تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام ومكة والحرم وولاتها الفخام‏ - ج1

- محمد بن أحمد المالكي المكي المزيد...
557 /
253

جميعه بما ساقه [المصنف‏] (1).

فلله درّ مالك رضي اللّه عنه ما أدق نظره حيث استحب النفل داخلها؛ لأنه الواقع منه (صلى اللّه عليه و سلم)، و منع الفرض لورود الأمر باستقبالها، فخص منه النفل بالسنة فلا يقاس عليه. انتهى من المواهب و شرحها للزرقاني‏ (2).

و دخلها (صلى اللّه عليه و سلم) على ما ذكره الفاسي في شفاء الغرام أربع مرات: يوم فتح مكة، و في ثاني [يوم‏] (3) الفتح، و في عمرة القضاء، و في حجة الوداع.

انتهى‏ (4).

لكن الصحيح أنه لم يدخلها (صلى اللّه عليه و سلم) إلا مرة واحدة في فتح مكة، كما في الزرقاني على الموطأ (5).

ذكر فضل الصلاة و الدعاء داخل البيت‏

و في رسالة الحسن البصري عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من دخل البيت و صلى فيه دخل في رحمة اللّه، و في حمى اللّه، و في [أمن‏] (6) اللّه، و خرج مغفورا له» (7).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من دخل‏

____________

(1) قوله: المصنف، زيادة من شرح المواهب اللدنية (2/ 344).

(2) شرح المواهب اللدنية (2/ 344). و جاء في هامش الأصل زيادة بخط الدهلوي: فصارت المواضع التي صلى فيها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يقينا و تخمينا تسع مواضع. و التاسع من العدد: هو مصلى آدم (عليه السلام).

(3) زيادة من الغازي (1/ 463).

(4) شفاء الغرام (1/ 293).

(5) شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 472).

(6) في الأصل: أمر. و التصويب من الجامع اللطيف (ص: 101).

(7) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 291)، و ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 166). و انظر الجامع اللطيف، الموضع السابق.

254

البيت دخل في حسنة و خرج من سيئة مغفورا له» (1). رواه البيهقي و غيره.

و في رواية ذكرها عبد الرزاق أنه قال ذلك بمعناه، و زاد: أن يخرج معصوما فيما بقي.

و قوله: «معصوما فيما بقي» يحتمل أن يريد بذلك العصمة من الكفر، فتكون فيه البشارة لمن دخله بالموت على الإسلام.

و عن موسى بن عقبة قال: طفت مع سالم بن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهم خمسة أسابيع، كلما طفنا سبعا دخلنا الكعبة فصلينا فيها ركعتين‏ (2). رواه الأزرقي. ذكره القرشي‏ (3).

روي أن إبراهيم الخليل وجد حجرا مكتوبا فيه أربعة أسطر:

الأول: أنا اللّه لا إله إلا أنا [فاعبدني، و الثاني: أنا اللّه لا إله إلا أنا] (4) محمد رسولي، طوبى لمن آمن به و صدّقه، إلى أن قال: و الكعبة بيتي من دخل بيتي أمن من عذابي. انتهى حلبي‏ (5).

لطيفة بل منقبة شريفة: مما تفرد به ابن علان الصديقي المكي: أنه قرأ البخاري في جوف الكعبة في مدة عمارة البيت في زمن السلطان مراد كما تقدم.

و مما يعد من مناقب الإمام أبي حنيفة رضي اللّه عنه: أنه دخل الكعبة

____________

(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (5/ 158)، و ابن خزيمة في صحيحه (4/ 332)، و الطبراني في الكبير (11/ 177).

(2) أخرجه الأزرقي (1/ 273).

(3) البحر العميق (1/ 27).

(4) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية (1/ 355).

(5) السيرة الحلبية (1/ 355).

255

و صلّى بالقرآن جميعه ركعتين. انتهى من منائح الكرم‏ (1).

و في حاشية (2) شيخنا: يستحب دخول البيت و لو ليلا. انتهى.

و في الخرشي: و إقرار النبي (صلى اللّه عليه و سلم) المفاتيح بيد من هي معه- أي: من بني شيبة- لما أرادت السيدة عائشة رضي اللّه عنها أن تدخل البيت ليلا فاعتذر- أي عثمان الحجبي- للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) بقوله: فإنها لم تفتح‏ (3) ليلا، لا في الجاهلية و لا في الإسلام؛ جبرا (4) و تطييبا لخاطرها فلا يكون فيه دليل على كراهية دخوله ليلا. انتهى.

تنبيه: ينبغي لمن دخل البيت الشريف أن لا يرفع بصره إلى السقف، و أن لا ينظر إلى حوائطه بنيّة الفرجة، و إنما يدخله بخشوع و وقار، فبقدر تعظيم البقعة يعظم الأجر، كما ورد عن عائشة رضي اللّه عنها قالت:

عجبت للرجل المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع نظره إلى السقف، كيف لا يدع ذلك إجلالا للّه تعالى، دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما خالف بصره موضع سجوده حتى خرج منها. انتهى شرح جمال الدين على منسك ملا علي القاري.

الفصل [السادس عشر] (5): في سدانة البيت و هي الحجابة- أي: خدمة البيت و تولي أمره و فتح بابه و إغلاقه-

قال الشيخ محمد الحطاب المالكي (رحمه اللّه) في باب النذر من شرحه‏

____________

(1) منائح الكرم (4/ 122).

(2) أقحم في الأصل بين الأسطر بخط الدهلوي لفظة: «شيخ».

(3) في هامش الأصل زيادة قوله: «نهارا و لا» بخط الدهلوي.

(4) أقحم في الأصل بين الأسطر بخط الدهلوي لفظة: «ذلك».

(5) في الأصل: الخامس عشر. و هو خطأ.

256

على مختصر خليل ما نصه: الخزانة جمع خازن، و خزنة الكعبة هم بنو شيبة.

يقال: خزنة و سدنة و حجبة، و منصبهم يقال له: حجابة و سدانة و خزانة- بكسر الخاء- اه.

و خزنة الكعبة، قال القرشي‏ (1): اعلم أن قصيا جدّ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لما آل أمر البيت و مكة إليه- و كبر قصي- كان عنده [أولاد] (2)، فكان عبد الدار أكبر أولاده و بكره، و كان ولده عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، و ذهب شرفه كل مذهب، ثم أجمع قصي على أن يقسم أمور مكة الستة التي فيها الشرف و الذّكر و العزّ بين ابنيه، فأعطى عبد الدار السدانة- و هو جد بني شيبة- و دار الندوة و اللواء، و أعطى عبد مناف السقاية و الرفادة و القيادة، أما السدانة فهي الحجابة- أي: خدمة البيت و تولي أمره و فتح بابه و إغلاقه- فيروى أنها كانت قبل لطسم- قبيلة من عاد- فاستخفوا بحقه و حرمته فأهلكهم اللّه، ثم وليه خزاعة فاستخفوا بحرمته فأخرجهم اللّه و أهلكهم، حتى كان آخرهم أبا غبشان، فباع المفتاح من قصي بزق خمر و كبش فأشهد عليه، ثم ولي قصي الحجابة و أمر مكة- أي: حجابة الكعبة- بعد أمور و حروب جرت له، كما ذكره القرشي.

ثم أعطى ولده عبد الدار السدانة و دار الندوة و اللواء، و أعطى عبد مناف السقاية و الرفادة و القيادة، فلما توفي قصي أقيم أمره في قومه بعد وفاته [على‏] (3) ما كان عليه في حياته، و اختص عبد الدار بحجابة البيت‏

____________

(1) البحر العميق (3/ 249- 250).

(2) في الأصل: أولادا.

(3) قوله: على، زيادة من ب. و انظر: البحر العميق (3/ 250).

257

و ولاية دار الندوة و اللواء، كما ولّاه [أبوه‏] (1) قصي، فلم يزل يليه حتى توفي، و جعل الحجابة إلى ابنه عثمان بن عبد الدار، و جعل دار الندوة إلى ابنه عبد مناف بن عبد الدار.

أما الندوة فلم يزالوا بنو عبد مناف بن عبد الدار يلون الندوة دون ولد عبد الدار، فكانت قريش إذا أرادت أن تشاور شيئا في أمرها فتحها لهم عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار و بعده ولده أو ولد أخيه.

و أما السدانة فلم يزالوا بنو عثمان بن عبد الدار يلون الحجابة دون ولد عبد مناف بن عبد الدار، ثم وليها عبد العزى، ثم أبو طلحة، ثم وليها عثمان من بعده، فهو: عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي جد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) حتى كان فتح مكة فقبضها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من أيديهم و فتح الكعبة، ثم ردها إليهم. انتهى ما ذكره القرشي‏ (2).

و في المواهب اللدنية (3): روى الفاكهي من طريق ضعيفة عن ابن عمر قال: كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح [باب‏] (4) الكعبة غيرهم، فأخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المفتاح من عثمان بن شيبة بن طلحة يوم الفتح، ففتحها بيده‏ (5).

و عثمان المذكور هو: عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى- كما قاله ابن إسحاق و غيره- بن عثمان بن عبد الدار فنسبه إلى جده الأعلى ليتميز بين أولاد قصي على عادة أهل النسب، فلا يفهم من أن‏

____________

(1) في الأصل: أبيه.

(2) البحر العميق (3/ 250- 251).

(3) المواهب اللدنية (1/ 586- 587).

(4) زيادة من المواهب اللدنية.

(5) أخبار مكة (5/ 234).

258

اسم أبي طلحة: عبد الدار كما ظنه من وهم، و اسم جده- أي عثمان-:

عبد اللّه، و يقال له: الحجبي- بفتح الحاء و الجيم- و يعرفون الآن بالشيبيين، نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، له صحبة و أحاديث، روى عنه البخاري و أبو داود و ابن ماجه، مات سنة [تسع‏] (1) و خمسين. اه.

و هو- أي: عثمان بن طلحة- له صحبة و هجرة، و رواية لمسلم و أبو داود و غيرهما: مات سنة اثنتين و أربعين.

و اسم أم عثمان: سلافة بنت سعد الأوسية الأنصارية، أسلمت بعد.

قال الشارح- أي شارح المواهب-: و هذه العبارة جزم بها المصنف تبعا للفتح في كتاب‏ (2) الحج من أول قوله: و عثمان إلى هنا بلفظه، و كأنه لم يصح عنده ما ذكره الفاكهي أن ولد عثمان لما قدموا من المدينة منعهم ولد شيبة، فشكوا إلى الخليفة المنصور ببغداد فكتب إلى [ابن جريج‏] (3) يسأله، فكتب إليه أنه عليه الصلاة و السلام دفع المفتاح إلى عثمان فادفعه لولده فدفعه، فمنعوا ولد شيبة من الحجابة، فركبوا إلى المنصور و أعلموه أن ابن جريج يشهد أنه عليه الصلاة و السلام قال: «خذوها يا بني أبي طلحة»، فكتب لعامله أن يشهد ابن جريج بذلك، فأدخلهم فشهد عند العامل بذلك فجعلها إليهم [كلها] (4). انتهى ما ذكره الشارح‏ (5).

و في أسد الغابة (6) في ترجمة شيبة بن عثمان بن أبي طلحة- و اسمه عبد

____________

(1) في الأصل: تسعة.

(2) في الأصل: باب. و التصويب من شرح المواهب اللدنية.

(3) في الأصل: أبي نجيح. و التصويب من المرجع السابق.

(4) في الأصل: كلهم.

(5) شرح المواهب اللدنية (2/ 338).

(6) أسد الغابة (2/ 383).

259

اللّه- بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار و أنه من خيار المسلمين، دفع له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لابن عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة [مفتاح الكعبة] (1) و قال: «خذوها خالدة مخلّدة تالدة إلى يوم القيامة، يا بني أبي طلحة! لا يأخذها منكم إلا ظالم».

و هو جد هؤلاء بني شيبة، الذين يلون حجابة البيت، الذين بأيديهم مفتاح الكعبة إلى يومنا هذا.

و في طبقات ابن سعد عن عثمان بن طلحة قال: و كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين و الخميس فأقبل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظت له و نلت منه فحلم عني، ثم قال: «يا عثمان لعلك ترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت»، فقلت له: لقد هلكت قريش يومئذ و ذلت فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «بل عمرت و عزت يومئذ»، و دخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعا ظننت أن الأمر يومئذ سيصير إلى ما قال. فلما كان يوم الفتح قال: «يا عثمان ائتني بالمفتاح» فأتيته به و ذلك بعد امتناع أمي، و قال: خذه يا رسول اللّه بأمانة اللّه، و دخل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) هو و عثمان بن طلحة و بلال و أسامة بن زيد ... الحديث في الموطأ (2).

و طلب العباس عم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن يدفع له المفتاح، فأنزل اللّه الآية، فدفع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) المفتاح إلى عثمان بن طلحة و قال: «خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة»، معنى كل منها: مقيمة، كما في القاموس و غيره‏ (3)، فالثاني تأكيد للأول حسنه اختلاف اللفظ.

____________

(1) زيادة من أسد الغابة (2/ 383).

(2) موطأ مالك (1/ 398).

(3) القاموس المحيط، مادة: خلد، تلد.

260

و في حاشية الجمل على الجلالين‏ (1): خالدة: أي: هاك هذه الخدمة خالدة، أي: مستمرة إلى آخر الزمان، تالدة: أي: قديمة متأصلة فيكم و هو في المعنى تعليل فكأنه قال: خذوها مستمرة فيكم في مستقبل الزمان؛ لأنها لكم في ماضية. انتهى.

و قال المحب الطبري‏ (2): لعل «تالدة» من التالد، و هو المال القديم، أي:

هي لكم من أول الأمر و آخره، و أتبعها بخالدة بمعناها: «لا ينزعها منكم إلا ظالم».

و في رواية: «لا يظلمكموها إلا كافر»، أي: كافر نعمة الفتح، و يحتمل الحقيقة إن استحل، «يا عثمان إن اللّه استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت» أي: بسبب خدمته‏ (3) على سبيل التبرع و البر بالمعروف.

قال المحب الطبري‏ (4): ربما تعلق الجاهل بجواز أخذ الأجرة على دخول الكعبة، و لا خلاف في تحريمه، و هذا إن صح يحتمل أن معناه ما يأخذونه من بيت المال على خدمته و القيام بمصالحه، و لا يحل لهم إلا قدر ما يستحقونه، أو ما يقصدون به من البر و الصلة على وجه البر، فلهم أخذه و ذلك أكل بالمعروف، و المحرم إنما هو نزع المفتاح منهم لا منعهم من انتهاك حرمة البيت‏ (5) و ما فيه قلة أدب، فهذا واجب لا خلاف فيه.

____________

(1) حاشية الجمل (1/ 394).

(2) القرى (ص: 504).

(3) في الأصل: خدمة.

(4) القرى (ص: 506).

(5) في الأصل زيادة بخط الدهلوي: «حاشاهم عن ذلك».

261

و في مناسك الونائي ما نصه: فرع: قال في المجموع‏ (1): ولاية الكعبة و خدمتها و فتحها و إغلاقها و نحو ذلك حق مستحق- باتفاق العلماء، كما نقله القاضي عياض و أوضحه بدليله في شرح مسلم‏ (2)، و ذلك- لبني طلحة الحجبيين من بني عبد الدار بن قصي، و هم المشهورون الآن بالشيبيين.

قال العلماء: و ذلك ولاية لهم عليها من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فتبقى دائما لهم و لذراريهم؛ لقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم»، و لا يحل تفويض شي‏ء من هذه الأمور لغيرهم [و ليس‏] (3) لأحد منازعتهم فيها. اه كلام المجموع‏ (4).

و هناك كلام آخر ذكره الونائي فانظره إن شئت.

و فيه أيضا و قضية تعبيرهم بالبنين أن‏ (5) النساء لا حق لهن في ذلك [بأنفسهن‏] (6) و لا أبنائهن و هي ولاية مختصة بالذكور.

و أما بني البنات لا حق [لهم‏] (7)؛ لأنهم ليسوا من بني شيبة. انتهى.

قال عثمان: فلما ولّيت ناداني فرجعت إليه فقال: «ألم يكن الذي قلت» فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: «لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث شئت» قلت: بلى. قال عثمان: أشهد أن لا إله إلا اله و أشهد

____________

(1) المجموع (7/ 390).

(2) شرح النووي على مسلم (9/ 83).

(3) في الأصل: و لا.

(4) المجموع (7/ 390).

(5) قوله: أن، مكرر في الأصل.

(6) في الأصل: بنفسهن.

(7) في الأصل: لهن.

262

أنك رسول اللّه. قال الشارح: و ليس هذا ابتداء إسلامه؛ لأنه أسلم و هاجر قبل الفتح.

و روى الأزرقي و غيره: أن هذه الآية و هي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها [النساء: 58]، نزلت في عثمان بن طلحة حين أخذ عليه الصلاة و السلام المفتاح- أي: مفتاح الكعبة- و دخلها يوم الفتح فخرج و هو يتلوها، فدعا عثمان فدفعها إليه و قال: «خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة اللّه لا ينزعها منكم إلا ظالم» (1).

و قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: لما خرج (صلى اللّه عليه و سلم) من الكعبة خرج و هو يتلو هذه الآية، ما سمعته يتلوها قبل ذلك‏ (2).

قال السيوطي: ظاهر هذا أنها نزلت في جوف الكعبة (3).

و روى الأزرقي نحوه من مراسيل ابن المسيب و قال في آخره: «خذوها خالدة تالدة لا يظلمكموها إلا كافر» (4).

و روى ابن عائذ و ابن أبي شيبة من مراسيل عبد الرحمن بن سابط أنه (صلى اللّه عليه و سلم) دفع المفتاح إلى عثمان فقال: «خذوها خالدة تالدة مخلدة، إني لم أدفعها إليكم و لكن اللّه دفعها إليكم، لا ينزعها منكم إلا ظالم» (5).

فهذا يدل على باقي عقبهم إلى يوم القيامة، و أصرحها حديث جبير بن مطعم: جاء جبريل (عليه السلام) إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: ما دام هذا البيت أو لبنة من لبناته قائمة فإن المفتاح و السدانة في يد أولاد عثمان بن طلحة.

____________

(1) أخرجه الأزرقي من حديث مجاهد (1/ 265).

(2) أخرجه الأزرقي في الموضع السابق.

(3) الدر المنثور (2/ 570).

(4) أخرجه الأزرقي (1/ 265- 266).

(5) ذكره ابن حجر في فتح الباري (8/ 19).

263

انتهى من المواهب و شرحها للعلامة الزرقاني‏ (1).

و في معالم التنزيل للبغوي‏ (2) عند قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها [النساء: 58]، نزلت في عثمان بن أبي طلحة حين أخذ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) المفتاح فرده له فكان المفتاح معه، فلما هاجر إلى المدينة دفعه إلى شيبة، فالمفتاح و السدانة في أيديهم إلى يوم القيامة. انتهى.

و في الكشاف‏ (3): لما دفع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) المفتاح إلى عثمان بعد نزول الآية هبط جبريل (عليه السلام) و أخبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن السدانة في أولاد عثمان أبدا.

و السدانة إلى اليوم فيهم و إلى يوم القيامة.

و في تفسير النيسابوري: لما دفع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) المفتاح لعثمان نزل جبريل (عليه السلام) و أخبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن المفتاح بيد أولاد عثمان ما دام هذا البيت، و هو إلى يوم القيامة في أيديهم. انتهى.

و في تنزيل الحقائق الربانية: هبط جبريل (عليه السلام) و أخبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن السدانة و المفتاح في يد أولاد عثمان إلى اليوم.

و في تفسير الفخر الرازي‏ (4): فهي في ولده إلى اليوم.

و في روح البيان‏ (5) بعد ذكر حديث جبريل: و هي في ولده إلى اليوم.

و في البيضاوي‏ (6): نزل الوحي على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بأن السدانة في أولاده أبدا.

____________

(1) المواهب اللدنية (1/ 588)، و شرحها (2/ 340- 341).

(2) معالم التنزيل (2/ 238).

(3) الكشاف (1/ 275).

(4) التفسير الكبير (10/ 138).

(5) روح البيان (2/ 226).

(6) تفسير البيضاوي (2/ 205).

264

قال محشّية الشيخ زاده: و هي في أيديهم إلى اليوم و إلى يوم القيامة.

و في حاشية الجمل‏ (1): و هي في أيديهم إلى اليوم. انتهى.

و قال المحب الطبري‏ (2) بعد ذكر حديث جبير: و يشهد لهذا الحديث بقاء عقبهم إلى اليوم، فإن المفتاح و السدانة في يد أولاد عثمان بن أبي طلحة إلى يوم القيامة. انتهى.

و قال ابن ظهيرة في فتاويه نقلا عن الشمس الحطاب المالكي، و لفظ الحطاب: تنبيه على وهم و غلط: رأيت بخط بعض العلماء منقولا من كتاب الجوهر المكنون في القبائل و البطون للشريف محمد بن أسعد الحراني النسابة ما نصه:

الحجبيون بطن منسوبون إلى حجبة الكعبة، و هم ولد شيبة بن عثمان بن عبد اللّه بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن طلحة.

قال شيخ الشرف ابن أبي جعفر الحسيني النسابة: ذكر أنه ليس لبني عبد الدار عقب، و قد درج عقبهم من زمان هشام بن عبد الملك، فكل من يدعى إلى هذا البطن فهو في ضحّ. قال في النهاية (3): الضّحّ- بكسر الضاد و تشديد الحاء المهملة-: ضوء الشمس.

و المعنى و اللّه أعلم: أنه في أمر بيّن البطلان مثل ضوء الشمس.

قال الشمس الحطاب: و ذلك كله و هم و غلط مخالف للأحاديث و كلام الأئمة، فما نقله الشريف النسابة [مردود] (4) بنصوص علماء مكة و المدينة

____________

(1) حاشية الجمل (1/ 394).

(2) انظر: القرى (ص: 503- 506).

(3) النهاية في غريب الأثر (3/ 75).

(4) في الأصل: فمردود.

265

الذي لا يخفى عليهم مثل ذلك لو وقع؛ فمن ذلك ما نقله ابن القاسم صاحب مالك (رحمه اللّه) في [كتاب‏] (1) النذر من المدونة عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي اللّه عنه و نصه: و أعظم مالك أن يشرك مع الحجبة في الخزانة [أحد] (2)؛ لأنها ولاية من النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إذ دفع المفتاح لعثمان بن أبي طلحة. انتهى‏ (3).

قال القاضي عياض في التنبيهات: الخزانة: أمانة البيت. انتهى.

فالشريف النسابة يقول: إنه درج عقبهم في زمن هشام بن عبد الملك، و قد مات هشام في ربيع الآخر سنة [خمس‏] (4) و عشرين و مائة، و صريح كلام مالك أنهم موجودون في زمنه، و قد عاش مالك إلى سنة [تسع‏] (5) و سبعين و مائة، و لا شك أنه أدرك زمن هشام بن عبد الملك فإنه رضي اللّه عنه ولد بعد التسعين في المائة الأولى. فلو وقع ذلك في زمن هشام لما خفي على مالك؛ لأن مثل هذا الأمر مما تتوفر الدواعي إلى نقله فلا يخفى على العوام فضلا عن العلماء، و لو وقع ذلك لتنازعت قريش في ذلك و كانوا أحق به من غيرهم، و لنقل ذلك المؤرخون في كلامهم و كتبهم و لم نقف عليه في كلام واحد منهم، بل الموجود في كلامهم خلافه كما سنقف عليه، و قد تلقى أصحاب مالك جميعهم ما ذكرناه عنه بالقبول و نقلوه في متونهم و شروحهم، و لم ينكر أحد منهم، بل نقله عن مالك جماعة من العلماء من غير أهل مذهبه، و تلقوه كلهم بالقبول.

____________

(1) في الأصل: كتابه.

(2) في الأصل: أحدا.

(3) المدونة الكبرى (2/ 479، 3/ 92).

(4) في الأصل: خمسة.

(5) في الأصل: تسعة.

266

و من ذلك: ما وقع في كلام الأزرقي‏ (1) و أبي عبد اللّه محمد بن إسحاق الفاكهي [المكي‏] (2) مؤرخ مكة في غير موضع من تاريخهما؛ فمن ذلك ما تقدم: أن ولد عثمان كانوا بالمدينة دهرا ثم قدموا و حجبوا مع بني عمهم شيبة بن عثمان. و قد بيّن الفاكهي أن ذلك كان في خلافة أبي جعفر المنصور، و هو بعد هشام بن عبد الملك؛ لأن أبا جعفر من بني العباس و هشام من بني أمية.

و من ذلك أيضا: ما ذكراه في كتاب العهد الذي كتبه الرشيد بين ابنيه المأمون و الأمين، و علق في الكعبة، و فيه شهادة جماعة من الحجبة. و لفظ الفاكهي: و كان الشهود الذين شهدوا في الشرطين من بني هاشم فلان و فلان سماهم، ثم قال: و من أهل مكة من قريش من بني عبد الدار بن قصي، و سمى الجماعة [الذين‏] (3) سماهم الأزرقي و تاريخ الكتاب المذكور في سنة [ست‏] (4) و ثمانين و مائة (5).

و من ذلك: ما ذكره الأزرقي‏ (6) في عمل أبي جعفر المنصور في المسجد الحرام كما تقدم فقال: و كان الذي ولي عمارة المسجد الحرام لأمير المؤمنين أبي جعفر زياد بن [عبيد اللّه‏] (7) الحارثي و هو أمير مكة، و كان على شرطته عبد العزيز بن مسافع الشيبي جد مسافع بن عبد الرحمن.

____________

(1) الأزرقي (1/ 111).

(2) في الأصل: المكيين.

(3) في الأصل: الذي.

(4) في الأصل: ستة.

(5) الأزرقي (1/ 235- 239)، و لم أجده في المطبوع من الفاكهي.

(6) المرجع السابق (2/ 72).

(7) في الأصل: عبد اللّه، و هو خطأ. (انظر: الأزرقي 2/ 72).

267

و من ذلك: ما ذكره الأزرقي‏ (1) لما تكلم على الذهب الذي على المقام فقال: حدثني جدي قال: سمعت عبد اللّه بن شعيب بن شيبة بن جبير بن شيبة يقول: ذهبنا نرفع المقام في خلافة المهدي- و هو ولد أبي جعفر المنصور- و مات في سنة [تسع‏] (2) و ستين و مائة.

و من ذلك: ما ذكره النجم ابن فهد (3) لما حج أمير المؤمنين المهدي العباسي نزل دار الندوة فجاءه عبيد اللّه بن عثمان بن إبراهيم بن عبد اللّه بن شعيب بن شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الحجبي في نصف النهار فدخل عليه فقال: إن معي شيئا لم يحمل لأحد قبلك، فكشف فإذا هو الحجر الذي فيه قدم إبراهيم عليه الصلاة و السلام، فسرّ المهدي بذلك و أعطاه المهدي جوائز كثيرة. و هذا يدل أن سدانة المقام بيد بني شيبة من قدم الدهر.

و من ذلك: ما ذكره النجم ابن فهد (4) أن المعتصم العباسي أرسل قفلا من ذهب إلى الكعبة، و أن يرسل له عامله القفل القديم إلى بغداد فأبوا بنو شيبة، و ذلك في سنة مائتين [و خمس‏] (5) و عشرين إلى آخر ما تقدم.

و من ذلك: أن الأزرقي‏ (6) و الفاكهي‏ (7) رحمهم اللّه لما ذكرا أرباع مكة؛ ذكرا جملة من أرباع بني شيبة، و لم يذكرا أنها انتقلت إلى غيرهم كما هو

____________

(1) أخبار مكة للأزرقي (2/ 36)، و شفاء الغرام (1/ 386).

(2) في الأصل: تسعة.

(3) إتحاف الورى (2/ 204).

(4) إتحاف الورى (2/ 289).

(5) في الأصل: و خمسة. و في إتحاف الورى: مائتين و تسعة عشر.

(6) انظر مبحث الرباع في: الأزرقي (2/ 233).

(7) انظر مبحث الرباع في: الفاكهي (3/ 263).

268

عادتهم، و في كلامهما مواضع كثيرة تدل على ذلك، و الأزرقي كان موجودا بعد الأربعين و مائتين، و الفاكهي كان موجودا بعد السبعين و مائتين، و هما من أهالي مكة، و لهم المعرفة التامة بأخبارها، و لم [يذكرا] (1) ذلك، بل كلامهما صريح في خلافه كما ذكرنا، و لو وقع ذلك لما خفي عليهما و لكان ذلك من أعظم ما ينبهان عليه، و قد نبّها على ما هو أقل من ذلك كما يظهر ذلك لمن طالع كلامهما.

و مما يرد ما ذكره الشريف النسابة أيضا: ما ذكره الزبير بن بكار مؤلف كتاب النسب لما ذكر حديث دفع المفتاح إلى شيبة قال: فبنو أبي طلحة هم الذين يلون سدانة البيت دون سائر بني عبد الدار، و عاش الزبير بن بكار إلى سنة [ست‏] (2) و خمسين و مائتين.

و من ذلك: ما ذكره ابن حزم الظاهري في كتاب جمهرة النسب‏ (3) و نصه: و هؤلاء [بنو] (4) عبد الدار بن قصيّ. [و ولد] (5) لعبد الدار: عبد مناف و عثمان [و السبّاق‏] (6). ثم تكلم على أولاد عبد مناف و السبّاق إلى أن قال: فولد لعثمان بن عبد الدار: عبد العزّى و شريح [فولد شريح:

قاسط] (7)، [قتل‏] (8) يوم أحد كافرا، و ولد لعبد العزى بن عثمان بن عبد الدار: عبد اللّه و هو أبو طلحة، و كان على بني عبد الدار يوم الفجار،

____________

(1) في الأصل: يذكروا.

(2) في الأصل: ستة.

(3) جمهرة أنساب العرب (ص: 125، 127).

(4) في الأصل: بني. و المثبت من الجمهرة.

(5) في الأصل: ولد.

(6) في الأصل: و أسباق، و كذا وردت في الموضع التالي. و المثبت من الجمهرة.

(7) ما بين المعكوفين زيادة من الجمهرة، و انظر: سيرة ابن هشام (2/ 128).

(8) في الأصل: و قتل.

269

فولد أبو طلحة: عثمان، أسلم، و طلحة و أبو سعيد و كلاب قتلوا كلهم كفارا يوم أحد. فولد طلحة بن أبي طلحة: عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، دفع إليه المفتاح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). قال: فبنو طلحة إلى اليوم ولاة الكعبة دون سائر بني عبد الدار، و عدّ منهم جماعة، و عاش إلى سنة [ست‏] (1) و خمسين و أربعمائة.

و من ذلك: ما ذكره الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب‏ (2) في ترجمة شيبة بن عثمان بعد أن ذكر عن الزبير بن بكار ما نقلناه و نصه: قال أبو عمر: و شيبة هذا جد بني شيبة حجبة الكعبة إلى اليوم، و عدّ منهم جماعة- أي: في كتابه جمهرة العرب- و عاش ابن عبد البر إلى سنة [ثلاث‏] (3) و ستين و أربعمائة.

قال ابن فرحون في الديباج المذهب في طبقات المالكية (4): ذكر أن الحافظ ابن عبد البر كانت له اليد الطائلة في علم النسب. انتهى.

و من ذلك: ما ذكره العلّامة ابن الأثير في كتاب الأنساب له و سيأتي كلامه.

و من ذلك: ما ذكره أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي في كتابه نهاية الأرب في معرفة قبائل العرب‏ (5) مما يدل على بقاء عقبهم، و عدّ منهم جماعة، و عاش إلى سنة إحدى و عشرين و ثمانمائة.

و من ذلك: ما ذكره القاضي تقي الدين الفاسي فإنه ترجم لجماعة

____________

(1) في الأصل: ستة.

(2) الاستيعاب (2/ 713).

(3) في الأصل: ثلاثة.

(4) الديباج المذهب (ص: 358).

(5) نهاية الأرب (ص: 283- 284).

270

منهم في العقد الثمين، و سيأتي ما ترجم و كرر ذكرهم في شفاء الغرام و غيره من تأليفه، و لم يعرج على انقراضهم بوجه من الوجوه. انتهى.

ثم قال الشمس الحطاب: و لو كان ما ذكره الشريف النسابة حقيقة ما خفي على هؤلاء العلماء الأعلام.

و من ذلك: ما تقدم من أن جبريل قال للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): ما دام هذا البيت فإن المفتاح و السدانة في أولاد عثمان.

قال الحافظ المحب الطبري: و شهد لك باتصال ذريته الموجودون في زماننا.

و قال الواحدي قبله: و هو إلى اليوم في أيديهم، و عاش الواحدي إلى سنة ثمان و ستين و أربعمائة.

و قال المحب الطبري في الباب الثامن و العشرين من كتاب القرى‏ (1):

الحجابة: منصب بني شيبة، ولّاهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إياها، و هم إلى اليوم.

انتهى.

و قال العلماء في قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «خالدة تالدة» إشارة إلى بقاء عقبهم.

انتهى.

و أما ما ذكره الأزرقي‏ (2) من أن معاوية رضي اللّه عنه أخدم الكعبة عبيدا فلا دلالة فيه على انقراض الحجبة؛ لأن خدّام الكعبة غير ولاة فتحها كما هو معلوم مقرر إلى زماننا، و كثير ما يقع في كلام الأزرقي و الفاكهي ذكر الحجبة ثم ذكر خدمة الكعبة أو عبيدها، و هذا مما يدل على التغاير بينهما، و كيف يتوهم انقراضهم زمن معاوية و النصوص المتقدمة

____________

(1) القرى (ص: 503).

(2) الأزرقي (1/ 254).

271

صريحة في [بقائهم‏] (1).

و قد ذكر ابن الأثير في كتاب الأنساب: أن شيبة بن أبي طلحة عاش إلى زمن يزيد بن معاوية. و كلام ابن الأثير مما يدل على بقائهم إلى زمنه، و عاش إلى سنة [ثلاث‏] (2) و ستمائة (3).

قال الحطاب: و إنما نبهت على ذلك و إن كان كالمقطوع به خشية أن يقف مما لا علم عنده على ما نقل عن الشريف النسابة فيتوهم ما ذكر عن الشريف النسابة. انتهى من فتاوى ابن ظهيرة.

و قد ترجم القاضي تقي الدين الفاسي في كتابه العقد الثمين لجماعة منهم في طبقات المحدثين فمنهم: إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ديلم بن محمد بن علي بن غانم بن مفرج الشيبي، فاتح الكعبة، توفي بمكة سنة خمسمائة [و تسع‏] (4) و ستين‏ (5).

و منهم: إدريس بن غانم بن مفرج الشيبي، أبو غانم: شيخ الحجبة فاتح الكعبة، ولي سنة ستمائة [و سبع‏] (6) و خمسين‏ (7).

و منهم: جعفر بن الحسن‏ (8) الشيبي، أبو الفضل المكي‏ (9).

و منهم: أحمد بن ديلم بن محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ديلم بن‏

____________

(1) في الأصل: بقائه.

(2) في الأصل: ثلاثة.

(3) اللباب في تهذيب الأنساب (2/ 220).

(4) في الأصل: و تسعة.

(5) ترجمته في: العقد الثمين (3/ 192)، و إتحاف الورى (2/ 535).

(6) في الأصل: و سبعة.

(7) ترجمته في: العقد الثمين (3/ 175)، و المنهل الصافي (2/ 286).

(8) في العقد الثمين: الحسين.

(9) ترجمته في: العقد الثمين (3/ 272).

272

محمد الشيبي، مجد الدين أبو العباس المكي: شيخ الحجبة و فاتح الكعبة.

هكذا نسبه أبو حيان، و أنه ولد سنة ستمائة [و اثنتين‏] (1) و أربعين، و توفي في غرة ذي القعدة سنة سبعمائة [و اثنتي عشرة] (2)، و أنه كان ناظر الحرم، و تولى شيخ الحجبة أربعين سنة (3).

و منهم: غانم بن يوسف بن إدريس بن غانم بن مفرج بن محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن عبيدة بن حمزة بن بركات بن عبد اللّه بن شعيب بن شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان. هكذا نسبه الآقشهري، توفي سنة سبعمائة [و ثلاث‏] (4) و أربعين‏ (5).

و منهم: أحمد بن علي بن محمد الشيبي الحجبي. سمع من الشيخ فخر الدين التوزري، و القاضي عز الدين ابن جماعة بعض السنن سنة سبعمائة [و ثلاث‏] (6) و خمسين، و سمع من الشيخ خليل المالكي، و مات بعد الشيخ علي بن راجح‏ (7).

و منهم: أحمد بن يوسف بن أحمد بن صالح بن عبد الرحمن الحجبي.

أجاز (8) له في الحديث الحافظ الدلاصي، تولى فتح الكعبة تسعة أشهر لما

____________

(1) في الأصل: و اثنين.

(2) في الأصل: و اثنا عشر.

(3) ترجمته في: (العقد الثمين 3/ 23)، و الدليل الشافي (1/ 46)، و النجوم الزاهرة (9/ 223)، و المنهل الصافي (1/ 295)، و إتحاف الورى (3/ 149).

(4) في الأصل: و ثلاثة.

(5) ترجمته في: العقد الثمين (5/ 444)، و إتحاف الورى (3/ 226).

(6) في الأصل: ثلاثة.

(7) ترجمته في: العقد الثمين (3/ 71).

(8) الإجازة: تكون بالقول أو القراءة أو المناولة أو المكاتبة أو إعلاما أو وصية أو وجادة من الشيخ (انظر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص: 119- 129، و نزهة النظر بشرح نخبة الفكر في مصطلح حديث أهل الأثر ص: 76- 81، و تدريب الراوي في-

273

غاب محمد بن أبي بكر بن ناصر بن يحيى العبدري. توفي بمكة و دفن بالمعلا سنة سبعمائة [و تسع‏] (1) و سبعين‏ (2).

و منهم: أحمد بن أبي بكر بن محمد الشيبي الحجبي. سمع من الكمال بن حبيب سنة [ثمان‏] (3) و ثمانين و سبعمائة (4).

و منهم: أحمد بن عبد الملك الشيبي، أبو زرارة الحجبي‏ (5).

و منهم: أحمد بن علي بن [أبي‏] (6) راجح بن محمد بن إدريس، توفي في أوائل ثمانمائة و ثمانية غريقا في البحر المالح و هو متوجه إلى بلاد اليمن، روى عن يوسف بن عبد الأعلى، سمع من الحافظ أبو بكر المقرئ بالمسجد الحرام‏ (7).

و منهم: محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن الشيبي‏ (8).

و منهم: محمد بن إدريس بن غانم بن مفرج العبدري الشيبي الحجبي‏ (9).

و منهم: محمد جمال الدين بن نور الدين، شيخ الحجبة و فاتح الكعبة، ولي فتح الكعبة بعد قريبه فخر الدين بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن‏

____________

- شرح تقريب النواوي 2/ 8- 60).

(1) في الأصل: تسعة. و في هامشه بخط الدهلوي: «أو سبعمائة و تسع و خمسين. كذا وجد بخط الجمال الطبري».

(2) ترجمته في: العقد الثمين (3/ 122).

(3) في الأصل: ثمانية.

(4) ترجمته في: العقد الثمين (3/ 13)، و إتحاف الورى (3/ 360).

(5) ترجمته في: العقد الثمين (3/ 52).

(6) قوله: أبي، زيادة على الأصل. و انظر مصادر ترجمته.

(7) انظر ترجمته في: العقد الثمين (3/ 67)، و الضوء اللامع (2/ 32)، و إتحاف الورى (3/ 450).

(8) انظر ترجمته في: العقد الثمين (2/ 112).

(9) انظر ترجمته في: العقد الثمين (2/ 117).

274

محمد بن أبي بكر في صفر أواسط ربيع الأول سنة [سبع عشرة] (1) و ثمانمائة و لم يزل متوليا حتى مات، سكن زبيد (2) لمدة سنين، و كان يتردد منها إلى مكة، ثم استقر بها من حين ولي الكعبة حتى توفي بها قبل الظهر يوم الخميس ثالث عشر جماد الأول سنة سبع عشرة و ثمانمائة بمكة و قد قارب الستين.

و منهم: محمد بن غانم بن مفرج بن محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن عبيدة بن حمزة بن بركات بن عبد اللّه بن شعيب بن شيبة ... إلخ النسب‏ (3).

انتهى ما ذكره الفاسي.

و من ذلك‏ (4): ما وجد في حجر مكتوب في حوطة بني شيبة بالمعلا: أبو بكر بن جمال الدين بن محمد سراج الدين بن محمد بن غانم بن مفرج بن محمد بن يحيى بن عبيدة بن حمزة بن بركات بن عبد اللّه بن شيبة بن شعيب بن عثمان بن طلحة، و أنه توفي سنة تسعمائة و أربعين‏ (5).

و من ذلك: ما ذكره الشيخ عبد القادر في درر الفرائد (6): الشيخ أبو السعود الحجبي، و جرت بينه و بين ناظر الحرم لما أن أرادوا إصلاح سقف‏

____________

(1) في الأصل: سبعة عشر، و كذا وردت في الموضع التالي.

(2) زبيد: اسم واد به مدينة يقال لها: الحصيب، ثم غلب عليها اسم الوادي فلا تعرف إلا به، و هي مدينة مشهورة ظاهرا أحدثت في أيام المأمون، و بإزائها ساحل غلافقة و ساحل المندب (معجم البلدان 3/ 131).

(3) انظر ترجمته في: العقد الثمين (2/ 335).

(4) أجرى الدهلوي عددا من الإضافات و الشطب على هذه الفقرة في الأصل، و قد نقلناها من ب.

(5) في ب و الأصل: و أربعة، و قد صوبها الدهلوي في الهامش إلى: و أربعين. و هو الصواب. (انظر: نيل المنى 1/ 510).

(6) درر الفرائد (ص: 22- 23).

275

البيت سنة ثمانمائة و تسع‏ (1) و خمسين.

و من ذلك ما ذكره القطب في أعلام الناس‏ (2): الشيخ راجح الشيبي، ذكره عند معاليق البيت و عدّ منهم جماعة.

و من ذلك: ما ذكره السنجاري في منائح الكرم‏ (3)، ذكر جمال الدين بن قاسم الشيبي الحجبي، و أنه وضع قناديل الزيت في بيته في الصفا لما أرادوا عمارة الكعبة زمن السلطان مراد خان كما تقدم.

و من ذلك: ما ذكره السنجاري‏ (4)، ذكر عبد الواحد بن محمد الشيبي، توفي سنة [ثلاث عشرة] (5) و مائة بعد الألف جماد الثاني.

و شيخ الحجبة الآن الموجود (6) في زماننا و هو عام ألف و مائتين [و تسعة] (7) و ثمانين الشيخ العالم الفاضل عبد اللّه بن المرحوم الشيخ محمد الشيبي شيخ الحجبة بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي بن عبد الواحد [أبي‏] (8) المكارم بن جمال الدين بن قاسم بن أبي بكر بن جمال الدين بن محمد بن عمر بن محمد بن غانم بن مفرج بن محمد بن يحيى بن عبيدة بن‏

____________

(1) في الأصل: تسعة.

(2) الإعلام (ص: 60).

(3) منائح الكرم (4/ 69).

(4) لم أقف عليه في المطبوع من منائح الكرم.

(5) في الأصل: ثلاثة عشر.

(6) أدخل الدهلوي أيضا على هذه الفقرة عددا من التغييرات، فقد كشط على العام الذي أشار إليه المؤلف و هو عام 1289 و كتب بدلا منه عام 1329 و هو يوافق عصر الدهلوي، كما أنه غيّر اسم شيخ الحجبة الموجود في زمن المصنف و هو الشيخ عبد اللّه بن محمد الشيبي إلى اسم شيخ الحجبة الموجود في عصر الدهلوي، و هو: محمد صالح بن أحمد. عليه فقد أثبتنا هذه الفقرة كما وضعها المؤلف دون الزيادات و التعديلات التي أدخلها الدهلوي مستعينين بنسخة ب.

(7) في الأصل: تسعة.

(8) في الأصل: أبو.

276

حمزة بن بركات بن عبد اللّه بن شعيب بن شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، و اسمه: عبد اللّه بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، يلتقي مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في قصي.

لطيفة: أعطى اللّه مفتاح الجنة لرضوان، و مفتاح الكعبة لبني شيبة. كذا في نزهة المجالس.

مسألة: جرت العادة في بني شيبة أن يكون المفتاح عند أكبرهم سنا، و ذلك من فعله (صلى اللّه عليه و سلم)، فإنه دفعه إلى عثمان بن أبي طلحة مع وجود شيبة بن عثمان، و لما مات عثمان ولي شيبة، و الظاهر أن ذلك شأن ولاة البيت من زمن الجاهلية؛ لأن قصيا خلف عليه عبد الدار و هو أكبر أولاده. كذا في منائح الكرم‏ (1).

و قال ابن ظهيرة في فتاويه و نصه: إذا اختلفوا هل يقضى لهم بما جرت العادة من تقديم أكبرهم سنا و ربما كان غير مرضي الحال؟ لم أر في ذلك نصا لأحد من العلماء. و الظاهر أنه يقضى للأكبر و إن كان غير مرضي الحال، و إنما يجعل معه مشرفا منهم، و القضاء بما جرت به العادة تشهد له مسائل كثيرة. اه.

[و في‏] (2) مجموع العلامة الأمير المالكي و نصه: و لا يجوز مشاركة خدمة الكعبة حيث قاموا بشؤونها في أمورها؛ لأنها ولاية منه (صلى اللّه عليه و سلم) لرهط عثمان خادمها عام الفتح.

و في الحطاب: و عادتهم أن المفتاح مع كبيرهم، و نقل أن الوقف إذا جهل شرطه عمل بما اعتيد في صرفه، و كثيرا ما سمعته من شيخنا، و لا

____________

(1) منائح الكرم (1/ 385).

(2) في الأصل: في.

277

يجوز أخذ دراهم على المفتاح. انتهى.

الفصل السابع عشر: في فتح الكعبة في زمن الجاهلية و الإسلام‏

اعلم أن من عادات بني شيبة اختياريا أن الكعبة المشرفة كانت تفتح في الجاهلية يوم الاثنين و الخميس، و في صدر الإسلام يوم الجمعة و الاثنين، و في أوقات أخر من أيام السنة، منها: بكرة الثاني عشر من ربيع الأول، و في بكرة ثاني عشر من رجب و ثالث عشر ذي القعدة، و في بعض أيام الموسم في الثمان الأول من ذي الحجة و في لياليها. كذا في درر الفرائد.

قلت: و أما في زماننا فتفتح في أوقات من كل سنة فتوحات عامة لجميع الناس [ست عشرة] (1) مرة ثمان للرجال و ثمان للنساء، أولها: صبح عاشر المحرم للرجال و ثانية للنساء، ثانيها: ثاني عشر ربيع الأول للرجال و ثانيه للنساء، ثالثها: أول جمعة من رجب للرجال و السبت للنساء، رابعها: سبعة و عشرين للرجال و ثامن و عشرين للنساء، خامسها: يوم النصف من شعبان [و السادس‏] (2) عشر للنساء، سادسها: أول جمعة من رمضان للرجال و السبت للنساء، سابعها: آخر جمعة من رمضان للرجال و السبت للنساء، ثامنها: خمسة عشر من ذي القعدة للرجال و ستة عشر للنساء، و فتحها في جميع ما تقدم نحو [ثلاث‏] (3) ساعات بكرة النهار ثم تغلق، و قد تفتح مرارا أخر لأجل [الدعاء] (4) أو غسل أرضها أو تلبيس كسوتها أو ما يقتضيه الحال.

____________

(1) في الأصل: ستة عشر.

(2) في الأصل: السادس.

(3) في الأصل: ثلاثة.

(4) في الأصل: دعاء. و المثبت من الغازي (1/ 476).

278

[و حين فتوح الكعبة المعظمة يفتحها أسنّهم أو واحد منهم من طرفه، و يجتمع من السدنة بني شيبة من وجد منهم إلا من تعذر منهم عند باب الكعبة و داخلها عند الدخول- أي: دخول الزوار- إلى أن ينتهي زيارة الزوار، ثم يغلقون الباب و يذهبون إلى بيت المفتاح، و هناك يقتسمون ما ورد إليهم من هدايا الزوار بينهم غائبا و حاضرا، شيوخا و أطفالا، ذكورا و إناثا بالسوية بينهم، و يجعلون لأسنّهم- أي: شيخهم- سهمين.

و أما الهدايا من الزوار الواردة في الأيام الأخيرة فيجعلون لشيخهم منها الثلث و الباقي يقتسمونه على ما ذكر بينهم بالسوية] (1).

فائدة: ذكر الفاكهي‏ (2): كان من سنن المكيين و هم على ذلك إلى اليوم إذا ثقل لسان الصبي و أبطأ كلامه عن وقت عادته جاؤوا به إلى الحجبة و سألوهم أن يدخلوا مفتاح الكعبة في فمه فيتكلم بإذن اللّه تعالى، و ذلك مجرّب إلى وقتنا هذا. اه.

و قال ابن ظهيرة (3): قال بعض شيوخنا: و إلى عصرنا هذا و هو سنة [خمس‏] (4) و ثمانمائة.

قال ابن ظهيرة: و هو إلى وقتنا هذا سنة [أربع‏] (5) و تسعمائة، و لا يخصّون بذلك من ثقل لسانه بل يفعلون ذلك بالصغار مطلقا تبرّكا بذلك، و رجاء أن يمنّ عليهم بالحفظ و الفهم، و قد فعل بنا آباؤنا و فعلنا نحن بأبنائنا.

____________

(1) زيادة من الغازي (1/ 476). و قد عزاه الغازي إلى التحصيل.

(2) لم أقف عليه في المطبوع من الفاكهي. و انظر: شفاء الغرام (1/ 353).

(3) الجامع اللطيف (ص: 49).

(4) في الأصل: خمسة.

(5) في الأصل: أربعة.

279

الفصل الثامن عشر: في المصابيح التي تقاد حول المطاف‏

قال الأزرقي‏ (1): أول من استضاء في المسجد الحرام؛ عقبة بن الأزرق، و كانت داره ملاصقة لجدار المسجد الحرام من ناحية باب الكعبة، و المسجد يومئذ ضيق، ليس بين جدار المسجد و المقام إلا شي‏ء يسير، فكان يضع المصباح على حرف جداره، و كان المصباح كبيرا يستضي‏ء به على زمزم و المقام و على المسجد. و أول من رتب القناديل: معاوية بن أبي سفيان.

قال الأزرقي‏ (2): و كان مصباح [زمزم‏] (3) على عمود طويل مقابل زمزم و الركن الأسود، و الذي وضعه خالد بن عبد اللّه القسري. فلما كان محمد بن سليمان واليا على مكة في خلافة المأمون وضع عمودا طويلا مقابله بحذاء الركن الغربي، فلما ولي [ابن‏] (4) داود مكة جعل عمودين، أحدهما بحذاء الركن اليماني، و الآخر بحذاء الركن الشامي، فلما ولي الواثق أرسل بعشرة أعمدة فجعلت حول المطاف يستضاء بها على أهل المطاف.

ثم قال الأزرقي: و كان حول المطاف عشرة [أعمدة] (5) من نحاس يستضاء بها على أهل المطاف بعث بها الواثق العباسي. انتهى. ذكره القرشي‏ (6).

____________

(1) الأزرقي (1/ 286).

(2) المرجع السابق (1/ 287).

(3) قوله: زمزم، زيادة من الأزرقي، الموضع السابق.

(4) قوله: ابن، زيادة على الأصل. و هو: محمد بن داود بن علي بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس. انظر ترجمته في: العقد الثمين (2/ 15).

(5) في الأصل: أعمد.

(6) البحر العميق (3/ 270).

280

و في كتاب مكة للأزرقي‏ (1): أن الأعمدة [التي‏] (2) أرسل بها الواثق كانت في قصر بابك بناحية أرمينية (3) كانت في صحن داره، فلما قتل أرسل بها الواثق. انتهى.

ثم قال القرشي‏ (4): و أما عددها اليوم فاثنان و ثلاثون عمودا، منها ثمانية عشر [آجرّا مجصصا] (5)، و أربعة عشر حجارة منحوتة دقيقة، و بين الأساطين أخشاب ممدودة تعلق فيها القناديل، و كانت في موضع الأساطين أخشاب على صفة الأساطين، و سبب عملها هو للاستضاءة للطائفين يوضع عليها القناديل.

قال عز الدين ابن جماعة: و الأساطين [التي‏] (6) حول المطاف الشريف [أحدثت للاستضاءة بالقناديل التي تعلق بينها] (7) بعد العشرين و سبعمائة [و كانت‏] (8) من خشب ثم جعلت من حجارة سنة [تسع‏] (9) و أربعين و سبعمائة، ثم ثارت ريح عاصفة سنة إحدى و خمسين و سبعمائة فألقتها ثم جددت [فيها] (10). انتهى ما ذكره القرشي.

____________

(1) الأزرقي (1/ 288).

(2) في الأصل: الذي.

(3) أرمينية: بلد معروف يضم كورا كثيرة، سميت بذلك لكون الأمن فيها. و قيل: سميت بأرمون بن لمطي بن يومن بن يافث بن نوح (معجم ما استعجم 1/ 141).

(4) البحر العميق (3/ 270).

(5) في الأصل: آجر مجصص.

(6) في الأصل: الذي. و التصويب من البحر العميق (3/ 270).

(7) زيادة من البحر العميق، الموضع السابق.

(8) في الأصل: كانت. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(9) في الأصل: تسعة.

(10) زيادة من البحر العميق (3/ 270).

281

و في درر الفرائد (1): أن السلطان سليمان العثماني غيّر الأساطين [التي‏] (2) حول المطاف و كانت من حجارة بأعمدة من نحاس في سنة تسعمائة [و اثنتين‏] (3) و ثلاثين [و بينها] (4) أخشاب ممدودة لتعلق فيها القناديل حول المطاف، و عدة النحاس ثلاثون، و في جهة زمزم في آخر الأساطين [عمود رخام‏] (5)، و في آخر الأساطين من الجهة الأخرى من جهة المنبر عمود رخام. انتهى من منائح [الكرم‏] (6).

أقول: و قد جدد محمد عزت باشا في زمن السلطان عبد المجيد خان عمودين من رخام من جهة باب بني شيبة على حافة الصحن، عليها أعمدة من حديد، منقور لها بين الأساطين، متصلة تلك الأعمدة بالأساطين القديمة. انتهى.

و قد غيّرت أيضا الأخشاب [التي‏] (7) بين الأساطين [التي‏] (8) حول المطاف بأعمدة [من‏] (9) حديد تعلّق فيها القناديل، و بين كل عمودين سبع قناديل. انتهى.

و في مختصر روضة ربيع الأبرار (10) قال معاذ رضي اللّه عنه، رفعه: من علق قنديلا في المسجد صلّى عليه سبعون ألف ملك حتى ينكسر ذلك‏

____________

(1) درر الفرائد (1/ 50).

(2) في الأصل: الذي.

(3) في الأصل: و اثنين.

(4) في الأصل: و بينهما.

(5) في الأصل: عمودا رخاما، و كذا وردت في الموضع التالي.

(6) في الأصل: الكرام.

(7) في الأصل: الذي.

(8) مثل السابق.

(9) زيادة من الغازي (1/ 690).

(10) روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار (ص: 67).

282

القنديل، و من بسط فيه حصيرا صلّى عليه سبعون ألف ملك حتى يتقطع ذلك الحصير. ذكره في الروضة الثالثة عشر.

فائدة: قال الشبرخيتي على شرح خليل: قال بعضهم: إن الأساطين التي حول المطاف هي حد الحرم الذي كان في زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أبي بكر رضي اللّه عنه، و ما وراء ذلك فهو الزيادة. انتهى. و اللّه أعلم.

و مما أحدث في الحرم من الأعمدة النحاس ستة أعمدة، أرسلتها والدة السلطان عبد المجيد خان في رأسها صورة نخلة من صفر، طول كل عمود نحو خمسة أذرع مفرقة بالمسجد الحرام، فأربعة في مقابلة أركان المسجد و واحد خلف المقام الحنفي، و الآخر مقابله في جهة باب الصفا، و ركب كل عمود على قاعدة من حجر طولها نحو ذراع، و يعلّق في رأس كل عمود ستة قناديل. انتهى.

و ذلك في سنة ألف و مائتين و نيف و خمسين كما أخبر بذلك الوالد المرحوم رحمة اللّه عليه.

و للأديب إبراهيم المهتار المكي‏ (1):

تراءت قناديل المطاف لناظري‏* * * عن البعد و الظلماء ذات تناهي‏

كدائرة من خالص التبر وسطها* * * فتّيت مسك و هي بيت إلهي‏

____________

(1) انظر: خلاصة الأثر (1/ 57).

283

الباب الثاني: في إخراج زمزم و فيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في ذكر إخراج زمزم لإسماعيل عليه الصلاة و السلام‏

ذكر القرشي‏ (1): لما كان بين هاجر أم إسماعيل عليه الصلاة و السلام و بين سارة امرأة إبراهيم عليه الصلاة و السلام ما كان- و قصتهما مشهورة- أقبل إبراهيم عليه الصلاة و السلام بهاجر و ابنها إسماعيل عليه الصلاة و السلام و هو صغير يرضع حتى قدم مكة، و مع أم إسماعيل عليه الصلاة و السلام شنّة فيها ماء، تشرب و تدرّ على ابنها، و ليس معها زاد.

و في رواية: [و معها] (2) جراب فيه تمر، و سقاء فيه ماء، و ليس بمكة أحد، و ليس فيها ماء، فعمد إبراهيم عليه الصلاة و السلام إلى دوحة فوق زمزم- أي بجنبها-، و في رواية: في الحجر- أي محله- ذكرها الأزرقي‏ (3)، فوضعهما عندها.

و في منائح [الكرم‏] (4): أن محل الدوحة هي الخلوة التي قدام مقام الحنبلي لاصقة بزمزم، أي [التي‏] (5) فيها الأغوات التي فيها السبيل. انتهى.

و هذا المحل هو الذي كان يجلس فيه سيدنا عبد اللّه بن العباس رضي اللّه عنهما.

____________

(1) البحر العميق (3/ 272).

(2) في الأصل: و معاها. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(3) انظر: (الأزرقي 2/ 31).

(4) في الأصل: الكرام.

(5) في الأصل: الذي، و كذا وردت في الموضع التالي.

284

ثم توجه إبراهيم عليه الصلاة و السلام خارجا على دابته، فتبعته هاجر حتى وافى إبراهيم عليه الصلاة و السلام بكداء، فقالت له هاجر: إلى من تركتنا؟ قال: إلى اللّه عز و جل، فقالت: رضيت باللّه.

و في رواية: قالت له: إلى أين تذهب و تتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس و لا شي‏ء؟ و قالت له ذلك مرارا فلم يلتفت إليها. فقالت: آللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم. فقالت: إذا لا يضيعنا اللّه، ثم رجعت تحمل ابنها، فانطلق إبراهيم عليه الصلاة و السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم رفع يديه و قال: اللهم‏ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ...- إلى قوله-:

يَشْكُرُونَ‏ [إبراهيم: 37]، و جعلت هاجر ترضع ولدها حتى فني ماء [شنّتها] (1) فانقطع درّها، فجاع ابنها فاشتد جوعه، حتى نظرت إليه أمه يتشحط (2)، فخشيت أمه [أن‏] (3) يموت عليه الصلاة و السلام، فقالت أمه:

لو تغيبت [عنه‏] (4) حتى يموت و لا أدري بموته، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا و قالت: لو مشيت بين هذين الجبلين تعللت حتى يموت الصبي و لا أراه، [فمشت‏] (5) بينهما حتى إذا وصلت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، فقامت عليها فنظرت فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات.

____________

(1) في الأصل: شنها.

(2) يتشحط: يتخبط و يضطرب و يتمرغ (اللسان، مادة شحط).

(3) في الأصل: أنه. و التصويب من البحر العميق (3/ 273).

(4) في الأصل: فيه.

(5) في الأصل: فمشيت.

285

و في كتاب الأزرقي‏ (1) عن ابن عباس: [ثلاث‏] (2) أو أربع و لا تجيز بطن الوادي في ذلك إلا رملا. يقول ابن عباس: ثم رجعت أم إسماعيل- عليه الصلاة و السلام- إلى ابنها فوجدته ينشغ‏ (3) كما تركته فأحزنها، فعادت إلى الصفا تتعلل حتى يموت، فمشت بين الصفا و المروة كما مشت أول مرة.

يقول ابن عباس: حتى كان مشيها بينهما سبع مرات.

قال ابن عباس: قال أبو القاسم (صلى اللّه عليه و سلم): «فلذلك طاف الناس بين الصفا و المروة». انتهى.

و ذكر القرشي‏ (4): فلما رجعت إلى المروة سمعت صوتا فقالت: صه- تريد نفسها- ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غوث، فخرج لها جبريل (عليه السلام) فاتبعته حتى وصل عند زمزم‏ (5)، فبحث بعقبه- أو بجناحه- حتى ظهر الماء و هي تقول بيدها هكذا، و تفرغ من الماء في سقائها و هو يفور بعدما تغرف، فشربت و أرضعت ولدها.

و قال لها جبريل (عليه السلام): لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيت اللّه عز و جل، يبنيه هذا الغلام و أبوه، و إن اللّه تعالى لا يضيع أهله.

زاد البخاري‏ (6) عن ابن عباس: و كان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه و شماله ... ثم ساق القصة.

____________

(1) الأزرقي (2/ 40).

(2) في الأصل: ثلاثة.

(3) النّشغ: الشّهيق حتى يكاد يبلغ به الغشي (لسان العرب، مادة: نشغ).

(4) البحر العميق (3/ 273).

(5) في الأصل زيادة: فاتبعته.

(6) أخرجه البخاري (3/ 1228/ ح 3184).

286

و ذكر الفاكهي‏ (1): أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام حفر زمزم بعد جبريل (عليه السلام) ثم عقب عليه ذو القرنين.

و في الحديث أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «يرحم اللّه أم إسماعيل لو تركت زمزم»، أو قال: «لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا» (2).

و في السيرة الحلبية (3) و لفظه: ففي ربيع الأبرار: أن جبريل (عليه السلام) أخرج زمزم مرتين، مرة لآدم (عليه السلام)، و مرة لإسماعيل عليهما الصلاة و السلام. اه.

و الذي في ربيع الأبرار (4) و لفظه: زمزم هزمة (5) جبريل أنبطها مرتين، مرة لآدم عليه الصلاة و السلام فلم تزل كذلك حتى انقطعت عند الطوفان، و مرة لإسماعيل. ذكره في باب العيون و الآبار. انتهى.

و على باب بئر زمزم مكتوب‏ (6) أبيات أولها (7):

سرور لسلطان البرية و الورى‏ (8)

إلى أن قال:

حفيرة إسماعيل أعني ابن هاجر (9)* * * و ركضة جبريل على عهد آدم‏

تأمل. و اللّه أعلم.

____________

(1) الفاكهي (2/ 9).

(2) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس (2/ 834 ح 2239).

(3) السيرة الحلبية (1/ 51).

(4) ربيع الأبرار (1/ 245).

(5) الهزمة: النقرة في الصخرة و نحوه، و ما تطامن من الأرض (اللسان، مادة: هزم).

(6) في الأصل زيادة كلمة: رد، فوق الكلمة السابقة.

(7) انظر هذه الأبيات في: التاريخ القويم (3/ 82).

(8) في الأصل: سرور لملك للبسيطة و الورى. و المثبت من التاريخ القويم، الموضع السابق.

(9) في الأصل: حفيرة إبراهيم يوم ابن آجر. و المثبت من التاريخ القويم، الموضع السابق.

287

و ذكر الأزرقي‏ (1) عن ابن جريج: أن جبريل (عليه السلام) حين هزم بعقبه في موضع زمزم فقال لأم إسماعيل- و أشار إليها إلى موضع البيت-:

هذا أول بيت وضع للناس، و هو بيت اللّه العتيق، و اعلمي أن إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام يرفعاه للناس و يعمرونه، و لا يزال معمورا محرما إلى يوم القيامة- أي: قربها-. قال ابن جريج: فماتت أم إسماعيل قبل أن يرفعه إبراهيم عليه الصلاة و السلام و دفنت في موضع الحجر. انتهى.

فبينما هاجر و ابنها كذلك إذ مرّ ركب من جرهم قافلين من الشام في الطريق السفلي، فرأى الركب الطير على الماء، فقال بعضهم: ما كان بهذا الوادي من ماء و لا أنيس، فأرسلوا جاريتين لهم حتى أتيا أم إسماعيل عليه الصلاة و السلام فكلّماها، ثم رجعا إلى الرّكب فأخبروهم [بمكانها] (2)، فرجع الركب كله حتى حيّوها، فردّت عليهم، و قالوا: لمن هذا الماء؟ قالت أم إسماعيل: هو لي. قالوا: [أ تأذنين‏] (3) لنا أن نسكن معك؟ قالت: نعم.

و لهذا قال (صلى اللّه عليه و سلم): «ألفت ذلك أم إسماعيل و قد أحبت الأنس»، فنزلوا و بعثوا إلى أهلهم فقدموا، و سكنوا تحت الدوح و أعرشوا عليها العريش، فكانت معهم هي و ابنها.

قال بعض أهل العلم: و كانت جرهم تشرب من ماء زمزم، فمكثت بذلك ما شاء اللّه أن تمكث، فلما استخفت جرهم و تهاونوا بحرمة البيت، و أكلوا مال الكعبة الذي يهدي إليها، و ارتكبوا مع ذلك أمورا عظاما نضب‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي (1/ 56).

(2) في الأصل: بمائها. و التصويب من البحر العميق (3/ 273).

(3) في الأصل: أتأذني.

288

ماء زمزم و انقطع، فلم يزل موضعه يدرس و يتقادم و تمر عليه السيول عصرا بعد عصر حتى غبي مكانه، و سلط اللّه خزاعة على جرهم فأخرجتهم من الحرم، و وليت خزاعة الكعبة و الحكم بمكة، و موضع زمزم في ذلك داثر لا يعرف لتقادم الزمن، حتى بوّأه اللّه لعبد المطلب بن هاشم لما أراد اللّه من ذلك، فخصّه به من بين قريش، و قيل: إن جرهم دفنت زمزم.

ذكره القرشي‏ (1).

و ذكر الحلبي‏ (2): أن جرهم لما استخفت بأمر البيت و ارتكبوا الأمور العظام قام فيهم رئيسهم مضاض- و في كتاب مكة للأزرقي‏ (3): إن مضاض هذا جدّ [نابت‏] (4) بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن، أي: أبو أمه- و مضاض- بكسر الميم، و حكي: ضمها- [خطيبا و وعظهم، فلم يرعووا] (5)، فلما رأى ذلك منهم عمد إلى [غزالتين‏] (6) من ذهب كانتا في الكعبة و ما وجد فيها من الأموال- أي: السيوف و الدروع- التي كانت تهدى إلى الكعبة و دفنها في بئر زمزم.

و في مرآة الزمان: أن هاتين الغزالتين أهداهما إلى الكعبة ساسان أول ملوك الفرس الثانية، ورد بأن الفرس لم يحكموا البيت و لا حجوا. هذا كلامه. و فيه: أن هذا لا ينافي ذلك، تأمل. و كانت بئر زمزم نضب ماؤها- أي: ذهب- فحفر مضاض بالليل و أعمق الحفر و دفن بها ذلك- أي:

____________

(1) البحر العميق (3/ 272- 273).

(2) السيرة الحلبية (1/ 51).

(3) الأزرقي (1/ 81).

(4) في الأصل: ثابن. و التصويب من الأزرقي، الموضع السابق.

(5) ما بين المعكوفين زيادة من السيرة الحلبية (1/ 51).

(6) في الأصل: غزالين.

289

و دفن الحجر الأسود أيضا كما قيل- و طمّ البئر، و اعتزل قومه، فسلط اللّه عليهم خزاعة فأخرجتهم من الحرم و تفرقوا و هلكوا. ثم لا زالت زمزم مطمومة لا يعرف محلها مدة خزاعة و مدة قصي و من بعدهم إلى زمن عبد المطلب و رؤياه التي أمر بحفرها، قيل: و تلك المدة خمسمائة سنة، أي: و كان قصي احتفر بئرا في الدار التي يقال لها: دار أم هانئ، و هي أول سقاية احتفرت بمكة. انتهى ما ذكره الحلبي‏ (1).

الفصل الثاني: في ذكر حفر عبد المطلب جد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) زمزم بعدما اندرست كما تقدم‏

ذكر القرشي في البحر العميق‏ (2): عن الزهري قال: أول ما ذكر من أمر عبد المطلب جد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن قريشا خرجت فارّة من أصحاب الفيل، و هو غلام شاب فقال: و اللّه لا أخرج من الحرم أبتغي العز في غيره، فجلس عند البيت و أخلت عنه قريش، فلم يزل ثابتا في الحرم حتى أهلك اللّه الفيل و أصحابه، و كون عبد المطلب خرج إلى أصحاب الفيل و قال لهم: أنا رب إبلي، و رب البيت يحميها، فلا يخالف أنه ثبت في الحرم و لم يخرج؛ لأن المحسر من الحرم، تأمل. و رجعت قريش و قد عظم فيها بصره و تعظيمه محارم اللّه، فبينما هو كذلك و قد ولد له أكبر بنيه و هو الحارث بن عبد المطلب فأدرك.

و عن عليّ رضي اللّه عنه، قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال: احفر طيبة. قال: قلت: و ما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني،

____________

(1) السيرة الحلبية (1/ 52).

(2) الأزرقي (2/ 42- 44)، و البحر العميق (3/ 273- 274).

290

فرجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر برّة. قال: قلت: و ما برّة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر زمزم قلت: و ما زمزم؟ قال: لا تزف و لا تذم تسقي الحجيج الأعظم، و هي بين الفرث و الدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل. ذكره الحلبي‏ (1).

و في رواية: فاستيقظ فقال: اللهم بيّن لي، فأتي في المنام مرة أخرى، فقيل له: احفر تكتم بين الفرث و الدم في مبحث الغراب الأعصم في قرية النمل مستقبل الأنصاب الحمر، فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما [سمّي‏] (2) له من الآيات، [فنحرت‏] (3) بقرة بالحزورة (4) فانفلتت من جزارها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت في المسجد في موضع زمزم، فجزرت تلك البقرة في مكانها حتى احتمل لحمها، فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث، فبحث عند قرية النمل، فقام عبد المطلب فحفر هناك، فجاءته قريش فقالت لعبد المطلب: ما هذا [الصنيع‏] (5)؟ إنا لم [نزنك‏] (6) بالجهل، لم تحفر في مسجدنا؟ فقال عبد المطلب: إني لحافر هذا البئر و مجاهد من صدّني عنها، فطفق يحفر هو و ابنه الحارث- و ليس له ولد يومئذ غيره- فسفه عليهما ناس من قريش‏

____________

(1) المرجع السابق.

(2) في الأصل: سمه.

(3) في الأصل: فخرجت. و التصويب من الأزرقي (2/ 42- 44)، و البحر العميق (3/ 274).

(4) الحزورة: عند باب الوداع. و كانت الحزورة سوق مكة، و قد دخلت في المسجد لما زيد فيه (معجم البلدان 2/ 255).

(5) في الأصل: تصنع. و التصويب من البحر العميق (3/ 274).

(6) في الأصل: نتركك. و التصويب من الأزرقي.

291

[فنازعوهما] (1) و قاتلوهما، و تناهى عنه أناس من قريش لما علموا من عتق نسبه و صدقه و اجتهاده في دينهم. فلما اشتدّ عليهما الإيذاء نذر عبد المطلب إن رزقه اللّه عشرة من الأولاد [لينحرنّ‏] (2) واحدا منهم، فتزوج عبد المطلب النساء فولد له عشرة أولاد فقال: اللهم إني كنت نذرت لك نحر أحدهم، و إني أقرع بينهم فأصب بذلك من شئت، فأقرع بينهم فطارت القرعة على عبد اللّه أبي النبي (صلى اللّه عليه و سلم)- و كان أحب ولده إليه- فقال: اللهم عبد اللّه أحب إليك أم مائة من الإبل، ثم أقرع بينه و بين المائة من الإبل، فكانت القرعة على المائة، فنحرها عبد المطلب. انتهى.

ثم حفر حتى أدرك الطيّ، فكبّر، فعرفت قريش أنه أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر إسماعيل و إن لنا فيها حق فأشركنا معك فيها، فقال عبد المطلب: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر خصصته من دونكم و أعطيته من بينكم، قالوا له: فأنصفنا فإننا غير تاركوك حتى نحاكمك، قال: فاجعلوا بيني و بينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم، قال: نعم، و كانت بأطراف الشام، فركب عبد المطلب و معه نفر من بني عبد مناف، و ركب من كل قبيلة من قريش نفر، قال:

و الأرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض المفاوز بين الحجاز و الشام فني ماء عبد المطلب و أصحابه، فعطشوا حتى أيقنوا بالهلاك، فاستغاثوا [بمن‏] (3) معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم و قالوا: إنا في مفازة نخشى منها على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع‏

____________

(1) في الأصل: فنزعهما. و التصويب من البحر العميق (3/ 274).

(2) في الأصل: لأنحرن.

(3) في الأصل: من.

292

القوم تخوّف على نفسه و أصحابه. قال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا [تبع لرأيك‏] (1) فمرنا بما شئت. قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم لنفسه لما به الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه صاحبه في حفرته ثم واراه، حتى يكون آخركم رجل، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا. قالوا: نعم ما أمرت به. فقام كل رجل منهم يحفر حفرة، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا، ثم قال عبد المطلب لأصحابه: إنا ألقينا بأيدينا للموت لعجز، ألا نضرب في الأرض، فعسى اللّه أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، و ارتحلوا حتى إذا فرغوا من معهم من قريش ينظرون إليهم و ما هم فاعلون، فتقدم عبد المطلب لراحلته فركب، فانبعث- أي: انفجر- الماء من تحت خفّ الناقة ماء عذب، فكبّر عبد المطلب و كبّر أصحابه، ثم نزلوا و شربوا و استقوا و ملؤوا قربهم، ثم دعا القبائل التي كانت معهم من قريش فقال: هلموا إلى الماء، فقد سقانا اللّه فاشربوا و استقوا، فشربوا و استقوا فقالت القبائل التي نازعته: قد و اللّه قضى اللّه لك علينا يا عبد المطلب، و اللّه لا نخاصمك في زمزم أبدا، الذي سقاك هذا في الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا، فرجع و رجعوا و لم يمضوا إلى الكاهنة، و خلّو بينه و بين زمزم.

قال ابن إسحاق‏ (2): هذا الذي بلغني من حديث عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

فلما رجع و رجعوا فحفر، فلما تمادى به- أي: الحفر- وجد غزالتين من ذهب، و هما الغزالتان اللتان دفنتهما جرهم فيها حين خرجت من‏

____________

(1) في الأصل: نتبع رأيك. و التصويب من البحر العميق (3/ 274)، و الأزرقي (2/ 45).

(2) السيرة النبوية لابن إسحاق (1/ 2- 5).

293

مكة، و وجد فيها أسيافا و أدرعا، فقالت له قريش: يا عبد المطلب، لنا معك في هذا [شركا] (1)، قال: لا، و لكن هلموا إلى أمر ينصف بيني و بينكم، نضرب عليها بالأقداح، قالوا: و كيف نصنع؟ قال: نجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، و لكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شي‏ء كان له، و من تخلّف قدحاه فلا شي‏ء له. قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، و قدحين أسودين لعبد المطلب، و قدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوا الأقداح للذي يضرب بها عند هبل، و قام عبد المطلب يدعو اللّه عز و جل، و ضرب صاحب الأقداح فخرج الأصفران‏ (2) على الغزالتين، و خرج الأسودان‏ (3) على الأسياف، و الدروع لعبد المطلب، و تخلفت أقداح قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بباب الكعبة، و ضرب في الباب الغزالتين، فكان أول حلية حلّيت [به‏] (4) الكعبة. ذكره الحلبي‏ (5).

و حفر عبد المطلب ثلاثة أيام حتى انبط الماء في القرار ثم نحرها حتى لا تنزف، ثم بنى عليها حوضا فطفق هو و ابنه ينزعان فيملآن الحوض فيشرب منه الحاج، فيكسره ناس من حسدة قريش بالليل فيصلحه عبد المطلب حين يصبح، فلما أكثروا فساده دعى عبد المطلب ربه، فأري في المنام فقال: قل: اللهم لا أحلّها لغسل، و لكن هي للشارب حلّ و بلّ، ثم كفيتهم، فقام عبد المطلب فنادى بالذي رأى في المنام، ثم انصرف، فلم يكن يفسد حوضه ذلك عليه أحد من قريش إلا رمي في جسده بداء حتى تركوا

____________

(1) في الأصل: أشركنا. و التصويب من البحر العميق (3/ 275).

(2) في الأصل: الأصفرين.

(3) في الأصل: الأسودين.

(4) قوله: به، زيادة على الأصل.

(5) السيرة الحلبية (1/ 55).

294

حوضه و سقايته. انتهى. ذكره القرشي‏ (1).

و قوله فيما تقدم: «بنقرة الغراب الأعصم ... إلخ»، قال السهيلي‏ (2):

دل على زمزم بعلامات [ثلاث‏] (3): بنقرة الغراب الأعصم فإنها بين الفرث و الدم، و عند قرية النمل.

و يروى: أنه لما قام لحفرها رأى [ما] (4) رسم له من قرية النمل و نقرة الغراب، و لم ير الفرث و الدم، فبينما هو كذلك انفلتت بقرة لجزارها، فلم يداركها حتى دخلت المسجد، فنحرها في الموضع الذي رسم لعبد المطلب، فسال هناك الفرث و الدم، فحفر عبد المطلب [حيث‏] (5) رسم له كما تقدم.

و لم [تخص‏] (6) بهذه العلامات الثلاثة بأن تكون دليلا عليها إلا لحكمة إلهية، و فائدة مشاكلة في علم التعبير و التوسم الصادق لمعنى زمزم و مائها.

أما الفرث و الدم فإن ماءها طعام طعم و شفاء سقم، و هي لما شربت له، و قد تقوّت من مائها أبو ذر ثلاثين بين يوم و ليلة فسمن، فهي إذا كما قال (صلى اللّه عليه و سلم) في اللبن: «إذا شرب أحدكم اللبن فليقل: اللهم بارك لنا فيه و زدنا منه، فإنه ليس شي‏ء يسدّ مسدّ الطعام و الشراب إلا اللبن»، و قد قال تعالى: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ‏ [النحل: 66] فظهور هذه السقاية المباركة بين الفرث و الدم و كانت تلك من دلائلها المشاكلة

____________

(1) البحر العميق (3/ 274- 275).

(2) الروض الأنف (1/ 259).

(3) في الأصل: ثلاثة. و المثبت من الروض الأنف، الموضع السابق.

(4) في الأصل: لما. و التصويب من الروض الأنف، الموضع السابق.

(5) في الأصل: حين. و الصواب ما أثبتناه.

(6) في الأصل: خص. و التصويب من البحر العميق (3/ 275).

295

لمعناها.

و أما قوله: «الغراب الأعصم»، قال القتيبي: الغراب الأعصم: الذي في جناحه بياض، و قيل: الذي في رجليه، و اعترض على القتيبي فقيل: الذي في أحد رجليه، و لذا قال (صلى اللّه عليه و سلم): «المرأة الصالحة في النساء كالغراب الأعصم». قيل: يا رسول اللّه، و ما الغراب الأعصم؟ قال: «الذي في أحد رجليه بياض» (1).

قال السهيلي‏ (2): فالغراب في التأويل فاسق و هو أسود، فدلّت نقرته على نقرة الأسود الحبشي [بمعوله‏] (3) على أساس الكعبة يهدمها في آخر الزمان، بقبلة الرحمن، و سقيا أهل الإيمان، و ذلك عندما يرفع القرآن، و تجي‏ء عبادة الأوثان.

و أما قرية النمل ففيها من المشاكلة و المناسبة أيضا: أن زمزم هي عين مكة التي يردها الحجيج و العمّار من كل جانب، فيحملون إليها البرّ و الشعير و غير ذلك، و هي لا تحرث و لا تزرع؛ لقول إبراهيم عليه الصلاة و السلام: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ...- إلى قوله-: وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ‏، و قرية النمل كذلك؛ لأن النمل لا تحرث و لا تبذر، و تجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب.

و في مكة قال تعالى: قَرْيَةً [كانَتْ‏] (4) آمِنَةً [مُطْمَئِنَّةً] (5) يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً

____________

(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (8/ 201 ح 7816). و ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (4/ 273)، و عزاه إلى الطبراني.

(2) الروض الأنف (1/ 260- 261).

(3) في الأصل: بمعواله. انظر: البحر العميق (3/ 275).

(4) قوله: كانَتْ‏ ساقطة من الأصل.

(5) قوله: مُطْمَئِنَّةً ساقطة من الأصل.

296

مِنْ كُلِّ مَكانٍ‏ [النحل: 112] مع أن لفظ قرية النمل مأخوذة من: قريت الماء في الحوض إذا جمعته، و الرؤيا تعبر على اللفظ تارة و على المعنى أخرى، فقد اجتمع اللفظ و المعنى في هذا التأويل، و قيل لعبد المطلب في صفة زمزم: لا تنزف أبدا و لا تذم، و هذا برهان عظيم؛ لأنها لم تنزف من ذلك الوقت إلى يومنا قط، و قد وقع فيها عبد حبشي فنزحت من أجله، فوجدوا ماءها يثور من ثلاثة عيون، أقواها و أكثرها ماء العين الذي من ناحية الحجر الأسود. هذا حديث الدارقطني. ذكره القرشي‏ (1).

و ذكر الفاسي في شفاء الغرام‏ (2): أن العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه سأل كعب الأحبار رضي اللّه عنه: أي عيونها أغزر؟ قال: العين [التي‏] (3) تجري من جهة الحجر. قال: صدقت. انتهى.

و قوله: لا تذم، أي: لا تعاب و لا تلفى مذمومة، من قولك: أذممته إذ وجدته مذموما، و قيل: لا يوجد ماؤها [قليلا] (4)، من قولهم: بئر ذمة إذا كانت قليلة الماء، و منه حديث البراء رضي اللّه عنه: فأتينا على بئر ذمة فنزلنا فيها- أي: قليلة الماء-. كذا قاله ابن الأثير (5)، و ضعف السهيلي الوجه الأول.

و قال: قوله: «فلا تذم» فيه نظر، و ليس هو على ما يبدو من ظاهر اللفظ من أنها لا يذمها أحد، و لو كان من الذم لكان ماؤها أعذب المياه، و لتضلع منه كل من شربه. و قد جاء في الحديث: «أنه لا يتضلع منها

____________

(1) البحر العميق (3/ 275).

(2) شفاء الغرام (1/ 472).

(3) في الأصل: الذي.

(4) قوله: قليلا، زيادة من البحر العميق (3/ 275).

(5) النهاية في غريب الحديث (2/ 169).

297

منافق»؛ فماؤها إذا مذموم عندهم- أي: عند المنافقين- و قد كان خالد بن عبد اللّه [القسري‏] (1) أمير العراق يذمها [و يسميها] (2) أم جعلان، و احتفر بئرا خارج مكة باسم الوليد بن عبد الملك، و جعل يفضّلها على زمزم، و يحمل الناس بالتبرك بها دون زمزم جراءة منه على اللّه تعالى، و قلّة حياء منه، و هو الذي كان يعلن و يفصح بسبّ سيدنا عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه على المنبر.

قال السهيلي‏ (3): و إنما ذكرنا هذا ليعلم أنها قد ذمت. قال: فقولهم إذا:

«لا تذم» من قولهم: بئر ذمة، أي: قليلة الماء، فهو من أذممت البئر وجدتها ذمة؛ كقولهم: أكذبت الرجل إذا وجدته كذابا، قال تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ‏ [الأنعام: 33]، فهذا أولى ما حمل عليه معنى قوله: «لا تذم».

انتهى كلام السهيلي و هذا لفظه.

[و قوله‏] (4): ادع بالماء الروي غير الكدر، يقال: ماء روى- بالكسر و القصر- و رويا- بالمد و الفتح- مثل نعام جافل لم يقسم الجافل، من جفلت الغنم إذا انفلتت بجميعها، و لم يقسم، أي: لم يوزع و لم يتفرق، ليس يخاف منه شي‏ء ما عمر، أي: ما عمر هذا الماء فإنه لا يؤذي و لا يخاف منه ما يخاف من المياه إذا أفرط في شرابها، بل هي بركة على كل حال.

قال السهيلي‏ (5): فعلى هذا يجوز أن يحمل على قوله: لا تنزف و لا تذم، أي: لا تذم عاقبة شربها، و هذا تأويل سائغ أيضا إلى ما قدمناه من‏

____________

(1) في الأصل: القسيري. و في ب: القشيري. و هو تصحيف.

(2) في الأصل: و يسمها.

(3) الروض الأنف (1/ 261- 262).

(4) قوله: و قوله، زيادة من البحر العميق (3/ 276).

(5) الروض الأنف (1/ 265).

298

التأويل، و كلاهما صحيح في صفتها.

و كان حفر عبد المطلب لها قبل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) على ما ذكره ابن إسحاق في السيرة (1) عن علي.

و في تاريخ الأزرقي‏ (2): أن حفر عبد المطلب لبئر زمزم كان بعد قصة أصحاب الفيل. فعلى هذا يكون حفر عبد المطلب لها بعد مولد النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

و اللّه أعلم.

و روي أن أبا طالب عم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عالج زمزم. و كان النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ينقل الحجارة و هو غلام. رواه البزار في مسنده بسند ضعيف‏ (3).

و أما علاج زمزم في الإسلام.

قال الأزرقي‏ (4): قد كان قلّ ماؤها جدا حتى كادت أن تجمّ‏ (5) في سنة [ثلاث‏] (6) و عشرين [و أربع‏] (7) و عشرين و مائتين، فضرب في جنبها (8) تسعة أذرع سحّا في الأرض في تقوير جوانبها، ثم جاء اللّه بالأمطار و السيول في سنة [خمس‏] (9) و عشرين و مائتين فكثر ماؤها، و قد كان سالم بن [الجراح‏] (10) قد ضرب فيها في خلافة هارون الرشيد [أذرعا] (11)،

____________

(1) السيرة النبوية لابن إسحاق (1/ 2- 5).

(2) الأزرقي (2/ 42).

(3) أخرجه البزار (4/ 124).

(4) الأزرقي (2/ 61).

(5) جمّت تجمّ و تجمّ، و الضم أكثر: تراجع ماؤها (لسان العرب، مادة: جمم).

(6) في الأصل: ثلاثة.

(7) في الأصل: و أربعة.

(8) في الأزرقي (2/ 61): فضرب فيها. و كذا في البحر العميق (3/ 276).

(9) في الأصل: خمسة.

(10) في الأصل: جريح. و انظر: الأزرقي (2/ 61)، و البحر العميق (3/ 276).

(11) في الأصل: أذرع.

299

و ضرب فيها في خلافة المهدي، و كان عمر بن ماهان قد ضرب فيها، و كان ماؤها قد قلّ حتى كان رجل يقال له: محمد بن [مشير] (1) من أهل الطائف‏ (2) يعمل فيها فقال: أنا صليت في قعرها. ذكره القرشي‏ (3).

و تقدم: أن العيون التي في قعرها ثلاثة: عين حذاء الركن الأسود، و عين حذاء الصفا [و أبي‏] (4) قبيس، و عين حذاء المروة. ذكره القرشي‏ (5) و الحلبي‏ (6).

ذكر ذرع زمزم‏

قال الأزرقي‏ (7): كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعا، ثم قلّ ماؤها حتى كانت تجم، فضرب فيها تسعة أذرع سحا في الأرض في تقوير جوانبها.

قال: فغورها من رأسها إلى الجبل أربعون ذراعا كل ذلك بنيان، و ما بقي فهو جبل منقور و هو تسعة و عشرون ذراعا.

____________

(1) في الأصل: بشير. و التصويب من الأزرقي (2/ 61)، و البحر العميق (3/ 276).

(2) الطائف: مدينة في السفوح الشرقية لسراة الحجاز، شرق مكة مع ميل يسير إلى الجنوب على (99) كيلا. و ترتفع عن سطح البحر (1630) مترا، و لذا فإن جوّها معتدل صيفا و غير قارس شتاء، و تعتبر مصيفا مثاليا يؤمه كل صيف ألوف المصطافين من المملكة و دول الخليج، و هي كثيرة المزارع و الفواكه، و لرمانه شهرة، و عنبه من أحسن الأنواع (معجم معالم الحجاز 5/ 219- 220).

(3) البحر العميق (3/ 275- 276).

(4) في الأصل: و أبا.

(5) البحر العميق (3/ 276).

(6) السيرة الحلبية (1/ 52).

(7) الأزرقي (2/ 61).

300

قال: و ذرع حنك زمزم في السماء ذراعان [و شبر] (1)، و ذرع تدوير فم البئر إحدى [عشرة] (2) ذراعا، وسعة فم زمزم ثلاثة أذرع و ثلثا ذراع.

و أول من عمل الرخام على زمزم و على الشبابيك و فرش أرضها بالرخام: أمير المؤمنين أبو جعفر في خلافته، ثم عمل المهدي في خلافته، ثم غيره‏ (3) [عمر بن فرج الرخّجي‏] (4) في خلافة أمير المؤمنين المعتصم سنة عشرين و مائتين، و كانت مكشوفة قبل ذلك إلا قبة صغيرة على موضع البئر.

و ذكر الأزرقي‏ (5) صفة زمزم و حجرتها و حوضها قبل أن تغيّر في خلافة المعتصم باللّه، ثم ذكر صفة القبة و حوضها و ذرعها، [ثم ذكر صفة سقاية العباس بن عبد المطلب‏ (6) و ذرعها إلى خلافة الواثق باللّه في سنة تسع و عشرين و مائتين فمن أراد ذلك كله فلينظره ثمة] (7).

قال القرشي في البحر العميق‏ (8): [و من الحجر الأسود إلى جدار الحجرة التي فيها بئر زمزم إحدى و ثلاثون ذراعا بذراع القماش، و صفة] (9) الحجرة التي فيها بئر زمزم في زماننا، فهو بيت مربع مسقف في جدرانه‏

____________

(1) في الأصل: و شبرا. و الصواب ما أثبتناه. و انظر الأزرقي، الموضع السابق.

(2) في الأصل: عشر.

(3) في الأصل: غير.

(4) زيادة من الأزرقي.

(5) الأزرقي (2/ 100- 106).

(6) سقاية العباس: كان بيت كبير مربع له قبة شرقي الكعبة و جنوبي زمزم. عمل أيام المهدي بستة أحواض. و أزيلت هذه تماما سنة 1321 ه في ولاية الشريف عون توسعة للمصلّين (شفاء الغرام 1/ 490، و مرآة الحرمين 1/ 259).

(7) ما بين المعكوفين زيادة من ب. و انظر: البحر العميق (3/ 277).

(8) البحر العميق (3/ 277).

(9) ما بين المعكوفين زيادة من ب. و انظر: البحر العميق، الموضع السابق.

301

تسعة أحواض للماء، تملأ من بئر زمزم يتوضأ الناس منها، و الخلوة (1) التي جانب هذه الحجرة عملت على ما هي عليه اليوم في سنة [سبع‏] (2) و ثمانمائة، و كانت قبل ذلك على غير هذه الصفة، و إنما بنيت على هذا [الوضع‏] (3) الآن ليتوضأ الناس من البزابيز (4) التي عملت في أسفلها.

انتهى [كلام القرشي.

قلت: قد جددت هذه البزابيز في سنة ألف و مائتين و ثمان‏ (5) و سبعين ثم تركت. انتهى‏] (6).

و في منائح الكرم‏ (7): و قد غيّرت قبة زمزم، غيّرها السلطان أحمد خان على يد سليمان بيك شيخ الحرم الشريف سنة ألف [و اثنتين‏] (8) و سبعين.

انتهى.

و هي الموجودة الآن في زماننا، و هي بيت مربع و في جدرانه ثمانية شبابيك، ثلاثة مواجهة الكعبة، و ثلاثة جهة المدرج، و اثنان بجانب الباب، و الباب في الوسط، و في هذين الشباكين [حوضان‏] (9) تملآن من زمزم‏

____________

(1) الخلوة: المكان الذي ينقطع فيه العابد للعبادة، و عند الصوفية المكان الذي يختلي فيه الصوفي بنفسه مبتعدا عن الخلق للتعبد و الزهد، و عند النصرانية: هو المكان الذي يحبس الراهب نفسه فيه للتعبد، و هي بمنزلة الكنيسة (انظر: صبح الأعشى 5/ 445، و التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ص: 122).

(2) في الأصل: سبعة.

(3) في الأصل: الموضع. و التصويب من البحر العميق (3/ 277).

(4) البزابيز: هي الصنابير يصب منها الماء. و قال السباعي في تاريخ مكة (حاشية ص: 333):

لعل كلمة «بزبوز» أخذت من بزبز الماء أو الحليب إذا تدفق بقوة.

(5) في ب: ثمانية.

(6) ما بين المعكوفين زيادة من ب.

(7) منائح الكرم (4/ 226). و انظر: التاريخ القويم (3/ 83).

(8) في الأصل: اثنين.

(9) في الأصل: حوضين.

302

للشراب، و فوق قبة البئر بيت آخر مقام على أعمدة بيت لشيخ زمزم، أي:

[رئيس‏] (1) المؤذنين يصعد إليه بدرج جهة مقام الحنبلي، فيطلع رئيس المؤذنين- و هو شيخ زمزم- ليؤذن و يتبعه سائر المؤذنين في جميع الأوقات.

و قد جددت في زماننا شبابيك بيت زمزم و رخام أرضها و أصلح فمها و الدرابزان الذي على فم البئر، كل ذلك على يد سيدنا الشريف عبد اللّه بن سيدنا الشريف محمد بن عون و الحاج عزت باشا في سلطنة السلطان عبد العزيز خان، و كان ذلك العمل في سنة ألف و مائتين [و تسع‏] (2) و سبعين، و ابتداء ذلك في شعبان من التاريخ. انتهى.

ذكر باب زمزم و إغلاقه‏

في [نشر] (3) الأنفاس في فضائل زمزم و سقاية العباس للشيخ خليفة بن [أبي الفرج‏] (4) بن محمد الزمزمي البيضاوي المعروفين الآن بآل الريس:

إن زمزم- يعني بيتها- كان ليس عليه بابا و لا غلق، و مع ذلك كان التكلم للجد بطريق النيابة عن الخلفاء العباسيين، فلما صار أمر البئر إلى الشيخ عبد السلام بن أبي بكر الزمزمي [أنهى‏] (5) بمحضر إلى خليفة وقته و كانت إذ ذاك و الخلافة في بني العباس بأن زمزم في أوقات الصلاة يدخلها الناس فيشوشون على الإمام و المصلين، خصوصا أيام الحج؛ بسبب‏

____________

(1) في الأصل: و رئيس. و التصويب من: التاريخ القويم (3/ 83).

(2) في الأصل: تسعة.

(3) في الأصل: شرح. و انظر: أعلام المكيين للمعلمي (1/ 476).

(4) في الأصل: بن فرج. و انظر ترجمته في خلاصة الأثر (2/ 132)، و الأعلام للزركلي (2/ 312).

(5) في الأصل: نهى.