تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام ومكة والحرم وولاتها الفخام‏ - ج1

- محمد بن أحمد المالكي المكي المزيد...
557 /
153

الجاهلية المسوح و الأنطاع.

و كانت قريش تشترك في كسوة الكعبة المشرفة حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة فقال لقريش: أنا أكسوها سنة وحدي و جميع قريش سنة، أي و قيل:

كان يخرج نصف كسوة الكعبة في كل سنة، ففعل ذلك إلى أن مات فسمته قريش: العدل؛ لأنه عدل قريشا وحده في كسوة الكعبة (1).

و كانت كسوتها لا تنزع، فكان كلما تجدد كسوة تجعل فوق الأخرى، و استمر ذلك إلى زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم كساها (صلى اللّه عليه و سلم) الثياب اليمانية.

و في كلام بعضهم: أن أول من كساها القباطي‏ (2) النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و كساها أبو بكر و عمر و عثمان رضي اللّه عنهم القباطي‏ (3).

و ذكر البلقيني: أن كون ابن الزبير رضي اللّه عنه أول من كسى الكعبة الديباج أشهر من القول بأن أول من كساها الديباج أم العباس بن عبد المطلب، و جاز أن يكون عبد اللّه كساها أولا القباطي ثم الديباج. اه.

و كساها معاوية رضي اللّه عنه الديباج و القباطي و الحبرات فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء، و القباطي في آخر رمضان، و الاقتصار على ذلك يفيد أن عطف الحبرات على القباطي من عطف التفسير، فليتأمل.

ذكره الحلبي‏ (4).

و كساها المأمون الديباج الأحمر و الديباج الأبيض و القباطي، فكانت تكسى [الأحمر يوم التروية، و القباطي يوم هلال رجب، و الديباج الأبيض‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي (1/ 251).

(2) القباطي: القبطية: ثياب من كتان بيض رقاق تنسج في مصر. و هي منسوبة إلى القبط (المعجم الوسيط 2/ 711).

(3) أخرجه الأزرقي (1/ 253).

(4) السيرة الحلبية (1/ 281).

154

يوم سبع و عشرين من رمضان. قال بعضهم: و هكذا كانت تكسى‏] (1) في زمن المتوكل العباسي، ثم في زمن الناصر العباسي كسيت السواد من الحرير و استمرت إلى الآن. انتهى. ذكره الحلبي‏ (2).

و ذكر القطب الحنفي‏ (3): قال الأزرقي‏ (4): و كساها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) الثياب اليمانية، ثم كساها عمر و عثمان القباطي، و كانت تكسى الديباج بعد ذلك.

و قال أيضا: كانت تكسى الكعبة كل سنة مرتين، فتكسى أولا الديباج قمصا [يدلى‏] (5) عليها يوم التروية و لا يخاط، و يترك الإزار حتى يذهب الحجاج؛ لئلا يخرقونه، فإذا كان العاشوراء علّقوا عليها الإزار و أوصلوا بالقمص الديباج، فلا يزال عليها إلى السابع و العشرين من رمضان فكسوها الكسوة الثانية و هي القباطي.

فلما كانت في خلافة المأمون أمر أن تكسى الكعبة ثلاث مرات كل سنة، فتكسى الديباج الأحمر يوم التروية، و تكسى القباطي أول رجب، و تكسى الديباج الأول من رمضان. انتهى.

و في درر الفرائد (6): و كانت الكعبة المشرفة بعد الخلفاء العباسيون تكسى تارة من قبل سلاطين مصر، و تارة من قبل سلاطين اليمن.

و أول من كسى الكعبة بعد الخلفاء العباسيين: الملك المظفر يوسف بن‏

____________

(1) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(2) السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(3) الإعلام (ص: 68).

(4) أخبار مكة للأزرقي (1/ 253).

(5) في الأصل: يبدل. و التصويب من الإعلام و الأزرقي، انظر الموضعين السابقين.

(6) درر الفرائد (ص: 574- 575).

155

المنصور صاحب اليمن سنة [خمس‏] (1) و خمسين و ستمائة.

و أول من كساها من الترك: الظاهر بيبرس الصالحي سنة [اثنتين‏] (2) و ستين و ستمائة.

و كسوة الكعبة المشرفة الآن من حرير أسود، و بطانتها من قطن أبيض. و للكسوة الآن طراز مدور بالكعبة، بين الطراز إلى الأرض قريبا من عشرين ذراعا، و عرض الطراز ذراعان إلا شيئا يسيرا، مكتوبا بالفضة مذهّبا، على جانب وجه الكعبة بعد البسملة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ‏- إلى قوله-: غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ [آل عمران: 96- 97] صدق اللّه العظيم.

و بين الركن اليماني مكتوب بعد البسملة: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ‏- إلى قوله-: بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ [المائدة: 97] صدق اللّه العظيم.

و بين الركن اليماني و الغربي مكتوب بعد البسملة: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ‏- إلى قوله-: التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏ [البقرة: 127- 128] صدق اللّه العظيم.

و بين الركن اليماني و الشامي مكتوب بعد البسملة: مما أمر بعمل هذه الكسوة الشريفة العبد الفقير السلطان فلان. انتهى.

و أول من بدأ بالطراز المذهب: السلطان سليم من آل عثمان. اه.

و كان قبل ذلك من حرير أصفر.

و أول ما عمل أصفر سنة ثمانمائة ونيف. اه فاسي‏ (3).

و تقدم أن بعد الخلفاء العباسيين كانت الكسوة تارة من قبل سلاطين‏

____________

(1) في الأصل: خمسة.

(2) في الأصل: اثنين.

(3) شفاء الغرام (1/ 235).

156

مصر و تارة من قبل ملوك اليمن، إلى أن اشترى الملك الناصر قلاوون قريتين من قرى مصر [و وقفهما] (1) على كسوة الكعبة، أحدهما اسمها بيسوس‏ (2) و الأخرى سندبيس‏ (3)، و كانوا يرسلون عند تجديد كل سلطان كسوة حمراء مع الكسوة السوداء لداخل البيت الشريف، ثم من بعدهم من ملوك آل عثمان تجري على حسب العادة. ذكره القطب الحنفي، و الشيخ عبد القادر في درر الفرائد (4).

قلت: إلا أنها كسيت مدة الوهابية (5) لما استولوا على مكة، فكانوا [يكسونها] (6) حريرا أسود من غير كتابة، و أميرهم سعود صاحب الشرق نحو سبع سنين، و انقطع الحج في مدتهم و هو سنة ألف و مائتين و عشرين‏ (7) إلى أن أخذ مكة منه محمد علي باشا صاحب مصر. انتهى.

تنبيه: ذكر البردة (8) التي توضع على باب الكعبة

و هي من حرير أسود مكتوبة بالفضة مذهب و تلك الكتابة بعض آيات من القرآن، و مكتوب أيضا فيها: أمر بعمل هذه البردة السلطان فلان،

____________

(1) في الأصل: و وقفها. و التصويب من الإعلام.

(2) بيسوس: من قرى القليوبية، و تعرف اليوم باسم باسوس (انظر: مرآة الحرمين 1/ 284).

(3) سندبيس: من قرى القليوبية (انظر: مرآة الحرمين، الموضع السابق).

(4) الإعلام (ص: 68- 69). و انظر: درر الفرائد (ص: 574).

(5) يشير إلى الدعوة الإصلاحية التي قام بها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب- (رحمه اللّه)- و هي دعوة سلفية نادى بها الشيخ إلى تحكيم كتاب اللّه و سنة نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) و التمسك بها ظاهرا و باطنا. و التعرض لهذه الدعوة بالسب و الثّلب و الانتقاص تجنّ ظاهر ليس له حجة و لا برهان، و إنما هو اتباع للهوى، و بعد عن الإنصاف، و تأثر بالظروف السياسية، و بشيوخ الصوفية في زمنه.

(6) في الأصل: يكسوها.

(7) و لا يعلم انقطاع الحج في مدتهم، حيث أشارت المصادر إلى استمراره. (انظر: تاريخ مكة لأحمد السباعي 2/ 567).

(8) هي الغطاء الذي يوضع على الباب كالستارة.

157

و تسدل على باب البيت ليلة الاثنين و ليلة الجمعة- أي: من عصر يوم الأحد و عصر يوم الخميس إلى المغرب- و هي حسنة، و يسموها أهل مكة:

البرقع، و لم أعلم متى حدثت و لا من أحدثها.

و ذكرها الفاسي في شفاء الغرام و نصه: و عمل في هذه السنة- و هي سنة [تسع عشرة] (1) و ثمانمائة- لباب الكعبة [ستارة عظيمة الحسن أحسن من الستائر الأول التي شاهدناها] (2). انتهى‏ (3).

قال السمهودي: و في عشر الستين و سبعمائة اشترى السلطان الصالح إسماعيل ابن الناصر محمد قرية من بيت مال المسلمين بمصر و وقفها على كسوة الكعبة المشرفة في كل سنة، و على كسوة الحجرة و المنبر في كل خمس سنين مرة، و ذكره التقي الفاسي و الزين المراغي إلا أنه قال في كسوة الحجرة: في كل ست سنين مرة تعمل من الديباج الأسود مرقوما بالحرير الأبيض، و لها طراز منسوج بالفضة المذهبة دائر عليها إلا كسوة المنبر فإنها بتفصيص أبيض. اه.

و العادة قسم الكسوة العتيقة عند ورود الجديدة و الحكم فيه كحكم كسوة الكعبة. قال العلائي: إنه لا تردد في جواز قسمتها؛ لأن الوقف عليها كان بعد استقرار العادة بذلك و العلم بها. اه من الخلاصة بلفظه.

و أما نزع كسوة الكعبة و تقسيمها بين الناس، ذكر الأزرقي‏ (4): أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان ينزع كسوة الكعبة في كل عام و يفرقها على‏

____________

(1) في الأصل: تسعة عشر.

(2) في الأصل: ساتر عظيم أحسن من الساتر الأول. و التصويب من الغازي (1/ 422).

(3) شفاء الغرام (1/ 235)، و إتحاف الورى (3/ 536).

(4) أخبار مكة للأزرقي (1/ 259- 260)، و انظر الأعلام (ص: 70).

158

الحجاج.

و أول من كساها كسوتين: عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، فلما كان في أيام معاوية كساها الديباج مع القباطي، و لما أرسل بها معاوية رضي اللّه عنه و ألبسها الكساوي الذي بعث بها قسم الثياب التي كانت عليها بين أهل مكة، و كان عبد اللّه بن عباس رضي اللّه [عنهما] (1) حاضرا في المسجد فما أنكر ذلك‏ (2).

و قال الأزرقي أيضا (3) عن عطاء قال: قدمت مكة معتمرا فجلست إلى عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما في صفة زمزم، و شيبة بن عثمان رضي اللّه عنه يجرّد الكعبة و رأيته يخلّق الكعبة، و رأيت ثيابها التي جرّدت عنها قد وضعت بالأرض، و رأيت شيبة بن عثمان يقسّمها. فلم أر ابن عباس أنكر شيئا من ذلك مما صنع شيبة بن عثمان.

و قال أيضا (4): حدثني جدي حدثني إبراهيم بن محمد بن [أبي‏] (5) يحيى، حدثني علقمة، عن أمه، عن أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها: أن شيبة بن عثمان دخل عليها و قال: يا أم المؤمنين كثر ثياب الكعبة عليها، أفنجرّدها عن خلقانها، و نحفر حفرة ندفن فيها ما بلي من كسوة الكعبة كي لا تلبسها الحيض و الجنب؟ فقالت له عائشة رضي اللّه عنها: ما أصبت فيما فعلت فلا تعد إلى ذلك؛ فإن ثياب الكعبة إذا نزعت عنها لا يضرها من لبسها من حائض و جنب، و لكن بعها و اجعلها في سبيل اللّه و ابن‏

____________

(1) في الأصل: عنهم.

(2) أخبار مكة للأزرقي (1/ 260).

(3) أخبار مكة للأزرقي (1/ 261).

(4) أخبار مكة للأزرقي (1/ 261).

(5) قوله: أبي، زيادة على الأصل. و انظر: تقريب التهذيب (ص: 93).

159

السبيل.

و مذهب الحنفية: رجوعها إلى السلطان.

و قال الإمام فخر الدين قاضي خان في كتاب الوقف من فتاويه‏ (1):

ديباج الكعبة إذا صار خلقا يبيعه السلطان و يستعين به في أمر الكعبة؛ لأن الولاية فيه للسلطان لا لغيره.

و في تتمة الفتاوى عن الإمام محمد (رحمه اللّه) في ستر الكعبة يعطى منه إنسان، فإن كان له ثمن لا يأخذه، و إن لم يكن له ثمن فلا بأس.

قال الإمام نجم الدين [الطرطوسي‏] (2) في منظومته:

و ما على الكعبة من لباس‏* * * إن رثّ جاز بيعه للناس‏

و لا يجوز أخذه بلا شرا* * * للأغنياء [لا] (3) و لا للفقرا

و قال الفقيه أبو بكر الحدادي في السراج الوهاج: لا يجوز قطع شي‏ء من كسوة الكعبة و لا نقله و لا بيعه و لا شراؤه و لا وضعه بين أوراق المصاحف، و من حمل شيئا من ذلك فعليه رده، و لا عبرة بما يتوهم أنهم يشترون ذلك من بني شيبة فإنهم لا يملكونه؛ فقد روي عن ابن عباس و عائشة رضي اللّه عنهما أنهما قالا: يباع ذلك و يجعل ثمنه في سبيل اللّه.

و قال القرطبي- من علماء المالكية- (4): كنز الكعبة: المال المجتمع مما يهدى إليها بعد نفقة ما تحتاج إليه، و ليس من كنز الكعبة ما تحلّى به من الذهب و الفضة؛ لأن حليتها حبس عليها كحصرها و قناديلها فلا يملكها

____________

(1) الفتاوى الهندية و بهامشه فتاوى قاضي خان (6/ 271).

(2) في الأصل: الطرطوسي. و التصويب من كشف الظنون (2/ 1867)، و الوفيات للسلامي (2/ 202).

(3) قوله: لا، زيادة من الإعلام (ص: 71).

(4) انظر: (مواهب الجليل 3/ 340).

160

أحد. انتهى.

قال الزركشي- من علماء الشافعية- في قواعده‏ (1): قال ابن عبدان:

[أمنع بيع كسوة الكعبة و أوجب ردّ] (2) من حمل منها شيئا.

و قال ابن الصلاح: هي إلى رأي الإمام. و الذي يقتضيه القياس: أن العادة استمرت [قديما] (3) بأنها تبدل كل سنة، و تأخذ بني شيبة الكسوة القديمة فيتصرفون فيها بالبيع و غيره.

قال: و الذي يظهر لي أن كسوة الكعبة الشريفة إن كانت من قبل السلطان من بيت مال المسلمين فأمرها راجع إليه يعطيها من يشاء من الشيبيين أو غيرهم، و إن كانت من أوقاف السلطان أو غيره فأمرها راجع إلى شرط الواقف فهي لمن عينها له. و إن جهل شرط الواقف فيها عمل بما جرت به العادة السابقة فيها، و قد جرت العادة أن بني شيبة يأخذونها لأنفسهم- أي: يأخذون الكسوة العتيقة بعد وصول الجديدة فيبقون على عادتهم فيها- و اللّه أعلم. ذكره القطب الحنفي في تاريخه الإعلام لأهل بلد اللّه الحرام‏ (4).

و قال العلامة الأمير المالكي في المجموع في باب النذر: أن الوقف إذا جهل شرطه عمل بما اعتيد في صرفه. انتهى.

و عبارة ابن الجمال على الإيضاح: و الحاصل الواقع اليوم في هذا الوقت أن الواقف شرط تجديدها في كل سنة مع علمه بأن بني شيبة

____________

(1) قواعد الزركشي (2/ 395).

(2) في الأصل: منع بيع كسوة الكعبة واجب ورد. و التصويب من: الزركشي (2/ 395)، و الإعلام (ص: 72).

(3) في الأصل: قديمة. و التصويب من الإعلام.

(4) الإعلام (ص: 72).

161

يأخذونها كل سنة لما كانت تكسى من بيت المال فيجوز لهم ذلك، كما ذكره العلاء و جرى عليه، و استظهره الشهاب ابن حجر في الحاشية. انتهى.

قال ابن عباس و عائشة: لا بأس أن تكسى من كسوتها الحيّض و النفساء و نحوهما.

قال ابن الجمال: هذا في غير كسوتها في زماننا، فأما الآن فمكتوب عليها قرآن فلتصن عن اللبس مطلقا إحتراما لها.

و أما الطراز المدور حول البيت و هي الكتابة التي بالفضة المذهبة و البردة [فإنه يأخذها] (1) أمراء مكة من السادة الأشراف فيبقون على عادتهم قياسا على الثوب. و اللّه أعلم.

قال التقي الفاسي‏ (2): و كان أمراء مكة يأخذون من السدنة ستارة باب الكعبة في كل سنة، و جانبا من الكسوة، أو ستة آلاف درهم، فسمح لهم بذلك الشريف عنان بن مغامس في آخر سنة [ثمان‏] (3) و ثمانين، ثم إن السيد حسن بن عجلان بعد ولايته بسنتين لمكة صار يأخذ منهم ستارة باب الكعبة و كسوة المقام. انتهى.

تنبيه: لا يجوز بيع ما يهدى إلى الكعبة من الشمع و البخور. ذكره ملا علي القارئ في مناسكه.

و سألت شيخنا العلامة حسين مفتي المالكية عن بيع ما يهدى إلى الكعبة و الحرم من الشمع و النّد و الزيت الذي يهدى؛ فأجاب: بأنه لا يجوز؛ لأنه حبس عليهما. انتهى و اللّه أعلم.

____________

(1) في الأصل: فإنهم يأخذونها.

(2) شفاء الغرام (1/ 241).

(3) في الأصل: ثمانية.

162

و قال ابن الجمال على الإيضاح: لا يجوز عند الشافعي أخذ شي‏ء من طيب الكعبة لا لتبرك و لا لغيره، و من أخذ شيئا من ذلك لزمه رده إليها.

فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به ثم أخذه. انتهى‏ (1).

قال عبد الرؤوف الزمزمي: و الظاهر أن [الحجر] (2) كالكعبة في ذلك كله.

الفصل السابع: في بعض فضائل الكعبة المشرفة و فضل النظر إليها

اعلم أن اللّه جعل البيت الحرام مثابة للناس و أمنا، قال تعالى: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً [البقرة: 125].

في روح البيان‏ (3): مَثابَةً لِلنَّاسِ‏ مباءة و مرجعا للحجّاج و المعتمرين، يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه أي: يرجع إليه أعيان الذين يزورونه [بأن‏] (4) يحجوه مرة بعد أخرى، أو يرجع أمثالهم و أشباههم، و كونهم وفد اللّه و زوار بيته فإنهم لما كانوا أشباها للزائرين أولا كان ما وقع منهم من الزيارة ابتداء بمنزلة عود الأولين فتعريف الناس للعهد الذكري‏ (5).

و قوله: وَ أَمْناً موضع أمن، فإن المشركين كانوا لا يتعرضون لساكن الحرم و يقولون: البيت بيت اللّه، و سكانه أهل اللّه، بمعنى: أهل بيته.

____________

(1) صلة الناسك في صفة المناسك للإمام ابن الصلاح (رحمه اللّه) (ص: 218)، و عزا هذا القول هناك لعطاء بن أبي رباح، و لم أقف على نص في هذا الشأن عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

(2) في الأصل: الحجرة.

(3) روح البيان (1/ 225).

(4) في الأصل: أي: و التصويب من روح البيان.

(5) في روح البيان: الذهني.

163

و كان الرجل يرى قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرض له. [و يتعرضون‏] (1) لمن حوله، و هذا شي‏ء توارثوه من دين إسماعيل فبقوا عليه إلى زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أو يأمن حاجه من عذاب الآخرة من حيث إن الحج يجبّ ما قبله أي:

يقطع و يمحو ما قبله من حقوق اللّه تعالى الغير مالية مثل: كفارة اليمين.

و أما [حقوق‏] (2) العباد فلا يجبّها الحج. كذا في حواشي ابن الشيخ.

و لكن روي أن اللّه تعالى استجاب دعاء النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة المزدلفة في الدماء و المظالم‏ (3). كذا في الكافي، و تفسير الفاتحة للفناري، و غيرهما. انتهى.

و أمر الخليل عليه الصلاة و السلام بتطهيره للطائفين و العاكفين، و عرفه بإضافته إلى جلاله فقال: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ‏ [البقرة: 125].

شعر:

كفى [شرفا] (4) أنّي مضاف إليكم‏* * * و أنّي بكم أدعى و أرعى و

أعرف‏

فنبه قلبك عن سنة الغفلة، و أيقظ بصر بصيرتك بكحل سراج العرفان، و تشاهد في مرآة [المظهرية] (5) الربانية، و تأمل في سر أسرار هذه‏

____________

(1) في الأصل: و يتعرض. و التصويب من روح البيان.

(2) في الأصل: و حقوق. و التصويب من روح البيان.

(3) حديث استجابة اللّه للحبيب (صلى اللّه عليه و سلم) أخرجه ابن ماجة في كتاب المناسك (2/ 1002) و هو:

عن عبد اللّه بن كنانة بن عباس بن مرداس السلمي أن أباه أخبره عن أبيه «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة. فأجيب: إني قد غفرت لهم ما خلا الظالم فإني آخذ للمظلوم منه. قال: أي رب! إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة و غفرت للظالم فلم يجب عشيّته. فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء. فأجيب إلى ما سأل. قال: فضحك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أو قال: تبسم. فقال له أبو بكر و عمر: بأبي أنت و أمي! إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها فما الذي أضحكك؟ أضحك اللّه سنك! قال: إن عدو اللّه إبليس، لما علم أن اللّه عز و جل قد استجاب دعائي، و غفر لأمتي، أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه و يدعو بالويل و الثبور. فأضحكني ما رأيت من جزعه».

(4) في الأصل: شرفي. و التصويب من زبدة الأعمال (ص: 66).

(5) في الأصل: المطهرة. و التصويب من المرجع السابق.

164

النسبة الإلهية، و إضافة البيتية و اللطيفة السرية و الحكمة الغيبية، و إظهار سر الحقيقة الموجب للشوق في شأن الكعبة المشرفة العلية، شرفها اللّه تعالى و فضلها.

و قيل في انجذاب القلوب و ميل النفوس أن سبب ذلك: دعاء الخليل عليه الصلاة و السلام حيث قال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏ [إبراهيم: 37]: تحجّه. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في تفسير معناه:

يحبّبن إليه، و لو قال: «فاجعل أفئدة الناس تهوي إليه» لحجّته اليهود و النصارى.

و جاء في الحديث: أن اللّه تعالى ينظر إلى الكعبة ليلة النصف من شعبان فتحنّ إليها القلوب من أجل ذلك.

و ورد أيضا: أنه ورد أن اللّه تعالى أوحى إلى الكعبة عند بنائها: إني منزل نورا و خالق بشرا يحنون إليك حنين الحمام إلى بيضه و يدورون إليك.

فانظر [يا أخ الصفا] (1) بالوفا، إلى ما تضمنته هذه الكلمات من فضل الحسن، و فوائد المنح، و قلائد المنن بدأ الخلق من العدم، ثم ابتدأهم بسوابغ النعم، و نصب خيمة القرى في أم القرى، و نادى: هلموا، فيا هنيئا لمن اختير إلى تلك الحضرة و ارتضى بمقعد الجلال، و يا قرة عين من حظي بمشاهدة ذلك الجمال. ذكره الشيخ سعد الدين الإسفرائيني في زبدة الأعمال‏ (2).

و فيها أوجه أخر في معنى الانجذاب فراجعه إن شئت. انتهى.

ثم قال: و في قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ‏ [آل عمران: 96] فضائل كثيرة و دلائل و آيات باهرة.

____________

(1) في الأصل: يا أخي إلى الصفا، و المثبت من زبدة الأعمال (ص: 66).

(2) زبدة الأعمال (ص: 66- 68).

165

فمن آياتها: ما روي أن الحجّاج الثقفي لما نصب المنجنيق على أبي قبيس بالحجارة و النار فاشتعلت في أستار الكعبة بالنهار، فأرسل اللّه سحابة من نحو جدة، و سمع منها الرعد و البرق فمطرت فما جاوز المطر الكعبة و المطاف فأطفأت النار، و أرسل اللّه تعالى عليهم صاعقة فأحرقت منجنيقهم فتداركوه فاحترق تحته أربعة رجال، فقال الحجاج: لا يهولنكم ذلك فإنها أرض صواعق، فأرسل اللّه صاعقة أخرى فاحترق المنجنيق و احترق معه أربعون رجلا (1).

و منها: ما يوقع هيبته في القلوب و الخشوع عنده، و جريان الدموع لديه، و امتناع الطير من علوه و الجلوس عليه، إلا أن يكون مريضا فيستشفي، و لو لا ذلك لكان الساتر مملوءا من قذرها.

و منها: الحجر الأسود و حفظه.

و منها: إيلاف السباع [و الظباء] (2) في الحرم و يجتمع الكلب و الغزال في الحرم، فإذا جاز من الحرم خطوة سعى الغزال و سعى الكلب [في طلبه‏] (3)، فإن لحقه عقره، و إن عاد إلى الحرم لم يكن له عليه [سلطان‏] (4)، و كذا الطيور و الصيد لا ينفر من الحرم و لا يتوحش.

و من الآيات: أن حلّت العقوبة في قوم أساؤوا الأدب عند هذه الحضرة.

روي أن رجلا كان يطوف بالبيت فلصق ساعده على ساعد امرأة،

____________

(1) انظر: الجامع اللطيف (ص: 33).

(2) في الأصل: و الضباء. و التصويب من زبدة الأعمال (ص: 51).

(3) زيادة من زبدة الأعمال، الموضع السابق.

(4) في الأصل: سلطانا.

166

فتلذذ بذلك، فلصق ساعدهما، فقال له بعض الصالحين: ارجع إلى المكان الذي فعلت فيه فعاهد ربك أن لا تعود، ففعلا فخلا عنهما (1).

و عن ابن نجيح: أن إساف و نائلة رجل و امرأة حجّا من الشام، فقبّل أحدهما الآخر في البيت، فمسخا حجرين، ثم لم يزالا في المسجد حتى جاء الإسلام فأخرجا.

و يروى أن امرأة عاذت [بهذا] (2) البيت- أي: رب هذا البيت- عند البيت من رجل ظالم، فمدّ يده إليها فيبست يده و صار أشلّ‏ (3).

و روي عن بعض الصالحين أنه قال: رأيت رجلا أعمى يطوف و هو يقول: أعوذ بك منك. فقلت له: ما هذا الدعاء؟ فقال: اعلم أني كنت مجاورا بمكة منذ خمسين سنة، فنظرت إلى شخص يوما فاستحسنته فسالت عيني، فقلت: أه، فوقعت الأخرى، و سمعت قائلا يقول: لو ازددت لزدناك. اللهم نبّهنا عن سنة الغفلة (4). انتهى.

و في حسن المسامرة لابن العربي و لفظه: حج رجل أعجمي، فبينما هو في الطواف عند الركن اليماني سمع صوت خلخال من قدم بعض الحسان الطائفات، فلما وقع ذلك الصوت في أذنه أثّر في قلبه، فالتفت إلى الشخص، فخرجت يد من ركن البيت فضربته على عينه التي التفت بها فألقتها على خده، و سمع عند الضربة صوتا من جدار البيت قائلا يقول:

تطوف إلى بيتنا و تنظر إلى غيرنا، هذه نظرة بلطمة أفقدناك فيها عينك و إن‏

____________

(1) انظر: (شفاء الغرام 1/ 361، و القرى ص: 272، و مثير الغرام ص: 291).

(2) في الأصل: هذا.

(3) انظر: (شفاء الغرام 1/ 360).

(4) زبدة الأعمال (ص: 51- 53).

167

زدت زدناك، و كانت له امرأة يحبها فتوفيت في تلك الساعة التي نظر فيها.

انتهى.

و عن عياش بن [أبي‏] (1) ربيعة عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا [تزال‏] (2) أمتي بخير ما عظموا هذا البيت و الحرم فإذا ضيعوه هلكوا». رواه أبو داود (3).

و عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لقد وعد اللّه هذا البيت أن يحجه كل سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا كلمهم اللّه تعالى بالملائكة، و أن الكعبة تحشر كالعروس، من حجها تعلق بأستارها حتى تدخلهم الجنة». انتهى زبدة الأعمال‏ (4).

و قال شيخنا السيد الشريف سيدي عبد اللّه الدراجي في تقريره على البخاري عند قوله: باب في فضل استقبال القبلة ثم ذكر فضائلها، و مما ذكر: أنه ورد أن الكعبة المشرفة تأتي إلى المحشر و لها أجنحة و فيها حلق بعدد من طاف بها فيتعلقون بها، فيسقط بعض الناس من أهل المعاصي من أجل بعض حقوق عليهم لبعض، فترجع إليهم و تقول لهم: إما أن تسامحوا أهل التبعات و نحملكم معهم و إلا فنقاصص عليهم. انتهى بالمعنى.

ثم قال أيضا: و ورد أن الكعبة المشرفة تخاطب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) تقول له: تكفّل لي بمن لم يحجني، و أما من حجّني فأنا أتكفل به. و اللّه أعلم.

و ذكر اليافعي‏ (5) قال: أخبرني بعضهم أنه يرى حول الكعبة الملائكة

____________

(1) قوله: أبي، زيادة على الأصل. و انظر: (تقريب التهذيب ص: 436).

(2) في الأصل: تزالوا.

(3) لم أقف عليه في سنن أبي داود.

(4) زبدة الأعمال (ص: 70).

(5) هو عفيف الدين عبد اللّه بن أسعد بن علي اليافعي، نسبة إلى يافع من حمير اليمني، ثم المكي. جاور بمكة و توفي سنة 768 ه. له تصانيف كثيرة منها: كتاب مرآة الجنان و عبرة-

168

و الأنبياء و الصالحين و الأولياء عليهم الصلاة و السلام، و أكثر ما يراهم ليلة الجمعة و كذا ليلة الاثنين و ليلة الخميس، و عدّ لي جماعة كثيرة من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و ذكر أنه يرى كل واحد منهم في موضع معين يجلس فيه حول الكعبة و يجلس معه أتباعه من أهل بيته و قرابته و أصحابه.

و ذكر أن نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) يجتمع عليه من الأولياء- أي: أولياء أمته- خلق كثير لا يحصي عددهم إلا اللّه تعالى، و لم يجتمع على سائر الأنبياء خلق مثله.

و ذكر أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام و أولاده يجلسون بقرب باب الكعبة بحذاء مقامه المعروف، و عيسى عليه الصلاة و السلام و جماعته عند الحجر، و جماعة من الملائكة (عليهم السلام) عند الحجر الأسود، و رأى سيد الخلق أجمعين المرسل رحمة للعالمين تاج الأصفياء و خاتم الأنبياء سيدنا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) جالسا عند الركن اليماني مع أهل بيته و أصحابه و أولياء أمته.

و ذكر أنه رأى إبراهيم و عيسى عليهم الصلاة و السلام أكثر محبة لأمة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و أكثر فرحا لفضلهم، و ذكر أسرارا كثيرة منها ما ذكره يطول، و منها ما لا تحمله العقول. انتهى كلامه.

[و في‏] (1) منائح الكرم‏ (2) قال: و عن بعضهم نقلا عن اليافعي أيضا (رحمه اللّه): أن روح النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لم تزل على باب الكعبة لا تفارقه، و أن روح سيدنا إبراهيم بين الركن اليماني و العراقي لا تفارقه، و أن روح سيدنا موسى جهة الميزاب، و روح سيدنا عيسى بين اليمانيين صلى اللّه عليهم‏

____________

- اليقظان في معرفة حوادث الزمان انظر: (الدرر الكامنة 2/ 247- 249، و النجوم الزاهرة 11/ 93- 94، و البدر الطالع 1/ 378، و الأعلام 4/ 72).

(1) قوله: و في، زيادة على الأصل.

(2) منائح الكرم (4/ 123).

169

و سلم، و أن هذه الأرواح ملازمة لهذه الأماكن الشريفة.

و ذكر أن بعض الأكابر حقق ذلك بطريق الكشف، و أنه كان إذا ابتدأ طوافه يسلم على هذه الأرواح الشريفة (صلى اللّه عليه و سلم) و يلاحظها في حال طوافه. انتهى كلامه.

و من كشف اللّه عنه الحجاب رأى كل شي‏ء، و اللّه أعلم.

و في الفوائح المسكية للشيخ البسطامي قال: اعلم أن الأوتاد الذي يحفظ اللّه تعالى بهم العالم أربعة، و لكل واحد منهم ركن من أركان البيت. انتهى كلامه.

و ذكر القرشي‏ (1) نقلا عن الجاحظ: أنه لا يرى البيت أحد ممن لم يكن رآه إلا ضحك أو بكى و وقعت هيبته في قلبه. انتهى.

و من الآيات: كف الجبابرة عنها مدى الدهر مثل أصحاب الفيل، و تبّع حين قصدها فابتلاه اللّه بداء حتى تاب و رجع ثم شفاه اللّه. انظر البحر العميق‏ (2).

و من هذا المعنى قول سبيعة (3) لابنها على ما ذكره ابن العربي (قدّس سره):

أ بنيّ لا تظلم بمكّ* * * ة لا الصغير و لا الكبير

و احفظ محارمها [بنيّ‏] (4)* * * و لا يغرّنك‏ (5)

الغرور

أ بنيّ من يظلم بمكة* * * يلق أطراف الشّرور

____________

(1) البحر العميق (3/ 282). و انظر: الجامع اللطيف (ص: 34).

(2) البحر العميق، الموضع السابق.

(3) هي: سبيعة بنت الأحب بن زبينة، و كانت عند عبد مناف بن كعب بن سعد.

(4) قوله: بني، زيادة من مصادر الأبيات.

(5) في الأصل زيادة لفظ الجلالة: اللّه.

170

أبنيّ يضرب وجهه‏* * * و يلح بخدّيه السّعير

أبنيّ قد جرّبتها* * * فوجدت ظالمها يبور

اللّه أمّنها و ما* * * بنيت بعرصتها قصور

و اللّه أمّن طيرها* * * و العصم‏ (1) تأمن في ثبير

و لقد غزاها تبّع‏* * * و كسا لبنيتها الحرير

و أذلّ ربّي ملكه‏* * * فيها فأوفى بالنّذور

يمشي إليها حافيا* * * بفنائها ألفا بعير

و يظلّ يطعم أهلها* * * لحم المهاري‏ (2) و الجزور

يسقيهم العسل المصفّ* * * ى و الرّحيض‏ (3) من الشّعير

و الفيل أهلك جيشه‏* * * يرمون فيها بالصّخور

و الملك في أقصى البلا* * * د و في الأعاجم و الجزير

فاسمع [إذا] (4) حدّثت واف* * * هم [كيف‏] (5) عاقبة

الأمور

انتهى من كتاب المسامرة لابن العربي‏ (6).

و إذعان نفوس العرب و غيرهم قاطبة، و توقيرهم هذه البقعة دون غيرها. ذكره ابن عطية.

حكى النقاش (رحمه اللّه) قال: كنت أطوف حول الكعبة ليلا فقلت: يا رب! إنك قلت: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران: 97] فمن ماذا هو آمن يا رب؟ فسمعت من يكلمني و هو يقول: من النار، و نظرت فتأملت فما

____________

(1) العصم: الوعول، لأنها تعتصم بالجبال.

(2) المهاري: الإبل العراب النجيبة.

(3) الرحيض: المنقى، و المصطفى.

(4) في الأصل: إذ. و التصويب من المسامرة.

(5) في الأصل: كل. و التصويب من مصادر الأبيات.

(6) المسامرة (1/ 124)، و انظر: (سيرة ابن هشام 1/ 25- 26، و الاكتفاء 1/ 110، و البداية و النهاية 2/ 165).

171

كان في المكان أحد. انتهى.

و عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: إن هذا البيت دعامة الإسلام، و من خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر كان مضمونا على اللّه إن قبضه أن يدخله الجنة، و إن ردّه يرده بأجر و غنيمة. أخرجه الأزرقي بسنده. انتهى فاسي في شفاء الغرام‏ (1).

و أما ما جاء في مشاهدة البيت؛ قال بعض العلماء رحمهم اللّه: من الأدب اللائق بذلك الحضرة الشريفة أنه إن وقع نظره على البيت فليكن ذلك مقرونا بالتعظيم و الإجلال، و أن يحضر في نفسه عند مشاهدة البيت ما خصّ به من تشريف النسبة و أوصاف الجلال من قال:

أبطحاء مكة هذا الذي‏* * * أراه [عيانا] (2) و هذا أنا

و قال آخر:

هذه دارهم و أنت محبّ‏* * * [ما] (3) بقاء الدّموع في الآماق‏

روي: أن الشبلي لما حج البيت، فعندما وصل إليه ورآه عظم عنده ذلك، فأنشد البيت الأول طربا مستعظما حاله في قوله: أبطحاء مكة ... إلى آخر البيت، و صار يكرره حتى غشي عليه.

و قد كان العارفون باللّه و أرباب القلوب ينزعجون إذا دخلوا مكة و لاحت لهم أنوار الكعبة، فيهيمون عند مشاهدة الجمال و بلوغ الرتبة؛ لأن رؤية المنزل تذكر بصاحب المنزل.

و حجت امرأة عابدة، فلما دخلت مكة جعلت تقول: أين بيت ربي‏

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 314)، و انظر: (أخبار مكة للأزرقي 2/ 3).

(2) في الأصل: عينا. و التصويب من زبدة الأعمال (ص: 85).

(3) في الأصل: فما. و التصويب من الموضع السابق.

172

- و جعلت تكررها-؟ فقيل لها: الآن ترينه، فلما لاح لها البيت قالوا لها:

هذا بيت ربك، فاشتدت نحوه تسعى حتى ألصقت جبينها بحائط البيت، فما رفعت إلا ميتة. انتهى من زبدة الأعمال‏ (1).

و عن الحسن البصري رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من جلس مستقبل الكعبة ساعة واحدة محتسبا للّه تعالى و رسوله و تعظيما للبيت كان له كأجر الحاج و المعتمر و المرابط القائم، و أول ما ينظر اللّه تعالى إلى أهل الحرم، فمن رآه مصليا غفر له، و من رآه قائما غفر له، و من رآه ساجدا غفر له، و من رآه مستقبل القبلة غفر له».

و عن يونس [بن خبّاب‏] (2): قال: النظر إلى الكعبة عبادة [تعدل‏] (3) فيما سواها من الأرض عبادة الصائم القائم الدائم القانت‏ (4).

و عن حماد بن سلمة قال: الناظر إلى الكعبة كالمجتهد في العبادة في غيرها من البلاد (5).

و عن ابن المسيب: من نظر إلى الكعبة إيمانا و احتسابا خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه‏ (6).

و عن [أبي السائب‏] (7) المدني (رحمه اللّه) قال: من نظر إلى الكعبة إيمانا

____________

(1) زبدة الأعمال (ص: 85) مخطوط.

(2) في الأصل: و ابن حبان. و التصويب من تقريب التهذيب (ص: 613).

(3) زيادة من زبدة الأعمال (ص: 88).

(4) أخرجه الأزرقي (2/ 8). و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 347).

(5) أخرجه الأزرقي (2/ 8). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 328) و عزاه إلى الأزرقي.

(6) أخرجه الأزرقي (2/ 9). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 328) و عزاه إلى الأزرقي، و الجندي. و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 347).

(7) في الأصل: ابن المسيب. و التصويب من تقريب التهذيب (ص: 643)، و انظر: (زبدة الأعمال ص: 89).

173

و احتسابا و تصديقا تحات عنه الذنوب كما يتحات الورق عن الشجر (1).

قال زهير بن محمد (2): الجالس في المسجد ينظر إلى البيت لا يطوف و لا يصلي أفضل من المصلي في بيته لا ينظر إلى الكعبة (3).

و عن عطاء قال: النظر إلى البيت عبادة، و الدعاء عند رؤية البيت مستجاب، و الناظر إلى البيت بمنزلة الصائم القائم المجاهد في سبيل اللّه‏ (4).

قال (صلى اللّه عليه و سلم): «إن اللّه ينزل كل ليلة على هذا البيت مائة [و عشرين‏] (5) رحمة، ستون منها للطائفين، و أربعون للمصلين، و عشرون للناظرين».

رواه البيهقي و الطبراني في المعجم بإسناد حسن‏ (6). انتهى من زبدة الأعمال‏ (7).

____________

(1) أخرجه الأزرقي (2/ 9). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 328) و عزاه إلى الأزرقي، و الجندي. و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 347).

(2) في الأصل زيادة: قال.

(3) أخرجه الأزرقي (2/ 9). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 328) و عزاه إلى ابن أبي شيبة، و الأزرقي، و الجندي، و البيهقي في شعب الإيمان. و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 347).

(4) أخرجه الأزرقي (2/ 9). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 328) و عزاه إلى الأزرقي.

و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 347).

(5) في الأصل: و عشرون.

(6) أخرجه الأزرقي (2/ 8)، و الفاكهي (1/ 199 ح 325) نحوه، و الطبراني في المعجم الكبير (11/ 195)، و البيهقي في الشعب (3/ 455 ح 4051). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 328) و عزاه إلى الأزرقي، و الجندي، و ابن عدي، و البيهقي في شعب الإيمان، و المنذري في الترغيب. و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 314- 315، 336).

(7) زبدة الأعمال (ص: 88- 89).

174

الفصل الثامن: فيما يتعلق بالحجر الأسود و أنه من الجنة، و في سبب نزوله، و ما قيل فيه، و أخذ القرامطة له، ورده إلى محله، و أول من حلّاه، إلى آخر ما سيأتي إن شاء اللّه‏

قد تقدم أن آدم (عليه السلام) لما قدم مكة فإذا خيمة في موضع الكعبة، و تلك الخيمة ياقوتة حمراء، و نزل مع الخيمة الركن، و هو الحجر الأسود و هو ياقوتة بيضاء من أرض الجنة.

و في مثير الغرام‏ (1): أنزل الحجر الأسود و هو يتلألأ كأنه لؤلؤة بيضاء، فأخذه آدم عليه الصلاة و السلام فضمه إليه استئناسا به.

و في رواية: أنزل الركن مع آدم عليه الصلاة و السلام ليلة نزل آدم عليه الصلاة و السلام من الجنة، فلما أصبح رأى الركن و المقام فعرفهما فضمهما إليه و استأنس بهما (2).

و جاء: أن آدم عليه الصلاة و السلام نزل من الجنة و معه الحجر الأسود متأبطه- أي: تحت إبطه- و هو ياقوتة من يواقيت الجنة، و لو لا أن اللّه طمس ضوءه ما استطاع أحد أن ينظر إليه‏ (3).

و عن وهب بن منبه: أن آدم عليه الصلاة و السلام لما أمره اللّه بالخروج من الجنة أخذ جوهرة من الجنة- أي: التي هي من الحجر الأسود- مسح دموعه بتلك الجوهرة حتى اسودّت من دموعه، ثم لما بنى البيت أمره‏

____________

(1) مثير الغرام (ص: 373).

(2) أخرجه الأزرقي من حديث ابن عباس (1/ 325). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 325) و عزاه إلى الأزرقي. و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 363).

(3) أخرجه الأزرقي من حديث ابن عباس (1/ 329). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 325) و عزاه إلى الأزرقي.

175

جبريل (عليه السلام) أن يجعل تلك الجوهرة في الركن ففعل‏ (1).

و في بهجة الأنوار: أن الحجر الأسود كان في ابتدائه ملكا صالحا، و لما خلق اللّه آدم عليه الصلاة و السلام [أباح‏] (2) له الجنة كلها إلا الشجرة التي نهاه عنها، ثم جعل ذلك الملك موكّلا على آدم عليه الصلاة و السلام أن لا يأكل من تلك الشجرة، فلما قدّر اللّه أن آدم عليه الصلاة و السلام يأكل من تلك الشجرة غاب عنه ذلك الملك فنظر اللّه إلى ذلك الملك بالهيبة فصار جوهرة، ألا ترى أنه جاء في الأحاديث: الحجر الأسود يأتي يوم القيامة و له يد و لسان و أذن و عين؛ لأنه كان في الإبتداء [ملكا] (3). انتهى. ذكره الحلبي‏ (4).

ثم قال: و رأيت في ترجمة الشيخ كمال الدين الإخميمي: أنه لما جاور بمكة رأى الحجر الأسود و قد خرج من مكانه فصار له يدان و رجلان و وجه و مشى ساعة ثم رجع إلى مكانه. انتهى‏ (5).

و قد جاء: أكثروا من استلام الحجر فإنكم توشكون أن تفقدوه، بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا و قد فقدوه، إن اللّه عز و جل لا يترك شيئا في الأرض من الجنة إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة (6).

أي فقد جاء: «ليس في الأرض من الجنة إلا الحجر الأسود و المقام،

____________

(1) ذكره الحلبي في سيرته (1/ 245).

(2) في الأصل: و أباح. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 245).

(3) قوله: ملكا، زيادة من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(4) السيرة الحلبية (1/ 245).

(5) السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(6) أخرجه الأزرقي من حديث عائشة رضي اللّه عنها (1/ 342). و الديلمي في الفردوس (1/ 73 ح 216). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 325) و عزاه إلى الأزرقي. و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 322- 323).

176

فإنهما جوهرتان من جواهر الجنة، ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه اللّه عز و جل» (1). انتهى. ذكره الحلبي‏ (2).

و لما بنى إبراهيم عليه الصلاة و السلام- كما تقدم- و إسماعيل معه أراد أن يجعل حجرا يجعله علما للناس، أي: يبتدؤون الطواف منه و يختمون به، ذهب إسماعيل عليه الصلاة و السلام إلى الوادي يطلب حجرا، فنزل جبريل (عليه السلام) بالحجر الأسود يتلألأ منه نورا أي: فكان يضي‏ء إلى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية (3).

و في الكشاف‏ (4): [إنه اسودّ] (5) لما [مسته‏] (6) الحيّض في الجاهلية.

و تقدم أنه اسودّ من مسح آدم به دموعه.

و جاء: أنه اسودّ من خطايا بني آدم سودته.

و أما شدّة سواده فبسبب إصابة الحريق له أولا في زمن قريش، و ثانيا في زمن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه، و قد كان رفع إلى السماء حين غرقت الأرض زمن نوح عليه الصلاة و السلام.

و في رواية: أن إبراهيم لما قال لإسماعيل عليهما الصلاة و السلام: يا بني اطلب لي حجرا حسنا أضعه هاهنا قال: يا أبتي إني كسلان لغب- أي:

تعب- قال: عليّ بذلك، فانطلق و جاء جبريل (عليه السلام) بالحجر من‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي من حديث ابن عباس (2/ 29)، و الفاكهي (1/ 443 ح 968).

(2) السيرة الحلبية (1/ 246).

(3) أخرجه الأزرقي من حديث محمد بن إسحاق (1/ 65). و ذكره ابن حجر في فتح الباري (6/ 406).

(4) الكشاف (1/ 94).

(5) قوله: إنه اسودّ، زيادة من السيرة الحلبية (1/ 255).

(6) في الأصل: مسه. و التصويب من المرجع السابق.

177

الهند، و هو الحجر الذي خرج به آدم من الجنة- أي كما تقدم- فوضعه إبراهيم عليه الصلاة و السلام موضعه.

و قيل: وضعه جبريل (عليه السلام) و بنى عليه إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و جاء إسماعيل عليه الصلاة و السلام بحجر من الوادي فوجد إبراهيم عليه الصلاة و السلام قد وضع الحجر، أي: و بنى عليه فقال: من أين هذا الحجر و من جاء به؟ فقال إبراهيم عليه الصلاة و السلام: من لا يكلني إليك و لا إلى حجرك‏ (1).

و في لفظ: جاءني به من هو أشد منك، و في لفظ: جاء إسماعيل عليه الصلاة و السلام بحجر من الجبل قال: غيّره مرارا لا يرضى ما يأتيه به.

و جاء: إن اللّه تعالى استودع الحجر أبا قبيس حين أغرق اللّه الأرض زمن نوح عليه الصلاة و السلام و قال له: إن رأيت خليلي يبني بيتي فأخرجه له، أي: فلما انتهى إبراهيم عليه الصلاة و السلام لمحل الحجر نادى أبو قبيس إبراهيم عليه الصلاة و السلام فقال: يا إبراهيم، هذا الركن، فجاء فحفر عنه فجعله في البيت، و قيل: تمخض أبو قبيس فانشق عنه‏ (2).

و في لفظ: قال: يا إبراهيم يا خليل الرحمن! إن لك عندي وديعة فخذها، فإذا هو بحجر أبيض من يواقيت الجنة (3).

و من ثمّ كان يسمى أبا قبيس في الجاهلية: الأمين؛ لحفظه ما استودع، و سمي [أبا] (4) قبيس باسم رجل من جرهم اسمه: قبيس هلك فيه، و قيل:

____________

(1) ذكره الطبري في تفسيره (1/ 550).

(2) أخرجه الأزرقي من حديث محمد بن إسحاق (1/ 65).

(3) ذكره القرطبي في تفسيره (2/ 122).

(4) في الأصل: أبو.

178

لأنه اقتبس منه الحجر الأسود فسمي بذلك الحجر (1). انتهى‏ (2). و اللّه أعلم.

و لما بنت قريش البيت و بلغ البناء موضع الحجر الأسود اختصموا (3) القبائل من قريش، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى محله دون الأخرى حتى أعدوا للقتال، حتى اختاروا أول داخل من باب السلام يحكم بينهم، فكان أول داخل هو (صلى اللّه عليه و سلم)، فوضعه في رداء و أمر القبائل أن ترفعه، و وضعه (صلى اللّه عليه و سلم) بيده الشريفة على ما تقدم. ذكره الحلبي‏ (4).

و ذكر القرشي في البحر العميق‏ (5): أن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه لما بنى الكعبة و ارتفع البناء إلى موضع الركن، و كان ابن الزبير حين هدم البيت جعل الركن في ديباجة و أدخله في تابوت و قفل عليه و وضعه عنده في دار الندوة، و لما بلغ البناء إلى موضع الركن أمر ابن الزبير بموضعه، فنقر في حجرين، حجر من المدماك الذي تحته، و حجر من المدماك الذي فوقه بقدر الركن و طوبق بينهما، فلما فرغوا منه أمر ابن الزبير رضي اللّه عنهما ابنه عبّاد ابن الزبير و جبير بن شيبة بن عثمان أن يجعلوا الركن في ثوب، و قال لهم ابن الزبير رضي اللّه عنه: إذا دخلت في صلاة الظهر فاحملوه و اجعلوه في موضعه، فأنا أطوّل الصلاة، فإذا فرغتم فكبّروا حتى أخفف صلاتي،

____________

(1) ذكره الأزرقي (2/ 266- 267).

(2) السيرة الحلبية (1/ 255- 256).

(3) هي لغة نطقتها العرب و جاء بها القرآن كقوله تعالى: عَمُوا وَ صَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ‏، و قوله: وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا و هي لغة مرجوحة و غيرها أولى منها، و هي ما يعبر عنها النحويون بلغة: «أكلوني البراغيث»، و عبر عنها ابن مالك بلغة: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل و ملائكة في النهار». (شرح ابن عقيل 2/ 79).

(4) السيرة الحلبية (1/ 235- 236).

(5) البحر العميق (3/ 265- 266).

179

و كان ذلك في حرّ شديد، فلما أقيمت الصلاة و كبّر ابن الزبير و صلى بهم ركعة، خرج عبّاد بالركن من دار الندوة و هو يحمله و معه جبير بن شيبة، و قيل: الذي وضعه في موضعه الآن حمزة بن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهم. ذكره الزبير بن بكار.

فلما أقرّوه في موضعه و طوبق عليه الحجر كبّر، فأخفّ ابن الزبير في صلاته، و سمع الناس بذلك فغضب فيهم رجال قريش حين لم يحضرهم ابن الزبير و قالوا: و اللّه لقد وضع في الجاهلية حين بنته قريش، فحكموا فيه أول داخل من باب السلام فطلع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فجعله في ردائه، و دعى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من كل قبيلة من قريش رجلا فأخذوا بأركان الثوب ثم وضعه (صلى اللّه عليه و سلم) بيده الشريفة في موضعه.

و في رواية ذكرها الأزرقي‏ (1): أن ابن الزبير وضع الحجر الأسود بنفسه، و كان الركن قد تصدع من الحريق ثلاث فرق، فانشظت منه شظية كانت عند بعض آل شيبة بعد ذلك دهرا طويلا، فشدّه ابن الزبير بالفضة (2)، إلا تلك الشظية من أعلاه- موضعها بيّن في أعلا الركن‏ (3)-.

و طول الركن [ذراعان‏] (4)، قد أخذ عرض جدار الكعبة، و مؤخر الركن داخله داخل في الجدار، مضرّس على ثلاثة رؤوس.

و في حاشية شيخنا و لفظه: قال القرافي: قال بعض المؤرخين: طول الحجر الأسود في الجدار [ذراع و شبر] (5)، و عرضه ثمان و عشرون أصبعا،

____________

(1) أخبار مكة للأزرقي (1/ 208).

(2) الفاكهي (3/ 233).

(3) شفاء الغرام (1/ 366).

(4) في الأصل: ذراع. و التصويب من الأزرقي (1/ 208)، و البحر العميق (3/ 265).

(5) في الأصل: ذراعا و شبرا.

180

و ارتفاعه عن الأرض ثلاثة أذرع إلا سبع أصابع.

قال ابن جريج: و سمعت من يصف الحجر لون مؤخره الذي في الجدار، قال بعضهم: هو مورد، و قال بعضهم: هو أبيض كالفضة (1).

و يروى: أن الحجر الأسود كان لونه قبل الحريق مثل لون المقام فلما احترق اسودّ. انتهى.

و ذكر شيخنا و لفظه: و قال محمد بن نافع الخزاعي: تأملت الحجر الأسود و هو مقلوع فإذا السواد في رأسه فقط، و سائره أبيض، و طوله قدر عظم الذراع، و ذلك لما اقتلعه أبو طاهر القرمطي على ما يأتي إن شاء اللّه.

انتهى من حاشيته [على‏] (2) توضيح المناسك، و عزاه للخفاجي شارح الشفاء.

و ذكر الحلبي: كون الحجر وجد مصدوعا بسبب الحريق، و كون ابن الزبير رضي اللّه عنه شدّه بالفضة لا ينافي ما وقع بعد ذلك من أن أبا سعيد كبير القرامطة، و هم طائفة ملحدة ظهروا بالكوفة (3) سنة [ثمان‏] (4) و سبعين و مائتين، يزعمون أنه لا غسل من الجنابة، و حل الخمر، و أنه لا صوم في السنة إلا يوم النيروز و المهرجان‏ (5)، و يزيدون في أذانهم أن محمد

____________

(1) أخبار مكة للأزرقي (1/ 209).

(2) قوله: على، زيادة على الأصل.

(3) الكوفة:- بالضم- المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، و يسميها قوم: خد العذراء. قال أبو بكر محمد بن القاسم: سميت الكوفة لاستدارتها، و قيل: سميت الكوفة كوفة؛ لاجتماع الناس بها (معجم البلدان 4/ 490).

(4) في الأصل: ثمانية. و في السيرة الحلبية: سنة سبعين و مائتين.

(5) يوم النيروز: هو أول السنة الشمسية يوم 11/ 9 من كل عام منذ الشعوب القديمة، و قد أبطله في مصر السلطان برقوق عام 787 ه (ابن إياس 1/ 363، و نظم دولة المماليك 2/ 169).

و يوم المهرجان: من أعياد الفرس، و يحتفلون به يوم 26/ 9 من كل عام.

181

بن الحنفية رسول اللّه، و أن الحج و العمرة إلى بيت المقدس، و افتتن به جماعة من الجهّال و أهل البراري، و قويت شوكتهم حتى انقطع الحج من بغداد بسببه و بسبب ولده أبي طاهر، فإن ولده أبا طاهر بنى بيتا بالكوفة سماه: دار الهجرة، و كثر فساده و استيلاؤه على البلاد و قتله المسلمين، و تمكنت هيبته من القلوب، و كثر فساده و أتباعه، و ذهب إليه جيش الخليفة المقتدر باللّه السادس عشر من [خلفاء] (1) بني العباس غير (2) مرة و هو يهزمهم، ثم إن المقتدر سيّر ركب الحجاج إلى مكة فوافاهم أبو طاهر يوم التروية فقتل الحجيج بالمسجد الحرام و في جوف الكعبة قتلا ذريعا، و ألقى القتلى في بئر زمزم، و ضرب الحجر الأسود بدبوسه‏ (3) فكسره، ثم اقتلعه و أخذه منه، و قلع الباب- أي باب الكعبة- و أخذ كسوتها و قسمها بين أصحابه، و هدم قبة زمزم. انتهى ما ذكره الحلبي‏ (4).

و ذكر شيخنا في حاشيته على توضيح المناسك قال: و في الخفاجي على الشفا: أن القرامطة طائفة من الملحدين، و هم من أهل هجر (5) و الحسا، و أصلهم رجل من سواد الكوفة يقال له: قرمط، و هو حمدان بن قرمط، و سبب ظهورهم: أن جماعة من أولاد بهرام جور، و ذكروا بأنهم و جدودهم و ما كانوا عليه من العز و الملك و زوال ذلك بدولة الإسلام، و قسموا الدنيا أربعة أقسام، لكل رجل منهم ربع، فذهب واحد إلى الكوفة

____________

(1) قوله: خلفاء، زيادة من السيرة الحلبية (1/ 278).

(2) في الأصل و السيرة الحلبية زيادة: «ما».

(3) الدبوس: هو عمود على شكل هراوة مدملكة الرأس، معرب. انظر: (المعجم الوسيط 1/ 270).

(4) السيرة الحلبية (1/ 278).

(5) هجر: مدينة في البحرين. و قيل: ناحية البحرين كلها هجر (معجم البلدان 5/ 393).

182

فأول من أجابه: حماد بن قرمط فأعانه على الدعوة، و كان ظهوره سنة ثمان و سبعين و مائتين، فلم يزل يظهر الصلاح حتى اجتمع عليه الخلق فزعم أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بشّر به و أنه الإمام المنتظر، فابتدع مقالات، و زعم أنه انتقل إليه كلمة سيدنا عيسى عليه الصلاة و السلام، و جعل الصلاة ركعتين بعد الصبح و ركعتين بعد المغرب، و الصوم يومين بالنيروز و المهرجان، فكانت لهم وقائع و حروب و خلفاء حتى ظهر منهم سليمان، و كنيته أبو طاهر بن الحسن القرمطي الجبائي، فأفسد، و قصد مكة فدخلها يوم التروية سنة [سبع عشرة] (1) و ثلاثمائة في خلافة المقتدر، فقتل من الحجاج خلقا كثيرا، و رماهم ببئر زمزم، و قلع باب الكعبة و أخذ كسوتها، و أخذ الحجر الأسود، فبقي عندهم سنين، ثم ردوه مكسورا، فنصب في محله، و قد كان بذل لهم فيه خمسين ألف دينار فأبوا، و لم يزالوا كذلك حتى أخذوا الشام و غيرها إلى أن قاتلهم جوهر القائد فهزمهم و قتل منهم خلقا كثيرا، و كانت مدة خروجهم ستا و ثمانين سنة، و كانوا يحرّفون القرآن و يتأوّلونه بتآويل فاسدة لم تقبلها العقول. انتهى.

و قوله: إلى أن قاتلهم جوهر القائد، ذكر السيوطي في تاريخه أخبار (2) الناس في بني العباس‏ (3): أن جوهر القائد قاتلهم و ذلك في سنة ثلاثمائة و سبع‏ (4) و خمسين؛ لأن القرامطة ملكت الشام و غيرها، و لم يحج أحد في تلك السنة لا من الشام و لا من مصر، و عزموا على قصد مصر ليملكوها

____________

(1) في الأصل: سبعة عشر.

(2) في هامش الأصل: إعلام.

(3) تاريخ الخلفاء (ص: 401- 402).

(4) في الأصل: و سبعة.

183

فجاء العبيديون و هم الذين يسمونهم العوام: الفواطم، و هم روافض جدّهم يهودي حداد- كذا قال القاضي عبد الجبار البصري-، و أقاموا دولة الروافض في أقاليم المغرب و مصر و العراق، و ذلك أن صاحب مصر نائب المطيع من بني العباس لما مات اختلّ النظام، و قلّت الأموال على الجند، فكتب جماعة إلى المعزّ يطلبون منه عسكرا ليسلموا إليه مصر، فأرسل مولاه جوهرا في مائة ألف فارس فملكها و أخرج القرامطة و أخذ الشام، و جوهر هذا هو الذي بنى الجامع الأزهر، و ابتدأ في بنائه في ربيع الآخر سنة ثلاثمائة [و تسع‏] (1) و خمسين، و فرغ في رمضان سنة ثلاثمائة [و إحدى و ستين‏] (2). انتهى.

و في درر الفرائد في سنة [سبع عشرة] (3) و ثلاثمائة (4): لم يشعر الناس في يوم الاثنين يوم التروية- و قيل: في يوم السابع من ذي الحجة- إلا و قد وافاهم صاحب البحرين عدو اللّه تعالى أبو طاهر سليمان بن ربيعة الحسن القرمطي‏ (5) مكة في ناس من أصحابه فدخلوا المسجد الحرام، و أبو طاهر سكران راكبا فرسا و بيده سيف مسلول، فصفّر لفرسه فبال عند البيت، و أسرف هو و أصحابه في قتل الحجّاج و أسرهم و نهبهم مع هتكه لحرمة

____________

(1) في الأصل: و تسعة.

(2) في الأصل: و تسعة و خمسين. و التصويب من: تاريخ الخلفاء (ص: 402).

(3) في الأصل: سبعة عشر.

(4) درر الفرائد (ص: 234- 237)، و انظر: (إتحاف الورى 2/ 374- 379، و الإعلام ص:

162- 165).

(5) هو: أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن الجنّابي الهجري القرمطي، خارجي طاغية جبار. قال الذهبي في وصفه: «عدو اللّه، الأعرابي الزنديق»، قتل الحجيج حول الكعبة و في جوفها، و اقتلع الحجر الأسود و أخذه معه إلى هجر (انظر: البداية و النهاية 11/ 208، و المنتظم 6/ 336، و النجوم الزاهرة 3/ 225).

184

البيت، فكان الناس يطوفون حول البيت و السيوف تأخذهم، و كان علي بن بابويه‏ (1) يطوف بالبيت و السيوف تأخذه فما قطع طوافه [رضي اللّه عنه‏] (2) إلا و هو ينشد:

ترى المحبّين صرعى في ديارهم‏* * * كفتية (3) الكهف لم يدرون كم

لبثوا

و قتل بالمسجد الحرام ألفا و سبعمائة قتيل رجالا و نساء، و قيل: ثلاثة عشر ألفا و هم متعلقون [بالكعبة] (4)، و ردم بهم زمزم حتى ملأها، ففرش بهم المسجد الحرام و ما يليه، و قيل: دفن البقية في المسجد بلا غسل، و جعل الناس يصيحون: نحن جيران اللّه في حرم اللّه فيقول: ليس بجار من خالف أوامر اللّه و نهيه‏ إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ... الآية [المائدة: 33]، و صعد الكلب أبو طاهر بنفسه على باب الكعبة، و استقبل الناس بوجهه و هو يقول:

أنا باللّه و باللّه أنا* * * يخلق الخلق و أفنيهم أنا

لا (رحمه اللّه)، و ضرب [بعض‏] (5) أصحابه الحجر الأسود بدبّوس فتكسّر، و قيل: إن الذي ضرب الحجر بالدبوس هو عدو اللّه أبو طاهر بنفسه و صاح: يا حمير أنتم تقولون: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران: 97] فأين الأمن و قد فعلت ما فعلت؟ و عطف دابته ليخرج فأخذ بعض الحاضرين بلجام فرسه و قد استسلم للقتل و قال له: ليس معنى الآية ما ذكرت، و إنما معنى الآية: من دخل فأمّنوه، فلوى القرمطي فرسه و خرج‏

____________

(1) ترجمته في: العقد الثمين (6/ 143).

(2) ورد لفظ الترضي بعد الشعر. و قد قدمناها كما وردت في درر الفرائد.

(3) في الأصل زيادة: أهل.

(4) قوله: بالكعبة، زيادة على الأصل.

(5) قوله: بعض، زيادة من ب.

185

و لم يلتفت إليه، و قتل في سكاك مكة و ظاهرها و شعابها من أهل خراسان‏ (1) و المغاربة و غيرهم خلق كثير، و كان ممن قتل بمكة أميرها ابن محارب، و الحافظ محمد بن الحسن الهروي، أخذته السيوف و هو متعلق بيديه جميعا في حلقة الباب حتى [سقط] (2) رأسه على عتبة الباب، و خلق كثير من الأعيان، و هرب قاضيها يحيى بن عبد الرحمن الزهري القرشي [بعياله إلى وادي رهجان‏] (3)، و أخذ القرمطي هو و جماعته ما ينوف عما قيمته مائة ألف و خمسون ألف دينار، و لم يقف أحد هذه السنة بعرفة و لا أدّى فيها نسكا إلا قوم قليلون غرّوا بأنفسهم [فتمموا] (4) حجّهم دون إمام و كانوا رجالا، و أخذ أبو طاهر مال الناس و حلي الكعبة، و هتك أستارها، و قسم كسوتها بين أصحابه، و نهب دور مكة، و قلع باب الكعبة و أمر بقلع الميزاب- و كان من الذهب- فطلع رجل ليقلعه فأصيب من أبي قبيس بسهم في عجزته فسقط ميتا، و يقال: إن الرجل وقع على رأسه فقال القرمطي: اتركوه على حاله فإنه محروس حتى يأتي صاحبه- يعني المهدي- و أراد أخذ المقام فلم يظفر به؛ لأن سدنة البيت غيّبوه في بعض شعاب‏

____________

(1) خراسان: بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق أزاذوار قصبة جوين و بيهق، و آخر حدودها مما يلي الهند طخارستان و غزنة و سجستان و كرمان، و ليس ذلك منها إنما هو أطراف حدودها، و تشتمل على أمهات من البلاد، منها: نيسابور، و هراة، و مرو- و هي كانت قصبتها- و بلخ، و طالقان، و نسا، و أبيورد، و سرخس، و ما يتخلل ذلك من المدن التي دون نهر جيحون، و من الناس من يدخل أعمال خوارزم فيها و يعد ما وراء النهر منها، و ليس الأمر كذلك، و قد فتحت أكثر هذه البلاد عنوة و صلحا (معجم البلدان 2/ 350).

(2) في الأصل: سقطت.

(3) في الأصل: بجبال بوادي الهيجان. و المثبت من الإعلام (ص: 164).

و وادي رهجان: واد يصبّ في نعمان، فيه عسل كثير (معجم البلدان 3/ 108).

(4) في الأصل: فتموا. و التصويب من درر الفرائد (ص: 236).

186

مكة، فتألّم لفقده، فعاد عند ذلك إلى الحجر الأسود [فقلعه‏] (1) جعفر بن أبي علاج البناء المكي بأمر القرمطي بعد صلاة العصر من يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، و قال عند ذلك شعرا يدل على عظم زندقته حيث يقول ضاعف اللّه عليه عذابه:

فلو كان هذا البيت للّه ربّنا* * * لصبّ علينا النار من فوقنا صبّا

لأنّا حججنا حجّة جاهلية* * * محللة لا تبقي شرقا و لا غربا

و أنّا تركنا بين زمزم و الصفا* * * جنائز لا تبغي سوى ربّها ربّا

و قيل: إن بعضهم ضرب الحجر الأسود بدبوس فقلعه ثم كسره، و قلع القرمطي قبة زمزم، و أقام هو و أصحابه في مكة أحد عشر يوما، و قيل: ستة أيام، و قيل: سبعة، ثم انصرف إلى بلده هجر، و حمل معه الحجر الأسود يريد أن يجعل الحج عنده فهلك تحته أربعون جملا، و بقي موضع الحجر من الكعبة خاليا يضع الناس فيه أيديهم للتبرك، و أقام الحجر عندهم بالحسا عشرين سنة يستميلون الناس إليهم فلم يميلوا فيئسوا ثم ردوه.

و ذكر أبو [عبيد] (2) عبد اللّه البكري في كتابه المسمى بالمسالك‏ (3): أن اللّه تعالى رمى القرمطي بعلّة في جسده.

قال السيوطي: و هو جدري، فطال عذابه حتى تقطعت أنامله، و أراه اللّه عز و جل في نفسه عبرة.

و للصلاح الصفدي قصيدة في الحجر الأسود ذكرها الشيخ عبد القادر في كتابه درر الفرائد (4) أولها:

____________

(1) في الأصل: و أمر. و التصويب من درر الفرائد، الموضع السابق.

(2) قوله: عبيد، زيادة من درر الفرائد. و انظر: كشف الظنون (2/ 1664).

(3) المسالك و الممالك (ص: 80).

(4) درر الفرائد (ص: 237).

187

إذا لاحت لنا ذات الستور* * * [فأهون‏] (1) بالشّموس و بالبدور

اه.

و مما قاله الأديب إبراهيم المهتار في تشبيه الحجر الأسود:

الحجر الأسود شبّهته‏* * * خال بخدّ البيت [زاد] (2) سناه‏

أو أنّه بعض موالي بني العباس‏* * * بواب لباب الإله‏

اه خلاصة (3).

و في سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة: حج بالناس [عمر بن‏] (4) يحيى العلوي؛ فلما كان يوم الثلاثاء و هو يوم النحر وافى سنبر بن الحسن القرمطي و معه الحجر الأسود، فلما صار بفناء الكعبة و معه أمير مكة أظهر الحجر الأسود من سفط (5) و عليه ضباب فضة قد عملت من طوله و عرضه، تضبط شقوقا حدثت عليه بعد قلعه، و أحضر معه جصّا يشدّ به الحجر، فوضع سنبر الحجر بيده، و يقال: إن الذي أعاد الحجر الأسود بيده في مكانه: حسن بن مرزوق‏ (6) البنّاء و شدّه الصانع بالجص. و قال سنبر لما ردّه: أخذناه بقدرة اللّه و رددناه بمشيئته عز و جل، و يقال: أخذناه بأمره و رددناه بأمره. و نظر الناس إلى الحجر فتبينوه و قبّلوه و استلموه و حمدوا اللّه تعالى. و كانت مدة إقامته عند القرامطة [اثنتان‏] (7) و عشرين سنة إلا أربعة

____________

(1) في الأصل: فأهدت. و التصويب من درر الفرائد (ص: 237).

(2) في الأصل: ذا.

(3) خلاصة الأثر (1/ 57).

(4) قوله: عمر بن، زيادة من درر الفرائد. و انظر: إتحاف الورى (2/ 394).

(5) السفط: الذي يعبّأ فيه الطّيب و ما أشبهه من أدوات النساء (اللسان، مادة: سفط).

(6) في إتحاف الورى (2/ 395)، و منائح الكرم (2/ 192)، و النجوم الزاهرة (3/ 302):

المزوق.

(7) في الأصل: اثنان.

188

أيام. و لما أعيد الحجر الأسود إلى مكة حمل على قعود هزيل فسمن. انتهى من درر الفرائد (1).

قال السيوطي: و كان ذلك في خلافة المطيع و ذلك في سنة [تسع‏] (2) و ثلاثين و ثلاثمائة، فأمر المطيع أن يجعل له طوق فضة وزنه ثلاثة آلاف و سبعمائة و سبعة و سبعين درهما و نصف. انتهى.

و في الفوائح المسكية و الفواتح المكية للشيخ عبد الرحمن البسطامي‏ (3):

أن سنبر بن الحسن القرمطي لما أحضر الحجر الأسود أحضر معه حجرا آخر قريبا من لون الحجر و قال: لأدفع لهم هذا لأعلم هل جهلوه لبعد المدة أم لا؟ فأظهر سنبر أولا الحجر الذي قريبا من لون الحجر الأسود فأمر والي مكة عبد اللّه بن حكيم باستلامه- و كان من العلماء المحققين- فلما رآه قال: هذا ما هو حجرنا، إن لنا في حجرنا علامة، و هو أنه لا يحمى في النار و لا يرسب في الماء، فأمر سنبر بإحماء الحجر الذي قريبا من لون الحجر فحمي، و وضع في الماء فرسب، فقال ابن حكيم: هذا ليس حجرنا. فقال سنبر: صدقت، و أمر بمجي‏ء الحجر الأسود، فجي‏ء به فألقي في النار فلم يحمى، و ألقي في الماء فطفا، فقال ابن حكيم: هذا حجرنا فقال له: صدقت فمما أخذت هذا؟ فأورد الحديث: «الحجر الأسود يمين اللّه في أرضه».

و في رواية زيادة: أن يطفو على الماء و أن لا يسخن بالنار، فقال سنبر:

هذا دين مضبوط.

و قال ابن جماعة: و من آيات الحجر الأسود أنه أزيل عن مكانه غير

____________

(1) درر الفرائد (ص: 242- 243).

(2) في الأصل: تسعة.

(3) الفوائح المسكية (ص: 271) بنحوه.

189

مرة، ثم ردّه اللّه إلى مكانه، و وقع ذلك من جرهم، و أباق، و العماليق، و خزاعة، و القرامطة. انتهى.

و ذكر الذهبي في العبر (1): أن في سنة [ثلاث عشرة] (2) و أربعمائة تقدم بعض الباطنية من المصريين فضرب الحجر الأسود بدبوس فقتلوه في الحال. و قال محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي: قام فضرب الحجر الأسود ثلاث ضربات و قال الخبيث: إلى متى يعبد [هذا] (3) الحجر، و لا محمد و لا علي [يمنعني‏] (4) مما أفعله، فإني اليوم أهدم هذا البيت، فالتقاه أكثر الحاضرين، و كاد أن يفلت منهم، و كان أحمر أشقر طويلا [جسيما] (5) قاتله اللّه، و كان على باب المسجد عشرة فوارس [ينصرونه‏] (6)، فاحتسب رجل [و واجهه‏] (7) بخنجر، ثم تكاثروا عليه فهلك و أحرق، و قتل جماعة ممن اتهم بمعاونته، و اختبط الوفد و مال الناس على الركب المصري بالنهب، و تخشن الحجر الأسود، و تساقط منه شظايا يسيرة، و تشقق فظهر الكسر منه أسمر يضرب إلى صفرة محببا مثل الخشخاش، فأقام الحجر الأسود على ذلك يومين، ثم إن بني شيبة جمعوا [الفتات‏] (8) و عجنوه بالمسك و اللك، و حشوا الشقوق و طلوه بطلاء من ذلك، فهو بيّن لمن‏

____________

(1) العبر في خبر من غبر (3/ 112- 113)، و الكامل في التاريخ (8/ 141).

(2) في الأصل: ثلاثة عشر.

(3) قوله: هذا، زيادة من العبر.

(4) في الأصل: فيمنعني محمد. و انظر: الكامل (8/ 141).

(5) في الأصل: خبيثا. و التصويب من العبر.

(6) في الأصل: يبصرونه. و التصويب من العبر.

(7) في الأصل: و وجهه.

(8) في الأصل: الفتافت.

و فتات الشي‏ء: ما تكسر منه (اللسان، مادة: فتت).

190

تأمله.

و ذكر ابن الأثير (1): أن هذه الواقعة كانت في سنة أربع [عشرة] (2) و أربعمائة. انتهى.

قال الشيخ محمد بن علان المكي: أخبرني شيخ الفراشين‏ (3) محمود بن أبي بكر (4) بن عبد الرحمن عن والده أنه في [عشر] (5) التسعين و تسعمائة جاء رجل أعجمي بدبّوس في يده فضرب الحجر الأسود، و كان حاضرا الأمير ناصر جاوش، فوجأ (6) ذلك الأعجمي بالخنجر فقتله، فأراد العجم المجاورون بمكة أن يقتادوا منه‏ (7)، و زعموا أن ذلك العجمي شريف، فحال بينه و بينهم القاضي حسين المالكي و منعهم. انتهى. منائح الكرم‏ (8).

و تقدم أن ابن الزبير رضي اللّه عنه أول من ربط الركن الأسود بالفضة لما أصابه الحريق، ثم كانت الفضة قد رثّت و تزعزعت حول الحجر الأسود، حتى خافوا على الركن أن ينقض، فلما حجّ أمير المؤمنين هارون الرشيد و جاور بمكة في سنة [تسع‏] (9) و ثمانين و مائة أمر بالحجارة التي يليها

____________

(1) الكامل (8/ 141).

(2) في الأصل: عشر.

(3) الفراشون: واحدتها فراش، و هو من يتولى أمر الفراش و خدمته في المنازل و نحوها. انظر:

المعجم الوسيط (2/ 682).

(4) في منائح الكرم (3/ 466): الشيخ أبو بكر، و في نسخ أخرى من منائح الكرم: محمد أبو بكر، و في الغازي: محمد بن أبي بكر (1/ 503).

(5) في الأصل: عشرة. و التصويب من منائح الكرم (3/ 466)، و الغازي (1/ 503).

(6) وجأ فلان: أي دفعه بجمع كفه في الصدر أو العنق، و يقال ضربه باليد و السكين. انظر:

المعجم الوسيط (2/ 1012).

(7) يقتادوا منه: أي يقتلوه به قصاصا.

(8) منائح الكرم (3/ 466).

(9) في الأصل: تسعة.

191

الحجر الأسود فثقبت بالماس من فوقها و تحتها، ثم أفرغ فيها الفضة إلى أن قلعه القرمطي، و لما [أعيد] (1) في خلافة المطيع للّه- كما تقدم- جعل‏ (2) له طوقا ثم جدّد مرارا. انتهى.

قلت: ثم في سنة ألف و مائتين [و ثمان‏] (3) و ستين بعث مولانا السلطان عبد المجيد طوقا من ذهب صحبة الشريف عبد المطلب في ذي القعدة، و ذلك الطوق بحسب التخمين نحو ألف دينار، ثم ركب بعد أن أزيلت الفضة، و مكتوب فوقه: بسم اللّه الرحمن الرحيم.

و في سنة ألف و مائتين و ثمانين: تكسّر بعض الذهب من الطوق، و لم يعلم من أخذه، ثم حشي مكانه لك‏ (4) أسود.

و في سنة ألف و مائتين واحد و ثمانين أرسل السلطان عبد العزيز خان طوقا من فضة، و كان وصوله مكة [لأربعة] (5) عشر خلت من رمضان، و ابتدؤوا في قلع الطوق الأول الذي أرسل به السلطان عبد المجيد، و ابتدؤوا تركيب الطوق الذي أرسل به السلطان عبد العزيز يوم خمسة عشر خلت من رمضان من التاريخ المذكور، و والي مكة حينئذ سيدنا الشريف عبد اللّه بن سيدنا الشريف محمد بن عون، و شيخ الحرم الحاج وجيهي باشا.

____________

(1) في الأصل: أعيدت.

(2) في الأصل: و جعل. و التصويب من الغازي (1/ 504).

(3) في الأصل: ثمانية.

(4) اللّك: صبغ أحمر تفرزه بعض الحشرات على بعض الأشجار في جزر الهند الشرقية، يذاب في الكحول فيكون منه دهان للخشب (المعجم الوسيط 2/ 837).

(5) في الأصل: أربعة.

192

الفصل التاسع: في فضائل الحجر الأسود و الركن اليماني و ما ورد بأن الدعاء مستجاب عندهما

عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أنه قال عند المقام: أشهد باللّه- يكررها- سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «إن الركن و المقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس اللّه نورهما، و لو لا أن نورهما طمس لأضاءا ما بين المشرق و المغرب» (1). رواه ابن حبان في صحيحه كما في حاشية شيخنا و الترمذي. أي: من نورهما.

و لعل طمس نور الحجر كان سببه ما تقدم، فلا مخالفة.

و جاء: أنهما يقفان يوم القيامة و هما في العظم مثل أبي قبيس يشهدان لمن وافاهما بالوفاء (2).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: لو لا ما مسهما من أهل الشرك ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه اللّه‏ (3).

و عن جعفر الصادق: لما خلق اللّه الخلق قال لبني آدم: ألست بربكم؟

قالوا: بلى، فكتب القلم إقرارهم، ثم ألقم ذلك الكتاب الحجر، فهذا الاستلام إنما هو بيعة على إقرارهم الذي كانوا أقروا به، قال: و كان أبي يقول إذا استلم الحجر: اللهم! أمانتي أدّيتها و ميثاقي وفيت به ليشهد لي‏

____________

(1) جامع الترمذي (3/ 226 ح 878)، و صحيح ابن حبان (9/ 24 ح 3710).

(2) أخرجه الأزرقي (1/ 326)، و الفاكهي (1/ 93 ح 28)، و عبد الرزاق (5/ 32 ح 8890).

و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 291) و عزاه إلى الأزرقي و الجندي. و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 398).

(3) أخرجه الأزرقي (1/ 322)، و الفاكهي (1/ 443 ح 968).

193

عندك بالوفاء (1). انتهى.

و في الفوائح المسكية عن الشيخ محيي الدين ابن العربي- (قدّس سره)- قال: لقد أودعت شهادة التوحيد في الحجر الأسود عندما قبّلته، فخرجت الشهادة عند تلفظي بها و أنا أنظر إليها بعيني في صورة ملك، و انفتح الحجر الأسود مثل الطاقة حتى نظرت إلى طول قاع الحجر فرأيته نحو ذراع، و رأيت الشهادة قد صارت مثل الكبة، و استقرت في قاع الحجر، و انسدّ ذلك الطاق و أنا أنظر إليه فقال لي: هذه أمانة عندي، أرفعها لك إلى يوم القيامة، أشهد بها عند اللّه تعالى. هذا قول الحجر له، فشكر اللّه على ذلك. انتهى.

و ذكر الحلبي أن في كلام السهيلي: أن العهد الذي أخذه اللّه على ذرية آدم حين مسح ظهره [أن لا يشركوا به شيئا] (2) كتبه في صكّ و ألقمه الحجر الأسود، و لذلك يقول [المستلم‏] (3): اللهم إيمانا بك و وفاء بعهدك‏ (4).

و ذكر الشيخ سعد الدين الإسفرائيني في زبدة الأعمال‏ (5): عن عبد اللّه بن [عمرو] (6) رضي اللّه عنهما قال: الركن و المقام من الجنة (7).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: ليس في الأرض من الجنة إلا الركن الأسود و المقام، فإنهما جوهرتان من جواهر الجنة، و لو لا مسهما

____________

(1) أخرجه الفاكهي (1/ 85). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (3/ 144) و عزاه لأبي الشيخ.

(2) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية (1/ 257).

(3) في الأصل: المسلم. و المثبت من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(4) السيرة الحلبية (1/ 257).

(5) زبدة الأعمال (ص: 90- 91).

(6) في الأصل: عمر. و التصويب من الأزرقي (1/ 322)، و زبدة الأعمال (ص: 90).

(7) أخرجه الأزرقي (1/ 322)، و عبد الرزاق (5/ 38 ح 8917) من حديث ابن عباس.

194

من أهل الشرك ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه اللّه‏ (1).

و قال عبد اللّه بن [عمرو] (2): نزل الركن و هو أشد بياضا من الفضة (3).

و عن ابن منبه أن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه [عنهما] (4) أخبره: أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال لعائشة رضي اللّه عنها و هي تطوف معه بالكعبة حين استلم‏ (5) الركن الأسود: «لو لا ما طبع على هذا الحجر يا عائشة من أرجاس الجاهلية و أنجاسها إذا لاستشفي به من كل عاهة [و إذا لألفي‏] (6) اليوم كهيئته يوم أنزله عز و جل، و ليعيدنّه إلى ما خلقه أول مرة، فإنه لياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة، و لكن اللّه غيّره بمعصية العاصين و ستر زينته عن الظّلمة؛ لأنه لا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شي‏ء كان بدؤه من الجنة» (7).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «إن اللّه يبعث الحجر الأسود له عينان يبصر بهما، و لسان ينطق به، و يشهد لمن استلمه بحق».

رواه الترمذي و الدارمي و ابن ماجة (8).

____________

(1) أخرجه الأزرقي في الموضع السابق، و (2/ 29)، و الفاكهي (1/ 443 ح 968).

(2) في الأصل: عمر. و التصويب من الأزرقي (1/ 322)، و زبدة الأعمال (ص: 91).

(3) أخرجه الأزرقي (1/ 322).

(4) في الأصل: عنهم.

(5) في الأصل: استلما. و المثبت من الأزرقي (1/ 322)، و زبدة الأعمال (ص: 91).

و انظر: الفاكهي (1/ 94).

(6) في الأصل: و إذ لأبقي. و التصويب من: الأزرقي (1/ 323)، و الفاكهي (1/ 94).

(7) أخرجه الأزرقي (1/ 322- 323)، و الفاكهي (1/ 93- 94 ح 29). و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 317)، و المحب في القرى (ص: 293).

(8) أخرجه الترمذي (3/ 294 ح 961) و ابن ماجه (2/ 982 ح 2944) و الدارمي (2/ 63 ح 1839)، و الأزرقي (1/ 323).

195

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: الركن يمين اللّه في أرضه يصافح به عباده، كما يصافح أحدكم أخاه‏ (1).

و عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى مكة، فلما دخلنا الطواف قام عند الحجر الأسود و قال: و اللّه إني لأعلم أنك حجر لا تضرّ و لا تنفع، و لو لا أني رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبّلك ما قبّلتك، ثم قبّله و مضى في طوافه، فقال له عليّ رضي اللّه عنه: يا أمير المؤمنين هو يضرّ و ينفع. قال عمر رضي اللّه عنه: و بماذا؟ قال: بكتاب اللّه عز و جل. قال عمر: و أين ذلك من كتاب اللّه؟ قال علي رضي اللّه عنه: قال اللّه تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا [الأعراف: 172] قال: لما خلق آدم و مسح ظهره فأخرج ذريته من صلبه فقررهم أنه الرب و هم العبيد، ثم كتب ميثاقهم في رقّ و كان الحجر له عينان و لسان، فقال له: افتح فاك، فألقمه ذلك الرّق، و جعله في هذا الموضع و قال: نشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة قال: فقال عمر رضي اللّه عنه: أعوذ باللّه أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن- رضي اللّه عنهم- (2).

و في رسالة للشعراني سماها: القواعد الكشفية في الصفات الإلهية و نصه: و قد ذكر العلماء في قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي (1/ 323)، و الفاكهي (1/ 89 ح 21)، و عبد الرزاق (5/ 39 ح 8919)، و الديلمي (2/ 159 ح 2808) مرفوعا من حديث أنس. و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 324) و عزاه إلى الأزرقي، و الجندي.

(2) أخرجه الأزرقي (1/ 323- 324)، و الحاكم (1/ 628 ح 1682).

196

ظُهُورِهِمْ‏ ... إلخ [الأعراف: 172] اثنا عشر سؤالا إلى أن قال: الثاني عشر:

في أي مكان أودع كتاب العهد و الميثاق؟

و الجواب قد جاء في الحديث: أنه [مودع‏] (1) في باطن الحجر الأسود، و أن للحجر الأسود عينين و فما و لسانا.

فإن قال قائل: هذا غير متصور في العقل؟

فالجواب: أن كل ما عسر على العقل تصوره يكفينا الإيمان به. كذا في حاشية الجمل على الجلالين‏ (2).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: يبعث اللّه عز و جل هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما و لسان ينطق به يشهد لمن استلمه بالحق‏ (3).

و عن عكرمة قال: إن الحجر الأسود يمين اللّه في أرضه، فمن لم يدرك بيعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فمسح الركن فقد بايع اللّه و رسوله‏ (4).

و عن مجاهد رضي اللّه عنه أنه قال: يأتي الركن و المقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أبي قبيس يشهدان لمن وافاهما بالموافاة (5).

و عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه قال: استقبل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) الحجر، ثم وضع شفتيه عليه و بكى طويلا، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يبكي فقال: يا عمر! هاهنا تسكب العبرات. رواه ابن ماجه‏ (6).

____________

(1) في الأصل: موضوع. و التصويب من حاشية الجمل.

(2) حاشية الجمل (2/ 208- 210).

(3) سبق تخريجه ص: 194.

(4) أخرجه الأزرقي (1/ 325)، و الفاكهي (1/ 88 ح 17) عن عكرمة، عن ابن عباس.

و ذكره العجلوني في كشف الخفاء (1/ 417).

(5) سبق تخريجه ص: 192.

(6) سنن ابن ماجه (2/ 982 ح 2945).

197

و عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «ما من أحد يدعو عند الركن إلا استجيب له» (1).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: الركن يمين اللّه عز و جل يصافح به خلقه، و الذي نفس ابن عباس بيده ما من امرئ مسلم يسأل اللّه عز و جل عنده حاجة إلا أعطاه اللّه إياها (2).

و في رسالة الحسن البصري عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «إن عند الركن بابا من أبواب الجنة، و الركن الأسود من أبواب الجنة». اه.

و في الفوائح المسكية: ما بين الركن اليماني و الأسود باب من أبواب الجنة. انتهى.

و في زبدة الأعمال‏ (3): و إنه ما من أحد يدعو عند الركن الأسود إلا استجيب له، و كذا عند الميزاب. انتهى.

و أما استلام الركن الأسود و اليماني: عن عطاء و ابن المسيب أن عبيد بن عمير قال لابن عمر رضي اللّه عنهما: أراك تزاحم الناس على هذين الركنين فقال: إني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «استلامهما يحط الخطايا» (4).

و عن مجاهد رضي اللّه عنه قال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يستلم الركن‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي من حديث مجاهد (1/ 339).

(2) أخرجه الأزرقي (1/ 326)، و عبد الرزاق (5/ 39 ح 8919)، و الفاكهي (1/ 93) عن علي بن عبد اللّه بن عباس. و ذكره العجلوني في كشف الخفاء (1/ 417) و عزاه للأزرقي، و القضاعي. و ذكره الصنعاني في سبل السلام (2/ 206) و عزاه إلى الأزرقي.

و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 325) و عزاه إلى الأزرقي. و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 323).

(3) زبدة الأعمال (ص: 93).

(4) أخرجه الأزرقي (1/ 331).

198

اليماني و يضع خده عليه‏ (1).

و عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ما مررت بالركن اليماني إلا وجدت جبريل (عليه السلام) [عليه‏] (2) قائما» (3).

و عن مجاهد: ما من إنسان يضع يده على الركن اليماني و يدعو إلا استجيب له. و بلغني: أن ما بين الركن اليماني و الحجر الأسود سبعون ألف ملك لا يفارقونه، هم هناك منذ خلق اللّه البيت‏ (4).

و عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضي اللّه عنهم أجمعين و قد مررنا قريبا من الركن اليماني و نحن نطوف دونه فقلت: ما أبرد هذا المكان؟

فقال: قد بلغني أنه باب من أبواب الجنة (5).

و عن مجاهد رضي اللّه عنه أنه كان يقول: ملك موكّل بالركن اليماني منذ خلق اللّه السموات و الأرض يقول: آمين، فقولوا: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ (6).

و عن سالم بن عبد اللّه قال: على الركن ملكان [موكلان‏] (7) يؤمّنان على من دعا عنده، و إن على الحجر الأسود ما لا يحصى‏ (8).

و عن سفيان الثوري، عن طارق بن عبد العزيز، عن الشعبي رضي اللّه عنهم قال: لقد رأيت عجبا، كنّا بفناء الكعبة أنا و عبد اللّه بن الزبير

____________

(1) أخرجه الأزرقي (1/ 338).

(2) زيادة من زبدة الأعمال (ص: 94).

(3) أخرجه الأزرقي (1/ 338).

(4) أخرجه الأزرقي (1/ 339).

(5) أخرجه الأزرقي (1/ 338).

(6) أخرجه الأزرقي (1/ 341).

(7) زيادة من الأزرقي (1/ 341)، و زبدة الأعمال (ص: 95).

(8) أخرجه الأزرقي (1/ 341).

199

و مصعب بن الزبير رضي اللّه عنهم و عبد الملك بن مروان و عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم: ليقم رجل فليأخذ بالركن اليماني و ليسأل اللّه حاجته فإن اللّه يعطيه من سعته، قم يا عبد اللّه بن الزبير فإنك أول مولود بعد الهجرة، فقام و أخذ بالركن اليماني فقال: اللهم إنك عظيم، أسألك بحرمة وجهك، و حرمة عرشك، و حرمة نبيك محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أن لا تميتني حتى توليني الحجاز، و يستلم عليّ [الخلافة] (1)، ثم رجع و جلس، ثم قام مصعب بن الزبير، فقام حتى أخذ بالركن و قال: اللهم إنك ربّ كل شي‏ء، و إليك مصير كل شي‏ء، أسألك بقدرتك على كل شي‏ء أن لا تميتني حتى توليني العراق، و تزوجني سكينة ابنة الحسين رضي اللّه عنهم، ثم رجع و جلس، ثم قال: قم يا عبد الملك بن مروان، فقام و أخذ الركن و قال: اللهم رب السموات السبع و رب الأرض ذات النبات بعد الفقر، أسألك بما سألك به عبادك المطيعون لأمرك، و أسألك بحقك على جميع خلقك، و بحق الطائفين حول بيتك أن لا تميتني حتى توليني الخلافة، ثم جاء و جلس، ثم قال: قم يا عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، فقام حتى أخذ بالركن و قال: اللهم إنك رحمن رحيم، أسألك برحمتك التي وسعت غضبك، و أسألك بقدرتك على جميع خلقك أن لا تميتني من الدنيا حتى توجب لي الجنة.

قال الشعبي: فما ذهبت عيناي من الدنيا حتى رأيت كل واحد [منهم‏] (2) أعطاه اللّه ما سأل، و بشّر عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما بالجنة.

____________

(1) في الأصل: بالخلافة.

(2) في الأصل: منهما. و التصويب من زبدة الأعمال (ص: 96).

200

و عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ما بين الركن اليماني و الحجر الأسود روضة من رياض الجنة» (1).

و يروى أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إن خير البقاع و أقربها إلى اللّه تعالى ما بين الركن اليماني و المقام» (2). انتهى زبدة الأعمال‏ (3).

الفصل العاشر: فيما يتعلق بالملتزم من الفضائل‏

و تقدم أنه ما بين الحجر الأسود و الباب، و تقدم ذرعه.

و في زبدة الأعمال: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه أنه قال: طفت مع عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما، فلما جئنا دبر الكعبة قلت:

ألا تتعوذ؟ فقال: نعوذ باللّه من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر الأسود، و قام بين الركن و الباب، فوضع صدره و وجهه و ذراعيه و كفّيه و بسطهما بسطا، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يفعله. رواه أبو داود و ابن ماجه‏ (4).

و عن مجاهد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: الملتزم ما بين الركن و الباب، و كان يقول: ما بين الركن و الباب يدعى الملتزم، لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل اللّه تعالى شيئا إلا أعطاه إياه‏ (5).

و عن عبد الرحمن بن صفوان قال: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) [بين الركن‏

____________

(1) ذكره الحسن البصري في فضائل مكة (1/ 26).

(2) أخرجه الفاكهي من حديث عائشة (1/ 468 ح 1032).

(3) زبدة الأعمال (ص: 94- 96).

(4) أخرجه أبو داود (2/ 181/ ح 1899)، و ابن ماجه (2/ 987/ ح 2962).

(5) أخرج الأزرقي نحوه (1/ 350) عن مجاهد.

201

و الباب‏] (1) واضعا وجهه على البيت‏ (2). اه (3).

و في شرح الموطأ (4) عن ابن الزبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال:

الملتزم ما بين الحجر الأسود و الباب. كذا في رواية الباجي و المهلب و ابن وضاح و هو الصحيح، و لسائر رواة يحيى: ما بين الركن و المقام.

قال القاضي عياض في المشارق‏ (5): و هذا وهم إنما هذا الحطيم، لا يلتزم بينهما أحد يسأل اللّه تعالى شيئا إلا أعطاه إياه. قال ابن الزبير:

فدعوت اللّه هناك فاستجيب لي. اه.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) [يقول‏] (6): «الملتزم موضع يستجاب فيه الدعاء، و ما دعا عبد للّه فيه دعوة إلا استجابها له، فو اللّه ما دعوت فيه إلا أجابني اللّه» (7).

و عن عمرو: أنا و اللّه ما أهمّني أمر فدعوت اللّه فيه إلا استجاب لي منذ سمعت هذا الحديث من ابن عباس‏ (8).

و عن سفيان رضي اللّه عنه: ما دعوت اللّه قط في شي‏ء إلا استجيب لي منذ سمعت هذا الحديث من عمرو بن دينار (9).

و قال الحميدي: و أنا و اللّه ما دعوت اللّه قط فيه بشي‏ء إلا استجاب لي‏

____________

(1) زيادة من زبدة الأعمال (ص: 97)، و إثارة الترغيب و التشويق (ص: 174).

(2) أخرجه أحمد (3/ 430).

(3) زبدة الأعمال (ص: 96- 97).

(4) الموطأ (1/ 338/ ح 251)، و فيه: ما بين الركن و الباب الملتزم.

(5) المشارق (1/ 393).

(6) في الأصل: يقال. و التصويب من زبدة الأعمال (ص: 97).

(7) ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 174).

(8) مثل السابق.

(9) ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 175).

202

منذ سمعت هذا الحديث [من سفيان‏] (1).

و قال محمد بن إدريس المكي كاتب الحميدي: و أنا و اللّه ما دعوت اللّه عز و جل قط بشي‏ء إلا استجاب لي منذ سمعت هذا الحديث من الحميدي.

و قال محمد بن الحسن مثله‏ (2).

و قال عبد اللّه بن محمد: دعوت اللّه [مرارا] (3) فاستجيب لي، و قال حمزة مثله، و قال أبو الحسن مثله، و قال أبو طاهر الأصبهاني مثله، و قال أبو عبد اللّه‏ (4) مثله، و قال محمد بن مسدي مثله، و قال محب الدين الطبري‏ (5) مثله، و قال عبد العزيز ابن جماعة مثله. ذكره القرشي‏ (6).

و قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: من التزم الكعبة و دعا استجيب له.

أخرجه الأزرقي‏ (7).

فيجوز أن يكون على عمومه، و يجوز أن يكون محمولا على الملتزم.

و عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «طاف آدم عليه الصلاة و السلام حين نزل البيت سبعا، ثم صلى تجاه البيت ركعتين، ثم أتى الملتزم فقال: اللهم إنك تعلم سري و علانيتي فاقبل معذرتي، و تعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، و تعلم حاجتي فأعطني سؤلي، اللهم إني‏

____________

(1) قوله: من سفيان، زيادة من البحر العميق (1/ 25). و قد ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق، الموضع السابق.

(2) ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 175).

(3) في الأصل: أمورا. و التصويب من زبدة الأعمال (ص: 97)، و البحر العميق (1/ 25)، و إثارة الترغيب و التشويق (ص: 175).

(4) في البحر: أبو عبيد التغليسي.

(5) في هامش الأصل زيادة: مؤلف القرى لقاصد أم القرى. و انظر: القرى (ص: 315- 316).

(6) البحر العميق (1/ 25)، و ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 175).

(7) أخرجه الأزرقي (1/ 348)، و ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (175).