجعلها في الروازن‏ (3) الذي في السقف لأجل الضوء. ذكره الحلبي و القرشي‏ (4).

قلت: و في زماننا لم توجد هذه الروازن بل سدت. انتهى.

____________

(1) في الأصل: ستة.

(2) صنعاء: منسوبة إلى جودة الصنعة في ذاتها، و النسبة إليها صنعاني. قال أبو القاسم الزجاجي: كان إسم صنعاء في القديم أزال، و بين صنعاء و عدن ثمانية و ستون ميلا، و صنعاء قصبة اليمن و أحسن بلادها، تشبه بدمشق لكثرة فواكهها و تدفق مياهها فيما قيل، و قيل: سميت بصنعاء بن أزال بن يقطن بن عابر بن شالخ، و هو الذي بناها (معجم البلدان 3/ 425- 426).

(3) في هامش الأصل: قوله: الروذان أي: الرستاق كما في القاموس. و عبارته: الرذانات:

الرساتيق.

و الروازن: فتحات مربّعة لإدخال النور إلى داخل الكعبة، و هي موزّعة، منها: روزنة حيال الركن الأسود ثم بقية الأركان، غير أن الرابعة حيال الأسطوانة الوسطى (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 55).

(4) السيرة الحلبية (1/ 276)، و البحر العميق (3/ 264- 266).

109

قال الحلبي في السيرة النبوية: و بناها على مقتضى ما حدثته به خالته عائشة رضي اللّه عنها فأدخل فيها الحجر أي: لأنه يجوز أن يكون إدخال الحجر هو الذي سمعه من عائشة رضي اللّه عنها فعمل به دون غير ذلك من الروايات المتقدمة الدالة على أن الحجر ليس من البيت، و إنما منه ستة أذرع [و شبر، أو قريب‏] (1) من سبعة أذرع، و فيه أن هذا- أي قوله:

فأدخل فيه الحجر- هو الموافق لما تقدم أن قريشا أخرجت منها الحجر، و هو واضح إن وجد الأساس خارجا عن جميع الحجر، و أما إذ لم يكن خارجا عن الحجر كيف يتعداه و لا يبني اعتمادا على ما حدثته به خالته، و جعل عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه خلفا- أي بابا من خلفها- و ألصقها بالأرض كالمقابل له.

قال: و لما ارتفع البناء إلى مكان الحجر الأسود و كان وقت الهدم وجد مصدوعا بسبب الحريق من ثلاثة أماكن كما تقدم، فشدّه بالفضة ثم جعله في ديباجة و أدخله في دار الندوة. فلما وصل البناء إلى محله أمر ابنه حمزة و شخصا آخر أن يحملاه و يضعاه محله. و قال: إذا [وضعتماه‏] (2) و فرغتما، فكبروا حتى أسمعكما فأخفّف صلاتي، فإنه صلى بالناس بالمسجد الحرام اغتناما ليشغلهم عن وضعه لما أحس منهم بالتناقض في ذلك، أي: إذ كل واحد يود أن يضعه، و خاف الخلاف، فلما كبر تسامع الناس بذلك، فغضب جماعة من قريش حيث لم يحضرهم، و جعل عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه طول الباب أحد عشر ذراعا و الباب الآخر

____________

(1) في الأصل: أو شبرا أو قريبا. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 277).

(2) في الأصل: وضعتموه. و التصويب من المرجع السابق.

110

بإزائه [كذلك‏] (1)، فلما فرغ من بنائها خلقها من داخلها و خارجها بالخلوق، أي: الطيب و الزعفران، و كساها القباطي‏ (2)، أي: ثيابا بيضا رقاقا من كتان مصر.

و في كلام بعضهم: أول من كسى الكعبة الديباج‏ (3): عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه‏ (4).

و قال عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه لما فرغ من بناء الكعبة قال: من كانت لي عليه طاعة فليخرج فيعتمر من التنعيم‏ (5)، و من قدر أن ينحر بدنة فلينحر، فإن لم يقدر فشاة، فإن لم يقدر فليتصدق بما شاء. و أخرج من عنده مائة بدنة، فلما طاف استلم الأركان الأربعة- أي: لأنها من قواعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام-، و كان يدخل لها من باب و يخرج من باب‏ (6).

و كانت ابتداء عمارة عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه البيت المعظم في يوم السبت النصف من شهر جمادى الآخرة سنة أربع و ستين، و انتهاء عمارتها في سبعة عشر خلت من رجب سنة أربع و ستين من الهجرة،

____________

(1) قوله: كذلك، زيادة من السيرة الحلبية (1/ 278).

(2) القباطي: القبطية: ثياب من كتان بيض رقاق تنسج في مصر. و هي منسوبة إلى القبط (المعجم الوسيط 2/ 711).

(3) الديباج: كلمة فارسية معربة، ضرب من الثياب سداه و لحمته حرير (المعجم الوسيط 1/ 268).

(4) السيرة الحلبية (1/ 277- 279).

(5) التنعيم: موضع بمكة في الحل، و هو بين مكة و سرف على فرسخين من مكة، و سمي بذلك؛ لأن جبلا عن يمينه يقال له: نعيم، و آخر عن شماله يقال له: ناعم، و الوادي نعمان، و بالتنعيم مساجد حول مسجد عائشة و سقايا على طريق المدينة، منه يحرم (معجم البلدان 2/ 49).

(6) السيرة الحلبية (1/ 282).

111

و بقيت من الحجرة بقية فرشها حول البيت الشريف نحو من عشرة أذرع، أي: و هو محل الطواف، و أخرج عبد اللّه بن الزبير الشاذروان‏ (1)، و قيل:

أخرجته قريش لأجل مصلحة استمساك البناء و ثباته‏ (2).

تنبيه: فعلى هذا القول [يكون‏] (3) الشاذروان من البيت، و هو قول جمهور الشافعية و المالكية.

و قال أبو حنيفة: إنه ليس من البيت؛ لأنه لم يرد حديث صحيح أنه من البيت إلا من عموم قوله (صلى اللّه عليه و سلم) لعائشة رضي اللّه عنها: «إن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم» فقال الجمهور: إن الإقتصار شامل للحجر و الشاذروان، و خص أبو حنيفة الحجر دون الشاذروان. انتهى.

و في شرح البنّاني على البخاري: اختلف في الشاذروان- بالذال المعجمة- و هو البناء المحدودب الخارج عن جدار عرض البيت، مرتفعا عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع، تركته قريش هل هو من البيت أم لا؟

فذهب القرافي، و ابن شاس، و سند، و ابن جزي، و ابن جماعة التونسي، و ابن هارون شارح المدوّنة، و ابن راشد، و ابن الحاجب، و ابن عبد السلام، و ابن عرفة، و خليل في مختصره و توضيحه و منسكه، و الأبي، و ابن المعلى، و التادلي، و غيرهم من المالكية، بأنه من البيت، و به قال الشافعية، و هو الصحيح.

و ذهبت الحنفية و أبو العباس القباب الفاسي، و ابن فرحون في شرحه‏

____________

(1) في الأصل: الشيذروان. و كذا وردت في الأماكن التالية.

و الشاذروان: هو ما نقص من عرض جدار أساس الكعبة أيام قريش في الجاهلية عند بناء الكعبة.

(2) السيرة الحلبية (1/ 289).

(3) في الأصل: أن. و التصويب من الغازي (1/ 401).

112

على ابن الحاجب، و ابن جماعة، و غيرهم من المالكية، [...] (1)، و ابن تيمية، من الحنابلة بأن الشاذروان ليس من البيت.

و قال ابن رشيد المالكي- بضم الراء و فتح المعجمة- في رحلته:

[...] (2) محتجّا بما حاصله، أن لفظ الشاذروان لم يوجد في حديث صحيح و لا سقيم، و لا عن أحد من السلف، و لا ذكر أنه عند فقهاء المالكية إلا ما وقع في الجواهر لابن شاس، و تبعه ابن الحاجب، و هو بلا شك منقول من كتب الشافعية، و أقدم من ذكره منهم المزني.

قال القسطلاني: قول ابن رشيد أنه لم يوجد لفظ «شاذروان» عن السلف، فقد نقل البيهقي عن الشافعي و عبارته: قال الشافعي: و كلّ طواف طافه على شاذروان الكعبة في الحجر أو على جداره فكما لو لم يطف.

قال الشافعي: أما الشاذروان فأحسبه بناء على أساس الكعبة، ثم يقتصر بالبنيان على استيطافه.

و لما ذكر الحطّاب الخلاف في الشاذروان قال: و بالجملة فقد كثر الاضطراب في الشاذروان، فيجب على الشخص الاحتراز منه في طوافه.

انتهى. انظر شرح البنّاني.

قال الأزرقي‏ (3): طول الشاذروان في السماء ستة عشر أصبعا، و عرضه ذراع، و الذراع أربع و عشرون أصبعا.

قال النووي في الإيضاح: و هو ظاهر في جوانب البيت، لكنه لا يظهر

____________

(1) كلمة غير ظاهرة في الأصل.

(2) مثل السابق.

(3) الأزرقي (1/ 310).

113

عند الحجر الأسود، و قد أحدث في هذه الأزمان عنده شاذروان. انتهى‏ (1).

و في أقرب المسالك للعلّامة الدردير: الشاذروان بناء لطيف من حجر أصفر يميل إلى البياض، ملصق بحائط الكعبة محدودب، طوله أقل من ذراع، فوقه حلق من نحاس أصفر دائر بالبيت، يربط بها أستار الكعبة. انتهى.

فلم تزل الكعبة على بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه تستلم الأركان الأربعة- أي: لأنها من قواعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام- و يدخل إليها من باب و يخرج من الآخر، حتى قتل عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه، و ذلك أن اليزيد لما وجّه الجيش لقتال عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه [و حاصر] (2) عبد اللّه بن الزبير حتى جاء خبر موت الخبيث اليزيد فرجع جيش اليزيد إلى الشام، ثم تولى بعد اليزيد عبد الملك، ثم بعد توليته جهز الحجّاج بجيش إلى مقاتلة عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه، و ذلك بعد بنائه البيت، فجاء الجيش إلى مكة و حاصره حتى قتل رضي اللّه عنه، قتله شخص من جيش الحجّاج بحجر رماه به فوقع بين عينيه فقتل (رحمه اللّه) و رضي اللّه عنه، و قتل اللّه قاتله في النار سبعين قتلة، و قتل رضي اللّه عنه و هو بالمسجد الحرام، و كتب- بعد قتل عبد اللّه بن الزبير- عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج أن اهدم ما زاد ابن الزبير فيها، أي: اهدم البناء الذي جعله على آخر الزيادة التي أدخلها الكعبة، أي: وردّها إلى ما كانت عليه في زمن قريش، و سدّ الباب الذي فتح، أي: و أن يرفع الباب الأصلي الذي كان زمن قريش، و اترك سائرها، أي: لأنه اعتقد أن ابن الزبير رضي اللّه عنه فعل ذلك من تلقاء نفسه، فكتب الحجّاج إلى‏

____________

(1) متن الإيضاح للنووي (ص: 73).

(2) في الأصل: و حاصره.

114

عبد الملك بأن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه وضع البناء على أس قد نظر إليه العدول من أهل مكة و هم خمسون رجلا من وجوه الناس و أشرافهم كما تقدم، فكتب إليه عبد الملك: لسنا من تخبيط ابن الزبير في شي‏ء، فنقض الحجّاج ما أدخل من الحجر و سدّ الباب الثاني الذي في ظهر الكعبة عند الركن اليماني، و نقص من الباب الأول خمسة أذرع، أي: و رفعه إلى ما كان عليه في زمن قريش فبنى تحته أربع أذرع و شبرا ما خلا العتبة، و بنى داخلها الدرجة الموجودة اليوم.

و في لفظ: أن الحجّاج لما ظفر بابن الزبير كتب إلى عبد الملك بن مروان:

أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس فيها، و أحدث فيها بابا آخر و استأذن رد ذلك على ما كانت عليه زمن الجاهلية فكتب إليه عبد الملك أن يسد بابها الغربي، و يهدم ما زاد فيها من الحجر، ففعل ذلك الحجّاج فسائرها قبل وقوع الهدم بالسيل في سنة تسع و ثلاثين- بتقدم التاء- بعد الألف بنيان ابن الزبير رضي اللّه عنه، إلا الجدار الذي يلي الحجر- بكسر الحاء- فإنه من بنيان الحجّاج، أي: و البناء الذي تحت العتبة و هو أربعة أذرع [و شبر] (1) ما خلا العتبة فإن باب الكعبة كان في زمن إبراهيم عليه الصلاة و السلام و العمالقة و جرهم لاصقا بالأرض حتى رفعته قريش كما تقدم، و ما سدّ به الباب الغربي و الردم كان بالحجارة التي كانت داخل أرض الكعبة- أي: التي وضعها عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه-. أي: و لعله إنما وضع في ذلك المحل الحجارة التي تصلح للبناء. ذكره الحلبي‏ (2).

ثم قال: فلا ينافي ما أخبرني به بعض الثقات أن بعض بيوت مكة كان‏

____________

(1) في الأصل: و شبرا. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 283).

(2) السيرة الحلبية (1/ 282- 283).

115

فيها بعض الحجارة التي أخرجت من الكعبة زمن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه. و يقال: إن البيت الذي‏ (1) كانت فيه تلك الحجارة كان بيتا لعبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه، و بناء الحجاج للبيت المعظم كان في السنة التي قتل فيها عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه، و هي سنة ثلاث و سبعين. انتهى حلبي‏ (2).

و في شفاء الغرام‏ (3): كان بناء الحجاج للبيت الحرام سنة أربع و سبعين على ما ذكره ابن الأثير (4).

و لما حج عبد الملك بن مروان- أي: و ذلك في سنة خمس و سبعين- قال له الحارث: إني أشهد لابن الزبير بالحديث الذي سمعه من خالته عائشة رضي اللّه عنها، قال: أنت سمعته منها؟ قال: نعم، فجعل ينكت- هي بالمثناة فوق- بقضيب كان في يده الأرض ساعة، ثم قال: وددت أني كنت تركته- يعني: بناء ابن الزبير- و ما تحمل.

و في رواية: أن عبد الملك كتب إلى الحجاج: وددت أنك تركت ابن الزبير و ما تحمل، و هو الموافق لما في تاريخ الأزرقي‏ (5): أن الحارث وفد على عبد الملك في خلافته فقال له عبد الملك: ما أظن أن أبا خبيب- يعني:

ابن الزبير- سمع من عائشة رضي اللّه عنهما ما كان يزعم أنه سمع منها في بناء الكعبة، فقال الحارث: إني سمعته منها، [قال عبد الملك: أنت‏

____________

(1) في الأصل: التي. و الصواب ما أثبتناه.

(2) السيرة الحلبية (1/ 283).

(3) شفاء الغرام (1/ 189- 190).

(4) اللباب في تهذيب الأنساب (4/ 29).

(5) الأزرقي (1/ 311).

116

سمعته منها] (1)- أي: الحديث- و كون عائشة رضي اللّه عنها حدثت ابن الزبير رضي اللّه عنه بما ذكر لا ينافي ما في تاريخ ابن كثير (2) عن بعضهم قال: سمعت ابن الزبير يقول: حدّثتني أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهم أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لعائشة رضي اللّه عنها: «لو لا قرب عهد قومك لرددت الكعبة على أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام ...

الحديث».

و في رواية لعائشة رضي اللّه عنها: نذرت إن فتح اللّه مكة على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تصلي في البيت ركعتين. فلما فتحت مكة أي: و حج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حجة الوداع و سألت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن يفتح لها باب الكعبة ليلا، فجاء عثمان بن طلحة رضي اللّه عنه بالمفتاح إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: يا رسول اللّه إنها لم تفتح ليلا قط، قال: «فلا تفتحها». ثم أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيدها و أدخلها الحجر. و قال: «صلّ هاهنا فإن الحطيم‏ (3)- أي: الحجر-

____________

(1) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية (1/ 288).

(2) البداية و النهاية (8/ 263).

(3) الحطيم: اختلف في موضعه، و في سبب تسميته بذلك على عدة أقوال:

الأول: أن موضعه ما بين الحجر الأسود و مقام إبراهيم و زمزم و حجر إسماعيل، و به قال الأزرقي عن ابن جريج.

و الثاني: أن مكان الحطيم هو الموضع الذي فيه الميزاب. و به قالت كتب الحناف.

و الثالث: ما ذكره المحب الطبري عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال: الحطيم هو الجدار، يعني جدار الكعبة.

و الرابع: أن الحطيم هو الشاذروان، سمي بذلك؛ لأن البيت رفع و ترك هو محطوما (انظر:

الأزرقي 2/ 23- 24، و شفاء الغرام 1/ 374- 375).

قال جار اللّه بن ظهيرة: و الحطيم عندنا هو الحجر- بكسر الحاء و سكون الجيم- و هو الموضع الذي نصب فيه ميزاب البيت، و إنما سمي بالحطيم؛ لأنه حطم من البيت، أي:

كسر. كذا في كتبنا. و نستنتج من هذا النص أن موضع الحطيم في ذلك الوقت هو حجر سيدنا إسماعيل (الجامع اللطيف ص: 46).

117

من البيت، إلا أن قومك قصرت بهم النفقة- أي: الحلال- فأخرجوه من البيت، و لو لا حدثان قومك بالجاهلية لنقضت بناء الكعبة و أظهرت قواعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و أدخلت الحطيم في البيت، و ألصقت العتبة إلى الأرض، و لئن عشت إلى قابل لأفعلن ذلك»، و لم يعش (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يتفرغ الخلفاء لذلك. ذكره الحلبي‏ (1).

ثم قال: أقول: و هذا من أعلام نبوته (صلى اللّه عليه و سلم)- أي: بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه للكعبة من جملة أعلام النبوة- لأنه من الإخيار بالمغيبات [ففي‏] (2) نص حديث عائشة رضي اللّه عنها: «فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمّي لأريك ما تركوه منه»، فأراها قريبا من ستة أذرع.

و تقدم أن هذا يرد قول بعضهم: أن ابن الزبير رضي اللّه عنه أدخل في بنيانه جميع الحجر.

قال بعضهم: و هذا منه (صلى اللّه عليه و سلم) تصريح بالإذن في أن يفعل ذلك بعده عند القدرة عليه و التمكن منه.

و قال المحب الطبري (رحمه اللّه): و هذا الحديث- يعني حديث عائشة رضي اللّه عنها- يدل تصريحا و تلويحا على جواز [التغيير] (3) في البيت إن كان لمصلحة ضرورية أو واجبة أو مستحسنة.

قال الشهاب ابن حجر الهيتمي (رحمه اللّه): و من الواضح المبين‏ (4) أن ما و هى منها و تشقّق في حكم المنهدم أو المشرف على الانهدام فيجوز

____________

(1) السيرة الحلبية (1/ 288- 289).

(2) في الأصل: فمن. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 279).

(3) في الأصل: التغير. و التصويب من المرجع السابق.

(4) في السيرة الحلبية: البيّن.

118

إصلاحه، بل يندب، بل يجب. هذا كلامه. انتهى من السيرة الحلبية (1).

تنبيه: قال التقي الفاسي في شفاء الغرام‏ (2): لا شك أن الكعبة المشرفة بنيت مرات، و قد اختلف في [عدد] (3) بنائها، و يتحصّل من مجموع ما قيل أنها بنيت عشر مرات: أولها بناء الملائكة، و آدم، و أولاده، و الخليل، و العمالقة، و جرهم، و قصي بن كلاب، و قريش، و عبد اللّه بن الزبير، و الحجّاج.

و في إطلاق العبارة تجوّز فإن بعضها لم يستوعبها.

و أما بناء الخليل (عليه السلام) فقال التقي الفاسي‏ (4): فهو ثابت بالكتاب و السنة، و هو أول من بناها على ما ذكره الفاكهي‏ (5)، و جزم به [عماد الدين‏] (6) ابن كثير في تاريخه‏ (7) و قال: لم يرد عن معصوم أن البيت كان [مبنيا] (8) قبل الخليل (عليه السلام).

ثم قال: و من تمسك بقوله تعالى: مَكانَ الْبَيْتِ‏ [الحج: 26] فليس بناهض و لا ظاهر؛ [لأن‏] (9) مكانه الكائن في علم اللّه تعالى المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمن إبراهيم (عليه السلام).

ثم قال: و قد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة و أن الملائكة قالت لآدم: قد

____________

(1) السيرة الحلبية (1/ 279).

(2) شفاء الغرام (1/ 175).

(3) في الأصل: عد.

(4) شفاء الغرام (1/ 178)، و البداية و النهاية (1/ 240) طبعة دار الفكر.

(5) أخبار مكة (5/ 225).

(6) في الأصل: بكار الدين. و انظر: شفاء الغرام (1/ 178).

(7) في شفاء الغرام: تفسيره.

(8) قوله: مبنيا، زيادة من شفاء الغرام (1/ 178).

(9) في الأصل: لأنه.

119

طفنا قبلك بهذا البيت و أن السفينة طافت به أربعين ليلة أو نحو ذلك، فهو ينكر ما تقدم من بناء الملائكة و آدم و أولاده. قال: و كل هذا إخبار عن بني إسرائيل و هي لا تصدق و لا تكذب، فبناء الخليل أول شي‏ء بالنسبة إلى من بنى بعده الأولى حقيقي. انتهى.

و قال الحلبي في السيرة و نصه: الحق أن الكعبة المشرفة لم تبن جميعا (1) إلا ثلاث مرات: الأولى: بناء الخليل، و الثانية: بناء قريش، و كان بينهما ألفا سنة و سبعمائة و خمس‏ (2) و سبعين، و حينئذ يكون ما جاء في الحديث:

«استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع، و قد هدم مرتين و يرفع في الثالثة فلا يعاد». انتهى‏ (3).

و الثالثة: بناء ابن الزبير، و كان بينهما نحو اثنين و ثمانين سنة.

و أما بناء الملائكة و آدم و شيث فلم يصح.

و أما بناء جرهم و العمالقة و قصي فإنما كان ترميما. انتهى‏ (4).

لكن في شرح الزرقاني على الموطأ و نصه: اختلف في أول من بناها، فحكى المحب الطبري‏ (5): أن اللّه وضعها أولا لا ببناء أحد.

و للأزرقي‏ (6) عن علي بن الحسين: أن الملائكة بنتها قبل آدم.

و لعبد الرزاق‏ (7) عن عطاء: أن أول من بنى البيت: آدم.

____________

(1) في هامش الأصل: (الحق أن البيت لم تبنا جميعا إلخ).

(2) في الأصل: و خمسة.

(3) في الأصل زيادة: و الثانية بناء قريش. و هو تكرار لما قد سبق قريبا.

(4) السيرة الحلبية (1/ 279).

(5) القرى (ص: 511).

(6) أخبار مكة للأزرقي (1/ 32).

(7) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (5/ 92 ح 9092).

120

و عن وهب بن منبه: أول من بناها: شيث بن آدم.

و قيل: أول من بناها إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و جزم به ابن كثير زاعما أنه أول من بناها مطلقا، إذ لم يثبت عن معصوم أنه كان مبنيا قبله، و يقال: عليه، و لم يثبت عن معصوم أنه أول من بناه. و قد روى البيهقي في الدلائل عن ابن عمر عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قصة بناء آدم لها (1).

[و رواه‏] (2) الأزرقي و أبو الشيخ و ابن عساكر موقوفا عن ابن عباس، و حكمه الرفع إذ لا يقال رأيا.

و لابن أبي حاتم عن ابن عمر: أن البيت رفع في الطوفان فكان الأنبياء بعد ذلك يحجونه و لا يعلمون مكانه، حتى بوّأه اللّه لإبراهيم عليه الصلاة و السلام فبناه على أساس آدم. فهذه الأخبار و إن كانت ضعيفة لكن يقوّي بعضها بعضا. انتهى‏ (3). و اللّه أعلم بالحقيقة.

و قال التقي الفاسي في كتابه العقد الثمين‏ (4): و قد صنعت فيها أمور بعد ابن الزبير.

و أول من بدأ بذلك: الوليد بن عبد الملك في عشرة الثماني، أحضر رخاما من الشام و فرش أرضها و أزّرها من داخل.

و من ذلك: عمارة رخام غير مرة في سنة إحدى- أو اثنين- و أربعين و مائتين.

و في الخمس و خمسمائة- في غالب الظن- من فعل الجواد

____________

(1) دلائل النبوة (5/ 176).

(2) في الأصل: روى.

(3) شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 397).

(4) العقد الثمين (1/ 219).

121

الأصفهاني‏ (1).

و في سنة [تسع‏] (2) و عشرين و ستمائة- في غالب الظن- من قبل المستنصر العباسي.

و ذكر أبو شامة (3)- في غالب الظن- في سنة [اثنتين‏] (4) و تسعين و خمسمائة: انكسرت فلقة من الركن اليماني، ثم أعيد في سنة ثمانين و ستمائة من قبل المظفر صاحب اليمن.

و من ذلك: عمارة في سطحها بعد المائتين.

و من ذلك: عمارة سقفها و الدرجة التي ببطنها في سنة اثنتين و أربعين و خمسمائة.

و من ذلك: مواضع في سقفها في رمضان سنة أربع عشرة و ثمانمائة.

و من ذلك: في آخر سنة [خمس‏] (5) و عشرين و ثمانمائة في خلافة المؤيد:

إصلاح رخام كثير بجوفها، و إصلاح الرواذين بسطحها، و رخامة تلي ميزابها لتخرّب ما تحتها.

و الأخشاب التي بسطحها [المعدّة] (6) لشد الكسوة، و غيّر غيرها بأخشاب، و أحكم وضعها بسطحها (7).

____________

(1) محمد الجواد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني. تولى نصيبين للأتابك زنكي، ثم وزارة الموصل لسيف الدين غازي. سجن بقلعة الموصل حتى مات عام 559 ه (انظر ترجمته في: وفيات الأعيان 2/ 72، و تاريخ الخميس 2/ 366، و الشذرات 4/ 185، و ابن الوردي 2/ 67، و الإعلام 6/ 278).

(2) في الأصل: تسعة.

(3) الذيل على الروضتين ص: 8.

(4) في الأصل: اثنين، و كذا وردت في الموضع التالي.

(5) في الأصل: خمسة.

(6) في الأصل: المعد.

(7) العقد الثمين (1/ 219).

122

و من ذلك: في المحرم سنة ثمانمائة و ثمانية في زمن الأشرف بارسباي:

أمر [سودون‏] (1) المحمدي‏ (2)،- و كان نائبه بمكة- أن يهدم سقف البيت فهدمه، و أقام مدة بلا سقف إلى شهر ربيع الأول ثم ركب سقفها و أكمل.

و في صفر منها: أصلح أحجارا من داخلها مقابل الباب.

و اسم الأشرف بارسباي مكتوب بحائط الكعبة اليماني بسبب ما أنفق في دولته من العمارة. و كذلك اسم الأشرف شعبان كان مكتوبا في أحد [جانبي‏] (3) الكعبة. انتهى ما ذكره التقي الفاسي‏ (4).

و في سنة سبع و أربعين و ثمانمائة: سقط من الكعبة حجر من تحت الميزاب فنقل إلى قبة الفراشين‏ (5) و استمر أياما إلى أن أعيد مكانه‏ (6).

و في سبعة و خمسين في سلطنة الظاهر جقمق: أرسل بتجديد سقف الكعبة و أخشابه التي فيه لربط الكسوة و إصلاح ما تخلخل من رخامه الداخل فيه و من جدرانه.

و من ذلك: إصلاح رخام داخله و ذلك عام اثنين و سبعين. انتهى‏

____________

(1) في الأصل: سوددي.

(2) الأمير سودون هو: سيف الدين سودون بن عبد اللّه المحمدي مملوك لسودون المحمدي الظاهري برقوق الذي عرف بالمجنون. صار خاصكيا بعد قتل أستاذه، و رأس نوبة الجمدارية في أيام الأشرف برسباي، ثم ولي نظر الحرم الشريف بمكة أكثر من مرة، بعدها ولي نيابة قلعة دمشق حيث توفي بها (انظر: النجوم الزاهرة 15/ 279، 516- 517، و إتحاف الورى 4/ أخباره متفرقة بين ص: 67- 184، و الضوء اللامع 3/ 285- 286، و بدائع الزهور 2/ 254).

(3) في الأصل: جانب. و انظر العقد الثمين (1/ 220).

(4) العقد الثمين (1/ 220).

(5) الفراشون: واحدتها: فراش. و هو من يتولى أمر الفراش و خدمته في المنازل و نحوها (المعجم الوسيط 2/ 682).

(6) إتحاف الورى (4/ 219)، و تاريخ عمارة الكعبة المعظمة (ص: 236).

123

قليوبي.

و من ذلك: ترخيم السقف في سنة تسعمائة و إحدى و ثلاثين.

و من ذلك في سنة تسعمائة [و ثمان‏] (1) و خمسين: عرض بنو شيبة و قاضي مكة إلى الأبواب العالية (2) أن بعض أسهم سقف البيت قد انكسر و انخسف فخرج الأمر بعمارته فعمر، [و لهذه‏] (3) العمارة قصة بين بني شيبة و نائب الحرم‏ (4) و العلماء و بين القطب الحنفي. ذكرها الشيخ عبد القادر الجزيري الحنبلي في تاريخه درر الفرائد (5). انتهى منه.

و من ذلك أسطوانة فيها؛ لأن الفاكهي‏ (6) قال: حدثني أبو علي الحسن قال: حدثني عبد اللّه قال: حدثنا أبو بكر بن حبيب قال: جاورت بمكة فعابت أسطوانة من أساطين البيت فأخرجت، و جي‏ء بأخرى ليدخلوها مكانها، و طالت عن الموضع، فأدركهم الليل، و الكعبة لا تفتح ليلا، فتركوها مائلة ليعودوا من الغد فيصلحوها. فجاؤوا في الغد فأصابوها أقوم من [القدح‏] (7)- القدح عود مستقيم- و هذا غريب، و فيه للبيت كرامة. انتهى من درر الفرائد للشيخ عبد القادر (8)، و من تاريخ القطب‏

____________

(1) في الأصل: ثمانية.

(2) يقصد مقر السلطان العثماني.

(3) في الأصل: و لهذا.

(4) نائب الحرم: من البيوت المشهورة في مكة، و يقال أنهم من سادات أهل الشام، و معنى نائب الحرم أنه نائب في أمور المسجد عن الأمير، و وظيفتهم عبارة عن رئاسة على جميع موظفي المسجد الحرام من إمام و خطيب و مؤذن و فراش و بواب و كناس و غير ذلك (تحفة الأحباب في بيان اتصال الأنساب «مخطوط» ورقة 157).

(5) درر الفرائد (ص: 22).

(6) أخبار مكة (5/ 233).

(7) في الأصل: قدح. و انظر درر الفرائد و العقد الثمين.

(8) درر الفرائد (ص: 24)، و انظر العقد الثمين (1/ 219- 220).

124

الحنفي.

و ممن عمّر فيه: السلطان مصطفى خان‏ (1) سنة ألف و مائة على ما هو مكتوب في حجر بجانب الدرجة التي يصعد منها إلى السطح.

و ممن عمّر سقف البيت السلطان أحمد خان على ما هو مكتوب في حجر مقابل الباب. انتهى.

و ذكر العلامة الحلبي في السيرة و هذا لفظه: و في شعبان سنة تسع‏ (2) و ثلاثين و ألف جاء سيل عظيم و قد أرّخ هذا السيل فضل بن عبد اللّه الطبري فقال:

سئلت عن سيل أتى‏* * * و البيت منه قد سقط

متى أتى؟ قلت لهم‏* * * مجيئه كان غلط

أي: سنة 1039

و كان‏ (3) ابتداؤه يوم الأربعاء بعد صلاة العصر و يوم الخميس لعشرين من الشهر المذكور هدم معظم الكعبة، سقط به الجدار الشامي بوجهيه، و انحدر من الجدار الشرقي إلى حد الباب، و من الجدار الغربي من الوجهين نحو السدس، و انهدم أكثر دور مكة و غرق في المسجد الحرام جملة من الناس [خصوصا الأطفال‏] (4)، فإن الماء ارتفع إلى أن سد الباب. و عند

____________

(1) خان: ملك أو أمير، و الخان: النّزل الذي ينزل فيه المسافرون، و كلّها فارسية، غير أنها موجودة في جميع اللغات الشرقيّة الدارجة. و هو السلطان، و لقب سلاطين الخطا و تركستان. و في عهد الدولة المغولية كانت كلمة (خان) تطلق على ملوك الأقاليم، و يسمى الملك الأكبر (خاقان). (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 42).

(2) في الأصل: تسعة.

(3) في الأصل: أي و كان. و قد وضعناها قبل كلمة: سنة.

(4) قوله: خصوصا الأطفال، زيادة من السيرة الحلبية (1/ 279).

125

مجي‏ء الخبر بذلك إلى مصر جمع متوليها الوزير محمد باشا (1) جمعا من العلماء، و كنت من جملتهم، و وقعت الإشارة بالعمارة، و قد جعلت للوزير المذكور رسالة في ذلك وقعت منه موقعا كبيرا، حتى أنه دفعها لمن عبّرها باللسان التركي، و أرسلها إلى حضرة مولانا السلطان مراد خان، و ذكرت فيها الحق: أن الكعبة المشرفة لم تبن إلا ثلاث مرات إلى آخر ما تقدم. انتهى كلام الحلبي‏ (2).

و قد ألف الشيخ عبد العال الحنفي رسالة ذكر فيها أنه لما سقط من البيت الشريف الجدر الشامي بوجهيه، و انحدر منه الجدر الشرقي إلى حد الباب، و لم يبق سواه و عليه قوام الباب، و من الجدر الغربي من الوجهين نحو السدس، و من الوجه الظاهر سقط منه نحو الثلثين و بعض السقف، و هو محاذ الجدار الشامي، و سقطت درجة السطح، و كان سقوطه بعد عصر الخميس لعشرين من شعبان سنة ألف تسعة و ثلاثين، و نقل ما فيها من القناديل إلى بيت السادن، و علق باقي أخشاب سقفها؛ خوفا عليه من السقوط، جمع شريف مكة الشريف مسعود علماء البلد الحرام و سألهم عن حكم عمارة الساقط فوقع الجواب: تعمّر بمال حلال و منه مال القناديل التي بها، ما لم يعلم أنها عينت من وقفها لغير العمارة. كذا في خلاصة الأثر في أخبار القرن الحادي عشر. اه (3).

و ذكر ابن الجمال في شرحه على منسك الإيضاح للنووي و لفظه:

____________

(1) الباشا: منصب تركي تعادل وزير أو أمير مقاطعة، كحاكم بغداد التركي، و حاكم اليمن و غيرهم. و هو مركّب من لفظين: (با) و معناها قدم، و (شاه)، و معناها ملك بالفارسية.

و عرّبتها العرب: باشه (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 19).

(2) السيرة الحلبية (1/ 279).

(3) خلاصة الأثر (4/ 361).

126

الذي صح من غير نزاع بناء إبراهيم و قريش و ابن الزبير و الحجّاج.

قال في الحاشية: قال ابن الجمال: قلت: و زيد عليه في سنة تسعة و ثلاثين و ألف في شعبان: عمّره السلطان مراد خان بن أحمد لما دخل السيل إلى المسجد و وصل إلى قفل البيت فسقط منه ما عدا الجهة اليمانية فهدم الكل حتى الجهة اليمانية و عمّر. انتهى. هذا لفظه.

و قد ألف الشيخ حسن [الشرنبلالي‏] (1) الحنفي رسالة في ذلك أولها:

و بعد: فيقول الفقير إلى مولاه الحسن الشرنبلاني أنه قد ورد الخبر من مكة بأنه لما كان يوم الأربعاء تاسع عشر شعبان سنة [تسع‏] (2) و ثلاثين و ألف ابتدأ نزول سيل عظيم إلى أن قال: سقط ميزاب الكعبة و ما قام عليه من الجدار بالحجر، و قطع من الجانب الذي به الباب ثاني يوم نزوله، و لما بلغ ذلك إلى الوزير محمد باشا والي مصر بادر بإرسال الخبر إلى مولانا السلطان مراد إلى أن قال: ثم عمّرت. انتهى.

و في منائح الكرم في أخبار البيت و ولاة الحرم‏ (3): أنه في عام ألف و تسعة و ثلاثين في دولة الشريف مسعود بن إدريس بن حسن بن أبي نمي و إلى مكة كان سقوط البيت الشريف، و ذلك: أنه لما كان يوم الأربعاء التاسع عشر من شعبان من السنة المذكورة وقع مطر شديد و دخل المسجد، و غرق أمة من الناس.

قال الشيخ محمد بن علان الصديقي‏ (4): و خرص من مات في الليل‏

____________

(1) في الأصل: الشرنبلاوي، و كذا وردت في الموضع التالي.

(2) في الأصل: تسعة.

(3) منائح الكرم (4/ 64- 72).

(4) جميع من ذكر البناء نقل عن ابن علان في رسالته المسماة: إنباء المؤيد الجليل مراد ببناء بيت الوهاب الجواد.

127

و النهار نحو ألف إنسان، و بات تلك الليلة السيل بالمسجد إلى الصبح، و دخل البيوت، و أخرج‏ (1) أمتعة العالم إلى أسفل مكة، و بلغ الماء في الحرم إلى طوق القناديل‏ (2).

و كان ابتداء المطر في الساعة الثانية من اليوم المذكور، و ما زال المطر يكثر و يقل إلى قبل العصر فاشتدّ، و نزل مع المطر برد كثير.

قال ابن علان: و ذكر لي بعض الناس أنه ذاق ماء ذلك البرد فكان مالحا أو مرّا. و لما أن أصبح الصباح ثاني يوم المطر نزل مولانا الشريف و أمر بفتح سرب باب إبراهيم بحضرته، و خرج الماء إلى أسفل مكة. فلما كان عصر يوم الخميس قبيل المغرب نهار عشرين من شعبان سقط الجانب الشامي من الكعبة بوجهيه، و انحدر من الجدار الشرقي إلى حد الباب، و من الغربي من الوجهين نحو السدس، و الذي سقط من الجانب الشامي هو الذي بناه الحجّاج بن يوسف الثقفي، و كانت لها وقعة عظيمة مهيلة. فنزل مولانا الشريف و أمر بالتنظيف و إفراز الحجارة بعد أن رفع الميزاب و ما وجد من قناديل‏ (3) الذهب المعلقة، و كانت عشرين قنديلا (4) أحدها مرصع باللؤلؤ و غيره‏ (5) من المعادن، و وضعت في بيت الشيخ جمال الدين بن أبي‏

____________

(1) في الأصل: و خرج.

(2) انظر هذا الخبر نقلا عن ابن علان كما أورده السنجاري في تاريخ الكعبة المعظمة لباسلامة (ص 131)، أما في إتحاف فضلاء الزمن (2/ 46)، و سمط النجوم العوالي (4/ 434)، فورد فيهما: أن عدد القتلى كان نحو خمسمائة إنسان.

(3) في الأصل: القناديل.

(4) القنديل: هو مصباح كالكوب في وسطه فتيل يملأ بالماء و الزيت و يشعل (المعجم الوسيط 2/ 762).

(5) في الأصل: و غيرها.

128

القاسم‏ (1) الشيبي الحجبي بعد أن ضبط ذلك بحضرة صاحب مكة، فأخذه إلى منزله بالصفا، و هو من أوقاف سلطان مراد خان على الحجّاب، و وضعه في مخزن و ختم عليه بخاتم صاحب مكة. كل ذلك قبل الغروب.

و لما كان يوم السبت ثاني عشرين شعبان نزل مولانا الشريف إلى الحرم، و اجتمع إليه علماء البلد، و حضر أعيان الناس، [و حضر] (2) حسين‏آغا الشاووش‏ (3) من قبل صاحب مصر محمد باشا، فوقع السؤال من مولانا الشريف عن عمارة ما و هى من الكعبة المشرفة: هل يأمر بعمارتها و تعمر في الحال؟ و من أيّ مال يكون؟ تعمر بمال القناديل أم بمال غير ذلك؟ و كان ممن حضر المجلس: الشيخ خالد [البصير] (4) المالكي، و القاضي عبد اللّه بن أبي بكر الحنبلي، و القاضي أحمد بن [عيسى‏] (5) المرشدي الحنفي، و غيرهم من علماء مكة. فانعقد رأي الجماعة بالمبادرة بعمارتها من مال الكعبة المشرفة، و أن لا يمنع أحد من المسلمين أن يعمرها إذ لم يكن فيه شبهة، و أن ذلك يتوقف [على‏] (6) عرض الأمر إلى الأبواب السلطانية، و كان إذ ذاك المتولي مولانا السلطان مراد بن أحمد بن محمد بن مراد.

____________

(1) في الأصل: بن قاسم. و المثبت من منائح الكرم.

(2) قوله: و حضر، زيادة من منائح الكرم.

(3) شاووش: رتبة عسكرية، يضع صاحبها على عضده ثلاث شرائط، و تأتي بعده رتبة العريف، و العريف يأتي بعد الجندي مباشرة. كانت هذه الرتبة شائعة في الجيش السعودي لفظا، موروثة عن الجيش العثماني، أما كتابة فقد كان الجيش السعودي و الشرطة يسمّيان هذه الرتبة: نائب، ثم عدّلت إلى وكيل رقيب في الوقت الحاضر (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 65).

(4) في الأصل: البصري. و المثبت من منائح الكرم.

(5) في الأصل: يحيى. و المثبت من منائح الكرم.

(6) زيادة على الأصل. و انظر: منائح الكرم (4/ 72).

129

قلت: و السلطان مراد هذا المخاطب بعمارة البيت الشريف غير السلطان مراد الآتي ذكره في عمارة الحرم، فإن الآتي ذكره هو جد هذا، و السلطان مراد المخاطب‏ (1) هنا فإنه توفي (رحمه اللّه) سنة ألف [تسع‏] (2) و أربعين، و مدة سلطنته أربعة عشر سنة، و أما السلطان مراد جدّ هذا الآتي ذكره عند عمارة الحرم توفي سنة ألف [و ثلاث‏] (3) فتنبّه. انتهى.

و لما اجتمع رأي الحاضرين أمر مولانا الشريف أن يكتب صورة سؤال، و يضع العلماء عليه خطوطهم بعد [محض‏] (4) الفكر ليبعث به إلى الأبواب. و قاموا من ذلك المجلس، و فرش لهم بساط عند باب الرحمة (5)- قلت: الآن يعرف بباب الشريف؛ لأن الشريف سرور كان يخرج من هذا الباب إلى بيته الذي بأجياد-، و طلبوا كتاب الشيخ أحمد بن حجر الهيثمي المكي المسمى ب: المناهل العذبة في إصلاح ما و هى من [الكعبة] (6)، فأحضر لهم، و أخذ مولانا الشيخ تاج الدين المالكي الكتاب و جلس يقرأ عليهم و الحاضرون يسمعون، فلما وصلوا إلى المطلوب كتبوا سؤالا كما

____________

(1) في الأصل: مخاطب.

(2) في الأصل: تسعة.

(3) في الأصل: و ثلاثة.

(4) في الأصل: محضر. و المثبت من منائح الكرم.

(5) باب الرحمة: هو الباب الخامس الذي يقع في الجهة الجنوبية للمسجد الحرام، و ترتيبه الخامس من الشرق. ذكر الأزرقي أنه من أبواب بني مخزوم أيضا؛ لكونهم كانوا ساكنين بتلك الجهة، ثم عرف بباب المجاهدية؛ لكونه عند مدرسة الملك المؤيد المجاهد صاحب اليمن، كما كان يسمى إلى جانب اسمه هذا بباب الرحمة، و لا يعرف سبب تسميته هذه، ثم عرف في الوقت الحاضر- أي زمن المؤرخ باسلامة- بباب أجياد؛ لأنه أمام شارع أجياد، أنشأه الخليفة العباسي محمد المهدي في عمارته الثانية سنة 164 ه، وجددت عمارته سنة 984 ه (انظر: الأزرقي 2/ 90، و شفاء الغرام 1/ 450، و الإعلام ص: 423، و مرآة الحرمين 1/ 232، و تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 123).

(6) في الأصل: البيت. و المثبت من منائح الكرم (4/ 72).

130

[قلناه‏] (1) أولا، من المبادرة إلى العمارة ممن له على الحرم الشريف إمارة، و أن ذلك يعمر من مال البيت [الشريف‏] (2)، و يكتب بذلك [الواقع‏] (3) إلى الأبواب.

قال ابن علان: ثم ظهر لي أن يكون المخاطب بذلك مولانا السلطان، و كان إذ ذاك مولانا السلطان مراد خان، فراجعت بعض [الفقهاء المفتين‏] (4)، و عرضت عليه [ما يؤخذ منه‏] (5) ذلك فأبى الرجوع، فاتفق أن مولانا الشريف غيّر السؤال بعبارة أخرى، و المخاطب بالعمارة مولانا السلطان، ثم نائبه مولانا الشريف.

و بهذا السؤال و ما معه من العروض أرسل إلى صاحب مصر محمد باشا، و كان المتوجه بما ذكر أحمد جاوش [و معه النوري علي‏] (6) سنجقدار اليمن، و كان خروجهم يوم الاثنين الرابع و العشرين من شعبان.

و في [يوم الثلاثاء الثاني و العشرين‏] (7) من رمضان ورد من مصر آغا [و معه‏] (8) سنجقدار اليمن و أخبر بوصول الآغا (9) رضوان المعمار، ثم‏

____________

(1) في الأصل: علمت. و التصويب من منائح الكرم (4/ 73).

(2) زيادة من منائح الكرم (4/ 73).

(3) قوله: الواقع، زيادة من منائح الكرم (4/ 73).

(4) قوله: الفقهاء، زيادة من منائح الكرم (4/ 73)، و في الأصل: المفتيين، و التصويب من منائح الكرم.

(5) زيادة من منائح الكرم (4/ 73).

(6) في الأصل: و محمد النوري. و التصويب من منائح الكرم (4/ 74).

(7) في الأصل: يوم الثالث و العشرين. و التصويب من منائح الكرم (4/ 75).

(8) في الأصل: و معاه. و المثبت من منائح الكرم، الموضع السابق.

(9) الآغا: هو لقب كان يطلق على شيوخ الأكراد أو كبارهم، كما كان ينقش على نقودهم.

أما معناها في لغة الأتراك الغربيين فتعني رئيس أو سيد. و أصل هذه الكلمة: آقا، و هي من كلمات اللغة المغولية، و معناها الأخ الأكبر، و لما كان للأخ الأكبر عندهم سلطان على إخوته فصارت كلمة آقا تدل على رئيس الأسرة كلها (انظر: الفنون الإسلامية-

131

دخل الآغا رضوان [و معه السيد علي بن هيزع‏] (1) و معه قفطان‏ (2) لمولانا الشريف، و ذلك ليلة الجمعة لخمس و عشرين مضت من رمضان‏ (3).

و في السيرة الحلبية (4): أن الطاعون وقع بمكة في هذه السنة، و استمر إلى أن انستر المنهدم من البيت بالأخشاب و لم أره لغيره. ذكره في منائح الكرم‏ (5). انتهى.

قال ابن علان: فأحيط على الكعبة بخشب و خصف‏ (6)، و ألبست ثوبا من [الدولعي‏] (7) الأخضر فوق الخشب [و الأخصاف‏] (8)، و كان إلباسها هذا الثوب لسبعة عشر من شوال من السنة المذكورة، و صار الناس‏

____________

- 1/ 36). أما الآغا في اصطلاح أهل الحجاز: الخصيّ. ذلك أن بعض الافريقيين عند ما دخلوا الاسلام، صار بعضهم يخصي ولده صغيرا ثم يهديه إلى الحرمين، حتى لا تكون له إربة بالنساء العابدات في الحرم، يتقرّبون بذلك إلى اللّه، مع منافاته لتعاليم الإسلام. ثم أخذ السلاطين و كبار القوم يرغبون في مثل هؤلاء الخصيان للخدمة في بيوتهم، فارتفع ثمنهم و راجت لهم حركة في ما بعد القرن الرابع الهجري (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 12).

(1) زيادة من منائح الكرم (4/ 76).

(2) القفطان: ثوب طويل واسع مفتوح من الأمام، يشد بحزام، و يتّخذ من القطن أو الحرير.

كان من الألبسة الشائعة لأهل العلم و الطلبة حتى عهد تغلّب الغرب على بلاد العرب، فتركت الألبسة القديمة، أمثال: القفطان، الجبّة، العمامة، و نحوها (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 85).

(3) منائح الكرم (4/ 72- 76).

(4) السيرة الحلبية (2/ 286).

(5) منائح الكرم (4/ 81).

(6) في الأصل: و خسف. و المثبت من منائح الكرم. و في القاموس المحيط 3/ 134/ الخصفة:

محركة الثوب الغليظ جدا، و الجلة تعمل من الخوص للتمر.

(7) في الأصل: الدولي. و الدولعي: نسبة إلى قرية الدولعية، و هي من قرى الموصل الكبيرة، معجم البلدان (2/ 486).

(8) في الأصل: و الخسف. و التصويب من منائح الكرم.

132

يطوفون حوله على هذه الحالة بعد أن توجه القاصد بالخبر إلى الأبواب السلطانية. انتهى‏ (1).

و ذكر الحلبي‏ (2): أنه لما وصل هذا الخبر إلى صاحب مصر جمع العلماء و الفقهاء، و عرض عليهم فاتفق رأيهم على المبادرة إلى العمارة، و عيّن من الصناجق‏ (3) رضوان بيك المتقدم ذكره. انتهى‏ (4).

و لما كانت ليلة الثلاثاء لعشرين‏ (5) من ربيع الثاني انتقل مولانا الشريف، و دفن في المعلا (6) في قبة السيدة خديجة رضي اللّه عنها (7)، و تولى مكانه الشريف عبد اللّه بن حسن بن أبي نمي، و هذا هو جد العبادلة، و به [يسمون‏] (8) العبادلة و ذوي عبد اللّه.

و ستأتي ترجمته عند ذكر أمراء مكة، و خلع عليه رضوان بك قفطان الولاية بنظر القاضي محمد قاضي المدينة.

و لما كان يوم السبت عاشر جمادى الثاني، و قيل: يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأول حضر مولانا القاضي، و رضوان بيك المعمار، و المعلم‏

____________

(1) منائح الكرم (4/ 82- 83).

(2) السيرة الحلبية (1/ 279).

(3) الصنجق: رتبة رئيس ألف جندي، و من الأرض مقاطعة، و قيل: السنجق: اللواء فارسية:

سنجوق، و قريب منها الرومي و اليوناني، و منه التركي، و الكردي سنجاق. و قالوا: وحدة إدارية عثمانية تتكون من عدة أقضية، و القضاء ناحية لها قائمقام أو شبهه، و مجموعة الصناجق تكون ولاية. و هو يطلق على كل هذه المسمّيات حسب المقصود من التسمية (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 69).

(4) منائح الكرم (4/ 83).

(5) في منائح الكرم: الثامن و العشرين.

(6) المعلاة: هي القسم العلوي من مكة المكرمة، و غالبا ما يطلق على مقبرة مكة التي صارت تعرف بالمعلاة؛ لوقوعها في هذا الحي (معجم معالم الحجاز 8/ 201).

(7) منائح الكرم (4/ 87).

(8) في الأصل: يسمونه.

133

علي بن شمس الدين المكي المهندس، و المعلم [علي‏] (1) بن زين الدين، و أخوه المعلم عبد الرحمن، فعرض عليهم بناء الكعبة المشرفة فالتزموا بناءها على وجه الكمال، و سجل عليهم القاضي، ثم ذكر المعلم علي بن زين الدين أن مراده نصب أخشاب حول البيت، و يجعل ذلك سورا يمنع من مشاهدة الهدم، فاختلف رأي الحاضرين في ذلك، فمنهم المبيح و منهم المانع، ثم إنه اتفق الحال على نصب الساتر.

و أفتى بالجواز جماعة من الأعيان؛ كالشيخ خالد المالكي، و الشيخ عبد العزيز الزمزمي مفتي الشافعية (2).

قال ابن علان: و في [خمس و عشرين‏] (3) جمادى الأول فتح مقام إبراهيم و وضع فيه الكسوة.

و في [ست‏] (4) و عشرين: وصلوا في الهدم إلى باب الكعبة، فرفعوا الباب و وضعوه في بيت السيد [محمد] (5) أفندي شيخ الحرم‏ (6).

قال ابن علان: و في ضحى يوم الأحد ثالث عشر جماد الآخر رمي أساس الجدار الشامي و بعض أساس الجدار الغربي مما يلي الحجر- بكسر الحاء-، و حضر صاحب مكة و غيره من الأعيان، و باشر مولانا الشريف شيئا من العمل و تبعه الأعيان.

و في هذا اليوم وضعوا عتبة الباب ثم شرعوا في البناء، و هيأت القراءة

____________

(1) في منائح الكرم: محمد.

(2) منائح الكرم (4/ 90- 92).

(3) في الأصل: خمسة عشرين.

(4) في الأصل: ستة.

(5) في منائح الكرم: أحمد.

(6) منائح الكرم (4/ 97).

134

في المقامات الأربع، و ذبح ثور و كبشان على باب السلام‏ (1)، و كذا على باب الصفا و باب الزيادة و باب إبراهيم.

و في يوم الأحد غرة رجب وضع الحجر اليماني في ركنه بعد أن بخّر بالعنبر.

و في سبعة رجب حضر صاحب مكة و أكابر مكة و أرادوا قلع الحجر الأسود لتمكينه في محله على وجه الكمال فما أمكن، و غاية ما قدروا عليه رفع الحجر الذي فوقه‏ (2).

و في تسعة رجب جعلوا أخشابا ستروا بها ما حاذى الحجر الأسود، ثم [أخرجوا] (3) الحجر الأعلاء، و نقلوه إلى محل آخر، و أخذ المعلم عبد الرحمن بأصابع الحديد ما أطاف بالحجر مما كان عليه من الفضة و الجير، [و الخارج‏] (4) يتلقاه السيد محمد بن الشريف عبد اللّه صاحب مكة في محرمة (5)، فبينما هم كذلك فإذا الحجر الأسود تشطر نحو أربع شظايا من وجهه و تفارقت منه، [و كادت أن تسقط] (6) فعند ذلك حضر السيد محمد علي بن بركات‏ (7)، فلما رأى ما أهاله من الأمر الشديد قال: يا أمة الإسلام إن أخرج الحجر الأسود تفرقت أجزاؤه و لا يقدر على جمعها،

____________

(1) باب السلام: من الأبواب التي أحدثها الخليفة المهدي العباسي، و كان قبل التوسعة دورا لأهل مكة، فاشتراها المهدي و أدخلها في الحرم، ثم جدّدت عمارته بأمر السلطان سليمان خان عام 980 ه، و لا يزال على عمارته إلى الآن (أعلام النهرواني ص: 68، و تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 113).

(2) منائح الكرم (4/ 104- 105).

(3) في الأصل: خرجوا.

(4) في الأصل: الخارج. و المثبت من منائح الكرم (4/ 100).

(5) المحرمة: المنديل.

(6) في الأصل: كادت تسقط. و التصويب من منائح الكرم.

(7) في منائح الكرم: السيد علي بن بركات.

135

و يترتب على ذلك أمر عظيم، إنما أصلحوا هذا الذي انزعج منه.

قال المعلم محمد بن شمس الدين: الحجر الذي عليه الحجر الأسود خارج، و في بقائه ضرر عظيم؛ لأنه ركن البيت و عليه عتبة الباب.

ثم شرعوا في إصلاح ما انكسر منه و إلصاقه، و أصلحوا ما خرج منه بعد تعب كثير، و كان تمام العمل ليلة الجمعة بعد مضي نصفها، و رفعوا الأخشاب المانعة من تقبيل الحجر و أسفر الحجر عن محياه، و قبّله المسلمون و حياه‏ (1).

و في ثلاثة عشر (2) رجب حضر صاحب مكة المشرفة الشريف عبد اللّه و الأعيان لرد باب الكعبة.

و في خمسة عشر (3) من رجب أزيل الخشب الساتر لوجه الباب- أي:

من جهته-.

و في الخامس و عشرين من رجب‏ (4) و كان يوم الأربعاء رفع جميع الساتر.

و في ثاني شعبان ركب الميزاب في سطح الكعبة، و حضر لتركيبه جماعة من الأكابر.

و بعد النصف من شعبان، شرعوا في تركيب السقف الأول إلى أن تم، ثم شرعوا في تركيب السقف الثاني، فتم يوم السبت [السادس و العشرين‏] (5) شعبان.

____________

(1) منائح الكرم (4/ 99- 102).

(2) في منائح الكرم: و في الثاني عشر.

(3) في منائح الكرم: و في الخامس و العشرين.

(4) في منائح الكرم: و في غرة شعبان.

(5) في الأصل: سادس عشرين.

136

و في ضحى يوم الجمعة غرة رمضان ألبست الكعبة الشريفة ثوبها، و كان ذلك بعد الشروق.

و في يوم الاثنين رابع رمضان أتموا ترخيم السطح- أي: سطح الكعبة-.

و في يوم الثلاثاء عاشر رمضان شرعوا في هدم ظاهر الحجر- بكسر الحاء- ثم شرعوا في ترميم الحرم و إصلاحه إصلاحا تاما. و ما جاء هلال القعدة إلا و قد تم إصلاح جميع الحرم و للّه الحمد، و انتهى العمل في عاشر ذي القعدة، و فرش الحصباء و تم السرور لجميع أهل الإسلام. انتهى من رسالة للإمام علي بن عبد القادر الطبري، ذيل بها كتابا له سماها:

«الأقوال المعلمة في وقوع الكعبة المعظمة». انتهى منائح الكرم في أخبار البيت و ولاة الحرم‏ (1).

و هذا البناء هو الباقي [بعصرنا] (2)، و هو من أجلّ مفاخر بني عثمان جمّل اللّه بدولتهم الزمان.

و نظم الفاسي في شفاء الغرام‏ (3):

بنى الكعبة الغراء عشر ذكرتهم‏* * * و رتبتهم حسب الذي أخبر الثّقة

ملائكة الرحمن آدم ابنه‏* * * كذاك خليل اللّه ثمّ العمالقة

و جرهم يتلوهم قصي قريشهم‏* * * كذا ابن الزبير ثمّ حجّاج لاحقة

و ذيله بعضهم ذلك بقوله:

و خاتمهم من آل عثمان بدرهم‏* * * مراد المعالي أسعد اللّه شارقة

____________

(1) منائح الكرم (4/ 107- 110).

(2) في الأصل: لعصرنا. و التصويب من الغازي (1/ 378).

(3) لم أقف عليه في المطبوع من شفاء الغرام.

137

و بيت آخر:

و من بعدهم من آل عثمان قد بنى‏* * * مراد حماه اللّه من كلّ طارقة

انتهى.

و قد تقدم بيان ذلك و ما حصل في ذلك من الخلاف في عد بنائها و تحقيق ذلك.

و في كشف الظنون في أسماء الكتب: أن الشيخ إبراهيم الميموني جعل لهذه العمارة تاريخا و هي العمارة [الحادية] (1) عشر. انتهى‏ (2).

و في هذه العمارة مختصر للشيخ محمد بن علان و ذلك أنه لما تم تاريخه في قصة السيل الذي سقط من البيت الحرام أشار إليه بعض الأعيان بجرد ما وقع في عمارة البيت فكتب الواقع يوما فيوما. انتهى.

قال ابن علان: قلت لمولانا الشريف: لو أمرتم بذرع جوانب البيت و كتبه بحضور الجماعة لئلا يزداد في القبلة أو ينقص، فإنه يترتب عليه الخطر الكبير، و أنه لا يجوز تغيير القبلة و لا الزيادة و لا النقص فيها، و لا يجوز تغيير الكعبة على البنية التي هي عليها بعد عمل الحجّاج. فقال المعلم علي بن شمس: نحن إذا أتينا الأساس لانهدم الأساس بل إلى المدماك الذي على وجه الأرض، و عليه يكون العمل. نعم يخشى سقوط القائم من الجدار الباقية فيطمس أثر سمكها، و لا يعلم ما بين سمك أرضها و عتبة الباب، فحرر ذلك بالذرع بحضرة الأعيان‏ (3).

قال ابن علان: و كنت أنا فيمن حضر ذلك. انتهى.

____________

(1) في الأصل: الحادي.

(2) كشف الظنون (1/ 306).

(3) منائح الكرم (4/ 114- 115).

138

و أما ذرع البيت الحرام فقال التقي الفاسي في شفاء الغرام‏ (1): طول جدارها الشرقي من السقف الأسفل إلى أرضها سبعة عشر ذراعا- بتقديم السين- و نصف ذراع إلا قيراطا، و عرضه من الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى جدار الدرجة التي فيها الباب خمسة عشر ذراعا و ثمن ذراع، و ذرع بقية هذا الجدر يعرف تقريبا من جدر الدرجة الغربي؛ لكونه في محاذاة بقية هذا الجدر، و ذرع الدرجة الغربية المشار إليه ثلاثة أذرع و قيراط، فيكون ذرع الجدر الشرقي على التقريب ثمانية عشر ذراعا و سدس ذراع.

و طول الجدر الشامي من سقفها الأسفل إلى أرضها سبعة عشر ذراعا- بتقديم السين أيضا- و عرض هذا الجدر من جدر الدرجة الغربي إلى ركن الكعبة الغربي إحدى عشر ذراعا [و قيراط] (2)، و ذرع بقية هذا الجدر يعرف تقريبا من جدر الدرجة اليماني؛ لكونه في محاذاة بقية هذا الجدر، و ذرع جدر الدرجة المشار إليها ثلاثة أذرع إلا [ثمنا] (3)، فيكون ذرع الجدر الشامي على التقريب أربعة عشر ذراعا إلا قيراطين.

و طول جدرها الغربي من سقفها الأسفل إلى أرضها سبعة عشر ذراعا- بتقديم السين أيضا- و ربع ذراع و ثمن ذراع، و عرض هذا الجدر من الركن الغربي إلى الركن اليماني ثمانية عشر ذراعا و ثلث ذراع.

و طول جدر الكعبة [اليماني‏] (4) من سقفها الأسفل إلى أرضها سبعة عشر ذراعا- بتقديم السين أيضا- و نصف ذراع [و قيراطان‏] (5)، و عرض‏

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 213).

(2) في الأصل: و قيراطا.

(3) في الأصل: ثمن.

(4) قوله: اليماني، زيادة من شفاء الغرام (1/ 213).

(5) في الأصل: و قيراطين.

139

هذا الجدر من الركن اليماني إلى الركن الذي فيه الحجر الأسود أربعة عشر ذراعا و ثلثا ذراع.

و من وسط جدر الكعبة الشامي إلى وسط جدرها اليماني ثمانية عشر ذراعا و ثلث.

و من وسط جدرها الشرقي إلى وسط جدرها الغربي أربعة عشر ذراعا و نصف ذراع و ثمن، و بين الجدر الشرقي و بين كرسي الأسطوانة الأولى التي تلي اليمن و باب الكعبة سبعة أذرع- بتقديم السين على الباء- و ثمن، و كذلك ما بينه و بين كرسي الأسطوانة الوسطى و ما بينه و بين كرسي الأسطوانة التي تلي الحجر سبعة أذرع- بتقديم السين أيضا- و قيراط، و بين كلّ من كراسي هذه الأساطين و ما يقابله من الجدر الغربي سبعة أذرع- بتقديم السين أيضا- إلا أنه ينقص [في‏] (1) ذرع ما بين كرسي الأسطوانة الوسطى و ما يحاذيها من الجدر الغربي المذكور قيراطان، و بين كرسي الأسطوانة الأولى التي تلي باب الكعبة و بين جدر الكعبة اليماني أربعة أذرع و ثلث، و ما بين كرسيها و كرسي الأسطوانة الوسطى أربعة أذرع و ربع و ثمن، و بين كرسي الأسطوانة الوسطى [و كرسي‏] (2) الأسطوانة الثالثة التي تلي الحجر- بسكون الجيم- أربعة أذرع و نصف، و ما بين كرسي هذه الأسطوانة الثالثة و الجدر الشامي الذي يليها ذراعان و ربع ذراع.

و ذرع تدوير الأسطوانة الأولى التي تلي الباب ذراعان و ربع و ثمن، و ذرع تدوير الوسطى ذراعان و نصف ذراع و ربع ذراع، و ذرع تدوير الأسطوانة التي تلي الحجر ذراعان و نصف و قيراطان، و هي مثمّنة، و طول‏

____________

(1) قوله: في، زيادة من شفاء الغرام (1/ 213).

(2) في الأصل: و كرس.

140

فتحة الباب من داخل مع الفياريز ستة أذرع، و طوله من خارجه غير الفياريز ستة أذرع إلا ربع.

و ذرع فتحة الباب من داخل الكعبة مع الفياريز ثلاثة أذرع و ثلث إلا قيراطا، و طول كل من فردتي الباب ستة أذرع إلا ثمن، و عرض كل منها ذراعان إلا ثلث، و عرض ذرع العتبة ذراع إلا ربع، وسعة فتحة باب الدرجة التي يصعد منها إلى أعلا الكعبة من أسفله ذراع و قيراطان، و من أعلاه ذراع وثمن، و ارتفاع الباب عن الأرض ذراعان و نصف و ثمن و سدس ذراع‏ (1). انتهى.

و ذرعها من خارجها: طول جدرها الشرقي من أعلا الشاخص على سطحها إلى أرض المطاف ثلاثة و عشرون ذراعا و ثمن، و عرض هذا الجدر من الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى الركن الشامي- الذي يقال له العراقي- إحدى و عشرون ذراعا و ثلث، و من عتبة باب الكعبة إلى أرض الشاذروان تحتها ثلاثة أذرع و نصف، و ارتفاع الشاذروان تحتها ربع ذراع و قيراط، و طول جدرها الشامي من أعلاه الشاخص في سطحها إلى أرض الحجر ثلاثة و عشرون ذراعا إلا ثمن، و عرض هذا الجدر من الركن الشامي إلى الركن الغربي سبعة عشر ذراعا- بتقديم السين- و نصف ذراع و ربع ذراع، و طول جدرها الغربي من أعلاها الشاخص في سطحها إلى الأرض ثلاثة و عشرون ذراعا، و عرض هذا الجدر من الركن الغربي إلى الركن اليماني إحدى و عشرون ذراعا و ثلثا ذراع، و طول جدرها اليماني من أعلاها الشاخص في سطحها إلى الأرض كالجهة الشرقية ثلاثة

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 212- 214).

141

و عشرون ذراعا و ثمن ذراع، و عرض هذا الجدار من الركن اليماني [إلى الركن‏] (1) الذي فيه الحجر الأسود ثمانية عشر ذراعا [و سدس ذراع‏] (2).

و ذرع سطحها من وسط جدرها الشرقي إلى وسط جدرها الغربي أربعة عشر ذراعا و ربع و ثمن ذراع، و من وسط جدرها الشامي إلى وسط جدرها اليماني ثمانية عشر ذراعا إلا ثمن، [و ارتفاع الشاخص في الجهة الشرقية ذراع إلا ثمن، و عرضه ذراعان إلا سدس‏] (3)، و ارتفاع الشاخص في الجهة الثانية ذراع و ثمن، و عرضه ذراعان إلا ثمن، و ارتفاع الشاخص في الجهة الغربية ذراع، و عرضه ذراع و نصف و ثمن، و ارتفاع الشاخص في الجهة اليمانية ثلثا ذراع، و عرضه ذراع و نصف و قيراط. كل ذلك بذراع القماش المصري المستعمل في زمننا. انتهى ما ذكره الفاسي في شفاء الغرام‏ (4)، و منه نقلت.

الفصل الثاني: في ذكر باب الكعبة و أول من جعل لها بابا

قيل: أول من جعل لها بابا أنوش بن شيث بن آدم على القول أنها كانت مبنية بالحجر في زمن شيث، و قيل: تبّع الثالث الذي كساها و نحر لها، و قيل: جرهم [بوّبته‏] (5). و اللّه أعلم. اه درر الفرائد (6).

و ذكر القرشي: أن باب الكعبة كان قبل بناء ابن الزبير رضي اللّه عنه‏

____________

(1) قوله: إلى الركن، زيادة من شفاء الغرام (1/ 215).

(2) قوله: و سدس ذراع، زيادة من المرجع السابق.

(3) ما بين المعكوفين زيادة من شفاء الغرام (1/ 215).

(4) شفاء الغرام (1/ 214- 215).

(5) زيادة من درر الفرائد (ص: 28)، و انظر: الغازي (1/ 404).

(6) درر الفرائد (ص: 28).

142

[مصراعا واحدا، فجعل لها ابن الزبير] (1) مصراعين طوله أحد عشر ذراعا من الأرض إلى منتهى أعلاه‏ (2).

قال ابن جريج: و كان الباب الذي عمله ابن الزبير أحد عشر ذراعا، فلما كان الحجّاج نقص أربع أذرع و شبرا، و عمل لها بابا طوله ستة أذرع [و شبر] (3). اه.

و بابا عمله الخليفة المقتفي العباسي سنة خمسمائة و إحدى و خمسين عمله مصفحا بالذهب و الفضة، و قلع الباب العتيق و عمل لنفسه منه تابوتا يدفن فيه. ذكره أبو الفدا (4). اه.

و بابا عمله المظفر صاحب اليمن، و كان عليه صفائح الفضة زنتها ستون رطلا (5).

و بابا عمله الناصر [محمد بن‏] (6) قلاوون صاحب مصر من السنط الأحمر (7) و حلّاه بخمس و ثلاثين ألف درهم، و ركبه في الكعبة ثاني عشر ذي الحجة سنة [ثلاث‏] (8) و ثلاثين و سبعمائة، و قد قلع هذا الباب في سنة ثلاث و خمسين و تسعمائة بأمر السلطان سليمان و عمل غيره و حلاه بحلية

____________

(1) زيادة من الأزرقي (1/ 209).

(2) الأزرقي (1/ 209).

(3) الأزرقي (1/ 211). و في الأصل: و شبرا، و التصويب من الأزرقي.

(4) المختصر في أخبار البشر (3/ 33).

(5) الرطل: معيار يوزن به أو يكال، يختلف باختلاف البلاد، و الرطل يساوي أساسا 12 أوقية، و يساوي كذلك 1/ 100 من القنطار (المعجم الوسيط 1/ 352، و المكاييل و الموازين ص: 30).

(6) في الأصل: بن محمد. و الصواب ما أثبتناه. (انظر: كشف الظنون 2/ 1116).

(7) السنط: هو شجر السّلم المعروف في الجزيرة العربية، و تسمية السنط قبطية (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة ص: 62).

(8) في الأصل: ثلاثة، و كذا وردت في الموضع التالي.

143

كثيرة. انتهى من الإعلام لأهل بلد اللّه الحرام‏ (1)، و البحر العميق.

و بابا عمله السلطان مراد سنة ألف [و أربعة و أربعين‏] (2)، ثم قلعوا الباب القديم و ركبوا عوضه بابا من خشب لم يكن عليه حلية و إنما عليه ثوب من قطن أبيض.

و في يوم الثلاثاء تاسع عشر الشهر وزنت الفضة [التي‏] (3) كانت على الباب المقلوع فكان مجموع ذلك مائة و أربعة و أربعين رطلا، ثم شرع في تهيئة باب جديد، فشرع فيه و أتّمه و ركب عليه حلية الباب السابق، و كتب عليه اسم السلطان مراد، ثم جي‏ء به محمولا على أعناق الفعلة، فمشى الناس أمامه إلى أن وصلوا الحطيم، و به الشريف جالس فوضع بين يديه، ثم أدخلوا فردة الباب إلى داخل الكعبة، و دخل الشريف و المعمار و المهندس و بعض علماء البلد و السادن إلى الكعبة، و صعدوا السطح و أشرفوا عليه، ثم انفضوا الجميع، فشرع الأمير بعد انفضاض الناس في تركيب الباب فركبه، و تم عند غروب الشمس من يوم الخميس لعشرين خلت من رمضان من التاريخ المذكور، و كان المتعاطي صاغة الباب صاغة مكة، ثم توجّه بالباب القديم إلى القسطنطينية (4) و وضع بالخزينة العامرة، و قد أفرد الكلام على عمل الباب المذكور الشيخ عبد القادر الطبري‏

____________

(1) الإعلام (ص: 54- 55).

(2) في الأصل: أربعة و أربعون.

(3) في الأصل: الذي.

(4) القسطنطينية: و يقال قسطنطينة بإسقاط ياء النسبة، و هي دار ملك الروم، بينها و بين بلاد المسلمين البحر المالح. عمّرها ملك من ملوك الروم يقال له: قسطنطين فسميت باسمه (معجم البلدان 4/ 347- 348).

144

برسالة (1). اه خلاصة الأثر (2).

الفصل الثالث: في ذكر ميزاب الكعبة المشرفة و أول من جعل لها ميزابا و من حلّاه‏

ذكر القرشي‏ (3): أنه لما بنى عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه الكعبة المشرفة جعل ميزابها يصب في الحجر. انتهى.

ثم عمل غير مرار؛ فمن ذلك: ميزابا عمله الشريف رميثة صاحب مكة، و ميزابا عمله المقتفي العباسي و ركّب في الكعبة، و ميزابا عمله الناصر العباسي و ظاهره فيما يبدو للناس محلى بفضة. ذكره في درر الفرائد (4).

ثم قال: و قد قلع هذا الميزاب في سنة [تسع‏] (5) و خمسين و تسعمائة بأمر من السلطان سليمان العثماني، و ركب غيره في الكعبة المشرفة في موسم السنة المذكورة، و أمر بنقل الميزاب القديم إلى خزانة الروم‏ (6) بعد أن تعرض بنو شيبة له، فأعطوا في مقابلته وزنه فضة من بندر (7) جدة- و ذلك بحسب تخمين نائب جدة و القاضي بمكة- ألفا و ثمانمائة درهم فضة. انتهى.

أقول: و من ذلك [ميزاب‏] (8) عمله السلطان أحمد خان و ذلك في سنة

____________

(1) و هي: تحفة الكرام بأخبار عمارة السقف و الباب لبيت اللّه الحرام.

(2) خلاصة الأثر (4/ 340- 341).

(3) البحر العميق (2/ 23).

(4) درر الفرائد (ص: 24).

(5) في الأصل: تسعة.

(6) أي عاصمة الدولة العثمانية الآستانة.

(7) البندر: مرسى السفن في الميناء (فارسي) و يطلق الآن على البلد الكبير يتبعه بعض القرى (المعجم الوسيط 1/ 70، و القاموس الإسلامي 1/ 369).

(8) في الأصل: ميزابا، و كذا وردت في الموضع التالي.

145

ألف و إحدى و تسعين على ما هو مكتوب في حجر أبيض في الشاذروان على يمين الحفرة التي بجانب الباب مكتوب فيه: أمر بتجديد سقف الكعبة و ميزاب الرحمة السلطان أحمد خان في سنة ألف و إحدى و تسعين‏ (1).

و من ذلك ميزاب عمله السلطان عبد المجيد خان بن السلطان محمود خان رحمهم اللّه عمل في القسطنطينية، ثم جي‏ء به صحبة الحاج رضا باشا، و ركب في جمادى سنة ألف و مائتين ست‏ (2) و سبعين، و والي مكة يومئذ سيدنا و مولانا الشريف عبد اللّه بن سيدنا الشريف محمد بن عون، ثم حمل القديم في العام القابل إلى الأبواب العالية و هو- أي الميزاب الجديد- مصفح بالذهب نحو خمسين رطلا بحسب التخمين. و اللّه أعلم.

انتهى.

الفصل الرابع: في ذكر تحلية الكعبة المشرفة

و أول من حلّى الكعبة المشرفة بالذهب: عبد المطلب جد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالغزالتين التي وجدها في بئر زمزم.

ذكر الحلبي‏ (3): أنه لما حفر عبد المطلب بئر زمزم وجد فيها أسيافا و دروعا و غزالتين فضرب عبد المطلب الأسياف بباب الكعبة و ضرب من الباب الغزالتين، فكان أول ذهب حلّيت به الكعبة، و من ثم جاء عن ابن عباس: و اللّه إن أول من جعل باب الكعبة ذهبا لعبد المطلب. انتهى كلامه.

____________

(1) قال باسلامة في تاريخ الكعبة المعظمة (ص: 234): و الظاهر أنه وقع غلط في التاريخ، حيث إن الذي كتب على الحجر الأبيض المذكور، أن عمل الميزاب المنوه عنه هنا هو في سنة (1012) لا في سنة (1091).

(2) في الأصل: ستة.

(3) السيرة الحلبية (1/ 55).

146

و في شفاء الغرام‏ (1): أن عبد المطلب علق الغزالتين في الكعبة، فكان أول من علّق المعاليق.

و في شفاء الغرام: أول من ذهّبها في الإسلام عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه، و جعل على أساطينها صفائح الذهب، و جعل مفاتيحها من الذهب.

و ذكر الفاسي أيضا: أن عبد الملك جعل الذهب على ميزاب الكعبة.

انتهى.

و ذكر الأزرقي‏ (2): أن الوليد بن عبد الملك أرسل بست و ثلاثين ألف دينار يضرب بها على باب الكعبة و على أساطينها و على الميزاب و على أركانها من داخل.

و ذكر الأزرقي أيضا (3): أن الأمين بن هارون الرشيد أرسل بثمانية عشر ألف دينار ليضرب بها صفائح الذهب على باب الكعبة، فقلع ما كان على الباب من الصفائح، و زاد عليها الثمانية عشر ألفا فضربها و جعلها على الباب، و جعل مسامير الباب و حلقته و عتبته من الذهب، و عمل منطقة من الفضة ركبها فوق إزار الكعبة من داخلها عرضها ثلاثة أذرع، و جعل لها طوقا من الذهب متصلا بهذه المنطقة، و كان مجموع الزوايا و الطوق الذهب ثمانية ألف مثقال، و منطقة الفضة و ما على الباب من الفضة و ما حلّي به المقام من الفضة سبعين ألف درهم. انتهى.

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 218- 219).

(2) الأزرقي (1/ 211).

(3) أخبار مكة للأزرقي (1/ 212- 213)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 220).

147

و ذكر الفاسي أيضا (1) ما وقع بعد الأزرقي من تحلية البيت، فمن ذلك:

أن حجبة البيت كتبوا إلى المعتضد العباسي أن بعض ولاة مكة قطع أيام الفتنة عضادتي باب الكعبة و غيرها، و سكّها دنانير و أصرفها على دفع الفتنة، فأمر المعتضد بإعادة ذلك جميعه.

و من ذلك: أن أمّ [المقتدر] (2) الخليفة أمرت غلامها أن يتوجه إلى مكة، و أن يلبس جميع أسطوانات البيت الشريف ذهبا، ففعل ذلك في سنة [عشر] (3) و ثلاثمائة (4).

و من ذلك: الوزير جمال الدين وزير صاحب مصر في سنة [تسع‏] (5) و أربعين و خمسمائة أرسل حاجبه إلى مكة و معه خمسة آلاف دينار ليعمل صفائح الذهب و الفضة في أركان البيت من داخلها (6).

و ممن حلّاها: الملك المظفر صاحب اليمن و حلّاها بستين رطلا من الفضة ضربها صفائح على الباب. و حلّاها الملك الناصر محمد [بن‏] (7) قلاوون صاحب مصر حلّى باب الكعبة في سنة [ست‏] (8) و تسعين و سبعمائة (9)، و حلّاها السلطان سليمان خان على يد نائبه بحلية كثيرة من‏

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 221)، و انظر: إتحاف الورى (2/ 329).

(2) في الأصل: المعتضد. و انظر: شفاء الغرام (1/ 222)، و إتحاف الورى (2/ 368).

(3) في الأصل: سنة ستة عشر. و انظر الموضعين السابقين.

(4) شفاء الغرام (1/ 221)، و إتحاف الورى (2/ 368)، و أخبار مكة للأزرقي (1/ 291).

(5) في الأصل: تسعة.

(6) شفاء الغرام (1/ 222)، و إتحاف الورى (2/ 514)، و العقد الثمين (2/ 212)، طبعة مصر.

(7) قوله: بن، زيادة على الأصل.

(8) في الأصل: ستة.

(9) شفاء الغرام (1/ 222).

148

الفضة المطلاة بالذهب. انتهى من درر الفرائد (1)، و الإعلام لأهل بلد اللّه الحرام‏ (2).

قال ابن علان: و ممن حلّى الباب: السلطان مراد (3)، حلّى الباب الذي عمله كما تقدم، و وزن ذلك ألف‏ (4) و ستة و ستون رطلا فضة جعلها صفائح على الباب، و طلى الباب بالذهب البندقي و ذلك ألف دينار كما أخبر به الأمير رضوان، و كان المتعاطي لطلائه صاغة مكة. انتهى. منائح الكرم‏ (5).

قلت: هو الموجود الآن.

الفصل الخامس: في ذكر معاليق الكعبة

قال المسعودي في مروج الذهب‏ (6): كانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموالا و جواهر في الزمن الأول، و كان ساسان بن بابك‏ (7) أهدى غزالتين من ذهب و جواهر و سيوفا كثيرة إلى الكعبة. انتهى.

و قال الفاسي في شفاء الغرام‏ (8): يقال: إن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة؛ أول من علّق في الكعبة السيوف المحلّاة بالذهب و الفضة ذخيرة للكعبة.

____________

(1) درر الفرائد (ص: 25).

(2) الإعلام (ص: 54- 55).

(3) ذكر في هامش الأصل، أن تحلية السلطان مراد للباب كانت في سنة 1044.

(4) في منائح الكرم: مائة.

(5) منائح الكرم (4/ 174).

(6) مروج الذهب (1/ 242)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 223).

(7) في الأصل: بابل.

(8) شفاء الغرام (1/ 223- 224)، و انظر: أخبار مكة للأزرقي (1/ 224).

149

ثم نقل عن الأزرقي شيئا أهدي إلى الكعبة، منها: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- لما فتح اللّه عليه مواضع كثيرة كان مما بعث إليه هلالان ذهبا، فبعث بها فعلّقها في الكعبة.

و بعث السفّاح [بالصحفة] (1) الخضراء فعلّقت في الكعبة.

و بعث المأمون الياقوتة التي تعلّق في كل موسم بسلسلة من الذهب في وجه الكعبة.

و أهدى المعتصم العباسي قفلا من الذهب لباب الكعبة وزنه ألف مثقال في سنة تسع عشرة (2) و مائتين. و كان والي مكة من قبله: صالح بن العباس، فأرسل إلى الحجبة ليعطيهم القفل فأبوا أن يأخذوه منه لأجل أنه طلب منهم القفل الأول ليرسله إلى الخليفة فأبوا أن يعطوه ذلك، ثم توجهوا إلى بغداد، و تكلموا مع المعتصم، فترك قفل الكعبة القديم عليها، و أعطاهم القفل الذي كان بعثه و هو الذهب فاقتسموه بينهم‏ (3).

و ذكر أن ما أهدي إلى الكعبة الشريفة طوق من الذهب مكلل بالدر و الياقوت مع ياقوتة كبيرة خضراء أرسلهما ملك الهند لما أسلم سنة تسع و خمسين و مائتين، و عرض ذلك على المعتصم العباسي فأمر بتعليقهما في البيت الشريف‏ (4).

قال التقي الفاسي‏ (5): و مما علّق على الكعبة بعد الأزرقي قصبة من ذهب فيها بيعة جعفر أمير المؤمنين، ثم لما وقعت الفتنة بمكة أخذت تلك‏

____________

(1) في الأصل: بالصفيحة. و التصويب من شفاء الغرام، الموضع السابق.

(2) في الأصل: تسعة عشر.

(3) أخبار مكة للفاكهي (5/ 236).

(4) شفاء الغرام (1/ 225).

(5) شفاء الغرام، الموضع السابق.

150

المعاليق و صرفت في ذلك.

و ذكر الحلبي‏ (1): أن عبد الملك بن مروان علق عليها شمستين و قدحين من قوارير، و علق بها الوليد بن اليزيد سريرا، و علق بها [المنصور] (2) القارورة الفرعونية.

و قد كانت الملوك تهدي قناديل الذهب تعلّق في الكعبة و هي باقية إلى الآن، و هي في غاية الصون مع بقاء الشيخ الموجود الآن، و هي معلّقة موجودة ينظرها الخاص و العام.

فمن ذلك: بعث المطيع قناديل كلها فضة بل منها ذهبا زنته ستمائة مثقال و ذلك في سنة ثلاثمائة و خمسين و تسع‏ (3).

و من ذلك: قناديل و محاريب أهداها إلى الكعبة صاحب عمان.

و من ذلك: قناديل ذهب و فضة أهداها إلى الكعبة الملك المنصور صاحب اليمن في سنة [اثنتين‏] (4) و ثلاثين و ستمائة.

و من ذلك: قفل و مفتاح أهداه الملك الظاهر بيبرس‏ (5).

و من ذلك: حلقتان من ذهب مرصعتان باللؤلؤ كل حلقة وزنها ألف مثقال، و في كل حلقة ست لؤلؤات أرسل بها وزير سلطان التتر (6).

____________

(1) السيرة الحلبية (1/ 55- 56)، و شفاء الغرام (1/ 223).

(2) في الأصل: الوليد. و المثبت من السيرة الحلبية (1/ 56).

(3) شفاء الغرام (1/ 226)، و انظر: إتحاف الورى (2/ 407).

(4) في الأصل: اثنين.

(5) الظاهر بيبرس: من مماليك نجم الدين أيوب. ترقى حتى صار أتابكيا على العسكر بمصر.

قاتل مع قطز التتار، تآمر على قطز و قتله، و تولى بعده، و نقل الخلافة العباسية إلى القاهرة.

كان شجاعا، و له وقائع مع الفرنج و التتار. توفي بدمشق عام 676 ه (انظر ترجمته في:

فوات الوفيات 1/ 85، و النجوم الزاهرة 7/ 94، و ابن إياس 1/ 98، 112، و ابن الوردي 2/ 224، و السلوك للمقريزي 1/ 436- 641، و الأعلام 2/ 79).

(6) شفاء الغرام (1/ 226).

151

و من ذلك: أربعة قناديل من الذهب أهداها صاحب بغداد و ذلك في سنة سبعمائة [و اثنتا] (1) عشر.

قال الفاسي في شفاء الغرام‏ (2): و أهدى الناس بعد ذلك للكعبة قناديل كثيرة، و الذي في الكعبة الآن ستة عشر قنديلا، منها ثلاثة فضة، و واحد ذهب، و واحد بلّور، و اثنان نحاس، و الباقي زجاج، و هي تسعة. انتهى فاسي.

قال القطب‏ (3): و وصل في سنة أربع و ثمانين و تسعمائة ثلاثة قناديل، اثنان إلى الكعبة و واحد إلى الحجرة الشريفة، و ذلك من قبل السلطان مراد خان من الذهب مرصعة بالجواهر، و هو أول من علّق القناديل من آل عثمان. ذكره القطب الحنفي في الإعلام لأهل بلد اللّه الحرام.

استطراد: أرسل السلطان أحمد بن محمد بن مراد الكوكب الدري و كان لا قيمة له، و لم يسبق لأحد من ملوك الهند و العجم‏ (4) مثله، و علّق على القبر الشريف.

و في ألف و مائة ثمانية و أربعين قدم شعبان أفندي‏ (5) المدينة و معه حجر

____________

(1) في الأصل: و اثنا.

(2) شفاء الغرام (1/ 227).

(3) الإعلام (ص: 66).

(4) العجم: خلاف العرب، الواحد: عجمي، نطق بالعربية أو لم ينطق (المعجم الوسيط 2/ 586).

(5) أفندي: بالتركية: أفندم، و لا زال المصريون ينطقونه كذلك، غير أن الحجازيين عرّبوها أو حرّفوها إلى (أفندي) و كانت تعني: الموظفين الكبار و الصغار، (أفندينا القاضي) و (أفندينا محمد علي باشا). أما على العسكريين فكانت تطلق على صغار الضباط، دون يوزباشي (نقيب)، و يطلق على ما فوقه لقب (بك) ثم ألغتها العرب رسميا بعد الاستقلال بعشرات من السنين، و لا زالت مسموعة مفهومة، و المصريون يقولونها لكل مخاطب، فقد يقول للوزير (حاضر يا فندم) و للست كذلك (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة-

152

ألماس محفوف بأحجار مختلفة، مكفوف بصفائح الذهب و الفضة، و هذا الحجر من آثار الدولة العثمانية فوضع ذلك الحجر تحت الحجر اللذي وضعه السلطان أحمد خان. كذا في الدرر. اه.

قلت: و القناديل باقية مع وجود هذا الشيخ، و هو الشيخ عبد اللّه بن الشيخ محمد الشيبي الحجبي، و هذا [الشيخ‏] (1) عبد اللّه رجل صوفي.

انتهى.

الفصل السادس: في ذكر كسوة الكعبة المشرفة قديما و حديثا و حكم بيعها و شراءها و التبرك بها

ذكر الأزرقي‏ (2): أول من كسى الكعبة تبّع الحميري. انتهى.

قال الحلبي‏ (3): و في كلام البلقيني: أن تبّع اليماني لما كساها الخسف انتفضت، فزاله عنها، فكساها المسوح‏ (4) و الأنطاع‏ (5) فانتفضت، فزاله عنها، فكساها الوصائل [فقبلتها. قال: و الوصائل‏] (6) [ثياب‏] (7) موصولة من ثياب اليمن.

و قيل: أول من كساها عدنان بن [أدد] (8)، و كانت كسوتها في زمن‏

____________

- للبلادي ص: 13).

(1) في الأصل: لشيخ.

(2) الأزرقي (1/ 249).

(3) السيرة الحلبية (1/ 280- 281).

(4) المسوح: جمع مسح، و هو ثوب من الشعر الغليظ (اللسان، مادة: مسح).

(5) الأنطاع: جمع نطع و هو: بساط من الجلد (اللسان، مادة: نطع).

(6) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية (1/ 280).

(7) في الأصل: ثيابا. و التصويب من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(8) في الأصل: آدر. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 280).