نهر الذهب في تاريخ حلب‏ - ج3

- كامل بن حسين الحلبي الغزي المزيد...
640 /
255

أما صالح قوج فإنه لما سمع هذه الحكاية قال: هذا شي‏ء عجيب، كيف يقتل هذا ظلما؟ و الذين صدر الأمر بقتلهم ثلاثة أشخاص، و المدافع التي أطلقت بإعلان قتلهم ثلاثة، و جثث القتلى التي أصبحت مطروحة في خندق القلعة ثلاث! فإن كان هذا الرجل قتل غلطا و خطأ فإني أفحص عن الرجل الذي كان يستحق القتل و أوقع القبض عليه. مع أن هذا الظالم الماكر قتل في تلك الليلة أربعة أشخاص دون ذنب و لا جناية بدل أربعة أشخاص صدر الأمر بقتلهم، فرشوه و خلّى سبيلهم، و قتل عوضا عنهم من لا ذنب لهم و ألقى جثثهم في خندق القلعة، كما أخبر بذلك من كان عالما بحقيقة الحال.

انتهى ملخصا من تاريخ جودت باشا، مع زيادة قليلة وقفت عليها في بعض المجاميع، و قد ذكر فيها أن زعماء الثائرين في هذه الحادثة هم من السادات و أن الصلح وقع أخيرا مع اليكجرية فقط بسبب مخامرة السادات عليهم، و لذا كان معظم من قتل في تلك الوقعة من السادات. قلت: هذه الحادثة كانت من أهم الحوادث التاريخية و أعظمها بحلب، حتى إني رأيت في بعض الفهارس الإفرنجية الواردة من باريس أنه يوجد في حانوت صاحبها كتاب مخطوط يشتمل على زهاء ثلاثمائة صحيفة، كله في خبر هذه الواقعة. و في الحال كتبت في طلبه إلى باريز فرجع الجواب إليّ بأنه بيع قبل وصول كتابي.

و في أواخر هذه السنة 1235 حول خورشيد باشا إلى إيالة المورة، و ولي حلب مصطفى باشا البيلاني صاحب الحمّام المنسوب إليه في محلة الفرافرة تجاه مزار النسيمي بحلب، و هو الذي جدد هذا المزار، و زوجته ماهلقا مدفونة فيه، و هي صاحبة السبيل الكائن في أواخر سوق العبي في حضرة المفارق الأربعة. و في سنة 1237 ولي حلب إبراهيم باشا.

الزلزلة الكبرى في حلب و أعمالها:

في نحو الساعة الثالثة من ليلة الأربعاء بعد العشاء الأخيرة ثامن و عشرين من شهر ذي القعدة من هذه السنة 1237 ه الموافق آب سنة 1821 م زلزلت حلب زلزالا شديدا امتد حكم سلطانه الرهيب إلى مسافات بعيدة عن حلب، انتهت حدوده شمالا إلى مرعش، و جنوبا إلى حمص، و شرقا إلى الفرات، و غربا إلى إسكندرونة. زحفت جيوشه الجرارة إلى جميع هذه البلاد و ما في ضواحيها و صحاريها من البلدان و القرى. و كان أعظمها مصيبة

256

به و أشدها نكبة و بلاء مدينة حلب ثم أنطاكية و بلاد القصير الأعلى و الأسفل.

حدثني الشيخ المعمّر محمد آغا مكانسي أحد أعيان حلب و وجهائها في القرن الثاني عشر المولود سنة 1202 و المتوفى سنة 1309- و كان دقيق الفكر حسن التعبير قوي الحافظة لا يشذّ عن ذهنه كلّي و لا جزئي من الحوادث و الكوارث التي مرت عليه مدة حياته بعد طور طفوليته- و كنت أسمر عنده في مصيف منزله الكبير الكائن في محلة محمد بك، في ليلة من شهر تموز طاب نسيمها و سطع بدرها. و قد سألته عن أعظم فزعة عرته في حياته، بمناسبة حديث كان يحدثنا به عما قاساه من الأهوال و الأخطار في بعض أسفاره إلى الحجاز حينما كان إسباهيا (1) يرافق ركب الحاج فقال مجيبا لي عن سؤالي: إن أعظم فزعة عرتني مدة حياتي فزعة ارتعدت لها فرائصي و أوقعتني في مهاوي اليأس من الحياة، كانت في ليلة الزلزلة الكبرى التي حدثت في سنة كذا (و ذكر الليلة التي قدمنا ذكرها).

ثم طفق يقص علينا نبأ تلك الحادثة فقال: بينما كنت جالسا في مصيف داري القديمة في ذلك الوقت أسمر مع جماعة من خلّاني و ألتذ بمنادمتهم و حسن حديثهم- و النسيم البليل يحيينا بأنفاسه و ينعشنا بلطيف هبوبه- إذ انقطع عنا بغتة و اشتد الحر حتى شعرنا بضنك في صدورنا وضيق بأنفاسنا، و ما مرّ علينا سوى نحو عشرين دقيقة في هذه الحالة المضنكة إلا و سطع في جو الفضاء ضوء أشرقت به الدنيا إشراقها بالشمس تتجلى في ذروة الفلك الأعلى، فرفعنا أبصارنا إلى العلاء فرأينا هذا النور الساطع صادرا من كوّة مفتوحة في كبد السماء كأنها نافذة من نوافذ جهنم، و ما كدنا نرجع أبصارنا إلى الحضيض حتى أوقر أسماعنا دويّ كهزيم الرعد، و إذا بالأرض قد مادت بنا يمنة و يسرة و النجوم أخذت تتناثر و تتطاير في أفق السماء كشرر يتطاير من أتون. ثم انتفضت الأرض أربع مرات متوالية أزاحتنا عن مقاعدنا، فنهضنا على أقدامنا و ما منّا أحد إلا و قد أحسّ بدنو أجله كأن السماء وقعت عليه، أو الأرض كادت تنخسف تحت قدميه. فصرنا نكرر الشهادتين و نضرع إلى اللّه تعالى بقولنا: يا لطيف، و الجدران تتداعى و تخرّ السقوف و تتدهده الحجارة على الأرض فيسمع لها جلبة و دويّ تقشعر منهما النفوس. كل هذا جرى في برهة من الزمن لا تزيد على نصف دقيقة و قد اشتد غواش الناس و ضجيجهم يستغيثون بالله، و علا صراخ‏

____________

(1) الإسباهي، و الصباهي: العسكري المرافق، و الخيّال.

257

النساء و عويلهن، و طفقت الخلائق تركض إلى الصحراء و هم يتدافعون و يتزاحمون في الشوارع و الأزقة هائمين على وجوههم، لا يلوي والد على ولد، كلّ يهرع مهرولا إلى ساحل السلامة يطلب النجاة لنفسه حتى كأن القيامة قد قامت و آذن حبل الحياة بالانصرام، و كان القتام شديدا حلك منه الظلام و حجب النجوم عن العيون.

أما الجماعة الذين كانوا يسمرون عندي فقد أسرعوا الكرّة إلى منازلهم ليتفقدوا أهلهم.

و أما أنا فقد كان أهلي حين وقوع هذا القضاء جالسين في صحن الدار، و كانت الدار فسيحة و جدرانها قصيرة لم يؤثر بها الزلزال و لا انهدم منها شي‏ء، فجمعتهم في وسط الصحن و بتنا ليلتنا في قلق زائد، لأن الأرض كانت في كل برهة ترتجف و تختلج، و نحن نستغيث بالله و نتعوذ به من سخطه. فلما طلع الفجر أحضرنا جماعة من العتّالين فحمّلناهم من البيت ما يقوم بسدّ حاجاتنا من الفرش و المؤنة و خرجنا بالأهل و العيال إلى أحد بساتين الفستق التي في جوار محلتنا، و كان الناس قد خرجوا إليها في الليل و بات أكثرهم على الأرض بلا غطاء و لا وطاء. أما بقية جهات البلدة: فمن ناسها من خرج إلى البرية في جوار محلته، و منهم من قصد الكروم و البساتين ثم تداركوا الخيم و بيوت الشعر. و الأغنياء منهم عملوا بيوتا من الدفّ، و منهم الفقراء الذي ظلوا تحت السماء بلا كنّ‏ (1) و لا ملجأ.

و استمر الزلزال يتردد نحوا من أربعين يوما تارة خفيفا و أخرى شديدا.

و حين حدوث الزلزلة الأولى كان أكثر الناس على أسطحة منازلهم و في فسحات دورهم جريا لعادتهم في موسم الصيف، فسلم بهذه الواسطة العدد الكبير من عطب الزلزلة، و لو لا ذلك لكان السالم منهم قليلا. و مع هذا فقد مات تحت الردم في حلب زهاء خمس عشرة (2) ألف نسمة. و كان معظم تأثير الزلزلة في محلة اليهود و العقبة و سوق العطارين و أبراج القلعة و ما اشتملت عليه من البيوت و المنازل، و ما جاور القلعة من المباني التي كانت قائمة في ذلك الفضاء المعروف باسم (تحت القلعة). قال: و مما يدل على شدة نفضات الزلزلة في أول مرة أن هلال مئذنة جامع العثمانية اندفع من محلّه و سقط على قبة القبلية فخرقها و وقع على أرض القبلية فحفرها.

____________

(1) من الدفّ: يعني من الخشب. و الكنّ: البيت، و كلّ ما يستر.

(2) الصواب: «خمسة عشر» لأن المعدود- و هو الألف- مذكر.

258

كان الناس يتكبدون مشقة زائدة و هم في الصحراء و البساتين بالحصول على الأقوات التي لم يبق الباعة لها سعرا محدودا، فإن كل واحد من باعة الخبز و اللحم و غيرهما يبيع بضاعته بالثمن الذي تسنح له به الفرصة، و كان الدعّار و المتشردون يقصدون الدور و المنازل و ينهبون ما فيها من الأثاث و المؤنات، فاضطر أهل كل محلة إلى أن يتعاونوا على إقامة حراس يحرسون أموالهم. و كانت جماعة الحكومة كالوالي و القاضي قد تركوا منازلهم و أقاموا في البرية تحت الخيام و بيوت الخشب، و شغلهم الخوف و الفزع عن القيام بمباشرة وظائفهم.

فاختل نظام الحكومة و كثرت حوادث النهب و السلب.

أما جثث القتلى التي كانت تحت الردم فكان أهلها المتموّلون أخرجوهم على الفور و دفنوهم بثيابهم، و قد استخرج البعض منهم و فيهم رمق من الحياة فعاشوا، و منهم من مات بعد ساعات، و استخرج بعض من خرّت عليهم السقوف أحياء لم يصابوا بشي‏ء من الضرر لأن بعض السقوف انهدم جدارها الواحد فقط، فبقيت رؤوس الأخشاب الأخرى معلقة بالجدار الباقي فتكوّن منها وقاء لمن كان مقيما تحتها فسلم. أما الفقراء الذين لا مال عندهم فقد بقيت قتلاهم مدفونه تحت الردم في الخرابات الكبيرة فكانت هناك قبورهم إلى الأبد.

كانت الأرض في هذه المدة- و هي أربعون يوما- لا تنقطع حركتها، غير قليل، فكان الناس يحسّون من وقت إلى آخر برجفات تحت أقدامهم. و قد شاع أن قطعة كبيرة من الأرض في ناحية قرية الأثارب قد خسفت، و لهذا كان كثير من الناس لا ينفك عنهم الفزع و القلق لأنهم قد تسلط على واهمتهم بأن الأرض ربما خسفت بهم و إن كانوا آمنين من سقوط الجدران عليهم لإقامتهم في بيوت خشبية. و كانت السنة كثيرة البقول و الفواكه قد أكثر الناس من أكلها فكثرت فيهم الأمراض، و مات منهم عدد كبير. و في سنة 1238 ولي حلب ثانية مصطفى باشا البيلاني. و بعد أيام حول إلى محافظة لواء صيدا و بيروت وصفد، و ولي حلب بهرام باشا والي الرقة إلحاقا.

مقتل نعمان أفندي ابن عبد الرحمن أفندي شريف:

في هذه السنة 1238 قتل نعمان أفندي. و سبب ذلك أن بهرام باشا لما قدم على حلب واليا عليها طلب من نعمان أفندي أن يقرضه مائتي ذهب إلى حين، فاعتذر له بضيق اليد،

259

و سمع بذلك أحمد بك قطاراغاسي فأسرع الحضور إلى الوالي و أعطاه المائتي ذهب، فسر منه و قرّبه إليه و حقد على نعمان أفندي. ثم وشى واش بنعمان أفندي إلى السلطان بأنه يحاول إثارة فتنة بين الأشراف- و كان هو نقيبهم- و بين اليكجرية. فأصدر السلطان إلى بهرام أمرا باغتياله. فأرسل إليه يطلبه فامتثل الأمر و خرج من منزله قاصدا منزل الوالي و هو لا يعلم بما أضمر له. و لما وصل إلى منزل الوالي كانت الخيول واقفة بانتظاره، فأمره الوالي بركوب أحدها موهما إياه بأنه يريد قمع بعض الفلاحين في جهات كلّز لأنهم في صدد الفتنة. فسارت الخيول بهما و بمن معهما من الجند حتى وصلوا إلى قرية تل الشعير من أعمال كلّز و هناك نزل الوالي و من معه- و كان وقت الظهر قد مضى- فابتدر نعمان أفندي أداء فريضة الصلاة فتوضأ و وقف يصلي فما شعر إلا و قد خرط في رقبته حبل معقود، و اثنان يشدان طرفيه حتى زهقت نفسه. فتركوا جثته ملقاة في العراء، و عاد الوالي و من معه إلى حلب. و شاع الخبر فخرج أهل نعمان أفندي و واروا جثته هناك.

و في خامس جمادى الأولى من هذه السنة 1238 ولي حلب حسن باشا الدرنده لي، والي الأناضول. و في الثالث و العشرين من رمضان سنة 1239 وليها محمد أمين وحيد باشا، و هو مولود في كلّز.

لقاح الجدري البقري:

في سنة 1240 وصل لقاح الجدري البقري إلى حلب عن يد طبيب من الفرنج المولودين في حلب اسمه منتوره، و أصله من إيطاليا. فلم يقبل أهل حلب على هذا اللقاح كما ينبغي إلا بعد دخول إبراهيم باشا المصري إلى حلب. و أصل هذا اللقاح كان ظهوره في البلاد العثمانية من الأناضول، اكتشف بواسطة الفلاحين الذين يقتنون البقر و يعانون حلبها. و في سنة 1241 كان إلغاء حزب اليكجرية و انقراضهم.

نبذة في الكلام على هذه الطائفة

قال في دائرة المعارف و غيرها ما خلاصته: كانت عساكر الدولة العثمانية في بدء تأسيسها رجالا يتخذون القتال واسطة لاكتساب معايشهم، منتقلين بجميع ما لهم من المال و العيال عند الخروج للغارات و الغزوات. ثم صار إذا حاربوا أياما قليلة و لم يفوزوا

260

بسلب تبددوا و عسر جمعهم، فاضطرت الدولة في أيام السلطان أورخان بن عثمان إلى أن تستبدلهم بجنود لهم رواتب معلومة غير أنهم لم يمض عليهم غير سنيّات قليلة حتى تمردوا على السلطان أورخان، و ربما قاتلوه إذا حملهم على أمر لا يريدونه. فبدا له حينئذ أن يقيم عسكرا من أولاد الأسراء الروم، و ذلك بأن يفصلهم عن والديهم و يعلمهم العقائد الإسلامية و يمرّنهم على الحروب فيشبون على الغزو و الجهاد. و بعد سنيّات قليلة تكوّن جيش من العسكر المذكور مؤلف من ألف رجل ما منهم إلا بطل صنديد. فأخذ السلطان أورخان ذلك الجيش إلى ولي اللّه الحاج بكطاش، و طلب منه أن يسمّيه و يدعو له فوضع يده على رأس جندي منه و قال: ليكن اسمه يكجريا. ثم قطع كمّ لبادته و وضعه على رأس ذلك الجندي و دعا لهذا الجيش بالفوز و الظفر. و معنى‏ يكجري: العسكري الجديد فحرفته العامة إلى انكشاري.

ثم لما كثرت فتوحات السلطان مراد و كثر عدد الأسراء- حتى بيع الأسير بكأس من البوزة (1)- قال بعض العلماء: إن الحكم الشرعي بإعطاء خمس الغنيمة للسلطان يتناول الأشخاص أيضا، و إنه إذا جرى هذا الأمر يرتفع ثمن الأسراء و يزداد عدد اليكجرية بسرعة. فأعجب السلطان هذا الرأي و أمر بإجرائه. و قد جرى اصطلاحهم في ذلك الزمان على أن يقسموا أولئك الأولاد إلى أجواق يسمونهم عجم أوغلان، أي أولاد أعجام، و يعلمونهم القرآن الكريم ثم التمرن على الأشغال الشاقة، ثم يدخلونهم في السلك العسكري، و بعضهم يتخذون حرسا و أعوانا للسلطان. و ينقسم هذا العسكر إلى أرط ثم إلى أوض (مفرده أوضة محرفة عن أوطاق معناه الحصن) ثم وجاقات. و الأرطة مؤلفة من عشرة أشخاص. و بلغت في أيام السلطان محمد خان الرابع مئة و تسعين شخصا. و لهم قائد عام يعرف باسم آغا، له سلطة مطلقة على وجاقه و حقّ تأديب من أذنب من عساكره و رؤسائه بالحبس و الضرب دون معارض.

و كان راتب الآغا في أول الأمر فوق أربعة آلاف قرش في الشهر، ثم زاد كثيرا.

و له أن يبقى في مأموريته ما لم يرتكب ذنبا يستحق به العزل، و إذا عزله السلطان و لم‏

____________

(1) البوزة: كلمة تركية، و معناها: الخمر المتخذة من الذرة، و عربيّتها: الغبيراء، و السّكركة. و تطلق العامّة لفظ «البوظة» على نوع معروف من «المرطبات».

261

يقطع رأسه يجعله واليا في إحدى الإيالات كأنه منفي، و للمأمورين من هذا الوجاق ألقاب شتى: كشربجي باشي، و عشي باشي، و ساقي آغاسي، و أوطه باشي، إلى غير ذلك مما يدل على أن أولئك الجنود كانوا عائشين من إنعامات السلطان و أنهم كأولاد له. و كانوا يحترمون القدور و المراجل التي توزع عليه بها تعييناتهم و يأخذونها معهم إلى الحروب فإذا خسروها عدّ ذلك عارا عليهم. ثم في أواخر أيامهم صاروا إذا أرادوا رفض أمر يضعونها أمام منازلهم مقلوبة علامة على العصيان، و لكل واحد منهم وشم خاص على يده اليسرى فوق الكوع مستدير، قطره نحو قيراط و ربع بأحرف تدل على اسم صاحبه و سنّه، و تحته عدد فرقته. و إذا عجز أحدهم بسبب جراح أو كبر سنّ يعتزل و جاقه تحت اسم «متقاعد»، و يعطى شهرية المتقاعدين و يؤذن له بالتروج.

و على هذه الترتيبات البسيطة امتدت فتوحات تلك الطائفة من أبواب برصة إلى أبواب فينّا، و حافظوا على ذلك النظام مدة خمسمائة سنة، حتى إنهم بعد أن صارت طريقتهم ثقيلة على البلاد و العباد و أوصلوا المملكة إلى أقصى درجات الانحطاط، كانوا لم يزالوا من الأمة كالروح من الجسد حتى كاد سقوطهم يتهدد وجودها، و هم- قبل اختلال نظامهم- أحسن جنود العالم ضبطا و انتظاما و أشدهم بأسا و إقداما.

وهاك نبذة في ذكر معركة من معاركهم، بها تعلم ما كانوا عليه من القوة و النجدة:

و هي أن السلطان با يزيد يلدرم خان سار في أيامه بعسكره الجرار المؤلف من اليكجرية و غيرهم إلى حدود هنكاريا قاصدا الاستظهار على أوربا بأسرها. و كان السلطان مراد خان الأول قد صادم عساكر الصّرب و البشناق بعساكره من اليكجرية فهزمهم و بدد شملهم، فألقي النفير العام في ممالك أوربا قاطبة أن النصرانية أمست في خطر التلاشي من مهاجمات المسلمين، و قامت دعاة النصرانية في كل صقع و إقليم يدعون بالغيرة الدينية، فأجاب الجميع صوت النفير و أخذت الأبطال تتهيأ للحرب، و أرسلت فرنسا و ألمانيا أحسن رجالهما و خرجت فرسان مار يوحنا من حصونها في رودس، و ثارت رجال هنكاريا بحمية لا مزيد عليها. و لم يمض إلا القليل حتى اجتمع عند الملك سيجسيمند مئة ألف مقاتل من الأبطال، و كان الجميع يمدون يد المساعدة في دفع العثمانيين عن بلادهم و استئصالهم عن آخرهم.

و كان السلطان با يزيد خان قد استعد لمقابلتهم و جمع نحو مائتي ألف مقاتل و نزل بهم‏

262

متحصنا بالقرب من بيكويوليس. فلما أقبلت عساكر سيجسيمند على جيوش الإسلام ظنوا أن الغلبة سهلة عليهم جدا لأنهم رأوا تلك الجيوش خالية من كل ترتيب و إن كانت أسلحتهم كاملة. و كان يظن الناظر في اليكجرية أن ملابسهم الطويلة الواسعة تعوقهم عن خفة الحركة و الرشاقة في استعمال الحراب، و عمائم الصباهية الكبيرة و قلانسهم الضخمة تزيد مناظرهم ضخامة في عين الناظر إليهم و تجعله يتهاون بمصادمتهم. فتقدم فرسان من فرنسا و أنشبوا الحرب مع فئة قليلة من اليكجرية لا يبلغ عددهم 4000 فبدد شملهم الفرسان و فتحوا فيهم طريقا ساروا منه إلى بقية جيش المسلمين المجتمع وراءهم، و إذا بجيش عرمرمي من الرجال الأشداء لا يلتفتون إلى الهاربين من عساكر تلك الشرذمة و لا يبالون بما وقع عليها من الكسرة، كأنهم الأسود ثباتا و منظرا ينتظرون هجوم عساكر الأعداء عليهم فما كان غير قليل حتى سمع من عساكر المسلمين جلبة هائلة و في أثرها ثارت اليكجرية على ذلك العدو فخام عن لقائهم فتبعوه و أعملوا فيه السيف و لم يفلت منه إلا الشريد الهارب، و قد جعل ذلك الظفر العظيم اسم اليكجرية مهيبا جدا في أوربا بأسرها.

و كانت طريقة اليكجرية في القتال أن يحيطوا صفوفهم بجيش من العساكر الجاهلة، و يفتحون بها باب الحرب و يشتغل بها العدو مدة و لا يتيسر له الوصول إلى معظم عساكرهم إلا بعد أن يكلّ من القتال، حتى إن تلك الجنود الجاهلة كانوا يملؤون بجثثها الخنادق، و ربما جعلوها تلالا يتسلقون عليها إلى الحصون و القلاع التي يحاصرونها. و لما كان اليكجرية يباشرون الحروب دائما و يرزقون الفوز و الظفر و ينالون الغنائم العظيمة، داخلهم التيه و الكبرياء و صاروا يعدّون أنفسهم هم المحامون عن بيضة الإسلام و حوزة الملك، و العلة الوحيدة لوجودهما. ثم تمادوا في غلوائهم حتى صاروا يتجاسرون على خلع الملوك و تبديل الوزراء و قد بالغ بعض سلاطين آل عثمان في تعظيمهم و إكرامهم، مستندا في ذلك إلى أنهم هم الذين شادوا الملك و بهم امتد في أوربا و آسيا و أفريقية و جزائر البحر حتى استحق مالكه أن يلقب بسلطان البرّين و خاقان البحرين.

و لما أحرزت المملكة هذه الشهرة العظيمة بواسطة اليكجرية ازدادوا عتوّا و تعديا و ضعفت شجاعتهم و إقدامهم، و صاروا رعبا للسلاطين بعد أن كانوا رعبا للعدو، و صاروا يجاهرون بالعصيان لأدنى سبب حتى اضطر السلطان عثمان الثاني إلى العزم على ملاشاتهم، و أمر بجمع عساكر جديدة في آسيا و تعليمهم أصول الحرب الحديثة. فاستاء اليكجرية من‏

263

ذلك و هاجوا و اجتمعوا في ساحة آت ميدان و قلبوا مراجلهم أمام القشلة، و ضربوا الطبول. فانزعج السلطان لذلك و أشاع بأنه كان يستعد للحج الشريف و أن العساكر التي أمر بجمعها في آسيا لم تكن إلا للمحافظة عليه في طريق الحج، و أمر بتجهيز سفن لأجل تلك الغاية. فلم يقنعهم هذا الاعتذار و قاموا قومة رجل واحد و قتلوا عددا عظيما من الحرس و الحجاب و أفرجوا عن السلطان مصطفى و بايعوه و أزالوا السلطان عثمان.

و هكذا طغوا و بغوا و ذاقوا لذة السلطة و حرصوا على إبقائها فيهم. و تاريخهم مدة قرنين بعد هذا العمل ليس هو إلا سلسلة متصلة مؤلفة من حلقات العصيان و التمرد و العبث بالنفوس الزكية، ثم صاروا يمتنعون عن الدخول في العسكرية إلا بالاسم و يؤذن لهم بالإقامة دائما كالمحافظين. ثم حصلوا على إذن بالتزوج و الإقامة مع عيالهم، فاضطرتهم العيلة (1) إلى الدخول في التجارة و الصنائع و أهملوا سيوفهم و بواريدهم و لم يبق بهم من صفات الجنود سوى المحافظة على أخذ رواتبهم في أوقاتها. و لم يكفهم ذلك حتى صاروا يأخذون مرتّبات لعيالهم، و قيدوا أسماء أولادهم في سلك الجنود الأمناء مستبدين لا يؤدون شيئا لخزينة الحكومة. و صار ينخرط في سلكهم جماهير غفيرة من الناس، و بعضهم ينفق مبالغ باهظة ليحرز شرف الانتظام في مسلكهم و أن يوشم على يده اليسرى بالوشم المتقدم ذكره، الذي كان صاحبه يستبد بجميع أعماله، صالحة كانت أم طالحة. و قد دخل في تلك الزمرة كثير من اليهود و النصارى طمعا في السلب و الغنائم في أوقات العصيان. و استولى عليهم الكسل و الجهل باستعمال السلاح حتى إن كثيرا منهم من يضع في البارودة الرصاص قبل البارود، و كثيرا منهم من يكون في المؤخرة و يطلق بارودته على من في المقدمة. و ربما حاول قوّادهم ردعهم عن ذلك فيجيبونهم بقولهم: إن رصاصة اليكجري تعرف العدو من الصديق.

و قد انتشبت مرارا مقاتلات شديدة في أزقة القسطنطينية بينهم و بين الصباهية الذين كانوا أعداء لهم، فكانوا يطوفون في الأسواق و بين البيوت و يوسعون الناس ضربا و افتراء، و يسلبون ما صادفوه من الأمتعة و يرتكبون شرورا كثيرة و يسبون النساء و البنات من دون مانع و لا معارض. و كانت القسطنطينية بجملتها في قبضة يدهم يفعلون فيها ما يشاءون‏

____________

(1) العيلة: الفقر.

264

من دون حساب و لا عقاب، و إذا قدم مركب موسوق‏ (1) حطبا أو فحما إلى الميناء يذهبون حالا إليه و يسمونه بسمة أرطتهم‏ (2)، إشعارا بأنه قد دخل تحت ظل حمايتهم و بأنه قد صار لهم حق بيعه و قبض ثمنه، و جميع الخضر الواردة إلى السوق تحت مطلق تصرفهم يبيعونها بما شاؤوا و يعطون أصحابها من الثمن ما سمحت به أنفسهم. و هم في كل يوم يذهبون جميعا باحتفال لأجل أخذ مرتّباتهم، و يتعدون في طريقهم على كل من صادفوه، و قائدهم يمشي أمامهم و بيده مغرفة ضخمة طولها ذراعان و هم يتبعونه حاملين مراجلهم العظيمة على عتلات و معهم جمهور من المحافظين بأيديهم سياط ضخمة. فإذا اتفق أن أحدا لم يحد عن الطريق- الذي يمرّون فيه- حالما يسمع قولهم: صاغ (أي ظهرك أو احذر) فإن القائد يضربه بتلك المغرفة العظيمة فيرميه إلى الأرض، ثم يأتي أصحاب السياط و يوجعونه ضربا. و إذا رأى الحمّال منهم مع رجل رزمة يجبره أن يسلمه إياها لكي يحملها له، طالبا منه أن يدفع له الأجرة سلفا، التي ربما تساوي قيمتها. ثم بعد قبض الأجرة يسمح له بحملها إن شاء، بشرط أن يعطيه شيئا على ذلك.

و كان إذا بنى أحد بيتا يأتي إليه نجار من اليكجرية و يطرد نجّاريه، ثم يتمم هو العمل متى شاء، و بالطريقة التي يستحسنها. و كان الأمر و النهي في الدواوين و المحاكم و المأموريات بيد أولئك القوم العتاة في جميع بلاد المملكة العثمانية. و كانوا ينصبّون و يعزلون متى شاؤوا.

و لم تزل الأمور جارية على هذا المنوال حتى كادت المملكة تسقط تحت نير تلك القوة الهائلة التي كانت أوربا بأسرها ترتعد من مجرد ذكر اسمها.

و في سنة 1208 ابتدأ السلطان سليم الثالث يتخذ عسكرا جديدا و سماه بالنظام الجديد.

فهاج اليكجرية و من يتعصب إليهم، فاضطر السلطان إلى إرسال ما كان عنده من العسكر المذكور إلى آسيا ثم أرجعه إلى استانبول حينما اشتغلوا في الحرب خارجا مغتنما تلك الفرصة.

و لما أخذ هذا العسكر الجديد يزيد عدّة، قام الجميع عليه بصوت واحد مدّعين أن ذلك بدعة تضادّ الدين، فاضطره الأمر إلى التسليم لهم أيضا. ثم انتهز فرصة أخرى و أرجع النظام و جعل منه عسكرا محافظين على المدينة و أحضر من آسيا عساكر غير منتظمة لتكثير العدد.

____________

(1) أي محمّل. و الوسق: الحمل.

(2) الأرطة: لفظة تركية، معناها الجماعة أو الفرقة من الإنكشارية. ثم صارت بمعنى الجماعة مطلقا.

265

فأخذ اليكجرية في إضرام نيران الاختلاف بين عساكر النظام و تلك العساكر التي هي غير منتظمة، فحدثت حركة شديدة من بين الفريقين دارت فيها الدائرة على عساكر النظام فهربوا إلى القشل‏ (1)، و أما العساكر التي هي غير منتظمة فذهبوا إلى اليكجرية و أخرجوا المراجل المشهورة و جعلوها صفوفا في ساحة القشلة، فاجتمع جمهور من اليكجرية المستوطنين و ثار معهم جمهور من رعاع المدينة و حينئذ لم يسع السلطان إلا الأمر بإبطال النظام. غير أن اليكجرية لم يرضوا إلا بخلعه و سجنه عند الحريم جزاء لما ابتدع في الإسلام من العادات و الملابس الفرنجية على زعمهم، و نادوا باسم السلطان مصطفى. و لما أجلسوه على تخت السلطنة أصدر أمرا بإبطال النظام الجديد.

ثم في السنة التالية قام مصطفى باشا بيرقدار و وقف بعساكره على باب السرايا و طلب متهدّدا إرجاع السلطان سليم إلى تخت الملك. فلما رأى السلطان مصطفى ذلك الأمر خنق السلطان سليما و طرح جثته من كوة القصر إلى العصاة الذين كانوا محيطين بالسرايا.

فساءهم ذلك جدا و هجموا على السرايا و خلعوا السلطان مصطفى و وضعوه في السجن الذي كان فيه السلطان سليم، و نودي باسم السلطان محمود الثاني، و كان السلطان محمود يتردد دائما على السلطان سليم و هو في السجن، و يسرّ جدا بما كان يطلع عليه من تدابير ابن عمه بما يرجع المملكة العثمانية إلى ما كانت عليه من النجاح و السطوة، و لم يكن أقل بغضا منه لطريقة اليكجرية، و كان يحسب نفسه قادرا على قهرهم، فحلف مقسما أنه لا بد من أن يهلك تلك القوة الفظيعة التي كانت قابضة على زمام السلطنة بأيديها الخبيثة.

فتولى مصطفى باشا بيرقدار منصب الصدارة العظمى و أخذ ينتقم من أعداء السلطان سليم، و أما السلطان محمود فصرف همته في اتخاذ التدابير و الوسائل اللازمة لقرض زمرة اليكجرية.

و بعد أن تسلح بفتوى من شيخ الإسلام أمر بإجراء نظام اليكجرية القديم بكل صرامة و تدقيق و إبطال علائق المتزوجين منهم، و إجبار المتزوجين بأن يتركوا حوانيتهم و يسكنوا في القشلة، و يتعلموا هناك فنون الحرب و يخضعوا لأصول طريقتهم.

فلما نشرت هذه الأوامر هاج اليكجرية و أظهروا العصيان في شهر رمضان و أضرموا النار في بيوت مجاورة لقصر الصدر الأعظم، فاحترق و هو نائم على سريره، ثم ساروا

____________

(1) جمع قشلة و هي الثكنة. «منزل العسكر».

266

هاجمين على السرايا، حيث كان السلطان محمود، فجمع السلطان حالا الطّوبجية و من عنده من العساكر الجديدة، و انتشب القتال بين الفريقين مدة يومين، و أصبحت المدينة في خطر عظيم من تلك النيران التي أضرمها اليكجرية. و كانت عساكر السلطان محمود قليلة ضعيفة و رعاع المدينة قد اتحدت مع اليكجرية و المتعصبون لهم يحركون العامة و يهيجونهم، فرأى السلطان أنه لم يبق له إلا وجه واحد للتخلص من أيدي أولئك القوم العصاة، و هو أن يقتل السلطان مصطفى فيبقى وحده من سلالة بني عثمان، ففعل ثم خرج و وقف وحده أمام ذلك الجمهور الهائج فلم يجسر أحد أن يمد إليه يدا، و سلم قواد العساكر الذين قاتلوا عنه في السرايا للعدو لكي ينتقموا منهم بحسب إرادتهم، و أقسم بأنه لا يجدد إلى الأبد ذلك النظام الجديد المكروه. و أجاب اليكجرية إلى كل ما طلبوه، و أطلق لهم العنان كجاري عادتهم حتى إنه قيّد اسمه يكجريا في إحدى أورطهم.

و من ذلك الوقت وقع القضاء على اليكجرية لأن انقياد السلطان محمود و تسليمه لهم في كل شي‏ء لم يكن إلا بقصد الغلبة عليهم، فأخذ من ذلك الوقت بعزم شديد يستخدم التدابير اللازمة المؤدية إلى المرغوب، و دام مدة ثمان عشرة سنة منتظرا الفرصة لتنكيس تلك السيطرة و إنقاذ السلطنة من مخالبها الحادة. و كان جماعة من الطّوبجيّة قد تعلموا من عدة سنين طريقة الإفرنج في استخدام المدافع، إلا أنهم لقلة عددهم و قصر معرفتهم في استعمال المدافع كان اليكجرية يزدرون بهم. و أما السلطان فكان يزيد عددهم و يقويهم شيئا فشيئا لكي يعتمد عليهم عند الاقتضاء. و في تلك الأثناء حصلت حركة الأروام فصارت حجة لتعليم تلك الزمرة أصول العسكرية و زيادة عسكرهم، و كانوا شديدي البغضة لليكجرية، و كان السلطان لا يألو جهدا عن اتخاذ كل الوسائل لتقوية تلك الحماسة فيهم نحو اليكجرية.

و في سنة 1241 بلغ عدد الطوبجية في القسطنطينية أربعة عشر ألفا، و كانوا جميعا خاضعين خضوعا تاما للسلطان، خبيرين بأمور الحرب، خلافا لليكجرية الذين كانوا دائما يجلبون عارا على الراية العثمانية بعدم انقيادهم إلى قوادهم عند القتال، و رغبتهم الوحشية في سفك الدماء و السلب عند الانتصار، و كانوا قد أغضبوا الناس بمظالمهم و تعدياتهم، و العلماء بإدعائهم السيادة عليهم، و قوادهم بما كانوا يبدونه من الجبن و التمرد على أوامرهم.

و لما ظهرت- من انتصارات عساكر إبراهيم باشا في حرب المورة- القوة التي يكسبها

267

التعليم الإفرنجي العساكر، رأى السلطان محمود خان أن الوقت الذي كان ينتظره منذ سنين كثيرة قد أتى، و أنه قد حان الزمان الذي يجب فيه بأن يخلص من مخالب اليكجرية بإيجاد قوة جديدة منظمة كافية لدفع قوتهم و إنقاذ السلطنة منهم، و قادرة على المدافعة عن المملكة إذا مسّت الحاجة. و إذ كان لا بد له من التخلص قبلا من الارتباكات الخارجية، اضطره الحال للتسليم إلى طلب اقترحته روسيا، و لم يكن لها قصد بذلك إلا جعله وسيلة لإضرام نار الحرب بينها و بين الدولة العلية. ثم عقد مجلسا من رجال الدولة العظام لأجل النظر في قوة العسكر و إصلاح الأحوال و أخرج فتوى بجواز تزيّي جنود المسلمين بزي أهل الكتاب، و بأن يتخذوا ما لهم من العوائد فيستخدمونها لمدافعتهم و يقاتلونهم بسلاحهم.

و فيما كان المجلس ملتئما، قال رجل من أعضائه، و كان شيخا مسنا: إن اليكجرية أشبه بعجائز ذوات عجب، و قد علاهن الكبر يفتخرن كثيرا بما كان لهن من الجمال منذ سنين كثيرة. و قال آخر: إنهم لا يعتبرون الآن العلماء، مع أنهم كثيرا ما حاموا عنهم و ساعدوهم. و قال آخر: إنهم طالما جلبوا العار على الراية العثمانية بواسطة تجاوزهم حدود الشريعة و عدم انقيادهم لأوامر السلطنة. فقر رأي ذلك المجلس على وجوب إصلاح أحوال العسكر، و حكم بأن يؤخذ رجال من كل فرقة من فرق اليكجرية و يجعلوا عسكرا جديدا و أن يكون لهم لباس خاص على نسق واحد و أن يتعلموا أصول الحرب على طريقة الإفرنج، مع المحافظة على الواجبات الدينية الإسلامية و عين ذلك المجلس مرتبات ذلك العسكر الجديد و كل ما يتعلق به من النظامات بكل تدقيق و تفصيل.

و بعد أن حكم شيخ الإسلام أن ذلك جائز شرعا تعهد المجلس بإجرائه بالفعل. ثم عرضت تلك الأحكام على قواد العساكر فقبلوها و ختموا على تلك العهود، و لكن حالما ابتدأت الحكومة في إجراء ذلك النظام الجديد و تعليم ذلك العسكر الطريقة الإفرنجية استفاق اليكجرية من غفلتهم فجاهروا بالعصيان و صفوا المراجل كجاري العادة و أخذ أصحابهم و المتعصّبون لهم من رعاع الناس يتواردون إليهم من كل أطراف المدينة. و كان ذلك في اليوم الخامس من شهر حزيران سنة 1825 م مسيحية المصادفة سنة 1241 ه و كانت الدراويش تتقدم تلك الجماهير و تهيجهم لمقاومة تلك البدع الجديدة الإفرنجية، و ذهبوا بهم إلى منزل كبير اليكجرية قاصدين قتله فنجا من أيديهم، فنهبوا منزله و منزل الصدر الأعظم فوقعت المدينة ثانيا في قبضة أيديهم.

268

و أما السلطان محمود خان فإنه استحضر إلى سراياه جميع الطوبجية، و بعث رسولا إلى اليكجرية العصاة يأمرهم بإلقاء السلاح و التسليم فرفضوا الأوامر و استهزءوا بها. فجمع العلماء و أخبرهم بما كان فقالوا جميعا: إن اليكجرية هم أعداء الدين. فجلس السلطان تلك الليلة في السرايا في نفس الموضع و الحالة التي جلس عليها منذ ثمان عشرة سنة، و كانت المدينة بأيدي جنود هائجة قد علا ضجيجهم إلى الجو و ملؤوا الأسواق حتى وصلوا إلى باب السرايا و أخذوا يجلبون و يتهددون. و في صباح اليوم السادس عشر من شهر حزيران من السنة المذكورة أخرج السلطان علم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من الخزينة و سار بكل جنوده إلى ساحة آت ميدان. و بعد تقديم الدعاء في جامع السلطان أحمد نشر هناك العلم الشريف فأخذت الجماهير تتقاطر إليه، ثم أخذت الجيوش تتقدم نحو اليكجرية و تدفعهم إلى الوراء، إلى أن وصلوا إلى تل مشرف على معسكرهم بقرب جامع السلطان محمود، و كنت ترى جماهير كثيرة من المسلمين يبادرن بسرعة إلى معسكر السلطان لأجل المدافعة عن العلم الشريف.

ثم ثار جماعة من الطوبجية نحو ساحة آت ميدان من دون مصادمة كثيرة، و لم يمض إلا القليل حتى أحاطت الجنود المظفرة بتلك الساحة الفسيحة من كل جهة، و جعلت المدافع على كل مرتفع و في كل شارع مقابل ذلك الموضع.

و عند ذلك خرجت اليكجرية من القشل قاصدة الهجوم على عساكر السلطان فأرسل السلطان رسولا يأمر اليكجرية أن يسلموا، فقتلوا الرسول و للحال أشعلت الطوبجية المدافع و كان عددها مائة مدفع و أخذت تطلق الكرات و القنابل على ساحة آت ميدان و القشلة، فهجمت اليكجرية على الصفوف السلطانية فدفعتهم العسكر المظفرة دفعة هائلة و ذبحوا منهم عددا غفيرا، فرجع من سلم هاربا إلى القشلة، و حينئذ تحولت المدافع نحو القشلة بأسرها، و أشعلت النار الدائمة فلعبت بالقشلة. فصرخ اليكجرية من داخلها طالبين العفو و الرجمة فلم يلتفت إلى صراخهم، و ذلك أن ألوفا من الشيوخ و النساء و العذارى طالما كانوا يصرخون إليهم في أيام سطوتهم طالبين الرحمة فلم يرحموهم و لا التفتوا إلى صراخهم.

و لم تزل المدافع تعج و البواريد ترسل الرصاص من دون انقطاع حتى سقطت حيطان القشلة إلى الداخل على من سلم فيها من نيران القتال فهلكوا عن آخرهم، و لم ينج أحد من جميع الذين كانوا قد وقفوا في تلك المعمعة لمحاربة سلطانهم و ولي نعمتهم، فسحق ذلك العصيان سحقا فظيعا في أول ظهوره، و لكن لم يكن ذلك نهاية العمل لأنه كان لم يزل ألوف من‏

269

اليكجرية باقين متفرقين في أماكن مختلفة من المدينة، و كانت الإيالات أيضا مملوءة منهم.

و في اليوم الثاني خرج فرمان شريف بإبطال تلك الزمرة و ملابسها و مصطلحاتها و قشلها حتى و اسمها من كل المملكة، و نادى به المنادون. و هذه ترجمته: «بموجب حكم الكتاب و الشريعة، إصلاحا لحال أمة محمد، و إحياء للدولة و الدين، تلغى أرط اليكجرية من الآن و صاعدا و تبطل كليا. و بموجب اتفاق العامة مع جميع العلماء حرر أنفار عساكر محمدية منصورة مكان هؤلاء، و على أهل العرض بعد هذا أن يفتحوا دكاكينهم و يكونوا في أشغالهم و مكاسبهم». اه.

فوقع الرعب على كل زمر اليكجرية و هربوا متبددين في كل صقع و ناد. و كانت الحكومة تفتش عليهم في كل مكان من المملكة و تلقي القبض على كل من وجدته منهم و تعاقبهم بالقتل بالسيف أو بالخنق أو بالسجن أو النفي، بحسب أحوالهم و ذنوبهم. و كنت ترى خليج قسطنطينية مملوءا من جثث القتلى الذين كانت تلقى فيه‏ (1). فبلغ عدد الذين قتلوا ثلاثين ألفا. و هكذا كانت نهاية هؤلاء العساكر المنكودة الحظ، و الوبال الذي جلبه لنفسها بغيها و عدم مراعاتها النعمة. و قد أرخ بعضهم هذه الحادثة بقوله: غزاي أكبر، و ذلك سنة 1241.

قلت: إن الفظائع التي كان اليكجرية يجرونها في استانبول، كانوا يجرونها بل أعظم منها في حلب و غيرها من البلاد الخارجة عن استانبول، فقد كانوا قابضين فيها على الحرف و الصنائع، و كانوا يعاملون الناس بالجبروت و القسوة و يهينون الأشراف و يهتكون الأعراض. و كانت جميع الفتن و الثورات في حلب- التي أسلفنا ذكرها- هم السبب الأعظم بإثارتها و كان زعماؤهم في الدرجة القصوى من الثراء و الغنى، و هم على جانب عظيم من العتوّ و الكبرياء. و كان ولاة حلب يعجزون عن إخضاعهم و ردعهم إلا من لجأ منهم في قهرهم إلى الحيلة و الخدعة معهم، كما فعل باستئصال عدد كبير من طواغيهم جلال الدين باشا. و كانوا يجرون في حلب من الفظائع و المخازي ما يقف اليراع خجلا عن تحريره و تسطيره: يهتكون شرف العذارى في حضور أوليائهم و في منازلهم، ثم يبصقون بوجه الرجل و يأخذون منه ما يوجد عنده من النقود و ما عند نسائه من الحلي، و يخرجون من‏

____________

(1) صواب العبارة: «.. التي كانت تلقى فيه» أو: «.. الذين كانوا يلقون فيه».

270

بيته و هم يودعونه باللعن و الشتائم. و من فظائعهم أيضا أنهم كانوا يدخلون رأس الكلب في بطيخة خضراء فارغة و يرسلونه في الأسواق و الشوارع، و وراءه واحد منهم ينادي بقوله: تنحّوا عن طريق السيّد (لأن السادة كانوا يلبسون في رؤوسهم العمائم الخضر).

و مما كانوا مستولين عليه من الحرف و المهن حرفة اللحّامين، فقد كان معظمها في أيديهم، و كان الرجل لا يقدر أن يطبخ في بيته إلا نوع الطعام الذي يأمره به لحّامه، فلربما أمره عدة أيام بأن يطبخ نوعا واحدا من الطعام لأن اللحمة التي عند لحامه لا تصلح لغير ذلك النوع، و لا يستطيع الرجل أن يشتري من لحام آخر مطلوبه من اللحم، لأنه إذا فعل ذلك فربما يقضي لحامه عليه. فاتفق أن رجلا كان اسم لحامه رحمون آغا فكانت زوجة الرجل إذا سألته: ما ذا نأكل في هذه الليلة؟ يجيبها بقوله: «الإرادة لرحمون آغا».

فسارت هذه الكلمة مسير المثل في حلب يتمثل به من كانت إرادته تبعا لإرادة من هو أقوى منه.

و الخلاصة أن الفظائع التي كانت تجريها هذه الطغمة الشريرة كثيرة جدا يحتاج استقصاؤها إلى مجلّد على حدته، و أن جميع ما كان يجريه عليهم الولاة من العقوبات و المصادرة و التعذيب قليل من كثير مما كانوا يستحقونه. فالحمد للّه الذي أراح منهم البلاد و العباد.

انتهى ما قصدنا إلى إيراده من الكلام على أحوال الطائفة اليكجرية. و لنعد الآن إلى سرد الحوادث فنقول: في سنة 1242 ولي حلب سيروزي يوسف مخلص باشا ابن إسماعيل بك من أعيان سيروز. و فيها حدث بحلب طاعون جارف بلغ عدد وفياته اليومية نحو أربعمائة نسمة.

و في سنة 1243 ولي حلب الصدر الأسبق رؤوف باشا. و قرأت في السجل المحفوظ في المحكمة الشرعية أنه في هذه السنة رفع مفتي حلب أحمد أفندي الجابري، و نقيب أشرافها عباس أفندي طه زاده- و غيرهما من وجهاء حلب- إلى الحاكم الشرعي أن بكير آغا ابن كعدان، و عبيد بن الجذبة و أتباعهما- و هم مصطفى و عواد و أحمد بن هاشم- عازمون على العود إلى حلب و الإضرار بأهلها، فهم- أي المفتي و نقيب الأشراف و رفقاؤهما- يطلبون من الحاكم الشرعي أن يحكم بقتلهم: فأحضر الحاكم أهل المحلات‏

271

و نبه عليهم بأن كل من وجد في محلته واحد من هؤلاء فعليه أن يدفع للخزينة العامرة 1500 قرش. اه و في سنة 1244 ولي حلب علي رضا باشا.

مقتل أحمد بك قطاراغاسي:

في هذه السنة (1244) قتل أحمد بك ابن إبراهيم باشا أمير الحاج و والي حلب سابقا.

و سبب قتله أن الدولة أرادت أن تستعين به على إخضاع عصابة من المتمردين عليها في جهات أرضروم، فكلفته الشخوص إليها مع مائة و خمسين شخصا من أتباعه (على أن تكون النفقة على هذه الحملة من ماله أسوة بغيره من وجهاء البلاد العثمانية الذين كانوا في تلك الأيام يساعدون الدولة على أعدائها فيجهزون إليهم الحملات على نفقاتهم). و لما ورد هذا التكليف على أحمد بك اعتذر بانحراف صحته و طلب المهلة ريثما تعاوده صحته، و كتب على الفور إلى أخيه مصطفى بك المقيم في استانبول- و هو صاحب رتبة (ميراخور)- كتابا يذكر له فيه خبر هذا التكليف و يستشيره بالسفر إلى أرضروم. و أرسل الكتاب مع ساع خصوصي.

فكتب إليه أخوه في جوابه يحذره فيه من هذه السفرة، و يأمره بأن يماطل بالإجابة على قدر استطاعته. و أرسل له هذا الكتاب مع ساع خاصّ استحثّه على السرعة و الاستعجال. و لما وصل الساعي إلى حلب سأل عن منزل أحمد بك فقيل له: هو في الفرافرة. فلما وصل الساعي إليها و قيل له: هذه هي محلة الفرافرة، رأى رجلا عليه سيماء العظمة واقفا بباب منزل فخم يحفّ به الخدم و الحشم. فلم يشك بأنه هو صاحب الكتاب فقدمه إليه فتناوله منه و أعطاه جائزته و انصرف. ثم نظر ذلك الرجل في عنوان الكتاب فإذا هو لأحمد بك مرسل إليه من أخيه مصطفى بك. ففضّ ختامه و قرأ ما فيه، و كان هذا الرجل العظيم- الذي وقع الكتاب بيده غلطا- يوسف باشا شريف زاده، الذي كان يتحين الفرص و يرقب الدوائر تدور على أحمد بك الذي كان يوسف باشا لا يشك و لا يرتاب بأنه هو ذلك الواشي الذي كان سببا لاغتيال والده نعمان أفندي، الذي أسلفنا خبر خنقه في حوادث سنة 1238 و قد ظفر الآن يوسف باشا بضالته المنشودة و أيقن بأنه قد نال أمنيته التي هي أخذ الثأر من قاتل أبيه. فأسرع إلى منزل الوالي علي رضا باشا و قدم إليه ذلك الكتاب و استحثه على تقديمه إلى حضرة السلطان ليرى رأيه في أحمد بك‏

272

و أخيه مصطفى بك. فما كان من الوالي سوى أن أرسل الكتاب مع ساع خاص إلى السلطان و لما قرأه السلطان استشاط غضبا و أصدر أمره إلى الوالي بقتل أحمد بك و تجهيز رأسه إليه بكل سرعة. و لما ورد هذا الأمر إلى الوالي كان أحمد بك متمارضا قد أقام في قصر بستان المفتي للاستشفاء بطيب هواه، ينتظر من أخيه جوابه عن كتابه و هو غافل عما خبأته له يد الأقدار.

و في يوم الثلاثاء 27 ذي القعدة من هذه السنة أشاع الوالي أنه يقصد أن يعود أحمد بك. ثم توجه هو و أتباعه إلى بستان المفتي، و كان قد نمي خبر زيارته إلى أحمد بك، فخرج لاستقباله إلى باب القصر و تلقاه بالترحاب، و بعد أن جلس معه جلسة العائد للمريض و حادثه بلطيف عباراته و دعا له بالصحة و العافية نهض للانصراف، و تبعه أحمد بك ليشيّعه، و بينهم هو نازل على الدرج إذ أتته طلقة غدارة و تبعتها ثانية و ثالثة فلم تخطى‏ء رصاصاتهما جسمه فوقع قتيلا يتخبط بدمه. فتقدم أحد الرماة إلى جثته الهامدة و حز رأسه و بعد أن حشاه تبنا قدمه إلى الوالي الذي لم يتأخر لحظة واحدة عن إرساله إلى السلطان.

و لما وصل الرأس إلى السلطان أحضر مصطفى بك أخا المقتول و أطلعه على الكتاب و سأله عن كاتبه، فأقر بأنه خط يده، ثم أخرج له رأس أخيه و سأله: هل تعرف هذا الرأس؟

فأجاب: نعم هذا رأس أخي. و في الحال التفت السلطان إلى الجلاد و أشار إليه بأن يقطع رأس مصطفى بك، فامتثل الأمر و قطع رأسه. ثم وضع الرأسان في كيس من البزّ و دفنا في حفرة واحدة.

و صدر أمر السلطان إلى والي حلب بمصادرة جميع أملاك الأخوين و أموالهما، و أن ينفي كل حالم من أولادهما و أتباعهما. فنفى من يصدق عليه أمر السلطان إلى جهات متعددة، ثم وضع أملاكهما في المزاد العلني فلم يرغب أحد بشرائها إما احتراما لأصحابها و إمّا تشاؤما (1) بها. و كان الحاج بكور آغا كتخدا الآتي ذكره قريبا قفل من بغداد و عزم على التوطن في حلب، و كان في الغاية القصوى من الثراء و الغنى، فاشترى جميع أملاك الأخوين المومأ إليهما في حلب و خارجها. و كان من جملة تلك الأملاك الدور الكائنة في محلة الفرافرة، و هي دور عظيمة فخمة، كل دار منها تضاهي محلة لما اشتملت عليه من‏

____________

(1) في الأصل: «تشائما» خطأ.

273

الأبهاء و المقاصير و كثرة الغرف و المرافق و الحدائق و متانة البناء و زخارف النقوش، و هي لم تزل تعدّ من بدائع الآثار البنائية القديمة التي يقصدها الأثريون للتفرج.

و بعد أن اشتراها الحاج بكور آغا و تصرف بها مدة من الزمن أعادها جميعها إلى ورثة الأخوين بالثمن الذي أخذها فعدّ ذلك منه شهامة و كرم أخلاق، و ظهر للناس أنه لم يقصد من شرائها إلا حفظها لورثة الأخوين و إعادتها لهم حين سنوح الفرصة. و لم يبق له منها سوى داره المقيم بها الآن بعض فروع أعقابه. و من غريب الاتفاق أنه كان لأحمد بك جارية كالحظيّة عنده، كانت تندد بالحاج بكور و تطعن به و تتحايل عليه لأنه حاز الزعامة لدى الولاة و صار نافذ الكلمة عندهم، فوقعت هذه المسكينة في قبضة الحاج بكور آغا، أخذها شراء مع جملة ما أخذه من تركة أحمد بك و جعلها خادمة في مطبخه بعد أن كانت حظية أعظم رجل في حلب يأتمر الخدم بأمرها و لا ترد لها كلمة.

سفر علي رضا باشا إلى بغداد:

و في سنة 1246 تمرّد داود باشا والي بغداد على الدولة و خرج عن طاعتها. فأصدر السلطان أمره إلى علي رضا باشا بأن يكون واليا في بغداد، و شرط عليه أن يخضع واليها المتمرد و ينكل به. فسافر إلى بغداد في أواخر هذه السنة و صحب معه (أبا بكر بن محمد ابن إبراهيم الكردي) أحد رجالات العمق و أمرائه، و جعله مستشارا له و وكيلا عنه في إدارة أمور الجيش و سماه كهيا أو كتخدا. و من ذلك اليوم عرفت هذه الأسرة بآل الكتخدا.

و في هذه السنة 1246 ولي حلب إينجه بيرقدار زاده محمد باشا. و في سنة 1248 استولى على حلب إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا خديوي مصر.

إجمال بهذه الأسرة:

لهذه الأسرة تاريخ حافل يسمى «المناقب الإبراهيمية» و هو مطبوع متداول استغنينا به عن إطالة الكلام في بيان أخبار هذه الأسرة و اكتفينا بالإلماع إليها بهذا الإجمال فنقول:

إن الجد الأعلى لهذه الأسرة هو المرحوم محمد علي باشا، و أصله من مدينة قولة إحدى بلاد الأرناوود و بها كانت ولادته سنة 1183 و مات والده عنه و هو صغير فكفله أحد أصدقاء أبيه و أحسن تربيته، و نشأ على محبة الفوز و الظفر بمقاصده و صحب الغزاة، و اشتهر

274

بين أقرانه بالحزم و العزم. ثم لما دخلت طائفة الفرنسيس مصر و ألقت الدولة العثمانية النفير العام لإخراجها، كان من جملة من امتثل أمر الدولة و نهض من بلده متوجها إلى مصر، فدخلها و حارب الطائفة المذكورة في عدة وقائع و اشتهر بالشجاعة و جودة الرأي و لما خرجت تلك الطائفة من مصر ولت عليها الدولة العثمانية محمد خسرو باشا، و كان محمد علي باشا قد استمال علماء مصر و وجهاءها فمالوا إليه و أظهروا له من المحبة ما أطمعه أن يكون واليا عليهم.

و اتفق في ذلك الأثناء (1) أن محمد خسرو باشا جهز جيشا لقتال بقية المتمردين من المماليك حكام مصر، و كان محمد علي باشا من جملة ضباط ذلك الجيش. و بقضاء اللّه و قدره انكسر الجيش المذكور و تغلب المماليك، و اتّهم القائد محمد علي باشا بممالأتهم و وشي به إلى الوالي، فقصد أن يوقع به غير أن محمد علي باشا فطن لما أراد و انضم إلى المماليك حذرا منه، و جرى بينه و بين الوالي وقعة كان هو الغالب فيها، و وقع الوالي بقبضته. و اتصل الخبر بالسلطان سليم خان فعظم عليه الأمر و أرسل علي باشا ليتولى مكان خسرو باشا و يكبت العصاة. فلما وصل إلى مصر لم تدن له المماليك بل خلعوا طاعته و قتلوه، ثم وقع النزاع بين اثنين من رؤسائهما و كان لعسكر الأرناوط مال مكسور عند أحدهما فطالبوه به باتفاق مع محمد علي باشا و حصروه في داره عدة أيام، ثم سنحت له فرصة هرب بها إلى الصعيد و انحلّ عزم المماليك بعده، و لم يبق منهم إلا رئيس واحد. و كان محمد علي باشا قد استمال العلماء و الرؤساء و أحبوه محبة مفرطة و أقاموه مقام الوالي على مصر، و أرسلوا محمد خسرو باشا إلى القسطنطينية و ولوا مكانه رشيد باشا و لقبوه نائب السلطنة على مصر. و لم يمض إلا قليل من الزمان حتى مات الرئيس الذي بقي من المماليك و صفا الوقت لمحمد علي باشا و تولى مصر.

و لما سمع حضرة السلطان بهذا الأمر تكدر منه جدا و أمر في الحال مصطفى باشا قبطان أن يسير إلى مصر و يسلمها إلى من بقي من المماليك بشرط أن يدفعوا للدولة في كل سنة خمسة آلاف كيس، و أن يأمر محمد علي باشا بالتوجه إلى سلانيك. فلما وصل مصطفى باشا إلى مصر و علم علماؤها و رؤساؤها بمراده اجتمعوا عنده و تلطفوا بتعريفه أنهم لا يرضون‏

____________

(1) كذا، و الصواب: «في تلك الأثناء». و نكتفي بهذه الإشارة عن مثيلاتها في مواضع أخرى.

275

واليا عليهم إلا محمد علي باشا. فأجابهم إلى ما طلبوا و كتب بواقعة الحال إلى الباب العالي، و عندها صدرت الأوامر السلطانية بإقرار محمد علي باشا واليا على مصر بشروط معلومة و ذلك في صفر سنة 1220 و لما تمكنت ولايته و رسخ قدمه بدأ ببقية المماليك فأبادهم ثم شرع بإصلاح أحوال مصر و إقليمها حتى استقام له ما أراد، و انتشرت فيها الصنائع و الفنون و ارتقت إلى أعلى ذروة في الكمال.

و أما سبب مسير ولده إبراهيم باشا إلى الديار الشامية: فهو أن عبد اللّه باشا والي عكّة لما أشهر العصيان على الدولة و أرسلت له درويش باشا و حاصره و ضيق عليه، استغاث بمحمد علي باشا فشفع له عند الدولة و خلصه من عقابها. غير أنه بعد مدة يسيرة حجد معروفه و شرع يطعن به و يذكر مثالبه، فتكدر منه محمد باشا و كتب للدولة بعزله فلم تجبه. و عظم عليه ذلك فجهز ولده إبراهيم باشا لمحاربته فخرج من الإسكندرية في غرة جمادى الأولى سنة 1247 و في خمسة أيام وصل إلى حيفا و خيّم بها و سيّر باقي الجيش برا إلى عكا، فوصلوها في عشرين تشرين الثاني سنة 1831 م و بعد بضعة أيام وصل إليها إبراهيم باشا و بنى تجاهها المتاريس و كاتب عبد اللّه باشا بالصلح فلم يفعل، و حينئذ أمر إبراهيم باشا بإطلاق المدافع على أسوار عكا و ذلك في رابع يوم من رجب سنة 1247 و كتب للأمير بشير حاكم لبنان أن يحضر لمعاونته، فامتنع أولا ثم أجاب و حضر، فسرّ به إبراهيم باشا و أقره على حاكمية لبنان. و كان إبراهيم باشا قد أرسل أحد قواده لافتتاح بلاد الساحل فافتتحها.

و لما بلغت القضية مسامع الدولة العثمانية عظم عليها الأمر و كتبت لوالي حلب بيرقدار محمد باشا أن يجهز جيشا تحت قيادة حسين باشا لمحاربة إبراهيم باشا. فحصن حلب و جمع العساكر و توجه إلى حمص في سبعة آلاف فارس من الأرناوود و الهواري و العربان، و صحب معه أمين النزل يوسف باشا شريف زاده، السالف الذكر، و دخلها و حصّن قلعتها و عسكر في نواحيها ينتظر قدوم العساكر من دار السلطنة، و أرسل أمامه عثمان باشا مع أربعة آلاف مقاتل لمحاربة المصريين، فسار إليهم و استولى على اللاذقية و تقدم إلى جهة طرابلس و التقى بشرذمة من العساكر المصرية و كان مقدمتهم الأمير خليل بن الأمير شهاب، و جرت بينهم وقعة عظيمة انكشفت عن انهزام عثمان باشا. و لما بلغ إبراهيم باشا هذا الخبر و أن محمد باشا معسكر بحمص، مشى نحوه و ترك نفرا من عسكره عند عكا و قد كاد أن يفتحها،

276

فأدرك عثمان باشا في القصير و قد أمده محمد باشا، فاشتبك الحرب بينهما و انجلى عن كسرة عثمان باشا و التجأ إلى حمص، و رجع إبراهيم باشا إلى عكا وجدّ في حصارها حتى فتحها حربا في اليوم السابع و العشرين من ذي الحجة، ثم توجه إلى دمشق فوصلها في حزيران سنة 1248 ه و التقاه واليها علي باشا الأسعد، و جرت بينهما وقعة انكسر فيها الوالي المشار إليه و عمد إلى الفرار و دخل إبراهيم باشا البلد و استولى عليها.

و كان في هذا الأثناء وصل إلى أنطاكية حسين باشا السردار الذي عينته الدولة مع عسكر ضخم لقتال إبراهيم باشا، و قد أرسل حسين باشا طليعة إلى حمص. و على بعد نصف مرحلة منها التقى الجيشان و شبت بينهما نار حرب هائلة انتهت بانتصار إبراهيم باشا و رجوع حسين باشا و محمد باشا إلى حلب خائفين مذعورين، فدخلاها و جمعا الأعيان و الوجهاء و طلبا منهم المدد فلم يجيبوهما، فرحلا عن حلب و قد تركا فيها أموالا و أمتعة لا تدخل تحت حصر، فنهبت جميعها و وقع الضعف فيمن معهما من العسكر فتبعهم أهل القرى و سلبوا أكثر ما كان معهم. و أما إبراهيم باشا فإنه بعد هذا الفوز توجه إلى حلب على طريق تل السلطان و دخلها بعد خروج الوزيرين المتقدم ذكرهما دون منازع و لا معارض، و ذلك في ثامن يوم من صفر سنة 1248 الموافق اليوم السابع عشر من تموز سنة 1812 م فبقي بها مدة ثم نهض لقتال حسين باشا السردار و توجه إلى جهة بيلان، و ذلك في اليوم السابع و العشرين من صفر المذكور، و كان حسين باشا قد سد طريق الجبل على إبراهيم باشا فأرسل عسكرا صعدوه من جهة كلّز و أقام هو بواد قريب من الجبل.

و لما وصلت العساكر المذكورة و التقوا بعساكر حسين باشا علقت بينهم حرب شديدة كانت عاقبتها فوز إبراهيم و إقلاع حسين باشا إلى جهة قونيه و رجوع إبراهيم باشا إلى حلب.

و بعد مدة سافر منها إلى أدنة، و كانت قد سلمت إليه فخيم فيها بعسكره. ثم وردت له أوامر أبيه بالتقدم نحو قونية فامتثلها و شخص إلى قونية. و قبل دخوله إليها أخلاها أمين رؤوف باشا الصدر الأسبق، فاستولى عليها إبراهيم بغير منازع و لا معارض بعد أن جرى له في الطريق بعض وقائع. ثم في اليوم السابع و العشرين رجب علقت نار الحرب بين الفريقين و كان عسكر كل منهما وافرا جدا. و بعد وقعات تشيب ناصية الوليد انتهت الحال بنصر إبراهيم و أسر رشيد باشا الصدر. و لما تفاقم الأمر توسط سفير فرنسة بالصلح بين‏

277

الدولة و المصريين على أن يكون لهم كريد و سورية و ولاية أدنه. و على هذا استقر الحال و وقفت الحروب و رجع إبراهيم باشا إلى الديار الشامية.

ثم في سنة 1255 صدر الأمر السلطاني إلى حافظ باشا أن يسير إلى سورية و يستخلصها من المصريين، فامتثل و سافر إليها بسبعين ألف مقاتل. و سمع إبراهيم بقدومه فتقدم لملاقاته إلى «نزب» بأربعين ألف مقاتل و هناك التقى الجيشان و جرت بينهما معركة عظيمة أفضت إلى فوز إبراهيم و إنهزام حافظ باشا. و بعد هذه الواقعة خافت الدول الأجنبية سوء العاقبة و تداركت رتق هذا الفتق بإشارة الدولة العثمانية و اتفقت إنكلترة و الروس و النمسا و بروسة على إخراج المصريين من سوريا طوعا أو كرها، و أن لا يتركوا لهم سوى مصر و أقطارها مع قسم صغير من الديار الشامية و عقدوا على ذلك وثائق الاتفاق فيما بينهم بمدينة لندن عاصمة إنكلترا سنة 1840 م ثم كاتبوا الحضرة الخديوية بالتصديق على اتفاقهم فلم يقبل منهم، و عندها أشهروا الحرب عليه و أرسلت إنكلترا عمارة بحرية إلى سواحل سوريا فاستولت على جميعها و شحنتها بالمهمات، فضعف إبراهيم باشا عن مقاومتها و أوعز إلى عساكره بالهرب، فاجتمعوا إليه من سائر البلاد و توجه بهم إلى جهة مصر من طريق البر لأن إنكلترا ربطت عليه المسالك البحرية، و قد نفذت‏ (1) أقوات حاميته و مات منهم الكثيرون جوعا و أكلوا لحوم الخيل و البغال و الحمير حتى أكارعها و أخسّ ما فيها. و في قرب مدينة غزّة احترق بضع صناديق من البارود، و هلك بسببها عدد غير قليل من العساكر المرضى و النساء و الأطفال الذين كانوا بمعية الجيش. و يروى أن هذه الحريق كانت مفتعلة (2) من إبراهيم ليخفف عنه الناس الذي أقلقوه بشكوى الجوع. و اللّه أعلم.

حوادث حلب أيام إبراهيم باشا المصري‏

و لما دخل إبراهيم باشا إلى حلب- على ما تقدم ذكره- نزل في تكية الشيخ أبي بكر، و بعد بضعة أيام انتقل إلى منزل بني العادلي، فأقبل عليه قناصل الدول و أعيان البلدة يسلمون عليه و يهنّونه بالسلامة. فتلطف بهم و أعطاهم الأمان مما يخافون. و بعد بضعة

____________

(1) الصواب «نفدت» بالدال المهملة.

(2) كذا وردت العبارة في الأصل، و فيها ترخص.

278

أيام صار يقبل عليه أعيان البلاد الحلبية و يدخلون في طاعته. ثم شرع بتنظيم أمور حلب و بلادها، و عيّن لها متسلّما أحمد أفندي ابن عبد القادر أفندي حسبي زاده، ثم غضب عليه و ضربه بالسياط فمات بعد يومين. و كان متسلما حلب- قبل دخول إبراهيم باشا- إبراهيم آغا سياف زاده، و عين في مكان حسبي زاده عبد اللّه بك البابنسي. و في سنة 1249 رأى الحلبيون صرامته في أحكامه و شدته في انتقامه و عقوبته و شاهدوا ما يعامل به العسكري من الإهانة و الشتم و اللعن، فعزموا على مناضلته. و اجتمع من زعمائهم جمّ غفير، منهم عيسى آغا و بكور آغا كعدان و أحمد بن هاشم و محمد آغا حطب- و هم من بقايا زعماء اليكجرية- و عقدوا بينهم اتفاقا و كتبوا به ميثاقا ختموه، سوى قليل منهم. فاتصل الخبر بإبراهيم باشا بواسطة محمد آغا حطب، فقتل بعضهم و نفى الباقين و أمر بجمع السلاح من البلد، فجمع منه ما لا يحصى، و ارتفع سعره حتى بيعت نصلة بندقية بثلاثمائة قرش. و في هذه السنة أمر أيضا بجمع العسكر فثقل هذا الأمر على الناس لعدم اعتيادهم عليه و هرب منهم خلق كثير و تشتتوا في البراري، و منهم من مات تحت المطر و الجليد و أكلتهم الوحوش، و كانت تكبس البيوت و يؤخذ منها العسكر دون مراعاة شريف أو وضيع، حتى إن الأولاد الصغار كانوا يؤخذون و يدخلون المكتب و يكسون بملابس الجندية.

و في سنة 1250 صار الشروع بتعمير الرباط الكبير المعروف بالشيخ يبرق، الذي أسلفنا الكلام عليه في محلة الشميصاتية من الجزء الثاني، و رباط آخر في نواحي الكلاسة شرقي مشهد الشيخ محسّن، و غير ذلك من المباني. و كانت الفعلة و النجارون و المجصّصون يقادون للعمل في هذه المحلات بالسلاسل و يساقون بالضرب و الشتم، و يدفع لهم قليل من الأجرة، و منهم من لا يعطى شيئا. و كان أكثر أنقاض هذه الأبنية و حجارتها من المساجد القديمة و الجوامع المهجورة و الخانات المهملة. و في ابتداء رمضان سنة 1253 تجدد طلب العسكر و اشتد التفتيش عليهم، حتى صارت النساء يحبسن في بيوت القهوة و يضربن الضرب المبرّح ليقررن عن رجالهن. فجمع مقدار وافر و بقي بعض أفراد لم يشددوا في طلبهم رعاية لرمضان. ثم في أول يوم من عيد الفطر صدرت الأوامر بإتمام جمع من بقي من العسكر، فذاقت الناس أمرّ من الصاب، و انقلب عيدهم مأتما. ثم في ثالث يوم من شوال ورد العفو عن بقية الأشخاص المرتبة على البلد. و في اليوم الثامن عشر من شوال‏

279

سنة 1254 وقع ثلج كثير سقط به مقدار نصف الشجر، و كان معظم ذلك في إدلب و ريحا و أرمناز.

و في غرة ذي الحجة توجه الاصباهية إلى استانبول من سائر البلاد الشامية بأمر المرحوم السلطان محمود خان. و في اليوم الثالث عشر من هذا الشهر وقع القبض و التفتيش على أولاد المسلمين ليدخلوا في النظام العسكري، و من لم يوجد منهم قبض على أبيه أو أمه أو زوجته و عذبوا إلى أن يحضر الرجل المطلوب. و من هرب منهم أو أحجم عن السفر يجعل هدفا للرصاص في أرض عوّاد، فكان لا يخلو يوم من عسكري مقتول. و قد استصفت الجندية شبّان أهل حلب و ملحقاتها، فلم يبق منهم سوى الكهول و العجزة و وقفت حركة الأشغال و عزّ القوت و تهتكت الحرائر في الحصول على ما يقيتهنّ. و في اليوم الرابع عشر منه صدر الأمر بالعفو عن بقية المطلوبين. و في هذه السنة كان الشتاء شديدا و الأمطار غزيرة تعطّل بسببها أكثر العمران و استمرت نحو سبعة أشهر لم تنقطع إلا قليلا.

و في غرة محرّم سنة 1255 خرج العسكر من حلب و بلادها إلى جهة الرّها لمحاربة حافظ باشا المرسل من قبل الدولة العثمانية، و صارت الأمتعة و الميرة تنقل من حلب و غيرها إلى تلك الجهة. ثم كانت الوقعة بين الجيشين في المحل المعروف بنزب و قد مرّ خبرها.

و في ليلة الأحد ثاني عشر شعبان زرق‏ (1) بين العشاءين نجم غلب ضوءه القمر، و استمر شعاعه في السماء نحو عشر دقائق ثم أخذ في الذهاب نحو الجنوب. ثم في الليلة الرابعة عشر من الشهر المذكور و هي ليلة الثلاثاء رجفت الأرض رجفة قوية غير أنها لم يحصل منها ضرر. و في سلخ رمضان سنة 1256- المصادف لليوم السابع و العشرين تشرين الأول سنة 1840 مسيحية- خرج العسكر المصري من حلب و بلادها و خلت الأرض منهم. و قدم على حلب الحاج يوسف باشا شريف زاده و معه جماعة من الجند، فاستبشر الناس بقدومه، ثم قدم عليها من قبل الدولة العثمانية زكريا باشا مع عسكر كثير محافظة لها إلى أن يحضر الوالي الجديد. و بعد أيام قلائل حضر واليا عليها محمد أسعد باشا و أبقى عبد اللّه بك متسلّما. و قبل خروج إبراهيم باشا من بلادنا أمر بإحراق بعض البيوت الكبار

____________

(1) أي لمع فجأة و بسرعة. و الكلمة بهذا المعنى عاميّة.

280

لانحياز ذويها إلى الدولة العثمانية، من جملتها منزل يوسف باشا شريف، فقد احترق هذا المنزل كله و أصبح رمادا كأن لم يكن.

مجي‏ء عسكر الأرناود إلى حلب:

و في سنة 1257 وفد على حلب نحو ثلاثة آلاف من عسكر الأرناود، و كان قدومهم من بلاد أشقودرة، و قد جاؤوا إليها بإشارة من الدولة إرهابا للحلبيين لما كانت الدولة تتخيل منهم إحداث بعض الفتن، و من ثم كانوا يفعلون أمورا فظيعة تدل على عتّوهم و توحشهم ليعظموا في أعين الحلبيين، منها أنهم كانوا يخرجون الجرذان من المراحيض و يشوونها في الأتون و يأكلونها، و ربما وضعوها في مقلاة السمك، و كانوا يأكلون الفأر و أجراء (1) الكلاب على هذا النسق. و منها أنهم كانوا يفعلون الفاحشة و الزنى بالعجائز و الشيوخ. و لما تمادى فسادهم و ضجر منهم الحلبيون قاموا عليهم و حصروهم في خان البيرقدار- بالقرب من السوق الصغير- و كثر إطلاق الرصاص من الطرفين. و خاف كبراء البلد من تفاقم الحال فحضر إليهم المتسلم عبد اللّه بك و أمرهم بالرحيل قبل أن يفتك بهم الحلبيون، فسمعوا مقاله و أقلعوا من حلب ليلا. و في سنة 1258 ولي حلب محمد وجيهي باشا. ثم في سنة 1261 وليها عثمان باشا.

غلاء شديد:

و فيها كان الغلاء شديدا، بيع فيه شنبل الحنطة بمائة و خمسين قرشا. و كان قبل البيدر بخمسة و عشرين قرشا. و كان كلما اشتد البرد و اقترب الشتاء تقلّ الأقوات من البلد حتى انعدمت، و هاج الناس و صاروا يأكلون الحشيش و العشب. و مع شدة الغلاء في الحبوب كانت بقية المأكولات رخيصة: فكانت قيمة رطل الأرز بثلاثة قروش و ربع قرش، و رطل اللحم الخالص بسبعة قروش و نصف، و رطل التين بقرش و مثله الزبيب، و مائة الجوزة بثلاثين بارة. و لما اشتد الخناق بالناس و نفذت المؤنات أمر الوالي المحتكرين أن يفتحوا مخازنهم و يبيعوا ما فيها من الغلّة ففعلوا، و اشتغلت الأفران و ازدحم الناس عليها و بيع رطل الخبز فيها بثلاثة قروش و نصف. و بالجملة فإن الناس قاسوا شدة عظيمة في شتاء هذه السنة

____________

(1) الأجراء: جمع جرو، و هو ولد الكلب.

281

بحيث بيعت عدة بنات بأكلهن إلى أن أتى الحصاد و أقبل الخير. و كانت السنة مخصبة و بيع رطل الخبز بأربع و عشرين بارة و شنبل الحنطة بعشرين قرشا. و في أواخر هذه السنة ولي حلب مصطفى مظهر باشا الشيروزي.

و في سنة 1263 حصل في حلب وباء عظيم و كثرت الوفيات حتى ضاق النهار على الجنائزية و صاروا يشتغلون في الليل، و التزم الناس البيوت خوفا من أن يدرك أحدهم الأجل و هو خارج عن بيته. و في سنة 1264 ولي حلب كامل باشا و فيها حضر إلى حلب نامق باشا رئيس العسكر و أحصى عدد أهلها الذكور دون الإناث، فبلغ عددهم نحوا من ستين ألفا. و في سنة 1265 وليها مصطفى ظريف باشا و فيها شحّت المياه و جفّ قويق و عين التل و العين البيضاء. ثم في شتائها وقع مطر غزير و طغى قويق و ارتفع حتى غطّى قنطرة باب طاحون جبل النهر. و في هذه السنة أسست دائرة إحصاء النفوس في حلب.

الفتنة المعروفة بقومة حلب:

هذه حادثة عظيمة لم يحدث بعدها من الثورات الأهلية في حلب أعظم منها. و كان حدوثها في عشية ليلة اليوم الثاني من عيد الأضحى سنة 1266 و امتدت وقائعها إلى نحو اليوم الخامس عشر من شهر محرم سنة 1267.

أسباب هذه الفتنة:

اختلف الناس في أسباب هذه الفتنة. فقال بعضهم: سببها فرس اغتصبها عبد اللّه بك البابنسي- متسلّم حلب- من يوسف باشا شريف زاده فقام أتباع الثاني على الأول للانتقام منه، و انتقلت القضية من طور خاص إلى طور عام، و جرى على مدينة حلب و أهلها ما جرى.

قلت: حدثني عبد القادر بك بن يوسف باشا المومأ إليه- و هو أدرى الناس بماجريات هذه الحادثة و أعظمهم وقوفا على أسرارها، لأن والده أحد بطلي روايتها كما ستعرفه- أن قصة الفرس كانت على غير هذه الصورة، و أن قضيتها لم تكن سببا لهذه الفتنة بل سببها الحقيقي غير هذا. قال: و أما قضية الفرس فحقيقتها أن عبد اللّه بك كان يملك فرسا أصيلا معدودا في وقته من عتاق الخيل يعرف باسم (صقلاوية ابن سودان)

282

و كان علي بك- ابن أخي يوسف باشا- مولعا بالخيول الأصائل، فطلب من عمه أن يستخلص له هذا الفرس من عبد اللّه بك هبة أو شراء، فلم تسمح نفس عبد اللّه بك أن يهبه أو يبيعه كله بل وهب عليا نصفه و قاده إليه بطوعه و رضاه. و صادف إذ ذاك أن عباس باشا- الذي صار خديوي مصر بعد عمه إبراهيم باشا- كان مولعا بالخيول العربية، قد أرسل إلى سائر الجهات التي توجد فيها الخيول رسلا جمعوا له منها عددا عظيما حتى استصفى منها أجناسا كثيرة من عتاق الخيل في بلاد حلب و صحاريها، و كان عبد اللّه بك معروفا عند المصريين لأنه كان متسلم حلب أيام دولتهم فيها، فطلب رسول عباس من عبد اللّه بك فرسه الذي وهب نصفه لعلي بك، فطلب عبد اللّه بك من يوسف باشا- عمّ علي بك- أن يبيعه النصف الآخر من الفرس أو يهبه إياه فأخذه يوسف باشا من ابن أخيه و قدّمه إلى عبد اللّه بك بطوعه و اختياره، و هو قدّمه إلى رسول عباس باشا هدية. فلما وصل إليه أنعم على عبد اللّه بك بسيف مرصع و عباءة و سرج مزركش. قال عبد القادر بك: و قد رأيت السرج المذكور تحت عبد اللّه بك و هو يتجول على فرسه في أثناء الحادثة التي نحن في صدد الكلام عليها.

قلت: و حدثني غير واحد في بيان أسباب هذه الفتنة حديثا طويلا خلاصته: أن عشيرة من عشائر البادية المخيمة في جهات الجبّول تمردت في هذه السنة 1266 على الحكومة و امتنعت عن أداء ما عليها من الضرائب فندب الوالي لإخضاعها يوسف باشا، و قصدها في عدد كبير من الجند و الأتباع فلم يفلح و عاد بالفشل، فندب الوالي إليها عبد اللّه بك فقصدها و ليس معه سوى ستة نفر من أتباعه، غير أنه ما كاد يصل إلى مضارب العشيرة حتى أحدق به رجالها و أنزلوه و من معه عن خيولهم و شدوا وثائقهم و طرحوا الحديد في أرجلهم و عاملوهم معاملة الأسراء. و اتصل الخبر بالوالي فأمر بتجهيز حملة قوية للتنكيل بتلك العشيرة و قبل أن تخرج الحملة من حلب نمي خبرها إلى العشيرة فارتاعت و اضطربت فسكّن عبد اللّه بك روعها و قال لشيوخها: لا بأس عليكم فكّوا القيد عن كاتبي و أنا أكفيكم بطش هذه الحملة. ففكوا القيد عن كاتبه فأمره عبد اللّه بأن يكتب على لسانه إلى قائد الحملة كتابا أرسله مع ساع خصوصيّ يقول له فيه: إن العشيرة قد طاعت و دفعت ما عليها من المرتبات فلم يبق لتجريد الحملة عليها من لزوم.

ثم إن العشيرة فكت القيود عن عبد اللّه بك و عن أتباعه و تداركت جمع ما عليها من‏

283

المرتبات و قدمتها إلى عبد اللّه بك، و اعتذر شيوخها إليه عما أجروه معه و مع أتباعه من الأسر و التقييد و أفهموه أن السبب الذي حملهم على ذلك كتاب ورد إليهم من يوسف باشا قبل قدوم عبد اللّه عليهم يقول لهم فيه: إن عبد اللّه بك قادم عليكم ليخدعكم و يوقعكم في قبضة الحكومة لتنكّل بكم فاحذروا منه. ثم أبرزوا له الكتاب فقرأه كاتبه فوجد فحواه طبق ما قالوا. ثم إن عبد اللّه بك ودع العشيرة و قفل راجعا إلى حلب و قبل وصوله إليها خرج لاستقباله جمهور عظيم من زعماء محلة قارلق و أهلها الذين هم أتباعه، و آلوا عليه أن يدخل المدينة من باب النيرب، فدخل منه بهذه الأبهة الزائدة إرغاما لزعماء هذه المحلة الذين هم أتباع يوسف باشا، و مشى أمامه أتباعه و هم شاكو السلاح ينشدون الزّجلات الحماسية المشتملة على تهاني زعيمهم بعوده من سفره سالما غانما، و على التنديد بيوسف باشا و فشله في سفره و الحط من كرامته. فشق ذلك على أتباعه و أضمروا في نفوسهم الشر لعبد اللّه بك. و بعد أيام تجمهروا في عشية الليلة المذكورة و قصدوا الإيقاع بعبد اللّه بك و جرى منهم ما جرى كما سنبينه قريبا.

قلت: هذه الحكاية تشتمل على عدة أمور يستبعدها العقل السليم:

(1) يستبعد العقل من يوسف باشا داهية عصره أن يطوّح بنفسه و يرسل هذا الكتاب إلى جماعة من العرب البسطاء الذين لا ينبغي للعاقل أن يأمنهم على سره لا سيما و قد سبق منه قصده إياهم للإيقاع بهم فكيف يتصور العقل ائتمانهم على كتابه و عدم إيصاله إلى الوالي الذي يكون أدنى جزائه عنده النفي؟

(2) يستبعد العقل أن يتجرأ أتباع يوسف باشا في ليلة الحادثة على الإيقاع بعبد اللّه بك و هم يعلمون أن أتباعه أكثر منهم عددا و أقوى شكيمة، و أن عرب البادية كلهم أنصاره و أعوانه.

(3) يستبعد العقل انتقال القضية فجأة من طور خاص و هو قصد الإيقاع بعبد اللّه بك إلى طور عام و هو تهديد سلامة البلد و إحداث ما كان فيها من الويل و النكد.

(4) يستبعد العقل أن يكون أتباع عبد اللّه بك الذين جاؤوا للدفاع عنه في تلك الليلة قد اتفقوا مع أعدائهم أتباع يوسف باشا في هذه البرهة من الزمن، و صاروا جميعا يدا واحدة بإثارة هذه الفتنة العامة على غير رضاء من عبد اللّه بك.

284

السبب الحقيقي لهذه الكارثة:

إذا علمت هذا تبين لك أن السبب الحقيقي لهذه الفتنة العمياء غير قضية الفرس و غير حكاية العشيرة، بل السبب الصحيح أمر مستور دبّر بليل خفيّ على الناس في وقته فصاروا يرجمون به الظنون، و كلّ يتكهن عنه حسب عقليته و حسبما شاهده من ظواهر الماجريات دون البحث عن بواطنها.

إن السبب الحقيقي لهذه الكارثة قد بالغ من أوثق عقدته في ستره و إخفائه، و أسدل عليه حجبا كثيفة من الكتمان صونا لحياته، إذ لو كشف الستار عنه في تلك الأيام لما أحجمت الدولة قيد لحظة واحدة عن قتل ناسج برده و نافخ ناره. و إليك في بيان الحقيقة جملة استخلصتها من كلام المكانسي الذي كان في ذلك الزمن من خاصة الرجال المنتمين إلى يوسف باشا شريف، المخلصين في محبته و المطّلعين على أسراره.

قال: إن الدولة المصرية لما دخلت هذه البلاد أناطت متسلمية حلب بعبد اللّه بك البابنسي، و هو من قدماء اليكجرية و له أتباع كثيرة في حلب و برّها، فكان عبد اللّه بك يأخذ المقاطعات الأميرية و يصرف أموالها على أتباعه و أعوانه من الحضر و البدو، و الحكومة المصرية لا تعارضه في ذلك و لا تطالبه بأموال المقاطعات لعلمها بأن صرفها على أتباعه مما يعود نفعه إليها، فكأنها كانت تعتبر أتباعه كجند لها. ثم لما انسحبت الحكومة المصرية من حلب و عادت إليها الحكومة العثمانية أبقت متسلّميتها في عهدة عبد اللّه بك، فكان يأخذ المقاطعات و يصرف أموالها على أتباعه كما كان معتادا عليه في عهد الحكومة المصرية.

غير أن الحكومة العثمانية لما رسخ قدمها في حلب و غيرها من البلاد التي عادت إلى حكمها جعلت تطالب عبد اللّه بك و بقية رؤساء البلاد- و منهم يوسف باشا- بما تأخر في ذممهم من أموال المقاطعات، و هي مبالغ طائلة تعدّ بألوف الألوف، و كان جل ثروات رؤساء البلاد مجموعة من تلك الأموال، و كان ولاة حلب يتقاضون الرؤساء هذه الأموال فيما طلونهم بأدائها فيتساهلون معهم و لا يشددون في طلبهم، إلى أن ولي حلب مصطفى ظريف باشا فرأى أن أموال المقاطعات المتأخرة في ذمم الرؤساء قد بلغت ألوفا مؤلفة، و أن الدولة في ذلك الحين على أشد الحاجة إلى المال فجعل الوالي يشدد على الرؤساء الطلب حتى بلغ من تشديده أن هددهم ببيع أملاكهم و حبسهم و كسر شرفهم. فاضطربوا و ذلّت‏

285

أنفسهم فمنهم من وفى شيئا من ديونه و عجز عن وفاء الباقي عليه، و منهم من لم تسمح نفسه بوفاء ديونه التي تستغرق ثروته و هو يوسف باشا.

و أما عبد اللّه بك فقد كانت ديونه أكثر من ديون جميع المدينين لكنه ليس عنده ما يفي بعشرها، لأنه كان- كما قيل- نهابا و هابا. فاضطرته الحالة أن يستعين بذي رأي و تدبير على إيجاد وسيلة تدفع عنه هذه الغائلة، فلم يركفؤا لهذه المهمة غير يوسف باشا، فحضر إليه سرا و بعد أن تعاتبا و طرحا ما كان بينهما من التعاكس و التشاكس- اللذين تتطلب وحدة المصلحة طرحهما- تذاكرا في التماس وسيلة تدفع عنهما هذه المهمة المدلهمّة، فقر رأيهما على أن يدبرا إحداث ثورة إرهابية وقتية تضطر الوالي إلى أن يستعين بهما إلى إطفاء نائرتها، و عندها يرى من واجبه مسامحتهما بأموال المقاطعات المتأخرة بذمتهما. فقررا أن يذاع سرا بين الناس- بواسطة دهاة من سماسرتهما- تصميم الحكومة على أخذ عسكر بالقرعة، و إضافة ضريبة الأملاك المعروفة في تلك الأيام باسم (ترابيّة) و أن يجسّم ضرر هاتين البدعتين في أفكار العامة من أتباعهما تجسيما يحملهم على أن يثوروا في طلب رفضهما من تلقاء أنفسهم دون أن يدعوهم إلى الثورة أحد، تفاديا من وقوع تبعة الثورة على فرد معين.

قال المكانسي: و قد جرت هذه التدابير كلها من عبد اللّه بك و يوسف باشا على صورة خفية جدا، بحيث كان الثائرون أنفسهم لا يعرفون سببا لثورتهم سوى معارضتهم لتصميم الحكومة على أخذ القرعة و إضافة ضريبة الأملاك، و هم يجهلون كل الجهل اليد المحركة لثورتهم، و أن يوسف باشا و عبد اللّه بك لم يقصدا في تدبير ما دبّراه سوى ثورة بسيطة إرهابية لا تبلغ درجة التفاقم و تصل إلى الحد الذي وصلت إليه، و لو أنهما علما بما تجرّه هذه الثورة من الفظائع و المصائب و تعقبه من طائل المسؤولية، لما كانا اقترفاها، غير أنهما لما وصلت إلى ما وصلت إليه من الخطورة و التضخم لم يبق في قدرتهما منعها.

كيف كانت الثورة؟:

بعد عشاء الليلة الثانية من عيد الأضحى سنة 1266 تألب جماعة من العوامّ و زعمائهم في سوق باب النيرب، و عولوا على إحداث ثورة ضد الحكومة. و أول عمل باشروه أنهم قصدوا جماعة الدرك في مخفرة باب الحديد، و هددوهم بإطلاق عيارات نارية اضطرت‏

286

جماعة الدرك إلى الهرب منهم و الالتجاء إلى الرباط العسكري (القشلة). و نمي الخبر إلى الوالي فحضر إلى محل الثوار بنفسه لإخماد ثورتهم، لكنه لما رأى جموعهم تجاه جامع التوبة، و ما هم عليه من العربدة و الهيجان و إطلاق الرصاص، هاله الخطب و انصرف عنهم و لسان حاله يقول: الهزيمة نصف الغنيمة. و لو أنه أظهر لهم الثبات وسطا عليهم بعض السطو لفلّت جموعهم و كفي شرّهم، لكنه لما قدم عليهم ظنوه هو و من معه جماعة العسس‏ (1)، و لم يعلموا أنه هو الوالي إلا بعد انصرافه. فلما علموا بخوفه و رخاوته زاد شغبهم و قويت نفوسهم.

و في نحو الساعة الثالثة من الليلة المذكورة مشوا بطبولهم و زمورهم إلى محلة الفرافرة ليوقعوا ببعض الأعيان لأنهم لم يدفعوا عنهم غائلة البدعتين المذكورتين، مع قدرتهم على دفعهما على زعمهم. و كان الأعيان قد بلغهم قيام هؤلاء الغوغاء فتركوا منازلهم و التجئوا إلى الرّباط العسكري. و لما وصل الثائرون إلى محلة الفرافرة لم يجدوا في منازل الأعيان سوى الحريم و الخدم فرفعوا أصواتهم بالسب و الشتم و أطلقوا بعض العيارات النارية، ثم توجهوا إلى محلة قارلق لمواجهة عبد اللّه بك و مطالبته بدفع البدعتين المذكورتين، لأنه هو متسلم البلد و هو المسؤول عن دفع الحيف و الظلم عن أهلها. و بينما هم عند سبيل الدلي محمود في قرب بانقوسا إذ تقابلوا مع تقي الدين أفندي المدرس. حدثني خادمه محمد آغا الفراش- و قد وظف بعد فراشا في المدرسة العثمانية و كنت مجاورا فيها- أن الثائرين لما قبضوا على تقي الدين أفندي- قال: و كنت معه- أضجعوه إلى الأرض و أرادوا ذبحه، فقال بعضهم يحرم امتهان دم العالم و إراقته على الأرض كدم شاة. ثم تجرّد القائل من عباءته و مدّها تحت تقي الدين و قال: اذبحوه فوقها. و بينما هو يستعيث بهم و يطلب منهم الكفّ عنه إذ مرّ بهم الشيخ أحمد شنون- المعروف بالحجار- فتشفع به فعفوا عنه. قال خادمه محمد آغا: و قد أثر الرعب في تقي الدين حتى قطع نسله.

ثم إن الثوار أخذوا معهم تقي الدين إلى عبد اللّه بك ليرى رأيه فيه. فلما وصلوا إليه أنكر عليهم عملهم و بعث به إلى الرباط العسكري و معه من يحفظه و قال عبد اللّه بك للثائرين: ما ذا تريدون؟ فقالوا: لا نعطي عسكرا و لا ضريبة، و أنت في قدرتك إبطال‏

____________

(1) العسس: الحرّاس الذي يطوفون ليلا، يحرسون الناس، و يكشفون عن أهل الريبة.

287

هاتين البدعتين. فأجابهم بأن هذا مما أمرت به الدولة و لا قدرة لي على ردّه. فقالوا:

إذا نحن نحارب الدولة و نجبرها على إبطالهما. فقال لهم: أنتم قوم فجّار، اذهبوا عني حيث شئتم. و كان قد انضم إليهم أتباعه و أحزابه فقالوا له: نريد أن نقصد النصارى و نطلب منهم مالا نشتري به ذخيرة لأن النصارى يشاركوننا بالاستفادة من نتيجة قيامنا، فتسقط عنهم أيضا ضريبة الأملاك و غيرها من الضرائب التي تصمم الدولة على طرحها. فقال لهم: أنتم قوم أشرار اذهبوا عني حيث شئتم. فتوجهوا إلى جهة محلات النصارى و قد كثر جمعهم و انضم إليهم البدوي و القروي و علت ضوضاؤهم و هم يضربون طبولهم و ينشدون زجلاتهم و يرفعون أصواتهم بقولهم: (عسكر ما نعطي فردي ما نعطي).

و لما وصلوا إلى محلة الألماجي و الماوردي قصدوا بطريرك طائفة الروم مكسيموس مظلوم و أرادوا القبض عليه لأنه كان منذ أيام إبراهيم باشا المصري و ما بعدها يدور أحيانا بشوارع حلب و هو راكب بأبهة زائدة و موكب حافل، يتلقى المسلمون منه ذلك كإرغام لهم و تعال عليهم، فكانوا ينقمون عليه هذا الصنيع و يحملونه منه على قصد إهانتهم. و لما أحسّ بقدوم الثائرين على محلته هرب منها إلى خان العلبية و اختبأ عند بيت الركوبلي، ثم سافر من غده.

أما الثوار فقد أخذوا بإطلاق الرصاص و تكسير الأبواب و النهب في محلة الألماجي و الماوردي إلى قرب طلوع الشمس ثم توجهوا إلى محلة الصليبة، و كان عبد اللّه بك قد أرسل إلى أكابرها يطلب منهم ألف ذهب عثماني بشرط ألّا يتعرض لهم أحد بسوء. فلم يجيبوه على طلبه و قالوا: إن أصابنا ضرر طلبنا تعويضه من الحكومة فعلام ندفع للثوار ألف ذهب؟

و حينئذ دخل الثوار إلى محلة الصليبة و شرعوا بتحطيم الأبواب و النهب، و كان أكثر أغنيائها قد تركوا بيوتهم و تحصنوا بالخانات مع عيالهم، و منهم من أخذه لبيته بعض معارفه من المسلمين و حماه عنده، و منهم من دعا إلى بيته بعض أصحابه من المسلمين ليحامي عنه، فسلمت بذلك بيوت كثيرة و سلم من كيد الثوار عدة جهات كحارة المحبّي و الشرعسوس، لأن بعض سكانها كانوا من وجهاء المسلمين فدافعوا عن جيرانهم النصارى فلم يصب أحد منهم بسوء.

لم يزل النهب مستمرا و متعاطوه في كثرة و ازدياد حتى انضم إليهم الفلاح و البدوي و رعاع الناس من أهل حلب، و كان يتقدم الثائرين طبل لتجميع الناس إليهم فكانوا كلما مروا على رجل و لم يتبعهم أوسعوه ضربا و سبا. و أخبرني بعض تلامذة والدي أن والدي‏

288

بينما كان واقفا على باب مسجد أشقتمر- المعروف بجامع السكاكيني- إذ مرت عليه شرذمة من الثوار فنادوه: «شيخ امشي معنا». فقال لهم: اسبقوني حتى ألبس ثيابي و ألحقكم. ثم دخل إلى الجامع و أغلق بابه و لم يخرج منه إلا بعد أيام. هذا و إن النهب لم يزل يجري أحكامه إلى اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة و كان البدوي قد ينهب الشي‏ء من أثاث المنزل و هو لا يعرف ما ذا يراد من استعماله. و صادف أن بدويا نهب ساعة دقاقة ظنها صندوقا فيه نقود، و بينما هو سائر بها إذ دقت الساعة فارتاع منها و حسب أن فيها جنيا فبصق عليها و طرحها إلى الأرض فتحطمت. و رأى بدوي في بعض البيوت كيسا فيه لؤلؤ ظنّه رزا فحمله فلما كان في أثناء الطريق ذاقه فلم تقطعه أسنانه فحسبه خرزا فرماه إلى الأرض فتبعثر و سحق تحت الأقدام.

في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة وقف النهب لأن الأعيان و الحكومة أرسلوا إلى زعماء الثائرين يؤمنونهم مما يخافون، و يتعهدون لهم بما يطلبون. و في اليوم الثالث عشر من هذا الشهر ترددت الرسل بين الطرفين و استقرت القاعدة على أن يكون عبد اللّه بك هو المفوض بالأمور، و أن تستثنى حلب من القرعة العسكرية و من عدة ضرائب أميرية، و أن يسامح عبد اللّه بك و رفقاه من أموال المقاطعات المتأخرة في ذممهم، و أن لا يسترق النصارى الإماء و العبيد المسلمين، و أن يمتازوا عن المسلمين بعلامات فارقة، إلى غير ذلك من الطلبات و الاقتراحات. و الذي اضطر الحكومة أن تجيبهم إلى ما طلبوا خلوّ القلعة و الرباط العسكري من الحامية، إذ لم يكن موجودا فيهما سوى مائتي جندي. و بعد أن استقر الصلح على الشروط المذكورة أقام الثوار سلطانا عليهم ابن حميدة، فجعل وزيره عبد اللّه بك و صار ابن حميدة يأمر و ينهى كسلطان قاهر. و كان الأعيان و الوجهاء قد نزلوا من الرباط إلى تكية بابا بيرم، و بقي الوالي في الرباط لشدة جبنه و خوفه.

و لم يقتل من النصارى في هذه الحادثة سوى خمسة نفر قتلوا لا عن قصد انتقام سوى واحد منهم: فالأول: القس جبرائيل الكلداني استمات على حفظ أمانات للكنيسة كانت عنده فقتل و أخذت الأمانات. الثاني: أخو القسيس السرياني، احترق في كنيسة السريان تبعا لها لأنها احترق معظمها. و كان المسبب بإحراقها شماس موكل بحفظ ما فيها من الآثار الفضية فسرقها و ألقى النار في الكنيسة و ادعى أن النار هي التي أتت على الآثار. الثالث:

رجل يقال له ابن القصاب، و هو الذي قتل عمدا لأنه كان يؤذي المسلمين بما كان يجريه‏

289

من التيه و العجرفة و الازدراء بهم و سبّهم و شتمهم، مستندا في ذلك على أنه كان من عساكر النمسا. الرابع و الخامس: نعمة اللّه الحمصي و خادمه. أما نعمة اللّه فسبب قتله أن عبد اللّه بك حينما أرسل إلى أهل محلة الصليبة يطلب منهم ألف ذهب رضي أكثرهم بإعطاء هذا المبلغ و أرادوا تقديمه إليه فمنعهم عن ذلك نعمة اللّه، و أجاب رسل عبد اللّه بك بما تقدم بيانه. فقتل و قتل خادمه معه لمحاماته عنه.

بعد أن تم الصلح على الشروط المتقدم ذكرها كتب الوالي بالخبر مع بريد خاص إلى الآستانة. و كان قد أنفذ الرسل إلى حكام أنطاكية و أذنة و عينتاب و أغوات العمق يطلب منهم الإمداد و إرسال ما تيسر لهم من العساكر. فما مضى على ذلك سوى بضعة أيام حتى أخذت العساكر و المتطوعون من فرسان و مشاة يتواردون من الجهات المذكورة من جهة سيورك، فيدخلون القلعة و الرباط خفية حتى اجتمع فيهما قوة كافية لخذل البغاة و كبتهم. و حينئذ كتب الوالي و الأعيان إلى عبد اللّه بك بأن يحضر إلى دار الحكومة زعماء الثائرين ليعطيهم الأمان على أنفسهم و أموالهم و يحرر أسماءهم في دفتر يرفعه إلى الدولة لتقرر كل واحد منهم بوظيفته و يستقر الحال على ذلك. فأجابهم عبد اللّه بك إلى هذا الطلب و عيّن لهم اليوم الذي يجمع فيه الزعماء المذكورون و يعمل فيه هذا العمل.

و كان الوالي و الفريق عبد الكريم باشا انتخبا نحو مئة و خمسين عسكريا من ذوي البسالة و النجدة و سيّراهما (1) ليلا إلى دار بني الجلبي حيث كان يسكن الوالي، و هي اليوم تعرف بدار العدلية داخل دار الحكومة، فخبّأ العساكر المذكورين في تلك الدار و أمراهم متى جاءهم النذير أن يخرجوا بغتة و يحيطوا بكل من رأوه في دار الحكومة و يوقعوا القبض عليه و يسقوه‏ (2) إلى الرباط العسكري. فلما كان الغد و هو يوم الثلاثاء رابع محرم الحرام سنة 1267 حضر الزعماء المذكورون إلى دار الحكومة ليأخذوا الأمان و تحرر أسماؤهم على الصفة المتقدم ذكرها. سرى الخبر إلى العساكر المخبوءة بدار بني الجلبي فأسرعوا الكرّة بأسلحتهم، و لم يشعر الزعماء إلا و العساكر قد أحاطت بهم و خالطتهم و أوقعت القبض عليهم و مشت بهم إلى الرّباط و أودعوهم فيه، و كان من جملتهم عبد اللّه بك. و لما اتصل الخبر

____________

(1) الصواب: و سيّراهم. و ضمير الجمع للعساكر.

(2) أي يحملوه، يقال: وسقه يسقه، أي جمعه و حمله.

290

بأتباعهم و حواشيهم و بقية أحزابهم قامت فيهم الحمية الجاهلية و هاجوا و ماجوا و أخذوا يطلقون الرصاص على الرباط و القلعة، و ذلك في صبيحة يوم الأربعاء خامس محرّم هذه السنة 1267 فقابلهم الجنود بإطلاق البنادق و المدافع و اشتدت الحرب و كانت من الرباط أشد، و كلّ من الحصنين صوّب أفواه مدافعه على محلة النيرب و محلة قارلق و بانقوسا.

و كان كثير من سكان هذه المحلات قد لجؤوا إلى المحلات الداخلة في البلد لأنهم لم يكونوا من حزب الثوار.

و ما زال الحال سائرا على هذا المنوال إلى ظهيرة اليوم المذكور. ثم أخذت الحرب تخف حسب اشتداد الحرّ و بقي الحال هكذا إلى وقت العصر. و قد أظهر الجنود أنهم قد انكسروا لعلمهم أن الثائرين يقاتلون من غير رئيس يقدّم لهم الذخيرة من البارود و الرصاص، فقصدوا بإظهار الكسرة أن يستصفوا ما عند الثوار من الذخيرة. و في تلك الأثناء تسلّق جماعة من الثوار سطح الجامع الخسروي، و قلعوا ألواح الرصاص الذي صفحت به القبة ليصبوه بندقا. و لما كان بعد العصر سكن إطلاق الرصاص من الجانبين المتحاربين و عرض أعيان البلد الصلح عليهما فرضيا به. و قرأت في أحد مجاميع والدي أنه لما كان بعد غروب هذا اليوم (يوم الأربعاء) أقبلت العربان على حلب من فرق شتى كالعنزة و الحديديين و البقّارة و العساسنة و غيرهم، ما ينوف على أربعة آلاف رجل نجدة للثوار، فقويت نفوس الثائرين و نكثوا عن الصلح.

و في صبيحة الغد و هو يوم الخميس سادس محرم هذه السنة (1267) نشبت الحرب بين الفريقين و حمي وطيسها، و صبر كل منهما للآخر. و استمر الحال هكذا إلى وقت الظهر، فتقهقر الثوار و دهشت العربان ثم عوّلوا على الفرار، و انكسر الثائرون كسرة شنيعة و انحلّت جموعهم. فنزلت العساكر من الحصون في أثر الثوار و أسعرت النار في سوق بانقوسا و سوق باب النيرب و قارلق، فالتهمتها النار عن آخرها بعد أن غنم الجند أكثر ما فيها من الأموال و البضائع و ألقوا النار في كثير من بيوت المنهزمين و قتلوا عددا كبيرا من الثائرين و غيرهم الذين لا دخل و لا تصنّع لهم بإحداث الفتنة. و كانوا يقتلون كل من صادفوه حتى العميان و الأولاد الصغار. و هكذا أخذ المظلوم بجريمة الظالم. و هذا مصداق قوله تعالى‏ وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً. و كان أكثر القتل في رجال تلك المحلات و وقع القبض على كثير منهم و كسبت بيوتهم و بيوت أخر اختبئوا فيها داخل‏

291

البلدة، و تبعتهم العساكر إلى القرى يقبضون عليهم و ينكّلون بهم تنكيلا. اه.

قال صاحب كتاب «محررات نادرة» التركي العبارة ما خلاصته بعد التعريب: لما وصل خبر هذه الحادثة إلى استانبول انعقد في اليوم الخامس و العشرين من ذي الحجة هذه السنة 1266 مجلس خاص لتلافي ما يقتضيه الحال في هذه الحادثة. و بعد مفاوضة طويلة استقرّ رأي المجلس على إرسال أربعة كتائب (طوابير) من العساكر: اثنتين منهما من عساكر استانبول، و اثنتين‏ (1) من العساكر؛ لأنه لا يوجد سوى هذين العسكرين صالحا للإرسال إلى حلب، لأن جميع عساكر الدولة في ذلك الوقت كانت مشغولة بما هو أهم من هذا. و لما استقرّ رأي المجلس على إرسال تلك العساكر كانت بواخر الدولة المعدة لحمل العساكر و الأعتاد الحربية مشغولة، بعضها مسافر و بعضها متصدّع، و قسم منها في محافظة المواني. فاضطرت الدولة أن تنتظر باخرة من بواخرها إلى أن حضرت فأرسلت فيها العساكر المذكورة و معها ستة مدافع، و عزلت والي حلب ظريف باشا و عينت بدله محمد باشا القبرصي، و توجه مع العساكر فوصل إلى حلب في محرّم سنة 1267 و كانت الأمور قد هدأت و شمل البغاة قد تشتّت.

و مع هذا فإن محمد باشا أخذ من يوم وصوله إلى حلب يستقصي حقائق الأمور و يفحص عن السبب و المتسبب، حتى ظهرت له جلية الحال فنفى نحو 800 شخص إلى جهات مختلفة- كعكّا و كريد و قبرص- و أمر بعقد مجلس خاص لتحصيل أموال النصارى و جعل رئيسه محمد آغا المكانسي، و أعلن أن المال المتحصّل يدفع لذويه بعد أن يبرهنوا عليه، و أن ما لم يتحصل من أموالهم تقدر له قيمة و توزع على أهل البلد و تجمع منهم بواسطة الحكومة، كما أنها هي التي توزع القيمة على النصارى الذين لا تظهر أعيان ما نهب لهم من الأموال في هذه الفتنة. و بعد أن فرغ الوالي من تقرير هذه المهمة شرع بأخذ العسكر من ذوي الاختلال بلا قرعة، ثم شرع يأخذ العسكر بالقرعة الشرعية من عامة أهل البلدة، و هي أول قرعة كانت في حلب أيام الدولة العثمانية. و ما زال الوالي يدبر أمور البلدة و يقطع دابر المفسدين حتى استتبّ الأمن و عادت المياه إلى مجاريها. اه.

قال شيخنا المكانسي: و قبل وصول محمد باشا القبرصي إلى حلب صدر أمر الدولة

____________

(1) كذا، و الصواب: «أربع كتائب ... اثنتان منها ... و اثنتان ...».

292

بإرسال ظريف باشا والي حلب و عبد اللّه بك البابنسي و معه بعض أقاربه إلى استانبول، فأرسلوا إليها. و بينما هم في الطريق مات عبد اللّه بك مسموما، و قيل مات حتف أنفه.

ثم إن والي حلب الجديد نفى تقي الدين أفندي إلى القدس. و قبل وصوله إليها عفت الدولة عنه، فسار إلى الحجاز و حج و توجه إلى استانبول و استقر في منصب إفتاء حلب، فعاد إليها. و نفى والي حلب أيضا يوسف باشا إلى قونية فسار إليها. ثم صدر العفو عنه فتوجه إلى استانبول و منها إلى حلب. و قد حاز على رتبة مير ميران.

انتهى ما قصدنا إلى إيراده من أخبار فتنة حلب، و قد أسهبت الكلام عليها خلافا لما ألزمت به نفسي من الإيجاز في غيرها من الحوادث و الكوارث؛ لأن هذه الفتنة الفاجعة آخر الفتن الأهلية في حلب، و لأن التحدث بها لا يزال يدور على الألسن بين حين و آخر لقرب عهدها بكثير من الناس الذين كان آباؤهم يحدثونهم بنتف من أخبارها و هم في توق شديد إلى سماعها مفصلا.

استطراد في الكلام على احترام رابطة اللسان و رابطة الجوار عند أمة العرب في جاهليتها و إسلاميتها

إن قيام الغوغاء في هذه الحادثة على النصارى- إخوانهم باللسان و الجوار- مما لم يسبق له نظير من يوم فتح المسلمون مدينة حلب إلى يوم ظهور تلك الحادثة. فما كان قيامهم هذا بالحقيقة إلا نزعة شيطانية أثارها في أدمغتهم عاصفة الطيش و الجهل، الذي‏ (1) يأباها الدين و ترفضها حقوق رابطة اللسان و الجوار.

إن كل من يتصفح وجوه التاريخ و يستقصي أخبار العرب في جاهليتها و إسلاميتها يتضح له جليا أنه لا يوجد على وجه البسيطة أمة تضاهي أمة العرب من جهة احترامها الرابطة اللسانية و حقوق الجار:

الرابطة اللسانية:

أما الرابطة اللسانية فقد جعلتها الأمة العربية هي الجامعة الوحيدة للوحدة القومية التي‏

____________

(1) الصواب: «التي»، صفة للعاصفة، و كما يتبيّن من بقية الجملة.

293

تدعو الأمة إلى التحابب و التوادد و التناصر و التعاضد، بحيث يكون كل فرد من أفراد هذه الأمة راقدا بواسطة هذه الجامعة في مهاد الوفاق و الوئام مع باقي إخوته العربيين مهما اختلفت مللهم و نحلهم. فقد يتجلى لك من ملامح وجوه التاريخ أن العرب المسيحيين و الموسويين و الوثنيين في البلدان و القرى و الصحاري، من اليمن و الحجاز و الحيرة و العراق، و الجزيرة و الشام الجنوبية و الشماليّة، كانوا في الأزمنة الغابرة راتعين مع بعضهم في بحبوحة الأمان و السلام على السواء، و كانوا لا يعرفون التعصب للدين و لا النعرة الدينية، بل كانت عصبياتهم لا تنعقد إلا للجنسية و الحلف و الولاء و الجوار، كما أن الحرب التي تقع بينهم كانت لا تثور إلا بسبب التنافس على مادة الحياة و التنازع على الرئاسة، لا لاختلاف الملة و الدين. فكانت قبيلة غسان مثلا فيها المسيحيّ و الموسوي و الوثني، تحارب قبيلة غفار التي يوجد فيها من الملل الثلاث لعداوة دنيوية أو تنافس قومي يقع بين القبيلتين ليس إلا.

و لم ينقل إلينا التاريخ أنه جرى بين أمتين عربيتين حرب أثارتها حمية دينية سوى الطفيف النادر الذي ربما كان سببه أمرا خارجيا عن العرب، صادرا بتحريض من جاورهم و ملك السيادة عليهم من الأمتين الفارسية و الرومية.

هكذا كانت الرابطة اللسانية مرعيّة عند الأمة العربية القحطانية و العدنانية. ثم لما جاء الإسلام بقيت هذه الرابطة محترمة بين العرب المسلمين و غيرهم، يعتمد العربي على العربي و يركن إليه لمجرد كونه عربيا، غير ناظر إلى ملّته و نحلته. حتى إن هذه العاطفة العالية كانت من جملة العواطف الشريفة التي تحلت بها شمائل النبي العربي محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب (صلّى اللّه عليه و سلم)، فإنه لما اضطهده قومه الأقربون حسدا و حرصا على الرئاسة اضطر إلى الهجرة عن وطنه و الالتجاء إلى قوم آخرين يأوي إليهم و يستنصر بهم على أعدائه، فخيّر بالهجرة إلى البحرين أو المدينة أو قنّسرين، فقال: أوحي إليّ: أيّ الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك: المدينة و البحرين و قنّسرين.

و معلوم أن هذه الجهات كانت مسكونة بالعرب، فالمدينة كانت مأوى أبناء قبيلة الأوس و الخزرج، و كان يسكن في ضواحيها قبائل سليم و كلهم أهل أوثان، و كان القاطنون جهة البحرين‏ بطونا من عبد القيس بن ربيعة و بكر بن وائل، و منهم كان أمير هذه الجهة من قبل الدولة الفارسية- حين مجي‏ء الإسلام- المنذر بن ساوى، من بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، و كان فيهم النصراني و الوثني. أما قنّسرين‏- و هي الآن قرية

294

على مقربة من حلب و كانت بلدة عظيمة و إليها كان يضاف الجند فيقال جند قنّسرين- فقد كان في جهاتها كثير من القبائل العربية التي أشهرها تنوخ، و هم من ذرية النعمان الذي تضاف إليه المعرة، و كانوا نصارى. و لا ريب أن النبي لم يخيّر بالهجرة إلى إحدى هذه الجهات إلا لأن أهلها عرب يحدبون عليه و ينصرونه على أعدائه قياما بحق الرابطة المرعيّة بينهم و هي وحدة اللسان.

و هكذا بقيت هذه الرابطة محترمة بين العرب بعد انتقال النبي من هذه الدار إلى دار القرار، فإن الخليفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه- الذي هو أعظم خلفاء الإسلام- احترم الرابطة اللسانية و بنى عليها صرح نجاحه فيما يتوخاه من مآربه و مقاصده، فأمر العرب المسلمين في مبدأ خلافته أن يبدؤوا بقصد العراق و الشام دون غيرهما لأن فيهما عربا يتّحدون معهم و ينصرونهم و إن كانوا على غير دينهم. و قد صدّقت الوقائع حسن رأيه و حققت الماجريات صحة تفرّسه، و ذلك أن قائده الوليد بن عقبة لما قدم على عرب الجزيرة نهض معهم مسلمهم و نصرانيهم، و استخلصوا الجزيرة من الروم. و لما تقدم عبد اللّه بن المعتمّ‏ (1)- قائد العرب المسلمين- إلى فتح تكريت و الموصل انضم إليه عرب إياد و تغلب و النمر و الشهارجة، و كلهم نصارى، فكان فتح هذين البلدين بواسطتهم. و لما قصد المثنى فتح البويب بعث إلى من يليه من العرب المنتصرة يستنصرهم، فوافى إليه منهم جمع عظيم، و كان فيمن جاءه أنس بن هلال النمري في جمع عظيم من النمر النصارى، و قالوا:

نقاتل مع قومنا. و قال المثنى لأنس: إنك امرؤ عربي و إن لم تكن على ديننا، فإذا حملت على مهران (و هو قائد من الفرس) فاحمل معي. فأجابه إلى ما طلب و حمل معه هو و قومه على مهران، و كان قاتل مهران غلاما نصرانيا قتله و استولى على فرسه. و حارب زبيد الطائي مع العرب في واقعة الجسر حتى قتل و كان نصرانيا.

و كثيرا ما كان عرب الشام و العراق عونا لإخوانهم العرب المسلمين في حروبهم يرشدونهم و ينصحونهم و يحملون إليهم أخبار أعدائهم. من ذلك أن الوليد بن عقبة خرج غازيا إلى الروم فجاءه رجل من العرب النصارى و قال له: إني لست من دينكم و لكنني أنصح، للنسب، فالقوم يقاتلونكم إلى نصف النهار فإن رأوكم ضعفاء أفنوكم، و إن صبرتم‏

____________

(1) من الصحابة، و القوّاد في الفتوحات الإسلامية أيام الخليفة عمر بن الخطاب.

295

هربوا و تركوكم. و من هذا القبيل أن حمص بينما كانت في ذمة المسلمين إذ شغلوا عن حفظها فردّوا على أهلها ما كانوا أخذوه منهم من الجزية، فقال أهلها: لولاؤكم‏ (1) و عدلكم أحبّ إلينا مما كنا فيه من الظلم و الضيم، و لندفعنّ جند هرقل عن المدينة معكم. على أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عرف حق هؤلاء العرب النصارى و كافأهم على حسن صنيعهم و نصرتهم للمسلمين و عاملهم بكل رفق و مواساة. من ذلك أن الوليد بن عقبة أبى أن يقبل من تغلب إلا الإسلام فكتب إليه عمر بأن يتركهم و ما يدينون به. و كان في تغلب عزّ و امتناع، و قد همّ بهم الوليد فخاف عمر أن يسطو عليهم فعزله و أمرّ عليهم فرات بن حيان. و لما همّ قواد المسلمين أن يضعوا الجزية على أهل الذمة- و فيهم جماعة من تغلب و إياد و النمر و هم نصارى- أبى هؤلاء الجزية. و بلغ عمر ذلك فاستشار أصحابه فقال له بعضهم: إنهم عرب يأنفون من الجزية. فوافق ذلك ما في نفسه، ففرض عليهم الصدقة كما تفرض على المسلمين.

هذه هي الرابطة القومية العربية و هذه حرمتها و رعايتها بين العرب في جاهليتهم و إسلاميتهم.

رابطة الجوار:

و أما رعايتهم حرمة الجوار و محافظتهم على حقوق الجار مهما جار، فإن الرجل من العرب كان قبل الإسلام متى قبل جوار إنسان وجب عليه حميّة أن يجيره من عدوه و لو ضحّى عنه نفسه، و أن يفديه و لو بروحه و يقوم بحمايته من أعدائه مهما كانوا، و يصونه من كل غائلة و يسعفه بكل طلب. و حسبنا شاهدا على ما قلناه قصة الكلابي مع عمير ابن سلمّي. و خلاصتها أن رجلا من بني كلب كان جارا لعمير، و كان لعمير أخ اسمه «قرين» بغى على الكلابي فقتله، فجاء أخو الكلابي و استجار بقبر أبي عمير و طلب من عمير أن يقتصّ من أخيه قرين، فاجتهد عمير هو و قبيلته بالكلابي أن يقبل دية أخيه جميع ما تملكه القبيلة و يعفو عن قتل قرين، فلم يفعل، فقتل عمير أخاه قرينا بالكلابي و أنشد:

قتلنا أخانا للوفاء بجارنا* * * و كان أبونا قد تجير مقابره‏

____________

(1) في الأصل: «لولائكم» خطأ. و اللام هنا لام الابتداء و هي مفتوحة و الاسم بعدها مبتدأ مرفوع.

296

و أنشدت أم قرين:

تعدّ معاذرا لا عذر فيها* * * و من يقتل أخاه فقد ألاما

هذا حال الجار عند العرب الجاهلية و هذه هي حرمة الجوار و رعايته فيما بينهم. و لما جاء الإسلام بقي الجوار محترما عند المسلمين، و أرشد النبي إلى احترامه بقوله: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه». و قد قدمنا في الجزء الأول من هذا الكتاب «نبذة من حقوق الجوار» فراجعها تجد فيها ما يقنعك بأن الجوار عند المسلمين لا يقل احترامه عما كان عند العرب قبل إسلاميتهم.

رجعنا إلى سرد الحوادث:

و في سنة 1268 ولي حلب عثمان نوري باشا.

النفير العام:

و في سنة 1269 كان النفير العام في البلاد العثمانية لمحاربة المسكوب (الروس). فخرج من حلب خمسمائة متطوع، و كان قائدهم علي بك بن سعيد أفندي شريف. و من جملة المتطوعين المرحوم الشيخ علي بن محمد النيرباني، الشهير بابن ناصر آغا. و هذه الحرب هي المعروفة بحرب القريم، كانت الغلبة فيها للدولة العثمانية بمساعدة حليفتيها فرانسة و إنكلترا. و قد عاد المتطوعون بعد ستة أشهر و لم ينقص منهم غير القليل و كان من أعظم المشوقين إلى المتطوعين الحلبيين والدي كما أخبرني بذلك تلميذه الشيخ علي المومأ إليه.

و في هذه السنة (1269) ولي حلب سليمان رأفت باشا بن مصطفى آغا، و كان لطيفا ظريفا محبا للعلماء و الأدباء، و مدحه والدي بقصيدة أجازه عليها توجيه وظيفة التحديث عليه في أموي حلب.

وصول السكاير إلى حلب:

و في سنة 1270 وصل إلى حلب استعمال التبغ باللفافات المعروفة بالسكاير، فأنكر الناس التدخين بها أولا ثم ألفها أكثرهم و هجروا التدخين بالقصبات المعروفة بالغليون.

و كانوا قبل ذلك يتغالون بالغلايين، و الأكابر منهم يتخذونها من عود الياسمين، و ربما بلغ‏

297

طولها ثلاثة أذرع أو أكثر و كان الأغنياء و أولو الوجاهة من الناس يجعلون في فم القصبة حلمة عظيمة قد تكون قدر بيضة الحمام من الكهرباء يسمونها (أمزك) أو (طقم) و ربما تبلغ قيمة البعض منها ألف قرش و زيادة، لأنها قد يكون بين قطعها خواتم مرصعة بالألماس و الأحجار الكريمة، و كان لصنعة قصبات التدخين في حلب عدة حوانيت، و اشتهر بهذه الصنعة عدة بيوت يعرف أحدها ببيت الجبوقجي، كما أن البوادق- التي يحرق فيها التبغ المدخّن بالغليون- كان لها عدة حوانيت يعرف أصحابها بالبوادقجية و هم يعملونها من الطين، و لأهلها براعة في عملها. و قد أشرنا إلى هاتين الحرفتين في الكلام على صنائع حلب من الجزء الأول من هذا الكتاب. و في سنة 1271 ولي حلب إسماعيل رحمي باشا.

ظهور بقلة الطماطم في حلب:

في هذه السنة ظهر في حلب بقل عرف باسم (باذنجان أفرنجي) أو باسم (بنادورة) أحضر بزره من مصر أحد التجار و زرع في حلب فأنجب و أخصب، غير أن الحلبيين لم يألفوا أكله في أوائل ظهوره بل كان بعضهم ينفر منه، حتى إن بعض البسطاء كان إذا رآه أو ذكر في حضوره ينطق بالشهادتين توهما منه أنه من الخضر المحرّمة التي اخترعها الفرنج. و كان النادر من الناس إذا رضي بأكله يقتصر على الأخضر مطبوخا و يتحامى الناضج الأحمر منه زاعما أن هذا (وخم) مضرّ يسبب الأمراض. ثم على تمادي الأيام ألف للناس أكله و صاروا يتحامون الأخضر منه و لا يستعملونه إلا مخلّلا، و أقبلوا على استعمال الأحمر الناضج إقبالا زائدا حتى صاروا يعملون من عصيره دبسا يدخرونه للشتاء لتطبيب أطعمتهم التي لا تلذ في أذواقهم إلا بعد أن يضاف إليها شي‏ء منه.

و في سنة 1272 ولي حلب حمدي باشا فبقي فيها مدة و كثرت شكوى الناس منه، فندبت الدولة لفحص أحواله رجلا يقال له أمين أفندي محاسبه جي، فحضر إلى حلب و فحص أحواله فثبت لديه ظلمه و تجاوزه على أموال الدولة. فأنهى بعزله، فعزل و ولى حلب مصطفى باشا الأشقودري. و في سنة 1274 وليها الحاج محمد كامل باشا. و في سنة 1275 وليها محمد رشيد باشا. و في شتاء هذه السنة أثلجت السماء في حلب و ضواحيها أربعين يوما، فخربت عدة بيوت و مات ما لا يحصى من الأغنام و تعطلت الطرق.

298

قطع الماء عن قسطل الرمضانية:

و في هذه السنة 1275 حكم بسدّ ثقوب مجرى برد بك إلى قسطل الرمضانية، و صدر بذلك حجة شرعية محررة صورتها في سجل المحكمة الشرعية المحرر على ظهره: «من سنة 1273 إلى 1275». و في سنة 1276 ه ولي حلب إسماعيل باشا. ثم في سنة 1377 وليها عصمت باشا الشهير بدالي عصمت، و كان الناس يهابونه حتى الأجانب. و في سنة 1278 وفد من الشرق جراد كثير و استمر يعيث و يفسد في حلب و بلادها إلى سنة ست و ثمانين.

تمديد السلك التلغرافي:

في هذه السنة (1278) أو التي قبلها صار الشروع بتمديد السلك البرقي في حلب و بعض ملحقاتها. و كان البسطاء من الناس إذا قيل لهم إنه ينقل الأخبار من بلد إلى أخرى مهما كانت بعيدة بلحظة- كطرفة عين- ينكروا ذلك و يقولوا (1): لا شك أن الذي ينقل هذا الخبر شيطان مارد منبث في التيّل‏ (2). و في سنة 1279 ولي حلب ثريّى باشا.

بناء دور في جبل الغزالات:

و فيها أنشأ الوالي في قمة جبل الغزالات دارا ذات غرف كثيرة، و تبعه المرحوم الشيخ محمد بهاء الدين أفندي الرفاعي- مفتي حلب- فأنشأ في ذيل الجبل قصرا، و ذو الكفل بك دفتردار الولاية فأنشأ في جواره دارا عظيمة. لم تزل أطلال هذه المنازل باقية حتى الآن.

وصول استعمال زيت البترول إلى حلب:

و في سنة 1280 وصل إلى حلب استعمال زيت البترول- المعروف بالكاز- في المصابيح المعروفة باللّنبات واحدها (لنبة). و قد تحامى الناس استعماله في أول ظهوره زاعمين أن ريحه يؤذي الصدر، و أن سطوع نوره يضر البصر، و كان من يستعمله من‏

____________

(1) الصواب «ينكرون ذلك و يقولون» بإثبات نون الرفع في الأفعال الخمسة و لا مسوّغ لحذفها هنا.

(2) التيل: من ألفاظ العامّة بمعنى السلك.

299

الناس يقتصد بصرفه جدا بحيث كان مل‏ء (اللّنبة) منه يسهر عليها عدة ليال إلى منتصف الليل. و هو معذور بذلك فإن ضوء هذا المصباح مهما كان ضعيفا فهو أسطع بكثير من ضوء السراج و القنديل و الشمع و غيرهما من الظروف التي يكون الاستصباح بها بواسطة زيت الزيتون. و لا شك أنه أقل ضررا من هذه الظروف التي ينبعث منها العثان و السّخام فيضرا بالصحة و يسوّدا المنزل و أثاثه و يضعفا (1) البصر و قد ظهرت للناس فوائد الكاز بعد مدة قليلة فعم استعماله و بطل استعمال جميع ظروف الاستصباح و تركت في زوايا الاهمال حتى أصبحت نسيا منسيا.

و في هذه السنة (1280) حدث في حلب غلاء شديد و برد قارس أدهش العقول.

و في سنة 1281 ولي قضاء حلب قاض عرف عند الناس باسم (أبي دية) لأن يده مقطوعة من مفصل ذراعها. و كان ظالما منهمكا بالمعاصي متجاهرا بتناول الرشوة. و في 24 جمادى الأولى من هذه السنة أبرقت السماء و أرعدت ثم قذفت بردا كبارا واحدته في حجم البيضة أو أكبر، و استمر نحو 15 دقيقة فهلك به ألوف من الطير و انكسر للناس من زجاج نوافذ البيوت ما قيمته خمسمائة ألف قرش، و كان من غريب أمره أنه لم يتجاوز مدينة حلب.

تشكيل لواء الزور:

و في ابتداء فصل الربيع من هذه السنة توجه الوالي ثريّى باشا و معه شرذمة من العساكر لردع الأعراب المتمردين على الدولة في جهة الزور، فأخضعهم و أجرى عليهم قوانين الدولة و عيّن عليهم قائم مقام و شكّل مصرفيّة الزور بالدير الحمراء، و رجع إلى حلب. و في أواخر هذه السنة كثر تعسف القاضي أبي دية و ضجر منه الناس، و رفعوا بسوء حاله محضرا إلى الدولة، فعزلته و ولت مكانه عثمان أفندي و كان غاية بالصلاح. و في سنة 1282 و في المحرّم عاد الحاجّ من الحجاز، و أخبروا أنه مات هناك بالهواء الأصفر نحو مئة ألف نسمة.

و كان ابتداؤه في تلك البلاد يوم عيد الأضحى. ثم في هذه السنة وصل هذا المرض إلى حلب و كان معظم سطوته في ربيع الأول، و بلغت وفياته اليومية ثلاثمائة نسمة، و قد أصبت به و نجوت، و أصيبت والدتي فتوفيت. و كان الناس يدورون في الأزقّة ليلا و يستغيثون‏

____________

(1) لا مسوّغ لحذف النون من الأفعال المضارعة الثلاثة الأخيرة، و الصواب إثباتها: «فيضرّان- و يسوّدان- و يضعفان». و العثان: الدخان الذي ينبعث من ضوء السراج و نحوه.

300

بالله و يخرج بعض القراء إلى المآذن و يقرءون سورة الدخان.

و في سنة 1283 شكلت ولاية حلب و فيها حرّرت نفوس ولايتها. و فيها وليها جودت باشا صاحب التاريخ المشهور. و في محرّم سنة 1284 صدرت الإرادة بتخفيض البدل العسكري إلى 80 ذهبا عثمانيا و كان مئة ذهب. و فيه قسمت الحكومة محلات حلب إلى اثنتي عشرة منطقة سمّت كل واحدة منها قولا ألفت له مجلسا من مختاريه و اختياريته.

صدور جريدة الفرات:

في محرّم هذه السنة (1284) صدرت صحيفة الفرات الرسمية الأسبوعية باللغتين التركية و العربية. و هي أول جريدة صدرت في مدينة حلب. ثم صدر العدد الخمسون منها باللغات الثلاث التركية و العربية و الأرمنية. ثم صدر العدد ال 101 باللغتين التركية و العربية فقط. و كان في بعض الآنات‏ (1) يصدر لها ملحق تحت عنوان «علاوه فرات» أو «غدير الفرات».

أسس هذه الصحيفة مكتوبيّ الولاية حالت بك، و هو الذي تولى تحريرها. و استمرت هذه الوظيفة تناط بمكتوبي الولاية يتناولون راتبهم الشهري عليها من ريع المطبعة. و أول مترجم لها من التركية إلى العربية (أحمد حمدي أفندي ابن محمد بن عبد المعطي زوين الحلبي) و كان أديبا شاعرا. و في سنة (1290) هاجر إلى الحجاز. و تولى ترجمة الجريدة بعده (عبد القادر أفندي ابن تقي الدين أفندي) الذي تولى بعد الكتابة الثانية عند السلطان عبد الحميد خان الثاني. ثم تولى الترجمة بعده فقيد الوطن السيد الفاضل عبد الرحمن أفندي الكواكبي. ثم في حدود 1300 أنيطت هذه الوظيفة بي و بقيت في عهدتي نحو عشرين سنة، استقلت منها في خلالها عدة مرات، و كنت أعود إليها بطلب من المكتوبية سنة، استقلت منها في خلالها عدة مرات، و كنت أعود إليها بطلب من المكتوبية و إلحاحهم. و في حدود سنة 1324 وكلت بها العالم الشيخ محمد خير الدين أفندي الحنيفي، فبقي قائما بها إلى أن ألغيت في أيام النفير العام سنة 1334 و آخر ما صدر منها العدد ال (2420) ثم صدر بعدها عوضا عنها جريدة عنوانها (حلب) و هي تصدر الآن باللغة العربية فقط، يتولى تحريرها الأديب الفاضل السيد محمد منير المدوّر البيروتي، و هو

____________

(1) أي في بعض الأوقات. و قد جمع المؤلف «الآن»- بمعنى الوقت و الحين- على آنات، و الصواب: الآونة.

301

مدير مطبعتها أيضا. و قد دخلت غلّتها إلى مالية الدولة و صار مستخدموها يتناولون رواتبهم من صندوق المال العام بعد أن كانوا يتناولونها من صندوق المطبعة الخاص.

سالنامة الولاية:

كلمة سالنامة فارسية مركبة من كلمتين (سال) سنة و (نامه) ورقة. و قد تطلق على كتاب يصدر في آخر كل سنة يشتمل على إحصائيات الولاية المالية و غيرها، و على أسماء موظفيها و على بعض شؤون تاريخية سياسية و مدنية قديمة و حديثة تتعلق بمركز الولاية و بعض أعمالها، و على جغرافية الولاية و ما فيها من الجبال و الغابات و المعادن و البحيرات، و على غير ذلك من المسائل و المقاصد التي تفيد الراغب بالاطلاع على أحوال الولاية فائدة إجمالية لا يستغنى عنها. و قد دعيت في أول صدورها باسم (فهرست السنة). و لعل تسميتها (سنوية الولاية) يكون موافقا. أول من أصدر هذا الكتاب في حلب حالت بك المكتوبي في هذه السنة (1284) و قد صدر المرة الأولى صغيرا و طبع على مطبعة الحجر و ما زال يتّسع حجمه و تزاد مسائله إلى حدود سنة 1300 و إذ ذاك أنيط تحرير صحيفة الفرات بعارفي بك، أحد موظفي قلم المكتوبي الذي صار بعد رئيس الكتاب في مجلس إدارة الولاية. فاجتهد المومأ إليه بتوسيع السالنامة و توفير أبحاثها، و طلب مني مساعدته على ذلك، و كنت وليت ترجمة صحيفة الفرات فبذلت جهدي في مساعدته و قدمت له عدة كتب تاريخية لاستخراج ما فيها من المسائل التي لها علاقة بحلب، فتوفرت فوائد السالنامة و عظم حجمها و صارت تصدر كل سنة مطبوعة بالحرف.

ثم في سنة 1304 تحوّل عارفي بك إلى جدّة قائم مقام عليها. و بقيت السالنامة تصدر تارة بترتيب مكتوبي الولاية و أخرى بترتيب صديقنا المحترم السيد أسعد بن ناجي أفندي إمام زاده، الشهير بالعينتابي، و كان قائما بوظيفة مديرية أوراق الولاية، و كان يحرر صحيفة الفرات في أكثر الآنات‏ (1) بالنيابة عن المكتوبي. و في أيام قيامه بترتيب السالنامة صححت منها جدول عمال حلب و كفّالها و ولاتها بطلب منه، و كان فيه أغلاط كثيرة.

على أنه لم يزل يوجد فيه أغلاط أحدثتها أيدي عملة المطبعة، و لم تزل السالنامة تصدر

____________

(1) انظر الحاشية السابقة.

302

إلى سنة 1326 و في هذا التاريخ قلّت مداخيل المطبعة و عجزت عن النفقات المقتضية للسالنامة فأهملت و ما زالت مهملة حتى الآن.

عارفي بك هذا أول من قال في السالنامة: إن نهر قويق سمي باسم قويق آغا الذي جرّه من منبعه إلى حلب. و قد آخذته بهذه الغلطة و شافهته بها حين مرّ من حلب متوجها إلى مرعش متصرفا في لوائها و قلت له: إن كلمة قويق محرفة عن قواق التي يطلقها الأتراك على شجر الحور، و إن هذا النهر سمي بنهر قويق لما يزرع عليه من هذا الشجر حتى إنه ليوجد في نفس مدينة عينتاب منتزه يعرف باسم (قواقلق) أي مزرعة الحور. فأقرّ (رحمه اللّه) بغلطه و صوّب رأيي فيما رأيته بهذه الكلمة.

غرائب الخلق:

في هذه السنة (1284) ولد في أنطاكية مولود برأسين، أحدهما بشعر و أذن و أنف و فم، و الآخر بعين واحدة فقط. و قد ولد حيّا و مات بعد دقائق.

و فيها اهتمت الحكومة بجمع بزر الجراد من أطراف الولاية فجمعت منه نحو عشرين ألف شنبل، الشنبل وزن خمسين أقة. و قد وزعت على كل فرد مقدارا معلوما من البزر، و فتح لشرائه من التجار مسواق، فاشتغل الفقير و ربح التاجر و خفّ الضرر في تلك السنة.

الشروع بفتح طريق إسكندرونة:

و فيها كان الشروع بتعبيد طريق إسكندرونة و قد فرض على كل ذكر بالغ عمل أربعة أيام إما بنفسه و إما ببدل نقدي عن كل يوم عشرة قروش. و كان ابتداء العمل به في اليوم الثاني عشر ربيع الأول تبركا و تيمنا. و حضر وقت الابتداء به عدة من أشياخ حلب و علمائها و صلحائها و من جملتهم العالم الكبير الشيخ أحمد الترمانيني، و هو أول من أعطى عن نفسه البدل النقدي أربعين قرشا فاستبشر الناس بنجاح المشروع فيه و تفاءلوا خيرا. و في هيار هذه السنة اختنق تسعة حجارين من الملة المسيحية في مغارة البختي خارج حلب إلى شماليها و ذلك أن المذكورين التجئوا من المطر إلى المغارة المذكورة فلم يشعروا إلا و قد كبسهم السيل فاختنقوا عن آخرهم.

303

و في ليلة الجمعة سابع و عشرين صفر منها المصادف حزيران الرومي تغير الجو في قصبة ريحا و برد الهواء بردا شديدا لم يعهد مثله في الشتاء الشديد حتى اضطر الناس للتدثر بالملابس الشتوية و إيقاد النار في بيوتهم و فيها صدرت إرادة سنية بمنع زرع التبغ المعروف بالتوتن.

و فيها كان إخضاع الأعراب المتمردين على الدولة في صحراء حلب بعد مقاومة شديدة و كثرة القتل و الأسر في رؤسائهم. و قد أخذت منهم قرعة شرعية و استفلحوا و عانوا الزرع و الفلح. و في ربيعها الثاني زينت البلدة زينة حافلة فرحا بعود المرحوم السلطان عبد العزيز خان من سياحته في أوروبا إلى العاصمة.

حريق أسواق حلب:

و في الساعة السادسة من ليلة الأحد ثالث جمادى الأولى، المصادف الليلة الحادية و العشرين من آب سنة 1287 رومية، شبّت النار من دكان في وسط سوق الصاغة و لم يدركها رجال الدرك إلا و قد سرت إلى ما جاورها، ثم انتقلت إلى الأسواق المتصلة بذلك السوق فاستعرت و التهبت و انفتحت منها أبواب جهنم، و أخذ الناس يفرّغون حوانيتهم إلى الجامع الكبير حتى صار فيه تلال من الأرزاق و منهم من لم يتمكن من تخليص رزقه.

و كان الدخان يعلو في الجو طبقات متراكما بعضه فوق بعض، أسود حالكا كأنه قطع السحاب المكفهرّ، و قد ارتفع من أسفله مارج النار يتلظى كالطّود العظيم الذي يسمع منه دوي و فرقعة تقشعر منها النفوس.

و لم تزل هذه النار الحاطمة في اضطرام و هيجان حتى أتت على سوق الصيّاغين و البزازين المعروف بسوق البالستان، مع جميع تشعباته و زواياه و خلاياه، و سوق العقّادين و سوق الطرابيشية و سوق القوّافين، و بعض سوق استانبول الكائن وراء شرقية الجامع الكبير.

و قد أحصي ما احترق من الحوانيت و الدكاكين فكانت 323 دكانا و حرر ما احترق من الأموال المنقولة تقريبا فكان يساوي ما قيمته عشرة آلاف كيس (الكيس خمسمائة قرش). و من لطف الباري تعالى على عباده أن النار لم تصل إلى سوق العطارين، مع أنها لم يبق بينها و بينه إلا مسافة بضعة أذرع. و رأيت عند بني المركوبلي مكتوبا مذيلا بنحو مائتي توقيع من تجار الملل الثلاثة في حلب يتضمن عبارات الشكر من الخواجه نقولا

304

المركوبلي على ما أبداه من الرأي و الإشارة إلى هدم زابوقي‏ (1) سوق الذراع و سوق الباطية لقطع الطريق على النار منعا لها من الوصول إلى سوق العطارين، فإنها لو اتصلت به لانعدمت حلب حرقا و هدما، لما اشتمل عليه هذا السوق من أنواع البضائع الملتهبة كالبارود و النفط و السّندروس‏ (2) و الزفت و القير و غير ذلك، بحيث كان فيه من هذه البضائع قناطير مقنطرة.

و قد اختلف الناس في أسباب هذا الحريق العظيم: فمنهم من قال إنه مفتعل من الحكومة بقصد التمكن بعده من توسيع هذه الأسواق لأنها كانت غاية في الضيق. و منهم من زعم أن السبب نار تركها بعض الصاغة في كانونه، فطارت منها شرارة على مفرش فيها و علقت‏ (3). و اللّه أعلم بحقيقة الحال. و في الساعة السابعة و الدقيقة العاشرة من الليلة الخامسة عشرة من جمادى الأولى ابتدأ القمر بالخسوف و كمل انجلاؤه في الساعة العاشرة و الدقيقة العاشرة. و في هذه السنة كان تشكيل كثير من أقضية حلب و ألويتها.

ميت عاش:

في رمضان هذه السنة توفي لرجل يقال له الشيخ محمد- من سكان محلة مستدام بك في حلب- ولد صغير عمره ثمانية أعوام، فجهز و حمل إلى المقبرة، و بينما الحمالون سائرون به لم يشعروا إلا و قد تحرك و أخذ بالبكاء. فرجعوا به إلى بيت أبيه و عاودته الصحة. و فيها كان الشتاء شديدا و المطر غزيرا، و لا سيما في شباط، فقد طغت فيه الأنهار و ضجر الناس من كثرة المطر و الثلج و الجليد و البرد القارس. و في أواخر محرّم سنة 1285 وصل إلى حلب واليا عليها ناشد باشا. و في اليوم الرابع عشر صفر خرج الوالي مع الهيئة المرتبة لترميم القناة و كاشفوا أحوالها و رتبوا عملها. و قد تكلمنا على ما كان منه في قناة حلب عند الكلام عليها في الجزء الأول فراجعه.

و فيها صدرت إرادة سنية بجواز زرع التبغ بشرط أن يأخذ الزرّاع رخصة من إدارة الرسومات. و فيها أمر الوالي بتوسيع حجرة الميقاتي بإضافة حجرة أخرى إليها على باب‏

____________

(1) الزابوق: الزقاق الصغير الضيّق. و الكلمة عامية.

(2) نوع من الصمغ، و هو من المفردات الطبية.

(3) أي التهبت و اشتعلت. و الكلمة بهذا الاستعمال عامية.