تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام ومكة والحرم وولاتها الفخام‏ - ج1

- محمد بن أحمد المالكي المكي المزيد...
557 /
203

أسألك إيمانا يباشر قلبي و يقينا [صادقا] (1) حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، و الرضى بما قضيت [عليّ‏] (2)، فأوحى اللّه تعالى: يا آدم، قد دعوتني بدعوات فاستجبت لك، و لن يدعوني [بها] (3) أحد من أولادك إلا كشفت همومه، و كففت عنه ضيعته، و نزعت الفقر من قلبه، و جعلت الغنى بين عينيه، [و تجرت له‏] (4) من وراء تجارة كل تاجر، و أتته الدنيا و هي راغمة و إن كان لا يريدها» (5). انتهى من زبدة الأعمال‏ (6).

الفصل الحادي عشر: فيما يتعلق بالمستجار و معرفة محله و ما جاء في فضله‏

في تشويق المساجد: إن المستجار ما بين الركن اليماني و الباب المسدود، و هو في ظهر الكعبة مقابل الملتزم، و هو- أي المستجار- أربعة أذرع و ثلاث أصابع، و يسمى ذلك الموضع: مستجار من الذنوب، و عرض الباب‏

____________

(1) في الأصل: صالحا، و المثبت من زبدة الأعمال (ص: 98)، و البحر العميق (1/ 25).

و انظر الطبراني في الأوسط (6/ 118).

(2) قوله: عليّ، زيادة من زبدة الأعمال، و البحر العميق، الموضعين السابقين.

(3) في الأصل: بهذا. و المثبت من المرجعين السابقين.

(4) في الأصل: و تجارته. و المثبت من الأزرقي (1/ 349).

(5) أخرجه الأزرقي (1/ 44)، و الطبراني في الأوسط (6/ 118 ح 5974) من حديث عائشة رضي اللّه عنها، و الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع و التفريق (2/ 120)، و الذهبي في السير (22/ 173) من حديث بريدة رضي اللّه عنه. و ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (4/ 355)، و الهيثمي في مجمعه (10/ 183)، و السيوطي في الدر المنثور (1/ 143) و المباركفوري (5/ 57 ح 12034) و عزياه إلى الأزرقي، و الطبراني في الأوسط، و البيهقي في الدعوات، و ابن عساكر من حديث بريدة رضي اللّه عنه، و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 259- 260).

(6) زبدة الأعمال (ص: 97- 98)، و البحر العميق (1/ 25)، و إثارة الترغيب و التشويق (ص: 174- 175).

204

المسدود ثلاثة أذرع و نصف ذراع. انتهى.

و ذكر القرشي‏ (1) عن عطاء: مرّ ابن الزبير رضي اللّه عنهما بعبد اللّه بن العباس رضي اللّه عنهما بين الباب و الركن الأسود فقال: ليس هاهنا الملتزم، [الملتزم‏] (2) دبر الباب، فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: هناك ملتزم عجائز قريش. أخرجه الأزرقي‏ (3).

و كان جماعة من السلف، منهم القاسم بن محمد، و عمر بن عبد العزيز، و جعفر بن محمد، و أيوب السختياني، و حميد الطويل رضي اللّه عنهم يلتزمون ظهر الكعبة بين الركن اليماني و الباب المسدود و يقال له:

المستجار.

و عن مجاهد: قال معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه: من قام عند ظهر البيت و دعا استجيب له، و خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. أخرجه الأزرقي‏ (4).

و هذا القول لا يكون من معاوية رضي اللّه عنه إلا عن سماع من الشارع (صلى اللّه عليه و سلم).

____________

(1) البحر العميق (1/ 26).

(2) قوله: الملتزم، زيادة من الأزرقي (1/ 348).

(3) أخرجه الأزرقي (1/ 348).

(4) المرجع السابق.

205

الفصل الثاني عشر: فيما جاء في الحطيم و الحجر و اختلاف العلماء في موضع الحطيم و فيمن جدد الحجر بعد الحجّاج و ما جاء في فضلهما

عن عبد الرحمن بن صفوان قال: لما فتح اللّه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مكة قلت: لألبسن ثيابي و لأنظر كيف يفعل رسول (صلى اللّه عليه و سلم)، فانطلقت فرأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد خرج من الكعبة هو و أصحابه و قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم و قد وضعوا خدودهم على البيت و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وسطهم. رواه أحمد و أبو داود (1) و هذا لفظه. كذا في البحر العميق‏ (2).

و في المدونة (3) في تفسير الحطيم: هو ما بين الباب إلى المقام.

و قال ابن حبيب: هو ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام.

و عن ابن جريح قال: الحطيم ما بين الركن و المقام و زمزم و الحجر.

و يسمى هذا الموضع حطيما؛ لأن الناس كانوا يحطمون هناك بالأيمان، و يستجاب فيه الدعاء للمظلوم على الظالم، فقيل: من دعا هناك على ظالم هلك، و قال: من حلف هناك آثما عجلت عقوبته‏ (4)، و كان ذلك يحجز بين الناس عن الظلم، و تهيب الناس الأيمان هناك، فلم يزل ذلك كذلك حتى جاء اللّه بالإسلام، فأخّر اللّه ذلك لما أراد إلى يوم القيامة. رواه الأزرقي‏ (5). ذكره القرشي.

____________

(1) أخرجه أبو داود (2/ 181/ ح 1898)، و أحمد (3/ 431).

(2) البحر العميق (1/ 25).

(3) المدونة الكبرى (3/ 98).

(4) شفاء الغرام (1/ 375).

(5) أخرجه الأزرقي (2/ 24). و ذكره القرشي في البحر العميق (1/ 25).

206

ثم قال: و المشهور عند الأصحاب- أي: الأحناف- أن الحطيم اسم للموضع الذي فيه الميزاب، و بينه و بين البيت فرجة، فسمي هذا الموضع حطيما؛ لأنه محطوم من البيت- أي: مكسور منه- فعيل بمعنى مفعول؛ كقتيل بمعنى مقتول، و قيل: فعيل بمعنى فاعل، أي: حاطم، كعليم بمعنى عالم؛ لأنه جاء في الحديث: «من دعا على من ظلمه فيه حطمه اللّه».

و يسمى أيضا حجر؛ لأنه حجر من البيت- أي: منع منه- (1).

و في المشارق للقاضي عياض‏ (2): حجر الكعبة و هو ما تركت قريش من بنائها على ما أسس إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم)، [و حجرت‏] (3) على الموضع ليعلم أنه من الكعبة فسمي حجرا لكن فيه زيادة على ما فيه من البيت، حده في الحديث بنحو من سبعة أذرع. انتهى.

و قال القرشي‏ (4): و يسمى أيضا حفرة إسماعيل عليه الصلاة و السلام؛ لأن الحجر قبل بناء الكعبة كان زربا لغنم إسماعيل عليه الصلاة و السلام.

انتهى.

و في البخاري و مسلم‏ (5) عن عائشة رضي اللّه عنها: سألت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عن الجدر- بالفتح لغة في الجدار أي: الحجر كما فسره شراح البخاري- أمن البيت هو؟ قال: نعم.

قال القسطلاني: ظاهره أن الحجر كله من البيت، و به كان يفتي ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: الحطيم الجادر- يعني جدار حجر الكعبة-.

____________

(1) البحر العميق (1/ 25).

(2) المشارق (1/ 220).

(3) قوله: و حجرت، زيادة من المشارق، الموضع السابق.

(4) البحر العميق (3/ 234).

(5) أخرجه البخاري (2/ 573/ ح 1507)، و مسلم (2/ 973/ ح 1333).

207

أخرجه أبو داود (1).

و عنه: من طاف فليطف من وراء الحجر و لا يقول الحطيم‏ (2)، و كره هذا الاسم.

قال العلامة الزرقاني في شرح الموطأ (3): اتفقت العلماء على أن الطواف لا يجوز إلا خارج الحجر كما حكاه ابن عبد البر، و نقل غيره أنه لا يعرف في الأحاديث المرفوعة و لا عن أحد من الصحابة و التابعين و لا من بعدهم أنه طاف داخل الحجر، و كان عملا مستمرا، و هذا لا يقتضي أن جميع الحجر من البيت، فلعله احتياط، و العمل لا يقطع بالوجوب لاحتمال الندب. انتهى.

و في شرح البخاري للشيخ محمد عربي البنّاني مفتي المالكية بمكة و لفظه:

و اختلف في الحجر هل كله من البيت أو بعضه، فذهب المتقدمون من المالكية إلى أن كله من البيت، و أن الطواف لا يصح إلا من وراء الحجر، فلو طاف على جزء منه حتى على جداره لم يصح طوافه، و هذا هو الصحيح في المذهب، و جزم به النووي و ابن الصلاح من الشافعية.

و قال مالك في المدونة (4): و لا يعتد بما طافه داخل الحجر، فهو كمن لم يطف، و هو قول الجمهور.

قال الحطاب: فصرح بعدم إجزائه على الجدار و هو الظاهر، و ذهب‏

____________

(1) أخرجه أبو داود (2/ 394 ح 3895).

(2) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس (3/ 1397 ح 3635)، و البيهقي في الكبرى (5/ 156).

(3) شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 402).

(4) المدونة الكبرى (2/ 406).

208

الجويني [إمام‏] (1) الحرمين و البغوي إلى أن بعض الحجر من البيت. فلو طاف خارجا عن ستة أذرع صح طوافه، و بهذا قال خليل في مختصره و منسكه و صاحب الشامل، و جمهور المتأخرين من المالكية تبعا للخمي.

انتهى.

و قد تقدم حديث ابن الزبير رضي اللّه عنه حين أراد أن يبني البيت على قواعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و هو قوله عليه الصلاة و السلام لعائشة رضي اللّه عنها: ألم تري‏ (2) قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام حين عجزت بهم النفقة، لو لا حدثان قومك بالجاهلية- يعني قريشا- و في لفظ: لو لا حدثان عهد بالجاهلية- أي:

قرب عهدهم بها- و في لفظ: لو لا الناس حديثو عهد بالكفر، و ليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائها لهدمتها، و جعلت لها خلفا- [أي بابا من خلفها] (3)- أي و في لفظ: لجعلت لها بابا يدخل منه [و بابا بحياله يخرج الناس منه، و في لفظ: و جعلت لها بابين، بابا شرقيا] (4) و بابا غربيا، و ألصقت بابها بالأرض- أي: كما كانت في زمن إبراهيم عليه الصلاة و السلام- و لأدخلت الحجر فيها، أي و في رواية: لأدخلت نحو ستة أذرع، و في رواية: ستة أذرع و شيئا، و في رواية: [و شبرا] (5)، و في رواية: قريبا من سبعة أذرع، فقد اضطربت الروايات في القدر الذي أخرجته قريش، و في‏

____________

(1) في الأصل: و إمام.

(2) في الأصل: تر. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 275).

(3) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية (1/ 275).

(4) مثل السابق.

(5) في الأصل: و شبر. و التصويب من السيرة الحلبية (1/ 275).

209

رواية: لأدخلت فيها ما أخرج منها. و في لفظ: لجعلتها [على‏] (1) أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام و أزيد- أي: بأن أزيد في الكعبة من الحجر-، أي: و ذلك ما أخرجته قريش. انتهى ما ذكره الحلبي‏ (2).

قال الحافظ العسقلاني‏ (3): و لم تأت رواية صحيحة أن جميع الحجر كله من بناء إبراهيم في البيت. انتهى.

تنبيه: ما تقدم من الروايات في القدر الذي في الحجر من البيت هل هو ستة، أو ستة و شبرا و سبع، لم يثبت ذلك بالتواتر، و إنما ثبت برواية الآحاد من طرق كلها عن عائشة رضي اللّه عنها، فحينئذ لا تجوز الصلاة متوهما إلى القدر الذي ثبت من البيت على الاختلاف في قدره، و هو قول الأئمة.

و قال اللخمي من المالكية: يجوز أن يصلي مستقبل القدر الذي ثبت من البيت و هو ستة أذرع، و قد علمت أنه لم يثبت إلا برواية الآحاد، فكلام اللخمي ضعيف حتى قال الحطاب من المالكية بعد ذكر كلام اللخمي:

الذي أدين اللّه به أنه لا تجوز الصلاة إلى الحجر بدون استقبال البيت. انتهى من الزرقاني.

ذكر رخام الحجر

و في درر الفرائد: أول من رخّمه‏ (4) الحجّاج لما أخرجه من البيت و ردّه على ما كان في زمن قريش، و تقدم توضيح ذلك، فأول من رخّمه بعد ذلك: أبو جعفر المنصور العباسي سنة إحدى و أربعين و مائة.

____________

(1) قوله: على، زيادة من السيرة الحلبية، الموضع السابق.

(2) السيرة الحلبية (1/ 275).

(3) فتح الباري (3/ 477).

(4) أقحم بين الأسطر قوله: «بعد».

210

و في تاريخ الخميس‏ (1): لما حجّ المنصور دعا زياد بن عبد اللّه الحارثي أمير مكة و قال له: إني رأيت الحجر مبنيا بحجارة البادية فلا أصبح حتى يصير جدار الحجر بالرخام. فدعا زياد بالعمال فعملوا بالسرج قبل أن يصبح. انتهى.

و في سنة إحدى و ستين و مائة فرش باطن الحجر بالرخام الأبيض و الأخضر و الأحمر جعفر بن سليمان بن علي و ذلك في خلافة المهدي‏ (2).

انتهى.

و أما البلاطة الخضراء التي في الحجر فبعث بها أحمد بن [طريف‏] (3) من مصر في سنة مائتين [و إحدى‏] (4) و أربعين و ذرعها ذراع و ثلاث أصابع.

قاله الفاكهي في أخبار مكة. انتهى.

و في كتاب مكة للأزرقي‏ (5): أمر عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن محمد الهاشمي بقلع لوح له من رخام الحجر يسجد عليه، فقلع له في الموسم فأرسل أحمد بن طريف مولى العباس بن محمد الهاشمي برخامتين خضراوتين من مصر هدية للحجر مكان ذلك اللوح، و هي الرخامة الخضراء على سطح جدار الحجر مقابل الميزاب على هيئة الزورق، و الرخامة الأخرى هي الرخامة الخضراء التي تحت الميزاب تلي جدار الكعبة

____________

(1) تاريخ الخميس (2/ 325) باختصار. و انظر: (شفاء الغرام 1/ 407- 408، و أخبار مكة للأزرقي 1/ 313، و إتحاف الورى 2/ 177، و الجامع اللطيف ص: 142).

(2) إتحاف الورى (2/ 212).

(3) في الأصل: ظريف، و كذا وردت في الموضع التالي. و انظر: (أخبار مكة للأزرقي 1/ 317، و المقتنى في سرد الكنى 1/ 148).

(4) في الأصل: و أحد.

(5) الأزرقي (1/ 317).

211

فجعلتا في هذين الموضعين.

قال أبو محمد الخزاعي: ثم حوّلت [التي‏] (1) كانت على ظهر الحجر فجعلت مقابل الميزاب أمام الرخامتين اللتين على هيئة المحراب في سنة [ثلاث‏] (2) و ثمانين و مائتين. انتهى ما ذكره الأزرقي.

قلت: هي باقية بهذه الصفة.

و ممن عمّر الحجر: المعتضد العباسي سنة مائتين [و ثمان‏] (3) و أربعين، و سبب ذلك: أن الحجبة كتبوا إليه بذلك فأمر بعمارته.

و في سنة [ست‏] (4) و عشرين و ثمانمائة أمر بتعمير أرض الحجر الأشرف بارسباي.

و في [اثنتين‏] (5) و خمسين و ثمانمائة وصلت كسوة إلى الحجر مع كسوة البيت الشريف؛ لأنه لم تجر بذلك عادة، فوضعت في جوف الكعبة، ثم كسي بها الحجر من داخل في العشرين من ذي الحجة سنة ثمانمائة و ثلاث‏ (6) و خمسين، و ذلك من قبل جقمق الجراسكي‏ (7).

و في ثمانمائة و إحدى و ثمانين غيّر رخام الحجر الشريف من داخله و خارجه‏ (8)، و رصّصت الشقوق [التي‏] (9) بين أحجار المطاف، و رخّم‏

____________

(1) في الأصل: الذي. و انظر الأزرقي.

(2) في الأصل: ثلاثة.

(3) في الأصل: و ثمانية.

(4) في الأصل: ستة.

(5) في الأصل: اثنين.

(6) في الأصل: ثلاثة.

(7) إتحاف الورى (4/ 287)، و التبر المسبوك (ص: 268).

(8) إتحاف الورى (4/ 601).

(9) في الأصل: الذي. و التصويب من الإعلام (ص: 225).

212

داخل البيت الشريف و ذلك من قبل قايتباي‏ (1)، و أيضا في أيام قانصوه الغوري‏ (2) الترخيم الواقع في حجر البيت [الشريف، عمل بأمره في أيامه‏] (3)، و اسمه مكتوب فيه، و فرغ من عمله سنة تسعمائة [و ست عشرة] (4). ذكره القطب الحنفي‏ (5).

و في درر الفرائد: أمر بتعمير الحجر الشريف: قانصوه الغوري، هدم جميعه و عمّره من داخل بالرخام و من خارج بالحجارة، و ذلك في سنة تسعمائة [و ست عشرة] (6).

و في تسعمائة [و تسع عشرة] (7) ورد أمر من السلطان الغوري بنقض الحجر الشريف و إعادته بالرخام الأبيض و الأسود و شدّه بالجص و الرصاص فبنى خمس مداميك رخام أبيض و أربع مداميك رخام أسود، و سمك كل مدماك مقدار سبعة أصابع، ثم تفكك بعض أحجار الحجر فأعادها الأمير خوشكلدي و رمم في سنة تسعمائة [و إحدى‏] (8) و خمسين.

____________

(1) الإعلام (ص: 225).

(2) قانصوه الغوري: قانصوه بن عبد اللّه الظاهري الأشرفي، أبو النصر، سيف الدين. لقب بالملك الأشرف سلطان مصر و الشام و الحجاز (906- 922 ه) من الجراكسة. حاربه السلطان سليم في مرج دابق قرب حلب، و هزمه فأغمي عليه و هو على فرسه، فمات قهرا، و ضاعت جثته تحت سنابك الخيل. كان شجاعا فطنا و داهية. له مآثر جميلة في مكة و طريق الحاج و بناء سور جدة (انظر: بدائع الزهور 4/ أحداث السنوات 906- 921 ه، و الإعلام ص: 239- 243، و شذرات الذهب 4/ 113- 114، و الأعلام للزركلي 5/ 187).

(3) زيادة من الأعلام (ص: 244)، و الغازي (1/ 535).

(4) في الأصل: و ستة عشر.

(5) الإعلام (ص: 244). و فيه: و فرغ من عمله سنة 917.

(6) في الأصل: و ستة عشر.

(7) في الأصل: تسعة عشر.

(8) في الأصل: إحدى.

213

انتهى‏ (1).

و في منائح الكرم: و ممن جدّده السلطان مراد خان، و هو أول من جدّده من آل عثمان، و ذلك لما بنى الشق الشامي من البيت على ما تقدم، و ذلك في يوم السبت عاشر رمضان سنة ألف و أربعين. انتهى‏ (2).

قلت: و ممن عمّره السلطان عبد المجيد خان، أمر بذلك سنة ألف و مائتين و ستين أو [التي‏] (3) بعدها أو قبلها، و حضر عند بنائه أمير مكة حضرة السلالة الهاشمية مولانا الشريف ولي اللّه الشريف محمد بن عبد المعين بن عون، و باشر بعض عمل من البناء الشريف، و كذلك عثمان باشه والي جدة و المفاتي و العلماء و ردّوه على ما كان؛ لأنهم لم يهدموا جميعه مرة واحدة، و إنما كلما هدموا شيئا ردوه كما كان، إلى أن أتموه.

انتهى.

و أخبر شيخنا العلامة حسين: أنه رأى في أرض الحجر عند هذه العمارة أحجارا كبارا كالإبل بعضها [مشتبك‏] (4) ببعض، بينها و بين جدار البيت نحو من ستة أذرع.

و في هذه العمارة وجد [جدر قصير] (5) ردم من حجارة البادية داخل البناء الذي هو الرخام دائر ما يدور الحجر، يدل على أن هذا التحويط من زمن قريش، ثم جاءت الملوك و حوّطت عليه بهذا الرخام الموجود، و طول‏

____________

(1) درر الفرائد (ص: 25- 26).

(2) لم أقف عليه في المطبوع من منائح الكرم.

(3) في الأصل: الذي.

(4) في الأصل: متشبك. و التصويب من الغازي (1/ 540).

(5) في الأصل: جدارا قصيرا. و التوصيب من الغازي، الموضع السابق.

214

الأحجار الدائرة [التي‏] (1) هي من أحجار البادية قدر نصف ذراع، ردم على بعضه. كذا أخبرني السيد عمر بن عقيل و أنه شاهد ذلك- أي:

أخبرني بحضرة شيخنا الشيخ حسين- بعد صلاة الظهر بمدرسته التي بجانب باب القطبي في آخر شعبان سنة [ثلاث‏] (2) و ثمانين بعد المائتين و الألف.

و في هذا التاريخ حصل تجديد نصف أرض الحجر [من جهة مقام الحنفي‏] (3)، و كان ابتداء العمل يوم الأحد تسعة و عشرين خلت من شعبان، و ذلك في دولة مولانا الشريف عبد اللّه بن عون، و سلطنة السلطان عبد العزيز خان.

و ذكر الشيخ عبد الرحمن المرشدي أن في سنة تسعمائة [و تسع‏] (4) و تسعين: ظفروا برجل مصري يقلع بعض رخام الحجر بآلة من نحاس [صورتها صورة كف إنسان، و عليها كتابة كوفية. فمسك ذلك الرجل و قطعت يده. و رأيت صورة الكف النحاس‏] (5) و ليس فيها حدّ يتمكن بها من قلع الحجارة من موضعها، اللهم إلا أن يكون [ذلك‏] (6) أثر الكتابة المرقومة عليها فلا يبعد، و اللّه أعلم. انتهى منائح الكرم‏ (7).

و ذرع الحجر: قال ابن جماعة: و حررته سنة [ثلاث‏] (8) و خمسين‏

____________

(1) في الأصل: الذي.

(2) في الأصل: ثلاثة.

(3) أخرت هذه العبارة في الأصل إلى آخر الفقرة، و جاءت فيه هكذا: «أي: جدد نصف أرض الحجر من جهة مقام الحنفي». و التصويب من الغازي (1/ 540)، حيث نقل النص من التحصيل.

(4) في الأصل: تسعة.

(5) زيادة من منائح الكرم (3/ 499).

(6) مثل السابق.

(7) منائح الكرم (3/ 498- 499). و انظر الخبر في إتحاف فضلاء الزمن (1/ 568).

(8) في الأصل: ثلاثة.

215

و سبعمائة لما كنت مجاورا بمكة: ذرع دائرة الحجر من داخله من الفتحة إلى الفتحة: إحدى و ثلاثين ذراعا و ثلث، و من خارجه من الفتحة إلى الفتحة:

سبعة و ثلاثين ذراعا و نصف ذراع و نصف و ربع و ثمن.

و من الفتحة إلى الفتحة على الاستواء: سبعة عشر ذراعا.

و من صدر دائرة الحجر من داخله إلى جدار البيت تحت الميزاب: خمسة عشر ذراعا.

و عرض جدار الحجر: ذراعان و ثلث [و ثمن‏] (1).

و ارتفاعه عن أرض المطلق مما يلي الفتحة [التي‏] (2) من جهة المقام:

ذراعا و ثلثا ذراع و ثمن.

و ارتفاعه مما يلي الفتحة الأخرى: ذراع و نصف و ثلث و ربع‏ (3).

و ارتفاعه من وسطه: ذراع و ثلث‏ (4) ذراع.

و سعته ما بين جدار الحجر و الشاذروان عند الفتحة التي من جهة المقام:

أربعة أذرع و ثلث.

و عرض الشاذروان في هذه الجهة: نصف ذراع، و الخارج من جدار الحجر في هذه الجهة من مسامة الشاذروان: نصف ذراع و ثلث ذراع.

قال عز الدين ابن جماعة: كل ذلك حرّرته بذراع القماش المستعمل في زماننا (5). انتهى كلامه.

____________

(1) قوله: و ثمن، زيادة من شفاء الغرام.

(2) في الأصل: الذي.

(3) في شفاء الغرام: و ثمن.

(4) في شفاء الغرام: و ثلثا.

(5) شفاء الغرام (1/ 411)، و انظر: هداية السالك (3/ 1334- 1335).

216

و حرره التقي الفاسي في شفاء الغرام‏ (1) فكان مما قاس وسط جدار الكعبة الذي فيه الميزاب إلى مقابله من جدار الحجر: خمسة عشر ذراعا، و كان عرض جدار الحجر من وسطه: ذراعين و ربع.

وسعة فتحة باب الحجر الشرقية: خمسة أذرع، و كذلك سعة الغربية بزيادة قيراط.

و سعة ما بين الفتحتين من داخل الحجر: سبعة عشر ذراعا و قيراطان.

و ارتفاع جدار الحجر من داخله عند الفتحة الشرقية: ذراعان إلا قيراطا، و من خارجه عندها: ذراعان و قيراطان.

و ارتفاع جدر الحجر من وسطه و من داخله: ذراعان إلا [ثلثا] (2)، و من خارجه: ذراعان و قيراطان.

و ارتفاع جدر الحجر من داخله عند الفتحة الغربية: ذراعان إلا [قيراطا] (3)، و من خارجه عندها: ذراعان و ثمن ذراع، كل ذلك بذراع الحديد (4).

و أما فضائله و الصلاة فيه و الدعاء فيه و أنه مستجاب: فعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «صلوا في مصلى الأخيار و اشربوا من شراب الأبرار. قيل: و ما مصلى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب.

قيل: و ما شراب الأبرار؟ قال: زمزم» (5). رواه الفاكهي و غيره.

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 411).

(2) في الأصل: ثلث.

(3) في الأصل: قيراط.

(4) ذراع الحديد يساوي ثمانية و عشرين إصبعا، و 7/ 6 من ذراع اليد، و على هذا يكون طوله 187، 58 سم بالضبط (انظر: المكاييل و الأوزان ص: 87).

(5) أخرجه الأزرقي (1/ 318). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (4/ 153) و عزاه إلى-

217

و عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: قبلة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) تحت الميزاب‏ (1).

قال القرشي‏ (2): أي: و المراد بقبلة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في كلام ابن عمر تحت الميزاب أي: قبلة المدينة؛ لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يتوجه من المدينة إلى ناحية الميزاب، و قبلة المدينة قبلة وحي كما هو معلوم. انتهى.

و في رسالة الحسن البصري رضي اللّه عنه: أن إسماعيل عليه الصلاة و السلام اشتكى إلى ربه حرّ مكة فأوحى اللّه إليه [أنّي‏] (3) أفتح لك بابا من الجنة في الحجر يخرج عليك الرّوح منه إلى يوم القيامة. انتهى. زبدة الأعمال‏ (4).

و ذكر القرشي‏ (5): و حكى لي بعض العلماء عن الفقيه إسماعيل الحضرمي صاحب الضحى أنه لما حج إلى مكة سأل الشيخ محب الدين الطبري عن [ثلاث‏] (6) مسائل، عن الحفرة الملاصقة للكعبة في المطاف، و عن البلاطة الخضراء في الحجر، و عن القبران اللذان يرجمان بأسفل مكة عند جبل البكّا (7) فأجابه الشيخ محب الدين الطبري: أن الحفرة: مصلى‏

____________

- الأزرقي. و ذكره المناوي في فيض القدير (4/ 64)، و الفاسي في شفاء الغرام (1/ 480).

و قد ذكر الفاكهي نحوه (2/ 292).

(1) ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 176). و قد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (2/ 238) عن ابن عمر أنه قال في هذه الآية: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها قال:

قبلة إبراهيم تحت الميزاب يعني: في الحجر.

(2) البحر العميق (1/ 26).

(3) في الأصل: أن. و التصويب من زبدة الأعمال (ص: 76)، و البحر العميق (1/ 27).

(4) زبدة الأعمال (ص: 98).

(5) البحر العميق (1/ 27).

(6) في الأصل: ثلاثة.

(7) في البحر العميق: البركان. و المقلع: يعرف اليوم ب (البكّاء) و هو على يمينك إذا دخلت منطقة أبي لهب تريد الشهداء.

218

جبريل بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و أما البلاطة الخضراء: فقبر إسماعيل عليه الصلاة و السلام، و يشير من رأس البلاطة إلى ناحية الركن الغربي مما يلي باب بني سهم ستة أشبار، فعند ذلك يكون رأس إسماعيل عليه الصلاة و السلام.

و أما القبران المرجومان، فقصتهما: أنه أصبح البيت يوما في دولة بني العباس ملطخا بالعذرة (1)، فرصدوا الفاعل لذلك، فمسكوهما بعد أيام، فبعث أمير مكة إلى أمير المؤمنين في شأنهما، فأمر بقتلهما، فصلبا في هذا الموضع و صارا يرجمان إلى الآن.

و ذكر تقي الدين الفاسي في شفاء الغرام‏ (2): أن قبر إسماعيل و أمه في الحجر. رواه ابن هشام و كذا الأزرقي و كذا صاحب الاكتفاء (3)، و هذا القول عن عطاء، و قيل: في الحطيم. انتهى.

قلت: و قد تقدم الاختلاف في الحطيم فعلى القول الأول بأن الحطيم هو الحجر- بكسر الحاء- فيرجع قولا واحدا. انتهى.

و في رسالة الحسن البصري سمعت عثمان بن عفان أقبل ذات يوم فقال لأصحابه: ألا تسألوني من أين جئت؟ قالوا: من أين جئت يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت قائما على باب الجنة- و كان قائما تحت الميزاب يدعو اللّه تعالى-.

و قال الشيخ محب الدين الطبري‏ (4): إنه يروى أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال:

«ما من أحد يدعو تحت الميزاب إلا استجيب له».

____________

(1) العذرة: الغائط (اللسان، مادة: عذر).

(2) شفاء الغرام (1/ 413- 414).

(3) أخرجه ابن هشام في السيرة (1/ 111)، و الأزرقي (1/ 312- 313)، و الكلاعي في الاكتفاء (1/ 54).

(4) القرى (ص: 310).

219

و روي عن بعض السلف أنه قال: من صلى تحت الميزاب ركعتين ثم دعا بشي‏ء مائة مرة و هو ساجد، استجيب له.

و عن عطاء بن [أبي‏] (1) رباح قال: من قام تحت مثعب الكعبة فدعا استجيب له، و خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. رواه الأزرقي‏ (2).

و مثعب الكعبة: مجرى مائها، و هو الميزاب كما جاء في رواية أخرى.

و يروى عن أبي هريرة و سعيد بن جبير و زين العابدين رضي اللّه عنهم: أنهم كانوا يلتزمون ما تحت الميزاب‏ (3). انتهى.

و في زبدة الأعمال‏ (4) عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: كنت أحب أن أدخل البيت و أصلي فيه، فأخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيدي فأدخلني الحجر و قال:

«إن أردت دخول البيت فصلي في الحجر فإنما هو قطعة منه». قالت: فما أبالي بعد هذا صليت في الحجر أو في البيت‏ (5). انتهى.

و ذكر الفاسي في شفاء الغرام‏ (6): عن أبي هريرة عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: يا أبا هريرة إن على باب الحجر لملكان، [يقولان‏] (7) لمن دخل فصلى ركعتين: مغفورا لك ما مضى فاستأنف العمل، و على بابه الآخر ملك منذ خلق اللّه الدنيا إلى يوم يرفع البيت يقول لمن صلى و خرج: مرحوما إن‏

____________

(1) قوله: أبي، زيادة على الأصل. و انظر: تقريب التهذيب (ص: 391).

(2) أخرجه الأزرقي (1/ 318)، و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 413).

(3) ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 177).

(4) زبدة الأعمال (ص: 99).

(5) أخرجه أبو داود (2/ 214 ح 2028)، و الترمذي (3/ 225 ح 876)، و النسائي (5/ 219 ح 2912)، و البيهقي في السنن الكبرى (2/ 394)، و الأزرقي (1/ 312)، و عبد الرزاق (2/ 238 ح 8529، 7/ 328 ح 4364).

(6) شفاء الغرام (1/ 412).

(7) في الأصل: يقول.

220

كنت من أمة محمد (صلى اللّه عليه و سلم)(1). انتهى.

الفصل الثالث عشر: فيما يتعلق بمقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام و فضله، و من حلّاه، و في أي موضع كان في زمن إبراهيم عليه الصلاة و السلام و زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و اختلاف الروايات في ذلك، و من أخّره إلى موضعه الذي هو به الآن هل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أو عمر رضي اللّه عنه؟

المقام في اللغة: موضع قدم القائم‏ (2). و مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام هو الحجر الذي وقف عليه إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

و اختلفوا في المراد من المقام في قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ [آل عمران: 97] فقال الجمهور: هو الحجر المعروف.

و قيل: البيت كله مقام إبراهيم؛ لأنه بناه و قام في جميع أقطاره، و قيل:

مكة كلها، و قيل: الحرم كله. و الصحيح قول الجمهور.

و في سبب وقوفه عليه أقوال:

أحدها: أنه وقف عليه لبناء البيت الشريف. قاله سعيد بن جبير رضي اللّه عنه.

الثاني: أنه جاء من الشام يطلب ابنه إسماعيل فلم يجده، فقالت له زوجته: انزل، فأبى، فقالت: دعني أغسل رأسك. فأتته بحجر فوضع رجله عليه و هو واقف، فغسلت [شقه‏] (3)، ثم [رفعته‏] (4) و قد غابت رجله فيه،

____________

(1) أخرجه الفاكهي (1/ 137).

(2) لسان العرب، مادة: قوم.

(3) في الأصل: شعثه. و التصويب من البحر العميق (3/ 271)، و المصادر التالية.

(4) في الأصل: دفعته. و التصويب من المراجع التالية.

221

[فوضعته‏] (1) تحت الشق الآخر و غسلته فغابت رجله فيه، فجعله اللّه تعالى في الشعائر، و هذا مروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما و ابن مسعود (2).

لكن قال الشيخ سليمان الجمل في حواشيه على الهمزية عند قول الناظم: و مقام فيه المقام ...، و نصه: و أما القول بأنه هو الحجر الذي وضع عليه رجله لما اغتسل عند زوجة إسماعيل بعد موت هاجر فهو قول غريب لم يثبت.

الثالث: أنه وقف عليه فأذّن في الناس بالحج.

قال الأزرقي‏ (3): لما فرغ من التأذين، أمر بالمقام فوضعه قبلة، فكان يصلي إليه مستقبل الباب، ثم كان إسماعيل عليه الصلاة و السلام بعد يصلي إليه إلى باب الكعبة.

و عن أنس بن مالك قال: رأيت المقام فيه أصابعه و أخمص قدميه و العقب، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم‏ (4).

و عن قتادة في قوله تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ [البقرة: 125] قال: إنما أمروا أن يصلّوا عنده و لم يؤمروا بمسحه، و لقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفه الأمم قبلها، و لقد ذكر بعض من رأى أثره و أصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى انمحى‏ (5).

____________

(1) في الأصل: فوضعه. و التصويب من المراجع التالية.

(2) ذكره الطبري في التفسير (1/ 537)، و ابن الجوزي في زاد المسير (1/ 142)، و الجصاص في أحكام القرآن (1/ 92).

(3) الأزرقي (2/ 30).

(4) أخرجه الفاكهي (1/ 450 ح 986).

(5) أخرجه الأزرقي (2/ 29)، و ابن جرير (1/ 537). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 292)، و عزاه إلى عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و الأزرقي.

222

و عن نوفل بن معاوية الديلي قال: رأيت المقام في عهد عبد المطلب مثل المهاة، و المهاة: خرزة بيضاء. انتهى‏ (1). ذكره القرشي‏ (2).

و أما موضعه زمن إبراهيم عليه الصلاة و السلام و زمن الجاهلية و زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما و من رده إلى محله الذي هو به الآن هل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أو عمر رضي اللّه عنه؟ فقد اختلف في ذلك، ذكر شيخنا في حاشيته على توضيح المناسك و لفظه: قوله: يصلي خلف المقام أي: الحجر الذي أنزل من الجنة فقام عليه إبراهيم عليه الصلاة و السلام عند بناء الكعبة لما أمر به، و أري سحابة على قدرها، فكان الحجر يقصر به إلى أن يتناول الآلة من إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم يطول إلى أن يضعها، ثم بقي مع طول الزمن و كثرة الأعداء بجانب باب الكعبة، حتى وضعه (صلى اللّه عليه و سلم) بمحله الآن على الأصح من اضطراب في ذلك، و لما صلى (صلى اللّه عليه و سلم) خلفه [ركعتي‏] (3) الطواف قرأ: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ [البقرة: 125] و قيل: قام عليه سيدنا إبراهيم حين أمره اللّه تعالى بالأذان، و قيل: وقف عليه حين غسلت له زوجة إسماعيل (عليه السلام). انتهى كلامه.

و ذكر القرشي‏ (4): أنه كان في عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ملصقا بالبيت.

روى الأزرقي‏ (5) عن المطلب ابن أبي وداعة السهمي قال: كانت‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي (2/ 30)، و الفاكهي (1/ 442 ح 965). و ذكره ابن حجر في الإصابة (6/ 481) و عزاه للفاكهي، و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 292)، و عزاه إلى الأزرقي.

(2) البحر العميق (3/ 271).

(3) في الأصل: ركعتين.

(4) البحر العميق (3/ 272).

(5) أخرجه الأزرقي (2/ 33- 34).

223

السيول تدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة قبل أن يردم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الردم الأعلى، و كان يقال لهذا الباب باب [السيل‏] (1)، و كانت السيول ربما رفعت المقام عن موضعه [و ربما نحّته إلى‏] (2) وجه الكعبة حتى جاء سيل أم نهشل، و سمي بذلك لأنه ذهب بأم نهشل بنت [عبيدة] (3) فماتت فيه. فاحتمل المقام من موضعه هذا فذهب به حتى وجد بأسفل مكة، فأتي به و ربط في أستار الكعبة في وجهها، و كتب بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فأقبل عمر فزعا [فدخل‏] (4) بعمرة في شهر رمضان و قد [غبي‏] (5) موضعه و عفاه السيل، فدعا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بالناس، و قال: أنشد اللّه [عبدا] (6) عنده علم في هذا المقام أين موضعه، فقال المطلب ابن أبي وداعة: عندي ذلك. فقد كنت خشيت عليه هذا، فأخذت قدره من موضعه إلى الركن، و من موضعه إلى باب الحجر و من موضعه إلى زمزم بمقاط (7)، و هو عندي في البيت. فقال عمر رضي اللّه عنه: اجلس عندي، و أرسل إليها. فأتى بها فمدها فوجدها مستوية [إلى‏] (8) موضعه هذا، فسأل الناس و شاورهم،

____________

(1) في الأصل: السهل. و التصويب من الأزرقي (2/ 33).

(2) في الأصل: و إلى. و المثبت من الأزرقي، الموضع السابق.

(3) في الأصل: عبيد. و التصويب من الأزرقي، الموضع السابق. و انظر: (الإصابة 8/ 316، و تهذيب الأسماء 3/ 331).

(4) قوله: فدخل، زيادة من الأزرقي، الموضع السابق، و البحر العميق (3/ 271).

(5) في الأصل: غير. و التصويب من الأزرقي و البحر العميق، انظر الموضعين السابقين.

و غبي: بمعنى خفي (اللسان، مادة: غبا).

(6) في الأصل: أعبدا. و التصويب من الأزرقي (2/ 33).

(7) المقاط: حبل صغير يكاد يقوم من شدة فتله، و قيل: الحبل الصغير الشديد الفتل (لسان العرب، مادة: مقط).

(8) في الأصل: أي. و التصويب من: الأزرقي (2/ 34)، و البحر العميق (3/ 271).

224

قالوا: نعم، هذا موضعه، فلما [استثبت‏] (1) ذلك عمر رضي اللّه عنه و تحقق عنده، أمر به فأعلم ببناء ربطه تحت المقام، ثم حوّله، فهو في مكانه هذا إلى اليوم.

و روى الأزرقي أيضا (2) عن [ابن‏] (3) أبي مليكة أنه قال: موضع المقام هو هذا الذي به اليوم، و هو موضعه في الجاهلية و في عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما، إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر رضي اللّه عنه، [فجعل في وجه الكعبة حتى قدم عمر] (4) فرده بمحضر من الناس.

و نقل الأزرقي‏ (5) عن عروة بن الزبير: أن المقام كان عند [سقع‏] (6) البيت، فأما موضعه الذي هو موضعه فموضعه الآن. و أما ما يقوله الناس:

أنه كان هنالك موضعه فلا. انتهى كلام الأزرقي.

و قال مالك في المدونة (7)- رضي اللّه عنه-: كان المقام على عهد إبراهيم عليه الصلاة و السلام في مكانه اليوم، و كان أهل الجاهلية ألصقوه بالبيت خيفة السيل و كان ذلك في عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و عهد أبي بكر، فلما ولي عمر رضي اللّه عنهما ردّه بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة قيس بها حين أخبروه.

____________

(1) في الأصل: اثتثبت. و التصويب من الأزرقي و البحر العميق، انظر الموضعين السابقين.

(2) أخرجه الأزرقي (2/ 35)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 391).

(3) قوله: ابن، زيادة على الأصل. و انظر: تقريب التهذيب (ص: 312).

(4) ما بين المعكوفين زيادة من الأزرقي (2/ 35)، و البحر العميق (3/ 271).

(5) أخبار مكة للأزرقي (2/ 35).

(6) في الأصل: صنع. و التصويب من الأزرقي، الموضع السابق.

و سقع البيت: ناحيته.

(7) المدونة الكبرى (2/ 452).

225

و حكى سند، عن أشهب، عن مالك أن الذي حمل عمر رضي اللّه عنه على ذلك- و اللّه أعلم- لما كان النبي (صلى اللّه عليه و سلم) [يذكره‏] (1) من كراهية [تغيير] (2) مراسم إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و منه قوله (صلى اللّه عليه و سلم) لعائشة:

«لو لا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة ... الحديث».

فرأى عمر رضي اللّه عنه أن ذلك ليس فيه تغيير لمكان ما رآه من مراسم إبراهيم عليه الصلاة و السلام. انتهى. ذكره القرشي‏ (3).

ثم قال: و في هذا مناقضة ظاهرة لما ذكره الأزرقي عن [ابن‏] (4) أبي مليكة. و أما ما ذكره المطلب بن أبي وداعة فيحتمل أمرين:

أحدها: أن يكون [قول‏] (5) عمر رضي اللّه عنه: أنشد اللّه عبدا عنده علم في هذا المقام أين موضعه؟ أي: الذي كان عليه في عهد النبوة، و هو المتبادر إلى الفهم؛ لأنه كان بحّاثا [عن السنة، وقّافا] (6) عندها، و كذا فهمه ابن أبي مليكة، فأثبت لذلك أن موضعه [اليوم‏] (7) هو الموضع الذي كان في عهد النبوة، و إنما إلصاقه للبيت لعارض السّيل. انتهى.

و هذا الاحتمال يوافق ما تقدم أن الصحيح أن الذي أخّره إلى محله الذي هو به الآن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، تأمل. انتهى.

الثاني: أن يكون عمر رضي اللّه عنه سأل عن موضعه في زمن إبراهيم‏

____________

(1) قوله: يذكره، زيادة من البحر العميق (3/ 272).

(2) في الأصل: تغير. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(3) البحر العميق (3/ 272).

(4) قوله: ابن، زيادة على الأصل. و انظر: تقريب التهذيب (ص: 312).

(5) قوله: قول، زيادة من القرى (ص: 347)، و البحر العميق (3/ 272).

(6) في الأصل: على السنة واقفا. و المثبت من القرى و البحر العميق، الموضعين السابقين.

(7) في الأصل: أي الذي. و المثبت من القرى و البحر العميق، الموضعين السابقين.

226

عليه الصلاة و السلام ليردّه إليه؛ لعلمه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) [كان يؤثر بقاء مراسم إبراهيم، و يكره تغييرها، و يكون سبيله (صلى اللّه عليه و سلم)‏] (1) في تقرير المقام ملصقا بالبيت إلى أن توفي (صلى اللّه عليه و سلم) سبيله في تقرير ما كان من الكعبة في الحجر؛ تأليفا لقريش في عدم تغيير مراسمهم. فلذلك سأل عمر رضي اللّه عنه عن مكان المقام في زمن إبراهيم عليه الصلاة و السلام ليردّه إليه.

و على هذا التأويل فلا مناقضة بين ما رواه المطلب و الإمام مالك، فيكون الجمع بينهما أولى من ترك أحدهما، و يكون ابن أبي مليكة قال ما قاله فهما من سياق ما رواه المطلب، و الإمام مالك أثبت ما أثبته جازما به، فلا يكون ذلك إلا عن [توقيف‏] (2)، فكان الجمع أولى. [كما قاله‏] (3) المحب الطبري. ذكره القرشي‏ (4). انتهى.

و قال الفاسي في شفاء الغرام: قال الفاكهي‏ (5): كان بين المقام و بين الكعبة ممر العنز. اه.

و ليس فيما ذكر مالك و ابن عقبة و الفاكهي‏ (6) من كون المقام [كان‏] (7) عند الكعبة؛ لأن فيه ما يقتضي أن موضعه الآن حذو موضعه الذي كان به قدّام الكعبة.

____________

(1) زيادة من القرى (ص: 347).

(2) في الأصل: توفيق. و التصويب من القرى (ص: 347)، و البحر العميق (3/ 272).

(3) في الأصل: ما قال. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(4) القرى (ص: 347)، و البحر العميق (3/ 272).

(5) شفاء الغرام (1/ 394)، و أخبار مكة للفاكهي (1/ 455)، و أخبار مكة للأزرقي (2/ 35).

(6) شفاء الغرام (1/ 394)، و أخبار مكة للفاكهي (1/ 454).

(7) قوله: كان، زيادة من شفاء الغرام.

227

و المقام الآن في جوف صندوق الذي في حوز (1) الشبابيك، و يحاذي الصندوق الذي فيه المقام من وجه الكعبة ذراعان بالحديد و نحو خمسة قراريط بذراع الحديد، و الذراعان هما نصف الحفرة المرخّمة الملاصقة للشاذروان، و نصف الحفرة المشار إليه هنا هو النصف الذي يلي الحجر- بسكون الجيم-، و ما زاد على الذراعين من القراريط التي هي كمال ما يحاذي الصندوق الذي فيه المقام هي إلى طرف الحفرة مما يلي الحجر- بسكون الجيم- و إذا كان كذلك فيكون موضع المقام عند الكعبة تخمينا.

و اللّه أعلم.

[و فيما] (2) بين نصف الحفرة مما يلي الحجر- بسكون الجيم- و القراريط الزائدة على الذراعين؛ لأن ذلك يحاذي الصندوق الذي فيه المقام [الآن‏] (3)، و إذا كان كذلك فهو موافق قول من قال إن موضع المقام الآن حذاء موضعه عند الكعبة. اه (4).

و ذكر القرشي أيضا (5): أن رجلا يهوديا أو نصرانيا كان بمكة فأسلم- قوله: «أسلم» الظاهر أنه زور- ففقد المقام ذات ليلة فوجد عنده، أراد أن يخرجه إلى ملك الروم، فأخذ منه و ضرب عنقه.

و عن عبد اللّه بن السائب- و كان يصلي بمكة- قال: أنا أوّل من صلّى خلف المقام حين ردّ في موضعه هذا، ثم دخل عمر رضي اللّه عنه و أنا في‏

____________

(1) في شفاء الغرام: جوف.

(2) في الأصل: فيما. و انظر: شفاء الغرام (1/ 394).

(3) قوله: الآن، زيادة من شفاء الغرام (1/ 394).

(4) شفاء الغرام (1/ 394).

(5) البحر العميق (3/ 272)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 398)، و أخبار مكة للفاكهي (1/ 452).

228

الصلاة فصلّى خلفي المغرب‏ (1). انتهى‏ (2).

ذكر ما جعل على المقام من الذهب و الفضة، و أول من جعل ذلك‏

أول ما حلّي المقام في خلافة المهدي العباسي سنة إحدى و ستين و مائة.

كذا ذكره الفاكهي‏ (3).

و روى الأزرقي‏ (4) عن عبد اللّه بن شيبة قال: ذهبنا نرفع المقام في خلافة المهدي فانثلم. قال: و هو من حجر رخو يشبه السنان، [فخشينا] (5) أن يتفتت، فكتبنا بذلك إلى المهدي، فبعث إلينا بألف دينار، فضببنا بها المقام أعلاه و أسفله، و لم يزل ذلك الذهب عليه حتى ولي أمير المؤمنين جعفر المتوكل على اللّه فجعل عليه ذهبا فوق ذلك الذهب أحسن من ذلك العمل في مصدر الحاج سنة [ست‏] (6) و ثلاثين و مائتين.

____________

(1) أخرجه الأزرقي (2/ 36)، و انظر: البحر العميق (3/ 272).

(2) في هامش الأصل بخط الدهلوي: قال المحب الطبري فقيه الحرم و محدثه أبو عبد اللّه أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن أبي بكر الحسيني في كتابه «القرى لقاصد أم القرى» تنبيه:

وجدت بخط شيخنا الإمام العالم أبي داود سليمان بن خليل، إمام المقام و خطيب المسجد الحرام في كتاب كبير ألّفه في مناسك الحج ما هذا صورته:

و لقد سمعت من الشيوخ الذين أدركتهم بالحرم الشريف، يقولون إن الحجرين الكبيرين المفروشين خلف المقام الشريف الذي يقف المصلي عليهما، قد صلى عليهما بعض الصحابة. هذا آخر ما وجدت بخطه.

و قد سمعت من الثقة عنه، أنه ذكر أن المصلي عليهما ابن عمر رضي اللّه عنهما. اه.

(3) أخبار مكة للفاكهي (1/ 476)، و انظر: (أخبار مكة للأزرقي 2/ 36، و شفاء الغرام 1/ 386، و إتحاف الورى 2/ 212).

(4) أخبار مكة للأزرقي (2/ 36)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 386).

(5) في الأصل: فخشيت. و انظر الأزرقي، الموضع السابق، و البحر العميق (3/ 272).

(6) في الأصل: ستة، و كذا وردت في الموضعين التاليين، و المثبت من زبدة الأعمال (ص: 117).

229

ثم إن الذهب الذي حلّي به المقام في خلافة المتوكل لم يزل عليه إلى أن أخذه جعفر بن الفضل و محمد بن حاتم في سنة إحدى و خمسين و مائتين، و ضرباه دنانير و أنفقاه على حرب إسماعيل العلوي فيما ذكروا.

و بقي الذهب الذي عمل في خلافة المهدي إلى سنة ست و خمسين و مائتين، ثم قلع و ضم إليه ذهب آخر و حلّي المقام بذلك كله، و كان على المقام حلية من فضة مع الذهب فزادوا فيها في هذا التاريخ أيضا، و الذي زاد الذهب و الفضة في هذا التاريخ أمير مكة علي بن الحسن العباسي.

و السبب في ذلك: أن الحجبة ذكروا لعلي بن الحسن المذكور، أن المقام قد و هى [و يخاف‏] (1) عليه، [و سألوه‏] (2) أن يجدد عمله، فأجابهم إلى ما سألوه، و قلع ما على المقام من الذهب و الفضة، و ركب عليه الفضة و الذهب ما يزيد شدة و يحسن النظر فيه، و كان ابتداء العمل في المحرم سنة ست و خمسين و مائتين، و كان الفراغ منه في ربيع الأول منها، و كان جملة ما في الطوقين [اللذين عملا] (3) في المقام بالنجوم [التي‏] (4) فيها [ألفي‏] (5) مثقال ذهب إلا ثمانية مثاقيل. انتهى كلام الفاكهي مختصرا (6).

و ذكر الشيخ سعد الدين الإسفرائيني في كتابه زبدة الأعمال‏ (7): أن في‏

____________

(1) في الأصل: و يخافوا. و التصويب من البحر العميق (3/ 272).

(2) في الأصل: و سأله. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(3) في الأصل: الذي عمل. و التصويب من البحر العميق (3/ 272).

(4) في الأصل: الذي.

(5) في الأصل: ألف. و التصويب من البحر العميق (3/ 272)، و انظر: الفاكهي (1/ 478).

(6) أخبار مكة للفاكهي (1/ 476- 478)، و انظر: (شفاء الغرام 1/ 386، و البداية و النهاية 11/ 29، و إتحاف الورى 2/ 330، و البحر العميق (3/ 272).

(7) زبدة الأعمال (ص: 149)، و انظر: البحر العميق (3/ 272).

230

سنة [تسع‏] (1) و خمسين و سبعمائة في زمان القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد [محب الدين‏] (2) الطبري سرق الذي كان عليه، فعمل عليه الفضة و هي إلى الآن. انتهى.

ذكر ذرع مقام إبراهيم‏

ذكر الأزرقي‏ (3): أن ذرع المقام ذراع، و أن القدمين [داخلان‏] (4) فيه سبع أصابع.

و قال عز الدين ابن جماعة (5): و حررته لما كنت بمكة سنة [ثلاث‏] (6) و خمسين و سبعمائة، فمقدار إرتفاعه من الأرض نصف ذراع و ربع و ثمن بالذراع المستعمل في زماننا بمصر ذراع القماش، و أعلى المقام مربع من كل جهة نصف ذراع و ربع، و موضع عرض القدمين في المقام ملبّس بفضة، و عمقه من فوق الفضة سبعة قراريط و نصف قيراط، و المقام اليوم في صندوق من حديد حوله شباك من حديد، عرض الشباك عن يمين المصلّى و شماله خمسة أذرع و ثمن، و طوله إلى جهة الكعبة خمسة أذرع إلا قيراطين، و خلف الشباك المصلّى و هو محوّز (7) بعمودين من حجارة، و حجرين من [جانبي‏] (8) المصلّى، و طول المصلّى خمسة أذرع و سدس، و من صدر

____________

(1) في الأصل: تسعة.

(2) في الأصل: محيي الدين. و هو خطأ. و المثبت من زبدة الأعمال (ص: 117).

(3) أخبار مكة للأزرقي (2/ 38).

(4) في الأصل: داخلين.

(5) البحر العميق (3/ 272).

(6) في الأصل: ثلاثة.

(7) محوّز: أي محكم (اللسان، مادة: حوز).

(8) في الأصل: جانب. و التصويب من الغازي (1/ 521).

231

الشباك الذي داخله المقام إلى شاذروان الكعبة عشرون ذراعا و ثلث، كل ذلك بالذراع المتقدم ذكره. انتهى كلام ابن جماعة.

و عبارة القليوبي: أما المقام فهو حجر و عليه بناء محوّط، و كان وجه الباب لجهة الكعبة فغيّر الباب و جعل خلفه. اه.

و في شفاء الغرام‏ (1): ذرع ما بين المقام و الحجر الأسود، و ما بين المقام و الركن الشامي، و بين المقام و جدار الكعبة، و بين جدار الكعبة و شاذروانها المقابل للمقام، و ما بين المقام و حجرة زمزم و حرف بئر زمزم.

و عبارته: و قد حررنا بعض ما حرره الأزرقي في هذا المعنى، فكان ما بين ركن الكعبة الذي فيه الحجر الأسود و بين الركن اليماني من أركان الصندوق الذي فيه المقام من داخل الشباك الذي فيه الصندوق: أربعة و عشرون ذراعا إلا [سدسا] (2)، و كان ذرع ما بين وسط جدار الكعبة الشرقي إلى وسط الصندوق المقابل له: اثنين و عشرين ذراعا إلا ربع ذراع، و كان ما بين ركن الكعبة الشامي الذي يلى الحجر- بسكون الجيم- و ركن الصندوق الشامي: ثلاثة و عشرون ذراعا، و كان ما بين ركن الصندوق الشرقي إلى ركن البيت الذي ببئر زمزم المقابل له: خمسة عشر ذراعا إلا [ثلثا] (3)، كل ذلك بذراع الحديد. انتهى.

و عبارة الأزرقي‏ (4): و ذرع ما بين الركن الأسود إلى مقام إبراهيم: تسعة و عشرون ذراعا و تسع أصابع، و ذرع ما بين [جدر] (5) الكعبة من وسطها

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 390- 391).

(2) في الأصل: سدس.

(3) في الأصل: ثلث.

(4) أخبار مكة للأزرقي (2/ 85)، و شفاء الغرام (1/ 390).

(5) قوله: جدر، زيادة من أخبار مكة للأزرقي.

232

إلى المقام سبع و عشرون ذراعا، و ذرع ما بين شاذروان الكعبة إلى المقام ستة و عشرون ذراعا و نصف، و من الركن الشامي إلى المقام ثمانية و عشرون ذراعا [و سبع عشرة أصبعا] (1).

ثم قال: و من المقام إلى حرف بئر زمزم أربعة و عشرون ذراعا و عشرون أصبعا- أي: بذراع اليد (2)-. انتهى.

و في الخميس: ما بين المقام و باب الصفا مائة و أربعة و ستون ذراعا.

انتهى.

ذكر فضائله‏

عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: الركن و المقام من الجنة (3).

و روى الأزرقي معناه موقوفا، و لفظه عن ابن عباس قال: ليس من الجنة في الأرض إلا الحجر الأسود و المقام، فإنهما جوهرتان من جواهر الجنة، و لو لا ما مسهما من أهل الشرك ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه اللّه‏ (4).

و يروى: أن الدعاء يستجاب خلف المقام‏ (5). انتهى. ذكره القرشي‏ (6).

____________

(1) في الأصل: و سبع عشر أصبع، و في الأزرقي (2/ 85): و تسع عشرة أصبعا.

(2) أخبار مكة للأزرقي (2/ 86)، و شفاء الغرام (1/ 390).

(3) أخرجه الأزرقي (1/ 322)، و عبد الرزاق (5/ 38 ح 8917) من حديث ابن عباس.

(4) أخرجه الأزرقي في الموضع السابق، و (2/ 29)، و الفاكهي (1/ 443 ح 968).

(5) ذكره الفاكهي في أخبار مكة (2/ 291)، و الحسن البصري في فضائل مكة (1/ 24).

(6) البحر العميق (1/ 23).

233

الفصل الرابع عشر: فيما يتعلق بالمطاف و أول من فرشه بعد ابن الزبير رضي اللّه عنه، و فضل الطواف، و أول من طاف بالبيت، و من دفن حوله من الأنبياء، و بين المقام و زمزم، و ما ورد في فضل الطواف في الحر و المطر

قال تعالى: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ [الحج: 29].

و تقدم أن الملائكة طافت بالبيت العتيق قبل أن يخلق آدم عليه الصلاة و السلام بخمسين ألف سنة على الاختلاف المتقدم.

و تقدم أن عبد اللّه بن الزبير لما بنى الكعبة بقيت حجارة، ففرشها حول الكعبة في المطاف نحو عشرة أذرع‏ (1).

و ذكر الفاسي في شفاء الغرام‏ (2) فإنه قال: و عمارة الرخام الذي في المطاف عمل ذلك دفعات حتى صار على ما هو عليه اليوم، و كان مصيره هكذا في سنة سبعمائة ست‏ (3) و ستين، فممّن عمّره: المستنصر العباسي سنة ستمائة و إحدى‏ (4) و ثلاثين، و اسمه مكتوب [في تلك الحفرة التي عند] (5)

____________

(1) في هامش الأصل: لكن في رحلة ابن بطوطة و أنه لما حج سنة سبعمائة [و خمسة] و عشرين ذكر في رحلته أن موضع الطواف [كان‏] مفروشا بحجارة سود محكمة الإلصاق، و قد اتسعت عن البيت بمقدار تسع خطا إلا في [الجهة] التي تقابل المقام فإنها امتدت إليه حتى أحاطت به، و سائر الحرم مع البلاطات مفروش برمل أبيض و طواف النساء في آخر الحجارة المفروشة. (انظر رحلة ابن بطوطة 1/ 158)، و قوله: الجهة، زيادة من الرحلة.

(2) شفاء الغرام (1/ 587).

(3) في الأصل: ستة.

(4) في الأصل: إحدى.

(5) في الأصل: في ذلك في الحفرة الذي عند. و التصويب من: التاريخ القويم (5/ 269).

و انظر: شفاء الغرام (1/ 587).

234

باب الكعبة، و ممن عمّره الملك شعبان صاحب مصر و كذلك المنصور (1).

انتهى كلامه.

قال القطب الحنفي‏ (2): و بلصق الكعبة في وسط مقام جبريل (عليه السلام)، في الحفرة التي على يمين باب الكعبة حجر من الرخام الأزرق الصافي، منقور فيه ما صورته: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، أمر بعمارة هذا المطاف الشريف سيدنا و مولانا الإمام الأعظم المفترض الطاعة على سائر الأمم أبو جعفر المنصور [المستنصر] (3) باللّه أمير المؤمنين بلّغه اللّه آماله و ذلك في سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم». انتهى.

و هذا الحجر موجود عليه ما ذكر من الكتابة و قد قرأته، و بجنبه حجر صغير قيل: إن لمسه أمان من اليرقان‏ (4). كذا في منائح الكرم‏ (5).

و الحفرة المشار إليها جدد رخامها على ما ذكره التقي الفاسي في شفاء الغرام الذي هو بها الآن في سنة إحدى و ثمانمائة، و قد (حرر ذرعها) (6) فكان طولها من الجهة الشامية إلى الجهة اليمانية أربعة أذرع، و عرضها من الجهة الشرقية إلى جدر الكعبة ذراعان و سدس، و عمقها نصف ذراع، كل ذلك بذراع الحديد، و الحفرة المشار إليها لم ترخم إلا بعد قدوم ابن جبير (7)

____________

(1) هو: الملك المنصور لاجين المنصوري، من ملوك مصر، تولى السلطنة سنة 696 ه، و قتل سنة 698 ه (البداية و النهاية 13/ 348- 14/ 3).

(2) الإعلام (ص: 177).

(3) زيادة من الإعلام (ص: 177).

(4) اليرقان: آفة تصيب الإنسان يصيبه منها الصفّار في جسده (لسان العرب، مادة: أرق).

(5) لم أجده في منائح الكرم.

(6) في ب: حرر أمورا تتعلق بذرعها. و قد شطب عليها في الأصل.

(7) رحلة ابن جبير (ص: 74).

235

مكة، و كان قدومه في سنة [تسع‏] (1) و خمسين و خمسمائة، و ذكر أنه علامة موضع المقام- أي مقام إبراهيم- إلى أن صرف إلى موضعه الذي هو به الآن و كان مفروشا برملة بيضاء. انتهى.

و من خيرات السلطان سليمان: تغيير بلاط المطاف القديم [و تجديده‏] (2) ببلاط جديد- أي: رخام- على يد أحمد جلبي في سنة تسعمائة [و تسع‏] (3) و خمسين. انتهى من درر الفرائد (4).

و أما ذرع المطاف من جوانبه على ما حرره الفاسي في شفاء الغرام و نصه: و قد اعتبر بعض أصحابنا بحضوري مقدار ما بين منتهى ذلك و بين الكعبة من جميع جوانبها، فكان مقدار ما بين الحجر الأسود و طرف البلاط المحاذي له على الاستواء في الجهة اليمنية خمسة [و عشرون‏] (5) ذراعا إلا [ثلثا] (6)، و ما بين الحجر الأسود و طرف البلاط المحاذي لوسط مقام الحنبلي اثنان و عشرون ذراعا و ثلث ذراع، و ما بين الحجر الأسود و جدار زمزم [ثلاثون‏] (7) ذراعا [و ثلثا] (8) ذراع، و ما بين الركن العراقي و آخر تدوير المطاف المسامت له في الجهة الشرقية أربعة و عشرون ذراعا و نصف، و من الركن الشامي إلى آخر البلاط المحاذي له في الجهة الشامية سبعة

____________

(1) في الأصل: تسعة.

(2) في الأصل: و جدده. و التصويب من: الغازي (1/ 542)، و التاريخ القويم (5/ 269).

(3) مثل السابق.

(4) درر الفرائد (ص: 26).

(5) في الأصل: و عشرين.

(6) في الأصل: ثلث.

(7) في الأصل: ثلاثين.

(8) في الأصل: و ثلثين.

236

و ثلاثون ذراعا و ربع ذراع، و من وسط [جدار] (1) الحجر إلى آخر البلاط الذي أمام مقام الحنفي اثنان و عشرون ذراعا، و ما بين الركن الغربي و آخر البلاط المحاذي له في الجهة الشامية و الغربية ثلاثون ذراعا، و ما بين نصف الجهة الغربية من الكعبة و آخر البلاط المقابل لذلك على الاستواء مثل ذلك، و ما بين الركن اليماني و آخر البلاط المقابل له من الجهة الغربية تسعة و عشرون ذراعا إلا [ثلثا] (2)، و كذلك ما بين وسط الجهة اليمانية و آخر البلاط المحاذي له. انتهى‏ (3).

ذكر من دفن حول المطاف من الأنبياء و بين المقام و الركن و زمزم‏

جاء عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما: أن بين المقام و الركن و زمزم قبر تسعة [و عشرين‏] (4) نبيا.

و جاء: أن حول الكعبة لقبور ثلاثمائة نبي، و أن ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود لقبور سبعين نبيا (5). ذكره الحلبي في السيرة (6).

و ذكر القرشي‏ (7): أن بين الركن و المقام قبور نحو من ألف قبر نبي.

و عن [ابن‏] (8) سابط (رحمه اللّه) أنه قال: ما بين الركن و المقام و زمزم قبور

____________

(1) قوله: جدار، زيادة من شفاء الغرام.

(2) في الأصل: ثلث.

(3) شفاء الغرام (1/ 588- 589).

(4) في الأصل: و عشرون.

(5) ذكره الفاكهي في أخبار مكة (2/ 291)، و الحسن البصري في فضائل مكة (1/ 20).

(6) السيرة الحلبية (1/ 250).

(7) البحر العميق (1/ 24).

(8) زيادة على الأصل. و انظر: تقريب التهذيب (ص: 340).

237

تسعة و تسعين نبيا (1).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما؛ قبر إسماعيل و شعيب عليهما الصلاة و السلام‏ (2).

قال القرشي: و لا تنافي بين القول الأول و بين هذا بأن يكون مراد ابن عباس رضي اللّه عنهما ليس بالمسجد الحرام قبر نبي و رسول غير شعيب و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام.

و أما قبور الأنبياء فكثيرة كما ذكره غير واحد. انتهى.

و أما ذكر فضائل الطواف و الحث عليه، فقد ذكر القرشي‏ (3) عن ابن عمر رضي اللّه عنه أنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه كأنه عتق رقبة». و سمعته يقول: «لا يضع قدما و لا يرفع أخرى إلا حطّ اللّه بها عنه خطيئة و كتب له حسنة» (4). أخرجه الترمذي و حسّنه.

و في رواية لأحمد (5) أنه قال: [سمعته‏] (6)- يعني النبي (صلى اللّه عليه و سلم)- يقول: «من طاف أسبوعا يحصيه و صلى ركعتين، كان كعدل رقبة». و سمعته يقول:

«ما رفع رجل [قدما] (7) و لا وضعها إلا كتب له عشر حسنات، و حطّ

____________

(1) أخرجه الأزرقي من طريق ابن سابط عن عبد اللّه بن ضمرة السلولي (1/ 68)، و البيهقي في الشعب (3/ 441 ح 4006)، و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 319)، و عزاه إلى الأزرقي، و البيهقي.

(2) أخرجه الفاكهي (2/ 124 ح 1275).

(3) البحر العميق (1/ 21- 22).

(4) أخرجه الترمذي (3/ 292 ح 959).

(5) أخرجه أحمد (2/ 3 ح 4462).

(6) في الأصل: سمعت. و التصويب من البحر العميق (1/ 21).

(7) في الأصل: قدماه. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

238

عنه عشر سيئات، و رفع له عشر درجات».

و معنى قوله: «يحصيه»: يتحفظ فيه أن لا يغلط. قاله ابن وضاح و غيره.

و عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«من طاف بالبيت سبعا، و صلّى خلف المقام ركعتين، و شرب من ماء زمزم؛ غفر له ذنوبه بالغا ما بلغت» (1). أخرجه أبو سعيد و الواحدي.

و عن مولى لأبي سعيد قال: رأيت أبا سعيد يطوف بالبيت و هو متكئ على غلام له يقال له: طهمان و هو يقول: لأن أطوف بهذا البيت أسبوعا لا أقول فيه هجرا، و أصلّي ركعتين، أحبّ إليّ من أن أعتق طهمان. رواه سعيد بن منصور (2).

و الهجر: هو الفحش و كثرة الكلام فيما لا ينبغي‏ (3).

و عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«إذا خرج المرء يريد البيت، أقبل يخوض في رحمة اللّه، فإذا دخله غمرته، ثم لا يرفع قدما و لا يضعها إلا كتب له بكل قدم خمسمائة حسنة، و حطّت عنه خمسمائة سيئة، و رفعت له خمسمائة درجة. فإذا فرغ من طوافه فصلى ركعتين دبر المقام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، و كتب له أجر عشر رقاب من ولد إسماعيل، و استقبله ملك على الركن و قال له: استأنف العمل فيما تستقبل فقد كفيت فيما مضى، و شفع في سبعين من أهل‏

____________

(1) العلل المتناهية (2/ 572).

(2) أخرجه الأزرقي (2/ 3)، و الفاكهي (1/ 194- 195 ح 315)، و ابن أبي شيبة (3/ 123 ح 12667)، و ذكره المحب الطبري في القرى (ص: 323)، و عزاه لسعيد بن منصور. و لم أقف عليه في المطبوع من سنن سعيد بن منصور.

(3) اللسان، مادة: هجر.

239

بيته» (1). أخرجه الفاكهي و الأزرقي.

و عنه عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن العاص أنه قال: من توضأ فأسبغ‏ (2)، وضوءه ثم أتى الركن يستلمه خاض في الرحمة، فإذا استلمه و قال: بسم اللّه، و اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله غمرته الرحمة، فإن طاف بالبيت كتب له بكل قدم سبعين ألف حسنة، و حطّ عنه سبعين ألف سيئة، و رفع له سبعين ألف درجة، و يشفع في سبعين ألف من أهل بيته. فإذا أتى مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام و صلّى عنده ركعتين إيمانا و احتسابا كتب اللّه له عتق أربعة عشر محررا من ولد إسماعيل، و خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه‏ (3).

و في رواية: و أتاه ملك فقال له: اعمل لما يبقى فقد كفيت ما مضى.

رواه أبو الفرج في مثير الغرام‏ (4).

و عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن اللّه ليباهي بالطائفين ملائكته» (5). أخرجه أبو ذر و أبو الفرج.

و المباهاة: المفاخرة، أي: إن اللّه ليفاخر بهم الملائكة (6).

قال القاضي عياض: و عن الحسن البصري في رسالته عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)

____________

(1) أخرجه الأزرقي (2/ 4- 5)، و ذكره المنذري في الترغيب (10/ 41)، و ابن الجوزي في مثير الغرام (ص: 284)، و السيوطي في الدر المنثور (1/ 294)، و عزاه إلى الأزرقي.

و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 334) و عزاه إلى الجندي من حديث ابن عباس. و لم أجده في المطبوع من الفاكهي.

(2) في هامش الأصل بخط الدهلوي: «- بالسين- أبلغه مواضعه و وفى كل عضو حقه، قاموس و مصباح اه».

(3) أخرجه الأزرقي (2/ 4)، و ذكره المنذري في الترغيب و الترهيب (2/ 124 ح 1766).

(4) مثير الغرام (ص: 284).

(5) مسند إسحاق بن راهويه (3/ 1010).

(6) اللسان، مادة: بها.

240

قال: «الطواف بالبيت خوض في رحمة اللّه» (1).

و عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «الكعبة محفوفة بسبعين ألفا من الملائكة يستغفرون لمن طاف بها و يصلون عليه». رواه الفاكهي‏ (2).

و عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «من صلى خلف المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، و حشر يوم القيامة من الآمنين». ذكره القاضي عياض في الشفاء (3).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (4). رواه الترمذي و قال: حديث غريب. و قال البخاري: إنما يروى هذا عن ابن عباس.

و المراد بخمسين مرة: خمسين أسبوعا؛ لأن الشوط الواحد لا يتعبد به، و يدل لذلك: أن عبد الرزاق و الفاكهي‏ (5) و غيرهما رووه فقالوا: من طاف بالبيت خمسين أسبوعا كان كما ولدته أمه؛ فهذه الرواية مفسرة للحديث الأول، فيكون [ردا لقول‏] (6) من قال: المراد بالمرة: الشوط.

قال محب الدين الطبري‏ (7): و قال أهل العلم: و ليس المراد أن يأتي بها متوالية في آن واحد، و إنما المراد أن يأتي [به‏] (8) في صحيفة حسناته، و لو في عمره كله.

____________

(1) ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 159).

(2) أخرجه الفاكهي (1/ 196).

(3) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 93).

(4) أخرجه الترمذي (3/ 219 ح 866).

(5) أخبار مكة للفاكهي (1/ 195، 2/ 292)، و مصنف عبد الرزاق (5/ 500).

(6) في الأصل: أراد بالقول. و التصويب من البحر العميق (1/ 21).

(7) القرى (ص: 325).

(8) في القرى: و إنما المراد أن يوجد في صحيفة (ص: 325).

241

و يترجح قول من قال: المراد بالمرة: الشوط؛ بأن مذهب ابن عباس أن الرجل إذا طاف أسبوعا و لم يتمّه فله أجر ما احتسب، و كذا إذا صلى ركعة و لم يصلي أخرى فله أجر ما احتسب.

و عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: كان أحب الأعمال إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إذا قدم مكة الطواف بالبيت‏ (1). أخرجه أبو ذر.

و لعله أراد بهذا أن لا يعرج على شي‏ء قبله.

و عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «استمتعوا من هذا البيت، فإنه هدم مرتين و يرفع في الثالثة». أخرجه ابن حبان و الحاكم‏ (2) و صححه على شرط الشيخين.

و عنه أنه قال: «طوافان لا يوافقهما عبد مسلم إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، و غفرت له ذنوبه بالغة ما بلغت: طواف بعد الصبح يكون فراغه عند طلوع الشمس، و طواف بعد العصر يكون فراغه عند غروب الشمس، فقال رجل: يا رسول اللّه، إن كان قبله أو بعده. قال:

يلحق به». رواه الفاكهي و الأزرقي‏ (3) و غيرهما.

و في رواية الفاكهي: أن رجلا قال: يا رسول اللّه، فلم تستحب هاتان الساعتان؟ قال: «إنهما ساعتان لا تعدوهما (4) الملائكة» (5).

و يحتمل أن يراد بالبعدية في قوله: «بعد الصبح و بعد العصر» ما قبل الطلوع و الغروب و لو بلحظة تسع أسبوعا.

____________

(1) الفاكهي (1/ 238 ح 445).

(2) أخرجه الحاكم (1/ 608 ح 1610)، و ابن حبان (15/ 153 ح 6753).

(3) أخرجه الأزرقي (2/ 22)، و الفاكهي (1/ 253).

(4) في الأصل: تغدوهما. و المثبت من الفاكهي (1/ 254).

(5) أخرجه الفاكهي (1/ 254).

242

و يحتمل أن يراد استيفاء الزمانين بالعبادة، قال الطبري‏ (1): و لعله الأظهر، و إلا لقال: طواف قبل الغروب و قبل الطلوع.

و عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: من أتى هذا البيت لا يريد إلا إياه و طاف طوافا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏ (2). رواه سعيد بن منصور.

انتهى.

و في الفوائح المسكية و لفظه: ثم اعلم أنه قد طاف بهذا البيت مائة ألف نبي و أربعة و عشرون ألف نبي سوى الأولياء، و ما من نبي و لا ولي إلا و له تتمة متعلقة به و بالبلد الحرام. انتهى.

و ذكر القرشي‏ (3) عن الغزالي في الإحياء (4) قال: لا تغرب الشمس من يوم إلا طاف بهذا البيت رجل من الأبدال، و لا يطلع الفجر من ليل إلا طاف بهذا البيت رجل من الأوتاد، و إذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض، فيصبح الناس و قد رفعت الكعبة لا يرى الناس لها أثرا، و هذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد، ثم يرفع القرآن من المصاحف فيصبح الناس فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف، ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا يذكر [منه‏] (5) كلمة، ثم يرجع الناس إلى الأشعار و الأغاني و أخبار الجاهلية، [ثم يخرج الدجال و ينزل عيسى عليه الصلاة و السلام و يقتله‏] (6)، و الساعة عند ذلك بمنزلة الحامل المقرب يتوقع ولادتها. انتهى.

____________

(1) القرى (ص: 330).

(2) لم أقف عليه في المطبوع من سنن سعيد بن منصور.

(3) البحر العميق (1/ 22).

(4) إحياء علوم الدين (1/ 242).

(5) في الأصل: فيه. و التصويب من البحر العميق (1/ 22).

(6) ما بين المعكوفين شطب في الأصل، و المثبت من ب. و انظر: البحر العميق، الموضع-

243

و عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «أكرم سكان أهل السماء الذين يطوفون حول عرشه، و أكرم سكان أهل الأرض الذين يطوفون حول بيته» (1).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: كان آدم عليه الصلاة و السلام يطوف بالبيت سبعة أسابيع بالليل و خمسة بالنهار و يقول: يا رب اجعل لهذا البيت عمّارا يعمرونه من ذريتي‏ (2). و كان ابن عمر رضي اللّه عنهما يطوف بالبيت كذلك. ذكره الأزرقي‏ (3).

و قال الشيخ محب الدين الطبري‏ (4): إن بعض أهل العلم ذكروا لعدد الطواف سبع مراتب:

الأول: خمسون أسبوعا في اليوم و الليلة؛ للحديث المتقدم.

الثاني: إحدى و عشرون، و قيل: سبع أسابيع؛ كعمرة، و ورد ثلاث عمر كحجّة.

الثالث: أربعة عشر، و قد ورد عمرتان بحجّة، و هذا في غير عمرة شهر رمضان؛ لأن العمرة فيه كحجّة.

الرابع: اثنا عشر أسبوعا، خمسة بالنهار و سبعة بالليل، كما تقدم عن فعل آدم عليه الصلاة و السلام، و ابن عمر رضي اللّه عنهما.

الخامس: سبعة أسابيع.

____________

السابق.

(1) ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 160).

(2) ذكر طواف آدم (عليه السلام) الأزرقي (1/ 44) من حديث أبي هريرة.

(3) الأزرقي (1/ 44).

(4) انظر القرى ص: (334). و ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 160) نقلا عن الطبري.

244

السادس: ثلاثة أسابيع.

السابع: أسبوعا واحدا. انتهى ما ذكره القرشي.

ذكر فضل الطواف في الحر و المطر

عن داود بن عجلان قال: طفت مع أبي عقال رضي اللّه عنه في المطر فلما فرغنا من طوافنا قال: ائتنف، فإني طفت مع أنس بن مالك رضي اللّه عنه في مطر فلما فرغنا من طوافنا قال: ائتنف [العمل‏] (1)، فإني طفت مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في مطر فلما فرغنا من طوافنا قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ائتنفوا العمل فقد غفر لكم» (2). أخرجه أبو ذر و ابن ماجه بمعناه‏ (3).

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من طاف بالكعبة في يوم مطر، كتب اللّه له بكل قطرة تصيبه حسنة و تمحى عنه بالأخرى سيئة» (4).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من طاف بالبيت أسبوعا في يوم صائف شديد حرّه [حاسرا] (5) عن رأسه، و قارب بين خطاياه، و قلّ خطوته، و غضّ بصره، و قلّ كلامه إلا بذكر اللّه عز و جل، و استلم الحجر في كل طواف من غير أن يؤذي أحدا كتب اللّه له بكل قدم يرفعها و يضعها سبعين ألف حسنة و محى عنه سبعين ألف سيئة،

____________

(1) قوله: العمل، زيادة من البحر العميق.

(2) سنن ابن ماجه (2/ 1041).

(3) في هامش الأصل: قال أبو الفرج ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. قال ابن حبان:

و أبو عقال روى عن أنس أشياء موضوعة، ما حدّث بها أنس قطّ؛ فلا يجوز الاحتجاج به بحال. كذا في القرى لقاصد أم القرى (330).

(4) ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 163)، و أطراف الحديث عند:

العجلوني في كشف الخفاء (2/ 341)، و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (4/ 273).

(5) في الأصل: حاصرا.

245

و يرفع له سبعين ألف درجة، و يعتق له سبعين ألف رقبة، ثمن كل رقبة عشرة آلاف درهم، و يعطيه اللّه سبعين ألف شفاعة من أهل بيته من المسلمين و إن شاء في العامة، و إن شاء عجل له في الدنيا و إن شاء أخّرت له في الآخرة» (1). رواه الجندي و رواه الحسن البصري و ابن الحاج مختصرا.

انتهى ما ذكره القرشي في البحر العميق‏ (2).

[قلت: لكن في رواية البصري بعد قوله: «حاسرا عن رأسه» زيادة:

ثم استلم الحجر] (3).

الفصل الخامس عشر: في معرفة الأماكن التي صلى فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حول البيت و داخله‏

أحدها: خلف المقام، كما ثبت في الصحيح أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) صلى ركعتي الطواف خلف المقام‏ (4). و الذي رجّحه العلماء: أن المقام كان في عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ملصقا بالبيت، ثم أخّره النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلى محله الذي هو به الآن كما تقدّم و هو الصحيح، و قيل: الذي أخّره عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

الثاني: تلقاء الحجر الأسود على حاشية المطاف.

عن المطلب بن [أبي‏] (5) وداعة قال: رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين فرغ من سبعه، جاء حتى حاذى الركن فصلى ركعتين في حاشية المطاف و ليس‏

____________

(1) ذكره الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 164)، و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (4/ 273).

(2) البحر العميق (1/ 22- 23).

(3) ما بين المعكوفين زيادة على الهامش بخط الدهلوي.

(4) أخرجه مسلم من حديث جابر الطويل (2/ 887).

(5) قوله: أبي، زيادة على الأصل. و انظر: التقريب (ص: 535).

246

بينه و بين الطائفين أحد. أخرجه النسائي و أحمد و ابن ماجه‏ (1) و هذا لفظه، و قال: هذا بمكة خاصة.

و أخرجه ابن حبان‏ (2) بزيادة، و لفظه: رأيت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يصلي حذو الركن الأسود و الرجال و النساء يمرّون بين يديه ما بينه و بينهم سترة.

الثالث: قريبا من الركن الشامي مما يلي الحجر.

عن عبد اللّه بن السائب أنه كان يقود ابن عباس رضي اللّه عنهما يقيمه عند الشقة الثالثة (3) مما يلي الركن الذي يلي الحجر مما يلي الباب، فيقول له ابن عباس رضي اللّه عنهما: أنبئت أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) [كان‏] (4) يصلي هاهنا؟ فيقول: نعم، فيقوم فيصلي. أخرجه أحمد و أبو داود (5).

الرابع: عند باب الكعبة.

عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن جبريل أمّ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) حين فرضت الصلاة عند باب الكعبة مرتين‏ (6). رواه الشافعي بإسناد حسن.

قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إن الحفرة الملاصقة للكعبة بين الباب و الحجر و هي التي تسميه العامة: المعجن، هي المكان الذي صلى فيه جبريل (عليه السلام) بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) [الصلوات‏] (7) الخمس في اليومين حين‏

____________

(1) النسائي (5/ 235)، و ابن ماجه (2/ 986)، و أحمد (6/ 399).

(2) ابن حبان (6/ 128 ح 2364).

(3) في هامش الأصل بخط الدهلوي: الرابعة.

(4) قوله: كان، زيادة من مصادر التخريج.

(5) أخرجه أبو داود (2/ 181/ ح 1900)، و أحمد (3/ 410).

(6) أخرجه الشافعي في مسنده (1/ 26).

(7) قوله: الصلوات، زيادة من شفاء الغرام (1/ 419)، و البحر العميق (1/ 26).

247

فرضها اللّه تعالى على أمته.

قال القاضي عز الدين ابن جماعة في مناسكه الكبرى: و لم أر ذلك لغيره، و فيه بعد؛ لأن ذلك لو كان صحيحا لنبّهوا عليه بالكتابة في الحفرة و لما اقتصروا في التنبيه على من أمر بعمل المطاف. انتهى كلامه‏ (1).

قال القرشي في البحر العميق: و ليس هذا بلازم؛ لأنه يحتمل أن يكون الأمر كما قال عز الدين بن عبد السلام، و لا يلزم التنبيه بالكتابة عليه، و الشيخ عز الدين ناقل، و هو حجّة على من لم ينقل.

و روي: أن آدم عليه الصلاة و السلام طاف بالبيت سبعا حين نزل، ثم صلى وجاه باب الكعبة ركعتين‏ (2). رواه الأزرقي.

الخامس: تلقاء الركن الذي يلي الحجر من جهة المغرب جانحا إلى جهة المغرب قليلا بحيث يكون الباب الذي يقال له اليوم [باب‏] (3) العمرة خلف ظهره، و هو باب بني سهم.

عن عبد المطلب بن أبي وداعة أنه رأى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يصلي مما يلي باب بني سهم و الناس يمرّون بين يديه و ليس بينهما سترة. و في رواية: و ليس بينه‏

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 419).

(2) أخرجه الأزرقي (1/ 44) من حديث عبد اللّه بن أبي سليمان، و الطبراني في الأوسط (6/ 118 ح 5974) من حديث عائشة رضي اللّه عنها، و الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع و التفريق (2/ 120)، و الذهبي في السير (22/ 173) من حديث بريدة رضي اللّه عنه. و قال ابن أبي حاتم عن حديث عائشة: هذا حديث منكر (العلل 2/ 188).

و ذكره الهيثمي في مجمعه (10/ 183) و قال: رواه الطبراني في الأوسط. و ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 143) و المباركفوري (5/ 57 ح 12034) و عزياه إلى الأزرقي، و الطبراني في الأوسط، و البيهقي في الدعوات، و ابن عساكر من حديث بريدة رضي اللّه عنه. و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 259- 260).

(3) في الأصل: بباب. و التصويب من: شفاء الغرام (1/ 417).

248

و بين الكعبة سترة (1). رواه أحمد و أبو داود و النسائي و ابن ماجه‏ (2).

قال الأزرقي‏ (3): و باب بني سهم هو الذي يقال له الآن باب العمرة.

السادس: في وجه الكعبة، في الصحيحين أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لما خرج من الكعبة ركع قبل البيت ركعتين و قال: «هذه القبلة» (4)، و قبل البيت هو وجهه، و يطلق على جميع الجانب الذي فيه الباب، و هو المتعارف فيه.

و قد ورد تفضيل وجه الكعبة على غيره من جميع الجهات؛ فعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: البيت كله قبلة، و هذا قبلة- يعني الباب- (5).

أخرجه سعيد بن منصور.

السابع: بين الركنين اليمانيين.

ذكر ابن إسحاق في السيرة: أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كان يصلي بينهما.

و في السيرة الحلبية: كان (صلى اللّه عليه و سلم) إذا استقبل بيت المقدس جعل الكعبة بينهما و يصلي بين الركن اليماني و الحجر. انتهى‏ (6).

الثامن: في الحجر. عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما: أخبرني [بأشد شي‏ء صنعه‏] (7) المشركون‏

____________

(1) أخرجه أبو داود (2/ 211/ ح 2016)، و النسائي (5/ 235/ ح 2959)، و ابن ماجه (2/ 986/ ح 2958)، و أحمد (6/ 399).

(2) في هامش الأصل بخط الدهلوي: قال المحب الطبري في القرى: و في إسناده مجهول:

و المطلب ابن أبي وداعة قرشي سهمي صحابى، و لأبيه أبي وداعة الحارث بن صبرة أيضا صحبة، و هو من مسلمة الفتح، و يقال: ضبيرة- بالضاد المعجمة- و الأول أشهر.

(3) انظر: (الأزرقي 2/ 93). و قال الفاسي في شفاء الغرام (1/ 230): باب بني سهم هو:

باب المسجد المعروف الآن بباب العمرة. و هو الصحيح.

(4) أخرجه البخاري (1/ 155 ح 389)، و صحيح مسلم (2/ 968 ح 1330).

(5) لم أقف عليه في المطبوع من سنن سعيد بن منصور.

(6) السيرة الحلبية (2/ 146).

(7) في الأصل: أي شي‏ء صنعته. و المثبت من البحر العميق (1/ 27).

249

بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم)؟ قال: بينما النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يصلّى في الحجر إذ أقبل عقبة بن أبي معيط لعنه اللّه، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه حتى أخذ بمنكبه و دفعه عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قال:

أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا [أَنْ‏] (1) يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ... الآية [غافر: 28]. أخرجاه‏ (2).

و قد صح أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أخذ بيد عائشة رضي اللّه عنها و أدخلها الحجر و أمرها أن تصلّي فيه. أخرجاه‏ (3).

قال محب الدين الطبري في القرى‏ (4): فلا يبعد أن تكون صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) تحت الميزاب، فقد روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: صلوا في مصلى الأخيار، و اشربوا من شراب الأبرار. قيل لابن عباس رضي اللّه عنهما: ما مصلّى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب. قيل: فما شراب الأبرار؟

قال: ماء زمزم‏ (5). رواه الأزرقي.

و هو (صلى اللّه عليه و سلم) سيد الأبرار، فلا يبعد أن تكون الإشارة إليه (صلى اللّه عليه و سلم).

التاسع: مصلى آدم عليه الصلاة و السلام فقد ورد: أن آدم عليه الصلاة و السلام ركع إلى جانب الركن اليماني ركعتين‏ (6). رواه الأزرقي.

فينبغي لمن قصد آثار النبوة: أن يعم بصلاته الأماكن التي يظن صلاته‏

____________

(1) قوله: أن، ساقط من الأصل.

(2) في الأصل زيادة: الشيخين.

أخرجه البخاري (3/ 1400)، و مسلم (3/ 1419).

(3) أخرجه أبو داود (2/ 214 ح 2028)، و الترمذي (3/ 225 ح 876)، و النسائي (5/ 219 ح 2912)، و البيهقي في السنن الكبرى (2/ 394 ح 3895). و لم أقف عليه في الصحيحين. و انظر تحفة الأشراف (12/ 433).

(4) القرى (ص: 351).

(5) أخرجه الأزرقي (1/ 318). و ذكره السيوطي في الدر المنثور (4/ 153) و عزاه إلى الأزرقي. و ذكره المناوي في فيض القدير (4/ 64)، و الفاسي في شفاء الغرام (1/ 480).

(6) الأزرقي (1/ 44)، و القرى (ص: 348- 352).

250

(صلى اللّه عليه و سلم) فيها؛ رجاء أن يظفر بمصلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من كل مكان. انتهى من البحر العميق للقرشي، و شفاء الغرام لتقي الدين الفاسي‏ (1).

العاشر: داخل الكعبة الشريفة، و قد صح أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) صلى داخل البيت ركعتين و كبّر و دعا في نواحيه. ذكره القرشي‏ (2).

و عن عبد الرحمن الزجاج قال: قلت لشيبة بن عثمان: إنهم زعموا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) دخل الكعبة فلم يصلي، قال: كذبوا و أبي، لقد صلى بين العمودين، ثم ألصق بها بطنه و ظهره ... الحديث بسنده في أسد الغابة في ترجمة عبد الرحمن رضي اللّه عنه‏ (3).

و في المواهب اللدنية: مالك عن نافع فيما أخرجه الدارقطني في الغرائب من طريق ابن مهدي و ابن وهب و غيرهما و أبو داود (4) من طريق ابن مهدي كلهم عن مالك عن نافع عن ابن عمر و لفظه: «صلى بينه و بين القبلة ثلاثة أذرع»، و كذا أخرجه أبو عوانة من طريق [هشام بن سعد] (5) عن نافع و هذا فيه الجزم بثلاثة أذرع، لكن روى النسائي من طريق ابن القاسم [عن مالك‏] (6) بلفظ: «نحوا من ثلاثة أذرع» (7)، و هي موافقة لرواية ابن عقبة كما في البخاري و لفظه: حدثني إبراهيم بن المنذر قال:

حدثنا أبو ضمرة قال: حدثنا موسى بن عقبة عن نافع: أن عبد اللّه بن عمر

____________

(1) البحر العميق (1/ 26- 27)، و شفاء الغرام (1/ 415- 417).

(2) البحر العميق (1/ 27).

(3) أسد الغابة (3/ 344).

(4) أبو داود (2/ 214/ ح 2024).

(5) في الأصل: ابن هشام بن سعيد. و التصويب من شرح المواهب (2/ 344). و انظر ترجمته في: الجرح و التعديل (9/ 61).

(6) زيادة من شرح المواهب.

(7) أخرجه النسائي (2/ 63 ح 749).

251

كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل، و جعل الباب قبل ظهره فمشى حتى يكون بينه و بين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع، صلى بهذا المكان الذي أخبره به بلال أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) صلّى فيه. قال: و ليس على أحدنا بأس إن صلى في أيّ نواحى البيت‏ (1).

و في كتاب مكة للأزرقي و الفاكهي‏ (2): أن معاوية سأل ابن عمر رضي اللّه عنهما: أين صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ فقال: اجعل بينك و بين الجدار ذراعين أو ثلاثة أذرع فصلّ‏ (3).

فعلى هذا ينبغي لمن أراد [الاتباع‏] (4) في ذلك أي: في موضع صلاة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) في البيت: أن يجعل بينه و بين الجدار ثلاثة أذرع فإنه تقع قدماه مكان [قدميه‏] (5) (صلى اللّه عليه و سلم) إن كان ثلاثة أذرع سواء، و تقع ركبتاه و يداه إن كان المحل أقل من ثلاثة أذرع. و اللّه أعلم بحقيقة الموضع. انتهى من المواهب و شرحها للزرقاني‏ (6).

و ذكر الفاسي في شفاء الغرام: قال الحافظ أبو الفضل العراقي: من أراد أن يظفر بمصلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) داخل البيت فإذا دخل من الباب يسير تلقاء وجهه حتى يدخل إلى أن يجعل بينه و بين الحائط ثلاثة أذرع أو ذراعين أو ما بينهما لاختلاف الطرق، و أن لا يجعل بينه و بين الجدار أقلّ من ثلاثة أذرع.

____________

(1) أخرجه البخاري (1/ 190/ ح 484).

(2) لم أجده في المطبوع من الفاكهي.

(3) أخرجه الأزرقي (1/ 271). و لم أجده في المطبوع من الفاكهي.

(4) في الأصل: الإقناع. و التصويب من شرح المواهب (2/ 344).

(5) في الأصل: قدمه. و المثبت من شرح المواهب، الموضع السابق.

(6) شرح المواهب اللدنية (2/ 344).

252

انتهى‏ (1).

و قدر صلاة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) داخل الكعبة ركعتين، كما في رواية ابن عمر رضي اللّه عنهما، و قيل: أكثر. انتهى ما ذكره الفاسي باختصار (2).

و في المواهب اللدنية: و تستحب الصلاة داخل الكعبة و هو ظاهر في النفل، و ألحق الجمهور به الفرض إذ لا فرق.

و عن ابن عباس: لا تصح الصلاة داخلها مطلقا، و علّله بلزوم استدبار بعضها، و قد ورد الأمر باستقبالها فيحمل على استقبال جميعها، و قال به بعض المالكية و الظاهرية و ابن [جرير] (3).

و قال المازري: و المشهور في المذهب منع صلاة الفرض داخلها و وجوب الإعادة.

و عن ابن عبد الحكم‏ (4): الإجزاء، و صححه ابن عبد البر و ابن العربي، و أطلق الترمذي عن مالك جواز النفل، و قيده بعض أصحابه بغير الرواتب.

قال شارح المواهب: و من المشكل ما نقله النووي في زوائد الروضة: أن صلاة الفرض داخل الكعبة إن لم [يرج‏] (5) جماعة أفضل من الصلاة خارجها.

و وجه الإشكال: أن الصلاة خارجها متفق على صحتها بين العلماء، فكيف يكون المختلف في صحته أفضل من المتفق عليه. انتهى من الفتح‏

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 265).

(2) شفاء الغرام، الموضع السابق.

(3) في الأصل: جريج. و التصويب من شرح المواهب اللدنية (2/ 344).

(4) في الأصل زيادة: منع. و التصويب من المرجع السابق.

(5) في الأصل: يرجى.