تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام ومكة والحرم وولاتها الفخام‏ - ج1

- محمد بن أحمد المالكي المكي المزيد...
557 /
353

جنبها الشمالي، و بابا بطاق في جنبها الغربي، و أقيمت أرواقها و سقفت من جوانبها الأربعة، و كان سقفها على أساطين من خشب الساج، و جعل لها منارة و فرغ من عمارتها في [ثلاث‏] (1) سنين إلا أنها ما استمرت على هذه الحالة بل غيّرت بعد قليل إلى وضع أحسن من وضع المعتضد، و كان ذلك الوضع بعد المعتضد.

قال الفاكهي في كتاب مكة: إن أبا الحسن محمد بن نافع الخزاعي قال في تعليق له: إن قاضي مكة محمد بن موسى لما آل إليه أمر البلد- أي:

مكة- جدّد بناء زيادة دار الندوة، و غيّر الطاقات التي كانت فتحت في جدار المسجد الكبير و جعلها [متساوية] (2) واسعة، بحيث صار كل من في زيادة دار الندوة من مصلّ و معتكف و جالس يمكنه المشاهدة للبيت، و جعل أساطينها حجرا مدورا منحوتا، و ركّب عليها سقف الخشب الساج منقوشا، و عقودا مبنية بالآجر (3) و الجص، و أدخل هذه الزيادة بالمسجد الكبير فصار أحسن من الأول، و جدد شرافاتها (4)، و كان عمل ما ذكر في‏

____________

(1) في الأصل: ثلاثة.

(2) في الأصل: مساوية. و التصويب من الإعلام.

(3) الآجر: هو اللبن المحروق، و يعرف أيضا بالطّوب. قيل إنها لغة مصرية قديمة (المعجم الوسيط 2/ 569).

(4) الشرافات: هي ما يوضع في أعلى البناء تحلية، و تأتي أمام مورقة بشكل زهرة، و هي لهذا أكثر الأشكال استعمالا، أو مسننة التي استعملت في أسطح المساجد و المآذن، و كان لهذه الشرافات قديما وظيفة حربية، حيث كانت تقوم في أعلى الحصن أو السور بعمل المزغلة التي تمكن من رؤية العدو لتسديد النبال عليه و الحماية للمدافع. و الشرافات من الزخارف الساسانية المعمارية التي انتقلت إلى الفن الإسلامي، عرفت منذ العصور القديمة في فارس و العراق و أواسط آسيا حيث استخدمت في الأطراف العليا للعمائر (انظر:

المعجم الوسيط 1/ 480، و العمارة العربية في مصر الإسلامية عصر الولاة 1/ 181، و تاريخ العمارة 2/ 263، و العمارة و الفنون في دولة الإسلام ص: 216).

354

نيف و ثلاثمائة. انتهى. ذكره القطب الحنفي‏ (1).

ثم زيادة المقتدر باللّه، رأى أنه يزيد في المسجد أي: و هي زيادة باب إبراهيم، و ليس المراد به الخليل عليه الصلاة و السلام، بل كان إبراهيم هذا خياطا يجلس عند هذا الباب، عمّر دهرا فعرف به.

و كان قبل هذه الزيادة باب متصل بأروقة المسجد الحرام بقرب باب حزورة و يقال له: باب الحناطين، و بقربه باب ثاني يقال له: باب بني جمح، و خارج [هذين‏] (2) البابين ساحة بين دارين لزبيدة أم الأمين زوجة هارون الرشيد بنيت في سنة [ثمان‏] (3) و مائتين و ما بقي لتلك الدارين أثر.

و الذي يظهر أن أحد الدارين في الجانب الشامي في مكان رباط الخوزي‏ (4)، و كان الآخر في مقابله من الجانب اليماني في تلك الزيادة، و هو رباط رميثة الذي يقال له الآن: رباط [ناظر] (5) الخاص. قاله القطب‏ (6).

انتهى.

قلت: أما الذي من جهة الجانب الشامي فيقال له الآن: رباط سليمان، و يسكنه أهل اليمن، و أما الآخر فما بقي [لذلك‏] (7) الرباط أثر.

انتهى.

____________

(1) الإعلام (ص: 143- 148). و انظر: الأزرقي (2/ 110- 113).

(2) في الأصل: هذه. و التصويب من الإعلام.

(3) في الأصل: ثمانية.

(4) رباط الخوزي: و هو بزيادة باب إبراهيم، وقفه الأمير قرامرز بن محمود بن قرامرز الأفزري الفارسي على الصوفية الغرباء و المتجردين سنة 617 ه (العقد الثمين 1/ 282، و شفاء الغرام 1/ 609).

(5) قوله: ناظر، زيادة من الإعلام.

(6) الإعلام (ص: 159).

(7) في الأصل: لتلك.

355

فأدخلت هذه الساحة [التي‏] (1) بين الدارين في المسجد الحرام و أبطل البابان- يعني: باب الحناطين و باب بني جمح- بحيث دخلا في المسجد، و جعل عوض البابين باب إبراهيم، و هو باب كبير في غربي هذه الزيادة.

قال الحافظ النجم ابن فهد (2) في حوادث سنة [ست‏] (3) و ثلاثمائة:

و فيها زاد القاضي محمد بن موسى في الجانب الغربي قطعة عند باب الخياطين و باب بني جمح- و هو السوح الذي كان بين دور زبيدة أم الأمين- و عمل ذلك مسجدا أوصله بالمسجد الكبير، و طول هذه الزيادة من الأساطين التي [في وزان‏] (4) جدار المسجد الكبير إلى [العتبة] (5) التي عليها باب إبراهيم سبعة و خمسون ذراعا إلا سدس ذراع، و عرض هذه الزيادة من جانبها الشامي إلى جانبها اليماني و ذلك من [جدار] (6) رباط [الخوزي‏] (7) إلى جدار رباط [رامشت‏] (8) اثنان و خمسون ذراعا و ربع ذراع، و في هذه الزيادة في جانبها [الشرقي‏] (9) المتصل بالمسجد الكبير صفّان من‏

____________

(1) في الأصل: الذي. و التصويب من الغازي (1/ 626).

(2) إتحاف الورى (2/ 366)، و انظر: الإعلام (ص: 159- 160).

(3) في الأصل: ستة.

(4) في الأصل: ميزان. و التصويب من الإعلام.

(5) في الأصل: القبة. و التصويب من المرجع السابق.

(6) زيادة من الغازي (1/ 626). و انظر: الإعلام (ص: 160).

(7) في الأصل: الخوازي. و انظر: الإعلام (ص: 160).

(8) في الأصل: رميثة. و التصويب من الإعلام (ص: 160)، و الغازي (1/ 626).

و رباط رامشت: نسبة لواقفه الشيخ أبي القاسم رامشت، عند باب الحزورة، أوقفه سنة 529 ه. و في سنة 848 ه أزيل جميع ما به من الشعث، و عمّر عمارة حسنة من مال صرفه الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة، و ذلك بعد الحريق الذي أصابه في سنة 802 ه. و كان وقفه على جميع الصوفية الرجال دون النساء من سائر العراق (العقد الثمين 1/ 282، و شفاء الغرام 1/ 609).

(9) في الأصل: اليماني. و التصويب من الإعلام (ص: 160)، و الغازي (1/ 626).

356

الرواق على أساطين منحوتة من الحجارة، و كذلك في جانبها الشمالي، و لم يكن في جانبها الغربي رواق. ذكر هذه الزيادة التقي الفاسي‏ (1).

ذكر حريق المسجد الحرام و تعميره‏

إنه لما كان أيام الناصر فرج برقوق وقع الحريق في المسجد الحرام ليلة السبت [لليلتين‏] (2) بقيتا من شهر شوال سنة ثمانمائة [و اثنتين‏] (3). و سبب ذلك ظهور نار من رباط رامشت الملاصق لباب الحزورة من أبواب المسجد الحرام [في الجانب‏] (4) الغربي منه.

[و رامشت‏] (5) هو الشيخ أبو القاسم إبراهيم ابن [الحسين‏] (6) الفارسي أوقف هذا الرباط على الرجال الصوفية أصحاب المرقعات في سنة خمسمائة [و تسع‏] (7) و عشرين. ذكره القطب‏ (8).

فترك بعض سكان الخلاوي سراجا موقودا في خلوته ورقد عنها، فسحبت الفأرة فتيلة السراج منه إلى خارج، فأحرقت ما في الخلوة، و اشتعل اللهيب في سقف الخلوة، و خرج من شباكها المشرف على الحرم، و اتصل بسقف المسجد الحرام لقربه منه، فما كان بأسرع من اشتعال سقف المسجد و التهابه، و عجز الناس عن إطفائه؛ لعلوه و عدم وصول اليد إليه،

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 430- 431).

(2) في الأصل: ليلتين.

(3) في الأصل: و اثنين.

(4) في الأصل: و الجانب. و التصويب من الإعلام.

(5) في الأصل: و رميثة. و التصويب من الإعلام.

(6) في الأصل: الحسن. و التصويب من المرجع السابق.

(7) في الأصل: تسعة.

(8) الإعلام (ص: 191).

357

فعمّ الحريق الجانب الغربي، و استمرت النار تأكل السقف و تسير و لا يمكن الناس إطفاءها لعدم الوصول إليها بوجه ما إلى أن وصل الحريق إلى الجانب الشامي، و استمر يأكل من الجانب الشامي إلى أن انتهى إلى باب العجلة.

قلت: اسمه الآن باب الباسطية. و سيأتي ذكره إن شاء اللّه في ذكر الأبواب.

و كانت هناك أسطوانتان هدمهما السيل الذي دخل المسجد الحرام في اليوم الثاني‏ (1) من جماد الأول هذا العام- يعني: عام الحريق- و خرب [عمودين‏] (2) من أعمدة الحرم عند باب العجلة و ما عليها من العقود و السقوف، فكان ذلك سببا لوقوف الحريق و عدم تجاوزه من ذلك المكان و إلا لعمّ الحريق جميعه من الجوانب الأربع فاقتصر الحريق إلى باب العجلة.

و سلّم اللّه باقي الحرم، كما قال بعضهم:

فكم للّه من لطف خفي‏* * * يدق خفاه عن فهم الذكي‏

فصار ما احترق من المسجد الحرام أكواما عظاما يمنع من رؤية البيت و من الصلاة في ذلك الجانب من المسجد.

قال ابن فهد (3): و تحدّث أهل المعرفة أن هذا منذر بحادث عظيم يقع في الناس، فكان ذلك مقدم وقعت المحن العظيمة بمقدم تمرلنك إلى بلاد الشام و بلاد الروم، و سفك دماء المسلمين، و سبي ذراريهم، و نهب أموالهم، و إحراق مساكنهم، كما هو مذكور في التواريخ.

قال الحافظ السخاوي في ذيله على دول الإسلام للذهبي‏ (4): و في آخر

____________

(1) في الإعلام: الثامن.

(2) في الأصل: عامودين.

(3) إتحاف الورى (3/ 421). و انظر: (شفاء الغرام 1/ 424).

(4) الذيل التام على دول الإسلام (1/ 407). و انظر: (إنباء الغمر 4/ 133، و شذرات-

358

شوال سنة [اثنتين‏] (1) و ثمانمائة وقع بالحرم الشريف المكي حريق عظيم أتى على نحو ثلث المسجد، و لو لا [العمودان‏] (2) اللذان وقعا من السيل قبل ذلك لاحترق المسجد جميعه، و احترق من الأعمدة الرخام مائة و ثلاثون عمودا صارت كلسا و لم يتفق فيما مضى مثله.

و كان في جماد الأول من هذه السنة مطر عظيم، فهجم السيل و دخل المسجد حتى بلغ القناديل، و دخل الكعبة من الباب، فهدم من الرواق الذي فيه باب العجلة عدة أساطين، و خرب منازل كثيرة، و مات في السيل جماعة (3).

قال التقي الفاسي‏ (4): ثم قدر اللّه تعالى عمارة ذلك في مدة يسيرة على يد الأمير بيسق الظاهري، و كان قدومه مكة في الموسم سنة [ثلاث‏] (5) و ثمانمائة، و كان هو أمير الحاج المصري فتخلف في مكة بعد الحج لتعمير المسجد الحرام، فابتدأ في تنظيف الحرم، و حفر الأرض و كشف عن الأساس- أي: أساس المسجد- و أساس الأسطوانات في الجانب الغربي و بعض الجانب الشامي إلى باب العجلة، فظهر أساس الأسطوانات مثل تقاطع الصليب تحت كل أسطوانة، فبنى و أحكم تلك الأساس على هيئة بيوت الشّطرنج‏ (6) تحت الأرض و بنا عليها، و قطع من جبل في الشبيكة

____________

- الذهب 7/ 13).

(1) في الأصل: اثنين.

(2) في الأصل: العمودين. و التصويب من الذيل التام، الموضع السابق.

(3) انظر: إنباء الغمر (4/ 113).

(4) شفاء الغرام (1/ 432).

(5) في الأصل: ثلاثة.

(6) الشطرنج: لعبة تلعب على رقعة ذات أربعة و ستين مربعا، و تمثل دولتين متحاربتين-

359

على يمين الداخل [أحجارا] (1) صلبة من الحجر الصوان‏ (2)، و أمر بنحته على شكل نصف دائرة يصير [مع‏] (3) آخر منحوت مثله دائرة تامة في سمك نصف‏ (4) ذراع، [وضعت‏] (5) على قاعدة مربعة منحوتة على محل التقاطع الصليبي على وجه الأساس المرتفع على الأرض، و وضع عليها دائرة أخرى مثل الأولى، و وضع بينهما بالطول عمودا حديدا منحوتا له بين الأحجار المدورة، و شبك على جميع ذلك بالرصاص إلى أن انتهى طوله إلى طول أساطين الحرم، فوضع عليه حجرا منحوتا من المرمر، قاعدة ذلك العمود من فوق، و ينجر له خشب مربع يوضع عليه، و بنى من فوقه طاق يعقد إلى العمود الآخر، و بنى ما بين ذلك بالآجر و الجص إلى أن يوصل إلى السقف إلى أن تم الجانب الغربي على هذا الحكم، و بقيت القطعة التي [من‏] (6) الجانب الشامي إلى باب العجلة فأكملوها بالقطع الرخام من الأعمدة البيض الموصولة بالصفائح الحديد إلى أن لاقى بها الأعمدة الحجر المنحوتة الصوان المدور على شكل أعمدة الرخام لعدم القدرة على الأعمدة الرخام، فصارت الجوانب الثلاثة من المسجد الحرام أعمدتها من‏

____________

- باثنتين و ثلاثين قطعة تمثل الملكين و الوزيرين و الخيّالة و القلاع و الفيلة و الجنود «هندية» (المعجم الوسيط 1/ 482).

(1) في الأصل: أحجرا. و التصويب من الإعلام.

(2) الحجر الصوان: هو ضرب من الحجارة فيه صلابة، يتطاير منه شرر عند قدحه بالزناد (المعجم الوسيط 1/ 530).

(3) في الأصل: على. و التصويب من المرجع السابق.

(4) في الإعلام: ثلثي.

(5) في الأصل: و صفف. و التصويب من الإعلام.

(6) في الأصل: إلى. و التصويب من المرجع السابق.

360

الرخام، و كمل هذا العمل في آخر شعبان سنة [أربع‏] (1) و ثمانمائة، و لم يبق غير عمل السقف و أخّر لعدم وجود الخشب الذي يصلح لذلك، و ليس بمكة إلا خشب الدوم و خشب العرعر، و ليس لذلك طول و لا قوة، و يحتاج إلى خشب الساج، و لا يجلب إلا من بلاد الهند، أو خشب الصنوبر، و لا يجلب إلا من بلاد الروم، فلزم تأخيره إلى إحضار القدر الذي يحتاج إليه من ذلك الخشب.

و شكر الناس الأمير بيسق- (رحمه اللّه)- على سرعة هذه العمارة في هذه المدة القليلة و تنظيف المسجد، جزاه اللّه خيرا و (رحمه اللّه). و حج الأمير بيسق في ذلك العام، و بعد الحج توجه إلى مصر ليجهز ما يحتاج إليه فوصل إلى مصر في أول سنة [خمس‏] (2) و ثمانمائة.

و في سنة [ست‏] (3) و ثمانمائة قدم إلى مكة الأمير بيسق لعمارة سقف الجانب الغربي و غيره مما تشعّب من سقف المسجد من كل جانب، فنهض إلى هذه الخدمة و أحضر الأخشاب المناسبة لذلك، و جلبها من بلاد الروم [و هيّأها] (4) لعمل السقف و نقشها بالألوان، و استعان بكثير من خشب العرعر لعدم وجود خشب الساج يومئذ، و بذل همته و اجتهاده إلى أن سقف جميع الجانب الغربي و أكمله بخشب العرعر، و عمّر بعض الجانب الشامي إلى باب العجلة فتمم عمارة المسجد على تلك الاسطوانات المنحوتة من الحجر الصوان، و علّق في تلك الأسقف سلاسل من نحاس‏

____________

(1) في الأصل: أربعة.

(2) في الأصل: خمسة.

(3) في الأصل: ستة، و في الإعلام: سنة 807.

(4) في الأصل: و هيئه.

361

و حديد تعلق فيها القناديل في الرواقات، و كمل عمارة المسجد في سنة [سبع‏] (1) و ثمانمائة، و كان ذلك العمل في دولة أبو السعادات الناصر زين الدين فرج [بن‏] (2) برقوق (رحمه اللّه)(3).

و من العمائر الحرمية في أيامه: تجديد عقد (4) المروة بعد سقوطه و ذلك في سنة إحدى و ثمانمائة (5). ذكره القطب‏ (6).

قال القليوبي: و عمّرت في زمن الناصر المذكور المقامات الأربعة- أي:

مقامات الأئمة-. انتهى.

و في سنة [خمس‏] (7) و عشرين و ثمانمائة تولى السلطان بارسباي، و كان عامله بمكة الأمير مقبل القديدي فأمره سنة [ثلاث‏] (8) و ثلاثين و ثمانمائة بعمارة أماكن متعددة في الحرم قد استولى عليها الخراب، فأحسن بنيانها، و جدّد كثيرا من سقف المسجد، و أيضا عمّر باب الجنائز و ذلك في [سنة ست و عشرين و ثمانمائة] (9).

____________

(1) في الأصل: سبعة.

(2) قوله: بن، زيادة من الإعلام (ص: 196).

(3) الإعلام (ص: 191- 196).

(4) العقد: عرفت العمارة الإسلامية أنواعا مختلفة من العقود، و فضل كل بلد نوعا، و من العقود التي استعملت في العمارة الإسلامية:

أ- عقد على شكل حدوة الحصان، يتألف من قطاع دائري أكبر من نصف دائرة.

ب- و العقد المخموس، و يتألف من قوس و دائرتين، و هو مدبب الشكل.

ج- العقد ذو الفصوص، و يتألف من سلسلة عقود صغيرة، و استعمل في بلاد المغرب (انظر: تاريخ العمارة في العصور الوسطى 2/ 253).

(5) في الإعلام: سنة 811.

(6) الإعلام (ص: 198).

(7) في الأصل: خمسة.

(8) في الأصل: ثلاثة.

(9) إتحاف الورى (3/ 598). و في الأصل: سنة عشرين و ثمانمائة. و التصويب من إتحاف-

362

قال النجم ابن فهد (1): و في هذه السنة عمّر الأمير مقبل القديدي عدة عقود في المسجد الحرام في الجانب الشامي من الدكة المنسوبة إلى القاضي [أبي‏] (2) السعود ابن ظهيرة إلى باب العجلة خلف مقام الحنفي، و زاد في عرض العقود التي [تلي‏] (3) صحن المسجد من هذا الجانب ثلاثة عقود في الصف الثالث، و أحكم هذه الأساطين التي عليها العقود؛ و هي سبعة في الرواق الأول، و ثمانية في الذي يليه، و ثلاثة في الذي يليه، و سبعة متصلة بجدار المسجد.

و جدّد من أبواب المسجد؛ باب العباس، و هو ثلاثة طاقات، و باب علي و هو ثلاثة كذلك، و الباب الأوسط من باب الصفا [و هي‏] (4) خمسة، و باب العجلة و هو واحد، [و أحد بابي الزيادة، و هو الواقع في الركن الغربي من الزيادة] (5)، و رمّم باقي أبواب المسجد، و بيّض [غالبه‏] (6) و أصلح سقفه، كلّ ذلك على يد الأمير مقبل القديدي و المعمار جمال الدين يوسف‏ (7).

____________

- الورى، الموضع السابق، و الغازي (1/ 633).

(1) إتحاف الورى (3/ 599).

(2) في الأصل: أبو.

(3) في الأصل: في. و التصويب من الإعلام (ص: 211)، و إتحاف الورى (3/ 599)، و الغازي (1/ 633).

(4) في الأصل: و هو. و التصويب من الإعلام (ص: 211).

(5) في الأصل: و باب الزيادة- و هو الواقع في الركن الغربي- واحد. و المثبت من الإعلام (ص: 213)، و الغازي (1/ 633).

(6) في الأصل: المسجد. و التصويب من الإعلام (ص: 212)، و الغازي (1/ 633).

(7) إتحاف الورى (3/ 599- 600)، و انظر الإعلام (ص: 211- 212).

363

و في سنة [ثلاث و أربعين‏] (1) و ثمانمائة في دولة السلطان جقمق، و كان عامله بمكة الأمير سودون المحمدي‏ (2) فبيّض مئذنة باب الحزورة، و رمّم أسفل مئذنة باب علي، و أصلح سقف المسجد من تلك الجهة لخرابه، و أصلح الرفرف‏ (3) الدائر الذي كان بالمسجد في زمنه، و بيّض علو مقام إبراهيم و مقام الحنفي و عتبة باب إبراهيم و الأميال [التي‏] (4) بالمسعى.

و في سنة [اثنتين‏] (5) و خمسين عمّر الأمير بيرم الخواجة (6) ناظر الحرم في الجانب الشرقي قطعة من جدار المسجد الحرام مما يلي رباط السّدرة (7) الذي هو الآن رباط قايتباي، و عمّر شباك خلوة تنسب للشيخ جمال الدين‏

____________

(1) في الأصل: سبع و خمسين. و هو خطأ. و التصويب من الغازي (1/ 633).

(2) الأمير سودون هو: سيف الدين سودون بن عبد اللّه المحمدي مملوك لسودون المحمدي الظاهري برقوق الذي عرف بالمجنون. صار خاصكيا بعد قتل أستاذه، و رأس نوبة الجمدارية في أيام الأشرف برسباي، ثم ولي نظر الحرم الشريف بمكة أكثر من مرة، بعدها ولي نيابة قلعة دمشق حيث توفي بها (انظر: النجوم الزاهرة 15/ 279، 516- 517، و إتحاف الورى 4/ أخباره متفرقة بين ص: 67- 184، و الضوء اللامع 3/ 285- 286، و بدائع الزهور 2/ 254).

(3) الرفرف: هو بروز خشبي أعلى الفتحات، و يثبت في الحائط فوق المقاعد أو المساطب، للوقاية من المطر أو أشعة الشمس، كما يستخدم في تغطية الميضأة، و وسط الصحن في المدارس و المساجد (العصر المملوكي ص: 441، و التراث المعماري ص: 21).

(4) في الأصل: الذي.

(5) في الأصل: اثنين.

(6) بيرم: هو بيرم خواجا بن قشتدي أصلي الشاد. ولي نظر المسجد الحرام و الحسبة بمكة أكثر من مرة. توفي فيها سنة 860 ه (انظر: إتحاف الورى 4/ 260، 273، 274، 280، 286، 298، 363، و الضوء اللامع 3/ 22).

(7) رباط السّدرة: يقع بالجانب الشرقي من المسجد الحرام، على يسار الداخل إلى المسجد الحرام من باب بني شيبة، و لا يعرف من وقفه و لا متى وقف، إلا أنه كان موقوفا في سنة أربعمائة، و قد حوّل رباطا للسلطان قايتباي المحمودي (إتحاف الورى 4/ 280، و الإعلام ص: 218، و العقد الثمين 1/ 281، و شفاء الغرام 1/ 607).

364

محمد بن إبراهيم المرشدي، [و جدّد] (1) في الرّواق القبلي من الجانب الثاني سبعة عقود (2).

و في سنة ست و تسعمائة أمر السلطان الغوري بعمارة باب إبراهيم و أن يجعل في علوه قصرا و بجانبه بيتان و بترخيم الحجر. انتهى.

ثم آل أمر الحرمين إلى سلاطين آل عثمان أيدهم اللّه بالعز و النصر فهدموا جميع ما ذكر و غيّروه بعمارة حسنة كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

فائدة: لما كانت سلطنة السلطان سليم بعد فتح مصر في عام اثنين و عشرين و تسعمائة أمر بالمحمل الشريف و بعمارة مقام الحنفي و بإرسال حب إلى أهل الحرمين.

الفصل الثاني: في تجديد آل عثمان الحرم الشريف و تعمير سقفه بقبب، و انتظامه بهذه الحالة الموجودة إلى الآن، و ذكر ذرعه و عدد أساطينه و قببه و شرفاته و بيبانه إلى آخر ما يأتي إن شاء اللّه‏

قال القطب الحنفي‏ (3): اعلم أن هذه العمارة الموجودة الآن وقعت في أيام السلطان سليم خان عليه من اللّه الرحمة و الرضوان، و سبب الأمر الشريف: أن الرواق الشرقي مال إلى ناحية الكعبة بحيث برزت رؤوس أخشاب السقف من محل تركيبها في جدار المسجد، و ذلك الجدار هو جدار مدرسة قايتباي و جدار مدرسة الأفضلية (4) في شرق المسجد، و فارق‏

____________

(1) في الأصل: وحده. انظر إتحاف الورى (4/ 281).

(2) إتحاف الورى (4/ 280- 281).

(3) الإعلام (ص: 390- 397).

(4) المدرسة الأفضلية: هي مدرسة الملك الأفضل عباس بن الملك المجاهد صاحب اليمن، تقع بالجانب الشرقي من المسجد الحرام، وقفت على فقهاء الشافعية سنة 770 ه (العقد-

365

خشب السقف عن محل تركيبه في الجدار المذكور أكثر من ذراع، و مال وجه الرواق إلى صحن المسجد ميلا ظاهرا بيّنا، [و صار] (1) نظّار الحرم يصلحون المحل الذي فارق الخشب إما بتبديل خشب السقف‏ (2) بأطول منه، أو بنحو ذلك من العلاج.

و أما الرواق الذي ظهر ميله إلى صحن الحرم، فترّسوه بأخشاب كبار حفروا لها في أرض المسجد لأجل [أن‏] (3) تمسكه من السقوط، و صار الرواق الشرقي متماسكا على هذا الأسلوب في أواخر دولة السلطان سليمان، و صدرا من دولة المرحوم سليم خان رحمهم اللّه.

ثم لما كثر ميلان الرواق المذكور عرض ذلك على السلطان المرحوم سليم خان في سنة [تسع‏] (4) و سبعين، فبرز الأمر بالمبادرة إلى بناء المسجد جميعه على وجه الإتقان و الإحكام، و أن يجعل عوض السقف قبابا دائرة بأرواق المسجد ليأمن تآكل الخشب، [فإن خشب السقف كان متآكلا من جانب طرفيه بطول العهد، فكان يحتاج بعض السقف إلى تبديل خشبه بخشب أخر في كل قليل‏] (5)، إذ لا بقاء للخشب [زمانا طويلا مع تكسّر بعضه‏] (6)، و كان المسجد قبل هذه العمارة الموجودة الآن له سقفان، بين‏

____________

الثمين 1/ 280، و شفاء الغرام 1/ 603).

(1) في الأصل: و صاروا. و التصويب من الإعلام (ص: 391).

(2) في الأصل زيادة: أو. و انظر الإعلام، الموضع السابق.

(3) قوله: أن، زيادة على الأصل.

(4) في الأصل: تسعة.

(5) ما بين المعكوفين زيادة من الإعلام (ص: 391).

(6) مثل السابق.

366

كل سقف فرجة قدر [ذراعين‏] (1) بذراع العمل، و كانت الحيات و الدواب تأوي بين هذين السقفين، فكان من أحسن نظر الدولة العلية تبديل السقوف بالقبب، و وصلت أوامر السلطان إلى نائبه بمصر و هو الوزير سنان باشا (2)، فعيّن الوزير لهذه الخدمة الشريفة أحمد بيه، و أضيف إليه بقية عمل دبل عين عرفات من الأبطح‏ (3) إلى أسفل مكة على ما يأتي ذكر ذلك في ذكر عيون مكة إن شاء اللّه تعالى.

و أضيفت إليه أيضا صنجقية (4) جدة، فبعد ورود الأوامر السلطانية إليه أخذ في أهبة السفر و توجه من طريق البحر حتى وصل جدة، ثم وصل إلى مكة، و كانت الأوامر السلطانية و المتكلم عليها من جناب السلطنة مولانا و ناظر المسجد الحرام و مدرس أعظم مدارس سلاطين الأنام ببلد اللّه الحرام الشيخ حسين الحسيني ففرح بهذه الخدمة الشريفة و صارت بين مولانا الشيخ حسين المالكي و الأمير أحمد بيك غاية الملائمة و الاتفاق، و بذلك حصل المراد و جرت عادة اللّه، الخير في الاتفاق، و الشر في الانشقاق.

و وصل لهذه الخدمة معمار دقيق النظر أجمع المهندسون على تقدّمه، اسمه المعمار محمد، جاوش الديوان العالي، فاتفق المعمار و الناظر و الأمير

____________

(1) في الأصل: ذراعان. و انظر: الغازي (1/ 637).

(2) سنان باشا: جركسي الأصل. قدم مصر و تولاها ثلاث مرات عام 975 ه، و عام 979 ه، و عام 993 ه، و له آثار بمصر و الشام و الحجاز (انظر ترجمته في: خلاصة الأثر 2/ 214، و أوضح الإشارات ص: 151).

(3) الأبطح: أثر المسيل من الرمل المنبسط على وجه الأرض بين مكة و منى (معجم البلدان 1/ 74).

(4) الصنجقية: يقصد بها ناحية إدارية يحكمها شخص، و قد تطلق على الشخص نفسه (معجم الدولة العثمانية ص: 108- 109) و المعنى هنا هو رئاسة منطقة إدارية.

367

على الشروع في هدم ما يجب هدمه إلى أن [يوصل إلى‏] (1) الأساس، فبدأ بالهدم من جهة باب السلام في منتصف ربيع الأول سنة تسعمائة و ثمانين، و أخذت [المعاول‏] (2) تعمل في رؤوس شرفات المسجد و طبطابه‏ (3) الذي على سقفه إلى أن ينكشف السقف فينزلوا أخشابه إلى الأرض، و يجتمع في صحن المسجد و ينظف عما نقض من البناء و أتربته، و يحمل على الدواب إلى أسفل مكة، ثم [تمال‏] (4) أساطين الرخام إلى أن ينزلوها برفق، و استمروا على هذا العمل إلى أن [نظفوا] (5) وجه الأرض من باب السلام إلى باب علي و هو الجانب الشرقي، ثم كشفوا عن أساسه فوجدوه مختلا فأخرجوا الأساس جميعه، و كان جدارا عريضا نازلا في الأرض على هيئة بيوت رقعة الشطرنج، و كان موضع [تقاطع‏] (6) الجدارين على وجه الأرض قاعدة تركب الأسطوانة على تلك القاعدة.

فشرعوا أولا في وضع الأساس على وجه الإحكام و الإتقان من جانب باب السلام، و كان ذلك الوضع ابتداءه لستّ مضين من جماد الأول سنة [ثلاث‏] (7) و ثمانين و تسعمائة.

و اجتمعت من أهالي مكة في ذلك اليوم من الأشراف و العلماء و الصالحين و الفقراء، و باشروا من ذلك العمل شيئا تبركا، و قرئت الفواتح‏

____________

(1) في الأصل: يوصلوا. و التصويب من الإعلام (ص: 391).

(2) في الأصل: المعاويل. و التصويب من المرجع السابق (ص: 394).

(3) الطبطاب: الأخشاب العريضة (لسان العرب، مادة: طبب).

(4) في الأصل: تقام. و التصويب من المرجع السابق.

(5) في الأصل: نضفوا. و التصويب من المرجع السابق.

(6) قوله: تقاطع، زيادة من الإعلام (ص: 394).

(7) في الأصل: ثلاثة.

368

و ذبح البقر و الغنم، و تصدق بها على الفقراء و الخدّام، و وضع الأساس المبارك بإعانة اللّه تعالى، و كان يوما [مشهودا] (1) مباركا، و للّه الحمد على هذا الإكرام.

و كانت الأساطين قبل هذه العمارة مبنية على نسق واحد في جميع الأروقة، فظهر لهم أن ذلك الوضع لا يقوى على تركيب القبب عليها؛ لقلة استحكامها، إذ القبة لا تكون قوية إلا بحيث يكون لها دعائم أربعة قوية تحملها من جوانبها الأربع، فرأوا أن يدخلوا بين أساطين الرخام دعائم أخر تبنى من الحجر الصوان و الشميسي يكون سمك كل دعامة من تلك الدعائم أربع أسطوانات من الرخام [ليكون مدعّما] (2) لها من جوانبها الأربع فتقوى [على‏] (3) تركيب القبب من فوقها، و يكون كل صف من أساطين الأروقة في غاية الزينة و القوة.

ففي أول ركن من الرواق الأول دعامة مبنية من الحجر الصوان المنحوت و الشميسي، ثم أسطوانة رخام، ثم أخرى، ثم أخرى، و بين الأساطين و الدعائم عقود، و هكذا إلى آخر الصف الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، و هكذا في جميع الأروقة.

و شرعوا من ركن المسجد الذي هو من جهة باب السلام، و قاسوا تلك الصفوف بخيوط مستوية حتى صار الصف في غاية الاستواء، فكان في إدخال هذه الدعائم بين أساطين الرخام حكمة أخرى غير الاستحكام‏

____________

(1) في الأصل: مشهورا. و التصويب من الإعلام (ص: 394).

(2) في الأصل: لتكون مقيما. و التصويب من المرجع السابق.

(3) قوله: على، زيادة من الإعلام (ص: 395).

369

و الزينة، [و هي‏] (1): أن أساطين الرخام [التي‏] (2) كانت بالمسجد الحرام لم تف بجوانبه الأربع؛ لأن الجانب الغربي احترقت أساطينه في أيام [الجراكسة] (3) كما تقدم.

و بإدخال هذه الدعائم كانت كلها على نسق واحد؛ لأن كل ثلاثة أساطين من الرخام بينهما دعامة واحدة من الحجر الصوان و الشميسي و ذلك في غالب الأروقة من الجوانب الأربعة، فلما كمل الجانبين من المسجد الحرام- و هي الجهة الشرقية و الجهة الشمالية- [جاء] (4) خبر وفاة السلطان سليم خان، عليه سحائب المغفرة و الرضوان.

ثم تولى بعده السلطان مراد خان عليه سحائب المغفرة و الرضوان، فأول ما بدأ به أن برز الأمر الشريف إلى الأمير أحمد بيك، و الشيخ حسين، و المعمار في إنجاز بقية إكمال المسجد الحرام على ما كانوا عليه من العمل السابق، و كان قبل وصول الأمر جاء سيل عظيم سنة [ثلاث‏] (5) و ثمانين و كانت ليلة الأربعاء عاشر جماد الأول حتى بلغ المطاف، و وصل إلى قفل البيت الشريف، و بقي الماء [يوما] (6) و ليلة لموجب الطين و التراب الكائن بسبب عمارة المسجد، و تعطلت الجماعة سبعة أوقات، فبادر الناظر و شريف مكة و القاضي حسين و المعمار و الفقهاء و الأعيان إلى تنظيف الحرم‏

____________

(1) في الأصل: و هو. و التصويب من الإعلام، الموضع السابق.

(2) في الأصل: الذي.

(3) في الأصل: الجراسكة. و التصويب من الإعلام (ص: 395).

(4) في الأصل: فجاء.

(5) في الأصل: ثلاثة.

(6) في الأصل: يوم.

370

و غسل الكعبة (1)، و شرع المعمار في قطع مسيل وادي إبراهيم من الجانب الجنوبي إلى أن ظهرت عشر درجات كانت مدفونة، فصار السيل إذا أتى انحدر بسهولة إلى المسفلة، و كذلك قطع من باب الزيادة إلى باب إبراهيم و جعل فيه سردابا داخل الحرم فانصان المسجد الحرام‏ (2)، و في [تلك‏] (3) المدة وصلت الأوامر السلطانية في بقية إكمال المسجد الحرام على ما كانوا عليه من العمل السابق، فشرعوا في ذلك العمل إلى أن [أتموا] (4) الجانب الغربي و الجنوبي من المسجد الحرام بجميع قببه و شرافاته و درجاته من خارج و داخل في دولة هذا السلطان الأعظم، و ذلك في آخر سنة [أربع‏] (5) و ثمانين و تسعمائة فصار المسجد الحرام نزهة للناظرين‏ (6).

قال القطب الحنفي‏ (7): و قد أخبرني الناظر أن الذي صرف على الحرم الشريف في بنيانه و قطع السيل مائة ألف دينار ذهب، و عشرة آلاف دينار ذهب جديد، غير ثمن الأخشاب [التي‏] (8) جلبت من مصر، و غير ثمن الحديد الذي جلب، و جعل بين كل أسطوانتين عمودا من حديد لأجل الحمام. ذكر هذه العمارة القطب الحنفي، ثم قال: و وردت أبيات من إسلانبول، و أمر بها أن تكتب تلك الأبيات على بعض جدار المسجد،

____________

(1) انظر خبر هذا السيل في: الإعلام (ص: 412)، و أعلام العلماء (ص: 128)، و السنا الباهر/ أحداث سنة 983 ه.

(2) انظر: منائح الكرم (3/ 469- 470).

(3) في الأصل: ذلك.

(4) في الأصل: تموا.

(5) في الأصل: أربعة.

(6) انظر: إتحاف فضلاء الزمن (1/ 526- 533).

(7) الإعلام (ص: 413).

(8) في الأصل: الذي.

371

فكتب منها على ظهر باب علي من جهة المسعى. انتهى‏ (1).

و المسجد أربعة أروقة خلاف زيادة باب إبراهيم و زيادة دار الندوة، و الكعبة في الوسط، فيه من الأسطوانات الرخام ثلاثمائة و إحدى [عشرة] (2)، ففي جهة شرق المسجد الحرام و هو ما يقابل باب البيت اثنان و ستون أسطوانة رخام، و في جهة شاميه- و يقال له: الجانب الشمالي و هو ما يقابل الحجر الشريف- إحدى و ثمانون أسطوانة رخام، و في جهة غربية [أربع‏] (3) و ستون أسطوانة سوى [ست‏] (4) أسطوانات من الحجر الصوان و الباقي رخام، [و في جهة جنوبية و هو ما يقابل الركنين 83 أسطوانة منها إحدى عشرة من الحجر الصوان و الباقي من الرخام‏] (5). و في زيادة دار الندوة [خمس عشرة] (6) أسطوانة، من ذلك واحدة من [الحجر الصوان‏] (7) و الباقي رخام. و في زيادة باب إبراهيم [ست‏] (8) أسطوانات، و الأسطوانات [التي‏] (9) من الحجر الصوان و الشميسي جملتها مائتان و أربعون، و هي عبارة عن شكل مثمّن أو مسدّس أو مربّع على حسب ما اقتضاه المكان، [و هي في طول الأسطوانة العليا مقدار الثلث‏] (10) من‏

____________

(1) الإعلام (ص: 409). و انظر: منائح الكرم (3/ 472).

(2) في الأصل: عشر.

(3) في الأصل: أربعة.

(4) في الأصل: ستة.

(5) ما بين المعكوفين زيادة من الإعلام (ص: 421).

(6) في الأصل: خمسة عشر.

(7) في الأصل: حجر صوان. و التصويب من الإعلام (ص: 421).

(8) في الأصل: ستة.

(9) في الأصل: الذي.

(10) ما بين المعكوفين زيادة من الإعلام (ص: 421). و في الأصل: ثلثاها.

372

الحجر الصوان [المنحوت و ثلثاها (1) الأعلى‏] (2) من الحجر الشميسي المنحوت؛ ففي شرقي المسجد الحرام ستة و ثلاثون، و في غربيه ستة و ثلاثون، و في جهة جنوبه ستة و ستون، و في شماله اثنان و ستون، و أربعة في أركان المسجد، الجملة مائتان و أربعة. و في زيادة دار الندوة ستة و ثلاثون، و في زيادة باب إبراهيم ستة عشر.

و أما القبب فعدتها مائة [و اثنتان‏] (3) و خمسون، ففي شرقي المسجد [أربع‏] (4) و عشرون، و في الجانب الشامي ست و ثلاثون، و واحدة في ركن المسجد، و في الغربي أربع و عشرون، و في الجنوبي ست و ثلاثون. و في زيادة دار الندوة [ست عشرة] (5)، و في زيادة باب إبراهيم [خمس عشرة] (6).

و أما الطواجن فجملتها مائتان و اثنان و ثلاثون طاجنا (7).

و أما الشرفات فجملتها ألف و ثلاثمائة [و ثمانون‏] (8) شرافة، ففي شرقي المسجد مائة [و اثنتان‏] (9) و ستون، فمن الرخام [سبع‏] (10) و عشرون، في وسطهن واحدة طويلة، و الباقي من الشميسي، و من جهة شاميه‏

____________

(1) في الأصل: و الثلثين.

(2) ما بين المعكوفين زيادة من الإعلام (ص: 421).

(3) في الأصل: و اثنان.

(4) في الأصل: أربعة، و كذا وردت في الموضع التالي.

(5) في الأصل: ستة عشر.

(6) في الأصل: خمسة عشر.

(7) الطاجن: هو المقلى، و صحفة من صحاف الطعام مستديرة، عالية الجوانب تتخذ من الفخار، و ينضج فيها الطعام في الفرن. أي أنها قبة لا رأس لها من الخارج تشبه الطاجن (انظر: المعجم الوسيط 2/ 551، و أعلام العلماء حاشية ص: 130).

(8) قوله: و ثمانون، زيادة من الإعلام (ص: 422).

(9) في الأصل: اثنان.

(10) في الأصل: سبعة.

373

ثلاثمائة [و إحدى‏] (1) و أربعون، فمن الرخام [ثمان‏] (2) و سبعون، منها [ثلاث‏] (3) رخام طوال و الباقي حجر شميسي، و من جهة غربية مائتان و أربع، فمن الرخام [اثنتان‏] (4) و عشرون في وسطهن واحدة طويلة، و الباقي شميسي، و في الجهة الجنوبية مثل الذي في الجهة الشامية، و باقي العدد في زيادة دار الندوة و زيادة باب إبراهيم. ذكره القطب الحنفي‏ (5).

انتهى.

و أما ذرع المسجد الحرام؛ قال الأزرقي‏ (6): مائة ألف و عشرون ألف مكسر. انتهى.

و قال عز الدين ابن جماعة: و مساحة المسجد الحرام ستة أفدنة و نصف و ربع فدان، و الفدان عشرة آلاف ذراع بذراع العمل المستعمل في مصر و هو ثلاثة أشبار تقريبا (7).

و قال الإمام علي بن عبد القادر الطبري‏ (8): و قد ذرعناه فكان من وسط جداره الغربي- الذي فيه رباط الخوزي- قلت: هو الذي يسكنه الآن أهل اليمن- إلى وسط جداره الشرقي الذي فيه مدرسة قايتباي مع المرور في نفس الحجر- بكسر الحاء- و اللصوق بجدار الكعبة الشامي ثلاثمائة ذراع و ستة و خمسون ذراعا و ثمن بالذراع الحديد، و عرضه من‏

____________

(1) في الأصل: أحد.

(2) في الأصل: ثمانية.

(3) في الأصل: ثلاثة.

(4) في الأصل: اثنان.

(5) الإعلام (ص: 421- 422). و انظر: منائح الكرم (3/ 477- 478).

(6) الأزرقي (2/ 81).

(7) البحر العميق (3/ 279).

(8) الأرج المسكي (ص: 176).

374

ثلاثمائة ذراع و ستة و خمسون ذراعا و ثمن بالذراع الحديد، و عرضه من الجدار القديم الذي يدخل منه إلى زيادة دار الندوة إلى وسط الجدار اليماني بين باب الصفا و باب أجياد [مارا] (1) كذلك فيما بين الكعبة و المقام، و أنت إلى المقام أقرب مائتا ذراع و ستة و ستون ذراعا بذراع الحديد، و قد طابق هذا الذرع ما ذكره الفاسي في شفاء الغرام و كذا الأزرقي، فانظرهما إن شئت.

و طول زيادة دار الندوة من جدار المسجد الكبير إلى الجدار المقابل له عند باب المنارة: أربعة و سبعون ذراعا إلا ربع ذراع، و ذرع عرضها من وسط الجدار الشرقي و هو جدار المدرسة السليمانية (2) إلى وسط جدارها الغربي و هو وسط جدار [بيت‏] (3) [ميرزا مخدوم‏] (4)- هو بيت القطب صاحب التاريخ- سبعون ذراعا و نصف ذراع، و ذرع زيادة باب إبراهيم طولا من الأساطين مما يحاذي رباط [الخوزي‏] (5) إلى الجدار الذي فيه الباب سبعة و خمسون ذراعا إلا [سدسا] (6)، و عرضه من جدار الخوزي إلى الجدار الذي فيه مدرسة الخاص اثنان و خمسون ذراعا و ربع، و هذا موافق ما ذكره الفاسي في شفاء الغرام.

و أفاد بعض مؤرخي مكة: أن ذرع هذه الزيادة تنقص قليلا لتغيير

____________

(1) في الأصل: و صار. و التصويب من منائح الكرم.

(2) باب السليمانية: كان ممرا لمدرستين من المدارس السليمانية إلى رباط السليمانية، و ينفذ إلى شارع سويقة، و قد أسسه الأمير قاسم بك للسلطان سليمان خان عام 972 (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 132).

(3) قوله: بيت، زيادة من ب.

(4) في الأصل: مير مخزوم. و التصويب من منائح الكرم.

(5) في الأصل: الخوازي، و كذا وردت في الموضع التالي. و انظر منائح الكرم (3/ 476).

(6) في الأصل: سدس.

375

الذرع؛ لأنه آخر المؤرخين. انتهى من منائح الكرم‏ (1).

و أما صفة المسجد الحرام قبل هذه العمارة و عدد أساطينه، و قببه، و ذرعه، فقد ذكره الأزرقي و الفاسي‏ (2) فلا يحتاج إلى ذكرها؛ لأنه لم يكن منها شي‏ء في وقتنا- أي: من صفة بناء المسجد-.

و أما الذرع فواحد لا يزيد و لا ينقص، و إنما الخلف في الذراع كونه بالحديد أو باليد.

و أما عدد أبوابه فتسعة عشر بابا- بتقديم التاء على السين- تفتح على [تسع‏] (3) و ثلاثين طاقة (4)، في كل طاقة درفتان فيها خوخة (5) [تفتح، و] (6) في الدرفة اليمنى من الطاق الأوسط خوخة تغلق الدرفتان، و تفتح الخوخة لمن يريد دخول المسجد و يخرج، و كذا جميع الخوخات بالليل:

الأول: باب بني شيبة، و المراد بباب بني شيبة جهة باب بني شيبة لا هذا الباب بنفسه فإنه لم يكن إلا في عمارة المهدي. و أما باب بني شيبة فهو العقد الذي على أصل المسجد القديم بدليل قولهم: و هو باب بني عبد [شمس‏] (7)، و هذا الباب إنما حدث في زمن بني العباس‏ (8).

____________

(1) في الأصل: الكرام.

انظر: منائح الكرم (3/ 473- 477).

(2) الأزرقي (2/ 81- 82)، و شفاء الغرام (1/ 441).

(3) في الأصل: تسعة.

(4) في البحر العميق: تفتح على ثمانية و ثمانين طاقا.

(5) الخوخة: باب صغير وسط باب كبير نصب حاجزا بين دارين (المعجم الوسيط 1/ 261).

(6) ما بين المعكوفين زيادة من الإعلام (ص: 423).

(7) في الأصل: الشمس.

(8) في هامش الأصل: و في حاشية الحاوي على أقرب المسالك: و في الحقيقة باب السلام المعروف الآن موصل إليه، و به الآن قوصرة بوسط صحن الحرم يمر منها الداخل من-

376

قال القرشي‏ (1): و [يقال له‏] (2) باب السلام‏ (3) [و هو باب بني عبد شمس بن عبد مناف، و بهم كان يعرف في الجاهلية عند أهل مكة] (4) و فيه ثلاثة طاقات.

قال الأزرقي‏ (5): و هو الذي يدخل منه الخلفاء. قال: و في عتبة هذا الباب حجارة طوال مفروشة بها العتبة، قال: سألت جدي عنها: أبلغك أن هذه الحجارة الطوال كانت أوثانا في الجاهلية تعبد، فإني أسمع بعض الناس يذكرون هذا الأمر؟ فضحك، و قال: لعمري ما كانت بأوثان، ما يقول هذا الأمر إلا من لا علم له، إنما هي أحجار كانت فضلة مما قلع القسري لبركته التي يقال لها: بركة البردى بفم الثقبة (6) و أصل ثبير، كانت حول البركة مطروحة حتى نقلت حين بنى المهدي المسجد فوضعت حيث رأيت. انتهى.

و هي ثلاثة أحجار، حجرين مفروشين و الآخر في الوسط، و على رأس الحجر الأوسط من طرفه رأس قدر نصف ذراع. انتهى من البحر

____________

- المعروف الآن موصل إليه، و به الآن قوصرة بوسط صحن الحرم يمر منها الداخل من باب السلام القاصد للكعبة، فلو دخل شخص من أي باب و توصل للكعبة من تلك القوصرة فقد أتى بالمندوب.

(1) البحر العميق (3/ 280).

(2) قوله: يقال له، مطموس من الأصل، و المثبت من ب.

(3) باب السلام: من الأبواب التي أحدثها الخليفة المهدي العباسي، و كان قبل التوسعة دورا لأهل مكة، فاشتراها المهدي و أدخلها في الحرم، ثم جدّدت عمارته بأمر السلطان سليمان خان عام 980 ه، و لا يزال على عمارته إلى الآن. (الإعلام ص: 68، و تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 113).

(4) ما بين المعكوفين مطموس في الأصل، و المثبت من ب (و انظر: البحر العميق 3/ 280).

(5) الأزرقي (2/ 77- 78).

(6) الثقبة: جبل بين حراء و ثبير بمكة، و تحته مزارع (معجم البلدان 2/ 81).

377

العميق للقرشي.

[و قال‏] (1) محيي الدين ابن العربي (قدّس سره): هبل هو الحجر الذي يطؤه الناس في العتبة السفلى من باب بني شيبة، و بلّط الملوك فوقه البلاط.

كذا في حسن المسامرة.

قال القطب‏ (2): و لم يجدد فيه شيئا من العمارة أي: عمارة آل عثمان الحرم لكونه محكم البناء. انتهى.

فائدة لطيفة: من خيرات الملك الظاهر [أبي‏] (3) الفتح سيف الدين ططر الظاهري [الجراكسي‏] (4)، [بل‏] (5) من أعظم خيراته: قرر لصاحب مكة الشريف حسن بن عجلان- و ذلك في سنة سبع [عشرة] (6) و ثمانمائة- ألف دينار ذهب تحمل إليه من خزانة مصر في كل عام، و جعل ذلك في مقابلة ترك المكس‏ (7) عن الخضر و الفواكه و الحبوب و غيرها الواردة إلى مكة، و أمر أن تكتب هذه، و اعتراف الشريف بذلك على بعض أساطين الحرم من ناحية باب السلام و من ناحية باب الصفا بإسقاط المكوس، و أن لا يكلف شريف مكة أحدا بأخذ القرض، و السواري المكتوبة بهذه العهدة موجودة إلى الآن. ذكره القطب‏ (8).

____________

(1) في الأصل: لكن قال.

(2) الإعلام (ص: 423).

(3) في الأصل: أبو، و هو لحن.

(4) في الأصل: الجراسكي.

(5) زيادة على الأصل.

(6) في الأصل: عشر.

(7) المكس: الضريبة التي تفرض على التجار (المعجم الوسيط 2/ 881)، و قد تفرض على غيرهم من الطوائف (التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ص: 325).

(8) الإعلام (ص: 205- 206).

378

ثم قال: و من خيرات السلطان قايتباي المحمودي [الجراكسي‏] (1): أمر بتبطيل المكوس من مكة، و أن ينقر ذلك على أسطوانة من أساطين الحرم عند باب السلام. انتهى ما ذكره القطب‏ (2).

الثاني: باب النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و عرّفه القرشي بباب الجنائز (3)، قال: و إنما سمي باب النبي؛ لأن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كان يخرج منه إلى دار خديجة رضي اللّه عنها، و فيه طاقان.

قال القطب‏ (4): لم يجدد في هذا الباب شي‏ء غير الشرافات التي عليه، وعدتها [أربع‏] (5) و عشرون شرافة. انتهى.

الثالث: باب العباس بن عبد المطلب‏ (6) رضي اللّه عنه، و عنده علم المسعى- أي: ميل حد الهرولة- من خارج، و فيه ثلاثة طاقات، و سمّاه صاحب النهاية و ابن الحاج في منسكه، باب الجنائز.

قال القرشي‏ (7): و لعله كانت الجنائز يصلى عليها عنده. و يؤيد ذلك ما

____________

(1) في الأصل: الجراسكي.

(2) الإعلام (ص: 223).

(3) باب الجنائز: الظاهر من تسميته بهذا الاسم: أن الجنائز كانت تخرج منه في ذلك العصر، و يقال له باب النبي؛ لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يخرج منه إلى دار السيدة خديجة و يدخل منه إلى المسجد، و يقال له أيضا باب القفص؛ لأن الصاغة كانوا يقطنون قديما تلك الجهة و يضعون الحل في أقفاص بقرب الباب المذكور، و قد أحدث هذا الباب الخليفة المهدي العباسي، كما جدّده الملك الأشرف قايتباي (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 116).

(4) الإعلام (ص: 423).

(5) في الأصل: أربعة.

(6) باب العباس: سمي بذلك؛ لأنه يقابل دار العباس التي بالمسعى الشهيرة باسمه إلى الآن، و يقال له باب الجنائز أيضا؛ لأنها تخرج منه في الغالب، و قد أنشأه الخليفة المهدي العباسي، و جددت عمارته عام 984 (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 118).

(7) البحر العميق (3/ 280).

379

ذكره الفاكهي‏ (1): أنه كان يصلى على الجنائز عند باب بني شيبة و باب العباس و باب الصفا. قال: و كان الناس فيما مضى يصلون على الرجال المشهورين- أي: الأعيان- في المسجد الحرام. انتهى.

يفهم منه أنه لا يصلى في المسجد الحرام على غير الأعيان.

قال القرشي‏ (2): و أما في زماننا فيصلى على الموتى جميعهم داخل المسجد الحرام، غير أن المشهورين [من‏] (3) الناس يصلّى عليهم عند باب الكعبة، و يحكى أنهم كانوا يصلون على الأشراف و قريش، و رأينا في زمننا يصلون عند باب الكعبة على غيرهم من الأعيان، و بعض الناس نازع في ذلك و قال: إنه لا يصلّى عند باب الكعبة إلا على الأشراف و قريش، و أنه لا يخرج غيرهم و إن كان من العلماء و الأعيان من باب بني شيبة، و هذا شي‏ء لم يرد به أثر.

و أما ما يفعله الأشراف في زماننا من الطواف بالميت حول الكعبة الشريفة أسبوعا فبدعة شنيعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح.

و أما الصلاة على الموتى عند باب الكعبة؛ فكلام الفاكهي يقتضي: أن آدم عليه الصلاة و السلام صلّي عليه عند باب الكعبة. انتهى كلام القرشي‏ (4).

قلت: و في زماننا يصلّى على جميع الناس، ذكر و أنثى، حر و عبد، شريف و عالم، عند باب الكعبة، و يخرجون من باب بني شيبة، و من أيّ‏

____________

(1) أخبار مكة (2/ 202).

(2) البحر العميق (3/ 280).

(3) في الأصل: بين. و التصويب من البحر العميق (3/ 280).

(4) البحر العميق (3/ 280).

380

مكان يريدون الخروج، و لا مزية لأحد، و لم يطف بأحد حول البيت بالميت و للّه الحمد. انتهى.

الرابع: باب علي، و يقال له باب بني هاشم‏ (1)، و فيه ثلاثة طاقات، و عرّفه الأزرقي‏ (2) بأنه باب بني هاشم.

قال القطب‏ (3): و قد جدّد- أي: زمن عمارة المسجد- هذا الباب و الذي قبله، و عدد ما [عليهما] (4) من الشرفات مائة [و خمس عشرة] (5)، و هذه الأبواب الأربعة في الشق الذي يلي المسعى و هو الشرقي.

الخامس: باب ابن عائذ، هكذا عرفه الأزرقي‏ (6)، و يقال له اليوم: باب بازان‏ (7)، و فيه طاقان.

قال القطب‏ (8): و قد جدّد هذا الباب بأسلوب حسن، [و عدد] (9) ما عليه من الشرفات [تسع عشرة] (10) شرافة.

____________

(1) باب علي أو باب البطحاء: أنشأه الخليفة المهدي في عمارته عام 164 ه، و جددت عمارته عام 984 (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 119).

(2) الأزرقي (2/ 88).

(3) الإعلام (ص: 423).

(4) في الأصل: عليه.

(5) في الأصل: و خمسة و عشرون. و هو خطأ. و التصويب من الإعلام (423). و انظر: إتحاف فضلاء الزمن (1/ 541).

(6) الأزرقي (2/ 89).

(7) باب بازان: و يسمى باب بني عائذ أو باب النعوش؛ لأن النعوش كانت تخرج منه إلى شارع القشاشية، و منه إلى المعلى، و قد أنشأه الخليفة المهدي عام 164 (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 120).

(8) الإعلام (ص: 423).

(9) في الأصل: عدد. و التصويب من الإعلام.

(10) في الأصل: تسعة عشر.

381

السادس: باب بني سفيان بن عبد الأسد، و يقال له اليوم: باب البغلة (1).

قال الفاسي‏ (2): و لم أدر ما سبب هذه التسمية، و فيه طاقان، و سماه صاحب النهاية: باب الحناطين.

قال القطب‏ (3): و قد جدّد هذا الباب و لم يعمل عليه من الشرافات شي‏ء.

السابع: باب [بني‏] (4) عدي بن كعب. كانت دور بني عدي ما بين المسجد إلى الصفا فتحولت بنو عدي إلى دور بني سهم، و باعوا أرباعهم و منازلهم هناك. ذكره الأزرقي‏ (5)، و يقال له: باب بني مخزوم. ذكره القرشي‏ (6).

قال القطب‏ (7): و يقال له باب الصفا (8)، و فيه خمس طاقات، و قد جدّد هذا الباب تجديدا حسنا، و عدد شرفاته تسع و عشرون.

فائدة: ذكر ابن بطوطة في رحلته قال‏ (9): و يخرج الساعي بعد طوافه من باب الصفا جاعلا طريقه بين الاسطوانتين التي أقامهما أمير المؤمنين المهدي العباسي علما على طريق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اه.

____________

(1) باب البغلة: أنشأه الخليفة المهدي عام 164 ه، و جددت عمارته عام 984 (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 120).

(2) شفاء الغرام (1/ 450).

(3) الإعلام (ص: 423).

(4) قوله: بني، زيادة من البحر العميق (3/ 280)، و الأزرقي (2/ 90).

(5) الأزرقي (2/ 90).

(6) البحر العميق (3/ 280).

(7) الإعلام (ص: 423).

(8) باب الصفا: سمّي بذلك؛ لأن الخارج منه يستقبل الصفا. أنشأه الخليفة المهدي عام 164 ه، و جددت عمارته عام 984 (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 121).

(9) رحلة ابن بطوطة (1/ 159).

382

[و هاتان الاسطوانتان‏] (1) في الرواق قبالة الباب الوسط من بيبان الصفا، و فيها كتابة تدل على ذلك، و هي رخام آخرها على يمين الخارج إلى باب الصفا و الأخرى على يساره.

الثامن: باب أجياد (2) الصغير، و سمّاه بذلك ابن جبير، و سمّاه أيضا:

باب الخليفتين.

قال الأزرقي‏ (3): و يقال له باب بني مخزوم، و فيه طاقان.

قال القطب‏ (4): أجياد الصغير، و قد جدّد هذا الباب و عدد شرافاته [تسع عشرة] (5).

التاسع: باب المجاهدية (6)؛ [لأن‏] (7) عنده مدرسة الملك المجاهد صاحب اليمن، و فيه طاقان، و يقال له باب الرحمة.

قال الفاسي‏ (8): و ما عرفت سبب هذه التسمية، و هو من أبواب بني مخزوم، و كذا باب جياد الصغير، كما ذكره الأزرقي و سماه صاحب النهاية: باب التمّارين.

____________

(1) في الأصل: و هذه الاسطوانتين.

(2) باب أجياد: أنشأه الخليفة المهدي عام 164 ه، و جددت عمارته عام 984 (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 122).

(3) الأزرقي (2/ 90).

(4) الإعلام (ص: 423).

(5) في الأصل: تسعة عشر.

(6) باب المجاهدية: سمّي بذلك؛ لكونه عند مدرسة الملك المجاهد صاحب اليمن (كما ذكر المصنف)، و يقال له باب الرحمة، و يسمى الآن باب أجياد؛ لأنه أمام شارع أجياد، و قد أنشأه الخليفة المهدي عام 164 ه، و جددت عمارته عام 984 (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 123).

(7) في الأصل: لأنه.

(8) شفاء الغرام (1/ 450).

383

قال القطب‏ (1): و قد جدّد هذا الباب، و عدد شرفاته عشرون.

العاشر: باب مدرسة الشريف عجلان بن رميثة (2)، و فيه طاقان، و يقال له: باب بني تيم، و سماه صاحب النهاية: باب العلّافين.

قال القطب‏ (3): و قد جدّد هذا الباب و عدد شرافاته عشرون.

قلت: و في زماننا يعرف بباب التكيّة؛ لأنه مقابل التكيّة (4) المصرية.

الحادي عشر: باب أم هانئ بنت أبي طالب‏ (5)، و فيه طاقان، و هذا الباب مما يلي دور بني عبد شمس و بني مخزوم، و يقال لهذا الباب: باب الملاعبة، و يقال له: باب الفرج، على ما وجد بخط الأقشهري، و سماه صاحب النهاية: باب أبي جهل.

قلت: و في زماننا يعرف بباب الشريف؛ لأنه كان يخرج منه الشريف سرور إلى بيته الذي بجياد. انتهى.

قال القطب‏ (6): و قد جدّد هذا الباب، و عدد شرافاته [ثلاث عشرة] (7) شرافة.

____________

(1) الإعلام (ص: 423).

(2) باب مدرسة الشريف عجلان: موقعه أمام باب التكية المصرية. أنشأه الخليفة المهدي عام 164 ه، و جددت عمارته عام 984 (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 124).

(3) الإعلام (ص: 423).

(4) التكيّة: مكان يطبخ فيه الطعام و يقدّم للفقراء، و كانت في مكة و المدينة تكايا من هذا النوع. و يبدو أن اسمها عربي، و كأنها وضعت لمن يتّكي فلا يعمل و لا يطلب رزقا، حتى إذا حان وقت الوجبة اتجه إلى ذلك المطعم فيحصل على حاجته. و رأيت من قال إنها فارسية الأصل (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 29).

(5) باب أم هانئ: سمّي بذلك؛ لكونه واقع أمام دارها أو باب أبي جهل أو باب الفرج.

أنشأه المهدي عام 164 ه، و جددت عمارته عام 984 (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص:

124).

(6) الإعلام (ص: 423- 424).

(7) في الأصل: ثلاثة عشر.

384

و هذه الأبواب السبعة في الشق الذي يلي الوادي و هو الجانب اليماني.

الثاني عشر: باب الحزورة (1)، سمّي باسم أمة لرجل يقال له: وكيع بن سلمة، و كان إليه أمر البيت، فبنى فيه ضريحا جعل فيه أمة يقال لها:

حزورة، فيها سميت حزورة. انتهى من شفاء الغرام‏ (2).

و عامة [أهل‏] (3) مكة يسمونه: باب العزورة- بالعين المهملة- و إنما هو بالحاء المهملة، و هو الذي يلي المنارة التي تلي أجياد الكبير، و فيه طاقان.

قال الأزرقي‏ (4): و يقال له باب [بني‏] (5) حكيم بن حزام و بني الزبير بن العوام. ذكره القرشي‏ (6).

قلت: و في زماننا يعرف بباب الوداع؛ لأن الحجاج حين توجههم بعد الحج إلى بلادهم يخرجون من هذا الباب.

قال القطب‏ (7): لم يعمر فيه شي‏ء.

الثالث عشر: باب إبراهيم‏ (8)، و فيه طاق كبير.

____________

(1) باب الحزورة: اسم لسوق في الجاهلية كانت في هذا المكان، دخلت في المسجد الحرام عند توسعته، و يعرف بباب بني حكيم بن حزام أو باب الزبير بن العوام أو باب الحزامية أو باب البقالية، و يعرف الآن بباب الوداع. أحدثه الخليفة المهدي و ابنه موسى الهادي عام 169 ه، و جددت عمارته عام 804 أيام السلطان فرج بن برقوق الجركسي على يد الأمير بيسق، و لا يزال هذا الباب على حاله إلى العصر الحاضر بغاية المتانة (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 125).

(2) شفاء الغرام (1/ 451).

(3) زيادة من الغازي (1/ 653).

(4) الأزرقي (2/ 91).

(5) قوله: بني، زيادة من الأزرقي، الموضع السابق.

(6) البحر العميق (3/ 280).

(7) الإعلام (ص: 424).

(8) باب إبراهيم: هو أوسع أبواب المسجد الحرام، و إبراهيم المنسوب إليه هذا الباب كان خيّاطا عنده على ما ذكره البكري في المسالك و الممالك، و أن العوام نسبوه إليه، و قد أنشأه-

385

و ذكر أبو عبيد البكري: أن إبراهيم المنسوب إليه هذا الباب [كان‏] (1) خياطا عنده على ما قيل، و نسبه سعد الدين الإسفرائيني في زبدة الأعمال فقال: باب إبراهيم الأصفهاني، و بعضهم نسبه إلى إبراهيم [خليل‏] (2) الرحمن، و لا وجه لخصوصيته دون الأبواب بالنسبة إليه. و اللّه أعلم. ذكره القرشي في البحر العميق‏ (3)، و ذكره صاحب تاريخ الخميس.

قال القطب‏ (4): و لم يجدّد هذا الباب أيضا لعمارة قصر فوقه، عمّره الغوري؛ لأنه جعل على باب إبراهيم عقدا كبيرا، و جعل علوه قصرا و في جانبه مساكن و بيوت معدة للكراء حول باب إبراهيم، و وقف الجميع على جهات الخير.

قال القطب‏ (5): و لا يصح وقف ذلك القصر؛ لأنه في هواء المسجد الحرام، و كذا المسكنان؛ لأن أكثرهما واقع في أرض المسجد، و لا يجوز المكث فيه للجنب و لا للحائض؛ لأن حكمه حكم المسجد، و ما أمكن أحد من العلماء أن ينكروا عليه؛ لأن ذلك في أيام سلطنته و دولته لعدم إنصافه لأهل الشرع، و بنى أيضا مياضي خارج باب إبراهيم على يمين الخارج. و سيأتي ذكرها إن شاء اللّه في ذكر المياضي. انتهى.

____________

- خيّاطا عنده على ما ذكره البكري في المسالك و الممالك، و أن العوام نسبوه إليه، و قد أنشأه السلطان الغوري و بنى عليه قصرا (كما قال المصنف)، و لا يزال على ذلك البناء. (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 127).

(1) في الأصل: كانا.

(2) في الأصل: الخليل.

(3) البحر العميق (3/ 280).

(4) الإعلام (ص: 424).

(5) الإعلام (ص: 244).

386

السوق فهي حادثة في سنة ألف و مائتين [و اثنتين‏] (1) و ثمانين في دولة السلطان عبد العزيز خان لأجل منع السيل عن المسجد الحرام.

الرابع عشر: باب بني سهم، و يقال له اليوم: باب العمرة (2)، و فيه طاق واحد.

قال القطب‏ (3): و قد جدّد هذا الباب، و عدد شرافاته [ثمان‏] (4). و هذه الأبواب الثلاثة في الجانب الغربي.

الخامس عشر: باب [السدّة] (5). و قال صاحب النهاية: باب [سدة] (6) الوعظ (7). انتهى.

و يقال له باب عمرو بن العاص على ما ذكره الأزرقي‏ (8)، و فيه طاق واحد صغير. ذكره القرشي‏ (9).

____________

(1) في الأصل: اثنين.

(2) باب العمرة: و يقال له باب بني سهم. و قد أنشأه الخليفة أبو جعفر المنصور عام 137 ه، و جدّده الخليفة المهدي عام 160، ثم جددت عمارته مرة ثانية عام 984 أيام السلطان سليم بن مراد خان (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 128).

(3) الإعلام (ص: 424).

(4) في الأصل: ثمانية.

(5) في الأصل: السدرة. و التصويب من البحر العميق (3/ 280).

و باب السدة: سمّي بذلك؛ لكونه سدّ ثم فتح. أنشأه الخليفة أبو جعفر المنصور عام 137 ه، ثم جدّده الخليفة المهدي عام 160، ثم جدّدت عمارته عام 984، و يسمّى الآن بباب العتيق لكونه قريبا من دار ابن عتيق، و هو أحد أعيان مكة و وجهائها (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 129).

(6) في الأصل: سدرة. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(7) في البحر العميق: الوهوط.

(8) الأزرقي (2/ 93).

(9) البحر العميق (3/ 280).

387

قال القطب‏ (1): و قد جدّد هذا الباب و عدد شرافاته [ثمان‏] (2).

قلت: و يعرف الآن باب العتيق‏ (3).

السادس عشر: باب العجلة، و يعرف الآن: باب الباسطية (4).

قال القطب‏ (5): و قد جدّد هذا الباب أيضا، و عدد شرافاته [سبع‏] (6).

و سمي باب الباسطية؛ لاتصاله بمدرسة الخواجه عبد الباسط، و هي على يمين الخارج، أوقفها على الفقراء، و هي في غاية الإحكام و الإتقان، و لها شبابيك تكشف على الحرم، و جعل [سبيلا] (7) بجانب المدرسة من خارج.

قال القطب: هي باقية إلى زماننا، يسكنها البخارى أئمة الحنفية، توفي عبد الباسط سنة ثمانمائة و إحدى و ثمانين. انتهى‏ (8).

____________

(1) الإعلام (ص: 424).

(2) في الأصل: ثمانية.

(3) ابن عتيق: هو عبد الرحمن بن عتيق. كان وزير الشريف حسن، ظالما، عسوفا، سفّاكا، جبارا، عنيدا. قبض عليه الشريف أبو طالب و سجنه، و لما يئس من الخلاص قتل نفسه عام 1112، ثم ردت المظالم لأهلها. أبطل كثيرا من المسائل الشرعية، كالعتق و الوصايا و التدبير (خلاصة الكلام ص: 63، و خلاصة الأثر 2/ 361).

(4) باب العجلة: نسبة إلى دار كانت تسمّى قديما بدار العجلة، و هو الباب الثاني الذي يقع في الجهة الشمالية من المسجد الحرام، و ترتيبه الثاني، عرف بعد ذلك بباب الباسطية.

و الباسطية: نسبة إلى عبد الباسط ناظر الجيش في دولة الملك الأشرف برسباي؛ لأنه عمّر بجواره مدرسة للفقراء في غاية الإحكام و الإتقان، أنشأه الخليفة العباسي محمد المهدي في عمارته سنة 160 ه، و جدد في سنة 984 ه (انظر: الأزرقي 2/ 93، و شفاء الغرام 1/ 452، و الإعلام ص: 424، و مرآة الحرمين 1/ 234، و تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 130).

(5) الإعلام (ص: 424).

(6) في الأصل: سبعة.

(7) في الأصل: سبيل. و التصويب من الغازي (1/ 654).

(8) الإعلام (ص: 212).

388

السابع عشر: باب دار الندوة، و هو في غربه زيادة دار الندوة.

قلت: الآن يعرف بباب القطبي.

قال القطبي‏ (1): لم يجدّد هذا الباب، و هو طاق واحد صغير.

الثامن عشر: باب زيادة دار الندوة (2).

قال الأزرقي‏ (3): و هو باب دار بني شيبة بن عثمان يسلك منه إلى السويقة (4)، و فيه ثلاثة طاقات‏ (5). [ذكره‏] (6) القرشي‏ (7).

قال القطب‏ (8): و كان قديما [طاقين‏] (9) إلى أن بنيت المدرسة السليمانية ففتح طاقا ثالثا، ثم هدمت الطاقات الثلاثة عند بناء المسجد الحرام، و أعيدت كما كانت، و عدد شرافاته اثنتان‏ (10) و عشرون شرافة.

التاسع عشر: باب الدريبة (11)، و فيه طاق واحد. و هذه الأبواب الخمسة في الجانب الشمالي فهذه أبواب المسجد الحرام. انتهى من البحر

____________

(1) الإعلام (ص: 424).

(2) باب زيادة دار الندوة: أنشئ في عهد الخليفة المعتضد العباسي عام 281 ه، و هو الباب الأثري، و هو باق على بنائه القديم، و لم يجدّد، و يعرف بباب القطبي؛ لكونه بجوار مدرسة قطب الدين النهرواني (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 131).

(3) الأزرقي (2/ 94).

(4) السويقة: السوق الصغير (المعجم الوسيط 1/ 465).

(5) في البحر العميق: و فيه طاقان.

(6) في الأصل: ذكر.

(7) البحر العميق (3/ 280).

(8) الإعلام (ص: 424).

(9) في الأصل: طاقان. و انظر: الإعلام، الموضع السابق.

(10) في الأصل: اثنان.

(11) باب الدريبة: يقع في ركن المسجد الحرام، و ينفذ إلى شارع سويقة، و لا يعلم سبب التسمية، و قد جدّده الأمير قاسم عند بناء المدارس الأربعة السليمانية (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 133).

389

العميق للقرشي و الإعلام للقطبي الحنفي‏ (1).

قلت: و في زماننا موجودة بيبان صغار أخر، فما علمت هل كانت قبل و إلا فتحت بعد؛ لأني لم أر من ذكرها من المؤرخين، و هي خمسة؛ فاثنان منها (2) بين باب إبراهيم و باب العمرة، إحداها: يدخل إلى بيت السيد عقيل و يخرج منه إلى السوق الصغير، و الثاني: يدخل منه إلى مدرسة الداودية (3) و يخرج إلى [السوق‏] (4) الصغير، و الثالث: بين باب الباسطية و باب العتيق يدخل منه إلى الزمامية (5) و يخرج منه إلى الشارع، [و الرابع‏] (6): في أحد المدارس الأربع السليمانية (7) يدخل منه إلى المحكمة و يخرج [منه‏] (8) إلى الشارع، و الخامس: في أحد المدارس السليمانية يدخل منه إلى بيت أحمد باشا و يخرج منه إلى الشارع، و الباب الذي يخرج إلى الشارع فتح بعد الألف و المائتين و الستين، و باب آخر يدخل منه إلى مدرسة

____________

(1) البحر العميق (3/ 280)، و الإعلام (ص: 424).

(2) في الأصل زيادة: باب.

(3) باب مدرسة الداودية: نسبة إلى داود باشا، و هذا الباب بمنفذ واحد موصل إلى السوق الصغير الآن بمكة (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 128).

(4) قوله: السوق، ساقط من الأصل، و المثبت من ب.

(5) باب الزمامية: و هو تابع للمدرسة، و ينفذ على الجادة الموصلة إلى قاعة الشفاعة (تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 130).

(6) في الأصل: الرابع.

(7) المدارس السليمانية: أي المدارس التي أنشأها قاسم بك أمير جدة للسلطان سليمان خان، و وضع أساسها عام 972، و لم يتم بناؤها إلا في زمن السلطان سليم بن سليمان، و تسمى بالمدارس الأربعة، حيث كان يدرس بكل مدرسة مذهب من المذاهب الأربعة، و عين السلطان لها الوظائف و المرتبات من أوقافه بالشام، و أما حالتها الآن فقد صارت إحداها مركزا لرئاسة القضاء، و الثانية مركزا للقضاء الشرعي، و الثالثة دارا للكتب الموقوفة لعموم القراء، و الرابعة باعها أحمدباشا عامل محمدعلي باشا خديوي مصر و أصبحت ممتلكة (الإعلام للنهرواني ص: 237، تاريخ عمارة المسجد الحرام ص: 81).

(8) قوله: منه، زيادة على الأصل.

390

قايتباي و يخرج إلى شارع المسعى، لكنه مغلوق من جهة الحرم. فهذه جملة بيبان الحرم. و هذه الأبواب الستة تفتح على طاق واحد. انتهى.

الفصل الثالث: فيما حدث في المسجد الحرام لأجل مصلحة

فمنها: منائر المسجد الحرام. و للأديب إبراهيم المهتار المكي‏ (1) يوصف المنائر في رمضان:

كأنّ المنائر [إذ] (2) أسرجت‏* * * قناديلها في دياجي الظّلام‏

عرائس قامت عليها الحليّ‏* * * لتنظر بيت إله الأنام‏

قال القطب‏ (3): منائر المسجد الحرام الآن سبعة، [يؤذّن‏] (4) عليها في الأوقات الخمس:

أولها: منارة باب العمرة، عمّرها أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء من بني العباس، و عمّرها بعده وزير صاحب الموصل محمد الجواد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني في سنة إحدى و خمسين و خمسمائة، و كان رئيس المؤذنين يؤذن عليها زمن الفاكهي و يتبعه سائر [المؤذنين‏] (5)، ثم في زمن الفاسي يؤذن رئيس المؤذنين في منارة باب السلام و يتبعوه.

قال القطب‏ (6): و هو الآن- أي: في زمنه- يؤذن على قبة زمزم.

قلت: و في زماننا يؤذن الرئيس على قبة زمزم، ثم يتبعونه.

____________

(1) انظر: خلاصة الأثر (1/ 57).

(2) في الأصل: إذا، و قد صححت ليستقيم الوزن الشعري.

(3) الإعلام (ص: 424).

(4) في الأصل: يؤذنون.

(5) في الأصل: المؤذنون، و كذا وردت في الموضع التالي.

(6) الإعلام (ص: 425).

391

قال القطب‏ (1): و قد أدركنا هذه المنارة و هي عتيقة البناء، فأمر بتجديدها السلطان سليمان، فهدمت إلى الأرض و بنيت بالآجر، و أعيدت كما كانت بدور واحد، إلا أنهم غيروا [رأسها] (2) على رسم بلاد الروم، و كانت قبل ذلك على أسلوب منائر مصر، و كان ذلك في سنة إحدى و ثلاثين و تسعمائة. انتهى.

قلت: و قد جدّدها الشريف سرور، و جعل لها دورين في سنة ألف و مائتين و واحد على ما هو مكتوب على باب خلوة تحتها. انتهى.

و ثانيها: منارة باب السلام، عمّرها المهدي [بن‏] (3) المنصور العباسي الذي أمر بتوسعة المسجد الحرام في سنة [ثمانية] (4) و ستين و مائة، و هي بدورين، ثم هدمت في زمن الناصر فرج [بن‏] (5) برقوق في سنة عشر و ثمانمائة، و عمّرها، و هي باقية إلى الآن.

و ثالثها: منارة باب علي، و أول من عمّرها المهدي العباسي لما عمّر منارة باب السلام‏ (6).

قال القطب‏ (7): و قد أدركناها و هي مائلة و آلت إلى الخراب، و كانت بدور واحد في أعلاها، فأمر بعمارتها السلطان سليمان خان (رحمه اللّه)،

____________

(1) الإعلام، الموضع السابق.

(2) في الأصل: رسمها. و التصويب من الإعلام، الموضع السابق.

(3) قوله: بن، زيادة على الأصل.

(4) في الأصل: أربعة. و انظر هذا الخبر في: شفاء الغرام (1/ 455)، و مرآة الحرمين (1/ 235)، و منائح الكرم (3/ 486).

(5) قوله: بن، زيادة من الإعلام (ص: 425).

(6) أي سنة 168 ه. و انظر هذا الخبر في: المواضع السابقة.

(7) الإعلام (ص: 425).

392

فهدمت و أعيد بنيانها بالحجر الشميسي، و جعل لها دورين [أعلا] (1) و أسفل، و غيّر رسمها على رسم بلاد الروم، و هي في غاية الصنعة.

و الرابعة: منارة الحزورة، و هي بدورين، أول من بناها المهدي العباسي، ثم عمرت في زمن الأشرف شعبان بن حسين صاحب [مصر] (2)، كانت سقطت في سنة إحدى و سبعين و سبعمائة- بتقديم السين- و سلم الناس منها، و هي باقية إلى الآن.

و الخامسة: منارة باب الزيادة بدورين، بناها المعتضد العباسي لما بنى زيادة دار الندوة، ثم سقطت و أنشأها الأشرف بارسباي في عام ثمانية و ثلاثين و ثمانمائة كما هو في حجر جنب المئذنة، و عمرت سنة ألف و مائة [و ثلاث عشرة] (3) [حين‏] (4) وقع دورها فأمر ببنائها و رشها.

و السادسة: منارة السلطان قايتباي، بناها على عقد باب مدرسته التي إلى جهة المسعى في غاية الصناعة بثلاثة أدوار، و هي باقية إلى الآن، و بنى نظيرها على باب مسجد الخيف بمنى.

و السابعة: منارة السلطان سليمان خان، أمر ببنائها في أحد مدارسه الأربع فيما بين باب السلام و باب الزيادة، و هي منارة في غاية العلو و الارتفاع، مبنية بالحجر الشميسي الأصفر، لها دورين، بناها سنة [ثلاث‏] (5) و سبعين و تسعمائة.

____________

(1) في الأصل: أعلاها. و التصويب من الإعلام، الموضع السابق.

(2) في الأصل: الموصل. و انظر: الأعلام (3/ 163).

(3) في الأصل: و ثلاثة عشر.

(4) قوله: حين، زيادة على الأصل.

(5) في الأصل: ثلاثة.

393

و هذه هي المنائر السبعة التي حول الحرم. انتهى من الإعلام‏ (1).

و كانت [على‏] (2) المسجد الحرام منائر أخر ذكرها أهل التواريخ؛ منها:

على باب إبراهيم منارة تشبه الصومعة (3) هدمها بعض ملوك مكة لإشرافها على داره. ذكرها الفاسي‏ (4).

و منها: منارة على باب الصفا و هي أصغرهم، و هي علم لباب الصفا.

و منها: منارة عند الميل الذي يهرول عنده. ذكره الفاكهي‏ (5).

و هذه المنائر [الثلاث‏] (6) كانت من جملة منائر المسجد الحرام. قال الفاسي: و لم يعلم من بناها و لا متى بنيت و لا متى هدمت.

فهذا حاصل ما قيل في منائر المسجد الحرام. انتهى.

قال الفاسي‏ (7): كانت بمكة منائر كثيرة في شعابها و غيرها، و كان في فجاج مكة منائر كثيرة ذكرها الفاكهي‏ (8) منها لعبد اللّه الخزاعي على أبي قبيس مشرفة على المسجد، و أخرى بحذائها مشرفة على جياد، و أخرى إلى جنبها، و أخرى تحتها، فتلك أربع، و لعبد اللّه بن مالك منارة مشرفة على شعب عامر، ثم منارة على رأس الفلق بناها مولى أمير المؤمنين الذي يكنى بأبي موسى‏ (9)، و لعبد اللّه بن مالك منارة تكشف على المجزرة، و له هناك‏

____________

(1) الإعلام (ص: 424- 426).

(2) في الأصل: في. و التصويب من الإعلام (ص: 426)، و إتحاف فضلاء الزمن (1/ 549).

(3) الصّومعة: من البناء. سميت صومعة؛ لتلطيف أعلاها، و الصومعة: منار الراهب (لسان العرب، مادة: صمع).

(4) شفاء الغرام (1/ 454- 455)، و انظر الإعلام، الموضع السابق.

(5) أخبار مكة (2/ 202- 203).

(6) في الأصل: الثلاثة.

(7) شفاء الغرام (1/ 457- 458).

(8) انظر: أخبار مكة (2/ 202).

(9) هو: بغا الكبير، أبو موسى التركي. أحد قواد المتوكل و أكبرهم، له فتوحات و وقعات،-

394

منارتان على جبل تفاحة (1)، و له منارة على رأس الأحمر، بناها على موضع يقال له: الكثيب مرتفع على جبل [الأحمر] (2)، و منارة لبغا أيضا مولى أمير المؤمنين.

و لعبد اللّه بن مالك منارة على جبل ابن عمر و معها منارة لبغا أيضا، و لعبد اللّه على كديّ منارة تشرف على وادي مكة، و لبغا منارة على جبل المقبرة، و له- أيضا- منارة على جبل الحزورة، و له [منارتان‏] (3) على جبل عمر بن الخطاب، و على جبل [الأنصار] (4) الذي على جياد، و له منارة على ثنية أم الحارث تشرف على الحصحاص‏ (5)، و لبغا منارة تشرف على حائط خرمان. فكانت على هذه المنائر أقوام يؤذنون للصلاة و تجرى عليهم الأرزاق في كل شهر زمن الفاكهي. انتهى. شفاء الغرام.

أقول: لم يبق بمكة- أي: فجاج مكة- إلا ثلاثة [منائر] (6):

أحدها: بمولد النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، بناها السلطان سليمان لما عمّر مولد النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

و الثانية: بمسجد الراية (7)، و يعرف الآن بزاوية البدوي.

____________

- مات حوالي سنة 250 ه. انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات (10/ 172- 173 برقم:

4656).

(1) جبل تفاحة: الجبل المشرف على دار سلم بن زياد، و دار الحمّام، و زقاق النار، و تفّاحة:

مولاة لمعاوية، كانت أول من بنى في ذلك الجبل (معجم معالم الحجاز 2/ 36).

(2) في الأصل: أحمر.

(3) في الأصل: منارة. انظر شفاء الغرام (1/ 458).

(4) في الأصل: الأنصاب، و هو خطأ. و التصويب من شفاء الغرام، الموضع السابق.

(5) الحصحاص: جبل مشرف على ذي طوى (معجم البلدان 2/ 263).

(6) زيادة من الغازي (1/ 661).

(7) مسجد الراية: ما زال معروفا إلى الآن بهذا الاسم، و هو المسجد الواقع بالجودرية على يمين الصاعد من المدعا إلى المعلا، و قد جدّد عام 1361 ه، و عند حفر أساسه عثر على حجرين مكتوبين يدلّان على أن هذا المسجد هو مسجد الراية، أحدهما تاريخه 898 ه،-

395

و الثالثة: بحارة السليمانية بسوق المعلا. فهذه الثلاثة هي الموجودة الآن بفجاج مكة.

فائدة: في روح البيان‏ (1) عند قوله تعالى: وَ إِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: 58] ففي الحديث: «أنا أول الناس دخولا الجنة، ثم الشهداء، ثم مؤذنوا الكعبة» (2). انظر تمام الكلام هناك إن شئت. انتهى.

فائدة: كان الأذان يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر، و لما كثر المسلمون أمر عثمان بن عفان، و قيل: عمر، و قيل: معاوية رضي اللّه عنهم بأن يؤذن قبله على المنائر، و أول من أحدثه بمكة الحجّاج. كذا في السيرة الحلبية (3).

و في القول البديع‏ (4): قضيت أحداث الصلاة على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عقب الأذان للصلاة الخمس.

قال المقريزي ما معناه: و أمر الحاكم بأمر اللّه في سنة أربعمائة المؤذنين أن يقولوا: «حي على خير العمل» في الأذان، و أن يقولوا في صلاة الصبح: الصلاة خير من النوم، و أن يكون ذلك من مؤذني [المصر] (5) عند قولهم: السلام على أمير المؤمنين و رحمة اللّه، ثم في سنة أربعمائة و خمس‏ (6) و أربعين أمروا أن يقولوا بدل: السلام على أمير المؤمنين: الصلاة رحمك‏

____________

- و الثاني سنة ألف.

(1) روح البيان (2/ 409).

(2) ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 391)، و البستي في المجروحين (2/ 257).

(3) السيرة الحلبية (2/ 312).

(4) القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع (ص: 185).

(5) في الأصل: القصر.

(6) في الأصل: خمسة.

396

اللّه. قال: و لهذا الفعل أصل.

قال الواقدي: كان بلال رضي اللّه عنه يقف عند باب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: السلام عليك يا رسول اللّه و ربما قال: السلام عليك يا رسول اللّه بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، حي على الصلاة حي على الصلاة، السلام عليك يا رسول اللّه.

قال البلاذري: فلما استخلف أبو بكر كان سعد القرظي يقف على بابه فيقول: السلام عليك يا خليفة رسول اللّه و رحمة اللّه، حي على الصلاة، الصلاة يا خليفة رسول اللّه. و زاد مثله في عمر. و ما زال المؤذنون يسلمون على الخلفاء و أمراء الأعمال بعد السلام الصلاة، فيخرج الخليفة أو الأمير هكذا كان العمل مدة بني أمية ثم مدة خلافة بني العباس. فلما ترك خلفاء بني العباس و استولوا العجم سلّم المؤذنون في أيامهم على الخليفة بعد الأذان للفجر فوق المنارة، فلما انقضت أيامهم غيّر السلطان صلاح الدين رسومهم فجعل المؤذنين عوض السلام على الخليفة السلام على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و استمر ذلك قبل الأذان للفجر في كل ليلة بمصر و الشام و الحجاز، ثم أمر السلطان صلاح الدين أن يزيدوا في ليلة الجمعة الصلاة على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فاستمر ذلك إلى شعبان سنة سبعمائة و إحدى‏ (1) و سبعين، ثم أمر المحتسب نجم الدين أن يزيدوا في الصلوات الخمس بعد الأذان الصلاة على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ما عدا المغرب، و بعد أذان الصبح الثاني، و كذا أذان الجمعة، فتكون الصلاة على النبي قبل ذلك، و استمر ذلك في بلاد مصر و الشام و الحجاز ما عدا بلاد المغرب، فإنهم يؤذنون فقط ثم تقام الصلاة.

____________

(1) في الأصل: إحدى.

397

و مما حدث أيضا: التذكير يوم الجمعة، و كان ذلك بعد السبعمائة.

قال ابن كثير: في يوم الجمعة سادس ربيع الآخر سنة سبعمائة [و أربع‏] (1) و أربعين. انتهى.

قال الحلبي في السيرة (2): و في كلام بعضهم: التبليغ بدعة منكرة باتفاق الأئمة الأربعة حيث بلغ المأمومين صوت الإمام. انتهى.

و أول حدوث التسبيح بالأسحار في ملتنا زمن معاوية على يد نائبه بمصر مخلد، و هو أول من جعل بنيان المنائر التي هي محل التأذين في المساجد. انتهى. إنسان العيون‏ (3).

الفصل الرابع: فيما وضع في المسجد الحرام لمصلحة

فمن ذلك: قبة كبيرة بين سقاية العباس و زمزم، و عمّرت في زمن الناصر العباسي، و كانت موجودة من قبل كما ذكره ابن عبد ربه في العقد.

و ذكر ابن جبير (4) أنها تنسب لليهودية و لم يبين هذه النسبة.

و في ألف [و ثلاثة] (5) و ستين هدمت القبة المذكورة و عمّرت على ما هي عليه الآن، و أرّخ عمارتها القاضي تاج الدين. كذا في الدرر. اه.

و من ذلك: المقامات التي هي الآن بالمسجد الحرام.

قال التقي الفاسي‏ (6): لم يعرف متى حدثت، لكن ذكر أن مقام الحنفي‏

____________

(1) في الأصل: أربعة.

(2) السيرة الحلبية (2/ 313).

(3) المرجع السابق (2/ 314).

(4) رحلة ابن جبير (ص: 76).

(5) في الأصل: ثلاثة.

(6) شفاء الغرام (1/ 465).

398

و المالكي كانا موجودين سنة [سبع‏] (1) و تسعين و أربعمائة.

و أما مقام الحنبلي فلم يكن موجودا في عشرة الأربعين و خمسمائة. و لما حج مرجان خادم المقتفي العباسي قلع مقام الحنبلي و أبطل إمامتهم على ما ذكر ابن الجوزي في المرآة، و ذكر أنه كان يقول: تصدى قلع مقام الحنبلي و لم يتم له ذلك.

و أما حكم تكرر الصلاة في المسجد فيها في وقت واحد فقيل بالمنع، و قيل بالجواز. فمن قال بالمنع نظر إلى كونها مسجدا واحدا، و من قال بالجواز نظر أن كل مقام من المقامات مسجدا على حدته إن كان مرتبا بأمر الإمام، و هي في كتب الفقه مفصلة على حسب المذاهب. انتهى.

و أما كيفية الصلاة في هذه المقامات: فقد ذكر ابن بطوطة في رحلته لما حج سنة سبعمائة [و خمس‏] (2) و عشرين أن أوّل من يصلى من أئمة المذاهب: الشافعي خلف مقام إبراهيم في حطيم بديع، و الحطيم خشبتان موصول ما بينهما بأذرع شبه السلم تقابلهما خشبتان على صفتهما، و قد عقدت على أرجل مجصصة، فإذا صلى الشافعي صلى بعده المالكي في محراب قبالة الركن اليماني، فإذا صلى المالكي صلى معه الحنبلي في وقت واحد، ثم بعدهم يصلي الحنفي، هكذا في الأوقات الأربعة. و أما المغرب فيصلوا جميعا. اه (3).

و ذكر القرشي في البحر العميق‏ (4) أنهم كانوا يصلون: الشافعي، ثم‏

____________

(1) في الأصل: سبعة.

(2) في الأصل: خمسة.

(3) رحلة ابن بطوطة (1/ 179).

(4) البحر العميق (3/ 281- 282)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 464).

399

الحنفي، ثم المالكي، ثم الحنبلي، و كلام ابن جبير (1) يقتضي أن المالكي كان يصلي قبل الحنفي، ثم تقدم عليه الحنفي بعد سنة تسعين و سبعمائة.

و اضطرب كلام ابن جبير في الحنفي و الحنبلي؛ لأنه ذكر أن كلا [منهما] (2) كان يصلي قبل الآخر، هذا كله في غير صلاة المغرب. أما فيها فإنهم يصلون جميعا في وقت واحد، ثم بطل ذلك في موسم سنة [إحدى عشرة] (3) و ثمانمائة بأمر الناصر فرج، و صار الشافعي يصلي بالناس وحده المغرب، و استمر ذلك إلى أن ورد أمر المؤيد أبي النصر شيخ صاحب مصر بأن يصلي الأئمة الثلاثة المغرب كما كانوا يصلون قبل ذلك ففعلوا ذلك، و أول وقت فعل فيه ذلك ليلة السادس من ذي الحجة سنة [ست عشرة] (4) و ثمانمائة. انتهى ما ذكره القرشي.

و استمر ذلك إلى مدة السلطان سليم خان فعرض عليه ذلك فصدر الأمر منه بالنظر في ذلك إلى العلماء، فاتفق الأمر أنه يقدم الشافعي، فبعد سلامه يقدم الحنفي، و لا يصلي المالكي في هذا الوقت، و هذا العمل هو الجاري في زماننا.

و أما بقية الأوقات فيصلي الصبح أولا الشافعي، ثم المالكي، ثم الحنبلي، ثم الحنفي، و في الظهر يقدم الحنفي، ثم الشافعي، ثم المالكي، و في العصر كذلك، و في العشاء كذلك. ذكره في منائح [الكرم‏] (5)، و لم‏

____________

(1) رحلة ابن جبير (ص: 85).

(2) في الأصل: منهم.

(3) في الأصل: أحد عشر.

(4) في الأصل: ستة عشر.

(5) في الأصل: الكرام.

400

[يصلّ‏] (1) الحنبلي إلا الصبح فقط.

قلت: و في زماننا يقدم الحنفي في جميع الأوقات إلا الصبح فإنه يصلي آخر الأئمة. انتهى.

و في سنة ألف و مائتين [و ثلاثة] (2) صار الحنبلي يصلي بعد المالكي جميع الأوقات ما عدا المغرب، و ذلك بأمر أمير مكة سيدنا الشريف عون الرفيق بن سيدنا الشريف محمد بن عون ... إلخ النسب.

فائدة: أول من أدار الصفوف حول الكعبة خالد بن عبد اللّه القسري، و سبب ذلك: أنه ضاق على الناس موقفهم وراء الإمام فأدارهم حول الكعبة.

و قال الزركشي: أول من فعل ذلك عبد اللّه بن الزبير، و كان الناس يقومون قيام شهر رمضان في أعلا المسجد الحرام، تركز حربة خلف مقام إبراهيم بربوة، فيصلي الإمام خلف الحربة و الناس وراءه، فمن أراد صلّى مع الإمام، و من أراد طاف و ركع خلف المقام. فلما ولي خالد بن عبد اللّه القسري مكة من طرف عبد الملك بن مروان، فلما حضر شهر رمضان أمر خالد أن يتقدموا [فيصلوا] (3) خلف المقام، و أدار الصفوف حول الكعبة، و ذلك لأن الناس ضاق عليهم أعلا المسجد فأدارهم حول الكعبة، و كان عطاء [و عمرو] (4) بن دينار و أنظارهم يرون ذلك و لا ينكرون.

قال ابن جريج: سألت عطاء: إذا قلّ الناس في المسجد أحبّ إليك أن‏

____________

(1) في الأصل: يصلي.

(2) في الأصل: و ثلاثمائة.

(3) في الأصل: فيصلون.

(4) في الأصل: و عمر (انظر: التقريب ص: 421).

401

يكونوا خلف الإمام صفا واحدا، أو يكونوا حول الكعبة صفا واحدا؟

[قال: بل يكونوا صفا واحدا حول الكعبة. قال:] (1) [و تلا] (2) قوله تعالى:

وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ‏ [الزمر: 75] (3). ذكره الأزرقي.

انتهى.

و ذرع ما بين كل من هذه المقامات و بين الكعبة:

أما مقام الشافعي: فبينه و بين جدار الكعبة الشرقي: تسعة و ثلاثون ذراعا و نصف، و بينه و بين الأسطوانتين المؤخرتين من سابط مقام إبراهيم تسعة أذرع و نصف.

و أما مقام الحنفي: فإن من جدار محرابه إلى وسط جدار الحجر اثنين و ثلاثين ذراعا إلا سدسا (4)، و من جدار محرابه إلى حاشية المطاف: عشرة أذرع و نصف بالعتبة، و عرض العتبة نصف ذراع و قيراطان.

و أما مقام المالكي: فإن من جدار محرابه إلى وسط جدار الكعبة على الاستواء: سبعة و ثلاثين ذراعا و ثلثا ذراع، و من جدر المحراب إلى حاشية المطاف بالعتبة: عشرة أذرع و ثلث.

و أما مقام الحنبلي: فإن من جدار محرابه إلى الحجر الأسود: ثمانية و عشرون ذراعا إلا [ثلثا] (5) بعتبة الحاشية، و الذرع المحرر [به‏] (6) هو بذراع‏

____________

(1) ما بين المعكوفين زيادة من الأزرقي (2/ 66).

(2) في الأصل: فتلا.

(3) أخرجه الأزرقي (2/ 65- 66).

(4) في الأصل: سدس. و الصواب ما أثبتناه.

(5) في الأصل: ثلث.

(6) قوله: به، زيادة من شفاء الغرام.

402

الحديد. انتهى. شفاء الغرام‏ (1).

و مما أحدث: المزولة التي بصحن المسجد، و هي من عمل الوزير الجواد، و يقال لها: ميزان الشمس و بينه و بين الركن الشامي الذي يقال [أنه‏] (2) العراقي: ثلاثة و أربعون ذراعا و ثمن ذراع.

و منها: ظلة للمؤذنين في سطح المسجد تظلهم من الشمس. ذكرها الأزرقي‏ (3) و لا أثر لها.

قلت: و كذا المزولة لا أثر لها.

و منها: فسقيّة (4) من رخام بين زمزم و الركن و المقام، عملها خالد بأمر سليمان بن عبد اللّه، و ساق إليها ماء عذبا ضاهى بها زمزم، ثم بطلت في سنة [اثنتين‏] (5) و ثلاثين و مائة في زمن السفاح.

و أما صفة المقامات و محلها، أقول: فالشافعي يصلي الآن خلف مقام إبراهيم، و الحنفي يصلي في مقامه و هو في الجهة الشمالية خلف الحجر، و هو [طبقتان‏] (6): الأولى فيها الإمام، و الثانية فيها المكبّرون، و المالكي يصلي في مقامه و هو من جهة الغرب، و هو أربعة أعمدة مسقّف، و في صدره محراب بين عمودين، و الحنبلي مقابل الحجر الأسود، و هو مثل مقام‏

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 463).

(2) في الأصل: نه.

(3) الأزرقي (2/ 99).

(4) الفسقيّة: بناء صغير مرتفع يملأ بالماء، و قد تعلّق به مغاريف لسقي المسافرين، و قد توضع بأسفله صنابير تصبّ الماء، و على الطّرق قد توضع عليه قبّة صغيرة فحينئذ تسمّى جنبذة، و الجنابذ- غالبا- فساقي مقبّبة (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 80) و تطلق أيضا على فوارة المياه أو الغرفة التي تكون تحت الأرض (التراث المعماري ص:

122).

(5) في الأصل: اثنين.

(6) في الأصل: طبقتين.