تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام ومكة والحرم وولاتها الفخام‏ - ج1

- محمد بن أحمد المالكي المكي المزيد...
557 /
303

ازدحامهم، و دفع أمواتهم، و طالما دخلت الكلاب و البسس بالليل و يطيحون فيها، و القصد باب‏ (1) يجعل عليها يمنع ما ذكر فأجابه لسؤاله.

اه.

ثم بعد الشيخ عبد السلام الزمزمي أنهى ذرية الشيخ عبد السلام الشيخ عمر بن عبد العزيز الزمزمي إلى خليفة زمنهم العباسي أن بيدهم خدمة زمزم و سقاية العباس، و المقصد تجعل ضبة على باب زمزم يسكّونها (2) بالليل و في أوقات الصلاة، و أن يكون المفتاح عند أكبرهم، و يبقى ذلك في ذريتهم، فأجابهم الخليفة العباسي بمرسوم شريف صورته مذكورة في «نشر الأنفاس».

و مما ذكر في المرسوم: أن يعمل على الباب لمبة و مفتاح، و يعطى للشيخ عمر بن عبد العزيز الزمزمي، و يقيم على ذلك من شاء من جهتهم من يتولى غلق الباب و فتحه لمن يقصد زمزم، فليعتمد هذا المرسوم الشريف كل واقف عليه و يعمل بمقتضاه. حرر عشرين من شوال سنة ثمانمائة [و ست‏] (3) و عشرين. اه.

تنبيه: قال الشيخ خليفة الزمزمي في [نشر] (4) الأنفاس: أصل دخول خدمة وظيفة زمزم و سقاية العباس على جدنا الأكبر علي بن محمد بن داود البيضاوي، قدم مكة عام ثلاثين و ستمائة، و لما قدم مكة من العراق باشر عن الشيخ سالم بن ياقوت المؤذن خدمة زمزم، فلما ظهر له خيره نزل له‏

____________

(1) في الأصل: بابا. و الصواب ما أثبتناه.

(2) في هامش الأصل: أي: يغلقونها.

(3) في الأصل: ستة.

(4) في الأصل: شرح. و انظر: أعلام المكيين للمعلمي (1/ 476).

304

عنها و زوّجه ابنته، فولدت منه أولاد، و صار لهم أمر البئر و سقاية العباس.

انتهى.

و هم المعروفون الآن ببيت الريس. اه.

قال الشيخ خليفة: وقعت في زمن الشيخ شهاب الدين الزمزمي في آخر ثمانمائة [و سبع‏] (1) و سبعين، هو أن شخصا يقال له عبد العزيز بن عبد اللّه الزمزمي، إذ كل من جبذ دلوا عليها نسب إليها، و قد كثرت جماعة بهذه الأسماء من الهنود و غيرهم، فادعى ذلك الرجل الشركة مع أولاد الشيخ إسماعيل الذين أخذوها من جدّهم عن الشيخ سالم بن ياقوت، و هم وكلاء عن الخلفاء العباسيين في ذلك، و دلّس ذلك الرجل على خليفة زمانهم فأشركه معهم، و أنهى أولاد الشيخ إسماعيل إلى الخليفة، فأرسل إليهم الأمير [أزبك‏] (2)، فبحث عن هذه الخدمة، و عقد مجلسا حضره القضاة و كثير من أعيان مكة، و وقف على ما بيد أولاد الشيخ إسماعيل البيضاوي من المستندات القديمة، و ظهر الحق أن هذه الخدمة لأولاد الشيخ إسماعيل، و أخرج المعتدين عليهم، فهي لهم خلفا عن سلف من سنة ستمائة و ثلاثين إلى وقتنا هذا، و يعرفون الآن ببيت الريس. انتهى‏ (3).

أقول: و مثل هذه الحادثة وقعت في زماننا، هو أن رجلا يقال له عبد الحميد كان وكيلا عن الشيخ علي الريس شيخ زمزم، و استمر مدة من الزمان، ثم بعد ذلك ادّعى أن خدمة زمزم له شركة معهم، و أن بيده تقارير من أشراف مكة- يعني حكامها- فلما سمعوا منه بذلك أرسلوا- يعني‏

____________

(1) في الأصل: سبعة.

(2) في الأصل: زنابك. و انظر: إتحاف الورى (4/ 582).

(3) انظر هذه الحادثة في: إتحاف الورى (4/ 582- 583).

305

بيت الريس- رجلا من طرفهم إلى الآستانة العلية و بيده استنادات من الخلفاء العباسيين و من سلاطين آل عثمان أن هذه الوظيفة لهم، فلما اطلعوا على ذلك أيّدوهم بفرمان‏ (1) سلطاني لمنع كل من يتعرض لهم، و أن هذه الخدمة تبقى بيدهم كما كانوا عليه أسلافهم. انتهى.

ذكر سقاية العباس‏

قال العلّامة ابن فهد: سقاية العباس كانت بين الركن و المقام و زمزم، بالقرب من مجلس سيدنا عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما، فأخرّها عبد اللّه بن الزبير إلى موضعها الآن، و كانت قبتها من خشب، ثم عمّرت بالحجر في زمن الخليفة المعتمد أحمد بن المتوكل العباسي في عام تسعة و خمسين و مائتين. اه.

و قال شهاب الدين أحمد بن حسن: عمّرها محمد بن هارون بن عباس بن إبراهيم- لما حج بالناس- من خشب العاج، و سقّفها به على حكم المقعد الظريف في بيت التربيع مزخرفا بماء الذهب، و جعل البركة كلها من رخام منقوش، و كتب اسمه في نقش الرخام، و استمر بناؤه إلى ثلاثمائة و خمسين، فحجّ بالناس أحمد بن محمد بن عيسى العباسي فهدم ذلك و بناه على أربعة أعمدة مفتحة من سائر الجوانب الأربعة، و سقّفها بالخشب المذهب، و أبقى البركة على بنائها الأصلي، و استمر بناؤه إلى سنة ثلاثمائة [و ثلاث‏] (2) و سبعين.

____________

(1) الفرمان: فارسي، و هو عهد السلطان للولاة. أمر ملكي، مرسوم (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 79).

(2) في الأصل: ثلاثة.

306

استطراد لطيف، هو: في سنة ألف و مائتين [و ثمان‏] (1) و ثمانين في جمادى الأولى ورد خطاب من الدولة العلية إلى حضرة من نحن تحت رعايته أدام اللّه عزه سيدنا الشريف عبد اللّه بن ولي اللّه سيدنا الشريف محمد بن عون لما بلغها من معمر باشا أن هذه القبة- [أي قبة الكتب‏] (2)- و التي بجانبها تمنع مشاهدة الكعبة المشرفة لمن بتلك الجهة، فورد ذلك الخطاب بالكشف عن ذلك الأمر، فعقد مجلسا على ذلك ببيته [الذي‏] (3) بالغزة و فيه العلماء، فأخبروه أن [إحدى‏] (4) القبب- يعني: قبة سقاية العباس- [بني‏] (5) محلها، فقال: نجعل محلها قبة صغيرة على أربعة أعمدة، و فيها حوض باسم مولانا السلطان بحيث إن تلك القبة لا تمنع مشاهدة البيت لمن بتلك الجهة، فاستحسن ذلك القول، فللّه ما أحسن رأيه الذي وافق على ما كانت عليه في زمن أحمد بن محمد العباسي، فكتب بذلك إلى الدولة و لم يأت بعد ذلك خبر بالهدم. اه.

ثم في ثلاثمائة و ألف ورد الأمر بهدمهما و ذلك في سلطنة مولانا المعظم السلطان عبد الحميد بن السلطان عبد المجيد خان، و أمير مكة يومئذ الشهم الهمام نجبة السادة الأشراف، من نحن تحت حمايته سيدنا الشريف عون الرفيق باشا ابن ولي اللّه سيدنا الشريف محمد بن عون طاب ثراه، و كان والي الحجاز و شيخ الحرم الوزير المعظم عثمان باشا. و كان ابتداء الهدم بعد صلاة الجمعة اثنا عشر صفر، و شاهد الهدم سيدنا الشريف المومأ

____________

(1) في الأصل: ثمانية.

(2) زيادة من الغازي (1/ 574)، و التاريخ القويم (3/ 77).

(3) في الأصل: التي.

(4) في الأصل: أحد. و الصواب ما أثبتناه.

(5) في الأصل: يعني. و التصويب من الغازي (1/ 574).

307

إليه و الوزير عثمان باشا.

و لما حج بالناس جعفر بن علي بن سليمان العباسي سقّفها لسقوطها و انهدامها و جعلها من حجر و نورة (1)، و استمر ذلك إلى أربعمائة و ثلاثين، ثم حجّ بالناس عمر بن الحسن و قد انهدم ذلك البناء، فبناها كلها على صفة بيت مربع، و جعل لها بابان شرقي و غربي، و أحسن عمارتها، و استمر ذلك البناء إلى سنة خمسمائة و عشرين فجدّدها إبراهيم العباسي.

قال ابن فهد (2): ثم عمّرها الجواد الأصفهاني صاحب الموصل في أول القرن السادس. اه.

قال الفاسي في العقد الثمين‏ (3): و آخر عقد عمرت فيه هذه السقاية سنة ثمانمائة [و سبع‏] (4) بعد سقوط القبة التي كانت بها، و كانت من خشب من عمل الجواد الأصفهاني فعملت من حجر. و قد عمّرها وزير صاحب الموصل، و أم الخليفة الناصر لدين اللّه العباسي.

قال ابن فهد (رحمه اللّه) في لطائفه: و المستكفي في سنة خمسمائة [و تسع‏] (5)، و الملك المظفر عمر في سنة ستمائة و أربع و سبعين، و أحمد بن عمر المرجاني في سبعمائة و عشرين.

قال ابن فهد (6): ثم عمّرها محمد بن قلاوون في سبعمائة [و ست‏] (7)،

____________

(1) النورة عند الحجازيين يسميها المصريون الجير الأسمر.

(2) إتحاف الورى (3/ 443).

(3) العقد الثمين (1/ 260).

(4) في الأصل: و سبعة.

(5) في الأصل: و تسعة.

(6) إتحاف الورى (3/ 144). و انظر: شفاء الغرام (1/ 490).

(7) في الأصل: و ستة.

308

ثم في زمن الظاهر برقوق في ثمانمائة [و سبع‏] (1)، و سبب هذه العمارة:

سقوط القبة. قاله الفاسي.

و قد عمّرها قيتباي في ستمائة و أربع و سبعين ثم في ثمانمائة [و أربع‏] (2) و تسعين. قاله ابن فهد.

و ممن عمّرها بالنورة، و أحدث فيها دكّة (3)، و جدّد هلالها: الوزير حسن باشا في حال وروده مكة من اليمن قاصدا البلاد الرومية أوسط ربيع الأول سنة مائة [و ست‏] (4) و عشرين بعد الألف، و بنى قبل هذه السنة [مكانا] (5) للوقادين بآخر المسجد عند باب بازان. اه. [ذكره‏] (6) الشيخ خليفة الزمزمي.

ثم قال: و أما صفتها الآن فهي قبة كبيرة مثمّنة إلى نصفها يدخلها الإنسان من باب شامي له عتبتان، و على يمين الداخل دكة كبيرة إلى نصف القبة من دائر، و لها شباك غربي و شباك آخر يشرف جهة باب علي، و بوسطها بركة مثمّنة باشرت ذرعها بيدي، فوجدت طولها خمسة أذرع إلا قيراطين بالذراع الحديد، و عرضها دائر اثنا عشر ذراعا و أربعة عشر قيراطا (7)، و عمقها زيادة عن قامة، و في وسط البركة عمود يصل إليه الماء من خشبة في زمزم يصب الماء فيها ثم ينزل في حاصل‏ (8)، و منه‏

____________

(1) في الأصل: و سبعة.

(2) في الأصل: أربع.

(3) الدكّة: الذي يقعد عليه (مختار الصحاح، مادة: دكك).

(4) في الأصل: ستة.

(5) في الأصل: مكان. و انظر: التاريخ القويم (3/ 76).

(6) في الأصل: ذكر. و انظر: التاريخ القويم، الموضع السابق.

(7) في الأصل: قيراط. و الصواب ما أثبتناه.

(8) حاصل الشي‏ء و محصوله: بقيّته (مختار الصحاح، مادة: حصل).

309

لدبل‏ (1) محاذي لطرف قبة الفراشين إلى باطن العمود المذكور، فيفيض الماء فيه و يملأ البركة المذكورة، فتدخل الناس و تشرب من البركة بمغاريف.

قال الفاسي: و الذي عمّرها بهذه الصفة- أي: جعل الدبل المتصل بها من زمزم و العمود الذي في باطنها- ابن الظاهر برقوق في ثمانمائة و سبعة.

اه.

و قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي: سقاية العباس كانت حياضا بالمسجد الحرام و الآن تسقي في بركة. و أصلها بيد قصي، ثم لابنه عبد مناف، ثم لابنه هاشم، ثم لابنه عبد المطلب، ثم لابنه العباس، ثم لابنه عبد اللّه بن عباس، ثم لابنه علي و هكذا، ثم صارت لغيرهم.

و قال الجلال السيوطي في رسالته: الأساس في مناقب بني العباس: ثم من بعد علي بن عبد اللّه صارت لابنه محمد، ثم لابنه عبد اللّه، ثم لابنه المنصور أبي جعفر، ثم لابنه المهدي أبي عبد اللّه محمد، ثم لابنه أبي جعفر هارون الرشيد، إلى أن قال: ثم لابنه الموفق علي، إلى أن قال: ثم ليعقوب المقتدر بأمر اللّه‏ (2)، ثم لابنه عز الدين المستنجد بأمر اللّه. اه.

و كانت لهم نوّاب إلى أن بقيت في ذرية أولاد الشيخ علي بن محمد بن داود البيضاوي المعروفين الآن [ببيت‏] (3) الريس. و قد تركت الآن سقاية العباس و صارت الحجاج و الناس يشربون من دوارق و أزيار (4) توضع بالمسجد محبة من أهل الخير.

____________

(1) الدبل: جدول الماء أو القناة المجهزة المصنوعة لتجميع المياه (لسان العرب، مادة: دبل).

(2) في الغازي (1/ 573): المقتدر باللّه.

(3) في الأصل: بيت. و انظر: الغازي (1/ 573)، و التاريخ القويم (3/ 77).

(4) الدّورق: مقدار لما يشرب، يكتال به (لسان العرب، مادة: درق).

و الزّير: الحبّ الذي يجعل فيه الماء (لسان العرب، مادة: زير).

310

قال ابن حجر: و سقاية العباس لآل العباس أبدا و كانت لهم نواب.

اه.

الفصل الثالث: في فضائل زمزم و أسمائها

روى الفاكهي‏ (1) عن أشياخ مكة أن لها أسماء كثيرة؛ فمن أسمائها:

زمزم، و هزمة جبريل (عليه السلام)، و سقيا اللّه إسماعيل، و بركة، و سيدة، و نافعة، و مضنونة، و عونة، و بشرى، و صافية، و معذبة، و طاهرة، و حرمية، و مروية، و مؤنسة، و برّة، و عصمة، و سالمة، و ميمونة، و مباركة، و كافية، و عافية، و طعام طعم، و شفاء سقم. اه ما نقله في أسمائها.

و من أسمائها: ظبية، و شباعة العيال، و شراب الأبرار.

و قال الشيخ أبو عبد اللّه البعلي في شرح ألفاظ المقنع‏ (2): و من أسمائها:

تكتم، بوزن تكتب. اه ما ذكره القرشي و النووي‏ (3).

و سميت زمزم؛ لصوت الماء فيها حين ظهر. و الزمزم: صوت الرعد، و لكثرة مائها يقال: ماء زمزم- أي: كثير-، أو لضم هاجر (عليها السلام) لمائها حين انفجرت، أو لزمزمة جبريل (عليه السلام) [و كلامه‏] (4)، و قيل:

غير مشتق. و اللّه أعلم.

و في ربيع الأبرار (5): قيل: إن بابك بن ساسان‏ (6) بلغه مكان البيت‏

____________

(1) أخبار مكة (2/ 67- 68)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 477).

(2) المطلع (ص: 200).

(3) البحر العميق (1/ 28)، و تهذيب الأسماء و اللغات (3/ 131).

(4) في الأصل: كلامه. و التصويب من البحر العميق (1/ 28).

(5) ربيع الأبرار (1/ 224).

(6) بابك بن ساسان هو: جد ملوك الأسرة الساسانية، و هم ملوك الطبقة الرابعة من ملوك الفرس، و هي الأسرة التي انقرضت باستيلاء العرب المسلمين على بلادهم، و كان آخر-

311

و إلى من تفضي النبوة، فصار إلى البيت، و شرب من ماء زمزم، و زمزم حولها فسميت لزمزمته، و هو كلام متتابع مع حركة، من قولهم: سمعت زمزمة الرعد، و هو تتابع الصوت.

شعر:

زمزمت الفرس على زمزم‏* * * [و ذاك في سالفها] (1) الأقدم‏

انتهى. ذكره في باب العيون و الآبار.

و قولهم: بئر زمزم من المسمى إلى الاسم، و هي غير مصروفة للتأنيث و العلمية، [و سميت‏] (2) همزة جبريل، أي: همز بعقبه في موضع زمزم فنبع الماء.

[و ظبية] (3): سميت به؛ تشبيها لها بالظبية، و هي الخريطة؛ [لجمعها] (4) ما فيها. قاله ابن الأثير في النهاية (5).

[و قيل‏] (6): طيبة؛ لأنها للطيبين و الطيبات من ولد إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام. قاله السهيلي‏ (7).

و برّة؛ سميت به؛ لأنها فاضت للأبرار و غاضت عن الفجّار.

و سميت مضنونة؛ [لأنه ضن بها] (8) على غير المؤمنين، فلا يتضلع‏

____________

- ملوكهم يزدجرد، و أولهم أرديشر بن بابك و هو بابك بن ساسان بن بابك.

(1) في الأصل: و ذلك في سالفهم. و التصويب من ربيع الأبرار.

(2) في الأصل: و سميته.

(3) في الأصل: و ضبية. و التصويب من البحر العميق (1/ 28).

(4) في الأصل: لجمع. و التصويب من النهاية (3/ 155)، و البحر العميق، الموضع السابق.

(5) النهاية في غريب الحديث (3/ 155).

(6) في الأصل: و قوله. و التصويب من البحر العميق (1/ 28).

(7) الروض الأنف (1/ 258).

(8) في الأصل: لأن ضررها. و التصويب من البحر العميق (1/ 28). و فيه: لأنها.

312

منها منافق. قاله وهب بن منبه. و قيل: لأن عبد المطلب قيل له في المنام:

احفر المضنونة، ضنت على الناس لا عليك.

و سميت شباعة للعيال؛ لأن أهل العيال من الجاهلية كانوا يغدون بعيالهم فينيخون عليها، فتكون صبوحا لهم، و كانوا يعدّونها عونا للعيال، أي: و كذا في الإسلام؛ فمن ثم سميت عونة.

و قالت أم أيمن حاضنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أنه (صلى اللّه عليه و سلم) ما اشتكى جوعا قط و لا عطشا؛ لأنه يغدوا إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة، فربما عرضنا عليه الغداء فيقول: أنا شبعان‏ (1). ذكره القرشي‏ (2).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ماء زمزم لما شرب له، فإن شربته لتشفى شفاك اللّه، و إن شربته مستعيذا أعاذك اللّه، و إن شربته لتقطع ظمأك قطعه اللّه». و كان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: اللهم إني أسألك علما نافعا، و رزقا واسعا، و شفاء من كل داء (3).

رواه الحاكم في المستدرك و هذا لفظه، و الدار قطني.

قال ابن العربي: و هذا موجود فيه إلى يوم القيامة- يعني: العلم و الرزق و الشفاء- لمن صحّت نيته و سلمت طويّته، و لم يكن به ثم مكذبا و لا شربه مجربا، فإن اللّه مع المتوكلين و هو يفضح [المجرّبين‏] (4).

و روى الدارقطني‏ (5) بدل قوله: «فإن شربته مستعيذا أعاذك اللّه»:

____________

(1) ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/ 168)، و الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 178).

(2) البحر العميق (1/ 28).

(3) أخرجه الحاكم (1/ 646 ح 1739)، و الدارقطني (2/ 289 ح 238).

(4) في الأصل: المجرمين. و التصويب من تفسير القرطبي (9/ 370).

(5) سنن الدارقطني (2/ 289 ح 238).

313

« [و إن شربته لشبعك‏] (1) أشبعك اللّه»، و روي: « [و هو] (2) همزة جبريل و سقيا اللّه إسماعيل».

و في حديث إسلام [أبي‏] (3) ذر في صحيح مسلم أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إنها طعام طعم» (4). رواه أبو [ذر] (5) و زاد: «و شفاء سقم» (6).

و قال في المجموع: «و شفاء سقم» ليس في مسلم، و إنما رواه الطبراني و البزار و أبو داود [الطيالسي‏] (7) و رجاله رجال الصحيح. و الظاهر أنه في بعض نسخ مسلم، فإن البيهقي نقله عنه أيضا. ذكره ابن الجمال على الإيضاح.

و عن عبد اللّه بن المؤمل، عن [أبي‏] (8) الزبير، عن جابر رضي اللّه عنهم، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «ماء زمزم لما شرب له» (9). أخرجه أحمد و ابن ماجه و البيهقي. و قال: إن عبد اللّه بن المؤمل تفرّد به و هو ضعيف، و ضعّفه النووي في شرح المهذب‏ (10) أيضا من هذا الوجه، لكن قد صح من طريق آخر لم يقف عليه النووي و هو حديث عبد اللّه بن المبارك: أنه أتى‏

____________

(1) في الأصل: و إن يشبعك، و المثبت من سنن الدارقطني، الموضع السابق.

(2) قوله: و هو، زيادة من ب.

(3) في الأصل: أبا.

(4) أخرجه مسلم (4/ 1922).

(5) في الأصل: داود. و التصويب من البحر العميق.

و قد رواه ابن أبي شيبة (3/ 273) عن أبي ذر، و رجاله رجال الصحيح.

(6) أخرجه البيهقي في السنن (5/ 147)، و الطبراني في المعجم الصغير (1/ 186)، و البزار في مسنده (9/ 361).

(7) في الأصل: و الطيالسي.

(8) في الأصل: ابن. و التصويب من مسند أحمد (3/ 357، 3/ 372)، و سنن ابن ماجه (2/ 1018)، و البيهقي (5/ 148).

(9) أخرجه ابن ماجه (2/ 1018)، و أحمد (3/ 357)، و البيهقي (5/ 148).

(10) المجموع (8/ 195).

314

ماء زمزم فاستقى منه شربة، ثم استقبل الكعبة فقال: اللهم إن ابن أبي [الموال‏] (1) حدثني عن محمد بن المنكدر عن جابر أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال:

«ماء زمزم لما شرب له»، و هذا أشربه لعطش يوم القيامة، ثم شربه.

أخرجه الحافظ شرف الدين الدمياطي و قال: إنه على رسم الصحيح، و كذا صححه ابن عيينة- من المتقدمين-. و قال فيه الحاكم: صحيح الإسناد.

و قال فيه الحافظ ابن حجر بعد ذكر طرقه‏ (2): إنه يصلح الاحتجاج به على ما عرف من قواعد الحديث. اه.

و صح عند الشافعي رضي اللّه عنه، فشربه للرمي، فكان يصيب من كل عشرة تسعة. انتهى من الشبرخيتي على خليل.

قال ابن حجر في حاشيته على إيضاح النووي‏ (3): قد كثر كلام المحدّثين في هذا الحديث، و الذي استقر عليه أمر [محقيهم‏] (4): أنه حديث حسن صحيح.

و قال ابن الجزري في الحصن الحصين: حديث عبد اللّه بن المبارك ...

إلخ، سنده صحيح، و الراوي عن ابن المبارك: سويد بن سعيد ثقة. روى له مسلم في صحيحه، و ابن أبي الموال‏ (5)- بفتح الواو و تخفيف الواو- ثقة.

روى له البخاري في صحيحه فصح الحديث و الحمد للّه.

و قوله: فصح الحديث أي: المذكور و هو: «ماء زمزم لما شرب له»، و هو ردّ على من قال: إنه ضعيف، و من توغل قال: إنه موضوع، لكن قال‏

____________

(1) في الأصل: المولى. و التصويب من البحر العميق (1/ 28). و انظر: التقريب (ص: 351).

(2) في الأصل زيادة: و قال.

(3) حاشية ابن حجر على إيضاح النووي (ص: 442).

(4) في الأصل: محققهم. و انظر حاشية ابن حجر، الموضع السابق.

(5) في الأصل: المولى. و انظر: تقريب التهذيب (ص: 351).

315

العلقمي في شرح الجامع الصغير: اختلف الحفاظ؛ [فمنهم‏] (1) من صحّحه، و منهم من ضعّفه، و منهم من حسّنه و هو المعتمد، و قد جرّب ماء زمزم في أمراض كثيرة و غيرها. انتهى. شارح الحصن.

و قوله: «لما شرب له» معناه: لمن شربه لحاجة نالها، و قد جرّبها العلماء و الصالحون لحاجات أخروية و دنيوية، فنالوها بحمد اللّه و فضله.

و في مناسك ابن العجمي: ينبغي لمن أراد أن يشرب؛ يشربه للمغفرة [و أن‏] (2) يقول عند شربه: اللهم إنه بلغني أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «ماء زمزم لما شرب له»، اللهم إني أشربه لتغفر لي فاغفر لي، و إن أراد شربه للشفاء من مرض به قال: اللهم إني أشربه مستشفيا، اللهم فاشفني.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جاء إلى السقاية فاستقى، فقال العباس رضي اللّه عنه: يا فضل، اذهب إلى أمك فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يشرب من عندها، فقال: يا رسول اللّه إنهم يجعلون أيديهم فيه، فقال: «اسقني»، ثم أتى زمزم و هم يسقون عليها فقال: «اعملوا فإنكم على عمل صالح»، ثم قال: «لو لا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذا- و أشار إلى عاتقه-». أخرجاه‏ (3).

و في قوله: «لنزلت» [دليل‏] (4) على أنه كان راكبا. و قد اختلفت الروايات هل شرب (صلى اللّه عليه و سلم) قائما أو راكبا على بعيره.

و روى ابن عباس: أنه كان قائما. و قال عكرمة: إنه ما كان يومئذ إلا

____________

(1) في الأصل: منهم. و المثبت من الغازي (1/ 577).

(2) في الأصل: أن. و التصويب من الغازي (1/ 578).

(3) أخرجه البخاري (2/ 589 ح 1554)، و لم أجده في صحيح مسلم. و انظر: تحفة الأشراف (5/ 128).

(4) في الأصل: دليلا.

316

على بعيره و حلف عكرمة على ذلك. أخرجه البخاري‏ (1).

و يجوز أن الأمر على ما حلف عليه عكرمة، و هو أنه شرب و هو على راحلته و يطلق عليه قائما، و يكون ذلك مراد ابن عباس رضي اللّه عنهما فلا يكون بينهما تضاد.

و لأن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مكث بمكة قبل الوقوف أربعة أيام بلياليها من صبيحة يوم الأحد إلى صبيحة يوم الخميس، فلعل ابن عباس سقاه من زمزم و هو قائما في بعض تلك الأيام، فلا يكون بينهما تضاد.

و في رواية أنه قال العباس رضي اللّه عنه: إن هذا شراب قد مغث فيه [و مرث‏] (2)، أفلا نسقيك لبنا و عسلا؟ فقال: «اسقونا مما تسقون [منه‏] (3) المسلمين» (4).

و في رواية قال: «اسقوني من النبيذ» قال العباس: هذا شراب مغث و مرث‏ (5)، و خالطته الأيدي، و وقع فيه الذباب، و في البيت شراب هو أصفى منه، فقال: «اسقني» يقول ذلك ثلاث مرات‏ (6). رواه الأزرقي.

و ذكر ابن حزم: أن ذلك كله كان يوم النحر.

و قوله: «مغث و مرث» المغث: المرث والدلك بالأصابع، ثم استعير لضرب ليس بالشديد.

و المعنى: أنهم و سخوا الماء بمخالطة أيديهم النبيذ الذي كان في سقاية

____________

(1) أخرجه البخاري (5/ 2130/ ح 5294).

(2) في الأصل: و مرنا. و التصويب من البحر العميق (1/ 28).

(3) في الأصل: به. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(4) أخرجه الأزرقي (2/ 56)، و الفاكهي (2/ 57).

(5) مغث و مرث: أي نالته الأيدي و خالطته (لسان العرب، مادة: مغث).

(6) أخرجه الأزرقي (2/ 56).

317

العباس رضي اللّه عنه.

و عن جابر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) رمل ثلاث أطواف من الحجر إلى الحجر و صلى ركعتين، ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها و صب على رأسه، ثم رجع إلى الصفا فقال: «ابدؤوا بما بدأ اللّه به و رسوله» (1). رواه أحمد. ذكره القرشي‏ (2).

ثم قال: و ليس بصحيح. و المعروف في مسلم من حديث جابر الطويل أنه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد ركعتي الطواف رجع إلى الركن فاستلم، ثم خرج إلى الصفا (3).

و في حديث جابر الطويل هذا: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ركب فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال:

«لو لا أن يغلبكم الناس على سقياكم لنزعت [معكم‏] (4)، فتناول دلوا فشرب منه» (5).

و قال أبو علي ابن السكن: إن الذي نزع له الدلو العباس رضي اللّه عنه.

و عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه جاء إلى زمزم فنزع له دلو فشرب، ثم مجّ في الدلو، ثم صبوه في زمزم، ثم قال: «لو لا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي» (6). رواه الطبراني و غيره.

و في رواية لأحمد: أنهم لما نزعوا الدلو غسل منه وجهه ثم تمضمض ثم‏

____________

(1) أخرجه أحمد (3/ 394).

(2) البحر العميق (1/ 28- 29).

(3) صحيح مسلم (2/ 888).

(4) في الأصل: منكم. و التصويب من صحيح مسلم.

(5) أخرجه مسلم (2/ 891).

(6) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (11/ 97).

318

أعاد فيها (1).

و عن ابن جريج: أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) نزع لنفسه دلوا فشرب منه و صبّ على رأسه‏ (2). رواه الواقدي.

و عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما: كنت عند ابن عباس رضي اللّه عنهما [فجاءه‏] (3) رجل فقال: من أين [جئت‏] (4)؟ فقال: من زمزم. قال: فشربت منها كما ينبغي؟ قال: فكيف؟

قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، و اذكر اسم اللّه تعالى، [و تنفس‏] (5) ثلاثا، و تضلع منها، فإذا فرغت فاحمد اللّه عز و جل، فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إن آية ما بيننا و بين المنافقين لا يتضلّعون من ماء زمزم» (6). رواه ابن ماجه و هذا لفظه، و الدارقطني و الحاكم في المستدرك و قال: إنه صحيح على شرط الشيخين.

و التضلع: الامتلاء حتى تمتد الأضلاع. و المراد [بالتنفس‏] (7) ثلاثا: أن يفصل فاه عن الإناء ثلاث مرات، يبتدئ كل [مرة] (8) ببسم اللّه، و يختم بالحمد للّه، و هذا جاء مفسرا في بعض الطرق، و قد ورد التنفس في الإناء، فيحمل على ما ذكر.

و حكى صاحب المحيط عن شيخ الإسلام جواهر زاده: أنه لا يشرب‏

____________

(1) ذكره الطبري في القرى (ص: 483).

(2) ذكره الطبري في القرى، الموضع السابق.

(3) في الأصل: فجاء. و التصويب من سنن ابن ماجه.

(4) قوله: جئت، زيادة من سنن ابن ماجه.

(5) في الأصل: و تنفث. و التصويب من سنن ابن ماجه.

(6) أخرجه ابن ماجه (2/ 1017 ح 3061)، و الدارقطني (2/ 288)، و الحاكم (1/ 645).

(7) في الأصل: بالتنفث. و التصويب من البحر العميق (1/ 29).

(8) في الأصل: منه. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

319

قائما إلا في موضعين، أحدهما: فضل وضوءه أو بعضه، و الثاني: عند زمزم. ذكره في كنز العبادة. انتهى.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق» (1). رواه الأزرقي.

و روي عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا يجتمع ماء زمزم و نار جهنم في جوف عبد أبدا» (2). رواه محب الدين الطبري. ذكره القرشي‏ (3).

و يروى: أن مياه الأرض العذبة ترفع قبل يوم القيامة إلا ماء زمزم‏ (4).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: « [الحمّى‏] (5) من فيح جهنم، فأبردوها من ماء زمزم» (6). رواه أحمد و أبو بكر بن أبي شيبة، و ابن حبان في صحيحه، و انفرد البخاري بإخراجه و قال: «فأبردوها بالماء أو بماء زمزم».

قال الطبري‏ (7): و ربما طلبت هذا الحديث في [مظنته‏] (8) من البخاري فلا يوجد، فيظن أنه ليس فيه، و ليس كذلك. و قد أخرجه الحميدي في أفراد البخاري من رواية ابن عباس. اه.

____________

(1) أخرجه الأزرقي (2/ 52).

(2) ذكره الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب (5/ 155).

(3) البحر العميق (1/ 29).

(4) أخرجه الأزرقي من حديث الضحاك بن مزاحم (2/ 59)، و الفاكهي (2/ 67 ح 1165)، و ذكره السيوطي في الدر المنثور (4/ 155) و عزاه إلى الأزرقي.

(5) في الأصل: الحمه. و انظر: مواضع التخريج. و الحمّى: علّة يستحرّ بها الجسم، و هي أنواع: التيفود، التيفوس، الدق، الصفراء، القرمزية (المعجم الوسيط 1/ 200).

(6) أخرجه البخاري (3/ 1190)، و أحمد (1/ 291)، و ابن أبي شيبة (5/ 58)، و ابن حبان (13/ 431).

(7) القرى (ص: 487).

(8) في الأصل: مظنة. و التصويب من القرى (ص: 487).

320

قلت: رواه البخاري من حديث ابن عباس، و لفظ الحديث: حدثنا عبد اللّه بن محمد حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا همام عن أبي جمرة الضبعي قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة فأخذتني الحمّى فقال: أبردها عنك بماء زمزم فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «الحمّى من فيح جهنم فأبردوها بالماء أو بماء زمزم»- شك همام-. ذكر هذا الحديث البخاري في باب صفة النار.

و قوله: «فأبردوها»- بهمزة وصل و ضمّ الراء- يقال: برد بالماء الحمى أبردها على وزن قتلها اقتلها، أي: أسكنت حرارتها و أطفئت لهبها، هذا هو المشهور. قاله النووي.

و حكى القاضي عياض أنه يقال: بهمزة قطع و كسر الراء في لغة، و حكاها الجوهري و قال: هي لغة رديئة.

و روي عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «خمس من العبادات: النظر إلى المصحف، و النظر إلى الكعبة، و النظر إلى الوالدين، و النظر إلى زمزم و هي تحط الخطايا، و النظر إلى العالم» (1). رواه الفاكهي.

و عن ابن [خثيم‏] (2) قال: قدم علينا وهب بن منبه رضي اللّه عنه فاشتكى، فجئناه لنعوده فإذا عنده ماء زمزم. قال: فقلت له: لو استعذبت فإن هذا الماء فيه غلظ، قال: ما أريد أن أشرب غيره حتى أخرج منها، و الذي نفس وهب بيده إنها لفي كتاب اللّه تعالى زمزم لا تذف و لا تذم، و إنها لفي كتاب اللّه تعالى طعام طعم و شفاء سقم، و الذي نفس وهب بيده لا يعمد إليها أحد فيشرب حتى يتضلع إلا نزعت منه داء و أحدثت له‏

____________

(1) أخرج جزءا منه الفاكهي (2/ 41/ ح 1105)، و ذكره السيوطي في فيض القدير (3/ 460).

(2) في الأصل: خيثم، و هو تصحيف. انظر التقريب (ص: 313).

321

شفاء (1). رواه سعيد بن منصور و الأزرقي.

و يروى أن في بعض الكتب المنزلة: زمزم لا تذف‏ (2) و لا تذم، و لا يعمد إليها امرؤ يتضلع منها ريّا ابتغاء بركتها إلا أخرجت منه مثل ما شرب من الداء و أحدثت [له‏] (3) شفاء، و النظر إليها عبادة و الطهور منها يحطّ الخطايا، و ما امتلأ جوف عبد منها- أي: من زمزم- إلا ملأه اللّه علما و برّا.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: كان أهل مكة لا يسابقهم أحد إلا سبقوه، و لا يصارعهم أحد إلا صرعوه، حتى رغبوا عن ماء زمزم، فأصابهم المرض في أرجلهم‏ (4). رواه أبو [ذر] (5).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «خير ماء بئر على وجه الأرض ماء زمزم». أخرجه ابن حبان [و الطبراني‏] (6) برجال ثقات.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كان إذا أراد أن يتحف رجلا بتحفة سقاه من ماء زمزم». رواه [الحافظ] (7) شرف الدين‏

____________

(1) أخرجه الأزرقي (2/ 49- 50)، و الفاكهي (2/ 44 ح 1113)، و أبو نعيم في الحلية (4/ 63).

و ذكره السيوطي في الدر المنثور (4/ 153) و عزاه إلى عبد الرزاق، و سعيد بن منصور، و الأزرقي. و ذكره المحب الطبري في القرى (ص: 487) و عزاه للأزرقي، و سعيد بن منصور.

(2) في هامش الأصل: لا تذف: أي: لا تستقل. اه.

(3) في الأصل: إليه. و التصويب من البحر العميق (1/ 29).

(4) ذكره الطبري في القرى (ص: 488)، و الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 180).

(5) في الأصل: داود. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(6) في الأصل: و الطبري. انظر: مجمع الزوائد (3/ 286). و قد رواه الطبراني في المعجم الكبير (11/ 98). و لم أجده في صحيح ابن حبان.

(7) في الأصل: الحاكم. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

322

الدمياطي و قال: إسناده صحيح.

و روى عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أن في زمزم عينا من الجنة من قبل الركن. رواه القرطبي في التفسير (1).

و في مناسك ابن الحاج: قال ابن شعبان: العين التي تلي الركن من زمزم من عيون الجنة.

و عن [الحميدي‏] (2) قال: كنا عند سفيان بن عيينة فحدّثنا بحديث زمزم: إنه لما شرب له، فقام رجل من المجلس فعاد ثم قال: يا أبا محمد، أليس الحديث صحيحا الذي حدّثتنا به؟ فقال سفيان: نعم. فقال: إني شربت الآن دلوا من زمزم على أن تحدّثني مائة حديث. فقال سفيان:

اقعد، فحدّثه بمائة حديث. حكاهما أبو الفرج في المثير (3).

و عن عائشة رضي اللّه عنها: أنها كانت تحمل ماء زمزم، و تخبر أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يحمله‏ (4). رواه الترمذي.

و يذكر أن السلطان صلاح الدين [أبا] (5) المظفر يوسف بن أيوب كان إذا عاد من الغزو نفض ثيابه من غبار الغزو على نطع و أمر من يجمعه، و أن ذلك الغبار عجن بماء زمزم و جعل لبنة لطيفة و جعلت تحت رأسه في‏

____________

(1) تفسير القرطبي (9/ 370). و فيه: عن عبد اللّه بن عمرو.

(2) في الأصل: الحميد، و هو تصحيف، و هو: عبد اللّه بن الزبير الأسدي الحميدي، الإمام الحافظ الفقيه، شيخ الحرم المكي، صاحب المسند. انظر تهذيب السير (1774)، و المعرفة و التاريخ (3/ 184).

(3) مثير الغرام (ص: 324)، و الجامع اللطيف (ص: 267). و قد أخرجه المنذري في الترغيب (1066).

(4) أخرجه الترمذي (3/ 295 ح 963).

(5) في الأصل: أبو. و هو لحن.

323

قبره. ذكره القرشي‏ (1).

و عن عبد الرحمن بن يعقوب قال: قدم علينا شيخ من هراة يكنى أبا عبد اللّه، شيخ صدق فقال لي: دخلت المسجد في السحر فجلست إلى زمزم، فإذا شيخ قد دخل من باب زمزم و قد سدل ثوبه على وجهه، فأتى البئر فنزع الدلو فشرب، فأخذت فضلته فشربتها فإذا سويق لم أر قط أطيب منه، ثم التفتّ فإذا الشيخ قد ذهب، ثم عدت من الغد في السحر فجلست إلى زمزم فإذا الشيخ قد دخل من باب زمزم، فأتى البئر فنزع دلوا فشرب، فأخذت فضلته و شربتها فإذا ماء مضروب بعسل لم أر قط أطيب منه، فالتفتّ فإذا الشيخ قد ذهب، ثم عدت من الغد في السحر فجلست إلى زمزم فإذا الشيخ قد دخل من باب زمزم، فأتى البئر و نزع دلوا و شرب، فأخذت فضلته فشربتها فإذا هو سكّر مضروب بلبن لم أر قط أطيب منه، فأخذت ملحفته فلففتها على يدي و قلت: يا شيخ! بحق هذه البنية (2) من أنت؟ قال: تكتم حتى أموت؟ قلت: نعم. قال: أنا سفيان بن سعيد الثوري‏ (3). حكاه القرشي‏ (4).

و عن عكرمة بن خالد قال: بينما أنا ليلة في جوف الليل عند زمزم [جالس‏] (5) إذ نفر يطوفون عليهم ثياب لم أر بياضا أبيض من ثيابهم لشي‏ء قط، فلما فرغوا صلّوا قريبا منّي، فالتفت بعضهم فقال لأصحابه: اذهبوا

____________

(1) البحر العميق (29- 30).

(2) البنية: من أسماء الكعبة و قد كثر قسمهم بها و ذكرهم لها في أشعارهم.

(3) الخبر أورده ابن قدامة المقدسي في كتاب الرقة (ص: 245)، و انظر مثير الغرام (ص: 323).

(4) البحر العميق (1/ 30).

(5) في الأصل: جالسا. و التصويب من البحر العميق (1/ 30).

324

بنا نشرب من شراب الأبرار. قال: فقاموا فدخلوا زمزم فقلت: و اللّه لو دخلت على القوم فسألتهم، فقمت فدخلت فإذا ليس فيها أحد من البشر (1). حكاه الأزرقي.

و تقدم: أن ماءها لما شرب له، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، و قد شربه جماعة من العلماء و الصالحين لمقاصد جليلة و حوائج جزيلة فنالوها؛ فمن ذلك: أن الإمام الشافعي رضي اللّه عنه شربه للعلم فكان فيه غاية، و للرمي فكان يصيب العشرة من العشرة و التسعة من العشرة.

و من ذلك: ما حكاه القرطبي‏ (2) عن أبي عبد اللّه- هو صاحب كتاب نوادر الأصول- محمد بن علي الترمذي، عن أبيه قال: دخلت الطواف في ليلة ظلماء، فأخذني من البول ما أشغلني، فجعلت أعتصر حتى آذاني، و خفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك [الأقدام‏] (3)، و كان ذلك أيام الحاج، فتذكرت الحديث و هو أنه لما شرب له، فدخلت زمزم فتضلعت منه، فذهب عني إلى الصباح مع أن ماء زمزم يطلق البول.

و من ذلك: أن رجلا شرب سويقا فيه إبرة و هو لا يشعر بها، فاعترضت في حلقه فصار لا يقدر يطبق فاه و كاد أن يموت، فأمره بعض الناس بشرب ماء زمزم و يسأل اللّه فيه الشفاء، فشرب منه شيئا بجهد، و جلس عند أسطوانة من المسجد الحرام فغلبته عيناه فنام، فلما انتبه من نومه و هو لا يحس من الإبرة شيئا و ليس به [بأس‏] (4). هذا ملخص ما

____________

(1) الأزرقي (2/ 51)، و البحر العميق، الموضع السابق.

(2) تفسير القرطبي (9/ 370).

(3) في الأصل: الأقذار. و التصويب من تفسير القرطبي، الموضع السابق.

(4) في الأصل: بأسا.

325

ذكره الفاكهي في فضائل مكة (1).

و من ذلك: أن أحمد بن عبد اللّه الفرّاش بالحرم الشريف المكي شربه للشفاء من العمى فشفي.

و لا التفات إلى ما ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من أن حديث:

«ماء زمزم لما شرب له» [موضوع‏] (2)، بل قد صح من طرق كما تقدم.

و أما حديث: «الباذنجان لما أكل له» فهو حديث موضوع كما ذكره ابن قيم الجوزية الحنبلي.

و من فضائلها: أنه لا يتضلع منها المنافقون، و أنها آية بيننا و بينهم من التضلع، و أن النظر إليها عبادة.

و منها: أنها طعام طعم و شفاء سقم، يريد حديث أبي ذر الثابت في الصحيح‏ (3)، و أنه أقام بمكة شهرا لا قوت له إلا ماء زمزم، فسمن حتى تكسرت [عكن‏] (4) بطنه، و كان أهل الجاهلية يعدونها عونا على العيال، و تسميها شبّاعة.

و عن عبد العزيز [بن أبي رواد] (5) أن راعيا كان يرعى، و كان من العبّاد، و كان إذا ظمئ وجد فيها لبنا- أي: ماء زمزم- و إذا أراد أن يتوضأ

____________

(1) أخبار مكة (2/ 35).

(2) في الأصل: موضوع.

(3) أخرجه مسلم (4/ 1919 ح 2473)، و ابن أبي شيبة (7/ 338 ح 36598)، و الطبراني في الأوسط (3/ 246 ح 3051)، و أحمد (5/ 174)، و الأزرقي (2/ 53)، و الفاكهي (2/ 29 ح 1080)، و البيهقي (5/ 147 ح 9441) كلهم عن عبد اللّه بن الصامت، به.

(4) قوله: عكن، زيادة من البحر العميق (3/ 276). و العكن: الأطواء في البطن من السّمن (لسان العرب، مادة: عكن).

(5) في الأصل: بن داود. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

326

و جده ماء (1).

و منها: أن الاطلاع فيها يحطّ الأوزار و الخطايا. رواه الفاكهي‏ (2) عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مرسلا من رواية مكحول.

و في رواية أخرى: الطّهور منها يحطّ الخطايا.

و منها: أنه خير ماء على وجه الأرض، كما روي عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في الحديث المتقدم، كيف و قد اختص بأن غسل منه بطن سيدنا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) على ما ثبت في الصحيحين في حديث المعراج بعد البعثة، و ذلك دليل على فضيلة ماء زمزم على غيره من المياه، إذ غسل منه هذا المحل الجليل في هذا الموطن الرفيع.

قال ابن [أبي‏] (3) جمرة: و لقائل أن يقول: لم لم يغسل قلبه الشريف بماء الجنة الذي هو أطيب و أبرك؟

و الجواب: أنه لو غسل بماء الجنة دون استقراره بالأرض لم يبق لأمته أثر بركته، فلما غسل بماء زمزم، و هو مما استقر من ماء السماء على ما قاله ابن عباس في تفسير قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّا عَلى‏ ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ‏ [المؤمنون: 18]، فقال: كل ما في الأرض إنما هو [مما] (4) ينزل من السماء.

و قد جاء في الأثر: أن ما من ماء ينزل إلا و فيه مزاج من الجنة، و تكون البركة فيه بقدر المزاج.

____________

(1) أخرجه الأزرقي (2/ 54)، و الفاكهي (2/ 39 ح 1100)، و ذكره السيوطي في الدر المنثور (4/ 154) و عزاه إلى الأزرقي.

(2) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (2/ 41).

(3) قوله: أبي، زيادة من البحر العميق (3/ 276). و انظر: فتح الباري (7/ 205).

(4) في الأصل: من ماء. و التصويب من البحر العميق (3/ 277).

327

فعلى هذا فقد حصل ماء كله من الجنة أو بعضه مع زيادة فوائد جمّة، منها ما ذكرنا من إبقاء البركة للأمة.

و منها: أنه خص بهذه الأرض المباركة.

و منها: أنه خص به الأصل المبارك و هو إسماعيل عليه الصلاة و السلام.

و منها: أنه خص بما لم يخص [غيره‏] (1) من المياه بأن جعل فيه لهاجر أم إسماعيل عليه الصلاة و السلام [غذاء] (2)، فكان [يغنيها] (3) عن الطعام و الشراب.

و منها: أن ظهوره كان بواسطة الأمين جبريل (عليه السلام)، فكان أصلا مباركا في مقر مبارك بواسطة فعل أمين مبارك، فاختص به هذا السيد المبارك، فكان ذلك زيادة له في التشريف و التعظيم، و اللّه سبحانه و تعالى يفضل من يشاء من مخلوقاته، حيوانا كان أو جمادا، فجاء بالحكمة العجيبة في الملة الجليلة إبراهيم عليه الصلاة و السلام بالمقال، و في الماء ملك إسماعيل بلسان الحال. انتهى كلامه.

و منها: أنها تبرد الحمّى كما روي عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)(4).

و منها: أن ماءها يذهب الصّداع‏ (5)، كما ذكره الضحاك بن مزاحم‏ (6).

____________

(1) قوله: غيره، زيادة من البحر العميق، الموضع السابق.

(2) قوله: غذاء، زيادة من البحر العميق، الموضع السابق.

(3) في الأصل: يقيها. و التصويب من البحر العميق (3/ 277).

(4) سبق ذكره و تخريجه ص: 319.

(5) الصّداع: وجع في الرأس تختلف أسبابه و أنواعه (المعجم الوسيط 1/ 510).

(6) أخرج الأزرقي (2/ 54) عن الضحاك بن مزاحم [2978]، قال: بلغني أن التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق، و أن ماءها يذهب بالصداع.

328

و منها: أنه يفضل ماء الأرض كلها طبا و شرعا، كما ذكره بدر الدين [بن‏] (1) الصاحب المصري في تأليفه المسمى: نقل الكرام.

و منها: أن الاطلاع فيها يجلو البصر، كما ذكره الضحاك‏ (2).

و منها: أن ماءها يحلو ليلة النصف من شعبان و يطيب على ما ذكره ابن الحاج المالكي في منسكه بحيث إن البئر تفيض بالماء على ما قيل، لكن لا يشاهد هذا إلا الأولياء. و ممن شاهد ذلك: الشيخ أبو الحسن علي المعروف بكوباج‏ (3) على ما نقله بعضهم عن الشيخ فخر الدين التوزري عنه.

و منها: أن من حثى على رأسه ثلاث حثيات لم تصبه ذلة أبدا على ما وجد في كتاب الروم، كما ذكره الفاسي بسنده عن بعض ملوك الروم.

و منها: أن ماءها يعظم في الموسم و يكثر كثرة خارقة [لعادة] (4) الآبار، كما ذكره ابن عطية في التفسير. ذكره القرشي‏ (5).

و في حاشية الدردير على قصة المعراج‏ (6): و إنما كان غسل قلبه الشريف من ماء زمزم؛ لأنه أفضل المياه بعد النابع من بين أصابعه الشريفة؛ لأنه من ضربة جبريل (عليه السلام) بجناحه الأرض، و لما قيل من أنه يقوي القلب و أنه من ماء الجنة، و قد اكتسب من بركة الأرض، و يليه ماء الكوثر، ثم نيل مصر.

____________

(1) قوله: بن، زيادة من البحر العميق، الموضع السابق.

(2) أخرج الأزرقي (2/ 54) عن الضحاك بن مزاحم، قال: ... و أن الاطلاع فيها يجلو البصر.

(3) في البحر العميق: بكرباج.

(4) في الأصل: عادة. و التصويب من البحر العميق (3/ 277).

(5) البحر العميق (3/ 276- 277).

(6) حاشية الدردير (ص: 4).

329

و نظم التقي السبكي ذلك بقوله:

و أفضل المياه ماء قد نبع‏* * * من بين أصابع النبيّ المتّبع‏

يليه ماء زمزم فالكوثر* * * فنيل مصر ثمّ باقي الأنهر

و من نظم العلّامة محمد بن علان قوله في بئر زمزم:

و زمزم قالوا فيه بعض ملوحة* * * و منه مياه العين أحلى و أملح‏

فقلت لهم قلبي يراها [ملاحة] (1)* * * فلا برحت تحلو لقلبي و تملح‏

فائدة عجيبة: ذكر العلامة حقي في روح البيان‏ (2) عند قوله تعالى في سورة الأعراف، وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏ [الأعراف: 158]: لو وضع شعر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أو عصاه أو سوطه على قبر عاص لنجا ذلك المذنب ببركة تلك الذخيرة من العذاب. و إن كانت في دار إنسان أو بلدة لا يصيب سكانها بلاء ببركتها و إن لم يشعروا بها. و من هذا القبيل ماء زمزم و الكفن المبلول به، و بطانة أستار الكعبة و التكفن بها. كذا في الأسرار المحمدية.

انتهى.

و في هذا القدر كفاية، و إلا ففضلها كثير، و قد جرّبه أناس كثيرون فلا حاجة إلى الإطالة. و اللّه الموفق للصواب.

و أما سقاية العباس فقد ذكرها الأزرقي و الفاسي‏ (3)، و ذكر ذرعها و صفتها و ما كانت عليه.

قلت: و محلها القبة التي فيها الكتب الآن. انتهى.

____________

(1) في الأصل: مالحة.

(2) روح البيان (3/ 259).

(3) الأزرقي (2/ 104)، و شفاء الغرام (1/ 490).

330

الباب الثالث: فيما كان عليه وضع المسجد الحرام في أيام الجاهلية و صدر الإسلام‏

و بيان ما أحدث فيه من التوسع و الزيادات في زمن عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان رضي اللّه عنهما، و زيادة المهدي الأولى و الثانية و تربيعه بهذا [الحال‏] (1) الذي هو عليه الآن، و تجديد آل عثمان له، و فضله، و ما حدث فيه، إلى آخر ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

و فيه سبعة فصول:

الفصل الأول: فيما كان عليه المسجد الحرام زمن الجاهلية و زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)

و أبي بكر رضي اللّه عنه، و زيادة عمر و عثمان رضي اللّه عنهم، و زيادة المهدي العباسي الأولى و الثانية و تربيعه له على هذه الحالة الموجودة الآن، و لم يزد فيه أحد شي‏ء بعده إلا زيادة

دار الندوة و زيادة

باب إبراهيم، و من عمّر فيه بعدهم من الملوك و السلاطين، إلى آخر ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

قال الحطاب على منسك سيدي خليل عند قول المصنف: أما المسجد الحرام فكان فناء حول الكعبة و فضاء للطائفين. قال الحطاب: و لم أقف على تحقيق ذلك الفضاء و تحرّي قدره بعد البحث عنه في كتاب الأزرقي و الفاكهي و الماوردي، و المحب الطبري، و الفاسي و غيرهم من أصحاب المناسك و من المؤرخين، لكن وقفت في كلام الأزرقي‏ (2) ما يفيد مقداره من بعض الجهات تقريبا فإنه ذكر، قال: بلغنا أن أول من استصبح في المسجد

____________

(1) في الأصل: الحالة.

(2) الأزرقي (1/ 286).

331

الحرام [عقبة بن الأزرق بن عمرو] (1) و كانت داره لاصقة بالمسجد الحرام من ناحية وجه الكعبة، و المسجد يومئذ ضيّق ليس بين جدار المسجد و بين المقام إلا شي‏ء يسير، فكان يضع على حرف [داره‏] (2)- و جدار داره و جدار المسجد واحد (3)- مصباحا كبيرا، فيضي‏ء له وجه الكعبة و المقام و أعلى المسجد. انتهى.

فهذا يقتضي أن آخر المسجد كان من هذه الجهة خلف المقام بيسير.

و ذكر في بناء عبد اللّه بن الزبير أن باب دار الندوة شارع في المسجد، و ذكر أن بين بابها و موضع الصف الأول مثل ما بينه و بين الرواق‏ (4) الأول من المسجد اليوم. اه.

فهذا يقتضي أن حدّ المسجد من هذه الجهة كان إلى نصف ما بين موضع الصف الأول و الرواق.

و ذكر ابن [جبير] (5) في رحلته لما ذكر ذرع المسجد: و كان على عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) صغيرا، و قبة زمزم خارجة عنه.

و في مقابلة الركن الشامي‏ (6) رأس سارية ثابتة في الأرض منها كان‏ (7) حد الحرم أولا، و بين [رأس‏] (8) السارية و الركن الشامي من الكعبة اثنان‏

____________

(1) في الأصل: عقبة عمر بن الأزرق. و هو خطأ (انظر: الأزرقي، الموضع السابق).

(2) في الأصل: جداره. و المثبت من الأزرقي.

(3) وردت الجملة المعترضة في الأصل بعد قوله: شي‏ء يسير. و قد أثبتناها في مكانها كما في الأزرقي.

(4) الرواق: هو المسافة المحصورة بين صفين من العقود (التراث المعماري ص: 120).

(5) في الأصل: حبان. و هو خطأ (و انظر رحلة ابن جبير ص: 77).

(6) في الأصل زيادة: من.

(7) في الأصل زيادة: على.

(8) قوله: رأس، زيادة من رحلة ابن جبير.

332

و عشرون خطوة. اه.

ذكر القطب الحنفي في كتاب الإعلام لأهل بلد اللّه الحرام‏ (1):

[اعلم‏] (2) أن الكعبة المشرفة لما بناها إبراهيم عليه الصلاة و السلام لم يكن حولها دور و لا جدار احتراما للكعبة، فلما آل الأمر إلى قصي جد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و استولى على مفتاح الكعبة، جمع قصي قومه و أمرهم أن يبنوا بمكة بيوتا حول الكعبة المشرفة من جوانبها الأربعة، و كانوا يعظّمون الكعبة أن يبنوا حولها بيوتا [أو يدخلوا] (3) مكة على جنابة، و كانوا يقيمون بها نهارا، فإذا أمسوا خرجوا إلى الحلّ، فقال لهم قصي: إن سكنتم حول البيت هابتكم الناس و لم تستحل قتالكم و الهجوم عليكم.

و بدأ هو و بنى دار الندوة في الجانب الشامي، و يقال: إنها مقام الحنفي، و قسّم قصي باقي الجهات بين قبائل قريش، فبنوا دورهم و شرعوا أبوابها إلى نحو الكعبة، و تركوا للطائفين قدر المطاف بحيث يقال: إنه القدر المفروش الآن بالرخام، و جعل بين كل دارين من دورهم مسلكا شارعا فيه باب يسلك منه إلى بيت اللّه، ثم كثرت البيوت و اتصلت إلى زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

ثم لما ظهر الإسلام و كثرت البيوت [استمر] (4) الحال على ذلك الوضع في زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و زمن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، ثم ظهر الإسلام [و تكاثر] (5) المسلمون في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فرأى أن يزيد في المسجد الحرام، فأول زيادة زيدت في المسجد الحرام زيادته‏

____________

(1) الإعلام (ص: 73- 75).

(2) قوله: اعلم، زيادة من الإعلام.

(3) في الأصل: و يدخلون. و التصويب من الإعلام.

(4) في الأصل: و استمر. و التصويب من الإعلام.

(5) في الأصل: و تكاثرت.

333

رضي اللّه عنه، و كانت زيادة عمر في سنة 17 بعد السيل الذي دخل المسجد الحرام و خرب معالمهم، و هو سيل أم نهشل كما سيأتي.

قال الأزرقي‏ (1): كان المسجد ليس عليه جدار يحيط به، و إنما كانت دور قريش محدقة به من كل جانب، غير أن بين الدور أبواب يدخل منها الناس إلى المسجد الحرام. و لما كان زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ضاق المسجد بالناس و لزمه توسعة المسجد الحرام، فاشترى دورا حول المسجد و هدمها و أدخلها في المسجد، و بقيت دورا احتاج إلى إدخالها في المسجد فأبى أصحابها من بيعها، فقال لهم عمر رضي اللّه عنه: أنتم نزلتم في فناء الكعبة و ما نزلت الكعبة في سوحكم‏ (2) و فناءكم، فقوّمت الدور و جعل ثمنها في جوف الكعبة، ثم هدمت و أدخلت في المسجد الحرام، ثم طلب أصحابها الثمن بعد ذلك فسلّم إليهم، و أمر ببناء جدار قصير دون القامة أحاط بالمسجد و جعل فيه أبوابا كما كانت بين الدور قبل أن تهدم، [و جعلها في محاذاة] (3) الأبواب السابقة.

ثم كثر الإسلام في زمن عثمان رضي اللّه عنه فأمر بتوسعة المسجد، و اشترى دورا و هدمها و أدخلها في المسجد، و أبى جماعة عن بيع دورهم، ففعل كما فعل عمر رضي اللّه عنهما و هدم الدور و أدخلها المسجد. انتهى.

و لم يذكر الأزرقي متى كانت زيادة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب و عثمان رضي اللّه عنهما، [و ذكر] (4) ابن جرير الطبري و ابن الجوزي: أن‏

____________

(1) الأزرقي (2/ 68).

(2) السوح: الناحية، و هي أيضا المكان الواسع و الفضاء بين دور الحيّ (لسان العرب، مادة:

سوح).

(3) في الأصل: و جعل في محذات. و التصويب من الإعلام.

(4) في الأصل: و ذكرها.

334

زيادة عمر رضي اللّه عنه كانت في سنة سبعة عشر من الهجرة بتقديم السين، و أن زيادة عثمان رضي اللّه عنه كانت في سنة [سبع‏] (1) و عشرين من الهجرة.

و قال الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية (2) و غيره من الأئمة المعتمدين و في كلام بعضهم زيادة على بعض فقال: أما المسجد الحرام فكان حول الكعبة فضاء للطائفين، و لم يكن [له‏] (3) على عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و عهد أبي بكر رضي اللّه عنه جدارا، و كانت الدور محيطة به، و بين الدور أبواب يدخل منها الناس من كل ناحية.

فلما استخلف عمر- رضي اللّه عنه- و كثر الناس، ابتاع منازل و وسّع بها المسجد، و اتخذ للمسجد جدارا قصيرا دون القامة، و كانت المصابيح توضع عليه، و كان عمر- رضي اللّه عنه- أول من اتّخذ الجدار للمسجد الحرام.

فلما استخلف عثمان- رضي اللّه عنه- ابتاع دورا و وسّع بها المسجد أيضا، و بنى المسجد و الأروقة فكان عثمان- رضي اللّه عنه- أول من اتخذ للمسجد الحرام الأروقة. انتهى.

ثم زيادة عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه.

قال الأزرقي‏ (4): كان المسجد الحرام [محاطا] (5) بجدار قصير غير مسقّف، و إنما كان الناس يجلسون حول المسجد بالغداة و العشي يبتغون‏

____________

(1) في الأصل: سبعة.

(2) الأحكام السلطانية (ص: 284).

(3) قوله: له، زيادة من الأحكام السلطانية (ص: 284).

(4) الأزرقي (2/ 69).

(5) في الأصل: مخالطا. و التصويب من الأزرقي (2/ 69).

335

الإفياء، فإذا قلص الظل قامت المجالس. فزاد ابن الزبير في المسجد الحرام و اشترى دورا و أدخلها في المسجد الحرام.

قال الأزرقي‏ (1): و كان مما اشترى دارا لجدنا الأزرقي و هي كانت لاصقة بالمسجد الحرام و بابها شارع إلى باب بني شيبة على يسار الداخل، و كانت دارا كبيرة اشترى بعضها ببضعة و عشرين ألف دينار و أدخلها المسجد الحرام.

قال الأزرقي‏ (2): و كان قد انتهى بالمسجد إلى أن أشرعه على الوادي مما يلي الصفا، و الوادي يومئذ في موضع المسجد من جميع نواحيه، و كانت دار الندوة يومئذ داخلة في موضعه حتى زاد أبو جعفر فأخّرها إلى ما هي عليه اليوم.

قال الأزرقي‏ (3): و ذكر جدي أنه سمع مشيخة من أهل مكة يذكرون أن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما سقّف المسجد غير أنهم لم [يذكروا] (4) أكلّه أو بعضه، ثم قال: و عمّره عبد الملك بن مروان و لم يزد فيه، لكنه رفع جدرانه و سقّفه بالساج، و عمّره عمارة حسنة.

و قال أيضا (5): و حدثني جدي، عن سعيد بن فروة، عن أبيه قال: كنت على المسجد الحرام في زمن عبد الملك بن مروان فأمره أن يجعل على رأس كل أسطوانة خمسين مثقالا من الذهب.

____________

(1) الأزرقي (2/ 70).

(2) المرجع السابق.

(3) الأزرقي (2/ 71).

(4) في الأصل: يذكرون.

(5) الأزرقي (2/ 71).

336

و قال أيضا (1): عمّر الوليد المسجد الحرام و نقض عمل عبد الملك و عمله الوليد عملا محكما، و كان إذا بنى المساجد زخرفها، و هو أول من نقل الأساطين الرخام إلى المسجد الحرام و سقّفه بالساج المزخرف، و جعل على رأس الأساطين صفائح الذهب، و أزّر المسجد بالرخام، و جعل للمسجد [شرافات‏] (2).

و لم يعمر المسجد الحرام بعد الوليد بن عبد الملك و لم يزد فيه، حتى كان أبو جعفر المنصور (3) فأمر بالزيادة في المسجد الحرام فزيد في شقة الشامي الذي يلي دار الندوة و زاد في أسفله إلى أن انتهى إلى المنارة التي في ركن باب بني سهم الذي يقال له اليوم: باب العمرة، و لم يزد في الجانب الجنوبي لاتصاله بمسيل الوادي، و لصعوبة البناء فيه و عدم ثباته إذا قوي السيل عليه، و لذلك لم يزد في أعلا المسجد، و اشترى من الناس دورهم و أدخلها في المسجد. و كان الذي ولي عمارة المسجد الحرام من قبل أبي جعفر زياد بن [عبيد اللّه الحارثي‏] (4) كان من شرطة عبد العزيز بن عبد اللّه بن مسافع بن عبد الرحمن الشيبي، و كان زياد أجحف بدار شيبة بن عثمان و أدخل أكثرها في الجانب الأعلى من المسجد، فتكلم مع زياد في أن يميل عنه قليلا ففعل، فكان في هذا المحل ازورارا في المسجد، أي: قبل تربيع المهدي العباسي له.

و أما الآن فهو مربّع كما يأتي إن شاء اللّه.

____________

(1) الأزرقي (2/ 71- 74).

(2) في الأصل: سرادقات. و التصويب من الأزرقي (2/ 72).

(3) في هامش الأصل: استطراد: أول من نقّط المصحف و شكّله، يقال: إن أول من أمر به عبد الملك فتصدى لذلك الحجاج و هو بواسط فأمر الحسن البصري و سمي بن يعمر ففعلا ذلك. و أما كتابة الأعشار على الحواشي نسب إلى الحجاج. اه أوائل السيوطي.

(4) في الأصل: عبد اللّه الحارث. و المثبت من الأزرقي (2/ 72).

337

و أمر أبو جعفر المنصور بعمارة منارة هناك، فعملت و اتصل عمله في أعلا المسجد بعمل الوليد بن عبد الملك، و كان عمل [أبي‏] (1) جعفر طاقا واحدا بأساطين الرخام دائرا على صحن المسجد، و كان الذي زاد فيه قدر الضعف مما كان قبله و زخرف المسجد بالذهب و أنواع النقوش و رخّم الحجر، و هو أول من رخّمه كما تقدم، و كان ذلك العمل كله على يد زياد، و فرغ من عمل ذلك في عامين، و قيل: ثلاثة، و كان ابتداء العمل في سنة مائة [و سبع‏] (2) و ثلاثين، و كتب على باب بني جمح أحد أبواب المسجد الحرام من جهة الصفا: بسم اللّه الرحمن الرحيم محمد رسول اللّه، أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون. إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ‏ [آل عمران: 96]. أمر عبد اللّه أمير المؤمنين بتوسعة المسجد الحرام و عمارته و الزيادة فيه نظرا منه للمسلمين و اهتماما بأمورهم، و الذي زاده فيه الضّعف مما كان عليه قبل، و فرغ منه و رفعت الأيدي منه في ذي الحجة سنة أربعين و مائة و ذلك بتيسير اللّه على أمير المؤمنين و حسن معونته و إكرامه له بأعظم كرامة، فأعظم اللّه أجر أمير المؤمنين فيما نواه من توسعة المسجد الحرام و أحسن ثوابه، و جمع اللّه لديه خير الدنيا و الآخرة و أعزّ نصره و أيده. انتهى.

ثم زاد فيه المهدي العباسي ثالث الخلفاء من بني العباس، و ذلك أنه لما حج في سنة ستين و مائة- كما في درر الفرائد (3) اه- فرّق أموالا عظيمة

____________

(1) في الأصل: أبو.

(2) في الأصل: سبعة.

(3) درر الفرائد (ص: 215).

338

على أهل الحرمين، ثم استدعى قاضي مكة، و هو يومئذ محمد بن عبد الرحمن المخزومي، و أمره أن يشتري دورا في أعلا المسجد و يهدمها و يدخلها في المسجد الحرام، و أعدّ لذلك أموالا عظيمة، فاشترى القاضي جميع ما كان بين المسجد الحرام و المسعى مما كان من الصدقات و الأوقاف، و اشترى للمستحقين بدلها دورا في فجاج مكة، و كان الذي اشتراه و أدخله المسجد الحرام، كل ذراع مكسر في مثله بخمسة عشر [دينارا] (1)، فكان فيما دخل في ذلك المشترى دار الأزرقي، و هي يومئذ لاصقة بالمسجد الحرام على يمين الخارج من باب بني شيبة، و كان ثمن ناحية منها عشرة آلاف دينار، و كان أكثرها داخل في المسجد الحرام في زيادة عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه، و دخل أيضا دار خيرة بنت سباع الخزاعي، و كان ثمنها ثمانية و أربعون ألفا دفعت إليها، و كانت شارعة على المسعى يومئذ قبل أن يؤخّر المسعى، و دخلت أيضا دار جبير بن مطعم و دار شيبة بن عثمان، اشترى ذلك كلّه و أدخله المسجد، و جعل دار القوارير [رحبة] (2) بين المسجد الحرام و المسعى، حتى [استقطعها] (3) جعفر البرمكي من الرشيد لما آلت الخلافة إليه، فبناها دارا ثم آلت إلى حماد البربري فعمّرها، و زين باطنها بالقوارير و ظاهرها بالرخام و الفسيفساء (4).

____________

(1) في الأصل: دينار.

(2) في الأصل: جنبه. و التصويب من الأزرقي (2/ 75).

(3) في الأصل: استعطفها. و التصويب من الأزرقي، الموضع السابق.

(4) انظر: الأزرقي (2/ 74- 75).

في هامش الأصل: قوله: و الفسيفساء هي ألوان من الخرز تركب في حيطان البيوت من داخل للزينة. اه قاموس.

339

قال القطب الحنفي‏ (1): و تداولت الأيدي عليها بعد ذلك إلى أن صارت رباطين‏ (2) متلاصقين أحدهما كان يعرف برباط المراغي‏ (3)، و الثاني يعرف برباط السدرة (4)، [فاستبدلهما قايتباي و بناهما] (5) مدرسة و رباطا في سنة ثمانمائة و ثمانين‏ (6).

و قد ذكر القطب كيفية وقفها و ما أعدّ فيها من الخيرات و حدودها، و كانت تنزل فيها أمراء مصر- أي: أمراء الحج المصري- و يوضع تحتها المحمل المصري: و هذه الزيادة الأولى للمهدي في أعلا المسجد و كذا في أسفله إلى أن انتهى إلى باب بني سهم، و يقال له الآن: باب العمرة و إلى باب الحناطين، و كذا زاد من الجانب الشامي إلى منتهاه الآن، و كذا زاد في الجانب اليماني إلى قبّة الشراب، و تسمى قبة العباس- قلت: و هي القبة التي فيها الكتب- و إلى حاصل الزيت و هو بجانبها كان يوضع فيه الزيت أولا، و كان بين جدار الكعبة اليماني و بين جدار المسجد الذي من جهة

____________

(1) الإعلام (ص: 100).

(2) الرباط: الأصل فيه: المكان الذي يرابط فيه المجاهدون و المدافعون عن ديار الإسلام، ثم أصبح يطلق على كل مبنى خيري يخصص للفقراء أو لطلاب الرحلة أو المتصوفة (انظر:

مختار الصحاح ص: 97، و لسان العرب، مادة: ربط، و المصباح المنير ص: 256، و دائرة المعارف الإسلامية 10/ 19- 24).

(3) رباط المراغي: و يعرف بالقيلاني، و قد وقفه واقفه على الصوفية الواصلين إلى مكة المقيمين و المجتازين من العرب و العجم، و تاريخ وقفه سنة 575 (العقد الثمين 1/ 281، و شفاء الغرام 1/ 607- 608).

(4) رباط السدرة: يقع بالجانب الشرقي من المسجد الحرام على يسار الداخل إلى المسجد الحرام من باب بني شيبة، و لا يعرف من وقفه و لا متى وقف، إلا أنه كان موقوفا في سنة أربعمائة (العقد الثمين 1/ 281، و شفاء الغرام 1/ 607).

(5) في الأصل: فاستبدلها قايتباي و بناها. و التصويب من الإعلام.

(6) في الإعلام: سنة 883.

340

الصفا تسعة و أربعون‏ (1) ذراعا و نصف، و كان وراءه سيل الوادي، فهذه زيادة المهدي العباسي الأولى، و أمر بالأساطين فحملت من مصر و الشام، ثم حملت في البحر إلى قرب جدة في موضع يقال له: الشعيبة، و كان ذلك المحل ساحل مكة في أيام الجاهلية فجمعت هناك؛ لأن مرساها قريبة إلى البر بخلاف جدة؛ لأن مرساها التي توقف بها السفن بعيدة إلى البر، فصاروا يحملون أساطين الرخام على العجل و يجيئون بها إلى مكة.

قال القطب‏ (2): و يتحاكى بعض العرب أن بها الآن بقايا أساطين رخام دفنتها الريح. و اللّه أعلم بالحقيقة.

و عمل الأساس لتلك الأساطين بحيث حفر الأرض و بنى بها جدران على شكل الصليب، و وضع كل أسطوانة على موضع من تلك التقاطع.

قال القطب‏ (3): و قد كشف عنها السيل العظيم في سنة تسعمائة و ثلاثين، و شوهد أساس الأساطين على هذه الحالة، و استمر المسجد على هذا الحال إلى سنة [أربع‏] (4) و ستين و مائة، ثم حج المهدي في ذلك العام فشاهد الكعبة المشرفة ليست في وسط المسجد بل في جانب منه، و رأى المسجد قد اتّسع من أعلاه و من أسفله [و من جانبه‏] (5) الشامي، و ضاق من الجانب اليماني الذي يلي مسيل الوادي، و كان محل المسيل الآن بيوتا للناس و كانوا يسلكون من المسجد في بطن الوادي، ثم يسلكون زقاقا ضيقا، ثم يصعدون إلى الصفا، و كان المسعى في موضع المسجد الحرام‏

____________

(1) كذا في الأصل. و قد عدلت في الهامش إلى: و أربعين، و هو خطأ.

(2) الإعلام (ص: 101).

(3) الإعلام (ص: 101- 103).

(4) في الأصل: أربعة.

(5) في الأصل: و جانبه. و التصويب من الإعلام.

341

اليوم، و كان باب دار محمد بن عباد بن جعفر العائذي عند [حد ركن‏] (1) المسجد اليوم عند موضع المنارة الشارعة في نحر (2) الوادي، يمرون في بعض المسجد الحرام اليوم، فهدموا أكثر دور محمد بن عباد بن جعفر العائذي، و جعلوا المسعى و الوادي فيها، و كان عرض المسعى من الميل الأخضر الملاصق بالمئذنة التي في الركن الشرقي من المسجد إلى الميل الأخضر الملاصق الآن برباط العباس‏ (3)، و كان هذا الوادي مستطيلا إلى أسفل المسجد الآن يجري فيه السيل ملصقا بجدار المسجد إذ ذاك، و هو الآن بطن المسجد من الجانب اليماني، فلما رأى المهدي توسعة المسجد الحرام ليس على الاستواء، و رأى الكعبة الشريفة في الجانب اليماني من المسجد، جمع المهندسين و قال لهم: أريد أن أزيد في الجانب اليماني من المسجد الحرام لتكون الكعبة المشرفة في وسط المسجد، فقالوا: هذا لا يمكن إلا أن تهدم البيوت التي على حافة المسيل في مقابلة الجدار اليماني من المسجد، و ينقل المسيل إلى محل تلك البيوت. و مع ذلك فإن وادي إبراهيم‏ (4) عليه الصلاة و السلام له سيول عارمة، و نخاف إن حوّلته عن محله أن لا يثبت أساس‏

____________

(1) في الأصل: جوار. و التصويب من الأزرقي (2/ 79).

(2) نحر النهار و الشهر: أوّله (القاموس المحيط، مادة: نحر).

(3) رباط العباس: و هو بالمسعى، و فيه العلم الأخضر، و كان مطهرة ثم جعل رباطا، و الذي عمله مطهرة الملك المنصور لاجين المنصوري، ثم حوله ابن أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون الألفي رباطا (العقد الثمين 1/ 283، و شفاء الغرام 1/ 611).

(4) وادي إبراهيم: هو وادي مكة الرئيسي، و هو الذي عناه سيدنا إبراهيم (عليه السلام) بقول:

غَيْرِ ذِي زَرْعٍ‏ و به تقع أحياء مكة القديمة، و تبلغ أحياؤه مع روافده أزيد من ثلاثة و عشرين حيا. و من روافده: وادي المحصب، الملاوي، أذاخر الجنوبي، شعب ابن عامر، شعب علي، وادي أجياد، وادي ذي طوى (أودية مكة المكرمة ص: 20- 22، و معجم معالم الحجاز 1/ 29).

342

البناء على ما تريد من الاستحكام، فتذهب به السيول [أو] (1) تعلوا السيول فيه فتصب في المسجد الحرام، و يلزم هدم دور كثيرة و تكثر المؤنة و لعل ذلك لا يتم، فقال المهدي: لا بد أن أزيد فيه و لو أنفقت جميع ما في بيت مال المسلمين من الأموال، و صمّم على ذلك و عظمت نيّته، و جمع المهندسين و قال: لا بد؛ فعند ذلك هندس المهندسون بحضرته، و ربطوا الرماح و نصبوها على أسطحة الدور من أول الوادي إلى آخره، و ربعوا الوادي من فوق الأسطحة، و طلع المهدي إلى جبل أبي قبيس و شاهد تربيع المسجد الحرام، و رأى ما تهدم من البيوت، و جعل مسيلا و محلا للمسعى، و شخّصوا له ذلك بالرماح المربوطة من الأسطحة، و وزنوا له ذلك مرة بعد أخرى إلى أن رضي به. ثم توجه إلى العراق و خلّف أموالا كثيرة لهذه العمارة العظيمة، و هذه هي الزيادة الثانية للمهدي. هذا ملخص ما ذكره الأزرقي و الفاكهي و الحافظ نجم الدين ابن فهد، و القطب الحنفي في أعلام الناس لأهل بلد اللّه الحرام‏ (2).

ثم ذكر فيه قال‏ (3): و هاهنا إشكال ما رأيت من تعرض له، و هو أن السعي بين الصفا و المروة من الأمور التعبدية التي أوجبها اللّه تعالى علينا و لا يجوز العدول عنه، و لا تؤدى هذه العبادة إلا في ذلك المكان المخصوص الذي سعى فيه (صلى اللّه عليه و سلم)، و على ما ذكر هؤلاء الثقات إدخال ذلك القدر من المسعى في الحرم الشريف و تحويل المسعى إلى دار محمد بن عباد

____________

(1) في الأصل: و. و التصويب من الإعلام.

(2) الأزرقي (2/ 74- 81)، و الفاكهي (2/ 165- 174)، و إتحاف الورى (2/ 214- 215)، و الإعلام (ص: 100- 103).

(3) الإعلام (ص: 103).

343

كما تقدم، و المكان الذي يسعى فيه الآن [لا] (1) يتحقق أنه بعض من المسعى الذي سعى فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أو غيره، فكيف يصح السعي فيه و قد حوّل عن محلّه كما ذكره هؤلاء الثقات؟

و لعل الجواب عن ذلك: أن المسعى في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان عريضا، و بنيت تلك الدور بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في عرض المسعى القديم فهدمها المهدي، و أدخل بعضها في المسجد الحرام، و ترك بعضها [للسعي‏] (2) فيه، و لم يحوّل تحويلا كليا، و إلا لأنكر ذلك علماء الدين من الأئمة المجتهدين رضي اللّه عنهم أجمعين مع [توفّرهم إذ ذاك‏] (3)، فكان موجودا في ذلك الوقت الإمامان أبو يوسف و محمد بن الحسن، و الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة رضي اللّه عنه، و قد أقروا ذلك و سكتوا، و كذا من بعدهم مثل الإمام الشافعي، و الإمام أحمد بن حنبل، و بقية المجتهدين فكان اجتماعهم على صحة السعي في هذا المحل الموجود الآن من غير نكير نقل عنهم.

و بقي إشكال آخر في جواز [إدخال‏] (4) شي‏ء من المسعى في المسجد، و كيف يصير ذلك مسجدا؟ و كيف حال الاعتكاف فيه؟

[و حلّه: بأن‏] (5) يجعل حكم المسعى حكم الطريق العام، و قد قال علماؤنا: بجواز إدخال الطريق في المسجد إذا لم يضرّ بأصحاب الطريق، فيصير مسجدا، و يصح الاعتكاف فيه حيث لا يضرّ بمن يسعى، فاعلم‏

____________

(1) في الأصل: فلا.

(2) في الأصل: للمسعى. و التصويب من الإعلام.

(3) في الأصل: توقيرهم ذلك. و التصويب من الإعلام.

(4) قوله: إدخال، زيادة من الإعلام.

(5) في الأصل: و بأن. و التصويب من الإعلام.

344

ذلك. و هذا مما تفردت ببيانه فلله الحمد و التوفيق لبيانه. انتهى ما ذكره القطب‏ (1).

قال الحافظ نجم الدين ابن فهد في حوادث سنة [أربع‏] (2) و ستين و مائة و ما ملخصه‏ (3): [فيها] (4) هدمت الدور [التي‏] (5) اشتريت لتوسعة المسجد الحرام و الزيادة فيه الزيادة الثانية للمهدي. فهدم أكثر دور محمد بن عباد و جعل المسعى و الوادي فيها، و هدموا ما بين الصفا و الوادي من الدور، و حرفوا الوادي في موضع الدور حتى وصلوا إلى موضع الوادي القديم في أجياد الكبرى، و ابتدؤوا من باب بني هاشم من أعلا المسجد و يقال له الآن: باب علي، و وسّع المسجد منه إلى أسفل المسجد، و جعل في مقابلة هذا الباب باب في آخر المسجد من أسفل يعرف باب حزورة. اه.

و في المشارق للقاضي عياض‏ (6): الحزورة: سوق مكة و قد دخلت في الحرم لما زيد فيه. انتهى.

و كان قبل هذه الزيادة من جدار الكعبة إلى جدار المسجد اليماني المتصل بالوادي تسعة و أربعون ذراعا و نصف، فلما زيدت هذه الزيادة الثانية فيه صار من جدار المسجد الأول إلى الجدار الذي عمر [آخرا] (7)

____________

(1) الإعلام (ص: 103- 104).

(2) في الأصل: أربعة.

(3) إتحاف الورى (2/ 217) و ذكره في حوادث سنة 167، و انظر الإعلام (ص: 106- 107).

(4) في الأصل: فيما.

(5) في الأصل: الذي.

(6) المشارق (1/ 220).

(7) في الأصل: أخر.

345

ستون‏ (1) ذراعا، فاتّسع المسجد غاية الاتساع، و أدخل في قرب الركن اليماني من المسجد في أسفله دار أم هانئ؛ لأن دارها كانت هناك، و كانت عند دار أم هانئ بئر جاهلية حفرها قصي بن كلاب، فأدخلت أيضا تلك البئر في المسجد، و حفر المهدي بئرا غيرها خارج الحزورة يغسّلون عندها الموتى.

و استمر [البناة] (2) و المهندسون في بناء هذه الزيادة [و وضع‏] (3) الأعمدة الرخام و تسقيف المسجد بالخشب الساج المنقّش بالألوان نقرا في [نفس‏] (4) الخشب و كان في غاية الزخرفة إلى أن توفي المهدي.

ثم ولي الهادي، و كان أول ما أمر به إكمال المسجد الحرام، فبادر الموكّلون بذلك إلى أن أتموه، و اتّصل بعمارة المهدي و بنوا بعض أساطين الحرم بالرخام، و من جانب باب أم هانئ بالحجارة، ثم طليت بالجص.

و كان العمل في زمن الهادي دون العمل في زمن المهدي من الإحكام و الزينة و الاهتمام، و لكن [كملت‏] (5) عمارة المسجد على هذا الوجه الذي كان باقيا، و ما زيد فيه بعد ذلك الزيادة إلا زيادة دار الندوة، و زيادة باب إبراهيم كما نشرحه إن شاء اللّه تعالى.

و هذه الأساطين الرخام الموجودة الآن جلبها المهدي من بلاد مصر و الشام، و أكثرها مجلوبة من بلاد الصعيد (6) من بلد يقال لها:

____________

(1) في الإعلام: تسعون.

(2) في الأصل: البناء. و التصويب من الإعلام.

(3) في الأصل: و رفع. و التصويب من الإعلام.

(4) في الأصل: نقش. و التصويب من الإعلام.

(5) في الأصل: أحكمت. و التصويب من الإعلام.

(6) الصعيد: بلاد واسعة فيها عدة مدن عظام، منها: أسوان و هي أوله في ناحية الجنوب،-

346

إخميم‏ (1) من أعمال مصر، كثيرة الرخام، يجلب منها إلى مصر و إلى غيرها من البلدان الرخام العظيم و الأعمدة اللطيفة المخروطة من الرخام الأبيض، يقال: إن أكثر رخام المسجد الحرام مجلوب منها. و اللّه أعلم.

ذكره القطب‏ (2).

ثم قال: و مما يلائم ما نحن فيه من أعجب ما نقل في التعدي على المسعى الشريف ما وقع قبل عصرنا بنحو مائة سنة في أيام [الجراكسة] (3) في سلطنة الأشرف قايتباي، و محصّله: أنه كان له تاجرا يخدمه قبل سلطنته في أيام إمارته اسمه: شمس الدين ابن الزمن، و هو أنه كان بين الميلين مياض أمر بعملها الملك الأشرف شعبان ابن الناصر قلاوون، و كانت تلك [المياضي‏] (4) في مقابلة باب علي، حدّها من الشرق بيوت للناس، و من الغرب المسعى، و من الجنوب مسيل وادي إبراهيم الذي يؤدي إلى سوق الليل، و من الشمال دار العباس الذي هو الآن رباط، فاستأجر الخواجة (5)

____________

- و قوص و قفط و اخميم و البهنا، يكتنفه جبلان يجري النيل بينهما، و المدن و القرى شارعة عليه (انظر: معجم البلدان 3/ 408، و مراصد الاطلاع 2/ 841- 842، و دائرة معارف القرن العشرين 5/ 496).

(1) إخميم: بلد بالصعيد في الإقليم الثاني، و هو بلد قديم على شاطى‏ء النيل بالصعيد، و في غربيه جبل صغير، من أصغى إليه بأذنه سمع خرير الماء و لغطا شبيها بكلام الآدميين لا يدرى ما هو (معجم البلدان 1/ 123- 124).

(2) الإعلام ص: (107- 109).

(3) في الأصل: الجراسكة. و التصويب من الإعلام.

(4) في الأصل: المياض، و كذا وردت في الموضع التالي.

(5) الخواجه أو الخواجا: من ألقاب أكابر التجار الأعاجم من الفرس و نحوهم، و هو لفظ فارسي و معناه: السيد أو المعلم أو الكاتب أو التاجر أو الشيخ، و قد استعمل في العالم الإسلامي كلقب عام، و يأتي أحيانا في أول الألقاب، كما يطلق أحيانا على من يمت بصلة إلى الأصل الفارسي (صبح الأعشى 6/ 12، الألقاب الاسلامية في التاريخ و الوثائق و الآثار ص: 279، 280) غير أن الغريب- اليوم- أن الناس تطلقها على-

347

ابن الزمن هذه المياضي و هدمها، [و هدم‏] (1) من جانب المسعى ثلاثة أذرع، و حفر الأساس ليبني عليه رباطا يسكنه الفقراء، فمنعه من ذلك القاضي إبراهيم ابن ظهيرة فلم يمتنع، فجمع القاضي محضرا من العلماء، و فيه من علماء المذاهب الأربعة، منهم الشيخ زين الدين‏ (2) قاسم الحنفي، و القاضي علاء الدين [الزواوي‏] (3) الحنبلي، و بقية علماء من المالكية و الشافعية، و طلبوا الخواجة [و أنكر عليه جميع الحاضرين‏] (4) و قالوا له في وجهه: أنت أخذت من المسعى ثلاثة أذرع و أدخلتها، و أحضروا له النقل بعرض المسعى من تاريخ الفاكهي، و ذرعوا من جدار المسجد إلى المحل الذي وضع فيه ابن الزمن الأساس فكان عرض المسعى ناقصا ثلاثة أذرع، فقال ابن الزمن: المنع خاص بي أو بجميع الناس- يعني بذلك قايتباي- فقال له القاضي: أمنعك أنت؛ لأنك أنت الذي تباشر هذا العمل بنفسك فهذا فعل حرام، و منع القاضي البنائين، و أرسل عرضا فيه خطوط العلماء إلى قايتباي. و كتب ابن الزمن أيضا إليه و كانت [الجراكسة] (5) لهم تعصب و قيام في [مساعدة] (6) من يلوذ بهم و لو على الباطل، فلما وقف السلطان على تلك الأحوال و تغيير ابن الزمن أرسل عزل القاضي و ولّى غيره،

____________

- النصارى الغربيين خاصة، فإذا قيل (خواجه) لا يتبادر إلى الذهن إلا أنه رجل غربي (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 45).

(1) في الأصل: و تقدم. و التصويب من الإعلام.

(2) في الأصل زيادة: بن. انظر: (الإعلام ص: 105).

(3) في الأصل: الراوي. و التصويب من المرجع السابق.

(4) في الأصل: و أنكروا عليه جميع الحاضرون. و التصويب من المرجع السابق.

(5) في الأصل: الجراسكة. و التصويب من المرجع السابق.

(6) في الأصل: سعادة. و التصويب من المرجع السابق.

348

و أمر أمير الحج أن يضع الأساس على مراد ابن الزمن- انظر إلى جور هذا و عدل كسرى و هو كافر في قضية الإيوان و انعواجه لأجل العجوز [التي‏] (1) امتنعت من بيع محلّها، و قصة الإيوان معلومة- و قال لأمير الحج:

أوقف بنفسك، فوصل سنة [خمس‏] (2) و سبعين و ثمانمائة و وقف بنفسه بالليل عليهم فبنوا إلى أن صعدوا به على وجه الأرض، و جعل ابن الزمن ذلك رباطا و سبيلا، و بنى في جانبه دارا صغيرة، و صغر المياضي جدا و جعل لها بابا من جهة سوق الليل. هذا ملخص ما ذكره القطب الحنفي في تاريخ الإعلام لأهل بلد اللّه الحرام‏ (3). انتهى.

و وقع ترميم في المسجد الحرام قبل الزيادتين في الجانب الغربي من المسجد الحرام في أيام المعتمد على اللّه العباسي، ثم بنيت الزيادة الكبرى في الجانب الشمالي في المسجد الحرام في أيام المقتدر.

و لنذكر ما حدث في المسجد الحرام من تجديد:

ما حصل في المسجد الحرام في زمن الخلفاء و السلاطين على ترتيب دولتهم الأول فالأول، إلى أن آل أمر الحرمين إلى آل عثمان، فبنوا جميعه بهذه الحالة الموجودة

وقع ترميم في أيام أحمد الواثق باللّه الناصر في سنة إحدى و سبعين و مائتين، و وقع وهن في بعض جدار المسجد من الجانب الغربي قبل الزيادة

____________

(1) في الأصل: الذي.

(2) في الأصل: خمسة.

(3) الإعلام (ص: 104- 106).

349

التي عند باب إبراهيم، و كان في جدار الجانب الغربي [باب‏] (1) يقال له:

باب الخياطين، و كان بقربه دار تسمى دار زبيدة بنت جعفر المنصور (2)، فسقطت تلك الدار على جدار المسجد فانكسرت أخشابه، و سقطت و انهدمت أسطوانتان من أسطوانات المسجد، و مات تحت ذلك الهدم عشرة رجال، و كان عامله بمكة يومئذ هارون بن إسحاق، و قاضيها يوسف بن يعقوب، فلما رفع هذا الأمر إلى بغداد أمر أبو أحمد الواثق بعمل ذلك على يد عامله، و جهّز إليه مالا لأجل عمارة ما ذكر، فشرع في عمارة ما ذكر، و جدّد سقفه و أقام الاسطوانتين و أقام عقودهما، و كمل في سنة [اثنتين‏] (3) و سبعين و مائتين‏ (4). انتهى.

ثم المعتضد (5)، فمما وقع في أيامه من عمارة المسجد الحرام: زيادة دار الندوة و إدخالها في المسجد الحرام من الجانب الشامي [ملصقة] (6) إلى رواق الجانب المذكور، و هذا المحل يسمى دار الندوة، و كانت دار الندوة في زمن الجاهلية يجتمع فيها صناديد قريش عند مشاورتهم لأمر مهم، و ليس هذه الزيادة في عين دار الندوة بل محلها في تلك الأماكن لا على اليقين؛ لأن محلها من خلف مقام الحنفي إلى آخر هذه الزيادة، و كانت دار الندوة بعد

____________

(1) في الأصل: بابا.

(2) هي زبيدة زوج هارون الرشيد و أم ولي عهده الأمين، و نسب المأمون و المعتصم إليها تجوزا، و كانت قد زارت الحجاز، و أدخلت فيه بعض الإصلاحات، و بنت العمائر و أجلها عين زبيدة التي بمكة (انظر ترجمتها في: تاريخ بغداد 4/ 233، و العقد الثمين 8/ 236).

(3) في الأصل: اثنين.

(4) الإعلام (ص: 136- 137).

(5) أي: ثم رفع الأمر إلى المعتضد. و انظر هذه الأخبار في: الإعلام (ص: 143- 148).

(6) في الأصل: بلصقه. و التصويب من الإعلام (ص: 143).

350

ظهور الإسلام [ينزل‏] (1) فيها الخلفاء إذا قدموا مكة لأجل أن يخرجوا منها إلى المسجد الحرام للصلاة و الطواف، و كان لها فناء واسع ترمى فيه القمائم، فإذا حصلت أمطار قوية سال من الجبال التي يسار مكة؛ مثل:

جبل قعيقعان و ما حوله، و حملت أوساخه و قمائمه إلى دار الندوة و إلى المسجد الحرام، فكان يحتاج إلى تنظيف تلك الأوساخ و القمائم من المسجد الشريف كلما سالت السيول- أي: سيول هذا الجانب الشمالي- و كان ضررا على المسجد الشريف، فكتب قاضي مكة يومئذ من قبل المعتضد العباسي و هو القاضي محمد بن عبد اللّه المقدسي، و أمير مكة يومئذ [عج‏] (2) بن حاج مولى المعتضد، فتضمن: أن دار الندوة قد عظم خرابها و تهدمت [و كثيرا] (3) ما يلقى فيها من القمائم حتى [صارت‏] (4) ضررا على المسجد الحرام، و أنه لو أخرج ما فيها من القمائم و هدمت و بنيت مسجدا يوصل بالمسجد الحرام و جعلت رحبة يصلى فيها لكانت مكرمة لم تتهيأ لأحد [من‏] (5) الخلفاء بعد المهدي و الهادي، و منقبة باقية و شرفا و أجرا باقيا على طول الزمان.

و أن بالمسجد خرابا كثيرا و أن سقفه قد خرب و ينزل منه الماء إذا جاء المطر، و أن وادي إبراهيم قد كثرت فيه الأتربة فعلت الأرض عما كانت، و صارت السيول تدخل من الجانب الشمالي إلى المسجد الحرام، و لا بد من قطع تلك الأماكن و تمهيدها، و وصل إلى بغداد سدنة الكعبة و رفعوا إلى‏

____________

(1) في الأصل: ينزلون. و التصويب من المرجع السابق.

(2) في الأصل: حج. و سيأتي على الصواب كما أثبتناه.

(3) في الأصل: و كثير. و التصويب من الإعلام.

(4) في الأصل: صار. و التصويب من المرجع السابق.

(5) في الأصل: غير. و التصويب من المرجع السابق.

351

أبواب الخلافة أنهم وجدوا جدران الكعبة المشرفة من داخلها قد تشعب، و أن الرخام المفروش بأرضها قد تكسّر، و أن عضادتي باب الكعبة [كانتا] (1) من ذهب، فوقعت فتنة بمكة سنة مائتين [و إحدى‏] (2) و خمسين بخروج [بعض‏] (3) العلويين [و صاروا] (4) يسترون العضادتين بالديباج، و وقعت فتنة بمكة أيضا سنة مائتين [و ثمان‏] (5) و ستين فقلع عامل مكة يومئذ مقدار الربع من الذهب الذي كان مصفحا على باب الكعبة و من أسفله و ما على أنف الباب، و ضربه دنانير و استعان به على تلك الفتنة، و جعل بدل الذهب فضة مموّهة على الباب الشريف، فإذا تمسح الناس بذلك للتبرك ذهب صبغ الذهب و انكشفت الفضة فيحتاج إلى تمويهها كل سنة، و المناسب إعادة ذلك ذهبا صرفا كما كان، و أن رخام الحجر قد تكسّر و يحتاج إلى التجديد، و أن بلاط المطاف حول الكعبة المشرفة لم يكن تاما و يحتاج إلى ترميم من جوانبها كلها، فإن ذلك من أعظم القربات و أكثر المثوبات. و قد رفع إلى الديوان العزيز للمبادرة، و الانتهاء في ذلك راجع إلى دار الخلافة، و السلام.

فلما أشرف الخليفة على هذه المكاتبات، و كان للمعتضد يومئذ وزيرا اسمه [عبيد اللّه‏] (6) بن سليمان بن وهب، فأسرع إلى سماع الخليفة، و حسّن له اغتنام هذه الفرصة و المبادرة إليها، فبرز أمر المعتضد بعمل ما

____________

(1) في الأصل: كانت. و التصويب من المرجع السابق.

(2) في الأصل: إحدى.

(3) قوله: بعض، زيادة من ب.

(4) في الأصل: و صار. و التصويب من الإعلام.

(5) في الأصل: ثمانية.

(6) في الأصل: عبد اللّه. و التصويب من الإعلام، و الأزرقي.

352

رفع إليه من ترميم الكعبة و الحجر و المطاف و المسجد الحرام، و بهدم دار الندوة [و أن تجعل‏] (1) مسجدا يلحق بالمسجد الحرام، و بحفر الوادي و المسيل و المسعى و ما حول المسجد الحرام، و يعمق حفرها إلى أن يعود إلى حالته الأولى، و أمر بحمل أموال عظيمة من خزائنه إلى عمل ما ذكر، و أرسل ما ذكر في سنة مائتين [و إحدى‏] (2) و ثمانين و كانت صحبة أبو [الهياج‏] (3) قاضي بغداد، و هو الناظر على ما ذكر من العمارة، فلما وصل إلى مكة حجّ، ثم بعد الحج حلّى باب الكعبة بالذهب، ثم شرع في حفر الوادي و ما حول المسجد الحرام، فحفر حفرا جيدا حتى ظهر من درج المسجد الحرام الشارعة على الوادي [اثنتا عشرة] (4) درجة، و كان الظاهر منها قبل الحفر خمس درجات، فحفر الأرض و رمى ترابها خارج مكة، و نظّف دار الندوة من القمائم و الأتربة، و هدمت و حفر أساسها و بنيت و جعلت مسجدا، و أدخل فيها أبواب المسجد الكبير و كانت ستة أبواب‏ (5) أدخلت فيها، سعة كل باب خمسة أذرع، و ارتفاع كلّ باب من الأرض إلى جهة السماء إحدى [عشرة] (6) ذراعا، و جعل بين الأبواب [الكبار] (7) ستة أبواب صغار، و ارتفاع كل باب ثمانية أذرع، وسعة كل باب ذراعان و نصف، و جعل في هذه الزيادة [بابان بطاقين‏] (8) شارعين إلى خارج في‏

____________

(1) في الأصل: و تجعل. و الصواب ما أثبتناه لتمام المعنى.

(2) في الأصل: إحدى.

(3) في الأصل: التياح. و التصويب من الإعلام، و الأزرقي.

(4) في الأصل: اثنا عشر.

(5) في الأصل زيادة: الذي.

(6) في الأصل: عشر.

(7) قوله: الكبار، زيادة من الإعلام، و الأزرقي.

(8) في الأصل: بابا بطاقتين. و التصويب من الإعلام.