نهر الذهب في تاريخ حلب‏ - ج3

- كامل بن حسين الحلبي الغزي المزيد...
640 /
205

توريث ذوي الأرحام من الشافعية:

و في هذه السنة حكم قاضي حلب بتوريث ذوي الأرحام من الشافعية من مورثهم مخالفا للحكم السلطاني الذي أخرجه قرا قاضي المتقدم ذكره. و في سنة 956 عاد السلطان سليمان خان من غزو بلاد العجم و دخل حلب و أمر بعمارة القسطل المنسوب إليه في ظاهر باب الفرج بحلب. و كان مع السلطان ولده جهانكر فمرض بحلب و توفي بعد أيام من مرضه. فأمر والده بغسله فغسل و صلّي عليه تحت القلعة و أم بالناس إمام السلطان الذي كان معه، ثم ساروا بالنعش إلى الفردوس تفاؤلا بأن يسكنه اللّه جنة الفردوس، و هناك شقوا بطنه و جوفوه و دفنوا أمعاءه و وضعوه في صندوق، فساروا به إلى القسطنطينية فدفنوه بها.

قدوم كوهر ملكشاه إلى حلب:

و في سنة 959 قدمت إلى حلب كوهر ملكشاه ابنة عائشة السلطانة بنت السلطان بيازيد خان، و كان قدومها من الحج الشريف على ولدها محمد باشا ابن توقه كين والي حلب، صاحب جامع العادلية. فخرج الحلبيون لملاقاتها و أدخلوها حلب في أبهة زائدة و مشهد عظيم. ثم توفيت في السنة نفسها (1) و دفنت ببيت اشتراه لها ولدها المذكور قرب السفاحية. ثم حصل بجواره بعد خرابه مسجد رتب فيه ثلاثون قارئا يقرءون في كل يوم ختمة، و لكل قارى‏ء درهم.

و المفهوم من هذه الحادثة أن والي حلب في هذه السنة هو محمد باشا عادلي‏ (2) و غلط في السالنامة المتقدم ذكرها، إذ ذكره في سنة 972 فإنه في هذه السنة لم يكن حيا، فضلا عن كونه واليا في حلب، فقد توفي بالروم سنة 964 كما نبّه على ذلك في در الحبب.

و لم أقف على من كان بينه و بين سنان باشا من الولاة، و لم أطلع على تاريخ انفصال سنان باشا و ابتداء ولاية محمد باشا في حلب.

و في سنة 960 ولي حلب بيربك بن خليل أخو قباد باشا الآتي ذكره قريبا. و في سنة 961 ولي حلب قباد باشا بن خليل بن رمضان القرماني.

____________

(1) أي سنة 959 ه. و انظر درّ الحبب ج 2/ 69.

(2) يعني ولد «كوهر ملكشاه»، المذكورة قبل بضعة أسطر. انظر درّ الحبب ج 2/ 263.

206

طاعون:

و في سنة 962 حدث طاعون جارف أهلك العباد و أطار الرقاد و تلف فيه ما لا يعدّ و لا يحصى. و قدر بعضهم أنه هلك فيه عشر سكان حلب.

إحضار ماء السمرمر إلى حلب:

و في سنة 964 أرسل قباد باشا والي حلب رجلا أعجميا إلى ما وراء أصبهان لإحضار ماء السمرمر (1) إلى حلب بسبب جراد مهول كان بها، و حقيق عوده إليها. و حسّن قباد باشا لأرباب الأموال أن يجمعوا للرسول مالا فجمعوا له ما ينوف على مائتي دينار سلطاني، و دفعوا له بعضها و وعدوه بالباقي إذا عاد بالمراد. فذهب و عاد في سنته و معه الماء فخرج الناس إلى لقائه و دخلوا به بالتهليل و التكبير.

و لما كان من تمام خاصّة هذا الماء ألّا يدخل تحت سقف- كما زعموا- كان مستصحبه إذا وصل إلى بلدة يسحبه بحبل من فوق بابها، حتى وصل إلى حلب، فسحب من فوق سور باب قنّسرين إلى أن أريد سحبه من أعلى سور القلعة فعارض دوز دارها (2) و منع ذلك. و عندها وضعوه على قبة التكية الخسروية، و كان الجراد قد غرس في الأرض، فأخذت الحكومة بجمعه من أطراف حلب و هو كالذباب‏ (3) فجمعوا منه- بضبط قاضي حلب- مائتي ألف كيل استانبولي، على كل بيت كيلان فيما زعموا، و ألقوه في الحفر و الآبار المهجورة. فلم يمض القليل من الزمان إلا و كبر ما بقي و زحف على البساتين، فحرّك الماء المذكور ليجي‏ء السمرمر بتحريك الشيخ محمد الكواكبي و معه مريدوه فلم يفد، فزعم الناس أن خاصيته انقطعت إذ لم يكن الوارد به من أهل الصلاح و الشرط أن يكون منهم.

قلت: أدركنا في زماننا أن جماعة من الدراويش المنسوبين إلى الطريقة البكداشية يحضرون إلى البلاد الشامية في أكثر السنين التي يشيع فيها غرس الجراد، و يحضرون معهم‏

____________

(1) السّمرمر: طائر يعادي الجراد و يقتله. و من خواص ذلك الماء- في زعمهم- أنه يكون سببا في جلب طير السمرمر من الأماكن القاصية فيدفع عنهم جيوش الجراد.

(2) الدوزدار: محافظ القلعة، أو ماسك القلعة. و الكلمة فارسية.

(3) في در الحبب 2/ 59: «و هو يومئذ كالذباب صغرا» و هي أوضح.

207

أباريق من الصفيح ضمنها ماء السمرمر، فيعلقونها على جبهة منبر الجامع الكبير و يأخذون عليها من ولاة حلب عطية جرت العادة على أخذها منهم. و قد لاحظتها في سنين كثيرة فلم أر منها أقل فائدة.

غدر والي حلب بالحلبيين:

و في هذه السنة أيضا انفصل قباد (1) باشا. فسرّ الناس بذلك سرورا عظيما إذ تخلصوا من ظلم صوباشيّه‏ (2). و أظهر واحد من الحلبيين لقاضي حلب أمرا بالتفتيش على الصوباشي المذكور، فأرسله القاضي مع الأمر صحبة المحضرباشي‏ (3) إلى قباد باشا، و تبعه باقي المدعين على الصوباشي و جماعة من غوغاء الناس، ينتظرون ما ذا يؤول إليه حال المتخاصمين، و وقفوا بباب دار الحكومة و دخل المدعي المذكور و المحضرباشي إلى قباد باشا، فأمسكه عنده يومين ثم جدع أنفه و أطلقه، و أظهر أن القاضي أشار إليه بذلك مع المحضرباشي، و أنه لو لم يفعل به ذلك لهجم الناس عليه و قتلوه كما قتلوا قرى قاضي السالف ذكره. ثم كتب قباد باشا إلى الباب العالي أن الحلبيين اجتمعوا متسلحين بباب الحكومة ليقتلوه و يدخلوا منزل الحضرة السلطانية الذي حلّ ركابها فيه قديما.

و أما قاضي حلب فإنه حامى عن الحلبيين و كتب عكس ما كتب الوالي، غير أن عرض الوالي وصل إلى الباب العالي قبل عرض القاضي، و شاع في حلب أنه سينفي منها جماعة إلى بغداد. و لما وصل عرض القاضي طلب المحضرباشي إلى الباب العالي، فأحضره القاضي لديه و أشهد على إقراره جماعة ثقات بأنه لم ير أحدا متسلحا بباب الحكومة. ثم توجه إلى الباب العالي و برّأ الحلبيين عن تهمة قباد باشا ثم أمر الباب العالي فرهاد باشا أن يسير إلى حلب و يفحص عن حقيقة هذه المادة فحضر و فحصها من دوزدار القلعة و غيره، و ظهر له أن الحلبيين مظلومون فيها.

و في هذه السنة استقر فرهاد باشا واليا في حلب. و كان عادلا عفيفا ظريفا مطّرح الكلفة، له ولع بالحديث حتى إنه كان يقول: أنا أحفظ ثلاثمائة حديث. إلا أنه أكب‏

____________

(1) في در الحبب 2/ 59 «قباذ» الذال. و كذا في المواضع الأخرى.

(2) الصوباشي: موظف عسكري يعيّن متسلما على مدينة أو يرسل في مهمة خاصة.

(3) المحضرباشي: الذي يدعو المتخاصمين للحضور إلى القاضي لكي يبتّ في دعواهما.

208

على صنعة الكيمياء. و لما كان يوم الجمعة بعد دخوله إلى حلب صلى الجمعة بالجامع الكبير، و بعد فراغ الصلاة طلب الخطيب و أمره أن يذكر في الخطبة الحسن و الحسين قبل الستة الباقين من العشرة فاضطرب الناس لذلك.

خروج الجراد:

و في سنة 965 شاع أن الجراد خرج في بعض القرى فخرج بعض الناس لجمعه بأمر فرهاد باشا. و كان الناس في قحط عظيم وصل فيه رطل الخبز إلى عشرة دراهم. و بينما هم على هذه الحالة إذ نادى مناد من قبل الوالي بخروج أهل حلب إلى ظاهر المدينة لاستقبال ماء السمرمر فخرج الناس إلى قرية بابلّي و رجعوا كأنهم جراد منتشر مع الماء، فرفع إلى مئذنة القلعة دون أن يدخل تحت سقف لئلا تزول خاصيته، و بات أهل حلب في سرور عظيم. و بعد أيام ظهر الجراد في بعض معاملات حلب، فخرج الوالي بنفسه إليه و أخرج خلائق كثيرة ما بين عوامّ يجمعونه و خواص يناظرونهم. و بقي الجمع نحو أسبوع إلى أن دفنوا منه بالحفر و الآبار ما لا يدخل تحت حصر، و انتفع الناس بذلك منفعة بالغة.

و في سنة 967 ظهر جراد صغير في حلب العتيقة، فنادى القاضي أحمد بن محمود ابن عبد اللّه الخالدي بالصيام ثلاثة أيام و التوجه إلى اللّه تعالى بالدعاء لرفعه، بعد أن خرج والي حلب فرهاد باشا إلى المكان الذي هو فيه، في خلائق من أهل حلب و نواحيها يزيدون على عشرة آلاف رجل، يجمعون الجراد في قلاع التوت و البسط و يدفنونه في الأرض بعد قتله. و بقوا هناك نصف شهر و هم في مسافة نصف يوم، و عندهم سوق و بينهم لهو و لعب. و بينما هم كذلك إذ مطرت السماء لا على ناحيتهم بل على ناحية حلب بردا كالبندق و العفص، و ربما وقعت واحدة نحو وقية في ساعة كادت الصواعق تقع بها، فأتلف كثيرا من الخضر و البقول و ما بدا انعقاده من الفواكه. و في سنة 972 ولي حلب أرناود سنان باشا كما في حديقة الوزراء.

تنبيه: لم أظفر بمادة تسفر عن حوادث حلب من سنة 968 إلى سنة 988 أما ولاة حلب في هذه المدة فإني ذاكرها نقلا عن سالنامة الولاية، و إن كان بعضها خطأ فإن العهدة على مرتبها.

حرر في سالنامة سنة 1303 أن والي حلب سنة 973 عاد إلى محمد باشا و قد علمت‏

209

ما فيه. قلت: ذكر المجبّي في الخلاصة أن حسن باشا ابن محمد باشا صرف من كفالة حلب إلى دمشق سنة 985 و لعل والي حلب سنة 987 ألوند علي باشا، كما يستفاد مما كتب على الباب الشمالي، أحد أبواب الجامع الكبير. و فهمت من كتاب وقف جامع البهرمية أن بهرام باشا كان واليا في حلب سنة 991 و لم أعلم متى عيّن ثم متى انقضت ولايته. اه.

قال في السالنامة المذكورة: و في سنة 994 ولي حلب رضوان باشا. و في سنة 995 حسن باشا. و في سنة 999 الحاج أحمد باشا. و في سنة 1002 محمد باشا. اه.

الشركة الشرقية في حلب:

قال في محلة المقتطف: و في سنة 989 تشكلت الشركة الشرقية بأمر الملكة إليصابات الإنكليزية، و بعد ذلك بزمن يسير فتحت محلا للتجارة في حلب مع بلاد فارس و الهند في الطريق البري، و عيّن للدولة الإنكليزية قنصل عرفه السلطان مراد خان الثالث. و كان في حلب و غيرها من الممالك العثمانية كثير من المحلات التجارية الفرنسوية. اه.

و في سنة 1008 كانت وفاة «أحمد بن موتياب باشا» أمير الأمراء بحلب و واليها، و دفن بمحلة الجلوم.

حريق في حلب و فساد من العرب:

و في إبّان ولاية «موتياب أحمد باشا (1)» وقع الحريق في سوق العطارين و ذهب للناس أموال كثيرة. قيل: سببه أن بعضهم نسي في الكانون بعض النار. و قيل: إن جماعة الباشا فعلوا ذلك ليغرّموا الناس بالأموال. و الأول أولى. و في أيام هذا الوالي أيضا وقع من العرب فساد كثير لم يعهد مثله. و قد بنى الوالي المشار إليه مدرسة و شرط لمدرّسها في اليوم عشر قطع فضية، و قيل عشرين عثمانيا صحيحا، و رتب ثلاثين قارئا يختمون في كل يوم ختما، و بنى له مدفنا و وقف على ذلك خانا و بعض دكاكين. اه. ذكر ذلك كله الشيخ أبو الوفا العرضي في معادن الذهب، و لم يذكر متى ولي الباشا المذكور حلب، و لا عيّن مكان‏

____________

(1) قلب المؤلف اسم الوالي هنا، خلافا لما ذكره قبل سطرين. و هو في معادن الذهب 187 و خلاصة الأثر 1/ 187 هكذا: «أحمد بن مطاف». و انظر كتاب الآثار الإسلامية و التاريخية في حلب 289، 358.

210

مدرسته و ما وقفه عليها و على المدفن. و في هذه السنة أعني سنة 1008 عين واليا على حلب أمير الأمراء الحاج إبراهيم باشا.

فتك إبراهيم باشا بالانكشارية و ذكر شي‏ء من فظائعهم:

و في ربيعها الآخر فتك إبراهيم باشا بالانكشارية الدمشقيين، و كانوا قد استطالوا على فقراء حلب و أفحشوا في ظلم الرعايا جاعلين وسيلة ذلك تحصيل الأموال السلطانية فيتوصلون إلى أغراضهم الفاسدة، حتى تزوجوا النساء في حلب و صارت لهم قرى و أملاك. فعرض الوالي ذلك إلى السلطان فورد أمره بإجلائهم عن حلب إلى بلادهم دمشق، فأمرهم بالرحيل فلم يرحلوا و جمعوا جموعهم بالقصير و استعدوا للمحاربة و نهبوا الأموال، فتمكن إبراهيم باشا منهم و قتل سبعة عشر من أعيانهم و رفع رؤوسهم على الرماح.

ثم عرض على الدولة أن تجعل قولا- أي جيشا- لمدينة حلب، فلم تجبه، و عزل عن ولاية حلب في اليوم الحادي عشر شوال سنة 1009 صرح بعزله مصطفى نعيما في تاريخه «الروضتين».

و بعد أن عزل إبراهيم باشا من ولاية حلب ولي مكانه علي باشا، و كانت الدولة استصوبت رأي إبراهيم باشا- الذي سبق ذكره- بتخصيص حلب بقسم من الجنود.

و لما دخل حلب علي باشا الجديد كتب «القول» الجديد و رتبه على هيئة «قول» الشام و غيرها فلم يجد ذلك نفعا، و زاد الدمشقيون في عتوّهم و غلوائهم و بقيت في أيديهم خدمة الدفتردار و دار الوكالة و أبواب قناصل الإفرنج. و كان من جملة أعمالهم الفظيعة أنهم يعطون مال السلطنة عن القرية و يأخذون من أهلها أضعافا مضاعفة، و تبقى أهل القرية جميعا خدمة لهم يأخذون منهم جميع محاصيلهم. و لما وصل ضررهم إلى هذه الرادة جمع علي باشا زعماءهم بمحضر من العلماء و الأمراء و أمرهم بالخروج من حلب، و نادى الناس عليهم ألّا يستوطنوا بحلب. فخرجوا و قوي عليه الحلبيون و طردوهم و أساؤوا إليهم، حتى إنهم قتلوا منهم عسكريا.

فتوجه الدمشقيون إلى الشام و حشدوا و جمعوا و استعانوا و رجعوا إلى محاربة الحلبيين.

و في أثناء غيابهم عيّن واليا على حلب بشير باشا، ثم سعى بولاية حلب شريف باشا كافل دمشق، فعيّنه إليها السردار حسن باشا و رفقه بعساكر دمشق و سيّره معهم إلى حلب.

211

فوصل شريف باشا إليها و دخلها من باب المقام و خرج من باب بانقوسا إلى الميدان. فوجد بشير باشا و العساكر الحلبية ناصبين خيامهم هناك و هم على عزم التوجه إلى حسن باشا، السردار المذكور- و كان في دمشق- فنزل شريف باشا مع الدمشقيين في قرية بابلّي، و إذا بالمساء ورد تقرير بشير باشا بولاية حلب من جانب السردار المذكور متأخر التاريخ.

ففي اليوم الثاني وقعت محاربة عظيمة بين الأميرين و اتخذ كل منهما متاريس و أمر بشير باشا بإطلاق المدافع من قلعة حلب على شريف محمد باشا و الدمشقيين فتوقف شريف باشا عن المحاربة و ارتحل بعسكره ليلا.

و لما وقعت هذه الفتنة عرض بشير باشا إلى حسن باشا السردار واقعة الحال و طلب منه الاستعفاء، فأجابه إلى ما طلب و أرسل إلى حلب متسلما من قبل شريف باشا. و كان الدمشقيون رجعوا إلى دمشق و تقوّوا و عادوا إلى حلب و معهم نحو عشرة آلاف عسكري، و لم يكن عند الحلبيين سوى نحو ألف و خمسمائة عسكري، فخرج الحلبيون لمحاربة الدمشقيين و هم في قرية الراموسة، و دام الحرب بينهم من الصباح إلى قرب العصر، فانكسر الحلبيون و رجعوا و أكثرهم مثخن بالجراح. و في الليل دخل الدمشقيون إلى المحلات الخارجة عن السور. فلما طلع النهار أغلق الحلبيون أبواب المدينة- سوى باب قنسرين- و وضعوا عليها المدافع. و اتخذ الدمشقيون المتاريس عند باب النصر و باب بانقوسا و صاروا يرمون بعضهم بالمدافع. و في كل ثلاثة أيام يخرج الحلبيون إلى جانب باب قنّسرين و يحاربون الدمشقيين. و قد خرج غالب أكابر حلب إلى القلعة خوفا من هجوم الدمشقيين على أسوار حلب. و كان معظم ذلك في شهر رمضان سنة 1010.

و لما قدم حلب يحيى أفندي ابن بستان- قاضيا عليها- أنزله الدمشقيون عندهم خارج البلد و نسبوا الحلبيين إلى العصيان على السلطان، فأحضر القاضي علماء حلب و أمراءها و كتبوا محضرا إلى حسين باشا الجانبلاط- كافل كلّز- يطلبون حضوره ليصلح بينهم و بين الدمشقيين. فحضر بعد ثلاثة أيام بعساكر كثيرة و دخل الجامع الكبير و أحضر العلماء و الأعيان و قال: هذه فتنة لا تنطفى‏ء إلا بقتل خليل كيخيه كبير «القول» الحلبي، و محمد جاويش من الشوربجية، و جمال الدين منهم أيضا. فأبى الحلبيون أن يعطوا واحدا منهم، و طال الكلام و كثر اللغط حتى رضي الدمشقيون بوضع الثلاثة في القلعة ساعة من النهار إهانة لهم و إطفاء للفتنة. فرضي الحلبيون بذلك و حلفوا بالله على المصحف‏

212

أن الدمشقيين الذين لهم دور في حلب يقيمون في دورهم، و من لم يكن له دار منهم يرجع إلى وطنه.

ثم فتحوا باب الفرج لقضاء حوائج الدمشقيين و وقف به ثلاثون رجلا من «القول» الحلبي حرسا و رقباء على من دخله من الدمشقيين بسلاح. و في ثالث يوم هجم الدمشقيون و قتلوا من كان بباب الفرج و أخذوا في نهب دار محمد جاويش المتقدم ذكره. فثار الحلبيون و خرجوا إلى القلعة. فأرسل يقول لهم حسين باشا الجانبلاط: كان عند الدمشقيين حرارة فانطفأت بنهب دار محمد جاويش و عفا اللّه عما مضى. فانخدع الحلبيون و سكنوا. أما الدمشقيون فإنهم زادوا في طغيانهم و استطالوا على نهب دور الحلبيين. و لما رأى حسين باشا أن الداء عضال ولّى إلى كلّز و قال: سلّط اللّه الكلاب على البقر. و أخذ الدمشقيون في محاصرة القلعة و وضعوا المتاريس في سوق السراجين، و كان الحلبيون يهجمون على الدمشقيين و يقتلون منهم. فدخل الدمشقيون ليلا من تحت القسطل المقارب لباب القلعة و وضعوا النفط و القطران و أحرقوا جسر باب القلعة. و عجز الحلبيون بعده من الوصول إلى الدمشقيين.

و في غضون ذلك ورد حلب واليا عليها حسن باشا ابن علي باشا ألوند، فرشاه الدمشقيون بخمسين ألف قرش فأمر برفع القتال حتى يصدر أمر الدولة باستخدام أحد القولين في حلب. ثم لما نزل الحلبيون من القلعة و رأوا دورهم متهدمة و أموالهم منهوبة و أمارات الغدر تلوح على الدمشقيين، قالوا في أنفسهم: تغدّوا بهم قبل أن يتعشّوا بكم.

فهجموا عليهم و أثخنوهم بالجراح و القتل ثم وقع الفشل فيهم و عادوا إلى حصار قلعتهم، و شدد الدمشقيون الحصار عليهم حتى رضوا بترك الخدمة بالكلية إلى الدمشقيين. فرفع الدمشقيون عنهم الحصار و أمنّوهم إذا نزلوا. فانخدع الحلبيون و نزلوا من القلعة فلم يشعروا إلا و الدمشقيون قد هجموا عليهم و أخذوا في قطع رؤوسهم بحضور الوالي و القاضي و هما ساكنان، حتى جمعوا من رؤوس الحلبيين مقدار القبة و كان ذلك في يوم عرفة من السنة المذكورة و هي سنة 1010 وصفا الوقت للدمشقيين، و أخذوا استخدام بيت القاضي و بيت الصّوباشي و بيت القنصل و بيت الدفتردار، و استولوا على حلب أكثر من استيلائهم الأول، و تزوجوا ببنات أعيان حلب، و عاد ظلمهم و عسفهم.

213

و في أوائل سنة 1011 قدم حلب واليا عليها نصوح باشا المشهور بناصيف باشا فأخذ يمهد أسباب إزالة ضرر الدمشقيين سرا و يستعدّ لكبتهم خفية، لأنهم صاروا أولي قوة و منعة، و طغوا و بغوا و خافهم الكبير و الصغير من أهل حلب، و استولوا على أكثر قراها بحيث قلّت الأموال السلطانية و صار أهل القرى كالأرقّاء لهم. و لما استحكم نصوح باشا من أمره و استعد لكبحهم أخذ في رفع أيديهم عن القرى و إجلائهم إلى بلادهم، و حصل بينه و بينهم وقعة عظيمة و كان مساعده عليهم حسين باشا كافل كلّز، ففروا بين يديه هاربين إلى حماة ثم جمعوا و حشدوا و جاؤوا إلى كلّز و حاصروها و خربوا ما حواليها من القرى كالباب و عزاز و قرى حلب و نهبوا الأموال و هتكوا النساء و افتضت عدة أبكار، و دخل بعض أشقيائهم بكلّز الحمّام و فعلوا أفاعيل جاهلية. ثم تلاقوا مع نصوح باشا و ابن الجانبولاط خارج كلّز يوما واحدا ثم انهزموا و عادوا إلى دمشق.

ثم رجعوا إلى قرب حماة و تظاهروا بقطع الطريق و ضربوا على حمص و حماة ضرائب من المال، و اعترضوا القوافل و جرّموهم. فتقدم إليهم نصوح باشا و أطلق عليهم المدافع، فلم يكن غير ساعة حتى انهزموا و عادوا إلى دمشق و نهبوا قراها و عاثوا خلالها في الفساد.

و كان ذلك في سنة 1012 و لما استهلت سنة 1013 تفرقوا عن بعضهم لعجزهم و انقطع أمرهم عن حلب، و كفى اللّه المؤمنين القتال.

تبييض القلعة: و في هذه السنة بيض نصوح باشا قلعة حلب و أجرى عليها بعض الترميم، فقال بعضهم مؤرخا:

يمينا قلعة الشهباء أضحت‏* * * عروسا عرفها مسك يفوح‏

و قالت: أرّخوا، أعني بياضي‏* * * فأرّخها مبيّضها نصوح‏

قيام نصوح باشا على حسين باشا الجانبولاط و ما جرى بينهما:

و لما صفا الوقت لنصوح باشا والي حلب صار يشيع بين الناس أنه يريد قتل حسين باشا الجانبولاط والي كلّز زاعما أنه عاص على الدولة، مع أن حسين باشا المذكور لا يستحق من نصوح باشا هذا الجزاء بعد أن ساعده على انكشارية دمشق، و ليس هو

214

عاص‏ (1) على الدولة- كما زعم نصوح باشا- بل كانت الدولة تراعيه نظرا لما عنده من الشهامة و الشجاعة، و بقاؤه في كلّز واليا زمنا طويلا لا لعصيانه على الدولة إنما كانت الدولة ترى في عزله بعض الصعوبة، و تخشى من وقوع فتنة من عشيرة الجانبلاط إذا هي عزلته، فكانت تغضي عنه الطرف و تقنع منه بالمال و هو في غاية الطاعة. و لما بلغه تهديد نصوح باشا إياه أخذ في جمع العساكر فسمع بذلك نصوح باشا و خرج بعساكره جريدة إلى كلّز فقابله حسين باشا بعساكره الكثيرة و كسره كسرة شنيعة، و انهزم نصوح باشا في عسكر قليل إلى حلب.

و بعد أيام قلائل أخذ في الاستعداد ثانيا لمحاربة حسين باشا و بذل الأموال و حشد الأبطال. و بينما هو كذلك إذ ورد على حلب قبجي باشي من قبل السردار سنان باشا ابن جفال يخبر نصوح باشا بالأوامر السردارية أنه قد صار حسين باشا كافل الممالك الحلبية، و عزل نصوح باشا منها. فغضب لذلك نصوح باشا غضبا شديدا و امتنع عن تسليم حلب لحسين و قال: إذا ولّوا حلب عبدا أسود فإني أطيعه إلا ابن الجانبولاط. و كتب إلى الدولة أن أمراء العشائر لا تصلح أن تكون ولاة للدولة. فما مضى أسبوع إلا و قد أقبلت عساكر حسين باشا إلى قرية هيلانة فاستقبلهم نصوح باشا فانكسر و عاد إلى حلب.

و نزل حسين باشا مع عساكره في محلات حلب خارج السور، و أغلق نصوح باشا أبواب المدينة و سدّها بالأحجار و فتح باب قنّسرين و حرسه بعساكر وقفهم هناك، و قطع حسين باشا الماء عن حلب و منع الميرة و الطعام عن داخل حلب و نصب المتاريس على أسوار البلد، و حفّ نصوح باشا عساكره على الأسوار مع المدافع، و قام بين الفريقين حرب مهولة و أخذ حسين باشا في حفر اللّغوم و الاحتيال على أخذ البلد، و أخذ نصوح في حفر السراديب لدفع اللغوم، و عمّ الحلبيين أنواع الكدر من المبيت على الأسوار و حفر السراديب و مصادرة الفقراء و الأغنياء كل يوم لطعام السكبانية و علافتهم‏ (2)، و إغلاق الدكاكين و تعطل الصناعات و حرق الأخشاب للطعام و القهوة بسبب قطع حسين الميرة حتى الحطب، و نزل البلاء من جانب السماء على حلب، فبيعت الحنطة: المكوك بمائة

____________

(1) الصواب نصب خبر ليس: «عاصيا».

(2) السكبانية: عساكر غير منظمة. و العلافة، و كذا العلوفة: أعلاف الدوابّ. و تطلق أيضا على ما يشبه التعويضات و الاستحقاقات كالرواتب و ما إليها.

215

قرش ريالي، و جرّة الشيرج بثمانية قروش، و رطل لحم الخيل الكدش بنصف قرش، و التينة الواحدة بقطعة، و أوقية بزر البطيخ بأربع قطع. و أعظم من في البلد يجد أكل البصل و الخل من أحسن الأطعمة. و كان بعضهم يأخذ الشمع الشحمي و يضعه في طعام الأرز و البرغل، و كانت العساكر لا تجد التبن بل كانوا يأخذون الحصر و ينقعونها في الماء و يطعمونها للخيل.

و كان كل فقير يغرّم في اليوم قرشين و المتوسط عشرة و الغني عشرين.

و استمر الحصار نحو أربعة أشهر، و أيام كل ذلك كان في سنة 1013 و بينما كان الحال كذلك إذ قدم إلى حلب قاضيا عليها السيد محمد المشهور بشريف أفندي، فنزل خارج المدينة و أخذ يسعى في الصلح فتم على يده، و لم يثق نصوح إلا بأيمان السّكبانية و عهودهم، فحلّفهم جميعا بالسيف على أن يكون آمنا على نفسه و أمواله، و أنه إذا تعرض لها حسين باشا يقاتلونه معه. ثم أمر القاضي نصوح باشا أن يذهب بنفسه إلى حسين و يصالحه فأجابه، و توجه نصوح إلى منزل حسين فأكرمه و سقاه شربة سكّر بعد أن شرب منها حسين أمامه تأمينا له، فشرب نصوح ثم خرج من البلد بعساكره و طبوله و زموره دون أن يتعرض له أحد بسوء. و استولى حسين باشا على ولاية حلب و شحنها بالسكبانية و صادر الأغنياء و الفقراء لأجل علوفتهم.

قتل حسين باشا:

و في سادس عشر جمادى الآخرة سنة 1014 كانت كسرة الوزير سنان باشا ابن جفال ببلاد العجم، و كان قد أرسل إلى حسين باشا بالتوجه إليه ليكون معه في محاربتهم، فتثاقل حسين باشا عن التوجه و تباطأ. و لما رجع سنان باشا من الكسرة تلاقى مع حسين باشا في «وان» فاتهمه بالمخامرة على الدولة و خنقه في الحال و قطع رأسه. و كان ذلك في السنة المذكورة.

عصيان علي باشا على الدولة و ما آل إليه أمره:

و لما سمعت عشيرته بحلب أنه قتل ظلما و عدوانا ثارت فيهم الحمية و قاموا على قدم و ساق، لا سيما ابن أخي المقتول علي باشا، فإنه استشاط غضبا و تحرّق غيظا، و كان هو وكيل غيبة المقتول، فحشد إليه أخلاط الناس و غوغاءهم و تغلّب على حلب. و لما

216

اتصل الخبر بالدولة أرادت أن تتدارك الخرق و تجبر الكسر، فأرسلت بمنشور إيالة حلب إلى علي باشا فازداد عتوا، و جمع جمعا عظيما من السّكبان حتى صار عنده ما يزيد على عشرة آلاف فارس، و منع المال المرتّب عليه و نهب في تلك الأطراف، و دبّر على قتل والي حلب حسين باشا، و كان ولاه السلطان عليها لما بلغه خروج علي باشا عن الطاعة. و كان حسين باشا المذكور وصل إلى أذنة فأرسل علي باشا إلى حاكمها الخارجي أيضا المعروف بجمشيد أن يصنع لحسين باشا ضيافة و يقتله فيها، ففعل.

و نما خبره إلى الأقطار و استمر علي في حلب يظهر الشقاق إلى أن أرسل الأمير يوسف ابن سيفا صاحب عكا إلى باب السلطنة رسالة يطلب فيها أن يكون أميرا على عسكر الشام، و التزم بإزالة ابن الجانبولاط عن حلب. فجاءه الأمر على ما التزم. فجمع عساكره و التقى مع ابن الجانبولاط في قرب حماة فانكسر ابن سيفا، و استولى ابن الجانبولاط على أثقاله و فرّ ابن سيفا إلى دمشق. و سار ابن الجانبولاط إلى طرابلس و استولى عليها و ضبط ما وجده فيها من الأموال. و في يوم السبت من أواسط جمادى الآخرة سنة 1015 التقى ابن الجانبولاط بعسكره مع عساكر دمشق في وادي دمشق الغربي، فما مرّ مقدار جلسة خطيب إلا و انكسر عسكر دمشق و تقدم ابن الجانبولاط لنهب دمشق. ثم صالحوه على مائة و عشرين ألف قرش و رحل عنهم عائدا إلى حلب. و في طريقه صالح ابن سيفا و صاهره ثم سار إلى حلب و جاءته الرسل من جانب السلطنة تقبّح عليه ما فعله بالشام، فكان تارة ينكر فعله و تارة يحيل الأمر على عسكر الشام. و شرع بسد الطرقات و بقتل من يعرف أنه سائر إلى طرف السلطنة، و أخاف الخلق و نفذ حكمه من آذنة إلى نواحي غزة.

و انقطعت أحكام السلطنة من البلاد المذكورة سنتين و وقعت الوحشة و انقطعت الطرقات، إلى أن أمر السلطان وزيره الأعظم قويجي مراد باشا السردار بالمسير إلى ابن الجانبولاط و غيره من العصاة في نواحي آذنة و سيواس و غيرهما. فخرج الوزير من «إسكدار» و معه من العساكر الرومية ما يزيد على ثلاثمائة ألف، ما بين فارس و راجل.

فمر في طريقه على الخوارج المذكورين و أبادهم. ثم قصد جهة حلب و لما بلغ خبره مسامع ابن الجانبولاط وضع أثقاله بقلعة حلب و حصّن أسوار البلد و تأهب لملاقاة العساكر، و أرسل فرقة من أجناده لتحصين جبل بقراص ليمنعوا العساكر من المرور. غير أن مراد باشا لم يأت من هذا الطريق الضيق إنما أتى من جبل قاز فلم يشعر ابن الجانبولاط إلا و عساكر

217

الوزير قد دهمته، و كان الحرب نهار الثلاثاء ثالث رجب سنة 1016 بأرض مرج دابق من أعمال قنّسرين، و كان مع ابن الجانبولاط من العسكر زهاء أربعين ألفا، و قد انضم إلى الوزير ذو الفقار رستم باشا حاكم مرعش و معه عساكر ذي القدرية (1). فلما اشتبك الحرب بين الفريقين كادت تكون الغلبة لابن الجانبولاط ثم عادت الكرة عليه و قتل من عسكره نحو سبعة و عشرين ألفا و ولى منهزما لا يلوي على أحد حتى وصل إلى مسقط رأسه كلّز. فلم يقرّ له قرار فيها و جاء إلى حلب و صادر عدّة من أغنيائها و صعد القلعة و معه بعض رؤساء عسكره فاستقام ليلة و نزل منها معوّلا على الفرار. فخرج من باب بانقوسا فصاحت عليه النساء من الأسطحة بالويل و الثبور و عظائم الأمور و صرن يقذفن عليه القذر و النجاسات. و بعد أن خرج من حلب اختفى ببعض بساتينها.

أما مراد باشا فإنه في ثاني يوم من الوقعة توجه إلى حلب و اجتاز بطريقه إلى كلّز للتفتيش على ابن الجانبلاط فلم يره، فضبط جميع أمواله لبيت المال، و توجه منها إلى حلب فوصل إليها في التاسع عشر رجب و ضرب خيامه في الميدان الأخضر، و استقبله أعيان البلدة و وجهاؤها و هنّؤوه بالظفر و النصر. ثم التفت الوزير إلى استخلاص القلعة من أيدي بعض أعوان الجانبولاط فرام محاصرتها، فتحقق من فيها بأن كل محصور مأخوذ فطلبوا من الوزير الأمان فأنزلهم بأمانه، و كانوا نحو ألف رجل و كان منهم نساء ابن الجانبولاط. فلما نزلوا بادروا إلى تقبيل ذيل الوزير فأشار إلى النساء أن يسكنّ في مكان معلوم، و فرق الرجال على أرباب المناصب، و طلع إلى القلعة و رأى فيها ما لا يدخل تحت الحصر من أموال ابن الجانبولاط فضبطه كله إلى بيت المال. ثم شرع يتجسس في حلب على الأشقياء و أتباعهم فقتل منهم جماعة، و قرر الراحة في حلب و ولّى عليها حسين باشا و ولّى قضاءها جشمي أفندي قاضي العسكر. و نظم أمور العسكر و أكمل الشتاء في حلب ثم أقلع عنها.

و أما ابن الحانبولاط فإنه هرب إلى ملطية ثم سار منها إلى الطويل الخارج على الدولة في بلاد الأناطولي، و أراد أن يتحد معه فقال له الطويل: أنا و إن كنت مسمّى بالعاصي لكني ما وصلت في العصيان إلى رتبتك. فرحل عنه بعد ثلاثة أيام و سار إلى العبد السعيد و معه ابن قلندر، فتلقوه و عظموه و أرادوا أن يجعلوه رئيسا عليهم فشرط عليهم شروطا

____________

(1) انظر حاشية المؤلف عند كلامه على حوادث سنة 767 ه.

218

لم يقبلوها فخرج من عندهم و توجه إلى «برصة» و دخلها ليلا و اتصل بحاكمها و عرّفه بنفسه، فتحير منه و قال له: ما سبب وقوعك؟ فقال: ضجرت من العصيان، فأوصلني إلى السلطان. فوصله و سأله السلطان بقوله: ما سبب عصيانك؟ فقال ما أنا بعاص إنما اجتمعت عليّ فرق الأشقياء و ما خلصت منهم إلا أن ألقيتهم في فم جنودك و فررت إليك فرار المذنبين، فإن عفوت فإنت أهل لذلك، و إن أخذت فحكمك الأقوى. فعفا عنه و أعطاه حكومة طمشوار داخل بلاد الروم، فبقي بها سنة ثم عاد إلى ديدنه الأول و تجاهر بالعصيان فبرز الأمر بقتله و أرسل رأسه إلى باب السلطنة، و كان ذلك في حدود 1020.

قال مصطفى نعيما الحلبي في تاريخ الروضتين: إن عشيرة الجانبولاط من عشائر الأكراد في سنجق كلّز في قرب حلب، و إن حسين باشا المقتول- عمّ علي باشا المذكور- هو أكبر رجالهم، و كانت له أعمال تستحق الذكر لأن الدولة العثمانية كانت تأمره بالسفر شرقا و غربا فيسرع الإجابة هو و عشيرته و يبلي في عدوها بلاء حسنا.

قلت: ذكر في «درّ الحبب» في ترجمة أحد أجداد المذكور- على ما أظن- أن أصل هذه العشيرة من جبال القصير و أنهم كانوا في مبدأ أمرهم منحرفين عن السنّة. ذكر في السالنامة أن الوالي في حلب سنة 1017 حسن باشا، و الظاهر أنه تحريف حسين باشا الذي عينه مراد باشا السردار كما تقدم. و ذكر في السالنامة أن الوالي على حلب في السنة المذكورة ملك محمد باشا.

قتل ملحد:

و في سنة 1018 قتل في حلب أبو بكر الأرمنازي، شهد عليه جماعة بالكفر فضربت عنقه تحت القلعة، و جاء الناس بالنفط و القطران و حرقوه حتى صار رمادا. و فيها ولي حلب سنان كجك باشا. و في سنة 1019 توفي سنان باشا المذكور بحلب. و في أوائل سنة 1020 ولي حلب قره دده باشا. و في سنة 1024 في شعبان وصل إلى حلب داماد محمد باشا الوزير الأعظم السردار متوجها إلى «وان» فبقي في الميدان هو و عسكره إلى انقضاء الشتاء. و في ابتداء الربيع رحل عنها و كان ذلك في ربيع الآخر سنة 1025 و فيها ولي حلب كمكجي أحمد باشا. ثم في سنة 1026 وليها محمود باشا. ثم في سنة 1027 وليها قره اقش محمد باشا. ثم في سنة 1028 وليها حسن باشا. و في سنة 1029 قدم‏

219

حلب منفيا داماد محمد باشا المتقدم ذكره، فتوفي بها و دفن في تكية الشيخ أبي بكر. و في سنة 1030 ولي حلب يوسف باشا. و في سنة 1033 وليها كوسا مراد باشا.

شغب الإنكشارية:

و في سنة 1035 طغت الإنكشارية في حلب و قد حضر إليها حافظ باشا، و كان في ديار بكر، فتواطئوا على قتل رئيس كتابهم مالقوج أفندي، فعوّل على الفرار و سعى في تهريبه من بين أيديهم أحمد آغا المعروف بقره مذاق من الرجال الأقدمين في الوجاق الواقفين أنفسهم في خدمة السلطان عثمان. فوثب الإنكشارية و حزّوا رأسه بالموسى و طرحوا جسده في مزبلة الخندق. و فيها أعني سنة 1035 ولي حلب مصطفى باشا. و وليها في سنة 1037 سليمان باشا. و في سنة 1039 محمد باشا مرة ثانية. و في سنة 1040 مرتضى نوغاي باشا. و فيها وصل إلى حلب السردار الأعظم محمد باشا فتلقاه واليها مرتضى نوغاي باشا إلى قرب قلعة بقراص، و عمل له ضيافة حافلة عند جسر مراد باشا. و بعد سبعة أيام من دخوله إلى حلب رتب في دار الحكومة ديوانا حضره أعيان البلدة و أركان استانبول و ألقى خطابا بيّن فيه حسن قيام مرتضى نوغاي باشا بخدمة الدولة و الملّة إلا أنه اتهمه بقصور كان منه في تأخير بعض جماعة أمر السلطان بقتلهم. ثم في الليلة الثالثة من مجيئه إلى حلب قتل رجلا أمر السلطان بقتله و أرسل رأسه إلى استانبول، ثم عزل نوغاي باشا عن حلب و وجه رتبة الوزارة إلى أحمد باشا أحد الأغوات السلحدارية، و جعله واليا في حلب.

و في اليوم التاسع عشر من السنة المذكورة وصل إلى حلب أحمد باشا المذكور و تسلم زمام الأمور.

شغب الإنكشارية:

و في عشرين شعبان اجتمعت الإنكشارية بوسيلة طلب أرزاقهم و رفضوا عدة مستخدمين، منهم آغاتهم محمد آغا الكوسه و كاتبهم و كتخداهم. ثم تجمهروا و هجموا على المأمورين المذكورين و قتلوا آغاتهم المذكور. ثم كفّ شرهم و قتل بعض زعمائهم ورد كيدهم في نحورهم.

220

إبطال التدخين بالتبغ:

و في سنة 1045 وردت الأوامر السلطانية المشددة بإبطال التدخين بنوعي التتن و التنباك و نودي على من يشربهما بجزاء القتل.

استطراد في الكلام على هذه الحشيشة:

قيل إن وصول هذه الحشيشة الخبيثة إلى البلاد الشامية كان في حدود سنة 1000 و يستدل القائل على ذلك ببيتين هما:

قال خلّي عن الدّخان أفدني‏* * * هل له في كتابكم إيماء

قلت: ما فرط الكتاب بشي‏ء* * * ثم أرخت يوم تأتي السماء

جملة «يوم تأتي السماء» تبلغ بالجمّل (1000) أو (999) إذا لم تحسب الهمزة.

أما منشأ هذا النبات فهو جزيرة اسمها (تبغو) في أميركا أحضر بزره منها إلى بلاد البورتكيز بعض نوتية الإسبان، ثم نقل منها إلى فرنسا بواسطة رجل اسمه (ثيفت) فزرع في فرنسة إلا أن الناس لم يلتفتوا إليه لأن النساء تكره ريحته. و بعد عشرة أعوام قدم إلى فرنسة إلا أن الناس لم يلتفتوا إليه لأن النساء تكره ريحته. و بعد عشرة أعوام قدم إلى فرنسة سفير البورتكيز- و اسمه يوحنا ثيكوت- و أهدى الملكة كاترينا شيئا من بزر هذا النبات، و زعم أن التدخين به له فوائد عجيبة. فأقبل الناس في فرنسة على استعماله و ذلك في سنة 1560 من الموافقة سنة 968 ه و سماه الناس حشيشة الملكة، أو حشيشة السفير، أو حشيشة الرئيس الأعظم، أو حشيشة الصليب، أو الحشيشة المقدسة. فلم ترق هذه الأسماء للرجل (ثيفت) و احتج على دار الفنون بتسميته باسم السفير دون اسمه مع كونه هو أول من أحضره إلى فرنسة. و حينئذ ألغى الفرنسويون اسمه ثيكوت و سموه تبغا باسم الجزيرة التي هي منشؤه. ثم حرف هذا الاسم إلى تباكو عند التليان و تبا عند الفرنسيس، و توبوكو عند الإنكليز، و التبغ عند العرب، و تنباكو عند الفرس، و توتون عند الأتراك، و تتن أو دخان عند عامة العرب. اه.

و في سنة 1045 عزل عن حلب أحمد باشا و وليها يوسف باشا ابن أمير كونه، فأساء السيرة في أهل حلب و استنفر قلوبهم يصبروا له و اضطربوا منه لأنه صادر كثيرين منهم، فسمعت الدولة بذلك و عزلته و أعادت أحمد باشا المتقدم ذكره. و كانت ولاية يوسف‏

221

باشا لحلب شهرين. و في سنة 1047 كان والي حلب بويني أكري محمد باشا صاحب الوقف المشهور به في حلب. و في سنة 1048 في حادي عشر ربيعها الأول وصل إلى حلب السلطان مراد خان و بقي فيها ستة عشر يوما ثم رحل عنها إلى استانبول. و كان قدومه إلى حلب من بغداد. و فيها قتل في حلب عشرون شخصا أحس بهم الحاكم أنهم يشربون الدخان سرا.

و في سنة 1050 ولي حلب حسين باشا نصوح باشا زاده. و في سنة 1053 عزل عن حلب حسين باشا المذكور، و سبب عزله أنه صار ذا ثروة عظيمة فحسده بعض أقرانه و أشاع لدى الحضرة السلطانية بأنه عازم على العصيان فعزله عن حلب و جرى له بعد عزله مصافّ في قرب «أسكدار» مع العساكر السلطانية. انكسر عسكره و قتل. و ولي حلب بعده سبارش باشا. فبقي في حلب أياما و أساء السيرة جدا حتى جهز الحلبيون وفدا إلى استانبول للشكاية عليه، فعزل عن حلب في رمضان هذه السنة، و وليها جعته لرلي عثمان باشا. و في سنة (1054 ه) قدم السلطان إبراهيم خان إلى أدرنة و ولي حلب إبراهيم باشا سلحدار الخاصة.

فساد العرب و الإيقاع بهم:

و فيها كثر فساد العرب في نواحي حلب و انقطعت السابلة، و كان أمير هؤلاء العرب المتمردة الأمير عساف، و كان له من قبل الدولة راتب معلوم. و لما زاد طغيانهم أراد إبراهيم باشا والي حلب أن يعمل الحيلة في القبض على عسّاف المذكور، و كان يريد أن يعزله عن إمرة العرب إلا أنه رأى ذلك لا يجديه نفعا فإن عسافا لا يعترف بالعزل في ذلك الحين.

ثم إن إبراهيم باشا خطر له أن يرسل إلى عساف رسولا يدعوه إلى ضيافة يصنعها له في حلب، فقال له الرسول: إن عرب البادية لا تأوي المدن بل و لا ما قاربها. فأمر إبراهيم باشا أن تصنع وليمة حافلة في قرب حلب على بعد خمس ساعات منها تقريبا. ثم سار الباشا إلى محل الضيافة بالمهمات و العساكر و معه الهدايا، و أشاع أن هذه الوليمة مصنوعة إلى سلطان البر يعني به عسافا.

و كان الرسول قد سبق إلى الأمير عسّاف و دعاه إلى هذه الضيافة فأجابه إليها بعد أن استوثق منه على عدم الغدر، و عاد الرسول إلى ابراهيم باشا و أخبره و حذّره من الغدر بالأمير

222

عساف في خصوص هذه الضيافة. و كان الأمير عساف قد تجهز للقدوم على هذه الضيافة و معه جمّ غفير من العربان خوفا من أن يغدر به الباشا. و لما وصل إلى محل الضيافة غدر به الباشا و أراد أن يقتله، فاستدرك الفرط (1) و انفلت من قبضته و عاد إلى أشد ما كان عليه من الإفساد و قطع الطريق. و لما سمعت الدولة بغدر إبراهيم باشا و عدم وفائه و سوء تدبيره عزلته عن حلب و ولّت مكانه درويش باشا المعزول عن ولاية بغداد. فقدم حلب و تلافى خطر العربان الذي كان من أهم الأمور في ذلك الزمان، و أرسل من قبله رسولا يدعو عسافا بالرفق و اللين إلى طاعة السلطان، و جهز معه هدايا ثمينة لعساف. و كان الرسول في ذلك علي آغا كجك، جدّ مصطفى نعيما الحلبي صاحب تاريخ الروضتين (و جدّ الأسرة الشهيرة في حلب باسم راغب زاده القاطنة في محلة السفاحية).

فوصل الرسول المذكور إلى عساف و بسط له الكلام و تلطف به و وبخه على عصيانه و عظّم من أمره و أمر هذه العشيرة المعروفة بعشيرة أبي ريش، و قال له: لا ينبغي و لا يليق بأدنى فرد من أفراد هذه العشيرة أن يشهر على السلطان العصيان. فأجابه عساف بقوله:

يا علي و اللّه ما لي ذنب في هذا العمل و إنما الذنب فيه لإبراهيم باشا. ثم إن عسافا استدعى بثلاثة دروع كان لبسها في يوم الضيافة و صار يري علي آغا الثقوب التي حصلت من إطلاق الرصاص، و كانت إحدى الرصاصات قد ثقبت الدرع و وصلت إلى بدنه، فحلف له الأمير عساف أن جرح هذه الرصاصة بقي يبصق منه الدم شهرين. فسلّاه علي آغا و ذكر له أن الدولة لم تعزل إبراهيم باشا إلا لما أجراه معك من الغدر. فرضي حينئذ عساف و تعهد لعلي آغا بالأمن و الأمان، و أهداه مقدار عشرة خيول و جهز معه إلى الدولة عدة خيول و أعطاه حوالة على حلب بألفي ذهب للدولة.

و في سنة 1056 ولي حلب ملك أحمد باشا كما يفهم من حديقة الوزراء. و في شعبان سنة 1057 ولي حلب أحمد باشا الدباغ كتخدا موسى باشا. و في أواخر هذه السنة ولي حلب أبشير باشا، نقل إليها من دمشق فبقي بها أشهرا، ثم صرف عنها في أوائل سنة 1058 و ولي مكانه موستاري مصطفى باشا. و في ذي الحجة سنة 1060 ولي حلب أبشير باشا و هذه هي الولاية الثانية، و لم يتيسر له أن يتناول منشور الولاية إلا في أوائل سنة 1061

____________

(1) أي بادر مسرعا.

223

و عند ما أخذه كان في استانبول فتوجه إلى حلب و دخلها في ربيع الأول من السنة المذكورة.

قال نعيما في وقائع سنة 1062 ما معناه: إن أبشير باشا كان في مبدأ أمره على جانب عظيم من الصلاح حتى كان يظن فيهه أنه ولي من أولياء اللّه تعالى، و مع هذا فقد كانت أتباعه غاية في الظلم و الجور و لاقى الناس في زمانه من الجور و العسف ما لم تلقه في زمن غيره.

ثم إن أبشير باشا سرى مسرى أتباعه و شغب في جمع المال و صادر الناس، و ساءت سيرته و اشتهر ظلمه و انعكست أفكاره و صار يظهر منه حمق عجيب، و فشا الظلم في أيام ولايته الصدارة العظمى، و جارت الولاة و لاقت حلب من طيار باشا ظلما عريضا.

و في سنة 1065 قتل أبشير باشا بعد أن ولي الصدارة، و كان على جانب عظيم من الغنى و الثروة بحيث لم يكن له مثيل في عصره. و مع هذا فلم يبق له أثرا غير الوقف الذي أسلفنا ذكره في الكلام على محلة الشمالي من الجزء الثاني. و لم يزل أبشير باشا واليا بحلب حتى اجتمعت رجال الدولة على أن يكون صدرا أعظم و ذلك في أواخر سنة 1064 و وافق السلطان على ذلك و أرسل إليه الختم مع أمنائه، فوصلوا إلى حلب في غرة محرم سنة 1065 و في أواخر محرّم توجه إلى دار السعادة و تقلد منصب الصدارة، و عندما رحل من حلب ولي عليها مكانه مصطفى باشا طيار زاده بدراهم أخذها منه لنفسه و لغيره.

حصار السيد أحمد باشا حلب:

و في سنة 1066 ولي الصدر الجديد حلب السيد أحمد باشا، و كان من المشهورين بالجور و الظلم. فسمع به الحلبيون و لم يقبلوه و زادهم فيه بغضا مصطفى باشا والي حلب الذي لم يبرح منها، فإنه لما سمع بقدوم السيد أحمد باشا إلى حلب جمع إليه أعيان البلدة و رؤساءها و كبارها و صغارها و حذرهم من السيد أحمد باشا و خوّفهم من ظلمه و جوره و مصادرته الناس، و ذكر لهم غير ذلك مما انطوى عليه من الأمور المنفّرة للقلوب. فنفروا من السيد أحمد باشا و وعدوه بالمساعدة و المعاضدة عليه. أما أحمد باشا فإنه أرسل متسلّما من طرفه إلى حلب فطرده الحلبيون عنها و شحنوا القلعة بالمهمات و العدّة و العدد و استعدوا لمدافعته أو تذهب أرواحهم. و كان أحمد باشا قد وصل إلى حلب فأخبره متسلّمه عن جميع ما فعله الحلبيون فغضب غضبا شديدا و حاصر حلب و قطع القناة و ضايقها مضايقة شديدة و خرب أكثر مباني البلدة الخارجة عن السور و أحرق شيئا كثيرا من البساتين و كان‏

224

يقاتل حلب قتال مكتف مؤنة الأكل و الشرب و غيرهما، و الحلبيون يقاتلونه قتال مضطر إلى شربة ماء فضلا عن الطعام.

و امتدت المحاصرة شهرين كاملين فاضطرب الحلبيون اضطرابا عظيما و قد أصبحت الأمور قوضى في حلب، و قام الدعّار ينهبون الدكاكين و يتعرضون لبعض البيوت، و كان رؤساء البلدة قد كتبوا إلى الدولة يلتمسون منها غير هذا الوالي و يشتكون من فعله معهم، فكتبت الدولة إليه تردعه عن هذا الفعل القبيح فلم يرتدع وزاد في طغيانه، فكتب الحلبيون إلى الدولة ثانيا يتضجرون منه و يرجون غيره. فكنت إليه الدولة بالانصراف عن حلب و ولّته سيواس و ولت حلب مرتضى باشا المنفصل عن بغداد. و في نصف ربيع الآخر من سنة 1067 نقل مرتضى باشا إلى دمشق فامتنع أهلها من تسليمها إليه، فولّي ديار بكر و ولّي حلب مكانه جلالي أبازه حسن باشا، و هو من أولاد السباهية، و كان ظالما غاشما و كان حاكم التركمان قبل أن يولى حلب.

و في سنة 1068 خرج على الدولة أبازه حسن باشا و وافقه عدة ولاة. ثم اجتمعوا في صحراء قونيه و حشدوا إليهم عسكرا ضخما من مشاة و فرسان و عاثوا و أفسدوا و صادروا الغني و الفقير، فتداركت الدولة ردعهم و ولّت حلب أدرنه لى سوخته محمود باشا في السنة المذكورة، و طرد الحلبيون متسلم أبازه و من معه من العساكر إلى خارج المدينة و تلقوا محمود باشا بالترحاب. ثم سيرت الدولة لردع أبازه و حزبه مرتضى باشا السردار و كان أبازه و من معه في بلاد قونيه فقصدهم مرتضى باشا بعسكره و لما سمعوا بقدومه رجعوا نحو حلب و خيموا في عينتاب فوصل السردار إلى حلب و توسط الصلح بين أبازه و جماعته و بين مرتضى، مفتي عينتاب، فحضر أبازه بمن معه إلى حلب لإتمام الصلح و عقد شروطه، فتمكن منهم السردار و قتلهم عن آخرهم داخل حمام في السراي و قطع رؤوسهم و حشاها تبنا و أرسلها إلى استانبول و رمى جثثهم أمام قسطل السلطان خارج باب الفرج. و ممن قتل في هذه الوقعة أبازه حسن باشا و أحمد باشا ابن الطيار و أخوه مصطفى باشا، و صاري كنعان باشا و كتخدا مصطفى باشا و عبد الوهاب قاضي معسكر أبازه، و غيرهم ما ينوف عن ثلاثين رجلا. و كان قتلهم في سنة 1069 و كان معه السردار مرتضى باشا قوناقجي علي باشا، صحبه معه من الأناضول، و بعد قتل المذكورين ولاه حلب و عزل عنها سوخته محمود باشا المتقدم ذكره.

225

و في سنة 1070 ولي حلب خصكى محمد باشا و ذلك بعد أن حصّلت الدولة منه سبعمائة كيس من الدراهم كانت في ذمته من مال بغداد و مصر، و كان ولي عليهما. و في هذه السنة طغى نهر قويق و هطلت السماء بالمطر الغزير حتى طافت أكثر المحلات المجاورة للنهر و غرقت البساتين و تهدمت عدة بيوت داخل البلد و خارجها. و في سنة 1071 عزل عن حلب خاصكى محمد باشا و أشخص إلى استانبول. و سبب عزله أنه غش سكة النقود التي كان يضربها بحلب و سعى في رواجها بين الناس، فتداولتها الأيدي و فشا الفساد و تعطلت التجارة و اختل نظامها. فعرض الصدر الأعظم ذلك على مسامع السلطان فأمر بعزل الوالي المذكور و إحضاره إلى استانبول فعزل و أحضر. و في عشرين شوال منها ضربت عنقه و عنق كتخدا كاتب ديوانه و صرّافه أمام قصر الموكب في استانبول. و فيها حصل غلاء كبير في حلب بيع فيه رطل الخبز بست بارات.

ذكر في سالنامة الولاية أن والي حلب في هذه السنة: أبو النور محمد باشا. و رأيت في بعض المجامع أن واليها في هذه السنة ميراخور يوسف باشا، و في سنة 1075 صاري حسين باشا، و كان في هذه السنة مع المحاصرين قلعة قندية على ما حكاه راشد في تاريخه.

و في سنة 1080 كان بحلب طاعون كبير، أحصى بعضهم الجنائز التي خرجت من باب المقام في أحد أيامه فقط فكانت ألف جنازة إلا واحدة، فعلق بعض الناس على باب المقام كلبا ليكون تمام الألف. و فيها ولي حلب إبراهيم باشا و كان يعرف بإبراهيم آغا و عين سلفه حسين باشا سر عسكر، و كان إبراهيم باشا مع المحاصرين قلعة قندية فأرسل إلى حلب متسلما كسلفه. ثم في أواخر هذه السنة ولي حلب حسين باشا سلحدار السلطان و ولي سلفه مصر.

و في أوائل ذي الحجة سنة 1082 ولي حلب قبلان مصطفى باشا و كان مع العساكر في محاربة القرم فعين متسلما من طرفه كأسلافه. و في سنة 1083 عين سردارا أكرم علاوة على ولاية حلب. و في سنة 1085 ولي حلب إبراهيم باشا نقل إليها من دمشق، و ولى سلفه قبلان مصطفى باشا ديار بكر و لا أعرف متى عزل إبراهيم باشا المذكور عن حلب غير أن واليها في ابتداء سنة 1089 كان حسين باشا و كان ظالما غاشما. و فيها حررت بيوت الأشراف و اليكجرية و لم أحقق عددهما. و في أواخر هذه السنة ولي حلب قره محمد باشا و كان يعرف بقره محمد بك.

226

فساد العربان و التنكيل بهم:

و في سنة 1093 كثر فساد العرب في برية دمشق و حلب، و عظم ضررهم و أفحشوا بالسلب و الإغارة على القوافل حتى ضجت منهم الولايات، و صدرت أوامر الدولة إلى و إلى حلب و دمشق و بغداد و طرابلس أن يبذلوا جهدهم بالقبض على أميرهم ملحم. فعندها عزم قره محمد باشا والي حلب على أن يأخذ ملحما بالحيلة، فوسّط حاكم المعرة أخا شريف مكة بينه و بين ملحم، فاجتهد المذكور في إحضار ملحم إلى حلب و حلف له على أنه يطلب له العفو من السلطان و يجعله أميرا على العربان. و كان حاكم المعرة داهية و كان متهما بأنه يقاسم الأمير ملحما بالغنائم و يسعى له في بيع ما يلزمه منها، فأراد أن ينفي الظنة عن نفسه بمكيدة ملحم و سعى في إحضاره و اجتهد غاية الجهد، إلى أن رضي معه ملحم للحضور بعد أن استوثق منه بالأيمان المغلظة. فحضر معه إلى قرية جبرين، و كان قد أرسل إلى الوالي يخبره بذلك، فأنفذ له الوالي خلعة و خيلا ليغريه بالدخول إلى حلب على أنه يحلف له فيها على ما تقدم.

فركب ملحم إلى حلب، و لحقه من عشيرته خمسون فارسا ينهونه عن الدخول إلى حلب و ألحوا عليه بالرجوع، فقبل منهم و رجع إلى مخيمه، و قال لأخي الشريف المتقدم ذكره: لا سبيل إلى دخولي المدينة فإني آليت على نفسي ألّا أدخل بين الجدران و تحت السقوف لأنها تضيق صدري، فاذهب و قل للوالي إن كان يريد محالفتي فليأت إلى هنا.

و لما لم ينجح سعي أخي الشريف في إقناع ملحم رجع إلى الوالي و أخبره بما جرى، و حين رجوعه أصحبه ملحم باثنين من بني عمه و بمستشاره- و هو أعرابي طاعن في السن- فلما تمثلوا بين يدي الوالي قابلهم بالبشاشة و خلع عليهم و أحسن مثواهم، ثم أرسلهم إلى بيت أخي الشريف و ركب في الليل سرا و معه خمسمائة عسكري بالعدّة الكاملة و قصد مخيّم ملحم في جبرين و كان ملحم قد رحل من مخيمه و أبقى فيه خمسين من قومه، فحاربهم الوالي و بعد أن دافعوا عن أنفسهم دفاع الأبطال قتل بعضهم و أسر منهم ثمانية عشر و فر الباقون.

ثم استدل الوالي من الفلاحين على الأمير ملحم و تبع أثره إلى أن دهمه بغتة عند الصبح في واد بين جبلين بحيث لم يره الأمير إلا عند ما وصل إليه، و كان مع الأمير عدد يسير

227

من جماعته، فأركن إلى الفرار و أراد أن يجتاز من نهر هناك فتوحلت به فرسه فتوكأ على رمحه لانتشالها من الوحل فانكسر الرمح. و كان الوالي قد أدركه و البندقية في يده و أحاطت به العسكر و قبضوا عليه و ساقوه أسيرا إلى حلب، فكبلوه بالحديد و من أسروا معه من قومه. ثم قتلوا الجميع صبرا سوى الأمير. و كانوا عندما يقتلون أحدهم يخرقون أكتافه و يغرسون فيها فتائل مشعلة مصنوعة من المرخ‏ (1) و الشمع و يطوفون به البلد ثم يقطعون رأسه و يرمون جثته في مستنقع الخندق. و اتفق أن واحدا من هؤلاء الأسراء كان شاعرا عند الأمير ملحم لم يغمس يده في دم و لم يشنّ غارة قط، فبينما كانوا يطوفون به على تلك الحالة إذ لمح ضابطا سبقت له يد عنده فذكّره بها و قال له: إنني لم أكن لصا و لا قاطع طريق، إنما كنت شاعرا عند الأمير، فتضرع له الضابط عند الوالي و خلّصه من العقاب و القتل. ثم إن الوالي أرسل ملحما إلى أدرنة حيث كان السلطان إذا ذاك، فبعد أن نظر السلطان إلى ملحم مليا أمر بقتله و قد صعب ذلك على رجال الدولة لأنهم كانوا يرجون خلاصه و العفو عنه ليكون كافلا قمع غارات العرب حسب شجاعته المفرطة.

و في هذه السنة أعني سنة 1093 كملت عمارة خان الوزير. و فيها نقل قره محمد باشا إلى ديار بكر و محمود باشا والي ديار بكر إلى حلب. ثم في هذه السنة نفسها ورد الأمر إلى محمود باشا بالحضور إلى استانبول ليكون قائم مقام الصدارة في استانبول، و ولي حلب قره بكر باشا. و في سنة 1094 كان قره بكر باشا مع المجاهدين في بلاد بلغراد و له متسلم في حلب. و في سنة 1096 ولي حلب مع السردارية مصطفى باشا قره حسين باشا و كان في حرب بلغراد فجعل متسلما في حلب. و في سنة 1096 ولي حلب مع الوزارة إبراهيم باشا محافظ إيالة بدون، و كان مع المجاهدين في بلغراد فجعل متسلما في حلب.

غلاء، و قتل ابن حجازي:

و في هذه السنة حصل غلاء بحلب و ارتفع سعر اردبّ الحنطة إلى خمسة و عشرين قرشا.

فنادى المتسلم أن يباع الإردبّ‏ (2) بخمسة قروش. و كان عبد اللّه بن محمد حجازي- نقيب الأشراف- قد ارتشى من المحتكرين بألف قرش على أن يباع الإردبّ بخمسة

____________

(1) المرخ: شجر سريع الاشتعال.

(2) الإردبّ: مكيال ضخم يعادل وزنه 150 كغ.

228

و عشرين قرشا. فلما نادى المتسلّم بما ذكر أسرّها له في نفسه. و بعد أيام قلائل دعا المتسلم إلى منزله و سقاه شرابا مسموما مات منه المتسلم بعد ثمانية أيام. فخرج ابن حجازي في جنازته إلى مقبرة الصالحين، و كان الناس قد سئموا من ابن حجازي لظلمه و جوره، فبينما هو منصرف من الجنازة إذ صاحت امرأة: هذا قاتل المتسلم. فتبعها رجل من العوام و اتصل الصوت بالرجال و الصبيان و النساء، و ضربه رجل بحجر أصاب رأسه و عثرت به فرسه فانكب على وجهه، فهجم الناس عليه و قتلوه رجما بالحجارة في قرب المكان المعروف بقبّة الصوت شمالي مقبرة الصالحين، و ذهب دمه هدرا و ذلك في يوم الأربعاء سابع عشر جمادى الأولى من السنة المذكورة.

و في سنة 1097 ولي حلب عبدي باشا. و فيها حصل في حلب طاعون خفيف لم تطل مدته. و فيها شبّت النار بسوق بانقوسا، و امتد الحريق من باب بانقوسا إلى المكان المعروف بالورشة حتى أصبحت هذه المسافة من الجانبين رمادا. و في سنة 1098 ولي حلب الوزير سباوش باشا و كان في محاربة القرم و له متسلم في حلب. و فيها صار الوزير سباوش باشا صدرا أعظم، و ولي حلب عثمان باشا. و في سنة 1100 احترق روشن القلعة (1) و كانت ساعة مفزعة جدا. و لا أعرف متى عزل عثمان باشا غير أن والي حلب سنة 1101 كان خليل باشا و كان مع العسكر في حصار قلعة شهر كوي و له متسلم في حلب. و في سنة 1102 حصل بحلب طاعون عظيم بلغت فيه الوفيات اليومية نحو سبعمائة نسمة. و في سنة 1104 ولي حلب جعفر باشا محافظ بغداد و له بحلب متسلم. ثم في هذه السنة وليها مكانه طورسون محمد باشا فعيّن له متسلما في حلب.

وضع حدّ لقرى المقاطعات:

و في هذه السنة صدرت أوامر الدولة إلى ولاتها- في حلب و دمشق و ديار بكر و ماردين و أذنة و ملطية و عينتاب و غير هذه الولايات من بقية الممالك العثمانية- أن تكون قرى المقاطعات الأميرية كالملك لذويها مدة حياتهم. و يجوز لمن أراد منهم بيع قرية من قراه ممن شاء فتوجه على المشتري بمنشور سلطاني، و إذا مات أحد منهم يقع ما يملكه منحلّا

____________

(1) الروشن: النافذة. و يطلق أيضا على الشرفة و المشربيّة.

229

فيعرض للمزايدة العلنية و تقدم أولاد الميت على غيرهم إذا تساويا بالقيمة. و قد جعلت الدولة على كل قرية من القرى المذكورة مالا مقطوعا سنويا يأخذه صاحبها من أهل القرية على ثلاثة أقساط و كان هذا العمل من الدولة مساعدة عظيمة للفلاحين و استنفاذا لهم من الظلم و الجور لأن أرباب المقاطعات كانوا يدفعون مقاطعاتهم في كل سنة التزاما لمن رغب ذلك منهم فيخرج الملتزم إلى القرية و يتسلط على أموال أهلها فلا يبقي و لا يذر.

و في سنة 1107 ولي حلب ثانية جعفر باشا محافظ بلغراد، و عيّن سلفه طورسون محمد باشا إلى سيواس. و في سنة 1108 ولي جعفر باشا محافظة طمشوار و ولي حلب مكانه عثمان باشا قائم مقام استانبول. ثم في هذه السنة نفسها ولي حلب عثمان باشا والي دمشق و هو غير عثمان باشا القائم مقام.

غلاء عظيم:

و فيها كان الغلاء العظيم بحلب، و قلّت الأقوات، و صار الناس يزدحمون على الأفران لأخذ الخبز ازدحاما عظيما بحيث يؤذون بعضهم. فأمر الوالي بسدّ أبواب الأفران و أن يبقى فيها طاقة صغيرة يتناول الناس منها الخبز على قدر سدّ الرمق، فسمي «غلاء الطاقة»، و امتد أربعة أشهر. و في سنة 1109 عين عثمان باشا والي حلب لمحافظة قلعة الروملّي و ولي حلب مكانه حسن باشا السلحدار قائم مقام أدرنة. و في سنة 1110 في غرة شعبان منها أبطل قاضي حلب محمد بن عبد الغني بدعة قديمة، و هي أن مشايخ قرى جبل سمعان كانوا يجمعون بأمر نائب محكمة جبل سمعان من القرى في كل ثلاثة أشهر مبلغا من الدراهم يشترون به دجاجا يقدمونها إلى مطبخ قاضي حلب. و في هذه السنة ولي حلب حسن باشا والي قرمان. ثم في سنة 1111 وليها علي باشا.

و في سنة 1112 عين علي باشا لمحافظة البصرة و كان وقع فيها اختلال عظيم فسار إليها لإصلاح الخلل، و ولي حلب يوسف باشا قائم مقام و في جمادى الأولى سنة 1115 ولي حلب جور ليلى علي باشا السلحدار- و كان في أدرنة- فسافر إلى استانبول ليتناول منشور الولاية فولاه السلطان على عمل خاص به، و ولى حلب مكانه محمد باشا الجركس متصرف لواء القدس الشريف و في سنة 1116 ولي حلب الحاج قيران حسن باشا المعزول عن حانية و ولي سلفه محمد باشا الجركس الرقة. ثم في هذه السنة ولي حلب أبازه سليمان‏

230

باشا السلحدار و كان يعرف بسليمان آغا. و في سنة 1117 ولي حلب إبراهيم باشا والي شهر زور و ولي سلفه أبازه سليمان باشا أغربيوز. و في سنة 1119 ولي حلب عبدي باشا والي سيواس و ولي سلفه إبراهيم باشا أرضروم. و في سنة 1120 ولي حلب تبراد محمد باشا الصدر السابق و ولي سلفه عبدي باشا الأناطول. و فيها جدد مرقد نبي اللّه زكريا في أموي حلب. و في شعبان سنة 1122 ولي حلب ثانية إبراهيم باشا السلحدار والي شهر زور.

و في سنة 1125 ولي حلب و الرقة معا طوبال يوسف باشا، و ولّته الدولة عليهما ليتمكن من تنكيل نصوح باشا أمير الحاج لأنه كان عازما على مشاققة الدولة و الخروج عليها. و في أوائل سنة 1127 ولي حلب ثانية محمد باشا الجركس، ثم فيها طلب إلى استانبول و عين قائم مقام، و ولي حلب علي باشا مقتول زاده و كان في استانبول فعين متسلما إلى حلب، و سافر هو للمحاربة في المورة بعد أن عين سردارا، و كان من معه في المحاربة عبد الرحمن آغا الحلبي باش جاويش، فأبلى هذا الرجل في العدو بلاء حسنا. و سمعت الدولة خبره فعينته واليا على حلب و ولت سلفه علي باشا على الأناطول. و في هذه السنة زحف على حلب من الشرق جراد عظيم أتلف الزروع و غلت الأسعار و عز القوت. و في سنة 1128 ولي حلب مصطفى باشا و كان في محاربة المجر، فعين متسلما في حلب. ثم وليها في هذه السنة سليمان باشا السلحدار و هو الصدر الأسبق.

و في سنة 1130 وليها عثمان باشا فسافر إلى أدرنة و منها إلى موقع المحاربة في جهات صوفية و ترك متسلما في حلب، و هو غير عثمان باشا صاحب المدرسة الرضائية المنسوبة إليه. و في أوائل سنة 1131 ولي حلب موره لى علي باشا. و فيها وقع في حلب طاعون جارف أهلك خلقا كثيرا و استمر مدة على حذو واحد، و اختبأ الوالي و حاشيته. و في أواخر هذه السنة حوّل الوالي المذكور إلى محافظة قندية، و ولي حلب رجب باشا و كان في دمشق أميرا على الحاج، و قد ضجر الدمشقيون من ظلمه و جوره، و هو صاحب السراي في محلة بحسيتا، و البستان الكائن في شرقي الميدان الأخضر المشهور ببستان الباشا، و حوض الماء الذي بجانب البستان من غربيه.

و في سنة 1133 زاد طغيان العرب المعروفين بالعباسيين في صحراء حلب و كثر ضررهم‏

231

على السابلة و عسر على الولاة ردعهم فعيّن الباب العالي حسن باشا والي بغداد رئيس عسكر إلى شهر زور و الموصل و ديار، و عيّن علي باشا مقتول زاده والي الرقة رئيس عسكر إلى حلب و قرمان. ثم أنفذت إلى هؤلاء الولاة الأوامر المؤكدة بشن الغارات و متابعتها على العربان المذكورين، فتناوشتهم العساكر من كل جانب و أذاقوهم أنواع المعاطب و المصائب فكفّ ضررهم و منع خطرهم. و في هذه السنة وقع في حلب طاعون كبير لم تذكر وفياته.

و فيها ولي رجب باشا مصر القاهرة فسافر إليها و بقي بها أشهرا و لم يستقم أمره فأعيد إلى ولاية حلب و ولي في غيبته عارف أحمد باشا رئيس الكتاب. و في سنة 1135 أصيبت حلب بزلزلة مهولة دمرت أكثر بيوتها و قتلت كثيرين من أهلها.

و في سنة 1136 ولي رجب باشا تفليس و ولي حلب مكانه كورد إبراهيم باشا نقل إليها من طرابلس الشام. و في سنة 1137 ولي حلب علي باشا بن نوح أفندي رئيس الحكماء متصرف أدرنة، و شرطت عليه الدولة في توليتها إياه حلب أن يسافر مع العسكر إلى الجهة الشرقية أي ناحية تبريز في بلاد العجم. و ولي سلفه إبراهيم باشا لواء «خوى» على هذا الشرط أيضا. و في سنة 1138 رأت الدولة من علي باشا ما سرّها في سفره إلى جهة العجم و فتح تبريز، فأنعمت عليه بالوزارة و ولته إيالة الأناطول، و ولت على حلب مكانه محمد باشا سلحدار، سلفه في إيالة الأناطول. و في ثامن جمادى الأولى من هذه السنة ولي حلب ثانية عارفي أحمد باشا، نقل إليها من ولاية سيواس، و شرطت عليه الدولة أن يبذل الجهد في تنظيم حالة الموالي العربان في ضواحي حلب و يتكفل في محافظة ما حول الرقة و القدس الشريف، و عينت سلفه محمد باشا السلحدار سر عسكرا.

و في سنة 1140 وفد على حلب من الشرق جراد كثير أتلف الزروع و غلت الأقوات و عزّت البقول و الخضر. و في أواسط محرم سنة 1141 ولي حلب علي باشا صهر الحضرة السلطانية. و في سنة 1142 ولي حلب الوزير كوجك مصطفى باشا. و في ربيع الآخر سنة 1143 وليها إبراهيم باشا والي أرزن الروم سابقا. و ولي سلفه كوجك مصطفى باشا لواء إيج إيل. و لما ولي إبراهيم باشا المذكور ولاية حلب كان في استانبول، فاستثقل من بقائه بها الصدر الأعظم محمد باشا، و استحثّه على السفر إلى محله فعزم على ذلك و خرج من استانبول إلى اسكيدار بنيّة التوجه نحو حلب فاجتمع أكابر الدولة و أهل الديوان على أن يسند إليه منصب الصدارة و أجابهم السلطان على ذلك، و أرسل له ختم الصدارة و عين‏

232

سلفه الصدر السابق محمد باشا واليا لحلب. و كان ذلك في اليوم الثالث عشر من رجب الفرد من السنة المذكورة. و في هذه السنة تمت عمارة جامع الرضائية المعروف بالعثمانية و صار لذلك يوم مشهود. و في شعبان سنة 1145 ولي محمد باشا ولاية ديار بكر. و لم أحقق من جاء بعده. و فيها وقع في حلب طاعون عظيم أقفل دورا كثيرة. و في سنة 1146 نزلت صاعقة في بستان القبار و قتلت ثلاثة أشخاص.

غلاء شديد و قتل شيخ المداراتية:

و في سنة 1147 كان الغلاء بحلب شديدا و هاج الناس و قاموا لنهب ما يرونه من الخبز في الأفران، و صادفوا خليلا المرادي شيخ المداراتية يقبض ثمن الطحين من الخبازين و معه صرة دراهم، فطمعوا به و لحقوه لأخذها فأحس بمرادهم و حرّك دابته للهرب منهم، فلحقوه و أدركوه عند جامع قسطل الحرامي. و لما ضايقوه أراد الدخول للجامع ليحتمي به منهم، فمنعه قوّامه خوفا من أن يقتل فيسألوا عن دمه. فهرب إلى البرية فتبعوه و قتلوه رجما بالحجارة و لم يعلم قاتله. ثم في هذه السنة قدم إلى حلب واليا عليها أحمد باشا بولاد فاشتكى إليه أولاد خليل المقتول فأخذ بالفحص عن قاتليه و لم يظفر بهم، و آل أمره إلى أن أخذ جريمة وافرة من المحلة المذكورة. و في سنة 1150 ولي حلب عثمان باشا المعروف بوقته بمحصّل حلب صاحب المدرسة الرضائية بحلب.

وصول سفير العجم إلى حلب:

و في أوائل سنة 1135 ولي حلب يعقوب باشا و ولي عثمان باشا أذنة. و في شوال هذه السنة وصل إلى حلب سفير طهماس قولي المدعو بنادر شاه من مملكة إيران مجتازا منها إلى استانبول، و احتفلت له الدولة العثمانية إظهارا لأبهة السلطنة، و معه تسعة أفيال على ظهورهم التخوت، فدخلوا من باب النيرب و شربوا من قسطل علي بك، و هم أمام السفير المذكور، كل هنيّة يقفون لسلامه، و يأمرهم الفيال فيطأطئون خراطيمهم حين السلام.

و كان يوم قدم سفير آخر من طهماس المذكور و اجتاز بحلب عاشر شوال سنة 1145 لجمع الأسارى إلا أنه لم يكن بهذه الأبهة، و خرجت إليه نساء الأعاجم اللاتي أسرتهن الدولة العثمانية قبلا و استولدن في حلب و غيرها من الممالك المحروسة، فمنهن من أبى اتباعه و منهن من تبعه لارتكاب القبائح علنا.

233

النّزالة الإنكليزية في حلب:

و في هذه السنة أعني سنة 1153 كانت النّزالة من الإنكليز في حلب. فكان لهم فيها قنصل و عشرة تجار و قسيس و كاتب أسرار و طبيب. و في سنة 1155 ولي حلب حسين باشا. و في هذه السنة كثر ظلم القاضي و تظاهر بالفسوق و الرشوة فتألب عليه العامة و هجموا عليه و هو في المحكمة و رجموه و نهبوا المحكمة. و في سنة 1156 وقع بحلب طاعون عظيم أهلك خلقا كثيرا، و اشتد فساد العربان في البر. و في ذي القعدة سنة 1157 ولي حلب الحاج أحمد باشا الصدر الأسبق السر عسكر. و في أوائل سنة 1158 قتل الباشا من اليكجرية (1) مقتلة عظيمة بسبب ظلمهم و فسقهم، و تحصن البهلوان في القلعة و بقي بها إلى أن ولي حلب علي باشا حكيم باشي زاده الصدر الأسبق، و هذه الولاية الثانية نقل إليها من بوسنة. و ولى سلفه الحاج أحمد باشا إيالة الأناطول، فكان ذلك في هذه السنة أعني سنة 1158 ثم فيها أعيد لولاية حلب الحاج أحمد باشا الصدر الأسبق لما ظهر للدولة من لزوم وجوده فيها لقمع العربان و تحرك العجم في ممالك إيران.

و في شهر ذي الحجة سنة 1159 ولي حلب أحمد باشا كوبريلي زاده متصرف قندية، و ولي سلفه الحاج أحمد باشا الصدر الأسبق قندية. و قبل أن ينتقل أحدهما لمحله الجديد صدرت إرادة سلطانية بإبقاء كل منهما في محله الأول، فبقي الحاج أحمد باشا الصدر الأسبق في حلب، و بقي أحمد باشا كوبريلي زاده في قندية. و في جمادى الآخرة سنة 1160 ولي حلب حسين باشا والي «وان» و ولي سلفه الحاج أحمد باشا الصدر الأسبق ديار بكر.

و في هذه السنة أمرت الدولة أن يجلب من أذنة إلى قلعة حلب ستون مدفعا. و فيها جاء إلى حلب «كور وزير» و قتل جمعا كثيرا من اليكجرية. و لم أحقق هل جاء كور وزير لقمع اليكجرية خاصة، أم جاء واليا في حلب بعد عزل واليها حسن باشا؟

و في سنة 1161 كسفت الشمس بين الصلاتين إلى وقت الغروب و ظهرت عدة نجوم.

و في سنة 1161 ولي حلب إسماعيل باشا عثمان باشا زاده. و في محرم سنة 1164 ولي حلب سعد الدين باشا ابن العظم، و نقل إليها من طرابلس الشام و ولي سلفه إسماعيل باشا ولاية طرابلس المذكورة. و في هذه السنة كان الغلاء بحلب شديدا حتى ثار الناس في يوم‏

____________

(1) يعني الإنكشارية.

234

الجمعة و تعطلت الصلاة و الأذان و طلعت النسوة إلى المآذن. و في محرم سنة 1165 نقل سعد الدين باشا إلى صيدا و وليها على وجه المالكانه‏ (1)، و ولي حلب مكانه السيد أحمد باشا والي صيدا و آغاة اليكجرية سابقا. و لما استقر بحلب أخذ بالظلم و الجور و صادر كثيرين بلا حقّ، و نفى عددا وافرا من أعيان حلب إلى بيان لمعارضتهم إياه لظلمه، فاضطرب الحلبيون و حرروا به محضرا عاما إلى الدولة ذكروا فيه ظلمه و جوره و التمسوا تبديله و مجازاته، فأجابتهم الدولة إلى ما طلبوا و عزلته عن حلب و ولته «القارص» تبعيدا له، و ولّت حلب صاري عبد الرحمن باشا مير ميران، و ذلك في شعبان السنة المذكورة. ثم في شوالها توفي عبد الرحمن باشا بحلب و عينت الدولة لتحرير تركته علي بك ميراخور مصطفى باشا زاده، و ولّت حلب مكانه الحاج أحمد باشا الصدر الأسبق، نقل إليها من آذنة و هذه الولاية الرابعة.

و في ثاني عشر شوال سنة 1166 توفي أحمد باشا بحلب و ولي مكانه عبد اللّه باشا الصدر الأسبق. و في أواخر سنة 1168 وليها راغب باشا العالم الكبير صاحب سفينة الراغب كما يفهم ذلك من تاريخ واصف. ثم في ربيع الأول سنة 1169 عين راغب باشا لمنصب الصدارة و جاءه ختمها إلى حلب، فسافر إلى استانبول. و ولي حلب بعده أمير الحاج: الحاج أسعد باشا ابن إسماعيل باشا عظم زاده. ثم في سنة 1170 وليها عبدي باشا فراري. ثم في اليوم الثاني عشر رجب ولي حلب علي باشا قائم مقام الصدارة.

برد و غلاء:

و في هذه السنة وقع في حلب برد شديد و جمد الماء و استقام الجليد من أول كانون الثاني إلى آخر آذار. و فيها كان الغلاء شديدا. و بيع شنبل‏ (2) الحنطة فيه بعشرة قروش، و الشعير بسبعة، و الحمّص و العدس بستة، و رطل الدّبس بنصف القرش، و العسل بقرش و ربع، و السمن بقرش و ثلاثة أرباع، و الخبز باثنتي عشرة بارة.

قال في السالنامة: إن والي حلب سنة 1171 حسين باشا عبد الجليل زاده. و هكذا

____________

(1) المالكانة: لفظة تركية تعني التمليك، أو الملكيّة.

(2) الشنبل: مكيال عرف في بلاد الشام لكيل القمح و الشعير و نحوهما. و يختلف تقديره من بلد إلى آخر، و من عصر إلى آخر. و كان يعادل في حلب عصرئذ 5، 61 كغ تقريبا.

235

رأيت في بعض المجاميع، لكن ذكر في حديقة الوزراء و في تاريخ واصف أن واليها في السنة المذكورة محمد باشا محسن زاده، فلعله بدل واليان في هذه السنة.

و في هذه السنة وقع في حلب كساد عظيم حتى لم يبق في المدينة سوى أربعة آلاف نول مشتغلا، و تعطل قدرها أضعافا مضاعفة. قال واصف: و في شوال هذه السنة سافر محمد باشا والي حلب إلى استانبول ليكون زفافه على بنت السلطان. و في عشرين من الشهر المذكور حول محمد باشا إلى ولاية ديار بكر و ولي مكانه عبد اللّه باشا جتجي الصدر الأسبق ابن إبراهيم الحسيني الجرمكي، نسبة إلى جرمك، بليدة من أعمال ديار بكر، فوصل إلى حلب في محرم سنة 1172 و نزل بالميدان الأخضر ثم سافر إلى عينتاب و كلّز و عاد إلى حلب فعزل عنها إلى دمشق، و ولي مكانه عبدي باشا فراري و هي الولاية الثانية.

غلاء عظيم:

و فيها اشتد الغلاء في ديار بكر و عم تلك الديار بل سرى إلى جميع البلاد، و بيع شنبل الحنطة بحلب بأحد عشر قرشا. و أما نواحي ديار بكر و أورفة و ماردين فإنهم أكلوا الميتة بل أكل بعض الناس بعضهم. و ثبت ذلك لدى الحاكم حتى إن قسطنطين الخوري الحلبي الطرابلسي ذكر في مجموع له أن جملة من مات جوعا في حلب (87) ألف إنسان منهم 12 ألفا نصارى و 5 آلاف يهودي و الباقي مسلمون، سوى من ترك البلاد و نزح إلى غيرها. و في أواخر هذه السنة ولي حلب مصطفى باشا الوزير محصل التوقيع في موره سابقا. ثم في رجب سنة 1173 ولي حلب عبد اللّه باشا فراري و هي الولاية الثالثة.

زلزال مهول:

و في فجر يوم الثلاثاء من ربيع الأول من هذه السنة، المصادف لابتداء كانون الأول، حصل زلزلة عمّت جميع البلاد الشامية بحلب و دمشق و حمص و حماة و أنطاكية و شيزر و حصن الأكراد، و جميع بلاد الساحل كصيدا و صفد و غزة و القدس، فخربت البلاد و تدحرجت الصخور من أعالي الجبال، و انفتحت في الأرض الأخاديد، و نضبت عيون و انفتح أخرى، و اضطربت السفن في مياه عكا حتى زحف بعضها إلى البر و خرجت الأسماك إلى الرمل و نقل منه الناس ما لا يحصى، و كان هذا الزلزال أخف ما يكون في‏

236

حلب. و قد اتصلت الزلازل في كل أسبوع مرتين و ثلاثة إلى ليلة الاثنين سادس ربيع الثاني فزلزلت بعد العشاء المحالّ المذكورة بأسرها و استقامت بدمشق ثلاث درج، و خرب غالب دمشق و أنطاكية و صيدا و قلعة البريج.

و لم تزل الزلازل متصلة إلى انتهاء السنة المذكورة. ثم أعقبها بدمشق و قراها- و ما والاها- طاعون جارف غمرت غالب مساجد دمشق التي هدمتها الزلزلة من وصايا الأموات في هذا الطاعون‏ (1) و في سنة 1174 توفي عبد اللّه باشا فراري في حلب و دفن بتكية الشيخ أبي بكر، و وليها مكانه بكر باشا و كان يعرف ببكر أفندي أمين المطبخ.

و في سنة 1175 ولي حلب مصطفى باشا الصدر الأسبق و كان مقيما في مصر بلا منصب، و ولي مصر بكر باشا والي حلب قبله، و فيها وقع بحلب طاعون شديد بلغت وفياته اليومية مائة و تسعين نسمة. و في الرابع و العشرين من ربيع الآخر سنة 1177 أسند لمصطفى باشا منصب الصدارة فسافر إلى استانبول.

ولاية محمد باشا العظم حلب و إبطاله بدعة الدومان و غيرها:

و في هذه السنة ولي حلب محمد باشا بن مصطفى باشا بن فارس بن إبراهيم، الشهير بعظم زاده، نقل إليها من ولاية طرابلس الشام و دخلها في رابع عشر شعبان. و كانت مجدبة فحصل بقدومه كثرة أمطار و رخاء أسعار و رفع عن أهلها من البدع ما كان ثلما في الإسلام. فأثلج بذلك الصدور و أحيا معالم السرور، منها منكر كان حدث بها سنة 1171 و ذلك أنه جرت العادة في بعض محلاتها أن تفتح حانات القهوة ليلا و يجتمع بها أوباش الناس إلى أن زاد البلاء و فجرت النساء، مع ما انضم إلى ذلك من شرب الخمور و فعل المنكرات و أنواع الفساد، فحانت منه التفاتة إلى ذلك فقصده متخفيا و أزاله في ثاني يوم، حيث نبه على الحانات ألّا تفتح ليلا.

و من جملة ما رفع من المظالم بحلب أيضا بدعة الدومان عن حرفة الجزارين و كان حدوثه بحلب سنة 1161 و الدومان اسم لمال يجمع من ظلامات متنوعة، يستدان من بعض الناس بأضعاف مضاعفة من الربا و يصرفه متغلبو هذه الحرفة في مقاصدهم الفاسدة. و طريقتهم‏

____________

(1) العبارة الأخيرة مضطربة، و قد وردت كذلك في الأصل. و يبدو أن فيها نقصا بعد قوله: «طاعون جارف».

237

في وفائه أن يباع اللحم بأوفى الأثمان للناس من فقراء و أغنياء و تؤخذ الجلود و الأكارع و الرءوس و الكبد و الطحال بأبخس ثمن من فقراء الجزارين جبرا و قهرا. كل ذلك يصدر من أشقياء الجزارين و متغلّبيهم إلى أن هجر أكل اللحم الأغنياء فضلا عن الفقراء و أعضل الداء. و اتفق أنه في سنة ست و سبعين كان قاضيا بحلب المولى أحمد أفندي الكريدي فسعى في رفع هذه البدعة فلم تساعده الأقدار، فباشر بنفسه محاسبة أهل هذه الحرفة الخبيثة و رفعها، و كتب عليهم صكوكا و وثائق و سجلها في قلعة حلب، فلما عزل عاد كل شي‏ء إلى ما كان عليه. فلما كان أواخر محرم سنة 1178 قبض الوالي المذكور على رئيسهم المعروف بكاور حجي و قتله و أبطل تلك البدعة السيئة و صار لأهل حلب بذلك كمال الرفق و الإحسان و امتدحه شعراؤها بعدة قصائد ذكر المرادي بعضها.

و في جمادى الأولى سنة 1177 ولدت امرأة من عشيرة الموالي طفلين ملتصقين ببعضهما، شاهده ألوف من الناس، ثم مات أحدهما و عاش الآخر ساعتين و مات. و في السنة المذكورة أعني سنة 1178 اجتمع أكابر أهل حلب و قدموا للدولة محضرا في سوء حال قاضيهم مصطفى أفندي ابن أحمد أفندي داماد، غير المذكور آنفا، و بينوا فيه ظلمه و حرصه و ارتكابه، و برهنوا على ذلك، فعزلته الدولة عن حلب و نفته إلى قونية. و في شوال هذه السنة ولي حلب أحمد باشا مير ميران و سماه في تاريخ ابن ميرو «محمد باشا» و قال إنه حاز رتبة الوزارة في حلب لظفره بعصاة من أهل بياس. و قد ولي سلفه عظم زاده ولاية الرقة. و في خامس ذي القعدة منها هجم خنزير بري على المدينة نهارا و لما دخلها اشتد عدوه و لم يزل هكذا حتى دخل الجامع الكبير و الناس و الكلاب يركضون وراءه فأغلقوا أبواب الجامع و عاجلوه برجم الحجارة حتى قتلوه.

و في جمادى الآخرة سنة 1179 أنعم حضرة السلطان برتبة الوزارة على أحمد باشا والي حلب. و فيها كان الغلاء شديدا بحلب، بيع فيه رطل الخبز باثنتي عشرة بارة. و في شوال سنة 1180 ولي حلب علي باشا كور أحمد باشا زاده.

نفي نقيب الأشراف محمد أفندي طه زاده:

و في محرّم هذه السنة صدر الأمر السلطاني بنفي السيد محمد طه زاده نقيب أشراف حلب. و سبب ذلك أنه بقي زمنا طويلا في نقابة حلب و اكتسب شهرة عظيمة و اتسعت‏

238

دنياه، و صار نافذ الكلمة مسموع الأمر رئيسا بين أقرانه، فاعتصب عليه عدة من رجال حلب و أعيانها و رؤسائها، و زعموا أنه طغى و بغى و جار و ظلم و عاقب و عذّب و سلب الأموال بغير حق، و فعل ما لم يكن جائزا في الشرع المطهّر. و قدموا في هذه المثالب محضرا إلى الدولة يلتمسون فيه من عدلها عزله و مجازاته على فعله. فصادف هذا المحضر قبولا و عزلته الدولة و محت اسمه من جريدة الموالي- و كان حائزا باية (1) إزمير- و نفته إلى أدرنة. و لما صدر الأمر بنفيه كان والده أحمد أفندي في استانبول فأخذ يدافع عن ولده حسب الشفقة الأبوية، و يقيم الحجة على أخصامه في دحض ما زعموه في ولده حتى خيف من وقوع فساد بينه و بينهم، فأمرت الدولة أن يلحق بولده و ينفى إلى أدرنة. و قد رأيت في بعض المجاميع أنه استقام في المنفى ستة أعوام و نقل فيه إلى عدة بلدان كقبرص و غيرها.

و في ذي القعدة من هذه السنة ولي حلب حمزة باشا السلحدار و فوضت إليه التحصيلات فكان بحلب واليا و محصّلا، و ولي سلفه علي باشا محافظة القارص. و في شوال سنة 1181 ولي حلب باغلقجي زاده محمد أمين باشا. ثم في سنة 1182 ولي الصدارة و ولي حلب مكانه رجب باشا. و فيها حصل وقعة عظيمة بين اليكجرية و الدالاتية و خرب عدة محلات بهذه الوقعة. و في سنة 1183 محت الدولة اسم رجب باشا من دفتر الوزارة و نفي إلى ديمتوقة. و سبب ذلك أنه لما دخل حلب استأجر دارا فسيحة و أسكنها خمسا و عشرين جارية و اشتغل بهن ليله و نهاره، و أهمل أمر الحكومة و بقي الناس فوضى. و قد ولي حلب بعده محمد باشا أحمد باشا زاده متصرّف سلانيك سابقا. ثم بعد مدة قليلة نقل إلى محافظة و دين و ولي حلب مكانه محمد باشا، نقل إليها من ولاية روملي.

فتنة بين الأشراف و الإنكشارية:

و فيها حصل بين الأشراف و اليكجرية وقعة عظيمة و اشتد القتال و النهب، و نهبت قيسرية العرب تحت القلعة و نفيت عدة أشراف. و في رمضانها المصادف لتموز وقع مطر غزير أخرب أماكن عديدة، من جملتها مكتب في محلة باحسيتا انهدم على عشرة أولاد من اليهود و حاخام و امرأة. و في محرم سنة 1184 عين محمد باشا والي حلب سر عسكرا و وليها مكانه عبد الرحمن باشا فوصل إليها في رجب.

____________

(1) رتبة عالية أو لقب رفيع تمنحه الدولة. و الكلمة فارسية أخذها عنهم الأتراك العثمانيون.

239

فتنة بين الأشراف و الدالاتية:

و فيها كانت الفتنة قائمة بين الأشراف و الدالاتية، و الأشراف هم الغالبون، فحاصر الوالي حلب و قطع القوافل عنها ثم دخلها وقت الفجر من باب قنّسرين، و هاج الأشراف و أطلقوا عليه الرصاص. و عظمت الفتنة بينهم و بين الدالاتية و استمر الحرب أربعا و عشرين ساعة ثم هرب الأشراف، و هجم الدالاتية على سوق الجمعة و نهبوا البيوت و الدكاكين و قيسرية العرب و أحرقوا جملة من بيوتها. و قبض الوالي على نقيب الأشراف و حبسه ثم نفاه. و في جمادى الآخرة منها اجتمع جم غفير من العلماء و العوامّ و دخلوا المحكمة الشرعية و طلبوا رفع بعض بدع و أمور منحرفة عن الدين، فأجيبوا إلى ما طلبوا. و في سنة 1185 ولي حلب محمد باشا عظم زاده، و كان الأشراف في قيام و ثورة فأغلقوا دونه أبواب حلب و منعوه من الدخول إليها، و اشتعلت نار الحرب بينهم نحوا من أربعين يوما. ثم في غرة ربيع الثاني منها وصل إليه المدد فغلبهم و دخل حلب و جازى المفسدين.

و فيها ولي حلب حسين باشا الداماد، ثم وليها في سنة 1186 الحاج عثمان باشا، و سنة 1188 محمد باشا. و في سنة 1189 ولي حلب محمد باشا بن محمد عثمان بك زاده، و كان سكيرا فبقي بها أياما قلائل و حول عنها إلى ولاية الرقة، و ولي حلب مكانه جتالجه لي علي باشا، و كان ظالما غاشما أضر بالناس ضررا فاحشا فتشكى منه الحلبيون إلى الدولة فأجابتهم بعزله عنهم و ولّت حلب عزت باشا محافظ القارص. و في ذي الحجة سنة 1991 تحول عزت باشا إلى متصرفية القدس، و إبراهيم باشا المير ميران متصرف القدس إلى حلب.

و في محرم سنة 1193 المصادف كانون الأول وقع في حلب ثلج عظيم، و اشتد البرد حتى تلف كثير من شجر الرمان و الزيتون و التين. و فيها كان والي حلب مراد باشا ثم عزت باشا ثانية. و فيها اشتد الغلاء بحلب و بيع رطل الخبز بزلطه و هي ثلاثون بارة. و في جمادى الأولى منها المصادف أيار وقع برد كثير، الواحدة منه في حجم الجوزة، فأتلف ثمر الشجر و بعض المزروعات.

و في سنة 1194 ولي حلب عبدي باشا الكبير كما يستفاد من تاريخ جودت. و في السالنامة أنه وليها في السنة الماضية. و سنة 1195 وليها يوسف باشا أكبر أولاد محمد باشا عظم زاده. و في سنة 1196 وليها إبراهيم باشا ثم صرف عنها إلى القارص و وليها مكانه‏

240

خزينه دار شاهين علي باشا. ثم في سنة 1197 وليها مصطفى باشا والي قرمان. و في سنة 1198 وليها أحمد باشا متصرف لواء أوخري. و في ثاني يوم من ربيع الأول سنة 1199 ولي حلب ثانية شاهين علي باشا ثم عبدي باشا. ثم في شوالها وليها أرحاجي مصطفى باشا.

و في اليوم الرابع من شعبان هذه السنة، المصادف شهر تموز، في الساعة الثالثة منه كسفت الشمس و ظهرت عدة نجوم و امتد كسوفها نحو ساعتين. و في شوال سنة 1200 ولي حلب بطال حسين باشا ابن الحاج علي باشا والي إيالة أرضروم، و ولي أرحاجي مصطفى باشا إيالة أرضروم.

غلاء عظيم:

و في هذه السنة ابتدأ الغلاء في حلب لانقطاع المطر، و يبس نهر قويق و دام يبسه إلى الأربعينية، و غلت أسعار القوت أولا ثم فقدت من البلدة بالمرة، فاضطر الناس لأكل حب الخرّوب و حب القطن و عجو المشمش المرّ، يحلّونه و يأكلونه. و من الناس من أكل الدفل الذي يخرج من النشاء المعروف بالدوسة. و منهم من أكل أمعاء الحيوانات و أحشاءها.

و بيع شنبل الحنطة بخمسة و عشرين قرشا، و رطل الخبز بثلاث عشرة بارة إلى القرش، و الزبيب بقرش، و اللحم بقرش و نصف، و السمن بربع القرش.

و في محرم سنة 1201 ولي حلب عثمان باشا محافظ أبرائيل و ولي سلفه بطال حسين باشا دمشق الشام. و فيها وقع في حلب طاعون جارف هلك فيه خلق كثير. و في سنة 1202 ولي حلب مير عبد اللّه باشا. و في السالنامة أنه وليها في السنة قبلها و هو غلط.

و في سنة 1204 ولي حلب كوسه مصطفى باشا. و في رابع ذي القعدة سنة 1205 قام الحلبيون على الوالي و حاصروه في قصره أربعة أيام ثم في ثامن هذا الشهر أخرجوه من باب الفرج فأقام في ظاهر حلب، و كانت الدولة عينت مكانه سليمان باشا ترنج زاده.

فتن في عينتاب و كلّز:

و في سنة 1206 كتبت الدولة إلى كوسه مصطفى باشا- المقيم في ظاهر حلب- أن يسيّر على نوري باشا بطال آغا زاده، و كان عاصيا على الدولة في عينتاب. و ذلك أن نوري باشا كان من وجهاء عينتاب و بيده مقاطعتها فظلم و بغى، حتى اضطر أهل عينتاب إلى أن يستعينوا عليه بمحمد علي باشا طبان زاده متصرف كلّز، فدعوه إليهم و سلموه قيادتهم‏

241

فهرب منه نوري باشا، و استقر هو في عينتاب وصفا له الوقت و سلك سنن من قبله من الظلم و العسف، حتى أسف الناس على نوري باشا. و لما عيل صبرهم منه هجموا على ولده الذي كان بيده مقاليد أموره و قتلوه شر قتلة و تخلصوا من جوره. و لما سمع بذلك نوري باشا اغتنم الفرصة و حشد أخلاطا من التركمان و قصد عينتاب و حصرها، و قطع طريق حلب و صار ينهب الأموال و يقتل النفوس.

و اتصل خبره بالدوله فعينت درويش عبد اللّه بك عزت بك زاده، فمشى نحوه بالعساكر الوفيرة و اتفق في هذه البرهة أن مر بتلك الأطراف ككى عبدي باشا قائد الجيش السلطاني و كان معزولا من مصر، فدخل عليه نوري باشا و استشفع به للدولة، فضمن له العفو بشرط أن يكون بمعيته. و كان عبد باشا متوجها إلى ديار بكر فتوجه نوري باشا معه و أقام بها إلى أن توفي عبدي باشا. و عندها خرج نوري باشا من ديار بكر و عاد إلى فساده و قصد عينتاب، و اتفق مع زمرة السادات و استولى على اليكجرية و أحرق دورهم و نهب أموالهم، ثم حصن القلعة و أقام بها كالمتحصن لأنه خاف عاقبة فعله، إلى أن كتبت الدولة إلى كور مصطفى باشا بالمسير عليه في السنة المتقدم ذكرها، فتوجه نحوه و حاصره في القلعة خمسة أشهر إلى أن ظفر به و قتله مع جماعة من حاشيته و قطع رؤوسهم و أرسلها إلى حلب و منها إلى استانبول. و في أواخر هذه السنة ولي حلب عثمان باشا. و في سنة 1207 وقع في حلب قحط و غلاء.

صلح اليكجرية مع أهل حلب:

و في سنة 1208 ولي حلب عبد اللّه باشا عظم زاده، و كانت شرور اليكجرية فيها قد عظمت، و استبدوا بالأمور حتى لم يبق للوالي حكم نافذ و كان ضعيفا. فولت الدولة حلب سليمان فيضي باشا و شرطت عليه إصلاح البلد من غير إقامة حرب. فحضر إلى حلب و أحضر إليه كبراء اليكجرية و تلطف بهم و عاهدوه على الراحة و السكون و نذر عليهم نذورا ثقيلة لأهل حلب إن نكثوا العهد، فلم يمض غير أيام قلائل إلا و نبذوا العهود و هجموا بلا سبب ظاهر على محمد أفندي غوري زاده و شتموه و ضربوه ضربا مبرحا، و عادوا إلى ما كانوا عليه و مدوا أيديهم للأرزاق الواردة إلى حلب من خارجها، فخافهم الوالي و خرج إلى ظاهر حلب بوسيلة أنه يريد تبديل الهواء، ثم أرسل إليهم رجلا من خاصته ذا نجدة

242

و شجاعة و رفقه بمباشر من زعماء اليكجرية و طلب منهم النذور التي نذروها أو يوقع بهم، و كتب إلى الدولة واقعة الحال. ثم في أواسط هذه السنة وقع الصلح و تمت الألفة بين أهل حلب و اليكجرية.

تخفيض عدد تراجمة قناصل الدول الأجنبية:

و في هذه السنة أيضا كتب سليمان فيضي باشا إلى الدولة أن قد بلغ عدد تراجمي القناصل في حلب نحو ألف و خمسمائة رجل. و السبب في ذلك أن الدولة سمحت لكل سفير في استانبول، و لكل قنصل خارجها، بشخص و ترجمان استثنته من جميع التكاليف الأميرية. فانفتح بسبب ذلك باب لمن أراد الدخول في الترجمانية، حتى بلغ عدد من كان يلبس قلانس السّمّور (1) ألفا و خمسمائة، دخلوا بالخدعة و الحيلة و امتنعوا عن دفع التكاليف الأميرية و كانوا تجارا، فعينت الدولة للفحص عنهم رجلا يقال له كسبي أفندي، فحضر إلى حلب و أحضرهم جميعا و راجع أسماءهم في سجل الترجمة فلم يظهر له غير ستة بحقّ، فحذف ما عداهم و أرسلهم لاستانبول للمجازاة بعد أن دفعوا له و للكمرجي و لمحصّل الأموال خمسة آلاف ذهب، و للوالي مثلها. فلم يقبلوها. و في هذه السنة كانت وفاة سليمان فيضي باشا.

و لم أقف على من ولي حلب بعده إلى سنة 1211 و فيها وليها شريف باشا والي مرعش.

ثم في أواخرها وليها حقي باشا والي روم إيلي، فتحرك من مكانه إلى حلب و عبر في طريقه من معبر كليبولي. و لما قارب قرية سكود أفسد أتباعه و حاشيته الكثيرة مزروعات تلك القرية و أضروا ضررا فاحشا. فابتدر الناس هناك مدافعتهم بالتي هي أحسن فكرّ أتباع الوالي عليهم و أوسعوهم جراحا و قتلوا منهم عدة أشخاص. و عندها رفعوا أمرهم للدولة فأصغت إليهم و غضبت على حقي باشا و محت اسمه من الوزارة، و نفي إلى جزيرة استانكوي. و ولي حلب مكانه في أوائل سنة 1212 حسن باشا محافظ بندر. و بعد بضعة أشهر وليها درويش مصطفى باشا والي الروم إيلي.

____________

(1) السمّور: حيوان لاحم مفترس، يتخذ من جلده فرو ثمين.

243

واقعة جامع الأطروش:

في رمضان هذه السنة عظمت الفتنة بين السادات و اليكجرية في حلب، و جرى بينهما منازعة و قتال، و تغلّب اليكجرية على السادات فالتجؤوا إلى جامع الأطروش و حاصروا فيه، و منع اليكجرية وصول الماء و القوت إليهم و شددوا عليهم الحصار، و نفذت‏ (1) أقواتهم و عيل صبرهم و أشرفوا على الهلاك من الجوع و العطش، فاستأمنوا اليكجرية فأمّنوهم على أنفسهم و حلفوا لهم الأيمان المغلظة على ذلك. فوثق السادات منهم و فتحوا أبواب الجامع فما كان إلا أن هجم اليكجرية عليهم و فتكوا بهم قتلا و جرحا و سلبا و سبيا، و السادات يستجيرون بهم و يستغيثون بالنبي و آله فلا يلتفتون إليهم. و كانوا يقتلون السادات على أنحاء شتى: فمنهم من يقتلونه نحرا في عنقه، و منهم من يبقرون بطنه، و منهم من يفلقون بالسيف هامته، و منهم من يذبحونه من قفاه أو من عنقه، و منهم من يطرحونه في البئر أو في حفيرة حيا. و كان السيد يستغيث بشربة من الماء قبل أن يقتلوه، فلا يغيثوه بل يقتلوه‏ (2) ظمآن. و من الغريب أن يكجريا ظفر بأخيه السيد و أراد أن يقتله فاستغاث بشربة ماء قبل القتل، فبال في فمه و قتله.

جرى ذلك و الوالي غائب عن حلب لمحاربة بعض الخوارج على الدولة. و لما اتصل الخبر بالدولة ولّت حلب شريف باشا والي مرعش- و هذه الولاية الثانية- فأسرع الكرّة إلى حلب و تدارك الحال و أطفأ نار الفتنة. و قد نظم شعراء العصر في هذه الوقعة عدة قصائد نعوا فيها السادات و هجوا اليكجرية. فمّما قاله الشيخ محمد وفا الرفاعي- من قصيدة- قوله:

كلّ المصائب قد تسلى نوائبها* * * إلا التي ليس عنها الدهر سلوان‏

هي المصيبة في آل الرسول فكم‏* * * سرى بأخبارها في الناس ركبان‏

من آل بيت رسول اللّه شرذمة* * * من النوابغ أحداث و شبان‏

آووا لبعض بيوت اللّه من فرق‏* * * من العدو، و للأعداء عدوان‏

فجاء قوم من الفجّار تقصدهم‏* * * فآمنوهم، و لكن عهدهم خانوا

____________

(1) كذا، و الصواب «نفدت» بالدال المهملة.

(2) الصواب إثبات نون الأفعال الخمسة في: «يغيثونه، يقتلونه» لأنهما معطوفان على الفعل المرفوع «يستغيث».

244

و حالفوهم على فوز بأنفسهم‏* * * لكنهم ما لهم عهد و أيمان‏

و كيف صحّ قديما عهد طائفة* * * ضلّت و ليس لهم في القلب إيمان‏

سلّوا عليهم سيوف البغي و اقتحموا* * * كما تهجّم جبّار و شيطان‏

و باشروا قتلهم بما بدا لهم‏* * * فبعضهم ذابح، و البعض طعّان‏

أو باقر لبطون أو ممثّل أو* * * ضرّاب سيف و فتّاك و فتان‏

أو مقتف إثر مهزوم ليقتله‏* * * و قلبه لدماء الآل ظمآن‏

أو خائض بدماء القوم مفتخر* * * بالسيف مستولع بالهتك و لهان‏

أو كاسر عظم مقتول و قاذفه‏* * * كما تكسّر أصنام و أوثان‏

و كل هذا و آل البيت ما رفعت‏* * * لهم عليهم يد و الربّ ديّان‏

إن يستجيروا بجاه المصطفى شتموا* * * أو بالصحابة سبّوا البيت، لا كانوا

أو يستغيثوا يغاثوا من دمائهم‏* * * أو يستقيلوا الردى فالقلب صوّان‏

فلو سمعت عويل القوم من بعد* * * إذ يستغيثوا لهدّت منك أركان‏

يا ربّ والدة كبّت على ولد* * * فمزقوه، و ما رقّوا و ما لانوا

يا ربّ أرملة ريعت بصاحبها* * * و حولها منه أيتام و صبيان‏

و هي طويلة. و قال محمد أفندي الخسرفّي في هذه الواقعة أيضا من قصيدة:

أهكذا تفعل الإسلام في نفر* * * المصطفى حبّهم من قبل ما كانوا (1)

سلّوا عليهم سيوف الكيد و ابتدروا* * * سلبا و قتلا، و ما دانوا و ما لانوا

ما ذا التباغض للأشراف مع حسد؟* * * هل جاءكم فيه قبل الآن قرآن؟

هل عندكم أنّ خير الخلق سامحكم‏* * * أم عند ربّكم في ذاك غفران؟

هدرتمو دم أبناء الرسول فهل‏* * * فرعون أوصاكم فيه و هامان؟

و من دنا منكم لا عفو عندكم‏* * * إذا قدرتم، ألا دنتم كما دانوا؟

يتّمتمو كلّ طفل لا لسان له‏* * * كأن والده للهول نشآن‏

و كم مخدّرة للوجه حاسرة (2) يهتزّ من نوحها للعرش أركان‏* * *

يزيد أوصاكم في ذاك يا سفل‏* * * بموت نسل نبيّ، و هو ظمآن‏ (3)

____________

(1) يريد بالإسلام هنا: المسلمين. و الحبّ، بكسر الحاء: المحبوب.

(2) يريد بالإسلام هنا: المسلمين. و الحبّ، بكسر الحاء: المحبوب.

(3) في الأصل: «النبيّ» فصححناها إلى «نبيّ» ليستقيم الوزن.

245

و قال بعضهم في هذه الحادثة أيضا:

يا مصطفى إن القلوب منغّصه‏* * * لبنيك في الشهباء حلّت منقصه‏

في جامع الأطروش سال نجيعهم‏* * * فغدت به أرجاؤه متقمّصه‏

أدرك فجسم الدين أنهكه الضّنى‏* * * و كوى بني السادات ابن الحمّصه‏

أقبل و قل للحربليّ: الحرب لي‏* * * فأذق إلهي ذي العصابة مخمصه‏

أبدت إلى الأشراف شرّ خيانة* * * و غدت إلى داعي الضلالة مخلصه‏

عهدت إليهم بالأمان و أصبحت‏* * * أعلامها بيد الخداع منكّصه‏

يا سينها في النازعات أحلّه ال* * * مولى و عمّهم العذاب و خصّصه‏

أدماء أعداء الإله ثمينة* * * و دماء أبناء الرسول مرخّصه؟

فلأنت أولى بالجميع، و هذه‏* * * شكواهم رفعت إليك ملخّصه‏

سفر المتطوعة من حلب إلى مصر لإخراج الفرنسيين منها:

في غرة جمادى الأولى سنة 1214 سافر سبعة آلاف فارس من يكجرية حلب مع أحد زعمائهم أحمد آغا حمّصة، و كان معهم اللواء الكبير، و توجهوا إلى مصر لإخراج طائفة الفرنسيس منها. و في غرة جمادى الأولى سنة 1215 سافر إبراهيم باشا قطاراغاسي- من عظماء رجال الدولة الحلبيين- إلى مصر لمحاربة الطائفة المذكورة، و خرج معه متطوعا نقيب الأشراف محمد قدسي أفندي، و معه من الأشراف نحو أربعة آلاف رجل.

ثم في شهر ربيع الأول سنة 1216 زينت حلب سبعة أيام لرجوع مصر ليد الدولة العثمانية. و في جمادى الثانية منها عاد إلى حلب قدسي أفندي و معه الأشراف فزينت لقدومهم أيضا. و في ذي القعدة منها- المصادف الليلة الخامسة عشرة من آذار- حدث بحلب زلزلة أخربت عدة أماكن من جملتها ست حجرات من خان اللبن. و في الخامس و العشرين ذي الحجة منها المصادف اليوم السادس عشر من نيسان وصل إلى حلب إبراهيم باشا قطاراغاسي قافلا من مصر، و بعد برهة ولي حلب. و غلط في السالنامة إذ جعل ولايته حلب في سنة 1214 و فيها عمرت منارة جامع العدلية، و كانت هدمتها عاصفة خرجت في هذه السنة و هدمت معها عدة أبنية.

246

إصلاح ذات البين بين اليكجرية و السادات:

و في غرة محرم سنة 1217 قدم حلب يوسف باشا الوزير لحسم الفساد بين اليكجرية و السادات و كان كل منهما حنقا على الآخر. فأحضر الباشا المذكور و جهاء الأشراف و سردار حلب عبد الرحمن آغا التل ارفادي و أولاد الجانبلات و خطباء الجوامع و الأعيان و إبراهيم باشا الوالي و أغوات اليكجرية، و أخذ من الطرفين عهودا و مواثيق على استمرار الصلح و السكون بينهم، و نذر على الأشراف ثلاثمائة كيس و مثلها على اليكجرية أن يدفعوها للحكومة إن ابتدأ أحدهم بما يخلّ بالراحة العمومية، و أخذ من الفريقين صكوكا على ذلك.

و في محرّمها أيضا صدر أمر الدولة لوالي حلب أن ينفي ثلاثة و أربعين شخصا من زعماء اليكجرية، و أن يضبط منهم القلعة و يضع فيها مكانهم جماعة من الأرناوود ففعل.

و في سنة 1218 ولي إبراهيم باشا قطاراغاسي إمارة الحاج مع إيالة دمشق و طرابلس، و ولى ولده محمد بك حلب مع رتبة الوزارة. و في محرّم سنة 1219 خرج إبراهيم باشا من حلب متوجها إلى دمشق لمباشرة وظيفته، و ترك ولده محمد باشا واليا في حلب. و بعد ثلاثة أيام من خروجه قام الحلبيون و أشهروا العصيان على الوالي و أخرجوه من حلب.

و كانت الدولة في ذلك الوقت مرتبكة جدا لا يمكنها أن تسوق عسكرا لحلب و لا أن توافق الحلبيين على عزل الوالي الذي رفضوه صونا لشرفها. فرأت الأوفق بالحال أن ترسل من استانبول مباشرا خاصا (1) لصلاح ذات البين، و كتبت بمساعدته إلى أحد بني الجابري.

و في سنة 1220 ولي حلب علاء الدين باشا و هو الذي أحدث مدافع رمضان و العيدين.

و في سنة 1221 ولي حلب عثمان باشا ابن أحمد باشا الحلبي، و ولي معها محافظة الحرمين الشريفين. غير أن حلب في ذلك الوقت كانت أحوالها مضطربة و الفتن قائمة فيها على ساق و قدم، بحيث كانت النفقات اللازمة لإدارة الوالي يعسر عليه استحصالها، فضلا عن استحصال النفقات اللازمة لمحافظة الحرمين الشريفين اللذين كانا تحت خطر الوهابية و مهاجماتهم، و لذا سلخت عنه محافظة الحرمين و بقي واليا على حلب فقط.

و في ثامن شوال سنة 1223 ولي حلب يوسف ضيا باشا الصدر الأسبق. ثم في أواسط سنة 1224 جاءه ختم الصدارة- و كان في جهة ملاطية- لردع بعض عشائر

____________

(1) أي مبعوثا خاصا، كما يقال اليوم.

247

الأكراد، و كانت الدولة في ارتباك عظيم، داخلا من اليكجرية و خارجا من جهة روسية.

فأراد أن يستعفي من الصدارة لخطر موقعها إلا أنه خاف غضب السلطان فقبلها و سافر إلى استانبول. و في الخامس من جمادى الأولى عيّن لولاية حلب- التي لم تزل بعهدته- سروري باشا مع رتبة الوزارة. و في سنة 1226 ولي حلب راغب باشا. و في سنة 1227 أنهى راغب باشا إلى الدولة بوجوب قتل أبي براق محمد باشا، و كان منفيا بحلب.

فصدر الأمر السلطاني بقتله فقتل. و سبب ذلك أنه أثار بعض الناس لإيقاع فتنة أملا أن يحصل على غرض يريده فلم ينجح.

ولاية محمد جلال الدين باشا ابن جوبان حلب، و ما كان في أيام ولايته من الحوادث:

في سنة 1228 ولي حلب محمد جلال الدين باشا المعروف بابن جوبان. فوصل إلى حلب في اليوم السادس من رجب الفرد من هذه السنة، و كان اليكجرية في هيجان عظيم و قد طغوا و بغوا و استكبروا و عتوا على أن حالتهم هذه في حلب و غيرها من البلاد العثمانية منذ مئات من السنين كما ستقف عليه في الإجمال الذي نثبته في اليكجرية سنة 1241 و كانوا لعظمة سطوتهم و قوة عارضتهم يخيفون الولاة فكان معظم ولاة حلب ينزلون خارج البلدة، إما في تكية الشيخ أبي بكر أو في غيرها، خوفا من مهاجمات اليكجرية. و لهذا نزل محمد جلال الدين باشا حين قدومه إلى حلب في التكية المذكورة أسوة بالولاة السابقين.

كان اليكجرية يسمعون بهذا الوالي و يعرفون ما عنده من الشدة و الصرامة على اليكجرية. فلما بلغهم خبر تعيينه واليا على حلب أخفوا ما كان عندهم من الحلي و الأمتعة الثمينة عند التجار الأجانب و قناصل اليهود، فإن هذا الوالي كبقية الولاة أمثاله اعتادوا في معاقبة اليكجرية مصادرة الأغنياء منهم بالتعذيب ثم بالقتل. و لما وصل جلال الدين إلى حلب طاف في شوارعها و معه الجلّاد و قطع رؤوس خمسة من اليكجرية إرهابا للنفوس.

ثم أظهر الاطمئنان و أقبل على الصيد و النزهة، و كان في صحبته رجل ذو حيلة و دهاء هو عنده كتخداه‏ (1) فحسّن له قمع هؤلاء اليكجرية بإعمال الحيلة و الخدعة بمباشرة الحرب‏

____________

(1) كتخدا: لفظة فارسية أخذها عنهم الأتراك، و معناها معتمد الوالي و مدير أشغاله.

248

و الضرب. فعمل الوالي برأيه و اختار واحدا من وجهاء اليكجرية و دعاه إليه بالرفق و اللطف- و هو إبراهيم آغا ابن خلاص- و جعل كلما حضر عنده يكرمه و يتودد إليه و يدنيه من مجلسه و يعده بما يسرّه. و ما زال يعامله هذه المعاملة الحبيّة حتى تأكد أن إبراهيم آغا أيقن أن محبة الوالي إياه محبة صادقة لا يشوبها غش و لا يشينها تدليس. و حينئذ عمل الوالي و ليمة في تكية الشيخ أبي بكر دعا إليها بواسطة إبراهيم آغا ثمانية عشر شخصا من كبراء اليكجرية و زعمائهم، و صار كلما حضر واحد منهم يدخل إلى التكية على انفراده و يقطع رأسه و يوضع على طرف الحوض حتى أبادهم جميعا. و كان من جملتهم صفيّه و حبيبه إبراهيم آغا ابن خلاص.

و يحكى أن أحد المقتولين في هذه الوليمة الدموية كان ينصح إبراهيم آغا و يحذره من غدر الوالي، و يذكر له أن ما يراه منه من التودد و المحبة هو محض خداع و تغرير، فكان إبراهيم لا يلتفت إلى كلامه و يقول له: إن حضرة الوالي يحبني محبة خالصة. فلما كان يوم تلك الوليمة المشؤومة كان آخر من أدخل للتكية و قدم للقتل ذلك الناصح النبيه. و كان إبراهيم آغا واقفا بين يدي الوالي فأقبل ناصحه على الوالي و قبّل الأرض بين يديه و سأله:

هل في نيتك قتل هذا الحمار؟ و أشار إلى إبراهيم آغا، فأجابه الوالي بقوله (هاي هاي) أي نعم نعم، فقال له: أرجوك أن تقتله قبلي حتى أرى رأسه بين هذه الرءوس فيطيب طعم الموت عندي ثم تقتلني. فأمر الوالي بقطع رأس إبراهيم آغا فقطع و وضع على طرف الحوض، و حينئذ تقدم الناصح المذكور إلى الجلاد و قال له: الآن طاب الموت. و لوى عنقه فضربه. و كان آخر قتلاء هذه الضيافة الحافلة. ثم إن الوالي جعل يتتبع زعماء هذه الطائفة و يقتلهم بعد أن يصادر أموالهم بالتعذيب القاسي، حتى استقصى أكثرهم.

عزل قاضي حلب:

و في أوائل جمادى الأولى من هذه السنة و هي سنة 1228 عزل قاضي حلب عزّت زاده دلى أمين أفندي. و سبب ذلك أنه كان يعامل أشراف البلدة و وجهاءها معاملة العامة، و ربما عامل الوالي على هذا النمط. و كان الوالي يتحمله تكريما لعلمه و فضله و يصبر عليه لانقضاء مدته العرفية. لكنه لما كان في بعض الأيام نهر القاضي بالمفتي و وكزه في رأسه‏

249

فسبّب فعله هذا لغطا بين الناس، فخاف الوالي من حدوث فتنة بين العلماء فأنهى به إلى الدولة فعزلته و نفته إلى طوسية.

طاعون جارف:

في ربيع الآخر سنة 1229 حصل في حلب طاعون جارف بلغت وفياته اليومية ثمانمائة إلى الألف من المسلمين، و أربعين إلى الستين من النصارى، و عشرين إلى ثلاثين من اليهود.

خروج مناد من قبل الحكومة:

و فيها خرج من قبل الحكومة مناد طاف في محلات حلب و هو ينادي بقوله: (يا أهل هذه المحلة إذا كان في محلتكم يكجري و لم تخبروا عنه فجزاؤكم خمسمائة كيس). الكيس اسم لخمسمائة قرش.

ورود أمر سلطاني بقتل جماعة من زعماء اليكجرية:

و فيها ورد أمر سلطاني بقتل حسن آغا السيد خلاص، و الحاج علي آغا البيلماني، و الحاج محمد بن إبراهيم اشبيب، فقتلوا و بيعت أملاكهم بواسطة مأمور خصوصي ورد من الآستانة يقال له إبراهيم آغا سلحشور في الباب العالي. و الحاج محمد المذكور هو والد محمد آغا بازو الذي من جملة أولاده الأحياء السيد محمد بازو أحد وجهاء محلة الجبيلة الآن.

و في هذه السنة قتل أيضا أحمد آغا ابن عبد القادر حمّصة و إبراهيم آغا الحربلي- كلاهما من زعماء اليكجرية- و الحاج عمر بن عيسى الجربان من شجعانهم، و بعد قتلهم بيعت أملاكهم.

أمر النصارى بالغيار:

و في ثلاثين من ربيع الأول أمرت الحكومة النصارى أن يعتموا بعمائم سماوية اللون، و أن يلبسوا بأرجلهم النعال الحمر. و سبب ذلك أن كثيرين منهم كانوا يتزيّون بزيّ اليكجرية ليتسنى لهم التسلط على الناس كاليكجرية.

250

تأديب حيدر آغا مرسل، و غيره من الخوارج:

و في سنة 1231 صدرت أوامر الدولة بتأديب حيدر آغا مرسل، و طوبال علي، و سعيد آغا، و عمر آغا ابن عمو و غيرهم من الخوارج في بلاد البستان. و لما ساق نحوهم العسكر جلال الدين باشا والي حلب خام عن لقائه حيدر آغا و هرب إلى الرقة و وقع دخيلا عند عربانها. و أما طوبال علي آغا و سعيد آغا فإنهما فرّا إلى جهة الزور و قطعا طريق حلب، فاضطر جلال الدين باشا أن يخرج العسكر إلى أطراف البرية، غير أن طوبال و سعيد (1) تغيرت أفكارهما و توجها مع الحجاج إلى المدينة المنورة و استغاثا بشيخ الحرم قاسم آغا، فرقّ لهما و وعدهما بالشفاعة عند الدولة، ثم استرحم من السلطنة العفو عنهما فأجيب إلى ما طلب بشرط أن يقيما في مصر، و في خلال هذه السنة ولي حلب السيد أحمد باشا والي الأناطول و ولي مكانه جلال الدين باشا.

و في سنة 1232 كثر فساد الأعراب في جوار حلب و جهات ريحا و أنطاكية، و كان الأمير مهنّا البدوي هو الزعيم الأكبر على الأعراب، و قد فرض على كل داخل إلى أرضه مبلغا من النقود، و ضرب على القرى المجاورة مضاربه جريمة سماها «الأخوّة» فكانت سببا لخراب عدة قرى و جلاء أهلها عنها. و تفاقم أمر هؤلاء الأعراب و تعطلت السبل و فقد الأمن. و ذكر في الجزء الخامس من المجلد العاشر من محلة الجامعة الأميركية أن علي آغا رستم قتل ابن عمه و استولى على جسر الشغر و اللاذقية، و صادر أغنياءهما حتى قنصلي بريطانيا و فرنسا. و كان اليكجرية في حلب مع هذه الحالة في قيام و مخالفة على الوالي.

و في صفرها صدر أمر الدولة لوالي حلب السيد أحمد باشا أن يقصد الأعراب في الصحراء و يوقع بهم، و أنفذ إليهم كتخداه عثمان آغا و رفقه بمقدار وافر من العساكر، و كان العربان على ثمان عشرة ساعة عن حلب، فوصل إليهم و كسرهم و ظفر منهم بأربعة و ثلاثين شخصا قطع رؤوسهم و جهزها إلى استانبول. فسرت الدولة من ذلك و أرسلت لوالي حلب تشكّرا و استقلالا بولايته. و فيها أيضا ثارت عشيرة براق و هجموا على أطراف كلّز، فساق إليهم والي حلب و قاتلهم و ظفر منهم ببضعة أشخاص قطع رؤوسهم و أرسلها لاستانبول. و فيها قدم نفر من يكجرية إدلب و قطعوا الطريق من جهة خان طومان، فظفر

____________

(1) كذا، و الصواب «سعيدا» بتنوين النصب.

251

الوالي بهم و أرسلت منهم أربعة رؤوس إلى استانبول. و في اليوم السابع من تشرين الثاني سنة 1816 م مسيحية- المصادفة هذه السنة- كسفت الشمس وقت الاستواء و بقيت مكسوفة نحو ساعتين و أظلم الأفق و ظهر نجم الزهرة.

ولاية خورشيد باشا على حلب:

و في اليوم الثاني و العشرين من ربيع الثاني سنة 1223 ولي حلب خورشيد باشا. و في سنة 1224 ه/ 1818 م قتلت الحكومة 17 شخصا من الروم الكاثوليك، و سريانيا، و مورانيا (1). و السبب في ذلك أن الروم القديم كان لهم بحلب مطران هو المعترف به عند الدولة بالسيادة على جميع الروم القديم و الكاثوليك، أسوة أمثاله من قديم الزمان، و كانت طغمة كهنوت الروم الكاثوليك تأنف من سيادته و تنقاد إليه انقياد مكره، و كانت كنيسة الملّتين في حلب واحدة.

فلما كانت السنة المذكورة استحصل المذكور من الدولة أمرا بنفي جميع كهنة الروم الكاثوليك إهانة لهم، و عندها امتعط (2) منه جميع طائفة الكاثوليك و احتشدوا، و كانوا زهاء سبعة آلاف شخص و هم أكثر عددا من طائفة الروم القديم. ثم ساروا يريدون الإيقاع بالمطران المذكور، ثم بدا لهم أن يحضروه إلى الوالي و يلتمسوا منه كفّ سلطته عليهم استنادا على أنه لا إكراه في الدين. و كان نمي الخبر إلى الوالي و هو في تكية الشيخ أبي بكر، فلما رأى جموع الكاثوليك مقبلين عليه إقبال هجوم و تألّب أمر أن يفرق جمعهم و يقتل منهم بعض أفراد تسكينا للفتنة. فنفذ أمره و فرق جمعهم و قتل منهم الأفراد المذكورون.

و بقيت سيادة مطارنة الروم على عموم الروم إلى أن دخل المصريون حلب فأفردوا لكل طائفة مطرانا و كنيسة. و بعدهم حذت الدولة العثمانية حذوهم و استمر الحال على هذا المنوال إلى يومنا هذا. هذه الحادثة مذكورة في كتاب عناية الرحمن مفصّلة فلتراجع.

حصار حلب المعروف بحصار خورشيد:

ألمعنا- فيما تقدم قريبا- عن حادثة قتل اليكجرية و تشتتهم في البلاد عن يد محمد

____________

(1) يعني مارونيا، على القلب.

(2) كذا وردت في طبعة المؤلف نفسه، و الصواب «امتعض» بالضاد، أي غضب و تألم.

252

جلال باشا جبار زاده، و أن حلب من ذلك اليوم أخذت بالسكون و الراحة غير أنه لم يمض على تلك الحادثة زمن يسير إلا و قد اعتصب في حلب زمرة من السادات و أخذوا يدأبون بإخلال الراحة و انضباط البلد، ثم سولت لهم أنفسهم أن يقوموا على الحكومة و يخلعوا طاعتها. و استعدوا للقيام و كاتبوا جماعة اليكجرية الذين كانوا مشتتين في البلاد هربا من جبار زاده، فحضروا خفية و لازموا البيوت سرا، و قوي بهم حزب السادات و زادوا استعدادا و صاروا يتوقعون أدنى باعث للثورة.

فاتفق أن حاشية الوالي خورشيد كانت من أعظم الأسباب التي عجّلت قيام الثائرين، المترقبين أدنى فرصة تسنح لهم. و ذلك أن الوالي المشار إليه كان على جانب عظيم من الصلاح و الدين، و بالعكس حاشيته و جماعة دائرته فكان إمامه لا ينفك عن السكر إلا قليلا، و أما كتخداه سليمان بك فإنه يتناول المسكرات ليلا و نهارا و كثيرا ما كان يرى كالمجنون عند المساء لكثرة ما يشرب، فلربما كان يغضب على بعض أتباعه فيضربه بالبلطة أو بالخنجر في أي محل وقع الضرب، و كان يدور في شوارع حلب على هذه الحالة إلى نصف الليل.

و غضب مرة على رئيس ساسة الدواب و هدده بالضرب و القتل فخاف بقية السّاسة من شرّه و عولوا على الفرار و كان في الإصطبل عدد وافر من الخيول و البغال فعمد إليها سليمان بك و قطع مقادوها و قيودها و استنفرها إلى خارج الإصطبل فحصل بسببها غلغلة عظيمة في أسواق حلب. فهذه حالة الكتخدا، و أما بقية رجال الدائرة فإنهم كانوا على أشد انهماك من الفسق و الارتشاء، و كان خورشيد باشا ليس عنده خبرهم بل كان يحسن ظنه بجميعهم.

كانت هذه الأحوال تزيد من الحاشية يوما فيوما و الحلبيون المتعصبون في دينهم يزدادون نفورا إلى أن ثاروا بغتة في إحدى الليالي من محرّم سنة 1235 و كان الوالي في أطراف نهر الساجور يعاني مكاشفته لجرّه إلى نهر قويق، و مشوا نحو منزل الكتخدا المدكور فكبسوه و قتلوه، ثم انتقلوا منه إلى غيره من جماعة الدائرة المنهكمين في المعاصي و أعدموهم عن آخرهم، ثم التفتوا نحو عسكر الوالي و بغتوهم بالقتل. حتى إني رأيت في بعض المجاميع أن جملة من قتلوا من حاشية الوالي و أتباعه في تلك الليلة سبعة آلاف نسمة، و هو مبالغة فيما أظن. ثم إن هؤلاء الثائرين كبسوا بيت الإمام المتقدم ذكره فأخذوه مع جميع ما كان عنده من آلات اللهو و اللعب و أدوات الفسق و الفجور، و جاؤوا به إلى المحكمة الشرعية كأنه مشهّر، و نادوا القاضي قائلين و هم يشيرون إلى الإمام: يكفي أن تعلم بحالته استانبول‏

253

فقط. فتلطف بهم القاضي و استعمل أنواع الحيل و المداهنة و دفع عنه هذه الجمهرة، ثم أحضر إليه جماعة من العلماء و ذوي الوجاهة و سار معهم إلى خورشيد باشا في تكية الشيخ أبي بكر و أثبتوا لديه رضاهم و مزيد صداقتهم.

و كان خبر الحادثة نمي إليه‏ (1) و عاد من سفره فابتدر في الحال قطع القناة عن حلب و منع عنها دخول الميرة و الأقوات، و شدد حصارها و كتب إلى المتسلّمين بأطراف حلب فأحضرهم مع عساكرهم و أطار المكاتيب لاسترجاع عسكر كان أرسله قبل بضعة أيام لجهة ديار بكر، و كتب لوالي سلانيك أن يرسل له ألفي عسكري موظف تخرج من ميناء اللاذقية. و حرّر واقعة الحال يعلم بها استانبول. فوصلت مكاتيبه إليها في اليوم الثامن عشر من محرّم. و بينهما كانت الدولة مشغولة بإطفاء نار الفتنة المشتعلة في ديار بكر في تلك الأيام إذ ورد إليها خبر حلب أيضا، فوقعت في حيرة عظيمة. ثم بدا لها أن تكتب لأبي بكر باشا متصرف قيصرية أن يسرع الكرّة مع مقدار يتداركه من العسكر لإعانة والي حلب، و كتبت إلى جلال الدين باشا جبار زاده- والي أطنة- بأن يخابر والي حلب و يعاونه حسب الإمكان، بحيث إذا لزم حضوره بنفسه لا يتأخر. و كتبت إلى جماعة من المدفعية و أصحاب العربات الذين أرسلتهم لإخضاع أهل بغداد أن يكونوا أعوانا لوالي حلب لأنهم لم يبق لسفرهم إلى بغداد لزوم، لرجوع السلام إليها.

أما خورشيد باشا فإنه كان وصل إليه المتسلمون الذين هم في أطرافه- كما تقدم- ثم وصل العسكر الذي أرسل لديار بكر، ثم عسكر الجبل و الأرناووط ثم جلال الدين باشا ثم لطف اللّه باشا والي الرقة. فاشتدت قوته و قوي عزمه و مشى بالعساكر الوفيرة لمحاربة الحلبيين، و التقى الفريقان في محلة قسطل الحرامي خارج السور، و اشتعلت نار الحرب فلم يمض غير ساعات إلا و تقهقر الحلبيون و ولوا منهزمين إلى داخل البلد، و استمروا على تمردهم. و عندها اتفق رأي الوزراء الثلاثة على أن يدخلوا البلد جبرا، فرتبوا جيشا عظيما للهجوم على حلب في غرة ربيع الثاني. و في سحرة يوم منه أطلقت المدافع على أسوار المدينة من عدة جوانب، و انفتح فيها بضع ثلمات هجم منها عسكر الجبل و الأرناوط و دخلوا البلد، و التقى الفريقان في الأزقة و الشوارع و جرت بينهما محاربة مهولة أريق فيها

____________

(1) أي إلى الوالي خورشيد.

254

دماء كثيرة. ثم انجلت الوقعة عن كسرة الحلبيين و انهزامهم، و دخل الوزراء الثلاثة المدينة و ضبطوها بعد أن دام حصارهم أياها نحوا من أربعة أشهر. و هو آخر حصار جرى على مدينة حلب إلى يومنا هذا، و قد ظفر الوزراء الثلاثة بسبعة من رؤساء الثائرين قطعوا رؤوسهم و جهزوها إلى استانبول مع تحرير مشترك منهم، فوصلت إلى الباب العالي في أوائل جمادى الأولى و صارت موجبة للمسرة الزائدة و أرسل لكل واحد من الوزراء فروة سمّور، و لخورشيد باشا خنجر مرصع.

غير أن هذه الحادثة كانت قد شاعت في استانبول و كثر بها لغط الناس، ودار على الألسن أن سببها ظلم حاشية خورشيد باشا و فسادهم. و لذا اضطرت الدولة لكشف الحقيقة و إزالة الشبهة، و عينت لذلك رجلا يقال له مصطفى نظيف أفندي كاملي زاده و أرسلته إلى حلب للتحقيق، فوصل إليها بعد أن ضبطها الوزراء بيومين، و نزل في محل قريب من تكية الشيخ أبي بكر، و كان بينه و بين خورشيد عداوة قديمة، فكتب للدولة أن سبب الحادثة المذكورة هو ظلم جماعة الوالي و ارتكابهم الرشوة و انهماكهم في المعاصي و ما في معنى ذلك. كما أن خورشيد باشا كتب للدولة بأن نظيف أفندي رجل مفسد محرك للسواكن، له أغراض فاسدة يحاول الوصول إليها بزمرة من المفسدين الذين يترددون إليه، و ما في معناه. و لما وصل الكتابان للباب العالي رأوهما متضادين فنبذوهما ظهريا.

غريبة:

حكى شاني زاده في تاريخه- و العهدة عليه- قال: لما انتهت هذه الحادثة و صار الوالي يأمر بقتل الرجال، قياما بواجب السياسة، جاء أحد المأمورين في هذا الشأن إلى صالح آغا قوج متسلّم حلب من قبل الوالي و قال له: سيدي، مساء أمس الماضي تنازع أحد الفقراء الذين يصنعون الكراسي مع واحد من عساكر الدراويش المولوية بسبب مشلح، فحبس الفقير و عند المساء أدخل إلى محبس الدم و أصبح ميتا. و في صبيحة هذا اليوم جاءت زوجته و معها أربعة أيتام لباب الوالي و قدمت له عريضة تذكر فيها أنها محتاجة لعشاء ليلة فهي تسترحم أن يعطوها ما وجد على زوجها المقتول من الثياب لتبيعها و تنفقها على أيتامه.

فأخذت منها العريضة و قدّمتها للوالي، و عندما بينت له الكيفية أسف للغاية و رقّ للمرأة ورثى لحالها و أحسن إليها بنصف كيس من الذهب.