نهر الذهب في تاريخ حلب‏ - ج3

- كامل بن حسين الحلبي الغزي المزيد...
640 /
55

الإيغال في بلاد الروم:

و فيها دخل أهل طرسوس بلاد الروم غزاة. و دخل أيضا «نجا» غلام سيف الدولة من درب آخر، فأوغل أهل طرسوس في بلاد الروم حتى دخلوا قونيه و عادوا. و كان سيف الدولة ينتظر الغزاة على رأس درب من تلك الدروب و لم يسر معهم لأنه كان مريضا و لما صحّ خاف هبة اللّه و هرب إلى حرّان و أشاع أن عمه مات و تحالف مع أهلها على الحرب و السلم، فأرسل سيف الدولة غلامه «نجا» إلى حرّان و هرب هبة اللّه إلى الموصل و نزل «نجا» على حرّان و قبض أهلها و صادرهم على ألف ألف درهم و شرط عليهم تأديتها بخمسة أيام بعد الضرب المبرّح بحضرة عيالاتهم و أهليهم، فباعوا ما يساوي دينارا بدرهم لعدم وجود من يشتري غير أصحاب «نجا». ثم افترق أهل حرّان و بقيت بلا وال و سار «نجا» إلى ميّافارقين حيث كان سيف الدولة.

سنة 353 عصيان «نجا» على سيف الدولة:

فيها عصى «نجا» على سيف الدولة بطرا بما صار معه من الأموال التي أخذها من أهل حرّان، و انضم إليها ما أخذه بعد من أبي الورد المستولي على كثير من أرمينية حينما قصده «نجا» و قتله و أخذ أمواله و قلاعه و بلاده: خلاط، و ملا ذكرد، و موش. فتمكن بهذه الأموال و أظهر العصيان على مولاه سيف الدولة، فقصده سيف الدولة ليقاتله على عصيانه فهرب منه و استولى سيف الدولة على بلاده ثم كاتبه يرغبه و يرهبه حتى حضر عنده فأكرمه و أعاده إلى مرتبته. ثم وثب عليه غلمان سيف الدولة لأنه تعرض إلى أحدهم، فقتلوه و طرحوه في مجرى الماء و الأقذار إلى الغد ثم دفن.

سنة 354 استيلاء نقفور على المصيصة:

فيها حاصر نقفور ملك الروم المصيصة و فتحها عنوة، ثم رفع السيف عمن بقي من المسلمين و نقلهم إلى الروم و كانوا مائتي ألف، ثم أمّن أهلها و كان بها أربعون ألف فارس، و سار أهلها عنها في البر و البحر، و جهز معهم من يحميهم إلى أنطاكية، و لقيهم أهل أنطاكية بالبكاء و النحيب و كان في مقدمة الطرسوسيّين‏ (1) رجل يقرأ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ‏

____________

(1) في الأصل: «الطرسوسين»، و كذا التي بعد سطرين. فصوّبناها.

56

بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا إلى قوله تعالى: رَبُّنَا اللَّهُ‏ (1).

مخالفة أهل أنطاكية سيف الدولة:

و فيها أطاع أهل أنطاكية أحد مقدّمي الطرسوسيّين و خالفوا سيف الدولة. و اسم المقدّم رشيق. فساروا إلى حلب و قاتلهم قرعويه غلام سيف الدولة و حاجبه و عامله بحلب، و كان سيف الدولة بميّافارقين فأرسل سيف الدولة عسكرا مع خادمه بشارة و قاتلا رشيقا، فقتل رشيق و هرب أصحابه إلى أنطاكية. و لما عاد سيف الدولة إلى حلب اجتمع على حربه ابن الأهوازي، رجل كان يضمن الأرحاء (2) بأنطاكية، و هو الذي كان أمدّ رشيقا بماله و زين له العصيان على سيف الدولة. و كان مع ابن الأهوازي في هذه الوقعة دزبر الديلمى خليفة رشيق، فقتل ابن الأهوازي و دزبر، و قتل من و لاتهما خلق كثير.

و فيها خرج مروان عامل سيف الدولة على السواحل و هو رجل من القرامطة كان استأمن إلى سيف الدولة فأمّنه و استعمله على السواحل، فلما تمكن قصد حمص و ملكها و ملك غيرها فسار إليه بدر، غلام قرعويه، و واقعه عدة وقعات. و اتفق أن بدرا رمى مروان بنشّابة مسمومة و أن بدرا أسره أصحاب مروان، فخلص مروان من النشابة و قتل بدر. و بعد أيام مات مروان.

سنة 355 الفداء بين سيف الدولة و بين الروم:

فيها تم الفداء بين الروم و بين سيف الدولة، فسار سيف الدولة بالبطارقة الذين هم في أسره إلى الفداء ففدى بهم أبا فراس و غلامه روطاس و جماعة من أكابر الحلبيين. و لما لم يبق معه من الأسرى أحد اشترى الباقين، كل نفس باثنين و سبعين دينارا، حتى نفذ (3) ما معه من المال فاشترى الباقين و رهن عليهم بدنته الجوهر، المعدومة النظير. ثم لما لم يبق أحد من أسرى المسلمين كاتب نقفور الملك الرومي على الصلح. و هذه من محاسن سيف الدولة.

____________

(1) سورة الحج: 39- 40.

(2) جمع الرّحى، و هي الطاحون.

(3) كذا في طبعة المؤلف، و الصواب: «نفد» بالدال المهملة. و سيتكرر مثلها.

57

سنة 356 وفاة سيف الدولة و بقية حوادث دولته في حلب:

فيها مات سيف الدولة بحلب و نقل إلى ميّافارقين. و هو أول من ملك حلب من بني حمدان، أخذها من ابن سعيد الكلابي نائب الإخشيد كما تقدم. و ملك البلاد بعده ابنه أبو المعالي سعد الدولة شريف. و في ربيع الآخر سنة 357 قتل الحارث أبو فراس الحمداني ابن عم سيف الدولة، كان مقيما بحمص فجرى بينه و بين أبي المعالي بن سيف الدولة وحشة و طلبه أبو المعالي فانحاز إلى «صدد» من قرى حمص فأرسل أبو المعالي عسكرا مع قرعويه إلى صدد و كبسوه و قتلوه.

و في سنة 358 دخل ملك الروم الشام بلا ممانع، و سار إلى طرابلس و أحرق حمص و كان أهلها أخلوها. و أقام بالشام شهرين و أتى على الساحل نهبا و تخريبا و ملك ثمانية عشر منبرا و عاد بالأسرى و الأموال. و فيها استولى قرعويه على حلب و أخرج ابن أستاذه أبا المعالي فأقام عند والدته بميافارقين ثم بحماة. و في سنة 359 ملك الروم أنطاكية بالسيف و قتلوا أهلها و سبوا عشرين ألف صبي و صبية و قصدوا حلب فتحصن قرعويه بالقلعة و ملكوا المدينة، و كان أبو المعالي محاصرا حلب فتباعد عنهم. ثم حصروا القلعة فخرج إليهم جماعة من الحلبيين. و توسطوا الصلح و استقر الأمر على هدنة مؤبدة على مال يحمله قرعويه إلى الروم و على ألّا يمكّن أهل القرى من الجلاء ليبتاع منهم الروم لوازمهم إذا مروا عليهم في الغزوات، و كان مع حلب حماه و حمص و كفر طاب و المعرة و أفامية و شيزر و ما بين ذلك من الحصون و القرايا. و سلّم الحلبيون الرهائن إلى الروم و عاد الروم عن حلب و تسلمها المسلمون.

و فيها صالح قرعويه ابن أستاذه أبا المعالي و خطب له. و كان أبو المعالي بحمص و خطب هو و قرعويه بحلب للمعز العلوي صاحب مصر. و في سنة 362 حدث في بلاد الشام زلزال هدم الحصون من أنطاكية و غيرها و هلك به خلق كثير. و في سنة 366 قوي أمر بكجور بحلب، و كان استنابه مولاه قرعويه فاستفحل أمره و قبض على مولاه قرعويه و حبسه في القلعة. فكتب أهل حلب إلى أبي المعالي، و كان مقيما في حماة. فسار إلى حلب و حصر قلعتها أربعة أشهر ثم ترددت الرسل بين أبي المعالي و بكجور، و استقر الصلح بينهم على أن يكون بكجور أمينا و يوليه أبو المعالي حمص. فاستلم أبو المعالي القلعة و سيّر بكجور إلى حمص كما اتفقا.

58

قلت: هذه الحادثة ذكرها في ذيل المختصر في حوادث سنة 365 و في سنة 373 كتب بكجور إلى العزيز بمصر أن يوليه دمشق فأجابه. و تسلمها بكجور و انتقل إليها من حمص.

سنة 378 عصيان بكجور و قتله، و وفاة أبي المعالي:

في هذه السنة عصى بكجور بدمشق، و أرسل العزيز عسكر العزلة، فهرب منها ثم أمّنه العزيز. فسار بكجور إلى الرقة و استولى عليها. و في سنة 381 سار بكجور من الرقة لقتال أبي المعالي بحلب. فاقتتلا قتالا شديدا و انكسر بكجور و هرب، ثم أخذ أسيرا في بعض بيوت العرب و أحضروه إلى أبي المعالي فقتله. ثم سار أبو المعالي إلى الرقة و بها أولاد بكجور و أمواله، فحصرها فاستأمنوا فأمنّهم و حلف ألّا يتعرض إليهم و لا إلى مالهم.

فسلّموه الرقة فغدر بهم و أخذ أموالهم و عاد إلى حلب فلحقه فالج في جنبه الأيمن فأحضر الطبيب و مد إليه يده اليسرى، فقال الطبيب: هات اليمنى، فقال: ما تركت لي اليمين يمينا. و مات بعد ثلاثة أيام في هذه السنة، و عهد إلى ولده أبي الفضائل و جعل مولاه لؤلؤا مدبّر أمره.

و فيها استضعف العزيز بالله- خليفة الفاطميين في مصر- أبا الفضائل و طمع في تملك حلب منه، فجهز بقيادة منجوتكين جيشا جرارا، فكتب أبو الفضائل إلى ملك الروم يستعينه على جيش العزيز فأقبل إليه أحد قواده في خمسين ألفا. و لما التقى الجيشان لم يثبت جيش الروم و شدد الجيش المصري الحصار على حلب حتى اضطر أبو الفضائل إلى طلب الصلح من منجوتكين فصالحه على مال دفعه. و لما وصل خبر الصلح إلى الخليفة لم يرضه ذلك و أمر منجوتكين أن يعود إلى حصار حلب فاضطر أبو الفضائل أن يعود إلى الاستنجاد بملك الروم فأقبل إليه بجيش عظيم أجفل منه جيش الخليفة إلى دمشق. و مرّ ملك الروم بحلب فتلقاه أبو الفضائل بالإكرام ثم سار ملك الروم إلى بلاد الشام فهدم و أحرق و سبى.

399 وفاة لؤلؤ و خلفه ابنه:

فيها توفي لؤلؤ مدبّر أمر أبي الفضائل، و خلفه مرتضى الدولة بن لؤلؤ، و كان ظالما.

59

سنة 402 انقراض دولة بني حمدان من حلب:

في هذه السنة أغار صالح بن مرداس في 500 فارس على حلب و طالب مرتضى الدولة بجوائز الكلابيين مستضعفين إياه بسبب تسلط حكومة مصر عليه. فاحتال مرتضى الدولة على الكلابيين و أدخلهم إلى حلب و أغلق عليهم أبوابها و قتل منهم نحو 200 و أسر 120 بينهم صالح، و تزوج «جابرة» امرأة صالح بإكراه أهلها على زواجها. و قيل: بل أكره صالح على طلاقها.

ثم إن صالحا نقب حائط السجن و ألقى نفسه من سور القلعة و هرب و اجتمعت عليه بنو كلاب و نزلوا على قرية تل حاصد فألف مرتضى الدولة جندا من أهالي حلب، فيهم اليهود و النصارى و أخلاط من الناس، و وقعت المصادمة عند تل حاصد فانكسر جيش مرتضى الدولة و أسر و قيده صالح بالقيد الذي كان في رجله ثم افتدى نفسه بمال و عاد إلى حلب.

سنة 406 عصيان فتح على مولاه مرتضى الدولة:

فيها عصى فتح على مولاه مرتضى الدولة، و كاتب الحاكم و أظهر طاعته و خطب باسمه و لقب بمبارك الدولة، و التجأ مرتضى الدولة إلى الروم في أنطاكية.

60

سنة 414 استيلاء المرداسيين على حلب‏

في هذه السنة ضعف أمر الدولة الفاطمية بمصر و طمع عرب البادية بالشام و الجزيرة و تحالفوا على اقتسامهما فيما بينهم، على أن تكون حلب- إلى عانة- لصالح، و الرملة إلى مصر لحسان بن مفرّج‏ (1) الطائي، و دمشق و أعمالها إلى سنان بن عليان. فزحف صالح إلى حلب و قاتل عليها ابن ثعبان أو شعبان الكتامي، والي حلب من قبل المصريين، فاستولى صالح على حلب.

حوادث الدولة المرداسية في حلب سنة 415: دفن قاضي حلب حيّا:

في هذه السنة قبض صالح على قاضي حلب ابن أبي أسامة، و دفنه حيا في القلعة.

فقال بعضهم في ذلك:

و أد القضاة أشدّ من‏* * * و أد البنات عمى و عيّا

أدفنت قاضي المسلمين م‏* * * بقلعة الشهباء حيّا؟

سنة 416 إسناد صالح الوزارة إلى تاذرس النصراني:

فيها استوزر صالح بن مرداس تاذرس النصراني و كان عنده صاحب السيف و القلم.

سنة 418 خروج صالح إلى المعرة و اجتماعه بأبي العلاء:

و في هذه السنة خرج صالح إلى المعرة للإيقاع بأهلها لأنهم خربوا الماخور. فحضر إليهم صالح و اعتقلهم و صادرهم و استدعى أبا العلاء إلى ظاهر المعرة. و مما خاطب به أبو العلاء صالحا قوله: مولانا السيد الأجل أسد الدولة و مقدّمها و ناصحها، كالنهار الماتع‏

____________

(1) في الأصل «مفرح» بالحاء، خطأ. و ترجمة حسّان بن مفرج في الأعلام 2/ 190.

61

اشتد هجيره و طاب إبراده، و كالسيف القاطع لان صفحه و خشن حدّاه، خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين. فقال صالح: قد وهبتهم لك أيها الشيخ. فقال أبو العلاء بعد ذلك في اللزوميات هذه الأبيات:

تغيّبت عن منزلي برهة* * * ستير العيوب فقيد الحسد

فلما مضى العمر إلّا الأقلّ‏* * * و حمّ لروحي فراق الجسد

بعثت شفيعا إلى صالح‏* * * و ذاك من القوم رأي فسد

فيسمع منّي سجع الحمام‏* * * و أسمع منه زئير الأسد

فلا يعجبنّي هذا النفاق‏* * * فكم نفّقت محنة ما كسد

سنة 420 قتل صالح و ولده الأصغر و ولاية ابنه نصر حلب:

في هذه السنة جهز الظاهر صاحب مصر جيشا لقتال صالح صاحب حلب، و حسان صاحب الرملة. فاقتتلوا على الأردنّ عند طبرية و قتل صالح و ولده و حمل رأسهما إلى مصر، و نجا ابنه نصر فحضر إلى حلب و ملكها و لقب شبل الدولة.

و في هذه السنة خرج الروم من أنطاكية للزحف على حلب، فحاربهم أهلها و هزموهم.

سنة 421 خروج ملك الروم من القسطنطينية إلى حلب:

في هذه السنة خرج ملك الروم من القسطنطينية في ثلاثمائة ألف مقاتل، و قيل في ستمائة ألف، للزحف على الشام، معهم ملك البلغار و ملك الروس و الألمان و الخزر و الأرمن و البلجيك و الفرنج. و لما اقتربوا من حلب لحقهم عطش شديد و وقع الخلف بين أمرائهم و ملوكهم، فرحل الملك و تبعهم شبل الدولة و العرب و أهل السواد حتى الأرمن، يقتلون و ينهبون حتى لم يسلم من أموالهم شي‏ء، و أسر جماعة من أولاد ملوكهم. و كان اسم ملك الروم أرمانس. و في ذلك يقول الأمير أبو الفتح بن أبي حصينة المعرّي قصيدة طويلة، أنشدها شبل الدولة بظاهر قنّسرين، مطلعها:

ديار الحيّ مقفرة يباب‏* * * كأن رسوم دمنتها كتاب‏

62

سنة 429 قتل شبل الدولة:

في هذه السنة زحف الدزبري (و هو قائد العلوي صاحب مصر) على حلب فتغلب عليها و قتل شبل الدولة.

سنة 433 موت الدزبري و استيلاء أبي علوان على حلب:

فيها مات الذزبري بحلب، فأسرع إليها أبو علوان، ثمال بن صالح المرداسي الملقب بمعز الدولة و ملكها. و فيها نقل رأس يحيى (عليه السلام) من بعلبكّ إلى مقام إبراهيم في القلعة.

سنة 440 وصول عساكر مصر إلى حلب:

فيها وصلت عساكر مصر إلى حلب في جمع عظيم فخرج إليهم «ثمال» بجموعه و قاتلهم إلى الليل ثم عاد إلى المدينة. ثم في الغد و الذي بعده خرج إليهم و قاتلهم فرحلوا عن حلب و لو لا رحيلهم في تلك الليلة لأغرقهم المطر.

سنة 441 زحف المصريين على حلب:

فيها وصل عسكر من مصر إلى حلب بقيادة «رفق» فهزمهم الحلبيون و أسر رفق و مات عندهم.

سنة 449 تنازل ثمال عن حلب إلى المصريين:

فيها تنازل ثمال عن حلب إلى المصريين فسلموها إلى الحسن بن ملهم.

سنة 452 و 453 و 454:

فيها أساء ابن ملهم السيرة في أهل حلب فكاتبوا محمودا بن صالح المرداسي فحضر و تسلم حلب و سيّر المصريون إليها ناصر الدولة بن حمدان فجرح و أسر، و استتب ملك حلب و قلعتها لمحمود. و في سنة 453 استولى ثمال على حلب مرة ثانية بمعاونة المصريين.

ثم في سنة 454 ملكها منه أخوه عطية فقصده ابن أخيه محمود بن نصر و غلبه عليها فملكها منه. و فيها جاءت برقة و تبعها صيحة سقط لها الناس لوجوههم، و مات فيها كثير من الطيور بمعرّة.

63

و في سنة 457 أقطعت معرة النعمان للملك هارون بن خان ملك الترك فيما وراء نهر جيحون، أخذها حربا و خراجا فأقام بها يسيرا ثم انتقل إلى حلب و ولى المعرة الأمير فارس الدولة يانس الصالحي. و في سنة 459 كان بالبلاد سوى الروم غلاء عظيم و موت لا سيما في حلب، فإنه مات فيها في رجب خاصة زهاء أربعة آلاف، و مات جماعة من ساداتها. و في سنة 460 فتح من الإفرنج حصن أرتاح على يد الملك هارون بن خان، حاصره خمسة أشهر، و هو فتح عظيم كانت أعماله بمقدار أعمال الشام من الفرات إلى العاصي، إلى أفامية إلى باب أنطاكية، إلى الأثارب. و أحصى قوم المفقودين من الفرنج في هذه السنة إلى رمضانها في الدرب إلى أفامية قتلا و أسرا، فكانوا ثلاثمائة ألف.

و في سنة 461 أخذ ملك الروم حصن منبج و شحنه رجالا و عدّة. ثم وقف على عزاز ساعة و رحل عنها، و فتك في جماعته الموت و الغلاء فرجع خائبا. و فيها جمع قبطان أنطاكية و قسّها المعروف بالبخت جموعا و طلع إلى حصن أسقوبا من قرى المعرة، حسّن له ذلك قوم من بني ربيع من أهل «الجوزق»، ففتحوه و قتلوا و أسروا رجاله و واليه نادر التركي.

فبلغ الخبر الأمير عز الدولة محمود بن نصر المرداسي و هو يسير في ميدان حلب فسار إليهم و لم يدخل حلب و معه نحو خمسين ألفا من الترك و العرب، و أخذه من النصارى و قتل منهم ألفين و سبعمائة نفس. و هذا الحصن عمره حسين بن كامل بن سليمان العمري المرشدي الكلابي، و معه جماعة من المعرة و كفر طاب و ضياعهما في سنة 456 و أكمل عمارته بمدة يسيرة فتعجب الناس لسرعة عمارته.

ثم في سنة 461 اقترض محمود بن نصر المرداسي من الروم أربعة آلاف دينار و رهن ولده نصرا عليها و على هدم الحصن المذكور. فجمع الناس من المعرة و كفر طاب على هدمه و هدموه. فقال بعضهم:

و هدّوا بأيديهم حصنهم‏* * * و أعينهم حزنا تدمع‏

عجبت لسرعة بنيانه‏* * * و لكنّ تخريبه أسرع‏

و في سنة 462 استولى الروم على منبج و قتلوا أهلها و نهبوها ثم رحلوا عنها لجوعهم.

و في سنة 463 قطع محمود بن نصر المرداسي والي حلب خطبة المستنصر العلوي بمصر و خطب للقائم العباسي، فثار الشيعة في حلب و نهبوا حصر الجامع و قالوا: هذه حصر عليّ، فليأت أبو بكر بغيرها.

64

و فيها وصل السلطان محمد ألب أرسلان إلى حلب فبذل له محمود بن نصر الطاعة و لم يطأ بساطه، فلم يرض ألب أرسلان بذلك، فدخل محمود و والدته عليه فأحسن إليهما و أقرّ محمودا على حلب و شرط عليه إزالة أفعال الشيعة، فإن أكثر أهل حلب صاروا شيعة من وقت مجي‏ء الفاطميين إليهم.

و في سنة 467 مات محمود بن نصر المرداسي، و كان ظالما غاشما يصادر الناس و قد ملك بعده ابنه نصر فمدحه ابن حيّوس بقصيدة منها:

ثمانية لم تفترق مذ جمعتها* * * فلا افترقت ما افترّ عن ناظر شفر

و منها:

فجاد ابن نصر لي بألف تصرّمت‏* * * و آلى عليهم أن سيخلفها نصر

فأجازه نصر بألف دينار في طبق فضة و قال: لو قال عوض «سيخلفها»:

«سيضعفها» لأضعفتها له.

و قد اجتمع الشعراء بباب نصر و امتدحوه و تأخرت صلته عنهم، و فيهم أبو الحسن أحمد بن محمد بن الزبيدة المعرّي الشاعر، فنظم أبياتا و سيّرها إلى نصر مطلعها:

على بابك المحروس منّا عصابة* * * مفاليس فانظر في أمور المفاليس‏

و قد قنعت منك الجماعة كلّهم‏* * * بعشر الذي أعطيته ابن حيّوس‏

و ما بيننا هذا التفاوت كلّه‏* * * و لكن سعيد لا يقاس بمنحوس‏

فأعطاهم مائة دينار و قال: و اللّه لو قالوا: «بمثل الذي أعطيته ابن حيوس» لأعطيتهم مثله.

سنة 468 ملك نصر منبج و قتله في حلب:

في يوم عيد الفطر قتل نصر هذا و هو في أحسن زيّ، و كان الزمان ربيعا و احتفل الناس في الفطر و تجملوا بأفخر ملابسهم، و دخل ابن حيوس فأنشد نصرا قصيدة منها:

صفت نعمتان خصّتاك و عمّتا،* * * حديثهما حتّى القيامة يؤثر

65

فجلس نصر و شرب إلى العصر، و حمله السّكر على الخروج إلى التركمان في «الحاضر» (1)، و هم الذين كانوا ملّكوا أباه حلب، فأراد نصر نهبهم، و حمل عليهم، فرماه تركيّ منهم في حلقه فقتله في اليوم المذكور و ملك بعده حلب أخوه سابق.

____________

(1) سبق كلام المؤلف على «الحاضر» في أول كلامه على حوادث حلب أيام الخليفة عمر بن الخطاب.

66

انقراض دولة بني مرداس، و دخول حلب تحت سلطة شرف الدولة، ثم حكم الشريف بها، ثم دخولها تحت سلطة الدولة السلجوقية و غير ذلك من الحوادث إلى سنة 491

و في سنة 472 حصر حلب أبو المكارم شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران المقلد ابن المسيّب، صاحب الموصل. و دام حصاره لها إلى ابتداء سنة 473 و كان الشريف أبو علي الحسن بن هبة اللّه الحسيني الهاشمي، مقدّم الأحداث بحلب، هو رئيس المدينة، فتمكن و قويت يده و سلّم المدينة إلى أبي المكارم المذكور، فتسلمها ثم تسلم قلعتها و استنزل منها (سابقا، و وثّابا) ابني محمود المرداسي. و فيها كان انقراض ملك بني مرداس من حلب.

و في سنة 477 سار سليمان بن قطلمش السلجوقي، صاحب قونيه و أقسراي و غيرهما، إلى الشام و ملك أنطاكية بمخامرة الحاكم بها من جهة الروم، و كانت بيدهم من سنة 358 فافتتحها سليمان في هذه السنة. و لما سمع شرف الدولة صاحب الموصل و حلب بذلك أرسل إلى سليمان يطلب منه ما كان يحمله إليه أهل أنطاكية، فقال سليمان: كان ذلك على سبيل الجزية، و لم يعطه شيئا. ثم اقتتلا في الرابع و العشرين من صفر سنة 478 في طرف أعمال أنطاكية فانهزم عسكر شرف الدولة و قتل في المعركة بعد أن قتل بين يديه أربعمائة غلام من أحداث حلب. و عند ها انفرد الشريف أبو علي الحسن بن هبة اللّه بولاية المدينة و سالم بن مالك العقيلي بقلعتها، فبنى الشريف قلعته خارج حلب في هذه السنة و سكنها خوفا على نفسه، و لما قتل شرف الدولة قصد بنو عقيل أخاه إبراهيم بن قريش و هو محبوس فأخرجوه و ملكوه.

ثم إن سليمان بن قطلمش أرسل إلى ابن الحتيتي العباسي مقدّم أهل حلب يطلب منه تسليم حلب إليه، فاستمهله ابن الحتيتي إلى أن يكاتب ملك شاه و أرسل ابن الحتيتي يستدعي تتش السلجوقي صاحب دمشق، فسار تتش إلى حلب و جرت بينه و بين ابن عمه سليمان‏

67

ابن قطلمش وقعة انهزم فيها عسكر سليمان بن قطلمش و قتل سليمان نفسه و قيل قتل في المعركة. و من المصادفة الغريبة أن سليمان هذا لما قتل نفسه لفّه تتش بكساء في صفر هذه السنة و أرسل به إلى ابن الحتيتي ليسلّم إليه حلب، نظير ما فعل المقتول سليمان المذكور بشرف الدولة في صفر السنة الماضية.

و لما وصلت جثة سليمان إلى ابن الحتيتي أجاب تتش بالمطاولة إلى أن يرسم ملك شاه في أمر حلب. فحاصر تتش حلب و ملكها و استجار ابن الحتيتي بالأمير دانق بن أكسك، و كان من مقدّمي تتش فأجاره. و أما القلعة فكان بها، منذ قتل مسلم بن قريش، سالم بن مالك بن بدران ابن عم مسلم المقتول، فحاصر تتش القلعة سبعة عشر يوما ثم بلغه خبر وصول أخيه ملك شاه فرحل عن حلب.

و أما ملك شاه فإنه أقبل إلى حلب من أصفهان، لمكاتبة ابن الحتيتي له. و فتح في طريقه حرّان و الرّها و كانت بيد الروم، و سار إلى قلعة جعبر، و اسمها الدوسرية، و عرفت بجعبر سابق الدين القشيري، شيخ أعمى طال مكثه في هذه القلعة و كان يقطع الطريق هو و أولاده و يخيف السابلة فأمسكه السلطان ملك شاه و أمسك أولاده و ملك منهم القلعة. ثم سار السلطان ملك شاه إلى منبج و ملكها و سار إلى حلب و تسلمها و تسلّم قلعتها من سالم بن بدران العقيلي ابن عم شرف الدولة المقتول، و عوّض السلطان ملك شاه سالما عن قلعة حلب قلعة جعبر. ثم إن السلطان ملك شاه سار عن حلب و استخلف بها قسيم الدولة أقسنقر جد نور الدين زنكي الشهيد.

و في سنة 481 سار أقسنقر صاحب حلب بعساكره إلى قلعة شيزر و فيها صاحبها نصر ابن علي بن منقذ و ضيّق عليه و نهب الربض ثم صالحه و عاد إلى حلب.

و في سنة 482 عمرت منارة جامع حلب و قام بعملها القاضي أبو الحسن بن الخشّاب، و كان بحلب بيت نار قديم ثم صار أتون حمّام، فأخذ ابن الخشاب حجارته و بنى بها المئذنة المذكورة، فسعى به بعض حساده إلى أقسنقر زاعما أن هذه الحجارة لبيت المال، فقال ابن الخشاب لأقسنقر: يا مولانا إني عملت بهذه الحجارة معبدا للمسلمين و كتبت عليه اسمك، فإن رسمت غرّمت ثمنها و كتبت عليها اسمي. فأجابه أقسنقر إلى إتمام مشروعه دون أن يغرّمه شيئا.

68

و في سنة 484 نزل أقسنقر مساعدا تتش صاحب دمشق- بأمر أخيه ملك شاه- على فتح حمص، فملك تتش حمص و عرقة و أفامية. و فيها كان بالشام و غيرها زلازل كثيرة ففارق الناس مساكنهم و انهدم بأنطاكية كثير من المساكن و هلك تحتها عالم كثير و خرب من سورها تسعون برجا.

و في سنة 486 و 487 طلب تتش السلطنة لنفسه بعد أن توفي أخوه ملك شاه مقتولا في السنة قبلها. و اتفق تتش مع أقسنقر صاحب حلب و خطب له باغي سيان صاحب أنطاكية، و بوزان صاحب الرها، و فتح- و معه أقسنقر- نصيبين عنوة، و ملك الموصل و استولى على ديار بكر و سار إلى أذربيجان و كان ابن أخيه بركياروق بن ملك شاه قد استولى على كثير منها، فلما علم أقسنقر أن ملك شاه له ولد يصلح للسلطنة تخلى عن تتش و لحق ببركياروق، فضعف تتش و عاد إلى الشام.

و كان أقسنقر قد جمع في الشام جموعا كثيرة و أمد بركياروق بالأمير كربغا، فاقتتل مع تتش عند نهر السبعين قريبا من تل السلطان، فانحاز بعض عساكر أقسنقر إلى تتش و انهزم الباقون، و ثبت أقسنقر فأسر، فقال له تتش: لو ظفرت بي ما ذا كنت تصنع؟

فقال: كنت أقتلك. فقتله صبرا و سار إلى حلب و ملكها و أسر بوزان و قتله، و أسر كربغا و سجنه بحمص. و استولى على حرّان و الرها ثم على البلاد الجزيرية.

ثم استناب على حلب أبا القاسم حسن بن علي الخوارزمي و سار لقتال ابن أخيه بركياروق فالتقيا بالري و قتل تتش في سنة 488 فجاء ولده رضوان إلى حلب و لحقه جماعة من قواد أبيه و لحقه أخوه دقاق و كان مع رضوان أخوان صغيران أبو طالب و بهرام و كلهم مع أبي القاسم نائب أبيهم في حلب كالضيوف و هو المستولي على البلد. ثم كبس رضوان أبا القاسم ليلا و احتاط عليه، ثم طيبّ قلبه فخطب لرضوان بحلب و كان مع رضوان باغي سيان صاحب أنطاكية، فسار باغي إلى أنطاكية و معه أبو القاسم الخوارزمي. و أما دقاق أخو رضوان فكاتبه والي قلعة دمشق سرا ليملّكه دمشق فسار إليها و ملكها و استقر رضوان في حلب بلا منازع.

و في سنة 489 كان رئيس الأحداث بحلب رجلا يعرف بالمجنّ بركات بن فارس‏

69

الفوعي، و كان في مبدأ أمره لصا محتالا. فاستتابه قسيم الدولة و ولاه رياسة حلب فوشى بيوسف بن أبق فسلطه عليه فأخذه و قتله. ثم عصى المجنّ على الملك رضوان فحبسه ثم قتله بعد أن عذبه. و فيها اقتتل رضوان مع أخيه دقاق عند قنّسرين و انكسر دقاق و ولى مهزوما.

و في سنة 490 خطب رضوان في حلب للمستعلي بأمر اللّه العلوي المصري أربع جمع، ثم قطعها و أعاد الخطبة العباسية خوف العاقبة.

70

وصول الفرنج الصليبيين أنطاكية و غيرها من بلاد حلب‏

للحروب الصليبية أسباب كثيرة و أخبار طوال يضيق كتابنا هذا عن استقصائها. و إنما نأتي منها هنا على ذكر نبذ يسيرة تتعلق بحلب و بعض أعمالها. فعلى من أحب الاطلاع على تفاصيل أخبار تلك الحروب الطاحنة- التي استغرق أمدها نحو مائتي سنة- أن يرجع إلى الكتب و الأسفار المتداولة المؤلفة فيها خاصة بمختلف اللغات ما بين عربي و أعجمي، فنقول:

في سنة 491 وصل الإفرنج الصليبيون إلى أنطاكية و حصروها، و كان بها باغي سيان، فظهر له شجاعة عجيبة. ثم هجم الإفرنج على أنطاكية و أخذوها عنوة و قتلوا بها مقتلة عظيمة، و أجفل عنهم باغي في الليل. ثم في الصباح ندم على الهرب و تذكر أهله و المسلمين في أنطاكية، و غشي عليه من الأسف حتى عجز عن الركوب، فمر به أرمني يقطع الخشب فقطع رأسه و حمله إلى الإفرنج بأنطاكية. و لما شاع أخذ أنطاكية سار كربغا صاحب الموصل و معه عساكره إلى مرج دابق، و جاء دقاق من دمشق و طغتكين أتابك و جناح الدولة صاحب حمص، و غيرهم من الأمراء و العرب، و حصروا أنطاكية و تضايق الفرنج حتى طلبوا من كربغا أن يطلقهم فامتنع.

ثم إن كربغا أساء السيرة فيمن معه و خبثت نياتهم، و كان اشتد الخناق على الفرنج فخرجوا من أنطاكية و استماتوا في قتال المسلمين، فهرب المسلمون و قوي الفرنج بما غنموه من القوت و السلاح. و في سنة 492 سار الفرنج الصليبيون إلى المعرة و ملكوها و قتلوا فيها زهاء مائة ألف و سلبوا و أقاموا فيها أربعين يوما. و في ذلك يقول بعض المعرّيين:

معرّة الأذكياء قد حردت‏* * * عنّا، و حقّ المليحة الحرد

في يوم الاثنين كان موعدهم‏* * * فما نجا من خميسهم أحد

71

و في سنة 493 كان الغلاء شديدا في حلب و فيها توجه الملك رضوان إلى الفرنج لقتالهم و إخراجهم من بلاد حلب، فكسر و عاد إلى حلب. و في سنة 494 ملك الفرنج «سروج» من ديار الجزيرة و أكثروا قتلا و أسرا. و في سنة 495 قتل الإسماعيلية فضل اللّه الزوزني قاضي حلب لأنه كان يندّد بمعتقدهم فأعاد رضوان القضاء إلى أبي غانم. و فيها أغار الفرنج على بلاد حلب الشمالية و عاثوا فيها فسادا و بلغوا «كفر لاثا» فكبسهم بنو عليم و ظفروا بهم، و انجلى الفرنج عن بلاد حلب الغربية.

و في سنة 496 أغار الفرنج على الرقّة و قلعة جعبر و بعض جهات الرها، فخرج إليهم معين الدولة سقمان و شمس الدولة جكرمش و أوقعا بهم و أجلياهم عن مواقعهم بعد أن فتكا بهم فتكا ذريعا. و في سنة 497 أغار الفرنج على قلعة جعبر فساقوا المواشي و أسروا من وجدوا.

و كانت قلعة جعبر و الرقة لسالم بن بدران سلمها إليه ملك شاه لما تسلم منه قلعة حلب كما مر. و في سنة 498 تقاتل الملك رضوان صاحب حلب مع الفرنج عند يبرين، فانهزم المسلمون و قتل منهم و أسر، و ملك الفرنج «أرتاح».

و في سنة 499 ملك الفرنج حصن أفامية. و في سنة 504 ملك الفرنج حصن الأثارب، على ثلاثة فراسخ من حلب، و قتلوا فيه ألفي رجل و أسروا الباقي. ثم ملكوا «زردنا» ففعلوا كذلك و قصدوا منبج و مسكنة فوجدوهما خاليتين فعادوا. و صالح رضوان- صاحب حلب- الفرنج على اثنين و ثلاثين ألف دينار يحملها لهم مع خيل و ثياب.

و بذلت أصحاب البلاد للفرنج الأموال و خافوهم لأنهم لم يبق لهم ممانع عن البلاد، إذ الملوك السلجوقية مشغولون ببعضهم فصالحهم أهل صور على سبعة آلاف دينار، و ابن منقذ صاحب شيزر على أربعة آلاف، و الكردي- صاحب حماة- على ألفي دينار.

وفد من حلب إلى بغداد للاستغاثة بالخليفة و طلب النجدة منه على الصليبيين‏

و لما اشتد خطب الفرنج بالبلاد الشامية و عظمت شوكتهم سار جماعة من أهل حلب و ساداتها إلى بغداد مستنفرين على الفرنج. فلما وردوا بغداد اجتمع معهم خلق كثير من الفقهاء و غيرهم و قصدوا جامع السلطان و استغاثوا و منعوا الناس من صلاة الجمعة و كسروا المنبر. فوعدهم السلطان محمد بن بركياروق السلجوقي بإنفاذ العساكر للجهاد. فلما

72

كانت الجمعة الثانية قصدوا جامع القصر بدار الخلافة و معهم أهل بغداد فمنعهم صاحب الباب فغلبوه و دخلوا الجامع و كسروا شباك المقصورة و المنبر و بطلت الجمعة أيضا. فأرسل الخليفة إلى السلطان إشارة يأمره بالاهتمام بهذا الفتق و رتقه. فتقدم السلطان إلى من معه بالمسير إلى بلادهم و التجهز للجهاد، و سيّر ولده مسعودا مع الأمير مودود صاحب الموصل. و انقضت السنة.

و في سنة 505 سارت العساكر التي جهزها السلطان لقتال الصليبيين بالشام. فساروا إلى سنجار و فتحوا عدة حصون و حصروا مدينة الرها. ثم رحلوا عنها ليطمع الفرنج و يعبروا إلى الفرات فيتمكن المسلمون منهم، فكان هذا خطأ من المسلمين لأن الفرنج لما عبروا الفرات جاؤوا بالميرة و القوت إلى أهل الرها فتقوّوا بعد أن ضعفوا و كاد المسلمون يأخذونهم. ثم إن الفرنج رجعوا إلى الشام و طرقوا أعمال حلب و نهبوا و أفسدوا و أسروا.

و سبب ذلك أن رضوان صاحب حلب لما عبر الفرنج إلى الجزيرة قام إلى ما أخذه الفرنج من أعمال حلب فاستعاد بعضه و نهب منهم و قتل، فلما عادوا قابلوه بعمله.

و أما العساكر السلطانية فإنهم لما سمعوا برجوع الفرنج إلى الشام رحلوا إلى الرها و حصروها فرأوها أمرا محكما قد قويت نفوس أهلها بالذخائر التي تركت عندهم، فلم يجد المسلمون فيها مطمعا، فرحلوا عنها و عبروا الفرات فحصروا قلعة تل باشر خمسة و أربعين يوما لم يقدروا عليها، فوصلوا إلى حلب فأغلق الملك رضوان أبواب البلد في وجوههم و لم يجتمع بهم، فرحلوا إلى المعرة. ثم خبثت نياتهم و تفرقوا و لم يحصل بهم الغرض.

سنة 507: وفاة رضوان و ما جرى بعده‏

في هذه السنة مات الملك رضوان بن تتش السلجوقي صاحب حلب، و قام بعده ابنه ألب أرسلان الأخرس و عمره ست عشرة سنة. و كان رضوان غير محمود السيرة قتل أخويه أبا طالب و بهرام، و لما ملك الأخرس استولى على الأمور لؤلؤ الخادم و لم يكن للأخرس معه إلا اسم السلطنة، و معناه للؤلؤ. و سمي أخرس لحبسة (1) في لسانه. و قتل الأخرس‏

____________

(1) الحبسة: ثقل في اللسان يتعذّر معه وضوح الكلام.

73

أخويه كما فعل أبوه، و جرى على قاعدة أبيه في أمر الإسماعيلية و أعطاهم قلعة الشريف، فقبّح فعله القاضي ابن الخشاب و حمله على كبتهم و ردعهم، فأجابه إلى ذلك و قتل منهم كثيرا في هذه السنة. و كانوا قد كثروا في حلب في أيام أبيه رضوان لأنه كان يستعين بهم لقلّة دينه حتى خافهم ابن بديع رئيس حلب و أعيان أهلها.

و ممن قتل الأخرس من الإسماعيلية مقدّمهم أبو طاهر و عدّة جماعة من أصحابه، و أخذ أموال الباقين و أطلقهم فتفرقوا في البلاد. و في سنة 508 قتل الأخرس بعض غلمانه بقلعة حلب و أقاموا أخاه السلطان شاه بتدبير لؤلؤ الخادم. و فيها كانت زلزلة شديدة بديار الجزيرة و الشام و غيرها فخرّبت كثيرا من الرها و حرّان و سميساط و مسكنة و غيرها، و هلك خلق كثير تحت الردم.

74

انتهاء الدولة السلجوقية بحلب و دخولها تحت سلطة بني أرتق و حوادثهم فيها، و هم من فروع الدولة السلجوقية

و في سنة 511 قتل لؤلؤ الخادم، و كان قد حكم في دولة سلطان شاه و دولة أخيه الأخرس من قبله كما أراد، ثم عزم على أن يقتل سلطان شاه كما قتل أخاه من قبله، ففطن لذلك أصحاب سلطان شاه و رصدوا فرصة يقتلون بها لؤلؤا، حتى إذا خرج يوما إلى قلعة جعبر ليجتمع بالأمير سالم بن مالك العقيلي قصدوه و صاحوا: أرنب أرنب، و أوهموا أنهم يتصيدون و رموه بنشّاب فقتل و هو يبول عند قلعة نادر و نهبوا خزانته ثم استعيدت منهم. و ولّي أتابكيّة (1) سلطان شاه: شمس الدين الخواجي ياروقطاش، و بقي شهرا و عزلوه و ولّوا أبا المعالي بن المقلمي الدمشقي ثم عزلوه و صادروه. و كانوا خائفين من الفرنج فسلموا البلد إلى نجم الدين إيلغازي أرتق صاحب ماردين. و لما تسلمها لم يجد فيها مالا و لا ذخيرة لأن لؤلؤا الخادم كان قد فرّق الجميع فصادر إيلغازي جماعة من الخدم و صانع الفرنج و هادنهم و سار إلى ماردين و خلّف بحلب ابنه حسام الدين تمرتاش.

و في سنة 513 سار الفرنج إلى نواحي حلب و ملكوا بزاعة (2) و غيرها و خربوا بلد حلب و نازلوها، و لم يكن فيها من الذخائر ما يكفيها شهرا فخافهم أهلها و صانعوهم على أن يقاسموهم أملاكهم حتى الأملاك التي بباب حلب. ثم أرسل أهل حلب رسولا إلى بغداد يستغيثون و يطلبون النجدة فلم يغاثوا. و كان إيلغازي بماردين يجمع العساكر فسار إلى الفرنج و التقى بهم عند تل عفرين في نصف ربيعها الأول فهزمهم‏ (3) و قتل منهم كثيرا، و ممن قتل سرخال صاحب أنطاكية. و فتح عقيب الوقعة الأثارب وزردنا.

____________

(1) الأتابكية: منصب في الدولة يسمى صاحبه «الأتابك» و كان يطلق على مدبّر المملكة، كما أنه لقب عسكري كبير أطلق على أمير أمراء الجيش أيضا.

(2) بزاعة- أو بزاعا- قرية تبعد عن بلدة «الباب» أربعة كيلومترات و كانت في القديم قرية عظيمة، و حصنا منيعا له خندق.

(3) في الأصل: فهزهم.

75

و في سنة 514 سار إيلغازي إلى الفرنج و اقتتل معهم عند دانيث البقل، من بلد سرمين، و ظفر بهم ثم اجتمع إيلغازي و أتابك طغتكين صاحب دمشق و حصروا الفرنج في معرّة قنسرين يوما و ليلة، فضايقهم. ثم أفرج عنهم خوفا أن يستقتلوا و يخرجوا للمسلمين فيظفروا بهم. و كان إيلغازي يخاف من التركمان الذين يحاربون معه لأنهم كانوا يجتمعون للطمع، فيحضر أحدهم و معه جراب‏ (1) فيه دقيق و شاة و يعد ساعات الغنيمة، فإذا طال مقامهم تفرقوا، و لم يكن مع إيلغازي ما يفرقه فيهم.

و في سنة 515 عصى سليمان بن إيلغازي على أبيه بحلب فبغته أبوه، و سمل عيني من حسّن له العصيان و قطع لسانه، و هو أمير اسمه ناصر، و كان التقطه أرتق والد إيلغازي و رباه. و قطع إيلغازي أطراف رجل حموي من بيت قرناص و سمل عينيه لأنه من جملة المزيّنين لولده العصيان. و الحموي المذكور كان محسنا إليه إيلغازي و مرئّسه‏ (2) على حلب، فجزاه بهذا الجزاء. ثم أراد إيلغازي أن يقتل ولده فمنعته رحمة الوالديّة فأفلته فهرب إلى دمشق. و استناب إيلغازي بحلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار الملقب ببدر الدولة. و في سنة 515 أغار الفرنج على حصن الأثارب و أسروا و غنموا. و فيها هدمت قلعة الشريف.

و في سنة 516 بنيت مدرسة بحلب لأصحاب الشافعي، و هي مدرسة الزجاجية التي تكلمنا عليها في باب الآثار في الكلام على محلة الجلوم. و في سنة 517 أغار الفرنج على حلب و أعمالها و عجز عن مقاومتهم بدر الدولة و سلمهم حصن الأثارب ليكفّوا عن بلاده و يهادنوه. فبعد ذلك استقام أمر الرعية بأعمال حلب و جلبت الأقوات و غيرها. و لما سمع بلك بهرام- ابن عم بدر الدولة- أن ابن عمه سلم الأثارب للفرنج سار من حرّان- و كان قد ملكها- إلى جهة حلب و نازلها في ربيع الأول منها و ضايقها و أحرق زروعها فسلّمها و القلعة إليه ابن عمه بدر الدولة بالأمان في غرة جمادى الأولى منها.

____________

(1) الجراب: وعاء من جلد، يحفظ فيه الزاد و غيره.

(2) في الأصل: و مرأسه.

76

انتهاء دولة بني أرتق بحلب و دخولها في حوزة أقسنقر البرسقي صاحب الموصل، و حوادث أيامه فيها، و هو من رجال الدولة السلجوقية

و في سنة 518 قبض بهرام الأرتقي على حسان البعلبكي صاحب منبج و ملك منه منبج و حصر قلعتها، فأتاه سهم فقتله و لم يعرف الرامي و تفرق عسكره، و خلص حسان و عاد إلى منبج. و كان مع بلك بهرام ابن عمه حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين، و هو ابن إيلغازي بن الأرتق، فحمل تمرتاش بلك بهرام إلى ظاهر حلب و تسلمها و استناب بها و عاد إلى ماردين و فيها اجتمعت الفرنج و انضم إليهم دبيس بن صدقة صاحب الحلّة، و هو شيعي، صحبهم أملا أن يستميل لنفسه أهل حلب لتوافقهم بالمذهب. فحاصروا حلب و أخذوا ببناء بيوت لهم بظاهرها فعظم ذلك على أهلها و لم ينجدهم صاحبها تمرتاش لإيثاره الرفاهية و أقاموا يزاحفون حلب و يقطعون الأشجار و يخربون المشاهد و ينبشون القبور و يحرقون من فيها بعد أن نبشوا ضريح مشهد الدكّة (1) و لم يجدوا فيه شيئا فأحرقوه و عبثوا بالمصاحف و استخفّوا بها و سخروا من الإسلام و فعلوا غير ذلك من الفظائع التي نجلّ كتابنا عن ذكرها.

و لما اشتد الخطب على الحلبيين كاتبوا أقسنقر البرسقي صاحب الموصل فسار إليهم و خام الفرنج‏ (2) و من معهم عن حلب لقدوم البرسقي، و تسلّم حلب و قلعتها. و على أثر حادثة هذا الحصار عمد القاضي أبو الحسن بن يحيى بن الخشاب إلى أربع كنائس و صيرها مساجد و هي كنيسة هيلانة و الحدادين و موغان و المقدمية. و به كان انتهاء دولة بني أرتق من حلب.

و في سنة 519 أخذ البرسقي كفر طاب من الفرنج ثم سار إلى عزاز فهزمته الفرنج‏

____________

(1) هو المعروف بمشهد محسّن، أو مشهد الطرح، غربّي حلب، قرب منطقة الأنصاري و فيه قبر المحسن بن الحسين.

انظر كتاب «الآثار الإسلامية و التاريخية في حلب» 56- 58، 69.

(2) أي نكصوا و تراجعوا.

77

و قتل من المسلمين خلق كثير، فرجع إلى حلب و استناب بها ولده عزّ الدين مسعود (1) و رحل إلى الموصل. و في سنة 520 كان البرسقي يصلي الجمعة بجامع بالموصل إذ وثب عليه بضعة عشر رجلا من الإسماعيلية فقتلوه. و كان البرسقي مملوكا تركيا شجاعا ديّنا حسن السيرة. و لما سمع ابنه مسعود بمقتله في حلب فارقها و سار إلى الموصل و استقر بملكها.

____________

(1) الصواب أن يقال: مسعودا.

78

دخول حلب في حوزة الدولة الأتابكية و حوادثها فيها و هي من فروع الدولة السلجوقية

و في سنة 522 في محرمها ملك أتابك عماد الدين زنكي مدينة حلب. و ذلك أن البرسقي لما قتل و سار ابنه مسعود إلى الموصل، استناب بحلب قيماز ثم عزله بقتلغ‏ (1).

فلما قدم «قتلغ» من الموصل إلى حلب امتنع قيماز من تسليم حلب إليه و قال له: بيني و بين مسعود علامة لم أرها، و لا أسلّمك حلب إلا بها. و كانت العلامة بينهما صورة غزال و كان مسعود حسن التصوير. فعاد «قتلغ» لإحضار العلامة من مسعود فوجده قد مات، فرجع إلى حلب و عرّف الناس، بموت مسعود، فسلّم البلد إليه رئيسها فضائل ابن بديع و أطاعه المقدّمون و استنزلوا قيماز من القلعة و أعطوه ألف دينار، فتسلم القلعة في الرابع و العشرين من جمادى الأولى سنة 521 و بعد أيام ظهر منه جور و عسف عظيمان، و مدّ يده إلى الأموال- لا سيما التركات- و قرّب إليه الأشرار فنفرت منه القلوب.

و كان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار الأرتقي- الذي كان صاحبها قديما- فأطاعه أهل البلد و أقاموه واليا عليها ليلة الثلاثاء ثاني شوال سنة 521 و قبضوا على كل من كان بالبلد من أصحاب قتلغ- و كان أكثرهم يشربون في البلد صبيحة العيد- و زحفوا إلى القلعة فتحصن قتلغ فيها بمن معه، و حصروه و وصل إلى حلب حسان صاحب منبج، و حسن صاحب بزاعة لإصلاح الأمر فلم يصلح. و سمع الفرنج بذلك فتقدم جوسلين بعسكره إلى حلب فصونع بمال و انصرف عنها. ثم وصل صاحب أنطاكية في جمع من الفرنج فخندق الحلبيون حول القلعة و منع عنها الداخل و الخارج، و أشرف الناس على خطر عظيم إلى منتصف ذي الحجة سنة 521.

____________

(1) أي عزل «قيماز» و ولّى مكانه «قتلغ».

79

و كان عماد الدين زنكي قد ملك الموصل و الجزيرة و سيّر إلى حلب الأمير سنقردراز، و الأمير حسن قراقوش و معه توقيع عماد الدين بالشام، فأجابه أهل حلب و تقدم عسكر عماد الدين زنكي إلى سليمان و قتلغ بالمسير إلى عماد الدين زنكي فسارا إليه و هو بالموصل فأصلح بينهما و لم يردّ أحدهما إلى حلب. و كان قراقوش في مدة غيابهما كالوالي على حلب.

ثم إن عماد الدين زنكي سار إلى حلب و ملك في طريقه منبج و بزاعة و طلع أهل حلب لتلقيه و استبشروا بقدومه و دخل حلب و رتب أمورها. ثم قبض على قتلغ و سلمه إلى ابن بديع فكحله فمات. و كان ملك عماد الدين زنكي لحلب و قلعتها في محرم سنة 522.

و في سنة 524 جمع عماد الدين زنكي عساكره و سار من الموصل إلى الشام و قصد حصن الأثارب لشدة ضرره على المسلمين، فإن أهله الفرنج كانوا يقاسمون أهل حلب على جميع أعمالها الغربية، حتى على رحى بظاهر باب الجنان، بينها و بين سور حلب عرض الطريق، و الغالب على الظن أنها رحى عربية. فنازل عماد الدين الحصن و اجتمع عليه الفرنج، فارسهم و راجلهم، فرحل عماد الدين عن الأثارب إلى حيث اجتمع الفرنج و التقى بهم و اقتتل معهم أشد قتال، فانتصر عليهم و انهزم الفرنج و أسر كثيرا من فرسانهم، و قتل منهم مقتلة عظيمة بقيت منها عظام القتلى على سطح الأرض زمنا طويلا. ثم عاد المسلمون إلى حصن الأثارب و أخذوه عنوة و قتلوا و أسروا كل من فيه و خرب عماد الدين ذلك الحصن من ذلك اليوم.

و في سنة 530 سارت عساكر أسوار- نائب عماد الدين زنكي بحلب- و معه عساكر حلب و حماه إلى بلاد الفرنج بنواحي اللاذقية، و أوقعوا بمن هناك من الفرنج و كسبوا من الجواري و المماليك و الأسرى و الدوابّ ما ملأ الشام من الغنائم و عادوا سالمين. و في سنة 531 نازل عماد الدين حصن بعرين- و كان به الإفرنج- فضيق عليهم و طلب الفرنج منه الأمان فقرر عليهم تسليم الحصن و خمسين ألف دينار يحملونها إليه، فرضوا بذلك و أطلقهم و تسلم الحصن و الدنانير. و كان عماد الدين مدة إقامته على الحصن المذكور قد استخلص المعرة و كفر طاب من الفرنج، و حضر أهل المعرة و طلبوا أملاكهم التي كانت لهم قبل أن يأخذ الإفرنج المعرة، فطلب عماد الدين منهم كتب أملاكهم، فذكروا أنها عدمت. فكشف في ديوان حلب عن الخراج و ردّ كل ملك لصاحبه حسب مفهوم الديوان.

80

و في سنة 532 وصل الروم إلى بزاعة- و هي على ستة فراسخ من حلب- و حاصروها و ملكوها بالأمان ثم غدروا بأهلها و قتلوا منهم و أسروا و سبوا و تنصّر قاضيها.

و جملة من تلف بها من أهلها أربعمائة نسمة. ثم رحل الروم إلى حلب و نزلوا على قويق و زحفوا على حلب، و جرى بين أهلها و بينهم قتال كثير قتل فيه من الروم بطريق كبير، و عادوا خاسرين و أقاموا ثلاثة أيام و رحلوا إلى الأثارب و ملكوها و تركوا فيها سبايا بزاعة، و تركوا عندهم من الروم من يحفظهم. و سار الروم جميعهم من الأثارب إلى شيزر فخرج أسوار- نائب زنكي بحلب- بمن معه و أوقع بمن في الأثارب من الروم فقتلهم و فك أسرى بزاعة و سباياها.

و في سنة 533 جاءت زلزلة عظيمة بالشام و العراق و غيرهما من البلاد فخرّبت كثيرا و هلك تحت الردم عالم كثير، و هدمت الدور و المنازل، و توالت بالشام و خرّبت كثيرا من البلاد لا سيما حلب، فإن أهلها فارقوا بيوتهم و خرجوا إلى الصحراء. و دامت من رابع صفر إلى تاسع عشره. و في سنة 539 فتح أتابك عماد الدين زنكي مدينة الرّها و استردها من الفرنج الصليبيين مع غيرها من البلاد الجزرية، و كان فتحا عظيما. و في سنة 541 قتل عماد الدين زنكي، قتله جماعة من مماليكه منازلا قلعة جعبر، و دفن بالرقة. و لما قتل كان ولده نور الدين محمود زنكي حاضرا عنده فأخذ خاتمه من إصبعه و جاء إلى حلب و ملكها.

و فيها راسل جوسلين الفرنجيّ- صاحب تل باشروما جاورها- أهل الرها، و كلّهم من الأرمن، بأن يمتنعوا عن المسلمين و يسلموا البلد إليه، ففعلوا و ملك جوسلين البلد دون القلعة. فأسرع نور الدين الرحيل إليه من حلب، و لما قارب الرها خرج منها جوسلين هاربا و دخلها نور الدين و نهبها و سبى أهلها فلم يبق منهم أحد. و في سنة 542 دخل نور الدين صاحب حلب بلاد الفرنج و فتح منها مدينة أرتاح بالسيف و حصر مابولة و بصرفوت و كفر لاثا. و في سنة 543 كان بين نور الدين و بين الفرنج مصاف بأرض يغرى من العمق، فانهزم الفرنج و قتل و أسر منهم جماعة كثيرة، و أرسل نور الدين إلى أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل من الأسرى و الغنيمة.

قال في الروضتين في أخبار الدولتين: و في رجب هذه السنة ورد الخبر من ناحية حلب بأن صاحبها نور الدين أمر بإبطال: «حيّ على خير العمل» في أواخر تأذين الغداة،

81

و التظاهر بسبّ الصحابة، و أنكر ذلك إنكارا شديدا و ساعده على ذلك جماعة من أهل السنة بحلب. و عظم هذا الأمر على الإسماعيلية و أهل التشييع و ضاقت صدورهم به. اه و قد تقدم في هذا كلام في أيام سيف الدولة الحمداني.

و في هذه السنة أيضا كان الغلاء العام من خراسان إلى العراق، إلى الشام، إلى بلاد المغرب.

سنة 544 حصر نور الدين قلعة حارم و غير ذلك:

فيها حصر نور الدين حصن حارم، فجمع البرنس صاحب أنطاكية الفرنج و سار إلى نور الدين فاقتتلوا و انتصر نور الدين و قتل البرنس و انهزم الفرنج و كثر فيهم القتل. و ملك بعد البرنس ولده بيمند و هو طفل و تزوجت أمه بآخر تسمّى البرنس. ثم إن نور الدين غزاهم ثانية فقتل منهم كثيرا و أسر، و كان فيمن أسر: البرنس الثاني زوج أم بيمند. و فيها زلزلت الأرض زلزالا شديدا.

سنة 545 استيلاء نور الدين على أفامية:

فيها سار نور الدين إلى أفامية و حصر قلعتها و ملكها من الفرنج، و كان الفرنج قد اجتمعوا و ساروا لنور الدين ليرحّلوه عنها فملكها قبل وصولهم.

سنة 546 انهزام نور الدين و أسر حامل سلاحه ثم أسر جوسلين و غير ذلك:

فيها عزم نور الدين على قصد بلاد جوسلين أحد فرسان الفرنج و دهاتهم، فجمع جوسلين جموعا كثيرة و سار نحو نور الدين فهزمه و قتل و أسر من عسكره جمعا كثيرا، و كان من جملة الأسراء السلاح دار و معه سلاح نور الدين. فأرسله جوسلين إلى مسعود ابن قلج أرسلان صاحب قونيه و أقسراي و قال: هذا سلاح زوج ابنتك، و سآتيك بما هو أعظم منه.

فعظم ذلك على نور الدين و هجر الملاذّ و فكر في أمر جوسلين و جمع التركمان و بذل لهم الوعود إن ظفروا به. فاتفق أن جوسلين طلع للصيد فكبسه التركمان و أمسكوه، فبذل لهم مالا فأجابوه إلى إطلاقه. فبلغ ذلك نور الدين و أرسل عسكرا كبسوا التركمان الذين‏

82

عندهم جوسلين و أحضروه إلى حلب. و لما أسر جوسلين حبسه نور الدين في قلعة حلب و سار لفتح بلاده و قلاعه فملكها، و هي: تل باشر و عين تاب و دلوك و عزاز و تل خالد و قورس و الراوندان و برج الرصاص و حصن الباره و كفر سود و كفر لاثا و مرعش و نهر الجوز و غير ذلك. و في هذه السنة حضر مجير الدين مع خواصه إلى حلب- و هو صاحب دمشق- و دخل على نور الدين و بذل له الطاعة فأكرمه نور الدين غاية الإكرام و أقامه نائبا عنه في دمشق، فرجع إليها مجير الدين فرحا مسرورا.

سنة 547 انكسار الفرنج عند دلوك:

فيها احتشد من الفرنج جيش كثيف و قصدوا نور الدين و هو ببلاد جوسلين ليمنعوه عن ملكها، فالتقوا به عند دلوك‏ (1) و جرى بينه و بينهم قتال عنيف انتهى بانهزامهم، و قتل و أسر منهم عدد عظيم، و عاد نور الدين إلى دلوك فملكها.

سنة 549 ملك نور الدين دمشق و غيرها:

فيها كاتب نور الدين أهل دمشق و استمالهم بقصد أن يملكها خوفا عليها من الفرنج، لأنهم تغلبوا بتلك الناحية و أطلقوا من دمشق من أرادوا إطلاقه من النصارى. فسار نور الدين إلى دمشق و حاصرها ففتحت له من الباب الشرقي، و ملكها و حصر مجير الدين صاحبها في قلعتها و بذل له اقطاعا، من جملته مدينة حمص، فسلم مجير الدين القلعة و سار إلى حمص فصرفه نور الدين عنها بمسكنة. و فيها ملك نور الدين قلعة تل باشر من الفرنج.

سنة 551 حصار نور الدين حارم و مصالحته الفرنج على نصف أعمالها:

في هذه السنة حاصر نور الدين قلعة حارم و ضيّق عليها. فاجتمع الفرنج و ساروا نحو نور الدين، فكتب إليهم بطريق الحصن يعرّفهم بقوة المسلمين و يقول لهم: إن لقيتموهم هزموكم و أخذوا حارم و غيرها، و إن حفظتم أنفسكم منهم قدرنا على الامتناع‏ (2). ففعل الفرنج ما أشار به عليهم و راسلوا نور الدين في الصلح، و استقر الأمر بينهم على مناصفة ولاية حارم بين الإفرنج و بين نور الدين.

____________

(1) بليدة من نواحي حلب، حصلت فيها وقائع مع الروم و الفرنجة.

(2) في الأصل: «الإمتاع» فصوّبناها.

83

خبر الزلزال و غيره:

و في سنة 552 في تاسع عشر صفر وافت زلزلة عظيمة، و تلاها عدة زلازل أثرت في حلب تأثيرا أزعج أهلها، و هدمت عدة حصون من حمص و حماة و كفر طاب و أفامية.

و لم يسلم من عطب هذه الزلازل في البلاد الشامية إلا النادر. و كان معظم هذه الزلازل بحماة ثم بحلب، و كان يتبع الزلزلة صيحات مختلفة كالرعود القاصفة، و قد هلك بها كثير من الخلق حتى حكي أن بعض المعلمين بحماة فارق المكتب لمهمّ فجاءت الزلزلة فأخربت الدور و سقط المكتب على الصبيان جميعهم. قال المعلم: فلم يأت أحد يسأل عن صبيّ كان في المكتب. و جملة من هلك في إحدى هذه الزلازل عشرة آلاف نسمة. و هلك أكثر بني منقذ تحت الردم بشيزر، و هم حكامها. فسار إليها نور الدين و ملكها و فيها اهتم نور الدين بعمارة القلاع و الأسوار التي هدمتها الزلزلة و أغار على الفرنج ليشغلهم عن قصد البلاد.

سنة 554 مرض نور الدين و غير ذلك من الحوادث:

في هذه السنة مرض نور الدين مرضا شديدا أرجف بموته‏ (1) بقلعة حلب. فجمع أخوه أمير ميران بن زنكي جمعا و حصر قلعة حلب. و كان شيركوه بحمص، و هو من أكبر أمراء نور الدين، فسار إلى دمشق ليستولي عليها و بها أخوه نجم الدين أيوب، فأنكر أيوب عليه ذلك و حسّن له الرجوع إلى حلب و قال له: إن كان نور الدين حيا خدمته و إن كان قد مات فأنا في دمشق، فافعل ما تريد. فعاد شيركوه إلى حلب مجدّا و جلس نور الدين في شبّاك يراه الناس، فلما رأوه تفرقوا عن أخيه أمير ميران و استقامت الأحوال.

أخبار الحوادث من سنة 555 إلى نهاية سنة 558:

في سنة 555 قصد «ربنلد» ملك إيطاليا البلاد التي استولى عليها نور الدين من جوسلين، و نهب فيها من يقطنها الأرمن و السريان، و عاد إلى أنطاكية. و قبل وصوله إليها خرج إليه مجد الدين نائب حلب و أخذه أسيرا و قيده و أحضره إلى حلب. و في سنة 558 كان نور الدين نازلا في البقيعة تحت حصن الأكراد، فكبس عسكره الفرنج و هجموا

____________

(1) الإرجاف: الشائعة المثيرة للقلق و الخوف، و فعله: أرجف.

84

على خيمته فركب نور الدين مسرعا و ساق [فرسه‏] (1) و رجله في السنجة (2)، فنزل كردي و قطعها، و قتل الكردي و نجا نور الدين فأحسن إلى مخلّفيه و وقف لهم أوقافا. ثم سار نور الدين إلى بحيرة حمص و نزل عليها و تلاحق به من سلم من المسلمين.

سنة 559 أخذ قلعة حارم:

فيها أخذ نور الدين قلعة حازم من الإفرنج و قتل و أسر منهم كثيرا. و كان من جملة الأسرى البرنس صاحب أنطاكية، و القومص صاحب طرابلس. و فيها سار نور الدين إلى بانياس و أخذها من الفرنج و كانت بأيديهم من سنة 543 و في سنة 562 عصى غازي بن حسان صاحب منبج على نور الدين، فسير إليه عسكرا أخذوها منه و أقطعها نور الدين قطب الدين نيال بن حسان، أخا غازي المذكور، فبقي فيها إل أن أخذها منه صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة 572.

و في سنة 563 أقام نور الدين بقلعة الرها مدة ثم عاد منها إلى حلب و ضربت خيمته في رأس الميدان الأخضر و كان مولعا بضرب الكرة و ربما دخل الظلام فلعب بها بالشموع.

و كان صلاح الدين الأيوبي يركب بكرة كل يوم لخدمة نور الدين في لعب الكرة لأن صلاح الدين كان عارفا بآدابها.

و في سنة 565 كانت زلزلة عظيمة خربت بلاد الشام لا سيما حلب، فقد فعلت بها ما لم تفعله بغيرها، و بلغ الرعب بمن نجا من أهلها كل مبلغ فكانوا لا يقدرون على أن يأتوا إلى بيوتهم السالمة خوفا من الزلزلة، فإنها عاودتهم غير مرة، و لا أن يقيموا بظاهر حلب خوفا من الفرنج. ثم إن نور الدين قام بعمارة القلاع و الأسوار من غير حلب، و بعده جاء إلى حلب و باشر عمارتها بنفسه و كان يقف على البنائين بشخصه حتى أحكم عمارتها. و أما الفرنج فإن الزلزلة أثرت في بلادهم أشد تأثيرا من بلاد الإسلام فاجتهدوا في تعميرها و اشتغل كل من المسلمين و الفرنج بعمارة بلاده عن صاحبه.

____________

(1) زدنا هذه الكلمة بين مربعين ليستقيم المعنى.

(2) كذا. و في الكامل لابن الأثير ج 11: «الشبحة»! و الهاء في «رجله» تعود على الفرس الذي ركبه نور الدين عجلا. و كانت رجل الفرس مقيدة بحبل، فلما قطعه الكردي انطلق الفرس و نجا نور الدين بنفسه.

85

اتخاذ حمام الزاجل:

و في سنة 567 أمر نور الدين باتخاذ الحمام الهوادي‏ (1) التي تحمل البطائق و تطير بها إلى أوكارها. و كان سبب ذلك اتساع بلاده التي تستوعب ما بين النوبة إلى حد همذان و لا يتخللها سوى بلاد الفرنج، فربما نازلوا بعض الثغور و لا يصل خبرهم إلى نور الدين إلا و قد بلغوا الغرض. فحينئذ أمر بتعليم الحمام و رتّب لها و لمعلميها أرزاقا وافية، فوجد بها راحة كبيرة فإن الأخبار صارت تصل إليه بوقتها لأنه كان في كل ثغر رجال مرتبون و معهم من حمام المدينة التي تجاورهم، فإذا رأوا أو سمعوا أمرا كتبوه لوقته و علقوه على الطائر و سرّحوه إلى المدينة التي هو منها في ساعته فتنقل الرقعة منه إلى آخر، من البلد الذي يجاورهم في الجهة التي فيها نور الدين، و هكذا إلى أن تصل الأخبار. فانحفظت الثغور بذلك حتى إن طائفة من الفرنج نازلوا ثغرا لنور الدين فأتاه الخبر ليومه، فكتب إلى العساكر المجاورة لذلك الثغر فكبسوا العدو و ظفروا به و الفرنج آمنون لذلك، لبعد نور الدين عنهم. و هذه الطيور وصفها بعضهم بقوله: «الطيور ملائكة الملوك» يشير إلى أنها تنزل على الملوك من جو الهواء نزول الملائكة من السماء مع فرط ما فيها من الأمانة.

قلت: و لا أدري متى بطل استخدام الحمام من بلادنا، غير أن جاك سواري دي بورسلون ذكر في الصحيفة 1018 ه من الجزء الأول من كتابه القاموس التجاري العام- في أثناء الكلام على تجارة حلب- أن من جملة ما امتاز به تجار حلب استخدامهم الحمام بنقل الأخبار إليهم من إسكندرونة. قال: و هي حمام يعانون تربيتها و تعليمها في بيوت مخصوصة من حلب و ينقلونها إلى إسكندرونة بالأقفاص، فإذا حدث لديهم في إسكندرونة خبر مهمّ كتبوه في بطاقة و علقوها في رقاب الحمام و سرّحوها نحو حلب، فتأتيها طلبا لفراخها في برهة ثلاث ساعات. اه. (و كان طبع قاموسه المذكور سنة 1723 م، و هي سنة 1136 هجرية).

و في سنة 568 فتح نور الدين مرعش و أخذ بهسنا. و في سنة 569 توفي الملك العادل‏

____________

(1) الحمام الهوادي، و يقال أيضا: الحمام الهادي: هو حمام الزاجل نفسه، الذي يرسل إلى مسافات بعيدة بالرسائل.

و «حمام الزاجل» على الإضافة، لأن الزاجل هو الرجل الذي يرسل الحمام الهادي على بعد. و من الخطأ الشائع.

قولهم: الحمام الزاجل.

86

نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، صاحب الشام و ديار الجزيرة و غيرها، و جلس مكانه على سرير الملك ابنه الملك الصالح إسماعيل، و كان لم يبلغ الحلم فتولى تربيته الأمير شمس الدين محمد بن المقدم.

87

ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب دمشق و غيرها

في سلخ ربيع الأول سنة 570 ملك صلاح الدين بن أيوب مدينة دمشق و حمص و حماة. و سببه أن شمس الدين بن الداية المقيم بحلب أرسل لسعد الدين كمشتكين دزدار (1) قلعة الموصل من قبل المرحوم نور الدين إلى الملك الصالح يستدعيه من دمشق إلى حلب لإخماد الفتن التي قامت في حلب بين الشيعة و أهل السنة، و ليكون مقامه في حلب.

فسار الملك الصالح مع سعد الدين المذكور إلى حلب. و لما استقر بها قبض على شمس الدين ابن الداية الذي طلبه، و قبض على إخوته و على رئيس الشيعة ابن الخشاب و إخوته. و استبد سعد الدين كمشتكين بتدبير الملك الصالح فخافه أتابكه الأمير شمس الدين محمد بن المقدم و بقية الأمراء في دمشق و كاتبوا صلاح الدين بن أيوب صاحب مصر ليملّكوه دمشق، فأقبل إليهم على الفور و سلّموه إياها دون أدنى مشقة.

و لما سمع من في حلب أن دمشق صارت لصلاح الدين خافوا منه و أرسلوا يهددونه فلم يأبه بتهديدهم و نادى بعسكره بالاستعداد لقصد الشام الأسفل، و رحل متوجها إلى حمص فتسلمها ثم إلى حماة فأطاعه صاحبها جرديك، و التمس منه أن يكون واسطة صلح بينه و بين أهل حلب، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك فجدّ جرديك إلى حلب و اجتمع بالملك الصالح و الأمراء و أشار عليهم بصلح السلطان صلاح الدين، فاتهموه بالمخامرة معه‏ (2)، و حبسه سعد الدين كمشتكين مدبر الملك مع أولاد الداية المقدم ذكرهم، فبلغ الخبر السلطان و هو بحماة فرحل من وقته و سار إلى حلب و نزل على أنف جبل الجوشن فوق مشهد الدكّة (3) ثالث جمادى الآخرة، و امتدت عساكره من الخناقية إلى السعدي، فخاف الحلبيون أن يسلموه البلد كما فعل أهل دمشق فأمر الملك الصالح أن ينادى باجتماع‏

____________

(1) الدّزدار: محافظ القلعة أو حارسها. و قد أخذ الأتراك هذه الكلمة عن الفرس.

(2) يريد: الاتفاق معه سرا.

(3) سبق التعريف به قبل عدة صفحات.

88

الناس إلى ميدان باب العراق، فاجتمعوا حتى غص الميدان بالناس، فوقف الملك الصالح في رأس الميدان من الشمال و قال لهم: يا أهل حلب أنا ربيبكم و نزيلكم و اللّاجئ إليكم، كبيركم عندي بمنزلة أبي، و شابّكم كأخي، و صغيركم كولدي.

و خنقته العبرة و علا (1) نشيجه. فافتتن الناس و ماجوا و رموا عمائمهم و ضجوا بالبكاء و العويل، و قالوا: نحن عبيدك و عبيد أبيك، نقاتل بين يديك و نبذل أموالنا و أنفسنا لك. و أقبلوا على الدعاء و الترحم على أبيه. و كان الشيعة منهم اشترطوا على الملك الصالح أن يعيد إليهم شرقيّة الجامع يصلّون فيها على قاعدتهم القديمة، و أن يجهر «بحيّ على خير العمل» و الأذان‏ (2)، و التذكير في الأسواق و قدّام الجنائز بأسماء الائمة الاثني عشر، و أن يصلوا على أمواتهم خمس تكبيرات، و أن يكون عقود الأنكحة إلى الشريف الطاهر أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني، و أن تكون العصبية مرتفعة و الناموس‏ (3) وازعا لمن أراد الفتنة. و أشياء كثيرة اقترحوها مما كان أبطله نور الدين (رحمه اللّه) فأجابهم الملك الصالح إلى جميع ما طلبوا.

و أما السلطان صلاح الدين فإنه أرسل إلى حلب رسولا يعرّض بالصلح، فامتنع كمشتكين فاشتد السلطان حينئذ في قتال البلد. فتفاوض الملك الصالح و جماعته في إعمال الحيلة فقر رأيهم على أن يراسلوا سنانا صاحب الحشيشة- و يقال لهم الإسماعيلية و الباطنية- في أن يدس إلى السلطان من يغتاله، و وعدوه على ذلك بأموال جمّة و عدّة من القرى. فجاء نفر من الإسماعيلية إلى جبل الجوشن و اختلطوا بالعسكر، فعرفهم أحد من كان مجاورهم في بلادهم، فوثبوا عليه و قتلوه في موضعه، و جاء قوم للدفاع عنه فجرحوا بعضهم و قتلوا البعض. و بدر من الإسماعيلية أحدهم و بيده سكينة مشهورة ليقصد السلطان و يوقع به، فلما وصل إلى باب الخيمة اعترضه طغريل أمير جاندار فقتله، و طلب الباقون فقتلوا بعد أن قتلوا جماعة. فلما يئس‏ (4) الحلبيون من مرادهم في السلطان كاتبوا قمص الإفرنجي- صاحب طرابلس- و ضمنوا له أشياء كثيرة متى رحل السلطان عن‏

____________

(1) في الأصل: «و علي» فصوبناها كما ترى.

(2) كذا، و لعل الصواب: في الأذان.

(3) مرتفعة: أي منعدمة، لا وجود لها. و الناموس: الشريعة.

(4) في الأصل: «يأس» و الصواب ما أثبت.

89

حلب، فأغار «قمص» على حمص و ألجأ السلطان صلاح الدين أن يسير إليه فنكص «القومص» راجعا إلى بلاده. و تم الغرض من رحيل السلطان عن حلب.

ملك صلاح الدين بزاعة و عزاز ثم منازلته حلب:

في سنة 571 ملك صلاح الدين بزاعة، ثم نازل عزاز. و في ليلة الأحد حادي عشر ذي القعدة وثب عليه من الإسماعيلية أحدهم في زي جندي من جند صلاح الدين، و ضرب الإسماعيلي رأس السلطان بسكينة صدّتها صفائح الحديد المدفونة في رأسه لكنها لفحت خده فخدشته. فقوي قلب السلطان و حاش رأس الإسماعيلي‏ (1) و جذبه إليه و وقع عليه و ركبه، و أدركه سيف الدين بازكوح فأخذ حشاشة الإسماعيلي و بضعه. و جاء آخر فاعترضه أحد الأمراء و جرح الإسماعيلي- و مات بعد أيام- ثم جاء آخر فعانقه الأمير علي بن أبي الفوارس و ضمه من تحت إبطيه و بقيت يد الإسماعيلي من وراء و يد الأمير من ورائه، لا يتمكن من الضرب. فنادى الأمير: اقتلوني معه فقد قتلني و أذهب قوتي. فطعنه ناصر الدين بن شيركوه بسيفه، و خرج آخر من الخيمة منهزما فثار عليه أهل السوق فقتلوه.

و بعد هذه النازلة رجع السلطان إلى خيمته خائفا مذعورا و الدم يسيل من خدّه و أخذ بالتحرز من ذلك اليوم. ثم بعد أن تسلم السلطان قلعة عزاز بالأمان رحل عنها و نازل حلب في منتصف ذي الحجة و حصرها، و بها الملك الصالح الذي كان حالف السلطان صلاح الدين في السنة قبلها ثم نكث عن محالفته و حالف صاحب الموصل. فسار صلاح الدين لفتح بلاده و نازل حلب و بقي محاصرها إلى تمام السنة، ثم طلبوا منه الصلح فأجاب و أخرجوا إليه بنتا صغيرة لنور الدين فأكرمها و أعطاها شيئا كثيرا و قال لها: ما تريدين؟

فقالت: أريد عزاز. و كانوا علّموها ذلك، فسلّمها إليهم، و استقر الصلح و رحل السلطان صلاح الدين عن حلب في عاشر المحرم سنة 572.

و في سنة 573 قبض الملك الصالح على سعد الدين كمشتكين أحد أمرائه لاستبداده بالأمور، و كانت حارم له فطلبها منه الملك الصالح فأبى فعذبه عذابا أليما حتى مات و لم يجبه لطلبه. ثم وصل الفرنج إلى حارم و حاصروها أربعة أشهر فأرسل الملك الصالح إليهم‏

____________

(1) أي أمسك برأسه.

90

مالا و صرفهم عنها. أما أهلها فلم يزالوا ممتنعين عن الملك الصالح فحاصرهم و تسلّمها منهم.

و في سنة 577 توفي الملك الصالح و كان أوصى بملك حلب إلى ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي- صاحب الموصل- فسار مسعود المذكور من الموصل إلى حلب و ملكها فكاتبه أخوه عماد الدين بن مودود صاحب سنجار في أن يعطيه حلب و يأخذ منه سنجار، فأجابه و تسلم كل منهما بلد الآخر.

استيلاء السلطان صلاح الدين الأيوبي على حلب:

و في سنة 578 سار السلطان صلاح الدين من مصر إلى الشام و قصد تل باشر و تسلمها، ثم عينتاب فحاصرها و تسلمها. ثم قصد حلب و نزل في صدر الميدان الأخضر في سادس عشر المحرم سنة 579 و سيّر المقاتلة يقاتلون و يباسطون عسكر حلب ببانقوسا و باب الجنان غدوة و عشية، و كان مع السلطان جيش ضخم. و لما تحقق عماد الدين بن مودود صاحب حلب أن ليس له قبل بالسلطان- و كان قد ضجر من اقتراح الأمراء عليه و جبههم إياه- أرسل إلى السلطان رسولا و هو حسام الدين طمان يلتمس منه إعادة بلاده عليه، و هو يسلم حلب إلى السلطان صلاح الدين. فأجاب السلطان إلى ذلك.

و في يوم السبت ثامن عشر صفر منها نشر سنجق السلطان الأصفر على القلعة و ضربت له البشائر. و في ذلك الوقت باشر عماد الدين نقل أمتعته من القلعة و لم يترك بها شيئا و باع في السوق ما لم يقدر على حمله. و كان السلطان شرط على نفسه أنه ما يريد سوى الحجر، و أطلق السلطان لعماد الدين بغالا و خيلا و جمالا برسم حمل ما يحتاج إلى حمله.

و في يوم الأحد تاسع عشر صفر اصطنع عماد الدين للسلطان في الميدان الأخضر دعوة حافلة سرّ منها السلطان سرورا زائدا. و بينما هو في غاية مسرته و لذته إذ أخبره شخص بموت أخيه «بوري» و كان جرح في أثناء محاصرة حلب. فلما علم السلطان بموته- و هو مسرور في الدعوة المذكورة- وجد عليه في قلبه‏ (1) و لم يظهر الأسف و الحزن و أمر بتجهيزه سرا لئلا يتكدر المدعوون، و دفن في مقام إبراهيم بظاهر حلب. ثم حمله إلى دمشق‏

____________

(1) أي حزن و تأسف في نفسه، دون أن يظهر ذلك.

91

و دفنه بها. و بعد أن انقضت تعزية الناس للسلطان بأخيه خلع على الناس و فرّق في وجوه الحلبيين الأموال، و قدم لعماد الدين عشرين بقجة صفر، فيها مائة ثوب من العنّابي و الأطلس و المعتّق و الممرّس، و غير ذلك، و عشرة جلود قندس‏ (1)، و خمس خلع خاص برسمه و رسم ولده، و مائة قنباز و مائة كمّة، و حجرتين عربيتين بأداتهما، و بغلتين مسروجتين، و عشرة أكاديش‏ (2)، و خمس قطر بغال، و ثلاث قطر جمال عربيات و قطار بخت‏ (3).

و لما فرغ السلطان من الهدية قدم الطعام فأكل عماد الدين و نهض للركوب، و خرج السلطان معه إلى قرب بابلّى و ودعه. و سار عماد الدين لبلاده و رجع السلطان و صعد القلعة من باب الجبل، و سمع منه و هو يصعدها قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ إلى آخر الآية. و قال: و للّه ما سررت بفتح مدينة كسروري بهذه، و قد تبينت الآن أني أملك البلاد، و علمت أن ملكي قد استقر و ثبت. ثم صار إلى المقام وصلى ركعتين ثم عاد إلى المخيم في الميدان و أطلق المكوس و الضرائب، و سامح بأموال عظيمة و جلس للهناء بفتح حلب، فهنأه جماعة من الشعراء بعدة قصائد ذكرها العماد صاحب كتاب الروضتين.

و من عجيب الاتفاقات أن محيي الدين بن الزكي قاضي دمشق مدح السلطان بقصيدة منها قوله:

و فتحكم حلبا بالسيف في صفر* * * مبشّر بفتوح القدس في رجب‏

فكان الأمر كما ذكر، فإن السلطان فتحت له القدس في رجب سنة 583.

فتح حارم و غير ذلك من الحوادث:

ثم إن السلطان طلب حارم من صاحبها سرخك- الذي كان ولاه الملك الصالح- فامتنع عليه و كاتب سرخك الفرنج، ففطن أهل حارم بذلك و وثبوا عليه و أمسكوه و سلّموا

____________

(1) القندس: حيوان مائي. له ذنب قوي مفلطح، و غشاء بين أصابع رجليه يستعين به على السباحة.

(2) الأكاديش: نوع من الخيول غير العربية، و المفرد: إكديش.

(3) البخت: الإبل الخراسانية.

92

حارم إلى صلاح الدين، فتسلمها و قرر أمرها و أمر حلب و بلادها، و أقطع «عزاز» سليمان بن جندر أحد الأمراء، و جعل في حلب ولده الملك الظاهر. و سار عنها في غرة ربيع الأول من السنة المذكورة. و بعد مضي ستة أشهر طلب الملك العادل- و هو أخو السلطان صلاح الدين- أن يوليه على حلب فولاه عليها و استدعى ولده الملك الظاهر إلى دمشق فخرج من حلب في غاية الأسف عليها، فقد كان أحبها حبا شديدا و وافقه ماؤها و هواؤها. و كان خروجه منها و استلام عمّه لها في رمضان منها. و في سنة 582 أخذ السلطان حلب من أخيه الملك العادل و أقطعه عنها حرّان و الرّها و أعاد ابنه الملك الظاهر إليها.

استيلاء صلاح الدين على بيت المقدس و أخذه من حلب منبرا للمسجد الأقصى:

و في سنة 583 في رجب فتح بيت المقدس على يد السلطان صلاح الدين، فدخلها و رتب أمورها و أعاد جامعها إلى ما كان عليه، ثم أمر أن يكتب إلى حلب بإحضار منبر كان هيّأه لبيت المقدس الملك العادل نور الدين محمود زنكي، اشتغله له نجار بحلب يعرف بالأختريني، من قرية أخترين، لا نظير له في البراعة و الصنعة. فأحضر المنبر المذكور و جعل في الجامع الأقصى.

استيلاء الملك الظاهر على سرمينية من الفرنج و استيلاء أبيه على دربساك:

و في سنة 584 أرسل السلطان ولده الملك الظاهر صاحب حلب إلى سرمينية فحصرها و ضايقها و ملكها من الفرنج، و استنزل أهلها على قطيعة قررها عليهم، و هدم الحصن و عفّى أثره، و أطلق جما غفيرا من أسرى المسلمين الذين كانوا بهذا الحصن و ما جاوره من الحصون.

و فيها سار السلطان صلاح الدين فنزل على جسر الحديد بالقرب من أنطاكية فأقام عليه أياما حتى تلاحق به من تأخر من العسكر ثم سار إلى دربساك و حاصرها ثم تسلمها بالأمان على شرط أن يخرج منها أهلها بثيابهم فقط. ثم سار إلى بغراس و تسلمها على شرط دربساك. ثم أرسل بيمند صاحب أنطاكية الفرنجي يطلب منه الصلح بشرط أن يطلق كل‏

93

أسير مسلم عنده، فأجابه السلطان لذلك و تهادنوا ثمانية أشهر.

و في ثالث شعبان منها دخل السلطان حلب و سار منها إلى دمشق و جعل طريقه على قبر عمر بن عبد العزيز ليزوره. و في سنة 587 قتل يحيى السّهرورديّ الفيلسوف بقلعة حلب على ما يذكر في ترجمته.

94

وفاة صلاح الدين و ولايات البلاد بعده و ما كان من الحوادث إلى سنة 600

و في سنة 589 توفي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بدمشق- على ما يذكر بترجمته- و ترك سبعة عشر ولدا ذكرا و بنتا واحدة. و كان أكبر أولاده صاحب دمشق الملك الأفضل نور الدين علي، و كان الملك العزيز عثمان صاحب مصر أصغر منه، و الملك الظاهر صاحب حلب أصغر منهما.

فاستقر بحلب- بعد وفاة السلطان صلاح الدين- ولده الملك الظاهر غياث الدين غازي. و بحماة و سلمية و المعرة و منبج و قلعة نجم: الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين. و بحمص و الرحبة و تدمر: شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي. و بشيزر: سابق الدين عثمان بن الداية. و بصهيون و حصن برزيه: أبو قبيس و ناصر الدين بن كورس بن خمار دكين. و بتل باشر: بدر الدين دلارم بن بهاء الدين ياروق. و ببعرين و كفر طاب و أفامية: عز الدين إبراهيم بن شمس الدين.

و في سنة 596 كان الملك الأفضل و الملك الظاهر محاصرين دمشق، و فيها الملك العادل ابن أيوب. ثم وقع بين الأفضل و الظاهر وحشة أفضت إلى انصرافهما عن دمشق، و توجه كل واحد منهما إلى مقرّه. و بعد أن انصرفا خرج الملك العادل في أثر الملك الأفضل و وقع بينهما مصافّ، انكسر فيه الملك الأفضل و أخذ منه الملك العادل مصر صلحا على أن يعوضه عنها ميّافارقين و غيرها. و لما استقر الملك العادل بالملك كاتبه ابن أخيه الملك الظاهر صاحب حلب و صالحه و خطب له بحلب و بلادها، و ضرب السكّة باسمه. و اشترط الملك العادل على الظاهر أن يكون خمسمائة فارس من خيار عسكر حلب في خدمة الملك العادل كلما خرج إلى البيكار. و التزم الظاهر بذلك.

و في سنة 597 كان الملك الظاهر مجدّا في تحصين حلب خوفا من عمه الملك العادل.

95

و فيها توفي عز الدين إبراهيم بن محمد و صارت بلاده بعده- و هي منبج و قلعة نجم و أفامية و كفر طاب- لأخيه شمس الدين عبد الملك. فسار إليه الملك الظاهر و ملك منه منبج، و عصى عليه شمس الدين بالقلعة فحصره الملك الظاهر و استنزله بالأمان و اعتقله و ملك منه القلعة. ثم سار الملك الظاهر إلى قلعة نجم فملكها، و بها نائب شمس الدين المذكور. ثم أرسل الملك الظاهر إلى الملك المنصور صاحب حماة يبذل له منبج و قلعة نجم على أن يصير معه على عمه الملك العادل صاحب مصر، فاعتذر إليه صاحب حماة بيمين في عنقه للملك العادل على أن يواليه. فلما أيس منه سار إلى المعرة و أقطع بلادها و استولى على كفر طاب، و كانت لشمس الدين المتقدم ذكره.

ثم سار إلى أفامية و بها قراقوش نائب شمس الدين أيضا فلم يتيسر له تملكها، فرحل عنها و توجه إلى حماة و حاصرها في اليوم السابع و العشرين من شعبان هذه السنة و بقي عليها إلى أيام من رمضان، و جرى بينه و بين الملك المنصور قتال شديد و جرح الملك الظاهر بسهم أصابه في ساقه، ثم صالح الظاهر المنصور على ثلاثين ألف دينار صوريّة و رحل عنها إلى دمشق و بها الملك المعظم بن الملك العادل فنازلها الظاهر و أخوه الملك الأفضل، و انضم إليهما عدة من أمراء الصالحية. و اتفق الملكان الظاهر و الأفضل على أنهما إذا فتحا دمشق يتسلمها الملك الأفضل، ثم يسيران معا إلى مصر و يأخذانها من الملك العادل و يتسلمها الملك الأفضل، و حينئذ يتسلم دمشق الملك الظاهر. و لما قرب على الملكين افتتاح دمشق حسد الملك الظاهر أخاه الأفضل على ملكها، و وقعت الوحشة بينهما و تفرق عسكرهما و أبطلا القتال و راسلا الملك العادل و صالحاه، و رحل كل منهما إلى مستقرّه و فيها كان بالجزيرة و الشام و السواحل زلزلة عظيمة هدمت عدة مدن.

و في سنة 598 خرب الملك الظاهر قلعة منبج خوفا من انتزاعها منه، و أقطع منبج عماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن محمد بن أحمد المشطوب. و فيها أرسل قراقوش نائب شمس الدين بأفامية إلى الظاهر بتسليم أفامية بشرط أن يعطى شمس الدين اقطاعا يرضاه. فأقطعه الملك الظاهر الراوندان و كفر طاب و مفردة المعرة، و هو عشرون ضيعة معينة من بلاد المعرة، و تسلم أفامية. ثم عصى شمس الدين بالراوندان فسار إليه الظاهر و أخضعه.

96

و فيها سار الملك العادل من دمشق و وصل إلى حماة و نزل على تل صفرون. و بلغ الظاهر وصوله إلى حماة بقصد حلب و محاصرتها فاستعد للحصار و راسله و تم الصلح بينهما على أن يأخذ من الظاهر أماكن معلومة و تدفع لمن اختار الملك العادل.

و في سنة 599 أخرج الملك العادل من مصر الملك المنصور محمد بن الملك العزيز إلى الشام فسار بوالدته و إخوته و أقام بحلب عند الملك الظاهر.

قصد ابن لاوون الأرمني أنطاكية و غير ذلك‏

و في سنة 600 نازل ابن لاوون ملك الأرمن أنطاكية فتحرك الظاهر و وصل إلى حارم، فارتد ابن لاوون على عقبه. و فيها كانت زلزلة عظيمة عمّت مصر و الشام و الجزيرة و بلاد الروم و صقلية و قبرس و العراق و غيرها، و خرّبت سور مدينة صور.

و في سنة 602 كثر فساد ابن ليون الأرمني صاحب الدروب في ولاية حلب، فنهب و خرب و أسر و سبى، فسار إليه الظاهر بجموع كثيرة و حصل بينهم عدة وقعات كانت عاقبتها و خيمة على عسكر المسلمين. ثم جدّ الظاهر في قتاله فهرب منه و تحصن بمساكنه من الجبال.

مجي‏ء الملك الأشرف إلى حلب‏

و في سنة 605 وصل إلى حلب الملك الأشرف موسى أخو الظاهر- و كان راجعا من دمشق إلى بلاده- فتلقاه الملك الظاهر بالترحاب و أنزله بالقلعة و بالغ في إكرامه و قام بجميع لوازمه و لوازم عسكره أتم قيام. و كان يحمل إليه في كل يوم خلعة كاملة و هي غلالة و قباء و سراويل و كمّة و فروة و سيف و حصان و منطقة و منديل و سكّين و دلكش، و خمس خلع لأصحابه. و أقام على ذلك خمسة و عشرين يوما، و قدم له تقدمة و هي مائة ألف درهم و مائة بقجة مع مائة مملوك، منها عشر بقج، في كل واحدة منها ثلاثة أثواب أطلس و ثوبان خطاي، و على كل بقجة جلد قندس كبير. و منها عشر في كل واحدة خمسة أثواب عنّابي بغدادي و موصلي، و عليها عشرة جلود قندس صغار. و منها عشرون في كل واحدة خمس قطع مرسوسي و ديبقي، و منها أربعون في كل واحدة خمسة أقبية و خمس كمام. و حمل إليه خمسة حصن عربية بعدّتها و عشرين إكديشا، و أربعة قطر بغال و خمس بغلات فائقات‏

97

بالسروج و اللّجم، و قطارين من الجمالين. و خلع على أصحابه مائة و خمسين خلعة، و قاد أكثرهم بغلات و أكاديش. ثم سار الملك الأشرف إلى بلاده الشرقية. و فيها أمر الظاهر بإجراء القناة على ما تقدم بيانه في الكلام على القناة.

و في سنة 606 نقض الظاهر الصلح مع الملك العادل. و في سنة 608 أرسل الظاهر القاضي بهاء الدين بن شداد إلى الملك العادل يستعطفه و يخطب بنته ضيفة خاتون، فتزوجها الملك الظاهر و زالت الإحن بين الملكين. و في سنة 609 في المحرّم عقد الظاهر على ضيفة خاتون، و كان المهر خمسين ألف دينار، و توجهت من دمشق إلى حلب، و احتفل الظاهر لملتقاها و قدم لها أشياء كثيرة نفيسة. و في سنة 610 ولد للظاهر من ضيفة خاتون ولده الملك العزيز غياث الدين محمد. و في سنة 613 توفي الملك الظاهر. و لما اشتد به مرضه عهد بالملك بعده إلى ولده الصغير الذي ولد له من ضيفة خاتون بنت الملك العادل، و كان عمر الولد إذ ذاك ثلاثة أعوام، فجعل أتابكه و مربيه خادما روميا اسمه طغريل الطواشي، و لقبه شهاب الدين، و هو من خيار عباد اللّه، أحسن السيرة بعد وفاة الظاهر و عدل في الأحكام و أزال المكوس و الضرائب التي كانت مرتبة في أيام الظاهر.

و في سنة 615 قصد عز الدين كيكاوس بن كيخسرو- صاحب بلاد الروم- ولاية حلب. و سبب ذلك أنه كان بحلب رجلان يسعيان بالناس إلى الملك الظاهر فلما مات الظاهر أبعدهما طغريل، و كسد سوقهما و خشيا على نفسيهما من الناس فقصدا كيكاوس المذكور و زيّنا له قصد حلب. فعزم على ذلك و أشار عليه بعض أصحابه أن يصحب معه أحدا من بيت أيوب لأن أهل البلاد تحبهم فيسهل عليه مقصده، فصحب معه الملك الأفضل و سارا معا متفقين على أن ما يفتحانه من بلاد حلب يكون للملك الأفضل و ما يفتحانه من بلاد الجزيرة يكون لكيكاوس. و لما وصلا إلى قلعة تل باشر و فتحاها أخذها كيكاوس لنفسه خلاف ما اتفقا عليه، فاشمأز الملك الأفضل و قال: هذا أول الغدر.

ثم فترت همته و توانى عن المسير معه.

أما شهاب الدين طغريل فإنه لما بلغه تحرك كيكاوس المذكور كتب إلى الملك الأشرف ابن صلاح الدين- و كان صاحب الجزيرة- يستدعيه ليدين له بالطاعة و يخطب باسمه و يجعل السكة باسمه و يأخذ ما اختاره من أعمال حلب. فأجابه إلى ذلك و سار بعسكره‏

98

لقتال كيكاوس، فلقي عسكر كيكاوس عند منبج و اشتد القتال بينهم و انهزم عسكر كيكاوس و شتّت شملهم. و سار الملك الأشرف إلى قلعة تل باشر و استردها و أرسلت عساكر كيكاوس إلى حلب أسرى و دقّت البشائر. و في سنة 616 كان الملك الأشرف بظاهر حلب يدبر أمرها و يرتب جنودها و إقطاعاتها.

و في سنة 619 فوض طغريل مدير المملكة الحلبية أمر الشّغر و بكاس إلى الملك الصالح أحمد بن الملك الظاهر بن صلاح الدين، فسار الملك الصالح إليهما و ملكهما و أضاف إليه الرّوج و المعرة و مصرين. و في هذه السنة استفاض بحلب نبأ عظيم جدير أن يعدّ من الأقاصيص الخرافية، حكاه ياقوت في كتابه معجم البلدان في الكلام على كلّز. خلاصته:

أن أهل تلك الناحية شاهدوا هناك تنّينا (1) عظيما كالمنارة أسود اللون، ينساب على الأرض و النار تخرج من فيه و دبره، فأحرق عدة مزارع و نحو أربعمائة شجرة لوز و زيتون و بيوت و خرّكاهات‏ (2) للتركمان. و مرّ كذلك نحو عشرة فراسخ ثم ظهرت سحابة رفعته حتى غاب عن العيون و قد لفّ بذنبه كلبا ينبح.

قلت: لعل التنين هشيم‏ (3) ممتد على مسافة طويلة اشتعل و رآه الناس على بعد فحسبوه تنّينا، فإن اشتعال الكلأ اليابس كثير الوقوع، فقد حدث في سنة 1298 و أنا في مدينة «ويران شهر» اشتعال هشيم في صحراء الخابور استمر عدة أيام.

و في سنة 620 وصل الملك الأشرف من مصر و معه خلعة و سنجق سلطاني من أخيه الملك الكامل لابن أخيه الملك العزيز بن الملك الظاهر صاحب حلب، و عمره يومئذ عشر سنين. فخلع على الملك العزيز و أركبه في الدست. و فيها اتفق كبراء الدولة الحلبية مع الملك الأشرف على تخريب قلعة اللاذقية فأرسلوا عسكرا هدمها. و في سنة 624 انتزع طغريل الشّغر و بكاس من الملك الصالح و عوّضه عنهما عينتاب و الرواندان. و فيها ظفر جمع من التركمان بأطراف أعمال حلب بفارس مشهور من الفرنج الداويّة بأنطاكية فقتلوه فعلم الداويّة بذلك فساروا و كبسوا التركمان و قتلوا منهم و أسروا و غنموا من أموالهم. فبلغ ذلك‏

____________

(1) التنّين: حية مائية أسطورية عظيمة تبتلع دوابّ البحر و تخرج إلى الشاطئ تفترس الناس.

(2) مفردها خرّكاه، و هي الخيمة الكبيرة. و الكلمة من الدخيل.

(3) الهشيم: الحشيش اليابس.

99

طغريل فراسل الفرنج و تهددهم بقصد بلادهم. و اتفق أن عسكر حلب قتلوا فارسين كبيرين من الداوية أيضا فأذعنوا بالصلح و ردوا إلى التركمان كثيرا من أموالهم و حريمهم و أسراهم.

و في سنة 626 أشخص الملك العزيز صاحب حلب إلى الملك الكامل- و كان بدمشق- يخطب بنته فاطمة خاتون التي هي من الست السوداء أم ولده أبي بكر العادل ابن الكامل. و في سنة 627 ولد الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز صاحب حلب.

و في سنة 628 قلّت الأمطار بديار الجزيرة و الشام و لا سيما حلب و أعمالها، فإنها كانت قليلة جدا، و غلت الأسعار بالبلاد و كان أشدها غلاء حلب، فأخرج طغريل كثيرا و تصدّق بصدقات دارّة، وساس البلاد سياسة حسنة بحيث لم يظهر للغلاء أثر. و فيها قصد الفرنج الذين هم بالشام مدينة جبلة من المدن المضافة إلى حلب و دخلوها و أخذوا منها غنيمة و أسرى، فسيّر إليهم طغريل عسكرا استردها منهم و فك الأسرى.

و في سنة 629 استقل الملك العزيز بن الملك الظاهر بملك حلب. و فيها وصلت زوجة الملك العزيز بنت الملك الكامل و كان يوم دخولها إلى حلب يوما مشهودا. و في سنة 630 أخذ الملك العزيز شيزر، تسلّمها من شهاب الدين يوسف بن سابق الدين، و قد هنأه بها يحيى الخالد القيسراني بقوله:

يا ملكا عمّ أهل الأرض نائله‏* * * و خص إحسانه الداني مع القاصي‏

لما رأت شيزر آيات نصرك في‏* * * أرجائها ألقت العاصي إلى العاصي‏

و في سنة 631 توفي شهاب الدين طغريل الطواشي أتابك حلب. و في سنة 632 توفي الملك الظاهر داود صاحب البيرة ابن السلطان صلاح الدين، و ملك البيرة ابن أخيه الملك العزيز صاحب حلب. و في سنة 634 خرج الملك العزيز إلى حارم للصيد و رمى البندق و اغتسل بماء بارد، فحمّ و دخل حلب و توفي في ربيع الأول من هذه السنة و كان عمره ثلاثا و عشرين سنة و شهورا، و كان حسن السيرة في الرعية و تقرر في الملك بعده ولده الملك الناصر يوسف و عمره نحو سبع سنين، و قام بتدبيره و بتدبير الدولة شمس الدين لؤلؤ الأرمني، و عز الدين عمر بن مجلي، و جمال الدولة إقبال الخاتوني. و المرجع في الأمور إلى والدة الملك العزيز ضيفة خاتون بنت الملك العادل.

و فيها توجه عسكر حلب مع الملك المعظم توران شاه عم الملك العزيز فحاصروا

100

بغراس، و كان قد عمرها الفرنج الداويّة بعد ما فتحها صلاح الدين و خربها، و قد أشرف العسكر على أخذها ثم رحلوا عنها بسبب الهدنة مع صاحب أنطاكية. ثم إن الفرنج أغاروا على ربض دربساك و هي حينئذ لصاحب حلب، فوقع بهم الحلبيون و ولّى الفرنج منهزمين و كثر فيهم القتل و الأسر، و عاد عسكر حلب بالأسرى و رؤوس الفرنج. و كانت هذه الوقعة من أجل الوقائع.

و في سنة 635 توفي الملك الكامل صاحب مصر و لما سمع الحلبيون بوفاته اتفقوا على أخذ المعرة و حماة من الملك المظفر صاحب حماة، و هو جد أبي الفداء المشهور صاحب التاريخ و الجغرافية. و سبب ذلك أن الملك المظفر كان وافق الملك الكامل على قصد حلب فمشى عسكر حلب إلى المعرة و انتزعوها من يد الملك المظفر و حاصروا قلعتها ثم ساروا إلى حماة و حاصروها و بها الملك المظفر و نهب العسكر الحلبي بلاد حماة، و استمر الحصار على حماة حتى خرجت هذه السنة. و فيها عقد لسلطان الروم غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو على غازية خاتون بنت الملك العزيز صاحب حلب سابقا و هي صغيرة حينئذ. ثم عقد للملك الناصر يوسف بن الملك العزيز على أخت كيخسرو و هي ملكه خاتون بنت كيقباذ، و خطب لغياث الدين بحلب. و في سنة 636 كتبت ضيفة خاتون صاحبة حلب بنت الملك العادل إلى عسكر حلب أن يرحلوا عن محاصرة حماة، فرحلوا عنها و كان قد طال حصارهم لها و لحقهم الضجر و استمرت المعرة في أيدي الحلبيين.

و في سنة 638 نزل الملك الحافظ أرسلان شاه بن الملك العادل عن قلعة جعبر و بالس و سلّمها إلى أخته ضيفة خاتون صاحبة حلب و عوّضته عنها «عزاز» و بلادا معها تساوي ما نزل عنه. و سبب ذلك أن الملك الحافظ أصابه فالج فخشي على نفسه من تغلب أولاده فاقترب من حلب كيلا يمكنهم التعرض إليه.

101

إجمال في الأتراك‏

نتكلم بهذا الإجمال على الأتراك لأن حلب دخلت تحت حكم الكثير من دولهم، كما علمت مما أسلفناه و مما نثبته بعد، فوجب أن نعرف شيئا من أحوالهم فنقول:

أجناس الترك و مساكنهم:

اتفقت كلمة أهل التاريخ على أن أجناس الترك أكثر أجناس العالم، و أن مساكنهم بلاد الشرق. منهم أمة تقطن فيما بين البحر المتجمد إلى أصفهان يقال لأولهم (ياقوت) و لأخرهم (تركمان).

و منهم أمم تقطن فيما بين سواحل (هوانغ هو) إلى أواسط روسيا في آسيا يقال لأولهم (يغور) و لأخرهم (تاتار) ثم الأتراك العثمانيون.

و أمم تقطن أواسط آسيا و شرقي أوروبا و كثير منهم من يعيش في ليتوانيا.

و يمكن أن تقسم هذه الأمم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: شعوب شرقية، أي سكان شرقي آسيا.

القسم الثاني: وسطية.

القسم الثالث: غربية.

فالشعوب الشرقية يقال لهم (ياقوت) و (التاي) (1) و يقال لهم (يغور) و (بولو) و (تارانج) و (سبيريا).

و الشعوب الوسطية يقال لهم قيز غير و هم القازاق. و كلمة خير سز مأخوذة من هذه الكلمة و (أزبك) و هم من نسل أويغور المعروفين الآن في أوربا باسم (أوار) و هم‏

____________

(1) كلمة التاي أصلها (آلاتايغ) و هي اسم لجبال آلاطاغ. و معنى آلا باللغة التركية الساطع. و معنى طاغ الجبل، فيكون معنى هذه الكلمة الجبل الساطع. و سبب تسميته بهذا الاسم إشراقه و لمعانه لوجود الثلج عليه في أكثر الأوقات، كما قاله صاحب كتاب تلفيق الأخبار. اه (المؤلف).

102

يسكنون بلادا قريبة من ختن و كاشغر و تورقان و خاميل، جنوبي جبال هملايا، و هم يميلون إلى العثمانيين و إن كانوا منفكين عنهم. و كلمة «أويغور» اسم للصحراء المعروفة بآسيا العليا و تركستان هي المحاطة شرقا بالخطاي- و هي الصين الشمالي- و غربا بخوارزم و بحيرة آرال، و شمالا بسبيريا، و جنوبا بالتّبت و بخارى الكبرى، و لغة أويغور من لغة الأتراك الأصلية و تسمى جغتاي نسبة إلى جغتاي بن جنكزخان.

و من الشعوب الوسطية أيضا: تاتار نهر (و ولغا) و (باشقير) أو (باشقرد) تحريف (بوزقير) و هي البرية البيضاء. و من تلك الشعوب أيضا (قاراجاي) و (جوواش) و (جرمش) و هي شعوب تحكمها الروس، نصارى و مسلمون و وثنيون. و الشعوب الغربية يقال لهم تركمان و (أذربايجان) و (يوروك).

تركستان و تاتارستان:

في كتاب تلفيق الأخبار أن القبائل المعروفة باسم تركستان و تاتارستان يحدّها شرقا مملكة الصين، و جنوبا ممالك الهند و الفرس و الروم و البحر الأسود، و شمالا منتهى المعمور، و غربا نهر الطونه و دنيستر و ويستولة. على أن من كان من هذه القبائل في إقليم ما وراء النهر و فرغانة و كاشغر و تبت، و في حدود الفرس و الروم و أوربا، لم يزل يوجد فيهم طوائف رحالة نزالة، خصوصا من كان منهم باقيا في إقليمهم الأصلي المعروف باسم دشت قبجق، و هو المشهور بصحراء قزاق و قزغير، فهم حتى الآن في حالة البادية يسكنون خركاهات، أي خياما على هيئة قباب بيض مخروطة الشكل، قطر المتوسط منها ثمانية أذرع و ارتفاعها ما بين سبعة أو ستة أذرع، مصنوعة من قضبان صلبة مشبكة ببعضها على طرز جميل مغشاة بلبد بيضاء متينة ملونة في كل قبة منها سرير مفروش بديع مزين بعظام الجمل على شكل جميل. و هي تقوّض في كل خمسة عشر يوما إلى ثلاثين يوما و تضرب في مروج يجاورها غدران، فما هي إلا رياض مزدانة بأنواع الزهور صحيحة الهواء لا يحسّ فيها بقمل و لا ببرغوث و لا نمل و لا بعوض و لا ذباب، كأنها نموذج من جنة الخلد تسمع في أشجارها تغريد الأطيار التي تسبح في غدرانها، فالنوم فيها لذيذ و اليقظة ألذ و أجمل.

و سكان هذا الإقليم يعانون تربية المواشي كالغنم و البقر و الجمال و الخيل. و أعز ماشية عندهم الخيل لأنهم يتغذّون من لحمانها و ألبانها. و هم على جانب عظيم من السخاء و قرى‏

103

الضيوف و العطف على الفقراء. هذا مع تسلط الدولة الروسية عليهم و استئثارها بكثير من خيرات أراضيهم الخصبة دونهم، و سلبها منهم حقوقهم المدنية و حريتهم القومية و الوطنية و الشخصية، و تداخلها في معتقداتهم و عاداتهم و أخلاقهم بحيث ماتت هممهم و ذهب نشاطهم و تساوت عندهم الحياة و الممات.

كلمة تورك:

قال بعض الباحثين في طبقات الأمم: إن كلمة «تورك» مأخوذة من كلمة توكو و هي اسم أمم كانت في العصر السادس من الميلاد تسكن قرب (التاي) و حوالي أو يغور.

و إن هذه الأمة من نسل (هونغ نو) المذكورين في تواريخ الصين الذين كانوا قبل عصرين من الميلاد يشنون الغارات على ممالك الصين مدة أربعة قرون حتى اضطرت ملوك الصين إلى بناء السد الكبير. و إن أمة التوكو هذه أقامت في هذه المدة دولة عظيمة انقسمت بعد ذلك إلى قسمين: أحدهما التوكو، و منها تناسل جميع أمم الترك. و القسم الآخر:

الأويغور، و منها تناسلت أمم المجر، و الفينوا و هم أهل فينلانديا.

لغة الأتراك:

لغة الأتراك و لغة المغول و الفينوا: كل منهما متفرع من لغة التاتار الذين يقال لهم (أولو التاي) أي الخطاي، أو يقال لهم (توران) أو (أويغور) و هي قريبة من لغة التركمان.

و كانت هي لغة السلاجقة و العثمانيين و قد صارت الآن هي اللغة التركية. على أن الشبه بين لغة العرق التركي و بين لغة العرق المغولي بعيد، غير أن تشابه الأوصاف البدنية بينهما يدل على قربهما من بعضهما.

توران أو طوران:

الأتراك العثمانيون يقولون إنهم من أصل توراني، نسبة إلى توران و هو- كما قال صاحب تلفيق الأخبار، نقلا عن العمري- اسم مملكة الخواقين، كانت بيد أفراسياب التركي ملك الترك، و هي من نهر بلخ إلى مطلع الشمس على سمت الوسط فما أخذ عنه جنوبا كان بلاد الهند، و ما أخذ عنه شمالا كان بلاد القفجق، و الجراكسة و الروس و الماجار و من جاورهم من طوائف الأمم المختلفة سكان الشمال. و يدخل في توران ممالك‏

104

كثيرة و أمم مختلفة منها غزنة و الباميان و الغور و ما وراء النهر و هو جيحون نحو بخارى و سمرقند و الخجند و الخوقند و غير ذلك. و بلاد تركستان و أستروشنة و فرغانة و بلاد صاغون و سرام و بلاد الخطا و المايغ إلى قراقوم، و هي قرية جنكزخان، و فيها كان مولده و منشؤه، ثم ما وراء ذلك من بلاد الصين و صين الصين، كل هذه الممالك العظيمة: سلاطينها و ملوكها مسلمون (أي في عصر العمري، المنقولة عنه هذه المقالة).

أصل الأتراك و دياناتهم:

الأتراك من نسل يافث، و كانوا بادية رحّلا نزّلا يعيشون عيشة البدو و يأكلون الكلاب و الفأر و ما يجدونه من الصيد، و يدينون بالوثنية المعروفة باسم (بت برست). و منهم من يعبد النار، و بعضهم يعبد إلها في الشمس، و يسمون رهبانهم شامان. و من هؤلاء بقية تقطن في شمال سبيريا و الجزائر الملحقة بالمحيط الهادي. و رهبانهم يشدون في أوساطهم أذناب الخيل و يعلقون عليها الطبول أحيانا ليطردوا بها الشيطان على زعمهم، و يدّعون علم السحر و يعتقدون الجن و الملائكة و يسمون أكبرهم الشيطان.

متى بدأ الدين الإسلامي ينتشر في الأتراك‏

لم أظفر بقول صريح يبين التاريخ الذي بدأ فيه بزوغ شمس الإسلام على عالم الأمم التركية. و أنا لا أستبعد أن يكون بدأ نجم الإسلام يسطع في سماء الممالك التركية منذ سنة 22 ه في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و ذلك حينما فتحت قزوين و زنجان عن يد البراء بن عازب، و أذربيجان عن يد سماك بن خرشة الأنصاري، و الباب عن يد عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي. ثم حينما غزا عبد الرحمن هذا بلنجر و هي المدينة البيضاء وراء الباب في بلاد الخزر- و قيل هي بلدة حاجي طرخان و هو الصحيح- غزاها عبد الرحمن بأمر الخليفة عمر و لم يجسر أحد من أهلها على لقائه فهربوا منه و اعتصموا في الجبال و قالوا: ما اجترأ علينا إلا و معه الملائكة تمنعهم من الموت.

ثم تتابعت غزوات المسلمين على الخزر و الترك فتذامروا سنة 32 في خلافة عثمان رضي اللّه عنه و قالوا: كنا لا يقرن بنا أحد حتى جاءت هذه الأمة القليلة فصرنا لا نقوم لها.

فقال بعضهم: إن هؤلاء لا يموتون و ما أصيب منهم أحد، فلهذا ظنوا أنهم لا يموتون.