نهر الذهب في تاريخ حلب‏ - ج3

- كامل بن حسين الحلبي الغزي المزيد...
640 /
305

الجامع من جهة سوق الطيبية، و أمر بجلب ساعة كبيرة توضع فيها. و في جمادى الأولى أمر الوالي بتبديل سقوف أسواق حلب بالسقوف المعروفة بالجملون، و كانت قبلا من الحصر المنسوجة من البردي و القصب، كثيرة الاستعداد للالتهاب. فشرعوا بذلك مبتدئين من باب النصر. و في هذا الشهر كان تعديل الأوزان و رسمها بطابع البلدية. و فيه كان افتتاح دار الإصلاح المعروفة باسم إصلاحخانة.

سفر الوالي إلى طريق إسكندرونة و ما أجراه من الإصلاح:

و في أواخر جمادى الثانية سافر الوالي لمشارفة طريق إسكندرونة. و في التاسع و العشرين منه ورد منه إلى وكيله حسني باشا الفريق العسكري محرّرات، مثالها أن الطريق المذكور تبلغ مسافته 32 ساعة، و فيه عدة محلات تحتاج إلى جسور و خنادق، و منها عفرين فإنه محتاج إلى جسر يعسر بناؤه. قال: و لذا عوّلنا على سلوك طريق آخر هو بالجانب الفوقاني من ذلك الطريق في مسافة 22 ساعة، و يكون تمديده من جهة قلعة الكوبة لي، و بسلوكه تقرب المسافة عشر ساعات و يكتفى بجسر جزئي على عفرين، ثم قال: و وجدت الجبل الكائن فوق خان العسل المتوسط بين عدة قرايا كالأثارب و إبزمو و تلعدة، على مسافة سبع ساعات من حلب، خاليا من الشجر، فحملنا أهل تلك القرى على غرسه بشجر التين و العنب و الزيتون و أخذنا منهم كفلاء على ذلك. و وجدت إدارة الريحانية غير منظمة لخلوها عن مركز حكومة و استبداد أغواتها، فعزمنا على بناء مركز للحكومة في تلك الجهة و رفعنا عنها سلطة أغواتها و فرقنا أراضيها المملوكة لهم بحق عن غيرها، و مكنت الفقراء من العمل فيها.

و في هذه السنة فرش مقدار كبير من أزقة حلب بالبلاط على نسق الجملون. و هذه أول مرة فرش فيها البلاط على هذه الصفة. و في اليوم الثاني عشر من شعبان رجع الوالي إلى حلب. و في شوالها بدأ الوالي أن يجعل‏ (1) بعض الخرائب الكائنة تجاه باب القلعة منتزها عاما و أناط إجراء ذلك بحسني باشا. فغرست الأشجار و حوّط بدائر، و حفر لسقايته دولاب في شرقي باب القلعة على غلوة منه فلم يمض سنة إلا و تعطّل و أهمل و عاد كما كان. و في‏

____________

(1) الصواب حذف «أن» هنا قبل الفعل المضارع.

306

الساعة التاسعة من الليلة الخامسة عشرة ذي‏ (1) الحجة هطلت السماء في مرعش بالأمطار الغزيرة و أعقبها زلزال انهدم به هناك منزلان.

تولي الحكومة بريد إسكندرونة:

و في اليوم الرابع عشر ذي القعدة أنيط البريد- الذي كان يتردد من حلب إلى إسكندرونة- بالحكومة العثمانية. و كان قبلا يسافر عن يد قنصل فرنسة المقيم في حلب. و في ذي الحجة قصدت جماعة البغّالة- من الفرقة النظامية- الأعراب بسبب كثرة فسادهم، و أوقعت بعشيرة المهيد و هريب و الشميلات و العجاجرة و السباعة. و كانت الوقعة في مفاوز الزور فانخذل الأعراب، و استولى العسكر على نحو عشرين ألف رأس غنم و مئة و خمسين جملا، و أتوا بها إلى حلب. و في يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة 1386 سافر الوالي إلى جهة المعرة التي ألحقت في تلك الأيام بولاية حلب، فرتّب أمورها و كاشف قراها، و كانت قبلا ملحقة بولاية دمشق مضافة إلى حماة. و في الساعة التاسعة من ليلة الاثنين، غرّة شوال المصادف اليوم الحادي و العشرين من كانون الأول سنة 1285 رومية حصل زلزلة بحلب مرتين من الشمال إلى الجنوب، فانهدم بها بعض جدران في ظاهر حلب مشرفة على الخراب، و لم يحدث منها ضرر غير ذلك. و في هذه السنة ولي حلب درويش باشا.

ابتداء العمل في محلة العزيزية:

و فيها كان ابتداء تأسيس الأبنية في حارة العزيزية على جبل النهر. و سببها أنه لما فتحت دار الإصلاح المتقدم ذكرها أرادت الحكومة أن تجعل لها جهة دخل تقوم بالنفقات التي صرفت عليها، فباعت جبل النهر لجماعة من المسيحيين، و عمروه محلة لهم على نسق جديد من الأبنية وسعة الشوارع. و في هذه السنة كان الجدب مستوليا على حلب و برّها بحيث لم ينبت فيها حبّة و لا نزل من السماء قطرة، و اشتد الغلاء حتى بيع رطل الخبز بتسعة قروش و نصف القرش، بدل قرش و ربع القرش. و استمر هذا الحال إلى دخول سنة 1287.

____________

(1) التركيب يقتضي إضافة «من» قبل: «ذي الحجة» و لكن المؤلف ترخصّ في التعبير، أو سبق إلى و همه أنه تركيب إضافي، و ليس بذاك. و مثله ما سيأتي في أول الفقرة التالية.

307

زلزلة أنطاكية:

في آذار الرومي هذه السنة (1287) في ضحوة يوم من أيامه زلزلت حلب زلزلة قوية بحيث أيقظت من كان نائما و سقط بها بعض شرفات من سور القلعة و عدة جدران متوهنة.

و لم يمض غير بضع ساعات حتى ورد من أنطاكية للوالي تلغراف يفيد أنه في الوقت المذكور حدث هناك زلزال قوي أتى على جميع أبنية أنطاكية، بحيث لم يبق منها إلا القليل النادر، فانهدمت البيوت و الجوامع و الخانات و بعض الحمّامات، و مات تحت الردم خلق كثير، و الأحياء كلهم خرجوا على وجوههم إلى الصحراء ليس عندهم قوت و لا خيمة يأوون إليها مسلمين أنفسهم لحر الشمس و برد الليل. ثم أخذ يتوارد من التجار و غيرهم المقيمين في أنطاكية تلغرافات، مثالها ما ذكر. فشاع الخبر عند الحلبيين فضجوا و اضطربوا، و خرج كثير منهم إلى البساتين و البرية، فمنهم من ضرب خياما و أقام تحتها هو و أهله و ولده، و منهم من باشر عمل بيوت من الخشب ليقيم بها كذلك. ثم بعد ليلة أو ليلتين في أواسط الليل اهتزت الأرض مرة ثانية هزة خفيفة لم يحدث منها ضرر.

و هكذا استمر الحال في كل بضع ليال تهتزّ هزة خفيفة دون أن يحصل منها ضرر.

و كانت في أنطاكية كلما اهتزت أضرّت، حتى بقي أهلها في أسوأ حالة. و أخذت الحكومة تتدارك لهم الإعانة من القوت و الخيم و أرسلت ذلك إليهم، إلى أن فرّج اللّه عن عباده، و دخل شهر نيسان و انقطع الزلزال و اطمأن الناس و رجع أكثرهم إلى منازلهم و باشر أهل أنطاكية تعمير بيوتهم. و في سنة 1288 ولي حلب ثريّى باشا ثانية. ثم في سنة 1289 وليها الحاج علي باشا، ثم سامح باشا. و في سنة 1290 وليها كورد أحمد باشا. و في سنة 1291 وليها رشدي باشا الشرواني، الصدر الأسبق، فلم يلبث غير تسعة أيام واليا و صرف عنها إلى ولاية الحجاز، و صحبني معه إماما. و ولي حلب مكانه محمد رشيد باشا ثانية و كان وليها سنة 1275 و في سنة 1292 وليها سامح باشا ثانية، ثم أسعد مخلص باشا.

انقضاض صاعقة:

و في نيسان الرومي من هذه السنة انقضت صاعقة في محلة البياضة فقطّت‏ (1) نحو

____________

(1) أي قطعت عرضا. و أما إذا قطع الشي‏ء طولا فيقال فيه: «قدّ» بالدال.

308

النصف من منارة جامع الحموي، و كأنما انفصل منها شظيّة فصدمت جدار قبلية الجامع المذكور من أعلاه، فغاصت به و ثقبته ثقبا منتظما، و خرجت من نجف الشباك و أصابت رجلا يصلي المغرب فقتلته دون أن يبقى لها أثر به، و أصابت رجلا في رجله فلم يمت لكنه بقي في رجله أثر كأنه كي نار. و كانت المنارة قد سقطت على سّواس مارا (1) من تحت القلعة فقتلته أيضا. و في سنة 1293 ولي حلب أمين باشا و فيها حصل بحلب هيضة (2) ابتدأت من شعبان و استمرت إلى أواخر شوال و بلغت وفياتها اليومية مئة و خمسين نسمة.

و في 27 ربيع الأول من هذه السنة خلع السلطان عبد العزيز و جلس مكانه السلطان مراد خان، فبقي سلطانا ثلاثة أشهر و ثلاثة أيام، ثم خلع و جلس بدله على عرش السلطنة السلطان عبد الحميد خان الثاني. و في محرّم سنة 1394 رفعت رتبة كامل باشا إلى الوزارة و عين واليا على قوصوه. و قبل أن يسافر إليها حوّل إلى ولاية حلب، فقدم عليها في اليوم ال 14 صفر و استقام بها سنتين و شهرا. ذكر ذلك في ترجمة حاله و غلط في السالنامة إذ ذكر ولايته سنة 1295 و قد اختارني إماما له في صلاة التراويح.

صدور جريدة في حلب:

و فيها صدر في حلب جريدة عربية عنوانها «الشهباء» لصاحب امتيازها السريّ الماجد الحاج هاشم العطار المعروف أيضا بالخراط. و قد تولى تحريرها الكاتب البارع المرحوم عبد الرحمن أفندي الكواكبي بمساعدة جماعة من أدباء حلب. غير أن الجريدة ما لبثت سوى أيام قلائل حتى أمر بإبطالها والي حلب كامل باشا المعروف بكراهية صحف الأخبار.

النفير العام:

في هذه السنة 1294 أعلنت الدولة العثمانية في بلادها النفير العام لمحاربة روسيا.

فحشدت العساكر من جميع بلادها، و من جملتها حلب التي جندت منها عددا عظيما حتى كادت تخلو من الشبيبة. و لذا أصبحت الحكومة تخشى من قيام الغوغاء للنهب و السلب،

____________

(1) كذا في الأصل، و الوجه: «مارّ» بالجرّ، صفة لسوّاس.

(2) الهيضة: مرض الكوليرا.

309

فجعل كامل باشا شيخنا محمد آغا المكانسي كمتسلّم لحلب لأجل حفظها، فجمع محمد آغا عصابة من شبيبة محلة باب النيرب و جعل يطوف بهم ليلا في شوارع حلب و محلاتها إلى أن انتهت الحرب، و عاد المتجندون إلى أوطانهم و لم يحصل في حلب ما يخل بالسلام.

شتاء شديد:

في سنة 1295 كان الشتاء شديدا و توالى سقوط الثلج على حلب و أكثر أعمالها نحوا من أربعين يوما، حتى هجمت الظباء و الذئاب على العمران و انقطعت الطرق و المواصلات و مات في البر عدة أوادم و هلك ألوف من الغنم و المواشي.

تشكيل عدلية حلب:

و في هذه السنة (1295) شكلت عدلية حلب. و قد أسلفنا ذكر (محكمة البداية) في الجزء الأول من هذا الكتاب. و في سنة 1296 ولي حلب غالب باشا ثم سعيد باشا.

غلاء شديد:

و فيها ارتفع سعر الحبّ في تشرين الأول، و استمر إلى حزيران، و اشتد الغلاء و بيع رطل الخبز باثني عشر قرشا بدل قرش و نصف، و ارتفع سعر بقية المأكولات على هذه النسبة كالرز و العدس و البرغل و اللحم، فاضطرب الفقراء و ثاروا في أحد الأيام، و مشى منهم جمهور إلى السوق الكبير المعروف باسم (المدينة) و أخذوا يتخطفون المأكولات من سوق العطارين، و بعض البضائع من بقية الأسواق، فأسرع الناس إلى إغلاق حوانيتهم و خيف من حدوث ثورة عامة. و كان الفريق على الجندية جميل باشا ابن نامق باشا، فنزل من الثكنة العسكرية مع ثلّة من الجنود و هددوا الثوار فارتاعوا و سكنت الثائرة.

و هذا أول عمل اشتهر به جميل باشا بين الحلبيّين فأحبوه و مالت نفوسهم إليه، و قدموا له محضرا عاما يتضمن طلبهم منه أن يكون واليا عليهم. و كان سعيد باشا يرى ولاية حلب دون مرتبته فكان قيامه بأمور الولاية قياما يصحبه سآمة و فتور. ثم لما علم بميل الناس إلى جميل باشا الفريق العسكري استقال من خدمته. و كان جميل باشا قد أرسل محضر أهل حلب- الناطق بطلبه واليا عليهم- إلى استانبول فقبله الباب العالي و جعله واليا على‏

310

حلب علاوة على وظيفته الفريقية العسكرية، فجمع بين الوظيفتين و كان ذلك في سنة 1297.

صدور جريدة في حلب:

في هذه السنة صدر في حلب جريدة عنوانها (الاعتدال) أحد وجهيها عربي و الآخر تركي، لصاحب امتيازها السيد هاشم الخراط السالف الذكر. و قد تولى تحريرها المرحوم عبد الرحمن أفندي الكواكبي و سعيد بك ابن علي باشا شريف، أحد أدباء حلب فلم تلبث الصحيفة غير قليل حتى أمر جميل باشا بتعطيلها.

حريق في مرعش:

في ليلة الجمعة ثالث شوال سنة (1301) شبت النار من أحد أفران مدينة مرعش و سرت إلى ما جاوره، و كان الهواء شديدا فقوي استعارها و لم تخمد إلا بعد أن التهمت ألفا و مائتي دكان، و أربعين دارا و خمسة جوامع و حماما و خانين و الرباط العسكري و دائرة البلدية و قدرت قيمة ما أتت عليه هذه النار بمائة و خمسين ألف ذهب عثماني. و قد تدارك أهل حلب جمع إعانة وافرة لإسعاف المنكوبين من أهل مرعش بهذا الحريق.

سقوط نيزك من الجو:

في يوم الخميس ثالث عشر ذي الحجة من هذه السنة 1301 المصادف الحادي و العشرين أيلول سنة 1300 رومية، في رادة (1) الساعة الثانية عشرة منه صباحا، سقط حجر من الجو على تل قريب من قرية قره دينك في بعد خمس ساعات عن عينتاب، و عند سقوطه كان الجو خاليا من الغيم بالكلية و الهواء معتدلا. و قبله بنحو عشر دقائق سمع له دوي شديد كأنه رعد قاصف، و لما سقط غاص في الأرض نحو نصف ذراع فلما أرادوا إخراجه على أثر سقوطه لم يتمكنوا من القبض عليه لشدة حرارته، فلمسه بعضهم بثوبه فأحرقه. و هو حجر أسود صلب شديد شكله على هيئة السلحفاة، و ثقله نحو ألف و ثمانمائة درهم. و قد أرسل من عينتاب إلى حلب، و شاهدته ثم أرسل إلى استانبول.

____________

(1) الرادة: الدرجة و المنزلة. و الكلمة تركية.

311

فتح الجادة العظيمة:

و في هذه السنة كان افتتاح الجادة العظيمة المعروفة بجادة باب الفرج بحلب. و كان في العزم أن يجعلوها مسامتة طريق العربية، مبتدئة من جسر الناعورة ثم تقطع بمرورها بستان الكلاب حتى تتصل بالخندق الكبير فتمتد مستقيمة إلى محلة العوينة، و منها تنعطف حتى تنتهي إلى تجاه دار الحكومة. ثم إن هذا العزم لم يتيسر إنفاذه و فتحت الجادة المذكورة من جسر الناعورة إلى باب الفرج فقط.

و في ليلة الأربعاء ثالث عشر صفر سنة 1302 المصادف اليوم الحادي و الثلاثين من تشرين الأول سنة 1300 رومية هطلت السماء بالأمطار الغزيرة و انكفأت كأفواه القرب في جهات الجوم، ثم حملت على جسر عفرين فهدمت منه قنطرتين، و كان السيل قد اقتلع ألوفا من الشجر و ساقها، و هدم طاحونين عن آخرهما، و أغرق شخصين و بعض جمال. و في هذه الليلة أيضا حمل نهر الذهب و أغرق شخصين و مقدارا عظيما من الحبوب و الأمتعة. و دخل السيل طاحونا في قرية من أعمال منبج يقال لها «عرب حسن» فهدمه عن آخره بعد أن اختطف منه سبعين عدلا من الدقيق و الحبوب.

إنشاء جامع منبج:

في هذه السنة كمل تعمير الجامع الحميدي في قصبة منبج و كانت نفقاته من الخزينة الخاصة بالسلطان عبد الحميد خان الثاني، و توجه للحضور في حفلة افتتاحه والي الولاية و رؤساء الحكومة و إدارة الجفتلك السلطاني، فاجتمع هناك جمّ غفير من الأكابر و الأعيان و سكان القرى المجاورة، و أحرقت الملاعب الناريّة، و دارت كؤوس المرطبات. و في اليوم الخامس و العشرين رمضان المصادف لمثله من حزيران سنة 1301 وقع مطر خفيف و انتشر معه جراد كثير من الشمال إلى الشرق، و هذا الجراد لم يزل يتردد على حلب و بلادها إلى سنة 1308 و في ليلة السبت 28 صفر سنة 1303 المصادف الثالث و العشرين تشرين الثاني سنة 1301 رومية في رادة الساعة الخامسة منها، سطع شي‏ء في السماء كالكوكب المحترق، ثم أخذت الكواكب الصغار تتطاير ألوفا، ثم انعكس الهواء بغتة و اشتد إيماض البرق و انكفأت السحب كأفواه القرب. و في شهر ربيع الأول سبق رديف ولاية حلب إلى جهة الروملّي الشرقي و قدره أحد عشر طابورا.

312

تقديم كتاب المجلة إلى القاضي:

و في اليوم 26 من هذا الشهر أهدى أعيان حلب من المسلمين و النصارى نسخة من كتاب مرآة المجلة إلى حسين توفيق أفندي، حاكم الشريعة الغراء في حلب، مكافأة له على عدله في أحكامه و استقامته و عفّته. و كان جلد هذه النسخة من المخمل الأحمر مزركشا بالقصب الذهبي، و فيه صورة قمر و نجمة مرصعة بالماس مكتوب تحتها بالزركشة هذه العبارة: «تهدى لحضرة الفقيه العلامة فضيلتلو حسين توفيق أفندي، حاكم الشريعة الغرّاء تذكرة من أهالي الشهباء لالتزامه جانب العدل و الاستقامة في مدة مأموريته في حلب سنة 1303».

و في ربيع الآخر من هذه السنة كانت حفلة افتتاح طريق إسكندرونة. و في غرة جمادى الأولى ورد و سام الامتياز من رتبة مدالية إلى والي الولاية جميل باشا مكافأة له على إكمال تمهيد طريق الإسكندرونة، فجرت له حفلة عظيمة في ذلك اليوم. و في اليوم الثامن و العشرين رجب المصادف اليوم السابع عشر نيسان سنة 1302 رومية وقع في جهة قلعة الروم مطر شديد و برد كبار، حصل منه سيل أتى على اثنتي عشرة قرية فهدمها، و أهلك سبعين رأسا من البقر و خمسة خيول، و مئة و أربعين من الغنم و المعز، و هدم ثمانية طواحين.

و في شهر شعبان كان الشروع بتمهيد الطريق الكائن بين كلّز و طريق إسكندرونة و أوله من قرية قاطمة من أعمال كلّز.

عزل جميل باشا من حلب و ما يتعلق به:

في يوم الثلاثاء ثالث و عشرين ذي الحجة سنة 1303 قدم إلى حلب صاحب بك رئيس دائرة المحاكمات في شورى الدولة، و معه معاون مدعي العموم في تمييز شورى الدولة، و أحد كتاب محكمة تمييز الحقوق في دائرة العدلية. و السبب في قدومهم هو أن الوالي جميل باشا شدّد على جماعة من أغنياء حلب- و من جملتهم آل الكتخدا- بطلب إعانة لتسديد بدل تحويلات الاستقراض الداخلي، فامتنعوا عن دفع المبلغ المطلوب منهم لأنه فوق ما طلب من أمثالهم، فتوصل بذلك لحبسهم و ضيّق عليهم لغرض يقصده، فلم يفعلوا و رفعوا قصتهم إلى الباب العالي و السلطنة السنية، و ورد الأمر بإطلاقهم فأطلقوا. ثم انضم إليهم عدة أفراد و استرحموا من الدولة أن تتكرم عليهم بإرسال حكم ينظر في أحوالهم مع الوالي،

313

و يقف على حقيقة الظالم من المظلوم، فأجابت الدولة استرحامهم و صدرت إرادة سنية بإرسال «صاحب بك» و من معه لأجل ما ذكر. و لما وصلوا إلى حلب أخذوا بتحقيق المسائل و استقصاء الأحوال، و أقبل المتظلمون عليهم يقدّمون إليهم اللوائح في ظلاماتهم إلى أن مضى عليهم شهران و لم يظهر أثر لفعلهم.

قصد زيرون اغتيال الوالي:

و في يوم الثلاثاء سادس عشر صفر سنة 1304 و هو اليوم الحادي عشر تشرين الثاني سنة 1302 بينما كان الوالي متوجها من دار الحكومة إلى منزله في جنينة البلدية قرب العبارة، و ذلك في الساعة الحادية عشرة و نصف مساء اليوم المذكور، إذ وثب عليه- و هو في ظاهر باب الفرج على بعد نحو مئة قدم منه- رجل يقال له زيرون جقماقيان المرعشي، و خاطبه بقوله: «قف كيف تتخلص مني؟» ثم أطلق عليه الرصاص من مسدس كان بيده فأخطأه، فأطلقه ثانية و ثالثة فأخطأه أيضا. و كان قد هجم عليه ياور الوالي و جاويشيّته فقبضوا عليه و أرسلوه للسجن.

و ذكر بعض من كان حاضرا هذه الحادثة أن زيرون المذكور لم يطلق الرصاص على الوالي، إنما الوالي لما رأى بيده المسدس خاف منه و أمر جنديا كان معه أن يطلق عليه الرصاص تهديدا له، ففعل فظن الناس أن الرصاص خرج من المسدس. قال: و الدليل على ذلك أن جماعة الوالي لما أخذوا المسدس من زيرون وجدوا جميع عويناته مملوءة مع أنه لم تسنح له فرصة بإملائها.

أما السبب في وثوب هذا الرجل على الوالي فهو أنه كان أحد وكلاء الدعاوي في عدلية حلب، و كان مشهورا بالعلم و الصدق و الاستقامة، فصادف أن بعض الناس و كلّه في خصام بينه و بين الوالي فاغتاظ منه الوالي و منعه من وكالة الدعاوي في حلب، فسافر إلى بلده مرعش فمنعه من وكالة الدعوى أيضا. فترك مرعش و سافر أنطاكية فكاتب الوالي الحكومة فيها بمنعه من الوكالات أيضا. و لما رأى هذا الرجل أن الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت و لم يبق له وجه يسترزق به، خولط في عقله و زينت له الماليخوليا (1) أن يعترض‏

____________

(1) الماليخوليا، و المالنخوليا: مرض سوداوي، من أهم أعراضه الاكتئاب و الأرق و رفض الغذاء و انعدام الاهتمام بالعالم الخارجي.

314

للوالي و يهدده بالقتل لعله ينفك عنه. ففعل ذلك فأخفق سعيه و اتسع الخرق عليه، لأنه بعد أن بقي مدة محبوسا في حلب نقل إلى دمشق و حكم عليه بالحبس مدة خمس عشرة سنة فمات محبوسا بعد ثلاث سنين من حبسه.

ثم إن الوالي بعد أن مرّت عليه هذه الحادثة في ذلك اليوم توجه إلى منزله و أقبل عليه الناس يهنّونه بالسلامة و أمر بإيقاع القبض على جماعة من الوجهاء كانوا يتصدون لمناضلته، و قد زعم أنهم هم الذين أغروا زيرون و حملوه على ما فعل. فوقع القبض عليهم في تلك الليلة و هم في منازلهم لم يبرحوا منها، لأنهم كانوا على غفلة لا يدرون الخبر، فأودعوا السجن و أمر الوالي بالتضييق عليهم و أن يوضع كل واحد منهم في حجرة على حدته، و أن لا يدخل إليه أحد من ظاهر السجن و لا من داخله و لا من رفقائه، و لا يمكّن من أداة كتابة و لا من أخذ خبر من ظاهر الحبس، لا كتابة و لا شفاها. فكان خدمة الحبس يشقّون رغيف الخبز المبعوث إلى المحبوسين المومأ إليهم خوفا من أن يكون فيه ورقة، و يفتشون جميع ما يدخل إليهم من الطعام و الملبوس. و كان الوالي قد أحضر من الثكنة عساكر نظامية أمرهم بأن يقف على كل حجرة من حجر المحبوسين المذكورين جنديان متأبطان سيوفهما معتقلان بنادقهما.

و لما اطلع «صاحب بك» على هذه الأحوال عرف بها استانبول و أظهر أنه عازم على السفر من حلب لينظر ما ذا يكون من الوالي. فسار إلى تكية المولوية لينام ليلته هناك و يتوجه من الصباح إلى جهة استانبول. فلما سمع الوالي خبر سفره ظنه صحيحا فاغتنم الفرصة و أمر بإحضار دوابّ المكارية (1) ليركب عليها المحبوسين و ينفيهم، و حينئذ فهم «صاحب بك» نيته و أظهر أنه عدل عن السفر فتوقف الوالي عن نفي المشار إليهم، لكنه لم يبرح عن إصراره في حبسهم و التضييق عليهم، بل كان يزيدهم تضييقا يوما فيوما. فلما كان اليوم السابع من ربيع الأول من هذه السنة (1404) أبرق «صاحب بك» للدولة يقول:

أنا عازم على الشخوص لاستانبول لأنني لا أستطيع البقاء في بلدة لا يعرف فيها النظام و لا القانون. و أبرق قائد الجندية النظامية في النهار المذكور للدولة يقول ما معناه: إنني غير مسئول إذا حدث في حلب ما يخلّ بالسلام لأنني لم يبق لي نفوذ على القوة العسكرية.

____________

(1) جمع المكاري، و هو الذي يؤجر الدوابّ، و يغلب على الحمّار و البغّال.

315

فلما اطّلعت الدولة على هاتين الرسالتين رأت أن الأمر قد أخذ بالتفاقم، و حينئذ اتفق رأي أولياء الأمور على تلافي القضية و صرف جميل باشا عن حلب، و أنفذت إلى شاكر باشا- أحد الفرقاء في دمشق- أن يسافر إلى حلب في أسرع مدة و يتسلم بها زمام العسكرية و يعرّف استانبول. فركب شاكر باشا في الحال و ذلك في صباح اليوم الثامن من ربيع الأول و توجه إلى جهة حلب، فوصلها بغتة عشية يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول، و نزل في رباط الشيخ يبرق رأسا و تسلّم زمام العسكرية و عرّف بذلك استانبول.

و كان الخبر بلغ جميل باشا فأمر العسكر الذين كانوا يحافظون المحابيس بالصعود إلى الرباط.

ثم في صبيحة يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الأول ورد التلغراف من استانبول بأن يكون جميل باشا واليا على ولاية الحجاز، و عثمان باشا والي الحجاز يكون واليا على حلب، و يكون شاكر باشا وكيلا عنه إلى أن يحضر الوالي. في الحال حضر وكيل الوالي المشار إليه و صاحب بك، و خلّيا سبيل المحبوسين، و بعد يومين ورد الأمر إلى جميل باشا بتعجيل الانصراف عن حلب، فبارحها يوم الخميس سادس و عشرين ربيع الأول متوجها إلى مكة المكرمة.

ثم في يوم الخميس تاسع عشر ربيع الثاني وصل إلى حلب عثمان باشا واليا عليها. و في يوم الاثنين سابع جمادى الأولى أزمع صاحب بك الرحيل من حلب إلى استانبول، فأسف الناس على فراقه و دعوا بسلامته.

تأسيس محلة الجميلية:

و في هذا الشهر ورد الإذن بإحداث محلة في أرض الحلبة، مما يلي طريق عربية إسكندرونة، و أن تسمى بمحلة السليميّة، نسبة إلى نجل السلطان عبد الحميد خان الثاني.

فأخذ الناس بشراء الأراضي هناك و تأسيس الدور. و كان قد أقيم بها قصران عظيمان في السنة الماضية، أحدهما لجميل باشا و ثانيهما للمرحوم علي محسن باشا، القائد العام فوق العادة على حلب و أطنه و ضواحيها. و هو أول قصر عمر في هذه المحلة. و في هذا الشهر- أعني شهر جمادى الأولى- كان الشروع بتسليط ماء رأس العين إلى قصبة إسكندرونة، و هي على مقربة من إسكندرونة و تعرف باسم (بيكار باشي) فأجريت إلى الإسكندرونة بكيزان من الحديد و بنيت لها الحياض و القساطل، و كانت النفقة عليها من سكان إسكندرونة.

316

التباس بين مولودين:

في شهر جمادى الثانية اتفق أن امرأتين من اليهود وضعتا في بيت و آن واحد طفلين ذكرين. و كانت القابلة و من حضر من النسوة يشتغلن بأمهاتهما، فلما فرغن منهن و طلبت كل واحدة ولدها التبس عليهن تعيين كل ولد إلى أمه، و لم يظهر لهن ذلك إلا بعد مشقة زائدة.

و في هذه السنة جمع مقدار وافر من بزر الجراد. و في الساعة السابعة و الدقيقة الخامسة عشرة من يوم السبت حادي و عشرين محرم سنة 1305 سادس و العشرين أيلول سنة 1303 رومية، وقع في حلب، و عينتاب و كلّز و مرعش، و البستان و أورفة و سروج، زلزال من الغرب إلى الشرق، و امتد نحو نصف دقيقة دون أن يحدث منه خطر. و في هذا الوقت نفسه حصل زلزال شديد في بعض قرى عينتاب فهدمت عدة دور و هلك بها تحت الردم طفلان و بعض مواش. و في أوائل صفر كان قدوم حسن باشا والي حلب و سفر سلفه عثمان باشا.

حريق في مرعش و بيادر حلب:

و في السادس و العشرين حزيران سنة 1304 حدث في مرعش حريق عظيم قوّم ضرره باثني عشر ألف ذهب عثماني، التهمت ناره (520) دكانا و 21 دارا و 11 فرنا و قسما من جامع و خان و تكية المولوية بتمامها. و في يوم الخميس 17 ذي القعدة و 14 تموز شبت النار في بيادر قارلق بحلب فأحرقت 217 بيدرا.

تفشّي حمى التيفوس في المحابيس:

و في رجب الفرد سنة 1306 و شباط سنة 1304 فشا بالمحابيس في سجن الحكومة حمّى قتّالة يقال لها حمى تيفوس، و صار يموت بها كل يوم بضعة محبوسين. فعيّنت لهم الحكومة مستشفى في جبل الغزالات أفردتهم به. و بعد ثلاثة أشهر صرفها اللّه عنهم. و في شهر ذي القعدة و حزيران شبّت النار في إحدى محلات مرعش و لم تخمد حتى أتت على عشرين دارا، و امرأة و طفل. و في اليوم الحادي و العشرين رمضان سنة 1306 الثالث عشر أيار سنة 1305 بين الصلاتين، وقع في حلب و أطرافها مطر غزير يصحبه برق و رعد

317

و صواعق و برد كبار في شمالي حلب، حتى حملت السيول و ساقت عدة مواش من بساتين حلب و أراضيها و أغرقت محلة الوراقة، و اختنق بها بضعة أوادم.

و في أوائل ربيع الثاني سنة 1307 المصادف شهر تشرين الثاني سنة 1305 ورد الأمر من النظارة الصحية بإقامة منطقة الحجر الصحي في حدود الولاية، مما يلي الموصل، لما شاع من ظهور الهيضة (1) في الموصل، فأقيمت المنطقة المذكورة في جهة الرّها و حرّان و البيرة و الرقة خمسة عشر يوما على كل مارّ من هناك إذا لم يكن معه تذكرة مشعرة بنظافته.

و في هذا الشهر قدم من استانبول إلى حلب الشيخ وفا ابن الشيخ بهاء الدين ابن الشيخ «محمد وفا الرفاعي» و معه من حلية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) شعرة أعطته إياها امرأة من أكابر نساء استانبول. فتلقاه الناس بالتكريم، و وضعت الشعرة في زاوية الشيخ تراب المتصلة بجامع خسرو باشا. و في الساعة الثامنة بعد ظهيرة يوم الثلاثاء ثامن عشر شعبان المعظم من هذه السنة المصادف لليوم 27 آذار سنة 1306 بدأ المطر ينهلّ كأفواه القرب، و استمر بهذه القوة العظيمة إلى الساعة الأولى ليلا، حتى طافت الشوارع و بعض جوامع و حمّامات و دكاكين، و أغرق نحو ثلاثين حملا من الأرزّ و الملح و غيرهما في خانات باب الجنان، و خسفت الأزقّة، و سقط صاعقة في محلة ساحة بزّة فصدّعت أربعة جدران.

و في يوم الخميس 12 رمضان سنة 1307 وصل إلى حلب واليا عليها عارف باشا.

و في صيف هذه السنة ظهر في حلب و نواحيها مرض وافد سماه الناس باسم «أبي الرّكب» و كان وفوده من الممالك الإفرنجية، و كانت أعراضه في حلب أن يبتدئ مع الإنسان بقشعريرة خفيفة تارة و سخونة أخرى، ثم تطبق السخونة و يلزم المريض الفراش، و يشتد معه وجع الرأس و الصداع و الغثيان بضعة أيام، ثم يشعر بوجع في مفاصله و في ركبه إلى أن يمضي عليه نحو خمسة عشر يوما تقريبا، فينقه من مرضه. و في شتاء هذه السنة أيضا انقلب هذا المرض إلى علّة سماها الناس «الفولانزا» وفدت من البلاد الإفرنجية، و هي نزلة صدرية شديدة يصحبها سخونة في الجسم، تستمر نحو عشرين يوما و تنتهي بالشفاء غالبا.

____________

(1) سبقت الإشارة إلى أنها الكوليرا.

318

و في يوم الثلاثاء 29 شوال المصادف اليوم الخامس حزيران سنة 1306 في الساعة الرابعة و الدقيقة الثالثة و الثلاثين ابتدأت الشمس بالكسوف و انتهى الكسف في الساعة الخامسة و الدقيقة الرابعة و الثلاثين، و بدأ بالانجلاء في الساعة الخامسة و الدقيقة الخامسة و الثلاثين، فكانت مدة الكسوف من الابتداء إلى انتهاء الانجلاء ساعتين و دقيقتين، و مقدار ما انكسف من قرص الشمس تسع أصابع من اثنتي عشرة أصبعا.

319

سنة 1308 ه

في يوم الخميس 26 محرّم هذه السنة 29 آب سنة 1306 تواردت الأخبار من جهة مسكنة بأنه أصيب فيها بالهيضة خمسة عساكر بواسطة ثلاثة أفراد من البدو، و قدموا إلى مسكنة من بلد الجزيرة، المنتقل إليها هذا المرض من ديار بكر فبغداد فالبصرة فالهند. ثم في يوم السبت 28 محرم أصيب بالمرض المذكور بضعة أشخاص من النصارى في زقاق أبي ناصر في محلة قسطل الحرامي بحلب. و في ثاني يوم مات أكثرهم فوضعت الحكومة الحجر على هذا الزقاق عشرة أيام، و فشا المرض في أنطاكية و حمص و حماة و كلّز و عينتاب و البيرة، و لم تزد وفياته اليومية على خمسين نسمة في حلب.

فاهتمت الحكومة بالأسباب التحفظية و بالغت بنظافة البلد، و حظرت بيع الخضر و البقول المضرة، و وضعت في عدة جهات داخل البلد مقدارا عظيما من الزبل اليابس.

ثم في الساعة الحادية عشرة من يوم الاثنين 28 ربيع الأول أمرت أن تضرم النار في هذا الزبل، فعلا الدخان إلى طبقات الجو و انتشر ريحه في جميع البلدة. و كان الغرض من ذلك تنقية الهواء به من المكروبات التي يزعم الأطباء أنها السبب في مرض الهيضة. ثم نبهت الحكومة على مختاري المحلات أن يحملوا كل ساكن في محلتهم على أن يبخّر بيته كل يوم بالقطران و الكبريت، و يطرح في المراحيض مقدارا من الزاج و الكلس، و يرشّ البيوت بروح الفحم، و يحرق عند باب داره مساء كل يوم مقدارا من الزبل. فامتثل البعض منهم الأمر، فلم يفد ذلك شيئا. إلى أن كان أواخر كانون الثاني تقلّص ظل هذا المرض الذي وقف دولاب التجارة و رفع أسعار العقاقير الافرنجية كالقينا و روح الفحم و الكونياك، لانقطاع جلبها من أوروبا، لعدم مجي‏ء البواخر إلى ميناء إسكندرونة بسبب الحجر الصحي المضروب فيما بين أنامور و إسكندرونة برا و بحرا. و كانت مدته خمسة أيام، و استمر ذلك إلى اليوم الثاني و العشرين من كانون الثاني، فألغي الحجر و عادت التجارة إلى ما كانت عليه، و رجع الناس من هربهم. على أن السبب الأعظم لتكرر هذا الداء الوبيل في حلب‏

320

ماء قناتها و نهرها. يؤيد ذلك فتكه بسكان المحلات التي تشرب من ماء القناة و النهر أشدّ من فتكه فيمن يشرب من ماء غيرهما.

و في آذار هذه السنة انجس المطر عن بلاد حلب، حتى عدم نصف الموسم. و في شوال هذه السنة أعني 1308 المصادف شهر مايس، عادت الهيضة إلى حلب و أنطاكية و العمق، و ضرب النطاق الصحي على حلب و بلادها. و في رابع عشر مايس سنة 1307 وقع في البيرة برد واحدته في حجم البيضة و استمر سقوطه نحو ربع ساعة، فكسر زجاجات البيوت و أضرّ بالزروع و حمل سيله فاقتلع بلاط محلّة وادي جنك، و هدم بضعة جسور، و نحو عشرة بيوت، و قتل أربعة أوادم و أهلك مقدارا عظيما من الدوابّ و الأمتعة. و في هذا اليوم وقع نحو هذا في الحمّام الغربي و قرية أربه لي، من قضاء بيلان، فأتلف جميع الزروع، و انقضّت صاعقة فقتلت دابتين و إنسانا. و كذا وقع في عدة قرى من قضاء عينتاب فأتلف زروعها و هدم بيوتها و أهلك كثيرا من دوابها.

و في حزيران هذه السنة كان الجراد في ولاية حلب كثيرا أكل فيها مبلغا عظيما من زروعها، فاجتمع في هذا العام الوباء على الناس و البرد و الجراد على الزرع، فارتفعت أسعار القوت و تعطلت التجارة. و في ذي الحجة من هذه السنة بعث قائمقام قضاء أنطاكية إلى ولاية حلب عاديّات وجدت قرب الجبل بالموضع المعروف هناك باسم «بين الخراب» يبعد عن أنطاكية مسافة ربع ساعة، و هي تمثال من الصّفر يمثل متصارعين، و شمعدان عليه صورة رأسين مقطوعين متصلين ببعضهما من طرفيهما. و قد فحصها بعض العارفين بالعاديّات فزعم أنها مضى على وجودها في الدنيا ثلاثة آلاف سنة، و قد أرسلت إلى نظارة المعارف.

321

سنة 1309 ه

في محرّم هذه السنة خفّت وطأة الهواء الأصفر في حلب و حارم و أنطاكية. بعد أن بلغت وفياتها اليومية في حلب مائة شخص و زيادة، و لكنها في هذا الشهر أيضا فشت في عينتاب و كلّز. و في محرّم هذه السنة أيضا بوشر بستر مجرى المياه القذرة في الخندق الكبير، الذي صار جادة عامة بعد أن قطعت منه الأشجار و ثقّف‏ (1) بالتراب من باب حديد بانقوسا إلى حضرة مزار السهرودي. و في هذا الشهر أيضا فشت علة الهيضة في أورفة فأخذت تحت المنطقة الصحية. ثم في شهر ربيع الأول فشت في إسكندرونة. و في أواخر شهر رجب تقلص ظل الهيضة من سائر بلاد الولاية و رفع الحجر الصحي عنها. و في آذار منها وصل إلى حلب جراد كثير طبّق السهل و الجبل و ملأ قناة حلب و أفسد ماءها، فطبّقتها البلدية بالحجارة الكبيرة من قرية هيلانة إلى قرب ناحية بعادين، منعا لسقوط الجراد فيها.

و قد ترك من القناة بعض مواضع مكشوفة للشرب و الوضوء. و طول ما طبق منها ثلاثة عشر ألف ذراع معماري، و جمع من بزر الجراد- قبل أن ينقف- زهاء ستة ملايين أقّة.

و في هذه السنة بلغت رسوم عدّ الغنم عن سنة 1308 رومية في ثلاثة عشر قضاء ملحقة بحلب (7193242) قرشا موزعا هذا المبلغ على رأس كل شاة و معزى: ثلاثة قروش و نصف القرش عملة أميرية، سعر الذهب العثماني مئة قرش. و في ذي القعدة من هذه السنة بوشر بتنظيم جادة الخندق من باب دار الحكومة إلى باب الفرج. و فيها فتح مستشفى الغرباء تحت القلعة قرب سوق الضرب، و سمي مستشفى الغرباء الحميدي، و فرش من أموال إعانة جمعت من أهل الخير. و فيها طبق كثير من مجاري المياه القذرة في حلب، و كانت مكشوفة تنبعث منها الروائح الكريهة و تشوه مناظر الشوارع.

____________

(1) أي سوّي و قوّم اعوجاجه.

322

سنة 1310 ه

في محرّم هذه السنة مات ولدان من أهل محلة أقيول، لأكلهما لب عجو المشمش، لسمّ يوجد فيه يقال له حامض الكيالوس. و في صفر هذه السنة شرع بتعمير المدرسة الحلوية عن يد لجنة خصوصية بنقود مجموعة من أحكار أراضي التلل خارج باب الفرج، قرب السّهروردي. و كانت تعرف قبلا بمناشر الزبل، و هي من جملة أوقاف الحلوية التي وقفها نور الدين الشهيد، و كانت قبلا تلالا عظيمة كالجبال لا يشتريها أحد بقرش واحد.

فلما كثر الناس بحلب و انتشر الأمان خارج سورها أخذ الناس يشترون كل ذراع مربع من التلل المذكورة من متولي المدرسة بعشرين قرشا. ثم تصاعد السعر حتى بيع الذراع على طريقة التحكير الشرعية بذهبين عثمانيين، فأثرى وقف المدرسة المذكورة و كثرت عقاراته، و عمرت المدرسة ظاهرا و باطنا. و من هذا التاريخ أخذت محلة التلل بالسعة و العمران حتى أصبحت في هذه الأيام من أجمل محلات حلب و ألطفها موقعا و أغلاها قيمة.

و قد أسلفنا ذكرها في الكلام على محلة الصليبة الصغرى من الجزء الثاني.

و في اليوم الخامس من شهر ربيع الأول حدث في سوق رأس الجسر من مدينة أنطاكية حريق أتى على 65 بناء ما بين دار و دكّان. و فيه أيضا كان ستة أشخاص من السامسونيين يشتغلن في طاحون في جهات كلّز أكلوا نباتا يعرف بالفطر فمات منهم ثلاثة. و في رجب بوشر بتعمير مستودع لزيت البترول المعروف بالكاز في مدينة إسكندرونة. و فيها حول المكتب الإعدادي الملكي في حلب إلى ليلي فبلغت طلبته نيفا و ثمانين. و فيها قبضت الحكومة على رجل يستخرج من قرية قرق مغارة (أربعين مغارة) ملح البارود فصادرته و حبسته.

و في شعبان- المصادف شباط الرومي- حدث عدة هزات أرضية في حلب و الرّها و مرعش و البستان و عينتاب و البيرة. و فيها ارتفع سعر التنباك بسبب دخوله تحت شركة الانحصار، فصار المدخنون بالماربيج يستعملون فيه بدل التنباك حب الرز و عرق السّوس، و يزعمون أنه يغني عن التنباك. فلم يقيموا على ذلك غير القليل ثم عادوا إلى التنباك.

323

و في ربيع هذه السنة كانت الأمطار كثيرة غزيرة في جميع الجهات، فكبست السيول بعض المنازل في الرّها و أنطاكية و غيرهما من البلدان، و طغت المياه على سهول العمق فأغرقت كثيرا من قراه، و كان ذلك ناشئا عن ضيق مصائد السمك المبنية في نهر العاصي، المعروفة في أنطاكية باسم (داليان). و فيه قذف بحر السويدية قرب «الجوليك» حوتا عظيما طوله- عدا رأسه- ثلاثون ذراعا معماريا، فأخذ الأرمن هناك رأسه و استخرجوا منه مقدارا عظيما من الدهن. و فيها وزعت الحكومة على بعض الزراع حب ذرة صفراء و بيضاء أحضرت من أميركا قصد تجربة محصولها فلم تنجح.

و في صيف هذه السنة في آب منه اشتد الحر في حلب حتى صعد الزئبق في مقياس السنتغراد في الظل الشمالي إلى الدرجة الأربعين. و فيها تواردت الأخبار من الرقّة بأنه فشا في غنم بعض قراها مرض سببه دودة في كبدها تحصل من رعيها حشيشة اسمها البور.

و فيها عاد لدين الإسلام عشيرة فلجلو في قضاء بازارجق، بعد أن صارت إباحية من الطائفة المعروفة باسم قزل باش (الرأس الأحمر). و في يوم الثلاثاء 15 جمادى الثانية وصل إلى حلب واليا عليها الحاج عثمان باشا، و هي ولايته الثانية، و كان كسيحا يحمل بين يدي الرجال و يوضع في عربته و يحمل منها إلى محل جلوسه. و هو من أعظم وزراء الدولة عند السلطان عبد الحميد، محبوبا لديه، لأنه هو الذي سعى بقتل بطل تركيا الفتاة مدحت باشا حينما كان محبوسا في الطائف، و عثمان باشا واليا في الحجاز. و كان هذا الوالي في منتهى درجات السخاء إلا أنه أيضا كان في منتهى درجات قبول الرشوة. و فيها نقل مركز قضاء جبل سمعان إلى قرية خان تومان.

324

سنة 1311 ه

في ربيع الثاني منها تم افتتاح جادة الخندق، و بدأ الناس يسيرون فيه بكل سهولة.

و كان هذا الخندق بستانا كما بينا ذلك في الكلام على أسوار حلب. و فيه تم بناء القنطرتين المضافتين إلى جسر الناعورة تعريضا له. و فيه ورد من قضاء إدلب أن رجلا في قرية «شلاية» في ناحية «ريحا» ذبح ماعزا مريضة و باع لحمها فكلّ من أكل منه مرض، و منهم ثلاثة ماتوا. و فيها مدّ السلك البرقي من حلب إلى الرقة على طول 180 ميلا (كيلومتر). و فيها وضع أساس مسجد و تكية في قرية «حيش» من أعمال قضاء المعرة لزعم مرقد لوليّ هناك اسمه علي خزام. و فيها أحدث في حلب مكتب للإناث تدفع نفقاته من جهة المعارف. و فيها مدّ السلك البرقي من حلب إلى دير الزور.

325

سنة 1312 ه

في سادس محرّمها توفي الشيخ حسن وادي، و دفن في حجرة غربي قبلية مسجد الزاوية تحت القلعة، قرب باب محلة ألطون بغا. و في 11 محرّم منها ولي حلب حسن باشا الأشقودري ثانية. و في جمادى الأولى منها المصادف تشرين الثاني سنة 1310 احترق سوق بيلان. و فيها كان تأليف كتائب الحميدية من عشائر البوادي مضاهاة لعساكر القوزاق عند الدولة الروسية لأنهم من عشائر بواديها. و فيها جعل مركز قضاء حارم في قرية كفر تخاريم تفاديا من و خامة هواء حارم و ضيقها، و رغبة في جودة هواء كفر تخاريم وسعتها. و قد تعهد جماعة من أهلها أن يعمروا فيها من أموالهم دارا للحكومة و مستودعا للرديف و محلا للتلغراف، فوفوا بوعدهم.

عصابات الأرمن:

و فيها استفاضت الأخبار من أنطاكية و إسكندرونة و جسر الشغر أن جماعة من عصابات الأرمن ظهروا في الجبال المتوسطة، بين ناحية السويدية في قضاء أنطاكية و بين ناحية أرسوز في قضاء إسكندرونة، و أنهم تحرشوا ببعض قرى المسلمين و المسيحيين و تعدّوا على أهلها.

فلم يلتفت الوالي- و هو حسن باشا الأشقودري- إلى هذه الأخبار و أراد أن يبقي هذه الحادثة في حيّز الكتمان لغرض لا نعلمه. و لكن هذه القضية لم تقف على حدّ يمكن كتمانها عنده فقد عادت تلك العصابة الأرمنية إلى تعدّيها و اشتهر أمرها ثم تعلقت بشعف الجبال‏ (1) و سلكت منها في الشعوب و المضايق حتى وصلت إلى الزيتون من أعمال مرعش.

و لما بلغ الحال هذا المبلغ لم يسع الوالي أن يتغاضى عنه، فندب للتحقيق عن هذه القضية رجالا من حلب أشخصهم إلى جهة السويدية، فتبين لهم أن جماعة من ناشئة الأرمن قدموا على ثغر السويدية من أميركا بقصد الترؤّس على طوائف الأرمن في البلاد العثمانية و القيام‏

____________

(1) يعني أعالي الجبال.

326

على الحكومة لينالوا الاستقلال، و أنهم- بعد أن أهاجوا الفتن و القلاقل في جهات السويدية و أضرموا فيها نار الثورة- تسلقوا الجبال و قصدوا جهة الزيتون ليجعلوها مقرا لحركاتهم الحربية. فلم ترق هذه الأخبار بعين الوالي بل مسخها و شوّه وجه حقيقتها و أذاعها في صحيفة الفرات. و الظاهر أن الوالي كان يخشى أن يتطير السلطان منه لحدوث هذه المسألة في أيام ولايته.

ثم إنه لم يمض سوى مدة يسيرة حتى اشتهر الحال و ظهر الاختلال في جهات الزيتون حيث انضم إلى تلك العصابة ألوف من الأرمن و ثاروا بغتة، و كان من أمرهم ما سنذكره في حوادث السنة التالية. و كان سبب تفاقم أمرهم تغاضي حسن باشا الوالي عن أخبارهم في مبدأ أمرهم، و لذا نقم عليه السلطان و عزله عن ولايته فسافر إلى استانبول و بعد مدة و جيزة أدركته الوفاة. و فيها وضع في مسجد مشهد الحسين بحلب منبر و جرت فيه خطبة في الجمعة و العيدين. و فيها ظهرت علة الهواء الأصفر في حلب و بلغت أقصى وفياتها في اليوم نحو الثلاثين.

327

سنة 1313 ه

في شوّالها الموافق آذار سنة 1312 ورد من قضاء جسر الشّغر أن الغنم في الجبل الوسطاني قد فشا فيه مرض قتّال، سببه تراكم قراد على أديمه‏ (1). و بعد أن أشخص إلى تلك الجهة المأمور البيطري و فحص المرض قال: إن علاجه إزالة القراد على الدابة بالنظافة إن كان القراد قليلا، و مسحه بمزيج مركب من جزء من روح الترمنتينا و جزءين من الماء إن كان كثيرا. فاستعمل هذا العلاج و نجح. و فيها ورد من قضاء حارم أن بقرة لعثمان من أهل قرية «أفيز» ولدت عجلا ميتا له رأسان و أربع عيون و أربع آذان و فمان و أربع قوائم. و فيها- في ذي القعدة- وردت الأخبار من جهات السويدية و أنطاكية أن جمعا عظيما من الأرمن الأغراب وفدوا على السويدية و جبل موسى و ما جاورهما من القرى الأرمنية، و انضم إليهم شرذمة من زعانف الأرمن الوطنيين، و أخذوا يعيثون بالأرض فسادا. فأشخص إليهم من مركز الولاية جماعة من الثقات للفحص عنهم و التنكيل بهم بعد أن يتبين لهم فساد طريقتهم، ففحصوا الحقيقة و تبين لهم أن تلك الطائفة و من انحاز إليها هم من الثوار، فقبضوا على بعضهم و هرب البعض الآخر و تشتت شمل تلك العصابة.

و في 11 جمادي الثاني‏ (2) منها وصل إلى حلب واليا عليها مصطفى ذهني باشا، ثم عزل و ولي حلب رائف باشا فوصل إليها في خامس شعبان منها.

تمرد الأرمن في الزيتون:

في شعبان من هذه السنة أيضا أخذت الأخبار تتوارد من الزيتون بأن الأرمن هناك تمردوا على الحكومة و شهروا السلاح على المسلمين و قتلوا و سبوا و استولوا على الثكنة العسكرية و فتكوا بالعسكر و الضباط و قتلوا نساءهم و أطفالهم و مثلوا بهم تمثيلا فظيعا

____________

(1) الأديم: الجلد. و القراد: حشرات صغيرة تقتات من الدّم، تمتصّه حيث تستطيع.

(2) الصواب: «جمادى الآخرة» أو «جمادى الثانية»، لأن كلمة «جمادى» مؤنثة.

328

فاهتمت الدولة بأمرهم و جهزت جيشا من حلب و آخر من أطنه تصحبهم الأرزاق و المهمات الحربية و كان الوقت شتاء و الأمطار غزيرة و الثلوج متراكمة في الطريق المؤدية إلى الزيتون فلقيت العساكر بالوصول إليها الشدائد من البرد و الثلج و الجوع مات منهم بسبب ذلك عدد غير قليل. و أخذت البلدية في حلب من الناس عددا عظيما من الدواب كالجمال و البغال و الخيل لتحمل عليها المهمات إلى الزيتون على أن تعوض أصحاب الدواب قيمتها بعد انقضاء تلك الحادثة فلم تعوض عنها سوى نحو عشرها و ضاعت بقية الدواب على أهلها.

و لما علم الأرمن الثائرون في الزيتون أن العساكر سائرة إليهم جزعوا و اضطربوا و تحققوا أن لا قبل لهم في النصرة عليهم فأخذ زعماؤهم يخابرون لجانهم الكبرى في البلاد الأوربية فاستغاثت تلك اللجان بالدول الأجنبية و طلبت منها السعي بإنقاذ أولئك الثوار و انتشالهم من مخالب العساكر التركية. فأصدرت كل من دولة إنكلترا و ألمانيا و فرانسة و إيطاليا أمرا إلى قنصلها في حلب بأن يتوجه إلى الزيتون و يتوسط الصلح بين الحكومة العثمانية و بين الأرمن الثائرين. و في أسرع وقت سافرت القناصل إلى الزيتون و لقوا من الطريق برحا من شدة البرد و قد استمروا في الزيتون زهاء ستة أشهر إلى أن أخلد الثوار إلى الطاعة و صدر العفو عنهم و تقرر بأن يكون القائممقام في قضاء الزيتون مسيحيا و له معاون مسلم. و في هذه السنة حدثت المشاغب الأرمنية في مدينة أورفه و مرعش و عينتاب و كلز و بيره جك من ولاية حلب و وان و بتليس و غيرهما من بقية البلاد العثمانية و قتل من الأرمن في هذه المشاغب على رواية مائة ألف نسمة. و كان الباعث على هذه المشاغب قيام الأرمن على الحكومة و إقلاقهم راحتها في طلب انفصالهم عنها و بقائهم دولة مستقلة أو تحت نفوذ دولة روسيا أو إنكلترة. و نحن لا نشك أن تلك المشاغب كانت بإشارات خفية و أوامر برقية مرموزة من السلطان عبد الحميد إلى ولاته و أمرائه العسكرية في ممالكه رغما عما كانت الحكومات تختلق لكل مشغبة سببا غير معقول لدى أرباب العقول. على أن جميع البلاد السورية بل سائر البلاد العربية لم يحدث فيها شي‏ء من تلك المشاغب و السبب في هذا عدم الإيعاز من قبل السلطان عبد الحميد إلى أهلها بإحداث تلك المشاغب لعلمه أن أهلها لا يلبون طلبه و لا يلبث أن يذيعوا ذلك السر الذي لا يخفى عليهم.

استطراد في الكلام على الأرمن و مدينة الزيتون:

نورد في هذا الاستطراد بعض ما وقفنا عليه من الأحوال الروحية و التقاليد القومية،

329

التي سارت على سننهما الهيئة الاجتماعية من الطائفة الأرمنية التي مضى على مجاورتنا إياها بضع سنوات غبّ أن هاجرت إلى حلب بعد الحرب العالمية، و قد أصبح فيها منهم العدد الكبير الذي يقدر بستين ألف نسمة، فنقول:

الأرمن- مهما اختلفت أجناسهم و تباينت أقطارهم- أمة نشيطة جدية عاملة منصرفة عقليتها إلى الماديات دون المعنويات، و هي ثابتة في مقاصدها قوية الإرادة في منازعها، تمارس من صعاب الأمور ما يعجز عنه غيرها من أمم الشرق، لا تعتمد إلا على نفسها و لا يعوقها عائق في سبيل غاية تطلبها. ترى كل فرد من أفرادها- ذكرا كان أم أنثى، كبيرا كان أم صغيرا- مكبّا على عمله مهرولا إلى حانوته مبكرا لمزاولة مهنته التي ارتضتها له قوة جسمه وسعة مداركه، فمنهم التجار بأنواع البضائع الشرقية و الغربية، و منهم الصيدلي و الطبيب و المحامي، و المهندس و الصرّاف و الخادم و الكاتب، و الميكانيكي و الخياط و الحائك، و النجار و الحداد و الحجّار، و المعمار و الطاهي و اللحّام، و صاحب المقهى و المنزل، و بائع الخضر و البقول، و غير ذلك من المهن التي لا تخلو واحدة منها، شريفة كانت أم حطيطة، إلا و المشتغلون بها من الأرمن عدد كبير يزاولونها باعتناء و إتقان لا مزيد عليهما. و هم- على اختلاف مهنهم و حرفهم- يقنعون بالربح اليسير و يقتصدون بالإنفاق على أنفسهم، الأمر الذي أكسد سوق نظرائهم من الحلبيين و ضيّق عليهم أسباب معايشهم، لأنهم لا يقنعون بالربح اليسير لتعوّدهم على التوسع بالإنفاق دون الاقتصار على ضروريات الحياة.

كل فرد من أمة الأرمن- ذكرا كان أم أنثى- لا يرضى أن يكون عاطلا عن العمل متقاعدا عن الاحتراف، و لذا لا ترى منهم متسوّلا و لا متشردا، و لا من هو عيلة على غيره، سوى من أعجزته العاهات و الزّمانات‏ (1) عن النهوض بعمل ما، و سوى الأيتام الذين ليس لهم مال و لا أولياء ينفقون عليهم، فإن هؤلاء الجماعة قد تكفلت بإعاشتهم الجمعيات الخيرية الأرمنية المؤلفة في حلب و غيرها من بلاد أميركا و أوربا، ففتحت لهم دور العجزة و المياتم و المدارس، و أغنتهم عن الحاجة إلى غيرهم و عنيت بأمورهم أحسن عناية.

____________

(1) الزّمانات: جمع زمانة، و هي المرض الدائم (المزمن).

330

أما نساء أمة الأرمن فإنهن يرين للرجل حق السيطرة عليهن، فهن بهذه العقيدة من أطوع نساء العالم لأزواجهن، و هن بعيدات (إلا ما شذّ منهن) عن معانقة الأزياء الغربية في لباسهن و زخارفهن، إذ قلما تجد على أرمنيّة ثوبا يبدو منه الذراعان إلى قرب الكتف و يظهر منه الكاهل و النحر و أعالي الصدر. كما أنك لا تجد فيهن واحدة تستعمل في وجهها و شفتيها- و ما بدا من يديها- التمويه بالبياض و الحمرة. قد اعتضن عن ذلك كله بنظافة بشرتهن و اعتدن على الاغتسال بالحمّام و التردد إليه من حين إلى آخر، و التزمن في لباسهن جميعا زيا واحدا، و هو ثوب بسيط بأكمام، يستر المرأة من رقبتها إلى ما تحت ركبتيها ساترة ساقيها بجورب منتعلة بحذاء (قندرة) له كعب عال، فاتحة على رأسها شبه طيلسان‏ (1) أسود اللون مثلث الشكل، قد أرسلت خلفها زاويته الوسطى تستر بها ظهرها و ضفيرتها.

و منهن من تفتح على رأسها منديلة صفيقة سوداء، ترخي منها ذؤابة على ظهرها تخالط بها شعرها، فلا يفرق الناظر إليه بينه و بين ذؤابة المنديلة. على أن هذا النسق من اللباس و الطيلسان لا يكاد ينقص عن الإزار الشرعي سوى عدم ستره جميع الشعر. و قلّ منهن من تلبس القبعة (البرنيطة) في رأسها.

ما تؤاخذ به أمة الأرمن:

إن هذه الأمة على ما هي عليه من المزايا الحسنة لم تتنزه عن بعض هنات تستوجب عليها المؤاخذة و هي:

(1) التعصب المفرط الخارج عن دائرة الاعتدال، فإن كل واحد من الأرمن يرى الصواب كله فيما هو عليه من العقيدة و التقاليد و العادات، و أن ضد ذلك فيما هو عليه غيره. على أن هذه العقيدة هي التي تجعل الأرمني بعيدا عن معاشرة غيره منكمشا عن صحبة الناس، غير مؤتلف و لا مختلط معهم.

(2) التهوّر و قصر النظر و قلة التبصر بالعواقب، و عدم وزن القدرة في القيام على طلب الاستقلال الذي طالما جلب على أمة الأرمن البوار و الدمار، و أفنى منها ما يعدّ بألوف الألوف، دون الحصول على ما تبتغيه، غير متعظة بقول الحكيم:

____________

(1) الطيلسان: وشاح يوضع على الكتف و الرأس، يشبه ما يسميه العامة «الشال».

331

إذا لم تستطع شيئا فدعه‏* * * و جاوزه إلى ما تستطيع‏

و كيف تريد أن تدعى حكيما* * * و أنت لكلّ ما تهوى تبوع؟

(3) الإلحاح بالانتقام من عدوهم إذا ظفروا به، حتى إنهم ليبطشون ببعضهم إذا طرأ بينهم خصام و نزاع، فترى سورة الغضب في أحدهم تحمله على أقصى ما تجود به قوته من الضرب و البطش.

إن التهور و قلة التبصر في العواقب قد كلّفا الأرمن أن يريقوا من دمائهم بحارا دون أن يحصلوا من ذلك على جدوى.

إن من تصفح التاريخ و نقّب فيه عن حوادث الزيتون و الأرمن، و عما طرأ على مرعش من الخراب المتكرر، يظهر له جليا أن قيام الأرمن و تمردهم على الحكومات الإسلامية لم يخل منها زمن من الأزمان، يقومون على الحكومات تارة بأنفسهم و أخرى بواسطة الروم الذين يشنون الغارات على جهات الأناضول بإغراء الأرمن و الالتجاء إليهم، ينضمون إلى الصليبيين تارة و إلى التاتار أخرى، فلا ينالون من ذلك سوى الفشل الذي كان الأحرى بهم أن يقودهم إلى العيش مع جيرانهم بالمسالمة و الوفاق كما يعيش غيرهم من بقية الطوائف المسيحية التي تعيش في غبطة من السلام و الوئام.

انظر إلى ما كتبناه في الكلام على مرعش يظهر لك أن هذه البلدة خربت بمشاغب الأرمن خمس مرات، أعاد بناءها في المرة الأولى معاوية، و في الثانية العباس بن الوليد، و في الثالثة الوليد بن هشام، و في الرابعة صالح بن علي- في خلافة المنصور- و في الخامسة سيف الدولة بن حمدان. ثم تنقلت عليها الولاة المسلمون حتى استولى عليها كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقي، و كأنه استصعب حفظها و القيام بها فوهبها لبعض طهاته، و هو حسام الدين، ثم انتقلت عنه لأولاده إلى أن كانت سنة 656 فعجز عماد الدين- آخر من تولاها من أولاد حسام الدين- عن ضبطها لتواتر غارات الأرمن عليها، فعرضها على كيكاوس صاحب الروم فأباها، فعرضها على السلطان صلاح الدين فأباها أيضا، فرحل عنها و تسلمها الأرمن حتى أخرجهم منها سنة 900 علاء الدولة بك أحد أمراء الدولة ذي القدرية (1) و عمرها في موضعها الحالي و أجلى الأرمن عنها إلى أن‏

____________

(1) انظر حاشية المؤلف عند كلامه على حوادث سنة 767 ه.

332

كانت سنة 928 دخلت تحت سلطة الدولة العثمانية، و كان جاليتها الأرمن و من اختاروا التوطن في ضواحي قلعة الزيتون الخربة التي هي في وسط جبال وعرة المسالك جدا، تحصّنا و تمنعا عن الحكومة التي تهددهم بقوتها إذا حاولوا التمرد عليها.

و نقلت من كتاب «فظائع الأرمن» التركيّ العبارة ما خلاصته أن الأرمن في حدود سنة 952 ه رأسوا منهم أربعة أشخاص سموهم (إيشخان- برنس) و قسموا مدينة الزيتون بينهم أربعة أقسام، أقاموا على كل قسم منها واحدا يحكمها من هؤلاء الأربعة، و عقدوا جمعية سموها (فه أودال) جعلت وظيفتها السعي وراء تأييد السلطة الأرمنية على أهل تلك النواحي المجاورة لهم. فاستفحل أمر هذه الجمعية و امتدت سلطتها إلى القرى المجاورة لها، حتى صارت تجبي الضرائب من أهلها بواسطة جباة ينصبونهم، حتى إن كثيرا من القرى الإسلامية القريبة من الزيتون خربت و جلا أهلها عنها فرارا من ظلم الزيتونيين و تعدّيهم، و كانوا كثيرا ما يتمردون على الحكومة بدعوى كثرة ضرائبها عليهم، حتى إنهم قاموا مرة عليها بزعم أن ضرائبها البالغة في السنة 15 ألف قرش لا يقدرون على دفعها، ثم إنهم لما رأوا أن لا مناص لهم من دفعها أذعنوا للطلب و دفعوها ثم تجاهروا بالعصيان و قاموا عليها في سنة 1197 ثم تكرر منهم هذا التمرد في كل من سنة 1201 و 1223 و 1224 و 1241 و 1247 و 1258.

و في سنة 1270 حضر إلى الزيتون قسيس اسمه (ملكيان أورزروفي) ليكون عضوا عاملا في العصابة العصيانية. و عندها انتخب الإيشخانيون القسيس (ديراسويان) مشاور الحكومة، فنصبوه حاكما عاما على الأرمن في تلك النواحي. فتوجه هذا إلى دولة روسية ليؤيد حاكميته الموهومة. و بينما هو في الطريق إذ ألقي القبض عليه في مدينة أرضروم و حضر إلى الزيتون شابّ اسمه (هاروتيون جاقريان) و هو زيتوني الأصل، و كان من مأذوني مكتب الأرمن في «غلطة» فتعين عضوا عاملا في جمعية الزيتون، فنفخ هذا الشاب في أدمغة الأرمن روح استقلال الأرمن و انفكاكهم عن الدولة العثمانية.

و من ذلك الوقت أخذوا يشدّدون الوطأة على من حولهم من أهل القرى المسلمين، و أخذوا يستعطفون أمة الأرمن و يطلبون منهم المدد و المعونة على مشروعهم فصارت الإعانات ترد إليهم تباعا من أميركا و مصر و غيرهما، حتى إن أرمنيا اسمه (مياسيال أنيكه)

333

الزيتوني المقيم في مصر، تبرع على هذه الجمعية بأربعمائة ليرا، و أرسل إلى مكاتب الأرمن في الزيتون معلمين خصوصيين، و صار يحضر إلى الزيتون- من غير أهلها- جماعة تمكنت فكرة الاستقلال من رؤوسهم، منهم رجل أعطوه لقب (برنس) حرروا له محضرا عاما ليقدمه بنفسه إلى نابليون الثالث إيمبراطور فرانسة، قالوا فيه إنهم يسترحمون من حضرة الإمبراطور باسم سبعين ألف بطل أرمني أن يظاهرهم على الاستقلال. فاهتم الإمبراطور بهذا الطلب أولا ثم لما تأمل المحضر و علم ما فيه من المبالغة في العدد و التظلم طرحه وراء ظهره.

قال في الكتاب المذكور: و في سنة 1282 سرى تمرد الزيتونيين إلى استانبول بواسطة مرخّصي الأرمن الزيتونيين. و في تلك الأثناء عينت الحكومة للزيتون قائمقام، فقام بعضهم يطلبون من البطركية رفعه، و ظهر واحد من شجعانهم اسمه (بابيك باشا) و صار يتعاطى الدعارة و قطع الطريق إلى أن مات. و في سنة 1297 بدأ الاختلال في تلك الجهة و كان زعيمه رجلا اسمه بابيك، و قد دام هذا الاختلال إلى سنة 1313 و قد حدث في هذه المدة عدة وقائع أهمها الواقعة التي تقدم ذكرها، التي بدأت سنة 1313 و قد اشترك في هذه الواقعة عامّة الأرمن الجبليين، سوى أفراد قليلين منهم. و استغرق هذا الاختلال مدة خمسة و أربعين يوما. ثم تداخلت القناصل و وقفت هذا الاختلال كما قدمناه.

قال صاحب الكتاب المذكور: و الغريب أن زعماء هذا الاختلال قاموا في أوله على قصد النهب و السلب، ثم بدا لهم أن يفرغوه في قالب سياسي، و بذلك اغتنموا فرصة جمع مبلغ عظيم من النقود، جمعوها من الأرمن و دلّوها في جيوبهم. و كان الغرض الحقيقي من هذه المشاغب الدعوى للمداخلة الأجنبية، و إضعاف الدولة العثمانية و التأمين على استقلال الزيتون. اه الاستطراد.

و في هذه السنة 1313 استولى الخوف على الناس في حلب و صار لا يمرّ يوم و إلا و يقع فيه الرعب من الثورة، فيغلق الناس حوانيتهم و يتراكضون إلى بيوتهم. و فيها- في ثاني عشر آذار- سطع بين العشاءين ضياء دهش له الناس، استغرق نحو خمس دقائق. و قد انتبه له الناس من داخل خلواتهم و جعلوا ينظرون إليه، و بينما كانوا يرونه جرما ملتهبا آخذا بالهبوط، إذ بصروا به جرما عظيما كأنه قطعة سحابة نارية يتطاير منها شرر كثير كأنها

334

جمرة تتلظى، ثم أخذ لونها بالبياض حتى عادت كأنها غمامة بيضاء استمرّت تشاهد في الجو نحو ساعتين. و قد ترك حين نزوله من العلوّ أثرا محمرا بقي قدر ساعتين. و شوهد هذا الحادث أيضا في جزيرة قبرص و قونية و أدرنة.

و فيها استتب الأمن في الزيتون و أقلعت عنها طوابير الرديف إلى مراكزها، فوصل منها في يوم الجمعة 19 ذي القعدة عدة كتائب سافرت في ثاني يوم إلى أزمير. و فيها عمر في قرية قره أغاج قرب مدينة إسكندرونة جامع على نفقة الخزينة الخاصة. و فيها أضيفت ناحية تركمان إلى ناحية حرّان، و جعلت قضاء سمّي «قضاء حرّان» ألحق بمتصرفية أورفة. و فيها صدر الأمر بأن يعمر على الساحل الممتد من بياس إلى السويدية إحدى عشرة مخفرة لتكون بالمرصاد على الأرمن الذين يقدمون من أميركا و أوربا إلى البلاد العثمانية بقصد تهييج المشاغب و طلب الاستقلال.

335

سنة 1314 ه

في صفر هذه السنة اهتم مجلسنا البلدي برحبة السقاية- المعروفة بسبيل الدراويش- في شمالي حلب على بعد ميلين منه، فعمر فيها غرفتان على طرز جميل، و أنشئ تجاههما بستان فسيح، و جعل ذلك المكان محلا لنزهة العموم. و في ربيع الثاني منها تواردت الأخبار من الآستانة بأن عصابة من الأرمن أثاروا فيها و في غيرها من البلاد مشاغب شديدة، فعوقبوا على عملهم و عاد الأمن و السلام إلى مجراه القديم، و دعت حكومة حلب علماءها و أعيانها و رؤساء الكهنة فيها و ألقت عليهم النصائح اللازمة و حثتهم على الوفاق و المسالمة لبعضهم، و حذّرتهم عاقبة المخالفة. ثم فرقت الحكومة على الناس بواسطة عرفاء المحلات نشرة مآلها: أن بعض أولي الفساد من طائفة الأرمن العاملين على إثارة الفتن و القلاقل في الآستانة قد عقدوا النية على إثارة ذلك أيضا في عامة البلاد العثمانية، و غرضهم من هذا العمل إغضاب المسلمين ليوقعوا بالأرمن، فيبرهن الأرمن لأوروبا بأنهم مظلومون و أن المسلمين لهم ظالمون فتنهض أوروبا لإنقاذهم من ظلمهم و تقع الدولة العثمانية في خطر سياسي جديد. فالواجب على كل فرد من أفراد الرعية العثمانية أن يلزم جانب السكون و الحياد و لا يتعرض إلى ما لا يعنيه، فإن الحكومة وحدها هي المسؤولة عن إخماد كل ثائرة و قطع دابر كل فساد.

و في أيلول منها وقع في السويدية مطر غزير انقضّت في أثناء وقوعه صاعقة على زورق في الميناء حطمت ساريته. و فيها ورد الأمر بأن إحدى عشرة قرية- بعضها في قضاء حارم من أعمال ولاية حلب، و بعضها الآخر في قضاء الخاصة من أعمال ولاية أطنة- تسلخ عن هذين القضاءين و تضاف إلى قضاء بيلان، و هي: دده جنار، و بوز هيوك، و قره بابو، و برته لى، و باصي بورت، و بلانقوز، و زنكي، و جام صاري، و طوسون هيوكي، و كوز كجه، و قره مان قاش. و فيها تم بناء الثكنة العسكرية في زيتون.

336

حدوث حرب اليونان:

و فيها بدأت دولة اليونان تتحرش بجزيرة كريد و تثير فيها الفتن و القلاقل بواسطة عصابات يونانية تمدهم بالأموال و السلاح، فيقطعون السبل و يشنون الغارات على القرى و ينهبون و يقتلون. و كان الحامل لدولة اليونان على هذا العمل اغتنامها فرصة اشتغال الدولة بحوادث الأرمن و عجز ماليتها عن الحرب. و فيها رأت الدولة العثمانية وجوب حرب اليونان و ردعها لتماديها في غيّها. إلا أن مالية الدولة في عجز عظيم عن الإنفاق على هذه الحرب، فاضطرها الحال إلى أن تفرض على المملكة إعانة سمّتها إعانة التأسيسات العسكرية، قدرها 5852250 قرشا. فلحق مدينة حلب منها 947750 قرشا و قضاء أنطاكية 664500 قرشا، و قضاء عينتاب 762750 قرشا، و قضاء كلّز 759750 و قضاء إدلب 531250 و قضاء الباب 230750 و قضاء الجسر 279750 و قضاء حارم 289500 و قضاء بيلان 82000 و قضاء إسكندرون 144000 و قضاء المعرة 173750 و قضاء منبج 18500 و قضاء الرقة 69750 و قضاء جبل سمعان 251250 و شعب الأملاك السنية 657000 قرش.

و فيها عين السلطان عقيب حوادث الأرمن و مشاغبها مشيرا جوالا في الولايات الشاهانية ليفحص عن وجوه الإصلاح التي تحتاجها كل ولاية، و كان تعيين هذا المشير صوريا، الغرض منه التمويه على الدول الأجنبية التي تطلب حماية الأرمن و تطهير البلاد من الظالمين و المستبدين. و المشير المشار إليه: اسمه شاكر باشا، فطاف عدة ولايات و كتب ما رآه من وجوه الإصلاح اللازم إجراؤها في تلك الولايات. ثم في العشر الثاني من رمضان هذه السنة وصل إلى حلب قادما إليها من الرقة فخفّ لاستقباله إلى ناحية بابلّي في شمالي حلب قائد العسكرية أدهم باشا و عدد عظيم من الجنود الشاهانية و أعيان البلد، و نزل ضيفا كريما في منزل بني العادلي في محلة السفاحية، و كان معه حسيب أفندي مستشار السفارة العثمانية في طهران و مادر كورداتو أفندي معاون المشير، و غيرهم من الحاشية و المعاونين، فنزل كل واحد منهم في منزل واحد من أعيان حلب، و كانت زوجة المشير معه و هي مسيحية روسية تخرج للناس غير محتجبة. و بعد أن استراح بضعة أيام أعلن أنه يقبل كل لائحة تبحث في إصلاح حلب و جميع ولايتها. فأقبل عليه الكتّاب و أولو العقول الثاقبة باللوائح المتنوعة الطافحة بالفوائد الآيلة لإصلاح أحوال الولاية و تحسين أمورها، من تأسيس‏

337

مكاتب علمية و صناعية و تجارية و زراعية، و افتتاح طرق و معابر، و إحضار معامل و أوائل و تخفيض رسوم و تكاليف و احداث غيرها، و تأليف ضابطة من الملل الثلاث و غير ذلك.

فكان يتلقى تلك اللوائح بكل ارتياح و يظهر بها إعجابه. و يعد بتنفيذها مع أنه لم يظهر لها بعد ذلك أدنى أثر و لا خبر.

و فيها حوّل أدهم باشا قائد حلب إلى القائدية العامة في حدود اليونان لحرب المتعدّين على كريد، فبارح حلب على الفور متوجها إلى جهة الحدود المذكورة، و كان أدهم باشا صار بعد حادثة الزيتون قائدا عاما فوق العادة على حلب و أطنة و ما جاورهما قصد استطلاع أخبار الأرمن و مراقبة أحوالهم. فلما تحول إلى حدود اليونان، خلفه في القائدية العامة المذكورة علي محسن باشا. و في شوال هذه السنة المصادف شباط سنة 1312 تظاهرت دولة اليونان بالعداء على الدولة العثمانية، فجهزت دارعة (لورييورم) و شحنتها بالعساكر و أمرتهم أن يخرجوا إلى (كوكيمباري) فعارضتهم دارعة إنكليزية و ساقت دارعتهم (لورييورم) مخفورة إلى خانية، و كانت الدولة العثمانية قد جهزت مائة و اثنين و تسعين طابورا و عزمت أن تجعل هذه القوة مائتين و عشرين طابورا، و صدرت الأوامر للحامية العثمانية المرابطة في حدود ألاصونيا و تساليا بأن تكون على قدم الدفاع.

و فيها صدر الأمر بجمع إعانة اسمها إعانة المعابد الإسلامية، و بجمع إعانة أخرى اسمها إعانة مهاجري كريد المسلمين. و هكذا كان لا يمر في تلك الأعصار العجيبة شهر أو شهران إلا و تصدر الأوامر بجمع الإعانات على اختلاف أسمائها و مقاصدها، فكأن أموال الدولة على كثرتها كانت في تلك الأوقات ترمى في عرض البحار، كما أن تلك الإعانات- التي أضجرت الناس و أزعجتهم- كانت تدفن في الأرض. و في شهر ذي القعدة الموافق نيسان سنة 1313 بدأت تتوارد الرسائل البرقية من الصدارة و النظارة الداخلية إلى ولاية حلب، نقلا عن القائد العام في جزيرة كريد، مبشرة بظفر العساكر العثمانية و استيلائهم على البلاد اليونانية و حصونها، بلدة بعد بلدة و حصن بعد حصن. و كان حضر إلى حلب عدد وافر من مسلمي جزيرة كريد مهاجرين منها فرارا من تعدي اليونان عليهم و إيقاعهم بهم، فقر رأي المرحوم والي حلب رائف باشا و مجلس إدارة الولاية على أن تلك الرسائل البرقية التي ترد تباعا تعرّب و تطبع و تباع و تصرف قيمتها المتحصلة في مصالح المهاجرين المذكورين، فكلفني الوالي المشار إليه بتعريبها حسبة، فصرت أعربها ثم تطبع في مطبعة

338

الحكومة و تباع، و يصرف الحاصل من ثمنها في مصالح المهاجرين.

و في يوم الخميس 21 ذي القعدة سافر من حلب شاكر باشا المشير المفتش العام المتجول في ولايات الأناضول و قد تقدم الكلام فيه. و فيها ورد أمر بجمع إعانة لمهاجري مسلمي كريد الذين وصلوا إلى الآستانة، و يبلغ عددهم مائة ألف و خمسة آلاف إنسان، منهم 60 ألفا لا يملكون قوت يومهم. و فيها توالت انتصارات العساكر العثمانية و فشل الجنود اليونانية، ففتّ ذلك في عضد ملك اليونان فاستغاث بقيصر روسيا و التمس منه أن يتوسط بينه و بين السلطان ففعل.

339

سنة 1315 ه

في محرّم هذه السنة تم الصلح بين الدولة العثمانية و اليونان على غرامة حربية تدفعها الثانية للأولى قدرها أربعة ملايين ليرة، و أن يرد إلى اليونان جميع البلاد التي أخذت منها في هذه الحرب، و بقيت جزيرة كريد تحت حماية الدول العظمى ريثما يتفقون على طريقة في شأنها، ثم اتفقوا على أن تكون لليونان.

قصيدة من نظم الشاعر الأديب عبد الفتاح الطرابيشي الحلبي‏ (1)، نوّه بها بذكر ما أحرزه العثمانيون من الظفر في حربهم مع اليونان و ما فتحوه عنوة من البلدان و المواقع:

الحمد للّه حقّ النصر و الظفر* * * و أقبل الدهر في ذا الفتح يفتخر

و أصبحت دولة الإسلام سائدة* * * و سيفها في قفا الأعداء مشتهر

و دولة العسكر اليونان خائفة* * * مثل الشيّاه إذا أسد الشرى نظروا

و الجيش سدّ عليهم كل ناحية* * * حتى تخيّل أن الناس قد حشروا

للّه درّ جيوش المسلمين فقد* * * أبدت فعالا لها طول المدى سير

هم الليوث إذا نار الوغى استعرت‏* * * و الواردون إذا عنها العدى صدروا

أقلّهم يلتقي الآلاف مبتسما* * * تحت الغبار بقلب دونه الحجر

أمسى تلذّذهم، و الحرب دائرة،* * * صوت المدافع، و التصهال، لا الوتر

يقودهم كلّ ندب، حسن سيرته‏* * * يثني عليها قضاء اللّه و القدر

و كلّ شهم مشير لا نظير له‏* * * يكاد يعطيه كنه العبرة النظر

هانت بهمّتهم كلّ الصعاب كما* * * دانت لحزمهم الأمصار و القطر

يا يوم (لاريس) (2) و الأبطال غائرة* * * هل أنت إلا على أعدائنا سقر

____________

(1) هو عبد الفتاح بن محمد أمين الطرابيشي، معاصر للمؤلف. ولد سنة 1277 ه و توفي سنة 1330 ه. «إعلام النبلاء».

(2) في الأصل: «لاريسا» فحذفنا الألف ليستقيم الوزن.

340

حيث المدافع رعد و الدخان به‏* * * سحب و ما قذفت من جوفها المطر

يوم به جاءنا عزّ و منفعة* * * و للأعادي أتاها الذلّ و الضرر

و (طرنوى) أصبحت تهتزّ من جزع‏* * * مثل النزيف الذي قد هزّه السّكر

لاقت رجالا تروع الأسد حملتهم‏* * * و يرهب الجنّ لقياهم و هم بشر

باعوا نفوسهم للّه و انتدبوا* * * نحو الأعادي فما أمسى لهم أثر

حازوا غنائمهم و السلب أجمعه‏* * * و أطلقوا السبي عفوا بعد ما أسروا

(ترحالة) خبّرينا ما نظرت فقد* * * حارت بمخبرك الألباب و الفكر

و حذّر (1) الروم من قوم جبابرة* * * إذا نضوا سيفهم لا ينفع الحذر

فإن يظنّوا الجبال الشمّ تعصمهم‏* * * إن الجبال لدى فرساننا مدر

يفضّلون المنايا في مقاصدهم‏* * * على الدنايا و لا يثنيهم الخطر

يلقون أنفسهم في كل مهلكة* * * كأنهم للقا الأعداء قد فطروا

و (غولس) صار بالتسليم مأمنها* * * و زال عنه العنا و الهمّ و الكدر

و قد غدت في جيوش النصر زاهية* * * زهو العروس التي قد زانها الخفر

و الحرب حرب (ولستين) فتلك غدت‏* * * ممّا يقصّر عنها الوصف و الخبر

أحاطها الجند من بعد الهجوم لها* * * حزنا و سهلا، فمنها لم يفز نفر

(2)

للّه (لورس) ما لاقت و ما نظرت‏* * * من فعلهم و ظلام الليل معتكر

قد هاجموها مساء و العدوّ بها* * * ما أدبر الليل حتى أقبل الظفر

أمسوا تذمّهم الأعداء و تمدحهم‏* * * أهل الشجاعة حتى السّبع و النّمر

قولوا لمن ظنّ أن العجز أقعدنا* * * عن ردّهم حينما في عهدهم غدروا

هلا سمعت بما قد قلت من مثل‏* * * لا يحمد القطف حتى يوجد الثمر

دوموا أيا عصبة الأعداء في قلق‏* * * و الدمع منهمر و القلب منفطر

فإنّ أوطارنا تقضى بهمّتنا* * * لا بالخيانة منا يبلغ الوطر

سلوا (زراقا) و (كروانا) فقد شهدا* * * فعال أبطالنا و الحرب تستعر

____________

(1) كذا في الأصل، و لعلها: «و حذّري» بياء المؤنثة عطفا على «خبّرينا».

(2) الحزن، بفتح الحاء: الغليظ من الأرض، في ارتفاع. و هو ضد السهل.

341

تخبّرا عن رجال ليس يأخذهم‏* * * فيما يرومونه أين و لا ضجر (1)

(فرسالة) نبّئينا عن فوارسنا* * * هل عاقهم عنك ذاك المسلك الوعر

أم هل حصونك أجدت يوم حملتهم‏* * * نفعا، و هل صدّهم عن أخذك البهر

(2)

يومان قد ظلّ فيها الطعن متصلا* * * حتى توالت على أعدائنا الغير

هيا (لدومكة) و انظر معالمها* * * فالعين تشهد ما لا يشهد الخبر

حلّوا ذراها و ساروا نحو (أرمية)* * * بعارض هطله النيران و الشرر

أروا عدّوهم حربا فسالمهم‏* * * لمّا تحقق لا منجى و لا وزر

و قائد الجيش قسطنطين حين رأى‏* * * جيوشه نكّسوا الرايات و انكسروا

ولّى و لم يلتفت خوفا إلى أحد* * * من بعد ما زاغ منه القلب و البصر

لا غرو إن مرّ و انشقّت مرارته‏* * * فمن فوارسنا الأطواد تنفطر

يا أدهم الاسم يا قاني الحسام و يا* * * مردى أعاديك إن قلّوا و إن كثروا

أنت المشير الوزير الفارس البطل‏* * * م الليث الغيور الكميّ الصارم الذكر

تركت فعلا لدى اليونان مشتهرا* * * متى جرى ذكره أودى بها الذعر

جزاك ربّك عنّا كلّ مكرمة* * * فليس منا يفيك الحمد و الشكر

يا للبرية ما هذا المشير و ما* * * تلك الفوارس و الأبطال و البشر؟

أولئك الحزب حزب اللّه من شهدت‏* * * بحسن حزمهم الأرماح و البتر

مظفّرين بعزم من مليكهم‏* * * عبد الحميد الذي تزهو به العصر

ربّ السياسة منشي العدل مالكه‏* * * بحر الدراية سامي القدر معتبر

أفكاره شهب أقواله قضب‏* * * إنعامه سحب تهمي و تنهمر

من فضله عامل الأعداء مذ كسروا* * * بالصفح عن عظم ذنب ليس يغتفر

كم من مليك قبيل الحرب أنذرهم‏* * * خوفا عليهم فما أغنتهم النذر

خليفة اللّه دم فالنصر مقتصر* * * عليك إذ أنت في الشدّات مختبر

يا معشر الناس هنّوا ذا المليك فقد* * * أضحى بتاريخه‏ (3) من دأبه

الظفر

____________

(1) الأين: الإعياء و التعب.

(2) البهر: الإجهاد و تتابع النفس من الإعياء.

(3) سنة 1314 و هي تاريخ ابتداء هذه الحرب (المؤلف).

342

و عظّموا همة منه قد اشتهرت‏* * * يقول تاريخها (1) من دأبها الظفر

إلى آخره. و هي قصيدة طويلة اكتفينا منها بهذا القدر.

رجعنا إلى تتمة حوادث هذه السنة: في أواخر محرّمها تم بناء مستشفى الغرباء تحت القلعة. و فيها عمر في مدينة الرقة جامع و مكتب و بعض خلوات للطلبة و كانت النفقة على ذلك- و قدرها 156500 قرش- من أموال الخزانة الخاصة. و في هذا الشهر أيضا كان الاحتفال بمنتزه السبيل المتقدم ذكره بالغا حدّ الغاية من الرونق و البهاء. و في صفر منها الموافق تموز سنة 1313 أحيت الحكومة في المكتب الإعدادي ليلة طرب و عزف، صرفت مجموع دخلها على تجهيز هدية لجرحى الجنود العثمانية في حرب اليونان و أيتام شهداء الجنود و أراملهم. و كانت تلك الليلة بالغة منتهى الرونق و البهاء، و كان مجموع دخلها 1015 ليرا عثمانية و 24875 قرشا.

و في شهر جمادى الثانية منها الموافق تشرين الأول سنة 1313 وقع في جهات السويدية مطر يتخلله برد، الواحدة منه في ثقل 33 درهما تقريبا، مستمرا ذلك نحو خمسين دقيقة، فحطم عروق الأشجار و قتل كثيرا من الطيور و انقضّ في خلال ذلك عدة صواعق لم تعقب ضررا. و في رجب منها وردت الأوامر بأن يؤخذ على كل شاة تذبح أربعون، و على كل معزاة ثلاثون، و على كل بقرة مائة و عشرون بارة، يؤخذ ذلك وقتيا إعانة لمحاويج مسلمي كريد المهاجرين. و عليه صار هذا الرسم يؤخذ في مسلخ حلب، و هو فوق ما كان يؤخذ من الرسم قديما باسم الذبحية من جهة البلدية. و قد انقضت حادثة كريد و عاد مهاجروها إليها و بقيت هذه الإعانة تؤخذ على الوجه المذكور، إلا أنها صارت تصرف بعد رجوع المهاجرين إلى أوطانهم، نصفها على مكتب الصنائع و نصفها الآخر على المكاتب الابتدائية، و كان يبلغ مجموعها في السنة نحو مائة ألف قرش. و فيها في كانون الأول توالت الأمطار في مرعش بضعة أيام فانهدم فيها جامع آراسته عن آخره و لم يبق منه سوى منارته. و فيها عمر تجاه منتزه السبيل مخفرة عسكرية بإعانة جمعت من أهل الخير.

و فيها- في كانون الأول- بينما كانت قافلة كبيرة تسير إلى مرعش إذ هبت عليها- و هي قرب قمة جبل آخور- عاصفة ثلجية وقفتها عن السير، و كادت تهلك عن‏

____________

(1) سنة 1315 و هي تاريخ انتهائها (المؤلف).

343

آخرها لو لا أن اتصل خبرها بمرعش و ترسل الحكومة لإنقاذها عددا من العساكر و أهل البلدة، و مع ذلك فقد هلك فيها 13 حمارا و 6 شياه. و فيها- في كانون الثاني- ورد من مرعش أن الثلوج تتساقط عليها مدة ثلاثين ساعة متوالية فتكاثفت في الجبال قدر ذراعين. و في مدينة مرعش قدر ذراع، و أنه هلك في عواصف الثلج مسافر و سبعة دواب معه، و انقطع من كثرة الثلوج سير القوافل بين مرعش و البستان و الزيتون و أندرين، و هلكت دابة البريد و صقع‏ (1) في مرعش طفل رضيع، و أتى البرد القارس على كثير من الوحوش و الضواري. و ورد من معرة النعمان أن الثلج فيها كثير و القرّ شديد. و جاء من عينتاب ما يشعر بذلك و أنه صقع في إحدى الطرق المؤدية إليها رجل. و ورد من إدلب أن شدة البرد قتلت في إحدى ضواحيها رجلا، و أنه لم يحدث في إدلب نظير هذا البرد منذ خمسين سنة.

و فيها فتحت جادة الخندق الممتدة بين العوينة و باب حديد بانقوسا، و هدم خان الدلال باشي و صار بعضه جادة. و فيها- في آذار- شعر الناس في حلب بهزّة أرض، و حدث مثلها في أورفه و مرعش و عينتاب و كلّز و إسكندرونة و بيلان و الجسر و إدلب و البيرة و الباب و الزيتون و البستان و أرسوز لكنها لم تعقب ضررا. و في آذار هاجت عندنا العواصف، و قرس‏ (2) البرد و كثر المطر و الثلج. و فيها في نيسان كثر تهطال الأمطار على القرى القريبة من عينتاب، و تساقط معها برد كثير، و انقضّ صاعقة على جدار فهدمته و قتلت عشرين شاة، و جرف السيل من قرية أولو معصرة و حصانا (3) و 36 ماعزا و من قرية أخرى نيفا و أربعمائة شاة، و راعيا. و أفسد البرد كثيرا من الزروع. و فيها أحضرت البلدية من أوروبا دولابا للماء يدور بالهواء نصبته على بئر في منتزه سبيل الدراويش، و هو أول دولاب أحضر من أوروبا على هذا الطرز.

____________

(1) صقع فلان: أصابه الصقيع بأذاه، و بابه فرح.

(2) قرس البرد: اشتدّ.

(3) في الأصل: «حصانا» فزدنا الواو العاطفة لتستقيم العبارة.

344

سنة 1316 ه

فيها نقلت دار حكومة قضاء حارم من قصبة حارم إلى قرية كفر تخاريم، و بنيت فيها دار حكومة بإعانة جمعت من أهل ذلك القضاء. و في شهر صفر منها خسف القمر مبتدئا بالخسوف في نحو الساعة الثالثة ليلا، و تكامل خسوفه نحو الساعة الرابعة و النصف، ثم في نحو الساعة السادسة انتهى انجلاؤه. و في أثناء خسوفه أخذ الناس يطلقون البنادق و يضربون على النحاس و يدقون بالهاونات جريا لعاداتهم حين خسوف القمر من قديم الزمان، زاعمين أن خسوف القمر سببه حوت يبتلعه و أنه إذا سمع أصوات البنادق و تلك الأصوات المزعجة يخاف فيمجّ القمر (1). و في هذا الشهر بوشر بتعمير المخفرة الكائنة في سفح جبل البختي، تجان منتزه السبيل من شرقيه، و قد عمرت من إعانة جمعت من أهل الخير.

و فيها حدث في أنطاكية أن امرأة أحبت شابا فاحتالت على زوجها و أطعمته كبّة نيئة وضعت فيها شيئا من الشك المعروف بطعم الفار، و أكل معه على غير قصد منها بنت و ولد لها، فلحقت الولد و أخرجت اللقمة من فمه فلم يلحقه ضرر، و أرادت أن تخرج اللقمة من فم البنت فلم تتوفق، و ابتلعت البنت الطعام و بعد ساعة ماتت البنت و أبوها من السم.

و شاعت هذه الحادثة في أنطاكية و حكم على المرأة بالقتل قصاصا. و سيأتي بقيّة خبرها.

و فيها وضع أساس منارة الساعة في حضرة باب الفرج، في موضع قسطل كان يعرف بقسطل السلطان. و قد جرى لوضع هذا الأساس احتفال باهر حضره الوالي و الأمراء و الأعيان و الوجهاء، فكلفني الوالي إلقاء خطبة في هذا الموضوع فقلت على الفور و البديهة بعد البسملة:: الحمد للّه مبدع الكائنات، خالق الأوقات و الساعات، منشئ الأملاك و مسيّر

____________

(1) أي يلفظه و يخرجه من جوفه.

345

الأفلاك، الملك الوهاب، جاعل الشمس ضياء و القمر نورا، و قدّره منازل لنعلم عدد السنين و الحساب. أما بعد فإن أولى ما يفتتح به الكلام في هذا المقام رفع أكفّ الضراعة و الابتهال إلى المولى المتعال، مانح النوال و سامع السؤال، بدوام أيام مولانا إلخ. و هو دعاء طويل سلكنا فيه على أسلوب ذلك الزمن. ثم قلت بعد ذلك: هذا و إن بلدتنا الشهباء لم يمض عليها غير ردح من الزمن تحت ظل عناية هذا السلطان الأعظم حتى استبدلت خرابها بالعمار، و وحشتها بالأنس و خمولها بالانتباه و خوفها بالأمن، فاتسعت فيها الشوارع و كثرت المهايع‏ (1) و أقبل الناس بكل جد و نشاط على تملك الأراضي، و اتسع نطاق العمران و أصبحت الشهباء بسعتها و ضخامتها ضعفي ما كانت عليه. كل ذلك في برهة من الزمن يصعب على من كان غائبا عن حلب أن يتصورها.

بلغت هذه الغاية العظيمة بأقل من نصف قرن. و ها هي الآن يتعزز جمالها و يتتوج هام كمالها بتاج يحلو للعيون منظره، و يلذّ للآذان خبره، و يعمّ نفعه البعيد و القريب، و يشمل شرفه الوطنيّ و الغريب، به تفصل الشهور و الأعصار، و تعلم الأوقات من الليل و النهار، ألا و هو الساعة التي كانت ولادتها في الشرق و حضانتها في الغرب فما أحرى بالوالد أن يحضن ولده و بالممدّ أن يتفقد مدده، و هذا هو أسّ منارتها التي ستكون بعظمتها ناطقة بهمم الرجال أولي المجد و الإقبال إلخ.

و قد أرخها الشاعر الأديب عبد الفتاح الطرابيشي بقوله:

قد شاد (2) بالشهبا منارة ساعة* * * تزهو بإتقان و حسن صناعة

في دولة الملك الحميد المرتجى ال* * * ثّاني الذي ساس الورى بدراية

و بهمة الوالي الرؤوف أخي الحجا* * * و صنيع قوم من أعاظم سادة

فهم رجال قد روى تاريخهم:* * * لعلائهم حتى قيام الساعة

و قال أيضا:

لقد شيد في الشهبا منارة ساعة* * * بعصر حميد عن علاه غدت تروي‏

____________

(1) المهايع: جمع «المهيع» و هو الطريق البيّن الواسع.

(2) كذا في الأصل، و لعل الصواب: «شيد» كما سيأتي بعد خمسة أسطر.

346

و جاءت كما يهواه رائف أرّخوا:* * * تنبّه للأوقات من كان في لهو

و فيها عمر مستودع للرديف في قصبة كفر تخاريم تبرّع بالإنفاق عليه جماعة من متموّلي القضاء. و فيها بلغنا أن امرأة من قرية تغله، في قضاء كلّز، بينما كانت جالسة في بيتها إذ دخل عليها شاب من أهل القرية شاكي السلاح يريد مواقعتها، فاستغاثت به على أن يكف عنها فلم يفعل، و حينئذ قامت إلى بندقية مزدوجة معلقة بالجدار و أخذتها و أطلقت عيارها عليه فأصابت رصاصتها كبده، فما كان منه إلا أن أطلق عليها عياره فأصاب كبدها و وقعا قتيلين. و في ذي الحجة منها توفي في مدينة إسكندرونة غلام في سن الخامسة عشرة و هو ابن فضل اللّه زريق، و قد حضر إليه- و هو على النعش- أحد أقاربه المسمّى قيصر، فأكبّ عليه يقبّله، و لفرط حزنه عليه فاضت روحه و لحق به في الحال.

فيها تم بناء منارة الساعة.

347

سنة 1317 ه

و في صفر منها الموافق حزيران سنة 1315 بوشر بتجفيف مستنقع إسكندرونة، فبي عليه سد عظيم طوله خمسمائة متر، و تقرر أن يكون طوله 950 مترا ثم فترت الهمة و بقي المستنقع على ما كان عليه. و فيها هدم مسجد كان عند باب حديد بانقوسا توسعة للطريق، و بني بدله في موضعه مسجد بديع الطّرز مع مكتب ابتدائي في قربه. و فيها وصل إلى حلب دولاب طولمبة (1) يدور بقوة الهواء فنصب عند العوينة و عمر له في قربه حوض عظيم ينفذ ماؤه إلى كيزان مطمورة في الأرض ممتدة إلى قرب باب الفرج، قد جعل لها منافذ لولبية يوضع فيها خرطوم للرش، و قد استعمل مدة قليلة ثم تعطل الدولاب، و كانت البلديّة صرفت على ذلك زهاء ثلاثة آلاف ذهب عثماني. و قد نصب نظير هذا الدولاب في محلة الجميلية و بعض البساتين فلم ينجح.

و فيها تم بناء العمارة على عين الموقف في إسكندرونة و جرت لها حفلة فائقة. و في جمادى الأولى منها قدم على حلب سيف الدولة ابن شاه إيران قاصدا زيارة مقامات أهل البيت النبوي في حلب و غيرها من البلاد الشامية، فاستقبلته الحكومة استقبالا باهرا و نزل ضيفا عند شهبندر (2) دولة إيران فبقي بضعة أيام ثم سافر إلى جهة مقصده. و فيها تم عمل خريطة لمدينة حلب اعتنى بوضعها منهدس الولاية شارتيه أفندي و راغب بك ابن رائف باشا والي الولاية، و قد أخذت في الفوطغراف على مقياس جزء من أربعين جزءا، و هي أول خريطة وضعت لمدينة حلب و جاءت غاية بالضبط و الإتقان. و فيها نجز فتح جادة العطوي و وصلت بطريق المركبات الآخذ إلى إسكندرونة المارّ قرب محلة السليمية- المعروفة بالجميلية- و هي تبتدى‏ء من مزار السهروردي آخذة إلى طريق المركبات،

____________

(1) أي مضخة. و سيرسمها المؤلف في أول حوادث سنة 1319 هكذا «طلنبة» و الكلمة فرنسية الأصل أو إيطالية، و أصل معناها خرطوم الفيل، أو البوق. و ترسم أيضا كما تلفظ في الفرنسية: «طرمبة» و «طرنبة».

(2) الشهبندر: القنصل.

348

من وسط بستان باقي جاويش و بستان إبراهيم آغا مارة على الجسر الجديد الذي تم بناؤه في هذه الأيام و هو من أحسن جسور نهر قويق و أفخمها.

و في هذه السنة كان الشتاء شديدا و كثرت فيه الثلوج و الأمطار و غرق في السيول كثير من الناس و الدواب في حلب و غيرها، و كثر الهدم- خصوصا في عينتاب- و قرس البرد و لا سيما في البلاد الشمالية، فقد تعددت فيها حوادث توقف القوافل في الطرقات و موت الكثيرين من الناس و الدواب بالقرّ. و في ضاحية كلّز هجم وحش شبيه بالكلب على صغار يمرحون فاختطف منهم بنتا و غاب بها و بعد أن تعقبه جماعة من الشجعان و جدوا رأس البنت و ذراعها على سفح جبل و لم يظفروا بالوحش.

349

سنة 1318 ه

عزل رائف باشا عن ولاية حلب:

فيها عزل المرحوم رائف باشا عن ولاية حلب، و كان وزيرا شهما جمع بين القوة و الأمانة. و قد أثر في حلب آثارا حسنة، منها منتزه السبيل و برج الساعة و الجادة الكبرى الممتدة من حضرة مزار السهروردي إلى محطة الشام، و الجسر العظيم المضروب على نهر قويق في هذه الجادة الذي تضاف إليه. و له في حلب غير ذلك من الآثار التي يثني عليه لسان حالها مدى الأدهار. و كان السلطان عبد الحميد يحذره و يسي‏ء به ظنونه، لاعتقاده به أنه يسير في الدولة على منهاج مدحت باشا بطل الدستور العثماني، لأنه كان معاونا له في ولايته على بغداد.

و لما عزل الآن عن ولاية حلب أسرع الرحيل عنها إلى وطنه استانبول فتوجه إليها بحرا عن طريق إسكندرونة. و لما وصل إلى المحل المعروف باسم قرق خان قرب مدينة بيلان وصل إلى وكيل الوالي بحلب- علي محسن باشا- رسالة بالبرق فحواها أنه صدرت إرادة سنيه بتوقيف رائف باشا عن السفر إلى استانبول. فبلّغه وكيل الوالي هذه الرسالة و هو في قرق خان، فبقي هناك مدة كالمنفيّ. ثم وردت رسالة أخرى بعوده إلى حلب فعاد إليها و نزل ضيفا كريما في منزل المرحوم أحمد أفندي كتخدا. و كان سبب توقيفه عن السفر أن بعض كبار الأتراك المنفيين في حلب سعوا به سرا لدى السلطان عبد الحميد و ألصقوا به تهمة الطعن و التنديد بالسلطان، و أنه أزال أثرا عظيما من آثار السلطان سليمان خان، و هو القسطل المعروف باسم قسطل السلطان- الذي أسلفنا الكلام عليه في محلة بحسيتا من الجزء الثاني- و أنه بعد أن محا أثره بنى في موضعه برج الساعة الذي هو من بدع الفرنج. و أنه فعل غير ذلك من الأمور التي لا تنطبق على أحكام الشرع الشريف،

350

و لا تروق للسلطان عبد الحميد الذي كان مبدؤه التظاهر بالأعمال الدينية إرضاء للرعية، فيتوخى كلّ عمل يلائم أفكارهم.

و ألصق به هؤلاء المنفيون غير ذلك من التهم التي هو براء منها و التي لم يقصد من عملها سوى خدمة الوطن و تحسين أحوال البلدة. و كان الباعث لهؤلاء الطغمة الشريرة على وشايتهم به أنه كان مدة ولايته في حلب يعارضهم في أعمالهم الاستبدادية، و يمنعهم عن تداخلهم في شؤون الحكومة، و كان أسلافه الولاة يهابونهم و لا يعارضونهم في تداخلهم، أما هو فإنه ضرب على أيديهم و وقف تيار استبدادهم و أعلمهم بأنهم هم منفيون ليس لهم من الأمر شي‏ء.

بقي رائف باشا ضيفا كريما في منزل أحمد أفندي كتخدا مدة تزيد على شهرين، و هو في أثنائها في ضنك عظيم يتوقع كل لحظة صدور أمر السلطان بجعله من جملة المنفيين، غير أن السلطان تحقق في هذه المدة بواسطة جواسيسه الصادقين أن رائف باشا من المخلصين في ولائه و أن جميع ما ألصقه به أعداؤه من التهم كذب و بهتان، فأصدر إرادة سنية ترخّص له الحضور إلى استانبول، فتوجه إليها. و في يوم خروجه من حلب خفّ لوداعه عدد عظيم من العلماء و الأعيان إلى منتزه السبيل، فجلس هناك برهة من الزمن ثم استأنف المسير إلى جهة إسكندرونة، فأسف عليه الناس أسفا عظيما و دعوا له بالسلامة و طول البقاء.

ولاية أنيس باشا في حلب:

و قبل سفر رائف باشا إلى استانبول بأيام قلائل، حضر إلى حلب أنيس باشا واليا عليها فنزل في دار البلدية و أقبل الناس عليه للسلام. و في ثاني يوم من وصوله نزل إلى الجامع الكبير و زار المرقد الشريف، و طاف في البلدة و زار مراقد الأولياء و الصالحين و عاد إلى منزله. و مضى على قدومه إلى حلب عدة أيام و لم تزره قناصل الدول المعظمة. ثم شاع عنهم أنهم يطلبون من السلطان تبديله و أنهم لا يعترفون بولايته على حلب زاعمين أنه هو الذي أغرى الأمة في ولاية ديار بكر- حينما كان واليا عليها- بالقيام على الأرمن و قتلهم. و لما أصر القناصل على عدم الاعتراف بولايته على حلب ورد إليه أمر مرموز بأن يبقى مختبئا في منزله لا يظهر إلى أحد حتى يأتيه أمر آخر يوضح له ما يجب عليه عمله.

فبقي هذا الوالي المسكين مختبئا في منزله كالمحبوس مدة شهرين أو أكثر لا يظهر لأحد،

351

و قام بأمور الولاية بدله علي محسن باشا القائد العام على حلب و أطنه و ما والاهما. ثم ورد له الأمر بالظهور و مباشرة العمل.

رأى السلطان عزل أنيس باشا عن ولاية حلب- لمجرد رفض القناصل ولايته عليها- وهنا في سطوته و إخلالا بشرف سلطنته، فأبقاه مختبئا تلك المدة مغالطة و إيهاما بأنه قد عزله. ثم استرضى السفراء على إبقائه واليا في حلب فبقي أمره نافذا و لم ينكسر للأجانب، و عدّ تدبيره هذا من جملة دهائه و نبوغه في فنون السياسة.

و في جمادى الأولى منها تم بناء مستودع المواد النارية العسكرية- المعروف باسم جبخانة- خارج حلب في شرقيها إلى الشمال قرب تكية الشيخ أبي بكر الوفائي و كانت المواد النارية قبلا تحفظ في مستودع داخل القلعة و بعضها يحفظ في مستودع داخل الثكنة العسكرية المعروفة بقشلة الشيخ يبرق، فخيف من حدوث حريق يتصل بهذين المستودعين فينجم عنه أضرار عظيمة فنقل ما فيهما إلى المستودع الجديد. و في هذه السنة كان الشتاء شديدا و الثلوج كثيرة و أخبار الهالكين بالقرّ و الصقيع و فيرة، خصوصا في جهات مرعش و البستان و تلك الجهات.

و في ذي القعدة منها تمّ إنشاء حديقة محلة العزيزية المعروفة بالمنشية، و ركب على بئر- حفر فيها- دولاب هوائي يرفع الماء إلى برميلها ثم ينحدر إلى حوض مهندم في الحديقة كأنه حوض طبيعي. و قد جاءت الحديقة غاية باللطافة و حسن المنظر. و في هذا الشهر كان الاحتفال بتأسيس الثكنة العسكرية في مدينة إسكندرونة. و فيها انتهت جميع متممات مستشفى الغرباء الكائن تحت القلعة قرب سوق الضرب، و فرش بالأسرة و دخلت إليه المرضى من الفقراء و هو مستشفى حافل يقل نظيره في البلاد العثمانية، قد اشتمل على غرف للرجال و أخرى للنساء و خلوات للممرضين و الأطباء و أماكن للتشريح و الأعمال الجراحية و أهراء (1) للمؤنة و غير ذلك.

____________

(1) الأهراء: المخازن، و ما يسمى بالمستودعات. و المفرد: الهري.

352

سنة 1319 ه

و في صفر منها فتح في حلب مكتب للصنائع، و هي النجارة و الخياطة و عمل الأحذية- المعروفة بالقندرات- و نسج الأقمشة الغزلية و نسج الجوارب. و النفقات الأولية لهذا المكتب جمعت من دخل مسارح التياترو و النفقات الدائمة من إعانة وضعت على اللحم قبل بضع سنوات باسم إعانة مهاجري كريد، و قد وليت إدارته فأسست صنائعه و رتبت أموره و بقيت مديرا فيه مدة أربع سنوات. و فيها حضر إلى حلب آلة لحفر آبار شبيهة بالأرتوازية، و حضر مع الآلة أستاذان فباشرا مهنتهما في جهة من جادة الخندق- بين باب النصر و السهروردي- و عملا هناك بئرين فما مضى عليهما غير قليل من الزمن حتى تعطلا، و انصرف الأستاذان من حلب بما معهما من الآلات. على أن هذه الآبار يستخرج منها الماء بواسطة طلنبة (1) مركبة على فوّهة الأنبوب الذي يخترق الأرض و يصل إلى منبع الماء.

و في فصل الربيع من هذه السنة الموافقة سنة 1317 رومية تساقط على ولاية حلب برد كثير- لا سيّما في جهات مرعش و البستان- و كان كبير الحجم، بعضه في حجم البيضة، و قد قتل عدة أوادم و مواشي‏ (2)، و أفسد كثيرا من الزروع. و فيها ورد من البستان أن سبعة أشخاص أكلوا نوعا من الفطر فماتوا كلهم، و اتصل الخبر بحكومة ذلك القضاء فأصدرت أمرا يقضي بمنع بيع الفطر. و فيها- في التاسع و العشرين أيار- سقط في إسكندرونة صاعقة على زاوية غرفة في الطابق العلوي من شرقي فندق فهدمت جانبا من الزاوية و دخلت الغرفة فصدمت قائمة سرير حديدي كان نائما عليه رجل فاحترقت حاشية السرير و لم يتضرر النائم بشي‏ء من جسمه، ثم خرجت من الغرفة و صدمت قنطرة

____________

(1) انظر الحاشية السابقة في أول حوادث سنة 1317 ه.

(2) الوجه حذف الياء: «و مواش».

353

في جهة النهر فهدمت أكثر من نصفها، و رفعت حصانا كان هناك و ألقته على بعد عشرة أمتار من موضعه فهلك.

و في ليلة الخميس عشرين من جمادى الثانية- في نحو الساعة السادسة منه- شبّت النار من دكان روّاس في سوق العرصة من عينتاب و سرت إلى ما جاورها فأتت على ثلاث دور و مائتين و سبعين دكانا و اثني عشر فرنا و سبعة بيوت قهاوي و ثمانية مخازن و مطحنة و أتت على جانب عظيم من خان و عشرين دكانا ثم خمدت. و في آذار السنة الرومية- بعد العشاء الأخيرة- انقضّ على ردهة دار بني صولا- أحد بيوتات المسيحيين التليانيين في محلة الجلوم الكبرى بحلب- صاعقة دخلت من داخن الموقد المعروف بالصوبا، و كانت الردهة خالية من الناس، فحطمت الصاعقة شيئا من زجاج النوافذ، و صدمت بعض عقود قناطرها فنفر من اللطمة قدر قيراطين، ثم خرجت الصاعقة من النافذة التي حطمت زجاجها و درجت على الزنك الذي هو سقف الدرج و صدمت قنطرة باب الدار الذي غلقه من الحديد فأبقت في القنطرة أثرا دخانيا و تطايرت المسامير المغروسة في باب الحديد، و هكذا انتهت حركتها. و فيه هاج في اسكندرونة إعصار دمر منها عدة منازل على البحر. على أن هذه المدينة لا تكاد تسلم من الإعصار في مثل هذه الأيام كل سنة.

354

سنة 1320 ه

فيها كان افتتاح مربى الخيل المعروف باسم حارة في جهة الحمرة. فقام الوجهاء و أكابر المأمورين يتزلفون إلى السلطان بإهداء الخيول الأصائل التي تربّى في ذلك المحل. و في مدة و جيزة نجح المربى نجاحا باهرا ثم أخذ يتقهقر إلى أن اضمحل في بضع سنوات و لم يبق له ذكر. و فيها نصب على قنّة جبل البختي- تجاه منتزه السبيل في ظاهر حلب- طاحون يدور بالهواء على الطرز الجديد، فاشتغل مدة ثم تعطلت آلاته و بطلت حركته.

و في هذه السنة- في كانون الأول- توالت الأمطار على حلب و عينتاب و أنطاكية، فحملت السيول و طغت الأنهار طغيانا عظيما و انبسطت على الحقول و العمران، فهدمت البيوت و أتلفت الزروع، و أغرقت عدة أوادم و دوابّ. و فيها عزل والي حلب أنيس باشا من ولايته و كان عفيفا متدينا محبا للخير، و قد بذل ما في وسعه لنجاح مكتب الصنائع و غيره من المباني الخيرية. و قد ولي حلب بعده مجيد بك.

و فيها- في كانون الأول- أنبأت حكومة دمشق أن الهواء الأصفر قد تفشّى فيها، فأرسل من حلب ضابط و معه عدد كاف من الجندرمة (1) الفرسان إلى كل موضع من المواقع الكائنة و على حدود ولاية دمشق، و هي خان شيخون و الهبيط و قلعة المضيق و الحمراء، لتكون هذه القرى تحت نظارة الضابط و من هو في صحبته من الجنود. ثم فتح في خان شيخون محجر صحي، فيه الأطباء و أدوات التبخير لفحص من يمرّ من هناك قاصدا جهات حلب، و ضرب على قرية الهبيط و المضيق و الحمراء نطاق صحي. و فيها انتهى تعمير مخفرة في السويدية من أعمال أنطاكية عمرت من إعانة جمعت من أهل الخير.

و فيها- في شباط- زالت علة الهواء الأصفر من دمشق و رفعت المحاجر الصحية

____________

(1) الجندرمة: الدرك. و كان هذا الاسم يطلق على رجال الشرطة في الأرياف. و قد سبق ذكر الكلمة أيضا في الجزء الأول.