خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس‏

- محمد بن عبد الله بن الخطيب المزيد...
175 /
55

الإثمد، استقبلنا الحضرة حرسها الله‏ (295) فأنست النفوس بعد اغترابها، و اكتحلت العيون بإثمد ترابها، و اجتلينا من فحصها الكريم الساحة، الرحب المساحة، ما يبهر العين جمالا، و يقيّد الطرف يمينا و شمالا، أم البلاد و القواعد، و ملجأ الأقارب و الأباعد، تعدّت مقعد الوقار، و نظرت إلى الأرض بعين الاحتفار، و مدّت إليه البلاد أكفّ الافتقار، نصبت من الجبل منصّة قعدت عليها، و قامت وصائف القرى في ذلك البساط بين يديها، فمن ذا يدانيها أو يداريها أو يناهضها في الفخار و يجاريها، و هي غاب الأسود، و الأفق الذي نشأت فيه سحاب الجود، و طلعت به من الأمراء السعداء نجوم السعود (296)، سيّدة الأمصار، أو دار الملوك من أبناء الأنصار، و مصرع الطواغيت و الكفّار (و الغمد الذي استودع سيوف الله دامية الشفار) (297) و لله درّ بعض شيوخنا و قد عبّر عنها ببيانه، و اعتذر عن بردها في أوانه حيث يقول:

رعى الله من غرناطة متبوأ* * * يسر كئيبا أو يجير طريدا (298)

تبرّم منها صاحبي عند ما رأى‏* * * مسالكها بالبرد عدن جليدا

هي الثغر صان الله من أهلّت به‏* * * و ما خير ثغر لا يكون برودا

____________

(295) يقصد مدينة غرناطة و يقال لها أيضا أغرناطة و تسمّى اليوم‏Granada انظر ما كتبه عنها زيبولدSeybold في دائرة المعارف الإسلاميةEnc IsI II P .681 -781 راجع كذلك (رحلة ابن بطوطة لهذه المدينة ج 2، ص 187، و ما كتبه ليفي بروفنسال عن هذه الرحلة في‏

Levi Provencal: Le voyage d`Ibn Battuta dans le royaume de Granada( 1631 ),

Simonet:

انظر أيضا

Pag. 812, en: Melanges Wiliam Marcais( Paris 1691 )

انظر كذلك الموسوعة المعروفةDescripci ?n del reino de Granada ,p .72 -86)

انظر كذلك الموسوعة المعروفة

( Miguel lafuente Alcantara: Historia de Granada, 4 tomos )

راجع كذلك ما كتبه ابن فضل الله العمري (ت 1350 م) عن المغرب و الأندلس في كتابه (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) و قد نشر هذا الجزء العالم التونسي حسن حسني عبد الوهاب في مجلة البدر بتونس‏

(296) في (ب) من الأمراء السعود انجم السعود

(297) في (ا) و الجفن الذي استودع جفان الله دامية الشعار

(298) هذا البيت محرف في (ا).

56

وصلناها و الجو مصقول كالفرند، و السماء كأنها لصفائها مرآة (299) الهند، أخرج الحلى من الإحقاق، و عقد أزرار الحلل على الأعناق، و أطلع أقمار الحسن على الآفاق، و أثبت فخر الحضرة بالإجماع و الاحقاق، على دمشق الشام و بغداد (300) العراق.

حتى إذ بلغنا قصور الملك و انتهينا إلى واسطة السلك، و قفنا مهنئين و مسلّمين، و قلنا أدخلوها بسلام آمنين. و ألقت عصاها و استقرّ (301) بها النوى‏ (302) كما قرّ عينا بالإياب المسافر. (هنا انتهى التقييد و الحمد لله على ما سناه من صنع جميل، و أولاه من بلوغ تأميل. و ذلك يوم الأحد الثامن لصفر عام ثمانية و أربعين و سبعمائة، و الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى.

تمت خطرة الطيف، و الحمد لله و صلّى الله على مولانا محمد و آله و صحبه و سلّم تسليما طيبا) (303).

____________

(299) في (ا) مرءات‏

(300) في (ب) بغداد

(301) في (ب) و استقرت‏

(302) ساقطة في (ا)

(303) الفقرة الختامية التي بين القوسين لم ترد في (ب)

57

الرسالة الثانية مفاخرات مالقة و سلا

و من ذلك ما صدر عنّي في مفاخرات مالقة (304) و سلا (305) بما نصّه:

سألتني عرفك الله عوارف السعد المقيم، و حملني و إياك على الصراط المستقيم، المفاضلة بين مدينتي مالقه و سلا، صان الله من بهما من النّسم، و حباهما (306) من فضله بأوامر القسم بعد أن رضيت بحكمي قاضيا، و بفصلي الخطة سيفا ماضيا، لاختصاصي بسكنى البلدين، و تركي فيهما الأثر للعين.

على أن التفضيل إنما يقع بين ما تشابه و تقارب، أو تشاكل و تناسب، و إلا فمتى يقع التفضيل؟ بين الناس و النسناس، و الملك و الخنّاس، و قرد الجبال و ظبي الكناس؟

مالقة أرفع قدرا، و أشهر ذكرا، و أجلّ شأنا، و أعزّ مكانا، و أكرم ناسا، و أبعد التماسا، من أن تفاخر أو تطاول، أو تعارض أو تصاول، أو تراجع‏

____________

(304) مالقةMlaga اسم لمدينة و ولاية على ساحل البحر الأبيض المتوسط جنوب شرق إسبانيا.

و في أيام ابن الخطيب كانت مالقة تعتبر العاصمة الثانية بعد مدينة غرناطة في مملكة بني الأحمر.

(305) سلاSale مدينة رومانية قديمة على ساحل المحيط الأطلنطي بأقصى المغرب و يفصلها عن مدينة رباط جنوبا نهر أبو الرقراق (بور جراج) و قد سبق أن أشرنا إلى أن ابن الخطيب أقام في هذه المدينة عند ما نفي مع سلطانه محمد الخامس عام 1360 م و ظلّ بها حتى عام 1362 حينما عاد ثانيه إلى غرناطة مع سلطانه المذكور بفضل مساعدة ملك قشتاله و سلطان بني مرين‏

(306) في الأصل و حباها و صحّتها كما في المتن‏

58

أو تغاول، و لكنّي سأنتهي إلى غرضك، و أبيّن رفع مفترضك و أباين بين جوهرك و عرضك.

فنقول الأمور التي تتفاضل بها البلدان، و تتفاخر منها به الأخوان، و تعرفه حتى الولائد و الولدان، هي: المنعة و الصنعة و البقعة و الشّنعة (307) و المساكن و الحضارة و العمارة و الإمارة و النضارة.

فأما المنعة، فلمالقة، حرسها الله، فضل الارتفاع و مزية الامتناع أما قصبتها (308)، فاقتعدت الجبل كرسيّا، و رفعها الله مكانا عليّا، بعد أن ضوعفت أسوارها و أقوارها (309)، و سما بسنام الجبل المبارك منارها، و قربت أبراجها، و صوعدت أدراجها، و حصنت أبوابها، و عزّز جنابها، و دار ببلدها السور و الجسور، و الخندق المحفور. فقلهراته‏ (310) مدائن بذاتها، و أبوابها المغشاة بالصفائح‏ (311) شاهد بمهارة بناتها، و همم أمرائها و ولاتها كأنها لبست الصباح سربالا (312)، أو غاصت في نهر الفلق بهاء و جمالا، أمنت من جهة البحر التقيّة، و دار بها من جهة البرّ الحفير و السّلوقية (313)، لا تجد العين بها عورة تتقى، و لا ثلما منه يرتقى، إلى الربضين‏ (314) اللذين كل واحد منهما

____________

(307) الشنعة: الشهرة و السمعة. انظر

Dozy: Supplement aux dictionnaires Arabes I, p. 197- 297 )( Paris 7291 ( (

(308) راجع وصف هذه القصبة في‏

Guillen Robls: Malaga Musulmana Cap II. Parte 2( Malaga 0881 )

(309) أقوار و مفردها قور بمعنى نطاق و سياج انظر(Dozy :Suppl .,II ,P 714 a)

(310) قلهرات جمع قلهره‏Galahorra بمعنى قلعة أو برج القلعة انظر(Dozy :Suppl II P 104

(311) الصفائح معناها هنا النقوش و الزخارف التي تحلّى بها الأبواب. (صفائح الرتاج) انظر(Dozy :Suppl .,I ,P .438)

(312) السربال: القميص. انظر

Dozy: Dictionnair detaille des noms des Vetements chez les arabes, p 202. )Amesterdam 5481 (

(313) السلوقيه أو السلوقية نوع من الخنادق أو الأبراج الأمامية التي في خارج الأسوار راجع‏(Dozy .Suppl .,I .P 676)

(314) سمي أحد هذين الربضين باسم فنتنالةFontanella ، و سمي الآخر باسم التيانين أو التيانيين نسبة إلى تجارة التين التي اشتهرت بها مالقه. راجع‏

( Levi Provencal: La Peninsule )Iberique D apres Ar- Rawd AL- Mi tar, p. 312 note 6

و قد سمّى دوزي هذا الربض باسم التبانين نسبة إلى تجار التبن، و القراءة الأولى أصح. راجع (الإدريسي نشر دوزي ودي خويه، ص 204، 220).

59

مدينة حافلة، و عقيلة في حلى المحاسن رافلة.

و سلا على ما علمت، سور حقير، و قور إلى التنجيد و التشييد فقير، آطام خامله، و للرم آمله، و قصبتها بالبلد متّصلة، و من دعوى الحصانة منتصلة، سورها مفرد، لا سلوقية تقيه، و بابها مقصد لا ساتر يحميه، و الماء بها معدوم، و ليس له جب معلوم، و لا بئر بالعذوبة مرسوم، و في عهد قريب استباحها الروم في اليوم الشامس، و لم ترد يد لامس، من غير منجنيق نصب، ولا تاج ملك عليها عصب، قلّة سلاح و عدم فلاح، و خمول سور، و اختلال أمور (315).

و منذ سقطت دعوى المنعة، فلنرجع إلى قسم الصنعة فنقول:

مالقة، حرسها الله، طراز (316) الديباج المذهّب، و معدن صنائع الجلد المنتخب، و مذهب الفخار، المجلوب منها إلى الأقطار، و مقصر (317) المتاع المشدود (318)، و مضرب الدست المضروب، و صنعاء (319) صنائع الثياب و محج التجار إلى الإياب، لأفعام العياب، بشهادة الحس و الجن و الإنس، و لا ينكر طلوع الشمس.

و أي صناعة في سلا يقصد إليها أو يعول عليها أو يطرف بها قطر بعيد، أو يتجمل بها في عيد.

و منذ سقطت مزية الصنعة، فلنرجع إلى مزية البقعة فنقول:

____________

(315) من المعروف أن الإسبان هاجموا مدينة سلا على غره أيام الملك الفونسو العالم‏(El sabio) و ذلك في 2 شوال عام 658 ه (1260 م) و قد طردهم منها السلطان المريني أبو يوسف يعقوب بعد احتلال دام أربعة و عشرين يوما. و انظر (ابن أبي زرع: روض القرطاس (نشر طورنبرج) ص 201، 278) انظر كذلك (السلاوي: الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى ج 2، ص 11).

(316) عن نظام الطراز، راجع مقال جروهمان في دائرة المعارف الإسلامية:(Enc .Islam Iv P .528 -438)

(317) مقصر: لعلّ معناها هنا، آلة لغزل الأقمشة القطنية (الموسلين)، راجع:Dozy :Suppl .,II) P .853(

(318) المتاع المشدود أي كل ما يشد به مثل العمائم و الأحزمة. راجع:(Dozy :suppl .I ,P 737)

(319) صنعاء عاصمة اليمن كانت مشهورة بمنسوجاتها، و المعنى هنا مجازي.

60

خصّ الله مالقة بما افترق في سواها، و نشر بها المحاسن التي طواها، إذ جمعت بين رمث الرمال و خصب الجبال، و قامرة (320) الفلاحة المخصوصة بالاعتدال، و البحر العديم الصداع، الميسّرة مراسية للحط و الإقلاع، و الصيد العميم الانتفاع، جبالها لوز و تين، و سهلها قصور و بساتين، و بحرها حيتان مرتزقة في كل حين، و مزارعها المغلّة عند اشتداد السنين، و كفى بفحص قامرة (321) صادع بالبرهان المبين، و واديها الكبير عذب فرات، و أدراج مثمرات، و ميدان ارتكاض، بين بحر و رياض.

و سلا بلد الرمال، و مراعي الجمال، بطيحة لا تنجب السنابل، و إن عرفت المطر الوابل، جرد الخارج، و بحرها مكفوف بالعتب و المدارج و واديها ملح المذاق، مستمد من الأجاج الزعاق، قاطع بالرقاق من الآفاق، إلى بعد الإنفاق، و توقع الإغراق. و شابلها (322) مقصور على فصل، و كم لشوكة من شبا نصل، عدمت الفاكهة، و المتنزّهات النابهة.

و إذا بان فضل البقعة، فلنلم بذكر الشنعة، و هو ممّا لا يحتمل فيه النزاع، و لا تغطّى الأبصار و تطمس الأسماع. إذ مالقة دار الملك في الروم، و مثوى المصاعب و القروم، تشهد بذلك كتب الفتح المعلوم، و ذات ملك في الإسلام عديد الجيوش خانق الأعلام، غني بالشهرة عن الأعلام، سكنها ملوك الأدارسة (323) الكرام، و الصناهجة الأعلام، ثم بنو نصر أنصار الإسلام‏ (324) و جيشها اليوم مشهور الإقدام، متعدّد المئين على مرّ الأيام‏

____________

(320) القامرة: مخازن المحصولات الزراعية، و المقصود هنا التربة الخصبة المنتجة. انظر

( Simonet: Glosario de Voces Ibericas p 97 )

(321) فحص قامرة:Gamara لا يزال موجودا حتى اليوم في ولاية مالقة بالقرب من بلدة انتقيره‏Antequera انظر(Simont :Glosario de Voces Ibericas p 08)

(322) شابل: نوع من الأسماك النهرية و معروف في الإسبانية باسم‏Sabalo انظر(Dozy :Suppl .,I ,P 427)

(323) يقصد الحموديين أو بني حمود و هم من سلالة الأدارسة، و قد أسسوا إمارة مستقلة في مالقة من عام 1018 إلى 1057 م. و انتهت هذه الدولة عند ما استولى بنو زيري ملوك غرناطة على مالقة سنة 1057. انظر(Enc .Islam .II .P 962)

(324) هم بنو زيري حكّام غرناطة أيام ملوك الطوائف في القرن الحادي عشر الميلادي. و هم من أصل بربري يرجع إلى قبيلة صنهاجة. انظر(Enc .Islam IV P .851) انظر كذلك (مذكرات‏

61

و تجّارها تعقد لواء خالقا، و تقيم الجهاد سوقا نافقا، و تركض الخيول السابحة، و تعامل الله على الصفقة الرابحة، و كفاها أنّها أم للعدّة من الثغور و الحصون، و المدن ذات الحمى المصون، و شجرة الفروع الكثيرة و الغصون و ما منها إلا معقل سام، و بلد بالخيل و الرجل مترام، و غيل حام، يحتوي بها ملك باذخ، و ينسق فيها للسلطان فخر شادخ.

و أين سلا من هذه المزية، و الشنعة العلية، أين الجنود و البنود، و الحصون تزور منها الوفود، و إن كان بعض الملوك ذهب إلى اتخاذها دارا، و استيطانها من أجل الأندلس قرارا، فلقد هم و ما أتم و طلله نم.

و لنقل في الحضارة بمقتضى الشواهد المختارة، و لا كالحلى و الطيب، و الحلل الديباجية و الجلابيب، و البساتين ذات المرأى العجيب، و القصور المبتناة بسفوح الجبال، و الجنّات الوارفة الظلال، و البرك الناطفة بالعذب الزلال، و الملابس المختالة في أفنان الجمال، و الأعراس الدّالة على سعة الأحوال، و الشورات المقدرات بالآلاف من الأموال.

و أما سلا، فأحوال رقيقة، و ثياب في غالب الأمر خليقة، و ذمم منحطّة و نفقات تحصرها من التقتير خطّة، و مساجد فقيرة، و قيسارية حقيرة، و زيّ مجلوب و حلي غير معروف و لا منسوب، تملأ مسجدها الفذ العدد و الأكسية، و تعدم فيها أو تقل الطيالس و الأردية، و تكثر البلغات، و تندر النعال، و تشهد بالسجية البربرية و الأصوات و اللغات و الأقوال و الأفعال.

و أما العمارة، فأين يذهب رائدها، و علام يعول شاهدها، و ما دار عليه السور متراكم متراكب، منتسجة مبانية كما تفعل العناكب، فناديقه‏ (325)

____________

الأمير عبد الله الصنهاجي (من مجموعة ذخائر العرب) تحقيق ليفي بروفنسال 1956. و يعرفون كذلك ببني الأحمر و هم ملوك غرناطة آخر مملكة إسلامية في إسبانيا (1232- 1492 م) و ينسبون إلى سعد بن عبادة زعيم الأنصار و قبيلة الخزرج إذ ان جدهم الأكبر- كما يقولون- هو محمد بن يوسف بن نصر بن أحمد .. ابن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري الملقب بالأحمر (أبو الحسن النّباهي نزهة البصائر و الأبصار).

(325) فنادق جمع فندق‏

62

كثيرة، و مساجده أثيرة، و أرباضه حافلة، و في حلل الدوح رافلة، و سككه غاصّة، و أسواقه بالدكاكين متراصّة، أقسم لربض من أرباضها أعمر من مدينة سلا، و أبعد عن وجود الخلا، و املأ مهما ذكر الملأ، بلد منخرق منقطع منفرق، ثلثه مقبرة خالية، و ثلثه خرب بالية، و بعضه أخصاص و أقفاص، و معاطن و قلاص، و أواري بقر تحلب، و معاطن سائمة تجلب.

و أما الإمارة، فلمالقة القدح‏ (326) المعلّى، و التّاج المحلّى، و هو على كل حال بالفضل الأولى، حيث مناهل المختص، و الخارج الأفيح الفحص. و سلا لا تأكل إلا من غرارة جالب، لا من فلاحة كاسب. و مالقة مجتزئة بنفسها في الغالب، محسبة من شرقيها و غربيها بطلب الطالب.

و أما النضارة، فمن ادّعى أنّه ليس في الأرض مدينة أنضر منها جنابا، و لا أغزر منها غروسا و أعنابا، و لا آرج أزهارا و لا أضوأ نهارا، لم تكذب دعواه، و لا أزرى به هواه، إنما هي كلّها روض وجابية و حوض بساتين قد رقمتها الأنهار و ترنّمت بها الأطيار.

و سلا بلد عديم الظلال، أجرد التلال، إذا ذهب زمن الربيع و الخصب المريع، صار هشيما، و أضحى ماؤها حميما، و انقلب الفصل عذابا أليما.

أما المساكن، فحسبك ما بمالقة من قصور بيض، و ملك طويل عريض جنّة السيد (327)، و ما أدراك ما بها من جنّة دانية القطوف، سامية السقوف، ظاهرة المزية و الشفوف، إلى غيرها ممّا يشذّ عن الحصر، إلى هذا العصر.

و الجنّات التي ملأت السهل و الجبل، و تجاوزت الأمل، بحيث لا أسد يمنع من الأصحار بالعشي و الأسحار، و لا لص يستجن بسببه في الديار.

____________

(326) القدح المعلى: السهم السابع في الميسر عند العرب في الجاهلية. و هو أكثر السهام ربحا.

و المعنى هنا مجازي للدلالة على علوّ شأن المدينة. انظر (ابن قتيبه: الميسر و القداح (القاهرة 1343).

(327) جنة السيد: يبدو أن هذا الاسم قد أطلق على قصر هناك لبعض أمراء الموحدين، انظر:

( Oliver Hurrtado: Granada y sus Monumentos arabes, p, 563 y nota I )

63

و أما سلا و إن كان بها للملك دور و قصور، و لأهل الخدمة بناء مشهور فنهل قليل، و ليس بالجمهور إليه سبيل.

و أما الساكن بمالقة بين راهن قيد الحياة، و منتقل من جنّاتها إلى روضات الجنّات، فأكبر به أن يفاضل، أو يجادل فيه أو يناضل، و لا شاهد كالصلات‏ (328) الباقية المكتبة، و التواريخ المقرّرة المرتبة.

فاستشهد مغرب البيان‏ (329) و تاريخ ابن حيّان‏ (330)،

____________

(328) صلات جمع صلة و يقصد بها المعاجم و التراجم التي ظهرت مسلسلة تحت هذا الاسم كما هو واضح في المتن.

(329) لعلّه يقصد كتاب البيان المغرب لابن عذاري المراكشي الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي. و قد ظهر هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء، الأول و الثاني نشرهما دوزي (ليدن 1848- 1851) و الجزء الثالث نشره ليفي بروفنسال (باريس 1930) كذلك توجد طبعة لبنانية للجزءين الأول و الثاني (بيروت 1950) هذا و توجد ترجمة فرنسية للكتاب من عمل فاجنان‏Fagnan و أخرى إسبانية لفرناندث جونثالث‏Fernandez y Gonzalez و قد ظهر جزء رابع خاص بتاريخ الموحدين نشره أويني ميراندا بالاشتراك مع محمد بن تاويت و إبراهيم الكتاني (تطوان 1960).

(330) ابن حيّان، المؤرّخ القرطبي الكبير (377- 469، 987- 1076 م) و من مؤلّفاته، كتاب المتين و هو مفقود، و كان يقع في ستين جزءا و يتناول الأحداث المعاصرة للمؤلف و يعرف أيضا بالتاريخ الكبير. و قد نقل ابن بسّام بعض أجزائه في كتابه الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (القاهرة 1939- 1945) و من مؤلّفات ابن حيّان أيضا كتاب المقتبس في تاريخ الأندلس، و كان يقع في عشرة أجزاء، و قد عثر على خمس قطع منه:- الأولى و تتناول عهدي الحكم الأول و معاوية الثاني و كانت عند المرحوم ليفي بروفنسال الذي استغلّها في كتابة الجزء الأوّل من مؤلّفه الكبير عن تاريخ إسبانيا الإسلامية. و كان يعدّ العدّة لنشرها لو لا وافاه أجله المحتوم. القطعة الثانية و تتناول إمارة الأمير عبد الله الأموي في قرطبة و قد نشرها الراهب الإسباني ملتشور انطونياMelchor Antuna) باريس 1937). القطعة الثالثة و تتناول الجزء الأخير من عهد عبد الرحمن الأوسط و الشطر الأكبر من عهد ولده محمد ابن عبد الرحمن.

و قد نشرها محمود مكي (بيروت 1973) و القطعة الرابعة تتناول معظم عهد عبد الرحمن الثالث (الناصر) و نشرها كورينتس و شالمينا و محمود صبح (مدريد 1979) و القطعة الخامسة و تتناول عصر الحكم المستنصر و نشرها عبد الرحمن الحجي (بيروت 1965). و الكتاب عموما، كما هو واضح من عنوانه عبارة عن اقتباس من كتب المؤرّخين الذين سبقوه و لا سيّما عيسى الرازي، أما كتاب المتين فهو تأريخ للأحداث التي رآها المؤلف بنفسه. انظر

Garcia Gomez: a proposito de Ibn Hayyan; AlAndalus 6491; Vol. XI, Fasc. 2

؛ انظر كذلك لنفس المؤلف:

Garcia Gomez: Al- Hakam II y los Berebers segun un texto inedito de Ibn Hayyan, Al- Andalus 8491, vol. XIII Fasc. I

64

و تاريخ الزمان‏ (331)، و كتاب ابن‏ (332) الفرضي و ابن بشكوال‏ (333)، وصلة ابن الزبير (334) القاضي و من اشتملت عليه من الرجال، وصلة ابن الأبّار (335)، و تاريخ ابن عسكر (336) و ما فيه من أخبار.

و بادر بالإماطة، عن وجه الإحاطة (337)، ترى الأعلام سامية، و أدواح الفضلاء نامية، و أفراد الرجال يضيق بهم رحب المجال.

و سلا المسكينة لا ترجو لعشرتها، إلا ابن عشرتها، مهملة الذكر و الإشادة، عاطلة من حلى تلك السادة، و إن كان بها أهل عبادة، و سالكي‏

____________

(331) لا أعرف شيئا عن هذا الكتاب الذي يشير إليه ابن الخطيب‏

(332) ابن الفرضي، مؤرّخ قرطبي (351- 403 ه- 962- 1013 م) و هو صاحب كتاب تاريخ علماء الأندلس، نشره المستشرق الإسباني كوديراCodera في الجزءين السابع و الثامن من مجموعة المكتبة الأندلسية (مدريد 1891).

(333) ابن بشكوال، مؤرّخ قرطبي (494- 578 ه- 1101- 1183 م) ألّف كتاب الصلة في تاريخ أئمة الأندلس، و هو يكمل معجم ابن الفرضي السابق الذكر. و قد نشره كوديرا أيضا في الجزءين الأول و الثاني من المكتبة الأندلسية (مدريد 1883)

(334) القاضي أحمد بن الزبير، مؤرّخ جياني (نسبة إلى مدينة جيان 708- 627) (Jaen ه- 1229- 1308) كتب ذيلا لصلة ابن بشكوال سمّاه (صلة الصلة) و قد نشر هذا الكتاب المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال (الرباط 1938).

(335) ابن الأبّار، مؤرّخ بلنسي (595- 658 ه- 1199- 1260 م) كتب تكملة أيضا للصلة البشكوالية في تراجم أعلام الأندلس سمّاه (كتاب التكملة لكتاب الصلة) نشر هذا الكتاب كوديراCodera في الجزءين الخامس و السادس من مجموعة المكتبة الأندلسية (مدريد 1889) كذلك نشره ابن شنب، وجونثالث بالنثياGonzalez Palencia و ألاركون‏Alarcon . انظر(Enc .Islam II ,p .473) انظر كذلك (دكتور عبد العزيز عبد المجيد: ابن الأبّار، حياته و كتبه (معهد مولاي الحسن 1952)

(336) ابن عسكر، مؤرّخ مالقة (584- 636 ه- 1188- 1228 م) يروي المؤرّخون إنه كتب تاريخا لمالقة، أتّمه ابن أخيه المسمّى ابن خميس. و يروي ابن الخطيب في إحاطته (نسخة الاسكوريال لوحة 152) أن القاضي الغرناطي أبا الحسن النباهي (القرن الثامن الهجري) كتب ذيلا لكتاب ابن عسكر سمّاه ذيل على تاريخ مالقة.

(337) يقصد ابن الخطيب كتابه المشهور: الإحاطة في تاريخ غرناطة. و توجد منه نسخ مختلفة في مكتبة الاسكوريال (رقم 1673) و مكتبة الأكاديمية التاريخية بمدريد (رقم 34، 142) و رواق المغاربة بالأزهر. و قد نشر عدة أجزاء من هذا الكتاب الأستاذ عبد الله عنان (القاهرة 1956) كما توجد طبعة قديمه لهذا الكتاب من جزءين (القاهرة 1319 ه).

65

سبيل زهادة، فكم بمالقة من وليّ، و ذو مكان عليّ، و من طنجاليّ و ساحليّ‏ (338). و هذه حجج لا تدفع، و دلائل إنكارها لا ينفع، فمن شاء فليؤثر الاتصاف بالإنصاف، و من شاء فليؤثر الخلاف و سجايا الأخلاف. فأنا- يعلم الله- قد عدلت لما حكمت، و رفعت لما ألممت، و سكت عن كثير، و جلب فضل أثير، إذا لم تحوج إليه ضرورة الفخر، و لا داعية القهر. و لو شئت لجلبت من أدلّة التفضيل ما لا يدفع في عقده، و لا سبيل لنقده، لكن الله أغنى عن ذلك، و كفى بهذه المسالك، بيانا للسالك، و فضلا بين المملوك و المالك. و الله يشمل الجميع بنعماه، و يتغمّد الحيّ و الميت برحماه.

و فصل الخطة أن لمالقه مزية بجلالها و كمالها و حسن أشكالها، و وفود مالها، و تهدّل أظلالها و شهرة رجالها، و ظرف صنائعها و أعمالها.

و لسلا، الفضل لكن على أمثالها و نظرائها، من بلاد المغرب و أشكالها، إذ لا ينكر فضل اعتدالها، و أمنها من الفتن و أهوالها عند زلزالها، و مدفن الملوك الكرام بجبالها.

و مالقة، قطر من الأقطار، ذوات الأقدار و الأخطار، و تحصيل الأوطار.

و سلا، مصبّ الأمطار، و مرعى القطار، و بادية بكل اعتبار.

و هنا نلقي عصا التسيار، و نغضّ من عنان الإكثار، و حسبنا الله و نعم الوكيل ...

____________

(338) انظر ما كتبه الرّحّالة ابن بطوطه عن هؤلاء المتصوّفة أثناء رحلته في مملكة غرناطة (تحفة النظار ص 185)

انظر كذلك‏

( Levi Provencal: Le Voyage d, Ibn Battuta dans le royaume de Grenada) 1631 )- Melanges Wiliam Marcais) Paris 1691 (P. 812

انظر كذلك‏

( Garcia G? mez: El Parang? n entre Malaga y Sale p. 491 y Nota. Op. Cit. )

66

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

67

الرسالة الثالثة كتاب معيار الاختبار في ذكر المعاهد و الديار

المجلس الأول‏

الحمد لله الذي انفردت صفاته بالاشتمال على أشتات الكمال، و الاستقلال بأعباء الجلال المنزّه عن احتلال الحلال، المتّصفة الخلال بالاختلال، المعتمد بالسؤال لصلة النوال، جاعل الأرض كسكّانها متغايرة الأحوال، باختلاف العروض و الأطوال، متّصفة بالمحاسن و المقابح عند اعتبار الهيئات و الأوضاع و الصنائع و الأعمال على التفصيل و الإجمال. فمن قام خيره بشرّه تحت خطّة الاعتدال، و من قصر خيره عن شرّه كان أهلا للاستعاضة و الاستبدال و من أربى خيره على شرّه وجب إليه شدّ الرحال، و التمس بقصده صلاح الحال. و كثيرا ما اغتبط الناس بأوطانهم فحصلوا في الجبال على دعة البال و فازوا في الرمال بالآمال، حكمة منه في اعتمار ربع الشمال، و تفي‏ء أكنافه عن اليمين و الشمال إلى أن يدعو أهل الأرض لموقف العرض و السؤال، و يذهل عن الأهل عظيم الأهوال. و الصلاة على سيّدنا و مولانا محمّد المصطفى الذي أنقذ بدعوته الوارفة الظلال من ظلمات الضلال، و جاء يرفع الأغلال، و تمييز الحرام من الحلال، و الرضى عمّن له من الصحب و الآل موارد الصدق عند كذب الآل.

أما بعد، ساعدك السعد، و لان لك الجعد، فإن الإنسان و إن اتّصف بالإحسان و إبانة اللسان، لما كان بعضه لبعض فقيرا، نبيها كان أو حقيرا، إذ مؤنته التي تصلح بها حاله، لا يسعها انتحاله، لزم اجتماعه و ائتلافه على‏

68

سياسة يؤمن معها اختلافه، و اتخاذ مدينة يقرّ بها قراره، و يتوجّه إليها ركونه و فراره، إذا رابه أضراره، و يختزن بها أقواته التي بها حياته، و يحاول منها معاشه الذي به انتعاشه. فإن كان اتخاذها جزافا و اتفاقا، و اجتزاء ببعض المآرب و ارتفاقا، تجاول شرّها و خيرها، و تعارض نفعها و ضيرها، و فضلها في الغالب غيرها، و إن كان عن اختيار، و تحكيم معيار، و تأسيس حكيم، و تفويض للعقل و تحكيم، تنافر إلى حكمها النفر، و أعمل السفر، و كانت مساوئها بالنسبة إلى محاسنها تغتفر، إذ وجود الكمال فاضح للآمال، و لله درّ القائل:

و من ذا الذي ترضى سجاياه كلّها* * * كفى المرء فضلا أن تعدّ معايبه‏

و بحسب ذلك حدّث من يعنى بالأخبار ينقلها، و الحكم يصقلها، و الأسمار ينتقيها، و الآثار يخلدها و يبقيها، و المجالس يأخذ صدورها، و الآفاق يشيم شموسها و بدورها، و الحلل يعرف دورها و يأكل قدورها، و الطرف يهديها، و الخفيّات يبديها، و قد جرى ذكر البلدان، و ذكر القاصي والدان، و مزايا الأماكن، و خصائص المنازل و المساكن، و المقابح و المحاسن، و الطّيب و الآسن.

قال: ضمّني الليل و قد سدل المسح راهبه، و انتهت قرصة الشمس من يد الأمس ناهبه، و دلفت جيوشه الحبشيّة و كتائبه، و فتحت الأزهار بشطّ المجرّة كواكبه، و جنحت الطيور إلى وكونها، و انتشرت الطوّافات بعد سكونها، و عوت الذئاب فوق هضابها، و لوحت البروق ببيض عضابها و باهت الكفّ الخضيب بخضابها، و تسللت اللصوص لانتهاز فرصها، و خرجت الليوث إلى قسمها و حصصها، في مناخ رحب المنطلق، وثيق الغلق، سامي السور كفيل بحفظ الميسور، يأمن به الذعر خائفه، و تدفع معرّة السماء سقائفه. يشتمل على مأوى الطريد، و محراب المريد، و مرابط خيل البريد، و مكاسع الشيطان المريد، ذي قيّم كثير البشاشة، لطيف الحشاشة، قانع بالمشاشة (339)، يروّج و يشي، و يقف على ريب الأعيان و أعيان‏

____________

(339) المشاشة: رأس العظم اللين، يريد أن يقول إن صاحب هذا الخان رجل غير طمّاع يقنع بالقليل.

69

الريب فلا يشي. برّ فأكثر، و مهّد و وثّر، و أدفأ و دثّر، و رقّى بسور استنزاله فأثّر. فلمّا أزحت الكلفة و أقضمت جوادي العلفة، و أعجبتني من رفقاء الرفق الألفة، رمقت في بعض السقائف آمنا في زيّ خائف، و شيخا طاف منه بالأرض طائف، و سكن حتى اليمامة و الطائف، جنيب عكّاز و مثير شيب أثيث الوفرة، و قسي ضلوع تؤثّر بالزفرة، حكم له بياض الشيبة بالهيبة، و قد دار بذراعه للسبحة الرقطاء حنش، كما اختلط روم و حبش، و الى يمينه دلو فاهق، و عن يساره تلميذ مراهق، و أمامه حمار ناهق، و هو يقول:

هم أسكنونا في ظلال بيوتهم‏* * * ظلال بيوت أدفأت و أكنّت‏

أبوا أن يملّونا ولو أن أمّنا* * * تلاقي الذي يلقون منا لملّت‏

حتى إذا اطمأن حلوله، و أصحب ذلوله، و تردّد إلى قيّم الخان زغلوله، و استكبر لما جاءه بما يهواه رسوله، استجمع قوّته و احتشد، و رفع عقيرته و أنشد:

أشكو إلى الله ذهاب الشباب‏* * * كم حسرة أورثني و اكتئاب‏

سدّ عن اللذات باب الصبا* * * فزارت الأشجان من كل باب‏

و غربة طالت فما تنتهي‏* * * موصولة اليوم بيوم الحساب‏

و شرّ نفس كلّما هملجت‏* * * في الغي لم تقبل خطام المتاب‏

يا رب شفّع في شيبي و لا* * * تحرمني الزّلفى و حسن المآب‏

ثم أنّ، و الليل قد جنّ، فلم يبق في القوم إلا من أشفق و حنّ، و قال و قد هزّته أريحيّة، على الدنيا سلام و تحيّة، فلقد نلنا الأوطار و ركبنا الأخطار، و أبعدنا المطار و افترقنا الأقطار، و حلبنا الأشطار. فقال فتاه، و قد افترّت عن الدرّ شفتاه، مستثيرا لشجونه، و مطلعا لنجوم همّه من دجونه، و مدلا عليه بمجونه. و ماذا بلغ الشيخ من أمدها أو رفع من عمدها حتى يقضى منه عجب، أو يجلى منه محتجب؟ فأخذته حميّة الحفاظ لهذه الألفاظ، و قال أي بنيّ، مثلي من الأقطاب، يخاطب بهذا الخطاب!! و أيم الله لقد عقدت الحلق، و لبست من الدهر الجديد و الخلق، و فككت الغلق، و أبعدت في الصبوة الطلق، و خضت المنون، و صدت الضبّ و النون، و حذقت‏

70

الفنون، و قهرت بعد سليمان الجنون، و قضيت الديون، و مرضت لمرض العيون و ركبت الهمالج، و توسّدت الوذائل‏ (340) و الدمالج، و ركضت الفاره، و اقتحمت المهالك و المكاره، و جبت البلاد، و حضرت الجلاد و أقمت الفصح و الميلاد، فعدت من بلاد الهند و الصين بالعقل الرصين، و حذقت بدار قسطنطين كتاب اللطين‏ (341) و دست مدارس أصحاب الرّواق و رأيت غار الأرواح و شجر الوقواق، و شريت حلل اليمن بأبخس ثمن، و حللت من عدن، حلول الروح من البدن، و نظرت إلى قرن الغزالة إذا شدن، و أزمعت عن العراقين سرى القين، و شربت من ماء الرافدين باليدين، و صلّيت بمحراب الدمنى ركعين، و تركت الأثر للعين، و وقفت حيث وقف الحكمان‏ (342)، و تقابل التركمان، و أخذت بالقدس، عن الحبر الندس، و ركبت الولايا إلى بلاد العلايا بعد أن طفت بالبيت الشريف، و حصلت بطيبة على الخصب و الريف في فصل الخريف، و قرأت بإخميم علم التصريف، و أسرعت في الانحطاط إلى الفسطاط و المصر الرحب الاختطاط، و سكنت مدينة الإسكندرية ثغر الرباط، و عجلت بالمرور إلى تكرور، فبعت الظل بالحرور، و وقفت بإسبانية إلى الهيكل المزور، و حصلت بأفريقية على الرفد غير المنزور، و انحدرت إلى المغرب انحدار الشمس إلى المغرب، و صمّمت تصميم الحسام الماضي المضرب، و رابطت بالأندلس ثغر الإسلام، و أعلمت بها تحت ظلال الأعلام. فآها و الله على عمر مضى و خلّف مضضا، و زمن انقضى و شمل قضى الله من تفرقة ما قضى، ثم أجهش ببكائه، و أعلن باشتكائه و أنشد:

لبسنا فلم نبل الزمان و أبلانا* * * يتابع أخرانا على الغيّ أولانا

و نغترّ بالآمال و العمر ينقضي‏* * * فما كان بالرجعى إلى الله أولانا

____________

(340) كذا في الأصل‏

(341) يقصد اللغة اللاتينية

(342) الحكمان هما أبو موسى الأشعري و عمرو بن العاص، أثناء النزاع بين علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان.

71

فماذا عسى أن ينظر الدهر ما عسى‏* * * فما انقاد للزجر الحثيث و لا لانا

جزينا صنيع الله شرّ جزائه‏* * * فلم نرع ما من سابق الفضل أولانا

فيا ربّ عاملنا بما أنت أهله‏* * * من العفو واجبر صدعنا أنت مولانا

ثم قال:

لقد مات أخواني الصالحون‏* * * فما لي صديق و لا لي عماد

إذا أقبل الصبح ولىّ السرور* * * و إن أقبل الليل ولىّ الرقاد

فتملكتني له رقّة، و هزّة للتماسك مسترقة، فهجمت على مضجعه هجوما أنكره، و راع شاءه و عكره، و غطّى بفضل ردنه سكّره، فقلت له على رسلك أيها الشيخ، ناب حنّت إلى حوار، و غريب أنس بجوار، و حائر اهتدى بمنار، و مقرور قصد إلى ضوء نار، و طارق لا يفضح عيبا، و لا يثلم غيبا، و لا يهمل شيبا، و لا يمنع سببا. و منتاب يكسو الحلّة، و يحسن الخلّة، و يفرغ الغلّة، و يملأ القلّة:

أجارتنا إنا غريبان هاهنا* * * و كلّ غريب للغريب نسيب‏

فلمّا وقم الهواجس و كبتها، و تأمّل المخيلة و استثبتها، تبسّم لما توسّم، و سمح بعد ما جمح، فهاج عقيما فتر، و وصل ما بتر و أظهر ما خبّأ تحت ثوبه و ستر، و ماج منه البحر الزاخر، و أتى بما لا تستطيعه الأوائل و لا الأواخر.

و قال و قد ركض الفنون و أجالها، و عدّد الحكم و رجالها، و فجّر للأحاديث أنهارها و ذكر البلدان و أخبارها.

لقد سئمت مآربي‏* * * فكأنّ أطيبها خبيث‏

إلا الحديث فإنه مثل اسمه أبدا حديث‏

فلما ذهب الخجل و الوجل، و طال المرويّ و المرتجل، و توسّط الواقع و تشوّفت للنجوم المواقع، و توردت الخدود الفواقع، قلت أيها الحبر، و اللج الذي لا يناله السّبر، لا حجبك قبل عمر النهاية القبر، و أعقب كسر أعداد عمرك المقابلة بالقبول و الجبر، كأنّا بالليل قد أظهر لوشك الرحيل الهلع، و الغرب الجشع لنجومه قد ابتلع، و مفرّق الأحباب و هو الصبح قد طلع، فأولني عارفة من معارفك أقتنيها، و اهزز لي أفنان حكمك أجتنيها. فقال‏

72

أمل ميسّر، و مجمل يحتاج أن يفسر، فأوضح الملغز، و أبن لي الطلا من البرغز، و سل عمّا بدا لك فهو أجدى لك، فأقسم لا تسألني عن غامض، و حلو و حامض، إلا أوسعته علما و بيانا، و أريتك الحق عيانا. قلت صف لي البلاد وصفا لا يظلم مثقالا، و لا يعمل في الصدق و خدا و لا إرقالا (343)، و إذا قلتم فاعدلوا و من أصدق من الله مقالا. فقال سل و لا تسل ولو راعك الأسل. قلت أنقض لي البلاد الأندلسية من أطرافها، و ميّز بميزان الحق بين اعتدالها و انحرافها، ثم اتلها بالبلاد المرينية نسقا، و اجل بنور بيانك غسقا وهات ما تقول في جبل الفتح‏ (344).

قال فاتحة الكتاب من مصحف ذلك الإقليم، و لطيفه السميع العليم، و قصص المهارق، و أفق البارق، و متحف هذا الوطن المباين للأرض المفارق.

مأهل العقيق و بارق، و محطّ طارقها بالفتح طارق، إرم البلاد التي لم يخلق مثله فيها، و ذا المناقب التي لا تحصرها الألسنة و لا توفيها حجزه البحر حتى لم يبق إلا خصر، فلا يناله من غير تلك الفرصة ضيق و لا حصر. و أطلّ بأعلاه قصر، و أظله فتح من الله و نصر، ساوق سوره البحر فأعياه، قد تهلل بالكلس محيّاه، و استقبل الثغر الغريب فحيّاه، و أطرد صنع الله فيه من عدو يكفيه، و لطف يخفيه، وداء عضال يشفيه، فهو خلوة العبّاد و مقام العاكف و الباد، و مسلحة من وراءه من العباد، و شقّة القلوب المسلمة و الأكباد. هواؤه صحيح، و ثراه بالخزين شحيح، و تجر الرباط فيه ربيح،

____________

(343) الوخد و الإرقال السير السريع‏

(344) جبل الفتح هو جبل طارق بن زياد و هو يسمّى اليوم.Gibraltar و هذا الجبل كان يطلق عليه قبل الفتح الإسلامي أسماء عديدة أهمّها الاسم الفينيقي‏Calpe و معناه تجويف، إذ كان هذا الاسم يطلق أصلا على مغارة كبيرة في هذا الجبل عرفت فيما بعد باسم مغارة القدّيس ميخائيل.San Miguel و بعد الفتح الإسلامي عرف هذا الجبل باسم الصخرة و جبل الفتح كما عرف أيضا بجبل طارق و هو الاسم المعروف به حتى اليوم. و مضيق جبل طارق أو بحر الزقاق، ذراع ضيّق من الماء يبلغ عرضه في أضيق جهاته حوالي 15 ك. م و هي مسافة لا وزن لها من ناحية الانتشار العسكري بين الشاطئين الإفريقي و الإسباني. و من هنا نشأ صراع تقليدي مستمر بين الشاطئ الأوروبي و الشاطئ الإفريقي حول السيطرة على هذا المضيق، منذ أقدم العصور حتى وقتنا الحاضر انظر(Jose Carlos de Luna :Historia de Gibraltar) راجع كذلك ما كتبه زيبولدSeybold من هذا الموضوع في‏(Ene .IsI .II P .971 .081)

73

و حماه للمال و الحريم غير مبيح، و وصفه الحسن لا يشان بتقبيح، إلا أنه و الله يقيه ممّا يتّقيه، بعيد الأقطار، ممار بالقطار (345) كثير الرياح و الأمطار، مكتنف بالرمل المخلف، و الجوار المتلف، قليل المرافق معدوم المشاكل و المرافق، هزل الكراع لعدم الازدراع، حاسر الذراع للقراع، مرتزق من ظل الشراع، كورة دبر (346) و معتكف أزل و صبر، و ساكنه حي في قبر.

هو الباب إن كان التزاور و اللقيا* * * و غوث و غيث للصريخ و للسقيا

فإن تطرق الأيام فيه بحادث‏* * * و أعزز به قلنا السلام على الدنيا

قلت فأسطبّونة (347) قال ذهب رسمها، و بقي اسمها، و كانت مظنّة النعم الغزيرة، قبل حادث الجزيرة.

قلت فمربلّة (348)، قال بلد التأذين على السردين، و محلّ الدعاء و التامين، لمطعم الحوت‏ (349) السمين. وحدقاتها مغرس العنب العديم القرين، إلى قبّة أرين. قلت إن مرساها غير أمين، و عقارها غير ثمين، و معقلها تركبه الأرض عن شمال و يمين.

قلت فسهيل‏ (350)، قال حصن حصين، يضيق عن مثله هند وصين،

____________

(345) القطار و القطور، السحاب الكثير القطر أي المطر

(346) في نسخة أخرى حبر، و الدبر جماعة النحل و الزنابير

(347) اسطبونه‏Estepona بلدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط غرب مدينة مالقة.

(348) مربلة،Marabella ، تقع على ساحل البحر المتوسط أيضا على مسافة 60 ك. م غربي مالقه.

(349) الحوت اصطلاح مغربي يعني السمك بوجه عام، و لا يزال مستعملا إلى اليوم.

(350) سهيل، ميناء على البحر المتوسط يسمّى اليوم‏Fuengirola و يقع على مسافة 28 ك. م شرقي مربله. و هناك جبل عال يزعم أهل تلك الناحية أن النجم سهيل كان يرى من أعلاه و لذلك سمّاه العرب بهذا الاسم. و قد زار الرحّالة الطنجي المعروف بابن بطوطه هذه المنطقة في القرن الثامن الهجري أي في أيام ابن الخطيب، و أعطانا وصفا يبيّن خطورة هذا الموقع، يقول: و مربله بليدة حسنة خصبة، و وجدت بها جماعة من الفرسان متوجّهين إلى مالقه، فأردت التوجّه في صحبتهم، ثم إن اللّه تعالى عصمني بفضله، فتوجّهوا قبلي فأسروا في الطريق كما سنذكره و خرجت في أثرهم، فأمّا جاوزت حوز مربله و دخلت في حوز سهيل، مررت بفرس ميت في بعض الخنادق، ثم مررت بقفّة حوت (اصطلاح مغربي يعني سمك بوجه عام) مطروحة بالأرض، فرابني ذلك، كان أمامي برج الناظور فقلت في نفسي، لو ظهر هنا عدو لأنذر به صاحب البرج، ثم تقدمت إلى دار هنالك فوجدت عليه فرسا

74

و يقضي بفضله كل ذي عقل رصين، سبب عزّه متين، و مادة قوته شعير و تين قد علم أهله مشربهم، و أمنوا مهربهم، و أسهلت بين يديه قراه، مائلة بحيث تراه، و جاد بالسمك واديه، و بالحب ثراه، و عرف شأنه بأرض النوب، و منه يظهر سهيل من كواكب الجنوب، إلا أن سواحله بلّ‏ (351) الغارة البحرية، و مهبط السرية غير السرية، الخليقة بالحذر الحريّة، و مسرح السائمة الأميرية، و خدّامها كما علمت أولئك هم شرّ البرية.

قلت فمدينة مالقة (352)، فقال: و ما أقول في الدرّة الوسيطة، و فردوس‏

____________

- مقتولا. فبينما أنا هنالك إذ سمعت الصياح من خلفي. و كنت قد تقدمت أصحابي فعدت إليهم، فوجدت معهم قائد حصن سهيل فأعلمني أن أربعة أجفان للعدو ظهرت هنالك، و نزل بعض عمارتها إلى البر، و لم يكن الناظور بالبرج فمرّ بهم الفرسان الخارجون من مربله و كانوا اثني عشر، فقتل النصارى أحدهم و فرّ واحد و أسر العشرة و قتل معهم رجل حوات و هو الذي وجدت قفته مطروحة بالأرض. و أشار على ذلك القائد بالمبيت معه في موضعه ليوصلني منه إلى مالقه، فبتّ عنده بحصن الرابط المنسوبة إلى سهيل و الأجفان المذكورة مرساة عليه، و ركب معي بالغد فوصلنا إلى مدينة مالقه. راجع (رحلة ابن بطوطه المسمّاة تحفة النظار في غرائب الأمصار، ج 2، ص 185)

(351) في نسخ أخرى تقرأ فل أو جل‏

(352) مالقةMalaca مدينة ساحلية معروفة بجنوب شرق الأندلس أسسها الفينيقيون عام 1200 ق. م و أعطوها اسم‏Malaca و معناه المملح و ذلك نسبة إلى مستودعات الأسماك المملحة التي كانت تعمل و تحفظ فيها. و اشتهرت مالقه إلى جانب ذلك بزراعة الفواكه الممتازة لا سيما التين و الرمان كما اشتهرت بصناعة الفخارCeramic أما من الناحية السياسية فكانت عاصمة الحموديين الأدراسة أيام ملوك الطوائف كما كانت تعتبر العاصمة الثانية بعد مدينة غرناطة أيام ملوك بني الأحمر. و قد كتب عنها كثير من الكتاب المسلمين و على رأسهم لسان الدين بن الخطيب كما سبق أن بينا نقتصر الآن على ما ذكره عنها ابن بطوطة باعتباره معاصرا لابن الخطيب يقول: (فوصلنا مدينة مالقه إحدى قواعد الأندلس و بلادها الحسان، جامعة بين مرافق البر و البحر كثيرة الخيرات و الفواكه. رأيت العنب يباع في أسواقها بحساب ثمانية أرطال بدرهم صغير، و رمانها المرسى الياقوتي لا نظير له في الدنيا. و أما التين و اللوز فيجلبان منها و من أحوازها إلى بلاد المشرق و المغرب ... و بمالقه يصنع الفخار المذهب العجيب، و يجب منها إلى أقاصي البلاد. و مسجدها كبير الساحة، شهير البركة، و صحنه لا نظير له في الحسن، فيه أشجار النارنج البعيدة، و لما دخلت مالقه، وجدت قاضيها أبا عبد الله ... الطنجالي قاعدا لجامع الأعظم و معه الفقهاء و وجوده الناس يجمعون مالا برسم الأسارى الذي تقدم ذكرهم، فقلت و الحمد لله الذي عافاني و لم يجعلني منهم و أخبرته بما اتفق لي بعدهم فعجب من ذلك و بعث إلى بالضيافة (رحمه الله)). انظر (رحلة ابن بطوطه ج 2، ص 186- 187) راجع كذلك ما كتبه ابن سعيد المغربي في وصف مالقة (المقري: نفح الطيب‏

75

هذه البسيطة، أشهد لو كانت سورة لقرنت بها حذقة (353) الإطعام، أو يوما لكانت عيدا في الأيّام تبعث لها بالسلام مدينة السلام، و تلقى لها يد الاستسلام، محاسن بلاد الإسلام. أي دار، و قطب مدار، و هالة إبدار، و كنز تحت جدار، قصبتها مضاعفة الأسوار، مصاحبة السنين محالفة للأدوار، قد برزت في أكمل الأوضاع و أجمل الأطوار، كرسيّ ملك عتيق و مدرج مسك فتيق، و إيوان أكاسره، و مرقب عقاب كاسره، و مجلى فاتنة خاسره، وصفقة غير خاسره، فحماها منيع حريز، و ديوانها ذهب إبريز، و مذهب فخارها له على الأماكن تبريز، إلى مدينة تبريز، و حلل ديباجها البدائع ذات تطريز. اضطبنت دار الأسطول، و ساوقت البحر بالطول، و أسندت إلى جبل الرحمة ظهرها، و استقبلت ملعبها و نهرها، و نشقت وردها الأرج و زهرها، و عرفت قدرها، فأعلت مهرها، و فتحت جفنها على الجفن غير الغضيض، و العالم الثاني ما بين الأوج إلى الحضيض. دار العجائب المصنوعة، و الفواكه غير المقطوعة و لا الممنوعة، حيث الأواني تلقي لها يد الغلب، صنائع حلب، و الحلل التي تلحّ صنعاء فيها بالطلب، و تدعو إلى الجلب، إلى الدست الرهيف ذي الورق الهيف. و كفى برمّانها حقاق ياقوت، و أمير قوت، و زائرا غير ممقوت. إلى المؤاساة، و تعدد الأساة، و إطعام الجائع و المساهمة في الفجائع، و أي خلق أسرى من استخلاص الأسرى، تبرز منهم المخدّرة حسري، سامحة بسواريها و لو كانا سواري كسرى، إلى المقبرة التي تسرح بها العين، و يستهان في ترويض روضاتها العين. إلى غللها (354) المحكمة البنيان، الماثلة كنجوم السماء للعيان، و افتراض سكناها أو أن العصير على الأعيان، و وفور أولي المعارف و الأديان.

و أحسن الشعر مما أنت قائله‏* * * بيت يقال إذا أنشدته صدقا

____________

- ج 1، ص 186) و الحميري في الروض المعطار ص 177- 179، و ياقوت في معجم البلدان ص 367) انظر كذلك‏(Guillen Robles :Malaga musulmana) و ما كتبه ليفي برفنسال عن هذه المدينة في‏(Enc .ISl .p .991 -002)

(353) الحذقة هي الاحتفال بإتمام الصبي قراءة القرآن‏

(354) لعل الغلل هنا المباني الريفية التي يلجأ إليها الأهالي لجمع العنب‏

76

و على ذلك فطينها يشقى به قطينها، و أزبالها تحيّى بها سبالها، و سروبها يستملّ منها مشروبها. فسحنها (355) متغيّرة، و كواكب أذهانها النيّرة متحيّرة، و أقطارها جدّ شاسعة، و أزقّتها حرجة غير واسعة، و آبارها تفسدها أزفارها و طعامها لا يقبل الاختزان، و لا يحفظ الوزان، و فقيرها لا يفارق الأحزان، غير القسط أصواتها، و أرحيتها تطرقها النوائب، و تصيب أهدافها السهام الصوائب، و تعد لها الجنائب‏ (356)، و تستخدم فيها الصّبا و الجنائب‏ (357) و ديارها الآهلة قد صمّ بالنزائل صداها، و أضحت بلاقع بما كسبت يداها، و عين أعيانها أثر، و رسم مجادتها قد دثر، و الدهر لا يقول لعا لمن عثر، و لا ينظم شملا اذا انتثر. و كيف لا يتعلّق الذام ببلد يكثر به الجذام، محلّة بلواه آهله، و النفوس بمعرّة عدواه جاهله.

ثم تبسّم عند انشراح صدر، و ذكر قصّة الزبرقان بن بدر: (358)

تقول هذا مجاج النحل تمدحه‏* * * و إن ذممت فقل قي‏ء الزنابير

مدح و ذم و عين الشي‏ء واحدة* * * إن البيان يري الظلماء في النور

فبليّش‏ (359) قال حادها المطر الصّيّب، فنعم البلد الطيّب، حلى و نحر و برّ و لوز و تين، و سبب من الأمن متين، و بلد أمين، و عقار ثمين، و فواكه عن شمال و يمين، و فلاحة مدعى انجابها لا يمين، إلا أن التشاجر بها أنمى‏

____________

(355) في نسخ أخرى كتبت: فساحاتها، فسخمها

(356) الجنائب هنا بمعنى الدواب‏

(357) الصبا و الجنائب بمعنى رياح الشمال و الجنوب‏

(358) هذا الشعر كتبه سيمونيت على شكل نثر راجع‏(Simonet :Op .cit .p .7)

(359) بليش، تحريف لكلمة اللاتينيةVallis بمعنى وادي، و تسمّى الآن‏Velez و تقع في غرب مالقه بنحو 34 ك. م و قد وصفها ابن بطوطه بقوله: و هي مدينة حسنة، بها مسجد عجيب، و فيها الأعناب و الفواكه و التين مثل مالقه (رحلة ابن بطوطة، ج 2، ص 187). و نظرا لأن اسم بليش قد أطلق على أماكن أندلسية أخرى، فقد سمّيت هذه البلدة باسم‏Velez Malaga لجوارها مدينة مالقه. و سنرى في الصفحات القليلة القادمة أن ابن الخطيب يعيد ذكر بليش مرة أخرى، و هو في الواقع يقصد بلدة أخرى بهذا الاسم تعرف اليوم باسم‏Velez Rubio و تقع بجوار مدينة لورقه. راجع‏

( F. Simonet: Deacripcion del reino de Granada p. p. 39, 111 )

77

من الشجر، و القلوب أقسى من الحجر، و نفوس أهلها بيّنة الحسد و الضجر و شأنها غيبة و نميمة، و خبيث مائها على ما سوّغ الله من آلائها تميمة.

قلت فقمارش‏ (360)، قال مودع الوفر، و محطّ السفر، و مزاحم الفرقد و الغفر، حيث الماء المعين، و القوت المعين، لا يخامر قلب الثائر به خطرة وجله، إلا من أجله، طالما فزعت إليه نفوس الملوك الأخائر بالذخائر، و شقّت عليه أكياس المرائر في الضرائر و به الأعناب التي راق بها الجناب، و الزياتين و اللوز و التين، و الحرث الذي له التمكين، و المكان المكين، إلا أنه عدم سهله، و عظم جهله، فلا يصلح فيه إلا أهله.

قلت فالمنكّب‏ (361)، قال مرفأ السفن و محطّها، و منزل عباد المسيح و مختطّها. بلدة معقلها منيع، و بردها صنيع، و محاسنها غير ذات تقنيع.

القصر المفتّح الطيقان، المحكم الاتقان، و المسجد المشرف المكان، و الأثر المنبئ عن كان و كان، كأنه مبرد واقف، أو عمود في يد مثاقف، قد أخذ من الدهر الأمان، تشبّه بصرح هامان، و أرهفت جوانبه بالصخر المنحوت، و كاد أن يصل ما بين الحوت و الحوت‏ (362) غصّت بقصب السكر أرضها، و استوعب فيها طولها و عرضها زبيبها فائق، و جنابها رائق.

و قد متّ إليها جبل الشوار (363) بنسب الجوار، منشأ الأسطول، فوعدها

____________

(360) قمارش: و تسمى الآن‏Comares و تقع بالقرب من مدينة غرناطة و كانت تعد من الحصون القوية الهامة في مملكة غرناطه‏

(361) المنكب: يبدو انه اسم عربي بمعنى الحصن المرتفع و يسمّى اليوم‏Almunecar أما الاسم القديم لهذا المكان فهوSexi و هو مرفأ ساحلي مرتفع في جنوب شرق الأندلس بمقاطعة غرناطة. و بهذا المرسى نزل الأمير عبد الرحمن بن معاوية عند دخوله الأندلس في ربيع الأول سنة 138 ه (سبتمبر 755 م) و قد لقّب عبد الرحمن بعد ذلك بالداخل. راجع ما كتبه الإدريسي عن هذه البلدة و آثارها في كتابه (نزهة المشتاق ص 199، تشر دوزي، دي خويه 1866) راجع كذلك (الروض المعطار ص 186)

(362) الحوت الأول بمعنى السمك و الحوت الثانية بمعنى نجم و المعنى هنا مجازي يريد أن يصور عظم ارتفاع هذا القصر.

(363) لعله يريد بجبل الشوار، جبل شلير و هو تحريف للاسم اللاتيني القديم‏Solorius أوMons Solarius أي جبل الشمس و ذلك لشدة لمعانه نتيجة لانعكاس أشعة الشمس على قممه المغطّاة بالثلوج الناصعة صيفا و شتاء. و يعرف هذا الجبل اليوم باسم سييرا نيفاداSierra Nevada أي الجبال المثلجة. انظر (الروض المعطار ص 112) انظر كذلك‏(Simonet ,OP .cit .p 74)

78

غير ممطول، و أمده لا يحتاج إلى الطول. إلا أن أسمها مظنة طيرة تستنف‏ (364)، فالتنكيب عنها يؤتنف، و طريقها يمنع شرّ سلوكها، من تردّد ملوكها و هواؤها فاسد، و وباؤها مستأسد، و جارها حاسد. فإذا التهبت السماء، و تغيّرت بالسمائم المسمّيات و الأسماء، فأهلها من أجداث بيوتهم يخرجون، و إلى جبالها يعرجون، و الودك‏ (365) إليها مجلوب، و القمح بين أهلها مقلوب، و الصبر إن لم يبعثه البحر مغلوب، و الحرباء بعرائها مصلوب، و الحرّ بدم الغريب مطلوب.

قلت فشلوبانية (366)، قال أختها الصغرى، ولدتها التي يشغل بها المسافر و يغرى، حصانة معقل، و مرقب متوقّل، و غاية طائر، و ممتنع ثائر، و متنزّه زائر. تركب بدنها الجداول المرفوعة، و تخترق جهاتها المذانب المفردة و المشفوعة. ففي المصيف تلعب بالمعقل الحصيف، و في الخريف، تسفر عن الخصب و الريف. و حوت هذه السواحل أغزر من رمله، تغدو القوافل إلى البلاد تحمله. إلى الخضر الباكرة، و النعم الحامدة للرّبّ الشاكرة.

و كفى بمترايل‏ (367) من بسيطها محلّة مشهورة، و عقيلة مبهورة، و وداعة في السهل غير مبهورة. جامعها حافل، و في حلّة الحسن رافل، إلا أن أرضها مستخلص السلطان بين الأوطان، و رعيتها عديمة الأعيان، مروعة على الأحيان. و تختصّ شلوبانية بمزية البنيان، لكنها غاب الحميّات، غير أمينة على الاقتيات، و لا وسيمة الفتيان و الفتيات.

____________

(364) لعلها تشتنف: و شنف إليه شنفا نظر إليه كالكاره له و المعترض عليه‏

(365) الودك: الدسم من اللحم و الشحم‏

(366) شلوبانيه أو سلوبينيه و هو تحريف للاسم القديم‏Salambina و تسمى الآن‏Salobrena و تقع على ساحل البحر المتوسط على مسافة قدرها 16 ك م شرقي المنكب. و إلى هذه المدينة ينسب العالم النحوي المعروف أبو علي الشلوبين. و أخباره موجودة في مراجع عديدة ذكرها ليفي بروفنسال في كتاب الروض المعطار ص 136 حاشية 3

(367) مترايل و هي الآن‏Motril و تبعد عن مدينة غرناطة بنحو 74 ك م من ناحية الساحل شرقا.

و هي لغاية الآن تعتبر من أهم بلاد غرناطة، و مركز هام للمواصلات وزراعة قصب السكر.

و قد أشار ابن الخطيب في المتن إلى أن أراضيها كانت من مستخلصات السلطان أي من ممتلكاته الخاصة.

79

قلت فبرجة (368) قال تصحيف و تحريف، و تغيير في تعريف. ما هي إلا بهجة ناظر، و شرك خاطر، و نسيجه عارض ماطر، و دارين‏

كأن تريكة من ماء مزن‏* * * و داري الذكي من المدام‏

(369) نفس عاطر.

عقارها ثمين، و حرمها أمين، و حسنها باد و كمين. عقود أعنابها قد قرطت آذان الميس‏ (370) و الحور (371)، و عقائل أدواحها مبتسمة عن ثغور النّور، و بسيطها متواضع عن النجد، مرتفع عن الغور. و عينها سلسالة، و سنابك المذانب منها مسالة، تحمل إلى كل جهة رسالة. و دورها في العراء مبثوثة، و ركائب النواسم بينها محثوثة. لا تشكو بضيق الجوار، و استكشاف العوار، و تزاحم الزوّار. مياه و ظلال، و سحر حلال، و خلق دمث كثراها، و محاسن متعدّدة كقراها، و لطافة كنواسمها عند مسراها، و أعيان و وجوه نجل العيون بيض الوجوه. غلّتهم الحرير، و مجادتهم غنية عن التقرير، إلا أن متبوأها بسيط مطروق، و قاعدتها فروق، و وتدها مفروق، و معقلها خرب، كأنه أحدب جرب، إن لم ينقل إليه الماء، برح به الظماء، و لله درّ صاحبنا إذ يقول:

يا بسيطا بمعاني برجة* * * أصبح الحسن به مشتهرا

لا تحرك بفخار مقولا* * * فلقد ألقمت منها حجرا

و البرّ بها نزر الوجود، و اللحم تلوه و هما طيّبتا الوجود، و الحرف بها ذاوية العود، و المسلك إليها بعيد الصعود.

قلت فدلاية (372)، قال خير رعاية و ولاية، حرير ترفع عن الثمن،

____________

(368) برجه و كانت تسمى قديماVirgi و تسمى اليوم‏Berja و تقع في إقليم المرية بشرق الأندلس‏

(369) دارين: فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند فينسب إليها. و النسبة إليها داري. قال الفرزدق:

كأن تريكة من ماء مزن‏* * * و داري الذكي من المدام‏

انظر (مراصد الاطلاع ج 2، ص 509).

(370) الميس بفتح الميم شجر عظيم يتّخذ منه الرحال. و هو يقرب إلى الجوز الرومي إلا أن ورقه أرق و أصفر له حب أسود أكبر من الفلفل. و الميسة ضرب من الكروم ينهض على ساق.

(371) الحور بتسكين الواو نوع من الشجر أيضا

(372) دلاية و تسمى الآن‏Dalias ، و هي قرية في ولاية المريه، و تقع في جنوب شرق برجه بنحو تسعة كيلو مترات.

80

و ملح يستفاد على الزمن، و مسرح معروف، و أرض ينبت بها جبن و خروف، إلا أنها لسرايا العدو البحري مجرّ العوالي، و محل الفتكات على التوالي.

فطريقها هوى و مشاهد، و العارف في مثلها زاهد.

قلت فمدينة المريّة (373) قال المرية، هنية مرية، بحريّة بريّة، أصلية سرية، معقل الشموخ و الإباية، و معدن المال و عنصر الجباية، و حبوة (374) الأسطول غير المعلّل بالنصر و لا الممطول، و محطّ التجار، و كرم النجار، و رعى الجار. ما شئت من أخلاق معسولة، و سيوف من الجفون السود مسلولة، و تكك محلولة، و حضارة تعبق طيبا، و وجوه لا تعرف تقطيبا، و لم تزل مع الظرف دار نسّاك، و خلوة اعتكاف و إمساك. أرغم أهلها أنف الصليب لما عجم منها بالعود الصليب، و أنف لامها و ألفها حكم التغليب، فأنقلب منها آيسا (375) عند التقليب:

____________

- راجع (الروض المعطار (الترجمة الفرنسية) ص 56) انظر كذلك:

( M. Asin Palacios: Contribucion a la toponimia arabe de Espana p 401 )

(373) راجع ما قلناه في صفحة (30) حاشية (1)

(374) الحبوة بضم الحاء أو فتحها، ما يحتبى به الرجل من عمامة أو ثوب أو سيف ليستند عليه إذ لم يكن للعرب في البوادي جدران تستند إليها في مجالسها و المراد هنا القاعدة التي يرسو فيها الأسطول.

(375) يشير ابن الخطيب بهذه العبارة إلى المؤامرة الكبرى التي تمت سرا بين مملكتي قشتالة و أراجون على غزو مملكة غرناطة المسلمة في وقت واحد في عام 1309 م (709 ه). على أن تقوم الجيوش القشتالية بمهاجمة مدينة الجزيرة الخضراءAlgeciras من الجنوب، بينما تهاجم الأساطيل الأراجونية ثغر المرية من الشرق، ثم يتقابل الطرفان في العاصمة مدينة غرناطة.

غير أن هذا المشروع انتهى بالفشل إذ استطاعت كل من المدينتين الصمود أمام هذا الاعتداء المفاجي‏ء، و نخصّ بالذكر مدينة المرية التي تعرضت لأشد هجوم عرفته في تاريخها. و لهذا اهتمّ المؤرخون القدامى و المحدثون بهذا الهجوم على المرية و كتبوا عنه في شي‏ء من التفصيل.

راجع (ابن القاضي: درّة الحجال في غرة أسماء الرجال، ج 1، ص 71 و ما بعدها (نشر علوش‏Alouche ، رباط 1934) و لأهمية هذا النص الذي أورده ابن القاضي فقد قام بترجمته عدد من المستشرقين إلى لغات مختلفة، فهناك ترجمة فرنسية لعلوش‏I .S .Allouche في‏(Hesperis ,3391 ,XVI ,p .p .221 -831) و ترجمة أخرى إسبانية لسانشث البرنث في‏Sanchez Zurita :Los anales) راجع كذلك‏

Albornoz: La Espana Mushlmana p, 863- 293 de la Corona de Aragon, l, P. P. 534- 734, Zaragoza 8861 )Gimenez Soler: El sitio de Almeria( 9031 (P. 103- 203, Levi Provencal: Un Zagal hispanique sur l`expedition aragonaise de 9031 Contre Almeria.) Al Andalus, Vol. VI, fasc. 2, 1491 (

81

يسائل عن أهل المرية سائل‏* * * و كيف ثبات القوم و الروع باسر

قطا دارج في الرمل في يوم لذّة* * * و لهو و يوم الروع فتخ‏ (376) كواسر

بحرها مرفأ السفن الكبار، و كرسيّها هو العزيز عند الاعتبار، و قصبتها سلوة الحزين، و مودع الخزين، و فلك المنتزين. و هي محل الحلل المجدية و الأردية المشفوعة الأردية، و لواديها المزية على الأودية. حجّة الناظر المفتون، المكسو الخصور و المتون، بالأعناب و الزيتون. بلد الكتّان و الرخام، و الذمم الضخام، و حمّتها (377) بديعة الوصف، محكمة الرصف مقصودة للعلاج و القصف. حرّها شديد، و ذكرها طويل مديد، و أثرها على البلاد جديد إلا أن مغارمها ثقيلة، و صفحة جوّها في المحول صقيلة، و سماؤها بخيلة، و بروقها لا تصدق منها مخلية، و بلالة النطية منزورة العطية، و سعرها ليس من الأسعار غير الوطية، و معشوق البرّ (378) بها قليل الوصال، و حمل البحر صعب العضال، و هي متوقعة إلا أن يقي الله طلوع النضال، و عادة المصال.

قلت فطبرنش‏ (379) من شرقيها، قال حاضرة البلاد المشرقية، و ثنية البارقة الأفقية، ما شئت من تنجيد بيت، و عصر وزيت، و إحياء أنس ميت، و حمام طيب، و شعب تنثر فيه دنانير أبي الطيّب‏ (380)، إلا أنها محيلة الغيوث، عادية الليوث، متحزبة الأحزاب، شريفة الأعزاب. و لو شكر الغيث شعيرها، أخصبت البلاد عيرها.

قلت فبيره‏ (381)، قال بلدة صافية الجو، رحيبة الدّو (382)، يسرح بها

____________

(376) الفتخ: الأسد ذو الكف العريض‏

(377) سيعيد الكلام (عن بلدة الحمه) في الصفحات القليلة التالية

(378) القمح‏

(379) طبرنش و تسمى الآن‏Taber nas و هو اسم لاتينى بمعنى حوانيت و أكواخ. انظر(Simonet :Op .cit .p .801)

(380) يقصد شعر أبي الطيب المتنبي في شعب بوان حيث يصف اختراق أشعة الشمس للأشجار فتنعكس على الأرض على شكل قطع مستديرة تشبه الدنانير

(381)Vera راجع صفحة (40) حاشية (1) من هذا الكتاب‏

(382) الدو أو الدوية أي البرية

82

البعير، و يجمّ بها الشعير، و يقصدها من مرسية و أحوازها العير. فساكنها بين تجر و ابتغاء أجر، و واديها نيليّ الفيوض‏ (383) و المدود، مصري التخوم و الحدود، إن بلغ إلى الحدّ المحدود، فليس رزقه بالمحصور و لا بالمعدود، إلا أنها قليلة المطر، مقيمة على الخطر، مثلومة الأعراض و الأسوار، مهطعة لداعي البوار. حليفة الحسن المغلوب، معلّلة بالماء المجلوب، آخذة بأكظام القلوب، خاملة الدور، قليلة الوجوه و الصدور، كثيرة المشاجرة و الشرور برّها أنزر من برّها في المعتمر و البور، و زهد أهلها في الصلاة شائع في الجمهور، و سوء ملكة (384) الأسرى من الذائع بها و المشهور.

ما قام خيرك يا زمان بشرّه‏* * * أولى لنا ما قلّ منك و ما كفا

قلت فمجاقر (385)، قال حصن جديد، و خير مديد، و بحر ما على إفادته مزيد، و خصب ثابت و يزيد. ساكنه قد قضى الحج أكثره، و ظهر عين الخير فيه و أكثره، إلا أنه لا تلفى به للماء بلالة (386)، و لا تستشفّ للجود علاله‏ (387).

قلت فقنتورية (388)، قال يسار يمينها، و غبار كمينها، و معمول يمينها، يجود بها الجبن و العسل، و من دونها الأسل، و أما الخبز فلا تسل، و إن كانت أحسن شكلا فأقلّ شربا و أكلا، و أجفا أهلا، و أشدّ جهلا، و أعدم علا و نهلا. و أهلها شرار، أضلعهم بالظلماء حرار، لا تلفى بها نغبة (389) ماء، و لا يعدم مشقّة ظلماء، و لا تتوّج أفقها إلا في الندرة قزعة سماء.

قلت فبرشانة (390)، قال حصن مانع، و جناب يانع أهلها أولوا عداوة،

____________

(383) لعله يقصد نهر شفورة)Segura في مرسيه) الذي كان يفيض في وقت معلوم مثل النيل.

(384) يقال حسن الملكة إذا كان حسن الصنع إلى مماليكه‏

(385) مجاقر، و هي الآن‏Mujacar و تقع في جنوب بيره. انظر(Simonet :Op .cit .p .211)

(386) البلالة: قدر ما يبل به الشي‏ء.

(387) العلالة بالضم ما يتعلل به، البقية التي في الكأس.

(388)Cantoria راجع ما سبق ص 24 حاشية (13).

(389) النغبة: بضم النون و فتحها، الجرعة.

(390)Purchena انظر ما قيل عن هذه المدينة في صفحة 24 حاشية (10) من هذا الكتاب‏

83

لأخلاق البداوة، و على وجوههم نضرة و في أيديهم نداوة، يداوون بالسّلافة (391) علل الجلافة، و يؤثرون علل التخلف على لذّة الخلافة، فأصبح ربعهم ظرفا قد ملئ ظرفا. فللمجون به بسوق، و للفسوق ألف سوق، تشمّر به الأذيال عن سوق، و هي تبين بعض بيان عن أعيان، و على وجوه نسوانها طلاقة، و في ألسنتهن ذلاقة، و لهنّ بالسفارة عن الفقراء علاقة، إلا أن جفنها ليس بذي سور يقيه، مما يتّقيه، و وغدها يتكلّم بمل‏ء فيه، و حليمها يشقى بالسفيه و محياها تكمن حيّة الجور فيه.

قلت فأورية (392)، قال بلدة الجبن و العسل، و الهواء الذي يذهب بالكسل، و أما عن الماء البرود فلا تسل. أدامه الصيد الذي لا يتعذر و قوته الشعير الذي يبذر، إلا أنه بادي الوحشة و الانقطاع، و الإجابة لداعي المخالفة و الاهطاع‏ (393)، و حسن الجناب، عرى من ثمرات النخيل و الأعناب حقيق لمعرّة العدو و الاجتناب.

قلت فبلّيش‏ (394)، قال ثغر قصيّ، على الأمن عصيّ، و يتيم ليس عليه غير العدو وصي. ماؤه معين، و حوره عين، و خلوته على النسك و سواه تعين. و به الحمام، و النطف الجمام. و لأهله بالصيادة اهتمام، و عسله إذا اصطفّت العسول إمام. إلا أنها بلدة منقطعة بائنة، و بأحواز العدو كائنة، و لحدود لورقة (395) فتحها اللّه مشاهدة معاينه، و برّها الزهيد القليل، يتحف به العليل، و سبيل الأمن إليها غير سبيل، و مرعاها لسوء الجوار و بيل.

____________

(391) السلافة ما سال قبل العصر و هو أفضل الخمر.

(392) أوريةOria بلدة في ولاية المرية تتبع مركزPurchena برشانه.

(393) أهطع الرجل أي أسرع خائفا.

(394) المقصود هنا بليش الشقراءVelez Rubio بجوار مدينة لورقه، و ليس بليش مالقه‏Velez Malaga . راجع ما سبق أن قلناه في صفحة (54) حاشية (4).

(395) لورقة(Lorca) مدينة قديمة بينها و بين مرسية نحو ستين كيلومترا، و تقع على جبل مرتفع، و لذا كانت تعتبر قلعة مدينة مرسية في الحروب التي تنشب بين المسلمين و المسيحيين. و قد سقطت في يد الإسبان عقب سقوط مدينة مرسيه في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي انظر (الروض المعطار ص 171) راجع كذلك ما كتبه عنها ليفي بروفنسال في دائرة المعارف الإسلامية.

84

قلت فمدينة بسطة (396)، قال و ما بسطة بلد خصيب، و مدينة لها من اسمها نصيب، دوحها متدلّ، و طيب هوائها غير متبدل و ناهيك من بلد اختص أهله بالمران في معالجة الزعفران، و امتازوا به عن غيرهم من الجيران. عمّت أرضها السّقيا فلا تخلف، و شملتها البركة تختص من يشاء اللّه و يزلف. يتخلل مدينتها الجدول المتدافع، و الناقع للعلل النافع. ثياب أهلها بالعبير تتأرّج، و حورها تتجلى و تتبرج، و ولدانها في شط أنهارها المتعدّدة تتفرج. و لها الفحص الذي يسافر فيه الطرف سعيا، و لا تعدم السائمة به ريّا و لا رعيا.

و للّه در القائل:

في بلدة عوّدت نفسي بها* * * إذ في اسمها طه و ياسين‏

ألجأني الدهر إلى عالم‏* * * يؤخذ منه العلم و الدين‏

إلا أن تربتها تفضح البناء، و إن صحبه الاعتناء، فأسوارها تسجد عند الإقامة و خندقها لاكسارها (397) تلقامه‏ (398) فهي لذلك خير دار مقامه.

و رياحها عاصفة و رعودها قاصفة، و حاميتها تنظر إلى الهياج، من خلف سياج، فالعدوّ فيها شديد الفتكات، معمل الحركات، و ساكنها دائم الشكات، و حدّها فليل و عزيزها لتوقع المكروه ذليل.

قلت فأشكر (399)، قال نعم البسيط المديد، و الرزق الجديد، و السعي العديد، و الصيد القديد. تركب الجداول فحصها، و يأبى الكمال نقصها، و يلازم ظل الخصب شخصها. مسرح البهائم، و معدن الرعي الدائم، إلا أن معقلها لا يمنع، و مكانها يحوم عليه الحادث الأشنع، و نفوس أهلها مستسلمة لما اللّه يصنع.

____________

(396)Baza راجع صفحة (21) حاشية (1) من هذا الكتاب.

(397) اكسار و كسور ما تكسر و تثنى على الأرض.

(398) يقال رجل تلقام و تلقامة أي عظيم اللقم. أي أن خندقها ممتلئ بما تكسر من الأسوار و المباني.

(399) أشكر بلدة في ولاية غرناطة و تسمّى الآن‏Huescar و تقع في شمال بسطه. و كانت هذه البلدة موضع حروب و منازعات بين المسلمين و النصارى أيام ابن الخطيب راجع‏Simonet Op .cit .p .(36) .

85

قلت فأندرش‏ (400)، قال عنصر جباية، و وطن به أولو إباية، حريرها ذهب، و تربها تبر ملتهب، و ماؤها سلسل، و هواؤها لا يلفى معه كسل، إلا أنها ضيّقة الأحواز و الجهات، كثيرة المعابر و الفوهات، عديمة الفرح و المتنزّهات، ثقيلة المغارم، مستباحة المحارم، أعرابها أولوا استطالة، و أبناء مترفيها كثير البطالة، فلا يعدم الزرع عدوانا، و لا يفقد عير الشر نزوانا، و طريقها غير سوي، و ساكنها ضعيف يشكو من قوي.

قلت فشبالش‏ (401)، قال معدن حرير خلصت سبائكه، و أثرى بزازه و حائكه، و تهدّلت حجاله و تمهّدت أرائكه، و جباية سهل اقتضاؤها و حمّت بيضاؤها، إلا أنه وطن عدم إدامه، و بيت ظهر اهتدامه، و فقدت به حيل التعيّش و أسبابه، و محل لا يقيم به إلا أربابه.

قلت فمدينة وادي آش‏ (402)، قال مدينة الوطن، و مناخ من عبر أو قطن، للناس ما ظهر و للّه ما بطن. وضع سديد، و بأس شديد، و معدن حديد، و محل عدّة و عديد، و بلد لا يعتلّ فيه إلا النسيم، و مرأى يخجل منه الصباح الوسيم. كثيرة الجداول و المذانب، مخضرّة الجوانب. إلى الفواكه الكثيرة و الكروم الأثيرة، و السقي الذي يسد الخلّة، و يضاعف الغلّة، و سندها معدن الحديد و الحرير، و معقلها أهل للتاج و السرير. و هي دار أحساب، و إرث و اكتساب، و أدب و حساب. و ماؤها مجاج الجليد، و هواؤها يذكّي طبع البليد، إلا أن ضعيفها يضيق عليه المعاش، و ناقهها يتعذّر عليه الانتعاش، و شيخها يخطو على قصبة الارتعاش، فهي ذات برد، و عكس و طرد، ما شئت من لحي راعد، و مقرور على الجمر قاعد، و نفس صاعد،

____________

(400) أندرش‏Andarax ، بلدة من أعمال المريه، غير موجودة الآن و لكن لا يزال اسم أندرش يطلق على نهر هناك ينبع من جبال شليرSierra Nevada و ينحدر شرقا و جنوبا ثم يصب مياهه في البحر المتوسط عند المريه.

(401) حصن شبالش و هو الآن‏Jubiles ، و يقع عند أطراف جبال شلير أو جبل الثلج. و قد تردد اسم شبالش كثيرا في الحروب الأهلية التي قامت في غرناطة على ممر عصورها الإسلامية المختلفة راجع.(Simonet :Op .cit .p ,66)

(402)Guadix انظر ما سبق أن قيل عن هذه المدينة في صفحة (18 حاشية رقم (4).

86

و فتنة يعد بها واعد، و شرور تسل الخناجر، و فاجر يسطو بفاجر، و كلف بهاجر و اغتمام تبلغ به القلوب الحناجر، و زمهرير تجمد له المياه في شهر ناجر (403). و على ذلك فدرّتها أسمع للحالب، و نشيدها أقرب للطالب، و محاسنها أغلب و الحكم للغالب.

قلت ففنيانة (404)، قال مدينة، و للخير خدينة (405). ما شئت من ظبي غرير، و عضب طرير، و غلة حرير، و ماء نمير، و دوام للتخزين و تعمير. إلا أن بردها كثير، و ودقها (406) نثير، و شرارها لهم في الخيار تأثير.

قلت فمدينة غرناطة (407)، قال حضرة سنية، و الشمس بها عن مدح المادح غنية. كبرت عن قيل و قال، وجلت عن وامق‏ (408) و قال‏ (409)، و قيدت العقل بعاقل، و أمنت حال حسنها من انتقال. لو خيرت في حسن الوضع لما زادت وصفا، و لا أحكمت رصفا، و لا أخرجت أرضها ريحانا و لا عصفا (410)، و لا أخذت بأشتات المذاهب، و أصناف المواهب جدا و لا قصفا. كرسيّها ظاهر الأشراف، مطلّ على الأطراف، و ديوانها مكتوب بآيات الأنفال و الأعراف، و هواؤها صاف، و للأنفاس مصاف. حجبت الجنوب عنها الجبال، فأمنت الوباء و الوبال، و أصبح ساكنها غير مبال، و في جنّة من النبال، و انفسحت للشمال، و استوفت الشروط على الكمال، و انحدر منها مجاج الجليد على الرمال، و انبسط بين المرج الذي نضرة النعيم لا تفارقه، و مداري النسيم تفلى بها مفارقه. ريع من واديه بثعبان مبين، إن لدغ تلول شطه تلها للجبين، و ولد (411) حيات المذانب تأتي عن الشمال و اليمين، منها

____________

(403) الناجر: كل شهر من شهور الصيف، لأن الإبل تنجر أي تعطش فيه.

(404)Finana انظر ما سبق ص 34 حاشية رقم (12).

(405) الخدن و الخدين: الحبيب و الصاحب.

(406) الودق: المطر

(407)Granada راجع ما قلناه سابقا في ص 36 حاشية (9).

(408) الوامق: المحب.

(409) القال: الكاره.

(410) العصف: ورق الزرع.

(411) في الأصل و ولدت، ولد.

87

اللّبات‏ (412) سلوكا تأثر من الحصباء بكل درّ ثمين، و ترك الأرض مخصرة تغير من خضراء السماء ضرّة، و الأزهار مفترّة، و الحياة الدنيا بزخرفها مغترّة

أيّ واد أفاض من عرفات‏* * * فوق حمرائها أتمّ إفاضه‏

ثم لما أستقر بالسهل يجري‏* * * شقّ منها بحلّة فضفاضه‏

كلما انساب كان عضبا صقيلا* * * و إذا ما استدار كان مفاضه‏

فتعدّدت القرى و الجنات، و حفّت بالأمّات‏ (413) منها البنات، و رفّ النبات و تدبجت الجنبات، و تقلدت اللبات، و طابت بالنواسم المهبات، و دارت بالأسوار دور السوار، المنى و المستخلصات، و نصبت لعرائس الروض المنصّات، و قعد سلطان الربيع لعرض القصّات، و خطب بلبل الدوح فوجب الإنصات، و تموّجت الأعناب، و استبحر بكل عذب منها الجناب. و زينت السماء الدنيا من الأبراج العديدة بأبراج ذوات دقائق و أدراج، و تنفّست الرياح عن أراج، أذكرت الجنة كل آمل ما عند الله وراج. و تبرّجت بحمرائها القصور مبتسمة عن بيض الشرفات، سافرة عن صفحات القبات المزخرفات، تقذف بالأنهار من بعد المرتقى فيوض بحورها الزرق، و تناغي أذكار المآذن بأسحارها نغمات الورق‏ (414)، و كم أطلعت من أقمار و أهلّه، و ربّت من ملوك جله، إلى التمدين المحيط الاستدارة، الصادر عن الأحكام و الإدارة، ذي المحاسن المعارة، المعجزة لسان الكناية و الاستعارة، حيث المساجد العتيقة القديمة، و الميازب‏ (415) الحافظة للريّ المديمة، و الجسور العريضة، و العوائد المقدّرة بنفائس الأذواق، و الوجوه الزهر و البشرات الرقاق، و الزيّ الذي فاق زيّ الآفاق، و ملأ قلوب المؤمنين بالإشفاق:

بلدة جلّلها اللّه سناء و سنا* * * و أجرّ السعد من حلّ لديها رسنا

____________

(412) اللبات: النحور.

(413) أمات و أمهات جمع أم قيل الأمهات للناس و الأمات للبهائم.

(414) الورق: الحمام و مفردها ورقاء.

(415) الميزاب و المئزاب: القناة يجري فيها الماء و جمعها ميازيب و ميازب و مآزيب و ربما قيل أيضا موازيب.

88

قد أجنت سكرا جّما و رزقا حسنا* * * أعجزت من منتهى الفخر السعيد لسنا

يروقك في أطرافها حسن الصور و جمالها، و طرف الصنائع و كمالها، و الفعلة و أعمالها، حتى الأطلال و انهمالها، و السؤال و أسمالها:

كلّ عليه من المحاسن لمحة* * * في كل طور للوجود تطوّرا

كالروض يعجب في ابتداء نباته‏* * * و إذا استجم به النبات و نوّرا

و إذا الجمال المطلق استشهدته‏* * * ألغيت ما انتحل الخيال و زوّرا

ثم قال أيّ آمن عري من مخافه، و أيّ حصافة لا تقابلها سخافة، و لكل شي‏ء آفة. لكنّها و اللّه بردها يطفئ حرّ الحياة، و يمنع الشفاه عن ردّ التحيات، و أسعارها يشعر معيارها بالترّهات، و عدوّها يعاطى كؤوس الحرب بهاك و هات. إلى السكك التي بان خمولها، و لم يقبل الموضوع محمولها، و الكرب الذي يجده الإنسان فيها، صادف إضاقة أو ترفيها، و المكوس التي تطرد البركة و تنفيها. إلى سوء الجوار و جفاء الزوّار، و نزالة الديار، و غلاء (416) الخشب و الجيّار (417) و كساد المعائش عند الاضطرار، و إهانة المقابر

____________

(416) أشار المؤرّخون المعاصرون أمثال ابن خلدون في مقدمته (ص 364، ص 432) و الحسن النباهي في كتابه المرقبة العليا (ص 164 نشر ليفي بروفنسال) إلى غلاء المعيشة في غرناطة، و أرجعوا ذلك إلى صعوبة أرضها الجبلية و حاجتها المستمرّة إلى الكثير من العناية و الجهد و الأموال لإصلاحها. و قد نتج عن ذلك أن اشتغل الناس بمشاكل هذه الحياة القاسية و انصرف معظمهم عن التعليم الذي كانت أجوره مرتفعة كذلك. و اضطرّ عدد كبير من أهل غرناطة إلى الرحيل إلى مصر- زعيمة العالم الإسلامي في ذلك الوقت (القرن 14 م)- حيث المدارس الكثيرة العدد، و التعليم المجاني، و المنح الدراسية (الجرايات) و دور الإقامة للطلبة الغرباء (الأروقة)، هذا إلى جانب رخص المعيشة و توفر أسبابها و قد بلغ من كثرة عدد المسافرين من مدينة غرناطة إلى المشرق أن سمّي أحد أرباضها الخارجية باسم (حوز الوداع) و هو المكان الذي اعتاد فيه الغرناطيون توديع أهاليهم و أحبابهم قبل رحيلهم. راجع (المقّري:

نفح الطيب ج 10، ص 230).

و غير بعيد بالمرّة أن يكون هذا المكان هو نفس المكان المعروف حتى اليوم باسم‏del moro Suspiro أي زفرة العربي، و الذي ترجعه الرواية الإسبانية إلى الملك أبي عبد اللّه بن الأحمر آخر ملوك غرناطة حينما غادر ملكه و بلاده، و وقف في هذا المكان و هو يبكي ليلقي آخر نظرة على موطن عزه و مجد آبائه سنة 1492. و تضيف الرواية أن أمّه عائشة قالت له وقتئذ:

«أجل فلتبك كالنساء ملكا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال. انظر

( J. F. Kirk: Prescott s Ferdinand and Isabella p. 562.

(417) الجيار: الكلس قبل أن يطفأ.

89

و هي دار القرار، و قصر الاعمار، و استحلال الغيبة في الأسمار، و احتقار أولي الفضل و الوقار، و التنافس في العقار، و الشح بالدرهم و الدينار، و اليمّ و النار. ثم قال اللهم غفرا، و إن لم نقل كفرا، إن اللّه لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، و للّه درّ أبي العتاهية حيث يقول:

أصبحت الدنيا لنا فتنة* * * و الحمد للّه على ذالكا

اجتمع الناس على ذمّها* * * و ما نرى منهم لها تاركا

قلت فالحمّة (418)، قال أجل، الصحة و الحجل‏ (419)، و الصيد و إن كان المعتبر الأجل، و تورد الخدود و إن لم يطرقها الخجل، و الحصانة عند الهرب من الرهب، و البرّ كأنه قطع الذهب. و الحامة التي حوضها يفهق بالنعيم، مبذولة للخامل و الزعيم، تمتّ ثنيّتها بالنسب إلى ثنية النعيم، قد ملأها اللّه اعتدالا، فلا تجد الخلق اعتياضا عنه و لا استبدالا. و أنبط صخرتها الصمّاء عذبا زلالا، قد اعتزل الكدر اعتزالا، لكن مزارعها لا ترويها الجداول و لا ينجدها إلا الجود المزاول، فإن أخصب العام أعيا (420) الطعام، و إن أخلف الإنعام، هلكت الناس و الأنعام. و الفواكه يطرف بها الجلب، و تزر عليها العلب، و عصيرها (421) لا يليق بالأكل و لا يصلح للحلب، و بردها شديد و إن لم يقضّ المنقلب.

____________

(418) الحمّة،Alhama ، و هي بلدة صغيرة على قمّة جبل بالقرب من مدينة بجانه من أعمال المرية.

و قد أطلق العرب عليها اسم الحمّة نسبة إلى العين الحارّة التي تفجرت بها. و يروي الكتّاب المسلمون أن مياه هذه العين كانت كبريتية طيّبة و يقصدها أهل الأسقام و العاهات من جميع النواحي فلا يكاد يخطئهم نفعها (الروض المعطار ص 39) و قد أشار ابن بطوطة إلى وجود حمّامين بجوار هذه العين أحدهما للنساء و الآخر للرجال. (رحلة بن بطوطة ج 2، ص 187) و لا زالت العين و الحمّامات العربية موجودة حتى الآن و يقصدها السوّاح من كل جانب.

(419) الحجل طائر في حجم الحمام يستطاب لحمه و يسمّى الآن في إسبانيا باسم‏Perdiz .

(420) كذا، و لعلّها أحيا أو أغنى.

(421) لفظ العصير أطلق في الأندلس على ما عصر من العنب و ما أشبهه من الثمرات، كما أطلق أيضا على التين الرطب. و العبارة هنا تستقيم مع المعنى الثاني كما هو واضح من استعمال كلمة الأكل. انظر (عبد العزيز الأهواني: ألفاظ مغربية من كتاب ابن هشام اللخمي في لحن العامّة، مجلّة معهد المخطوطات العربية المجلد الثالث الجزء الثاني نوفمبر 1957).

90

قلت فصالحة (422)، قال لولا أنها مناخ لم تذكر، فليس مما يذم و لا مما يشكر، و إن كان ماؤها فضيّا، و وجه جوّها وضيا، و عصيرها مرضيا، و رزقها أرضيّا، و فضلها ذاتيّا لا عرضيّا، فهي مهبّ نسف، و دار خسف و أهلها بهم، ليس لأحد منهم فهم.

قلت فاليرة (423) و منتفريد، قال بلد ارتقاق، بإجماع و اتفاق، معدن البر الزكي، و الصيد الذكي، وهد (و) شاهق‏ (424).، و مصرخ ناهق، و معدن بر فائق، إن لم يعق من عدو القلعة عائق.

قلت فلوشة (425)،، قال مرأى بهيج، و منظر يروق و يهيج، و نهر سيّال و غصن ميّاد ميّال، و جنّات و عيون، و لذّات لا تمطل بها ديون، و جداول تنضخ بها الجوانح، و محاسن يشغل بها عن وكره السانح، و نعم يذكر بها المانع المانح. ما شئت من رحا يدور و نطف‏ (426) تشفى بها الصدور، و صيد و وقود، و أعناب كما (427) زانت اللّبات عقود، و أرانب تحسبهم أيقاظا و هم رقود، إلى معدن الملح و معاصر الزيت، و الخضر المتكلفة بخصب البيت، و المرافق التي لا تحصر إلا بعد الكيت، و الخارج الذي عضد مسحة الملاحة، بجدوى الفلاحة، إلا أن داخلها حرج الأزقّة، و أحوال أهلها مائلة إلى‏

____________

(422) صالحة: هذه البلدة اندثرت منذ أواسط القرن السادس عشر الميلادي و قد سمّاها الكتّاب الإسبان‏zalia ، و كانت تقع بين بليش مالقة، و الحمّة. (راجع.Simonet :Op .Cit .P .29)

(423) إليره و لا تزال تسمّى كذلك‏Illora ، و اما منتفريد فتسمى الآن‏Montefrio و اسمها اللاتيني القديم‏Mons Frigidus كل منهما في شمال مدينة لوشه. راجع‏(Simonet :Op .Cit .p .75) .

(424) في الأصل و هذا شاهق و ليس لها معنى و لعلّ صحتها كما أثبتناه في المتن‏

(425) لوشة، اسمها القديم‏Lacivis و تعرف اليوم باسم (Loja لوخا). و هي مدينة هامّة على نهر شنيل)Genil خنيل) و تبعد عن مدينة غرناطة بنحو خمسين ك. م من ناحية الجنوب الغربي.

راجع ما كتبه ليفي بروفنسال عن هذه المدينة في‏(Enc ;Isl .III p .13) انظر كذلك (الروض المعطار ص 173- 174). و تنبغي الإشارة إلى أنه بهذه البلدة ولد كاتب هذه النصوص الوزير لسان الدين بن الخطيب في عام 713 ه (1313 م)

(426) النطفة: الماء الصافي النظيف قل أو كثر.

(427) في نسخة كلّما و لعلّها ما أثبتناه.

91

الرقّة. و أزقّتها قذرة، و أسباب التطوف‏ (428) بها متعذّرة و منازلها لنزائل الجند نازلة، و عيون العدو لثغرها الشنيب مغازلة.

قلت فأرجذونة (429)، قال شر دار، و طلل لم يبق منه غير جدار، و مصام يرجع البصر عنه و هو حاسر، و عورة ساكنها لعدم الماء مستأسر (430) و قومها ذو بطر و أشر، و شيوخها تيوس في مسالخ بشر، طعام من يقوت منهم أو يعول التيوس و الوعول، و حرثها مغلّ، و خلقها حسد و غلّ.

قلت فأنتقيرة (431)، قال محل الحرث و الأنعام، و مبذر الطعام، و المرأة التي يتجلّى بها وجه العام. الرحب و السهل، و النبات الطفل، و الهشيم الكهل، و الوطن و الأهل، ساحت الجداول في فحصها الأفيح و سالت، و انثابت حيّات المذانب‏ (432) في سقيها الرحب الجوانب و انسالت، لا تشكو من نبوّ ساحة، و لا تسفر إلا عن ملاحة، و لا تضاهي في جدوى فلاحة و عظم ملاحه. إلا أنها جرداء الخارج، بل مارد و مارج و شدّة فرّجها فارج، لا تضبطها المسلحة للاتساع، و الدرع الوساع. قليلة الفواكه، عديمة الملاطف و المفاكه. أهلها أولوا شرور و غرور، و سلاح مشهور، و قاهر و مقهور، لا تقبل غريبا، و لا تعدم مع العدو تثريبا.

قلت فذكوان‏ (433)، قال روض و غدير، و فواكه جلّت عن التقدير

____________

(428) في نسخة التصرف و إن كانت التطوف أصوب.

(429) أرجذونه أو ارشذونه و هي أسماء مشتقّة من الاسم القديم‏Esteleduna ، و معناه معصرة الزيت و تسمّى حالياArchidona ، و تقع في ولاية مالقه. راجع‏(Simonet ;Op .cit .p .38 ;Ency .IsI .I ,p .824) .

(430) يقع في الأسر لعدم وجود الماء و بالتالي عدم مقاومة حصار العدو.

(431) انتقيره اليوم‏Antequera ، و هي مدينة قديمة عامرة بالسكان و تبعد عن مالقه بنحو 59 ك. م ..

(432) المذانب: جداول المياه الضيّقة.

(433) حصن ذكوان و يسمى اليوم‏Coin و يقع في غرب مالقه. و يروي ابن عذاري في كتابه البيان المغرب (ج 2، ص 189) أن هذا الحصن أقيم في عام 308 ه (929 م) في أيام عبد الرحمن الثالث الأموي، ليكون حصنا أماميا يواجه حصون عمر بن حفصون و أولاده الثائرين ضد حكومة قرطبة. راجع كذلك.(Simonet :Op .Cit p .18)

92

و خورنق و سدير (434)، و مائدة، لا تفوتها فائدة، دارت على الطحن أحجارها، و التفّت أشجارها، و طاب هواؤها، و خفق بالمحاسن لواؤها، إلا أنها ضالّة ساقطة، و حبّة ترتقب لاقطه، لا تدفع عن قرطها و سوارها بأسوارها، و لا تمنع نزع صدارها بجدارها، قضت بغلّة أعيانها، حداثة بنيانها.

قلت فقرطمة (435)، قال الكرك الذي يؤمن عليه الدرك، و إن عظم المعترك. جوّها صاف، في مشتى و مصطاف، و تربها للبرّ مصاف، و عصيرها بالكثرة ذو اتصاف. إلا أن الماء بمعقلها مخزون، و عتادها موزون، و أهلها في الشدائد لا يجزون، أيديهم بالبخل مغلولة، و سيوف تشاجرهم مسلولة.

قلت فرندة (436)، قال أم جهات و حصون، و شجرة ذات غصون، و جناب خصيب. و حمى مصون، بلد زرع و ضرع، و اصل و فرع، مخازنها بالبرّ مالية، و أقواتها جديدة و بالية، و نعمها بجوار الجبل متوالية. و هي بلد أعيان و صدور (437)، و شموس و بدور، و دور أيّ دور، و ماء واديها يتوصّل إليه في جدور محكم مقدور، و في أهلها فضاضة (438) و غضاضة، ما في الكلف بها حضاضة. يلبس نساؤها الموق‏ (439)، على الأملد المرموق، و يسفرن عن الخد المعشوق‏ (440)، و ينعشن قلب المشوق، بالطيب المنشوق، إلا أن‏

____________

(434) الخورنق و السدير: قصران للنعمان بن المنذر بالحيرة، و حولهما قصص طريقة راجع (ياقوت، ج 3، ص 482، ج 5، ص 54، و الأغاني للأصفهاني ج 2، ص 144). و قد كتبها سيمونت حوز نبق و سدير.

(435) قرطمة، و هي اليوم.Cartama

(436) رنده حاليّاRonda و تقع في غرب مالقه. و اسمها القديم‏Arunda ، و هي تعتبر من أهم القواعد العسكرية في الأندلس لارتفاعها و حصانة موقعها. و ينسب إلى هذه المدينة الفقيه المتصوّف، ابن عباد الرندي، شارح حكم بن عطاء اللّه السكندري. راجع ما كتبه ليفي بروفنسال عن هذه المدينة الإسلامية في.(Enc .Isl .III p .4521)

(437) في نسخة (ب) حدور.

(438) كذا و لعلّها بضاضة

(439) الموق خف غليظ يلبس فوق خف أدق منه، و جمعه أمواق.

(440) هنا إشارة إلى سفور وجه النساء كما سبق أن أشرنا في المقدمة.

93

العدو طوى ذيل بردها، و غصب بنياتها (441)، و كيف السبيل إلى ردّها، و أضاق خارجها و خفض معارجها، و أعلى طائرها و دارجها.

فلمّا بلغ هذا الحد قال هل اكتفيت؟ فقد شرحت صدرك و شفيت، و بما طلبت مني و قد وفيت، يا بني كأني بالصباح السافر، وادهم الظلام النافر، قد أجفل أمام مقنّبه الوافر، و ترك من الهلال نعل الحافر، و نفسي مطيتي، و قد بلغت الليلة طيتي، و أجزلت عطيتي، فلنجمّ بالحمض، و نلم بالغمض، و أنا بعد نزيلك إن سرني جزيلك، و عديلك إن ضحك إلّي منديلك، و سميرك إن رواني نميرك، فبادرت البدرة ففضضتها، و الصرة فاقتضضتها، و العيبة فنفضتها، و المعادن فأفضتها. فقال بوركت من مواس، و أنشد قول أبي نواس:

ما من يد من الناس واحدة* * * كيد أبو العباس أولاها

نام الثقات على مضاجعهم‏* * * و سرى إلى نفسي فأحياها

ثم قال، نم في أمان، من خطوب الزمان، و قم في ضمان من وقاية الرحمان فلعمري و ما عمري عليّ بهينّ، و لا الحلف على بمتعينّ، لو كان الجود ثمرا لكنت لبابه، أو عمرا لكنت شبابه، أو منزلا لكنت بابه. فما هو إلا أن كحلت جفني بميل الرقاد، و قدت طرفه سلس المقاد، و قام قيّم الخان إلى عادة الافتقاد، و بادر سراجه بالإيقاد؛ و نظرت إلى مضجع الشيخ ليس فيه إلا زئبر أطماره، و روث حماره، فخرجت لإيثاره، مقتفيا لآثاره، فكأن الفلك لفّه في مداره، أو خسفت الأرض به و بداره. و سرت و في قلبي لبينه و ذهاب أثره، و عينه حرقه، و قلت متأسّيا لكل اجتماع من خليلين فرقه.

المجلس الثاني‏

قال المخبر، فلما اندمل جرح الفراق بعد طول، و زمان ممطول، و محا

____________

(441) لا ينبغي أن يفهم من هذا أن مدينة رندة سقطت في يد الإسبان في ذلك الوقت. فالذي أعلمه أن مدينة رندة كانت من ضمن القواعد الاستراتيجية الأندلسية التابعة لسلطان بني مرين بالمغرب. و ظلت كذلك إلى أن استولى عليها سلطان غرناطة محمد الغني باللّه (الخامس) في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي و لم يستول عليها القشتاليون إلا بخدعة سنة 1485 م (890 ه) و المقصود هنا بعض سهولها.

94

رسم التذكّر تكرّر فصول، و نصول خضاب نصول. بينا أنا ذات يوم في بعض أسواق الغبار، أسرّح طرف الاعتبار، في أمم تنسل من كل حدب، و تنتدب من كل منتدى و منتدب، ما بين مشتمل للصّماء يلويها، و لائث للعمامة لا يسويّها، و متلفّظ بالشهادة و هو لا ينويها، و صاعد من غور، و متظلّم من جور، و ممسك بذنب عير أو روق ثور، يموجون، و من الأجداث يخرجون، كأنّهم النمل نشرها و قد برزت للشمس من مطر الأمس يشيرون بأجنحة الأكسية، و يتساقطون على ثماد القلب و أسآر (442) الأحسية، و قد اصطفّ ذابحو الجزور، و بائعوا اللبوب‏ (443) و البزور (444)، و لصق بالأملياء حللة العقد و شهدة الزور، و نظرت في ذلك المجتمع، الهائل المرأى و المستمع، إلى درسة غيّ، و طهارة كيّ، و رقاة جنون، بضروب من القول و فنون، و فيهم كهل قد استظلّ بقيطون‏ (445)، و سلّ سيف لاطون‏ (446)، و تحدى برقية لديغ و مداواة مبطون. قد اشتمل بسمل غفاره، و بين يديه غبار في جلد فاره، و طحن من إطعام كفارة، و أمامه تلميذ قد شمّر الأكمام، و التفت الخلف و الأمام، و صرف لوحي لحظة الاهتمام، و هو يأسو و يجرح، و يتكلّم بلسان القوم ثم يشرح، و يقيد من حضره بقيد العزيمة فلا يبرح، و يقول أيها البهم السارح، و الحزب المسرور بما لديه الفارح، و السرب الذي تقتاته لولاة البغي الجوارح، صرفتم غروب اعتنائكم لمآرب نسائكم و أبنائكم، و ذهلتم عمّن حلّ بفنائكم، و جعلتم تطمعون و تجمعون، إنما يستجيب الذين يسمعون، من وقعت عليّ منكم عينه، فقد رأى فاتح أقفال‏

____________

(442) السؤر ما يبقى في الإناء، سئر سأرا الشي‏ء: بقي.

(443) يقصد الجوز و اللوز.

(444) البزور و الأبزار أي التوابل‏

(445) قيطون و جمعها قياطين بمعنى خيمة في لغة أهل المغرب، و يقولون للبيت بجانب البيت المسكون قيطون‏

( Dozy: Supplement aux Dictonnaires Arabes II P. 873 )

راجع كذلك عبد العزيز الأهواني: ألفاظ مغربية من كتاب ابن هشام اللخمي في لحن العامة. مجلة معهد المخطوطات العربية المجلد الثالث الجزء الثاني نوفمبر 1957.

(446) لعلّها مشتقة من الكلمة الإسبانية لاطون‏Laton بمعنى النحاس و قد استعملها المقّري في كتابه نفح الطيب. راجع‏(Dozy :Suppl .II p .816)

95

الأسرار، و مثبت الفرّار و مصمت أولئك الصرار، و مغوّر مياه الآبار بيسير الغبار، و مخرج الإضمار في المضمار، و مذهب المس و طارد العمّار (447). أنا قاطع الدماء إذا نزفت، و كاشف الغمّاء إذا ما انكشفت أهنأ الإبل فلا تجرب، و اخطّ حول الحمى فلا تدنو السباع و لا تقرب، و ادخنّ بها فلا تتسلل الحيّة و لا تدب العقرب. إن نعيت الشمس لوقت محدود طمس فيها نورها، و أن وعدت الأرض بريّ محمود فار تنورها، و إن كتبت لعقد النكاح انحلّت، و إن عقلت خطى الضالة وقفت حيث حلّت و إن زجرت الجنون تركت و خلّت، و إن استثرت الدفائن ألقت الأرض ما فيها و تخلّت. أنا جردت البيضة الشعراء، و زوّجت الفتى الشرقي من الجارية العذراء. أنا صافحت الملك، و رصدت الفلك، و مزجت بسرّ الحكمة الضياء و الحلك، فاحتقرت الملك و ما ملك.

دعوت علم الطباع فأطاع، و قطعت شكوك الهيئة بالشكل القطاع، و قلت بالقدر و بالاستطباع، و سبقت في صناعة البرهان يوم الرهان، و رضت صعاب الرياضيات حتى ذلّ قيادها، و سهل انقيادها، و عدّلت الكواكب و اختبرت القلوب البابانيّة و المناكب، و بشّرت عند رجوع خنّسها (448) بالغيوث السواكب. و وقفت بالامتحان، على صناعة الألحان، و قرأت ما بعد الطبيعة، و ناظرت قسيس البيعة (449)، و أعملت في الاصول، مرهفة النصول،

____________

(447) العمار: سكان البيوت من الجن‏

(448) الخنّس الكواكب كلها و قيل السيارات منها فقط أو بعضها و قيل هي زحل و المشتري و المريخ و الزهرة و عطارد.

(449) من الأشياء المألوفة في تاريخ الأندلس، أن يتقن عدد كبير من الإسبان المسيحيين اللغة العربية، و هؤلاء عرفوا بالمستعربين كذلك كان الحال بالنسبة للأندلسيين المسلمين الذين أتقنوا لغة جيرانهم المسيحيين أمثال القشتاليين و الأراجونيين. و قد نتج عن ذلك حدوث مجادلات و مناقشات دينية و علمية مختلفة بين علماء المسيحية و الإسلام. فابن الخطيب في كتابه الإحاطة في أخبار غرناطة (لوحة 111 نسخة الاسكوريال) يروي أن أحد المعاصرين له و اسمه محمد بن لب الكناني المالقي، كان يطوف بالبلاد الإسبانية و يناقش قساوستها في أصول الديانتين الإسلامية و المسيحية. و يروي في موضع آخر أنه في أيام الملك الإسباني الفونسو العاشر الملقّب بالحكيم أو العالم‏El Sabio في القرن الثالث عشر الميلادي، كان العالم الغرناطي محمد الرقوطي يعلم المسيحيين و اليهود في مدرسة مرسية (الإحاطة لوحة 107). كذلك يروي‏

96

و أحكمت أمزجة الطباع و طبائع الفصول، و امتزت بالبروع في الفروع، و قمت في العهد الحديث بالحديث، و حزت في علم اللسان درجة الإحسان. و حقّقت قسمة الفروض، و عدّلت الشعر بميزان العروض، و نظمت و نثرت و أكثرت فما عثرت، و عبّرت حلم النوم، و لبست الخرقة بشرط القوم، و لزمت خلوة الذكر و معتكف الصوم، و أما معرفتي بالأخبار، و ذرع الأرض بالأشبار، ما بين جليقية إلى الأنبار، و أوصاف المدن الكبار، فقد ثبت بالاختبار، قال فأثار قديمي و أذكرني بنديمي، فقلت الله أكبر، أوضح الخبر المخبر، فخضت إليه من بيني و بينه و هم بحر زاخر، و أوّل ليس له آخر، و بهم يسخر منه الساخر، ما بين كبش مجتر و عجل ناخر، و قلت أيها الحبر، ضالّتي قريب أمدها، معروف معتمدها، و على ذلك فالشكر ممنوح، و الرفد طوفان نوح، فألن العريكة، و سلّم النطع و الأريكة.

و قال أجل و اعرض، و أنزل السؤال و افرض. فقلت بي إلى تعرّف البلدان جنوح و جنون، و الجنون فنون، و قد ظفرت قبلك بنقاب، و عود احتقاب، و سارب أنقاب، حصل به من طلبي الشكر، و بك يتم الشطر، و يعظم الخطر. فقال الناس متهم و منجد، و خاذل و ممجد، و لا تجود يد إلا بما تجد، و الله المرشد، و جعل ينشد:

____________

- ابن الخطيب في وضع ثالث (إحاطة لوحة 222) أن العالم الغرناطي عبد اللّه بن سهل (في القرن الثالث عشر الميلادي) كانت له شهرة كبيرة في العلوم الرياضية لدرجة أن المسيحيين في شتى نواحي إسبانيا و لا سيما مدينة طليطلة، كانوا يرحلون إلى داره في مدينة بياسةBaeza لمجادلته و الاستفادة من علمه. و لا ندري إن كان ابن الخطيب نفسه كان يعرف القشتالية أم لا، ففي حوليات ملوك قشتالة التي كتبها القائد الإسباني‏LoPez de Ayala ، و هو معاصر لابن الخطيب، نجد مجموعة من الرسائل القشتالية موجهة من ابن الخطيب إلى ملك قشتاله في ذلك الوقت بطرس القاسي‏Pedro el cruel و يظهر في هذه الرسائل الإسبانية أيضا، أسلوب ابن الخطيب المعقد باستعاراته و كناياته و محسناته البديعية. على أننا في الوقت نفسه لا نستبعد أيضا أن يكون ابن الخطيب قد كتب هذه الرسائل بمعاونة بعض المترجمين، إذ من المعروف أن قصر الحمراء كان يحتوي على إدارة خاصة لترجمة رسائل الدولة الرسمية إلى ملوك الدول المجاورة راجع‏

( Lopez de Ayala: Cronicas de los Reyes de Castilla I PP. 384- 394 )

راجع كذلك‏

( Los Documentos arabes diplomaticos del archivo de la Corona )de Aragon. Publicados y traducidos al castellano por M, Alarcon y R. G. de Linares p. p. 114- 514.

97

إذا المشكلات تصدّين لي‏* * * كشفت غوامضها بالنظر

و لست بإمّعة في الرجال‏* * * أسائل هذا و ذا ما الخبر

و لكنّني ذرب‏ (450) الأصغرين‏* * * أبيّن مع ما مضى و ما غبر

ثم قال هات، أمن عقدك الشبهات، قلت ما تقول في بادس‏ (451)، قال بدأت بحمدلة الرقعة، و بركة البقعة، و مدفن الولّي، و مظهر النور الجلي و النحر غير العاطل و لا الخلّي من الحلي، بلد السراوة و الشجاعة، و الإيثار على فرض المجاعة، و النفوس الأوّابة إلى الله الرجّاعة، حيث البرّ و الحوت، و الخشب الذي ينشأ منه كل منحوت، و البأس و الإقدام، و الفاكهة الطيّبة و الإدام، و ربّ الجبال، و فضل للمدافعة لصهب السبال، إلا أنها موحشة الخارج، و عرة المعارج، مجاورة غمارة بالمارد و المارج. فهم ذوو دبيب في مدارج تلك الغرابيب، و كيدهم ببركة الشيخ في تتبيب.

قلت فمدينة سبتة (452)، قال عروس المجلى، و ثنية الصباح الأجلى،

____________

(450) ذرب اللسان: فصيح فاحش‏

(451) بادس بكسر الدال: و يقال (باديس)، مدينة بالمغرب الأقصى على ساحل البحر الأبيض المتوسط، و يقال لها بادس فاس تمييزا لها عن باديس الزاب، و مكانها الآن عند مدينةVilla Jordana بالمغرب الأقصى. راجع (ياقوت ج 2، ص 29، تاج العروس ج 4، ص 106، التعريف بابن خلدون ص 69 حاشية 1)

(452) سبته‏Ceuta ، بفتح السين و سكون الباء، مدينة ساحلية من مدن المغرب الأقصى. و هي عبارة عن شبه جزيرة في مضيق جبل طارق و تحيط بها الجبال من ناحية الجنوب. و هذا الوضع الجغرافي جعل اتجاهها و اتصالها بالأندلس أقوى بكثير من اتصالها بالمغرب الموجودة فيه. و لهذا نجد أن مدينة سبته في العصور الوسطى الإسلامية كانت تمتاز بطابع أندلسي في مظهرها و ثقافتها بل في وضعها السياسي أيضا: فالأمويون بالأندلس اتخذوها قاعدة استراتيجية لهم لمقاومة الخطر الفاطمي في القرن العاشر، و كذلك استولى عليها الحموديون حكّام مالقة أيام ملوك الطوائف في القرن الحادي عشر، ثم استقلت بها أسرة من أصل أندلسي ببني العزفي في القرن الثالث عشر، كذلك استولى عليها بعض ملوك بني الأحمر سلاطين غرناطة مدة من الزمان. و أخيرا في القرن الخامس عشر استولى عليها البرتغاليون ثم الإسبان بعد ذلك.

و هناك نص على جانب كبير من الأهمية في وصف مدينة سبتة (في أواخر القرن 14 م و أوائل القرن 15 م) لرجل معاصر لابن الخطيب و هو محمد بن القاسم بن عبد الملك الأنصاري، السبتي الدار و النشأة و المولد. و قد عثر على هذا النص المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال و نشره بالعنوان التالي:

I E Levi- Provencal: Une description de Ceuta musulmana

98

تبرجت تبرّج العقيلة، و نظرت وجهها من البحر في المرآة الصقلية، و اختص ميزان حسناتها بالأعمال الثقيلة. و إذا قامت بيض أسوارها، مقام سوارها و كان جبل بنيونش‏ (453) شمامة أزهارها، و المنارة منارة شوارها، كيف لا ترغب النفوس في جوارها، و تخيّم الخواطر بين أنجادها و أغوارها إلى المينا الفلكيّة، و المراسي الفلكيّة، و الرّكية الزكيّة، غير المنزورة و لا البكيّة. ذات الوقود الجزل المعد للأزل، و القصور المقصورة على الجد و الهزل، و الوجوه الزهر السحن‏ (454)، المضنون بها عن المحن. دار الناشبة، و الحامية المضرمة للحرب المناشبة، و الأسطول المرهوب، المحذور الألهوب، و السلاح المكتوب المحسوب، و الأثر المعروف المنسوب. كرسي الأمراء و الأشراف، و الوسيطة لخامس أقاليم البسيطة، فلاحظ لها في الانحراف. بصرة علوم اللسان، و صنعاء الحلل الحسان، و ثمرة امتثال، قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ، الأمينة على الاختزان، القويمة المكيال و الميزان، محشر أنواع‏

____________

au XV siecle, Hesperis. tome XII fase II( 1391 )p. 541- 771

و يبدأ هذا النص بالكلام عن مقابر المدينة و الشخصيات الهامة المدفونة فيها، ثم يصف مساجد المدينة و المدرسة العلمية التي أنشأها السلطان أبو الحسن المريني بها، ثم يتكلم عن الخزائن العلمية التي بدور الأكابر و الأعيان و عددها اثنتان و ستون خزانة (مكتبة)، ثم يتكلم بالتفصيل عن الروابط و الزوايا و الحمامات و الأسواق و الحوانيت و الفنادق و الطواحين و المضارب و المصايد و المطامير لخزن الزرع، كما يصف ديوان المدينة و قلاعها و مراسيها و أرباضها. ثم يتكلم عن النجرات و هي المصانع المعدّة لعمل القسي، كما يذكر أسماء العائلات المختصّة بهذه الصناعة منذ القدم، و نخصّ بالذكر: (الشيخ المتقدّم الحسن الذات، الكثير المواعين و الأدوات، أبو الحسن العبادي)، بعد ذلك يتكلم الكاتب عن مراكز رمي السهام في المدينة و هي المعروفة بالمرامي و المعبر عنها بالجلسات، و عددها أربعة و أربعون مرمى بالميناء، (إذ إن الرمي طبع لأهل سبته طبعوا عليه فلا تجد منهم شريفا و لا مشروفا و لا كبيرا و لا صغيرا إلا و له بصر بالرمي و تقدم فيه) و أخيرا يتناول الكاتب الكلام عن قرية بنيونش‏Baliunech المجاورة لسبتة من ناحية الغرب، فيصف أنهارها و بساتينها و حماماتها ... الخ.

زالت آثار بنيونش موجودة حتى اليوم، و يرجح ليفي بروفنسال أصلها من منشآت الأمويين حينما استقروا هناك في القرن العاشر الميلادي. انظر كذلك‏

Levi Provencal: Las Ciudades y las Insituciones Urbanas del Occidente Musulman en la Edad Media. P, 54( Tetuan 1691 )

(453) راجع ما قلناه عن هذه البلدة في الحاشية السابقة

(454) السحنة و السحناء: الهيئة و اللون. لين البشرة و النعمه.

99

الحيتان، و محط قوافل العصير و الحرير و الكتّان، و كفاها السكنى ببنيونش في فصول الزمان، و وجود المساكن النبيهة بأرخص الأثمان، و المدفن المرحوم غير المزحوم، و خزانة كتب العلوم، و الآثار المنبئة عن أصالة الحلوم. إلا أنها فاغرة أفواه الجنوب للغيث المصبوب، عرضة للرياح ذات الهبوب، عديمة الحرث فقيرة من الحبوب، ثغر تنبو فيه المضاجع بالجنوب. و ناهيك بحسنة تعد من الذنوب فأحوال أهلها دقيقة، و تكلّفهم ظاهر مهما عرضت وليمة أو عقيقة، و اقتصادهم لا تلتبس منه طريقة، و أنساب نفقاتهم في تقدير الأرزاق عريقة، فهم يمصّون البلالة مصّ المحاجم، و يجعلون الخبز في الولائم بعدد الجماجم، و فتنتهم ببلدهم فتنة الواجم بالبشير الهاجم، و راعي الجديب بالمطر الساجم، فلا يفضّلون على مدينتهم مدينة، الشك عندي في مكّة و المدينة.

قلت فطنجة (455)، المدينة العاديّة، و البقعة التي ليست بالخبيثة و لا بالرديّة إليها بالأندلس كانت نسبة المغاربة، و الكتائب المحاربة، و الرفق السائحة في الأرض الضاربة. سورها ليس بمثلوم، و ساكنها غير ملوم، و فضلها معلوم، و دارها ليست بدار لؤم. ميدان أفراس كبير، و معدن هند و ذكير، مثلث بين المنار و القالة (456)، و حكّماها في التفضيل فأشكل الحكم و تعذّرت المقالة، و لم يصح البيع و لا وجبت الإقالة. هذي سماء بروج، و هذي أزمار مروج، و كلاهما مركب سرور و سروج، و متمتّع فروج، و مطعم قديد و مروج. ديارها نبيهة، و أحوالها بأحوال جارتها شبيهة، لكن رملها يحشو العين بالذرور عند المرور، و يدخل الدور، و يفسد القدور و رياحها لا تسكن إلا في الندور، و ظلمة جوّها متسبّبة عمّا وراءها من مغرب الشموس و البدور. و عين برقانها، أعذب عيونها، مشهور بتوليد الهوج، قران عند

____________

(455) طنجةTanger مدينة قديمة معروفة بالمغرب الأقصى، و تقع على المحيط الأطلنطي و يفصلها عن أوروبا مضيق جبل طارق‏

(456) قاله و بالإسبانيةLa Cala ، لها معان كثيرة مختلفة، و قد يستقيم منها هنا المعنى الخاص بميناء أو خليج. راجع‏(Dozy :supplement ... II p .692) و لعل اسم دولة البرتقال (البرتغال) جاء منها: بورتو قاله أي خليج بورتو (العاصمة و قتذاك).

100

الناس غير ذي عوج، و يذكر أن سليمان اختصّها بسجن مردة الجن فيعثر بها على أوان ملئت ريحا تثير تبريحا، و يسندون لذلك أفكارا صريحا.

قلت فقصر كتامة (457)، قال مغرد عندليب، و عنصر برّ و حليب، و مرعى سائمة، و مسرح بهيمة في الجميم‏ (458) هائمة، و مسقط مزنة (459) غادية، و ديمة (460) دائمة. و به التفّاح النفّاح، ترتاح إلى شميمه الأرواح، و الفواكه قد ثقلت بها الأدواح، يقذف بها المساء و الصباح، و يتفنن فيه الحرام و المباح، و السمك كما جرّدت الصفاح إذا استبحر الكفاح. و طريقه مسلك القافلة، و ببابه السوق الحافلة، و ينسل إليها من غمارة (461) قرود و فهود، و أمة صالح و هود، ذلك يوم مجموع له الناس و ذلك يوم مشهود. إلا أنه قور قد تهدم، و دار الندوة لأم ملدم، و منتزي لهائج المرار و ثائر الدم. جثم الهواء الخبيث في بطيحته و ربض، و انبسط و ما أنقبض، و جهز ليله عسكر البعوض الهاجم، دربة بمصّ المحاجم. و أمّا وحله فلا يعبر و لا يسبر، و إن أسهبت العبارة فالأمر أكبر.

قلت فأصيلا (462)، قال كثيرة المرافق، رافعة في الخصب اللواء الخافق، العصير الأثير، و الحوت الكثير، و اللبن الغزير، و الإدام الذي يرمى به من حكم عليه بالتعزير، و السفن المترددة و فيها الملف و الأبازير. إلا أن حصنها من المنعة بري، و ساكنها بربري، و جارها من غمارة جري.

____________

(457) قصر كتامه و يسمى اليوم القصر الكبير و يسمى أيضا قصر عبد الكريم، و هو بلدة معروفة في المنطقة الشمالية بالمغرب الأقصى، و تبعد عن ساحل المحيط الإطلنطي بنحو 36 كم. راجع بعض التفاصيل التاريخية عن هذه المدينة في‏

( Allouche: La Revolte des Banu AsKilula contre le sultan Muhammad II, Hesperis, tome xxv, fasc. I) 8391 )P. 2 note 2 (

(458) أرض جماء أي ملساء.

(459) المزن: السحاب أو ذو الماء منه، و المزنة القطعة من المزن.

(460) الديمة: مطر يدوم في سكون بلا رعد و لا برق. و جمعها ديم و ديوم يقال: مطرتهم السماء بديمة و بديم.

(461) غمارة اسم لقبيلة بربرية، و يطلق أيضا على الجبال التي تقيم فيها.

(462) أصيلا (بضم الألف و فتح الصاد أو بفتح الألف و كسر الصاد) و بالإسبانيةArcila ، مدينة على ساحل المحيط الإطلنطي بالقرب من مضيق جبل طارق.

101

قلت فمدينة سلا (463)، قال العقيلة المفضّلة، و البطيحة المخضّلة، و القاعدة المؤصّلة، و السورة المفصّلة، ذات الوسامة و النضارة، و الجامعة بين البداوة و الحضارة. معدن القطن و الكتّان، و المدرسة و المارستان، و الزاوية كأنها البستان و الوادي المتعدّد الأجفان، و القطر الآمن عند الرجفان، و العصير العظيم الشان، و الأسواق الممتازة حتى برقيق الحبشان. اكتنفها المسرح و الخصب الذي لا يبرح، و البحر الذي يأسو و يجرح، و شقّها الوادي يتمّم محاسنها و يشرح. و قابلها الرّباط (464) الذي ظهر به من المنصور الاغتباط، حيث القصبة و الساباط (465) و وقع منه بنظرة الاعتباط، فاتسع الخرق و عظم الاشتطاط، و بعد الكمال يكون الانحطاط.

إلى شالة (466) مرعى الذمم و نتيجة الهمم، و مشمخ الأنوف ذوات الشمم، و عنوان بر الدّيّم، حيث الحسنات المكتتبة، و الأوقاف المرتبة، و القباب كالأزهار مجودة بذكر الله أناء الليل و أطراف النهار، و طلل حسّان المثل في الاشتهار (467). و هي على الجملة من غيرها أوفق، و مغارمها لاحترام الملوك الكرام أرفق، و مقبرتها المنضّدة عجب في الانتظام، معدودة في المدافن العظام، و تتأتى بها للعبادة الخلوة، و توجد عندها للهموم السلوة، كما قال ابن الخطيب:

وصلت حثيث السير فيمن فلا الفلافلا خاطري لمّا نأى و انجلى انجلى‏

و لا نسخت كربي بقلبي سلوة* * * فلمّا سرى فيه نسيم سلا سلا

____________

(463)Sale راجع ما سبق أن قيل عن هذه المدينة في الرسالة الثانية ص (39).

(464) مدينة رباط عاصمة المغرب الأقصى اليوم، بناها الخليفة المنصور أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (554- 595 ه) أعظم ملوك الموحدين، و سمّاها (رباط الفتح) و هذه المدينة تقابل و تواجه مدينة سلا فقيل الرباط و سلاه و يفصلهما وادي أبو الرقراق (بور جراج) (السلاوي: الاستقصا ج 1، ص 164- 181).

(465) الساباط، سقيفة بين دارين، تحتها طريق و جمعها سوابيط و ساباطات‏

(466)Chella شالة سلا حيث مقابر ملوك بني مرين. راجع ما قلناه عنها سابقا (ص 13).

(467) إشارة إلى مسجد حسان بمدينة الرباط الذي كان من أعظم مساجد الإسلام، بناه الخليفة الموحدي يعقوب المنصور و سمّي باسم مهندسه حسّان. و قد تعرض هذا المسجد لحريق و زلزال أطاح بطرف صومعته و صار مضرب الأمثال في الشهرة و الاعتبار.

102

و كفى بالشابل رزقا طريا، و سمكا بالتفضيل حريّا، يبرز عدد قطر الديم، و يباع ببخس القيم، و يعمّ حتى المجاشر (468) النائية و الخيم. إلا أن ماءها لا يروى به وارد، لا كريم و لا بارد، و أليفها شارد، و الخزين بها فاسد، و بعوضها مستأسد، راضع غير مفطوم، و اسم للخدّ و الخرطوم بذيالك الخرطوم، خالع للعذار غير مخطوم. تصغي لرنته الآذان، و يفتك بوكز السنان، كالقوس تصمي الرمايا و هي مرنان، و ديارها في الماء دار عثمان، و طواحنها غالية الأثمان، و كثبانها العفر تلوث بيض الثياب، طيّ العياب. و عابر واديها إلى مأرب أكيد في تنكيد، إلى غلبة الإمساك و خوض النّسّاك، و كثرة أرباب الخطط، و الإغياء في الشطط، تذود عن جنّاته للأسد جنان فلا يلتذّ بقطف العنقود منها بنان، و في أهلها خفّة، و ميزانها لا تعتدل منه كفّة.

قلت فأنفا (469)، قال جون‏ (470) الحطّ و الإقلاع، و مجلب السلاع، تهدي إليها السفن شارعة، و تبتدرها مسارعة، تصارف برّها الذهبي بالذهب الإبريز، و تراوح برّها و تغاديه بالتبريز.

يكثر الطير حيث ينتثر الحبّ (م) و تغشى منازل الكرماء

و خارجها يفضل كل خارج، و قانصها يجمع بين طائر و دراج، و فواكهها طيبة، و أمطار عصيرها صيّبة. و كيلها وافر، و سعرها عن وجه الرخاء سافر، و ميرتها لا ينقطع لها خفّ و لا حافر، لكنّ ماءها و هواءها عديما

____________

(468) المجاشر اصطلاح أندلسي بمعنى القرى و الضياع‏

(469) آنفاAnfa ، و هي المعروفة اليوم باسم الدار البيضاءCassblanca ، و هي مدينة كبيرة على ساحل المحيط الإطلنطي بالمغرب الأقصى، و تقع على مسافة ستين ميلا شرقي أزمور. و هي مشهورة بمنتجاتها الزراعية و أشجار الفواكه. و كانت هذه المدينة تنافس ثغر قادس البرتغالي، و نتج عن هذا التنافس التجاري أن دمرتها الأساطيل البرتغالية عام 1465 ثم أعيد بناؤها سنة 1515.

انظر.

( Juan Leon africano: Descripcion de africa p 701- 801 )

(470) الجون: ضرب من القطا سود البطون و الأجنحة و لعلّه يريد من وراء ذلك أن المدينة كانت بمثابة محط للسفن التي تشبه الجون في نزولها و إقلاعها.

103

الصحة، و العرب عليها في الفتن ملحّة، و الأمراض بها تعيث و تعبث، و الخزين بها لا يلبث.

قلت فأزمّور (471)، قال جار واد وريف، و عروس ربيع و خريف، و ذو وضع شريف، أطلّت على واديه المنازه و المراقب، كأنها النجوم الثواقب، وجلت من خصبه المناقب، و ضمن المرافق نهره المجاور و بحره المصاقب. بلد يخزن الأقوات، و يملأ اللهوات، باطنة الخير، و إدامة اللحم و الطير، و ساكنه رفيه، و لباسه يتّحد فيه، و مسكنه نبيه، و حوته الشابل ليس له شبيه. لكنّ أهله إنما حرثهم و حصادهم اقتصادهم فلا يعرفون ارضاخا، و لا وردا نضّاخا، يترامون على حبّة الخردل بالجندل، و يتضاربون على الأثمان الزيوف بالسيوف. بربريّ لسانهم كثير حسانهم، قليل إحسانهم، يكثر بينهم بالعرض الافتخار، و يعدم ببلدهم الماء و الملح و الفخّار.

قلت فتيط (472)، قال معدن تقصير، و بلد بين بحري ماء و عصير و رباط للأولياء به سرور و اغتباط. و مساجدها تضيق عنه المدائن منارا عاليا، و بقلادة الإحكام حاليا؛ إلا أن خارجها لا يروق عين المقيم و المسافر، و لا يشوق بحسن سافر، و مؤمنه يشقى بصداع كافر، و حماه عدو كل خفّ و حافر، فلو لا ساكنه لم ينبس يوم فخر، و لم ينم إلا إلى صخر.

قلت فرباط آسفي‏ (473) قال لطف خفيّ، و جناب حفيّ، و وعد وفيّ،

____________

(471) أزمورAzammur ، مدينة على ساحل المحيط الإطلنطي بالمغرب الأقصى، و تقع على الضفّة اليسرى لمصبّ نهر أم الربيع.

راجع‏J .Leon africano :Op .cit .p 38) ؛ التعريف بابن خلدون ص 44 حاشية 4).

(472) تيطTit ، مدينة قديمة في إقليم دكالة و تقع على ساحل المحيط الإطلنطي على مسافة 24 ميلا من مدينة أزمور و على بعد 10 ك. م جنوبي مازكان).Mazagan الجديدة الحالية) و تيط معناها العين بالبربرية و منها تطوان أي العيون السبعة.

انظر.(J .Leon :Op .cit .p .18)

(473) آسفي‏Safi ، مدينة بالمغرب الأقصى على ساحل المحيط الإطلنطي و قد ضبطها ابن خلدون بالسين المفتوحة بينما كتبها ليون الإفريقي (الوزان) بسكون السين (ص 79) و كذلك فعل المستشرق ليفي بروفنسال نقلا عن كتاب المسند الصحيح الحسن في مآثر مولانا أبي الحسن لابن مرزوق (ص 35، 81). هذا و قد ورد سبب تسمية هذه المدينة بهذا الاسم في قصّة

104

و دين ظاهره مالكي، و باطنه حنفيّ. الدماثة و الجمال، و الصبر و الاحتمال، و الزهد و المال، و السذاجة و الجلال. قليلة الأحزان، صابرة على الاختزان، وافية المكيال و الميزان، رافعة اللواء، بصحة الهواء. بلد موصوف، برفيع ثياب الصوف، و به تربة الشيخ أبي محمد صالح، و هو خاتمة المراحل، لمسوّرات ذلك الساحل. لكن ماءه قليل، و عزيره لعادية من يواليه من الأعراب ذليل.

قلت فمدينة مرّاكش‏ (474)، قال فتنفّس الصعداء، و أسمع البعداء، و قال درج الحلّي، و برج النيّر الجلي، و تربة الولي، و حضرة الملك الأوّليّ، و صرح الناصر الولي. ذات المقاصير و القصور، و غابة الأسد الهصور و سدة الناصر و المنصور. بعدت من المركز دارتها، و جرت على قطب السياسة إدارتها، و سحرت العيون شارتها، و تعبد الإباءة إشارتها، و خاضت البحر الخضمّ نذارتها و بشارتها. اقتعدت البسيط المديد، و استظهرت بتشييد الأسوار و أبراج الحديد، و بكى الجبل من خشيتها بعيون العيون، فسالت المذانب كصفاح القيون، و قيدت طرف الناظر المفتون، أدواح الشجر بها و غابات الزيتون.

فما شئت من انفساح السكك، و سبوغ الشكك، و انحلال التكك، و امتداد الباع في ميدان الانطباع، و تجويد فنون المجون بالمد و الإشباع. زيتها الزمن يعصر، و خيرها يمد و لا يقصر، و فواكهها لا تحصى و لا تحصر. فإذا

____________

الفتية المغررين أو المغربين من أهل لشبونة حينما نزلوا بهذا المكان و ظنّوا أنهم في بلدهم لشبونة. فلمّا علموا أن بينهم و بين مدينتهم مسيرة شهرين، قال زعيمهم: وا أسفى!! فسمي المكان إلى اليوم أسفى. انظر (زكي حسن: الرحالة المسلمون في العصور الوسطى ص 49).

انظر كذلك (عبد الحميد العبادي: حديث الفتية المغررين من أهل لشبونة- مجلة الثقافة بالقاهرة (1941) عدد 136). و لعلها من أسفو و هي كلمة بربرية بمعنى الضوء نسبة إلى المغارات التي كانت تقام على السواحل.

(474) مراكش:Marruecos بالفتح ثم التشديد و ضم الكاف، مدينة عظيمة بالمغرب الأقصى.

أسسها يوسف بن تاشفين ملك المرابطين عام 454 ه (1062 م) و استمرّت هذه المدينة عاصمة للدولة أيام المرابطين و الموحدين ثم قلت مكانتها السياسية في عهد بني مرين عند ما صارت مدينة فاس عاصمة لدولتهم‏

(مراصد الاطلاع ج 3، ص 1251؛.j .leon :op .Cit .P .76 -86)