خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس‏

- محمد بن عبد الله بن الخطيب المزيد...
175 /
105

تناصف الحرّ و البرد، و تبسّم الزهر و خجل الورد، و كسا غدرانها الحائرة الحلق السرد، قلت انجز للمتقين من الجنّة الوعد، و ساعد العسد، و ما قلت إلا بالذي علمت سعد. و منارها العلم في الفلاة، و منزلته في المآذن منزلة والي الولاة، إلا أن هواءها محكم في الجباه و الجنوب، يحمي عليها بكير الجنوب، و حمياها كلفة بالجسوم، طالبة ديونها بالرسوم، و عقاربها كثيرة الدبيب، منغّصة مضاجعة الحبيب. و خرابها موحش هائل، و بعد الأقطار عن كثير من الأوطار بها حائل، و عدوّها ينتهب في الفتن أقواتها، و جرذان المقابر تأكل أمواتها. و كانت أولى المنازل بالإغياء (475) لو أنها اليوم معدودة في الأحياء.

قلت فأغمات‏ (476)، قال بلدة لحسنها الاشتهار، و جنّة تجري من تحتها الأنهار، و شمامة تتضوع منها الأزهار، متعددة البساتين، طامية بحار الزياتين، كثيرة الفواكه و العنب و التين. خارجها فسيح، و المذانب فيه تسيح، و هواؤها صحيح، و قبولها بالغريب شحيح، و ماؤها نمير، و ماء وردها ممدّ للبلاد و ممير. إلا أن أهلها يوصفون بنوك و ذهول، بين شبان و كهول، و خرابها يهول، و عدوّها تضيق لكثرته السهول، و أموالها لعدم المنعة في غير ضمان، و نفوسها لا تعرف طعم أمان.

قلت فمدينة مكناسة (477)، قال مدينة أصيلة، و شعب المحاسن و فصيلة،

____________

(475) الإغياء: بلوغ الغاية في الشرف و الأمر.

(476) مدينة أغمات‏Agmet و تقع في جنوب مدينة مراكش على سفوح جبال أطلس (انظر صفحة 93 حاشية 3 من هذا الكتاب).

(477) مكناسة:(Mequinez) بكسر الميم و سكون الكاف. إحدى مدن المغرب الأقصى، في جنوب غرب فاس سمّيت باسم قبيلة مكناسة البربرية التي اختطتها. و قد ازدهرت هذه المدينة أيام بني مرين، و لا تزال بها مدرسة السلطان أبي عنان فارس، تلفت الأنظار. و لهذه المدينة تاريخ حافل مجيد، و لهذا عنى بها المؤرخون، فكتبوا عنها كتبا كثيرة، نذكر منها: (كتاب الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون) لمحمد بن أحمد بن غازي العثماني المكناسي (فاس 1326)؛ و كتاب (إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس) للمولى عبد الرحمن بن زيدان. طبع منه خمسة أجزاء بالمغرب.

انظر (التعريف بابن خلدون ص 221 حاشية 3) و الاستزادة في هذا الموضوع راجع: (

Monographie de Mequinez, Journal Asiatique 5581, I, p. 101- 741 )

راجع كذلك‏(C .Brockelmann :Gesch der Arab .Lit .II ,p .042)

106

فضّلها الله و رعاها، و أخرج منها ماءها و مرعاها. فجانبها مريع، و خيرها سريع، و وضعها له في فقه الفضائل تفريع. عدل فيها الزمان، و انسدل الأمان، و فاقت الفواكه فواكهها و لا سيّما الرّمّان، و حفظ أقوالها الاختزان، و لطفت فيها الأواني و الكيزان، و اعتدل للجسوم الوزان، و دنا من الحضرة جوارها، فكثر قصّادها من الفضلاء و زوّارها. و بها المدارس و الفقهاء، و لقصبتها الأبّهة و البهاء، و المقاصير و الأبهاء. إلا أن طينها ضحضاح، لذي الظرف فيه افتضاح، و أزقّتها لا يفارقها القذر، و أسواقها يكثر بها الهذر، و عقاربها لا تبقي و لا تذر، و مقبرتها لا يحتجّ عن إهمالها و لا يعتذر.

قلت فمدينة فاس‏ (478)، فقال رعى الله قطرا تربه ينبت الغنى، و آفاقه‏

____________

(478) مدينة فاس:Fez ، أسسها الأمير إدريس الأول 172 ه (789 م). على أن المؤسس الحقيقي لهذه المدينة هو ابنه إدريس الثاني باعتراف جميع المؤرخين. ففي أوائل عهد هذا الأخير، هاجر إلى المغرب الأقصى عدد كبير من أهل الربض بضواحي قرطبة. و ذلك بعد أن ثاروا على أميرهم الأموي الحكم بن هاشم و اضطر إلى طردهم نهائيا من الأندلس.

و لقد رحب الأمير إدريس الثاني بهؤلاء الربضيين اللاجئيين، و عرض عليهم الإقامة في مدينة فاس الناشئة، فاستجابوا إلى طلبه و انتقلوا إلى عاصمة الأدارسة و نقلوا معهم مظاهر الحضارة الأندلسية الراقية خصوصا و أن معظمهم كانوا من أهل الحرف و الصناعة و الزراعة، فأعطوا المدينة طابعا أندلسيا جميلا في صناعتها أو في أبنيتها الأندلسية البيضاء ذات الحدائق الداخلية في أحواشها.(Los Patios) و هكذا سيطر الأندلسيون على مدينة فاس لدرجة أنها سمّيت باسمهم و عرفت بمدينة الأندلسيين.

في ذلك الوقت أيضا كان الأمير إدريس الثاني، قد أسس مدينة مقابلة لمدينة فاس و لا يفصلها عنها سوى نهير صغير، و أسماها العالية، و سكنها جماعة من عرب إفريقية (المغرب الأدنى) من نواحي مدينة القيروان و لهذا سمّيت بمدينة القرويين، (نسبة للقيروان)، و بمضي الزمن غلب اسم فاس على المدينتين و صارت تشمل عدوة القرويين و عدوة الأندلسيين. و لا يزال جامع القرويين ... الكعبة العلمية التي يؤمها طلاب من سائر أنحاء المغرب.

و حينما استولى المرابطون على المغرب، نزلوا فاس أول الأمر ثم بنوا مدينة مراكش و جعلوها قاعدة لملكهم لقربها من موطنهم الأصلي بالجنوب، ثم أتى الموحّدون بعدهم فنزلوا مدينة مراكش أيضا و اتخذوها دارا لملكهم للغرض نفسه. ثم جاء ملوك بني مرين فاتخذوا مدينة فاس عاصمة لهم، و بنى الأمير أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني بالقرب منها مدينة فاس الجديدة سنة 674 ه (1275 م) و اتخذها عاصمة ملكه و كانت تسمّى بالمدينة البيضاء و بالبلد الجديد و المدينة الجديدة.

انظر كذلك (ابن أبي زرع الفاسي: الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب و تاريخ مدينة فاس. و نشره و ترجمه إلى اللاتينية المستشرق طرنبرغ‏C .Tornberg (Upsala 3481 -6481)

107

ظل على الدين ممدود، نعم العرين لأسود بني مرين، و دار العبادة التي يشهد بها مطرح الجنّة و مسجد الصابرين، و أم القرى، و مأمّ السّرى، و موقد نار الوغى و نار القرى، و مقر العز الذي لا يهضم و كرسي الخلافة الأعظم، و الجريّة التي شقها ثعبان الوادي فما ارتاعت، و الأبيّة التي ما أذعنت أذعانها للأيالة المرينية و لا أطاعت. أي كلف و كلف، و متفق و مختلف، و محاباة و ذلف، و قضيم و علف، و خلف عن سلف، إنما الدنيا أبو دلف. سألت عن العالم الثاني، و محراب السبع المثاني، و معنى المغاني، و مرقص النادب و الغاني، و إرم المباني، و مصلّى القاصي و الداني، هي الحشر الأول، و القطب الذي عليه المعوّل، و الكتاب الذي لا يتأوّل، بل المدارك و المدارس، و المشايخ و الفهارس، و ديوان الراجل و الفارس، و الباب الجامع من موطأ المرافق، و لواء الملك الخافق، و تنّور الماء الدافق، و محشر المؤمن و المنافق، و سوق الكاسد و النافق، حيث البنى التي تنظر إليها عطارد فاستجفاها، و خاف عليها الوجود أن يصيبها بعينه الحسود فسترها بالغور (479) و أخفاها.

و الأسواق التي ثمرات كل شي‏ء إليها جبيت، و الموارد التي اختصّت بالخصر و حبيت، و المنازه المخطوبة، و صفاح الخلج المشطوبة، و الغدر التي منها أبو طوبة.

بلد أعارته الحمامة طوقها* * * و كساه ريش جناحه الطاؤوس‏

فكأنما الأنهار فيه مدامة* * * و كأن ساحات الديار كؤوس‏

اجتمع بها ما أولده سام و حام، و عظم الالتئام و الالتحام، فلا يعدم في مسالكها زحام. فأحجارها طاحنة، و مخابزها شاحنة، و ألسنتها باللغات المختلفة لاحنة، و مكاتبها مائجة، و رحابها متمائجة، و أوقافها جارية، و الهمم فيها إلى الحسنات و أضدادها متبارية. بلد نكاح و أكل، و ضرب و ركل و امتياز

____________

- انظر أيضا (السلاوي الناصري: الاستقصاء ج 2، ص 22، ابن خلدون: العبر ج 7، ص 194- 195) ابن القاضي: جذوة الاقتباس (فاس 1309).

Levi Provencal: La Fonclation de Fes( Paris 9391 )

راجع كذلك‏(Enc .ISl .Art ,fas ,II PP .27 -08 و ما بها من مراجع).

(479) الماء الغائر، الكهف، ما انحدر من الأرض، القعر من كل شي‏ء

108

من النساء بحسن زيّ و شكل، يتنبه بها الباه‏ (480)، و تتلّ الجباه، و توجد للأزواج الأشباه، إلى وفور النشب و كثرة الخشب، و وجود الرقيق و طيب الدقيق، و إمكان الإدام، و تعدد الخدام، و عمران المساجد و الجوامع و إدامة ذكر الله في المآذن و الصوامع.

و أما مدينة الملك‏ (481) فبيضاء كالصباح، أفق للغرر الصباح، يحتقر لإيوانها إيوان كسرى، و ترجع العين حسرى، و مقاعد الحرس، و ملاعب الليث المفترس، و منابت الدوح المغترس، و مدرس من درّس أو درس، و مجالس الحكم الفصل و سقائف الترس و النصل، و أهداف الناشبة أولى الخصل، و أوا وين الكتاب، و خزائن محمولات الأقتاب، و كراسي الحجّاب، و عنصر الأمر العجاب. إلى الناعورة (482) التي مثلت من الفلك الدوّار مثالا، و أوحى الماء إلى كل سماء منها أمرها فأبدت امتثالا، و مجّت العذب البرود سلسالا، و ألفت أكوابها الترفّه و الترف فإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.

و قوراء من قوس الغمام ابتغوا لها مثالا أداروها عليه بلا شكّ‏

فبين الثريا و الثرى سد جرمها* * * و للفلك الدوّار قد أصبحت تحكي‏

تصوغ لجين النهر في الروض دائما* * * دراهم نور قد خلصن من السبك‏

و ترسل من شهبانها ذا ذؤابة* * * فتنفي استراق السمع من حوزة الملك‏

تذكرت العهد الذي اخترعت به‏* * * و حنّت فما تنفك ساجعة تبكي‏

ثم قال، إلا أن حرّ هذه المدينة مذيب، و ساكنها ذيب‏ (483) و مسالكها

____________

(480) من الطريف أننا نجد في كتاب روض القرطاس المنسوب لابن أبي زرع عبارة تشير إلى أن مياه الجداول التي تخترق مدينة فاس تمتاز بخصائص عجيبة من ضمنها أنها تنبّه شهوة الجماع إذا شربت على الريق، و تغسل بها الثياب من غير صابون فتبيضها و تكسوها رونقا و بصيصا و رائحة طيبة كما يفعل الصابون. هذا و من المعروف أن النهر الذي يمر بمدينة فاس متفرّع من نهر سبو.(Sebu) و كان يعرف بوادي فاس و يسمى الآن وادي الجواهر.

انظر (ليفي بروفنسال: نخب تأريخية جامعة لأخبار المغرب الأقصى ص 22، باريس 1948.

(481) يقصد فاس الجديدة

(482) الناعورة و الناعور: آلة لرفع الماء قوامها دولا ب كبير و قواديس مركبة على دائرة، و الجمع نواعير.

(483) يقصد ذئب.

109

و عرة، و ظهائرها متسعرة، و طينها هائل، و زحامها حرب وائل، إن نشد الجفاء ناشد، فهي ضالّته المنشودة، أو حشد أصنافه حاشد، فهي كتيبته المحشودة. إلى بعد الأقطار، و عياث الميازب أوقات الأمطار، و الاشتراك في المساكن و الديار، على الموافقة و الاختيار، و تجهم الوجوه للغريب، ذي الطرف المريب، و غفلة الأملس عن الجريب و دبيب العقارب، أرسالا كالقطا (484) القارب‏ (485)، و أهلها يرون لأنفسهم مزيّة الفضل، و يدينون في مكافأة الصنائع البالغة بالعضل‏ (486). يلقى الرجل أبا مثواه فلا يدعوه إلى بيته، و لا يسمح له ببقله و لا بزيته، فلا يطرق الضيف حماهم، و لا يعرف اسمهم و لا مسمّاهم، إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات، و قليل ما هم.

و مقبرتهم غير نابهة، و أجدائها غير متشابهة، مشربة حيوان، و مشبعة جرذان، غير وان.

قلت فما تقول في آقر سلوين، قال واد عجيب، و بلد لداع الإيناع مجيب، مخضرّ الوهاد و المتون، كثير شجر الجوز و الزيتون، كنفته الجبال الشم، و حنا عليه الطود كما تحنو على ولدها الأم، فهواؤها ملائم، و العنب على الفصول دائم، إلا أن الشمس لا تطرقه بنوال، و لا ترمقه إلا وقت زوال، قد باء بالحظ الموكوس، و انكمش تحت إبط الظل المنكوس، فجوّه عديم الطلاوة، و عنبه للبرد قليل الحلاوة.

قلت فسجلماسة (487)، فقال تلك كورة و قاعدة مذكورة، و مدينة محمودة مشكورة. كانت ذات تقديم، و دار ملك قديم، و بلد تبر و أديم، و منمي تجر و مكسب عديم. معدن التمر، بحكمة صاحب الخلق و الأمر، تتعدّد أنواعه فتعيي الحساب، و تجم بها فوائده فتحسب الاقتناء و الاكتساب.

____________

(484) القطا و مفردها قطاة و هو طائر في حجم الحمام.

(485) القارب: الطالب الماء ليلا.

(486) أي القبيحة.

(487) سجلماسه، بكسر السين و الجيم و سكون اللام، مقاطعة و مدينة في جنوب المغرب الأقصى تسمى الآن تافيلالت.

انظر (ياقوت: معجم البلدان ج 5، ص 41، التعريف بابن خلدون ص 40 حاشية 1)

110

قد استدار بها لحلق السور الأمر العجاب، و القطر الذي يحار في ساحته النجاب، فضرب منه على عذارها الحجاب، باطنه فيه الرحمة، و ظاهره من قبله العذاب. يحيط بها مرحلة راكب، و يصيّرها سماء مخضرة ذات كواكب. فمنازلها لا تنال بهوان، و فدنها و دمنها تحت صوان، و نخلها تظل من خلف الجدار، و تتبوأ الإيمان و الدار، و حللها مبثوثة بين الدمن، و ضياعها تتملك على مرّ الزمن، و سوائمها آلفة للسمن، موجودة بنزر الثمن، و فواكهها حميمة، و نعمتها عميقة، و سورها حصين مشيّد، و جسرها يعجز عن مثله معتصم و رشيد، و سقيها يخص دار الملك بحط معلوم، و يرجع إلى وال يكف كل ظلوم. و هي أم البلدان، المجاورة لخدود السودان فتقصدها بالتبر القوافل، و تهدي إلى محاربها النوافل. و الرفاهية بها فاشية، و النشا في الحلية ناشية، لكنها معركة غبار، و قتيل عقربها جبار (488)، و لباسها خامل، و الجفاء بها شامل، و الجو يسفر عن الوجه القطوب، و المطر معدود من الخطوب، لبناء جدرانها بالطوب، و القرع بؤوس أهلها عابث، و العمش في جفونهم لابث، و الخصا يصيبهم، و يتوفر منه نصيبهم.

قلت فتازا (489)، قال بلد امتناع، و كشف قناع، و محل ريع و إيناع، و وطن طاب ماؤه، و صحّ هواؤه، و بان شرافه و اعتلاؤه، و جلّت فيه مواهب الله و آلاؤه. عصيره مثل، و أمر الخصب به ممتثل، و فواكهه لا تحصى، يمار بها البلد الأقصى، و حبوبه تدوم على الخزن، و فخاره آية في لطافة الجرم و خفّة الوزن، إلا أن ريحه عاصف، و برده لا يصفه واصف، و أهله في و بال، من معرّة أهل الجبال، و ليوثه مفترسة، و أخلاق أهله شرسة.

____________

(488) الجبار: الهدر، يقال ذهب دمه جبارا أي هدرا دون أن يؤخذ بثأره.

(489) تازا (تازة)Taza تقع في شرق مدينة فاس بنحو 127 ك. م، و تمتاز هذه المدينة بموقع استراتيجي ممتاز جعلها منذ أقدم العصور مركزا حربيا له خطورته. و لمكانتها الحربية اتخذها الحسن بن إدريس الثاني مقرا حربيا، و عني بها عبد المؤمن الموحدي فجعلها حصنا مانعا و في أيام بني مرين اتخذها أبو يعقوب المريني قاعدة لغزو تلمسان و لا تزال إلى اليوم مركزا حربيا له أهميته. و ينسب إلى هذه المدينة علماء كثيرون.

انظر (التعريف بابن خلدون ص 134 حاشية 2، تاج العروس ج 4، ص 12)

111

قلت فغساسة (490)، قال فريسة و أكيلة، و حشف و سوء كيلة، إلا أنها مرسى مطروق، بكل ما يروق، و مرفأ جارية بحريّة، و محطّ جباية تجريّة.

ثم لما وصل إلى هذا الحد، نظر إلى حاج السوق قد أفاض، و مزاده أعمل فيه الانفاض، و علوّ الأصوات به قد صار إلى الانخفاض. فقال وجب اعتناء بالرحيل و اهتمام، و كل شي‏ء إلى تمام. و مددت يدي إلى الوعاء فخرقته، و إلى العين فأرّقته، و قلت له لأحكّمنّك من كرام بني الأصفر، في العدد الأوفر، مائلة في اللباس المزعفر. فلمّا خضب كفّيه بحنّائها، و حصلت النفس على استغنائها، استدناني، و شبّك بنانه ببناني، و قال لا حبط عملك، و لا خاب أملك، و لا عدم المرعى الخصيب هملك، فلنعم مغلي البضائع، و حافظ الفضل الضائع، و مقتني الفوائد، و معوّد العوائد. و ستثبتّ مخيلته، فإذا الشيخ و تلميذه، و حماره و نبيذه، و قد تنكّر بالخضاب المموّه، و الزيّ المنوه و عاث بخد الغلام الشعر المشوّه. فقلت، هيه أبت المعارف أن تتنكر، و الصباح أن يجحد أو ينكر، كيف الحال بعدي، و ما اعتذاراك عن إخلاف وعدي، فقال:

خذ من زمانك ما تيسّر* * * و اترك بجهدك ما تعسّر

و لرب مجمل حالة* * * ترضى به ما لم يفسّر

و الدهر ليس بدائم‏* * * لابد أن سيسوء إن سر

و اكتم حديثك جاهدا* * * شمت المحدث أو تحسّر

و الناس آنية الزجاج إذا عثرت به تكسر

لا تعدم التقوى فمن‏* * * عدم التقي في الناس أعسر

و إذا امرؤ خسر الإله‏* * * فليس خلق منه أخسر

ثم ضرب جنب الحمار، و اختلط في الغمار، و تركني أتقرّى الآثار، و كل نظم فإلى انتثار.

____________

(490) غساسه: تقع عند مصب نهر ملويه‏Muluia بالبحر المتوسط، و هناك كانت قبائل بطويةButhoia .

راجع (ابن خلدون: العبر ج 6 ص 101- 102،.J .Leon :op .cit .p .081)

112

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

113

الرسالة الرابعة رحلة لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب عن كتاب نفاضة الجراب في علالة الاغتراب‏

[لوحة رقم 2] بسم الله الرحمن الرحيم، صلّى الله على سيدنا محمد و آله ...

فصل في ذكر جبل هنتاته‏ (491)

____________

(491) هنتاته: بكسر الهاء و فتحها، و سكون النون، و فتح التاء الفوقية، بعدها ألف ممدودة ثم تاء مفتوحة بعدها هاء للتأنيث (التعريف بابن خلدون و رحلته غربا و شرقا ص 37 حاشية 1) و هنتاته اسم يطلق على جبل من جبال أطلس كما يطلق على القبيلة المقيمة فيه. و لقد لعبت قبيلة هنتاته دورا كبيرا أيام الموحدين و بني مرين.

انظر:

( Pierre de Cenival: Les Emirs de Hintata Rois de Marrakeeh, Hesperis 7391 t. XXIV p. 542. )

و قد اختفى ذكر هنتاته بعد القرن السادس عشر الميلادي، و من المصادر الأساسية التي يرجع إليها في هذا الشأن كتاب‏(Descripcion de Africa) أي وصف إفريقيا، الذي كتبه باللغة الإيطالية في القرن السادس عشر الميلادي، الفقيه المغربي الحسن بن محمد الوزان الفاسي.

و كان هذا الرجل قد اعتنق المسيحية و سمى نفسه يوحنا ليون الإفريقي‏Juan Leon Africano ، ثم سافر إلى إيطاليا خوفا من أن يغتاله مواطنوه. و هناك اشتغل بتدريس اللغة العربية. و في آخر حياته عاد إلى تونس حيث اعتنق الإسلام من جديد و توفي عام 1532 م.

و الكتاب لأهميته العلمية قد ترجم إلى اللغة الإسبانية بواسطة معهد الجنرال فرانكو بتطوان عام 1952 كما ترجمه المستشرق ماسينيون إلى الفرنسية:Louis Massignon :Tableau

114

و عملنا على الصعود إلى الجبل المطل عليها، و الجارح المرفرف على درّاجها مقتصرين على حدود هنتاته، عنصر الدعوة، و أولياء الدولة المرينية، و حلفاء الطاعة المخصوصين برعي الجوار، و الاستماتة من دون الحرمة، و شد عروة الوفاء، و سد الخلّة و استحقاق الشّفوف‏ (492) على غيرهم و المزية، إذ كان ذلك أقوى بواعث الوجهة، و أخلص مقاصد الرحلة.

و قدمت بين يدي و صولي إلى مراكش، المخاطبة إلى عميد تلك البقعة، و شاه تلك الرقعة، صدر هذه الحدود القصوى، المتميّز بالرجاحة و الرأي و السياسة، المتفق فيه إفاضة العدل، و كف اليد، و التجافي عن مال الجباية، و المستأثر بحمد الجمهور من الرعية، و حب أولي العفاف و الخيرية، إلى النّبل الذي لا يطيش نبله، و الإدراك الذي لا يفلّ حدّه، والدهاء الذي لا يسير غوره، و المعروف الذي لا يتجاوز محالّ الضرورة حكمته، عامر بن محمد علي‏ (493) الهنتاتي، بما نصه‏ (494):

____________

geografique d`apres Leon I`Africain( Alger 6091 ).

و لقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية حديثا مرتين: الأولى على يد عبد الرحمن حميده (الرياض 1399 ه، 1979 م) و الثانية بواسطة محمد حجي و محمد الأخضر (الرباط 1400 ه، 1980 م).

هذا و قد أشار الوزان إلى جبل هنتاته باسم محرف‏Hantera هنتيرا و قال إنه جبل مرتفع جدا و أهله مشهورون بالغنى و الشجاعة. راجع (الترجمة الإسبانية ص 76- 77) راجع كذلك:

( Levi Provencal: Decoments Inedits D, Histoire Almohade p. 26 Note 4 )

(492) الشفوف بمعنى السمو.

(493) عامر بن محمد بن علي المكنى بأبي ثابت، شيخ هنتاته من قبائل المصادمة؛ تولى أحكام الشرطة بتونس في عهد السلطان أبي الحسن المريني ثم ولى الجباية لأبي عنان فارس فكفاه مؤنتها.

و كان أبو عنان يقول عنه (وددت لو أصبت رجلا يكفيني ناحية المشرق من سلطاني كما كفاني محمد بن عامر ناحية المغرب، و أتودع). انظر (ابن خلدون: العبر ج 7، ص 300- 318) و قد أورد ابن الخطيب ترجمة لهذا الشيخ في كتاب الإحاطة (لوحة 346- 347 اسكوريال) و قد أشار فيها إلى أن السلطان أبا الحسن المريني عهد إلى عامر هذا بحفظ حرمه في سفن خاصة بجوار الساحل الأندلسي و ذلك عند ما دخل بجيوشه أرض الأندلس لمحاربة الثالوث المسيحي الإسباني: قشتالة، أرغونة، البرتغال. و من المعروف أن هذه الحرب انتهت بهزيمة السلطان المريني في وقعة طريف‏Del Salado عام 741 ه (1340 م) و استشهد عدد كبير من المسلمين من بينهم والد ابن الخطيب و أخوه.

(494) نقل المقّري هذا الخطاب في كتاب نفح الطيب ج 8، ص 314- 315 (طبعة محي الدين عبد الحميد).

115

تقول لي الأظعان و الشوق في الحشا* * * له الحكم بمضي بين ناه و آمر

إذا جبل التوحيد أصبحت فارعا* * * فخيم قرير (495) العين في دار عامر

و زر تربها المعصوم‏ (496) إن مزارها* * * هو الحجّ يمضي‏ (497) نحوه كل ضامر

ستلقى بمثوى عامر بن محمد* * * ثغور الأماني من ثنايا البشائر

و لله ما تبلوه من سعد وجهة* * * و لله ما تلقاه من يمن طائر

و تستعمل الأمثال في الدهر منكما* * * بخير مزور أو بأغبط زائر

لم يكن همّي، أبقاك الله، مع فراغ البال، و إسعاف الآمال، و مساعدة الأيام و الليال، إذ الشمل جميع، و الزمن كلّه ربيع، و الدهر مطيع سميع، إلا زيارتك في جبلك الذي يعصم من الطوفان، و يواصل أمنه بين النوم و الأجفان، و أن أرى الأفق الذي طلعت منه الهداية، و كانت إليه العودة و منه البداية. فلمّا حمّ الواقع (و عجز عن خرق الدولة الأندلسية الراقع) (498) و أصبحت ديار الأندلس و هي البلاقع، و حسنت من استدعائك إياي المواقع، قوي العزم و إن لم يكن ضعيفا، و عرضت على نفسي السفر بسببك فألفيته خفيفا، و التمست الإذن حتى لا ترى في قبلة السداد تحريفا، و استقبلتك بصدر مشروح، و زند العزم‏ (499) مقدوح، و الله يحقق السول، و يسهل بمثوى الأمائل المثول، و يهيئ من قبيل‏ (500) هنتاته القبول بفضله.

فأكرم الوفادة، و أطرأ (501) بين يدي الإمارة، و أستدعى من محل سكناه بمراكش إلى دار الكرامة، و شرك في الطعام نبهاء الدولة و عليّة الخاصّة.

و أطرف من استجلاء منزله بقرة العين، انفساخ خطة، و التفاف شجرة، و جرية ماء و استبحار بركة. و استكثر من كل طرفة، و نقل من جلسة إلى‏

____________

(495) في نفح الطيب: قرار

(496) في نفح الطيب: تربة المعلوم‏

(497) في نفح الطيب: يفضي‏

(498) الزيادة عن نفح الطيب‏

(499) في نفح الطيب: للعزم‏

(500) في نفح الطيب: قبل‏

(501) أطرأ أي بالغ في مدحه‏

116

جلسة، و حرص على تتميم البر بكل حيلة.

و في يوم الاثنين المتصل بيوم القدوم، توجّهنا إلى الجبل في كنف أصحابه تحت إغراء بره، و في مركب قرة عينه، فخرجنا نستقبل بين يديه السهل، و نساير الجهة، و نشاهد الآثار، و نتخطّى المعاهد، و ننشق (3 و) النسيم البليل القريب العهد بمادة الثلج و عنصر البرد، و لما بلغنا درج الجبل، و انتحينا طريقه من السفح، و هي تركب ضفّة الوادي الملتف بعادي شجر الجور و الطرفاء و شجر الخلاف و الدردار، و أمعنّا (و) (502) كابدنا عنتا في اقتحام الوادي ذي الجرية الكثيرة الصبب، المسوقة المد، العظيمة التيار، المجهولة المخاض، و نقتحم منه أزرق شفّافا عن الحصباء، كثير الجلبات، أملس الصفاح، لذّاع البرد، عبرناه نحوا من ثلاثين مرّة في أماكن يتخلّلها الدّوح، و يعظم الرّيع، و تخصر الحرباء، و تسمو عن جانبها الجبال الشم، و الشعبات التي تزلّ بها العصم، و تفضي دروبه إلى أقوار (503) فسيحة و أجواء رحيبة، يكتنفها العمران، و يموج بها السنبل.

و لما كدنا أن نختم عدد نوب المجاز، و نأتي على عنته، تلقتنا الخيل راكضة أمام اليعسوب المتبوع عبد العزيز بن محمد الهنتاني، صنوه و حافظ سيقته، و قسيمته في قعساء عزته، الحسن الوجه، الراجح الوقار، النبيه المركب، الملوكي البزه، الظاهر الحياء المحكم الوخط إيثارا للحشمة و استكثارا من مواد التجلة على الفتاء و الجدة. فرحّب و أسهل، و ارتاح و اغتبط، و ألطف و قدّم، و صعدنا الجبل إلى حلّة سكناه، المستندة إلى سفح الطّود، و قد هيأ ببعض السهل الموطأ للاعتمار بين يدينا من المضارب كل سامي العماد، بعيد الطّنب، سويّ القامة، مقدّر التفاصيل، بديع النقش و الصنعة، ظاهر الجدة، مصون عن البذلة، يظلل من مراتب الوطاء الرفيع، و لحف الحرر (3 ط) و مساند الوشي، و انطاع مزعفر الجلد ما تضيق عنه القصور المحجّبة و الأبهاء المنضدة. و لم يكد يقر القرار، و لا تنزع الخفاف، حتى غمر

____________

(502) الواو هنا زيادة كي يستقيم المعنى‏

(503) انظر ما كتبه دوزي في معنى قور و أقوار في:

( Dozy: Supplement aux Dictionnaires Arabes. II p. 714 a )

117

من الطعام البحر، و طما الموج، و وقع البهت، و أمّل الطّحو (504)، ما بين قصاع الشيزي أفعمها الثرد، و هيل بها السمن، و تراكبت عليها لسمان الحملان الأعجاز، و أخونة تنوء بالعصبة أولي القوة، غاصّة من الآنية بالمذهب و المحكم، مهدية كل مختلف الشكل، لذيذ الطعم، مهان فيه عزيز التابل، محترم عنده سيدة الأحامرة الثلاثة (505)، إلى السمك الرضراض و الدجاج فاضل أصناف الطيّار، ثم تتلوها صحون نحاسية تشتمل على الطعام خاص من الطير و الكبّاب و اللقالق‏ (506)، يقع منها بعد الفراغ إلمام ذلك الرئيس في نفر من خاصته مما يدل على اختصاص ذلك بنفسه. و يتلو ذلك من أصناف الحلواء بين مستبطن للباب البر، و معالج بالقلو، و أطباق مدّخر الفاكهة و أوعية العود المحكم الخلق، المشتملة على مجاج الشهد. و قد قام السماط من خدام و أساودة أخذتهم الآداب و هذبتهم الدّربة، فخفّت منهم الحركة، و سكنت الأصوات، و انشمرت الأذيال، و قد اعتمّ من الآنية النحاسية للوضوء و الوقود كل ثمين القيمة، فاضل أجناسه في الطيب و الأحكام و الفخامة.

و لم يكد يفرغ من الأكل إلا و قد جنّ الليل، و تلاحق من الطعام السيل، مربيا على ما تقدم بالروية و انفساح زمان الاحتفال، و تفنن أصناف الحلواء، و تعدّى (4 و) عسليّها إلى السكر، و كان السّمر و المجالسة في كنف لألاء الشموع الضحاكة فوق المنصات النحاسية، و الأنوار اللاطونية (507).

فاستعيد الكثير من تاريخ القطر و سيره، و خبر لجأ السلطان المقدس أمير المسلمين أبي الحسن‏ (508) إلى قنتة، و التحرم بمنيع و عز جواره على تقية هيض‏

____________

(504) أي الانبساط و الامتلاء.

(505) عبارة يقصد بها أصلا اللحم و المسك و الخمر.

(506) اللقلق طائر طويل العنق و الرجلين يوصف بالذكاء و الفطنة.

(507) لعلها مشتقة من الكلمة الإسبانية لاطون‏Laton بمعنى النحاس الأصفر. و قد استعملها المقّري في (نفحه ج 1، ص 303، 362). راجع.(Dozy :Suppl .II ,p .816 a)

(508) أبو الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق (731- 749 ه) عاشر ملوك بني مرين بفاس. كان رجلا مجاهدا قويا طموحا، استطاع أن يوحد المغرب تحت سلطانه ثم يتجه بجيوشه و أساطيله نحو الأندلس لغزو الأراضي المسيحية و السيطرة على مضيق جبل طارق.

118

جناحه، و تبرّى أثيره عميد العساكر منه، و إطراق العيون عند نجدته، و تصاميم المسامع عند هاء استغاثته، و قد خذل النصير، و زلّت الأقدام و ساءت الظنون، و ما كان من إجابة هذا النّدب عبد العزيز لندائه، و التبجح بمنعة جبله، و وفور عدته، و أصيل وفائه و استصحابه إلى مقر أهله و مفزع ولده، و دفاعه بنفسه و قبيله و رضاه بتغير ما تناله الأيدي بالسهل من نعمته، فعادت قاعا صفصفا بمرآي من عينه، فعاثت فيها السنة النار بأرض البوار عن طيب من نفسه حتى لكادت الكرة أن تتاح، و الدولة أن تتداول، و الملك أن يثب، و العثرة أن يقال لها لعا. و لو لا طارق الأجل الذي فصل الخطة، و أصمت الدعوة، و رفع المنازعة. فتوفّاه الله بين السحر و النحر، و الأنف و العين، و أستأمن من بعده لمن كان خلص إليه من خدامه، و انحدر طوعا بين يدي سريره، و أبقى محل وفاته مرفّها عن الابتذال بالسكنى، مفترشا الحصباء مقصودا بالابتهال و الدعاء، فتخلفها أي منقبة شمّاء، و مأثرة بلغت ذوائبها أعنان السماء، و يدا على (4 ط) الخلق بيضاء.

و من الغد كان التوجّه إلى ذلك المحل المبارك، فاقتحمنا و عرا نزل فيه الذرّ (509)، و لا يسلكه مع الحلم الطيف. و تسنّمنا شعابا تعجز عنها العصم،

____________

غير أن الجيوش الإسبانية و من انضم إليها من جيوش المتطوعين الأوربيين انتصرت عليه في وقعة بالقرب من مدينة طريف و من نهر سلادو؛ و لذا سميت في المصادر العربية بوقعة طريف و في المصادر الإسبانيةSalado del rio و ذلك في عام 1340 م/ 741 ه و قد مات في هذه الوقعة والد ابن الخطيب و أخوه. بعد هذه الهزيمة ثار المغرب الأوسط أو الجزائر على السلطان أبي الحسن يريد الاستقلال عن فاس بزعامة بني عبد الواد كما ثار عليه ابنه فارس أبو عنان. و لم يتحمل السلطان أبو الحسن هذه الكوارث المتلاحقة، فمات حزينا شهيدا عام 749 ه عند بني عامر في جبل هنتاته. و لهذا السلطان آثار معمارية كثيرة بالمغرب الأقصى و الأوسط و بالأندلس.

راجع ترجمته في (ابن مرزوق: المسند الصحيح الحسن في مآثر مولانا أبي الحسن) و قد نشره المستشرق ليفي بروفنسال تحت عنوان:

( Un nouveau texte d histoire merinide: le musnand d Ibn Marzuk. Hesperis V 5291 )

انظر كذلك (ابن خلدون: العبر ج 7، ص 278 و ما بعدها؛ السلاوي: الاستقصا ج 2، ص 101- 102؛ المقّري: نفح الطيب ج 8، ص 319- 322)

(509) الذر: صغار النمل.

119

و تجاوزنا مهاوي مدت فيها أسراط من الخشب ترتفع عند الضرورة الفادحة، فتنقطع عمّن وراءها الآمال، إلى أن أفضينا و لم نكد إلى المحل المقصود و هي دار قوراء نبهة البنية بالنسبة إلى جنسها (510) ... ساذجة بادية ملطّخة الجدرات بالطين الأحمر، متقابلة الأشكال بيوتها، لاطية السقف غير مهذّبة الخشب، بأعلاها غرف من جنسها، يدور بداخلها برطال‏ (511) مستعل على أرجل متّخذة من اللبن، و الحجر ملبّس بالطين، و البيت حيث متوفى السلطان مفترش بالحصباء، قد ترك فيه دائرة كالقصعة تباشر الثرى، و تمكن من تربته من يقصد شفاء المرضى، و كحل العيون المرهى، إذ كان (رحمه الله) آخر ملوك العدل نشأة، لم تعرف الخبائث، و لا آثرت الملاذ مغنيا في برّ والديه مصرّفا في انتساخ الذكر الحكيم يمنى يديه، محافظا على الصلاة قيّوما عليها بالليل، كثير الصدقة و الصوم، مجالسا للعلماء، مستكشفا أحوال الرعايا، حانيا على الضعفاء، معملا في سبيل اللّه بيض الظبا (512)، صابرا على اللأواء، محتسبا في البلوى، مستشعرا شعار التقوى، ألحقه اللّه بالرفيق الأعلى. و بإزائه مصراع باب غسلت عليه جثّته الزكية، لا تتمالك العين أن تنتثر سلوك دموعها، و لا القلوب أن تأخذ الحسرة بكظمها، لما عضّ ذلك الملك الحلاحل‏ (513) من الخطب الذي عوضه من نضرة النعيم، و وجوه الغرانقة (514) الغر، و التوكّؤ على النمارق المصفوفة، و الزرابي المبثوثة، في المتبوأ الكريم، و استثقال طلعة البدر، و استجفاء هبّة النسيم بقنن الجبال الغبر، و سكنى المحال الخشن، و مفارقة الأهل و الولد عند فراق الروح للجسد. جعلنا اللّه من الدنيا على حذر و توق، و كتبنا ممن قدر قدره و لم يأمن مكره. فقعدنا

____________

(510) هنا ثلاث كلمات غير مقروءة تماما و رسمها الآح بحق بها

(511) المقصود البرطال أو البرطل: المدخل و يقابلها في اللغة الإسبانيةEl Partal و في الإنجليزيةPortico و في الفرنسيةPortique . انظر (جمال محرز: الرسوم الجدارية الإسلامية في البرطل بالحمراء ص 13- 14)، مدريد 1951.

(512) يقصد السيوف‏

(513) الحلاحل أي العظيم‏

(514) جمع غرنيق و هو طائر مائي أبيض جميل، و يطلق كذلك على الشاب الأبيض الجميل الصورة

120

و قرأنا و أفضنا في الترحم و دعونا.

و كان الانصراف بعد أن ألممنا في تلك المحلّة بمسجد إمامهم‏ (515) المهدي و دار سكناه، و أثر مدرسته و سجنه، كل ذلك من الخمول و اللطو و استهجان الآلة على حال شبيهة بمباني الدّبر (516)، و قرى النمل، و أعشاش الخشاش‏ (517) من الطير. فعجبنا من مفتاح تلك الدّوبرة المهتضمة، كيف تملك من القصور العظيمة ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة؛ و لمنبر ذلك المسجد كيف أخذ على كونه قمئ الجلسة، مصاحبا لبعض القشر، بريا من الصنعة بأزمّة المنابر المتخذة من الألوّة (518) و الصندل المقاصري في لونيه، و الأبنوس الحبشي، و أنياب الفيول، و أرعاها بعصياه، و استاقها بين يدي طاعته كالذّود الشائل و السائمة الواردة ما بين قرطبة و اشبيليّة و غرناطة و إفريقيّة (519) و المغرب، سنّة اللّه في إدالة الدول، و تعقيب النحل، ألم تر [إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده‏].

____________

(515) مهدي الموحدين أبو عبد اللّه محمد بن تومرت، مؤسس دولة الموحدين بالمغرب عام 514 ه.

قامت هذه الدولة على أكتاف قبائل المصامدة، نخص بالذكر منها قبيلة هنتاته. و توفي المهدي عام 522 ه (1128 م). أما دولة الموحدين فقد انتهت عام 668 ه بعد أن امتد سلطانها إلى الأندلس من سنة 540 إلى 609 ه تقريبا.

و كانت دعوة المهدي تقوم على أساس نفي التجسيم الذي آل إليه أهل المغرب الذين تركوا التأويل في التشابه من النصوص الشرعية و أخذوا بظواهر الأمور. و قد سمى دعوته دعوة أهل التوحيد، و أتباعه بالموحدين. و استمرت تعاليم المهدي منتشرة بين الناس حتى أواخر العصور الإسلامية بالأندلس. فيقول صاحب الحلل الموشية (ص 89- 90 نشر علوش) (Allouche إن ابن تومرت ألف كتابا سمّاه بالأمانة و آخر سماه بالقواعد- بهما تعاليمه الدينية و ما يجب على المسلم و ما يستحيل عليه و ما يجوز له- دوّنها بالعربي و البربري و هما موجودان بأيدي الناس إلى هذا العهد) (أي القرن الثامن الهجري). راجع ترجمة المهدي في (عبد الواحد المراكشي: المعجب ص 115- 125؛ ابن خلدون: العبر ج 6، ص 225- 226؛ التعريف بابن خلدون ص 234 حاشية 1؛ ابن القاضي: جذوة الاقتباس ص 97) انظر كذلك‏

( Pierre de Cenival: Les emirs des Hintata Rois de Marrakech- )Hesperis t. XXIV, 7391 (.

(516) الدبر: النحل‏

(517) الخشاش أي الضعاف‏

(518) الألوة: شجر العود، يتبخر به‏

(519) المقصود بإفريقية في المراجع العربية، مملكة تونس أو المغرب الأدنى.

121

و انحدرنا عن ذلك المرفق فأسهلنا ببطن الوادي، و أرحنا بجلسة موطأة معدّة لاستجمام السلطان (رحمه الله)، قد ظلّلتها الأشجار، تجري تحتها عين خرّارة كأعظم الأنهار فوق حصى كدرّ النحور، القريبة العهد بلجج البحور، أو كثنايا (520) الحور. تركت في تلك الجلسة أثقاب و خروت‏ (521) تفضي إليه، تجعل الجعائل‏ (522) على إمساك اليد بها برهة معتبرة، يفتضح متعاطي ذلك لخصرها (523)، و ما يؤثر البرد الشديد في حسّ عصبها. و جلب إلى ذلك المكان من الطعام و الفاكهة و الشهد ما يحار فيه الوصف.

ثم انتقلنا إلى محل النزول، و مثوى الكرامة من المضارب، و دعينا إلى الدور حيث سكنى أولئك الأشراف، يغمرنا بكل دار منها من الأطعمة ما يحار فيه الفكر و لا تنال منه إلا العين. و تشاهد من أجناس الفرش المرفوعة و المراتب المقدرة، و الستر الديباجيّة المسدولة على الأرائك الممهدة، و السيوف المعلقة، تتخللها العدّة من أصونة مدمج‏ (524) القرآن و صحيح الحديث ساكنة منها في جفون‏ (525) منقوشة محلاة بالإبريز، مقلّدة بمحامل الحرير النسيج.

و عند الانصراف إلى المضارب، أقبلت التحف و الهدايا من المقرّبات الكاملة تختال في الحلية، و الكسا الرفيعة طيّ الأوعية الرقيمة، فعجز الشكر و بان التقصير.

ثم غمر الطعام و تخلّف الشيخ عن المجالسة و المؤاكلة معتذرا عنه بألم مانع نغص لدينا النعيم، و كدر (6 و) الشّرب‏ (526) تطيرا من وداعنا إياه حلس فراش أو رهين شكاية. ثم (إنه حدسنا أنه ألم الحسباء) (527) و تذكّرنا قول الأول:

____________

(520) الثنايا: أسنان مقدم الفم.

(521) الخروت: الثقوب الضيقة.

(522) الجعائل جمع جعيلة و هي الأجر أو المكافأة.

(523) أي لبرودتها.

(524) أي الملفوفة أو المتقنة الكتابة.

(525) علب من الجلد.

(526) الشرب: الحظ و النصيب منه.

(527) هذه العبارة التي بين القوسين غير واضحة في المخطوط، و ربما كانت قراءتها كما في المتن.

122

إذا غدا الطّيب يجري في مفارقهم‏* * * راحوا كأنّهم مرضى من الكرم‏

فحقّت الظّنّة، و صدقت المخيلة.

و من الغد كان الانصراف، فشيّع و أبعد، و تألم للمفارقة و توجع، كثّر اللّه مثله، و كافأ قوله و فعله، و أورث عز تلك البقعة عقبه.

و لم أبرح يوم زيارة محل وفاة السلطان أمير المسلمين أن قلت‏ (528):

يا حسنها من أربع و ديار* * * أضحت لباغي الأمن دار قرار

و جبال عز لا تذلّ أنوفها* * * إلا لعز الواحد القهار

و مقر توحيد و أسّ خلافة* * * آثارها تنبي عن الأخبار

ما كنت أحسب أنّ أنهار الندى‏* * * تجري بها في جملة الأنهار

ما كنت أحسب أنّ أنوار الحجى‏* * * تلتاح في قنن و في أحجار

محّت جوانبها البرود و إن تكن‏* * * شبّت بها الأعداء جذوة نار

هدّت بناها في سبيل وفائها* * * فكأنها صرعى بغير عقار

لما توعدها على المجد العدا* * * رضيت بعيث النار لا بالعار

عمرت بحلة عامر و أعزها* * * عبد العزيز بمرهف بتار

فرسا رهان أحرزا قصب الندى‏* * * و البأس في طلق و في مضمار

ورثا عن النّدب الكريم‏ (529) أبيهما* * * محض الوفاء و رفعة المقدار

و كذا الفروع تطول و هي شبيهة* * * بالأصل في ورق و في إثمار

أزرت وجوه الصّيد من هنتاته‏* * * في جوّها بمطالع الأقمار

للّه أي قبيلة تركت لها النظ* * * راء دعوى الفخر يوم فخار

نصرت أمير المسلمين و ملكه‏* * * قد أسلمته عزائم الأنصار

آوت‏ (530) عليا عند ما ذهب الردى‏* * * و الروع بالأسماع و الأبصار

و تخاذل الجيش اللّهام و أصبح ال* * * أبطال بين تقاعد و فرار

____________

(528) أورد المقري هذه القصيدة في كتابيه نفح الطيب (ج 8، ص 323)؛ و أزهار الرياض (ج 1، ص 294- 295)

(529) في نفح الطيب: الكبير

(530) في نفح الطيب: وارت‏

123

كفرت صنائعه فيمّم دارها* * * مستظهرا منها بعز جوار

و أقام بين ظهورها لا يتقي‏* * * وقع الرّدى و قد ارتمى بشرار

فكأنها الأنصار لما آنست‏ (531)* * * فيما تقدم غربة المختار

لما غدا لحظا و هم أجفانه‏* * * نابت شفارهم عن الأشفار (532)

حتى دعاه اللّه بين بيوتهم‏* * * فأجاب متمثلا لأمر البارى‏

لو كان يمنع من قضاء اللّه ما* * * خلصت إليه نوافذ الأقدار

قد كان يأمل أن يكافئ بعض ما* * * أولوه لولا قاطع الأعمار

ما كان يقنعه لو امتدّ المدى‏* * * إلا القيام بحقها من دار

فيعيد ذاك الماء ذائب فضة* * * و يعيد ذاك التّرب ذوب نضار

حتى تفوز على النوى أوطانها* * * من ملكه بجلائل الأوطار

حتى يلوح على وجوه وجوههم‏* * * أثر الرعاية (533) ساطع الأنوار

و يسوّغ الأمل القصي كرامها* * * من غير ما ثنيا و لا استقصار

ما كان يرضي الشمس أو بدر الدجى‏* * * عن درهم فيه و لا دينار

أو أن يتوّج أو يقلّد هامها* * * و نحورها بإهالة و دواري‏

حقّ على المولى ابنه إيثار ما* * * بذلوه من نصر و من إيثار

فلمثلها ذخر الجزاء و مثله‏* * * من لا يضيع صنائع الأحرار

و هو الذي يقضي الديون و مثله‏ (534)* * * يرضيه في علن و في أسرار

حتى تحجّ محلة رفعوا بها* * * علم الوفاء لأعين النظار

فيصير منها البيت بيتا ثانيا* * * للطائفين إليه أي بدار

تغنى قلوب القوم عن هدي به‏* * * و دموعهم تكفي لرمي جمار

حييت من دار تكفّل سعيها ال* * * (م) محمود بالزّلفى و عقبى الدار

وضعت عليك من الإله عناية* * * ماكرّ ليل فيك إثر نهار

فلا تسل عن حسن موقعه لديه، و سرور نفسه به. و في الحين طير به‏

____________

(531) في نفح الطيب: لما أن سمت.

(532) شفارهم: أجفان عيونهم، و الأشفار: أراد بها السيوف.

(533) في نفح الطيب: العناية.

(534) في نفح الطيب: وبره.

124

إلى أخيه كبيره‏ (535) و هو على سموّ قدره و علوّ ذروته، أشد الناس إيجابا لحقّه، و انخفاضا لبأوه، و تطامنا بمجلسه، يقرضه وزان الأب في إلانة القول، و انكسار الطرف تتميما لوظائف المجد، و إقامة لسوق الحرية. فأورى عند لقائنا إياه زنده، و عقّب الصلة الجزيلة عذره، و بلغ قصبات السبق فضله.

و انحدرنا من الغد إلى مدينة أغمات وريكة (536) عن درج نزلنا لجرّاه عن الظّهر. و قدنا الدواب قودا، فجازت ناحية عن صراط بعد سياط و مياط. و اجتزنا على ديار هنتاته بذلك السفح على حدود أضدادهم الوريكيين، و قد أسهلوا و انبسطوا، و مثلت لهم الديار الحمر، تحفّ بها البساتين الخضر، تخترقها المذانب‏ (537) الزّرق. و أرحنا ن تلك الجهة بالمسجد البديع الحافل البنية، السامي المئذنة (538)، المقام لصق دار موسى بن علي الهنتاتي، البادي طللها، المنبئة عن أخبارها آثارها، توسعه ما شاء من ثناء و رحمة.

ثم أتينا مدينة أغمات في بسيط سهل موطّأ لا نشز فيه ينال جميعه السّقي الرّغد، و تركبه الخلجان و قد تموّج به العشب، و عافته الأيدي و غلّت أيدي فلاحه الفتنة. و هذه المدينة قد اختطت في الفضاء الأفيح، فبلغت الغاية من رحب الساحة و انفساح القورة، مثّلت قصبتها منها قبله، و سورها محمرّ الترب، سجح الجلدة، مندمل الخندق، يخترقها واديان اثنان من ذوب الثلج و سور الجبل، قامت بضفّتيها الأرحاء واردة و صادرة، مرفوعة

____________

(535) يقصد عامر بن محمد الهنتاتي.

(536) تقع مدينة أغمات في جنوب مدينة مراكش على سفح جبال مدينة أطلس. و كانت في ذلك الوقت عبارة عن مدينتين متقابلتين: أغمات عيلان، و أغمات وريكة. و كان بينهما عداء و قتال دائم. و كل فريق كان يصلي في الجامع منفردا. و قد زال هذا العداء فيما بعد كما زالت أغمات وريكة في القرن السادس عشر الميلادي. انظر:

( J. Leon Africano Descripcion de Africa p. 37 ).

انظر كذلك (صفي الدين البغدادي: مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة و البقاع ج 1، ص 98) انظر كذلك (البكري 339- 340)

(537) أي الجداول‏

(538) المأذنة في الأصل.

125

الأسداء، منيعة البناء. يمرّ أحدهما بشرقي المسجد الجامع طامي العباب محكم الجسور، نظيف الحافّة، نزهة للأبصار و عبرة لأعين النظّار. و مسجدها المذكور عتيق عادي كبير الساحة، رحيب الكنف متجدّد الألقاب.

و مئذنته‏ (539) لا نظير لها في معمور الأرض. أسّسها أولوهم مربعة الشكل و ما زالوا يبخسون الذرع، و يجحدون العرض، حتى صارت مجسّما كاد يجتمع في زاوية المخروط. و أدير عليه فارز من الخشب يطيف بناء (540) لاط، و قد أطل سامي جامورها (541) فوقه، فقبحت حتى ملحت و استحقت الشهرة و الغرابة.

و أهل هذه البلدة ينسب إليهم نوك‏ (542) و غفلة علّتها، إن صدقت الأخبار، سلامة و سذاجة، فتعمر بملحهم الأسمار، و تتجمل بنوادر حكاياتهم الأخبار. فمنها أن ملك المغرب لما عجب من هذه المئذنة، استأذنوه في نقلها إلى بلده على سبيل الهدية، يجعلونها تحفة قدومه، و طرفة وفادته.

و بإزائها المسجد، بينه و بين النهر المار بإزائه قبّة عظيمة القبو، فخمة البنية، ترقص فيها فوّارة خرقاء في خصّة من الحجر الأدكن مشطوفة الباطن رحيبة القطر، قد تثلّمت بعض حافاتها لمماسة الأيدي، و مباشرة أجرام الخزف و الفخار عند الاغتراف بما ينبئ عن قديم عهد و طول مدة.

و للسلطان بهذه المدينة دور حافلة تدل على همم و معالي أمم، و احتفال عوالم درجوا و أمم، قد ركلها العفا و جذب معاطفها الخراب. فما شئت من خشب منقوشة و أطم‏ (543) مرقومة.

____________

(539) و مأذنته في الأصل.

(540) كذا في الأصل و لعلّ الصواب ببناء.

(541) جامور، و جمعها جوامير أو جامورات، معناها عامود في أعلا البناء. انظر:(R .Dozy Suppi ,,t .I ,p .212 b)

(542) نوك بمعنى حمق.

(543) أطم بمعنى حصون.

126

و بداخل هذه المدينة بساتين و جنّات، و لم يبلغ الخراب من مدينة ما بلغ من هذه الأيّم‏ (544) المهتضمة، فتشعثت محاسنها، و أخلقت ملابسها و أوحش عمرانها لتتابع الفتن و عيث الشّرار لا تعبّدهم الطاعة و لا ترعهم الشريعة.

أنقذ الله من لهاة التبّار (545) فريستها و استدرك بمدافعته مسكنها.

و أطرفني الخطيب بها بأخبار من اعتقل فيها من مخلوع ملوك الأندلس و أمراء طوائفها كالمعتمد بن عبّاد، و أبي محمد عبد الله بن بلقّين بن باديس‏ (546) أمير وطننا غرناطة. و وقفني على تاريخ صدر عنه أيام اعتقاله، يشرح الحادثة على ملكه في أسلوب بليغ ختمه بمقطوعات من شعره تشهد بفضله‏ (547).

وزرت بخارجها قبر المعتمد على الله أبي القاسم بن عبّاد، أمير حمص‏ (548) و قرطبة و الجزيرة و ما إلى ذلك الصقع الغربي (رحمه الله)، و هو بالمقبرة القبليّة عن يسار الخارج من البلد، قد توقل‏ (549) نشرا غير سام و إلى‏

____________

(544) الأيم: الرجل الذي فقد زوجته أو المرأة التي فقدت زوجها، و جمعها أيائم و أيامي و أيمون و أيمات.

(545) التبار يعني الهلاك.

(546) الملك المظفر عبد الله بن بلقين بن باديس بن حبوس بن ماكسن بن زيري بن مناد الصنهاجي. ملك غرناطة و أحد ملوك الطوائف بالأندلس في القرن الخامس الهجري. و لم يقتله المرابطون حينما ملكوا الأندلس كما فعلوا بمعظم ملوك الطوائف، و اكتفوا بنفيه إلى المغرب، و لعل ذلك راجع إلى أصله البربري. انظر (ابن الخطيب: الإحاطة لوحة 213- 214)

(547) عشر المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال على هذا التاريخ القيم بجامع القرويين بفاس. و قد نشر بعضه تحت عنوان (مذكرات الأمير عبد الله آخر ملوك بني زيري في غرناطة) و ذلك في مجلة الأندلس بمدريد عامي 1935- 1936.

Levi Provencal: Les Memoires de Abd Allah, dernier roi Ziride de Grenade Al Andalus Vol. )III 5391, Vol IV 6391- 9391 (

و لقد عاد الأستاذ المذكور فأخرج النص كاملا في كتاب مستقل من مجموعة ذخائر العرب عام 1955 قبل وفاته بقليل.

(548) المقصود بحمص هنا مدينة إشبيليةSevilla ، و قد جرت عادة المسلمين في الأندلس أن يشبّهوا بعض مدنها بأسماء المدن المشرقية، فسمّوا غرناطة دمشق، و مالقه الأدرن، و تدمير (مرسية) مصر و هكذا.

(549) توقل: صعد و ارتفع.

127

جانبه قبر الحرة حظيته و سكن نفسه اعتماد إشراكا لا سمها في حروف لقبه، المنسوبة إلى رميك مولاها، المتولّعة بشأنه معها أخبار القصاص و حكايات الأسمار إلى أجداث من ولدهما. فترحّمنا عليه و أنشدته‏ (550)

قد زرت قبرك عن طوع بأغمات‏* * * رأيت ذلك من أولى المهمات‏

لم لا أزورك يا أندى الملوك يدا* * * و يا سراج الليالي المدلهمّات‏

و أنت مولى‏ (551) تخطّى الدهر مصرعه‏* * * إلى حياتي أجادت‏ (552) فيه أبياتي‏

أناف قبرك في هضب يميزه‏* * * فتنتحيه حفيّات التحيات‏

كرمت حيا و ميتا و اشتهرت علا* * * فأنت سلطان أحياء و أموات‏

ما رئي مثلك في ماض و معتقد (553)* * * في أن لا يرى الدهر في حال و لا آت‏

و زرت أجداثا لأولياء و صالحين ختمتها بقبر الولي المتبرك بن أبي عبد اللّه محمد الهزميري‏ (554).

و كان الانصراف عنها من الغد، و ماشينا أدواح الزيتون و الأشجار، تساوقها جريّات الأنهار، تتخللها أطلال الحلل و الديار نيّفا على شطر البريد لا تنال صفح ثراه الشمس و لا ترتاده الحرباء، تتجاوب أصوات الحمام المطوّق فوق غصونه. و قد اقتطعت ذلك الجناب الخصيب أيدي الوحشة، و أخيفت من حلل غابة السابلة، و سكن ربوعه الآهلة البوم، فيالها من مدينة

____________

(550) أورد المقّري هذه القصيدة في كتابيه أزهار الرياض (ج 1، ص 297) و نفح الطيب (ج 5، ص 237، ج 9، ص 198- 199)، و في مقدمة هذه القصيدة نقل عن ابن الخطيب فقرة تختلف عن التي هنا في المتن. يقول: ... وقفت على قبر المعتمد بالله في مدينة أغمات في حركة حاجة أملتها إلى الجهات المراكشية باعثها لقاء الصالحين و مشاهدة الآثار عام واحد و ستين و سبعمائة، و هو بمقبرة أغمات من نشز من الأرض و قد حفت به سدره. و إلى جنبه قبر اعتماد حظية مولاه رميك، و عليها أثر التغرب و معاناة الخمول من بعد الملك، فلا تملك العين دمعها عند رؤيتها فأنشدت ...

(551) ورد في المقّري: و أنت من لو تخطى.

(552) ورد في المقّري: لجادت.

(553) ورد في المقّري: و معتقدي.

(554) راجع ترجمة الهزميري و أخباره في‏

Levi Provencal; Le Musnad d`Ibn Marzuk Hesperis 5291 t. V farc. I p. 64 et notes 3, 4

راجع كذلك‏

( Levi Provencal; )Historiens de Chorfa, p. 322 et note 3 Paris 2291

128

غزر ماؤها و صحّ هواؤها، و أينعت أرحاؤها، وضفى عليها من المحاسن رداؤها.

و انتهبنا السهل انتهابا، فدخلنا المدينة في متمكّن الضحى، و ألفينا محلّة ولد السلطان مولانا قد استعجل الأمر استقدامها، فخيّمت على فرسخين، فشرعنا في الأياب، و انتحينا طريق الساحل لنستدرك بمدينة آسفي‏ (555) زيارة من بها من أولياء اللّه الصالحين و عباده المقرّبين.

و كل أخ مفارقه أخوه‏* * * لعمر أبيك إلا الفرقدان‏ (556)

قلت نعم و الفرقدان، سبحان من استأثر بالبقاء لا إله إلا هو.

و لقيت بهذه المدينة جملة من أولي الدين و الدنيا، فمن أهل الدنيا الشيخ الجليل كبير القطر، و مفرغ الرأي و مسيطر خاصة الإمارة، متصرّف وجوه الوجوه أبو ثابت عامر بن محمد، و أخوه‏ (557) هضبة الوقار، و نير الأفق، و زهرة روض ذلك الحزن‏ (558)، و يأقوتة ذلك الجبل، و قد مرّ من التعريف بهما ما يغني عن الإعادة. و منهم نائب الملك و حافظ الرّسم و جار القصر الشيخ الفقيه علي بن العباس بن موسى بن أبي حمّو (559)، المعتام لكفالة أولياء العهد، المستظهر بأمانته و صدقه على حفظ الأقطار المستباح الحمى في سبيل الوفاء، أجمل الشيوخ وجنة، و أسناهم شيبة، و أحسنهم صورة، إلى الخلق السهل و اللسان البليل الإطراء و البر، و الذرع الفسيح، و المخاطبة المفضلة

____________

(555) راجع ما سبق أن قلناه في تعريف هذه المدينة في (صفحة 77 حاشية 1).

(556) الفرقد: نجم قريب من القطب الشمالي يهتدى به، و بجانبه آخر أقل منه فهما فرقدان.

(557) عبد العزيز السابق الذكر.

(558) الحزن: ما غلظ من الأرض و قلّما يكون إلا مرتفعا، و جمعها حزن و حزون.

(559) لعله من أسرة بني حمو أو بني عبد الواد أو بني يغمراسن، ملوك تلمسان و المغرب الأوسط (الجزائر)، راجع تاريخهم في كتاب (أبو زكريا يحيى بن خلدون: بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد) نشره و ترجمه إلى الفرنسية الفرد بل‏Alfred Bel ، الجزائر 1903. انظر كذلك‏

( J. Barges; Histore de Beni Zeiyan, Rois de Tlemecen-

نظم الدر و العقيان في بيان شرف بني زيان- للإمام سيدي أبو عبد اللّه محمد بن عبد الجليل التنسي‏

Ouvrage traduite de l, arabe, Paris 2581 ); J. l, Histoire des Beni Zeiyan Rois de Tlemecen, ouvrage du Barges: Complement de

الشيخ محمد عبد الجليل التنسي‏(Paris 6881) .

129

بفرائد التسويد، تكرّرت على المدى زيارته، و انصرفت شطر الوجهة عنايته، و استرخصت في استجلاب القصور و المعاهد هشّته، و خفت إليها على الكبر و الرّقبة حركته.

ثم جمعت بين الغرّة العتيقة و المهنّدة المحلاة و الصامت الدّثر هديته، عن خصاصة متقرره، و حال رقيقه لقصور دخله عن خرجه، و ما جرّه كف يده، و وازع عفّته، و جناه الوفاء من نكبته. أصلح اللّه حاله، و زاده من جميل نظر الملك ما يقيم أوده.

و منهم والي الوطن، و مؤمن السبل، و جمّاعة مال الجباية، الشيخ الرئيس الفقيه أبو عبد اللّه بن حسّون بن أبي العلي و قد مرّ بعض ذكره‏ (560). و هو فريد العصر بل الدهر في الخلال المبرّة و الخصال الحرة، من مذكّر بالبرامكة، مغبّر في وجوه سبّاقهم انتهازا لفرص المكارم، و سالكا في هوى المآثر، ما شئت من مغل لبضائع الحمد، منتقب بورد الخجلة، مرسل أعنة الاعتذار في أعقاب ملوكي العطية، يهب الكتائب غانمات، و المهى مستردفات، و الجياد عرابا، يقوم على الأصلين و النطق، و هما الفنّان المهذّبان للعقل، المستدعيان لكثير من المواد، يعترف له بالتقدم في ذلك مشارك في غيره، حسن الصورة، مهيب جزل وقور حاسر عن الاطلاع و الكفاية. لم يبلغ عندي في البر مداه، و لا بلغ جناح شكر ندى كنداه. و لقد أقسم بالغموس بعد أن بان رزحه من وظائفه الباهظة (561)، و قعود زمنه عن أمله، و قصور وجده عن مرمى همّه أن لو ألفى سعته التي تعوّدها، لنقدني ثمن ما غصبته بالأندلس عن يد (562)، إبلاغا في المكارمة و نزغا إلى هدف الحرية، و استرقاقا

____________

(560) لم يرد ذكر هذا الاسم في الصفحات السابقة من هذا الجزء، فلعل إشارة ابن الخطيب هنا تعني الجزء الأول المفقود من نفاضة الجراب. و يؤيد هذا الكلام أن المقّري أورد قصيدة موجهة من ابن الخطيب إلى هذا الوالي ابن حسّون، و لم ترد هذه القصيدة في النسخة التي لدينا راجع (المقّري: أزهار الرياض ج 1، ص 289).

(561) رسمت في الأصل باهضة.

(562) من المعروف أن ضياع ابن الخطيب بالأندلس و داره الرخامية بمدينة غرناطة قد صودرت و استولى عليها السلطان المغتصب إسماعيل بن يوسف بن نصر. انظر (نفاضة الجراب لوحة 35) و هذه الإشارة تدل ضمنا على أن هذا الكتاب قد ألّفه ابن الخطيب بالمغرب كما سبق أن بينا.

130

لرقبة السؤدد، حفظ اللّه نعمته، و حاط حظوته، وردّ عنه النوائب صاغرة، و الحوادث ناكصة. و كثيرا ما خاطبته بعد وداعه من محال كرامته بالطريق من عمالته الفسيحة الخطّة، و قد الزم من نبلاء لخدامه من تمّم الوظائف و كمّل المآرب بمثل قولي:

يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن‏* * * و مشتري الحمد بالغالي من الثمن‏

و مرسل المثل الجاري بكل علا* * * فوق البسيطة من شام إلى يمن‏

يا من إذا ما حكاه الجلّة افتضحوا* * * إذ التورّم ممتاز من السمن‏

يا من تلقيت منه الخلق في رجل‏* * * و قدت نافرة الأيام في رسن‏

للّه ماذا رأت عيني و قد لمحت‏* * * ذاك الكمال و ماذا قلّدت أذني‏

دع ذكر قيصر أو كسرى و ما جمحت‏* * * به الحكاية عن سيف بن ذي يزن‏

ما الفخر إلا لملك أنت تخدمه‏* * * فحلّ‏ (563) منه محلّ الروح في البدن‏

إن لم يفز منه بالغايات مثلك أو* * * تعلو الكواكب في آفاقه فمن؟

تبأى العلا منك يوم الفخر بابن أب جمّ السيادة عفّ السر و العلن‏

ماضي العزيمة ميمون نقيبته‏* * * جار من البر و التقوى على سنن‏

إلى مضاء كنصل السيف يعضده‏* * * رأي يفرّق بين الماء و اللبن‏

أفادني زمني لقياك معتذرا* * * عمّا جناه فلا أدعو على زمني‏

من بعد لقياك لا آسى على وطر* * * مهما تعذّر أو أبكى على وطن‏

عقدت صفقة ودّي فيك رابحة* * * إن حالت الحال لا تخشى من الغبن‏

فالبس نسيجة ما قدمت معلمة* * * من صنعة اليمن تنسى صنعة اليمن‏

من زار ربعك لم تبرح جوارحه‏* * * تروى أحاديث ما أوليت من منن‏

فالعين عن قرّة و الكف عن صلة* * * و القلب عن جابر و الأذن عن حسن‏

و منهم صاحب الأشغال‏ (564) ملك الحضرة الشيخ الفقيه الموصوف بالسلامة و العفّة، الكاسع إلى صف الانقباض، المتحيّز إلى فئة العافية، المعفي‏

____________

(563) صحيحها تحل منه.

(564) صاحب الأشغال تعني وزير المالية و من الطريف أن هذه التسمية تطلق إلى الآن على وزير المالية في إسبانيا اسم‏Ministre de Hacienda أي وزير الأشغال.

131

اليد عن غمسها في كيل‏ (565) الجباية، أبو الحسين بن الرئيس الصدر، مؤمّل الدول الأولى المخصوص باليد الطولى، أبي محمد عبد اللّه بن أبي مدين‏ (566).

جالسته فرأيت ذكائه متوارثا في حجر تغافل، و سذاجة تشفّ عن ظرف، و خاطبني صحبة برنكانه‏ (567) بما نصّه:

أيا سيّدا حاز سبق العلا* * * بفضل النهى و السجايا الحسان‏

و يا نخبة الوقت و المقتدى‏* * * به في فنون علوم اللسان‏

و يا أوحد العصر في نثره‏* * * و في نظم شعر كنظم الجمان‏

بنان تريك بخط اليراع‏* * * بمهرقها سحر علم البيان‏

لقد حزت في العلم أعلامه‏* * * بحفظ النصوص و فهم المعان‏

و حزت ذرى كل شأو رفيع فلا تسألن عن فل أو فلان‏

وفّقت ابن أوس‏ (568) بنظم بديع‏* * * كما فقت نثرا بديع الزمان‏

أنار بك القطر لمّا قدمت‏* * * و ظرف الزمان و ظرف المكان‏

و أنّست منا نفوسا لها* * * بقربك ما تشتهي من أمان‏

____________

(565) رسمت كيالو.

(566) ولد بقصر كتامه (القصر الكبير) و نشأ بمكناسة و تعلّم بها و تولّى الحجابة و رئاسة الكتاب في عهد بني مرين. انظر ترجمته في كتاب روضة النسرين لإسماعيل بن الأحمر:

( ISmail Ibn Al Ahmar: Rawdat An- Nisrin, p. 17 et note 3, edition et traduction par Gh. Bouali Georges Marcais, Paris 7191 )

كذلك وردت تراجم له و لأسرته في كتاب نثر الجمان في شعر من نظمني و إياه الزمان للمؤلف نفسه إسماعيل بن الأحمر (مخطوط بدار الكتب المصرية رقم 1863 أدب لوحة 70- 71) هذا و قد ورد اسمه في كتاب المسند للخطيب ابن مرزوق كما يأتي:

(الفقيه السري الماجد الفاضل الشهير الأوحد أبي محمد عبد اللّه بن أبي مدين شعيب العثماني) راجع‏

( Levi Provencal; Un Noveau Texte D`Histoire Merenide ..., Hesperis 5291 Tome V p. 03 )

هذا و يروي إسماعيل بن الأحمر أن أبا مدين شعيب والد عبد اللّه، ليس هو أبا مدين شعيب ابن الحسين الأنصاري الإشبيلي وليّ اللّه تعالى الذي دفن بتلمسان و إنما اتفق الاسمان. انظر (نثر الجمان في شعر من نظمني و إياه الزمان لوحة 71 و)

(567) البرنكان: كلمة ليست عربية معناها الكساء الأسود بالفارسية و الجمع برانك. و قد تكلمت به العرب. انظر (المعرب للجواليقي ص 56- 69، تحقيق أحمد محمد شاكر)

(568) حبيب بن أوس بن الحارث الطائي أبو تمام الشاعر المعروف (190- 226 ه).

132

تقبّل هدية من لم يزل‏* * * يحبّك بالسمع قبل العيان‏

فلمّا رأى شخصكم زاده‏* * * ولوعا بكم حسن تلك المعان‏

سلام زكي كعرف زكي‏* * * يخصّكم ما بدا النيّران‏

و من أهل العلم و الدين الشيخ الفقيه القاضي أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه الهرغي‏ (569) الزقندري، و زقندر معدن الفضة ببعض تلك الجهات و لذلك ما قلت أداعبه:

سألتك عبد اللّه إيضاح مشكل‏* * * و أنت لكشف المعضلات بمرصد

زقندر قالوا عنه معدن فضة* * * فما باله أبداك ندرة عسجد

فاضل متفنن حسن الهيئة، راجح الوزان كثير الوقار بعيد عن الدّخلة، متساوي الظاهر و الطوية، مطّرح للهوادة، ما شئت من رجل غزير الحفظ، جيد المعرفة، مضطلع بفنون، سديد النظر، جمّ المشاركة في حديث و رواية و تاريخ و خبر و كلام و فقه و نظم و نثر، إلى فضل المجالسة و حسن العشرة و الغفلة عن نصيب النفس و الاحتطاب في حبل الرفق، و إقطاع، غبيط السذاجة و فضل الفكاهة، و الجهر بالتلاوة في سبيل الورد المترتب ناشئة الليل و مبادئ الأسحار. رحل و حجّ و لقي كثيرا من الفضلاء، و أخذ عن عدد كثير من أهل المغرب دراية و رواية. فمن المراكشيين: أبو العباس الغفائري، و أبو الحجاج الدّغوي، و أبو القاسم بن معنصر (570)، و أبو القاسم بن القشاش، و أبو عبد اللّه بن مسعود (571). و من أهل أغمات: أبو يحيى الجزولي من حفّاظ المذهب. و من الفاسيين: أبو محمد عبد العزيز

____________

(569) كتب على الهامش بخط صغير: هرغة من قبائل السوس‏

(570) هناك ترجمات عديدة لعلماء مختلفين تحت اسم (ابن معنصر) و لكني لم أعثر من بينها على ترجمة أبي القاسم الوارد اسمه هنا في المتن. راجع مثلا (ابن القاضي: جذوة الاقتباس حيث ترد في صفحة 140 ترجمة أبي الحسين بن معنصر؛ و في ص 281 ترجمة عيسى بن معنصر؛ و في ص 352 ترجمة أبي العباس بن معنصر.

(571) لعله كاتب السلطان أبي الحسن المريني و إن كان المؤرخون قد اختلفوا في صيغة اسمه ففي كتاب المسند لابن مرزوق (نفس المرجع ص 59) ورد (أبو الحسن علي بن محمد بن مسعود).

و في روضة النسرين لابن الأحمر ص 87 ورد علي بن محمد بن مسعود.

133

القروي‏ (572)، و القاضي أبو عبد اللّه بن عبد الرزاق‏ (573). و من أهل تازا (574): أبو محمد الرّجّالي. و من التلمسانيين: الشيخ الفقيه النظّار أبو موسى بن الإمام‏ (575) و القاضي أبو العباس المديوني، و الشيخ المحقق نسيج وحده في العقليات أبو عبد اللّه الآبلي‏ (576). و من التونسيين: أبو عبد اللّه بن دمعون، و ابن هارون‏ (577) و ابن عبد السلام‏ (578)، و الرواية الرحّال أبو عبد اللّه بن جابر (579) و من أهل الإسكندرية: أبو العباس بن فتوح، و جمال‏

____________

(572) راجع ترجمته و نوادره مع السلطان أبي الحسن المريني في (ابن القاضي: جذوة الاقتباس ص 269) و قد توفي بدينة فاس سنة 750 ه.

(573) القاضي الخطيب أبو عبد اللّه محمد بن علي بن عبد الرزاق؛ أشار إليه ابن القاضي في كتابه جذوة الاقتباس ص 148، ص 339.

(574) تازا:Taza مدينة بالمغرب الأقصى، تقع في شرق مدينة فاس بنحو 127 ك. م. و تمتاز هذه المدينة بموقع استراتيجي ممتاز جعلها منذ أقدم العصور مركزا حربيا له خطورته. راجع (تاج العروس ج 4، ص 12).

(575) أبو موسى بن الإمام، أحد علماء المنطق و العلوم العقلية بتلمسان، درس عليه شيوخ ابن خلدون مثل محمد الآبلي و غيره. راجع (ابن خلدون: التعريف بابن خلدون و رحلته غربا و شرقا ص 35- 36)

(576) أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم الآبلي (681- 757 ه) أحد أساتذة ابن خلدون و ابن الخطيب.

أصله أندلسي من مدينة آبله‏Avila في الشمال الغربي لمدينة مدريد ثم انتقلت عائلته إلى تلمسان بالمغرب الأوسط. و هناك عكف على تحصيل العلم و تدريسه مخالفا في ذلك اتجاه أبيه و أعمامه الذين احترفوا الجندية. رحل إلى المشرق و حج، و لقي كثيرا من العلاء ثم عاد ثانية إلى تلمسان ثم اندمج في طبقة العلماء بمجلس السلطان أبي الحسن المريني بفاس و ظل هناك إلى أن مات. راجع ترجمته في (ابن خلدون: التعريف ص 33- 38؛ ابن القاضي جذوة الاقتباس ص 144، 191؛ ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ج 3، ص 288 طبعة حيدر أباد بالهند).

(577) أبو محمد بن هارون الطائي أحد علماء تونس الذين تتلمذ عليهم ابن خلدون. انظر ترجمته في (ابن خلدون التعريف ص 19، مرآة الجنان ج 4، ص 238).

(578) أبو عبد اللّه محمد بن عبد السلام بن يوسف الهواري التونسي القاضي (676- 749 ه) انظر ترجمته في (الحسن النباهي: المرقبة العليا ص 161؛ ابن فرحون: الديباج المذهب ص 242؛ أحمد بابا: نيل الابتهاج ص 242).

(579) أبو عبد اللّه محمد بن جابر بن قاسم بن أحمد ... القيسي (673- 749 ه) الوادي آشي الأصل التونسي الاستيطان. رحل إلى المشرق مرتين و لذلك سمّاه تلميذه ابن خلدون، صاحب الرحلتين (ابن خلدون: التعريف ص 18 و حاشية 3، ابن الخطيب: الإحاطة لوحة 141- 142 (اسكوريال)، المقرّي: نفح الطيب ج 7، ص 125- 127)

134

الدين بن سلامه القضاعي، و العدل أبو الحسن بن الفرات، و المشايخ الأربعة محمد بن عبد الكريم بن عطاء اللّه‏ (580)، و إسماعيل الضرير، و أبو الحسن الإقبالي، و جمال الدين بن عبد الرزاق الربعي و ناصر الدين بن المنيّر (581).

و من أهل مصر: قاضي المالكية تقي الدين الإحساني، و أبو الحسن المارديني، و عز الدين بن جماعة (582)، و جمال الدين الدلاصي، و أبو حامد السّبوكي.

و من أهل دمشق: شهاب الدين بن فضل اللّه‏ (583) كاتب الإنشاء،

____________

(580) تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد عبد الكريم بن عطاء اللّه السكندري المالكي الصوفي الشاذلي، صحب الشيخ أبا العباس المرسي، و له مصنّفات كثيرة في التصوف، توفي بالقاهرة سنة 709 ه، و قبره لا يزال موجودا بجبانة سيدي علي أبي الوفاء الكائنة تحت جبل المقطم من الجهة الشرقية لجبانة الإمام الليثي. و قد شرح حكمه الفقيه الأندلسي أبو عبد اللّه بن عباد الرندي المتوفى سنة 792 ه. راجع (ابن حجر العسقلاني؛ الدرر الكامنة ج 1، ص 273- 274؛ أبو المحاسن النجوم الزاهرة ج 8، ص 280، المقرّي: نفح الطيب ج 7، ص 266؛ ابن فرحون: الديباج المذهب ص 70).

(581) أحمد بن محمد بن منصور ... المنعوت ناصر الدين المعروف بابن المنيّر الجروي الجذامي الإسكندري. و المنير (بضم الميم و فتح النون و ياء مشددة مكسورة) كان علامة الإسكندرية و فاضلها برع في الفقه و التفسير و له مؤلفات قيمة في هذا المضار. توفي أوائل عام 683 ه و قبره لا يزال يزار بالإسكندرية. راجع ترجمته في (ابن فرحون: الديباج المذهب ص 71- 73؛ السيوطي: حسن المحاضرة ج 1، ص 142؛ أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ج 7، ص 361؛ فوات الوفيات ج 1، ص 72؛ شذرات الذهب ج 5، ص 38).

(582) عز الدين عبد العزيز بن جماعة (694- 767 ه) قاضي قضاة مصر أيام السلطان الناصر محمد بن قلاوون. راجع ترجمته في (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ج 2، ص 379 و ما بعدها).

(583) شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يحيى بن فضل اللّه العمري. يتصل نسبه بالخليفة الثاني عمر بن الخطاب و لذلك عرف بالعمري. ولد بدمشق عام 700 ه و درس بمصر و الحجاز و توفي بمسقط رأسه سنة 749 ه. و له مؤلفات كثيرة نذكر منها: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار. و هو عبارة عن دائرة معارف تاريخية جغرافية أدبية تقع في عشرين جزءا. و له كتاب التعريف بالمصطلح الشريف و هو مجموعة رسائل ملكية نقل القلقشندي منها كثيرا؛ و له كتاب (ممالك عباد الصليب) وصف فيه دول الفرنج و نظامها في عصره و قد طبعه ميشيل أماري في روما سنة 1883. أما كتاب مسالك الأبصار، فقد نشر الجزء الأول منه المرحوم أحمد زكي باشا (دار الكتب المصرية 1924) كذلك نشر العالم التونسي حسن حسني عبد الوهاب الجزء الخاص بوصف إفريقية و الأندلس (الجزء الثاني عشر) و ذلك في مجلة البدر بجامعة الزيتونة بتونس. انظر ما كتبه‏Demombynes عن العمري في‏

( III- IV La Syrie a l, epoque de Mamlouks P. )

135

و شمس الدين بن نباته‏ (584)، و أبو الخير الحريري، و شمس الدين السلاوي آخر أصحاب ابن عبد الكريم، و تقي الدين بن عبد الكافي، و العلامة الأديب أبو الفضل بن صرايا. و من الصالحية: عز الدين المقدسي، و المسند عبد الرحيم التنوخي. و من أهل مكّة: شمس الدين النوفري، و إمام الموسم خليل بن محمد. و من أهل المدينة: عفيف الدين المطري من ذرية سعد بن عبادة.

ولي قضاء مرّاكش‏ (585) في منتصف رمضان عام ستين بعد ولايته أغمات و سبتة. و مولده بمراكش في سابع عشر ربيع الأول عام خمسة و سبعمائة.

و ابتدأ لهذا العهد تخريج الأحاديث التي أشار إليها الترمذي.

و أنشدني من نظمه و لها حكاية تدل على ظرفه و حسن عهده:

و لما تجاوزنا زلولا و شنّة* * * و طاشت حلوم لم تكن قبل طائشة

تيقّنت أن لا منزلا بعد سبتة* * * يسرّ و أن لا إلف من بعد عائشة

توجّه مؤانسا لي متحفيا إلى جبل هنتاته، فأمتع ما شاء حفظه اللّه و أحسن مجازاته.

و منهم الشيخ العدل القاضي برباط آسفي عبد الرحمن بن علي بن أبي العيش القيسي المعروف بطالب عافية، من الصدور الجلة و أعلام الطلبة بتلك البلدة فضلا و عدالة و تفننا و مشاركة، يخوض في كل فن، و يلقي دلوه إلى كل حوض، أصيل الحفظ جيد البحث، بعيد عن السآمة، لا يمرّ له وقت‏

____________

(584) الشاعر ابن نباته المصري، جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن صالح بن يحيى (676- 768 ه). انظر (الدرر الكامنة ج 4، ص 216- 218).

(585) مراكش: بالفتح ثم التشديد و ضم الكاف. مدينة عظيمة بالمغرب الأقصى. أسسها أبو بكر بن عمر اللمتوني أمير المرابطين عام (462 ه، 1070 م). و استمرت هذه المدينة عاصمة للدولة أيام المرابطين و الموحدين ثم قلّت مكانتها السياسية في عهد بني مرين عند ما صارت مدينة فاس عاصمة للدولة. انظر (مراصد الاطلاع ج 3، ص 1251) انظر كذلك‏(J .Leon ;Op .cit p .76 -85)

136

ضياعا إلا عن مذاكرة في فن أو إجراء طرفة، غير مبال بتهويم نوم، و هجوم هاجرة، أو مخالطة كدّ، لي حسن العشرة و دماثة الخلق، و إيثار التخلّي و العزلة و الحوم على السلوك و التجريد. شارك القاضي أبا محمد في كثير ممن ذكر أخذه عنه من أعلام بلده.

و منهم الأستاذ المتفنن النظّار أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن الفخار (586) أستاذ المدرسة العظمى من أهل العلم و الفضل و المشاركة و التفنن، يقرى بها علم اللسان و الأصلين و الفروع، فيمتع و يحسب على طرش كدّر (رحمه الله) الانتفاع به و نغّص الأنس بمجلسه نفعه اللّه‏ (587)، (588).

و انتابني من الظرفاء و الأدباء الشيخ الفقيه المكتّب أبو عبد اللّه محمد بن القاسم بن عمر بن عبد اللّه الصيرفي، من أهل النبل و الظرف على خلق زعموا غير سبط (589). كتب عن الأمراء بمراكش، و أبي العباس بن حسين الغفائري، و الخطيب المحدّث أبي عبد اللّه بن رشيد (590). و القاضي أبي الحجاج الطرطوشي، و المقرئ أبي الحسن بن برني، و أبي العبّاس الفرقسي و أبي العبّاس بن برني، و أبي العبّاس بن القرّاق، و أنشدني من شعره:

من لم يفدك بنفعه أو جاهه‏* * * فلأنما اصتصنعته مخدوما

فلتخدم اللّه الذي من أمّه‏* * * بضمير صدق يلف منه رحيما

____________

(586) أبو عبد اللّه محمد بن علي بن الفخار الالبيري شيخ النحاة بالأندلس، درس عليه كثير من علماء ذلك العصر أمثال ابن الخطيب، و أبي إسحاق الشاطبي صاحب شرح الألفية، و الشاعر الغرناطي المعروف ابن زمرك و غيرهم. راجع (المقّري: نفح الطيب ج 7، ص 275 و ما بعدها).

(587) كذا في الأصل و لعل صحة العبارة نفع اللّه به.

(588) كتب على الهامش و بخط مختلف غير واضح العبارة التالية (هذا الأطرش أعلم واحد و أرسخ في العلوم و أنفذ في المدارك و الظهور ... كان يفتل زجندريك بين إصبعيه و يخططه بفضية للعامة ... و اللّه أعلم. ابن الفخار من أئمة اللسان و الأصول).

(589) غير سبط أي غير سهل‏

(590) أبو عبد اللّه محمد بن عمر بن محمد بن رشيد الفهري السبتي. محدّث و رحالة شهير (659- 721 ه). راجع ترجمته في (ابن القاضي: جذوة الاقتباس ص 180؛ ابن الخطيب: الإحاطة (اسكوريال) لوحة 132- 135؛ التعريف بابن خلدون ص 39 حاشية 4)

137

و من نثر قوله: و أما الكتابة فلفظ نحلة حذفت تاؤه‏ (591)، و معقل خذلة شرع من غير محلّه إيتاؤه، و هي خطة استغنى الناس بذيّانها (592) عن سحبانها (593) و عن ملاك أزمّة آدابها بجهلة طلابها، فمن راشها معهم من ذوي المروءات و الهمم من سائر الأمم، فقد ارتكب الصعاب وثوا مقعدا من المذلة و الهون أنّى شاء من سائر الأبواب، فهو ينشد سائليه عن حاله بلسان عذر كليل، و قلب عليل، معتذرا في الضرائر بما قد قيل:

ألا قاتل الله الضرار فإنها (594)* * * تعلّم خير الناس شرّ الطبائع‏

و تحمل ذا الطبع الشريف تكرّما* * * على ذلّة في عيشه و تصانع‏

و كان السفر من مراكش يوم الأحد الثالث و العشرين من جمادى الآخرة و قصدنا باب الرخا من أبوابها غلسا لنصابح تربة الشيخ، قصد التزود ببركتها، فتعذر فتح الباب و طال به الوقوف و أعيى علاجه، فانصرفنا عنه و في أنفس بعض المشيّعين حزازة من ذلك، فأنشدت منهم الشيخ القاضي أبا محمد الزقندري بديهة:

يا محلا لخلّتي و انتحاءي‏* * * لم يبح لي الخروج باب الرخاء

دلّ أن الرخاء مغتبط بي‏* * * فبحق تبجّحي و انتخاء

فحفظ و استطرف، و تحوّل المحزون إلى ضدّه و الله الموفق للأقوال و الأعمال بفضله.

و حثثنا السير على تفيّة (595) ارتحال الجيش و توقع الفساد في السبل، صحبة لمة من أشياخ وراء سكان الصقع، و استقبلنا حي بني الحارث من عرب العمود، جذوة شرار الشرار أولي الحرابة و الخرابة. فنزلنا بمحلّة من‏

____________

(591) لعل يريد بذلك لفظ الكآبة.

(592) الذين: العيب‏

(593) سحبان بن زفر بن إياس الوائلي، يضرب به المثل في البيان. أدرك الإسلام و مات عام 54 ه.

ترجمته في شرح ابن نباته على رسالة ابن زيدون ص 75.

(594) في الأصل: إنها و لعل الصواب فإنها ليستقيم وزن البيت.

(595) تفية و تفيئة الشي‏ء: زمانه.

138

حلل رعاء البهم و قد أوقع في طريقنا يومئذ بمحروبين حار أحدهما و نجا ثانيه برأس طمرّة و لجام.

و رحلنا من الغد في قفر تندر ببعض مهامه به أبيات نابية للمسمّين.

و بتنا بحلّة من حلل بني جابر أولي إبل و شاء. و رحلنا من الغد فتجاوزنا غولا (596) و تخطينا مظنّة اعتراض، و مسبعة فسّاق في حدّ بين بلاد بني الحارث و بني وراء، يولي كل منهم خطّة الملام جاره عند أعداء الرفق المصابة، و إصراخ السلطان لندائهم.

و دخلنا بلاد بني ماقر، فكان المبيت بسورها تحت خصب و أمنه و منها صرفنا من صحب من أشياخ تلك الأرض عن شكر و إطراء، و إن كنّا في مظنّة الروع، نرى منهم اخزرار عيون و مخايل فتنة.

و من الغد سلكنا وطن بني ماقر و هو كثير العمران، متعدّد الديار و الأشجار سقيه من نطاف عذبه تختزن بها بركات الأمطار فيقع بها أمنهم و الاجتزاء إلى زمن المطر. و بها كثير من الصالحين و أولي الخير و أرباب التلاوة، و ربّما ألفي بها ضدّهم، و لله درّ القائل:

الناس كالأرض و منها هم‏* * * من خشن فيها و من ليّن‏

مرو (597) تشكّى الرّجل منه الأذى‏* * * و إثمد يجعل في الأعين‏

و وردنا مدينة آسفى و قد تمكّن النهار، فلقينا موكب أرباب الخطط بارين معدين. و لمّا شارفنا، ركب إلينا صردوكها أحمد بن يوسف حفيد الوليّ أبي محمد صالح، القائم في ظلّ صيته، و أثير الناس من أجله، رجل أدم اللون، قد تعجّل الوخط منه، ذقن كثّ ذو تيقور (598)، جالس السلطان،

____________

(596) الغول: بعد المفازة و المشقة.

(597) كتب على الهامش: المرو صغار الأحجار.

(598) كذا في الأصل، و لعلها تيفور أو طيفور و هو لفظ كان يدل في غرناطة الإسلامية على ضرب من الموائد الصغيرة و هذه الكلمة العربية بقيت في الإسبانية بهذا الشكل‏Ataifor و كان هذا اللفظ يدل في العصور كذلك على الصحن الكبير العميق الذي يقدم فيه الطعام لا سيما اللحم. انظر (لويس سيكودي لوثينا: وثائق عربية غرناطية لم تنشر، صحيفة المعهد المصري في مدريد (1956) ص 177 حاشية 1).

139

وقاد ركب الحجاز، و جرّ ببلده دنيا عريضة، و اقتعد غارب غنى جمّ، يفد على باب السلطان في سبيل دالّة بقديمه، و يقفل إلى وطنه مجدد الصكوك مستجاد الخلعة. خاطبته بين يدي قدومي بقولي:

يا حفيد الولّي يا وارث الفخر* * * الذي نال في مقام و حال‏

لك يا أحمد بن يوسف جبنا* * * كل قفر يعيي أكفّ الرجال‏ (599)

أبقاك الله مثابة انتفاع و نورا بأعلى يفاع‏ (600)، و متضعا على علوّ ارتفاع، ترى الوتر في إشفاع، و تقابل الوهم بطراد من الحقيقة و دفاع. إن حثّت على لقاء الأعلام شهرتهم فلك الشهرة، و أنت العلم و الشهاب الذي تجلى به الظّلم. و رباط جدّك بالمغرب الركن المستلم، فإلى أين يذهب عن جنابك الذاهب، و قد وضحت المذاهب، و الله المانع و الواهب. و إني من لدن اجتليت غرّتك التي تلوح عليها سيّما الولاية إرثا و اكتسابا و انتماء إلى جناب الله و انتسابا جزاء من ربك عطاء حسابا؛ أؤمل التوسل و التقرب و أخطب منك الأنس الذي أنسى به التغرب إلى أن تهيّأ بفضل الله و تيسّر، و تبينّ مجمل الشوق و تفسّر، و شتّان ما بين من أثرى و أعسر، فأنا الآن و الحمد لله قد حططت بمثوى الولاية رحلي، و عثرت بأزهار أسرار الأبرار نحلي، و أخذت من الدهر ذحلي، و حللت من رباط الشيخ أبي محمد بالحرم الأمين، و ظفرت من ودّ حافده بالذخر الثمين فيا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي و جعلني من المكرمين. عرّفتك أبقاك الله بقصدي و حركة رصدي لتعلم أن هذه الوجهة لقاؤك أقوى دواعيها، و أنجح مساعيها، و بركة الشيخ نفع الله به تلاحظها و تراعيها، فما استبعد المرام من قصد الكرام، و ما فقد الإيناس من أمّل الناس، و تنخّل الأفراد، و تخطّى الأجناس، و ترك للنص القياس، و تملّك المنن لمّا أحرز الرياس، و سيدي بعد و ما يظهر له من تأنيس غربة و إزاحة كربة، و رعي وسيلة و قربة، و إتحاف باجتلاء حمى مرور و تربة، و الله‏

____________

(599) نقل المقّري هذين البيتين في كتابيه (نفح الطيب ج 9، ص 190، أزهار الرياض ج 1، ص 298)

(600) اليفاع كل ما ارتفع من الأرض.

140

عزّ و جلّ يبقيه مقصودا على بعد المكان، مرجّحا في الفضل طرف الإمكان مطمئن القلب بذكر الله رطب اللسان، مدرجا في الوصول لسنام الإسلام و الإيمان و الإحسان.

و اضطبن‏ (601) من ابن عمّه الخطيب بالبلدة، شاحبا صامتا مهمهما بذكر، منتبذا عند الأكل (15 و) إشعارا بالإمساك، أومأ (602) مع ذلك، زعموا، إلى دنيا عريضة كابن عمّه و شحّ مطاع، فرحب الكل و أطرأ اللقاء.

و جئنا إلى رباط الشيخ أبي محمد و هو من المشاهد الحافلة و المآلف الجامعة.

فضاؤه رحب مرصوف بحجر الكذان يدور به، سقيف نظيف ذو أبواب تفضي إلى زوايا و مدافن، و بطوله عن يمين الوالج مسجد الصلاة و تربة الشيخ في بيت عمد سمكه لانفساح عرضه بقايم من الخشب، و قبر الشيخ قبليه عن يمين الداخل إليه، قد اتّخذ له حوض من الخشب من الرفيع أكسبته الأيام دهمه، فتخاله منحوتا من الألوة قد امّلست من الاستلام حافته، و سوي من نظيف الرمل سبخه‏ (603)، و بإزائه قبور شبيهة به في الشكل لولده و حفدته، تتخللها الحصر النظيفة، فقضي الغرض من القراءة و الدعاء، و حضر الفقهاء و الطلبة و الصوفية و قد استعرضهم أبو العبّاس طائفتين و رتّبهم للسلام علينا غابطا إياهم مطريا مؤنسا، فدعوا و أجملوا، و عرض علينا طعام الشيخ أبي محمد (رحمه الله)، و قرى ضيفه الجاري عليه من بيت المال لنظر حافده المذكور محكّما في قلّه و كثره، فجلب خوان بهي اشتمل قوره على كل غضارة أثيرة لا تتخلف عن طعام و لا شراب.

و انصرفنا إلى المحل المعيّن للنزول. و هذا البلد فسيح طيّب الهواء كريم التربة خصيب الجنابن و أهله أولو خيريّة و جنوح إلى الصلاح، و هو لبنة التمام للمسوّرات بالمغرب، ليس وراءها مدينة جامعة، و لا محلّة مسوّرة،

____________

(601) يقال فلان في ضبن فلان أي في ناحيته و كنفه.

(602) كذا في الأصل.

(603) رسمها سحه، و لعلها سبخه أي ترابه. أو سبجه من السبج و هو الخرز الرفيع.

141

و دونه أمم تتصل بالسوس الأقصى‏ (604) إلى تخوم الحبشة من وراء الصحراء.

و من ساعة إلمامنا انزوى عنّا الشيخ أبو العبّاس صردوك، للهوه، و اشتغل زعموا بعقد نكاح على بكر يلاعبها و تلاعبه، لم يقسم الله للضيف من مأدبتها بحظ، و شحّ بإيناسه و تردده، فحدسنا أن ذلك إبقاء على نفسه لما تكشف المجالسة من حال يمدّ لها أبو حنيفة رجله. و هممت أثناء طريقي أن أخاطبه بسعوط افتتحته بأبيات مطلعها:

إذا لم تهذّبك الأبوة و الحج‏* * * فأنت على فوت الجنى ثمر فجّ‏

ثم تصدقت على حلم الشيخ بجهله، و حرّمت صيد آبده في حرم محلّه، أصلحنا الله و إياه.

و صلّينا بمسجدها الجامع و هو مبنى عتيق، و مجمع فسيح متعدّد الزيارات و الصحون و التعاريج، سبق منه ما بين يدي المحراب بعض على أيدي قوم من الصالحين، رفعوا به عمدا تناهز الأربعين، بادية ضخمة خشنة على سبيل من الجفاء و السذاجة يباشرها شقف لاطئ من غير نقش و لا إحكام علتها خشب بالية، و قضب ناخرة، بما يدل على قدم العهد، و ينبئ على اجتناب فضول العمل. فلم تمتد إلى تغييرها يد، و دارت بها الزيادة النبيهة و البلاطات من جهاته. و بصحن هذا المسجد جباب للماء ينتابها الناس لسقيهم و وضوئهم فيحسبهم‏ (605). و يقابل القبلة من جوفيّ الصحن زاوية بها فقراء يدعون ذكرا لله، فيعاطون مقام التوكل، فلا يغبّ عنهم التفقد.

و بهذه البلدة، المدرسة و المارستان، و عليها مسحة من قبول الله.

____________

(604) السوس إقليم واسع خصب، يقع في جنوب مدينة مراكش وراء جبال الأطلس، و يحدّه من الغرب المحيط الأطلنطي كما يتخلله من الشرق واد عظيم يسمى وادي سوس. و ينقسم هذا الإقليم إلى قسمين: السوس الأقصى و هو الجزء الممتد من جبال أطلس حتى رمال الصحراء جنوبا. و السوس الأدنى و يقع في شمال السوس الأقصى و لم يتفق الجغرافيون على تحديد مكانه.

انظر(J .Leon Africano :OP .Cit .P 06 Nota I) انظر كذلك (ابن خلدون: التعريف بابن خلدون و رحلته غربا و شرقا ص 222 حاشية 3).

(605) أي يكفيهم‏

142

و هواؤها أطيب أهوية البلدان، يستدعي الدثار في القيظ لبرده و لطيف مسراه و تردد بها إليّ صاحب السوق و مقيم رسم المارستان، الشيخ الحاج أبو الضياء منير بن أحمد محمد بن منير الهاشمي الجزيري، من أهل الظّرف و الخيريّة و التمسك بأذيال أهداب الطّلب. و حسن الخطّ جميل العشرة، خفيف في سبيل المشاركة. نشأ بالخضراء (606)، و حضر حصارها، و حج و خدم الصاحب بدمشق فأحظاه. أنشدني من شعره يخاطب السلطان عند قدومه من الحج قوله:

قدموا عليك عقيب حطّ حمول‏* * * زوار خير منبئ و رسول‏

شعثا على حبّ التحية ترتمي‏* * * بهم لبابك في ذرى و سهول‏

ليكون خاتمة الكمال و مسكه‏* * * تقبيل كفّك في بساط قبول‏

من قصيدة جارية على هذا الأسلوب. مولده بالخضراء عام خمسة و سبعمائة.

و كان الرحيل يوم السبت الخامس و العشرين من الشهر المذكور إلى منزل ينسب لأبي خدّو فيه رجل من بني المنسوب إليه اسمه يعقوب، طرف في الجود زعموا جرّ بذلك المرزأة إلى عتاده. فألطف و أجزل و رتّب الحرسة و آنس في الليل و طلبني بتذكرة تثبت عندي معرفته في الأتي، فكتبت له‏ (607):

نزلنا على يعقوب نجل أبي خدّو* * * فعرفنا الفضل الذي ماله حدّ

و قابلنا بالبشر و احتفل القرى‏* * * فلم يبق لحم لم ننله و لا زبد

يحق علينا أن نقوم بحقّه‏* * * و يلقاه منّا البرّ و الشكر و الحمد

قيل لبشار بن برد، بينما أنت تقول:

إذا ما غضبنا غضبة مضرية* * * هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما

____________

(606) المقصود هنا الجزيرة الخضراء و هي بلدة صغيرة بجنوب إسبانيا و تعرف اليوم باسم‏Algeciras

(607) نقل المقّري هذه الأبيات في كتابه نفح الطيب ج 9، ص 190 مع تحريف في كلمة خدو كتبها حذوا، بينما أوردها كما في المتن في كتابه أزهار الرياض ج 1، ص 298. هذا و نلاحظ أن ابن الخطيب كتب هذا الاسم فيما بعد هكذا (حدو). انظر (صفحة 114 من هذا الكتاب).

143

ثم تقول:

ربابة ربة البيت‏* * * تصبّ الخلّ في الزيت‏

لها سبع دجاجات‏* * * و ديك حسن الصوت‏

فقال، قلت ذلك أخاطب امرأة من البادية في خيمة قرتني بدجاجة و بيض كانت لديها أحسن من: قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل.

ثم سافرنا منه إلى سور موسى من مجامع دكّاله‏ (608)، و هو حلق ذو شرفات و أبراج، بادي الانثلام و التشعيث غير حرز الغلق لجهل هذه الأمة المصحرة بالتحصين، و هو بعض ما يلجأ إليه أهل هذا الوطن المتكاثف العمارة، الجمّ الماشية، المنبثّ الحلل، الغاصّ على انفساح مداه بالراغية و الثاغية و الصاهلة و الناهقة، البالغ عدد أزواجه لإثارة الأرض و معالجة الحرث، ثلاثة آلاف زوج من أزواج الثيران تثير أرضه و تعالج حرثه، يتحرّم به عند الغارة الشعواء المصمئلّة (609) يطرقهم بها عدوّهم من بني الحارث و أحلافهم من سكّان السهل و الجبل فيسدّ عندها. و على ذلك فهم لحم على وضم‏ (610) و لقمة بين لحيين‏ (611)، و بخارجه سوق جامعة يحشر إليها الناس ضحى، و يتقاطرون من كل مرمى يمثلون في صعيد واحد، قد خيّمت تجارهم و ضللوا، و لا ينفضّ الجمع إلا مع انقضاء بياض يوم.

و قد كان رفع إلى السلطان المغري بالبناء و تخليد الآثار أبي عنان‏ (612)

____________

(608) دكالة اسم قبيلة بربرية و ولاية من ولايات المغرب الأقصى، يحدها من الشمال و الغرب المحيط الإطلنطي، و من الشرق نهر أم الربيع و من الجنوب ولاية مراكش. و قد تكلم ليون الإفريقي (الوزان) عن أهلها فوصفهم بالجهل و سوء السلوك، كما أشار إلى حصونها و مدنها القليلة المسورة مثل آسفى.

راجع‏(Descripcion de Africa p .87 -28) راجع كذلك ما كتبه ليفى بروفنسال عن قبيلة دكاله في كتابه‏

( Levi Provencal: Documents Inedits D Histoire Almohade Paris 2891 )

(609) المصمئلة: الداهية.

(610) الوضم خشبة القصّاب التي يقطع عليها اللحم، تركهم لحما على وضم أي أوقع بهم فذلّهم.

(611) اللحى، عظم الحنك الذي عليه الأسنان، و المقصود هنا، و لقمة بين فكّين.

(612) هو فارس المكنى بأبي عنان، و كان يلقب بالمتوكل على الله، ولد عام 729 ه بفاس من جارية مسيحية سمّيت شمس الضحى. و ثار على أبيه أبي الحسن، بتلمسان عام 749 ه و استولى على‏

144

(رحمه الله)، خبر ما عليه الناس من إخافة عدوهم، و اهتضام عرصتهم‏ (613) و استهداف عقوتهم‏ (614)، فأمر بارتياد محل لتأسيس مدينة، فاختير على غلوات منهم، محل أرضه صخر منطبق على تراب يتأتّى فيه اتخاذ الخندق غير مثلوم الشفا، بعيد المهوى، يبني السور بما يخرج منه من الثرى و يصون الأطباق المعدّة للاختزان عن أضرار السماء، و يكون سطح الأرض على خمس قامات من منبع الماء (615). فشرع في البناء و استبعد الفضاء، و مثلت الأبواب العديدة، و الأبراج المشيدة. و عاق عن إتمامها هجوم حمامه و انصرام أيّامه، فرغب أهله في التنبيه على تكميل نقيصته و اجتياز حسنته.

و تلقّانا مشرف المجبي بها الشيخ الفقير الخيّر أبو عبد الله اللّجائي‏ (616)، قريع الأمانة و الفضل، العف اليد، الحصور عن مساس الجباية، المتّصل الاستعمال باستصحاب الحال الرقيقة، و سقوط التهمة من أهل الطلب و السذاجة و حسن العهد و كرم العشرة، الجواد على كونه منينا (617) ما، عدم العتاد في حال الكبرة. تلقّانا في جملة من أتباع الخدمة، ثم تلاهم مركب القاضي و العدول، و قاضيها الحاج أبو عبد الله محمد بن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الزّمّوري‏ (618)، رجل مختصر البنية و الثواب قد طرقه الوخط على حداثة، يحفظ غثاء من منقول كتب التفسير و غيرها، ذاكر لمسائل متعدّدة، مسترسل اللسان في أسلوب يفضحه الإعراب عادة لا جهلا بقانون‏

____________

المغرب الأقصى. و كان مغرما بالعلوم و البناء و توفي في عام 759 ه و قيل مات قتيلا. راجع ترجمته و ثورته على أبيه و أسبابها في (ابن خلدون: العبر ج 7، ص 278- 287؛ ابن الخطيب:

اللمحة البدرية ص 93- 95؛ أبن الأحمر: روضة النسرين ص 23- 24)

(613) العرصة: ساحة الدار و جمعها عراص و أعراص و عرصات.

(614) العقوه: الساحة و المحلة و جمعها عقاء.

(615) هذه العبارة تدل على سعة دراية أهل المغرب بهندسة البناء في ذلك العصر.

(616) لعله من أسرة عبد الرحمن اللجائي (المتوفى 771 ه) الذي أدخل مختصر ابن الحاجب المصري في الفقه المالكي إلى المغرب. انظر (ابن القاضي: درة الحجال، ج 2، ص 356 رقم 986).

(617) المنين: الضعيف و جمعها منن.

(618) راجع ترجمته في (المقّري: نفح الطيب ج 7، ص 261، أحمد بابا: نيل الابتهاج ص 277، ابن القاضي: جذوة الاقتباس ص 148، انظر كذلك (ابن الأحمر: روضة النسرين ص 7 من المقدمة.

145

النحو. شموس‏ (619) عند المذاكرة في المسائل العلمية، أطرف بحديث رحلته، و لمل نزلنا خنس، فلم نسمع له ذكرا إلى أن شيّعنا من الغد، فسعّطته بخردل العتب ديدنى في مقصّري هذا الصّنف القمن‏ (620) بفعل الأغنياء في البر المستحق لولا رؤية الفضل لنفسه بمزية الفضل، فزلّة العالم معروفة بعدم الإقالة، فاستعتب و اعترف، و سألته الإجازة فيما يحمله، و اكتتاب شي‏ء من منظومه الكثير، و قد سمّى موضوعات ذكرها من تأليفه فوعد بذلك مطيّرا به إلى محل، المبيت ليلتئذ. و تلاحق بي رسوله بنزر يتضمن ذكر أشباح أكثرهم غير مسمّى، و جلب شيئا من حاله حتى عن القابلة التي التقطته و رؤيتها إياه على هيئة عن المكلّف‏ (621) المخاطب‏ (622) بوظائف الشريعة من سجود و رفع يد إلى السماء، إلى أمثال هذا. فخاطبته و أعدت الرسول إليه بقوله:

أليس قليل نظرة إن نظرتها إليك‏* * * و كلا ليس منك قليل‏ (623)

وصلت أيها الفاضل رقعتك التي تضمّنت الفوائد، و صلتك التي استصحبت العائد، و شاهد فضلك الذي بين تصريفه الأصلي و الزايد، متفننة في ضروب لا تجنح شمسها لغروب، هزّت ألحانها مني عطفى طروب، و استقرّ قراها بين يدي أكول لملثها و شروب. فللّه ما تضمنت من فوائد رحلة حجازية لبست من حسن الحجى زيّه، و ذكر أعلام و أركان استلام إلا أنها كانت كليلة الوصل ما عابها إلا القصر، فلوددت أن لو أمدها بسواده مني القلب أو البصر. بخس وزنها الاختصار لا بل الاقتصار، و افتقرت إلى شرح يقع به على متعاصي معانيها الانتصار، و وعد المجلس القاضوي باكتتاب شي‏ء من منظومه بعد اعترافه بأنه كثير و مهاد وثير فما كان إلا

____________

(619) الشموس: الذي يكون عسرا في عداوته، شديد الخلاف على من عانده.

(620) القمن: الخليق الجدير.

(621) المكلف: البالغ العاقل المسؤول.

(622) المخاطب من الله عز و جل لتأدية فروض الدين.

(623) هذا البيت للشاعر جميل بثينة.

146

الوعد، و الإخلاف من بعد:

يا لواة الدّين عن ميسرة* * * و الضنينات و ما كنّ لئاما

و الظن بسيدي أنه دعا عند شربه من بئر الحرم، بأن ترفع عنه مؤنة الكرم، فأجيبت الدعوة كما ورد، و استقام العمل و اطّرد، فكان اللقاء على مسافة قصيرة، و ملاحظة البر بمقلة غير بصيرة، و الزيارة مزورّة، و أظنه لاحظ بيت شاعر المعرة:

لو اختصرتم من الإحسان زرتكم و العذب يهجر للإفراط في الخصر

و القرى قد كفي القاضي و الحمد لله مؤنته الثقيلة، و لم يحوج إلى تشويش العقل و استخدام العقيلة، و هذا القسم غير معدود و لا تقع المشاحّة إلا في مودود. و همّ بتحفة شعره ثم قال بالبداء و ناداه الإنجاز فصمّ عن النداء فاطّرد باب الشحّ حسّا و معنى، و موحدا و مثنى حتى كأن دكّالة، شرّابة لسرو القضاة أكّاله، و بيدها لتحجير أيديهم وكاله، و هذه الحركة كانت لمحبة حركة الفتح، و وجهة المد و المنح، فلو لم يقع فيها بخله تميمه، للقعتها (624) العين و عسر الهين، و القاضي أعزه الله كمال، و عيب الكمال لا ينكر، و الغالب الفضل، و غير الغالب لا يذكر، و هو على التافه يشكر.

داعبته حفظه الله مداعبة من يعتقد خلاف مقاله، و يرجج القناطر المقنطرة بمثقاله، و لا يقول في حال سروه‏ (625) بانتقاله، و مع اليوم غد، و لكل شى‏ء أمد، و يرجّى أن يمتع الله منه بوقت يقع فيه استدراك، و يرتفع باختصاص النزول لديه اشتراك إن شاء الله.

و كان المبيت بحصن أسايس‏ (626) من حصون دكّالة شأنه شأن ما قبله بطلل، دار عادية ملوكية الوضع، تنسب لأحد أشياخ الوطن ممن غمس يده من الجباية في الدم و الفرث تدل على انسحاب دنيا كانت سحابة صيف،

____________

(624) لقعة العين أي حسدها.

(625) السرو: الفضل و السخاء في المروءة.

(626) أورد الوزان‏(Descipcion de Africa p .351) اسم أسايس‏Aseis ضمن الحصون الجنوبية لمقاطعة فاس. و أن كان هذا لا يتفق مع خط سير الرحلة.

147

و اللّه يتجاوز عمّا جرت من نكير، فهو الذي يؤاخذ بما كسبت الأيدي و يعفو عن كثير.

و رحلنا من الغد في سهل اقتحمنا به حدود الصناهجة (627) و بتنا بموضع يعرف باسكاون بإزاء رجل منتم للصوفية أعجم اللسان، قام بالنزول على خصاصة و اضطرار، فأنبنا له و احتسبنا كدحه.

و عدنا من الغد إلى أزمّور (628)، فرأينا صدق المثل في قولهم العود أحمد، فتلقينا بها أصناف الفضلاء مصحرين، و لوظائف البر متمّمين وقاهم اللّه معرّات السنين، و كرّم وجوههم يوم تبيض وجوه و تسود وجوه في يوم العرض و الدين.

و برز إلينا الحسن بن يحيى بن حسّون، فتى الفتيان بالمغرب، و غاية السّرو، و آية المروءة، و المثل البعيد في الإيثار على الخصاصة، و مخجل الضيف، و ريحانة التلطف، فأربى الخبر (629) على الخبر و الحمد للّه.

و كان السفر عن تشييع تتعلق بالأهداب أظفاره، و فضل عمّ الخافقين اعتذاره و أوجب ذلك ما خاطبتهم به:

إحسانكم يا بني يحيى بن حسّون‏* * * أزرى على كل منثور و موزون‏

قد جددت زينة الدنيا برامكة* * * منكم مكارمها لم ترض بالدون‏

أبناء يحيى وقتهم كلّما ولدوا* * * عناية اللّه من موسى و هارون‏

بالأحسن الندب زاد اللّه بيتكم‏* * * حسنا فأهلا بطلق الوجه ميمون‏

____________

(627) الصناهجة قبائل كثيرة من البربر في المغرب، و تعرف باسم صنهاجة بكسر الصاد و إن كان من المعرف في المغرب فتحها. انظر (تاج العروس ج 2، ص 67) انظر كذلك‏(Ency .of Islam ,art Sanhaga) .

(628) أزمور: مدينة على ساحل المحيط بالمغرب الاقصى على الحافة اليسرى لمصب نهر أم الربيع.

راجع (القلقشندي: صبح الأعشى ج 5، ص 172، ابن خلدون: التعريف ص 44 حاشية 4؛ الوزان: نفس المصدر ص 83).

(629) الخبر: العلم بالشي‏ء، يقال (صدق الخبر الخبر) أي أن الاختبار بالمشاهدة اثبت الخبر المسموع.

148

ما زال يكلف بالعليا و يمحضها* * * هوى يعود على الأموال بالهون‏

ما زلت أسمع عنكم كل مكرمة* * * و الآن كم بين معلوم و مظنون‏

أثرت بكم كفّ أزمّور دياركم‏* * * فأي درّ بصون المجد مكنون‏

أبقاكم اللّه في سعد عقائله‏* * * تبدي لكم غرر الأبكار و العون‏ (630)

و ردّني لبلادي شاكرا لكم‏* * * بأمر ربي بين الكاف و النون‏ (631)

إلى مدينة آنفا (632)، و استدرك استدعاءنا منهم إلى كلّ احتفاء و احتفال، أفاضل ذهبوا من البرّ كلّ مذهب كالقاضي بها الشيخ الفقيه الحاج البادي القشف و السذاجة، أبي بكر عثمان بن صالح المسراتي المراكشي النشأة. قرأ بمراكش على أبي الحسن المرسي و أبي عبد اللّه العبدري، و بحاحه‏ (633)، على أبي زكريا يحيى بن سعيد، و أبي زيد بن عبد اللّه و أخيه أبي بكر.

و بأغمات‏ (634): على أبي العباس المعروف بأيّزم. و حج سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة، و ولي القضاء بقصر كتامة (635)، و حصن القاهرة (636) و أزمور و آنفا. و أقرأ بمدرستها كتاب أبي عمرو بن الحاجب‏ (637). مولده في حدود

____________

(630) العون: المرأة النصف.

(631) أي كن فيكون.

(632) آنفاAnfa و هي المعروفة اليوم باسم الدار البيضاءCasablanca ، و هي مدينة كبيرة على ساحل المحيط بالمغرب الأقصى، و تقع على مسافة ستين ميلا شرق أزمور، و هي مشهورة بمنتجاتها الزراعية و لا سيما أشجار الفاكهة. و كانت هذه المدينة في الماضي تنافس ثغر قادس البرتغالي و قد نتج عن هذا التنافس التجاري أن دمرتها الأساطيل البرتغالية عام 1465 ثم أعيد بناؤها سنة 1915. انظر

( J. Leon Africano; Descripcion de Africa p. 701- 801 )

(633) حاحه‏Hea ، مدينة و ولاية بمراكش يحدها من الشمال و الغرب المحيط الإطلنطي من الجنوب جبال أطلس. انظر(J .Leon Africano ;Op .Cit .p .4 y nota)

(634) انظر ما سبق صفحة (93) حاشية (3).

(635) قصر كتامة هو اليوم القصر الكبير و يسمى أيضا قصر عبد الكريم، و هي بلدة معروفة بالمنطقة الشمالية بالمغرب الأقصى، و تبعد عن ساحل المحيط بنحو 36 ك. م. راجع بعض التفاصيل عن تاريخ هذه المدينة في‏

Allouche La Revolte des Banu )Askilula contre le sultan Muhammad II. Hesperis, tone XXV, 8391, fasc. I, p. 2 Note 2 (

(636) حصن القاهرة: مدينة اختطها 754 ه، 1352 م السلطان المريني أبو عنان فارس على سفح جبل الكسيوى بأرض السوس في أقصى المغرب لتكون قاعدة لجيوشه المكلفة بإخماد ثورة أخيه الأمير أبي الفضل في هذه المنطقة، راجع (السلاوي: الاستقصا ج 3 ص 190).

(637) عثمان بن عمر بن يونس المعروف بابن الحاجب المصري (570- 646 ه) و له مختصر في الفقه‏

149

عشرة و سبعمائة. و العدل السّري أبي العباس أحمد بن شرف بن علي السّلي من أهل تامسنا (638)، نبيه المسكن، فعم الخوان، منجب غلان. و العدل الفاضل أبي العباس أحمد بن أبي بكر بن موسى البرغواطي خير منقبض متحلّ بسكينه. و الشيخ الخطيب الخيّر أبو الحسن علي بن أبي حدّوا (639) الأصيل البيت النابه الأبوّة المحمول عليه في سبيل بغي زعموا. و النجباء السراة أولاد الفقيه القاضي الرائق الخط، الجمّاعة للدفاتر، الموسوم بالرجاحة أبي علي عمر بن محمد الزناتي، كافأ اللّه ما بذلوا من رغبة، و خطوا من إلمام.

ثم كان الارتحال إلى التربة المولويّة المحترمة بشالة، فألقيت بها البرك و حططت الرّحل و فصّلت الخطّة.

تمت‏

____________

المالكي يسمى المختصر الفقهي، و الفرعي، و الجامع بين الأمهات. أدخله إلى المغرب عبد الرحمن بن سليمان اللجائي (المتوفى سنة 771 ه) و عني بشرحه كثير من المغاربة كالقاضي ابن عبد السلام التونسي شيخ ابن خلدون، و عيسى بن مسعود بن منصور المنكلاتي. و شرحه من المصريين الشيخ خليل المالكي و سمى شرحه (التوضيح). و كل هذه الشروح موجودة في دار الكتب المصرية. انظر (ابن خلدون: التعريف ص 17 حاشية 1، ابن القاضي: درة الحجال ج 2، ص 356؛ السيوطي: حسن المحاضرة ج 1، ص 215)

(638) تامسنا مدينة و ولاية في غرب فاس بالمغرب الأقصى يخترقها نهر أم الربيع، و كذلك نهر أبو الرقراق (بو الرجراج) الذي يصبّ في المحيط بين مدينتي سلا و الرباط. انظر(J .Leon Africano ;Op .Cit .p .II y Nota)

(639) راجع ما قيل، حول هذا الاسم في صفحة (109) حاشية (1).

150

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

151

مراجع التحقيق‏

(1) المصادر العربية

- ابن الأبار (أبو عبد الله محمد ... القضاعي البلنسي) (ت 658 ه- 1260 م)

(أ) كتاب التكملة لكتاب الصلة (الجزءان الخامس و السادس من مجموعة المكتبة الأندلسية العربية) نشر كوديرا)Codera مدريد 1887)

(ب) المعجم (الجزء الرابع من مجموعة المكتبة الأندلسية) (مدريد 1886)

- ابن أبي زرع (أبو عبد الله محمد بن عبد الحليم) (ت 726 ه- 1325 م)

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب و تاريخ مدينة فاس. (جزءان). نشره و ترجمه إلى اللاتينية كارلوس طرنبرغ‏C .Tornberg (ابساليا 1843) و هناك طبعة حديثة في جزء واحد أصدرتها دار المنصور للطباعة (الرباط 1973 م).

- ابن الأحمر (الأمير أبو الوليد إسماعيل بن يوسف النصري) (ت 810 ه- 1407 م)

(أ) نثر الجمان في شعر من نظمني و إياه الزمان (مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم 1863- أدب).

(ب) روضة النسرين في ملوك بني مرين نشره الأستاذان‏G .Marcais ,Gh .Bouali) باريس 1917).

- ابن بسّام (أبو الحسن على بن بسام الشنتريني) (ت 542 ه- 1147 م)

152

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة. القسم الأول في جزءين و القسم الرابع الجزء الأول (نشر لجنة التأليف و الترجمة و النشر، القاهرة 1939- 1945) القسم الثالث مخطوط بالأكاديمية التاريخية بمدريد رقم 12

- ابن بشكوال (أبو القاسم خلف بن عبد الملك) (ت 578 ه- 1183 م)

كتاب الصلة في تاريخ أئمة الأندلس (نشره كوديرا في الجزئين الأول و الثاني من مجموعة المكتبة الأندلسية مدريد 1883)

- ابن بطوطه (أبو عبد الله محمد عبد الله الطنجي) (ت 779 ه- 1377 م)

تحفة النظار في غرائب الأمصار و عجائب الأسفار، 2 ج (القاهرة 1938) صدرت طبعة حديثة في خمسة أجزاء نشر و تحقيق عبد الهادي التازي (الرباط 1417 ه، 1997 م).

- ابن حجر العسقلاني (شهاب الدين أحمد بن علي) (ت 852 ه- 1488 م)

الدرر الكاسنة في أعيان المائة الثامنة، 4 أجزاء (الهند 1350 ه)

- ابن حوقل (أبو القاسم محمد) عاش في القرن الرابع الهجري‏

كتاب صورة الأرض، 2 ج (ليدن 1939)

- ابن الخطيب (لسان الدين أبو عبد الله محمد) (ت 776 ه- 1374 م)

(أ) الإحاطة في أخبار غرناطة

نسخة خطية بالاسكوريال رقم 1673 و نسختان خطيتان بالأكاديمية الملكية التاريخية بمدريد تحت رقمي 34، 142. و توجد نسخة مطبوعة في جزءين (القاهرة 1319) كما توجد نسخة خطية أخرى برواق المغاربة بالأزهر. هذا و قد نشر الأستاذ عبد الله عنان عدة أجزاء من كتاب الإحاطة في دار المعارف بالقاهرة.

(ب) نفاضة الجراب في علالة الاغتراب، نشر و تحقيق أحمد مختار العبادي في طبعتين: (دار الكاتب العربي بالقاهرة) (دار النشر المغربية بالدار البيضاء).

(ج) ريحانة الكتاب و نجمه المنتاب (مخطوط بالاسكوريال رقم 1825) قد

153

نشر جزءا كبيرا منه العالم الإسباني جاسبار ريميرو تحت عنوان:

Gaspar Remiro: Correspondincia diplomatica entre Granada y Fez en el siglo XIV( Granada 6191 )

(د) أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام. نشره ليفي بروفنسال في طبعتين (رباط 1934)، (بيروت 1956).

(و) كناسة الدكان بعد انتقال السكان نشر محمد كمال شبانة (القاهرة 1966 م).

(ه) اللمحة البدرية في الدولة النصريه (القاهرة 1347 ه).

(ي) رقم الحلل في نظم الدول (تونس 1317).

- ابن خلدون (أبو زكريا يحيى بن محمد) (ت 780 ه- 1379 م)

بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد (نشره و ترجمه إلى الفرنسية الفرد بل)Alfred Bel (الجزائر 1903).

- ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد) (ت 808 ه- 1405 م)

(أ) المقدمة (نشر مصطفى محمد) المكتبة التجارية بالقاهرة. و هناك طبعة عبد الواحد وافي في أربعة أجزاء (بيروت 1950).

(ب) كتاب العبر و ديوان المبتدأ و الخبر (7 أجزاء بما في ذلك المقدمة) (القاهرة 1284).

(ج) التعريف بابن خلدون و رحلته غربا و شرقا. نشر محمد بن تاويت الطنجي (القاهرة 1951).

- الإدريسي:

صفة المغرب و أرض السودان و مصر و الأندلس. عن (نزهة المشتاق) نشر دوزي ودي خويه (ليدن 1866).

- ابن الزبير (أبو جعفر أحمد) (ت 708 ه- 1308 م)

صلة الصله. نشره ليفي بروفنسال (رباط 1938).

- ابن عذاري المراكشي عاش في القرن السابع الهجري‏

154

البيان المغرب في أخبار المغرب و الجزءان الأول و الثاني نشرهما دوزي (ليدن 1848- 1851) و الجزء الثالث نشره ليفي بروفنسال (باريس 1930) هذا و توجد طبعة لبنانية من جزئين (بيروت 1950) كما توجد ترجمة فرنسية للكتاب من عمل‏Fagnan و أخرى إسبانية لفرناندث جونثالث‏Fernandez y Gonzalez كما صدر جزء رابع خاص بتاريخ الموحدين نشره أويني ميراندا و محمد بن تاويت و إبراهيم الكتاني (تطوان 1960 م)

- ابن فرحون (برهان الدين إبراهيم ابن علي اليعمري) (ت 799 ه- 1396 م)

الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (القاهرة 1329)

- ابن الفرضي (أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي) (ت 403 ه- 1013 م)

تاريخ علماء الأندلس. نشره كوديرا في الجزأين السابع و الثامن من مجموعة المكتبة الأندلسية (مدريد 1891).

- ابن القاضي (أحمد بن محمد بن أحمد) عاش في القرن السابع عشر الميلادي‏

(أ) جذوة الاقتباس فيمن حل من العلماء مدينة فاس (فاس 1309)

(ب) درة الحجال في غرة أسماء الرجال 2 ج (نشر علوش، رباط 1934)

- ابن مرزوق (الخطيب أبو عبد الله محمد بن أحمد التلمساني) (ت 781 ه- 1379 م)

المسند الصحيح الحسن في مآثر مولانا أبي الحسن، نشره ليفي بروفنسال في مجلة 1925Hesperis V كما صدرت طبعة كاملة للكتاب تحقيق ماريا خيوس بجيرا (الجزائر 1981 م)

- ابن مريم (أبو عبد الله محمد بن أحمد)

البستان في ذكر الأولياء و العلماء بتلمسان، نشر محمد بن أبي شنب (الجزائر 1908).

- ابن هذيل (علي بن عبد الرحمن)، عاش في القرن الثامن الهجري‏

(أ) حلية الفرسان و شعار الشجعان. نشر عبد الغني حسن (القاهرة 1951)