نهر الذهب في تاريخ حلب‏ - ج3

- كامل بن حسين الحلبي الغزي المزيد...
640 /
455

ذهبية من مالها؛ لأنها يوجد عندها مبالغ طائلة من هذه النقود فهي غير مضطرة إلى أن تكلّف التجار تبديل أوراقها بنقودهم الذهبية فيكون تكليفها هذا سببا لخسارتهم و خسارة نفسها؛ لأن فعلها هذا هو الذي جعل سعر الورق في الحضيض الأسفل و خفضه إلى سدس قيمته.

الثاني: أن كثيرين من الضباط و المأمورين- الذين لم يوكل إليهم شراء شي‏ء من المواشي المذكورة- هم الذين كانوا يكرهون التجار أيضا على تبديل الورق بالنقد، فهم لا شك لم يفعلوا ذلك إلا لحساب جيوبهم. على أن الإنصاف و العدل يوجبان على الحكومة إذا كانت مضطرة إلى النقود الذهبية أن تبدل الورق على سعره التجاري كما كان يفعل الألمان لا على سعره الأميري المحرر عليه.

إحسان الحكومة بالحبوب على خدمة العلم:

و في هذه السنة كثر تشكي الناس- الذين من جملتهم خدمة العلوم الدينية- من غلاء أسعار الحبوب، فأصدر جمال باشا أمره بأن يوزع على خدمة العلوم حنطة كما وزع على أمثالهم في دمشق، فوزع على الفقير منهم ثلاثة شنابل مجانا، و على غيره مقدار مؤنته، قيمة كل شنبل ورقة و نصف. و كانت قيمة الشنبل في خانات حلب نحو مائتي قرش نقودا ذهبية، و الورقة و النصف كانت قيمتها التجارية مائة و عشرين قرشا. فكان هذا الالتفات من جمال باشا معدودا من حسناته.

استيلاء جيوش بريطانيا على البصرة:

و في هذه السنة تواردت الأخبار باستيلاء الجيوش البريطانية على مدينة البصرة، و أنهم تقدموا إلى جهة بغداد يطاردون الجيوش التركية بمعاونة عربان تلك البلاد.

456

سنة 1334

تصاعد أسعار الحبوب:

في هذه السنة ازداد تصاعد أسعار الحبوب، و بيع رطل الخبز بثلاثة عشر قرشا معدنية.

عقد شركة إسهام لبيع الحبوب:

و لما كان السعر آخذا بالصعود يوما فيوما- حتى ربما بلغ حدا يتعذر معه تدارك القوت على الفقير بل على الجهة العسكرية نفسها- رأى القائد العام جمال باشا أن يعمل تدبيرا يأمن بواسطته غائلة فقد القوت بسبب مطامع الزراع و المحتكرين، فدعا إليه- و هو في دمشق- جماعة من الحلبيين تجارا و مزارعين و كلفهم أن يعقدوا فيما بينهم شركة إسهام تقوم بجمع الحبوب و حصرها عندهم و بيعها للأهلين و الجيوش عن يدهم. تشتريها هذه الشركة من ذويها بأسعار محدودة من قبل جمال باشا و تدفع ثمنها لهم ورقا نقديا على سعره الأميري، ثم تبيعها بورق نقدي كذلك بربح لا يزيد عن عشرة في المائة، تأخذ الشركة هذا المقدار من الربح لقاء أتعابها و نفقاتها التي تصرفها في سبيل جمع الحبوب و نقلها و إحرازها و غير ذلك من النفقات.

فقبل المدعوون من جمال باشا هذا التكليف و اشترطوا عليه عدة شروط: منها أن يرخّص لهم بمصادرة الحب الذي يمتنع صاحبه عن تسليمه بالسعر المحدود أو يخفيه عنهم أو يهربه منهم. و منها أن يمدّهم بالقدر اللازم من العساكر لحفظ مستخدميهم و إرهاب من يمتنع عنهم في تسليم حبوبه. و منها أن يعطيهم عددا كبيرا من الوثائق التي يستثنى حاملها من الجندية ليعطوا كل واحد من مستخدميهم في هذه القضية وثيقة يخلص بواسطتها من تعرض الموكول إليهم إلقاء القبض على العساكر الفراريين. و منها أن يصدر أمره إلى جهة العسكرية بألا تتعرض إلى خانات الحبوب أو إلى أحد من المزارعين في القرى و المنازل، بأخذ ما يوجد عندهم من الحبوب، بل للعسكرية أن تطلب الحبوب التي تعوزها من هذه‏

457

الشركة، و على الشركة أن تقدم لها كفايتها مهما أعوزها. و منها أن يسلف جمال باشا هذه الشركة مقدارا كبيرا من الورق النقدي ليستعينوا به على مهمتهم ريثما ينتظم حال الشركة و تقرر قواعدها فيما بين أعضائها. و منها أن يكون داخلا في منطقة نفوذ هذه الشركة أربعة أقضية، و هي قضاء جبل سمعان و الباب و منبج و إدلب. إلى غير ذلك من الشروط التي قبل جمال باشا جميعها و تعهد للمدعوّين بإنفاذها.

فعادوا المدعوون‏ (1) من دمشق و هم فرحون؛ لأنهم رأوا بمقتضى حسبانهم أنهم يربحون من شركتهم هذه أرباحا طائلة تعد بمئات الألوف من الليرات. و لما وصلوا إلى حلب شرعوا بتعيين المستخدمين و أعدوا مكانا في حلب يجتمعون فيه للمذاكرة في شؤون مهمتهم. فأول خلاف نجم بينهم تنازعهم على الرئاسة، فإن كل واحد منهم يريد أن يكون هو رئيس هذه الشركة. و الخلاف الثاني في تقسيم الأسهم: زيد يريد عشرة أسهم، و خالد يريد عشرين، و بكر يريد أربعين. و هكذا قام النزاع بينهم حتى أفضى بين اثنين منهم إلى المشاتمة و المخاصمة، و رفعت قضيتهما إلى المحاكم ثم تداخل بعض عقلاء الشركة فصالحوهما مع بعضهما. و بعد أن مارسوا العمل بهذه الشركة أياما قليلة و نقلوا إلى بعض الخانات مقدارا من الحبوب و تزاحم الناس على شرائها بدأ يظهر لجماعة الشركة من ماجريات الأحوال أنهم عاجزون عن إتمام القيام بتعهدهم، غير قادرين على جمع القدر اللازم من الحبوب: (1) لأن أصحابها في القرى و المزارع قد أخفوا الحبوب عن العيون بأماكن لا يمكن لمستخدمي الشركة أن يهتدوا إليها. (2) لعدم قيام جمال باشا بتعهده الذي هو إمداده إياهم بالعدد اللازم من العساكر لأجل حماية مستخدميهم و تهديد من امتنع عن تسليم حبوبه. (3) لقلة الجمّالين و المكارية و غلاء أجرة النقل. (4) لعدم مساعدة حكومات الأقضية المذكورة مستخدمي الشركة على استحصال الحبوب و استخراجها من عند ذويها.

بل بعض قائمي مقام هذه الأقضية كان يعاكس المستخدمين و يعارضهم بتشددهم على الزارعين. (5) لقيام جماعة من الزراع للتشكي على بعض مستخدمي الشركة و تذمرهم من ظلمهم و قلة إنصافهم و معاملتهم الزراع بالضرب و الشتم. (6) لأن الجهة العسكرية كانت تطالب الشركة بالقدر اللازم لها من الحبوب بكل شدة و صرامة، غير مصغية إلى شكواها من صعوبة جمع الحبوب و نقلها. (7) لإعطاء جماعة الشركة الوثائق التي تخلّص‏

____________

(1) كذا في الأصل، و الوجه إفراد الفعل: «فعاد المدعوّون».

458

من العسكرية بعض أفراد من أقربائهم و أنسبائهم دون أن يباشروا عملا من أعمال الشركة بل لمجرد تملّصهم من العسكرية و قد باعوا منها عددا كبيرا لجماعة من التجار بقيمة وافرة ليتملص آخذها من العسكرية ليس إلّا.

و الخلاصة أن هذه الشركة لم تلبث غير قليل حتى ظهر للعسكرية و الحكومة عجزها عن القيام بما تعهدت به، فأهملتا جانبها و شرعت العسكرية تجمع اللازم لها من الحبوب تارة بواسطة الحكومة و أخرى تباشر جمعها بنفسها. و بسبب ذلك انقطع جلب الحبوب إلى الخانات و تصاعدت أسعارها، لأنه كان متى حضر إلى خان من الخانات حبّ وضعت العسكرية يدها عليه و صادرته أو دفعت قيمته ورقا بالسعر الذي تحدده هي، فلا يبلغ ربع قيمته الحقيقية. و بعد أن مضى على هذا العمل بضعة أشهر اضطر أصحاب خانات الحبوب إلى إغلاقها و قلّت الأقوات و صارت الحبوب تباع بين البيوت أو خارج البلدة سرا بأسعار باهظة يضطر صاحب العيال إلى أن يشتريها بتلك الأسعار إذ لا يوجد من يبيعه مؤنته بأقل منها.

فك الحصار عن الدردنيل:

و في خامس يوم من ربيع الأول- من هذه السنة- الموافق عاشر شباط سنة 1915 م أقلعت أساطيل الإنكليز عن حصار الدردنيل، فقامت الأفراح و المسرات في البلاد العثمانية و عدّ الإقلاع عنها فوزا عظيما للعثمانيين.

قدوم أنور باشا إلى حلب و تعليق الستار على المرقد الشريف:

و فيها حضر إلى حلب أنور باشا من استانبول، و حضر جمال باشا من دمشق لاستقباله، و نزل أنور باشا إلى الجامع الكبير و علّق بيده على حجرة الضريح ستارا مزركشا نفيسا.

توزيع البذر و النقود على الزراع:

و فيها وزعت الحكومة على المزارعين حبا للبذر لأن أكثر حبوبهم قد أخذته العسكرية باسم المبايعة، فأصبح الكثيرون منهم لا يوجد عنده شي‏ء من الحب يقتات به فضلا عما

459

يحتاج إليه حقله من البذر، و وزّعت على محاويج الزراع شيئا من النقود ليشتروا به دوابا (1)، لأن العسكرية أخذت دوابهم باسم المبايعة أيضا، و لم تبق لهم منها غير الضعيف الذي لا يصلح للعمل، على أن ما وزعته‏ (2) عليهم من الحبوب و النقود تستوفيه منهم في الموسم التالي.

مكتب المعلمات:

و فيها اشترت العسكرية دار البلدية الكائنة في الجميلية، التي كانت معدّة لسكنى الولاة، و جعلتها مكتبا للمعلمات سمته «مكتب سليمان الحلبي» تنويها بذكر هذا الرجل الذي كان خلاص مصر و عودها إلى الدولة العثمانية بواسطته على ما حكيناه في ترجمته.

و كان الساعي بإيجاد هذا المكتب جمال باشا، و المساعد له في الحصول عليه والي حلب مصطفى عبد الخالق بك. و قد قال لجمال باشا: إن هذه الدار عظيمة كثيرة الغرف و المقاصير التي تزيد على حاجة الولاة، فيبقي الزائد منها فارغا غير منتفع به، و إن كثيرا من الولاة القليلي الإنصاف يستأجرونها من البلدية بخمس أجرتها بحيث لا يفي ما يدفعونه منها بما تنفقه البلدية على فرشها و مرمتها. و كانت قيمة الدار التي دفعتها الجهة العسكرية للبلدية نحو سبعة آلاف ورقة نقدية عنها نحو 350 ألف قرش؛ القرش جزء من الذهب العثماني المقدر ب 127 جزءا. و لما كانت هذه القيمة دون قيمتها الحقيقية فقد تنازلت الجهة العسكرية للبلدية- علاوة على تلك القيمة- عن عرصة المقبرة الصغيرة الكائنة في جنوبي بستان إبراهيم آغا. و كان جمال باشا أمر بإبطالها و نسف ما فيها من القبور فعادت قاعا صفصفا.

تشدد العسكرية بالوثائق:

فيها تشددت الجهة العسكرية في قضية الوثائق التي تخلّص حاملها من التجند، فأمرت كل من كان معه وثيقة بأن يصور شخصه صورتين، تلصق إحداهما على الوثيقة التي يحملها و تلصق الأخرى تحت اسمه في سجل الوثائق. و سبب هذا التشدد اطّلاع الجهة العسكرية

____________

(1) الصواب «دوابّ» و هو اسم ممنوع من التنوين.

(2) في الأصل: «ما وزعتهم» و السياق يقتضي ما صححناه.

460

على عدة وثائق مزورة اخترعها بعض الناس و باعها من المكلفين للجندية للتخلص منها.

و قد ظفرت العسكرية ببعض مزوري تلك الوثائق فنكلت به و صادرت ما كان عنده من الأموال وزجته في أعماق السجن.

استيلاء الجيوش البريطانية على قود الإمارة:

و فيها استولت الجيوش البريطانية على قود الإمارة بين البصرة و بغداد و اضطر قائد الجيوش التركية إلى الانتحار بعد أن أصيب بجراحات خطيرة. ثم أمدت الجيوش التركية و استردت البلدة المذكورة و أسرت قائدا كبيرا من قواد الإنكليز يقال له (طاوسند).

ثم دارت الدائرة على الجيوش التركية فكسروا و عادت البلدة إلى استيلاء الجيش البريطاني.

إسعاف الفقراء بالحبوب و الخبز:

و فيها كثرت شكوى الفقراء من قلة الخبز و الحب و غلاء أسعارهما. فأصغى والي حلب مصطفى عبد الخالق بك إلى شكواهم و اهتم بتخفيف ويلاتهم فاشترى من الجهة العسكرية مقدارا عظيما من الحب و دفع لها ثمنه من أموال صندوق البلدية و سلّم البلدية حوالات بتلك الحبوب على الجهة العسكرية، فاستلمت البلدية الحب شيئا فشيئا و أودعته في أهراء (1) خاصة. ثم أخذت من كل محلة من محلات حلب دفترا حرر فيه أسماء المعوزين منها، كل أسرة على حدتها، و أعطت رئيس الأسرة وثيقة بمقدار محدود من الحب و أخذت منه قيمته ورقا نقديا على معدل السعر المقطوع، و أحالته على أمين الأهراء التي أودع فيها الحب ليأخذ قسطه منه، و استثنت من أهل المحلات من كان عسكريا أو مستخدما فلم تعطهما وثيقة، لأنهما يأخذان ما يلزمهما من الحبوب و غيرها من جهة دائرته الرسمية.

و صارت البلدية تأخذ كل يوم مقدارا من هذا الحب و تطحنه و تفرقه على الأفران لتبيعه خبزا لفقراء المحلات الداخلة في منطقتها بالسعر المقطوع، و هو سبعة قروش ورقا نقديا عن كل رطل عنها 4 قروش معدنية تقريبا. استمر هذا العمل مدة خمسة أشهر، ثم نفد الحب الذي ادّخرته البلدية و امتنعت العسكرية عن بيعه لها، فانقطع بيع البلدية الحب و الخبز و عاد الحال إلى شدته الأولى و صعد سعر شنبل الحب إلى ثلاثمائة قرش ذهبا.

____________

(1) الأهراء: مفردها «الهري» و هو بيت كبير يجمع فيه القمح و نحوه.

461

حوادث الأرمن:

حوادث الأرمن- في حلب و أورفة و عينتاب و كلّز و أنطاكية- بدأت في السنة السابقة و انتهت في هذه السنة (1334 ه). و هي محررة في كتاب مطبوع باللغة التركية عنوانه (فظائع الأرمن) قد فصلت فيه تلك الحوادث تفصيلا مسهبا، و صورت منها الوقائع المهمة الفظيعة بالفوطغراف. و هو كتاب كبير يستوعب ثلاثمائة صحيفة، نقلنا عنه جميع ما كتبناه في هذا الفصل سوى حوادث الأرمن في أنطاكية فقد أخذناها بالتلقي عن بعض ثقات من أهل تلك البلاد فنقول:

مشاغب الأرمن في أورفة:

في خلال السنة السابقة شاع في حلب أن جماعة من طائفة الأرمن في مدينة أورفة شقوا عصا الطاعة، و جاهروا بعصيانهم بينما كانت الحكومة آمنة من غائلتهم لما تشاهدهم فيه من الغبطة و الرخاء و الحرية الشاملة في معايشهم و معتقداتهم و مكاتبهم و معابدهم، حتى إنها لثقتها بهم و فرط اطمئنانها منهم قررت أن يكون لواء أورفة محل إقامة من تجليه عن بلاده من الأرمن الذين ارتابت بصداقتهم و خشيت غائلتهم على جيوشها المتصدية لمحاربة الروس.

يبلغ عدد طائفة الأرمن في أورفة نحو ثلاث عشرة (1) ألف نسمة. على أن هذه المنطقة الأرمنية لم تلبث بعد إعلان النفير العام سوى قليل من الأيام حتى تظاهرت بالانحراف عما كانت الحكومة تعهدها عليه من الوداعة و السكون، فأشهرت عداءها على الحكومة العثمانية أسوة ببقية إخوانها الأرمن القاطنين في جهات آسيا الصغرى و غيرها من البلاد العثمانية.

و سبب ذلك- حسبما ظهر من البحث و التدقيق- إغراء المبشرين الأميركان و غيرهم من مبشري الدول الأجنبية، فإنهم بواسطة مكاتبهم يستخدمون الأمة الأرمنية كآلة صمّاء لبلوغ مآربهم. أضف إلى هذا وسوسة مرخص الأرمن في أورفة، الذي كان منفيا إلى طرابلس الغرب بعد حادثة الزيتون التي سبق ذكرها في حوادث سنة 1313 فإنه بعد أن أطلق سراحه و عاد إلى أورفة عاد إلى ديدنه الأول، فأخذ يلهج بحط مقام الدولة العثمانية

____________

(1) الصواب: «ثلاثة عشر» لأن المعدود مذكر و هو الألف.

462

و الانتقاد على أعمالها و التحرش بباقي رعاياها المخلصين.

و كان الأرمن في أورفة يتربصون بإعلان عصيانهم على الدولة قدوم جيوش الروس على جهاتهم، غير أن الحكومة العثمانية لما أمرت بتجنيد مواليد سنة 1310 اتخذ الأرمن هذه القضية ذريعة للتجاهر بالعصيان، فهبوا للتمرد و جمعوا عددا كبيرا من شبانهم في قرية كرموش التي تبعد عن أورفة مسافة ساعة و نصف و هناك أعلنوا العصيان.

هذه القرية عظيمة فيها كنيسة كبيرة و معبد للبروتستان و مغائر متعددة. و لما اتصل خبر تمردهم بالحكومة أنفذت إليه ثلة من الدرك مؤلفة من ثلاثين شخصا، ففاجأها العصاة بإطلاق النار فقتل منها واحد و جرح آخر. و مع ذلك فإن هذه الثلة هجمت عليهم و غنمت مقدارا كبيرا من السلاح و الذخائر و قبضت على بعض الفدائيين منهم. و بينما كانت الجنود العثمانية تبحث في نفق للتحري عن السلاح إذ وجدت فيه ثلاثة من غرباء الأرمن قد طالت شعورهم لطول مكثهم في هذا النفق. و في الحال أطلقوا عياراتهم على الجنود فقتلوا منهم اثنين و جرحوا آخرين. ثم إن شرذمة من الأرمن تعرضت إلى كتيبة من الدرك على طريق «سيوه رك» فلم تفلح. ثم تعرضت إلى عملة يشتغلون في موضع يقال له «اق هيوك» (تل أبيض) فقتلت ضابطا و جرحت أربعة أفراد و مختار قرية.

و بعد هذه الواقعة اختفى الأرمن في منازلهم و اجتمع منهم شرذمة في دار أولاد الأطراقجي، و أخذت تطلق عياراتها. ثم قام الأرمن كلهم يرمون الرصاص و يهجمون على محلات المسلمين و استولوا منها على بعض دور حصينة و قتلوا عشرة من نساء تلك الدور. و في ذلك الوقت نقس‏ (1) جرس الكنيسة الكبرى بأن هبوا جميعا لإشهار العصيان، و كان ذلك بتدبير رجل اسمه (صوغومو) قسيس بروتستاني يدير دفة سياستهم، فنفروا للحرب جميعا و قد خيّط على كمّ كل واحد منهم رقعة فيها عنوان وظيفته. فهاجوا و ماجوا و قذفوا من أفواه بنادقهم نارا حامية، و كانت القوة العسكرية غير كافية لكبحهم فدام تمردهم كذلك حتى وصلت إلى أورفة قوة عسكرية يقودها وكيل قائد الجيش الرابع، فأرسل إليهم مع طائفة من نسائهم بيانا يقول لهم فيه: من كان منكم مطيعا للحكومة فليخرج من باب «صمصاد». فلم يصغوا إلى بيانه و ثابروا على الامتناع و حينئذ صوّب‏

____________

(1) نقس الناقوس بالخشبة: ضربه بها. (متعد). و نقس الشي‏ء: صوّت (لازم).

463

أفواه المدافع إلى جهة حصونهم فهدمها، و اخترق الصف الأول من محلاتهم ثم دعاهم للانقياد و الإذعان فلم يجيبوا و استمروا مجاهرين بالعصيان، فأعاد إطلاق المدافع عليهم، فما كان منهم إلا أن رفعوا خرقة بيضاء كتب عليها بقلم عريض كلمات بالتركية معناها:

«أوقفوا النار للمخابرة». فأسكتت المدافع و بعد نصف ساعة سلموا نحو ستمائة من نسائهم و أطفالهم.

ثم في اليوم التالي عادوا إلى ما كانوا عليه من التمرد و الفساد و هجموا على الجنود فقوبلوا بالمثل و انكسروا شرّ كسرة، و استولت الجنود على الكنيسة و دار الأيتام و الأماكن التي اتخذوها حصونا لهم و نكلوا بالعصاة شر تنكيل. و هكذا انتهت هذه الحادثة، و كان عدد من قتل و جرح من مسلمي أورفة 42 شخصا، و من الدرك ثمانية و جرح أربعة و عشرون، و من العساكر مائتان، منهم ضابط واحد.

حادثة الأرمن في الزيتون:

لا ينكر ما لبعض رؤساء الأرمن و ما لبعض الحكومات الأجنبية من الأيدي اللاعبة في عقول الأمة الأرمنية تهييجا لعصاباتهم على القيام في وجه تركيا أثناء اشتغالها في الحرب العامة، عرقلة لمساعيها و لاشغالها عن مكافحة الروس:

فأول ما ظهر من متمردي الأرمن في الزيتون- بعد إعلان الحرب- أنهم رفضوا أوامر الحكومة و امتنعوا عن التجنيد و دفع الضرائب، و قاموا يتعرضون للسابلة بالقتل و النهب، و تعلّق دعّارهم في الجبال و خرجوا على قافلة تسير على طريق «فرنس» فقتلوا أكثر أهلها و نهبوا أموالهم و قتلوا جماعة من الدرك في بعض القرى. و حينئذ اهتمت الحكومة بشأنهم فألقت القبض على 65 شخصا منهم. و بلغ الحكومة أن بانوس بن جافر- زعيم جمعية «خنجاق» في الزيتون- قد عزم على كبس دار الحكومة و قتل المأمورين و كبس مستودع السلاح و نهب ما فيه و قطع أسلاك البرق. فأخفق سعيه.

و كمنت عصابة من شطّار أرمن الزيتون في بعض الجبال المنيعة قصد التعرض إلى مهمات حربية قادمة على الزيتون، فلم تنل هذه العصابة أربها؛ إنما خرجت بغتة على جماعة من الدرك فقتلت منهم ستة و جرحت اثنين، و قطعت السلك البرقي بين الزيتون و مرعش،

464

و تعرضت إلى عسس‏ (1) مرعش، و قتلت شابا مسلما من قرية بشانلي.

و قامت عصابة أخرى تتعرض إلى دار حكومة الزيتون و ثكنتها العسكرية فقتلت اثنين من حاميتها و هددت المأمورين. و اعتصمت عصابة أخرى في دير التكية- و هو دير حصين- فقصدها سليمان أفندي البيكباشي قائد الدرك بمن معه من الجنود، فقتلته و قتلت معه خمسة و عشرين عسكريا و جرحت أربعة و ثلاثين شخصا. و ألقي القبض على قسم من هذه العصابة، و قسم منها أضرموا النار في الدير ليلا و هربوا و أخذوا يتعرضون للسابلة و يجرون معها من الفظائع ما تقشعرّ منه النفوس. و ألقي القبض على واحد من دعّارهم اسمه «ملقون» فذكر في استنطاقه أن العصابة أعلمته بأن الجنود الإنكليزية قد استولوا على إسكندرونة، و أن الأرمن قد شغبوا هناك و أن الواجب على الأرمن أن يعرقلوا مساعي تركيا و يعضدوا الإنكليز. و قد انضم إلى عصابات أرمن الزيتون جماعة من أرمن جمعية خنجاق و جمعيات البلاد الأرمنية في لواء مرعش غير أن الجنود التركية ما زالت تجد في تتبعهم حتى ظفرت بهم و استولت على الكثير من أسلحتهم التي من جملتها قنابل الديناميت و غيرها.

حادثة الأرمن في السويدية:

بعد إعلان الحرب العامة بقليل من الأيام، بدأ الأرمن- سكان جبل موسى في جهة السويدية من أعمال أنطاكية- يظهرون العتوّ و التمرد على مأموري الحكومة الذين يحضرون إليهم لتقاضي المرتبات الأميرية منهم، خصوصا أهل قرية كابوسية و قرية خضر بك و قرية حاجي حببلو، و غيرها من القرى الجبلية المنيعة التي يصعب السلوك إليها. و قد شوهد بين أرمن هذه الجهات عدد عظيم من أرمن العصابات الأرمنية المعروفة في جهات مرعش و الزيتون. و لما علمت الحكومة ذلك أرادت إجلاءهم تأمينا لغائلتهم في هذا الثغر البحري الذي كانت مدرعات الدول المحاربة لا تنقطع عن التردد إليه.

و قد شعر الأرمن بعزم الحكومة على إجلائهم عن ديارهم فقاموا كلهم قومة رجل واحد و اعتصموا بشعف‏ (2) تلك الجبال الشامخة التي كانوا ملؤوا مغائرها و كهوفها من‏

____________

(1) العسس: الحرّاس في الليل.

(2) الشعف: أعالي الجبال (و في الأصل: بشغف، بالغين، فصححناها).

465

الأقوات و المهمات، و صاروا يتعرضون- حينما تسنح لهم الفرص- إلى سكان قرية السويدية و الزيتونية و الحسنية بالنهب و السلب. و عندها اهتمت الحكومة بشأنهم و أنفذت العساكر لكبحهم فقصدت أماكن اعتصامهم، و بعد أن قاومهم الأرمن مقاومة عنيفة و جرح من الجنود كثيرون تحقق الأرمن أنهم مأخوذون لا محالة، فتركوا معاقلهم و أسرعوا بالهرب ليلا إلى جهة البحر و كأنهم كان لهم- مع المدرعة التي حملتهم- إشارات خصوصية مصطلح‏ (1) عليها فيما بينهم، فلم تشعر العساكر التركية التي تتعقبهم إلا و مدرعة ضخمة قد حضرت إلى ثغر السويدية، و صارت تطلق قنابلها على الجنود الذين اضطروا حينئذ للتغيب و التواري بين غابات السويدية و وراء آكامها. و في ذلك الأثناء تقدم العصاة إلى جهة البحر تحت حماية قنابل المدرعة، و قد أعدت لهم الزوارق و القوارب فركبوها زمرة بعد زمرة، و كانوا نحو خمسمائة شخص. ثم أقلعت بهم المدرّعة و غابت عن العيون غير أن الجنود التركية- رغما عن هذا كله- ظفروا بعدد عظيم من المتمردين و سلموهم إلى إدارة سوق المهاجرين فأجلتهم إلى الجهات المعينة لهم.

أحزاب الأرمن في حلب:

قال في الكتاب المذكور: اجتمع في حلب عدد عظيم من جالية أرمن الأناضول و غيره، فرتبوا منهم عصابات وضعوا لها تعاليم، من أحكامها أن تتزيا العصابات بالزي العثماني و تسير إلى جهات موش و بتليس، و تنسف في طريقها أنفاق خط سكة الحديد و تتعرض للقوافل و تغتال بعض كبار الموظفين من ملكيين و عسكريين، و تقتل ما تصادفه في طريقها من العساكر الذين رخص لهم بالذهاب إلى بلادهم لتبديل الهواء، ثم تلتحق تلك العصابات بجيوش الروس، على ألّا تتظاهر بأعمالها إلا بعد خروجها عن حدود حلب؛ كيلا يتضرر الأرمن في حلب. و قد نمي خبر هذه العصابت إلى الحكومة قبل شروعها بأعمالها، فظفرت الحكومة بالجمعية التي ألّفت هذه الأحزاب و ألقت القبض على سبعين شخصا كانوا يعاونون الجمعية و يمدّونها بأموالهم و آرائهم، و سلمت الجميع إلى الإدارة العرفية، فظهر من اعترافهم و الأوراق التي وجدت عندهم ما كتبناه عنهم في هذا الفصل.

____________

(1) في الأصل: «مصلح» فأثبتنا الصواب.

466

أحوال الأرمن في عينتاب و كلّز:

قال في الكتاب المذكور: أحسّت الحكومة في عينتاب و كلّز أن الأرمن متهيئون لإظهار العصيان في أول فرصة تسنح لهم، و أنهم بدءوا يتأهبون لهذا القيام كما كان تأهب إخوانهم في حادثة أذنة قبلهم. و قد حضر إلى قريتي حبار و جنكن في قضاء كلّز نحو ثلاثين أرمنيا مسلحين من أهل الزيتون و جماعة من رؤساء عصابات كرون، ففتكت بهم الجنود التركية و فرّ البعض منهم، و ألقت الحكومة القبض على «أغوب قازار» ابن راهب كلّز، و هو رئيس فرع جمعية خنجاق و مرتب حركات العصيان في كلّز، فسلّم إلى الديوان العرفي و تشتت شمل هذه العصابة.

الحملة على قناة السويس:

في هذه السنة (1334 ه) ورد الخبر البرقي بأن جمال باشا أمر بتسيير حملة على مصر لتدخل إليها من جهة قناة السويس بعد أن تم مد فرع سكة حديدية من الخط الحجازي إلى بئر السبع.

ما هو الغرض المقصود من هذه الحملة؟

في الفصل الخامس من كتاب «مذكرات جمال باشا» كلام مسهب بالإفصاح عن شؤون هذه الحملة و ما يتعلق بها من التأهب و إعداد الجنود و المهمات الحربية، و إصلاح طرق المواصلات و التزود من الأقوات و المياه، و كيف كان هجوم الحملة على القناة و أسباب فشلها، و عدد من استشهد منها، مع بيان قوات الإنكليز و معداتهم، و غير ذلك من الأمور التي تفيد الراغب بالإطلاع على شؤون هذه الحملة فائدة تامة.

غير أن هذا الفصل- على ما فيه من الإسهاب و الإطالة- لا يحقق أمنية الباحث فيه عن حقيقة الغاية التي ترمي إليها هذه الحملة، لأنه- بينما يفهم مما سطر فيه من عبارات جمال باشا أن الحملة ليست مقصودة لذاتها بل الغاية منها محض مظاهرة يقصد منها الاستطلاع على قوات العدو و إلفات نظر تركيا إلى ما يجب عليها تداركه و إعداده لحملة أخرى- إذ يمر بذلك الباحث من عبارات جمال باشا ما يفهم منه أن الحملة مقصودة لذاتها لأن الغاية منها الفتح و الاستيلاء.

467

فمن عبارات الشق الأول، قول جمال باشا بعد فشل الحملة: «فلو كتب لنا النجاح لهذا المشروع الذي هو محض مظاهرة مصحوبة بقوة عسكرية لاعتبرناه فألا حسنا لتحرير الإسلام و تخليص الإيمبراطورية العثمانية»، و قوله: «إن المشروع إنما كان محض استطلاع هجومي على القناة لمعرفة الموادّ التي لدى العدو و ما نحتاجه نحن أنفسنا من المواد لعبور القناة. و بما أننا أدركنا غايتنا تماما فالأصوب أن ننسحب إلخ».

و من عبارات الشق الثاني، قول جمال معربا عن هواجس نفسه إبان السّرى‏ (1) في صحراء التيه: «و نحن نواصل السير بالليل على ضوء القمر؛ كان قلبي مفعما بالكآبة الممزوجة بالأمل الكبير في النجاح كلما رددت الموسيقى أنشودة الراية الحمراء تخفق فوق القاهرة، و التي على وقعها شقّت الصفوف الزاحفة طريقها في ذلك القفر الذي لا نهاية له».

أقول: الذي يتبادر للذهن أن الغاية كانت من هذه الحملة هو الفتح و الاستيلاء لا التمهيد لحملة أخرى، و ذلك أن التأهب لها كان عظيما لا تحتاجه فيما لو كان الغرض منها محض استطلاع و استكشاف. غير أن هذا التأهب و إن كان عظيما فهو بلا ريب دون ما تحتاجه حملة يقصد منها الهجوم على قناة السويس لأجل الاستيلاء على مصر و سلبها من يد أعظم دولة في العالم، بل كان من أقلّ ما يلزم لهذه الحملة في اجتيازها إلى برّ مصر أن تردم الترعة و يدخل منها جيش لجب‏ (2) إلى برّ مصر و يبقى نظيره في برية الشام لعرقلة سير المدرّعات الإنكليزية الضخمة، و رميها بقنابل المدافع التي هي من عيارات واسعة، كما أشار إليه نفس جمال باشا بعد فشل حملته و محاولة القائد الألماني إعادة هجوم الحملة مرة ثانية.

و مما يدل على أن الحملة كان المقصود منها الفتح و الاستيلاء: تيقن جمال بنجاحها و أنه لا بد و أن يدخل إلى مصر ظافرا منصورا، بدليل إعداده جماعة تناط بهم خدمة الدرك في مصر و استحضاره- و هو في حلب- ملابس لهم، الأمر الدالّ على أنه كان غير شاكّ و لا مرتاب مطلقا في فوز حملته و تكليل مساعيه بالفلاح و النجاح.

____________

(1) السّرى: السير ليلا.

(2) اللّجب: الكثير العدد.

468

أما عباراته التي مفهومها بأن الحملة كانت الغاية منها تمهيدا لحملة أخرى، فإنما فاه بها بعد فشلها تخلصا من رميه بسهام الملام على تقصيره في إعداد ما يلزم لهذه الحملة من الجيوش الضخمة و المهمات الوافرة و التدابير الصائبة التي بدونها لا تجوز المغامرة في تيار هذا الخطر العظيم.

ورود نبأ برقي بنجاح الحملة:

و في هذه السنة (1334) ورد علينا من جهة بئر السبع نبأ برقي بأن هذه الحملة قد نجحت بهجومها على القناة و مشت إلى جهة مصر، فكان الناس لهذا الخبر بين مصدّق و مكذب، و همّ حزب الاتحاد بترتيب مظاهرة فرح و سرور بهذا الظفر، و بينما هم يتذاكرون في شؤون هذه المظاهرة إذ ورد بالبرق تكذيب الخبر الأول.

أقول: إن جمال باشا أوضح في مذكراته سبب النبأ البرقي المعلن نجاح الحملة بما خلاصته أن مدير تلغرافات الجيش (الذي كان مشتغلا بمد الخطوط في الصحراء) أبلغه أحد المعتوهين كذبا نبأ سقوط الإسماعيلية، فعجل بإبراقه إلى الآستانة، فلما ظهرت الحقيقة انعكست الآية و كان لها أسوأ تأثير.

عدد الأيام التي أمضتها جيوش الحملة في قطع الصحراء بين بئر السبع و القناة:

قال جمال باشا في مذكراته ما خلاصته: إنه ما كاد يمر عشرون يوما على بدء الزحف من بئر السبع حتى وصل القسم الأول من الحملة بقوة كبيرة إلى نقطة تبعد نحو 11 كيلومترا من القناة. و وصل الجناح الأيمن الذي زحف من العريش في جهة «قاطية» تجاه القنطرة، بينما الجناح الأيسر الذي زحف من العقبة- عن طريق قلعة النخل- وقف في مقابلة السويس.

ما لاقاه الجيش من التعب و الضنك:

قال جمال باشا في مذكراته: و يقصر اللسان عن أن يوفي القوات العثمانية- لا فرق بين ضباطها و جنودها- اللائي اشتركن في حملة القناة الأولى، حقّهن من الثناء، على ما بذلنه من الجهود و أظهرنه من ضروب الوطنية العالية. و أرى من واجبي تقديم إعجابي‏

469

لأولئك الجنود البواسل الذين قاموا بذلك الزحف، غبر مبالين بما لاقوه من ضروب الضنك و تحملوه من المشاقّ في سحب المدافع، فضلا عن الجسور المتحركة (و هي ما كان لدينا من المعدّات لعبور القناة) وسط بحر من الرمال. هذا و قد ساد بين رجال الحملة- لا فرق بين الأتراك و العرب- شعور العطف الأخوي. و لم يكن بينهم من يضن بحياته دفاعا عن إخوانه. و الواقع أن الحملة الأولى كانت برهانا ساطعا على أن غالبية العرب الساحقة انضموا إلى الخلافة بقلوبهم و جوارحهم.

عدد عساكر الحملة و عدد عساكر الإنكليز:

و المفهوم من مذكرات جمال باشا أن عدد جنود الحملة كان واحدا و عشرين ألفا، و أن جمال باشا قد علّق أكبر آماله وقتئذ على مساعدة الوطنيين المصريين الذين رجا أن يثوروا كلهم بعد أن يشجعهم سقوط الإسماعيلية في يد الجيش التركي. أما عدد جيوش العدو- حسب المعلومات التي وصلت إلى مركز قيادة الجيش التركي- فهي 35 ألفا على طول خط القناة، عدا مئة و خمسين ألفا- و يزيدون- موزعين في طول مصر و عرضها.

مساعدة ابن السعود و ابن الرشيد و عدد الجمال التي كانت في جيش الحملة:

قال جمال باشا في مذكراته: و لم يكن في استطاعة الأمير ابن السعود أن يمد لنا يد المساعدة المباشرة لقربه من الإنكليز الذين كان في استطاعتهم إيصال الأذى إليه، إلا أنه كان شخصيا نافعا لنا جدا إذ أرسل الجمال للجيش و سمح بتصدير التجارة من بلاده إلى سورية. و لقد أقام الأمير ابن الرشيد البرهان الصادق على أنه مسلم صميم و شديد الإخلاص للخلافة. قال: و كان عدد الجمال التي سخرت لحمل أثقال الحملة و حمل الماء اثني عشر ألف جمل، بعضها من سورية و القسم الكبير منها من بلاد الأمير ابن السعود.

ثقة جمال باشا بإخلاص العرب:

قال جمال باشا ما خلاصته: و كانت كتائب الحملة مكونة من عرب الشام و فلسطين، و لم توجد مقاتلة أتراك سوى كتائب متطوعي الدراويش، و فصيلة مشاة من متطوعي «دوبريجه» التي أنشأها جمال باشا لخدمة القيادة. قال: أفلا يدل كل ذلك على ثقتي‏

470

بالعرب و اعتقادي أنهم لن يثوروا ضدنا أو يطعنونا من الخلف؟

هجوم الحملة على القناة و فشلها و عدد من قتل و أسر و جرح فيها:

المفهوم من كلام جمال باشا في مذكراته أن الوقت الذي كان معينا لعبور القناة هو الليل، غير أن الجيش المعدّ للعبور تأخر وصوله، و حينما بدأ بمد الجسور المتحركة و شرع بالعبور كانت الشمس في الأفق، فصارت أعمال الجيش ظاهرة للإنكليز فهبوا للدفاع عن نقطة العبور مباشرة بما كانت نتيجته تحطيم الجسور عدا ثلاثة منها. و كان قد تمكن من العبور 600 مجاهد فأسرهم الإنكليز. و هاك بيان خسائر هذه الحملة:

ضابط/ 14/ 15/-/ 15 جندي/ 178/ 366/ 600/ 712 و لكن الإنكليز قدروا خسائر الأتراك في هذه الحملة بألف قتيل و ألفي جريح و ستمائة و خمسين أسيرا.

مقتل زعماء الجمعية اللامركزية:

في رجب هذه السنة (1334) الموافق مايس سنة 1916 م ورد الخبر من دمشق و بيروت بتعليق واحد و عشرين شخصا من أفراد الجمعية التي كانت- قبل أربع سنوات- عقدت في مدينة باريس مؤتمرا عربيا للمفاوضة في طلب الحاكمية اللامركزية للبلاد السورية تحت سيادة الدولة العثمانية. و قد علّق منهم في بيروت أربعة عشر شخصا و في دمشق سبعة أشخاص، علّقوا كلهم في ليلة واحدة، فارتاع الناس من هذا الخبر و داخلهم من القلق و الوحشة ما لا مزيد عليه. و قد بسط جمال باشا في مذكراته الكلام على أعذاره في تعليقهم. و سنتكلم على ذلك في الآتي.

قيام حضرة الشريف حسين على تركيا:

في شعبان هذه السنة (1334) تواردت الأخبار بأن حضرة الشريف حسين بن الشريف علي- أمير مكة المكرمة- قد تظاهر بالعداء حيال الدولة العثمانية. ثم تواردت‏

471

الأخبار في رمضان بأنه استولى على مكة المكرّمة و جدّة و الطائف و ينبع، و طرد العساكر التركية و أسر بعضها، و عقد مع دولتي إنكلترا و فرنسة معاهدة على أن يستولي على البلاد العربية العثمانية بمعاونتهما فيستقل فيها العنصر العربي و يكون هو الملك عليها إلخ.

حركة حضرة الشريف هذه قد أثبت فيها جمال باشا- في مذكراته- كلاما مسهبا ليس من غرضنا التعرض إلى تفنيده أو إلى تصويبه، بل نكل ذلك إلى من يرون أنفسهم مضطرة إلى كشف الحقيقة و تمحيضها في هذه المسألة الخطيرة.

على أنني لا أنكر أن هذا القيام لم يخل من فائدة لسوريا فإنه قد وقف تيار الفتك الذي كان يخوض في بحره جمال باشا دون رادع و لا مسيطر.

إجلاء أسر من دمشق و حلب:

فيها أجلى جمال باشا بعض أسر كريمة عن دمشق لقرابة بينهم و بين بعض المقتولين الذين تقدم ذكرهم، أجلاها إلى جهات الأناضول، و أجلى من حلب أسرة محترمة لأن جنديا من ذوي قرابتها التحق بجيوش حضرة الشريف، أجلاها إلى مدينة قرق كليسا في ولاية أدرنة.

إحداث جريدة في المدينة:

و فيها صارت الأخبار ترد من الحجاز تارة بانتصار الجيوش التركية على الجيوش العربية، و تارة بالعكس، و أن المدينة المنورة دخلت في حوزة العرب و أنهم نسفوا سكة الحديد في جهات الكرك و معان و غيرهما. و لما كانت هذه الأخبار تضعف معنويات الجنود التركية و تزيد في قوة معنويات العرب، رأى جمال باشا أن يصدر في المدينة المنورة صحيفة إخبارية تحرر ما يجري في الحجاز بين الجنود التركية و العربية على الصفة التي تخدم إرادته و تروّج أفكاره، و أن تنشى‏ء مقالات تبرهن على حسن سلوك جمال باشا و سوء سلوك حضرة الشريف في هذه المسألة. فجهز للمدينة المنورة مطبعة بأدواتها و لوازمها و اختار محررا لها وطنينا البارع الأديب الشيخ بدر الدين النعساني، فسافر إلى المدينة المنورة و أصدر هناك صحيفة سماها «الحجاز» و استمرت تصدر مدة سنة أو أقل منها، ثم بطلت و عاد محررها إلى أوطانه.

472

وفود إلى المدينة:

و فيها- في رمضانها- أوفد جمال باشا إلى المدينة المنورة وفودا من حلب و دمشق و غيرهما ليطلعوا على حقائق الأحوال و يعودوا إلى أوطانهم فيخبروا أهلها بأن المدينة المنورة لم تزل باقية في يد العثمانيين، و أن سكة الحديد بين دمشق و المدينة لا يوجد فيها شي‏ء مختلّ.

و قد دعيت لأن أكون من وفد حلب فاستقلت خوفا من مشقة الطريق و شدة الحر. و كانت نفقة هذه الوفود من جهة العسكرية، و قد أعطي كل واحد منهم خمسين ليرا عثمانيا ورقا نقديا. و لما عادت هذه الوفود إلى أوطانهم أخبر كل واحد منهم أهل وطنه بأن المدينة المنورة لم تزل باقية بيد العثمانيين و أن لا سبيل إلى الاستيلاء عليها، و أن سكة حديد الحجاز سليمة لا خلل فيها.

فتوى في وجوب قتال من خرج على الخليفة:

و فيها ورد من دمشق الشام طائفة من علمائها، و معهم صورة فتوى شرعية توجب قتال من خرج على الخليفة و شقّ عصا الطاعة و فرّق كلمة الجماعة. فدعا الوالي عبد الخالق بك نفرا من علماء حلب و كلفهم ختم هذه الفتوى أسوة بعلماء دمشق فختموها.

قدوم الشريف علي حيدر باشا على حلب:

و فيها قدم على حلب حضرة الشريف علي حيدر باشا، و قد تعين لإمارة مكة المكرمة بدل حضرة الشريف حسين، المتظاهر بعداء الدولة. فأقام حيدر باشا بحلب قليلا ثم سافر منها إلى دمشق فبقي بها مدة ثم سافر منها إلى جهة لبنان لينتظر نتيجة الحرب الحجازية، فلم تسنح له الفرصة بالتوجه إلى الحجاز و عاد إلى استانبول في أواخر سنة 1336.

جودة الموسم و رخص الأسعار:

و فيها كانت المواسم جيدة و الرخاء شاملا. و شاع بين الناس أن جهة العسكرية عازمة على مصادرة السمن و الحبوب و الصوف و غيرها. فخاف المحتكرون و لم يجسر أحد منهم على احتكار شي‏ء من هذه البضائع. فازداد رخص السمن و بيع رطله بخمسة و عشرين قرشا، و بيع كل مائة بيضة بسبعة قروش، مما لم يعهد له نظير منذ عشرين سنة، و بيع رطل اللحم الخالص بخمسة عشر قرشا و رطل الصوف بأحد عشر قرشا. و كانت جميع‏

473

أسعار الأقوات الوطنية رخيصة سوى الحبوب و زيت الزيتون و الزبيب و التين و الجوز و باقي الفواكه التي أتى الجراد النجدي على شجرها، كما أسلفنا ذكره في السنة 1333.

474

سنة 1335 ه

ملكية حضرة الشريف حسين على البلاد العربية:

في اليوم السادس من محرّم هذه السنة نودي في البلاد الحجازية باسم حضرة الشريف حسين أمير مكة المكرمة ملكا على البلاد العربية العثمانية. و قد تقدم الكلام على مبدأ قيامه على تركيا و استيلائه على معظم الحجاز في أخبار السنة الماضية.

وفد من استانبول إلى البلاد الشامية:

فيها قدم من استانبول إلى حلب وفد مؤلف من رجال الدولة العثمانية و أعيانها لردّ زيارة الوفد العربي الذي كان في العام الماضي زار استانبول. و قد استقبل الوفد التركي حينما دخل إلى محطة بغداد استقبالا حافلا، و أدبت له البلدية في فندق البارون مأدبة فاخرة، و قدّمت لكل واحد منه عباءة حريرية جميلة من صنع حلب. ثم بعد ثلاثة أيام سافر الوفد إلى دمشق و منها إلى بيروت، و لقي فيهما من الحفاوة و الإكرام ما لقي في حلب و زيادة.

و كان الغرض الحقيقي من زيارته هذه البلاد تطييب قلوب أهلها العرب و إظهار محبة الأتراك إياهم، و نزع ما غرسه بعض الاتحاديين في قلوبهم من النفرة و البغضاء بسبب سوء تدبيرهم.

سباق الخيل:

و فيها جرى في أرض الحلبة من ظواهر حلب سباق خيل على أبهج طرز.

دار للمعلمين و دار للحكومة:

و فيها بوشر في أرض الميدان الأخضر الشهير في شمالي مدينة حلب [ببناء] (1) مكتب‏

____________

(1) ما بين مربعين زيادة منا يقتضيها السياق، و هي ساقطة من الأصل. و يحتمل أن تكون الكلمة المقدرة هي:

«بتأسيس».

475

سمّي دار المعلمين، و بوشر أيضا بتأسيس دار للحكومة جديدة تجاه باب القلعة، باتصال المدرسة السلطانية من شرقيها. و قد وضع لها مهندس الولاية مصورا دخلت فيه «الغوثية» فهدمت عن آخرها و لم يبق لها أثر. ثم شقّت الأسس و بوشر ببنائها على صفة متقنة.

و قبل انتهاء بناء الأسس وقع الاستيلاء على حلب فبطل العمل بعد أن صرف عليه مبلغ طائل.

أخبار غزة:

فيها تواردت الأخبار بأن «غزّة هاشم» دخلها الجيش العربي الإنكليزي، و كانت الجنود التركية كامنة فيها فخرجوا من مكامنهم و هجموا على الجنود الإنكليزية فقتلوا منهم في البلدة عددا كبيرا و أخرجوا الباقين منهم قسرا، و أن البلدة قد خربت و لم يبق من أبنيتها سوى القليل. و قد نزح عنها أهلها و تشتتوا في البلاد، منهم من سار إلى عربان البادية و أقام عندهم، و منهم من سار إلى جهات طبرية و الخليل و القدس و دمشق و حمص و حماة و غيرها، و جرى عليهم من البلاء ما لم يجر على غيرهم. ثم في أواخر هذه السنة أعادت الجيوش الإنكليزية العربية الكرّة على غزة فاستولت عليها و عاد إليها من أهلها من كان مهاجره قريبا منها. و من ذلك الوقت بدأ العمار يعود إليها شيئا فشيئا.

انفكاك مصطفى عبد الخالق عن ولاية حلب:

و في هذه السنة انفك الوالي عبد الخالق بك عن ولاية حلب و عيّن مستشارا في نظارة الداخلية. و هو من أنزه ولاة تركيا و أحرصهم على رعاياها المخلصين و قد تعيّن بدله لولاية حلب توفيق بك.

نفي بعض المتلاعبين بالورق النقدي:

و في هذه السنة شدد جمال باشا العقوبة على المتلاعبين بالورق النقدي، و نفى بعض التجار إلى جهة أذنة لتلاعبهم بهذا الورق فلم يحصل من نفيهم نتيجة و استمر سعر الورق على هبوطه.

476

قلة الماء في حلب و جرّ ماء عين التل إليها:

و في هذه السنة بدأت الآبار و الينابيع تنضب مياهها و قل ماء قناة حلب و نهرها.

و كثرت شكوى الناس من هذه البلية التي لا دخل للحرب في وجودها بل هي بمحض إرادة ربانية قضت بأن لا يقع في موسم الشتاء ثلج على جبال عينتاب و غيرها من الجبال التي ينصب ماء عيونها إلى مجرى نهر حلب. و كان جمال باشا مطلعا من قبل على قلة ماء حلب، و قد أعلمه الأطباء بأن ماء القناة و النهر- مع قلته- يحمل أنواعا من جراثيم الأمراض القتالة التي يخشى على العساكر من فتكها. فاهتم جمال باشا بجر ماء عين التل إلى حلب و أحضر لذلك قساطل الحديد من جهة يافا و غيرها. و في مدة و جيزة مدّها من العين إلى رأس محلة التلل، و هناك عمل لها خزان عظيم يصب فيه الماء و منه يتوزع إلى جهة حلب.

و عمر في رحبة باب الفرج حوض جميل بديع الصنعة- لو تمّ عمله- يصب فيه الماء فينفر إلى العلاء قدر رمح، ثم يصب في حويض مستور، له مباذل‏ (1) مغروسة بدائره.

و عمل لأخذ الماء عدة مراكز أقصاها عند خان الكمرك- في سوق السقطية- و في متوسط خندق العطوي الآخذ إلى باب النصر. فلم يستفد من هذا الماء سوى المحلات القريبة من باب الفرج بسبب قلته و عدم ارتفاع خزّانه. و على كل حال فإن سكان هذه المحلات و ما قاربها قد ارتاحوا قليلا من جهة ماء الشرب، و عدّ عمل جمال باشا هذا من أكبر الحسنات التي تكفّر بعض سيئاته و تخلد ذكره في التاريخ.

و لما انتهى هذا المشروع الحسن عمل له في شعبان هذه السنة- و مايس سنة 1333 رومية- حفلة افتتاح عند حوض باب الفرج المذكور، حضر فيها الجمّ الغفير من الأعيان و الأمراء و الأهلين، و أنشدته قصيدة من نظمي اقترحها عليّ والي حلب توفيق بك، و هي قصيدة طويلة منها قولي:

إن ماء أجراه عذبا فراتا* * * فيه إرواء غلّة الورّاد

____________

(1) يعني صنابير أي «حنفيات» أو ما يشبهها. و كذا رسمت في الأصل بالذال «مباذل» خطأ، و الصواب بالزاي «مبازل» و سبق مثله في حوادث 1321 ه.

477

قد سقانا الشراب منه طهورا* * * فروى من نميره كلّ صاد (1)

و به ساغت المشارب في الشّه* * * با و كانت عسيرة الازدراد

و به أثلج الصدور كما قد* * * أضرم النار في قلوب الأعادي‏

جاريا في ربوعنا بابتذال‏* * * كنجيع الأعداء في كلّ واد (2)

منّة طالما النفوس تمنّتها* * * م إلى أن أتت بلا ميعاد

منّة أحيت النفوس و أحيت‏* * * ذكره بالجميل حتى المعاد (3)

ذخرتها له الليالي‏ (4) حتى‏* * * يجتنى حمدها إلى الآباد

قرن اللّه سعده بنجاح‏* * * و فلاح و رأيه بالسّداد

و أرّخها الأديب الفاضل الشاعر الشيخ إبراهيم أفندي الكيالي بقوله:

أحمد الفعل‏ (5) جمال في الورى،* * * ماء عين التلّ للشهبا جلب‏

إنّ هذا الخير، أرّخ: زانه‏* * * حسن ذكر لجمال في حلب‏

1335 و بقوله:

أحمد الفعل جمال في الورى،* * * أنعش الشهباء بالماء الزّلال‏

صاح، إن رام الورى تاريخه:* * * ناد عين التلّ تجري بجمال‏ (6)

1335

و بعد فراغي من إنشاد القصيدة افتتح جمال باشا بخطبة قال فيها: إن أحب شي‏ء إليه هو إبقاء الآثار الخيرية التي تخلّد له الذكر الجميل، و إن جرّه ماء عين التل هو ثاني ماء جرّه من محل بعيد إلى بلدة، و ذلك أنه كان جرّ ماء عين في جهات الروملّلي إلى مدينة «قرق كليسا».

____________

(1) النّمير: الماء العذب. و الصادي: العطشان.

(2) النجيع: الدم الأحمر.

(3) حتى المعاد: إلى يوم القيامة.

(4) تحريك ياء «الليالي بالضم» ضرورة شعرية.

(5) أي قام بفعل حميد.

(6) و يجوز كسر اللام في قافيتي البيتين.

478

أقول: و الحق يقال إن جرّ عين ماء التل إلى حلب حقيق أن يعدّ لأحمد جمال باشا أثرا عظيما ويدا بيضاء و منّة كبرى على سكان الشهباء، فقد حقق بها أمانيهم بهذا الماء الذي طالما تمنّوا إسالته إلى حلب فلم يتح لهم القدر ما تمنّوه.

الغلاء و ضحايا الجوع:

في هذه السنة أخذت أسعار الحبوب تتصاعد بسبب رداءة الموسم و إقبال الألمان على الاحتكار. و قد شددت الحكومة- بأمر العسكرية- المراقبة على محتكري الحبوب من الأهلين و أعلنت أنها ستكبس البيوت و المستودعات، فمن وجدت عنده من الحبوب أزيد من مؤنة سنة فإنها تصادر الزائد و تحاكم صاحبه في الديوان العرفي و تعاقبه بما تقضي عليه أحكامه. و قد نتج من هذا الإعلان انقطاع ورود الحب من القرى، و ارتفع سعر الشنبل من الحنطة إلى ألفي قرش، و من الشعير إلى ألف و أربعمائة. و اشتد الخطب على الفقراء في شتاء هذه السنة و هلك بالجوع كثيرون و لا راحم لهم و لا مغيث، و كل واحد من الناس يقول: نفسي نفسي؛ لأن الجميع كانوا يرون أن هذه الحرب سيطول أمدها و تكون سببا لإبادة العالم.

خسوف القمر:

و في رمضان هذه السنة- في ليلة النصف منه- خسف القمر خسوفا تاما بحيث غاب جميعه ثم عاد للانجلاء كما كان. و في أثناء خسوفه قامت ضجة عظيمة من أصوات العيارات النارية و الضرب على النحاس و الدق في الهاوانات‏ (1) جريا على العادة القديمة.

مقتول بالتعليق:

و في هذا الشهر علّق عند برج الساعة- في رحبة باب الفرج- شخص من العساكر الفرارية (2).

____________

(1) كذا جاء الجمع عند المؤلف، مع أن المفرد: «الهاون» بغير ألف بين الواو و النون. و يقال أيضا في المفرد:

«الهاون» و جمعه هواوين.

(2) الفرارية: كلمة شاعت وقتئذ على الألسنة، و تعني الذين هربوا من الخدمة العسكرية. و المفرد «فراري».

479

طوابع على الثقاب و دفاتر اللفائف:

و فيه أيضا ورد في صحف الآستانة قانون يقضي بلصق طوابع على علب الكبريت و دفاتر ورق سكاير التبغ، فهبطت أسعار هذين النوعين أولا ثم تصاعدت جدا.

تعليق شخصين:

و في شوال هذه السنة علّق عند برج الساعة شخصان.

قدوم إبراهيم بك على حلب:

و فيها قدم على حلب إبراهيم بك أحد كبار موظفي نظارة الأوقاف في الآستانة- و هو ابن صاحب بك- متوجها إلى المدينة المنورة فنزل إلى الجامع الكبير الأموي في حلب و أمر برفع الطرابزون الذي يجعل قبلية الحنفية شطرين، و رفع الطرابزونين اللذين يفصلان قبلية الحنفية عن القبلية الشافعية، و يكون بينهما الدهليز الذي يستطرق منه إلى باب القوافين. فرفع الطرابزونان و صارت القبليتان واحدة، و صار الداخل من باب القوافين يدخل إلى القبليّة مباشرة دون دهليز. و أمر أيضا بنزع الرفرف المرفوع فوق باب الحجازية وقاية لنزول المطر- فوق المجتازين من باب الطيبة إلى الرّواق الموجه إلى القبلة- فنزع، و كان جدّد منذ قريب و صرف عليه مبلغ كبير و كان نزعه خطأ.

ثم إن إبراهيم بك سافر إلى دمشق الشام و منها إلى المدينة المنورة و أمر هناك بتخريب بعض البيوت العامرة المتصلة بالحرم النبوي، و أخذ جميع ما في قبة الضريح النبوي من الذخائر النفيسة الفضية و الذهبية و الأحجار الكريمة، و ما في كتبيّة (1) الحرم من المصاحف الشريفة و الكتب النادرة، مما تقدّر قيمته بمئات ألوف من الليرات. وضع جميع هذه الأشياء في صناديق محكمة و عاد بها إلى استانبول.

عزل توفيق بك والي حلب، و تعيين بدري بك، و أكياس الرمل:

فيها عزل توفيق بك والي حلب و تعيّن بدله بدري بك. و فيها بدأت الجنود البريطانية

____________

(1) الكتبيّة: أطلقت هذه الكلمة على الرفوف الثابتة التي توضع عليها الكتب، و كان في كل بيت «كتبيّة» أشبه بخزانة الكتب. ثم حلّت بعض أواني الزينة و ما إليها محلّ الكتب، و بقي الاسم: «الكتبيّة» مستعملا.

480

بحصار قلاع القدس الشريف، و صدر أمر جمال باشا بأن يعمل أكياس من الخام لأجل إملائها رملا و جعلها متاريس في قلاع القدس لتردّ عنها كرات المدافع. ففرض على أهل حلب فقط ستون ألف كيس جمعت من التجار باسم الإعانة، و جمع أضعاف هذا المبلغ من بقية البلاد و ملئت رملا و جعلت متاريس في القلاع المذكورة، فلم تغن شيئا.

قدوم أحد أفراد الأسرة العثمانية على حلب:

و فيها قدم على حلب البرنس عبد الحليم أفندي- أحد أفراد الأسرة السلطانية العثمانية- متوجها إلى جبهة الحرب في فلسطين لمشارفة الحرب، فاستقبل بكل تجلّة و احترام. ثم توجه إلى جهة مقصده.

توحيد أوائل الأشهر:

و فيها ورد في البرق العثماني أن مجلس النواب العثماني قرر توحيد أوائل الأشهر الشمسية الشرقية و الغربية، فاعتبر رأس السنة الشمسية الشرقية أول شهر كانون الثاني- كما يعتبره الغربيون- إلا أن تاريخ السنة بقي شرقيا عثمانيا، كما سلف الكلام عليه في مقدمة هذا التاريخ، فأسقط من شهر كانون الأول ثلاثة عشر يوما التي هي الفرق بين الغربي و الشرقي و اعتبر أول سنة 1333 الشرقية ابتداء كانون الثاني. ثم بعد دخول الدولة العربية إلى هذه البلاد جرت حكوماتها في تاريخ السنة أيضا على التاريخ الغربي الميلادي، فاتحد التاريخان الشمسيان شهرا و سنة و صارا تاريخا واحدا.

الأوراق النقدية المعروفة باسم بنكينوط:

أسلفنا الكلام في حوادث سنة 1333 على حدوث الورق النقدي و تداوله و هبوط أسعاره. و هنا نقول: إن هذا الورق ما زالت أسعاره في حلب تهبط، إلى أن كانت هذه السنة فازداد فيه تلاعب التجار و الصيارفة حتى هبطت أسعاره هبوطا زائدا، و كان يهبط و يصعد في اليوم الواحد عدة مرات دون سبب معقول، حتى إننا كنا نقول: إن لتبديل أسعار هذا الورق سرا طبيعيا لا يمكن للعقول إدراكه كبقية الأسرار الطبيعية، و كثيرا ما كان يهبط و يصعد تبعا لما هو عليه في استانبول أو دمشق أو بيروت أو غير هذه البلاد حسبما تفيده أخبار البرق و البريد، و قد يهبط و يصعد و ليس هناك خبر برقي و لا بريدي يشعر بهبوطه‏

481

أو صعوده. كما أنه كثيرا ما كان يهبط إذا توالت الأخبار بانكسار جيوش تركيا و قد تنعكس الحالة فيصعد مع توالي تلك الأخبار و لا يهبط.

و قد صار كصنف كبير من الأصناف التي يشتغل بها التجار، و لهذا كنت ترى جماهير الصيارفة و التجار واقفين في باب خان الكمرك يتعاطون بيع هذا الورق و شراءه من بعضهم، و كل اثنين أو ثلاثة منهم متكاتفون يتكلمون مع بعضهم همسا و في أيديهم ألوف من هذا الورق يشتري زيد من عمرو ألف ورقة مائة قرش، سعر كل واحدة منها ثلاثون قرشا و ربع القرش مثلا، و يدفع له الثمن نقدا في الحال نقودا ذهبيّة أو فضية، و بعد ساعة يصعد سعر الورقة إلى ثلاثين قرشا و نصف القرش فيبيع زيد ألف الورقة- التي اشتراها قبل ساعة- إلى خالد على السعر الأخير فيربح منها مائتين و خمسين قرشا. ثم لا تمضي ساعة حتى يهبط السعر أو يعلو فيبيع خالد ألف الورقة التي اشتراها قبل ساعة، فيربح أو يخسر على حسب السعر الموجود. فمن الناس من ربح من هذا الورق أرباحا طائلة و منهم من خسر فيه جميع ثروته كأنه كان يلعب بالميسر.

من الأسباب الظاهرة التي حملت الناس على الخوف من عاقبة هذا الورق- فازداد سعره هبوطا حتى نزل إلى خمس قيمته المحررة فيه- خطبة ألقاها طلعت باشا ناظر مالية تركيا في مجلس النواب، تكلم فيها على حالة هذا الورق و تلاعب التجار في أسعاره و أورد من جملتها عبارات يفهم منها بأن هذا الورق لم يكن مكفولا من قبل ألمانيا و لا من غيرها- كما كان يعتقده الناس الذين لا ثقة لهم بمالية الدولة- و إنما كانوا مقبلين على تداوله اعتمادا على ثروة كافلته دولة ألمانيا، فلما سمعوا تلك العبارات من خطبة طلعت باشا أحجموا عن قبوله خوفا من سوء عاقبته، فهبط سعره إلى خمس قيمته كما قلنا. مع هذا كان كثير من الناس يعتقد أن هذا الورق مكفول من دولة ألمانيا رغما عما قاله طلعت في خطبته و أن ما قاله في هذه الخطبة لم يقصد منه إلا تنزيل أسعار هذا الورق إلى الدرجة الغائيّة لتشتريه الحكومة من الرعية بالثمن البخس بواسطة سماسرة خفيين و تعدمه، فتكون بعملها هذا قد وفت سلفا قسما كبيرا من الديون عن دولة تركيا من هذا الورق بقسم منه، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

إن كثيرين من التجار كانوا يشترون الورق من البلاد التي يهبط فيها سعره و يصرفونه في البلاد التي يعلو فيها فيبدلونه بالذهب الذي يهرّبونه إلى بلادهم بإرشاء المراقبين في محطات‏

482

سكك الحديد أو بغير طريقة. و ربما اشتروا بالورق أموالا من استانبول أو مملكة النمسا أو بلغاريا و أحضروه إلى بلادهم كذلك. و قد يشترون بالورق من بلدة أجنبية أموالا تجارية لا يمكن إحضارها في إبان الحرب فيبقونها في تلك البلاد إلى أن تنتهي الحرب فيحضرونها.

و قد يشترون بالورق العثماني المذكور أوراقا مالية أجنبية و يبقونها في أيديهم إلى ما بعد الحرب فيربحون منها مبالغ طائلة. مثلا: يشترون بثلاثة (1) ورقات عثمانية من أوراق المائة قيمتها التجارية الحاضرة 75 قرشا ورقة إمريكانية قيمتها 100 قرش إلا أنها لا رواج لها الآن بين تجار البضائع في البلاد العثمانية فيبقونها محفوظة عندهم إلى انتهاء هذه الحرب، ثم يصرفونها في شراء بضائع من البلاد التي يروج فيها الورق الأميركاني فيربحون منها أرباحا عظيمة.

الورق النقدي و حالة مرتزقة الحكومة:

ارتفعت أسعار أكثر البضائع الوطنية في مدة طويلة من أيام هذه الحرب إلى عشرين ضعفا عما كانت عليه قبلها. كان رطل الدقيق الجيّد قبل الحرب يباع بثلاثة قروش، فصعد سعره في أثنائها إلى ستين قرشا ذهبية أو فضية. أما البضائع الغربية فمنها ما ارتفع سعره عشرين ضعفا، و منها ما ارتفع أكثر من ذلك، كالسكر فإن سعره ارتفع قريبا من أربعين ضعفا، كان الرطل يباع منه قبل الحرب بسبعة قروش فبيع في أثنائها بنحو ثلاثمائة قرش.

و هكذا كان الحال في كثير من البضائع الغربية كالمنسوجات و أنواع الحرير و العقاقير و البترول و غيرها. و بسبب غلاء البضائع على هذه الصفة تضرر مرتزقو الحكومة من هبوط أسعار الورق أكثر مما تضرر به غيرهم. مثلا كان المأمور المستخدم الذي راتبه الشهري ستمائة قرش- أي راتبه كل يوم عشرون قرشا أميرية- و عياله سبعة أشخاص يعيش بهذا الراتب قبل هذه الحرب عيشة رضية؛ لأنه يكفيه في اليوم رطل من الدقيق قيمته ثلاثة قروش، و الباقي من راتبه- و قدره سبعة عشر قرشا- يصرفها في باقي حاجاته من الأدم و الكسوة و الوقود و الاستصباح و الحمّام و أجرة المنزل، و غير ذلك من النفقات الضرورية.

و كانت الحكومة تدفع ليرة الذهب العثماني على سعرها الأميري و هو مائة قرش، و قيمتها الرائجة في التجارة مائة و سبعة و عشرون قرشا و نصف القرش. فكان معاشه الشهري- الذي هو ستمائة قرش- يبلغ سبعمائة و خمسة و ستين قرشا رائجة. و المعاملة بين الأهليّين‏

____________

(1) كذا و الصواب: «بثلاث» كما هو واضح.

483

على السعر الرائج. فلما تنازل سعر الورق إلى مقدار خمس قيمته صار هذا المسكين يأخذ راتبه من الحكومة ست ورقات، سعر الورقة في التجارة عشرون قرشا، فكان معاشه عن الشهر كله يبلغ مائة و عشرين قرشا رائجة، و هي قيمة رطلين من الدقيق فقط لا يكفيه مع الاقتصاد أكثر من يومين، فيضطر- لإكمال باقي ضرورياته- إلى أن يبيع أثاث منزله ثم ثيابه و ثياب عياله حتى يضطر للتسؤّل. و ربما كان لخدمته تسلط على الناس فيضطره الحال- رغما عن عفافه- أن يمد يده إلى أخذ الرشوة و أكل المال الحرام، فيبطل الحق و يحق الباطل.

و لما بلغت الحالة بالمستخدمين هذه الغاية رأت الحكومة وجوب تلافي حالتهم بقدر ما يمكنها، صونا لشرفها، فشرعت تأخذ من الزارعين عشرا ثانيا- سمّته المبايعة- بقيمة تبلغ الربع و الثلث من قيمته الحقيقية، و تدفع للزراع هذه القيمة ورقا على سعره الأميري. و أما باقي المأكولات و الصابون و مادة الوقود فإن الحكومة جعلت تشتريها من ذويها بقيمة تضعها من عند نفسها، و تدفع لهم تلك القيمة ورقا على سعره الأميري أيضا.

ثم جمعت هذه الأموال في مكان و وظفت لتوزيعها على المأمورين موظفين و كتابا، يعطون المستخدمين من هذه الأموال مقدار ما يخفف ضررهم بقيمة تزيد على قيمتها التي اشترتها الحكومة بها شيئا قليلا، و تأخذ منهم القيمة ورقا- من رواتبهم- على سعره الأميري.

و سمّت هذا العمل (إدارة الإعاشة).

و بهذه الواسطة خفّ ضرر المستخدمين و صار يمكنهم أن يحصلوا مع الاقتصاد على ضروريات حياتهم. فكان المأمور يأخذ من هذه الإدارة في رأس كل شهر قدرا معلوما من الحنطة و البرغل و العدس و الحمّص و الملح و السكر و القهوة و الحطب و الفحم و الصابون و الزيت و البترول، فيبيع من هذه الأشياء ما يمكنه الاستغناء عنه بقيمته الحقيقية، و يصرف القيمة في باقي حوائجه.

جالية أهل المدينة المنورة:

و في هذه السنة و هي سنة 1335 قدمت علينا جالية أهل المدينة المنورة و هي في حالة يرثى لها، قد تركت أموالها و أمتعتها في المدينة المنورة. و جاءت هذه البلاد في وقت غلت فيها أسعار الأقوات و ارتفعت أجور المنازل. و كان بين هذه الجالية أسر كريمة فيهم السادات‏

484

و الأعيان الذين كانت موائدهم في المدينة المنورة مبسوطة للصادي و الغادي، فلما وصلوا حلب و ليس معهم من المال سوى القليل اشتد عليهم الخطب و الكرب رغما عما كان يبذله لهم بعض الحلبيين الكرام من القرى و المعونات، إلى أن خصصتهم محاسبة الأوقاف بمبلغ من أموالها المشروطة لفقراء الحرمين المحترمين، فخفّ عنهم بعض ما كانوا يجدونه من شظف المعيشة.

كان إجلاء أهل المدينة المنورة عنها من جملة الأمور التي نفّرت قلوب العرب عن الحكومة العثمانية، و كانت القلوب تزداد نفرة و اشمئزازا حينما كنا نسمع من أولئك الجاليات أخبار مظالم القائد العسكري هناك و ما فعله بالعوالي‏ (1) و أهلها من الفظائع.

سقوط القدس في يد الإنكليز:

و فيها تواردت الأخبار بأن القدس الشريف و غيرها من بلاد فلسطين دخلت في حوزة الدولة البريطانية، و أن جيوشها تقدمت إلى جهة السّلط و غيرها من تلك الديار.

عزل جمال باشا و سفره:

و فيها وصل جمال باشا إلى حلب معزولا من القائدية العامة. و ألقى في بعض الأندية خطابا أوهم به الناس أنه لم يعزل و إنما هو عازم على السفر إلى الآستانة لبعض شؤون مهمة، و أنه عما قريب يعود إلى وظيفته. و كأنه أراد بهذا الإيهام بقاء مهابته في النفوس كيلا يتجرّأ أحد على اغتياله. و كأن ولاة الأمور في الآستانة أدركوا في ذلك الوقت أغلاطه و خطاياه في هذه الوظيفة فعزلوه. و يا ليتهم كانوا يفهمون ذلك قبل أن يعضل الداء و يتعذر الشفاء.

تعيين نهاد باشا قائدا بدل جمال باشا:

و فيها قدم على حلب قائدا عاما- بدل جمال باشا- نهاد باشا. و هو شاب جميل الطلعة بشوش الوجه دمث الأخلاق، متباعد عن مواضع الريبة، ميّال للخير. تمنى الناس أن لو كان ندب لهذه الوظيفة في أول الحرب، أما الآن فماذا عساه يفعل و قد اتسع الخرق على الراقع و نفذت سهام القدر و لم يبق في القوس منتزع؟

____________

(1) العوالي: المناطق المجاورة للمدينة المنورة (كما سيأتي في شرح المؤلف لها).

485

سقوط بغداد في يد الإنكليز و استيلاء روسيا على بلاد الأناضول:

و فيها تواردت الأخبار باستيلاء الجيوش البريطانية على بغداد و تقدمها إلى جهة الموصل، و بأن جيوش الروس استولت تباعا على طرابزون و أزروم و وان و بتليس، و تقدمت نحو الموش. و قلق أهل ديار بكر من قربها إليهم.

هبوط أسعار الحبوب و عودها للارتفاع:

و فيها- في أيام إدراك المحاصيل الزرعية و ورود الغلات إلى حلب- هبطت أسعار الحبوب هبوطا بيّنا، فبيع الشنبل من الحنطة بستمائة قرش، و من الشعير بأربعمائة. غير أن ذلك لم يدم سوى أيام قلائل حتى عاد السعر للارتفاع كما كان، و سبب ذلك إقبال الألمان على احتكار الحبوب و شراؤهم إياها بالثمن الذي يطلبه صاحبها منهم غير مبالين بغلائها، لا يهمهم شي‏ء سوى الحصول عليها بأي ثمن كان.

و لما رأى الوالي «بدري بك» أن الحب قد ارتفعت أسعاره، حتى بيع شنبل الحنطة بألف و مائتي قرش، خشي إن تمادى هذا الأمر أن يعود سعر الشنبل إلى ألفي قرش.

فتخابر مع قواد الألمان و كلّفهم ألّا يباشروا بأنفسهم شراء الحبوب كيلا يطمع بهم أصحابها فيرفعوا سعرها، و أنه يلزم نفسه بأن يقدم لهم جميع ما يلزمهم منها على سعر 1200 قرش.

فأجابوه إلى ما طلب. و في الحال عيّن من قبله رجال درك فرسانا، و أرسلهم إلى القرى- في قضاء الباب و قضاء جبل سمعان- و أمرهم أن يشتروا من المزارعين شنبل الحنطة بسبعمائة قرش معدنية، رضي صاحب الحب أم لم يرض. و سمّى هذا البيع و الشراء (سربست مبايعه) أي بيع بالحرية. فكان رجال الدرك- الذي أرسلهم لهذه المهمة- متى ظفروا بحنطة يأخذوها من صاحبها على هذا السعر، رضي أم لم يرض، ثم يحملوا ما يشترونه و يرسلوه إلى المحل الذي عيّنه الوالي و هو يقدّمه إلى الألمان على سعر 1200 قرش حسبما تعهّد لهم. فحصل من هذا العمل فائدتان: فائدة خصوصية و هي ربح الوالي من كل شنبل خمسمائة قرش، و فائدة عمومية و هي وقوف سعر الحبّ عند هذا الحد، إذ لو لا هذا العمل لكان سعر الحب يرتفع إلى ألفي قرش أو أكثر.

على أن الوالي «بدري بك» قد ربح من هذه المسألة أرباحا طائلة تعدّ بعشرات الألوف‏

486

من الليرات. و لو أنه كان يسمح بمقدار من هذه الأرباح إلى الفقراء لكان يخفّف عنه ذلك لغط الناس، الذي كان أقلّه قولهم فيه: «هذا لم يجي‏ء واليا و إنما جاء تاجرا». و كان يزيد لغطهم به حينما يرونه و هو يربح هذه الأموال مارّا في الشوارع متكئا على أريكته في سيارته، و الفقراء من جهتي الجادّة يضجون و يصيحون بكلمة «جوعان». و منهم من مات و منهم من أسكته الجوع و ظل يجود بنفسه، فيمر حضرته و يرى هذه المناظر المفزعة فلا يتحرك فيه دم الإنسانية بل تراه كأنه يتفرج على شي‏ء تلذّ به النفس لغرابة منظره.

تشدد العسكرية في القبض على الناس:

و في هذه السنة اشتدت العسكرية في إلقاء القبض على الناس الذين هم من مواليد سنة 1280 إلى سنة 1315 رومية، فكان رجال الدرك يمشون في الأزقة و الشوارع و يقبضون على الرجال بلا تفريق بين الرفيع و الوضيع. و كانوا متى رأوا شابا يستوقفوه و يطلبوا منه وثيقته فيبرزها لهم، فإن كان- بحسب تفرّسهم به- أهلا لأن يستخرجوا منه شيئا تعللوا عليه بقولهم: هذه الوثيقة قد مضى حكمها، أو هي مغلوطة أو تقليد، أو يقولوا له تذهب معنا حتى تقدمها إلى رئيس دائرة أخذ العسكر ليقيدها في سجله، أو يتعللوا عليه بغير ذلك من العلل الواهية، فلا يرى المسكين بدا من أن يدفع لهم مقدار ما استحضره و أعدّه لمثل هذه البلية من النقود ذهبا فصاعدا.

هذه حالة أهل الوثائق مع رجال الدرك و أما الذين ليس معهم وثيقة فأولئك ممن غضب اللّه عليهم فاستحقوا من رجال الدرك كل إهانة و تعذيب؛ لأنهم في الحال يوثقونهم في سلك الصفوف المسلسلة بالحبال و يسوقونهم أذلّاء صاغرين إلى محبس المركز، الذي هو مغارة أو مسجد قديم. غير أن هؤلاء المسلسلين- الذين ربما يبلغ عددهم نحو مائة شخص أو أكثر- لا يصل منهم إلى محبس المركز سوى بضعة أشخاص، و هم الذين لا يملك أحدهم خمسة قروش يرشي‏ (1) بها زعيم رجال الدرك ليتخلص من قبضته، فتزجّ هؤلاء الأشخاص في محبس المركز و تترك أياما طويلة. و ربما كان المحبوس غريبا و ليس له من يسأل عنه من أهله فيقاسي أنواع الجوع و البلاء، لا تتركه العسكرية يخرج من محبسه، و لا تأخذه‏

____________

(1) كذا و الصواب: «يرشو» لأن الفعل واويّ اللام. و شاع مضارعه بالياء على ألسنة الناس.

487

للثكنة و تعسكره و تسوقه إلى الجهة المعيّنة لمثله. و ربما بقي على هذه الحالة مدة أربعين أو خمسين يوما فيشرف فيها على التلف.

و كان الناس يسمّون رجال الدرك الذين يقبضون على الناس «أهل الحبلة» فمتى أحس بهم واحد من رأس السوق مثلا يناد: الحبلة الحبلة. فيعدو للهرب من لم يكن معه وثيقة.

و اشتهر من زعماء هؤلاء الرجال جماعة بالظلم و القسوة و نالوا ثروة طائلة من هذه المهنة.

و كان أحدهم قبل الحرب لا يملك شيئا و للناس فيهم زجلات مضحكة يتغنّون بها في خلواتهم، و كان هؤلاء الرجال يأخذون الرشوة من بعض الناس مشاهرة و يدعونهم في حوانيتهم. و كانوا لا يبالغون من التجاهر بأخذ الرشوة و لا يخافون من أن يطّلع عليهم رؤساؤهم. و بسبب ذلك كان الناس يعتقدون أن رؤساء هؤلاء الزعماء شركاء معهم.

و إن تشدد العسكرية في القبض على الناس قد أضرّ بهم ضررا عظيما لأن أكثر مواليد السنين المذكورة كانوا يضطرون للاختفاء، فيبقون من غير كدّ و لا كسب مع أنهم أصحاب عيال و أطفال فيبيعون ما عندهم من الأثاث و الثياب ليصرفوا أثمانها في قوتهم الضروري ثم ينفذ (1) ما عندهم فتضطر عيالهم للتسؤّل و ربما مات أحدهم جوعا. و كان عذرهم في الفرار من التجند ما يسمعونه و يشاهدونه من سوء حالة العساكر في مأكلهم و ملبسهم و قسوة الضباط عليهم، فيرون الموت في أوطانهم أهون عليهم من الموت في جنديتهم.

تظاهر المستخدمين بالرشوة و سلب الأموال الأميرية:

و في هذه السنة، بعد أن سافر جمال باشا من هذه البلاد و تحقق انفكاكه عنها الأشرار المستخدمون من الملكيين و العسكريين، ازداد تجاهرهم بالرشوة و التسلط على أموال الناس و الدولة، فعمّ فسادهم و كثر فجورهم. و كان المستخدمون في محطات السكك الحديدية أعظم الجميع تكالبا و أشدهم شرها في سلب الأموال. كانوا لا يمكّنون تاجرا من شحن بضاعته إلى جهة ما إلا بعد أن يأخذوا منه رشوة، مبلغا يكفي شرههم، و إلا قالوا له:

الشحن ممنوع. و كان كثيرون من التجار تضطرهم الحال إلى أن يشركوا معهم في أرباحهم معتمد المحطة المعروف باسم (القوميسير) و إلا بقيت بضاعتهم مطروحة على الأرض.

____________

(1) الصواب: «ينفد» بالدال المهملة. و تكرر ذلك عند المؤلف كثيرا. و هو خطأ شائع.

488

و كثيرا ما كان القوميسير نفسه يتجّر بالبضائع لحسابه فيشحن إلى بيروت أو دمشق أو استانبول بضاعة من البضائع التي تربح كثيرا لأن غيره لا يقدر على شحنها، فيربح من تلك البضاعة أرباحا طائلة يختص بها وحده. و ربما كان يشرك معه في هذا الربح أحد كبار الموظفين إسكاتا له، و يتحدث الناس عن أحد القوميسيرية أنه جمع مئات ألوف من الليرات بواسطة هذه الوظيفة. أما أمراء العسكرية فجميعهم إلا قليلا منهم لم يألوا جهدا بسلب أموال الدولة و الرعية؛ منهم من كان متسلطا على متعهدي الأرزاق العسكرية و منهم من كان موكولا إليه شراء الدوابّ أو غيرها من لوازم الحرب، و منهم من كان مأمورا بالديوان العرفي أو معيّنا كناظر على استلام الحبوب أو الدقيق أو الخبز أو الحطب أو غير ذلك من الخدم و الوظائف التي لصاحبها سلطة و نفوذ في جماعة التجار أو الزراع أو الصناع فكان كل واحد من أولئك المأمورين لا يمضي وصلا و لا يصدق على عمل من هذه الأعمال إلا بعد أن يأخذ القدر الذي يرغبه و يرضيه.

و كان الموظفون على أهراء الحبوب العشرية لا يتسلمون الحب ممن يقدمه إليهم إلا مغربلا خالصا من كل غشّ، و يأخذون منه الثمانية، عشرة، ثم يخلطون الحب ترابا و مدرا عشرة أو عشرين في المائة، و حين تسليمه ينقصون وزنه عشرة أو عشرين في المائة. يفعلون هذا علنا دون مبالاة من أحد؛ لأن من يخافون سيطرته عليهم قد سدّوا فمه و أعموا عينه بمقدار ما يرضيه من المال مهما كان كثيرا؛ لأن الأهراء قد يزيد فيه‏ (1) من الغلة نحو ألف شنبل أو أكثر. فإذا فرضنا أن حافظ الأهراء باع كل شنبل بخمسمائة قرش يحصل في يده من النقود ما مجموعه نصف مليون من القروش، و هو مبلغ كبير يشبعه هو و آمريه.

و الخلاصة أن كل مستخدم في الملكية أو العسكرية من كبير و صغير- سوى قليل منهم- قد جمع في أيام هذه الحرب ثروة مدهشة طغى من أجلها و بغى و امتطى خيول السرف و الترف و مشى في الأرض مرحا، و تمنى أن تمتدّ مدة هذه الحرب ما دام حيا.

و كنت إذا مررت على حوانيت صاغة الحلي تراها غاصة بنساء الضباط و الأمراء و الموظفين، فكان الصاغة يشتغلون في الليل و النهار و لا يتاح لهم أن يقدموا الحلي إلى طلابه في الوقت‏

____________

(1) كذا، و الصواب «فيها» لأن الضمير يعود على «الأهراء» و هي مخازن الحبوب.

489

المطلوب. و كان كثير من الموظفين الموكلين على الأرزاق العسكرية يقصدهم التجار سرا و يشترون منهم أنواع البضائع بأبخس الأثمان.

قلنا: إن ازدياد التجاهر بالرشوة كان بعد انفكاك جمال باشا عن هذه البلاد، و أما قبل انفكاكه عنها فكانت الرشوة أقل من ذلك بكثير بالنسبة إلى ما وجدت عليه بعد رحيله، و هذا مما يجب أن يعدّ من جملة حسناته.

490

سنة 1336 ه

اشتداد الجوع و جمع إعانة للفقراء:

كانت الأمطار في شتاء السنة الماضية قليلة جدا بحيث يئس الناس من حياة الزروع، فارتفع سعر شنبل الحنطة في حلب إلى ألفي قرش، كما أشرنا إلى ذلك قريبا، و اشتد الخطب على العجزة و الضعفاء و الفقراء و أصبح كثير من الناس يقتاتون بالحشيش يسلقونه و يأكلونه فترم‏ (1) سوقهم و يموتون. و منهم من يقتات بقشور البقول و الفواكه و تفل النّشا- المعروف بالدوسة- و العظام. و بعض الجزارين يخلط لحوم الحمير بلحوم الغنم و يغش بها الناس.

و صار الجوع يفتك بالفقراء فتكا ذريعا و قد ملأ ضجيجهم الفضاء فكان الإنسان يتألم من صياحهم و تضورهم، خصوصا حينما كان يشاهد بعض موتاهم جثثا هامدة في الأزقة و الشوارع رجالا و نساء و أطفالا، الأمر الذي أثار الحمية و أزكى نار المروءة في أفئدة جماعة من أهل النشاط و الوجاهة، فسعوا بتأليف جمعية خيرية تهتم بجمع إعانة نقدية من أهل الخير تصرفها في قيمة خبز تفرقه على المعوزين المذكورين. فما مضى غير أيام قليلة حتى بلغ ما جمع من هذه الإعانة نحو خمسة و عشرين ألف ورقة مائة، و كان سعر الورقة في التجارة نحو ثلاثين قرشا. ثم إن هذه الجمعية أخذت المدرسة الشعبانية و القرناصية و الإسماعيلية و غيرها من الأماكن، و حشدت فيها المعوزين من النساء و الأطفال ليس إلّا، و جعلت الجمعية تفرق على كل واحد منهم رغيفين في اليوم. و قد بلغ مجموعهم نحو ألفي نسمة، و هذا العدد بالحقيقة يقدّر بثلث عشر فقراء مدينة حلب، فإن عددهم يقدر بتلك الأيام بستين ألف فقير من المسلمين فقط. أما فقراء الطوائف المسيحية و الإسرائيلية فكان يقدر عددهم بنحو عشرة آلاف فقير.

____________

(1) تصاب بالورم. و فعله: ورم يرم.

491

و كانت الجمعيات الخيرية من هاتين الطائفتين تقدم لهم أقواتهم الضرورية على حسب إمكانها، و لم يكن في وسع الجمعية الإسلامية المذكورة أن تقوم بكفاية جميع فقراء المسلمين. و قد استمر هؤلاء الفقراء من المسلمين يتناولون هذه الجراية إلى أن نفذت‏ (1) نقود الإعانة، و كان الموسم قد اقترب و هبط سعر الشنبل من الحنطة إلى 1200 و من الشعير إلى 600 قرش، و تبين أن المحل كان في الجهات القبلية فقط، و هي جهة العيس و الأحصّ و قضاء المعرة، أما في الجهات الشرقية و هي قضاء الباب و منبج فقد كان المحل فيها أقل فتكا؛ لأن الشنبل من البذر حصل مثله، و في جهتي الشمال و الغرب حصل الشنبل من البذر ضعفه أو ثلاثة أمثاله.

و الخلاصة أن المدة المجموعة من أواخر سنة 1335 و أوائل هذه السنة و هي 1336 لم يمرّ في أيام هذه الحرب أصعب و لا أكثر ميتا بالجوع منها.

سقوط السّلط و يافا و غيرها:

و فيها تواردت الأخبار البرقية باستيلاء الجيوش الإنكليزية العربية على السلط و يافا و غيرها من تلك الجهات و تقدموا إلى جهة درعا.

عود البرنس عبد الحليم إلى استانبول:

و فيها عاد البرنس عبد الحليم أفندي أحد أفراد الأسرة العثمانية من جهة فلسطين متوجها إلى استانبول.

استقراض داخلي:

و فيها فتحت الحكومة اكتتاب استقراض داخلي قدره ثلاثون مليونا من الليرات، الورق النقدي، بفائض خمسة في المائة في السنة، على أنها تقبل الورق العثماني على سعره الأميري و تدفع عن كل مائة ورقة خمس ليرات ذهب فائضا على قسطين، الأول بعد ستة أشهر من تاريخ أخذ القرض، و الثاني بعد ستة أشهر أخرى. فلم يقبل الناس على هذا القرض إقبالا يستحق الذكر لعدم ثقتهم بالحكومة. و في شتاء هذه السنة كانت الأمطار كثيرة و كان‏

____________

(1) الصواب «نفدت» بالدال المهملة.

492

الخصب عظيما إلا أن الغلات كانت قليلة بسبب قلة البذر.

انكسار روسية:

و فيها تواردت الأخبار البرقية بأن جيوش الألمان قد كسرت جيوش الرّوس شرّ كسرة (1) و مزقتها كل ممزق، و احتلت قسما كبيرا من بلاد الروس، و أن ألمانيا قد أكرهت روسيا على أن تخضع لها و تعقد معها صلحا يخدم مصلحة الألمان، و قد قسّمت مملكة الروس بين العناصر القاطنة فيها و جعلت كل عنصر منها حكومة مستقلة تحكم مقدّراتها. و عدّ هذا الظفر لألمانيا برهانا قاطعا على أنها ستخرج من هذه الحرب ظافرة لأن قواتها حينما كانت متبعثرة في جبهة روسيا كانت هي الغالبة في الجبهة الغربية، فما ظنك بها الآن و قد توفرت لديها تلك القوات المهولة و صار في إمكانها أن تحشدها كلها في الجبهة الغربية؟

ترخيص الحكومة بنقل الذهب:

و فيها- في شعبان- رخصت الحكومة بنقل النقود الذهبية من بلدة إلى أخرى داخل المملكة العثمانية.

وفاة السلطان رشاد:

و فيها، في يوم الأربعاء رابع و عشرين رمضان، أطلقت المدافع من القلعة و القشلاق العسكري إعلاما بوفاة المرحوم السلطان محمد رشاد الخامس و جلوس السلطان محمد وحيد الدين على عرش السّلطنة العثمانية.

عزل بدري بك والي حلب و تولي عاطف بك:

و فيها- في شوال- عزل بدري بك عن ولاية حلب و خلفه عاطف بك.

انكسار بلغاريا:

و فيها وردت الأخبار بالبرق العثماني أن حكومة بلغاريا قد انكسرت شر كسرة،

____________

(1) في الأصل: «كثرة» فصححناها.

493

و اضطرت أن تسلّم لعدوّتها دولة اليونان، و أن الطريق الذي يصل برلين بالآستانة قد سده البلغار فتعذّر وصول الامداد بالسلاح و الذخائر الحربية التي كانت تأتي إلى الآستانة من برلين و النمسا. و كانت هذه البلية من أعظم أسباب انكسار الجيوش الألمانية في البلاد الشامية و إخلاد تركيا إلى إلقاء سلاحها أمام الدولة البريطانية.

فحص فضلة المسافر:

و في شعبان هذه السنة أعلنت الصحية في حلب بأن كل من يريد السفر على قطار الشام و بغداد إلى جهات دمشق و بيروت و الآستانة، و غيرها من البلاد و النواحي التي على هذه الخطين، عليه أن يأخذ من دائرة الصحية وثيقة (بورتور) أي براءة تشعر بسلامته من الأمراض الوبائية. و إذا لم تكن معه هذه الوثيقة يمنع من السفر إلى تلك الجهات.

فكان كل من أراد السفر على قطار سكة الحديد- ذكرا كان أم أنثى- يحضر إلى مكان الصحية فيدخله خدمها إلى الخلاء و يدفع له قارورة صغيرة لها سداد و معها ملوق صغير، يكلفه بأن يأخذ شيئا من فضلته‏ (1) و يضعه في القارورة، فيفعل و يعيد القارورة إلى الخادم فيكتب اسمه عليها و يأخذها إلى محل التحليل، و بعد يوم أو يومين يعود هذا الإنسان إلى مكان الصحية فيأخذ الوثيقة المذكورة إن كان تبيّن أن فضلته نقيّة من مكروب مرض وبائي، و إلا منع من السفر و أخذ إلى المستشفى. و كان كثير من الناس يستهجنون هذا العمل و لا تطاوعهم نفوسهم على إجرائه، فكانوا يأخذون الوثيقة شراء بريالين أو أكثر، على حسب تحملهم، و بذلك فتح للصحية باب جديد من الرزق و نصب شرك آخر لعرقلة مساعي من أراد السفر؛ لأنه كان يناله تعب زائد في الحصول على تلك الوثيقة علاوة على ما كان يناله من التعب في الحصول على إجازة السفر التي يجب عليه أيضا أن يأخذها من جهة شرطة مخفر محلّته.

انسحاب الروس من بلاد الأناضول:

و فيها ورد الخبر بالبرق العثماني أن عساكر الروس قد انسحبوا من بلاد الأناضول التي كانوا استولوا عليها في أواسط هذه الحرب، و هي أزروم و وان و بتليس، و انسحبوا أيضا

____________

(1) الملوق: الملعقة، أو ما يشبهها. و الكلمة من العامية التي اندثرت اليوم أو كادت. و الفضلة: البراز.

494

عن طرابزون و أخلوا الباطوم و غيرهما من البلاد العثمانية التي كانوا احتلوها في جهات قفقاسيا في الحروب الأخيرة الغابرة مع تركيا.

عود الشريف حيدر باشا إلى الآستانة:

و فيها قدم من جهة دمشق إلى حلب حضرة الشريف علي حيدر باشا عائدا إلى الآستانة.

تقدم جيوش الإنكليز و العرب في جهات درعا و انهزام المستخدمين:

في شهر ذي القعدة من هذه السنة تواترت الأخبار بتقدم جيوش الإنكليز و العرب في جهات درعا، و أن القوة المعنوية في الجيوش التركية الألمانية قد انكسرت و استولى عليها اليأس، ففارق ليمان باشا الألماني مكانه و توجه إلى جهة استانبول، و كان معاونا في القيادة الحربية جمال باشا الصغير الذي هو قائد الجيش المحارب، و هو غير جمال باشا القائد العام.

ثم فارق جمال باشا الصغير الجيش المحارب، و هو غير جمال باشا القائد العام.

ثم فارق جمال باشا الصغير الجيش أيضا و لحق بليمان باشا، و بعده طفق المستخدمون و الموظفون من ملكيين و عسكريين في البلاد الساحلية و دمشق و غيرها يتركون وظائفهم و يرحلون أفواجا إلى استانبول و غيرها من البلاد التركية خوفا من استيلاء جيوش الإنكليز و العرب عليها و وقوعهم أسرى في أيدي المحتلين أو قيام الأهليّين عليهم انتقاما من إساءتهم إليهم.

استبدال والي حلب عاطف بك بمصطفى عبد الخالق بك:

و في ذي الحجة من هذه السنة عزل والي حلب عاطف بك و خلفه مصطفى عبد الخالق بك- و هذه ولايته الثانية- فوصل إلى حلب في اليوم الخامس و العشرين من هذا الشهر مجردا عن عياله و نزل في فندق البارون.

495

سنة 1337 ه

جلاء الموظفين من أماكنهم:

في أوائل محرّم هذه السنة وصل إلى حلب جمهور من الموظفين و المستخدمين فرارا من وقوعهم أسرى في قبضة المستولين، قادمين من دمشق و بيروت و غيرهما من البلاد السورية و الساحلية التي قرب استيلاء الجيوش الإنكليزية العربية عليها، متوجهين إلى استانبول و الأناضول. و كان مع هؤلاء الموظفين أهلهم من النساء و الأطفال، فازدحموا في سكة حديد بغداد و ظل الكثيرون منهم عدة أيام تحت السماء بلا غطاء و لا وطاء، فنالهم من المشقة ما لا مزيد عليه.

خبر سقوط دمشق و تشتت شمل الجيوش العثمانية:

يوم الثلاثاء- ثالث يوم من محرّم هذه السنة- وصل الخبر إلى حلب بأنه في ظهيرة يوم الاثنين، ثاني يوم من الشهر الحالي، استولى على دمشق الشام عرب الشريف، الذين هم في مقدمة جيوش الدولة البريطانية، و كان السواد الأعظم من موظفي تركيا فيها قد خرجوا منها قبلا كما ذكرناه آنفا، و حين دخول العرب إليها أقيم أحد كبراء أولاد المرحوم الأمير عبد القادر الجزائري مقام الوالي ليقوم بإدارة توطيد الأمن و السلام في المدينة ريثما يحضر إليها- من قبل الشريف حسين ملك العرب- من يتسلم زمام إدارة أمورها.

و قد ارتاع الناس في حلب من هذا الخبر و عجبوا من سرعة سقوط هذه المدينة العظيمة في أقرب وقت و كانوا يقولون: إنها لا يمكن سقوطها بأقل من سنة. و قد تشتت شمل الجيوش العثمانية الألمانية في جهات درعا و مزقوا كل ممزق ما بين أسير و قتيل في الحرب و ضائع و متردّ و مقتول من قبل عرب البوادي و سكان القرى المتوسطة بين دمشق و لبنان و بعلبك. و كانت جبهة الحرب في جهات درعا، و هناك كانت هزيمة جيوش الأتراك و من معهم من الألمان. و كان سبب انكسارهم الفجائي- الذي لم يكن في الحسبان-

496

التفاف العرب عليهم من ورائهم بقطع مسافة من الصحراء في مدة لا يمكن للجيوش الإنكليزية أن تقطعها فيها، لكثرة أثقالها التي لا تتحملها تلك الرمال في هاتيك المفاوز.

و بسبب هذا الالتفاف أصبح الجيش التركي بين نارين نار الإنكليز و نار العرب، فانقطع عليه خط الرجعة و عوّل على الهزيمة. و قد غنمت جيوش إنكلترة من الأقوات و المهمات الحربية و غيرها ما يعجز عنه قلم الإحصاء.

سقوط رياق:

هذا و لم يمض غير أيام قلائل على سقوط دمشق حتى شاع في حلب أن الألمان قد يئسوا من الظفر بعدوهم فأحرقوا محطة رياق بما فيها من الذخائر و المهمات- و كانت شيئا كثيرا- و نسفوا شبكتها الحديدية و تقدموا إلى جهة بعلبكّ و جاء العرب على أثرهم و استولوا على رياق.

انتهاء صحيفة الفرات:

و في اليوم الخامس من محرّم هذه السنة كان ختام حياة صحيفة الفرات و آخر نسخة صدرت منها في هذا اليوم كان عددها (20420).

إبطال القبض على العساكر:

و في هذا اليوم صدر أمر القائد العسكري العثماني بحلب بإبطال إلقاء القبض على العساكر الفارّين. فسرّ الناس من ذلك سرورا زائدا لتخلصهم من هذا البلاء الذي كان خارجا عن طاقتهم.

حدوث فزع في حلب:

و في يوم الجمعة سادس محرم وقع الذعر في سوق مدينة حلب، فأغلقت الدكاكين و الخانات و هجم الناس متزاحمين يعدون كالسيل الجارف. و كان سبب هذا الذعر طلقة من غدّارة (1) خرجت على غير قصد في يد واحد من سوق البزّ- المعروف بسوق‏

____________

(1) الغدّارة: سلاح ناري قصير، فوهته واسعة. و هي أصغر من البندقية و أكبر من المسدس.

497

البالستان- فأصابت شابا من بيت ونّس فقتلته في الحال، فظن الناس أن هذه الطلقة من جهة الجنود التركية أو الألمانية الذين وصلوا إلى حلب؛ مع أن الجنود المذكورين لم يصلوا إلى حلب إلا بعد ستة عشر يوما كما يأتي بيانه.

و في يوم السبت و الأحد وقع نظير ذلك الذعر في السوق المذكور، و كان سببه قيام جماعة من السّفلة و الغوغاء للنهب و السلب، و هم من العساكر الفارّين الذين خرجوا من مخابئهم آمنين غائلة القبض عليهم، و حينئذ أدرك الأهلون و الحكومة أن إبطال قضية القبض على العساكر الفارّين مضرة بالمصلحة العامة فأعيد القبض و بطل الخوف من السّفلة و المتشردين.

نسف محطات و سقوط حمص و حماة و غيرهما:

و في هذه الأيام وردت الأخبار من جهات حمص و حماة بأن الجنود التركية و الألمانية حملهم اليأس من مقاومة جنود العرب و الإنكليز على أن يحرقوا جميع المحطات بين رياق و حلب و ينسفوا شبكاتها الحديدية، و يهدموا سائر ما في هذا الطريق من الجسور و ينسحبوا إلى جهة حلب، و أن العرب أتوا على أثر انسحابهم و استولوا على حمص و بعلبك و حماة.

خوف الجنود التركية و موظفي حكومتها و ارتحالهم من حلب:

و في هذه الأيام وقع الخوف في حلب و شاع أن العرب يصلون إليها يوم الجمعة عشرين محرم. فأخذت الجنود التركية الألمانية و الجم الغفير من موظفي الحكومة العثمانية يسرعون الرحيل من حلب إلى جهات استانبول و الأناطول؛ خوفا من وقوعهم أسرى في قبضة الإنكليز، أو من تسلّط أهل البلد عليهم انتقاما منهم على ما كانوا يفعلونه معهم في أثناء هذه الحرب من المظالم و أنواع التعدي. فازدحم في محطة بغداد موظفو حلب مع موظفي دمشق و بيروت و حمص و حماة و غيرها من البلاد الشامية و الساحلية و معهم نساؤهم و أطفالهم و قاسوا في برهة ليلتين مرّت عليهم هناك- و هم تحت السماء- من الجهد و البلاء ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى. و كان الرجل العظيم من هؤلاء الموظفين يرضى أن يتيسر لركوبه و لو حافلة دوابّ، حتى إن قاضي حلب سليمان سرّي أفندي ركب في حافلة دواب و عدّ ذلك نعمة عظمى.

498

تحليق طيارات الإنكليز في سماء حلب:

بعد سقوط دمشق بأيام قلائل بدأت طيارات الإنكليز لأول مرة تحلّق في سماء حلب لاكتشاف مواقع الجنود العثمانية في ضواحي حلب، و الألمانية في جهات قرية «المسلميّة» فكان هؤلاء الجنود كلما علتهم طيارة يطلقون عليها كرات مدافعهم فلا تعمل فيها شيئا.

و في يوم من الأيام حلّق في سماء حلب خمس طيارات في آن واحد، فكثر إطلاق المدافع عليها، و ألقت طيارة منها قنبلة وقعت على مقربة من محطة بغداد و انفجرت فقتلت ستة عشر إنسانا و جرحت أربعين و قتلت عدة دوابّ.

مقدمات سقوط حلب:

يوم الأربعاء ثامن عشر محرم حضر والي حلب العثماني مصطفى عبد الخالق بك إلى دار الحكومة، و دعا إليه جماعة من وجهاء حلب و علمائها و أخبرهم بأن حلب تسقط عما قريب و أنه عازم على البقاء في حلب إلى ما قبل سقوطها بثلاث ساعات، و أنه يصرف منتهى جهده على حفظ الأمن و السلام مهما كلفه ذلك من الخطر على نفسه، غير أنه يطلب من الوجهاء و أهل البلدة أن يساعدوه على تنفيذ هذا الغرض و أن يختاروا منهم رئيسا عليهم و واليا وقتيا إلى مجي‏ء عساكر الشريف إليهم. فانتخبوا منهم سبعة أشخاص انتخبوا واحدا منهم رئيسا عليهم كوكيل وال وقتي.

الهدنة بين إنكلترا و تركيا:

و في هذا اليوم وردت الأخبار البرقية تفيد أنه حصل بين دولة إنكلترة و دولة تركيا هدنة إلى مدة ستة و ثلاثين يوما. فسرّ الناس من ذلك الخبر سرورا عظيما.

إطلاق المحابيس:

و في ليلة الخميس تاسع عشر محرم حضر قائد الدرك المسمى عند الدولة العثمانية (قومندان الجندرمة) إلى محل المحابيس و أمر أفراد الدرك الموكلين بحفظ المحابيس بأن يتركوا خدمتهم و يتوجهوا إلى حيث شاؤوا. ففعلوا ما أمرهم به و تركوا السجون خالية من الحرس و كان فيها ما يربو على ألف و خمسمائة مسجون. و سمع ذلك رجال الدرك و الحرس و الشرطة

499

الموظفون في المخافر لحفظ الأمن فتركوا مخافرهم و توجهوا إلى منازلهم. و لما سمع هذا الخبر المجلس الذي أمر بانعقاده الوالي العثماني ظن أن الوالي هو الذي أمر قائد الدرك بذلك، و أن الحكومة العثمانية قد انسحبت و تخلت عن حفظ البلدة، فاهتم المجلس بتأليف قوة من أهل البلدة لتقوم بحفظها ريثما تدخل الحكومة الجديدة.

صدور أمر الوالي بحل المجلس الذي أمر به:

و في صباح يوم الخميس تاسع عشر محرّم الجاري دعا الوالي العثماني عبد الخالق بك رجال المجلس الذي أمر بانعقاده، و أنكر عليه سعيه بتأليف القوة المحافظة و أخبره بأن الحكومة لم تنسحب بعد من حلب، و أنه إنما أمر بهذا المجلس ليتذاكر معه في بعض الشؤون التي بواسطتها يتم استتباب الأمن و الراحة حتى تدخل الحكومة الجديدة، و أن القائد العثماني يقول إن حفظ البلدة من خصائصه و إنه لا يرضى بتأليف قوة من أهل البلد لأجل حفظها إلا إذا جعلت هذه القوة تحت أمره و نهيه. و بالحقيقة أن الوالي و القائد أساءا الظنّ بهذا المجلس و توهما أن القوة التي يؤلفها ربما أوقعت بهما و ببقايا الأتراك من المأمورين و العساكر الذين لم يتمكنوا من الجلاء مع أن ذلك لم يخطر على بال أحد من أهل حلب الذين ما برحوا إلى ذلك الوقت يهابون الأتراك و يحترمونهم.

اشتداد الخوف و قيام الأسافل للنهب:

انسحب المجلس الوقتي لما سمعه من الوالي، و ضرب الصفح عن جمع القوة المحافظة التي لا ترضى أن تكون تحت أمر القائد و نهيه، و انسحبت الحكومة العثمانية لأن جميع رجال دركها و شرطتها استولى عليهم الخوف فتركوا وظائفهم، و الجنود النظامية لا يوجد منهم في المدينة سوى خمسين أو ستين جنديا لا يمكنهم التجوال في البلدة لحفظ الأمن فيها لأنهم واقفون بالمرصاد للدفاع عن الوالي و القائد إذا تعرض إليهما أحد من الأرمن و أهل البلدة أو غيرهما. و باقي الجنود النظامية قد توجهوا إلى جبهة الحرب المصطفّة تجاه جنود العرب و الإنكليز في نواحي الراموسة و قرية خان طومان و الشيخ سعيد، فلم يبق في البلدة قوة تحفظ الأمن و السكينة.

و أصبح الناس في هذا اليوم و هو يوم الخميس فوضى لا حاكم و لا رادع لهم. فقام‏

500

الأسافل من كل ملّة و انضم إليهم زعانف الأعراب المجاورين لحلب و هجموا كالسيل الجارف على مستودعات الجنود التركية و الألمانية و الثكنة العسكرية القديمة المعروفة بالشيخ يبرق، و الحديثة الكائنة على جبل البختي، و على مكاتب الحكومة و مستشفيات الجنود، و نهبوا جميع ما وجدوه في هذه الأماكن من السلاح و القذائف و الأقمشة و الحبوب و المنسوجات و الصوف و القطن و أنواع الحديد و الأخشاب و الصابون و الرز و السمن و الزيت، و كان شيئا كثيرا. و اقتلعوا أغلاق هذه الأماكن و رفوفها و نهبوا صناديقها و كتبيّاتها و ما في ذلك من السجلات و الدفاتر التي لا فائدة لهم منها سوى جلودها، فأما ما فيها من الأوراق فكانوا ينثرونها و يطرحونها تحت أقدامهم. و كان بعض هؤلاء الأوباش يدخلون المستشفى و ينهبون جميع ما فيه، ثم يطرحون المرضى عن أسرتهم و يأخذون مفارشهم، و ربما جردوا المريض من ثيابه و تركوه مطروحا على الأرض. و قد بيعت غدّارة المرتين‏ (1) بخمسة قروش، و صندوق القذائف المعروفة بالخرطوش بقرشين.

فاستولى الخوف على القلوب و أسرع التجار إلى إغلاق حوانيتهم خوفا من هجوم الأشقياء عليهم. و أمسى الناس في أمر مريج‏ (2) لا يأمن الإنسان على نفسه و ماله من التفاف هؤلاء الأسافل إلى منزله و نهب ما فيه و التعرض إلى حرمه.

انفجار لغم:

و بينما كان الناس على هذه الحالة المكربة إذ سمع وقت الغروب هزيم‏ (3) انفجار صمّت له الآذان كأنه صوت مائة صاعقة انقضّت في آن واحد، فانخلعت القلوب هلعا و ارتعدت الفرائص، و اهتزت أرجاء البلدة و جدرانها و تحطم كثير من زجاج النوافذ. و ظن الناس لأول و هلة أن القائد العسكري بدأ بإطلاق كرات المدافع على البلدة ليخربها، فأيقنوا بالهلاك. ثم ظهر أن هذا الهزيم هو صوت انفجار مستودع بارود قديم في الثكنة العسكرية؛ كانت العساكر التركية وضعت فيه لغما انفجر بيد أحد الناهبين. و حينئذ اطمأن الناس‏

____________

(1) سبق شرح الغدارة. و المرتين: البندقيّة يحملها المشاة، من التركية. و قوله «غدّارة المرتين» من إضافة الشي‏ء إلى نفسه للتوضيح.

(2) أي مختلط.

(3) الهزيم: الصوت المدوّي، و أكثر ما يستعمل في صوت الرعد.

501

من جهة خراب البلدة و لكنهم ما زالوا خائفين من بعضهم، و كان أراذل الناس و غوغاؤهم الذين نهبوا السلاح من المستودعات يطلقون هذه الليلة في منازلهم عياراتهم النارية على صفة لا تنقطع، فكنت تسمع في الدقيقة الواحدة صدى ألوف من الطلقات.

سقوط حلب:

يوم الجمعة عشرين محرّم (1337) الموافق 12 تشرين الأول سنة 1918 م، و 29 أيلول سنة 1334 شرقية، أصبح الناس و عيونهم لم تذق الغمض و هم خائفون وجلون، و الأوباش عادوا إلى ديدنهم الأول من النهب و السلب، و بعد أن نهبوا المكتب الرشدي العسكري الكائن في شمال مستشفى الغرباء تحت القلعة، ألقوا في قسمه الشمالي النار فاحترق و لم يبق في البلدة حاكم و لا رادع. و كنا نسمع في كل برهة من الزمن فرقعة ألوف من البنادق فكنا نظن أنها فرقعة بنادق المتحاربين من الجنود التركية و الإنكليزية عند قرية الراموسة. ثم تبين أن هذه الفرقعة هي صدى المواد النارية التي تحرقها الجنود التركية و الألمانية في المحطات و مستودعات الأعتاد الحربية. و كان بعض الناس يسمع دوي المدافع التي يطلقها جنود الأتراك و الإنكليز على بعضهم قرب خانطومان.

قدوم عرب العنزة إلى حلب:

و في عصر هذا اليوم أقبل على حلب من جهة باب النيرب طائفة من عرب العنزة- الذين يرأسهم الشيخ مجحم المهيدي- و كان مواليا للحكومة العثمانية، و في الأيام الأخيرة أعطته مبلغا وافرا من النقود و السلاح و كلفته القيام بحراسة أطراف البلدة و بعض القرى المجاورة لها و حفظ بعض مدخرات الحبوب الكائنة في القرى كقرية الجبّول و قرية دير حافر و غيرهما. ثم في هذه الأثناء قبضت الحكومة على بعض أشخاص من عشيرة الشيخ مجحم فاغتاظ من هذا العمل إلا أنه كظم غيظه. فلما كان عصر هذا اليوم علم أن عرب الشريف قد اقتربوا من حلب و أن العساكر التركية قد انسحبوا منها إلا قليلا منهم؛ أمر عشيرته- و كانوا زهاء ثلاثين فارسا- أن يهجموا على سجون حلب و يفتحوا أبوابها و يطلقوا منها سراح جميع السجناء. ففعلوا ذلك، و كان بين الجماعة المهاجمين غلام من أنسباء الشيخ مجحم أصابته رصاصة من حارس السجن فوقع قتيلا، فهجم العربان على‏

502

الحارس فهرب منهم إلى سطح دار الحكومة فتبعوه و قبضوا عليه و قطعوه إربا (1)، ثم ساروا إلى جهة باب الفرج حيث منزل العساكر التركية، كأنهم أرادوا نهب المنزل و استئصال من فيه من العساكر، فلم يشعر العرب إلا و قد تجرد إليهم عدد وافر من الجنود التركية و رموهم بالرصاص فقابلهم العربان بالمثل، و قتل من الطرفين بضعة أشخاص، ثم تغلب الأتراك على العرب بواسطة ما لديهم من المدافع الرشاشة فولى العرب منهزمين. و قد استوحشت الجنود التركية و ظنت أن أهل البلدة يريدون الهجوم عليهم فوقف منهم بضعة أجناد في جهات باب الفرج و صاروا يرشقون برصاصهم كل من رأوه مارا من تلك الجهة فقتلوا بعض المارّة، و كانت الشمس قد مالت إلى الغروب.

جلاء الوالي و القائد و الجنود التركية عن حلب و دخول عساكر الشريف حسين إليها:

و في ذلك الوقت سار الوالي مصطفى عبد الخالق بك و القائد العسكري مصطفى كمال باشا إلى جهة محطة بغداد و اختبأ في بعض جهاتها. و على أثر مسيرهما إلى المحطة، وقت الغروب، أقبل على حلب من جهة قارلق عرب الشريف حسين ملك العرب و هم دون مائة عربي ما بين فارس و هجّان، يرأسهم الشريف مطر نائب الشريف ناصر، وكيل حضرة الأمير الملكي الشريف فيصل نجل الشريف حسين. و في ذلك الوقت تحقق الناس أن الشريف قد استولى على حلب و خرجت من يد بني عثمان بعد أن بقيت تحت استيلائهم مدة أربعمائة و خمس عشرة سنة. فسبحان مالك الملك يؤتي الملك من يشاء و ينزع الملك ممن يشاء.

و من الصدف الغريبة أن استيلاء الدولة العثمانية على حلب شبيه باستيلاء الدولة العربية عليها من جهة أن كلتا الدولتين أخذتها صفوا عفوا دون حرب و لا ضرب، كما أن الناس في جميع هذه البلاد اغتبطوا بهذه الدولة و فرحوا بتخلصهم من بغي قادة الجنود العثمانية و ظلمهم، كذلك كانوا اغتبطوا بقدوم المرحوم السلطان سليم خان عليهم لتخلصهم من ظلم قادة جنود الغوري سلطان الدولة الجركسية.

____________

(1) لعل المؤلف ساير الاستعمال الدارج على توهم الجمع في لفظ «إرب» الذي يفتحون فيه الراء. و الصواب أن يقال: قطّعه إربا إربا أي عضوا عضوا. بتكرار كلمة الإرب و تسكين الراء فيها، ليس غير.

503

عزم المأمورين الراحلين على استصحاب السجلات:

لما عزم الموظفون الأتراك على الرحيل من حلب أراد كل موظف منهم أن يأخذ معه الأوراق و السجلات التي كانت في محل إدارته، فأوعبها في الجوالق‏ (1) و طلب من يحملها إلى محطة بغداد، فلم يتيسر له أحد و كان الخوف قد سطا عليه فتركها و مضى إلى حال سبيله. و لو أخذت هذه السجلات لتضرر كثير من أصحاب المصالح خصوصا سجلات الدفتر الخاقاني. على أن كثيرا من سجلات غير هذه الدائرة فقدت بسبب دخول الأوباش إلى دار الحكومة في يوم الجمعة قبل دخول الشريف مطر إليها بقليل من الزمن، فظفروا بدفاتر جباة الأموال و أتلفوها عن آخرها. و كانوا يأخذون جلودها و يطرحون ما فيها من الورق في الأرض و يبعثرونه بأرجلهم.

هذا و لما وصل الشريف مطر و عربه إلى حلب ليلة السبت الحادية و العشرين من محرّم الجاري نزل في دار الحكومة، فجلس على بساط فتح له على أرض البهو الذي يؤدي إليه الدرج الكبير و نزل عربه في صحن دار الحكومة، و حفروا في الأرض نقرا أشعلوا فيها النار لطبخ قهوة البن يسقون منها الواردين على الشريف للسلام و عرض الاحترام. و قد تحقق الناس استيلاء الحكومة الجديدة على حلب إلا أن الخوف مع ذلك استولى على الناس من فتك الأسافل و بقايا الجنود التركية، و خلت الأزقة من المارّة و بات الناس في قلق و خوف لا مزيد عليه، نظير ما باتوا عليه في الليلة البارحة أو أشدّ، و كان ألوف من الأوباش يطلقون عياراتهم النارية من منازلهم تخويفا لمن يتوهمون أنه يهجم عليهم مع أن الخوف في تلك الليلة قد شمل الجميع.

و لما علمت بقايا الجنود التركية أن عرب الشريف قد دخلوا حلب و نزلوا في دار الحكومة مشى منهم نحو خمسين جنديا على دار الحكومة للإيقاع بالعرب و لما وصلوا إلى دار الحكومة هجم عليهم العرب فولوا منهزمين، و لو ثبتوا قليلا لأفنوا العرب عن آخرهم إلا أنهم خافوا أن يأتيهم من ورائهم كمين من أهل البلد فيقعوا بين نارين فعادوا من حيث أتوا.

____________

(1) الجوالق، بفتح الجيم، و الجواليق: مفردها جوالق (بضم الجيم) و هو العدل من صوف أو شعر.

504

سفر الوالي و القائد التركيين:

و في الساعة الثانية من هذه الليلة ركب القطار القائد العسكري العثماني، و مصطفى عبد الخالق بك الوالي العثماني الأرنوطي الأصل، و هو شاب صبيح الوجه في سن الخامسة و الثلاثين، ذكيّ حسن التفرس متديّن أمين ذو شفقة و مرحمة، بذل ما في وسعه من الجد و الجهد في ولايته الأولى أيام هذه الحرب في ملاطفة الفقراء و توفر الأقوات، فخفّف عنهم آلام الجوع و لم يمت أحد في أيام ولايته جوعا.

و لما ولي حلب في هذه المرة حضر إليها مجردا من عياله و لم يأل جهدا في تلطيف ما نزل بحلب من الشدائد التي من جملتها ظلم الجندية و استبدادهم، موقنا أن الحلبيين لا غائلة تخشى منهم على الأتراك فآلى على نفسه أن يبقى في حلب إلى آخر ساعة من أيام الحكومة العثمانية، غير مبال بما عساه أن يناله من الخطر الذي لا يوجد من يدفعه عنه من رجال الدرك و الشرطة لتركهم وظائفهم و استيلاء الخوف عليهم.

و قد قصد من بقائه في حلب إلى المدة الأخيرة ردع الأوباش و الأسافل عن قيامهم على بقايا المأمورين و الأتراك و على ضعفاء الأهلين ليسلبوا أموالهم و يعيثوا في أعراضهم. على أنه و إن كان لا يوجد معه من يحامي عنه من رجال الدرك و الشرطة إلا أن مجرد علم الأسافل بوجوده يردعهم عن تنفيذ نواياهم الخبيثة، و لعلمهم أيضا بأن بقايا العساكر العثمانيين لا تتخلى عن تنفيذ أوامره عند اقتضاء الحال.

محاماة الوالي عن حلب تجاه القائد:

و له غرض آخر من بقائه في حلب إلى آخر وقت و هو مراقبة حركات القائد العسكري الذي كان يعتقد أن أهل حلب من أعداء الدولة التركية، و قد شاع أنه مصمم على ألّا يخرج من حلب حتى يخربها عن آخرها بالألغام و كرات المدافع، و أن الوالي عبد الخالق ينهاه عن فعله و يؤكد له أن أهل حلب لا يستحقون منه هذا العمل، فكان القائد لا يقنع بكلامه. و قد قيل إن عبد الخالق بك لما تحقق أن القائد مصمم على تخريب البلدة- حين ما (1)

____________

(1) في الأصل: «حينما» و الصواب هنا فصل «ما» عن «حين» لأنها اسم موصول، لا زائدة و هو ما صححناه.

و الهاء في «به» تعود على «ما».