نهر الذهب في تاريخ حلب‏ - ج3

- كامل بن حسين الحلبي الغزي المزيد...
640 /
105

فقال بعضهم: أفلا تجرّبون؟ فكمنوا لهم في الغياض فمرّ بالكمين نفر من الجند فرموهم منها فقتلوهم.

قال ابن الأثير في كتابه «الكامل»: ثم غزا عبد الرحمن نحو بلنجر، و كان الترك قد اجتمعت مع الخزر فقاتلوا المسلمين قتالا شديدا و قتل عبد الرحمن، فأخذ أهل بلنجر جسده و حملوه في تابوت فهم يستسقون به. و في‏ معجم البلدان‏ أن الذي قتل في هذه الوقعة:

سليمان بن ربيعة الباهلي لا عبد الرحمن، فليحرّر. و القصة مذكورة في المعجم في الكلام على باب الأبواب.

و سطع نجم الإسلام في الأتراك أيضا حينما فتحت الجبال المحيطة بأرمينية، و قد قيل في أهلها إنهم استحلوا الإسلام و عدله، إذ من المستبعد عقلا أن يحترم أهل بلنجر جسد عبد الرحمن- أو سليمان على الرواية الأخرى- و يعتقدوا فيه البركة و الكرامة و يضعوه في تابوت و يستسقوا به، و أن يكون أهل الجبال المحيطة بأرمينية قد استحلوا الإسلام و عدله و ألّا يكون الإسلام خامر قلوب بعض أناس منهم طابت سرائرهم و صفت قرائحهم، و تنورت بصائرهم فميزوا الرشد من الغي و اتضح لهم ما هم عليه من العمى و ما عليه دين الإسلام من الهدى فاستهجنوا نحلتهم و استحسنوا ذلك الدين فقبلوه و دانوا به.

و أنا لا أدعي بأنهم في ذلك التاريخ ارتضوا هذا الدين و دخلوا فيه أفواجا، و إنما أقول:

إنه لا بد و أن يكون دخل فيه أفراد منهم فأخفوا إسلامهم حين لا يمكن إعلانه. على أن عدم تصريح المؤرخين ببدء انتشار الإسلام في الأمم التركية لا يستلزم عدم انتشاره فيهم في ذلك التاريخ، و إلا للزم ألّا يكون الإسلام انتشر إذ ذاك في الفرس أيضا لأن المؤرخين لم يصرحوا ببدئه فيهم و لا في غيرهم، كأنهم استغنوا عن ذلك لأن شيوع هذا الدين قديما في الأمم التي حاربها المسلمون كان معلوما بالضرورة، إذ كانت الدعوة إلى التدين بالإسلام أو بذل الجزية تتقدم كل مناجزة، فكانت الأمة التي يحاربها المسلمون لا تخلو عمن يرضى منها بالإسلام أو بالجزية فيقبل منه و يناجز الباقون من الأمة الذين لا يرضون بأحد الأمرين.

و مما يستبعده العقل أيضا أن تكون الأمم التركية خالية عمن اتبع هدى الإسلام و اتخذه دينا في جميع الحروب التي أدار رحاها عليهم قتيبة بن مسلم و ابنه مسلم و يزيد بن المهلب و مسلم بن سعيد الكلابي و نصر بن سيّار و غيرهم من قادة المسلمين، مع أنه لم يصرّح‏

106

أحد من المؤرخين بإسلام أحد من الأتراك في أثناء جميع تلك الحروب.

هذا و إن كثيرين من الأتراك كانوا ينشؤون على دين الإسلام و هم مماليك الخلفاء و الوزراء و أهل الوجاهة من المسلمين، و قد التفت إليهم الخلفاء العباسيون و اعتنوا بشأنهم و أحلّوهم لديهم المنزلة العليا لما كانوا يرونه من شجاعتهم و صدقهم، حتى إن الخليفة المعتصم و من بعده من الخلفاء صار لا يثق و لا يعتمد إلا على الجندي التركي. و قد بنى الخلفاء للأتراك بلدة خصوصية و صاروا يزوجون رجالهم بنسائهم و يدرّون عليهم الإنعامات، فنموا و كثروا و نالوا من الدولة العباسية الرتب العالية، و نشأ منهم رجال أولو كفاءة و اقتدار فتولّوا باستعدادهم الولايات و الإقطاعات، و شاع ذكرهم في الأقطار، و غبطهم إخوانهم الأتراك في أصقاعهم و شاهدوا حسن أحوالهم، و تحققوا بأن تدينهم بدين الإسلام هو الذي رفعهم إلى تلك المراتب العالية و بدّل ما كانوا عليه من الهمجية بالمدنية الحقّة و الرقي إلى معارج الكمالات الإنسانية، فاعتقدوا صحة الإسلام و أقبلوا عليه يدخلون فيه أفواجا. و في سنة 349 أسلم منهم دفعة واحدة نحو مائتي ألف خركاه‏ (1) على ما ذكره ابن الأثير في كتابه الكامل في حوادث السنة المذكورة، و هو عدد عظيم لا شك. و لا ريب أنه لم يدخل‏ (2) في الإسلام إلا اقتفاء لآثار غيره من قومه.

و ذكر في تاريخ الدولة العثمانية- الذي ترجمه من النمسوية محمد عطاء اللّه أفندي أحد أفاضل الأتراك العثمانيين- أن سالور من أعقاب طاغ خان دان بدين الإسلام مع ألفي بيت من قومه بعد سنة 350 ه و أن سالور تسمى من ذلك التاريخ بجناق خان، أو قره خان، و سمى من تبعه على الإسلام (تركمان).

و قد يؤاخذ محمد عطا اللّه أفندي بعدم ذكره مائتي ألف بيت التي ذكر إسلامها ابن الأثير، و اقتصاره على ذكر إسلام ألفي بيت، إلا أن يكون غلط في بيان العدد و ظنه ألفي بيت. و هذا الاحتمال يصح فيما لو كان تاريخه الذي بينه موافقا للتاريخ الذي بينه ابن الأثير و ليس الأمر كذلك كما علمت. كما أن ابن الأثير قد قصّر بالإفصاح عن اسم زعيم تلك الطوائف العظيمة التي أسلمت في التاريخ المذكور و عن بيان اسمها و سبب إسلامها. و ذكر

____________

(1) الخركاه: الخيمة الكبيرة. و قد سبق ذكرها. و قد تطلق على البيت، كما سيأتي بعد عدة أسطر.

(2) الفاعل يعود إلى قوله «عدد عظيم».

107

ابن الأثير في كتابه المذكور في حوادث سنة 351 أن طائفة من الأتراك نزلت في هذه السنة على بلاد الخزر فانتصر الخزر بأهل خوارزم فلم ينصروهم و قالوا لهم أنتم كفار فإن أسلمتم نصرناكم. فأسلموا إلا ملكهم، فنصرهم الخوارزميون و أزالوا الأتراك عنهم ثم أسلم ملكهم بعد ذلك.

قال محمد عطاء اللّه أفندي ما معناه: إن كلمة «تركمان» مركبة من «ترك إيمان» أو من «ترك مان» أي إنسان ترك، لأن «مان» معناه الإنسان، و نظيره: قره مان و ششمان، أي‏ (1) إنسان أسود و إنسان سمين.

ثم إن هؤلاء التركمان نزح بعضهم إلى غربي أرمنستان، و البعض الآخر إلى السواحل الشرقية من بحر خزر، و انقسموا إلى تركمان غربيين و إلى تركمان شرقيين، و المواضع التي أقاموا فيها تسمى اليوم بلاد التركمان. و قد خلف جناق خان ابنه موسى خان فنشأ على الإسلام و اجتهد في رقيّ قومه و جمع إليه العلماء و أنشأ الجوامع و التكايا و المكاتب. اه كلام محمد عطاء اللّه أفندي.

قلت: ثم خلف موسى خان ابن عمه شهاب الدولة هارون بغرا خان بن سليمان إيلك خان، و كان خيّرا دينا يحب أن يكتب عنه: مولى رسول اللّه. و هو الذي استولى على بخارى من يد السلالة السامانية. و في سنة 435 حارب إيلك خان الأتراك الباقين على الوثنية فأسلموا و ضحّوا يوم عيد النحر بعشرين ألف رأس غنم، و كانوا عشرة آلاف خركاه و كانوا قبل الإسلام يطوفون البلاد بنواحي بلاد ساغون و كاشغر و يفسدون في الأرض، و لا يأوون المدن لخوفهم. فلما أسلموا أمنوا على أنفسهم فتفرقوا في البلاد و دخلوا مدنها.

قال ابن الشحنة ما ملخصه: و في سنة 695 قدمت الفورانة إلى بلاد المسلمين هاربين من قازان بن أرغون بن بغا بن هلاكو، و كانوا نحو عشرة آلاف إنسان، فأنزلهم السلطان كتبغا بالساحل و أحسن إليهم لأنهم جاؤوا مسلمين و أعطاهم الإقطاعات. و سيأتي لنا أن سلجوق أسلم هو و قومه و أن أكثر أولاد جنكز خان و أحفاده أسلموا متتابعين و أسلم معهم‏

____________

(1) في الأصل: «أن» فصوّبناها إلى «أي».

108

أكثر شعوبهم. و سنذكر ذلك مفصلا في الفصل الآني الذي عقدناه في الكلام على جنكز خان.

و الخلاصة أن الأتراك قد نشطوا إلى الإسلام منذ أوائل القرن الثاني إلى أواخر القرن السابع من الهجرة فدخلوا فيه أفواجا، و لم يبق منهم من لم يسلم سوى التاتار و الخطاي في نواحي الصين، و سوى أمة ياقوت و جوواش المتقدم ذكرهما.

109

السلاجقة و العثمانيون من أصل واحد

السلاجقة و العثمانيون ينتسبون إلى أب واحد و هو «أوغوز خان بن قره خاه». و هو أول من وضع للأتراك قوانين و اعتنى بمدينتهم. و من جملة آثاره الهلال الذي هو شعار الدولة العثمانية، و كان العلم الذي يركز فيه الهلال يقال له «ماهجه توغ» أي العلم الهلالي، و العرب يسمونه «طوق». و كان مرفوعا على أعالي دار الملك، في مدينة سراي، هلال من ذهب زنته قنطاران بالمصري. و كان أوغوز خان معاصرا لخليل الرحمن إبراهيم (عليه السلام)، و كان يدين بالوثنية ثم دان بدين إبراهيم و خرج على أبيه و حاربه مدة أربعين سنة.

ثم ترك مقر أبيه «قره قوم» و قيل «أور» و سار إلى الجنوب و استقر في مدينة (ياسي) أشهر مدن تركستان في ذلك الزمان، و هي البلدة التي ينسب إليها المرشد الشيخ أحمد الياسوي النقشبندي.

ثم إن أوغز خان عظم شأنه و امتدت فتوحاته من سيروم إلى بخارى فقسم مملكته بين أولاده الستة، و هم كون خان، و كوك خان، و آي خان، و يلديز خان، و طاغ خان، و دكز خان. و خرج أولاده مرة للصيد على نيّة أن يصطادوا شيئا يتفاءلون به على مستقبلهم، فظفروا بقوس و ثلاثة أسهم فقدّموها إلى أبيهم، فأعطى الأسهم كوك خان و دكز خان، و أعطى القوس أولاده الآخرين، فأخذوه و كسروه ليقتسموه فيما بينهم، فسمى الأوّلين (أوجوق) أي الأسهم الثلاثة، و سمى الآخرين (بوزيجيلر) أي المخربين، و أعطى ميسرة جيشه الأولين، و ميمنته الآخرين.

و بعد وفاته اقتسم أولاده مملكته فيما بينهم: فأخذ أصحاب الميسرة عشائر الأتراك الشرقيين، و أصحاب الميمنة عشائر الأتراك الغربيين. و يقال إن كل واحد من أولاده المذكورين ولد له أربعة أولاد و صار كل واحد منهم أبا عشيرة. فانقسم الأوغوزيون إلى أربع و عشرين عشيرة. ثم إن أمراء الميمنة المقيمين قبلا في تركستان استولوا على ما بين سيحون و جيحون في الغرب، و تقدموا إلى داخل المضايق حتى بلغوا نهر الطونة. و ذكر

110

مؤرخو الأتراك أن الملوك من الأغوزيين و السلاجقة و العثمانيين منسوبون إلى خانات الميمنة:

الأغوزيون من أعقاب طاغ خان، و السلاجقة من أعقاب دكز خان، و العثمانيون من أولاد كوك خان. و كان الأغوزيون قبل الإسلام يحاربون الأكاسرة، و بعده صاروا يحاربون خلفاء المسلمين إلى أن دانوا بدين الإسلام.

السلاجقة

الدولة السلجوقية تنسب إلى سلجوق بن تقاق، أي القوس الجديد. و كان تقاق شهما عاقلا، و كان مقدّم الأتراك الأوغوز عند ملك الترك بيغو، و قد أراد الملك أن يسير إلى بلاد الإسلام ليوقع بها فنهاه تقاق و وبخه و شج رأسه ثم اصطلح معه. و ولد له سلجوق، و لما كبر قدمه ملك الترك لنجابته، ثم سعت به امرأة الملك إلى زوجها فخافه سلجوق و سار بجماعته و من أطاعه من الجند من ديار الحرب إلى دار الإسلام فأسلموا جميعا و استمروا على غزو كفار الترك. و توفي سلجوق عن 107 سنين من عمره و ترك من الأولاد: أرسلان و ميكائيل و موسى. و من هؤلاء الأولاد و أعقابهم نشأت الدولة السلجوقية التي عم حكمها المملكة العباسية سوى قليل منها و امتد حكمها في العالم الإسلامي من حدود الصين إلى آخر حدود الشام مدة 270 سنة و ذلك من سنة 419 إلى سنة 699 و قد تفرع منها فروع، بعضها من أصل آل سلجوق: و هي الفروع التي حكمت في كرمان و حلب و دمشق و بقية بلاد الشام و العراق و كردستان و آسيا الصغرى المعروفة بالأناضول و هي أطول الفروع عمرا. و بعضها متفرع عنها من مماليكها و وزرائها و هي عشرون فرعا أشهرها: الفرع الزنكي الذي منه نور الدين محمود زنكي، و الأرتقيّة حكام ماردين و ديار بكر، و الخوارزمية حكام خوارزم. و قد امتد حكم هذا الفرع من سنة 498 إلى 703 ثم دخلت في حوزة العثمانيين و غيرهم.

جنكز خان‏

قال في كتاب تلفيق الأخبار و غيره ما خلاصته: لما مات كون خان بن أغوز خان خلفه أخوه آي خان. ثم خلف هذا يلدز خان أحد أحفاد أوغوز خان، ثم ولده نيكز خان، ثم ولده منكلي خان. و لما أسن هذا فوض أمر السلطنة إلى ولده إيل خان. جميع‏

111

هذه الملوك تعد من ملوك المغل. و إن إيل خان هذا هو الذي تحارب مع ملوك التاتار و انجلى الحرب بينهم عن قتله و تشتت شمل أمة المغل و أسر التاتار ولده قيان و ولدا آخر لأخي إيل خان اسمه نكوز، فهربا من الأسر مع زوجتهما و لجأ إلى الجبال و دخلا إليها من شعب‏ (1) ضيق لا يمكن أن يسلكه سوى إنسان واحد، و داخل هذا الشعب فضاء واسع فيه مياه غزيرة و مروج واسعة و أشجار ملتفة. فأقاما هناك و تناسلا و كثرت أعقابهما حتى ضاق بهم ذلك الفضاء. و قد مضى عليهم مدة أربعمائة سنة و كانوا يتناقلون عن أسلافهم أن وراء هذا الشّعب ممالك واسعة كانت وطنهم، فعمدوا إلى مكان من الجبل فيه معدن الحديد و النحاس فجمعوا فيه الأحطاب و أضرموا فيها النار حتى ذاب ما فيها من الحديد و النحاس و انفتح الممر (و هذا هو السدّ على رأي بعضهم) فخرجوا من هذا الممر كالجراد المنتشر إلى فضاء واسع و ملكهم يومئذ (برته جينه) من أعظم ملوك الأتراك المغل قوة و بأسا فتحارب مع التاتار هو و أعقابه من بعده أدهارا طويلة إلى أن كانت الغلبة للمغل على التاتار.

و لما آلت سلطنة المغل إلى يولدز خان بن منكلي خان بن تميرتاش خان- من نسل قيان المأسور الهارب ابن إيل خان- كان له ولدان فماتا و خلّف أحدهما ولدا اسمه (ديون بيان) و ترك الآخر بنتا اسمها «ألان قوا» فتزوج ديون بيان ابنة عمه ألان قوا و تسلطن على المغل بعد جده. ثم مات ديون بيان فخطب زوجته كثيرون من كبراء قومها فلم تجبهم.

فزعم مؤرخو المغل بأن ألان قوا بينما كانت ذات ليلة نائمة مع طائفة من النساء إذ ظهر لها نور ساطع في خلاله شخص أبيض اللون مشرب بصفرة فلامسها- و قيل بل رأت النور فقط قد دخل فمها أو جيبها- فحملت منه و ولدت ثلاثة أولاد، أحدهم بوزنجر خان و هو الجد الأعلى لجنكز خان و جميع خواقين التاتار و المغل. و يقال لذرية هؤلاء الأولاد الثلاثة (نيرون) أي الأصيل. و القازاق يسمون ذرية جنكز خان (آق سوياك) أي العظم الأبيض. و من نسل بوزنجر خان بيسوكا خان والد جنكز خان و هو أكبر أولاده.

و كانت ولادة جنكز خان في غرة محرّم سنة 549 و الطالع في الميزان و السبعة السيارة كلها مجتمعة في البروج المذكورة. و لما ولد كان كفّه مملوءا من الدم، فقال العراف:

سيكون سفّاكا للدماء، و يملك أكثر الربع المسكون. و سماه والده تموجين. و لما بلغ من‏

____________

(1) الشعب، بكسر الشين: الطريق في الجبل.

112

العمر ثلاث عشرة سنة مات أبوه بيسكا، فتسلطن تموجين بعده إلا أن قبائل المغل استضعفته لصغر سنه فتفرقوا عنه، و قامت الفتن فيما بينهم. و تقلبت الأيام على تموجين و جرّعته مرارتها عدة مرات ثم ساعدته الأقدار و تغلب على من ناوأه من الأعداء و الأغيار، و كسر أكبر أعدائه في ذلك الزمان و هو علي أونك خان، أكبر خواقين تركستان. و من ذلك الوقت تلقب بلقب جنكز خان و معناه ملك الملوك، و ذلك في سنة 599 و كان بلغ من العمر 49 سنة و قد غلب على ممالك الخطا و ألتون خان و كان خوارزم شاه محمد خان أوقع بهم و أضعفهم.

و غلب جنكز خان على الصين و استولت هيبته على القلوب و انتشر صيته في العالم، و كان أميا لا يقرأ و لا يكتب و ليس له قانون و لا كتاب شرعي، فأمر وزراءه و خواصّه أن يضعوا له خطا و كتابا قانونيا سماه «اليسق»، من أحكامه: صلب السارق و خنق الزاني و الاكتفاء بشهادة الواحد عليه، و أن الحقّ لمن سبق بالشكوى إلى الحكومة صادقا كان أم كاذبا، و استعباد الأحرار، و توارث الفلاح، و توريث نكاح الزوجة لأقارب الزوج، و عدم العدّة و الاقتصار على زوجات معدودات، و العمل بقول الجواري و الصبيان، و أخذ الجار بالجار، و معاقبة البري‏ء بالمجرم، و منع عفو الحاكم و إن عفا المحكوم له، و غير ذلك.

أسباب خروجه إلى الممالك الإسلامية:

و أما أسباب خروجه إلى الممالك الإسلامية فهي أن السلطان محمد خوارزم شاه خالف الخليفة الناصر لدين اللّه و حاربه. و أراد الخليفة أن ينتقم منه فأرسل إلى جنكز خان يحرّضه على خوارزم شاه، غير أن جنكز خان لم يجب الخليفة لطلبه، لعهد سابق بينه و بين خوارزم شاه لم يرد نقضه، و ذلك أنه لما ضخم ملكه و استولت على الأرض هيبته أراد أن يمضي باقي عمره بالراحة و الدعة و أن يسالم من حوله من الملوك و يلتفت إلى تعمير ملكه و رفاهية رعيته. و كان يحب المسلمين و يعظم شعائر الدين الإسلامي، فأرسل في حدود سنة 612 رسلا إلى خوارزمشاه و هم محمود بلواج الخوارزمي، و علي خواجه البخاري، و يوسف الانزاري، فعقدوا مع خوارزمشاه معاهدة و أسسوا بين المملكتين مودة و محبة، ثم عادوا إلى جنكز خان فسرّ بما فعلوا. و بسبب ذلك لم يجب الخليفة على طلبه.

و بعد ثلاث سنوات على هذه المعاهدة قدم جماعة من بلاد جنكز خان إلى أنزار (بلدة

113

بثغر بلاد خوارزمشاه فيها وال من قبله اسمه إينالجق، له قرابة من خوارزمشاه ثم غيّر اسمه و سماه غاير خان) فلما وصل التجار الجنكيزيّون إلى هذه البلدة و هم زهاء أربعمائة رجل، معهم الأموال الكثيرة، خاطب بعضهم غاير خان باسمه الأول لأنه لم يعرف أن اسمه قد تبدل، فغضب عليه غاير خان و على من معه و طمع فيما لديهم من الأموال، فأرسل إلى خوارزمشاه يقول له: ورد على ثغرنا من أطراف مملكة جنكز خان جواسيس بزيّ التجار.

فأمره بقتلهم، فقتلهم جميعا و كانوا مسلمين و لم يسلم منهم سوى واحد عاد إلى جنكز خان و أخبره بالحال، فأرسل جنكز خان يطلب من خوارزمشاه غاير خان ليقتصّ منه فقتل خوارزمشاه الرسول.

و لما علم بذلك جنكز اشتد غضبه و عزم على قصد خوارزمشاه فخرج أولا إلى فضاء واسع و صعد على تلّ و كشف رأسه و وضع خده على التراب و تضرع إلى اللّه تعالى و طلب منه النصر على خوارزمشاه. فعل ذلك مدة ثلاثة أيام حتى سمع صوت هاتف يبشره بنيل مراده. و هكذا كان دأبه كلما عزم على أمر يهمه. و لهذا يقول بعضهم إن جنكز كان مقرا بوجود الباري تعالى. ثم إن جنكز خان مشى على بلاد الإسلام و استولى على جنديسابور و أندر كان و بخارى و غيرها من بلاد فارس و تركستان، و أزال مملكة خوارزمشاه و شتّت شمله، فمات شرّ ميتة، و قتل و سبى و عظمت بليّته على الإسلام حتى قال بعضهم: ما دهي الإسلام بداهية أعظم منها. و ذكر بعضهم أن جملة من قتل جنكز خان و ولده هولاكو من المسلمين سبعة عشر ألف ألف نسمة.

و لما مات جنكز خان قام بعده حفيده هولاكو بن تولي خان بن جنكز خان و استولى على العراقين، و قوّض‏ (1) الخلافة العباسية ببغداد، و ملك الموصل و ديار بكر و الجزيرة و الشام و غير ذلك من البلاد.

و ذكر بعضهم لقيام جنكز خان على بلاد الإسلام، و تسلطه على خوارزمشاه و بلاده، سببا آخر روحانيا. و هو أن المولى بهاء الدين البلخي- والد المولى جلال الدين الرومي صاحب كتاب المثنوي‏ (2)- كان ابن أخت السلطان خوارزمشاه، و كان مريدوه و أتباعه‏

____________

(1) في الأصل: «و قرض» خطأ مطبعي.

(2) في الأصل: «المثوى» و الصواب ما أثبت.

114

في طريقته لا يحصون كثرة، و كان فخر الدين الرازي صاحب التفسير الكبير ينكر على البهاء طريقته و مسلكه. فقال الفخر يوما لخوارزمشاه: إن لك اسم السلطنة و لابن أختك معناها. فاغتاظ خوارزمشاه من هذا الكلام و أرسل يقول لابن أخته: ليتفضل علينا مولانا باستلام الملك منا و الجلوس مكاننا. ففهم البهاء المقصود من كلامه و قال للرسول: قل لمن أرسلك: نحن نذهب، و لكن يجي‏ء مكاننا قوم آخرون و لا يتركون خوارزمشاه أيضا.

ثم خرج البهاء بأهله و عياله و كثير من أتباعه إلى بلاد الروم (برّ الأنضول) و توطن في قونية، و أكرمه سلطانها علاء الدين السلجوقي. ثم كان ما كان من قيام جنكز خان على خوارزمشاه و استيلائه على بلاده بسبب انكسار قلب بهاء الدين و تأثره من خاله.

و هناك سبب آخر روحاني يذكرونه لمصيبة خوارزمشاه بحادثة جنكز خان: و هو أن تركان خاتون- أم السلطان علاء الدين محمد خوارزمشاه- كانت تحضر مجلس وعظ الشيخ مجد الدين البغدادي، و كان له أضداد يحسدونه على ذلك فأخبروا خوارزمشاه و هو سكران بأن والدته تزوجت بالشيخ مجد الدين فقال في الحال: ارموه في البحر، فرموه في جيحون. فلما بلغ خبره الشيخ نجم الدين البكري دعا على خوارزمشاه و خر ساجدا ثم رفع رأسه و حمد اللّه و قال: طلبت من اللّه دية ولدي مجد الدين فأعطاني ملك خوارزمشاه. و لما سمع بذلك خوارزمشاه- و كان قد صحا من سكره- ندم على ما فعل و سار حافيا مكشوف الرأس حاملا فوقه طستا مملوءا ذهبا، و قابل الشيخ في المسجد، و وقف في صفّ النعال و قال للشيخ: هذا الذهب دية مجد الدين و هذا السيف و رأسي إن أردت القصاص. فقال الشيخ نجم الدين: كان ذلك في الكتاب مسطورا، دية مجد الدين جميع ملكك و يذهب فيه رأسك و رؤوس كثيرين من الأكابر و الأعيان و نحن على إثرك فرجع خوارزمشاه مغتما مكسوف البال. ثم كان من أمر جنكز خان ما كان.

هذا و إن جنكز خان- بعدما فعله ببلاد الإسلام من القتل و التخريب مدة سبع سنين- عاد إلى بلاده فمرّ في طريقه على بخارى و طلب من صدر جهان قاضي القضاة و شيخ الإسلام أن يرسل له عالما بشريعة المسلمين، فأرسل إليه اثنين من العلماء فسألهما جنكز خان عن حقيقة دين الإسلام فذكرا له الشهادتين و الصلاة و الصوم و الحج و الزكاة، فاستحسن الجميع و صدّق به، إلا أنه لما ذكرت له الكعبة باسم «بيت اللّه» قال: إن جميع الدنيا بيت اللّه و بيته لا يختص بمكان. و لما رجع الاثنان من عنده إلى شيخ الإسلام‏

115

أخبراه بما كان من جنكز خان فحكم بإسلامه.

ثم مات جنكز خان عن ذرية كثيرة تبلغ أربعين ولدا ما بين ذكر و أنثى، إلا أن المعتبر من أولاده أربعة فقط و هم جوجى- و العرب يقولوه له طوشى أو دوشى- و جغتاي، و تولى، و أو كداي. و قبل وفاته قسم ملكه بينهم فأعطى «جوجى» دشت قفجق بأسرها و بلاد داغستان و خوارزم و بلغار و قسقسين و الروس و سواحل البحر المحيط الغربي و ما يؤمل أخذه إلى منتهى المعمور. و أعطى «جغطاي» بلاد إيغور و ما وراء النهر بأسرها. و أعطى «تولى» خراسان و ما يؤمل أخذه من ديار بكر و العراقين إلى منتهى حوافر خيولهم. و أعطى «أو كداي» بلاده الأصلية و الخطا و الصين إلى منتهى المعمور من طرف الشرق.

إسلام أولاد جنكز خان:

أول من أسلم من أولاد جغطاي بن جنكز خان: مبارك شاه بن قرا هلاكو، ثم أسلم بعده براق خان، ثم طرما شيرين خان. و أسلم بعده جميع أولاد جغطاي و سائر طوائف المغل و التاتار الغربيين بما وراء النهر. ثم أسلم توغلق تمير خان ببلاد كاشغر و المغل، و أسلم معه مائة و ستون ألفا من المغل.

و في سنة 694 أسلم محمود غازان خان و أسلم معه جميع قومه و سبعون ألفا و قيل أربعمائة ألف من أكابر المغل و أعيان التاتار. و كان جوجى مات قبل أبيه جنكز خان و آل ملكه إلى ولده أبي المعالي ناصر الدين السلطان بركه خان ابن جوجى بن جنكز خان و ذلك في سنة 652.

و كان بركه خان اختار الإسلام دينا. و سبب إسلامه أن سيف الدين الباخرزي كان مقيما في بخارى فبعث إلى بركه خان يدعوه إلى الإسلام، فأسلم. و بعث إليه كتابه بإطلاق يده في سائر أعماله بما شاء، فرد عليه كتابه و لم يقبله. فأعمل بركه الرحلة إلى لقائه فلم يأذن له في الدخول عليه حتى تطارح عليه أصحابه و سهّلوا الإذن لبركه فدخل عليه و جدّد إسلامه، و عاهد الشيخ على إظهاره فأنجز بركه وعده و حمل سائر قومه على الإسلام فأسلموا جميعا، و اتخذ المساجد و المدارس في جميع بلاده، و قرّب العلماء و الفقهاء و وصلهم، و كان يحملهم إليه من أقطار العالم الإسلامي و يبالغ بالإحسان إليهم.

116

و روى غير واحد أن بركه خان هو أول من دخل في دين الإسلام من أعقاب جنكز خان، و أنه هو الذي أتم بناء بلدة سراي و كان أخوه باتو بدأ ببنائها و هي عاصمة دشت قفجق، و يقال عنها إنها هي البلدة المعروفة الآن باسم أردهان- المحرّفة عن أوردي خان- و كانت من أعظم المدن وضعا و أكثرها للخلق جمعا، مبنية على شط من نهر أتل (و ولغا) الذي لا نظير له في العظم و عذوبة الماء، و هو قدر النيل ثلاث مرات و أكثر.

كان عند بركه خان و عند أوز بك خان- و جان بك بعده- العلامة فخر الدين الرازي، و الشيخ سعد الدين التفتازاني، و الشيخ جلال الدين شارح الحاجبية، و غيرهم من الفضلاء الحنفية و الشافعية. و كانت بلدة سراي مجمع العلماء و الأدباء. و كان انتهاء بنائها سنة 655 و ابتداء خرابها عن يد تيمورلنك سنة 798.

و من أعظم حسنات بركه خان و أكبر أياديه على الإسلام أنه قام على ابن عمه هولاكو الكافر الطاغية ينتقم منه مما فعله بالمسلمين و الاستيلاء على بغداد و قتله الخليفة. فإن بركه خان أشهر عليه حربا طاحنة قصد إشغاله بها عن حرب المسلمين في البلاد الشامية فأهلك من جنود هولاكو مئات الألوف، و كسره كسرة شنيعة كانت هي السبب الحقيقي في انكسار جيوش هلاكو أيضا في الوقعة الشهيرة التي كانت بينهم و بين السلطان الملك الظاهر ببيرس سلطان مصر على عين جالوت، و لو لا هذه الكسرة لكان هولاكو استولى على سائر بلاد الشام و مصر و غيرها و أباد العالم الإسلامي عن آخره.

و كان بين بركه خان و السلطان الملك الظاهر مكاتبات عديدة و مودة صادقة أكيدة.

و من جملة ما وصل منه إلى الملك الظاهر كتاب مسهب يذكر فيه من أسلم من قبائل التاتار و عشائرهم و عظمائهم و ذراريهم و حشمهم و جيوشهم الجرّارة. ثم يقول: هؤلاء أسلموا بأسرهم و قاموا بالفرائض و السنن و الزكاة و الغزو و الجهاد في سبيل اللّه، و قالوا: الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه. و قرأنا: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربّه و المؤمنون» الآية. فليعلم السلطان أني حاربت هولاكو الذي هو من لحمي و دمي لإعلاء كلمة اللّه العليا تعصبا لدين الإسلام لأنه باغ و الباغي كافر بالله و رسوله إلخ ...

و تاريخ هذا الكتاب سنة 661 و مات هولاكو مقهورا من بركه خان في ربيع الأول‏

117

سنة 663 و كان قد ارتدع قليلا عن أذيّة المسلمين و خفض من عداوتهم و قد خامر قلبه شي‏ء من أحوال الدين الإسلامي و شاهد من جماعة الرفاعية بعض الكرامات، فأعطاهم ولده نكودار للتربية فأسلم على يدهم و تسمى أحمد و صار سلطانا بعد أخيه أبغا، و كتب إلى السلطان الملك الظاهر البندقداري كتابا مسهبا أخبره فيه بإسلامه و بغير ذلك من المسائل السياسية و الدينية، و أجابه عنه السلطان بكتاب مسهب أيضا أثبتهما ابن العبري في كتابه مختصر الدول فليراجعه من أحب الاطلاع عليه. اه.

و كانت وفاة بركه خان سنة 665 و جميع سلسلة ملوك المغل الذين جلسوا على سرير السلطنة كانوا مسلمين إلا أنهم لم يكونوا مثل بركه خان في التعصب للدين و الحرص على أحكامه، إلى أن جلس على كرسي سلطنة دشت قفجق السلطان الملك غياث الدين محمد أوز بك خان، و هو من أعقاب جوجى بن جنكز خان، و كان شابا حسن الصورة حسن الإسلام شجاعا قتل عددا عظيما من الأمراء و الأعيان أهل البطش و الاستبداد، و قتل كثيرا من الايغورية و هم البخشية، أي الكهنة و السحرة، و أظهر كلمة الإسلام، و كان جلوسه على سرير على سرير الملك في أواخر رمضان سنة 712 و كان يعد من الملوك السبعة الذين هم كبراء ملوك الدنيا و عظماؤهم، و كان عظيم المملكة شديد القوة قاهرا أهل القسطنطينية العظمى مجتهدا في جهادهم و بلاده متسعة و المؤرخون يطلقون عليها مملكة القريم و ليست هي القريم وحدها و إنما من جملتها القريم و الكفا و المجر و أوزاق و خوارزم و حاصرته سراي.

و جميع من كان في جواره من ملوك طوائف الجركس و الروس و اللاز كانوا كالرعايا له و كثيرا ما كان يسبي نساءهم و ذراريهم و يحملها تجار الرقيق إلى أقطار الأرض و يبيعونها.

و كان بينه و بين ملوك مصر مراسلات حبّية، و الرسل بينهما تتردد دائما، و هداياهما إلى بعضهما في تواصل مستمر. و كان ملوك الروس يقدمون إلى أزبك خان عبوديتهم و يهابونه و لا يخرجون عن أوامره، و كان هو الذي ينصب عليهم الكيناز و يعطيه منشور تملكه، و متى أراد عزله عزله و نصب غيره و كان الكيناز عند الروس كالإمبراطور. و كان أزبك خان مع هذه السطوة يرفق بالروس و يحترم كهنتهم و قد ظل الروس تحت سلطة التاتار ملوك الدشت و القريم مدة 150 سنة إلى أن وقع الخلف بينهم و دخل بلادهم تيمورلنك و استولى على قسم عظيم منها و تفرقت كلمة ملوكهم و اشتغلوا بقتال بعضهم، فاغتنم الروس هذه الفرصة و قاموا نحو بلاد الدشت فطمت بحار غلبتهم عليها و كادوا يعمّونها بالاستيلاء لو لا

118

أن بزغت في ذلك الوقت شمس الدولة العثمانية على العالم الإسلامي فوقفت تيار غلبة الروس عليه من جهة القفقاس، و استولت على كثير من بلاد خانات القريم المسلمين الذين هم من بقايا أعقاب جنكز خان.

و من الملوك الجنكزية أو كداي خاقان بن جنكز خان جلس على سرير السلطنة في القريم سنة 626 و كان ملكا عادلا محبا للمسلمين، و لكنه كان كآبائه غير متدين. و في أيام سلطنته و سلطنة من بعده من أولاد جنكز خان- مثل منكو خان و قبلاي خاقان- انتشر الإسلام في ممالك الصين قاطبة، و دامت قطعة الصين في تصرفهم إلى سنة 769 و الجوامع الموجودة الآن في بيكين و غيرها من دواخل الصين بنيت في عصر أولئك الخواقين‏ (1) و طائفة «دونكان» المسلمين من أهل الصين هم من الذين أسلموا في تلك المدة على أن معظم أهل الأصقاع التركية في القريم و غيرها ما زالوا من ذرية جنكز خان و أتباع أولاده و أعقابه و هم القزاق و التتار و بقية أصناف الترك الذين لم يزالوا على جانب عظيم من التمسك بالدين رغما عما تنصبه لهم روسيا من الغوائل و العراقل.

و خلاصة الكلام أن الإسلام بواسطة الخواقين الجنكزية قد امتد من الصين إلى بلاد الغرب و أنهم قد خدموا الإسلام خدمات يحق لها كل مدح و ثناء و يجدر بها أن تكون كفارة عما صدر من جدهم الأعلى جنكز خان و هلاكو ابن ابنه في حق المسلمين مما هو محتم مقدور، و في الكتاب محرر مسطور.

شجاعة الأتراك‏

اتفقت كلمة الباحثين في طبقات الأمم- و ما يخص كل أمة من النعوت و الطباع- على أن الأتراك موصوفون من قديم الزمان بالشجاعة و البطولة و الفروسية و معاناة الحروب و معالجة آلاتها و الصبر على ركوب الخيل و الحذق بالرمي، و غير ذلك من الأمور التي يرافقها الظفر و الغلبة على العدو مما لا يوجد إلا في الجندي التركي.

و نحن نأتي هنا بخلاصة في ذلك من رسالة للجاحظ، و كتاب تلفيق الأخبار، و غيرهما فنقول:

____________

(1) الخواقين: مفردها خاقان، و هو السلطان أو الملك عندهم.

119

من صفات الجندي التركي أنه يدور حول العسكر فوق الخيول و يحيط بعدوّه بأسرع ما يكون و يشتت شمله، لا يعرف الفرار فهو في الحرب طالب غير مطلوب. لا يغتر بعظم جثة الفرس بل هو ينتقي خيولا مدربة لا يسبقها غيرها يستنتجها عنده و يركبها و هي فلوّ (1) و يسميها بأسماء يناديها بها فتتبعه.

كل واحد من فرسان الأتراك فارس و سائس و بيطار و حدّاد وراع. و كل واحد منهم ماهر في هذه الصنائع لا يحتاج فيها إلى غيره. إذا اجتمعت قوة الجندي الفارسي و العراقي و الخارجي في شخص واحد لا يعادل ذلك الشخص واحدا من الأتراك. الجيش التركي يقطع مسافة عشرين ميلا في زمن يقطع فيه غيره عشرة أميال، فإنه يفارق سائر العساكر و يميل إلى اليمين و الشمال و ينزل إلى بطون الأودية و يصعد إلى قمم الجبال و يصيد بهذه الكيفية الهاربين من أعدائه و لو كانوا من مشاهير الأبطال.

متى وقع اليأس من الصلح و المسالمة و تقرّر الحرب فإن الأتراك يدافعون عن أنفسهم بتحصين مواقعهم العسكرية و يبذلون في ذلك غاية جهدهم من غير أدنى فتور. و من علو همتهم و صفاء مداركهم لا يخطر بخواطر أعدائهم انتهاز الفرصة عليهم أو التشبث بحيلة ما لإغفالهم‏ (2).

قال يزيد بن مزيد في وصف الأتراك: لا ثقلة لأبدان الأتراك على الفرس و الأرض.

و التركي يدرك الشي‏ء الذي يجي‏ء من ورائه كما يدركه من أمامه، حال كون فرساننا لا يرون الذي يجي‏ء من أمامهم. و الجندي التركي يعدّنا صيدا و يعدّ نفسه أسدا و فرسه حيّة.

و إذا ألقي الجندي التركي في بئر مربوط اليد يخلّص نفسه منها من غير أن يتشبث بحيلة.

و الجنود الترك يميلون بالطبع إلى الكفاف، و يرجحون ما ينالونه بسهولة على كل شي‏ء سواه، و يحبون أن يكون قوتهم من الصيد و أموال الغنائم، و يثبتون فوق ظهور خيولهم طالبين أو مطلوبين من غير هرب و لا فرار.

قال ثمامة بن الأبرش‏ (3): حينما كنت أسيرا بأيدي الأتراك رأيت منهم لطفا و إكراما

____________

(1) يستنتجها: أي تتوالد عنده. و الفلوّ، بضم الفاء و اللام و تشديد الواو. مفردها: فلوّ- بفتح الفاء و سكون اللام، و هو: المهر إذا فطم و بلغ السنة.

(2) يترخص المؤلف هنا في التعبير، و لا سيما في قوله: «لإغفالهم» و هو يريد مهاجمتهم على حين غرّة، أو على غفلة منهم.

(3) كذا، و الصواب «ثمامة بن أشرس» كان فصيحا بليغا عاصر الرشيد و المأمون.

120

و رأيت أسبابهم مكملة. الجندي التركي لا يخاف قط بل هو يخيف غيره. و الأتراك لا يطمعون في غير مطمع و لا يقعدون عن طلب شي‏ء يريدون تحصيله فمتى حصلوه لا يضيعون شيئا منه. و يبذلون غاية جهدهم في أمر يقدرون عليه إلى أن ينالوه، و كل أمر لا يقدرون عليه لا يضيعون وقتهم في تحصيله. و هم لا ينامون إلا إذا غلبهم النوم و مع ذلك لا يكون نومهم ثقيلا بل هو خفيف جدا بحيث ينامون بالتيقظ و الانتباه.

و قال ثمامة: رأيت مرة في بعض محاربة المأمون صفوف الخيل في طرفي الطريق:

في اليمين مائة خيل من الأتراك، و في الشّمال مائة من الفرسان المختلطة منتظرين مجي‏ء المأمون، و كان الوقت حارا و قد قرب نصف النهار و اشتدت الحرارة، فنزل الفرسان المختلطة عن أفراسهم سوى ثلاثة أو أربعة منهم، و لم ينزل من الأتراك سوى ثلاثة أو أربعة.

قال الجاحظ ما خلاصته: و الجندي التركي من أشد الناس تحملا للأسفار، و أصبرهم على قشف المعيشة و قلة النوم. يخرج غازيا أو مسافرا أو متباعدا في طلب الصيد فتتبعه رمكته و أفلاؤها (1)، إن أعياه اصطياد الناس اصطاد الوحش، و إن احتاج إلى طعام فصد دابة من دوابّه و تغذى من دمها، و إن عطش حلب رمكة من رماكه، و إن أراح واحدة ركب أخرى من غير أن ينزل إلى الأرض. و ليس أحد في الأرض يصبر عن اللحم كالتركي، و كذلك دابته تكتفي بأصول النبات و العشب و الشجر لا يظلّها صاحبها من شمس و لا يكنّها (2) من برد. و هو أصبر من جميع أصناف العساكر على ركوب الخيل و قطع المسافات بحيث إذا طال السّرى‏ (3) و اشتد الحر أو البرد على بقية أجناس العساكر و أعياهم التعب- حتى صمتوا عن الكلام و تمنوا أن لو كانت الأرض تطوى لهم و أخذ كلّ واحد منهم يئنّ أنين المريض و يتداوى مما به بالتمطي و التضجع- ترى التركي في هذه الحالة و قد سار ضعف ما سار غيره، يرى قرب المنزل ظبيا أو ثعلبا أو غيره من الأوابد فيركض خلفه كأنه استأنف السير في ذلك الوقت. و إذا ازدحم الناس على مسلك واد أو قنطرة ضرب التركي بطن برذونه‏ (4) فأقحمه النهر، أو الوادي، ثم طلع من الجانب‏

____________

(1) الرّمكة: الفرس، أو نوع آخر من الخيول التي تتّخذ للنسل. و الأفلاء: جمع الفلو، و هو المهر.

(2) أي لا يسترها و لا يحميها.

(3) السّري: لسير ليلا.

(4) البرذون: نوع من الخيول غير العربية.

121

الآخر كأنه كوكب. و إذا انتهى الجيش إلى عقبة ترك السير عليها و ذهب في الجبل صعدا و تدلّى من موضع يعجز عنه الوعل‏ (1) مع ما يبدو على محيّاه من النشاط و الجد.

قال الجاحظ: و التركي يحب القتال طبعا و طلبا للغنم ثم لما دان بالإسلام صار يحب القتال طبعا و طلبا للغنيمة و تدينا و دفاعا عن الوطن فصار لا يباريه في الحرب أحد و لا يدانيه في الصبر على الحر و البرد و قشف المعيشة مدان.

حكى ثمامة بن الأبرش‏ (2) قال: خرجت من بغداد فرأيت فصيلة من الفرسان الخراسانيين و الأعراب و غيرهم قد عجزوا عن إمساك فرس ندّ (3) منهم فمر بهم فارس تركي راكب على فرس هزال ضعيف فلما رآهم عجزوا عن إمساكه تصدى هو له فشرعوا يضحكون عليه و يسخرون به قائلين: إن الأمر الذي قد عجز عنه هؤلاء الأسود كيف يقدر عليه هذا المسكين؟ فلم يمض غير قليل حتى أمسك الفرس مع قصر قامته و هزال فرسه و أسلمه إليهم، و مضى لسبيله غير ملتفت إلى دعائهم و لا إلى حسن ثنائهم و مكافأتهم، و لا متفاخرا إزاء احتقارهم إياه، كأنه لم يصدر منه شي‏ء قط.

قلت: إن الجندي التركي الآن غير الجندي التركي في تلك الأزمان، غير أنه مع ذلك لم تزل له ميزة على سائر أجناس العساكر، فهو ما برح معروفا بالصبر على الحر و البرد و قشف العيشة و معاناة مشاقّ السفر، و الطاعة لقواده و الجرأة على أعدائه، و القناعة بالزهيد من الأكل و الشرب و قلة الهجوع. و حسبك شاهدا على تفوق الجندي التركي بمزاياه الجندية قول نابليون بنابرته: أعطوني الجندي التركي أفتح لكم الدنيا.

كنا نسمع من الجندي العربي في أثناء الحرب العامة تذمرا كثيرا و شكوى مرة من قلة الأكل و الشرب و رداءة الطعام و ظلم القادة و رداءة الكسوة و غير ذلك من المشقات التي يبديها لنا في صورة ينبو تحملها عن طوق البشر لأنها من المهلكات التي يحرم على الإنسان أن يلقي إليها بنفسه، و إن ذلك من أعظم الأعذار التي تبيح الهرب من الجندية.

أما الجندي التركي فإننا كنا نراه في تلك الحرب الضّروس في حالة مألوفة له غير مخالفة

____________

(1) الوعل: تيس الجبل، و له قرنان قويان منحنيان كسيفين أحدبين.

(2) كذا، و الصواب كما سبق: ثمامة بن أشرس.

(3) أي شرد و نفر.

122

لعادته فلا يتذمر منها و لا يدعي ما يدعيه الجندي العربي من سوء الحالة، و لا يراها صالحة أن تكون عذرا يبيح له الهرب من الجندية.

تراه يهجم على عدوه الذي يمطره وابلا من الرصاص و القنابل و هو جائع عريان غير هيّاب و لا وجل، لا يحدث نفسه بمخالفة أمر قائده و لا بالهرب من الجندية مهما اقترب منه الخطر و حاق به الهلاك.

قيل: إن أول من مدح الترك و أثنى على شجاعتهم علي بن عباس الرومي في قوله:

إذا ثبتوا فحصن من حديد* * * تخال عيوننا منه تحار

و إن برزوا فنيران تلظّى‏* * * على الأعداء يضرمها استعار

و قال آخر في حق القفجق:

و فتية من كماة الترك ما تركت‏* * * للرعد كبّاتهم صوتا و لا صيتا

قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة* * * حسنا و إن قوتلوا كانوا عفاريتا

قال الجاحظ في آخر رسالته: و قد انتظمت للتركي جميع معدّات الحرب ففاق بها جميع الأمم، و من حاز هذه المحاسن فقد حاز مزايا ينطوي تحتها الكرم و بعد الهمة و أصالة الرأي و الفطنة و الحكم و العزم و الحزم و الكتمان و الثقافة و البصر في الخيل و السلاح و الخبرة بالرجال و البلاد، إلى آخر ما يحتاج إليه المحارب من أساليب القيادة و تعبئة الجيوش و الخدع الحربية.

معارف الأتراك‏

كل من كتب شيئا عن أحوال الأتراك أقرّ بشجاعتهم و شدة بأسهم، حتى قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي في كتابه طبقات الأمم: إن ملوك الترك يسمون ملوك السباع لما اتصفوا به من الشجاعة و شدة البأس. غير أن جميع من وصفهم بهذه الأوصاف و خصهم بتلك المزايا قد سكت عن بقية صفاتهم الحميدة و منهم من عدّهم من الأمم التي لم تعن بالعلوم و الفنون. و قد نشأ ذلك من عدم التدبر (1) و التبصر في أحوال هذه الأمة

____________

(1) في الأصل: «التبدر» تحريف بالقلب.

123

العظيمة و قلة استقصاء أخبارها من منابعها الحقيقية.

إن عدم اطلاع المؤرخين على ما للأتراك من المعارف و الفنون ناشئ عن كون هذه الأمة كانت في الأزمان الغابرة أميّة، لا تعرف الكتابة و لا القراءة و لا يوجد عندها كتاب مدوّن و لا كتابة، و حسبنا دليلا على ذلك أن جنكز خان وضع لها كتابا في شريعة استنبطها و قلم اخترعه. و لو كان للأتراك قلم يكتبون به أو قانون يتعاملون بأحكامه لما احتاج جنكز خان إلى ما وضعه و اخترعه من الكتاب و القلم اللذين ذكرناهما. و لا يستغرب ذلك فإن الأمة الجركسية التي قام منها عدة ملوك لم يكن لهم بلغتهم كتاب يقرءونه، و لا قلم يكتبون به.

إن من نظر إلى عظمة الأمم التركية، و ما كان لها من الحكومات القاهرة في الصين و الهند الفرس و بعض جهات أوربا، يضطره العقل إلى أن يقول: إن هكذا أمة لا يمكن أن تبلغ سطوتها هذا المبلغ العظيم دون أن يكون لها قدم راسخ في العلوم و الفنون.

كيف لا يكون ذلك و قد اشتهر من فلاسفة الأتراك في أوربا الفيلسوف أنخرسيس الأسكتي التاتاري، المعاصر لسولون رئيس فلاسفة اليونان، كما حكى ذلك صاحب كتاب تلفيق الأخبار، قال: و سبب شهرة هذا الفيلسوف قدومه على أثينا و اشتهاره بين أهلها دون غيره من فلاسفة الأتراك الذين لم يفارقوا أوطانهم و لا وضعوا في حكمهم و فلسفتهم كتابا، بل كانوا يتلقون الحكمة من بعضهم شفاها و يتناقلونها فيما بينهم تلقينا. هذا كله قبل أن يدينوا بالإسلام و يستنيروا بنوره و يتعلموا الكتابة و القراءة بالقلم العربي، فقد ظهر منهم بعد ذلك رجال أحرزوا القدح المعلّى و النصيب الأوفر في الفنون و العلوم من منطوق و مفهوم.

علماء الإسلام الذين هم من عرق تركي‏

زعم بعض المتشيعين للأتراك، المتشبعين من موالاتهم و محبتهم، أن طائفة عظيمة من علماء الإسلام و أئمة الدين السادة الأعلام هم من عرق تركي، و أن الحامل الذي كان يحمل أولئك الأعلام على وضع مؤلفاتهم الدينية باللغة العربية- مع أن لغتهم الأصلية تركية- أمران: أحدهما كون الدين الذي يضعون فيه مؤلفاتهم مستمدا (1) من مصدر عربي‏

____________

(1) في الأصل: «مستمد» خطأ، و الصواب النصب، كما أثبتناه.

124

هو القرآن و الحديث اللذان لا يمكن إدراك حقيقة مفاهيمها و لا يتسع البحث بهما لاستنباط الأحكام الشرعية منهما إلا بلغتهما التي ولدا فيها و سطّرا على مقتضى قواعدها و ضوابطها.

و الأمر الآخر كون اللغة التركية الأصلية المعبّر عنها باسم جغطاي أو باسم قفجق لغة ضيقة مضطربة القواعد، لا تصلح لأن تكون لغة علمية دينية و أدبية، أما بعد أن لطّفها العثمانيون و أدخلوا إليها ألوفا من الألفاظ العربية و الفارسية، صارت حينئذ صالحة لأن يضع بها طائفة من العلماء العثمانيين مؤلفاتهم.

يقول أولئك المتشيعون: إن علماء الإسلام الذين هم من عرق تركي، و إن كانت مؤلفاتهم باللغة العربية أو الفارسية، إلّا أن لغتهم التي كانوا يتفاهمون بها بين أهليهم و عوامّهم كانت هي اللغة التركية المعروفة باسم جغطاي، حتى إن سكان تركستان- الذي من جملته بخارى- ما برح أهلها (1) حتى الآن يتفاهمون بين أهليهم و عوامّهم بلغة جغطاي، و ما زال أهل العلوم الدينية- الذين يقصدون بخارى من الأقطار التركية- يتلقون علومهم باللغة العربية و يتكلمون فيما بينهم بلغتهم التركية جغطاي أو قفجق.

و عليه فإن العلامة الزمخشري مثلا هو من عرق تركي بلا شك، لأنه من زمخشر (2)- إحدى قرى بخارى التي هي من أمهات تركستان- لكن أكثر مؤلفاته باللغة العربية. و له عدة مؤلفات باللغة الفارسية، و ليس له شي‏ء من المؤلفات باللغة التركية للسبب الذي ذكرناه. و هكذا يقال في العلماء الذين هم من عرق تركي و مؤلفاتهم باللغة العربية. وهاك أسماء بعض المشتهرين منهم‏ على رأي المتشيعين المذكورين:

الرئيس- و لا أزيده مدحا على هذه اللفظة التي صارت علما عليه حيث أطلقت- و هو أبو علي حسين بن عبد اللّه بن سينا. و تلميذ الرئيس بهمانيار. و الإمام الحافظ الحجة أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاري، الذي قيل في كتابه «أصحّ كتاب بعد كتاب اللّه تعالى». و الإمامان الحجّتان مسلم و الترمذي صاحبا الصحيحين المنسوبين إليهما.

و الإمام الحجّة العلامة محمود الزمخشري جار اللّه، صاحب الكشاف و غيره من المصنفات‏

____________

(1) اضطرب نسق الضمائر، و ما تعود إليه، في عبارة المؤلف هنا. على أن المعنى واضح.

(2) في الأصل: «زمخشرى» خطأ.

125

الشهيرة. و العلامة الأستاذ يوسف السكاك‏ (1) صاحب مفتاح العلوم. و قد قيل فيه و في الزمخشري: لو لا الكوسج و الأعرج لعرج القرآن كما نزل. يراد بالكوسج: السكاك‏ (2) و بالأعرج: الزمخشري. و الإمام المطرّزي صاحب كتاب المغرب و غيره، و هو أحد تلامذة الزمخشري‏ (3). و ناشر العلوم العربية الشيخ عبد القاهر (4) الجرجاني. و صدر الافاضل رشيد الدين الوطواطي‏ (5). و عبد الجبار التفتازاني. و الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي، الذي قيل في حق كتابه الإحياء: إذا فقدت كتب الشريعة أغنت‏ (6) عنها الإحياء.

و العلامة صاحب التصانيف الكثيرة أبو حاتم محمد بن حبّان البخاري المعروف بغنجار البستي. و الشيخ أبو الوليد أحمد بن أبي الرجا الأزداني، شيخ البخاري صاحب الصحيح.

و أبو محمد بن جرير الطبري صاحب «التفسير» و «التاريخ» المشهورين. و أبو بكر محمد ابن عبد اللّه الأوداني إمام أصحاب الشافعي في عصره. و أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري صاحب كتاب الصحاح في اللغة. و أبو معشر البلخي- جعفر- من مهرة المنجمين، المشهور بالفلكي المتوفى سنة 272 و أبو نصر محمد بن محمد الفارابي الحكيم الفيلسوف صاحب التصانيف. في فنون الفلسفة و الموسيقى. و نصر بن محمد الختلي شارح القدوري.

و من أدبائهم المبرزين إبراهيم بن العباس الصولي، و الصولي الشطرنجي، و غيرهم من العلماء الأعلام و الأئمة الفضلاء الفخام الذين يضيق المقام عن ذكر أسمائهم. هذا كله عدا العلماء و الفضلاء الذين نشؤوا في أحضان الدولة العثمانية و تخرجوا في مدارسها و معاهدها العلمية كشمس الدين المعروف بابن كمال باشا، المشهور بمفتي الثّقلين المنسوب لأدرنة، و بها كانت وفاته سنة 940 و أبي السعود صاحب التفسير و ناظم القصيدة المشهورة التي نوّه بذكرها الشهاب الخفاجي في كتابه «ريحانة الألبّاء» و أثبتها برمتها و مطلعها:

«أبعد سليمى بغية و مرام؟» و علي أفندي الزنبيلي و الأنقروي صاحب الفتاوي، و علي أفندي صاحب الفتاوي الأخرى، و الحاج خليفة المعروف بكاتب جلبي صاحب كتاب‏

____________

(1) الصواب: «السكاكي» بالياء في آخرها، و هي الشهرة التي عرف بها.

(2) الصواب: «السكاكي» بالياء في آخرها، و هي الشهرة التي عرف بها.

(3) لم يكن المطرزي تلميذا للزمخشري بل كان متأثرا به جدا، و قد ولد المطرزي في السنة التي مات فيها الزمخشري 538 ه. انظر مقدمة كتاب المغرب، تحقيق محمود فاخوري و عبد الحميد مختار، طبع حلب 1979 م.

(4) في الأصل: «عبد القادر»، فصوبناه كما ترى.

(5) كذا، و الصواب «الوطواط» بحذف الياء.

(6) الصواب: أغنى.

126

كشف الظنون و غيره من المؤلفات الجليلة. و غيرهم ممن لا يساعدنا المقام على استقصاء أسمائهم.

على أن صاحب كتاب الشقائق النعمانية، و صاحب تاج التواريخ، و صاحب كتاب (أسامي)، و صاحب كتاب قاموس الأعلام، و غيرهم من أدباء الأتراك و علمائهم الذين ألفوا بالتاريخ، قد ذكروا في كتبهم طائفة صالحة من علماء الأتراك و أدبائهم الخريجين في مدارس الدولة العثمانية. فليراجع هذه الكتب من أحب الاطلاع على أولئك الفضلاء.

أقول: ما ذكره المتشيعون للأتراك من العلماء المتخرجين في مدارس الدولة العثمانية بأنهم أتراك فأمر مسلم به، و أما من ذكروه قبلهم من العلماء و الفضلاء بأنهم من عرق تركي فليس يصح ذلك في جميعهم، و لنا فيه كلام في غير هذا الكتاب نورده حين الاقتضاء.

هذا آخر الإجمال الذي أوردناه استطرادا في الكلام على الأتراك.

و لنرجع إلى سرد الحوادث التي لها علاقة في حلب و ملحقاتها فنقول:

127

سنة 637 وفاة شيركوه‏

فيها توفي الملك المجاهد شيركوه صاحب حمص و قد استقام ملكا عليها 56 سنة و استقر بالملك بعده ابنه الملك المنصور إبراهيم.

سنة 638 وصول الخوارزمية إلى حلب و ما جرى من الحوادث إلى سنة 641

الخوارزمية طائفة من المسلمين الساكنين في بلاد خوارزم، هربوا من بلادهم حينما استولى عليها جنكز خان و جاؤوا إلى هذه البلاد و قويت شوكتهم و ملكوا بعض مدن و قصبات، و ظاهرهم بعض ملوكها للاستعانة بهم على نواياه. و في هذه السنة أعني سنة 638 سار الخوارزميون إلى حلب فخرج إليهم عسكرها مع الملك المعظم توران شاه بن صلاح الدين، و وقع بينهم القتال فانهزم الحلبيون و قتل منهم خلق كثير، منهم الملك الصالح ابن الملك الأفضل بن صلاح الدين، و أسر مقدّم الجيش الملك المعظم توران شاه المذكور.

و استولى الخوارزميون على أثقال الحلبيين و أسروا منهم عدّة و كانوا يقتلون الأسير ليشتري غيره نفسه منهم.

ثم نزل الخوارزميون على حيلان و كثر عيثهم‏ (1) في بلاد حلب، و جفل أهل الحواضر و البلاد و دخلوا مدينة حلب و استعدوا للحصار، و ارتكب الخوارزميون من الزنى و الفواحش و القتل ما ارتكبه التتر في بلادهم. ثم ساروا إلى منبج و فعلوا فيها من القتل و النهب مثلما تقدم ذكره. ثم رجعوا إلى بلادهم و هي حرّان و ما معها، بعد أن خربوا بلد حلب. ثم رحلوا من حرّان و قطعوا الفرات إلى الجبّول ثم إلى تل عزاز، ثم إلى سرمين ثم إلى المعرة، و هم ينهبون ما يجدونه.

____________

(1) أي فسادهم. و يقال في الفعل: عاثوا فسادا.

128

و كان قد وصل الملك المنصور إبراهيم بن شيركوه- صاحب حمص- و معه عسكر من عساكر الملك الصالح إسماعيل المستولي على دمشق نجدة للحلبيين، فاجتمع الحلبيون مع صاحب حمص و قصدوا الخوارزمية. و استمرت الخوارزمية على ما هم عليه من النهب حتى نزلوا على شيزر، و نزل عسكر حلب على تل السلطان. ثم رحلت الخوارزمية إلى جهة حماة و لم يتعرضوا إلى نهبها، لانتماء صاحبها الملك المظفر إلى الملك الصالح أيوب محالفهم. ثم سار الخوارزمية إلى سلمية ثم إلى الرصافة طالبين الرقة. و سار عسكر حلب من تل السلطان إليهم و لحقتهم العرب فأرمت الخوارزمية ما كان معهم من المكاسب و سيّبوا الأسارى.

و وصلت الخوارزمية إلى الفرات في أواخر شعبان هذه السنة، و لحقهم عسكر حلب و صاحب حمص قاطع صفين، فعمل لهم الخوارزمية ستائر و وقع القتال بينهم إلى الليل، فقطع الخوارزمية الفرات و ساروا إلى حرّان و سار عسكر حلب إلى البيرة و قطعوا الفرات منها. و قصدها الخوارزمية و التقوا قريب الرها لتسع بقين من رمضان هذه السنة، فولى الخوارزمية منهزمين، و ركب صاحب حمص و عسكر حلب أقفيتهم يقتلون و يأسرون إلى أن حال الليل بينهم. ثم سار عسكر حلب إلى حرّان فاستولى عليها و هربت الخوارزمية إلى بلد عانة، و بادر بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إلى نصيبين و دارا- و كانتا للخوارزمية- فاستولى عليهما و خلّص من كان بهما من الأسرى، و كان منهم الملك المعظم توران شاه بن صلاح الدين، أسر في كسرة حلب. ثم استولى عسكر حلب على الرقة و الرها و سروج و رأس العين و ما مع ذلك.

ثم سار عسكر حلب و معه نجدة وصلت إليه من الروم و حاصروا الملك المعظم بن الملك الصالح أيوب بآمد و تسلموها منه. و في سنة 639 توفي الملك الحافظ بن الملك العادل بعزاز، و هي التي تعوّضها عن قلعة جعبر و نقل إلى حلب و دفن في الفردوس. و تسلم نواب الملك الناصر صاحب حلب قلعة عزاز و أعمالها. و في سنة 640 كان بين الخوارزمية، و معهم الملك المظفر غازي صاحب ميافارقين، و بين عسكر حلب و معهم الملك المنصور صاحب حمص، مصافّ قرب الخابور عند المجدل في يوم الخميس لثلاث بقين من صفر.

فولى الملك المظفر و الخوارزمية منهزمين أقبح هزيمة، و نهب منهم عسكر حلب شيئا كثيرا

129

و نهبت و طاقات‏ (1) الخوارزمية و نساؤهم أيضا. و نزل الملك المنصور في خيمة الملك المظفر، و احتوى على خزانته و وطاقه. و وصل عسكر حلب و صاحب حمص إلى حلب في مستهل جمادى الأولى مؤيدين منصورين.

و فيها توفيت ضيفه خاتون بنت الملك العادل و دفنت بقلعة حلب، و هي محل مولدها سنة 581 و لما توفيت كان عمر ولدها الناصر بن الملك العزيز نحو ثلاث عشرة سنة، فأشهد عليه أنه بلغ، و استلم زمام المملكة الحلبية، و المرجع في الأمور جمال الدين إقبال، الأسود الخصي الخاتوني.

و في سنة 641 تحرك طائفة من التتر نحو بلاد حلب. ففي مختصر الدول لابن العبري أنه في هذه السنة غزا يساور نوين الشام و وصل إلى موضع يسمى حيلان على باب حلب و عاد عنها لحفى‏ (2) أصاب خيول التتر، و أنه بعد ذلك اجتاز بملطية و خرب بلادها و رعى غلّاتها و بساتينها و كرومها و أخذ منها أموالا عظيمة حتى خشل النساء و صلبان البيع‏ (3) و وجوه الأناجيل و آنية القدّاس المصنوعة من الذهب و الفضة. ثم رحل عنها و طلب طبيبا يداويه في سحج‏ (4) عرض له، فأخرج إليه والده و سار معه إلى خرتبرد فدبّره حتى برى‏ء، ثم جاء و لم يطل المقام بملطية و رحل بأهله إلى أنطاكية فسكنوها، و أقحطت البلاد بعد ترحال التتر و وبئت الأرض فهلك عالم، و باع الناس أولادهم بأقراص الخبز. اه.

سرد الحوادث من سنة 641 إلى آخر سنة 656

في هذه السنة و هي سنة 641 سارت نجدة من حلب مع ناصح الدين الفارسي إلى صاحب الروم غياث الدين كيخسرو، و اجتمعوا معه و قاتلوا التتر فلم ينجحوا. و في سنة 644 كان الخوارزمية يحاصرون دمشق فسار إليهم الحلبيون و معهم الملك المنصور، فانكسر الخوارزمية و قتل مقدّمهم بركه خان و حمل رأسه إلى حلب، و جاء الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك مستجيرا بصاحب حلب الملك الناصر لأنه كان معتضدا مع الخوارزمية.

____________

(1) الوطاقات: مفردها «و طاق» و هي كلمة دخيلة معناها: الخيمة.

(2) الحفى: رقة تصيب حوافر الخيل من كثرة السير.

(3) أي أهانها و لم يراع حرمتها. و البيعة: الكنيسة.

(4) السحج: مرض يتقشر منه الجلد.

130

و في سنة 646 أرسل الملك الناصر صاحب حلب، و حاصر حمص و أخذها من الأشرف موسى و عوّضه عنها تل باشر مضافا لما بيده من الرحبة و تدمر. و في سنة 647 وقع الحرب بين بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل و بين عسكر الملك الناصر صاحب حلب بظاهر نصيبين و انهزمت المواصلة أقبح هزيمة، و استولى الحلبيون على أثقالهم و تسلموا نصيبين، ثم ساروا إلى دارا و تسلموها بعد حصار ثلاثة أشهر، ثم تسلموا قرقيسيا ثم عادوا إلى حلب.

و في سنة 648 كاتب أمراء دمشق القيمرية بها الملك الناصر صاحب حلب ليسلموه دمشق، و ذلك لأنهم أنفوا من أن يتسلطن عليهم امرأة و هي شجرة الدر زوجة الملك الصالح بعد وفاته بمصر. و كان صاحب مصر- و هو آخر الأيوبية- بها، فسار الناصر إلى دمشق و ملكها لثمان بقين من ربيع الأول و عصت عليه بعلبكّ و عجلون و شميس، مدّة، ثم سلمت إليه. و بلغ ذلك أهل مصر فقبضوا على من بها من القيمرية و كلّ من اتّهم بالميل إلى الحلبيين. و في منتصف رمضان منها سار الناصر صاحب حلب و دمشق إلى مصر و معه من بني أيوب أهل بيته نحو العشرة و سائر عساكرهم، و خرج إليهم المصريون و التقوا بالعباسية و انكسر المصريون و خطب للناصر في تلك الجمعة بمصر و قلعة الجبل، ثم انعكس المقدور و كسر الشاميون و قتل عدة أمراء منهم.

و في سنة 649 جهز الملك الناصر صاحب الشام عسكرا إلى غزة و خرج المصريون إلى السبائخ و أقاموا كذلك حتى خرجت السنة. و في سنة 651 استقر الصلح بين الملك الناصر و بين البحرية بمصر، على أن يكون للمصريين إلى نهر الأردنّ، و للملك الناصر ما وراء ذلك. و كان واسطة الصلح بينهما نجم الدين الباذراني رسول الخليفة. و في سنة 652 قدمت ملكة خاتون بنت كقباد ملك الروم إلى زوجها الملك الناصر صاحب الشام.

و في سنة 653 مشى نجم الدين الباذراني في الصلح بين المصريين و الشاميين، و اتفق الحال أن يكون للملك الناصر الشام جميعه إلى العريش، و يكون الحد بئر القاضي- و هو بين الواردة و العريش- و بيد المعزّ أيبك الديار المصرية، و رجع كل لمحله.

و في سنة 654 توجه كمال الدين بن العديم الحلبي رسولا من قبل الملك الناصر صاحب الشام إلى الخليفة المستعصم بتقدمة جليلة، و طلب الخدمة لمخدومه. و وصل شمس الدين‏

131

سنقر الأقرع من مماليك المظفر غازي صاحب ميّافارقين من جهة المعزّ أيبك صاحب مصر إلى بغداد بتقدمة جليلة، و سعى بتعطيل خلعة الناصر. فتحيّر الخليفة برهة أيام، ثم أحضر سكينا من اليشم‏ (1) كبيرة، و قال للوزير: أعط هذه السكين رسول صاحب الشام علامة على أن له خلعة عندي في غير هذا الوقت، أما الآن فلا يمكنني. فعاد كمال الدين بالسكّين بلا خلعة.

و في سنة 655 وصل من الخليفة المستعصم الخلعة و الطوق و التقليد إلى الملك الناصر صاحب الشام. و في سنة 656 اشتد الوباء بالشام و خصوصا بدمشق حتى قلّ مغسّلو الموتى.

وصول التتر إلى حلب و ما جرى عليها منهم‏

في سنة 657 تقدم هولاكو بن تولي بن جنكز خان إلى البلاد الشرقية و نازل الجزيرة و حرّان و استولى عليهما. ثم أرسل إلى الملك الناصر رسالة مسهبة يتهدده بها، أثبتها ابن العبرى في كتابه «مختصر الدول» و أجابه عليها الملك الناصر بجواب يظهر فيه القوة و عدم المبالاة، قرأته في رقعة مخطوطة عند صديقنا السيد محمد أسعد أفندي العينتابي. و لما اطلع عليه هولاكو أخذ منه الغيظ كل مأخذ و أمر ولده «أشموط» بالإغارة على الشام، فقطع الفرات في جمع كثيف و نزل على نهر الجوز و تل باشر و وصل خبره إلى حلب من البيرة، و نائب الملك الناصر في حلب الملك المعظم فخر الدين توران شاه، فجفل الناس من التتر إلى جهة دمشق، و عظم الخطب و احترز نواب حلب و جمعوا أهل الأطراف و الحواضر في داخل البلد و كانت حلب في غاية الحصانة و القوة.

فلما كان العشر الأخير من ذي الحجة قصد التتر حلب و نزلوا على قرية يقال لها المسلميّة و امتدوا إلى حيلان، و سيّروا جماعة من عسكرهم أشرفوا على المدينة، فخرج عسكر حلب و معهم جماعة من العوامّ و السوقة فأشرفوا على التتر و هم نازلون على هذه الأماكن و قد ركبوا جميعهم إرهابا للمسلمين. و لما تحقق المسلمون كثرتهم كرّوا راجعين إلى المدينة و تقدم الملك الأعظم بأن لا يخرج أحد بعد ذلك من المدينة. و في الغد رحل التتر من منزلتهم‏

____________

(1) اليشم: حجر كريم قريب من الزبرجد، لكنه أكثر صفاء منه.

132

يطلبون المدينة و اجتمع عسكر المسلمين بالبواسير و ميدان الحصى و أجالوا الرأي فيما يعتمدونه، فأشار عليهم الملك المعظم ألّا يخرجوا أصلا لكثرة التتر و قوتهم و ضعف المسلمين عن لقائهم، فأبوا إلا الخروج إلى ظاهر البلد لئلا يطمع العدوّ فيهم.

فخرج العسكر إلى ظاهر البلد و خرج معهم العوام و السوقة و اجتمعوا كلهم بجبل بانقوسا و وصل جمع التتر إلى أسفل الجبل و أوكبوا على القرية (1) المعروفة ببابليّ. فنزل جماعة من العسكر إليهم ليقاتلوهم فلما رآهم التتر اندفعوا بين أيديهم مكرا و خداعا فتبعوهم ساعة من النهار ثم كرّ التتر عليهم فولوا منهزمين إلى جهة البلد و التتر في إثرهم. فلما جاؤوا جبل بانقوسا و عليه بقية عسكر المسلمين و العوام اندفعوا كلهم طالبين البلد، فاختنق من المسلمين خلق كثير في أبواب البلد و التتر في أعقابهم فقتلوا من المسلمين جمعا كثيرا و نازلوا المدينة في ذلك اليوم إلى آخره. ثم رحلوا طالبين عزاز فتسلموها بالأمان.

و لما بلغ الملك الناصر خبرهم و هو بدمشق أشخص كمال الدين بن العديم رسولا إلى الملك المنصور صاحب مصر يستنجده عليهم فرجع بالخيبة. و أما الملك الناصر فإنه خرج من دمشق إلى برزة في أواخر هذه السنة و جفل الناس بين يدي التتر، و سار من حماة إلى دمشق الملك المنصور صاحب حماة، و نزل مع الناصر ببرزة. و كان ببرزة بيبرس البندقداري صاحب الكرك، فاجتمع عند الملك الناصر ببرزة أمم عظيمة من العساكر و الجفّال‏ (2)، غير أن الملك الناصر بلغه أن جماعة من مماليكه قاصدون اغتياله، فهرب إلى قلعة دمشق و خافه مماليكه فهربوا إلى جهة غزّة، و سار البندقداري معهم.

و أما التتر فإنهم في صفر سنة 658 عادوا إلى حلب، لأن هولاكو بن تولي بن جنكز خان كان قد عبر الفرات بجموعه و نازل حلب، و أرسل إلى الملك المعظم نائب حلب يقول له: إنكم تضعفون عن لقاء المغل و نحن قصدنا الملك الناصر و العساكر فاجعلوا لنا عندكم بحلب شحنة (3) و بالقلعة شحنة و نتوجه نحن إلى العساكر، فإن كانت الكسرة على عسكر المسلمين كانت البلاد لنا و تكونوا قد حقنتم دماء المسلمين، و إن كانت الكسرة علينا كنتم‏

____________

(1) أي أقاموا عندها و لازموها.

(2) الجفّال: جمع جافل. يريد بهم الذين هاجروا من أوطانهم خوفا و طلبا للأمن.

(3) الشحنة: العسكر الذين يرابطون في البلد لضبط أمور أهله.

133

مخيّرين في الشحنتين إن شئتم طردتموهما و إن شئتم قتلتموهما. فلم يجب الملك المعظم إلى ذلك و قال: ليس لكم عندنا إلا السيف. و كان رسول هولاكو في ذلك صاحب أرزن الروم، فتعجب هولاكو من هذا الجواب و تألم لما علم من هلاك أهل حلب بسبب ذلك.

ثم سار هولاكو و أحاط بحلب ثاني يوم من صفر و في الغد هجم التتر على حلب و قتلوا من المسلمين جماعة كثيرة منهم أسد الدين بن الملك الزاهر بن صلاح الدين.

و اشتدت مضايقة التتر للبلد و هجموا من عند حمّام حمدان في ذيل قلعة الشريف في يوم الأحد تاسع صفر و بذلوا السيف في المسلمين، و صعد خلق كثير إلى القلعة و دام القتل و النهب من نهار الأحد إلى يوم الجمعة، رابع عشر صفر، فأمر هولاكو برفع السيف و نودي بالأمان، و لم يسلم من أهالي حلب إلا من التجأ إلى دار شهاب الدين بن عمرون، ودار نجم الدين- أخي مردكين- ودار البازيار، و دار علم الدين قيصر الموصلي، و الخانكاه‏ (1) التي فيها زين الدين الصوفي، و كنيسة اليهود، و ذلك لفرمانات كانت بأيدي المذكورين. و قيل إنه سلم بهذه الأماكن خمسون ألف نسمة.

ثم إن التتر نازلوا القلعة و حصروها و كان بها الملك المعظم و من التجأ إليها من العسكر.

و في أثناء محاصرتها وثب جماعة من أهلها على صفي الدين بن طرزة- رئيس حلب- و على نجم الدين بن عصرون، فقتلوهما لأنهم اتهموهما في المواطأة (2) مع التتر و استمر الحصار على القلعة و اشتدت مضايقة التتر نحو شهرين ثم سلّمت بالأمان يوم الاثنين حادي عشر ربيع الأول. و لما نزل أهلها- و كان بها جماعة من البحرية الذين حبسهم الملك الناصر- سلّمهم هولاكو و باقي الترك إلى رجل من التتر يقال له سلطان جق، و هو رجل من أكابر القفجاق، هرب من التتر لما غلبوا على القفجاق و قدم إلى حلب فأحسن إليه الملك الناصر فلم تطب له تلك البلاد فعاد إلى التتر. و أما العوام و الغرباء فإنهم نزلوا إلى أماكن الحمى المذكورة. و أمر هولاكو أن يمضي كل من سلم إلى داره و ملكه و أن لا يعارض، و جعل النائب بحلب عماد الدين القزويني.

و وصل إلى هولاكو- و هو على حلب- صاحب حمص الملك الأشرف موسى بن‏

____________

(1) الخانكاه «أو الخانقاه»: رباط الصوفية، و يسمى أيضا: التكيّة، و الزاوية.

(2) في الأصل: «الموطأة» و لا معنى لها.

134

إبراهيم بن شيركوه فأكرمه هولاكو و أعاد عليه حمص، و كان أخذها منه الملك الناصر و عوضه عنه تل باشر كما تقدم. و قدم عليه أيضا محيي الدين التركي نائب دمشق، فالتفت إليه و خلع عليه و ولاه قضاء الشام. و قدم عليه أيضا جماعة من أكابر حماة و سلموه مفاتيح بلدهم فأمّنهم. ثم رحل هولاكو عن حلب إلى حارم و طلب تسليمها من أهلها فامتنعوا أن يسلموها لغير فخر الدين والي قلعة حلب، فأحضره هولاكو و سلموها إليه، فغضب هولاكو و أمر بهم فقتلوا عن آخرهم و سبى النساء. ثم رحل عنها إلى الشرق و أمر عماد الدين القزويني بالرحيل إلى بغداد و جعل مكانه بحلب رجلا أعجميا، و أمر هولاكو بخراب أسوار قلعة حلب و أسوار المدينة فخربت عن آخرها. و ألقى السيسيون المنضمون إلى التتر النار في الجامع الكبير ثم في كنائس النصارى و قتلوا في الجامع خلقا كثيرا دفنوا في جباب كانت بالجامع، للغلّة، في شماليّه.

أما الملك الناصر فإنه لما بلغه أخذ حلب- و هو بدمشق هاربا من مماليكه كما تقدم- رحل من دمشق بمن معه من العساكر إلى جهة الديار المصرية و معه الملك المنصور صاحب حماة، فأقام بنابلس أياما و رحل عنها إلى غزة فاصطلح مع مماليكه الذين كانوا أرادوا قتله و مع أخيه الملك الظاهر، ثم رحل غزّة إلى العريش لما بلغه أن التتر استولوا على نابلس أيضا.

و سيّر رسولا إلى الملك المظفر صاحب مصر يطلب منه المعاضدة على التتر. ثم سار الملك الناصر و من معه إلى قطبة و بقي بها أياما خوفا من أن يدخل مصر فيقع القبض عليه، ففارقته العساكر و الملك المنصور صاحب حماة إلى مصر و بقي معه جماعة يسيرة منهم أخوه الملك الظاهر و الملك الصالح صاحب حمص و غيرهما، فسار بهم إلى جهة تيه بني إسرائيل.

و كان التتر في هذه المدة قد استولوا على دمشق و جميع الشام عدا غزّة فبقي الملك الناصر في التيه متحيرا إلى أن عزم على التوجه إلى الحجاز، و كان معه طبردار (1) له اسمه حسين الكردي فحسّن له المسير إلى التتر و قصد هولاكو، فاغتر بقوله و نزل ببركة زبر و سار حسين الكردي إلى كتبغا نائب هولاكو و عرفه بموضع الملك الناصر، فأرسل كتبغا إليه و قبض عليه و أحضره إلى عجلون، و كانت عاصية فأمرهم الملك الناصر بتسليمها فسلمت للتتر و هدمت. ثم إن كتبغا بعث بالملك الناصر إلى هولاكو فوصل إلى دمشق ثم إلى حماة ثم إلى حلب فلما عاينها الملك الناصر و ما حل بها و بأهلها تضاعفت حسراته و أنشد:

____________

(1) الصبر: الفأس، أو سلاح يشبهه. و يسمى حامله: الطبردار.

135

يعزّ علينا أن نرى ربعكم يبلى‏* * * و كانت به آيات حسنكم تتلى‏

ثم سار إلى الأوردو- و كان بها هولاكو- فأقبل على الملك الناصر و وعده بردّ مملكته إلى ما كان عليه.

دخول حلب في حوزة دولة الأتراك المماليك و حوادثهم فيها

ثم إن الملك المظفر- مملوك المعز أيبك صاحب مصر- جهز جيشا كثيفا لإخراج التتر من الشام و قصدهم و التقى معهم في الغور عند عين جالوت التي هي بليدة بين بيسان و نابلس من فلسطين- و كانت وصلت إليهم الأخبار بانكسار جيوش هولاكو و هلاك معظمها بحرب ضروس دارت بينه و بين ابن عمه بركة خان، ففتّ ذلك في أعضادهم و هالههم الأمر فانهزموا من أمام جيش الملك المظفر أقبح هزيمة، و قتل منهم خلق كثير و هرب من سلم منهم لرؤوس الجبال، فتبعهم المسلمون و أفنوا أكثرهم و بعد أن دخل الملك المظفر دمشق و رتب أمورها جهز عسكرا إلى حلب لحفظها و فوّض نيابتها إلى الملك السعيد بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، و هو أول نائب بحلب من قبل دولة الأتراك و المفهوم من تاريخ أبي ذرّ أن أول نائب بحلب من قبل الدولة المذكورة هو الملك الناصر صاحب الشام أولا.

و على كل فإن الملك السعيد لما جاء حلب نائبا سار سيرة رديئة و كان دأبه التحيل على أخذ المال من الرعية، فأبغضه العسكر لسوء فعله. و كان بلغه أن التتر ساروا إلى البيرة فجرد إليهم جماعة قليلة من جهة العسكر و قدم عليهم سابق الدين- أمير مجلس الناصر- فأشار كبراء العزيزية و الناصرية بأن هذا غير موافق للمصلحة و أن هؤلاء الجماعة قليلون فيحصل الطمع بسببهم في البلاد. فلم يلتفت إلى ذلك و أصر على مسيرهم، فسار سابق الدين المذكور بمن معه حتى قارب البيرة فوقع عليهم التتر فهرب سابق الدين منهم و دخل البيرة بعد أن قتل غالب من كان معه. فازداد غيظ الأمراء على الملك السعيد، فاجتمعوا و قبضوا عليه و نهبوا و طاقه، و كان قد برز إلى بابلّي. و لما استولوا على خزانته لم يجدوا فيها طائلا فهددوه بالعذاب إن لم يقرّ لهم بالمال. فأقر لهم و نبش من تحت أشجار

136

حائط في قرية بابلّي جملة من المال قيل كانت خمسين ألف دينار مصرية ففرّقت بالأمراء، و حمل الملك السعيد إلى الشّغر و بكاس معتقلا.

ثم اتفق الأمراء العزيزية و الناصرية و قدّموا عليهم حسام الدين الجو كندار. و لما شاع بحلب أن التتر معاودون إليها خام‏ (1) عنهم حسام الدين المذكور بمن معه من العساكر إلى جهة حماة. أما التتر فإنهم ساروا إلى حلب و عاودوها في أواخر هذه السنة أعني سنة 658 و كان مقدّم عسكر التتر بيدرا. فأجفل أهل حلب إلى البلاد القبلية و أخرج التتر من بقي من أهلها بعيالهم و أولادهم حافين مجرّدين إلى المحلّ المعروف بمقر الأنبياء، و بذلوا فيهم السيف فأفنوا أكثرهم و سلم القليل منهم. ثم تراجع من أفلت بأسوإ حال. و لما عاد كمال الدين عمر بن أحمد بن عبد العزيز إلى حلب بعد أن خربها التتر- و كان جافلا منهم- رأى أحوال حلب فقال في ذلك قصيدة، منها:

هو الدهر ما تبنيه كفّاك يهدم‏* * * و إن رمت إنصافا لديه فتظلم‏

أباد ملوك الفرس جمعا و قيصرا* * * و أصمت لدى فرسانها منه أسهم‏

(2)

و أفنى بني أيوب مع كثر جمعهم‏* * * و ما منهم إلا مليك معظّم‏

و ملك بنى العباس زال و لم يدع‏* * * لهم أثرا من بعدهم وهم هم‏

و أعتابهم أضحت تداس، و عهدها* * * تباس بأفواه الملوك و تلثم‏

و عن حلب ما شئت قل من عجائب‏* * * أحلّ بها يا صاح، إن كنت تعلم‏

و منها:

فيا لك من يوم شديد لغامه‏ (3)* * * و قد أصبحت فيه المساجد تهدم‏

و قد درست تلك المدارس و ارتمت‏* * * مصاحفها فوق الثرى و هي ضخّم‏

و لكنما للّه في ذا مشيئة* * * فيفعل فينا ما يشاء و يحكم‏

و لعمر [بن‏] إبراهيم الرّسعني‏ (4) مقامة في هذه الحادثة أثبت بعضها ابن الوردي في كتابه‏

____________

(1) نكص و تراجع.

(2) أصمى السهم الهدف: لم يخطئه. و أصمى الصيد: رماه فقتله مكانه.

(3) اللغام، زبد أفواه الإبل. و هو في الشعر على المجاز.

(4) في الأصل: «و لعمر إبراهيم الرسعني» فصوّبناه من «تتمة المختصر» 2/ 308 و الرّسعني، بالعين المهملة: نسبة إلى «رأس العين» بالجزيرة الفراتية.

137

تتمة المختصر المطبوع، فاستغنينا بذلك عن ذكرها هنا للاختصار.

و في محرّم سنة 658 انكسر جيش التتر على حمص و حماة فأتى فلّهم إلى حلب و أخرجوا من فيها من الرجال و النساء و لم يبق إلا من اختفى، ثم قتلوا من كان في حلب من الغرباء فقتل منهم جماعة من أهلها ثم عدّوا من بقي من الحلبيين و أعادوهم إلى حلب و أحاطوا بها و منعوا الخروج و الدخول إليها. فغلت أسعار الأقوات غلوا فاحشا حتى بيعت التفاحة بخمسة دراهم، و البطّيخة بأربعين درهما، و أكل الناس الميتة سنة 659.

و ذكر ابن العبري الملطي في تاريخه المدني السرياني أن أهل بعلبكّ خربوا سقف كنيسة السريان الحلبية، و كان هو مطرانها في هذه السنة و هي سنة (659) فاستحوذ عليه الجنون فذهب إلى هولاكو ملك الملوك فزجوّه في السجن في قلعة نجم. و هكذا ظلت طائفته الحلبية دون راع و لكنهم كانوا يجتمعون في بيعة الملكين فهجم عليهم التتر و قتلوهم و سبوهم. اه.

و قال صاحب كتاب عناية الرحمن ما خلاصته أنه في أواسط القرن الثالث عشر لم يرد من الآثار السريانية ذكر لأساقفة حلب حتى أواخر القرن الخامس عشر. قال: و لعل سبب ذلك هو أن هولاكو و خلفاءه أبادوا المسيحيين قاطبة من حلب و نواحيها و من سوريا. اه. قلت: قدمنا ذكر هذه العبارة في الكلام على النصارى بعد الفتح الإسلامي فليراجع.

و في هذه السنة وصل البرنلي إلى حلب و كان التتر قد رحلوا عنها. و حين قدوم البرنلي إليها كان بها فخر الدين الحمصي، جهزه إليها علاء الدين إيدكين البندقداري نائب السلطنة بدمشق للكشف على البيرة، فإن التتر كانوا قد نازلوها. فلما قدم البرنلي إلى حلب قال لفخر الدين: نحن في طاعة الملك الظاهر صاحب مصر فامض إليه و اسأله أن يتركني و من معي في هذا الطرف. فلما سار فخر الدين ليؤدي هذه الرسالة تمكن البرنلي و احتال على ما في حلب من الحواصل‏ (1) و استبد بالأمر و جمع العربان و التركمان و استعد لقتال عسكر مصر، فالتقى الحمصي في الرمل مع جمال الدين المحمدي الصالحي متوجها لقتال البرنلي المذكور، فانضم إليه و لحق بهما علم الدين سنجر الحلبي ثم عز الدين الدمياطي، و ساروا جميعا بمن معهم من العسكر إلى حلب و طردوا البرنلي عنها.

____________

(1) الحواصل: مخازن الماء. و قد تطلق على المخازن عامة. و المفرد: حاصل.

138

و فيها قتل الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين الأيوبي، قتله- و أخاه و عدة أمراء- هولاكو في بلاد العجم لما بلغه خبر كسر عسكره بالشام و كانوا معتقلين معه.

و في سنة 660 جهز الملك الظاهر عسكرا إلى حلب و مقدّمهم شمس الدين سنقر الرومي، فأمنت بلاد حلب و عادت إلى الصلاح. ثم تقدم الملك الظاهر إلى شمس الدين المذكور، و إلى الملك المنصور صاحب حماة و إلى الملك الأشرف صاحب حمص، أن يسيروا إلى أنطاكية و بلادها للإغارة عليها و إقلاق صاحبها البرنس بيمد، فساروا إليها و نهبوا بلادها و ضايقوها. ثم عادوا فتوجهت العساكر صحبة شمس الدين سنقر الرومي إلى مصر و معهم ما ينوف عن ثلاثمائة أسير.

مبايعة الخليفة في حلب:

و في هذه السنة و هي سنة 660 قدم حلب أبو العباس أحمد بن علي الذي لقب الحاكم بأمر اللّه الأول- و كان غائبا وقت الفتنة ببغداد- فقدم حلب و بايعه بالخلافة كثير من الناس. ثم كاتب الملك الظاهر بيبرس فاستقدمه إلى مصر و بايعه، و استمر بها خليفة إلى أن توفي سنة 706 و في سنة 663 أو التي بعدها أمسك الملك الظاهر زامل بن علي أمير العرب بمكاتبة عيسى بن المهنا.

استيلاء الملك الظاهر على يافا و أنطاكية و غيرها من البلاد الشامية:

في سنة 666 في مستهل جمادى الآخرة منها توجه الملك الظاهر من مصر إلى الشام و فتح يافا- في العشر الأوسط من الشهر- من الفرنج الصليبيين. ثم سار و نازل أنطاكية في مستهل رمضان و زحف إليها و ملكها بالسيف يوم السبت رابع رمضان، و قتل و سبى و غنم و أسر منها شيئا عظيما، كانت للبرنس بيمند، و له معها طرابلس الشام، و كان بطرابلس لما فتحت أنطاكية. و في ثالث عشر هذا الرمضان استولى الملك الظاهر على بغراس، و كانت خالية لانهزام أهلها منها عندما فتحت أنطاكية، فاستولى عليها و شحنها بالرجال و العدة.

و في سنة 670 أغار التتر على عينتاب و الرّوج و قميطون إلى قرب أفامية، ثم عادوا

139

و قد وصل الملك الظاهر مع معسكره إلى حلب. و في هذه السنة ملك التتر البيرة فقصدهم السلطان و أوقع بهم فقتل و أسر منهم عدد كبير. و فيها أوقع السلطان بطائفة من التتر كانوا على شاطى‏ء الفرات. و في سنة 673 قصد السلطان ابن هيثوم الأرمنيّ ملك سيس و المصيصة و فتك بالأرمن فتكا ذريعا و أحرق و سبى و هدم و كان فتحا عظيما، ثم عاد إلى الديار المصرية. و في سنة 674 نازل التتر البيرة- و اسم مقدّمهم أقطاي- فتوجه إليهم الملك الظاهر من دمشق فرحلوا عنها، و بلغه خبر رحيلهم و هو بالقطيفة فأتم السير إلى حلب ثم عاد إلى مصر.

و في سنة 675 قدم أمراء الروم و فودا على الملك الظاهر و هم بيجار الرومي و ولده بهادر و أحمد بن بهادر و غيرهم، فاجتمع بهم الملك الظاهر بحلب و أكرمهم و عاد إلى مصر.

و في يوم الخميس العشرين من رمضان وصل الملك الظاهر لحلب و سار منها إلى النهر الأزرق ثم إلى أبلستين و التقى بجمع من التتر فانهزموا و قتل مقدمهم و غالب كبرائهم، و أسر منهم جماعة كثيرة من أمرائهم و من جملتهم سيف الدين قلجق و سيف الدين أرسلان. ثم سار الملك الظاهر إلى قيسارية و استولى عليها و خطب له في منابرها ثم رحل عنها و حصل للعسكر شدة عظيمة من نفاذ (1) القوت و العلف حتى وصلوا إلى العمق، فأقاموا شهرا و رحلوا إلى دمشق. و في سنة 678 عزل عن نيابة دمشق أيدمر أقوش الشمسي و ولي نيابة السلطنة بحلب. و في سنة 679 توفي أيدمر أقوش الشمسي نائب السلطنة بحلب، و ولي مكانه علم الدين سنجر الباشغردي.

عود التتر إلى حلب:

و في يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة من هذه السنة وصل من عساكر التتر طائفة عظيمة إلى حلب، و قتلوا من كان بها ظاهرا و سبوا و أحرقوا الجوامع المعتبرة ودار السلطان و دور الأمراء الكبار و أبدوا فسادا كبيرا. و كان أكثر من تخلف بحلب قد استتر في المغاير و غيرها. و أقاموا بحلب يومين على هذه الصورة. و في يوم الثلاثاء ثالث و عشرين منه رحلوا عن حلب إلى بلادهم، و كان السلطان الملك المنصور سار إليهم من مصر و وصل إلى غزّة فلما سمع برجوعهم عاد إلى مصر. و في سنة 681 ولّى السلطان مملوكه شمس‏

____________

(1) كذا، و هو خطأ شائع، و الصواب «نفاد» بالدال المهملة.

140

الدين قراسنقر نيابة حلب، فسار إليها و استقر بها.

و في سنة 682 كاتب الحكام بقلعة الكحنا قراسنقر نائب حلب و سلموها لعسكره و صارت من أعظم الثغور الإسلامية. و في سنة 688 جمع تنقرا نائب التتر بملطية جمعا كثيرا و أغار على بلد كركور فجهز إليهم قراسنقر نائب حلب عسكرا و أمراء إلى بلاد الروم فوصلوا قلعة قراسار- و هي من أحصن القلاع- فحاولوها فيسّر اللّه فتحها عليهم، و أخذ النائب بها غرس الدين أسيرا و هو من أعيان أمراء المغل. ثم قصد العسكر قلعة زمطر ففتحوها عنوة و قتلوا من فيها من المقاتلة. و من العجائب أن من سلم من هذه الوقعة من أعيان المغل و هرب التجأ إلى ملطية فنزلوا بدار كبيرة فسقطت عليهم فماتوا تحت الردم.

و في سنة 690 كملت عمارة القلعة و كان قد شرع قراسنقر بعمارتها في أيام السلطان الملك المنصور فتمت في أيام الملك الأشرف فكتب اسمه عليها، و كان خربها هولاكو سنة 658 فلبثت خرابا نحو ثلاث و ثلاثين سنة.

انقراض دولة الصليبيين من سوريا و فلسطين:

و في هذه السنة أعني سنة 690 فتح الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن الملك المنصور قلاوون مدينة عكا و أخذها من الصليبيين. و غنم منها ما لا يكاد يحصى. و قد ضعف أمر الصليبيين الذين هم بساحل سوريا فأخلوا صيدا و بيروت و صور و غيرها مما كان باقيا في أيديهم. و بذلك انتهت دولتهم من سوريا و سواحلها بعد أن كادوا يستولون على مصر.

وصول الملك الأشرف إلى حلب و فتحه قلعة الروم:

و في سنة 691 وصل إلى حلب الملك الأشرف صاحب مصر و معه جيش كبير من العساكر قاصدا فتح قلعة الروم من الأرمن. فسار إليها و نازلها و نصب عليها المجانيق و دام الحصار عليها حتى فتحت بالسيف يوم السبت حادي عشر رجب، و قتل من أهلها و سبى من ذراريها عدة كثيرة، و اعتصم كتاغيكوس خليفة الأرمن فيها و غيره في القلعة، ثم طلبوا الأمان فأمنهم على أرواحهم خاصة و أن يكونوا أسرى عن آخرهم، و رتب السلطان علم الدين سنجر لتحصينها و إصلاحها و عاد إلى دمشق. و في مرور السلطان من حلب عزل نائبها قراسنقر المنصوري و ولّى مكانه سيف الدين بلبان المعروف بالطباخ، و كان نائب الفتوحات و مقامه بحصن الأكراد، فولّى مكانه عز الدين أيبك الخزندار المنصوري. و في‏

141

سنة 692 كتب الملك الأشرف لبعض عسكره بحمص، و إلى صاحب حماة و إلى عمه الملك الأفضل، بالمسير إلى حلب و المقام بها إرهابا للتتر. فساروا جميعا و دخلوا حلب يوم الثلاثاء تاسع و عشرين شعبان الموافق رابع شهر آب.

افتتاح بلاد سيس:

و في سنة 697 قدم إلى حلب يكناس بدر الدين الفخري- أمير سلاح الملك الصالح- و توجه إلى بلاد سيس، و صحبته الأمير علم الدين سنجر الدوادار و صاحب حماة و نائب صفد و عساكر مصر و الشام، و مقدّم الجميع يكناس المذكور. فوصلوا إليها في رجب و شنوا عليها الغارات و نادوا في أطرافها بالثارات فأمروا و حكموا و أسروا و غنموا و نازلوا قلاعها و أخلوا من السكان بقاعها و لم يزالوا مقيمين عليها حتى أخذوا حموص و تل حمدون و سعلان و النفير و سودان و مرعش و ما هو من جنوبي جيحان، ثم رجعوا إلى حلب فرحين مسرورين فأقاموا بها مدة ثم ساروا إلى أماكنهم.

عود التتر إلى حلب و ما حدث فيها من سنة 697 إلى 713:

و في سنة 698 قويت الأخبار بتحريك التتر نحو البلاد الشامية و جرد الملك المظفر عسكر حماة إلى حلب حتى وصل إلى المعرة، فبعث إليهم سيف الدين بلبان الطباخ نائب حلب كتابا بتراخي التتر فعادوا، ثم بعث إليهم كتابا آخر يستحثهم على الحضور فساروا إلى حلب و دخلوها في الثالث و العشرين من رمضان. و لما قويت هذه الأخبار استخرج السلطان من غالب الأغنياء بمصر و الشام ثلث أموالهم لاستخدام المقاتلة.

و في سنة 699 سار قازان بن أرغون بجموع عظيمة من المغل و الكرج و المزندة و غيرهم و عبروا الفرات، و وصل بجموعه إلى حلب ثم إلى حماة ثم سار و نزل على وادي مجمع المروج، و سارت إليه عساكر السلطان الملك الناصر و اشتبك القتال بين الفريقين، و تمت الهزيمة على المسلمين، و احتوى التتر على أثقالهم و تبعوا العساكر إلى غزة و استولوا على عدة بلاد أعظمها دمشق، و استمروا فيها إلى أن سمعوا برجوع عسكر مصر إليهم ففارقوها و ساروا إلى الشرق. و فيها دخل قراسنقر إلى حلب نائبا بها عن السلطان.

و في سنة 700 عاد التتر إلى الشام و خلت بلاد حلب و سار قراسنقر بعسكر حلب‏

142

إلى حماة و أقام التتر ببلاد سرمين و تيزين و العمق و غيرها، ينهبون و يقتلون. و سارت إليهم العساكر، و صادف في هذه المدة تدارك الأمطار و كثرة الوحول بحيث عجز عسكر المسلمين عن الإقامة في تلك المحالّ لتعذر وصول القوت إليهم فرجع إلى مصر كما أتى، و دام التتر على إفسادهم في بلاد حلب نحو ثلاثة أشهر ثم ارتدوا على أعقابهم دون سبب يعلم. و رجع عسكر حلب مع قراسنقر إلى حلب و تراجعت الجفّال إلى أماكنهم. و فيها ألزم السلطان الملك الناصر محمد أهل الذمة أن يلبسوا الغيار، فلبس اليهود عمائم صفرا، و النصارى زرقا، و السامرة حمرا، بعد أن اجتهدوا في دفع ذلك ببذل الأموال لأرباب الدولة فما أفادهم.

و في سنة 703 سارت عساكر مصر و حماة إلى حلب و انضم إليهم عسكرها، و قصدوا بلاد سيس و حاصروا تل حمدان و فتحوها بالأمان من أيدي الأرمن و هدموها إلى الأرض.

و في سنة 705 في أوائل المحرّم المصادف عشرين من تموز أرسل قراسنقر نائب حلب مملوكه قشتمر إلى بلاد سيس، و كان المملوك المذكور أخرق سكّيرا، ففرّط في حفظ العسكر و لم يطالع العدو، فجمع صاحب سيس جموعا كثيرة من التتر و الأرمن و الفرنج و كبسوا قشتمر و من معه، فولى الحلبيون منهزمين و تمكن التتر و الأرمن منهم و أفنوا غالبهم. و من سلم منهم اختفى في تلك الجبال، و لم يصل منهم إلى حلب إلا قليل حفاة عراة.

و في سنة 710 ولي نيابة حلب سيف الدين قبجق عوضا عن قراسنقر، فلم تطل مدته بها و مات قبل انتهاء السنة و ولى مكانه أسندمر، و ولي نيابة السلطنة بالفتوحات بحلب جمال الدين أقوش الأفرم. ثم إن أسندمر المذكور استقر بحلب و صدر السلطان متوغر عليه لجرائم سبقت منه، فلم يشعر إلا و وصل إليه جمّ غفير من العساكر المصرية و عساكر حماة و حمص فقبضوا عليه و جهزوه إلى مصر مقيدا و ضبط ماله إلى بيت المال، و كان ذلك في اليوم الحادي عشر ذي الحجة.

و في سنة 791 لما قبض على أسندمر سأل قراسنقر نائب دمشق من السلطان أن يعيده إلى نيابة حلب لتعوّده عليها، فرسم له بما طلب و حضر قراسنقر إلى حلب و استقر بها إلى أوائل شوال، و استأذن للحجاز فأذن له فخرج من حلب و أضمر في نفسه العصيان، و اجتمع بأمير العرب مهنّا بن عيسى و اتفقا على المشاققة. فبلغ السلطان ذلك فسيّر إلى‏

143

قراسنقر و مهنا يطيّب خاطرهما، فلم يرجعا عن إصرارهما. فجرد إليهما عسكرا فخاما عن لقائه إلى جهة الفرات، و بقي العسكر بحلب و الحاكم عليها المشدّون و النّظّار (1) و ليس لها نائب.

و في سنة 712 في العشر الأول من ربيع الأول وصل نائب السلطان إلى حلب و هو سيف الدين سودي الجمداري الأشرفي الناصري عوضا عن قراسنقر المذكور، و فيها قويت أخبار التتر و جفل أهل حلب و بلادها. و كان وصل إلى حلب- لمدافعتهم- الملك المؤيد أبو الفداء مع عساكره و عسكر دمشق، ثم وصل التتر إلى بلاد سيس و الفرات.

فعندها رحل الأمير سيف الدين سودي مع العساكر إلى حماة و دخلها يوم السبت سابع رمضان و أقام بظاهر حماة و نزل بعض العسكر في الخانات. و كان البرد شديدا و الجفّال قد ملؤوا البلد، و كان التتر نازلين على الرحبة مجدّين في حصارها. فلما طال حصارهم لها وقع بهم الغلاء و رحلوا عنها في السادس و العشرين رمضان، و استولى أهل الرحبة على آلات حصارهم، و عاد سودي نائب حلب بمن معه من العساكر الحلبية. و في هذه السنة سعى سيف الدين سودي بجرّ ماء من نهر الساجور إلى نهر حلب، ففتح له مجرى أنفق عليه نحو ثمانمائة ألف درهم، نصفها من ماله و النصف الآخر من بيت المال. و قبل أن يتم العمل قيل له إن من يسعى بجرّ ماء من الساجور إلى قويق يموت بغتة، فترك العمل و ذهب ما صرفه سدى.

و في سنة 713 خرجت معرة النعمان من معاملات حماة و أضيفت إلى معاملات حلب.

و في رجب سنة 714 توفي الأمير سيف الدين سودي نائب حلب، و كان مشكور السيرة و ولي السلطان مكانه الأمير علاء الدين ألطونبغا الحاجب، فوصل إلى حلب في أوائل شعبان. و قد انتفعت حلب بهذا النائب و عمر جامعه بالميدان الأسود و نقل إليه أعمدة عظيمة من قورس. و عمرت بسبب هذا الجامع أماكن كثيرة و قد سبق الكلام عليه في محلة ألطونبغا في الجزء الثاني. و في سنة 715 في شعبان سار شطر جيش حلب لحصار قلعة عرقينة- من أعمال آمد- فتسلموها بالأمان بلا كلفة و قتلوا بها طائفة و سلخ أخو مندوه و علّق على القلعة. و أغار العسكر على قرى الأرمن و الأكراد و رجعوا سالمين.

____________

(1) المشدّون: جمع «المشدّ» و هو خفير يقوم بخدمة الوالي. و النظّار: جمع «الناظر» و هو المسؤول الأول عمّا يجري في الديوان، و عن أوراقه و موظفيه.

144

و في سنة 716 في نيسان ترادفت الأمطار في بلاد حلب و حماة و حمص و حملت السيول و غرقت ضيعة من بلاد حمص، و وقع مع المطر في بعض الجهات برد، الواحدة في حجم النارنجة، و صحبه شي‏ء من السمك و الضفادع و طمى السيل على الوهاد، و أغرق ما مر به و خرب كثيرا من الأماكن، و حمل عدة بيوت من العرب و التركمان و الأكراد.

غزو بلاد سيس‏

و في سنة 720 قدم على حلب عساكر دمشق و ساروا جميعا صحبة ألطونبغا (1) نائب حلب- إلى بلاد سيس، و اقتحموا نهر جيحان و كان زائدا، فغرق به بعض العساكر.

ثم نازلوا قلعة سيس و زحف العسكر حتى بلغ السور و غنموا منها و أتلفوا البلاد و الزروع و ساقوا المواشي- و كان شيئا كثيرا- ثم عادوا و قطعوا جيحان، و كان قد انحطّ، و دخلوا حلب و في أواخر ربيع الآخر و سار كلّ لبلده.

و في سنة 722 قدم إلى حلب عسكر مصر و دمشق و الساحل و انضم إليهم عسكر حلب و ساروا جميعا صحبة ألطنبغا (2) نائب حلب إلى إياس من بلاد سيس و نازلوها و ملكوها بالسيف، و عصت عليهم القلعة أولا ثم هرب منها الأرمن و ألقوا فيها النار، و ملكها المسلمون و هدموا منها ما أمكنهم. و في سنة 723 أجدبت الأرض من دمشق إلى حلب و انحبس المطر و لم ينبت إلا القليل، و استسقى الناس فلم يسقوا. و في سنة 724 رسم السلطان بإبطال المكوس عن سائر أصناف الغلة بالشام فأبطلت و كان شيئا كثيرا.

و في سنة 725 أفتى قاضي القضاة كمال الدين بن محمد بن علي الزملكاني بتحريم الاجتماع بمشهد روحين و دير الزربة و أشباههما و منع من شدّ الرحال إليها، و نودي بذلك في المملكة الحلبية فإنه كان يشتمل على منكرات و بدع، و عملت في تحريم ذلك المقامة المشهدية.

و في سنة 727 في آخر المحرم طلب ألطنبغا إلى الديار المصرية. ثم في صفر وصل إلى حلب مكانه الأمير سيف الدين أرغون الناصري. و فيها انتزع القاضي ابن الزملكاني كنيسة اليهود المجاورة للعصرونية. و قد تكلمنا على ذلك في ترجمته، و في الكلام على اليهود في المقدمة.

____________

(1) المؤلف، كعادته، لا يلتزم برسم واحد لأسماء الأعلام الأعجمية. و قد تكرر ذلك في كتابه هذا.

(2) المؤلف، كعادته، لا يلتزم برسم واحد لأسماء الأعلام الأعجمية. و قد تكرر ذلك في كتابه هذا.

145

و في سنة 731 نهار الأربعاء تاسع صفر، وصل نهر الساجور إلى حلب فزيد به نهر قويق بساقية بناها الأمير أرغون الدوادار، و كان يوم وصوله يوما مشهودا خرج لتلقّيه ملك الأمراء و سائر الناس مشاة مكبرين مهللين، و كان قبله الأمير سودي شرع بإجرائه إلى حلب فقيل له: من جرّه يموت في عامه، فتركه. و قيل مثل ذلك لأرغون فلم يلتفت إلى هذا القول فمات بعد أربعين يوما و ذلك في ربيع الأول، و خرجت جنازته مكشوفة عليها كساء خلق من غير ندب و لا نياحة (1) و لا قطع شعر، و لا لبس جلّ، و لا تحويل سرج، طبق ما أوصى به، و دفن بسوق الخيل قبليّ القلعة و عملت له تربة حسنة سقفها السماء (2). و قبره دارس. و كان متقنا لحفظ القرآن الكريم مثابرا عليه متشرعا في أحكامه كتب بخطه صحيح البخاري- بعد ما سمعه على الشيخ أبي العباس أحمد بن الشحنة الحجّار، و ويزة بنت عمر أسعد النجا بمصر في سنة 715 بقراءة الشيخ أبي حيان- و اقتنى الكتب النفيسة و كان فيه ديانة (رحمه اللّه). و في جمادى الأولى سنة 731 عاد الأمير علاء الدين ألطنبغا إلى نيابة حلب و فرح الناس به و أظهروا السرور.

و في سنة 733 في خامس [عشر] (3) شعبان وصل حلب شادّا (4): الأمير بدر الدين لؤلؤ القندشي و على يده تذاكر و صادر المباشرين و غيرهم و منهم النقيب بدر الدين محمد بن زهرة الحسيني، و القاضي جمال الدين بن ريان ناظر الجيش، و ناصر الدين محمد بن قرناص عامل الجيش، و عمه المحبّي عامل المحلولات، و عدة ذوات من الحلبيين، و اشتد به الخطب و انزعج الناس كلهم [حتى‏] البريئون، و قنت‏ (5) الناس في الصلاة يدعون عليه و قال ابن الوردي فيه:

قلبي لعمر اللّه معلول‏* * * بما جرى للناس مع لولو

يا ربّ قد شرّد عنّا الكرى‏* * * سيف على العالم مسلول‏

و ما لهذا السيف من مغمد* * * سواك يا من لطفه سول‏

____________

(1) في الأصل: «نياحية» فصوّبناها من «تتمة المختصر» 2/ 419.

(2) أي ليس لها حجرة و لا سقف.

(3) ما بين مربعين من تتمة المختصر 2/ 428 و كذا ما يأتي بعده.

(4) الشادّ: هو الذي يتولى وظيفة التفتيش، بحسب الاختصاص الذي يضاف إليه.

(5) تصحفت الكلمة، في الأصل إلى: «و فتنت» و التصويب من «تتمة المختصر».

146

لولو، هذا: كان مملوكا لقندش ضامن المكوس في حلب، ثم صار ضامن العداد، ثم صار منه ما صار و عزل و نقل إلى مصر، ففعل بها أعظم ما فعله بحلب، و عاقب حتى المخدّرات‏ (1).

و في سنة 735 في شوال عاد عسكر حلب و نائبها من غزاة بلد سيس و قد خربوا بلد أدنة و طرسوس و أحرقوا الزرع و استاقوا المواشي، و أتوا بمائتين و أربعين أسيرا و ما عدم منهم سوى شخص واحد غرق في النهر و كانوا عشرة آلاف سوى من تبعهم. فلما علم أهل إياس بذلك أحاطوا بمن عندهم من المسلمين التجار البغاددة و غيرهم نحو ألف نسمة، و حبسوهم في خان و أحرقوهم، و قليل من نجا منهم، و ذلك في يوم عيد الفطر، و احترق في حماة مائتان و خمسون حانوتا، و احترقت أنطاكية إلا القليل منها.

و في سنة 736 وصل الأمير سيف الدين أبو بكر الباشري إلى حلب و صحب معه منها الرجال و الصنّاع لعمارة قلعة جعبر، و كانت خربة من زمن هولاكو، و هي من أمنع القلاع. و قد لحق المملكة الحلبية و غيرها- بسبب عمارتها و نفوذ ماء الفرات إلى أسفل منها- كلفة كثيرة. و في صفر طلب من البلاد الحلبية رجال للعمل بنهر قلعة جعبر و رسم أن يؤخذ من كل قرية نصف أهلها فخلت عدة ضياع بسبب ذلك. ثم طلب من أسواق حلب رجال استخرجت أموالهم، و توجه نائب حلب إلى القلعة المذكورة مع قريب من عشرين ألف رجل.

و في سنة 737 توفي الأمير الشاب الحسن جمال الدين خضر ابن ملك الأمراء علاء الدين ألطنبغا نائب حلب، و دفن بتربة حسنة بالمقام عملها له والده عند جامع المقام خارج حلب. و في رمضان قدم إلى حلب أمراء من مصر و دمشق و طرابلس و حماة و معهم عسكرهم و المقدّم على الكل ألطنبغا نائب حلب، و رحلوا إلى بلاد الأرمن و حاصروا ميناء إياس ثلاثة أيام. ثم قدم رسول الأرمن من دمشق بكتاب نائبها يتضمن طلب الكف عنهم على أن يسلموا البلاد و القلاع التي في شرقي نهر جيحان. فتسلموا منهم ذلك و هو ملك كبير و بلاد كثيرة: كالمصيصة و كوبرا و الهارونية، و سرفند كار، و إياس و نجيمة و النقير، فخرب المسلمون برج إياس الذي في البحر و استنابوا في البلاد و عادوا منها في ذي الحجة.

____________

(1) أي النساء في خدورهنّ.

147

و فيها ورد الأمر بالسماح في جميع مراكز المملكة عما يؤخذ على الأغنام الدغالي‏ (1) الداخلة إلى حلب، و أن يقتصر بأخذ الرسم على الأغنام الكبار، و فيها وقف صلاح الدين يوسف ابن الأسعد الدواتدار (2) داره النفيسة بحلب- المعروفة أولا بدار ابن العديم- مدرسة على المذاهب الأربعة، و شرط تدريسها على القاضي الشافعي و القاضي الحنفي.

و في سنة 738 في صفر توفي بدر الدين بن محمد بن إبراهيم بن الدقاق الدمشقي ناظر الأوقاف بحلب. و في أيام نظره فتح الباب المسدود الذي بالأموي شرقيّ المحراب الكبير، لأنه سمع أنّ بمكانه رأس زكريا (عليه السلام) فارتاب في ذلك، فأقدم على فتح الباب بعد أن نهي عنه، فوجد بابا عليه تأزير رخام أبيض، و وجد فيه تابوت رخام أبيض فوقه رخامة بيضاء مربعة. فرفعت الرخامة عن التابوت فإذا فيها بعض جمجمة فهرب الحاضرون هيبة لها و ردّ التابوت بغطائه إلى موضعه و سد عليه الباب، و وضعت خزانة المصحف الشريف على الباب و قد أثرت هذه الهيبة بالناظر المذكور و ابتلي بالصرع إلى أن عض على لسانه فقطع و مات.

و في العشر الأوسط من ربيع الآخر عزل ملك الأمراء علاء الدين ألطنبغا عن نيابة حلب. و في العشر الأول من جمادى الأولى قدم إلى حلب الأمير سيف الدين طرغاي نائبا بها. و في سنة 739 نادى مناد في جامع حلب و أسواقها- و قدامّه شادّ الوقف‏ (3) بدر الدين تيليك الأسند من أمراء العشرات- بما صورته: «معاشر الفقهاء و المدرسين و المؤذنين و أرباب الوظائف الدينية، قد برز المرسوم العالي أن كل من قطع منكم وظيفته و غمز عليه، يستأهل ما يجري عليه». فانكسرت لذلك قلوب الناس لأن هذا النداء يدل على بغض أهل العلم و الدين. ثم نكب بدر الدين لكلمة صدرت منه و عقد له بدار العدل يوم العيد مجلس مشهور، و أفتى العلماء بتجديد إسلامه و عزله و ضربه، فشمت به الناس.

و في سنة 741 عزل طرغاي عن حلب و كان- على طمعه- يصلي و يتلو كثيرا.

و فيها وصل إلى حلب نائبا عليها طشتمر سيف الدين الناصري المعروف بحاجي خضر.

____________

(1) المفرد «الدغلي» و هو الخروف الذي لا يتجاوز عمره سنة واحدة. و الكلمة تركية.

(2) الدواتدار «الدواة- دار»: معناها حامل الدواة.

(3) أي ناظر الوقف و المشرف على أموره.

148

و فيها وصل إلى حلب فيل و زرافة جهزهما الملك الناصر لصاحب ماردين. و في سنة 742 نهب ألطنبغا مال طشتمر حاجي خضر نائب حلب لأنه لم يوافقه على رأيه في خلع السلطان، و هرب طشتمر المذكور إلى الروم و فيها عوقب بحلب لولو القندشي المكّاس المتقدم ذكره، و عذب بدار العدل حتى مات و استصفي و شمت به الناس.

و في ذي الحجة وصل الأمير علاء الدين أيدغش الناصري إلى حلب نائبا في حشمة عظيمة، و خلع على كثير من الناس و أقام إلى صفر ثم نقل إلى نيابة دمشق و تأسف الحلبيون عليه. و في هذه السنة و هي سنة 742 توفي أحد أمراء حلب، بدر الدين محمد بن الحاج أبي بكر، و دفن بجامعه الكائن قرب جسر الدباغة المعروف بمسجد أولاد أبي بكر. و قد أسلفنا الكلام عليه عند ذكر محلة حسر السلاحف من الجزء الثاني. و في هذه السنة ولي حلب الأمير سيف الدين طقزتمر الحموي، و دخلها في عاشر صفر سنة 743 و في رجب هذه السنة نقل طقزتمر إلى نيابة دمشق و ولي مكانه حلب الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني.

و فيها وصل علاء الدين القرع إلى حلب قاضيا للشافعية. و أول درس ألقاه بالمدرسة قال فيه: «كتاب الطهارة باب الميّات» (1)، بإبدال الهاء تاء، قال ابن الوردي: فقلت للحاضرين: لو كان باب الميّات لما وصل «القرع» إليه و لكنه باب الألوف. ثم قال القاضي:

قال اللّه تعالى: و جعلها كلمة باقية في عنقه، مكان «عقبه»، فقال ابن الوردي: لا و اللّه و لكنها في عنق من ولّاه. فاشتهر عن ابن الوردي هاتان التنديدتان في الآفاق.

و فيها توفي بحلب الشيخ كمال الدين المهمازي و كان مقبولا عند الملك الناصر و وقف عليه حمّام السلطان، و سلم إليه تربة ابن قره سنقر، و به سميت هذه التربة. و فيها اعتقل القرع بقلعة حلب معزولا، ثم فك عنه الترسيم و سافر إلى القاهرة. و فيها توفي بحلب الحاج معتوق الدبيسري، و هو الذي عمر الجامع بطرف بانقوسا و دفن بتربة بجانب الجامع. و في سنة 744 في صفر توفي الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني نائب حلب و دفن خارج باب المقام.

____________

(1) يريد: «المياه»؛ و لكنه شدّد الياء و أبدل الهاء تاء.

149

تمزيق كتاب فصوص الحكم‏

قال ابن الوردي: و فيها مزّقنا كتاب «فصوص الحكم» بالمدرسة العصرونية بحلب عقيب الدرس و غسلناه- و هو من تصانيف ابن عربي- تنبيها على تحريم قنيته و مطالعته. و في ربيع الأول وصل الأمير سيف الدين يلبغا اليحياوي نائبا إلى حلب و كان حسن السيرة، و فيها حاصر يلبغا نائب حلب زين الدين قراجا بن دلغادر التركماني بجبل الدلدل- و هذا الجبل ممتنع، موقعه في جانب جيحان- فلم ينل منه يلبغا طائلا بل قتل كثير من عسكره و أسر. و اشتهر اسم زين الدين و عظم على الناس شرّه. و كانت هذه الحركة من يلبغا في غير محلها.

و فيها كانت الزلزلة العظيمة المزعجة العميمة، أخربت كثيرا من الأماكن و دخلت إلى مصر و الشام، و تواتر بعدها الزلزال مدة فسكن الناس في الصحاري، و تشعّث في جامع حلب بعض الجهات و انفتحت منارته ثم التأمت، و تهدم كثير من القلاع و الحصون، و مات تحت الردم خلق كثير و كاد الخراب يعم مدينة منبج. و فيها يقول ابن الوردي:

منبج أهلها حكوا دود قزّ* * * عندهم تجعل البيوت قبورا

ربّ نعّمهم فقد ألفوا من‏* * * شجر التوت جنة و حريرا

و قال أبو محمد الحسن بن حبيب الحلبي، فيمن خرج إلى برّ حلب خوفا من الزلزلة:

يا فرقة فرقوا و عن حلب نأوا* * * و تباعدوا لما رأوا زلزالها

ما زلزلت شهباؤنا و تحرّكت‏* * * إلا لتخرج عامدا أثقالها

و في سنة 746 في ربيع الآخر نقل يلبغا نائب حلب إلى نيابة دمشق، و خلفه الأمير سيف الدين أرقطاي، فأبطل الخمور و الفجور بعد اشتهارها، و رفع عن القرى الطّرح و كثيرا من المظالم، و رخّص السعر، و سرّ به الحلبيون. و فيها كتب على باب القلعة و غيرها من القلاع نقرا (1) في الحجر ما مضمونه مسامحة الجند بما كانوا يدفعونه لبيت المال بعد وفاة الجندي و الأمير، و ذلك علوفة أحد عشر يوما عن كل سنة أمضاها المتوفّى في الجندية، و هذا القدر هو التفاوت بين السنة الشمسية و القمرية. و هذه مسامحة بمال عظيم.

____________

(1) النّقر: الكتابة في الحجر.

150

و في محرم سنة 747 طلب أرقطاي نائب حلب إلى مصر فسار إليها. و في ربيع الأول وصل إلى حلب الأمير سيف الدين طقتمر الأحمدي نائبا عليها. ثم في رجب منها سافر إلى مصر لوحشة بينه و بين نائب دمشق لأنه لم يساعده على خلع السلطان الكامل صاحب مصر و الشام. ثم في شعبان منها وصل إلى حلب نائبا عليها الأمير سيف الدين بيدمر البدري و كان عنده حدّة و قسوة: كرهت فتاة زوجها قبل أن يدخل عليها، فلقّنت كلمة الكفر لفسخ نكاحها، و هي لا تعلم معناها. فأمر بيدمر فقطعت أذناها و شعرها و علّق ذلك على عنقها و شق أنفها و طيف بها على دابة بحلب و تيزين، و هي من أجمل البنات و أحياهن، فشق ذلك على الناس و عمل النساء عليها عزاء في كل ناحية حتى النساء اليهود و أنكرت القلوب قبح ذلك. قال ابن الوردي:

و ضجّ الناس من بدر منير* * * يطوف مشرّعا بين الرجال‏

ذكرت، و لا سواء، بها السبايا* * * و قد طافوا بهن على الجمال‏

و في محرّم سنة 748 وصل إلى حلب شهاب الدين بن أحمد بن الرياحي على قضاء المالكية بحلب، و هو أول مالكي استقضى بحلب. و فيها ظهر بين منبج و الباب جراد عظيم صغير من بزر السنة الماضية، فخرج عسكر من حلب و خلق كثير من فلاحي النواحي الحلبية- نحو أربعة آلاف نفس- لقتله و دفنه، و قامت عندهم أسواق و صرفت من الرعية أموال. و هذه سنة ابتدأ بها ألطنبغا الحاجب من قبلهم. و في المحرّم سافر الأمير ناصر الدين المحبّي من حلب بعسكر لتسكين فتنة ببلد شيزر بين العرب و الأكراد، قتل فيها من الأكراد نحو خمسمائة نفس و نهبت أموال و دوابّ. و فيها ثار الأرمن في «إياس» فنكّل بهم أمير إياس حسام الدين الشيباني و أرسل من رؤوسهم إلى حلب.

و في منتصف ربيع الأول سافر البدري نائب حلب إلى مصر معزولا. أنكروا عليه فعله في البنت المتقدم ذكرها و ندم على ما فعل. و فيه وصل إلى حلب نائبا أرغون شاه الناصري في حشمة عظيمة. و في ربيع الآخر قدم على كركر و لختا عصافير كالجراد المنتشر فسار الناس إلى شيل غلّات البذر و هذا ممّا (1) لم يسمع بمثله. و فيه وصل تقليد القاضي شرف الدين موسى بن فياض الحنبلي بقضاء الحنابلة بحلب، فصار القضاة أربعة. و لما بلغ‏

____________

(1) في الأصل: «حمام» بدل «مما». و التصويب من تتمة المختصر 2/ 491.

151

بعض الظرفاء أن حلب تجدد بها قاضيان مالكي و حنبلي، أنشد قول الحريري في الملحة (1):

ثم كلا النوعين جاء فضله‏* * * منكّرا بعد تمام الجمله‏

و في جمادى الآخرة نقل أرغون شاه نائب حلب إلى نيابة دمشق، و هو في غاية السطوة، مقدم على سفك الدماء بلا تثبّت، قتل في هذه المدة اليسيرة خلقا كثيرا و وسّط و سمّر (2)، و قطع بدويا سبع قطع بمجرد الظن، و غضب على فرس له ثمينة (3)، مرح بالعلافة فضربه حتى سقط، ثم قام فضربه حتى سقط. و هكذا عدة مرات حتى عجز عن القيام. فبكى الحاضرون على هذا الفرس فقيل فيه:

عقلت طرفك حتى‏* * * أظهرت للناس عقلك‏ (4)

لا كان دهر يولّي‏* * * على بني الناس مثلك‏

و في أواخر هذه السنة أعني 748 وصل إلى حلب نائبا فخر الدين إياز، نقل إليها من صفد، ثم في شوال منها إلى مصر معتقلا. و في ذي الحجة وصل إلى حلب مكانه سيف الدين الحاج أرقطاي الناصري، و لما دخل إلى حلب أعفى الناس من زينة الأسواق لأنها تكررت حتى سمجت.

و في شوال وصل إلى حلب- من قبل السلطان- أسود ليأخذ على كل رأس غنم تباع بحلب و حماة و دمشق درهما. فيوم وصوله إلى حلب وصل خبر قتل مرسله السلطان، فسرّ الناس بذلك. و فيها كان الغلاء بحلب و حماة و دمشق. و حلب أخفّ غلاء من غيرها، و أشدّه بدمشق، حتى انكشف الحال و جلا كثير من أهلها إلى حلب و غيرها، وصلت فيها غرارة الحبّ إلى ثلاثمائة درهم، و بيع البيض كل خمس بدرهم، و اللحم: الرطل بخمسة دراهم و أكثر، و الزيت: الرطل بستة أو سبعة. و في العشر الأوسط من آذار في‏

____________

(1) في الأصل «اللمحة» خطأ، و المراد به متن «ملحة الإعراب» للحريري صاحب المقامات.

(2) وسّطه: قطعه نصفين. و سمّره: شدّه بالمسامير أو ثبّته بها.

(3) في تتمة المختصر: «على فرس له قيمة كبيرة» و هو أجود. و قوله بعد ذلك: «مرح بالعلافة» يريد: عبث بالعلف و بعثره جدا.

(4) الطّرف: الجواد الأصيل.

152

هذه السنة وقع بحلب و بلادها ثلج عظيم و تكرر، فأغاث اللّه به البلاد و اطمأنّت قلوب العباد، و جاء عقيب غلاء الأسعار و قلة الأمطار. و فيها توفي الحاج إسماعيل بن عبد الرحمن العزازي، كان له منزلة عند ألطنبغا الحاجب نائب حلب، و بنى بعزاز مدرسة و ساق إليها القناة الحلوة و انتفع الجامع و كثير من المساجد بهذه القناة. و له آثار غير ذلك.

و في سنة 749 أسقط القاضي المالكي الرياحي بحلب تسعة من الشهود ضربة واحدة فاستهجن منه ذلك، و أعيدوا إلى عدالتهم و وظائفهم. و فيها قتل بحلب زنديقان أعجميان كانا مقيمين بدلوك. و في ذي القعدة ظهر بمنبج- على قبر النبي متّى، و قبر حنظلة بن خويلد، أخي خديجة رضي اللّه عنها (و هذان القبران بمشهد النور خارج منبج) و على قبر الشيخ عقيل المنبجي، و على قبر الشيخ ينبوب، وهما داخل منبج، و على قبر الشيخ علي، و على مشهد المسيحات شمالي منبج- أنوار عظيمة، و صارت الأنوار تنتقل من قبر بعضهم إلى قبر بعض و تجتمع و تتراكم، و دام ذلك إلى ربع الليل حتى انتبه لذلك أهل منبج و كتب قاضيهم بذلك محضرا و جهزه إلى دار العدل بحلب.

طاعون كبير

و فيها كان الفناء العظيم و الطاعون العميم الذي جاز البلاد و الأمصار و لم يسمع به في سالف الأعصار و أخلى الديار و البيوت و أوقع الناس في علة السكوت. و كان إذا طعن به إنسان لا يعيش أكثر من ساعة رملية، و إذا عاين ذلك ودّع أصحابه و أغلق حانوته و حضّر قبره و مضى إلى بيته و مات. و قد بلغت عدّة الموتى في حلب في اليوم الواحد نحو خمسمائة، و بدمشق إلى أكثر من ألف، و مات بالديار المصرية في يوم واحد نحو العشرين ألفا. هكذا ورد الخبر و استمر نحو سنة و فني به من العالم نحو ثلثيهم. و فيه يقول ابن الوردي:

سألت بارى‏ء النّسم‏ (1)* * * في رفع‏ (2) طاعون

صدم‏

فمن أحسّ بلع دم‏* * * فقد أحسّ بالعدم‏

____________

(1) في الأصل: «النسيم» خطأ.

(2) في تتمة المختصر: «دفع» بالدال. و المعنى واحد.

153

و قد كثرت فيه أرزاق الجنائزية، فهم يلهون و يلعبون و يتقاعدون على الزبون، و لو رأيت بحلب الأعيان و هم يطالعون من كتب الطب الغوامض، و يكثرون في علاجه من أكل النواشف و الحوامض، و يستعملون الطين الأرمني و قد بخّروا بيوتهم بالعنبر و الكافور و الصندل، و تختموا بالياقوت و جعلوا الخل و البصل من جملة الأدم و القوت. قيل: إن هذا الوباء ابتدأ من الظلمات قبل وصوله إلى حلب بخمسة عشر عاما، و هو سادس طاعون وقع في الإسلام، و عنه قيل: إنه الموتان الذي أنذر به (عليه السلام).

و في سنة 750 نقل الحاج أرقطاي الناصري إلى نيابة دمشق فخرج إليها فمات بعين المباركة و حمل إلى حلب و دفن بتربة سودي. و ولي حلب قطليجا الحموي فمات بعد شهر من ولايته، فوليها بعده الأمير أرغون الكاملي. و في سنة 751 كثر طغيان العرب و التركمان في بلد سنجار و تمادى بغيهم و فسادهم و نهبوا أموال التجار و قطعوا الطريق فركب إليهم الناصري نائب حماة مع العساكر الشامية وجدّ في حصارهم بقلعة سنجار حيث تحصنوا بها و ضيّق عليهم إلى أن نفذ (1) زادهم و طلبوا الأمان فأمنوهم و أنزلوهم و انقطع فسادهم، و زيّنت حلب يوم قدوم الناصري منصورا عليهم مظفرا بهم. و في سنة 752 ولي نيابة حلب الأمير سيف الدين بيبغاروس القاسمي.

و في سنة 753 أظهر بيبغاروس العصيان و انضم إلى نائب صفد و حماة و طرابلس و الأمير زين الدين قراجا بن دالغادر، و ساروا إلى دمشق و حصروها إلى أن مشى عليهم الملك الصالح فساروا عنها إلى حلب. و في هذه السنة ولي نيابة حلب ثانية سيف الدين أرغون الكاملي. و فيها في سلخ شعبان ورد على حلب نائب صفد و حماة و طرابلس- و معهم عدة عربان و تركمان- و كانت خالية من العسكر و النوّاب، و ذلك قبل أن يصل إليها نائبها أرغون الكاملي المذكور. و كان عسكر حلب في تجريدة (2) فنزل النواب المذكورون بظاهر حلب من جهة القلة و عسكرهم قد أحاطوا بهم. ثم زحفوا على المدينة فقتلوا جماعة من المسلمين و أشرفوا على فتح حلب ثم انصرفوا عنها و كانت عاقبة نائبي صفد و حماة القتل في دمشق، و عاقبة بيبغاروس القتل تحت قلعة حلب صبرا. و فيها ظهر شخص بحلب يعرف‏

____________

(1) الصواب: «نفد» بالدال.

(2) التجريدة: الطائفة من الخيل. و تطلق أيضا على الجماعة من الجند.

154

بوضاح الخياط و ادعى النبوة و ذكر أنه قيل له: يا أيها الناس إني رسول اللّه إليكم جميعا.

فسجن و استتيب.

و في سنة 754 توجه أرغون الكاملي نائب حلب مع العساكر الحلبية إلى مدينة البستان في طلب الأمير قراجا بن دلغادر مقدم التركمان، ليقبض عليه بسبب اتفاقه مع بيبغاروس، فلما وصلوا إليها وجدوها مقفرة خالية و قد انهزم قراجا المذكور، فجاسوا خلال الديار و هدموا الحصون و الأسوار. و في ذلك يقول ابن حبيب الحلبي مخاطبا لأرغون:

نازلت «أبلستين» يا ليث الشّرى‏* * * و نزيلك التوفيق و التمكين‏

أقوت معالمها و أقفر أهلها* * * و كذا ديار الظالمين تكون‏

ثم سار النائب المذكور يتتبع آثار المنهزمين حتى أدرك قراجا المذكور بأطراف الروم و قد التجأ إلى صاحبها، فأمسكه و جهزه إلى السلطان بمصر فقتله. و عاد أرغون إلى حلب.

و في سنة 755 ولي نيابة حلب الأمير سيف الدين طاز الناصري فاعتقل بعد ثلاث سنين.

و في سنة 758 مات أرغون الكاملي بالقدس الشريف، و هو صاحب المارستان بحلب داخل باب قنسرين، و قد وقف عليه قرية بنّش من الغربيات. و قد سبق الكلام عليه عند ذكر محلة باب قنسرين في الجزء الثاني. و في سنة 759 ولي نيابة حلب سيف الدين منجك الناصري. ثم في هذه السنة وليها الأمير علاء الدين المارديني.

و في سنة 760 اجتمع أولاد مهنّا و من تبعهم من العرب، و انضم إليهم جمع من بني كلاب، و غزوا التركمان في العمق و نهبوا منهم ما يزيد على عشرين ألف بعير. و تواترت الحروب بينهم و انقطع الطريق و اضطرب الناس. و فيها ولي نيابة حلب الأمير سيف الدين بكتمر المؤمني، ثم وليها الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي.

غزو بلاد سيس‏

و في سنة 761 توجه النائب المذكور صحبة العساكر الحلبية لغزو بلاد سيس فوصلوا إليها و نازلوا أكثر مدنها و أسروا و غنموا. ثم أتوا إلى طرسوس المدفون بها عبد اللّه المأمون ابن هارون الرشيد ففتحوها من أيدي الأرمن و مهدوها و أصلحوا جوامعها و أخذوا ما وجدوا من الخيول و الأسلحة. ثم دنوا من المصيصة- و هي بلدة قديمة يجري بوسطها