نهر الذهب في تاريخ حلب‏ - ج3

- كامل بن حسين الحلبي الغزي المزيد...
640 /
355

(الكورنتينة) من خان شيخون و الهبيط و المضيق و الحمراء. و فيها عملت الحكومة إحصاء مواليد و وفيات في الجهات الآتي ذكرها، في غضون ستة أشهر من هذه السنة، فكانت كما يأتي‏ (1):

وفيات/ مواليد الإناث/ الذكور/ الإناث/ الذكور/ جمع الوفيات/ جمع المواليد/ اسم/ القضاء 95/ 604/ 565/ 926/ 701/ 1491/ قضاء أنطاكية 434/ 464/ 432/ 601/ 898/ 1033/- حارم 33/ 72/ 112/ 136/ 105/ 288/- إسكندرون 322/ 888/ 165/ 848/ 1110/ 1494/- كلّز 79/ 111/ 179/ 187/ 190/ 366/- المعرة 156/ 307/ 384/ 482/ 464/ 866/- جسر الشغور 848/ 597/ 606/ 777/ 1345/ 1384/- إدلب//// 4883/ 6922/ 960/ 1687/ 2575/ 3048/ 2647/ 5623/ لواء مرعش//// 7420/ 12545 و أحصيت المواليد و الوفيات في لواء مرعش في غضون ستة الأشهر المذكور، فبلغت مواليده 5623 الذكور منهم 3048 و الإناث منهم 2575 و وفياته 2647 الذكور منهم 1687 و الإناث منهم 960 نسمة. و فيها ورد من متصرفية مرعش أن بقرة في قرية جلكي- في قضاء البستان- ولدت ثلاثة عجول في بطن واحد و بعد أربعة و عشرين ساعة هلكت العجول و أمّهم‏ (2).

____________

(1) في الجدول التالي أغلاط و خفاء في بعض الأرقام، و في جموعها أيضا. فأبقينا ما لم نهتد إلى صحته على ما هو عليه.

(2) كذا وردت العبارة في الأصل. و الصواب فيها: «أربع و عشرين ساعة هلكت العجول و أمّها».

356

سنة 1321 ه

فيها مدّ السلك البرقي من حلب إلى الباب. و فيها- في أوائل آب- فتح في المكتب الإعدادي الملكي- الكائن في محلة الجميلية ظاهر حلب- معرض عام لتشهير البضائع التجارية و الصناعية الوطنية: كالمنسوجات القطنية و الحريرية و القصبية الفضية، و المصنوعات التطريزية و الغلات الزراعية و الحيوانية، و المصوغات الفضية و الذهبية، و العروض الخفافية و السراجية و الحديدية و النحاسية، و النجارية و الترابية و الدباغية و العطرية، من حلب و أكثر البلدان الكبار في ولايتها كعينتاب و الرها و مرعش. و زيّن المكتب داخلا و خارجا بالرايات و أنواع السجّاد- الذي هو من مصنوعات حلب- و القطع الجميلة، و أنير في الليل بالأضواء الساطعة، و أقيمت في رحبته الألعاب التريّضية المعروفة باسم (جيمنستق)، و في الليل الخيالية المعروفة باسم (سينه توغراف) و هرع إليه الناس من حلب و غيرها، و استمر مفتوح الأبواب كذلك مدة شهر و زيادة، و البضائع التي حازت فيه قصب السبق و صارت محل إعجاب الجميع هي منسوجات حلب. و قد أخذت فيه غرفة لعرض مصنوعات مكتب الصنائع، فأقبل الناس على شرائها باليانصيب فراجت و ربحت. ثم زاحمني على الغرفة نجيب بك ابن الوالي، أخذها مني لرجل يعينه على فجوره، فاستأت من هذا العمل و استقلت من مديرية المكتب. و بلغ الخبر والده فاستاء منه و زجره و استرضاني فعدت إلى إدارة المكتب.

و فيها في آب سنة 1319 ظهر في حلب مرض مشكوك به ثم تحقق الأطباء أنه مرض الهواء الأصفر، و كان قبلا ظهر في دمشق و فتك في أهلها فتكا ذريعا، و زحفت جراثيمه إلى حماة و منها إلى جسر الشغر و إدلب و البيرة و كلّز و عينتاب، ثم ظهر في حلب و أحصي عدد من مات فيها في برهة أسبوع فكانوا أحد عشر شخصا. فاهتمت الحكومة في قضية الكنس و الرشّ و تنظيف الشوارع و الأزقة من القمامات و الأقذار. و كان قبل أيام من ظهوره وصل إلى حلب طبيب ألماني اسمه فونسكي أفندي، و معه عدد من الأطباء أمر

357

السلطان بإشخاصهم إلى حلب للاهتمام بالأسباب الواقية من تطرق هذا المرض إلى حلب من البلاد التي ظهر فيها في الولاية و غيرها. فأوعز هؤلاء الأطباء إلى البلدية بأن تعزز وسائط النظافة و تلتفت إلى الفواكه المضرّة فتمنع بيعها، و أن تعمر على كل حوض مكشوف في المساجد و غيرها جدارا يمنع تناول الماء من الحوض رأسا منعا للتلويث، بل يكون تناول الماء من الحوض بواسطة مبذل‏ (1).

فقامت البلدية بجميع ما أمرها به الأطباء، و لكن مع هذا كله ما برح هذا المرض يفتك في النفوس حتى أوائل تشرين الثاني من سنة 1319 إلا أنه كان خفيف الوطأة بحيث لم تزد وفياته اليومية في شدّة بحرانه‏ (2) على خمسين نسمة. ثم إنه بعد أيام تقلص ظلّه من إدلب و عينتاب و بيره جك و إسكندرونة و حماة و حمص و طرابلس الشام و بقية بلاد سورية، و رفعت عنها مناطق الحجر الداخلية و الخارجية و عادت مياه الصحة إلى مجاريها. و فيها- في حادي عشر تشرين الثاني- هطلت أمطار غزيرة على عينتاب و ضواحيها، فحملت منها السيول على قرية «تنب» القريبة من عينتاب و أتت على قرباط هناك تحت بيوت الشعر فأغرقت منهم ثلاثة و عشرين إنسانا و ثلاثة حمير و ثلاث رمكات‏ (3). و بعد أن انحسر الماء عن ذلك الموضع التقطت جثث الغرقى و دفنت.

وفاة علي محسن باشا:

و في أول يوم من شوال هذه السنة توفي في حلب الفريق علي محسن باشا ابن كل حسن باشا، أحد ياوري‏ (4) السلطان عبد الحميد، و وكيل القائد العام فوق العادة في حلب و أطنة (آذنة) و ضواحيهما. أمضى في حلب نحو خمس عشرة سنة. و حينما حضر إليها كان برتبة القائممقام، ثم حاز رتبة الفريق، ثم في حادثة الزيتون صار وكيل القائدية العامة المذكورة ليكون واقفا لحوادث الأرمن بالمرصاد، و هي وظيفة وقتية ألغيت بعد انقلاب الحكومة العثمانية إلى الحكومة الدستورية. و كان علي محسن باشا جوادا كريما حلو الشمائل‏

____________

(1) كذا في الأصل «مبذل» بالذال، خطأ، و إنما هو بالزاي «مبزل» و المراد به هنا الصنبور أو ما يسمى «بالحنفية».

و سيذكر أيضا بصيغة الجمع في كلام المؤلف على حوادث سنة 1335 ه تحت عنوان: «قلة الماء في حلب ...».

(2) أي في أوج حدّته و قوة فتكه.

(3) الرمكة: نوع من الخيول يتخذ للنّسل.

(4) الياور: لفظة أخذها الأتراك عن الفرس، و معناها: المساعد و المعاون.

358

محسنا للحلبيين متلطفا بهم محبا لصالحهم، كما أن أهل حلب كانوا يحبونه كثيرا. و قصره في محلة السليمية- المعروفة بالجميلية- هو ثاني قصر بني فيها. و لما توفاه اللّه بلغ منهم الأسف عليه مبلغا عظيما رجالا و نساء، و مشى في جنازته منهم زهاء ثلاثين ألف شخص، سوى من كان واقفا منهم على أسطحة البيوت الكائنة في ممر الجنازة من محل سكناه في السليمية إلى التكية المولوية خارج باب الفرج حيث دفن. و قد عمل على قبره الرخام الأبيض المؤزر البديع الصنعة و كان مولده سنة 1268 و هذا العدد يوافق عدد حروف (علي محسن) و هو اسمه.

و في هذه السنة اهتم يحيى بك ألاي بك الجندرمة الدمشقي- من بني الشمعة- بافتتاح مكان في منزله في محلة «الجديدة» لنسج السجاد الذي كان لا يوجد من صنّاعه في حلب سوى شخص أو شخصين. و قد أحضر يحيى بك صناعا من البلاد الشمالية، و عمل في ذلك المحل مكانين أحدهما للرجال و الآخر للنساء، فما مضى غير زمن قليل حتى ظهر من المتعلمين بارعون في هذه الصنعة و استغنوا عن المعلمين، و فشت هذه الصنعة في أكثر محلات حلب و صار السجاد الحلبي مما يتنافس فيه أهل الولع في السجاد. على أن هذه الصنعة كانت معروفة في حلب منذ دهر قديم ثم فقدت إلى أن جددها يحيى بك المومأ إليه.

359

سنة 1322 ه

فيها تم تعمير مستشفى الغرباء في اسكندرونة و سمي المستشفى الحميدي، و هو مشتمل على ثمانية مخادع، كبرى سفلى و عليا، و على سبعة مخادع صغرى، و القسم العلوي منه يستوعب اثنين و خمسين سريرا. و يشتمل أيضا على قاعة كبرى تعرف بالصالون و كانت النفقة على تعميره من بلدية اسكندرونة. و فيها كان الشروع بإحصاء سكان ولاية حلب، فقسمت مدينة حلب إلى أربعة (1) مناطق، عينّ لكل منطقة منها لجنة تتجول في محلاتها و تحصي أهلها. و فيها كان الشتاء شديدا و البرد قارسا، و كثرت أخبار الغرق و الهدم و سقوط الصواعق و موت الناس و الدوابّ بالبرد في شمالي الولاية. و فيها عزل مجيد بك عن ولاية حلب و وليها عثمان كاظم بك، و كان مجيد بك عفيفا عاقلا غير أن ولده نجيب‏ (2) كان سفيها مسلطا على المستخدمين بأخذ أموالهم بالتخويف و التهديد، و كانت أفعاله سببا لعزل والده.

____________

(1) الصواب: أربع.

(2) الصواب: «نجيبا»، و لا يمنع من التنوين.

360

سنة 1323 ه

فيها عزل عثمان كاظم بك عن ولاية حلب و وليها ناظم باشا الشروع بأعمال سكة حديد حلب- حماة

فيها تم الاتفاق بين الحكومة العثمانية و بين شركة سكة حديد حماة و حلب على أن تدفع الحكومة للشركة ثلاثة عشر ألفا و ستمائة و ستة و ستين فرنكا باسم تأمينات عن كل كيلومتر من الخط المذكور الذي تقرر مده من حماة إلى حلب، و المسافة بينهما 143 كيلومتر.

و شاع أن الشركة مزمعة على أن تجعل محطة حلب في غربي البلدة، أي في محلة السليمية بعد أن كانت مصممة على جعلها في محلة قارلق. فقام أهل المحلات الشرقية من حلب و قعدوا و خابروا قائدية العسكرية و وعدوه بإعطاء أراض كثيرة في جوار المحطة التي تكون في ضاحية محلاتهم، فوعدهم بأنه سيجعل المحطة في قارلق. فعارض بذلك أهل المحلات الغربية و كثر اللغط، و حينئذ رأى الوالي ناظم باشا بأن يجمع عددا وافرا من أهل الزراعة و التجارة و يرى أيّ الفريقين أكثر، القائلين بجعل المحطة في قارلق أم القائلين بجعلها في السليمية؟ فانتخب نحو خمسين شخصا و كلفهم الاجتماع عنده و بيان رأيهم لديه.

فاجتمعوا في دار الحكومة نهار الثلاثاء عشرين رجب. و كان قبل الاجتماع بساعة تولّد في هذه المسألة رأي جديد، و هو جعل المحطة في خراب تحت القلعة. فلما اجتمع الناس في ذلك اليوم تبين أن القائلين بجعل المحطة في قارلق ثمانية و في السليمية ثلاثة و عشرون، و في خراب تحت القلعة واحد و عشرون شخصا. فأنهى الوالي بذلك إلى المراجع العليا، و تهافت كل حزب على التلغراف يرفعون فيه الرسائل بطلب جعل المحطة في الموضع الذي أراده. فلم يفدهم ذلك شيئا لأن الشركة و المراجع الاختصاصية متفقون منذ بضع سنوات على جعل المحطة في السليمية.

361

ثم في أوائل رجب بدأ العملة يشتغلون بحفر الأسس و تمهيد الأرض في محلة السليمية عند المحطة الحالية. و تتابع العمل، و في برهة و جيزة من الزمن ارتفعت المباني و تحقق الناس أن المحطة لا تكون إلا في هذه المحلة. و فيها تم إحصاء النفوس في حلب و ملحقاتها فزاد فيه عدد أهل حلب بالنسبة إلى الإحصاء السابق 14585 شخصا، و مع ذلك لم يكن الإحصاء مدققا فإن الناس الذين أخفوا أنفسهم من التسجيل في حلب- و لا سيما في ملحقاتها- لا يقلون عن الثلاثين في المائة، عدا سكان البوادي الرحل فإنهم لم يسجل من عددهم عشرة في المائة. و فيها ورد من قائمقام قضاء إدلب و حارم إلى والي حلب أن بغلة شقراء عند أحمد الحمودي من عشيرة البقّارة و أهل قرية «عري» في قضاء حارم، و بغلة أخرى عند صون آغا تومي- من قرية بقسمتة في قضاء إدلب- ولدت كل واحدة منهما بغلا، و قد أحضر فلو (1) إحدى البغلتين إلى حلب و شاهده كثير من الناس.

ضريبة جديدة:

و فيها ورد الأمر بفرض ضريبة جديدة على الناس اسمها «و يركو شخصي» و ذلك بأن يطرح على كل ذكر بالغ صحيح الجسم مقدار من المال يدفعه عن كل سنة إلى جهة الحكومة، بحيث يكون ملحوظا في مقدار المال حالة الشخص من جهة الفقر و الغنى، على أن تكون أقل المراتب خمسة عشر قرشا في السنة و أكثرها مائتي قرش، و أن المستخدمين في الحكومة يحسم عن كل واحد منهم في السنة من راتبه الشهري راتب يومين إن كان راتبه يبلغ خمسمائة قرش في الشهر، و راتب أربعة و عشرين يوما إن كان راتبه فوق خمسمائة قرش. و قد استاء الناس من هذا الأمر و لا سيما الفقراء منهم، و انتدب كثير من أهل الجد و النشاط يرفعون شكاياتهم إلى السلطان و يسترحمون منه مسامحتهم عن هذه الضريبة الجديدة فلم يلتفت إلى استرحامهم.

و كانت الحكومة باشرت جمع هذه الضريبة في جهات الأناضول، فهاج أهل أرزروم و ماجوا و امتنعوا عن دفع الضريبة و هجموا على الوالي و أهانوه و كادوا يوقعون به. و تفاقم الأمر في تلك البلدة فخافت الحكومة سوء العاقبة و صدر الأمر بإبطال هذا المكس الجديد

____________

(1) الفلو هنا: ولد البغل. و يطلق أيضا على ولد الحصان (أي المهر).

362

الذي لم تمتنع الرعية عن دفعه إلا لعلمها بأنه سيكون من جملة ما يصرف على الخونة و المستبدين و الجواسيس اللائذين بقصر يلديز، فقد كان القسم الأعظم من مداخيل الدولة تدخل هذا القصر و تختفي فيه، و ما يبقى منها خارجه يصرف في سبيل الفسق و الفجور، و جنود الدولة و حماتها و المستخدمون فيها و من له راتب على وظيفة شرعية يتململون على نار الفقر و الفاقة لتأخر رواتبهم و حبس جراياتهم عنهم بسبب فقر بيت المال، و ما فيه من فقر و لكن الظالمين كانوا متسلطين عليه. و في هذه السنة كان الجراد في ملحقات حلب كثيرا و لا سيما في قضاء الباب. و لما كان فصل الشتاء اهتمت الحكومة بجمع بزره و إتلافه فجمع من ذلك القضاء فقط 3395 شنبلا حلبيا و مجموع ذلك 169150 أقة.

363

سنة 1324 ه

فيها- في آذار- كان البرد في ولاية حلب شديدا و الأمطار غزيرة، و قد تواردت الأخبار من أورفة و إدلب و جسر الشغور بموت عدة أشخاص على الطرقات من شدة البرد و كثرة الأمطار و زوابع الثلج. و في هذه السنة قدم على حلب عدد عظيم من مهاجري قافقاسيا و داغستان و غيرهما من الأمم الإسلامية الذين هم تحت حكم الدولة الروسية، و قدم آخرون من مهاجري جزيرة كريد، فاهتمت الحكومة بإسكانهم في ولاية حلب، و خصصت لهم في أكثر أقضيتها جهات عمرت لهم فيها المنازل، و أعطت كل ذي عائلة منهم قدر ما يكفيه من الأراضي ليزرعها و يعيش من خيراتها. و الجهات المذكورة هي قرية خناصر- في قضاء منبج- و قرية رعده لى في قضاء كلز، و قطعة أرض من مدينة إسكندرونة، و قرية بالطه جي في قضاء أنطاكية، و قطعة أرض في مدينة الرقة.

وصول قطار سكة الحديد إلى حلب:

و في يوم الخميس 12 جمادى الثانية الموافق 20 تموز سنة 1322 رومية وصل إلى محطة شمندوفر (1) حلب و حماة- المتقدم ذكرها- قطار من واغونات (عجلات) العمليات، و هي أول عجلات سكة حديدية وصلت إلى حلب، و كان الناس قبل أيام يخرجون إلى المحطة ألوفا مؤلفة للتفرج على مدّ قضبان الحديد، و منهم من يتوجه إلى جهة جسر الحج للتفرج على أعمال السكة، إلى أن كان مساء يوم الخميس المذكور أقبل القطار المتقدم ذكره و هو مزين بأنواع الرايات، و حوله في المحطة ألوف من الناس يشاهدون وصوله.

ثم في يوم الخميس 16 شعبان الحادي و العشرين من أيلول سنة 1322 رومية جرى‏

____________

(1) أي الخط الحديدي. و الكلمة فرنسيّةChmin de fer .

364

الاحتفال بتدشين سكة حديد حلب و حماة على صفة باهرة، فحضر الوالي و قائد العسكرية و من دونهما من المأمورين و الأمراء و الأعيان و الوجهاء، و بعض أدباء حلب و بيروت و تلامذة المكاتب، فتليت الخطب و عزفت الموسيقى العسكرية، ثم ذبحت القرابين و دخل عظماء الناس إلى حجرة من من حجرات المحطة أعدّت فيها أنواع من الأطعمة الباردة فأكلوا ثم ركبوا عجلات الشمندوفر و هي مزدانة بالرايات العثمانية. و كان واقفا على طول الخط من المحطة إلى قرب جبل الجوشن صف من الناس يعدون بالالوف، و ركب جوق الموسيقى العسكرية عجلة أخرى و طفق يترنّم باللحن الحميدي و الأنغام المطربة. ثم سار القطار إلى قرية الوضيحي التي تبعد عن حلب مسافة خمسة عشر (كيلومتر) و هناك استراح الركاب قدر نصف ساعة ثم عاد بهم القطار إلى حلب و هم يشنّفون أسماعهم بأنغام الموسيقى.

و لما وصل إلى المحطة أكرم الحاضرون بالمرطبات و القهوة و انصرفوا إلى أماكنهم.

و فيها ألحق بقضاء أنطاكية عدة قرى كانت من أعمال جسر الشغر، و هي: جقصونية و جوقاق و سيلوه، و شمره جق و جيله و جوراق، و ميادون و باملكه و حاجي باشا، و كولي و طاملاينه و عاقليه و دوايته، و أوج أغز و جقور أوراق، و قارلق و باسيه و عين فوار. و ألحق بقضاء الجسر عدة قرى كانت من أعمال قضاء أنطاكية و هي: زرزور و هبته و عين ثابت، و بيرون و دوز أغاج و الحمام، و دستور فوقاني و عين سماق و عين الخنزير، و أستاريه و تروف و كوجوك كين، و باغ ببلي و موبلين و زنباقيه و حسيني قرب. و فيها اهتمت البلدية بفرش البلاط على الجادة الكبرى الممتدة من باب دار الحكومة إلى حضرة السهروردي. فاختل بعد مدة و جيزة و أكلته بكرات العجلات فقلبته البلدية و فرشت الجادة بحجر أسود فاستقام أمره. و فيها- في كانون الثاني- كثر تساقط الثلوج على مرعش و ضواحيها و اشتد القرّ فهلك بسبب ذلك عدد من الناس و الدوابّ.

365

سنة 1325 ه

مصابيح لوكس:

فيها أحضرت البلدية من مصنع لوكس نحو سبعة مصابيح و ركزتها في أشهر فسحات حلب، و هي أول مرة استصبح فيها بحلب بالمصابيح المذكورة، و الناس في حلب يسمونها الكهرباء.

و فيها- في حزيران- خصصت الحكومة في المكتب الإعدادي بحلب مكانا لأعمال تربية دودة القز، و أباحت الدخول إليه كلّ من أراد أن يشتغل بتربية الدودة المذكورة، و وعدت السابق منهم بنوط (1) و نقود. فأقبل على ذلك المكان صنّاع القز من حلب و أنطاكية و أعطت السابق منهم الجائزة الذي وعدت بها. و فيها في أيلول أجرت الحكومة سباق الخيل في أرض الحلبة و وعدت من يحوز قصب السبق بجائزة نقدية قدرها ليرتان إلى خمس و عشرين ليرا، أدنى السابقين ليرتان و أعلاهم خمس و عشرون ليرا. و كان ذلك اليوم مشهودا حضره الأمراء و عظماء المأمورين و الوجهاء و الأعيان و ألوف من الناس. و هي أول مرة أجرت الحكومة العثمانية في حلب سباق الخيل.

و فيها وضع في خان أقيول مطحنة إفرنجية عظيمة قوة محرّكها 58 حصانا تنقّي الحبوب و تغسلها و تطحنها و تنخلها، و هي تدور بقوة تسمى الغاز الفقير، يتولد من الفحم الحجري أو النباتي. و هي أول مطحنة من هذا النوع وضعت في حلب، و كان وضع قبلها بسنة في برية المسلخ مطحنة بقوة خمسة و أربعين حصانا يدور محركها بقوة زيت البترول المعروف بالكاز. و قبلها وضع في حلب و غيرها من بلدانها مطاحن عديدة من هذا النوع، و هي و معامل الجليد آخذة بالزيادة يوما فيوما.

____________

(1) يعني بمكافأة أو تقدير، أو ما يشبه ذلك.

366

سنة 1326 ه

فيها- في حزيران- ورد من الجهات الشرقية جراد طيّار نزل في حلب و ضواحيها و كثير من مضافاتها، فأكل الزروع الصيفية كالقطن و السمسم و البطيخ، و ما يوجد في بساتين حلب من الخضر كالباذنجان و الخيار و القثاء، حتى غلت أسعارها و عزّ وجودها.

و كان يتهافت على قناة حيلان و نهر قويق تهافت الفراش على النار، ففسد ماؤهما و خيف من ضرره، فقطعت البلدية ماء القناة عن حلب و صرفته إلى النهر، و كان الحر شديدا فاشتد احتياج الناس إلى الماء و صاروا يتكبدون في الحصول عليه مشقة عظيمة. و في محرّم هذه السنة قدم على حلب والدة شاه العجم و أخوه ناصر الدين ميرزاخان و احتفلت الحكومة باستقبالهما و إكرامهما.

النداء بالدستور و قلب الحكومة العثمانية من الحالة المطلقة الاستبدادية (الأتومقراطية) إلى حالة المشروطية المقيدة (الدمقراطية)

في تاسع تموز سنة 1324 رومية المصادف شهر جمادى الثانية من هذه السنة ورد من استانبول بلسان البرق رسالة بتوقيع سعيد باشا الصدر الأسبق، مآلها أنه تعيّن الآن لمسند الصدارة. ثم في ثاني يوم ورد منه بلسان البرق رسالة أخرى تشعر بأن السلطان قد أمر بإعادة مجلس النواب- المعروف بمجلس المبعوثان- الذي مضى على إغلاقه بضع و ثلاثون سنة. ثم أخذت الرسائل البرقية و الكتب المرسلة مع البريد تتوارد كل يوم مذيعة أنه نودي في الآستانة بالحرية و المساواة.

العفو عن المنفيين:

و عقيب ذلك بأيام قلاقل وردت الأوامر إلى الحكومة بصدور العفو العام عن المنفيين‏

367

في جميع جهات البلاد العثمانية، الذين كان نفيهم لجرائم سياسة (المراد هنا بالجرائم السياسية غضب السلطان عبد الحميد عليهم بسبب مسّهم إياه بكلمة، أو إشارة إلى بعض مظالمه).

و كان منهم في حلب زهاء خمسين منفيا، عدا من كان يوجد منهم في بقية بلاد حلب، و هم ما بين أمير ملكي و قائد عسكري، و أديب و كاتب، و مهندس و طبيب. فسرّوا من هذا الخبر سرورا عظيما، و أخذوا يسافرون إلى أوطانهم زمرة بعد زمرة حتى لم يبق منهم واحد. و كان أكثرهم مقيما في محلة الجميلية، ففرغت منهم المنازل التي كانوا يسكنونها و هبطت أجورها، و بقي الكثير منها فارغا مدة طويلة.

صدور الأمر بإطلاق السجناء:

و فيها ورد الأمر بصدور العفو عن السجناء المحكومين بجرائم سياسية. و في ثاني يوم من ورد هذا الأمر اجتمع تجاه دار السجن جماعة من كبار الموظفين الملكيين و العسكريين، و أخرج من السجن نحو عشرين شخصا محكومين بجرائم سياسية و أكثرهم من الأرمن، فألقيت عليهم الخطب الحبيّة، و خوطبوا بالإخاء و بنوة الوطن، و التوجع و الأسف على ما كان من حبسهم و اضطهادهم ظلما و عدوانا في أيام الاستبداد الحميدي. ثم عانقهم أكثر الحاضرين و ودعوهم و انصرفوا إلى أوطانهم و كان ذلك الموقف مؤثرا لم تملك العيون فيه دموعها. و في هذا اليوم جرى مثل ذلك في جميع سجون الولاية من الألوية و الأقضية.

إبطال التجسس:

و في هذه الأيام أبطلت الجاسوسية المعروفة باسم: خفية. و فيها- في 24 تموز- ورد بلسان البرق أن كامل باشا الصدر الأسبق قد تبوأ مسند الصدارة بدل سعيد باشا.

صدور الترخيص بالسفر:

و في هذا التاريخ ورد من نظارة الداخلية بلسان البرق صدور الإذن العام لكل عثماني أراد السفر من بلده إلى بلدة أخرى من البلاد العثمانية أو غيرها من البلاد الأجنبية. فسرّ الناس من هذا الإذن سرورا زائدا، خصوصا طائفة الأرمن و بقية الطوائف المسيحية، و ذلك أن من كان يريد السفر من بلده في أيام الاستبداد الحميدي فرارا من الظلم و الجور يتكبد عرق القربة بالحصول على تذكرة المرور. هذا إذا كان سفره لغير أميركا، أما إذا

368

كان سفره إليها فإنه يكاد يستحيل عليه أن يسافر إليها إلا هربا، خصوصا إذا كان من جماعة الأرمن، حتى إنه كان يوجد في كثير من ثغور البحر الأبيض- كبيروت و حيفا و صيدا- شركات لتهريب المسافرين إلى البلاد الأميركية، فكانت الشركة تأخذ ممن يريد السفر إلى تلك الجهات ليرتين إلى عشر ليرات، و تهرّبه بواسطة زورق تحمله فيه من فرضة عسرة المسلك أو بعيدة عن العمران. و كثيرا ما كان ولاة بيروت و رجال الدرك فيها يأخذون من تلك الشركات شيئا معلوما على كل مسافر فيجتمع لهم من ذلك مقدار عظيم من المال.

و في أوائل رجب منها قرر أمراء العسكرية و ضباطها- و من انضم إليهم من موظفي الحكومة و الأعيان في حلب- بأن يحتفلوا بزينة و إحياء ليلة لسماع الموسيقى و آلات الطرب و إلقاء الخطب التي موضوعها التنويه بالحمد و الشكر على المناداة بالقانون الأساسي، و عود مجلس المبعوثان، و انتشار راية الحرية و العدل و المساواة بين جميع العناصر العثمانية، على أن يكون إحياء تلك الليلة في بستان الشاهبندر ليلة الاثنين 6 رجب الموافق 22 تموز الرومي. و في مساء يوم الأحد أقبل الناس إلى البستان المذكور، و لما انتظم عقد المدعوين قام الخطباء يتلو بعضهم بعضا يلقون الخطب باللغتين التركية و العربية، مآلها ما ذكرناه، و هي أول خطب ألقيت في حلب بعد قرون طويلة لم ينقل إلينا التاريخ في أثنائها أن أحدا ألقى في حلب خطبة سياسية على رؤوس الأشهاد، فيها بيان خطأ سلطان أو خليفة أو أمير، حتى زالت هذه الملكة من علماء حلب و كتّابها، و صار يعسر على النابغة منهم إيراد خطبة و لو على المنبر خصوصا في أيام السلطان عبد الحميد. و لذا كانت تلك الليلة مما دهش له الناس حينما سمعوا الخطباء تنطق ألسنتهم في مدح العدل و الحرية و المساواة و التنديد بالظلمة و المستبدين. غير أن بعض من لا خلاق لهم من العامة أصبحوا بعد تلك الليلة يتظاهرون بالفسق و الفجور و عدم المبالاة بالحكومة، لفهمهم بأن الحرية التي نودي بها هي عبارة عن الرخصة لكل إنسان أن يعمل كل ما يريده دون قيد أدبي أو ديني.

و بعد هذه الليلة بدأ الحزب المتقهقر قبل إعلان الحرية يطلقون ألسنتهم علنا بذكر مظالم السلطان عبد الحميد و تنفير القلوب منه، و ذكر مساوى‏ء حاشيته و أعوانه و جواسيسه و يصرّحون بشتمهم و لعنهم. فارتاع لذلك أهل الصيّال قبل الإعلان المذكور في حلب و غيرها، و ظهر على عظمائهم و عتاتهم الذل و الانكسار، فانزووا عن الناس و لزموا بيوتهم.

369

ثم بعد أيام قليلة تألّف في المكتب الإعدادي الملكي جمعية عظيمة قوامها الضباط و بعض المأمورين و جمهور من أهل البلدة، فاختاروا من الحاضرين جماعة سموّهم جمعية الاتحاد و الترقي العثماني، و ألقي في ذلك الاحتفال الخطب التي مآلها مدح الحرية و المساواة و بيان مظالم بعض الأسر الحلبية و كثرة جورهم و تعديهم. و قد جعلت هذه الجمعية فرعا لجمعية الاتحاد و الترقي العثماني في سلانيك المنعقدة تحت رياسة أنور بك و نيازي بك بطلي هذا الانقلاب. و قد تحالفت هذه الجمعية بجميع فروعها على التفاني و التهالك في سبيل المحافظة على تنفيذ أحكام القانون الأساسي و الضرب على يد كل من خالفها و حاول المروق عنها.

و جعل لهذه الجمعية فروع في جميع ألوية الولاية و أقضيتها أسوة بأمثالها من الولايات العثمانية، و عمل لها زينة في كل لواء و قضاء، و عين لها مكان للاجتماع يسمى (كلوب).

و أول شي‏ء قامت به هذه الجمعيات هو السيطرة على المأمورين و تدقيق أحوالهم فكانت الجمعية متى سمعت بموظف يميل إلى الرشوة و المحاباة ترسل إليه من يتهدده و يتوعده فلا يلبث غير قليل حتى يستقيل من وظيفته. و بهذه الواسطة استقال نحو نصف الموظفين الذين كانوا متخذين الوظيفة وسيلة لجمع المال، غير مبالين- في سبيل الوصول إلى رغائبهم- من تضييع الحقوق و تخريب البيوت و تخليد الأبرياء في السجون. على أن كثيرا من ذوي الأغراض و المقاصد السيئة صاروا ينسبون أنفسهم إلى هذه الجمعية الحرة و يتسلطون على الحكّام و الموظفين البريئين من دنس الجرائم. و لهذا بدأ الناس ينقمون على الجمعية بعض أعمالها و ينددون بانحرافها عن جادة العدل التي لم تنعقد الجمعية إلا لأجل السلوك عليها.

و قد جرى نظير ذلك في الآستانة و أكثر البلاد العثمانية، حتى فطن مركز الجمعية الكبرى في سلانيك بأعمال هؤلاء المتطفلين عليها، فصارت ترسل إنذاراتها إلى الولاة و تحذرهم من مجاراة أولئك المتطفلين، و تظهر تبرّؤها منهم و من أعمالهم. غير أن الولاة كانوا لا يقدرون على منعهم و التعرض إليهم فوقعوا تحت نير تسلطهم و صاروا مغلوبين على أمرهم مغلولة أيديهم عن مباشرة إصلاح أحوال ولاياتهم و تنظيم أمورها، فأصبحت الحالة بسبب ذلك شبيهة بالفوضى، و كثر التجاهر بالمعاصي و الفجور، و نهض أهل الدعارة و اللصوص في المدن و القرى يتصدّون لقطع الطرق و سلب أموال الناس، و قام القرويون يطردون من قراهم أصحابها و ينتهبون مدخرات حبوبهم و أصبح الناس في أمر مريج.

370

و فيها- في أواخر فصل الربيع- قدم على حلب و الجهات الشرقية من ولايتها جراد كثير أتى على ما في البساتين من الخضر و البقول، و أكل ما في القرى من الزروع الصيفية كالبطيخ و القطن و السمسم، ثم غرز في الجهات المذكورة، فخاف الناس ضرره في العام التالي و ضنّ أهل الثراء من المزارعين و المحتكرين بما عندهم من الحبوب فحبسوها عن البيع، فارتفعت أسعارها ارتفاعا فاحشا، و بيع شنبل الحنطة بمائة و عشرة قروش بدل ثمانين قرشا.

و كان شمندوفر (1) حلب و حماة ينقل من حلب كل يوم إلى ثغر بيروت نحو خمسمائة شنبل، فقام فقراء الناس و غوغاؤهم و اجتمعوا، و أقبلوا جماهير على دار الحكومة يطلبون منها منع تسفير الحبوب بالشمندوفر. فلم تلتفت الحكومة إلى طلبهم مستندة على قاعدة (التجارة حرة) و حينئذ اجتمع من عامة الناس جمهور عظيم.

و في ضحوة يوم الخميس 24 رجب و السابع من آب هاجوا و ماجوا و تراكضوا في الأسواق و الشوارع، ينهبون ما يجدونه في الدكاكين و الخانات من الأموال و الأقوات و يصيحون و يضجون، فأجفل الناس من أمامهم و أسرعوا لقفل حوانيتهم، و وقع الفزع في قلوبهم فتراكضوا إلى منازلهم. و نمي الخبر إلى الوالي ناظم باشا و القائد العسكري باكير باشا فأسرعا الكرّة نحو باب الجنان لردع هؤلاء الغوغاء و صدّهم عن خانات الحبوب الموجودة هناك، و صحبا معهما عددا كافيا من العساكر فلم يبال الدّعّار بذلك ظنا منهم أن الحرية تبيح لهم هذا العمل، فظلوا منهمكين بنهب الحبوب و التطاول على الناس. و حينئذ أمر القائد بعض الجنود بإطلاق الرصاص عليهم تهديدا و تخويفا، فأطلقوا عياراتهم فخافت تلك العصابة من هجوم العساكر عليهم فوقفت عن حركتها، ثم هرب بعضها و ألقي القبض على آخرين و زجّوا في السجن. ثم تتبعت الحكومة المنهزمين و قبضت عليهم و زجّتهم في السجون، و بعد الفحص و التحقيق عنهم أطلقت البري‏ء منهم و نفت المتعدّي إلى البستان و غيرها. حتى إذا كانت أوائل شوال هذه السنة أطلقت سراحهم من المنفى.

على أن الحكومة بعد انقضاء هذه الحادثة رأت طلب الناس منع إخراج الحبوب إلى خارج الولاية صوابا، فأصدرت أمرها إلى البلدية بمنع تسفير الحبوب بالسكة الحديد، و أقامت الخفراء لمنع التسفير على محطة حلب و الوضيحي، وبو الظهور، و أمّ ارجيم‏

____________

(1) أي الخط الحديد، كما سبق قبل بضع صفحات.

371

و الحمدانية. فانقطع تسفير الحبوب و وقفت أسعارها عن التصاعد. و كان هذا المنع صوابا لأن الجراد الذي كان غارسا في جهات الولاية لم يأت عليه شهر نيسان حتى نقف و أخذ يزحف على الزروع، فأكل جميع حقول الشعير، و نحو ثلاثة أرباع حقول الحنطة و القطاني، فارتفعت الأسعار ارتفاعا فاحشا و بيع شنبل الحنطة بمائة و خمسين إلى مائة و ثمانين بدل مائة و عشرين قرشا. هذا مع منع تسفير الحبوب و مجي‏ء الحبوب و الدقيق من حماة و دمشق كل يوم. و لو لا ذلك لعدمت الأقوات و أكل الناس بعضهم، و قد تبعت أسعار الأقوات بعضها فارتفع سعر الزيت من 15 إلى 30 و سعر السمن من 35 إلى 70.

خطبة عامة في الجامع الكبير:

و في أواخر شعبان هذه السنة قدم من استانبول على حلب رجل من أذكياء علماء كركوك يقال له الشيخ عناية اللّه أفندي، و كانت جهة مقصده الموصل و هو عضو سيّار في جمعية الاتحاد و الترقي العثماني. و في يوم قدومه إلى حلب قصد منزل الوالي ناظم باشا و استدعى بواسطته طائفة من علماء حلب فأطلعهم على منشور عضويته، و كلفهم أن يسعوا بحشد الناس و جمعهم في مكان فسيح ليلقي عليهم خطبة أمرته الجمعية بإلقائها في جميع البلدان التي يتجول بها. فقر الرأي على حشد الناس في الغد في الجامع الكبير. و في صبيحة الغد خرج أشخاص ينادون في الأسواق بما معناه: (معاشر الناس من كل ملة و دولة، سيلقى بعد الظهر في الجامع الكبير خطبة فاحضروا لسماعها).

و بعد ظهر ذلك اليوم أقبل الناس إلى الجامع الكبير مسلمين و مسيحيين و إسرائليين و إفرنج حتى غصت بهم رحبة الجامع، و كان الشيخ عناية اللّه واقفا على الدكّة الحجرية في وسط رحبة الجامع، و معه الوالي و جماعة من أهل العلم. فاعتلى كرسي الخطابة و افتتح خطبته بصوت جهوري و ما زال يتلوها مرتلة حتى أتى على آخرها، و قد استغرفت تلاوتها نحو نصف ساعة، و خلاصتها: حمد اللّه تعالى و شكره على نعمة الحرية و المساواة و العدالة و الاتحاد، و مدح هذه الخلال و بيان فضائلها و الحثّ على التزامها و عدم الحياد عنها، و أن تكون الأمة العثمانية على تمام الوفاق و التحابب مع بعضها مهما اختلفت مذاهبها و مشاربها، و أن هذه الأمور هي أقصى غايات جمعية الاتحاد و الترقي العثماني التي سعت بقلب الحكومة العثمانية من الحكومة المطلقة إلى الحكومة المقيدة المعروفة بالمشروطية، و أن المشورة من‏

372

المسائل التي أمرت بها الشرعية (1) المحمدية بلسان القرآن العظيم، و أن مجلس المبعوثان هو عبارة عن مجلس الشورى و أن الواجب على الأمة ألّا تنتخب لهذا المجلس إلا من عرف بالعلم و الاستعداد و الصلاح و التقوى إلخ ما قال.

افتتاح نادي جمعية الاتحاد:

و في أواخر شعبان أيضا فتح في فندق خان قورت بك مكان سمي منتدى جمعية الاتحاد و الترقي العثماني و يعرف عند الأتراك باسم (كلوب)، يجتمع فيه أعضاء الجمعية المذكورة للمذاكرة و المفاوضة. و قد أقبل الناس عليه يسجلون أسماءهم بدفتر الجمعية، و بعد أن يحلفوا للجمعية يمين الإخلاص تعتبرهم من حزبها. و في يوم افتتاح هذا المنتدى حضر الوالي و القائد العسكري و جمهور من العلماء و الأعيان و لفيف من كهنة الطوائف المسيحية و تليت فيه الخطب باللغة التركية و العربية، و كلها ترمي إلى غرض واحد و هو مدح المشروطية و الحرية و الاتحاد و العدل و المساواة.

انتهاء مرمّات الجامع الكبير:

و في رمضان من هذه السنة انتهت مرمّات الجامع الكبير التي كان الشروع فيها منذ سنة، و هي تجصيص أكثر جدران الجامع داخلا و خارجا و ترميم الرواق الشرقي من جهة الحجازية، و توسيع باب الحجازية المذكورة و توسيع شبّاكها و فرشها بالرخام، و تجديد رخام الرواق الشرقي و الرواق القبلي، و توسيع باب قبلية الأحناف من جهة الغرب و توسيع باب القوافين و غير ذلك، و رفع طرابزون كان يتوسط القبليتين و يقطعهما شطرين طولا من الشرق إلى الغرب، و نقل سدّة قبلية الأحناف إلى محلها الحالي، و فرش هذه القبلية بالسجاد الجديد و تنويرها بمصابيح لوكس و غير ذلك.

و قد بلغت النفقات على هذه الإصلاحات زهاء ثلاثمائة ألف قرش هي بدل أحكار معجّلة عن أراض ظهرت جديدا في جهات التلل قرب محلة العزيزية و كانت قبلا غير معروفة أنها من جملة أوقاف الجامع. و كان العمدة في هذا الترميم مفتي حلب الشيخ محمد العبيسي‏

____________

(1) كذا في الأصل و لعلها: «الشريعة».

373

الحموي. و للوالي ناظم باشا في هذا الترميم و استحصال الأرض سعي يستحق أن يذكر فيشكر.

و في هذا الشهر أيضا ورد على حلب وفد من جمعية الاتحاد و الترقي العثماني، فاحتفلت الحكومة باستقبالهم و أنزلتهم في فندق دوبارك في بستان الشاهبندر، على نفقة البلدية التي عملت لهم ضيافة حافلة حضرها الوالي و القائد العسكري و غيرهما من كبار الموظفين، و تليت الخطب و عزفت الموسيقى العسكرية، و كانت ليلة حافلة.

إبراهيم باشا ابن معمو التمّو:

و في هذا الشهر أيضا مات إبراهيم باشا ابن معمو التمّو الكردي، في الموضع المعروف بتل شرّابة، بين قضاء نصيبين و لواء الزور، و هو من عشيرة كردية يقال لها عشيرة الملية تبلغ زهاء أربعمائة بيت، تقيم تحت خيام الشعر في جهات «ويران شهر» من أعمال قضاء رأس العين التابعة لواء الزور. و الرجل المذكور شيخها و رئيسها، و كان والده توفي في حلب في حدود سنة 1295 و دفن في زاوية الشيخ جاكير خارج باب النيرب فخلفه ابنه هذا في المشيخة على عشيرته، و كان يعرف إذ ذاك بإبراهيم آغا. و بعد أن صار شيخ العشيرة المذكورة اقتفى أثر آبائه و أجداده في شن الغارة على العشائر الكردية و العربية و أسرف بالنهب و السلب، خصوصا في عشيرة قره كج فإنه لم يبق لها سبدا و لا لبدا (1).

و لما كثر تشكي هذه العشائر منه أمسكته حكومة ولاية ديار بكر و نفته إلى سوارك، فبقي فيها إلى حدود سنة 1297 و فيها استغاث بوالي حلب جميل باشا و قدم له تقدمة جزيلة، فسعى باستقدامه إلى حلب فحضر إليها و معه الخيول المطهّمة (2) العربية هدية خص بها الوالي المشار إليه، فشفع به عند السلطان عبد الحميد و صدر العفو عنه و عاد إلى وطنه «ويران شهر». و لما تألفت الكتائب الحميدية من سكان البوادي مضاهاة لكتائب القوزاق في دولة روسية، جعل إبراهيم آغا مقدّم مائة ثم مقدّم ألف ثم أمير لواء، و من ذلك الوقت صار يدعى إبراهيم باشا. و قد كثرت أتباعه و شيعته و استقدم إلى الآستانة لعرض كتيبته فشخص إليها مع عدد وافر من عشيرته الجند «الحميدي» البالغ حد النهاية بحسن البزّة

____________

(1) أي لم يبق لها شيئا قليلا و لا كثيرا. و هما في اللغة كناية عن الإبل و الغنم.

(2) أي الحسنة التامة، أو المتناهية الحسن.

374

و الرونق. و قدّم إلى السلطان عبد الحميد من الخيول العربية و السّمن العربي ما جعله يعتقد أنه من خواصّ محبّيه و مواليه. و اتصل بوالدة السلطان و قدّم لها مبالغ طائلة فسرّت منه أيضا و دعته بقولها: أنت ابني. و أحسن إليه السلطان بالأوسمة العظيمة و أمر بأن يبلّغ سلامه.

ثم عاد إبراهيم إلى وطنه فازدادت سطوته و عظمت نكايته و صارت أتباعه تشنّ الغارة على العشائر المجاورة له، و القرى التي هي من أعمال أورفه و ولاية ديار بكر. حتى خرب الكثير منها بسبب جلاء أهله عنه و ضرب على القفول و الكروان‏ (1) التي تمر من تلك النواحي ضريبة من المال تدفع إليه و إلا سلّط أتباعه عليها و انتهبوها. فضج أهل تلك الجهات من جوره و واصلوا الشكايات عليه لحكوماتهم مدة طويلة فلم يجدهم ذلك نفعا، لأن الولاة كانوا لا يجسرون على الإيقاع به لعلمهم بالتفات السلطان إليه. و لشدة اشتهار أتباعه و مواليه بالنهب و السلب صار كثير من الدعّار و الشطّار الأجانب عنه يقطعون الطرقات و يتسمّون بأسماء أتباعه و أعوانه. فعظم ضرر الناس من ذلك و أخذوا يوالون التشكي عليه إلى الدوائر الكبرى في الآستانة: كالباب العالي، و نظارة الداخلية و الكتابة الأولى في «المابين» (2). و شخص جماعة من بلاد الرها إلى الآستانة للتشكي عليه و بذلوا في إزالة ضرره النفيس و الغالي، فلم يحصلوا على طائل و رجعوا بالخيبة لأن تلك الدوائر كانت تعلم أيضا أن إبراهيم ملحوظ السلطان و أحد منابع استفادته.

ثم شرع الناس يتشكون منه لذات السلطان على لسان البرق مخاطبين إياه بلهجة عنيفة غير مبالين بما كان عليه من الشدة و الجبروت، و تجهز منهم جماعة من أهل الثراء و سافروا إلى الآستانة بقصد التظلم من أعمال هذا الرجل و صرفوا على نوال غايتهم المبالغ الوفيرة و الأعوام العديدة فأخفق سعيهم و عادوا خائبين. و كان هذا الرجل لا يفتر شهرا واحدا عن تقديم الهدايا إلى السلطان و والدته و كبار جواسيسه و مطبخه و إصطبله، يقدّم إلى السلطان و والدته و بعض جواسيسه النقود الكثيرة، و إلى المطبخ صناديق السمن، و إلى الإصطبل الخيول الأصائل. و بهذه الواسطة كان السلطان لا يسمع فيه وشاية و لا يصغي‏

____________

(1) أي القوافل.

(2) المابين: الجناح الإداري الملحق بقصر السلطان و المرتبط بأوامره مباشرة.

375

لشكوى أحد منه. ثم لما تمادى الرجل على بغيه و عدوانه هاج الناس و ماجوا في ولاية ديار بكر و حلب و أخذوا يوالون فيه الرسائل البرقية المشتملة على أشد العبارات التي يخاطب بمثلها ذلك السلطان العظيم. و قد ساعدهم والي حلب و والي ديار بكر و أيّدا شكاويهم و جعلاها مصبوغة بصبغة سياسية.

و حينئذ خشي السلطان عاقبة الإغضاء عنه إلى ذلك الحد فأصدر إرادته بتأليف لجنة من عدة أشخاص للفحص عن أحوال هذا الرجل على أن يكون محل اجتماع هذه اللجنة في مدينة ديار بكر و أن يكون ثلاثة أشخاص من هذه اللجنة من مدينة حلب و شخص من مدينة حماة و آخر من أورفة و بقية أعضاء اللجنة من ديار بكر و رئيسها واليها. فاختار مجلس إدارة حلب أن يعيّن لهذه اللجنة من ديار بكر، و رئيسها واليها. فاختار مجلس إدارة حلب أن يعيّن لهذه اللجنة مرعي باشا الملاح و الشيخ حسين أفندي الأروفه‏وي و أحمد أفندي ميسّر. و بعد أن أخذوا نفقات طريقهم و فرض لكل واحد منهم يومية كافية، سافروا إلى ديار بكر و اجتمعوا مع باقي إخوانهم و شرعوا يفحصون أحوال هذا الرجل فحصا مدققا، فظهر لهم صدق شكاوي الناس عليه و أنها غير مبالغ فيها، إلا أنهم رأوا أن تمام التحقيق عنها متوقف على استجوابه عما نسب إليه لعله يدلي به عذرا، فأرسلوا بطلبه فلم يحضر و أرسل يعتذر بأنه منحرف الصحة، فلم يجسروا على إحضاره قسرا لعدم الرخصة لهم بذلك. و لما لم يروا فائدة من مثابرتهم على التحقيق عن أحواله حلّوا عقدة اجتماعهم و عاد الغرباء منهم إلى أوطانهم بعد أن غابوا عنها زهاء ستة أشهر.

ثم في شعبان هذه السنة أصدر السلطان إرادته بإشخاص إبراهيم باشا المذكور إلى الحجاز لينضم إلى الجنود السلطانية المخيّمة هناك و يعاونهم على ردع قبيلة عوف و هوازن و غيرهما من القبائل العربية التي قامت تعارض الدولة في مدّ السكة الحديدية من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة. فامتثل إبراهيم الأمر و نهض من محلّه «ويران شهر» و قصد الحجاز من طريق حلب فوصل إليها في بضعة أيام، و نزل هو و عساكره الحميدية في الميدان الأخضر تحت خيام قدمت لهم مع الأطعمة و العلف من قبل الثكنة العسكرية. و قد استقبله الوالي و القائد العسكري و احتفلت الحكومة بنزوله احتفالا باهرا. و بعد أن بقي في حلب بضعة أيام بارحها إلى جهة دمشق على قطار السكة الحديدية، و ما كاد يستقر في دمشق قراره إلا و حدث الانقلاب و نودي بالدستور، فارتاع إبراهيم باشا من ذلك و خاف أن يلقى القبض‏

376

عليه لما يعلمه من نفسه بأنه أول من يستحق العقوبة و التنكيل على سابق أعماله، فأظهر للمشير في دمشق أنه يريد الرجوع إلى حلب ليحضر بقية جنوده. و قبل أن يأذن له المشير بالرجوع إلى حلب نهض من دمشق في الليل و كرّ راجعا إلى وطنه من طريق حلب إلا أنه لم يدخلها بل توجه إلى جهة «ويران شهر» من خارج حلب.

و حينما تحققت الحكومة هربه أرسلت في طلبه الجنود من حلب يقتفون أثره فلم يدركوه إلا في جهات ماردين معتصما في جبل هناك، فشددوا عليه الحصار مدة شهر، و لما علم بأن لا مناص له من سطوة الجنود ركب جواده و قصد أن يسلم نفسه طائعا مختارا. و كان التعب و السهر قد أنهكا جسمه و استولى عليه الهم و الغم، و بينما هو راكب جواده إذ وقف و نزل إلى الأرض و في برهة دقائق فاضت نفسه. و المروي عن هذا الرجل أنه كان يوجد عنده نحو مليونين من الليرات و أنه عمل نفقا خفيا في الأرض و كنزها فيه، و أن المعمار الذي عمل له هذا النفق قتله حالما فرغ من عمله كيلا يخبر عنه. و قيل إن هذا النفق لا يدري مكانه سوى ولده الكبير و اللّه أعلم. و على كل حال فإن إبراهيم باشا كان على جانب عظيم من السخاء و الدهاء و الشجاعة، يتكلم باللغة الكردية التي هي لغة آبائه و أجداده و عشيرته، و باللغة العربية التي هي لغة أمه و زوجته، و باللغة التركية التي هي لغة الدولة.

و يذكر أنه أنشأ في سواريك مكانا شبه تكية يطعم فيها الفقراء و المسافرون (رحمه اللّه).

الشروع بانتخاب النواب المعروفين بالمبعوثان:

و فيها في رمضان وردت المضابط من مراكز أقضية الولاية تفيد بأن عدد ذكور الولاية الذين أعمارهم فوق الخامسة و العشرين 284102 نسمة، فاتضح من ذلك أن عدد المبعوثين الذي يجب انتخابهم من ولاية حلب ستة أشخاص لكل خمسين ألف ذكر تقريبا شخص.

تنازل السلطان عن أملاكه و مزارعه:

في هذا الشهر تنازل السلطان عبد الحميد خان إلى بيت المال عن دخل جميع المسقّفات المعروفة باسم الأملاك السنية، و القرى و المزارع المعروفة باسم الجفاتلك الهمايونية في سائر البلاد العثمانية. و كان دخلها يقدر بربع دخل جميع المملكة العثمانية، و كان السلطان يستأثر

377

به وحده علاوة على رزقه من بيت المال الذي كان لا يقل عن تسعين ألف ذهب عثماني في الشهر.

ما هي الأملاك السنية و الجفاتلك الهمايونية؟

لما استولت الدولة العثمانية على هذه البلاد كان العمار غالبا على برّها، و الزراعة سائدة في أكثر أنحائها، ثم لم تلبث غير قليل بسبب سوء إدارة حكامها إلا و أخذ العمار ينزح عنها و يحل محله الخراب حتى كاد يعم جهتي الجنوب و الشرق من ولاية حلب. و كانت جهة الجزيرة في منتهى درجات العمار بحيث كانت ولاية عظيمة عاصمتها الرقة، و لما دخلت تحت استيلاء الدولة العثمانية اعتبرتها أيضا ولاية و استمرت ترسل إليها واليا يحكمها على انفرادها، إلى أن أخذ عمرانها بالانحطاط صارت تعهد بالولاية عليها إلى والي حلب و تسمّيه والي حلب و الرقة. و ما زال الخراب يشن عليها غاراته حتى ألقى فيها جرانه‏ (1) و خلت من السكان الحضر، و لم يبق من أرضها معمورا سوى واحد في المئة و خلت مدينة الرقة من الحكومة و أصبحت عاصمة الرشيد قرية يسكن أهلها تحت مضارب الشعر مستمرة على هذه الحالة نحوا من قرن و نصف.

و لما جلس السلطان عبد المجيد خان على العرش العثماني ألفت نظره إلى جميع ما في المملكة العثمانية من القفار الواسعة و المفاوز الشاسعة، خصوصا ما كان من ذلك في الشام و الجزيرة و العراق، فاعتبر السلطان هذه البراري، مواتا و عزم على إحيائها لتكون ملكا له بحكم:

«من أحيا مواتا فهي له» (2). فعمل لأجل هذه الغاية ديوانا خاصا جعل وظيفته السعي و الاهتمام بإحياء هذه الأراضي، و أمده بشي‏ء من ماله لينفقه في هذا السبيل و دعا هذا الديوان (جفتلك همايون إداره سى) إدارة المزارع السلطانية، و فوضه أن يشتري له مسقّفات و أملاكا في البلاد العثمانية. فباشر هذا الديوان وظيفته و اشترى له عدة أملاك و عقارات في حلب و غيرها كالخانات و الحمامات و البساتين. و من جهة أخرى بذل الديوان اهتمامه بإحياء الأراضي و استعان على إعمارها بالولاة و الأمراء العسكريين، و بعد العناء الطويل‏

____________

(1) أي ثبت و استقرّ. و الجران في اللغة: مقدّم عنق البعير.

(2) في سنن الترمذي 5/ 67 قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «من أحيا أرضا ميتة فهي له». و إحياء الأرض يكون بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء.

378

تمكن الديوان من تحضير بعض العشائر البدوية و إسكانها في قرى حقيرة بنيت لهم في تلك البراري. و من ذلك اليوم عادت روح العمار تدبّ رويدا رويدا في جهتي الشرق و الجنوب من ولاية حلب، و جهة الجزيرة التي عاصمتها الرقة.

و لما جلس السلطان عبد الحميد خان على كرسي المملكة العثمانية سنة (1293) اهتم بهذه المسألة اهتماما عظيما و أسس لها في استانبول ديوانا خاصا سماه (خزينه خاصه نظاره سى) نظارة الخزينة الخاصة. و جعل له فرعا في كل بلدة يوجد في برّها أراض موات، سماه إدارة الجفتلك الهمايوني. فاجتهدت هذه الإدارة بإعمار القرى على أطلالها القديمة و أسكنتها جماعة من العربان و قدّمت لهم ما يحتاجونه من الدواب و المؤنات و آلات الحراثة، و سامحتهم من الجندية و سائر الضرائب الأميرية سوى رسوم عدّ الغنم التي توجد في هذه القرى أو التي تمر منها، و سوى الأعشار و كومة الطابو، فإن الإدارة جرت في أخذها من الزراع على قاعدة سمّتها التخمين، و هي أن يقدر أهل الخبرة البيدر- قبل أن يدرس- بقدر معلوم من الحب و يكتب على صاحبه سبعة عشر في المئة من مجموع الحبّ المقدر، عشرة من هذه السبعة عشر هي العشر الشرعي، و الباقي- و هو سبعة أجزاء- أجرة الأرض و تسمى كومة الطابو، و بعد أن تتم دراسة البيدر و يتمحض الحب يحمل صاحبه القدر المفروض عليه إلى المستودع المعين لناحيته و يسلّمه إلى حافظ المستودع و يأخذ به وصلا. و كانت إدارة الجفتلك هذه تأخذ العشر الشرعي أيضا لنفسها مع أن العشر حق بيت المال كما لا يخفى.

و قد نجحت هذه الفروع في أعمالها، وجد في ولاية حلب قرى كثيرة يربو عددها على الخمسمائة، و كثر عدد سكان الرقة و استعمل عليها حاكم صغير باسم مدير، ثم زاد العمار في جهاتها و أنشأ فيها السلطان جامعا و جعلت مركز قضاء و تعين لها قائمقام. و هكذا كان العمل في منبج. و قد بلغ دخل السلطان من هذه القرى التي هي في شرقي الولاية و جنوبها سبعين ألف ذهب عثماني في السنة المتوسطة بين الخصب و الجدب، و ذلك عدا رسوم الأغنام التي كان يستأثر بها السلطان أيضا. و لما خلع هذا السلطان وضعت الحكومة يدها على سائر الأملاك و المزارع المذكورة و سمتها الأملاك المدورة ثم الأملاك الأميرية و صارت تجبي غلاتها على قاعدة التخمين السالفة الذكر إلى جهة خزانة الحكومة، و ألغيت النظارة الخاصة في استانبول و فروعها في خارجها و أنيط النظر في الأملاك المذكورة بدواوين مالية الدولة

379

التي تعرف باسم المحاسبة و سميت هذه الأملاك بالأملاك الأميرية.

و في هذه السنة ورد من نظارة المعارف رخصة بإصدار عدة صحف إخبارية مثل جريدة الشهباء و صدى الشهباء و الشعب و التقدّم و غيرها، فصدرت أكثر هذه الجرائد و أقبل الناس عليها و لا إقبال الجياع على القصاع، لأنهم في عهد الاستبداد الحميدي كانوا لا يطّلعون على جريدة مصرية أو بيروتية إلا بشق الأنفس. و في هذه السنة أعلن البلغاريون استقلالهم بالروملّي. و فيها انتهت أعمال سكة حديد الحجاز و بدأ القطار يسير من دمشق إلى المدينة المنورة.

380

سنة 1327 ه

فيها ولي حلب رشيد بك و كان من دهاة الرجال.

و في صفرها فتح في جادة باب الفرج تجاه التكية المولوية مكان جديد تأسست فيه جمعية جديدة سميت جمعية الإخاء العربي. و كان الاحتفال بهذا المنتدى بالغا حد النهاية بالرونق و البهاء. و قد أقبل الناس على الاكتتاب به أفواجا، ثم لم يلبث غير قليل حتى اختل أمره و انحلّت رابطته. و كان الغرض منه ظاهرا التعاضد على تأييد أحكام القانون الأساسي و المطالبة بحقوق الأمة العربية فيما يتعلق بخدم الدولة، و باطنا الضرب على يد جمعية الاتحاد و الترقي و الوقوف لها بالمرصاد و قيام العرب على جمعية الاتحاد و الترقي انتصارا للسلطان عبد الحميد و هو الذي ندب إليه سرا.

و في هذه السنة وصل إلى حلب أول مرة عجلات الأتومبيل المعروفة بالسيارات أحضرها من أوربا أحد التجار الحلبيين المسيحيين المعروف باسم الخواجا يوسف أندريا ليشغلها بين حلب و اسكندرونة فلم تنجح.

خلع السلطان عبد الحميد

في اليوم السابع من شهر ربيع الأول من هذه السنة- و في 19 نيسان سنة 1325 رومية- خلع السلطان عبد الحميد خان الثاني العثماني، و خلفه على عرش الملك السلطان محمد رشاد الخامس، و أعلن في حلب خلعه و جلوس أخيه مكانه بإطلاق مئة مدفع و مدفع من قشلاق‏ (1) حلب و قلعتها. و في الليل قامت في البلدة مظاهر الزينة و أطلق فيها من العيارات النارية ما يعد بعشرات الألوف. كان خلع هذا السلطان مبنيا على أسباب يعلمها القارئ من الفتوى التي أصدرها شيخ الإسلام بوجوب خلعه‏ و نصها بعد الترجمة:

____________

(1) القشلاق: لفظة تركية، كالقشلة، بمعنى الثكنة «منزل العسكر».

381

إذا كان زيد إمام المسلمين طوى و أخرج من الكتب الشرعية بعض المسائل المهمة الدينية، و منع الكتب المذكورة و خرق حرمتها و أحرقها، و تصرّف في بيت المال بالتبذير و الإسراف بغير مسوّغ شرعي، و قتل و حبس و غرّب الرعية بلا سبب شرعي و اعتاد جميع المظالم، ثم حلف اليمين على الرجوع إلى الصلاح و عاهد على ذلك، ثم حنث بيمينه و أصرّ على إثارة فتنة عظيمة و إيقاع قتال يجعل به أمور المسلمين مختلّة اختلالا كليا، ثم وردت الأخبار متوالية من جهات متعددة من بلاد المسلمين يقولون بها إن زيدا المزبور (1) تغلب على منصة المسلمين و إنهم لذلك يعتبرونه مخلوعا، ثم لوحظ أن في إبقائه ضررا محققا و في إزالته صلاحا؛ فهل يجب على أرباب الحل و العقد تكليفه أن يتنازل عن الإمامة و السلطنة أو يخلع منهما، و هل لهم ترجيح إحدى الصورتين؟

الجواب: نعم.

كتبه الفقير السيد محمد ضياء الدين عفي عنه‏

ذكر شي‏ء من سيرة هذا السلطان‏

خصصت هذا السلطان بذكر شي‏ء من سيرته لغرابة أحواله و لأنه كان من أجلّ ملوك زمانه و أعظمهم دهاء و أعلاهم كعبا في فنون السياسة، و لأنه آخر سلطان عثماني يستحق أن يسطر له شي‏ء من سيرته في صفحات التاريخ، و لأنه كان حصنا حصينا لدولة بني عثمان مدة سلطنته، فلما خلع أخذت صنوف البلاء تنصب على هذه الدولة يوما بعد يوم حتى تدهورت إلى الدرك الأسفل و كادت تمحى سطورها من صحائف الوجود.

كم سنة بقي سلطانا:

كان جلوسه على عرش الخلافة الإسلامية و السلطنة العثمانية مدة اثنتين و ثلاثين سنة و سبعة أشهر و سبعة و عشرين يوما و ست عشرة ساعة و خمسا و أربعين دقيقة.

قبض هذا السلطان على رقبة ذلك الملك العظيم بيد من حديد طول هذه المدة، و لم‏

____________

(1) أي المذكور، أو المكتوب اسمه في صدر هذه الفتوى.

382

يضع منه سوى النزر اليسير الذي ربما كان هو المتساهل بحفظه ليكون فداء عن باقي دولته و ليتمكن من التنكيل بأعدائه و إبادتهم.

إن بقاءه سلطانا و سلامة ملكه من أيدي الأغيار تلك المدة- مع فقر خزائن الدولة و خلّو مدخراتها من السلاح و بحارها من الأساطيل- لما يدهش له الإنسان و يأخذه منه العجب كل مأخذ. غير أنه إذا أمعن النظر بالأسلوب الذي كان يسير عليه في سياسة الأمة و إدارة الملك لا يلبث أن يزول عنه العجب و يقنع بأن ذلك الأسلوب حقيق أن ينتج عنه تلك النتيجة.

كيف كانت سيرته في رعيّته:

كانت الطبقة الدنيا و الوسطى من الرعية على اختلاف عناصرها تخافه و تحبه:

تخافه لقوة بطشه و عظيم دهائه و تمكنه من الاطلاع على أحوال رعاياه، فإنه كان لا تخفى عليه خافية من أحوالهم و كل ذي شخصية بارزة في ممالكه معروف عنده واقف تمام الوقوف على ما هو عليه من المحاسن و المساوئ.

و تحبه رعاياه لأنه كان لا يحب أن يبهظهم بالضرائب، فكان الرخاء في أيامه شاملا و الرعية راتعة في بحبوحة التنعم و الرفاهية، و كان عظيم العناية بكل ما يرضي رعاياه لا سيما البسطاء منهم، غير متوان عن الإتيان بكل ما ينطبق على رغائبهم، خصوصا بما كان له علاقة بالدين كخدمة شعائره و إعمار المعابد، فقد عمر في أيامه ما يعسر على القلم إحصاؤه من المساجد و الجوامع و المدارس الدينية و الزوايا و التكايا و أضرحة الأولياء و الصالحين. و كان من أجل آثاره و أكبر حسناته- و أقواها اجتذابا لقلوب المسلمين عامة و قلوب رعيته خاصة- سكة الحديد الحجازية فإنه هو وحده الساعي بإنشائها و بسعيه المشكور تم أمرها. و كان لا يقصر بإنقاذ المستغيثين به من مخالب الظلم ما لم يكن الظالم من مردته و أتباعه.

عدم سماحه عمن يمسّ شخصه و سلطانه، و كيف كان يعاقب المسي‏ء إليه بالنفي و غيره من العقوبات:

و هو لا يؤاخذ أحدا على إطلاق لسانه بالظلمة و المستبدين من مستخدمي الحكومة

383

أو متنفذي الرعية، فقد كان الإنسان في أيامه يطلق لسانه بما شاء و بمن شاء لا بأس عليه بذلك، إلا أن يتكلم بما يمس سلطانه فإنه لا يسامحه بأقل كلمة سوء تصدر منه في حقه فيعاجله بالنفي عن وطنه، لكن مع تعيين راتب شهري له يقوم بتمام كفايته حسب مقامه.

و هذه العقوبة جعلها مختصة بمن يتجرأ عليه بقول أو عمل يشتمّ منه رائحة المساس بشخصه أو سلطانه و لو من مسافة بعيدة. على أن العقوبة بالنفي على هذه الصفة كانت تعدّ من أهون العقوبات و أخفها عبئا على من يستحقها.

سألت الفريق عابد باشا- أحد كبار المنفيين إلى حلب- عن سبب نفيه فقال:

حدثت في استانبول هزة أرض لم ينجم عنها ضرر، فقلت لجماعة من أصحابي و أترابي:

«بظلّ ملجأ الخلافة لم يحصل من هذه الهزة خطر». قلت ذلك بلسان تهكم و سخرية، أعني بهما المتملقين من اللائذين بقصر يلديز و كتبة الجرائد الذين يأتون بهذه العبارة في مقدمة كل مقال ينمقونه بالإخبار عن كل حادث، طبيعيا كان أم مفتعلا. مثلا يقولون:

بظلّ ملاذ الخلافة وقع في حلب مطر غزير، و بظلّ حامي حمى الخلافة بني في دمشق مكتب للإناث، و بظلّ السلطان الأعظم كانت هذه السنة ذات فيض و بركة. قال عابدين‏ (1) باشا: فاتصلت كلمتي تلك بسمع السلطان بواسطة أحد جلسائي الذين قلتها بحضورهم، مع أنني لم أفه بها إلا و أنا معتقد أنهم جميعا من خواص أصحابي و أترابي و لم يخطر لي على بال قط أن بينهم متجسّسا لعبد الحميد.

و حكى لنا عزيز بك- و هو من كبار المنفيين أيضا- أن سبب نفيه‏ (2) أنه كان أمّ السلطان مرادا بصلاة التراويح. و حكى لي عثمان بك أحد المبعدين إلى حلب- و هو ممن غلب عليه البله، و كان يعاني في استانبول مهنة الحلاقة- أن السلطان عبد الحميد نفاه لأنه كان يبري الأقلام للسلطان رشاد و كان عثمان بك حسن الخط.

هكذا كان السلطان عبد الحميد يعاقب بالنفي على أدنى كلمة و أقل حركة يرى بها مساسا لشخصه أو سلطنته و لو توهما و تظنيا.

أما عقوبته بالتغريق أو الاغتيال أو الحبس فقد جعلها نصيب من يتوهم منه صدور

____________

(1) كذا ورد اسمه هنا: «عابدين». و سبق في أول هذه الفقرة باسم «عابد».

(2) يعني في أيام سلطنة عبد الحميد.

384

شي‏ء له مغزى سياسي يقصد به خلعه أو اغتياله. مثلا أطلق مسدسه الذي يصحبه دائما على إحدى حظياته فأرداها في الحال، و ذلك لأنها دخلت عليه دون استئذان منه، فأطلق عليها عياره قبل أن تفوه بكلمة متوهما أنها أتت لاغتياله، و كم مرة أمر بتغريق إنسان لمجرد ما أخبر به عنه جواسيسه من أنه أثنى على مدحت باشا و رحّم عليه‏ (1)، أو لمجرد ما بلغه عنه أنه مرّ من قدام قصر السجين السلطان مراد، أو قصر السجين الآخر محمد رشاد.

استخدامه الرجال في مآربه و كيفية سياسته معهم:

كان من جملة المؤيدات لبقائه على كرسي السلطنة- طيلة هذه المدة- استعماله سياسة التفريق، و ذلك أنه حشد حوله أشخاصا لهم ظهور في أقوامهم من كل ملة تستظل بالراية العثمانية، اختار من كل إقليم منها رجلا فأدناهم من حضرته و طفق ينهال عليهم بالعطايا الجزيلة و المرتبات الشهرية و الرتب السنية و الأوسمة العلية، فملك أفئدتهم و أدهش عقولهم و كمّ أفواههم عن إظهار مساويه، و أطلق ألسنتهم بحمده و شكره و إذاعة محاسنه يملؤون بذلك صفحات المؤلفات و أعمدة صحف الأخبار. و كل واحد منهم يرى من قدس واجباته استمالة قلوب أهل إقليمه إلى محبة هذا السلطان و الإخلاص بولائه، قد أرصد نفسه لأجل إقليمه و ناحيته و نصبها لهم كالباب المفتوح يتوصلون بواسطته إلى السلطان لقضاء أوطارهم التي هي طلب المعاش أو الرتب أو الأوسمة أو الإنقاذ من الظلم أو إحقاق الحق أو إبطال الباطل أو عكس ذلك. و لا تسل عما كان يتسرب إلى هذا الباب من الأموال و التحف و الطرف التي يعجز اليراع عن إحصائها.

و كان عبد الحميد سيّى‏ء الظن حازما محترزا، يخشى من أن يجرّ البطر وسعة النعمة أولئك الرجال إلى الانقلاب عليه، و أن تدعوهم الضمائر الحرة إلى التبرم من جبروته، و يتفقوا على إظهار حقيقته أو على الأقل أن يخفوا عنه ما يجري حوله من مناوئيه، و ما يدبره له أعداؤه و رقباؤه من أسباب البوار و الدمار كما دبروا لعمّه السلطان عبد العزيز خان.

فكان السلطان- دفعا لهذه الاحتمالات- يستعمل مع الرجال المشار إليهم سياسة التفريق، فلا يغفل في كل حين و آخر عن إلقاء الشحناء و البغضاء بينهم. و طريقته في ذلك‏

____________

(1) أي طلب له الرحمة.

385

أنه كان يلتفت إلى زيد من أهل الإقليم الفلاني مدة فينهال عليه بالعطايا و الرتب و الأوسمة و قضاء المآرب، و في الوقت نفسه يلفت نظره عن عمرو- الذي هو من ذلك الإقليم- فيهجره و يبقيه مطروحا في زوايا الإهمال و النسيان، فيستوحش عمرو من هذا الإهمال و ينكسر قلبه و تدبّ في فؤاده نار الحسد لزيد، و يرى أن هذا الأنكيس‏ (1) لم يأته إلا من قبل زيد، و أنه لا يعود التفات السلطان إليه إلّا بتنكيس أعلام خصمه زيد و سبقه عليه بنقل الأخبار إلى السلطان و إعلامه بما يجري حوله من الأمور و الأحوال التي تمس شخصه و سلطنته، و يكون زيد قد انتبه إلى مكايد عمرو و اجتهاده بالتقرب إلى السلطان و إبعاد خصمه عنه، فيقابل عمرا بمثل عمله فيقع بينهما التحاسد و التنافس. و السلطان أذن صاغية لكل واحد منهما، يبقى على ذلك مدة من الزمن إلى أن يستوفي ما في وطاب‏ (2) المتجاولين و يستفرغ ما حواه جرابهما فينقلب على زيد و يقبل على عمرو، و يعود بينهما الدرس الأول.

و هلم جرا.

بهذه السياسة المدهشة كانت ولايات البلقان منقادة إلى طاعة هذا السلطان في كل هذه المدة، رغما عما أظلته سماؤها من تعدد العناصر و اختلاف الملل. و مثلها الولايات العربية.

استخدامه صحف الأخبار الأجنبية في مآربه:

و كان يدرّ إنعاماته الوافرة على أصحاب الجرائد الأجنبية الممتازة فتذكر محاسنه و تغضّ الطرف عن مساويه و تنوّه بعظمته و قوة دهائه، و تجسّم خطورة مناوأته في مخيلات عظماء الرجال من الدول الأجنبية اللواتي لهن مستعمرات إسلامية، بما كانت تبثّه في تضاعيف عباراتها من الكلمات التي مفهومها أن عامة المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها يدينون بمحبة السلطان عبد الحميد و ولائه، و أنهم على اختلاف أجناسهم و عناصرهم منقادون لسلطانه الروحي عليهم، و أن أدنى إشارة منه إليهم تثير فيهم الحمية الدينية فيهبون لقيام عام يزحزح أركان السلام و يقلب الأرض ظهرا لبطن.

____________

(1) كذا في الأصل، و لعلها: «التنكيس» كما سترد بعيد ذلك.

(2) الوطاب: جمع وطب و هو وعاء اللبن. و جاءت في كلام المؤلف على المجاز، أي لم يبق هناك شي‏ء جديد يريد السلطان معرفته.

386

رغبته بالمستخدم المبتلى بهوس ما، و عدم رغبته بالمستخدم المتنفذ:

و من غرائب السنن التي كان يسير عليها في استخدام بعض الموظفين أنه كان يسرّ جدا من المستخدم إذا كان ممحونا بمحنة متمكنة منه تضطره مباشرتها إلى استغراق وقته و تجعله غير مكترث و لا عان بأن يشتغل بغيرها من الأمور السياسية أو بالبحث عن أحوال السلطان و غيره. و عليه فإن المستخدم المحبوب عنده هو المصاب بهوس المقامرة، و الميل إلى الأحداث أو بنات الهوى أو بنت المدام، أو بغير ذلك من المحن و الشوائب. ذلك المستخدم الذي يتمسك به و لا يسمع فيه شكوى شاك و كأن لسان حاله يقول:

أذني لحبيبي صاغية* * * صمّت عند الواشي السّمج‏

حكاية عن مستخدم من هذا القبيل:

حكى لنا زين العابدين بك مكتوبي الولاية سنة (1328) حكاية فحواها من هذا القبيل فقال: كنت مكتوبيا في إحدى ولايات البلقان، و كان واليها ممتحنا بوجع الظهر منهمكا بالرشوة، فكثرت عليه الشكايات فلم يعرها السلطان أذنا. ثم إن أحد الدهاة العارفين بالطرق التي تثير حفيظة السلطان دسّ في شكاية عليه كلمة مؤداها أن الوالي يجتمع عنده نفر من شبان «جون ترك» و يتفاوضون بأمور تمس حضرة ملجأ الخلافة. قال زين العابدين: و حينئذ أصغى السلطان إلى هذه الشكوى و سرعان ما أصدر إرادته السنية بإحضاري إلى استانبول لأسأل عن حقيقة هذا الوالي. فشخصت في الحال إلى استانبول و حضرت توا إلى «المابين» (1) و لما أعلم السلطان بحضوري أمر رئيس كتّابه أن يستقصي مني أحوال الوالي، و قد وقف السلطان من وراء الحجاب يسمع كلامي. فقال لي رئيس الكتاب: أ صحيح أن والي ولايتكم يجتمع عنده نفر من شبان «جون ترك» و يتفاوضون بمسائل السياسة؟ فأجبته على الفور: إن هذا الرجل ممحون بوجع الظهر، و بالكاد (2) أن يتسع له الوقت لأجل استيعاب اشتغاله بمداواة محنته، و إن الشبان الذين يجتمعون عنده ليسوا سوى الشبان الذين يطيّبون مرضه.

____________

(1) الجناح الإداري الملحق بقصر السلطان ... و سبق شرحه.

(2) من ألفاظ العامة التي سرت إلى أقلام المنشئين. و الصواب أن يقال: «و لا يكاد» أو ما بمعناها.

387

قال زين العابدين: فسمعت قهقهة السلطان من وراء الحجاب، ثم خرجت من «المابين» و قد تبعني رئيس الكتاب يقول لي: إن ولي النعم قد سرّ من كلامك و أمر لك بمائة ذهب. و في المساء اجتمعت مع ناظر الداخلية و حكيت له ما جرى، فقال:

إنك مدحت الوالي و ثبتّه بوظيفته من حيث لا تدري. فقلت له: و كيف كان ذلك؟

قال: أو ما قذفته بوجع الظهر؟ قلت: بلى، أو لم يكن هذا المرض موجبا لعزله؟ قال:

بل هذا المرض هو الذي جعل السلطان يتمسك به و يثبته في وظيفته لأنه- كما قلت- يعوقه عن الاشتغال بغيره من أمور السياسة و البحث عن أحوال السلطان. قال زين العابدين: و كان الأمر كما ذكر ناظر الداخلية، فإن السلطان قد أبقى الوالي بولايته و لم يصغ فيه إلى واش أو رقيب.

أما عدم رغبة السلطان بالمستخدم القوي فلأنه يخشى منه استعمال نفوذه بما يمس سلطنته فيجري عليه ما جرى على عمه السلطان عبد العزيز من وزيره مدحت باشا. و مما يحكى عن السلطان في هذا الصدد أنه هو الذي اقترح على غليوم إيمبراطور ألمانيا التخلص من داهية السياسة بسمارك المشهور، و ذلك أن الإيمبراطور غليوم لما زار استانبول في المرة الأولى تحدث مع السلطان عبد الحميد عن نفوذ بسمارك في أوربا فقال له السلطان: أنا لا أحب أن يكون خادمي قوي النفوذ كهذا، أ ترغب جلالتكم أن ترى كيف أعامل خدمي؟ فقال غليوم: نعم. و حينئذ لمس السلطان الجرس المنبّه. و لما دخل الحاجب قال له: ادع كاملا (و كان كامل يومئذ صدرا أعظم) فأرسل الحاجب الخيّالة يبحثون عن كامل باشا فأحضروه، و لما دخل إلى المثول بين يدي السلطانين وقف مطرقا برأسه إلى الأرض مكتوف اليدين كأنه واقف في صفوف المصلين، فلم يلتفت إليه السلطان. و بعد برهة من الزمن قال له: لا لزوم للانتظار فالمسألة بسيطة. فسلّم الصدر سلام الخلافة و ذهب ماشيا القهقرى حتى غاب عن نظر العاهلين. و قد انتبه الإيمبراطور غليوم إلى ما كان يراه من وزيره بسمارك من التوسع في الحرية حين مقابلته و محادثته، فعزله عن وظيفته و حرم منه ذلك الدهاء الذي كان سياجا لسلطانه و ملكه.

كان السلطان عبد الحميد لا تخفى عليه خافية من أحوال رجال «المابين» و من هولائذ بقصر يلديز، فقد كان يعلم كل العلم أحوال كل واحد منهم على حدته، و يدري ما انطوت‏

388

عليه سريرته من الخير و الشر فكان لا يهمه من مكروه أوصافهم شي‏ء ما دام أحدهم صادقا في خدمته مخلصا بولائه.

استكثاره من الجواسيس:

أكثر هذا السلطان من استخدام الجواسيس المعروفين بالخفية و جاد عليهم بالعطايا و المرتبات الوافرة، و بثّهم في جميع دوائر الحكومة و أزقة استانبول و خاناتها و فنادقها و جوامعها و مدارسها. و هم على هيئات مختلفة و أزياء شتى: ما بين كاتب و خادم و متسول و درويش و كسيح و سائح و أبكم و أعمى. و لم يكتف ببثّهم في دوائر الحكومة بل أقام منهم العدد الكبير في نفس بيوت المستخدمين مصطبغين بصبغة الخدم و الحشم. بل بعض منازل المستخدمين كان لا يخلو من متجسس على المستخدم من أهله و ذوي قرابته حتى صار الإنسان يحترز من زوجته و ابنه و أخيه و هو في بيته فلا يجسر أن يفوه بأقل كلمة تمس حضرة السلطان لا سرا و لا علنا.

لم يرخص قط بدخول التلفون (الهاتف) إلى استانبول، و لا أن تستخدم فيها الكهرباء بجميع وظائفها منعا لسهولة التخابر بين مناوئيه و معارضيه.

كراهيته الجمعيات، و منعه استعمال بعض الألفاظ، و تضييقه على المؤلفات و صحف الأخبار:

و من غرائب الأمور التي تذرّع بها للحيطة على نفسه و سلطنته: كراهيته الجمعيات حتى اجتماع الأصحاب مع بعضهم للمسامرة و المؤانسة. و كان المجتمعون يحذّر بعضهم بعضا خشية أن يكون بينهم من يتجسس للسلطان و الأغراب من هذا أنه منع استعمال الكلمات الآتية الذكر تلفظا و كتابة و هي: (كلمة جمعية، و خان، و خونة، و عزل، و خلع)، و ما تصرف من هذه الكلمات، (و مراد، و رشاد، و يلديز)، و غير ذلك من الألفاظ التي مفهومها التحزب و الاجتماع و العزل و الخلع، حتى إن هذه الكلمات هجرت‏ (1) استعمالها في أيامه الصحف الإخبارية، و الصكوك الشرعية، و النظامية، و المؤلفات العلمية، فلا يجوز لكاتب أن يأتي بكلمة: «جمعية»، و لا لقاض، أن يقول‏

____________

(1) كذا في الأصل، و الصواب: «هجر» بلا تاء.

389

في صكوكه: خالعت فلانة زوجها فلانا، و لا أن يقول في متولّ: عزل لأجل خيانة.

و كان شياطينه يتعقبون له هكذا ألفاظ، حتى في كتب الدين، و قد أمر مرة بأن يطبع كتاب صحيح مسلم، طبعا متقنا، فنفذ أمره، و بعد أن تم طبع الكتاب، أخبره بعض شياطينه بوجود حديث الإمامة فيه، و هو «الأئمّة من قريش» فأمر في الحال، بجمع نسخه، و إحراقها، و أن يعاد طبعه بعد حذف هذا الحديث منه‏ (1). و هذا هو المراد من قول شيخ الإسلام في الفتوى السابقة الذكر: «و أخرج من الكتب الشرعية بعض المسائل المهمّة» إلى آخره. و كان يبعثر أموال الدولة و يصرفها على كبار جواسيسه، و إعمار القصور في بلاطه المعروف باسم «يلديز»، الذي لا يجسر أحد أن يلفظ به، حتى و لا بكلمة «نجم» التي هي ترجمته، و لا بكلمة «مراد»، و من كان مسمّى بهذا الاسم، فعليه أن يمسخه و يحرّفه حين يلفظ به- أو حين يكتبه- إلى «مرات». و أغرب من هذا، أن البقل المسمى بالحرف، المعروف عند الحلبيين بالرشاد، قد طووا اسمه المشهور عندهم، و صاروا يشيرون إليه بقولهم: «أخو المقدونس».

و اتفق لي مرة- حينما كنت رئيس كتاب المحكمة الشرعية- أني أعطيت حجة شرعية في مخالعة جرت بين رجل و زوجته، فأرسل الرجل الحجة إلى المشيخة الإسلامية لأجل التدقيق فلم أشعر إلا و الحجة قد أعيدت إليّ و معها كتاب من شيخ الإسلام يقول فيه ما معناه: يعمل بمضمون هذه الحجة بعد إجراء بعض الإصلاح عليها. فأخذت الحجة و قرأتها بكل تدقيق و إمعان فلم يظهر لي فيها خلل من جهة ما فحرت في أمري ثم عدت إلى تصفحها و بذلت جهد المستطيع بتدقيقها، إذ بصرت بعض الكلمات منها قد سحب فوقها خط بالحمرة ضئيل جدا ربما كان أدق من الشعرة فعلمت حينئذ أن المراد من الخلل هو وجود تلك الكلمات فإذا هي كلمة: «خلعت، و خلعها، و مخالعة»، و باقي ما يتفرع عن هذه الكلمة. فاضطررت آنئذ أن أعيد كتابة الحجة من جديد مع قيدها في السجل و أستبدل لفظة «المخالعة»، و ما تصرف منها، بكلمة «المبارأة»، و ما تصرف منها.

____________

(1) يبدو أن المؤلف تعجّل في هذا الخبر بلا تثبت. فالحق أن حديث الإمامة المذكور، لم يروه مسلم أصلا في صحيحه، و لا البخاري أيضا؛ بل رواه كل من ابن حنبل، و النسائي، و الضياء المقدسي. و هو صدر حديث طويل. و لتتمّته رواية أخرى عند الحاكم، و البيهقي. انظر كشف الخفاء للعجلوني 1/ 318 و الفتح الكبير للنبهاني 1/ 504.

390

كان محررو الجرائد من جراء هذا التدقيق المشين يتكبدون عرق القربة بتحرير صحفهم، إذ على المحرر منهم- بعد تحرير صحيفته و طبعها- أن يقدم أول نسخة منها إلى المراقب (السنسور) المعيّن، فمتى وجد فيها كلمة من الكلم التي سبق بيانها أو وجد فيها عبارة تشفّ- و لو من وراء ألف ألف حجاب- عن غمز أو لمز يقصد بهما السلطان، فإن حضرة (السنسور) لا يحجم لحظة واحدة عن تشذيب المقالة و ضربها بقلمه القاسي ضربة تقضي على حياتها مهما كان موضوعها أديبا بديعا، و حينئذ يذهب تعب ذلك المحرر أدراج الرياح، و يضطر إلى تحضير مقالة بدلها ليملأ بها من جريدته ما حدث فيها من الفراغ. و بعد أن يطبعها أيضا يرفعها إلى حضرة المراقب فربما ضربها ضربة ثانية بذلك القلم الشبيه بمعول يهدم معاهد العلم و صروح الأدب، محتجا على محررها و لو بكلمة فيها حروف لفظة «عزل» مثلا كأن يقول: عزال، عزاليك، أو عزرائيل. و لا تسل حينئذ عن حال ذلك المحرر المنكود الحظ الذي قد يشتغل أسبوعا تاما بتحرير مقالة يرضي بها المراقب، و ينفي فيها الشبهة الموهومة عن نفسه.

و كان المؤلفون الذين يصرفون من أعمارهم الثمينة الأعوام الطويلة في تأليف كتاب أدبي، أو علمي أو فني، مكلفين- لأجل الحصول على الرخصة في طبع مؤلفهم و تدوينه- أن يبيضوا منه نسختين يقدمونهما إلى نظارة المعارف في استانبول، و هي تدفع إحداهما إلى مراقبها الخاص فيفحصها على الصورة المتقدم ذكرها في فحص الجرائد، و لربما شذبها و ضرب بقلمه المشؤوم تلك الضربات العنيفة فمحى نحو ثلث الكتاب أو نصفه، لوجود شي‏ء في عباراته من الكلمات المتقدم ذكرها أو شي‏ء مما يشبهها. و قد يستغرق (السنسور) في هذا العمل الذميم نحو سنة أو سنتين، و قد لا يرخص له بطبع ذلك الكتاب مطلقا بعد تلك المدة الطويلة.

و روى بعض أصدقائنا من منوّري شبان الأتراك أن بعض شياطين السلطان عبد الحميد استلفت نظره إلى ما في القرآن الكريم من الألفاظ المتقدم ذكرها، التي تنبو عن سمعه و تشذّ عن ذوقه و طبعه، فكاد السلطان يصدر أمره الكريم بتنقيح نسخة منه و تنظيفها من تلك الألفاظ و طبعها، مهذبة منقحة، غير أن بعض محبيه المخلصين بين له خطارة هذا العزم و ما ينشأ عنه في العالم الإسلامي من الاضطراب فأمسك عن إصدار أمره المذكور.

و قد أسمعني ذلك الصديق أربعة أبيات باللغة التركية في هجاء مراقبي الكتب و المؤلفات‏

391

في دولة السلطان عبد الحميد، و كلفني بنظمها بعد ترجمتها إلى اللغة العربية فقلت:

يا صاح نقّاد المعارف عندنا* * * أعمت قلوبهم المناصب و الرتب‏

كم من كتاب مفرد في بابه‏* * * قد أفسدوا منه الصحيح المنتخب‏

هذا كتاب اللّه و هو منزّل‏* * * ظنوه جهلا أنه قصص العرب‏

فتصفحوه و نقّحوه بزعمهم‏* * * من كل ما تأبى السياسة و الأدب‏

تحرزه المفرط في أكله و شربه و محل نومه:

و مما بلغ فيه حد الإفراط تحرّزه في المأكل و المشرب، فقد كان من المحال أن يأكل طعاما أو يشرب شرابا قبل أن تتناول منهما والدته شيئا، إذ هي الموكول إليها أمر حراسة مأكوله و مشروبه و بمعرفتها و مراقبتها يطبخ و يجهز له ما يأكله و يشربه.

و من جملة احترازه أيضا أنه كان لا ينام ليلتين متواليتين في غرفة معينة في قصر من قصور يلديز، بل كان في كل ليلة ينسلّ خفية تحت جناح الظلام إلى قصر من تلك القصور و يرقد على أحد سرره المنصوب في إحدى غرفها العديدة، التي له في كل واحدة منها سرير مطابق- بشكله و هيئته- بقية السرر المنصوبة في جميع الغرف مطابقة تامة.

غناه وحشده الأموال:

كان يعدّ في عصره أغنى ملك في الدنيا. و لم لا يكون كذلك و رزقه من بيت المال كل يوم أربعة آلاف ذهب عثماني قبل افتتاح مجلس النواب للمرة الثانية، و ثلاثة آلاف كل يوم بعده؟ هذا عدا مداخيل أملاكه و مزارعه في الولايات العثمانية التي كانت تقدر بثلث أموال الدولة، و عدا ما يأخذه اعتباطا من صناديق الدوائر كصندوق الأوقاف و صندوق النافعة و صندوق المعارف، و عدا ما يأخذه نافلة من طلاب امتيازات المعادن و مدّ سكك الحديد و غيرها. و كان له في المصارف الأجنبية الكبيرة عشرات ألوف الألوف من الذهب، و كان البسطاء من الناس لا ينكرون عليه هذا الغنى لأنهم كانوا يزعمون أنه لم يحتكر تلك الأموال العظيمة إلا بقصد تهريبها من أيدي وزرائه الخائنين و ادّخارها للمهمات الحربية التي قد تفاجى‏ء الدولة في مستقبل الأيام. و نحن لا ندري ما فعل اللّه بتلك الأموال بعد وفاته: هل أنكرتها المصارف، أم استخلصها منها الاتحاديون فصرفوها في شؤون الدولة،

392

أم وضعوا أيديهم عليها و صرفوها في شؤون أنفسهم؟

التغالي بألقابه و مدائحه:

تغالى المداجون من محرري الصحف و غيرهم بألقابه و مدائحه إلى غاية لم نسمع صدور نظيرها في ملك قبله و لا بعده. لقبوه بملك الملوك (شهنشاه) و ملجأ الخلافة (خلافتبناه) و باني الدنيا (كيتى ستان) و ظل اللّه في الأرض، و السلطان الأعظم، و الذات الأقدس، و غير ذلك من الألقاب و الكلمات التشريفية التي يصلح بعضها أن يطلق على منشئ العوالم و خالق السماوات و الأرض. و هكذا كان تغاليهم بمدائحه.

الاحتفال بزينة عيدي ميلاده و جلوسه:

و كان الاحتفال بالزينة العامة في جميع الممالك العثمانية يحدث في العام مرتين، إحداهما في عيد ميلاده و الأخرى في عيد جلوسه، و في كل من الاحتفالين كانت الصحف الإخبارية تبرز يوم الاحتفال في ثوب قشيب من الزينة و البهاء. و في كل صحيفة منها مقالة افتتاحية تستوعبها من أولها إلى آخرها محررة بمداد مذهّب، محفوفة بإطار ذهبي بديع، محشوة بعبارات أنيقة كلها مدح و إطراء في عدل السلطان و تعداد مآثره و شرف أخلاقه و أنه هو الملك الوحيد في الدنيا، و أن يوم ولادته و يوم جلوسه من أبرك الأيام و أشرفها و أسماها طالعا و أسعدها؛ لأن فيه كان بزوغ شمس العدالة في العالم المعمور و طلوع أقمار السعادة في سماء الربع المسكون. إلى غير ذلك من عبارات المدح و الإطراء البالغة حد الغلو و الاستغراق. و كان من الواجب في ذلك اليوم على كل مستخدم و وجيه في محلته أن يزين باب منزله بالسجاد و عروق الشجر، و يسرج عليه كثيرا من المصابيح التي ربما عدّت بالمئات. و كلما كان المزيّن أكثر مداجاة و أشد تزلفا للحكومة ازداد تأنقا في زينة باب منزله و أكثر عدد مصابيحه. و منهم من يعد للمتفرجين على احتفاله بهذه الزينة مقاعد و مفارش، و يحضر لهم جماعة المطربين العازفين بآلات الطرب و يحرق الألعاب النارية و يكرم الزائرين بالمرطبات.

و يقدّر ما كان يصرف من الأموال في كل احتفال من هذين العيدين في حلب فقط بألوف الليرات. كان المداجون و أرباب الوجاهة منهم يتنافسون بهذه الزينات، لأن السابق‏

393

منهم بزينته و المبرّز بها على أقرانه ربما يكافأ على إخلاصه برتبة أو وسام، و كانت جماعة الشرطة لا شغل لهم في تلك الليلة سوى التجوال في أزقة البلدة و شوارعها و البحث و الفحص عن المزينين و عمن تكون زينته أعظم و أفخم، فيكتبون أسماء المزينين و يحررون عند اسم كل مزين منهم إشارة لرتبة زينته من العدد الأول إلى العدد السابع، و إذا سهت جماعة الشرطة عن مزيّن و لم تذكر اسمه فإنه في الغد يعترض و يطلب أن ينص على احتفاله بالزينة في جريدة الولاية، لأن هذه الجريدة تصدر في صبيحة ليلة الزينة محررة من أولها إلى آخرها بأسماء المزينين و الإشارة إلى مراتب زينة كل واحد منهم، و إذا طوت الجريدة اسم أحد المزينين أو قصّرت في بيان رتبة زينته فلصاحب الزينة حق الاعتراض، و عليها أن تصحح الخبر في عددها التالي.

مواكب السلطان في صلاة الجمعة و العيدين:

كانت مواكب السلطان عبد الحميد في صلاة الجمعة و العيدين في استانبول من أجلّ و أفخم جميع مواكب ملوك الدنيا. و كان السيّاح يطوون للتفرج عليها المسافات الطويلة، و ينتظرون حولها الساعات الوفيرة و كانت ذات جلال و بهاء يعجز القلم عن تصويرهما.

احتفال السلطان بالأضاحي في عيد الأضحى:

وصف الأستاذ الصابونجي‏ (1) في كتابه (ديوان شعر النحلة) الاحتفال بأضاحي عيد النحر عند السلطان عبد الحميد فقال ما ملخصه: يأمر السلطان بالاستعداد إلى عيد الأضحى قبل حلوله بشهر، و بانتخاب عدد مفروض من الأكباش العظيمة و بعلفها

____________

(1) هو لويس البري الشهير بالصابنجي، ناظم و ناثر واسع الاطلاع متضلع باللغات الشرقية و الغربية، رشيق العبارة حلو الحديث بعيد عن التعصب المذموم. و المستفاد من كتابه ديوان نحلة الشعر أنه ولد في جزيرة العشّاق الكائنة بين دجلة و الفرات و أنه وجد عضوا في الجمعيتين العلميتين، المعروفة إحداها باسم (أكاديمية الأركادي) في رومة و الأخرى باسم (الجمعية الآسيوية الملكية) في لندرا، و أنه كان انتخب أستاذا لتعليم اللغات الشرقية في دار الفنون المعروفة باسم (إيمبريال أنستيتيون) في لندرا، و اتخذه السلطان عبد الحميد خان الثاني العثماني أستاذا لأولاده في علم التاريخ و مترجما خاصا له من اللغة الإنكليزية و العربية و التليانية و الفرنسية إلى التركية. و له في السلطان مدائح كثيرة لما كان يوالي عليه من برّه و إحسانه. أخبرني بعض معارفه أنه الآن حي في الديار الأميركانية و أنه ربما كان سنه فوق الثمانين (المؤلف).

394

و تسمينها و بالاعتناء بنظافتها و غسل صوفها و تمشيطه و جعلها في رادة (1) تصلح أن يتقرب بتضحيتها إلى اللّه تعالى، قيمة كل كبش منها، يضحّى عن السلطان، نحو ثلاثين ليرا ذهبا و عن أنجال السلطان 25 ليرا و عن حرمه 15- 20 ليرا، و يبلغ عددها مئة كبش و زيادة، و يهدي السلطان إلى كل موظف كبشا أو أكثر للتضحية يوم العيد. و متى حل يوم العيد تصدر إرادة السلطان إلى جميع رجال الدولة و رؤساء الجيوش و القواد و الصدور العظام بأن يقبلوا إلى قصر «طولمه بغجه» ببزتهم الرسمية ليرفعوا إلى أعتابه فروض التهاني بحلول العيد.

و في أول يوم من العيد ينهض السلطان مبكرا و يؤدي صلاة العيد بموكب حافل في جامع بشكطاش، ثم يركب في موكبه و يسير إلى قصر «طولمه بغجه» تتقدمه كتائب الجيوش و يتلوها رجال «المابين» بملابسهم الرسمية المطرزة بالقصب و على صدورهم أوسمة الدولة العثمانية فقط. (لأنه لا يسوغ لأحد على الإطلاق أن يحمل و ساما أجنبيا في حضرة (أمير المؤمنين). و حينما يصل الموكب الملوكي إلى القصر ينزل السلطان عن المركبة و يرقى بوقار و إجلال درج الرخام المغطى بالسجاد، ثم يأخذ السكين من أحد الموظفين في المابين الملوكي. و يكون رعاة القصر قد أعدوا الكباش المعلوفة التي أسلفنا ذكرها، و مشطوا صوفها الأبيض الطويل و زينوا قرونها الكبيرة و جباهها و صوف ظهرها بورق الذهب و شرائط الحرير الأحمر و الأزرق و الأبيض، و جعلوا على رؤوسها تيجانا من الورق الذهب المزدان بالزهور المصنعة و الريش و قطع من المرايا و وضعوها صفين بين يدي السلطان، و قبض كل جزار بيده اليمنى على قرن كبش من الكباش و لبث ينتظر الإشارة من حضرة السلطان لينحر الكبش. و يلبس كل جزار منهم في مثل هذا الوقت جبّة من الجوخ الأخضر تصل أذيالها إلى ما تحت ركبتيه و حواشيها مطرزة بأسلاك الذهب. و يضع على رأسه قبعا مخروط الشكل مصنوعا من الجوخ الأخضر، و عليه تطريز بأسلاك القصب، و له شرّابة طولها نحو نصف ذراع مصنوعة من الحرير الأخضر و أسلاك الذهب، و هو يرخيها من أمام على كتفه.

و حينما يحل وقت ذبح القرابين يسلّم السلطان السكين إلى رئيس أولئك الجزارين و يأمره بذبح القرابين نيابة عنه، ثم يصعد درج القصر و يدخل قاعة الاستراحة و يلبث هناك مدة قصيرة يتهيأ فيها للدخول إلى قاعة العرش.

____________

(1) أي في حالة و منزلة. و الكلمة تركية.

395

وصف قاعة العرش:

قال الأستاذ الصابونجي ما خلاصته: إن قاعة العرش في وسط قصر «طولمه بغجه» المشيد على ساحل البوسفور من جهة أوربا، و هي أكبر قاعة قام بناؤها على وجه الأرض كلها، في الطول و العرض و الارتفاع. و عليها قبة عظيمة جميلة الشكل قامت على اثنين و أربعين عمودا. و مما زاد هذه القاعة حسنا و غرابة في السعة أن قبتها العظيمة مستندة إلى أعمدة ليست مركوزة في صحن القاعة بل هي مصطنعة صنعا ظريفا في لصق جدرانها، و قد بقي الصحن كله خاليا منبسطا يسهل الجولان فيه و ينشرح به الصدر. قال الأستاذ:

و قد رأيت قصور ملوك فرنسا بباريس و فرسايل، و قصور ملوك الإنكليز بقرية و ندرز و مدينة لوندره، و قصور ملوك إيطاليا بمدينة تورين و رومه، و قصر الباباوات و الواتكان برومة، فما شاهدت قاعة بلغت من السعة و حسن هندسة البناء مثل قاعة «طولمه بغجه».

و قد وضعوا في صدر القاعة- على نحو خمسة أو ستة أذرع من الجدار- عرش أمير المؤمنين متجها نحو البحر. و هذا العرش كرسيّ مستطيل الشكل كالسرير يبلغ طوله نحو ذراعين و نصف الذراع، و ارتفاعه من أمام نحو ذراع، و كله قطعة واحدة من الذهب الابريز المسبوك سبيكة واحدة في قالب الهندام و حسن الصنعة، و على ظاهره نقوش محفورة في صلب الذهب و ثخانة جدار العرش نحو ثلاث عقد، و على مقعده فرش محشوّ بريش النعام و غطاؤه قماش من الحرير الأحمر المنقوش بقصب الذهب.

كان هذا العرش سابقا لمماليك مصر من عائلة الغوري، غنمه منهم السلطان سليم لما فتح الديار المصرية سنة 922.

مفروش تجاه هذا العرش- مكان موطئ قدمي السلطان- سجادة من الحرير المطرز بأسلاك قصب الذهب تطريزا بديع الصنعة. و في أربع زوايا قاعة العرش أربعة شمعدانات (منارات) من الفضة الخالصة يبلغ ارتفاع كل منها ثمانية أذرع. و له قاعدة مسدسة الجهات تبلغ ثخانتها نحو شبر و محيطها نحو ستة أذرع، و على رأس كل شمعدان عشرون مشعلا لإيقاد نور الغاز الهيدروجيني، و على كل مشعل قبع من البلور المنقوش ليمنع نفوذ الغاز من المشعل بعد انطفائه. و يوجد كذلك في كل زاوية من أربع زوايا القاعة شمعدان من البلور النقي في شكل ثريا جمعت بين حسن الصنعة و جمال الهيئة.

396

ثم يوجد ثريا أخرى عظيمة جدا في غاية الحسن و إتقان الصنعة و كلها من البلور النقي المثمن، معلقة في سقف قبة القاعة بسلسلة نصفها الأعلى منم الفضة و نصفها الأسفل من جنس بلور الثريا. و يبلغ طول هذه الثريا البديعة الصنعة نحو 40 ذراعا و محيط دائرتها الوسطى نحو ثلاثين ذراعا. و هي مركبة من دوائر عديدة مختلفة القطر في الكبر، قد ركب بعضها فوق بعض بترتيب يناسب كبرها و صغرها، فإنك ترى قطر دائرتها السفلى أكثر من ذراع، و ما فوقها من الدائرة يزيد قطرها درجة عما تحته. و كلما ارتفعت الدوائر يزداد قطرها بنسبة بعدها و ارتفاعها، و تكبر بالتدريج حتى يبلغ قطر الدائرة الوسطى منها نحو ثلاثين ذراعا، ثم تأخذ الدوائر بأن تصغر بالتدريج حتى يصير قطر أعلى دائرة كقطر الدائرة السفلى. و في هذه ما ينيف على ألفي مشعل لإيقاد نور الغاز الهيدروجيني، و على كل مشعل بلورة منقوشة في شكل قبع جعلت منعا لنفوذ الغاز من أنابيبه قبل الإشعال.

ثقل هذه الثريا (8500) أقة. اشتغل في تركيبها بالقاعة رجل أوربي نحو سنتين و كان راتبه الشهري ثلاثين ذهبا عثمانيا، و كانت الثريا صنعت في أوربا و نقلت إلى القاعة قطعا ثم ركبت.

أرض هذه القاعة مفروشة بتقاطيع خشب السنديان المصقول و المصبوغ بصباغ يحكي لون خشب الجوز. و يفرش الخدم القاعة يوم المعايدة سيورا من الطنافس الثمينة المنسوجة في المعمل السلطاني، يبلغ عرض كل سير منها نحو ذراع و نصف الذراع، ليمشي الزوار عليها وقاية من الزلق على خشب أرض القاعة المجلوّ جلوا صقيلا. أما سقف القبة و جميع جدران القاعة فمنقوش بالقلم و الألوان نقوشا جميلة بديعة الصنعة، و في الشقة العليا من القاعة أربعة أطناف‏ (1) أحدها تجاه العرش يقف فيه جماعة الموسيقى السلطاني، و الآخر عن يمين العرش مختص بسفراء الدول الأجنبية و حواشيهم الذين يقصدون التفرج على رسم المعايدة من ذلك العلو الشاهق، و قد أعد لهم من كرم السلطان مائدة عظيمة عليها من المأكول و المشروب و الأقراص الحلوة أشكال و أفانين.

وصف المعايدة:

قال الأستاذ الصابنجي: و لما فرغ السلطان من إيفاء سنّة الأضاحي مشى إلى غرفة

____________

(1) جمع «الطنف» و هو هنا ما يشرف على أرض القاعة من سقيفة أو سدّة أو شرفة، و ما إليها.

397

الاستراحة فلبث بها مديدة حتى تهيأت له مراسم المعايدة. ثم نهض إلى قاعة العرش و دخلها من باب بينها و بين غرفة الاستراحة و انتصب واقفا أمام العرش و وجهه إلى جهة البحر و لفيف الحرس السلطاني الخاص و رجال الموسيقى يكررون الهتاف بالدعاء الملوكي «بادشاهم جوق يشا» (1)، ثم صدحت الموسيقى السلطانية بأنغامها المطربة يتراجع صداها في فضاء قبة القاعة، و ينزل على الحاضرين كأنغام نازلة من السماء تسحر الألباب، و تهتز لها طربا ألياف القلوب ما دامت ذرات الهواء مهتزة بها في قلب الأثير. قال الأستاذ: و قد سمعت أنغاما موسيقية كثيرة في أوربا و أميركا و لم أسمع فيها أنغاما تشابه هذه في الطرب.

قال: ثم إن السلطان أصدر أمره إلى إبراهيم بك- رئيس التشريف- بالبدار إلى المعايدة. و في الحال اصطف رجال «المابين» وراء العرش صفا واحدا في مقدمتهم رئيس الحجاب (سرقرنا حاج علي بك) و رئيس الكتاب (تحسين بك) و الكاتب الثاني (عزت بك) مع لفيف الحجاب و آغاوات الحرم السلطاني، ثم أقبل نقيب الأشراف و هو لابس جبة خضراء و طأطأ رأسه ثلاثا و سلّم بسلام الخلافة و وقف تجاه العرش على بعد نحو عشرة أذرع، ثم بسط ذراعيه و تلا الفاتحة. و فعل السلطان فعله و تبعه الصدر الأعظم و باقي الوزراء، و السلطان واقف على قدميه في الطرف الشمالي من العرش و كفاه مجللتان بالقفّاز الأبيض، مستندتان إلى مقبض سيف الخلافة. و كان الصدر الأعظم واقفا على يمين العرش و قد حمل على كفيه سيرا من الحرير الأحمر المقصب بأسلاك الذهب المفتول، فإذا أقبل الوزير و صار على مقربة من العرش سلم ثلاث مرات بسلام الخلافة ثم دنا من العرش و قبّل طرف السير و رجع القهقرى و هو يسلم بسلام الخلافة ثلاث مرات إلى أن توارى. ثم انتقل الصدر الأعظم إلى يسار السلطان و أقبل عليه وزراء الجهادية فسلموا بسلام الجندية دون أن يحنوا ظهورهم و لثموا طرف السير و رجعوا.

خبر زلزال حدث في ذلك الوقت و ثبات جأش السلطان:

ثم أقبل صف أصحاب الرتب و ابتدؤوا بالمعايدة و كانت الساعة بلغت الرابعة إلا خمس عشرة دقيقة إذ سمع صوت رجة خفيفة حصلت من اصطكاك في بلور الثريا الكبيرة المتقدم ذكرها، ثم اشتد صوت الارتجاج رويدا رويدا حتى صار اهتزازا عنيفا تناثرت من قوته‏

____________

(1) عبارة تركية سبق ذكرها في الجزء الأول و معناها: «لتعش أيها الملك» أو «أيها السلطان».

398

قطع بلور الثريا و سقطت على فرش القاعة و تكسرت إربا إربا، فاستولى الرعب على الحاضرين، و بينما كانت قلوبهم تهتز طربا بأنغام الموسيقى صارت أقدامهم تهتز بالزلزال هلعا و رعبا. غير أن السلطان لم يبرح جالسا على عرشه بجأش رابط و قدم ثابت، و قد هرع أكثر الحاضرين إلى القاعات المجاورة لقاعة العرش، و من بقى منهم ضجوا يستغيثون بالله و يطلبون منه النجاة. ثم إن السلطان لما رأى انقطاع المعايدة و خروج الناس نهض عن العرش بوقار و هدوء و مشى الهوينى نحو قاعة الاستراحة.

قال الأستاذ: أما أنا فلبثت في قاعة العرش و قلت لنفسي: إلى أين الفرار من هذه القاعة السلطانية قاعة العظمة و الجلال التي لا مثيل لها بين قاعات ملوك الدنيا كلها؟ فإذا كانت الزلزلة تهدم هذه القاعة (لا سمح اللّه) فتهدم معها القصر بتمامه، و إذا كان الأجل دنا فالموت في قاعة العرش الفسيحة و تحت قبتها العظيمة أمر عظيم لا يحصل كل يوم لأيّ من كان و لا أستطيع أن أختار له مكانا أحسن من هذا المحل.

ثم إن الهزة قد خفّت و زال الخطر و عاد السلطان إلى مكانه. و أتم بقية المعايدين فروض المعايدة على الوجه الذي سلف بيانه، ثم نهض السلطان بين هتاف الدعاء الملوكي و النغم الموسيقى و سار عائدا إلى قصر يلديز محفوفا بكتائب الجنود، و الخدم ينثرون الدنانير في الطريق على الفقراء الذين كانوا يدعون للسلطان بالإقبال و طول العمر.

سلام الخلافة:

سلام الخلافة هو أن ينحني الإنسان إلى الأرض بنصف جسمه (كأنه راكع) و يمد يده اليمنى إلى أن تلمس الأرض ثم يرفعها إلى جبينه باحترام، و يكرر ذلك ثلاث مرات بين كل مرة و أخرى فترة من الزمن، كأنه يشير بذلك إلى أن تراب أقدام الخليفة على الرأس و العين. قال الأستاذ: و رأيت من كرر ذلك السلام أكثر من ثلاث مرات و مشى القهقرى مسافة طويلة، و وجهه يحاذي وجه السلطان و لا يلفت إليه ظهره حتى يغيب عن منظر السلطان.

نبذة في الكلام على الزلزلة:

قال الأستاذ الصابونجي: و لما كانت الزلازل من أعظم المصائب التي نكبت بها الكرة

399

الأرضية مع سكانها، رأيت أن أذكر في هذا الباب شيئا من أحوالها و أسبابها تتمة للفائدة.

ثم قال ما خلاصته: يحدث الزلزال في الليل أكثر من النهار. و قد أحصى المدققون نحو خمسمائة زلزلة و زلزلتين كان حدوثها في بلاد أسفيزرة، منها 320 زلزلة حدثت في الليل بين الساعة السادسة بعد الظهر و بين الساعة السادسة قبله، و إن التي تحدث قبل نصف الليل تكون أشد مما تحدث بعده.

و قالوا إن الزلزال في الأراضي البركانية أكثر من الزلزال في السهول. و إن حدوث الزلزال‏ (1) في فصل الشتاء أكثر منها في فصل الصيف، و ما يحدث منها في الكانونين يكون أشد من غيره و ذلك لكثرة سقوط الأمطار التي تجري مياهها إلى شقوق الأرض و تتطرق إلى قلب الأرض و تصل إلى الصخور المسخنة بحرارة المواد النفطية المشتعلة فتحدث في الصخور انفجارا ينبعث عنه هزة في قشرة الأرض.

تنتشر الهزة التي تحدث في قشرة الأرض بسرعة عظيمة ربما بلغت سرعتها 20526 قدما في الثانية.

و الزلازل التي كانت عواقبها و خيمة كثيرة، منها زلزلة حدثت في مدينة لزبون سنة 1755 م و 1169 ه فقد دفنت تحت أنقاض المدينة نحو 10 آلاف إنسان، و الأحياء الذين بقوا بعد الهزة الأولى التجئوا إلى رصيف الميناء فباغتتهم الهزة الثانية و رفعت مياه البحر إلى علو 50 قدما، ثم جرفت الرصيف و كل ما كان عليه إلى أعماق البحر، ثم انشقت الأرض تحت البحر و ابتلعت جميع السفن التي كانت في الميناء ثم أطبقت عليها و لم يظهر منها فيما بعد أثر على وجه الماء.

أسباب الزلازل:

أسباب الزلازل كثيرة، منها ما هو معروف و منها ما هو مجهول فالمعروف هو:

أولا: تأثير جاذبية القمر في قشرة الأرض.

ثانيا: المد و الجزر في البحار.

ثالثا: ضغط الهواء على قشرة الأرض و سطح البحار.

____________

(1) كذا و الوجه أن يقال: «الزلازل» لما سيأتي في بقية العبارة.

400

رابعا: الانفجار الذي يحدث في الجبال البركانية.

خامسا: الانفجار الذي يحدث أحيانا في معامل البارود.

سادسا: الانفجار الذي يحدث في قلب طبقات الأرض بسبب تطرق المياه إلى الصخور المسخنة باشتعال المواد النفطية فمتى لامس الماء هذه الصخور الشديدة الحرارة تفرقعت و أحدثت هزة عنيفة في قشرة الأرض.

سابعا: تموج المادة النارية المائعة في مركز الأرض، فهذه الكتلة من المادة المائعة إذا لامست جدران قشرة الأرض من داخل فعلت بها فعل أمواج البحر بصخور الساحل، أي إنها تجرف من جدران قشرة الأرض بعض الصخور العظيمة بقوة تفوق إدراك البشر، و متى سقطت تلك الصخور في بحر تلك المادة النارية المائعة فرغ مكانها فيتدحرج إليه ما جاورها من الصخور و يشغله. و على هذا الأسلوب صخر يعقب صخرا في التدرج فيحصل من جراء ذلك ارتجاج و هزّة هائلة في قشرة الأرض ثم ينتشر إلى سطحها. و قد يكون مركز الهزة على عمق ثلاثين ميلا من سطح الأرض و ربما كان أقل من ذلك إلى نحو ميل و نصف ميل، و هلم جرا.

ثامنا: إن السبب الأكبر لحدوث الزلازل في الكرة الأرضية و في جميع الشموس و النجوم و الكواكب، هو اللّه جل جلاله الذي وضع للمادة على الإطلاق نواميس لا تتغير تستن بها، ثم ساسها بحكمته الأزلية و سخرها متى شاء لإجراء إرادته الإلهية في خلائقه.

بقية حوادث سنة 1327:

في ربيع الثاني من هذه السنة حدث في كل من مرعش و أنطاكية، و قريتي كسب و قريق خان، مشاغب أرمنية قتل فيها عدة أشخاص من الأرمن و المسلمين، و علّقت الحكومة بعض الرجال‏ (1) من أعيان مسلمي أنطاكية و سكنت الفتنة.

مظاهرة في حلب و مقاطعة اليونان:

و في ضحوة يوم الاثنين 29 رجب من هذه السنة احتشد الجم الغفير من أهل حلب‏

____________

(1) أي أعدمتهم تعليقا على الأعواد «المشانق».

401

في فسحة سوق الجمعة- و هو الفضاء الممتد من تجاه جامع الاطروش، إلى قرب باب القلعة إلى حمام الذهب، إلى سوق القصيلة- فأجرى المحتشدون مظاهرة حماسية طلبوا فيها من الحكومة عدم السماح بحقوقها من جزيرة كريد و قد تليت في هذه المظاهرة عدة خطب حماسية من قبل علماء المسلمين و الرؤساء الروحيين المسيحيين. ثم جرت بعد ذلك عدة مظاهرات في حلب و مراكز أقضيتها و قوطعت اليونان في استانبول، أي أضرب الناس عن شراء بضائعها.

و في رمضان هذه السنة ولي حلب فخري باشا ابن ناشد باشا، و هو وال حسن السيرة لو لا ولعه بالميسر. و قد شدد العقوبة على المتجاهرين بالسكر و عاملهم بضرب أرجلهم بالسياط دون تمييز بين رفيع و وضيع فخافوه و قلّ تعاطي هذا المنكر. ثم اعترضت على هذا العمل مدّعية العموم في دائرة العدلية فأبطل الوالي تلك العقوبة و عاد السكيرون إلى ما كانوا عليه.

402

سنة 1328 ه

تجنيد المسيحيين و الإسرائليين:

في هذه السنة صدرت أوامر الدولة بإبطال الجزية- و هي المسماة عند الدولة العثمانية باسم «البدل العسكري»- و أن يستعاض عنها تجنيد شبان الطائفتين أسوة بأمثالهم من طوائف الرعايا العثمانيين. و بناء على ذلك أجريت القرعة الشرعية على عامة شبان الرعية العثمانية، فجند فيها شبان الملل الثلاث المسلمون و المسيحيون و الإسرائليون، و هي أول قرعة كانت على هذا النمط. و قد سرّت الطائفتان الأخيرتان من هذا الصنيع سرورا زائدا لتخلصهم من غائلة البدل العسكري. ثم انقلبت مسرّتهما إلى الاستياء بعد أن باشر شبانهما الجندية و زاولوا بعض ما فيها من المشقات العسكرية التي يصعب عليهم تحملها لعدم تعودهم عليها، فكانوا يتذمرون من الجندية و يتظاهرون بندمهم على تعرضهم إليها و لا تحين‏ (1) ندامة.

كلمة في الجزية و البدل العسكري:

الجزية شي‏ء معلوم من النقود يعطيها المعاهد من أهل الذمة على عهده في كل سنة و سميت جزية لاجتزاء المعاهد بإعطائها عن القيام بالجهاد، كما قاله الزيلعي. و هي بحكم الشريعة الإسلامية لا تؤخذ إلا من الحر البالغ الصحيح العاقل المحترف، فلا تؤخذ عن العبد و لا عن مكاتب و لا عن امرأة و لا عن صبيّ، و لا عن مجنون و لا عن مزمن و أعمى و فقير غير محترف، و لا من راهب لا يخالط، لأنها خلف عن النصرة و هؤلاء لا تجب عليهم النصرة.

____________

(1) الأولى أن تكتب: «ولات حين».

403

مقدار الجزية:

مقدار الجزية على نوعين: نوع يوضع على أهل الذمة بصلح و تراض، فتقدر بحسب ما يقع عليه الاتفاق فلا تزاد و لا تنقص، و نوع يبتدئ الإمام بوضعه إذا غلب على أرضهم، و هذه لا تزاد على ثمانية و أربعين درهما على الغني- تؤخذ منه على اثني عشر قسطا، في كل شهر أربعة دراهم- و أربعة و عشرين درهما على وسط الحال: تؤخذ منه في كل شهر درهمين، و اثني عشر درهما على الفقير المعتمل تؤخذ منه كذلك في كل شهر درهما.

و الفقر و الغنى يعتبران بحسب عرف البلدة. و لو مرض الذمي السنة كلها و لم يقدر أن يعمل لا تؤخذ منه و إن كان موسرا، و كذا لو مرض نصف السنة أو أكثر.

و المعتبر في تعيين وزن الدرهم هو أن يكون كل عشرة دراهم بزنة سبعة مثاقيل. و المثقال الشرعي مقدّر بعشرين قيراطا كل قيراط مقدر بخمس قمحات معتدلة الوزن، فيكون المثقال بوزن مئة قمحة، و الدرهم الشرعي مقدر بأربعة عشر قيراطا، كل قيراط مقدر بخمس قمحات كذلك، فعشرة دراهم تبلغ سبعمائة قمحة و هي سبع مثاقل‏ (1). و كانت الدراهم في أيام خلافة سيدنا عمر بن الخطاب مختلفة الوزن، فكان منها عشرة تزن عشرة مثاقيل، و عشرة تزن ستا، و عشرة تزن خمسا. فخشي الخليفة من تلاعب الجباة و تحيلهم بأن يأخذوا الجزية من نوع الدراهم التي تزن العشرة منها عشرة مثاقيل، فيظلموا أهل الذمة. فأخذ من كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة ثلاثة دراهم ثم جمع الأثلاث إلى بعضها و وزنها فبلغت سبعة مثاقيل، فأمر الجباة أن يأخذوا دراهم الجزية على معدّل كل عشرة دراهم بزنة سبعة مثاقيل.

و الذي تبين لي بعد الإمعان و التدقيق أن الدرهم الذي كان يؤخذ على المعدل المذكور يساوي في زماننا نصف فرنك تقريبا، أي قرشين و نصف القرش من النقود الرائجة التي هي أجزاء الذهب العثماني المقدر بمائة و خمسة و عشرين قرشا، و الريال المجيدي المقدر بثلاثة و عشرين قرشا. و على هذا المعدل تبلغ جزية السنة كلها عن الغني مئة و عشرين قرشا، و عن المتوسط الحال نصفها، و عن الفقير المعتمل ربعها. لا جرم أن هذا غاية الرفق من الشريعة الإسلامية التي قنعت من الذمي بهذا القدر من المال و تكفلت بحماية نفسه و صون‏

____________

(1) كذا، و قبل قليل كتبها على الصواب: «سبعة مثاقيل».

404

شرفه و ساوت في الحقوق بينه و بين المسلم فجعلت له منها ما للمسلم و عليه ما على المسلم و كلفت المسلم أن يقاتل عنه و لم ترغمه على التجنّد بل تركت ذلك إليه إن رضي الدخول في الجندية، و إن لم يشأ كفّت عنه و قنعت منه بالجزية.

و مما يعدّ في الشريعة الإسلامية رفقا بالذمي جعلها الجزية على ثلاث مراتب، على الوجه الذي تقدم بيانه، كيلا يتحمل الذمي الفقير ما لا يطيقه، مع أنها لم تميز في الجهاد المفروض على المسلم بين الغني و الفقير و ذي العيال و المجرد بل جعلت المسلمين كلهم في مباشرة الجهاد بمنزلة واحدة.

و لو عملنا بمقتضى هذا الحساب معدل ما يدفعه المسلم المكلف للجهاد في كل عمره- لو أراد أن يجاهد بماله لا بنفسه- و بين ما يدفعه الذمي من الجزية و فرضنا أن كل واحد منهما يعيش سبعين سنة، لظهر لنا أن ما يدفعه المسلم ضعف ما يدفعه الذمي.

مثال ذلك: ثلاثة من أهل الذمة مكلفون للجزية و هم من المراتب الثلاث غني و وسط و فقير، جزية الأول عن السنة (48) و عن الثاني (24) و عن الثالث (12) فإذا جمعنا هذه المقادير إلى بعضها يبلغ المجموع (84) درهما. فإذا قسمنا هذا المبلغ على ثلاثة يصيب الواحد منهم (28) درهما في السنة فإذا ضربنا هذا المبلغ في (55) سنة و هي من السنة الخامسة عشرة من عمر الذمي إلى السبعين. يبلغ الحاصل (1540) درهما و هو جميع الجزية التي يؤديها الذمي في عمره- فأما المسلم المكلف للجهاد- سواء كان فقيرا أم كان غنيا- فإنه إذا عاش القدر المذكور من السنين فلا أقل من أن يطلب للجندية ثلاث مرات فلو دفع عن كل مرة ألف درهم على أقل تقدير لبلغ مجموع ما يدفعه في عمره (3000) درهم و هي ضعف ما يدفعه الذمي تقريبا.

ثم إن الدولة العثمانية لما رأت لاستثناء صاحب العيال من الدخول في الجندية لزوما (1)، رفقا بعياله و صونا للتناسل من الانقطاع، استثنته من الجندية و استثنت معه العجزة و الزّمناء (2)، ثم عملت معدلا فظهر لها أن عدد الذين يكلفون للتجنيد في كل سنة: واحد من كل مئة و خمسة و ثلاثين مسلما. و قد جعلت بدل الجندي من النقود-

____________

(1) أي ضرورة و حاجة.

(2) يعني ذوي الأمراض المزمنة.