نهر الذهب في تاريخ حلب‏ - ج3

- كامل بن حسين الحلبي الغزي المزيد...
640 /
405

إذا أراد أن يدفعها بدلا عنه- خمسة آلاف قرش أي خمسين ذهبا عثمانيا، فاعتبرت كل مئة و خمسة و ثلاثين شخصا من أهل الذمة كعسكري واحد، و كلفتهم دفع هذا المبلغ الذي هو خمسة آلاف قرش، و استثنت منهم المعلمين و المشتغلين في المكاتب العسكرية و الطبية و الطلبة و المستخدمين في الدرك و الشرطة ما داموا في وظائفهم، و استثنت على الدوام من كان سنه دون الخامسة عشرة و فوق السبعين، و جماعة الكهنوت و الفقراء و العجزة، و جعلت توزيع ذلك المبلغ على المكلفين بيد رؤساء الطوائف، و أن ما يلحق المستثنأين‏ (1) يوزعونه على بقية الأفراد. و قد جعلت للمكلفين‏ (2) حق الاعتراض على رئيس طائفته إذا لم يوزع عليه أسوة أمثاله، فتنظر الحكومة في شأنه فإذا رأت اعتراضه في محله فإنها تكلف الرئيس أن يساويه بأمثاله إلى آخر ما هو محرر في نظام البدل العسكري المذيل بتاريخ 9 ربيع الثاني عام 1311 و 7 تشرين الأول سنة 309 رومية.

تتمة حوادث سنة 1328:

و في هذه السنة ورد الأمر بإلغاء أخذ تذاكر المرور لمن يريد السفر إلى داخلية الولاية.

و فيها وصل إلى حلب صديقنا الأديب الفاضل السيد بهاء الدين بك الأميري، و هو أحد مبعوثي حلب و قد عاد الآن إليها من استانبول و معه شعرة من الحلية النبوية. فاستقبل بموكب حافل و وضعت الشعرة في قبلية جامع الحاج موسى. و في رجب هذه السنة ثارت طائفة الدروز في الجبل المنسوب إليهم فأوقعوا بدرك الحكومة و امتنعوا عن دفع المرتبات فمشت عليهم جيوش الدولة و بعد حروب طاحنة تغلبت الجيوش عليهم فأخلدوا للطاعة و حكم بالإعدام على عدد من زعمائهم فعلّقوا و نشرت راية الأمن و السلام في جبل الدروز و بقية تلك النواحي.

و في شعبان هذه السنة عزل فخري باشا والي حلب و وليها حسين كاظم بك. و فيها وردت الأوامر بإبطال التغالي باحتفال زينة الميلاد و الجلوس السلطاني، و حينئذ قصرت‏

____________

(1) كذا، و الصواب: «المستثنيين» أي الذين استثنوا من الجندية.

(2) الصواب: «لكل من المكلفين» لما سيأتي بعدها.

406

الزينة في هذين المهرجانين على إسراج عدد قليل من المصابيح و نشر السجاد و عروق الشجر فوق أبواب الدوائر الرسمية و بعض بيوت الوجهاء على صفة بسيطة. و فيها ظهر في الجزيرة و قضاء الباب و منبج جراد كثير أتلف مقدارا عظيما من الزروع، ثم في الشتاء التالي اهتمت الحكومة بجمع بزره فتلاشى و أمن من شره.

407

سنة 1329 ه

شدة الشتاء و كثرة القرّ و الثلج:

في محرّم هذه السنة- الموافق كانون الثاني سنة 1326 رومية- كان الشتاء شديدا و القرّ و الثلج في حلب و باقي جهاتها مما لم يسبق له نظير. و في أثناء هذه الأزمة بعثت إلى السيد الماجد أمين بك التميمي قائممقام قضاء منبج كتابا نشرت في طيه نبأ هذه الحادثة الكارثة. و منه يعلم القارئ ما أحدثه القرّ و الثلج من البلاء في حلب و أنحائها على وجه التفصيل. و إليك صورة الكتاب، بعد ديباجته:

على أني أحرّر لكم حروف هذا الكتاب و القلم يكرع شرابه من محبرة جامدة، و الفكر يستمد مادته من قريحة نارها بأنفاس البرد خامدة، ذلك لأن شتاءنا في هذه السنة أقبل علينا فاغرا فاه كالحا بوجهه مكشرا عن أنيابه، منيخا بكلكله حالّا بأثقاله قد قرس قرّه، و اشتد أمره، و سكر زمهريره، و تكسرت على الأرض قواريره، فأحال الألوان، و قشفت به الأبدان‏ (1)، و كتعت الأصابع‏ (2)، و أرعدت الأضالع، و عصب الريق في الأشداق، و جمد الدمع في الآماق، تقلصت منه الشفاه، و كزّت له الأسنان في الأفواه، صفح بجليده الأنهار و البحيرات، و أسال لعابه من الميازيب و الشرفات، يتساقط ثلجه على الأرض تساقط النّور من أشجار ثار بها إعصار، و يتهافت على الحضيض تهافت الفراش المبثوث على لهيب النار، كلّل بملاءاته رؤوس الأطواد، و مدّ بساطه اليقق‏ (3) على الروابي و الوهاد، فعادت به القيعان كأنها درّة، و أصبح من مرآة الغريب في كل عين قرّة، و رحم اللّه القائل:

كم مؤمن قرصته أظفار الشتا* * * فغدا لسكان الجحيم حسودا

____________

(1) أي ساءت حالها، و خشن جلدها.

(2) أي انقبضت و انعطفت نحو الكف.

(3) أي الأبيض، يعني الثلج.

408

و ترى طيور الماء في و كناتها* * * تختار حرّ النار و السفّودا

و إذا رميت بفضل كأسك في الهوى‏* * * عادت عليك من العقيق عقودا

يا صاحب العودين لا تهملهما* * * حرّك لنا عودا و حرّق عودا

و تحرير هذا الخبر هو أننا أمسينا يوم الخميس 30 كانون الأول الرومي و الغيوم البيضاء متلبدة في السماء و الهواء لطيف معتدل، و ما كاد ينقضي الهزيع الأول من الليل حتى أخذ الثلج يتساقط بكثرة فاستبشرنا بذلك لأن الأرض كانت عطشى مشتاقة إلى الماء، و بعض الزروع الشتوية قد أشرف على التلف. فنمنا ليلتنا فرحين مسرورين إلى أن كان الصباح نهضنا من مضاجعنا لقضاء حوائجنا فما راعنا غير الثلج المتكاثف قدر ذراع و قد تغير الهواء و قرس البرد و الغيوم باقية على تلبدها، تثلج مرة و تمسك أخرى، مستمرة كذلك مدة سبعة أيام متوالية، إلى أن كان مساء يوم الخميس سادس كانون الثاني اشتد الدمق‏ (1) و برد الهواء حتى هبط الزئبق إلى الدرجة العاشرة تحت الصفر في مقياس السانتغراد تحت السماء، فجمد الثلج القديم و تكاثف فوقه الثلج الحديث قدر ذراع و الغيوم لم تزل متلبدة ترسل الثلج تارة و تمسكه أخرى، إلى أن انقضى كانون الثاني و تم العقد الأول من شباط. و في هذه الأثناء قرس البرد حتى بلغ درجة لم نشهد نظيرها فيما مر من حياتنا و لا حدثنا الأشياخ أنهم شاهدوا نظيرها قطّ، فقد أصبحت أصقاعنا في هذه الأيام تضارع الأصقاع القريبة من القطب الشمالي المعروفة باسم (سبيريا) حيث يهبط الزئبق إلى الدرجة الثلاثين تحت الصفر، و قد هبط عندنا في هذه الأيام إلى الدرجة الرابعة و العشرين. و في رواية- عمن عني بهذا الأمر و حققه- أن الزئبق هبط في بعض الأيام إلى الدرجة السابعة و العشرين تحت الصفر بالمقياس المذكور.

تأثير الثلج و القرّ:

و قد نجم عن هذا الثلج و القرّ العظيمين وقوف حركة القطار الناري مدة ثلاثين يوما بين حلب و دمشق و بيروت، ثم سار من حلب إلى حمص بعد عناء شديد و بقيت الطريق مسدودة من حمص إلى بيروت و دمشق إلى أوائل شباط، فكأن القطار كان يعتذر عن وقوف حركته في لبنان بقول المتنبي:

____________

(1) الدمق، محرّكة: ريح و ثلج معرّبة دمه. قاموس. (المؤلف).

409

و عقاب لبنان و كيف بقطعها* * * و هو الشتاء، و صيفهنّ شتاء

لبس الثلوج بها عليّ مسالكي‏* * * فكأنها ببياضها سوداء (1)

و قد انقطع سير القوافل من سائر الجهات القاصية و الدانية، فغلت الأسعار لا سيما الفحم، فقد ارتفع ثمن رطله من قرشين إلى اثني عشر قرشا و ثمن رطل الحطب من قرش إلى ثلاثة قروش، فقاسى الفقراء الشدائد و الأهوال من قلة القوت و فقد مادة الوقود و قام الدعّار و الشطّار ينهبون أغلاق أبواب قناء الماء و دفوف سقائف الأسواق و تسلطت الأمراض الصدرية و العصبية، فمات مئات من الناس بالأزمة و الذبحة الصدرية و ذات الجنب و ذات الرئة و الفالج و سكتة القلب، و كأن الصّقع‏ (2) بدأ يجري على أهله الانتخاب الطبيعي فأخذ من يضعف عن برده و أبقى من يقوى عليه، و قد جمد عدد غير قليل ممن كان مسافرا على الطرق أو كان مضطرا لمعاناة خدمة شاقة في البلد فمات أو كاد يموت لو لم يتداركه الناس بالدّف‏ء أو الأخذ إلى الحمام، و لذا ألزمت الحكومة أصحاب الحمامات بأن يفتحوها ليلا لتكون ملجأ لمن أصابه الجمد، و مأوى للفقراء الذين فقدوا وسائط الدّف‏ء.

و اهتمت الحكومة بجمع الإعانات من أصحاب الخير فجمعت زهاء ثلاثة آلاف ليرا، فرقت ثلثها على الفقراء نقودا و ثلثها اشترت به طحينا و فرقته و ثلثا أحضرت به فحما من جهات حمص و بعلبك شحنته مجانا إلى حلب، إلا أنه لما قارب حماه عارضته الثلوج التي تجدد سقوطها فبقي القطار هناك نحو خمسة عشر يوما إلى أن تمكن من المجي‏ء إلى حلب في أوائل شباط، فبيع منه جانب برأسماله و فرق باقيه على الفقراء. و كانت الحاجة إلى الفحم كثيرة، الفقير و الغني فيها على السواء و كان طلب الناس له أشد من طلب القوت، و سبب ذلك أن القوت كان وافرا في حلب بسبب جودة الموسم، أما الفحم فإنه كان- في الوقت الذي جرت العادة على ادّخاره- مفقودا لأن الدوابّ التي تحمله من محلاته في فصل الخريف كانت مشغولة بأعمال الحبوب و كان الناس مؤملين بكثرة وجود الفحم في فصل الشتاء حين تفرغ الدواب من نقل الحبوب، كما يقع ذلك في أكثر السنين التي يكون فيها الموسم جيدا و الشتاء معتدلا يمكن أن تسير فيه قوافل الفحم من الجبال و غيرها. أما

____________

(1) أي إن جبال لبنان صعبة المرتقى و الاجتياز في وقت الشتاء، وصيفها مثل الشتاء في البرودة، و قد أخفت الثلوج فيها عليه مسالكه فضلّ فيها.

(2) الصقع: أذى الصقيع. و الصقيع: الجليد.

410

الآن فقد كاد يستحيل أن تسير القوافل إلى حلب و لو من أقرب محل إليها و لهذا عزّ وجود الفحم على الغني و الفقير و صار من أحب الهدايا بين المتحابين و أفضل الصدقات عن المتصدقين، و كان الناس يستعملون بكثرة مواقد الكاز البترول بالطبخ و يحتالون باستعمالها للدف‏ء بأن يرتكز عليها صفحة الحديد المعروفة بالصاج، و يضعون فيها رملا و يدفؤون عليه.

و في هذه المدة هلك مئات من الكلاب في حلب و غيرها مما أبقته آفة التسميم التي سلطتها الحكومة عليها في الصيف الماضي، و قد هامت الوحوش و الضواري على وجوهها في ضواحي حلب و مفاوزها و هجم بعضها على القصبات، و هلك و صيد ما لا يحصى من الغزلان و الذئاب و الضباع و النمور و الثعالب و الأرانب و أنواع الطيور الدواجن و غيرها، و تلف مقدار نصف مليون من غنم القنية (1) و غنم التجار المرسلة من جهات الموصل و أرضروم، و لحق تجار حلب من ذلك نحو سبعين ألف رأس، فانكشف حال كثيرين منهم و ارتفعت أسعار اللحم و السمن خمسة و عشرين في المائة و وقفت حركة التجارة، و أقفلت أكثر حوانيت الباعة في الأسواق و الخانات، و تعطل كثير من الأفران لفقد مادة الوقود و تهدم مقدار عظيم من سقائف الأسواق، بطبعه، أو هدمته الحكومة خوفا من خطره. و خرب في أنطاكية عدد غير قليل من البيوت لأن بناءها غير مستعد لتحمل أثقال الثلوج التي لا تقع هناك إلا نادرا. و جمد نهر العاصي على مقدار أربعة أذرع من جانبيه، و جمد نهر الفرات كله من بعض جهاته و تفطّر في بعض مساجد حلب أعمدة صخرية مر على ركزها في محلها ستمائة سنة فلم يحصل بها خلل سوى هذه السنة.

و بهذا يستدل على أن برد هذه السنة مما لم يسبق له نظير في حلب منذ ستمائة سنة، و تكسر كثير من الحجارة المرصوفة في سفل الأبواب المعروفة باسم البرطاش و عدد غير قليل من الأدراج الحربية، و تفرقع أكثر الرخام المفروش في المنازل و المساجد، و تحطم مالا يحصى من الأواني الزجاجية التي يحفظ فيها بعض المائعات كالخلّ و الأشربة الحلوة، و تخرق الكثير من الظروف النحاسية و اختلت طلنبات رفع الماء و تكسر أكثرها، و صقعت‏

____________

(1) القنية: ما يقتنى و يربّى.

411

الخضر (1) و البقول الشتوية في البساتين كالسلق و الإسفانج و القنّبيط، و لم يسلم منها سوى ذوات الجذور كالجزر و اللفت، و عطب شجر البرتقال و ما هو من هذه الفصيلة، و شجر التين و الجوز و الزيتون و الرمان في حلب و أنطاكية و الباب و أرمناز و سلقين و ما قارب تلك النواحي، و قبحت مناظر المنازل و الشوارع بما تراكم فيها من الثلوج و أكداس الجليد و اندلاع ألسن الميازيب و سيلان أنوف الأسطحة مما تقشعرّ لمنظره النفوس و ترتعد له الفرائص.

و لسان حال الناظر إلى ذلك يقول:

فإن كنت يوما مدخلي في جهنّم‏* * * ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم‏

مناظر تخدع العين و تدهش العقل، فيحسب السائر في منازل حلب و شوارعها أنه سائر في خرابة عظيمة رومانية أخنى عليها الدهر و عاثت بها أيدي الأيام و الليالي، حتى عادت أنقاض أطلالها ركاما و أبنيتها المتزاحمة و ديانا. عطلت الحكومة جميع المكاتب و المدارس و انقطع البريد عن حلب من جميع الجهات مدة ثلاثين يوما، فاجتمع في ثغر بيروت من الكتب و الرسائل ما يملأ ثلاثين عدلا. ثم في العشر الأول من شباط حملت في البحر إلى إسكندرونة و منها إلى حلب.

و كان الناس في بحران هذه الأزمة (2) الشديدة قد لزموا منازلهم و انقطعوا عن السمر و السهر عند بعضهم، و كان كثير من العائلات المتوسطة في الحال- التي كانت العائلة الواحدة منها تسكن أفرادها متفرقة في خلوات الدار و غرفها- قد انضموا في أثناء هذه الشدة إلى بعضهم، و صاروا كلهم، كبار و صغار (3)، يقومون و يقعدون في خلوة واحدة طلبا للدف‏ء فلا يجدونه، و كان الإنسان يتدثّر بأثقل ما عنده من الدثار حتى يكلّ متنه و يوقد في خلواته المناقل العديدة فلا يتيسر له الدف‏ء الذي يريده، و قد جمد مداد المحابر و ما في ظروف الماء الموضوعة قرب منافذ الخلوة. و كنا نأخذ قطع الجليد و نذيبها في النار فلا تذوب إلا بعد بضع دقائق، و كأنها- لمّا كان جمودها ببرودة درجتها بضع‏

____________

(1) أصابها الصقيع بأذاه.

(2) أي في شدّتها، و أوج احتدامها.

(3) كان في الأصل: «كبارا و صغارا» لكن المؤلف في جدول «إصلاح الغلط» جعل الصواب هو «كبار و صغار» فأثبتنا ما ذهب إليه.

412

و عشرون تحت الصفر- كان ذوبانها موقوفا على حرارة تعدل درجتها درجة برودتها.

و من الغريب أن رجلا احتاج إلى منقل مهجور عنده فأسعر فيه النار و طبخ عليها قهوة البن ثم أراد طمر النار في رماد المنقل فأحسّ بجرم في أسفل المنقل تحت الرماد فعالجه فإذا هو قطعة جليد في أسفل المنقل لم تؤثر بها كل هذه النار و لا أذابتها. و مما تقشعر منه النفوس و يقطر له القلب دما موت كثيرين من عرب البادية المخيمين في بيوت الشعر في المفاوز المنقطعة. من ذلك ما حكاه صديق لي من تجار السجاد القافلين من بغداد في هذه الأيام، قال: لما بلغنا مدينة الدير الحمراء و اشتد علينا البرد و كثر تساقط الثلج صرنا نسير في عربة مغطاة جلّلناها بالسجاد مع خيولها، و وضعنا فيها موقدة كاز استحضرناها معنا لمثل هذا الطارئ، و لو لا ذلك لهلكنا و هلكت دوابنا.

قال: و بعد أن جاوزنا ضواحي الدير قاصدين حلب مررنا على واد لاح لنا فيه بعض بيوت من الشعر منغمسة بالثلج، قال: فنزلت من العربة و قصدت بيتا منها لأستأنس بأهله و أستطلع أحوالهم فوصلت إليه بعد مشقة زائدة، ثم رفعت طرف الخباء و لفتّ نظري إلى داخله فرأيت؛ و لكن ما ذا رأيت، لا أراك اللّه مكروها؟ رأيت ما غشّى على بصري و أوهى عزائمي، رأيت كلبا و أربعة أوادم مطروحين على الأرض جثثا هامدة بلا روح، تبصّ‏ (1) ذرّات الجمد من وجوههم و أيديهم، فعلمت أنهم من شهداء البرد، و عدت عنهم و قلبي يخفق و أعضائي ترتجف. قال: و شاهدت في أثناء الطريق على ضفاف الفرات مئات من جيف الأغنام التي اغتالها البرد. اه.

و رأيت رسالة واردة من بعض تجار اليهود في عينتاب أرسلها إلى شريكه في حلب يقول فيها: بلغ عدد ما افترسته الوحوش من الأوادم في عينتاب و ضواحيها في أثناء الثلج بضعا و ثلاثين شخصا. و ذكر عن واحد قدم من ملطية في هذه الأيام أنه قال: شاهدت في أثناء الطريق المتوسطة بين ملطية و عينتاب نحو ألف صندوق من التفاح و غيره ملقاة على الأرض، قد تخفّف أصحابها بإلقائها و فازوا بأنفسهم و دوابهم.

و الخلاصة أن تأثير هذه الحادثة الكارثة عظيم و أضرارها خطيرة لو أفضنا بذكرها لملأنا

____________

(1) أي تلمع و تبرق.

413

منها مجلدا على حدته. و قد استمر هذا الثلج و البرد إلى أواسط شباط الشرقي، ثم انقطع الثلج و خفّت وطأة البرد.

تتمة حوادث هذه السنة:

فيها كانت الكمأة كثيرة جدا، اكتفى بها سكان البوادي و أحضروا منها إلى حلب ما أغنتهم قيمته. و في صفر هذه السنة بوشر بعمل محطة لسكة حديد بغداد في حلب و فيها حررت الحكومة الأملاك أي قدرت قيمتها بواسطة جماعة من أهل الخبرة بالأملاك. و كان هذا العمل شاملا أكثر البلاد العثمانية التي منها حلب. و فيها كان قيام الأرناؤد في جهات مكدونيا، و قد أرسل إليهم أحد علماء حلب فتوى بجواز قيامهم على الدولة، فوقعت الفتوى بيد الحكومة و هي مذيلة بعدة تواقيع من قبل تلاميذ ذلك المفتي، فألقي القبض عليهم جميعا و أرسلوا إلى الآستانة و هناك حكم عليهم بالنفي إلى جزيرة رودس، فأقاموا فيها إلى أن استولى عليها التليان في السنة التالية.

و فيها عزل والي حلب حسين كاظم بك و ولي عليها مظهر بك ابن بدري بك، و هو من خيرة شبان دولة تركيا و نخبة ولاتها علما و عملا و عفافا. و الوالي الذي كان قبله كاتب بارع غير أنه استهان بأعيان حلب و وجهائها و سمّاهم الأشراف المتغلبة و المتغلبة الأشراف، و نسب إليهم كثيرا من أعمال الاستبداد و التسلط على الفقراء و المزارعين. و فيها تقرر ربط خط بغداد بإسكندرونة بواسطة العثمانية. و فيها في شوال كان ابتداء حرب الدولة الإيطالية في ولاية طرابلس الغرب.

414

سنة 1330 ه

سير قطار بغداد:

فيها كان ابتداء سير القطار على سكة حديد بغداد من محطتها الأولى في حلب، الكائنة في كرم الخناقية، سار منها إلى جهة راجو ثم ما زال الخط يمتد حتى اتصل سنة 1335 بخط بوزنتي الكائن في جهة الأناضول المنتهي إلى محطة حيدر باشا في اسكدار إحدى محلات استانبول. و سار القطار من جهة أخرى حتى وصل إلى جرابلس و قد انعقد على الفرات عندها جسر خشبي وقتي يجتاز منه إلى الجزيرة، ثم ما زال الخط يمتد من هناك حتى جاوز ماردين. ثم وقف العمل بحدوث الحرب العامة.

و فيها انتهت الحرب بين تركيا و إيطاليا على طرابلس الغرب و استولت إيطاليا على طرابلس و جزيرة رودس و غيرها. و فيها في أثناء حصار إيطاليا للدردنيل- إرغاما لتركيا على تسليم طرابلس- حدث في حلب مظاهرة ضد إيطاليا لتنصرف عن الدردنيل. و فيها صدر الأمر بإجلاء التليان عن حلب سوى من كان منهم راهبا، و سوى الأرامل و العملة و من يقبل الدخول في التابعية العثمانية. و فيها استقال والي حلب مظهر بك و تعيّن بدله رفيق بك والي سيواس الأسبق.

انتهاء حرب طرابلس و ابتداء حرب البلقان:

و فيها انتهت حرب طرابلس الغرب كما قلنا سابقا و بدأت حرب البلقان بين تركيا و دول البلقان، و قد احتشد لتركيا من الجيوش عدد لا يحصى خصوصا ما احتشد لها من البلاد العربية، فإن شبان المسلمين من أبواب غزة إلى منتهى حدود البلاد الشامية لم يكد يتخلف واحد منهم عن التجند في هذه الجيوش، فكانوا يسيرون إلى جهة البلقان لحرب أعداء الدولة هناك بكل شوق و حماسة، رغما عما كان ينالهم و هم في أثناء الطريق من المشقات‏

415

المضنكة كالبرد و الجوع، و تحكم الأطباء عليهم و زعمهم أنهم موبوءون و معاملتهم بكل غلظة و قسوة، و إعادة الكثيرين منهم إلى أوطانهم على أسوأ حالة. و لهذه الأسباب انتهت هذه الحرب بمدة و جيزة منجلية غياهبها عن انكسار جيوش تركيا و ضياع جميع أملاكها في البلقان.

416

سنة 1331 ه

في هذه السنة و التي قبلها كانت المواسم جيدة و الرخاء شاملا. و في ربيع الثاني منها تعيّن واليا على حلب علي منيف بك. و فيه جدّت الحكومة بجمع إعانة سمّتها الإعانة الملّية.

و في جمادى الأولى منها صدرت أوامر الحكومة بجواز قبول عرض الحال باللغة العربية في البلاد التي أكثر أهلها عرب. و فيه بوشر بانتخاب أعضاء المجلس العمومي و هو مجلس جديد حادث، وظيفته البحث عن المسائل التي تعود على الوطن بالرقي و العمار، ينعقد مدة أربعين يوما في السنة. و في جمادى الثاني‏ (1) منها وردت الأخبار بأن نيازي بك قتل شهيدا بيد أرنؤدي في مدينة أولونيا إحدى بلاد الأرناؤد. نيازي بك هذا هو رفيق أنور باشا في السعي بقلب الحكومة العثمانية إلى الديمقراطية.

و فيه أعطي امتياز بتجفيف بحيرة أنطاكية التي تبلغ مساحتها خمسين ألف هكتار و قد مضت المدة المضروبة للشّروع بأعمال التجفيف و لم يباشر صاحب الامتياز العمل ففسخ الامتياز و بقيت البحيرة على ما كانت عليه. و في شعبان حول الوالي علي منيف بك إلى ولاية بيروت و تعين بدله في حلب جلال بك. و فيها استردت تركيا أدرنه و قرق كليسا.

و فيه تجاهر سكان بيروت و دمشق بطلب إصلاح بلادهم فأجيبوا إلى بعض مطالبهم، و شكر الدولة على ذلك بعض الشبيبة العربية. و في شوال تم الصلح بين تركيا و البلغار.

و في ذي القعدة بوشر بفرش جادة الخندق بالحجر الأسود و كانت مفروشة بحجر أبيض و اختلّ بمدة و جيزة و أكلته بكرات العجلات. و فيه بوشر بفرع إسكندرونة من خط سكة حديد بغداد. و فيه صدرت الأوامر بتوحيد الساعات، أي بجعل عيار الساعات الفرنجية مبدؤه وقت الزوال. و فيها رخص بأن يكون التدريس في مكاتب الدولة باللسان العربي في البلاد العربية.

____________

(1) صوابه: «جمادى الثانية» أو «جمادى الآخرة».

417

سنة 1332 ه

في أواخر محرّم هذه السنة قتل تعليقا في رحبة باب الفرج- قرب برج الساعة- أحد الشبان، قتل قصاصا منه على قتله غلاما من أسرة كريمة اغتاله في رمضان السنة السالفة. و كان الحامل على قتله إياه غيرته عليه و أمله الاجتماع معه في دار البقاء. و الجنون فنون. و فيها جدّت الحكومة بجمع إعانة الأسطول في سائر البلاد الدولة العثمانية و ألّفت لهذا الغرض في سلانيك لجنة خصوصية و حضر للحثّ على بذل هذه الإعانة وفد خاص من استانبول جمع لهذه الغاية مبلغا طائلا و كانت هذه الإعانة تجمع منذ سنتين من التجار و المأمورين على أنحاء شتى تؤخذ تارة مشاهرة و أخرى مسانهة (1). و فيها أسست العدلية في منبج مركز هذا القضاء.

أول طيارة في جو حلب:

في شهر ربيع الأول من هذه السنة الموافق نيسان سنة 1329 رومية تراءى في سماء حلب لأول مرة طيارة وردت عليها من استانبول، تحمل أستاذين في فن الطيران و هما شابان تركيان غضّا الشبيبة، اسم أحدهما صادق و الآخر فتحي، و كان وصولهما إلى حلب وقت الغروب و كانت مهدت لطيارتهما مسافة من الأرض قرب السبيل تجاه جبل البختي، و رشّ في هذه المسافة تراب أبيض، فنزلا بطيارتهما عليها بعد أن حلّقا في الجو برهة. و قد خرج لاستقبالهما و التفرج عليهما كبراء الحكومة و العسكرية و أعيان البلدة و ألوف من أهلها.

و لما استقرت الطيارة في الأرض علا لها الهتاف و التصفيق و ارتفعت الأصوات بالدعاء للدولة بالفوز و النصر. ثم إنهما أقاما في البلدة بضعة أيام أقيمت فيها لهما المآدب الحافلة و نالا من الناس إكراما زائدا. ثم نهضا من حلب على طائرهما الميمون قاصدين دمشق الشام فوصلا

____________

(1) مشاهرة: أي كل شهر. و مسانهة: كل سنة.

418

إليها في أقلّ من سحابة يوم و بقيا فيها أياما قليلة و حصل لهما فيها من الحفاوة و الإكرام ما حصل لهما في حلب.

ثم نهضا من دمشق قاصدين القاهرة، و بينما هما يطيران في سماء ضواحي الأردن إذ عرض لطيارتهما عارض أبطل حركتها فخرّت بهما من الجو إلى الحضيض و دفعتهما عنها في أثناء هبوطها، فسقطا إلى الأرض سقوط الصاعقة و قد اندقّت أشلاء كل واحد منهما و اختلطت ببعضها فصارت كأنها فدرة (1) لحم مدقوق. و لو لا ما كان يحمله كل واحد منهما من الوثائق لما قدر أحد أن يميزه عن رفيقه. فحملت أشلاؤهما على عجلة إلى دمشق و دفنا في قبرين متجاورين في تربة المرحوم السلطان صلاح الدين، و كان أسف الناس عليهما شديدا.

كان الغرض من إرسال هذه الطيارة و باقي الطيارات التي أرسلت بعدها إلى هذه البلاد إعلام الشعوب العثمانية بأن الدولة مهتمة بترقية الفنون العسكرية كإحدى الدول المعظمة و أنها انتبهت من رقادها و نفضت عنها غبار التواني و التكاسل اللذين كانت عليهما.

الحرب العامة

الحرب العامة و ما أدراك ما الحرب العامة؟ حرب كلح لها وجه الأرض و زلزلت جبالها و قلقت بحارها و كادت تميد لها الدنيا بأهلها. شبّت نيرانها في عاشر رمضان من هذه السنة الموافق 21 تموز سنة 1914 م و خمدت تلك النار الحاطمة في محرم سنة 1337 ه و تشرين الثاني سنة 1918 م، فكانت مدتها أربعة أعوام و خمسة شهر تقريبا، نخرت في هذه المدة كبد العالم، أماتت أمما و أحيت أخرى. أقامت الأمم على بعضها، يسفكون دماءهم و يخربون بيوتهم و ينهبون أموالهم و يعيثون فسادا في أعراضهم كأن رحم الإنسانية قد تقطعت بينهم، يستعملون في إبادة أنفسهم كل ما تصل إليه أيديهم من آلات التدمير و معدات الهلاك و البوار حتى ظهر مصداق قول الملائكة الأبرار: «أ تجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدّماء، و نحن نسبّح بحمدك و نقدّس لك‏ (2)».

____________

(1) الفدرة: القطعة من الشي‏ء.

(2) من الآية 30 من سورة البقرة.

419

آفة على البشر أهلكت من النفوس ما يعدّ بعشرات ألوف الألوف، ماتوا ميتات مختلفة ما بين قتيل و غريق و محروق و مفقود، و ميت بالثلج و البرد و هالك بالجوع و أنواع الأمراض و غير ذلك من صنوف البلاء. ناهيك أن عدد الجيش العثماني كان في أثناء هذه الحرب الطاحنة مليونين و 850 ألف رجل استشهد منهم من ضبطت أسماؤهم فقط 325 ألف ضابط، و عدد الجرحى 400 ألف، و مجموع الأسرى و المنهزمين مليون و 565 ألف رجل. و إن ما أنفقته هذه الدولة في هذه الحرب من الأموال يبلغ نصف مليار من الذهب العثماني. هذه هي خسائر الدولة العثمانية فقط من الأموال و النفوس. و منه يعلم بالقياس مقدار ما خسرته بقية الدول العظام من هذين النوعين. هلك في هذه الحرب للدولة العثمانية في حملتها على ترعة السويس فقط اثنا عشر ألف جمل، بله ما هلك فيها من بقية المواشي مما لا يدرك حدّه و لا يمكن عدّه فإن البغال و الحمير و الخيول في بلادنا كادت تدهى بغائلة الانقراض و الانمحاء.

هذا و إن أخبار الحرب العالمية قد تستوعب مجلدات ضخمة تملأ المكتبات مما ليس الإتيان به في استطاعتنا، فضلا عن كونه ليس من واجباتنا في هذا التاريخ الخاص. و إنما علينا- قبل الشروع بسرد حوادث هذه الحرب في حلب و بعض ملحقاتها- أن نأتي بمقدمة إجمالية يتصور منها القارئ فداحة خطبها و يدرك شيئا من أحوالها و أسبابها على وجه الإجمال فنقول:

الدول المتحاربة مع بعضها:

الدول المتحاربة مع بعضها ثمان و عشرون دولة. و هي تقسم إلى فريقين، أحدهما نطلق عليه اسم (دول الاتفاق) و الآخر نطلق عليه اسم (التحالف المربع). أشهر دول الفريق الأول: إنكلترا، روسيا، فرنسا، أميركا، اليابان، الصين، بلجيكا، اليونان، الصرب، الحبل الأسود، رومانيا، البرتكيز، و غير أولاء الدول مما لا تخطر أسماؤهن في بالنا.

أما دول التحالف المربع فهن: دولة ألمانيا، النمسا، تركيا، البلغار.

جميع دول الاتفاق أعلن الحرب على دول التحالف المربع متعاقبات دولة إثر دولة.

إن عدد جيوش دول الفريق الأول يفوق بكثير جدا عدد جيوش الفريق الثاني، و مع هذا

420

فإن النصر كان حليف الفريق الثاني لاجتماع كلمة دوله على غرض واحد و هو الفوز و الانتصار، و لتوحيد حركاتهن طوعا لرأي واحد، و لانتظام مهماتهنّ و طواعية أجنادهن الذين يقاتلون بصدق و إخلاص و يسمحون بتضيحة أنفسهم دفاعا عن أوطانهم و حفظا لشرفهم لا طمعا بأجرة يرونها جزءا لا يتجزأ من ثمن أرواحهم.

ثم في آخر سنة من سني الحرب انضمت دولة أميركا إلى دول الاتفاق فانعكس الحال و انتهت الحرب بفوزها، و قد فتك الجوع بالنمسا و اضطرها أن تنفرد بالصلح، ثم تبعتها البلغار و حذت حذوها. و بسبب ذلك انقطع خط الاتصال بين تركيا و حلفائها ودب الرعب في قلوب عساكرها و انكسرت معنوياتهم، فانسحبوا من سوريا تطاردهم جيوش الإنكليز بمعونة عرب الشريف. و حينئذ تقررت الهدنة و وقفت رحى الحرب.

أسباب هذه الحرب:

لهذه الحرب سببان: أحدهما أولي و الآخر ثانوي نتكلم عليه بعد.

السبب الأوليّ:

السبب الأولي الذي اضطر كل دولة من دول الاتفاق إلى أن تطرح ما بينها و بين الدولة الأخرى من الدخل و الضغن- و يكنّ جميعا يدا واحدة في إشهار هذه الحرب- هو تضخم دولة ألمانيا و توجس الدول الخيفة من غائلتها، و توهمهنّ أنها بعد قليل من الزمن ستجرها قوة معداتها البرية و البحرية و مهارتها في الفنون الحربية إلى الطمع باكتساح أوربا و ابتلاع الدنيا، الأمر الذي كان يتجسم شبحه المريع في أعين دول الاتفاق غولا مرعبا مكشّرا عن أنيابه الحديدية يتطاير من عينيه الجهنميتين نار شرر حاطمة تلتهم أوربا بأسرها.

على أن بعض الساسة من الغربيين ينكر على دول الاتفاق ما يتوهمنه من غائلة هذا التضخم و يقول: إن جدّ ألمانيا في بلوغها تلك الدرجة من التضخم لم يكن لها من ورائه غرض ترمي إليه سوى ترقي اقتصادياتها و حفظ كيانها و صد هجمات المحدقين بها من أعدائها، و إنها لا تفكر قط بالفتح و الاستعمار أو التعدي على الجوار و الأغيار.

و سنورد بعد قليل نبذة من الكلام على تضخم إيمبراطورية ألمانيا و ما بلغته من التفوق و العظمة في فنون الحرب و الاقتصاد و غيرهما.

421

هذا و إن لكل دولة من دول الاتفاق- في القيام إلى هذه الحرب- أغراض‏ (1) خاصة (عدا الغرض العام) دعتها إلى القيام على ألمانيا و محاربتها و قهرها.

وها نحن نتكلم هنا على ما علمناه لكل دولة من دول الاتّفاق من الأغراض الخاصة بهذه الحرب فنقول:

أغراض دولة بريطانيا العظمى من هذه الحرب:

هي حفظ سيادتها البحرية و إن شئت فقل سيادتها الدولية. المحاماة عن مستعمراتها في الكونغو التي قصدت ألمانيا تقسيمها سنة 1913 م/ 1332 ه، دفع غائلة ألمانيا عن الهند لأنها بدأت تبذل جهودها في أسباب الوصول إليها، فعزمت على مدّ السكة الحديدية إلى العراق، و أخذت تمهد الأسباب لذلك في خليج البصرة. عزم بريطانيا العظمى على جعل شبه جزيرة العرب إمارات تحت نفوذ إمبراطورية عامة عربية خاضعة لإرادة إنكلترا، و هناك لهذه الدولة العظيمة مقاصد أخرى من هذه الحرب يطول شرحها.

أغراض دولة فرانسة من هذه الحرب:

هي أخذ الثار من ألمانيا و استرداد اللورين و قلعة متس و الألزاس و ستر برج و ضمّ ما فيهما من الألمان- البالغ عددهم مليونا و نصف المليون- إلى الجمهورية الفرنسية. شلّ يد ألمانيا عن إنجاز وعدها لحكومة مراكش سنة 1905 م/ 1323 ه بأنها ستمد إليها يد المساعدة على فرنسة. إرجاع ألمانيا عن طلبها من فرنسا سنة 1906 م/ 1324 ه أن تتخلى لها عن حقوقها في تلك البلاد. صدّ ألمانيا عن بذل جهودها في مؤتمر الجزيرة المنعقد سنة 1907 م/ 1325 ه بأن تنسحب فرنسا من مراكش. مجازاة ألمانيا و معاقبتها على بذل مساعدتها سنة 1908 م/ 1326 ه إلى النمسا على اغتصابها بوسنه سراي و هرسك، و على نقضها معاهدة برلين و تحرشها سنة 1910 م/ 1328 ه بالفرقة التونسية و تعديها عليها و إرسالها سنة 1911 م/ 1330 ه إنذارا ثانيا و أسطولا إلى أكادير محتجة على فرنسا بهجوم جيشها على مدينة فاس. و من تلك الأسباب أيضا اتفاق ألمانيا مع بعض خونة من الوزراء

____________

(1) الصواب «أغراضا» بتنوين النصب، لأنه اسم إنّ.

422

على أن تأخذ ألمانيا مائتي ألف كيلومتر من الأراضي الفرنسية في مستعمرة الكونغو. و لها غير ذلك من المقاصد و المطالب.

أغراض الدولة الروسية من هذه الحرب:

هي تمزيق دولة تركيا و الاستيلاء على استانبول. كانت دولة روسية منذ مئات من السنين تحاول الوصول إلى هذه الغاية، و كانت كل من دولة إنكلتر و فرنسا يحبطان مساعيها في ذلك الوقت. و في النهاية أدركت روسية بعد معاهدة برلين أن استيلاءها على استانبول أصبح من رابع المستحيلات، فحوّلت وجه أطماعها إلى الهند. و لما أوصدت السياسة الإنكليزية في وجهها هذا الباب حوّلت أطماعها إلى الشرق الأقصى و قصدته فضربت دولة اليابان على يدها تلك الضربة الدامية، و حينئذ رأت روسية أنه لم يبق عندها لتوسيع أملاكها سوى الرجوع إلى تلك النغمة القديمة و تحقيق حلمها الأزلي، و هو تمزيق تركيا و استيلاؤها على استانبول تنفيذا لوصية بطرس الأكبر. رضيت بذلك إنكلترة لتحول قصد روسية عن الهند، و تجعل المملكة العثمانية ضحية عنها و تكون بذلك قد استفادت فائدة أخرى لها عندها أهمية كبرى، و هي تخلّصها من الخلافة العثمانية و سيطرتها الروحية على العالم الإسلامي في الهند. و قد أطلقت إنكلترا يد دولة فرنسة في سوريا لتسكت عن روسية في انقضاضها على ملك بني عثمان.

و من جملة مقاصد روسية من القيام على ألمانيا و النمسا تحقيق حلمها الآخر الذي هو الاستيلاء على العنصر السلافي المنضوي تحت راية النمسا و المجر و ضمّه إليها، و جمع شمل البعض الآخر من هذا العنصر في البلقان و جعله ولاية خاضعة لحكمها.

سبب دخول دولة أميركا إلى هذه الحرب:

كانت دولة أميركا- منذ نشبت الحرب العالمية إلى أن دخلت هي في غمارها- واقفة موقف الحياد تستغل الأرباح الطائلة من الفريقين المتحاربين اللذين يجتهد كل واحد منهما بأن يضمها إلى صفه. بقيت أميركا واقفة هذا الموقف حتى قدّم وزير خارجية إنكلترا المستر بلفور إلى المستر بايج- في أواخر شهر فبراير سنة 1917 م/ 1326 ه- برقية فحواها أن ألمانيا تستعد الآن لمحاربة أميركا. و قد أرسل البرقية وزير خارجية ألمانيا عن‏

423

طريق بطرسبرج إلى السفير الألماني في واشنطون ليرسلها إلى سفير ألمانيا في المكسيك ليطلب من رئيس جمهورية المكسيك أن تتحد مع ألمانيا على محاربة أميركا، و أن مكافأة جمهورية المكسيك على هذا الاتحاد ضم عدة ولايات إليها من أميركا. و في هذه البرقية أيضا تكليف السفير الألماني إلى السعي بفصل اليابان عن دول الاتفاق و ضمها إلى التحالف الألماني.

و كانت تلك البرقية محرّرة بالشفرة، و إنكلترا هي التي استحوذت عليها و فكّت طلاسمها لأنها تمكنت في أول الحرب من الاستيلاء على مفتاحها. و لما اطلعت أميركا على البرقية المذكورة عبأت جيوشها و انضمت إلى دول الاتفاق و خاضت معهن في عباب هذا البحر الطامي و كان من أمرها ما كان.

السبب الثانوي لهذه الحرب:

السبب الثانوي لهذه الحرب الضروس اغتيال عصابة صربيّة ولي عهد إيمبراطور النمسا و زوجته. و ذلك أنهما في اليوم الثامن و العشرين من حزيران سنة 1914 م- الموافق أوائل شهر رمضان سنة 1332 ه- بينما كانا في مدينة «بوسنه سراي» راكبين في سيارتهما متوجهين بين صفوف الموكب العسكري إلى إحدى كنائس المدينة، إذ فاجأتهما قنبلة متفرقعة و عيار ناري أوديا بحياتهما. و في الحال ألقي القبض على من جنى عليهما هذه الجناية الفظيعة و هو البيكباشي (و جاتا نكوسك) و (ميلان سيغانوريك) كلاهما من عصابة سربية اسمها (نارودنا أو ديرانا) أخذت على عاتقها بذل الجهود بإقلاق راحة حكومة النمسا وفك بوسنه و هرسك عنها و ربطهما بحكومة الصرب. و قد تبين من تقرير الجانيين المذكورين أنهما مدفوعان إلى هذا العمل من قبل كبار الموظفين في حكومتهم قصد إثارة فتنة يكون عقباها استيلاء حكومة سربيا على بوسنه سراي و هرسك المحايدتين لمملكتهما و اللتين معظم أهلهما من العنصر السربي.

و بعد حدوث هذه النكبة بعثت حكومة النمسا في اليوم الثالث و العشرين من تموز إلى حكومة السرب إنذارا شديد اللهجة أمهلتها لإعطاء جوابه خمسة عشر يوما. فأرادت حكومة السرب قبول شي‏ء من مضمون الإنذار ترضية لحكومة النمسا لتحققها من نفسها العجز من مقاومتها. فنهتها عن ذلك حكومة روسيا و شجعتها على الثبات أمام النمسا و وعدتها المساعدة عليها، فامتثلت حكومة السرب أمر روسيا و امتنعت عن جواب الإنذار، و حينئذ

424

اضطرت حكومة النمسا إلى عمل مناورة حربية إرهابا لسربيا لتكرهها على قبول مضمون الإنذار، و أطلقت جنود الحكومة النمسوية بعض كرات مدافعها على حدود سربيا تهديدا لها. و كانت حكومة سربيا قد علا صراخها استنجادا بالدول العظمى، فقامت عساكر روسيه على حكومتها و أكرهتها على تعبئة جيوشها و إشهار الحرب على ألمانيا توصلا إلى محاربة حليفتها النمسا. ثم شبت نيران تلك الحروب على الوجه الذي سنبيّنه.

بيان أن هذه الحرب كانت مقررة قبل هذه الحادثة:

سمّيت هذه الحادثة سببا ثانويا للحرب لأن العقل يستبعد أن تكون هذه الحرب- التي قامت من أجلها الدنيا و قعدت- مسبّبة عن تلك الحادثة الاعتيادية التي يكثر وقوع نظائرها في أوربا فلا تأبه بها. غاية ما يمكن أن يقال في هذه الجريمة أنها كانت سببا لتعجيل إعلان الحرب لا سببا لوجودها. و دليلنا على ذلك ما كنا نراه في حلب من الحركات العسكرية الدالة على الاهتمام بالتأهب و الاستعداد إلى مباغتة المستقبل بأمر عظيم، فإن الضباط العسكريين كانوا قبل إعلان الحرب بأشهر يحضرون بين حين و آخر إلى خانات التجار و يسجلون مقادير ما عند كل تاجر من البضائع و الغلات و أحيانا يأمرون التجار بالإمساك عن بيع بعض البضائع الموجودة عندهم. ثم قبل إعلان الحرب بنحو شهر أو أكثر دعت جهة العسكرية عرفاء المحلات المعروفين بالمخاترة و أعطت كل واحد منهم مغلفا مختوما على صحيفة مكتوبة، و أمرته بحفظه عنده مع بقائه مختوما، و حذّرته من فتحه و وعدته بالقتل إن هو فتحه قبل أن تأمر بفتحه. فكان المختار يأخذ المغلّف و يحفظه في أحرز مكان عنده.

و من الأدلة الساطعة على أن هذه الحرب كانت مدبرة مقررة- قبل حدوث نكبة الاغتيال- قول جمال باشا في مذكراته أثناء كلامه على التحالف التركي الألماني: إن عرض ألمانيا على تركيا التحالف معها لم يكن إلا لانزعاجها لتأهبات خصومها. و قال السير روجر كيسمنت الإرلندي في كتابه الذي ألفه تحت عنوان «الجريمة التي ارتكبت ضد أوربا»: إن الخلاف الذي وقع بين السرب و النمسا لم يكن سوى شطر يسير جدا من المسألة الكبرى التي قسمت أوربا على ما نراه فيها من الأقسام المسلحة. و أكبر دليل على ذلك تقرير أرسله السير «ج بوشنان» بمناسبة الطلب الذي قدمته حكومة روسيا إلى سفير

425

حكومة إنكلترة في بطرسبرج. و هو أن يؤكد على حكومته أن تنضم إلى روسيا و فرنسة و تعضدهما في أعمالهما. فأجاب سفير إنكلترا على ذلك بقوله أن ليس لحكومته مصالح في السرب تقضي عليها اتخاذ هذه الخطوة، ثم إن الرأي العام الإنكليزي لا يمكن أن يقنع بوجوب اشتراك حكومته في هذه الحرب من أجل السرب فقط. فعند ذلك رد عليه ناظر خارجية روسيا بقوله: يجب علينا ألّا ننسى أننا في الحقيقة واقفون أمام المسألة الأوربية الكبرى، و ما أمر السرب إلا جزءا يسيرا (1) منها. و أنا أظن أن إنكلترا لا يحسن بها أن تضيع الفرصة و تتغاضى عن المسألة التي نحن بصددها. اه.

أقول: من قرأ هذه المناقشة و أمعن النظر في فحواها علم علم اليقين أن هذه الحرب مدبرة قبل حادثة الاغتيال، و أن هذه الحادثة كانت سببا لتعجيل الحرب لا سببا لوجودها كما أسلفنا بيانه.

نبذة من الكلام على تضخم إيمبراطورية ألمانيا:

إن الأمة الألمانية ارتقت من بين الأمم الغربية المتمدنة الذروة العليا في جميع حاجيات الحياة. فكما أنها أحرزت قصب السبق في فنون الحرب و مهماته و معدّاته، فقد حازت القدح المعلّى من فنون الاقتصاديات على كثرة أنواعها، و نالت النصيب الأوفر من العلوم الاجتماعية و السياسية و فنون الطب و حفظ الصحة التي بواسطتها لم تزل مواليدها بالنسبة إلى وفياتها آخذة بالازدياد يوما فيوما. كان عدد نفوس الإيمبراطورية الألمانية سنة 1816 م/ 1232 ه يقدر ب (25) مليونا. ثم في سنة 1871 م/ 1288 ه بلغ عدد نفوسها (41) مليونا. ثم في سنة 1888 م/ 1306 ه بلغ (48) مليونا. و في سنة 1911 م/ 1330 ه بلغ (66) مليونا.

و مما برعت به الأمة الألمانية فلسفة الطبيعيات و الكيميا اللتين أوصلتاها بالأبحاث الدقيقة إلى إخضاع القوات النارية و الكهربائية إخضاعا لم يعهد له مثيل. فاستخدمت تلك القوات بالزراعة و الصناعة على تعدد أنواعها: من سكب الحديد و نسج الأقمشة، و عمل السيارات و الطيارات، و الغواصات و القوات البحرية التي لا يباريها بها مبار.

____________

(1) الصواب: «إلا جزء يسير» بالرفع، لأن «ما» انتقض نفيها ب «إلّا» فبطل عملها.

426

كان عدد حصن البخار عندها في سنة 1882 م/ 1300 ه مقدرا بمليون و مائتي ألف حصان. ثم في سنة 1907 م/ 1325 ه بلغ عدد هذه القوة نحوا من خمسة ملايين و مائتي ألف حصان.

على أن الذي أعان الأمة الألمانية على النبوغ في المسائل الاقتصادية و الفنون الحربية، هو غناء بلادها من الحديد و الفحم الحجري اللذين هما أس كل قوة آلية. و عليه فإن ألمانيا بمعاملها- التي تتحرك بالبخار و الكهرباء و الغاز الفقير و البترول و البنزين- قد فاقت بكثرتها، بالنسبة إلى عدد نفوسها، جميع الأمم في أوربّا و غيرها.

كانت صادرات ألمانيا قبل خمس و عشرين سنة من القطن تقدر ب 67 مليونا، فصارت الآن تقدر ب 421 مليونا من الماركات. و صادرات الصوف كانت تقدر ب 177 فصارت الآن تقدر ب 253 مليونا من الماركات. و على هذه النسبة زادت فيها صادرات الحرير و الكتان و بقية المواد التي تنسج منها الأقمشة. و على هذه النسبة أيضا زاد فيها عدد التجار، فقد كان في سنة 1882 م/ 1300 ه يقدر بمليون و خمسمائة ألف فصار الآن يقدر بثلاثة ملايين و أربعمائة و سبعة و سبعين ألفا و ستمائة تاجر. و هكذا قل في زيادة الخطوط الحديدية و أسلاك البرق و أسلاك الهاتف و المواد الطبية و الفنون الزراعية، و جميع البضائع التجارية، و صنوف الأصبغة و الأشربة الروحية التي تصدرها دول العالم المتمدن من ممالكها، فإن ألمانيا قد برعت بها أيما براعة.

لم لم تتفق تركيا مع دول الاتّفاق، و لم لم تبق على الحياد؟

يؤخذ من مذكرات جمال باشا أن تركيا رغبت عقد التحالف مع دول الاتفاق، و أن جمال باشا سافر إلى باريز للحصول على هذا الغرض و قابل وزير خارجية فرانسة، و طلب منه- قبل إبرام عهدة الوفاق- حل مسألة الجزر بين تركيا و اليونان. فكان جواب الوزير له ما معناه أن فرنسة لا يسعها الموافقة على هذا الطلب دون رضاء حلفائها. و من هذا الجواب فهم جمال باشا أن دول الاتفاق لا ترغب التحالف مع تركيا، فعاد إلى استانبول بخيبة الأمل. و قابل فيها السير لويس ماليت سفير إنكلترا.

و بينما هو يحادثه إذ قال له السير لويس: أرغب منك يا جمال باشا أن تصرح لي بمطاليب الحكومة العثمانية في مقابلة بقائها على الحياد. فأجابه جمال باشا، بعد أن راجع الصدر

427

الأعظم بقوله: إن الحكومة العثمانية تطلب- في مقابلة بقائها على الحياد- إلغاء الامتيازات، إعادة الجزر التي أخذتها اليونان من تركيا، حلّ مشكلة مصر، تعهد روسيا بعدم التدخل بشؤون تركيا الداخلية، معونة إنكلترا و فرنسة الفعلية فيما لو هاجمت روسيا بلاد تركيا. قال جمال باشا ما معناه: فأبلغ السير لويس حكومة لندره مطالب تركيا فكان جوابها هكذا:

لا يمكن التفكير بإلغاء الامتيازات، إنما يمكن لإنكلترا- بعد اتفاق حلفائها- أن تسمح بإلغاء بعض امتيازات مالية. و أما مسألة الجزر فيجب تأخيرها و النظر إليها فيما بعد، كما أن المسألة المصرية يترك الخوض فيها الآن، و إن روسيا لا تفكر مطلقا في مهاجمة تركيا. و إن إنكلترا تطلب- في مقابلة إلغائها بعض الامتيازات المالية- عدم إغلاق المضايق في وجه سفن روسيا.

فهم جمال باشا من هذا الجواب أن دول الاتفاق لا تود اشتراك تركيا بالحرب في جانبهن، لأن ذلك يضيع لروسيا فكرة الاستيلاء على استانبول و أن غرض دول الاتفاق السعي في منع تركيا عن القيام بشي‏ء لغير مصلحتهن، و بالاحتفاظ في غضون الحرب بالاتحاد مع روسيا و إعطائها عند الفوز النهائي استانبول، و منح الولايات العربية استقلالا داخليا يسهل فيما بعد سقوطها تحت حمايتهن و وصايتهن.

قال جمال باشا في مذكراته ما خلاصته: إن بقاء تركيا على الحياد، مع عدم معارضة الملاحة في المضايق، يسهل لروسيا بعد خروجها من الحرب العالمية ظافرة الانقضاض على استانبول و الولايات الشرقية في الأناضول.

قال: و إذا قصدنا التخلص من هذه الغائلة و أردنا إقفال المضايق- مع أن دول الاتفاق لا تسمح لنا بقفلها- أمكن حينئذ دول الاتفاق أن تضغط علينا، بل ربما يقول لنا البعض منهن أن يحتل المضايق إلى أن تضع الحرب أوزارها و حينئذ نعيدها إليكم.

قال جمال باشا بعد هذا كله: فلم يبق لنا سوى الالتجاء إلى تحالف قوي.

تحالف تركيا مع ألمانيا:

قال جمال باشا في مذكراته أثناء كلامه على موقف دول الاتفاق حيال تركيا ما ملخصه:

428

إن إنكلترا قد تمكنت من القطر المصري، و هي تجتهد بالحصول على العراق و فلسطين و توطيد نفوذها في جميع أنحاء شبه جزيرة العرب. و إن روسيا لا تحتاج عداوتها لتركيا إلى دليل، و هي لا ترى لتحقيق مطامعها أفضل من عزلة تركيا. و أما دول التحالف الثلاثي فإن النمسا و إيطاليا لم يبق لهما مطامع أخرى نحو تركيا، فقد قدمتا لها كل ما استطاعتاه من الأذى فلم يبق لهما حاجة إلى مطمع جديد. و أما ألمانيا فإنها ترغب أن ترى تركيا عزيزة الجانب إذ لا يمكن ضمان مصالحها إلا بتقويتها.

لا تستطيع ألمانيا الاستيلاء على تركيا و تجعلها كمستعمرة؛ لأن المركز الجغرافي و الموارد الألمانية يجعلان ذلك مستحيلا. فألمانيا إذن تعتبر تركيا بمثابة حلقة في سلسلتها التجارية، و لهذا أصبحت من أشد أنصارها ضد حكومات الاتفاق التي حاولت تمزيقها خصوصا لأن تصفية تركيا كان معناه تطويق ألمانيا بصفة نهائية، و ذلك أن تركيا في الجنوب الشرقي من ألمانيا كغلق‏ (1) لذلك الطوق، فالطريق الوحيد الذي تدرأ به ألمانيا ضغط الطوق الحديدي هو منع تمزيق تركيا.

و لما قنطت تركيا من التحالف مع دول الاتفاق على الوجه الذي أسلفنا بيانه، و رأت أن مطامع روسيا لا تتحقق إلا بعزلتها، أخذت تفكر في محالفة تنقذها من هذا الخطر.

و قد استغرق تفكّرها هذا نحو ستة أشهر. و بينما كان الوقت قد آذن بنشوب الحرب، و تركيا في قلق من عزلتها، إذ بألمانيا تعرض عليها عقد محالفة تتفق مع مصالحها و تضمن حقوق الطرفين. فلم تتأخر تركيا عن قبول المحالفة مع تلك الإيمبراطورية القوية البأس، فإن لهذه المحالفة محاسن كثيرة منها منع دول البلقان عن التدخل في شؤون حكومة تركيا.

و منع دول الاتفاق عن الاستيلاء على بلادها. و منها أن علماء ألمانيا و فنونها و خبراءها التجار يصبحون تحت تصرف تركيا. إلى غير ذلك من المحاسن و المزايا التي تستغلها تركيا من هذا التحالف. ثم إن دولتي النمسا و بلغاريا دخلتا مع ألمانيا في عقد هذا التحالف دون تردد و لا توقف لأن ما يهم ألمانيا يهمهما أيضا.

____________

(1) الغلق، بفتحتين: الباب العظيم. و هو أيضا ما يغلق به الباب و يفتح.

429

تصريح بالفوائد التي تقصدها ألمانيا من محالفتها مع تركيا:

لألمانيا في عقد تحالفها مع تركيا مقصدان:

المقصد الأول:

هو حفظ مضايق استانبول من استيلاء روسيا عليها كيلا تفقد ألمانيا و أوستريا- حليفتها الأخرى- استغلال الفوائد الاقتصادية اللائي تجنيانها من قبل العالم الإسلامي القاطن وراء البحر الأسود و الأبيض، و لتكون تركيا سدا منيعا لوصول المدد إلى روسيا من حلفائها إبان الحرب، إذ لا سبيل إلى إمداد حلفائها إياها من جهة البحر الأبيض إلا من طريق استانبول.

إن روسيا لو وصل إليها المدد من حلفائها من هذا البحر لما كانت ألمانيا حين نشوب الحرب العالمية تقوى على إخضاعها في تلك المدة القصيرة. و كيف يتصور العقل جواز قهر أمة- في تلك المدة الوجيزة- يبلغ عدد شعوبها زهاء مائتي مليون، و جنديها من أشهر جنود الدول البرية لو كان المدد واصلا إليها من حلفائها كما يجب. لا جرم أن المضايق لو كانت مفتوحة لإمدادها بالمعدات و المهمات الحربية لصعب على ألمانيا أن تضربها تلك الضربة القاصمة لظهرها التي لم تكن متوقعة من قبل. ناهيك دليلا على ما وقر في صدور الألمان من عظمة روسيا و ضخامة ممالكها و كثرة شعوبها أن الإمبراطور غليوم سئل عن عدد الدول التي يحاربها في هذه المعركة فقال: «عدد الدول التي أحاربها الآن ثلاث، منها دولتان هما روسيا وحدها، و الدولة الثالثة هي بقية الدول». فاعتبر دولة روسيا وحدها دولتين و اعتبر بقية الدول العديدة دولة واحدة.

المقصد الثاني:

هو: من المعلوم أن موقع المملكة الألمانية و النموسية من قارة أوربا متوسط، و هما معدودتان من الدول المركزية في هذه القارة، و أن المنطقة المحدقة بهما مفتوحة الغلق‏ (1) من جهة تركيا فقط. ثم لا يخفى أن العالم الإسلامي يبلغ عدده نحو ثلاثمائة مليون من‏

____________

(1) سبق شرحه بأنه الباب.

430

النفوس، و هو متبعثر في الربع المسكون ما بين محكوم بدولة إسلامية ضعيفة مضروب عليها نطاق السيطرة من قبل دولة أجنبية، و ما بين قاطن بمستعمرات تحكمها دول أجنبية كالهند و تركستان و تونس و الجزائر، فإنّ الحكومات المستولية عليها في تلك الأصقاع تتصرف بمقدراتها كما تشاء.

و لما رأت دولة ألمانيا أن العالم الإسلامي المتبعثر على هذه الصفة لو تألفت أجزاؤه و ربطت ببعضها برابطة الدين لجاء منه قوة تهدد الأرض ببأسها، فرغبت‏ (1) أن تكون هذه القوة بجانبها و رأت أن لا سبيل إلى استمالة هذه القوة إلى جانبها إلا بالاتفاق مع الدولة العثمانية مقرّ الخلافة التي يتعلق بعرشها عامة المسلمين. فبذلت الدولة المشار إليها جهدها منذ أعوام طوال بموالاة الدولة العثمانية و المحاماة عنها إلى أن اطمأنت تركيا منها، فمدت إليها ألمانيا يد الاتفاق، و عقدته معها على أن تكون الدولتان يدا واحدة في إنقاذ العالم الإسلامي و إرجاع مجده إلى ما كان عليه. حتى إن جمال باشا صرح في مذكراته عدة مرات أن أول غرض لتركيا من هذه الحرب هو خدمة العالم الإسلامي. لا ريب أن دولة ألمانيا لو كانت هذه الحرب منجلية عن فوزها و ظفرها لكانت جذبت إليها بهذا الاتفاق قلوب عامة المسلمين و استمالتهم نحوها بحكم قاعدة: (من والى صديقك فقد والاك) فكانت تستفيد هي و أوستريا من استمالة العالم الإسلامي إليهما ثلاث فوائد:

الفائدة الأولى:

إشغال قوات عظيمة لأعدائها حين قيامهم عليها تتركها أعداؤها في مقابلة من جاورهم من الحكومات الإسلامية و إماراته المستقلة، حينما يحدث بين ألمانيا و أوستريا و أعدائهما حرب في أوربا.

الفائدة الثانية:

التي تستفيدها الدولة الألمانية من استمالة العالم الإسلامي إليها: هي جعل الدولة الإسلامية و إماراتها- في عامة الرّبع المسكون- جزءا من دول الاتفاق المربع لتقاتل معها كجيش من جيوشها حينما تسنح لها الفرصة بشن الغارة على إحدى مستعمرات دول‏

____________

(1) لا وجه لدخول الفاء على الفعل الماضي هنا. و الجملة جواب «لمّا» الظرفية الشرطية.

431

الاتفاق في آسيا و أفريقيا، و لا سيما الهند التي هي مصدر قوة إنكلترا. و قد رأت دولة ألمانيا و غيرها من الدول المعظمة أنه لا سبيل إلى قهر الأمة البريطانية و جعلها في عداد الدول الثانوية إلا بسلب الهند من يدها و شن الغارة عليها من جهة آسيا ما دامت مخانق البحار في قبضتها و أن الأمم الإسلامية التي تعترض طريق الوصول إليها في آسيا مما لا يستغنى عن مظاهراتهم و الاستنصار بقوتهم حين الإغارة على تلك الدولة، الأمر الذي تعده ألمانيا من مقدمة المقاصد من استمالة المسلمين إليها. و لا يخفى أن الدول الإسلامية و إماراتها في آسيا يتألف منها جيوش ضخمة تملأ الفضاء، و هي في منتهى درجات القوة و الشجاعة بحيث إذا أمدت بالمعدات و قادها رجال محنكون عارفون بفنون الحرب لجاء (1) منها قوة لا تلبث معها أكبر دولة حتي تهن قوتها و يتلاشى معظم ملكها.

الفائدة الثالثة:

رواج البضائع الألمانية و النمسوية في الممالك الإسلامية. إذ من المعلوم أن الأمة الألمانية لم تدع لباقي الأمم مجالا للسبق في ميادين الصناعة و الاقتصاديات كما أسلفنا بيانه. و لا يخفى أن استثمار هذا التقدم و الرقي يحتاج محصوله إلى أسواق يروج فيها، و أن أول داع لرواج البضاعة رخص أسعارها و لا شك أن البضائع الألمانية- على اختلاف أنواعها- حائزة هذه المزية، و لهذا يتهافت الناس عليها في مشارق الأرض و مغاربها حتى إن كثيرا من شعوب الدول العظام- كشعوب إنكلترا و شعوب فرانسة- يرغبون بالبضائع الألمانية عن غيرها فيقبلون على شرائها بكل رغبة و نشاط، حتى إنك لتجد في نفس جزيرة بريطانيا كثيرا من المحركات الألمانية في المعامل الكبيرة، اختارها أصحاب تلك المعامل دون غيرها لإتقانها و رخصها.

و مع كثرة ما يصرف من البضائع الألمانية في أسواق أوربا و أميركا، فإنها لم تزل كثيرة وافرة يزيد محصولها على الصادر منها زيادة عظيمة، فرأت ألمانيا أن تفتح لها أسواقا جديدة في آسيا و أفريقيا تصرف فيهما ما توفر لديها من محاصيل البضائع. و لما كان العالم الإسلامي في هاتين القارتين يعدّ من الشعوب الكبيرة فقد رغبت ألمانيا أن تستميله إليها بواسطة الخلافة الإسلامية لتنال منه رغبتها في رواج محاصيلها، فيقبل عليها و تزداد بواسطة الخلافة فوائدها

____________

(1) الصواب حذف اللام، لأنه لا يقترن بها جواب «إذا» الشرطية.

432

الاقتصادية التي تسابق بها دول الربع المعمور.

تصريح في البواعث التي حملت تركيا على الاتفاق مع دولة ألمانيا:

معلوم أن دولة تركيا أتى عليها زمن ورايتها تخفق فوق ممالك يربو عدد أهلها على مائة و عشرين مليونا. و كانت دول أوربا في ذلك الوقت يحسبن لها حسابا عظيما و يتسابقين مع بعضهن بالتزلف إليها. ثم لما تقلبت الدهور و الأعصار عليها و أخذت ترجع القهقرى- سنّة اللّه في الأيام التي يداولها بين الناس- بقيت دولة بريطانيا على مجاملتها لتركيا، رعاية لخواطر رعاياها المسلمين المرتبطين بالخلافة العثمانية برابطة الدين و توهينا لأعدائها عن تقربهم إلى مستعمرة الهند، كمحاماتها عنها في واقعة أبي قير، تلك الواقعة المدهشة، و كمحاماتها هي و دولة فرنسا في حادثة القرم التي كسرت فيها جيوش دولة روسيا أيما كسرة، توهينا لقوة هذه الدولة و إيقافا لها عند ذلك الحد.

ثم إن إنكلترا أمنت غائلة الروس باتفاقها مع دولة اليابان على دفع الروس عن الشرق الأقصى، و كانت دولة تركيا قد وصلت إلى دورها الأخير من التقهقر و الانحطاط و أصبحت عرضة لاستيلاء الفاتحين، و قد ذهب قسم عظيم من بلادها في الحرب الأخيرة مع روسيا و لم يبق ريبة في عجز تركيا عن مقاومة أعدائها، فاستغنت دولة إنكلترا عن مجاملتها لتركيا و رأت أنها أولى من غيرها بالأكل من هذه المائدة المبسوطة لكل وارد و صادر، و أجدر من سواها بالاستيلاء على تلك البلاد، و أن المسألة الشرقية قد آن أوان مباشرتها، فاحتلّت- في حادثة اعرابي باشا- مصر. و من ذلك الوقت بدأت تركيا تشعر بانحراف هذه الدولة عن مجاملتها، و كانت عيونها و قناصلها في الممالك الأجنبية تعلمها من وقت إلى آخر بأمور تدل على سوء مقاصد أوربا مع تركيا و عدولها عن مجاملتها و اتفاقها على معاكستها، فتعكّر صافي اعتقادها بإخلاص أوربا، ثم ازدادت نفورا من دولها حينما تحققت أنهن يعاكسنها في جزيرة كريد و يساعدن مقاصد اليونان. و بعد مدة تأكدت بأنهن انقلبن ضدها انقلابا بينا و انضم إليهن عدوها الأكبر دولة روسيا و غيرها من باقي أعدائها مبرهنة هذا الانقلاب باتفاق الدول على حرمانها مما جنته سيوف جنودها من بلاد حكومة اليونان في حربها الأخيرة معها.

433

و كان قد تواتر عند العثمانيين أن دول أوربا غير المركزية قد اتفقن على تقسيم بلاد تركيا فيما بينهم، و على إخراج نواياهن في المسألة الشرقية من حيز القوة إلى حيز الفعل. فلم ير السلطان عبد الحميد بدا من التمايل إلى دولة ألمانيا التي كانت تخطب صداقة تركيا منذ أمد بعيد تمهيدا لبلوغ مقاصدها التي أسلفنا ذكرها. فأحضر هذا السلطان جماعة من الألمان- أساتذة العلوم العمرانية و الفنون العسكرية- إلى مدارس استانبول و وظّفهم بوظيفة التدريس و التعليم. و من ذلك الوقت شرع هؤلاء الأساتذة يغرسون في أفكار التلامذة حب ألمانيا و يجسمون في مخيلتهم عظمة دولتهم و حبها لدولة تركيا، و يؤكدون لهم ما وقر في صدر دولة إنكلترا من المقاصد السيئة في حق تركيا و أنها قسمت بلادها بينها و بين باقي دول أوربا و دول البلقان. و كان التلامذة يعتقدون صحة هذه المبادى‏ء و يثبتونها في أذهان الأمة حتى تمكنت من عقولهم و استحكمت في اعتقادهم.

ثم قام حزب الاتحاد و الترقي على السلطان عبد الحميد و حملوه على العمل بالقانون الأساسي و قلبوا الحكومة إلى الديمقراطية ثم خلعوه. و قد ساعدت دولة إنكلترا الاتحاديين في هذا الانقلاب انتقاما من السلطان عبد الحميد على ميله إلى الألمان و تقريبه إياهم، و اتخاذه منهم الأساتذة و المرشدين و بعض قواد عسكريين. ثم حدثت حرب طرابلس الغرب بين تركيا و إيطاليا. و كان الاتحاديون يأملون من دولة إنكلترا المساعدة في هذه الحرب فخاب أملهم و لم تساعدهم إنكلترا بشي‏ء حتى و لا بإمرار قواتهم من مصر إلى جهة طرابلس.

فازداد نفورهم من إنكلترا و تأكدت رغبتهم بالميل إلى ألمانيا حينما لم يروا بدا من التجائهم إلى هكذا دولة قوية تساعدهم على خصمهم العظيم، خصوصا بعد أن خاب سعيهم بالتحالف مع دول الاتفاق الذي قدمنا بيانه. ثم حدثت حرب البلقان بين تركيا و حكومات البلقان، و انجلت هذه الحرب عن انكسار تركيا و خسرانها جميع ولاياتها في البلقان، و أعلنت البلغار استقلالها بالرومللي، و النمسا في البوسنه و الهرسك. ثم إن تركيا سنحت لها فرصة أمكنتها بمساعدة ألمانيا استرجاع قسم كبير من ولاية أدرنة، و حينئذ رأت تركيا أن لا مناص لها عن أن تتفق مع ألمانيا لدفع العادية على ثمالة ممالكها (1)؛ لأنها تحقق لديها من ماجريات هذه الأحوال أن جميع دول الاتفاق العظيمة تشرئب أعناق مطامعها إلى أخذ بلادها و ملاشاتها مع ما هي عليه من الضعف و الفقر، و أنه لا ينجيها من نشوب مخالب‏

____________

(1) أي على بقيّتها.

434

هذه الدولة سوى اتفاقها مع دولة عظيمة كألمانيا التي لم تمد من قبل إلى بلادها يدا و لن تقدر أن تمد إليها يدا لموقعها الجغرافي، مؤملة بذلك أن تحفظ كيانها بل طامعة بما سولته لها ألمانيا و بما علمته من قوتها و عظمتها بأن تعيد لها مجدها السالف لتحققها أنها و حلفاءها هم الغالبون، و أن كل من نواهم سيكون مغلوبا.

هذا ما دعا تركيا إلى الاتفاق مع ألمانيا و حلفائها: إيطاليا و النمسا و البلغار. و هذا هو اجتهاد الاتحاديين، أخصّهم بالذكر بطلهم و صنديدهم أنور باشا الذي نشأ في مدارس ألمانيا و تغذى بألبانها، و قد أداه سعيه إلى أن يكون الرجل الواحد في دولة تركيا لا يعارضه فيما أراد معارض و لا ينازعه منازع.

دولة إيطاليا حيال الدول المتحاربة:

كانت دولة إيطاليا متفقة منذ عهد قديم قبل الحرب مع دولة ألمانيا، فلما بدأت الحرب بقيت إيطاليا على الحياد مدة سنة أو أكثر، و كانت الأخبار تصل إلينا عنها ملونة، فمرّة يبلغنا عنها أنها لا بد و أن تبقى على اتفاقها مع ألمانيا، فهي عما قريب تعلن معها الحرب على دول الاتفاق، و أخرى يبلغنا عنها أنها ستنضم إلى المتحالفين و تعلن الحرب معهم على الاتفاقيين. و الناس يبنون على دخولها مع أحد الفريقين رجحان كفة الميزان مع الفريق الذي تدخل معه. ثم في آخر الأمر انضمت إلى الاتفاقيين و أشعلت نار الحرب مع النمسا فلم تفز بطائل.

منذرات هذه الحرب في حلب قبل ظهورها:

قبل إعلان هذه الحرب بأعوام طويلة كانت بعض النفوس الحساسة في حلب تشعر بأنه لا بد و أن تقع هذه الحرب و لو بعد أعوام. و سبب الشعور بذلك هو ما يحس به الباحثون عن أحوال أوربا- خصوصا عما يجري بين الأمتين ألمانيا و فرانسة- من المراقبة و التحفز على بعضهما إذ أنهما ما برحتا منذ أربعين سنة- أي منذ انتهاء حرب السبعين حتى الآن- تجد كل واحدة منهما في إعداد المهمات الحربية الجهنمية استعدادا لهذه الحرب الطاحنة، فكأن نار حرب السبعين قد خمدت ظاهرا و لكنها في الباطن كانت تتأجج كالنار المدفونة في الرماد. و لذا قال بعض الساسة: إن الحرب العامة القائمة الآن لم تكن حربا

435

جديدة محدثة، و إنما هي من تتمة حرب السبعين. و لذا كنت ترى حينا بعد حين في الصحف الإخبارية و المجلات العلمية أقوال المنجمين و المتكهنين المنذرة بهذه الحرب قبل ظهورها بعدة أعوام.

هذا، و في أوائل هذه السنة و هي سنة 1332 بدأ بعض الناس في حلب يتحدثون سرا بأنه عما قريب تشتعل نار حرب حامية بين عامة الدول، مع أنه كان لا يوجد في صحف الأخبار ما يدل على ذلك. و كان هذا التحدث السري يتفشى بين الناس يوما فيوما حتى شاع بين جميع الطبقات غير أن من الناس من كان يستبعد الحرب، و منهم من يرى أنها قريبة الوقوع. و كان أمراء العسكرية و ضباطها يحضرون في بعض الأيام إلى خانات الغلّات، و يسجلون مقادير ما يجدونه فيها من الحبوب و الذخائر، و يأمرون الخاني‏ (1) بعدم بيعها أحيانا، و يرخصون له به أخرى. و ربما طافوا في خانات التجار و أحصوا ما عند كل واحد منهم من الأقمشة و البضائع المأكولة و غيرها. فكان الناس يرتابون من هذه الأعمال لأنها مما لم يسبق لها نظير، و بسببها كانت تقوى عندهم صحة الشائعات المنتشرة فيما بينهم بخصوص الحرب العالمية.

تتمة حوادث سنة 1332 ه

سباق الخيل:

و في شهر جمادى الثانية من هذه السنة جرى في أرض الحلبة- ظاهر حلب- سباق خيل حافل، حضره كبار الموظفين من ملكيين و عسكريين و ألوف من الأهليّين‏ (2). و أجازت الحكومة الحائزين قصب السبق بجوائز نقدية.

دعوة العرفاء إلى الثكنة العسكرية:

و في هذه الأيام دعت جهة العسكرية إلى ثكنتها جميع عرفاء المحلات المعروفين بالمخاترة و أعطتهم المغلفات السالفة الذكر.

____________

(1) هو صاحب الخان. و العامّة تقول: الخانجي.

(2) وردت هكذا عند المؤلف بياءين في معظم المواضع. و الوجه أن تكتب بياء واحدة: «الأهلين».

436

إعلان تركيا النفير العام في ممالكها:

يوم السبت عاشر رمضان هذه السنة (1332) الموافق اليوم الحادي و العشرين من تموز سنة 1330 رومية و اليوم الثالث من آب سنة 1914 م- أصبح الناس فرأوا في منعطفات الشوارع و أبواب الأماكن الشهيرة- كالجوامع و الخانات- أوراقا ملصقة بالجدران مطبوعة ملونة فيها صورة الشعار العثماني، و تحته سطر واحد فيه كلمة (سفر برلك) أي النفير العام. فعلم الناس أن هذه الأوراق هي التي كانت في المغلفات التي سلمتها الجهة العسكرية إلى المخاترة و أمرتهم بحفظها. و قد عظم هذا الأمر على الناس و أصبح تحدّثهم به شغلهم الشاغل، و بعد أيام قليلة غلق بالشوارع من الجهة العسكرية إعلان فحواه: «أن كل من كان بالغا سن المكلفية العسكرية أن يحضر إلى المكان المعيّن (مثل برية المسلخ) و يثبت اسمه و كنيته في سجلات العسكرية في برهة أيام قليلة».

فتسارع الناس إلى تلك الأماكن لتسجيل أسمائهم، و كان المسلمون صائمين و الحر شديدا، فتكبدوا من أجل ذلك مشقة زائدة. و بعد أيام دعت الجهة العسكرية كل من أثبت اسمه و كنيته إلى حمل السلاح و الدخول في السلك العسكري. ثم أذيع قانون عسكري مصرّح فيه بأن كل ذكر من الشعوب العثمانية يعتبر جنديا، مسلما كان أم غير مسلم، سواء كان له معين أم لم يكن. لا يستثنى من الجندية أحد بل كل عثماني يعتبر بحكم هذا القانون عسكريا. و أن المكلف المعذور بعذر شرعي معقول- يمنعه عن القيام بالجندية- يؤذن له بعد تحقق عذره بالانفكاك عن التجند مدة تلبّسه بالعذر. فإذا انقضت معذرته فعليه أن يعود إلى التجند.

هذا القانون قد استعظمه الناس و عدّوا أحكامه جائرة، لأنه لا يرحم الوحيد في عياله و لا الضعيف في بدنه، و قالوا: إنه مما جناه على الأمة جماعة حزب الاتحاد و الترقي اقتداء بالحكومة الألمانية التي مشت على قاعدة التجنيد العام.

الإدارة العرفية:

في اليوم الثاني عشر من رمضان الجاري أعلنت العسكرية الإدارة العرفية في حلب.

437

التكاليف الحربية و حجز أموال التجار:

في هذا الشهر بدأت الحكومة بأمر العسكرية تأخذ الأموال من التجار باسم التكاليف الحربية بالقيمة التي تقدرها لجنة سميت «لجنة المبايعة»، و هي بعد أن تقدر للبضاعة المأخوذة قيمة و تأخذ البضاعة تسلم صاحبها مضبطة بالقيمة على أن تدفعها له بعد مدة غير معلومة.

تطواف الضباط العسكريين في الخانات:

في شوال هذه السنة بدأ الضباط العسكريون يطوفون خانات الغلات و خانات البضائع التجارية، و يكتبون كل ما عند بائع غلّة أو بضاعة تجارية، و يأمرونه بالإمساك عن بيع غلته و بضاعته حتى يصدر له الإذن ببيعها.

كيف بدأت هذه الحرب:

ذكرنا قبلا- في الكلام على السبب الثانوي لقيام هذه الحرب- كيف كان بدء الدخول إلى ميدانها و الشروع بإشعال نيرانها. و نقول هنا: إن إيمبراطور ألمانيا لما بدأت الحرب على هذه الصفة اهتم بأمرها اهتماما عظيما، و أراد إطفاء نارها و تسوية الخلاف بين حكومتي النمسا و سربيا على صفة سلميّة، فأكثر في ذلك المخابرة مع إيمراطوري إنكلترا و روسية و رئيس جمهورية فرنسة و التمس منهم أن يسعوا بوقف هذا البلاء، و يحلوا عقدة الخلاف بين الحكومتين على طريقة سلمية و وعدهم بذل ما في وسعه لفضّ هذه الحادثة على صفة حبيّة. فلم يصغوا له و لا سمعوا صراخه و كان كل من دولتي روسية و فرنسة قد أعلن النفير العام و حشد الجيوش على حدود الإيمبراطورية الألمانية فاضطر حينئذ الإيمبراطور غليوم أن يصدر أمره إلى جيوشه بأن تكون على قدم الاستعداد منتظرة أول إشارة تصدر منه.

أول تحرش بألمانيا:

و في اليوم الثاني من آب الغربي سنة 1914 م طار قسم من الطيارات الفرنسية إلى البلاد الألمانية مجتازة إليها من أراضي الفلمنك و البلجيك المتظاهرين بالحياد، فألقت هذه‏

438

الطيارات قنابلها على بلاد ألمانية غير محصنة، فقابلتها الجيوش الألمانية بالمثل و اجتازت طياراتها حدود بلجيكا إلى فرنسة، و كانت ألمانيا طلبت من هذه الدولة أن تسمح لها بإمرار جيوشها من بلادها إلى جهة فرنسة و تعهدت لها بتعويض كل ضرر يصيبها، فلم تجبها على طلبها.

و كانت ألمانيا قد تأكد لديها أن دولة بلجيكا متفقة في الباطن مع فرنسة و إنكلترة و أن تظاهرها بالحياد خدعة، و لهذا لم تلتفت ألمانيا إلى امتناع بلجيكا عن إجابة طلبها بل اعتبرتها دولة من جملة دول الاتفاق، و أمرت أسطولها الطيار بأن يجتاز حدودها إلى فرنسة بمقابلة اجتياز طيارات فرنسة إلى حدود الألمان.

إعلان روسية و إنكلترة و اليابان الحرب على ألمانيا:

و في اليوم الثالث من آب الجاري أعلنت روسيا الحرب على الألمان و زحفت جيوشها على حدودهم. ثم في السابع من هذا الشهر أعلنت إنكلترا الحرب عليهم بحجة أنهم خرقوا حياد بلجيكا و لم يحترموا العهود، و تلت دولة إنكلترة دولة اليابان فأعلنت الحرب عليهم.

توغل جيوش روسية في أراضي ألمانيا و طردهم منها:

و كانت جيوش روسية قد زحفت على حدود بلاد الألمان- كما قلنا- و توغلت في أراضيها من الجهة الشمالية أي من جهة بروسية، و اقتربت من برلين حتى أصبحت منها على بعد ستين كيلومترا. و عندها تأكد الإيمبراطور غليوم أن هذا الأمر مما دبّر بليل و اضطره الجزع على ملكه إلى تجريد جيوشه تحت قيادة هندنبورغ القائد الشهير و سوقها إلى جهات روسية ليطردوا جيوشها عن بلاد الألمان، فكان النصر حليفهم لأنهم لم يلبثوا غير قليل حتى طردوا الروس من بلادهم.

إعلان إنكلترا و فرنسة و روسية على تركيا الحرب، و إعلان تركيا اتفاقها مع ألمانيا و النمسا و بلغاريا، ثم إعلانها الحرب على روسية و إنكلترا و فرنسة:

بعد أن أعلنت إنكلترا الحرب على ألمانيا بدأ أسطول إنكلترا يتجول في البحر المتوسط، و كانت الدارعتان الألمانيتان (جوين) و (برسلاو) قد خرجتا لهذا البحر للاستكشاف، فبصر بهما أسطول إنكلترة المتجول و جعل يطاردهما فلجأتا إلى الدردنيل و دخلتا فيه.

و أحس بذلك سفراء الأجانب و أغاظهم هذا الحال، و سألوا الصدر الأعظم عن رضائه‏

439

بدخول هاتين الدارعتين إلى الدردنيل و أن هذا مما ينافي وقوف تركيا موقف الحياد. فأجابهم بقوله: إننا ابتعناهما من ألمانيا من قبل و قد تسلّمناهما الآن.

ثم إن تركيا سمّت إحداهما (ياوس) و الأخرى (مديلى) و على أثر دخولهما أقفلت المضايق.

إعلان تركيا الحرب على الدول الثلاث:

ثم إن الأسطول الروسي هاجم الأسطول العثماني، فاضطر الأخير أن يطلق نيرانه على أودسا سباستبول و بعض موانئ أخرى، و ذلك في عيد الأضحى من هذه السنة (1232).

و في ذلك الأثناء أعلنت روسية أولا، ثم فرنسة ثم إنكلترا، الحرب على الحكومة العثمانية.

و قد اقترحت تركيا عمل تحقيق مشترك لمعرفة أي الأسطولين كان البادئ بالعدوان؟ فأبت روسية ذلك، فاضطرت تركيا أن تعتبر نفسها في حال الحرب مع الحكومات المذكورة.

غير أن بعض وزراء الدولة العثمانية صرح بأنه يكره الحرب و لا يرضى به‏ (1)، فاستعفى من وظيفته. إلا أن الأكثرية الساحقة كانت تقول بالحرب، و من هذه الأكثرية أعضاء مجلس النواب المعروف بمجلس المبعوثان و حينئذ أعلنت تركيا اتفاقها مع ألمانية و النمسا و بلغاريا و كانت وقّعت على عهدة الاتفاق مع تلك الدول في بدء الحرب غير أنها كتمت هذا الأمر و تظاهرت بوقوفها موقف الحياد ريثما تتمكن من تعبئة جيوشها. إلى أن كانت حادثة الأسطول الروسي و أعلنت دول الاتفاق الحرب عليها أعلنت هي أيضا اتفاقها مع حلفائها أولا ثم أعلنت الحرب على دول الاتفاق.

و كان من أعظم الأسباب التي دعت تركيا لإعلان الحرب على إنكلترا مصادرة الثانية مدرعتي (السلطان عثمان) و (رشادية) اللتين أوصت تركيا بعملهما بعض معامل إنكلترا، فإنهما بعد أن انتهى عملهما و دفعت تركيا آخر قسط من ثمنهما و تقدمت لاستلامهما أعلنتها إنكلترة بأنها قد صادرتهما.

____________

(1) كلمة «الحرب» مؤنثة. و يجوز تذكيرها على معنى «القتال».

440

إعلان إنكلترة استقلالها بمصر:

في أواخر هذه السنة أعلنت تركيا استقلالها بمصر، و عينت لها خديويا فخامة حسين كامل باشا.

منع الحكومة إخراج الذهب:

و في أواخر هذه السنة أيضا منعت الحكومة العثمانية إخراج الذهب من ممالكها، و أعلنت أن المسافرين الذين يوجد معهم ذهب أو نقود ذهبية يؤخذ مما يوجد معهم الزائد عن عشرة دنانير و يعطون بما أخذ منهم مضبطة يدفع بدلها إليهم بعد انتهاء الحرب.

441

سنة 1333 ه

فتوى شيخ الإسلام في النفير العام:

في محرّم هذه السنة أصدر شيخ الإسلام فتوى شرعية في وجوب النفير العام، و صرح فيها بأن كل مسلم قادر على حمل السلاح عليه أن يكون مجاهدا. و قد جرى لتلاوة هذه الفتوى في حلب اجتماع حافل في المكتب الإعدادي الكائن في محلة الجميلية، و تليت فيه المواعظ و الخطب الحماسية و حضر فيه عشرات الألوف من الناس.

قدوم جمال باشا إلى حلب:

في هذا الشهر قدم إلى حلب جمال باشا وزير بحرية تركيا و قائد الجيش الرابع العثماني في عامة البلاد العربية العثمانية. فبقي في حلب يومين ثم توجه على القطار إلى دمشق.

أمر جمال باشا جلال بك والي حلب بحمل الناس على العمل في طريق المركبات:

و لما كان جمال باشا في حلب أصدر أمره إلى جلال بك والي حلب بأن يحمل الناس طوعا أو كرها على العمل بإصلاح طريق المركبات في جهة «راجو» ليشتغلوا كعملة في طريق سكة حديد بغداد. فأرهق الوالي الناس و أزعجهم بالسفر إلى تلك الجهة حتى إن الكثيرين منهم من أيقظوه من فراشه ليلا و ساقوه إلى جهة راجو دون غطاء و لا وطاء (1). فمنهم من سار مشيا على قدميه و منهم من أمكنه أن يركب دابة و كانوا زهاء ألف إنسان.

____________

(1) الوطاء: ما يفترش أو يوضع تحت الإنسان و غيره. (ضد الغطاء).

442

و لما وصلوا إلى راجو لم يروا فيها مأوى يأوون إليه و لا شيئا يقتاتون به و لا أداة كالمعول و المسحاة يشتغلون بها. وجدوا هناك بعض ضباط عسكريين فلما رأوا تلك الجموع مقبلة عليهم بادروهم بالسبّ و الشتم و قالوا لهم: ما عندنا لكم طعام و لا مأوى و لا أدوات تشتغلون بها، فمن شاء منكم أن يرجع إلى حلب فليرجع و من شاء فليبق هنا حتى يموت.

فعادوا إلى حلب على أسوأ حالة، و قد عرى أكثرهم الذّرب‏ (1) من برد الخريف و وخامة الهواء. و عدّت هذه القضية أول فلتة من فلتات جمال باشا و أول سبب موجب لنفرة القلوب منه.

وفود استقبال العلم النبوي الشريف:

في هذا الشهر (محرّم) 1333 أوفدت كل من حكومة حلب و بيروت و طرابلس الشام و حمص و حماة- و غيرهما من حكومات البلاد السورية- وفودا إلى دمشق الشام لاستقبال العلم النبوي الشريف المحمول إليها من المدينة المنورة إيذانا بالنفير العام و إثارة لحمية الإسلام. و كنت من جملة وفد حلب مع رفقائي الآخرين و هم: مفتي حلب الشيخ محمد العبيسي، و السادة النبلاء الشيخ محمد رضا بن الشيخ محمد وفا الرفاعي، و عارف بك ابن عزّت بك قطار اغاسي، و أحمد بك بن حسين باشا المدرس، و عاكف بك بن نافع باشا الجابري و فؤاد بك بن زكي باشا المدرس و فؤاد بك بن أحمد بك العادلي.

و بعد أن وصلنا إلى دمشق الشام بقينا فيها ننتظر قدوم العلم الشريف أحد عشر يوما.

ثم في ضحوة اليوم الثاني عشر من قدومنا أرسلت إلينا القيادة العليا بأن نتوجه إلى جهة «محطة القدم» لأن العلم سيحضر في ذلك الوقت. فتوجهنا إلى المحطة المذكورة و قد أعدت هناك للوفود مضارب لأجل الانتظار، فجلسنا في الخيام ننتظر وصول القطار. و ما كاد يستقر بنا المجلس حتى قدم علينا رسول من قبل جمال باشا القائد العام يطلب أحد رفقائنا مفتي حلب، فأسرع المفتي الإجابة، و لما قابله القائد قال له ما معناه: إن وفود البلاد كثيرة و إن إعطاء الرخصة بالخطبة لكل فرد أمر يطول شرحه و لا يسعه الوقت، و لذا تقرر ألّا يخطب أحد حين مجي‏ء العلم، سوى ثلاثة فقط أحدهم خطيب الجامع الأموي و الثاني‏

____________

(1) الذرب: مرض يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام، و يفسد فيها و لا تمسكه. و عرى المرض فلانا يعريه، و عراه يعروه أيضا: غشيه و ألمّ به.

443

واحد منكم و الثالث الأستاذ الشيخ أسعد شقير، فانتخبوا واحدا من وفدكم الحلبي يخطب بالنيابة عنكم و عن بقية وفود البلاد.

و لما عاد المفتي إلى حلقة وفدنا الحلبي أخبرنا بما أوحى إليه القائد العام، فقال لي رفقائي بلسان واحد: قد اخترناك أن تكون أنت ذلك الخطيب. فشقّ علي هذا الأمر لأنني لم أمرن على الخطبة، سيما في مثل ذلك الجمع العظيم الذي يضم إليه المئين من علماء سوريا و أدبائها و شعرائها و محرري صحفها. و بينما أنا أتنصل من القيام بهذه الوظيفة إذا بصفير القطار المعلن بوصوله إلى المحطة، فما كان إلا أن هرعت إلى جهته تلك الجموع التي لا تقل عن مئة ألف نسمة، و بدأت العسكرية بإطلاق المدافع لتحية العلم، و ضج الناس بالتهليل و التكبير إعظاما و احتراما للعلم، فكنت لا تسمع سوى دويّ المدافع و صدى أصوات المهللين بكلمة «اللّه أكبر» كأنه الرعد القاصف. و كان قد تقدم القائد العام جمال باشا و والي ولاية دمشق نحو حافلة القطار و اعتنقا العلم الشريف و سارا به نحو الموقف الذي أعد لإلقاء الخطب فتبعتهم الجموع تموج موج البحر في يوم عاصف فاختلط الناس ببعضهم و أضعت رفقائي.

و بينما أنا أبحث عنهم إذ وقع نظر أحدهم عليّ فأقبل يعدو نحوي و قال: إن خطيب دمشق على وشك الانتهاء من خطبته و إن الناس يتشوقون إليك. ثم أخذني من يدي و مشى إلى الموقف فإذا هو عبارة عن مركبتين قد وقف في إحداهما مفتي السادة الشافعية في المدينة المنورة و هو يحمل العلم الشريف، و المركبة الثانية قد أعدت لوقوف الخطيب و قد تحلق الناس حولهما لسماع الخطب حلقا و هم يعدّون بعشرات الألوف. و ما كدت أقف بضع دقائق حتى انتهى خطيب دمشق من خطبيه و نزل من المركبة، و التفتت العيون نحوي فصعدت إليها و فؤادي يخفق هيبة و جلالا، سيما و أنا ممن لم يعتد على الوقوف في هكذا موقف رهيب، و لست على أهبة فيما أقوله بهذا الموضوع؛ إذ لم يفسح لي من الزمن ما يسع تحبير ما أريد أن أقوله لأن تكليفي للخطبة كان قبل بضع دقائق. فصعدت المركبة و لما استوليت على ظهرها شعرت كأن هاتفا يهتف بي بما أحاول أن أقوله، فحييت العلم ببعض كلمات و ذكرت ما كان من تأثير المجاهدين الذين ساروا تحت ظله، و ما فتحوه من الأقطار و الممالك ببركة روحانيته، و ما عانوه من الأخطار و الأهوال في سبيل حفظه‏

444

و صيانته. ثم أشرت إلى العلم و أنا أنشد أبياتا من هائية الأزري‏ (1) و هي:

علم تلحظ العوالم منه‏* * * خير من حلّ أرضها و سماها

هو ظلّ اللّه الذي لو أوته‏* * * أهل وادي جهنم لحماها

لو أعيرت من سلسبيل نداه‏* * * كرّة النار لاستحالت مياها

ثم ختمت المقال بالثناء على حمية أهل دمشق و فرط غيرتهم الدينية و تعظيمهم الشعائر الإسلامية، و سخائهم في سبيل خدمة الدين و إعمار مسجد دمشق الذي أعيد إلى رونقه الأول بما بذلوه من الأموال الطائلة التي تعد بعشرات الألوف من الدنانير.

و هكذا انتهيت من الخطبة و نزلت من المركبة، وصعد على الفور إليها الأستاذ الشيخ أسعد شقير، ففاه بخطبة مسهبة كلها درر و غرر، أتى فيها بالعجب العجاب مما لا يباريه به مبار و لا يلحق له في حلبة البيان بغبار.

قتلى بالرصاص:

و في صفر هذه السنة قتل رميا بالرصاص بضعة أشخاص من الجنود الفارّين من الجندية، قتلوا في البرية القريبة من الثكنة العسكرية المعروفة بالشيخ يبرق. هذه هي أول مرة جرى فيها القتل بالرصاص بعد عهد المرحوم إبراهيم باشا المصري الذي كان يعاقب الفارين من الجندية برميهم برصاص البنادق، و ذلك حينما كان مستوليا على حلب و باقي البلاد من المملكة العثمانية في التاريخ الذي سبق بيانه في هذا الجزء.

خبر استيلاء الجيوش العثمانية على أردهان:

و في صفر هذه السنة ورد الخبر بالبرق العثماني بأن الجنود العثمانية استولوا على مدينة «أردهان» و كان الزمان شتاء و الثلوج في تلك الجهات كثيرة و البرد فارس، و أن الجنود العثمانية قطعوا بالوصول إلى هذه المدينة مسافة طويلة كلها جبال و مضايق؛ لأنهم تعسفوا- بالوصول إلى أردهان- الطريق المؤدية إليها توا فسلكوا من أجل ذلك المسالك‏

____________

(1) هو كاظم بن محمد الأزري البغدادي، توفي سنة 1211 ه/ 1796 م. اشتهر بقصيدته الهائية تلك، و هي تزيد على ألف بيت، و مطلعها: «لمن الشمس في قباب قباها».

445

الصعبة، و هلك منهم بالثلج و الجوع زهاء ثلاثين ألفا- على رواية- و أربعين ألفا على رواية أخرى.

و لما وصل خبر هذا الظفر إلى حلب خرج المنادي من قبل الحكومة ينادي بلزوم عمل مظاهرة فرح و مسرة، فاحتشد في ثاني يوم تجاه باب القلعة ألوف من الناس و معهم الطبول و الزمور، و خرجت تلامذة المكاتب تنشد الأزجال الحماسية و تعزف بالموسيقى، ثم سارت تلك الجموع إلى دار الحكومة و وقفوا صفوفا في ظاهرها و باطنها و ألقيت عليهم خطب البشارة بهذا الفتح العظيم و التنويه بعظمة الدولة و فوزها و فشل الروس و خذلانهم. ثم بعد أيام شاع أن الروس استردوا هذه البلدة و قتلوا من الجنود العثمانيين مقتلة عظيمة.

فروغ الفحم الحجري و استعمال الفحم النباتي و قطع أشجار من البساتين:

و فيها فرغت مدخرات الفحم الحجري الذي تتحرك بناره قطارات السكك الحديدية، فاضطرت الجهة العسكرية أن تستعيض عنه بالحطب، و فتح لها مورد جديد للنهب و السلب لأنها جعلت تستورد الحطب اللازم لها على طريقة التضمين المعروفة بالالتزام، على أن يقدم الملتزم الحطب من الغابات القريبة من حلب إلى أقرب محطة إلى الغابة، سعر كل طن كذا مبلغ، فكان يقع في هذا الالتزام، من السرقة و المحاباة في الوثائق، و بدل الالتزام ما يكل عنه الوصف و قد استغنى بسببه كثير من الناس و جمع منه الضباط و أتباعهم ما لا يحصى من المال. و فيها بدأت العسكرية تقطع من بساتين حلب الأشجار التي لا تثمر كشجر الدّلب و الصفصاف و غيرهما لتجعل خشبه آلة لعربات النقل و تقدم ما لا يصلح منه للآلة إلى مطابخ الجنود.

متطوعة الدراويش المولوية:

و فيها أقبل علينا من جهة قونية رهط من دراويش الطريقة المولوية، و قد تألفت منهم كتيبة عسكرية للتطوع في جهاد أعداء الدولة.

وفود القدس:

و فيها أوفد من حلب و غيرها من البلاد العثمانية العربية وفود للقدس قصد الاستطلاع‏

446

على قوة الجيوش العثمانية و حسن انتظامها.

فرع من سكة الحجاز إلى الترعة:

و فيها بوشر بمد فرع من خط سكة حديد الحجاز يمتد إلى جهة الترعة.

إنهاء جسر جرابلس:

و فيها تم إنشاء جسر جرابلس الذي طوله ثمانمائة و اثنا عشر مترا، و عرضه خمسة أمتار و نصف، و قناطره عشرة مسافة كل قنطرة ثمانين‏ (1) مترا و ثقلها ثلاثمائة ألف كيلو. و قدرت نفقاته بثلاثمائة ألف ليرا. و هو حقيق أن يعد من المباني العجيبة.

و فيها ولي حلب بكر سامي بك و بعد أشهر انفصل عن ولايتها و عين بدله مصطفى عبد الخالق بك.

وصول الورق النقدي إلى حلب:

و فيها وصل إلى حلب الورق النقدي العثماني المعروف باسم بنكينوط استعملته هذه الدولة في هذه الحرب بدل النقود المعدنية أسوة ببقية الدول المتحاربة. و قد أقبل الناس على تداوله بأسعاره المرسومة فيه و رغبوا به أكثر من رغبتهم بالنقود الذهبية و الفضية التي كانوا يستصعبون تداولها لنقصها و تشويه الصيارفة إياها بالثقب و سرقة شي‏ء منها بواسطة الحك و وضعها بالكذاب‏ (2). أما الورق النقدي فهو خال عن جميع هذه العيوب و لذا أقبل الناس على استعماله فنال رواجا عظيما.

إعانة الكسوة الشتوية:

و في شتاء هذه السنة جمعت الحكومة من الرعية إعانة نقدية باسم الكسوة الشتوية للعساكر. و استمرت تجمع هذه الإعانة في شتاء كل سنة من سني الحرب.

____________

(1) كذا، و الصواب: «ثمانون».

(2) الكذاب: ماء الفضة. و الكلمة أعجمية الأصل، من الدخيل.

447

مهاجرو (1) مكة:

و فيها وصل إلى حلب جماعة من أهل مكة المكرمة مهاجرين منها فرارا من الجوع.

قانون تأجيل الديون:

و فيها نشرت الحكومة في الصحف الإخبارية قانونا سمّته قانون تأجيل الديون، يقضي بتأخير وفاء الدين إذا كان قبل الحرب، سواء كان الدين للمصارف و التجار أم كان لغيرهما.

تعرض إنكلترا للبصرة و تقسيم جيوش تركيا:

و فيها بدأت دولة إنكلترا بالتعرض إلى البصرة، فاضطرت الدولة العثمانية أن تجهز لجهة العراق جيشا علاوة على باقي جيوشها في غير هذه الجهة. و الخلاصة أن تركيا اضطرت في هذه الحرب أن تقسم جيوشها إلى سبع جبهات: الأولى جبهة فلسطين. الثانية جبهة جناق قلعة الثالثة جبهة العراق. الرابعة جبهة العجم. الخامسة جبهة قفقاسيا. السادسة جبهة اليمن. السابعة جبهة الحجاز. هذا كله عدا القطعات العسكرية التي بعثتها إلى جهة النمسا و البلغار لمعاونتهما على أعدائهما.

إعلان الحكومة إلغاء الامتيازات الأجنبية:

و في هذه السنة أيضا أعلنت الحكومة في جميع ولاياتها إلغاء الامتيازات الأجنبية المعروفة باسم (كابيتولاسيون) التي كان بعض الملوك العثمانيين خصها بالأجانب، و ذلك كوجود ترجمان أو مراقب من الأجانب في محاكمة أجنبي مع عثماني في مسألة حقوقية أو جزائية، و كعدم جواز حبس أجنبي بمحبس عثماني إذا وجب عليه الحبس، بل يحبس في محبس قنصله، و كعدم إكراه الأجنبي على أخذ رخصة فيما يريد تعاطيه من المهن التي تحتاج إلى أخذ رخصة من الحكومة العثمانية بحسب قوانينها، كبيع المسكرات و فتح المعامل، و كعدم أخذ رسوم كمركية العثمانية بحسب قوانينها، كبيع المسكرات و فتح المعامل، و كعدم أخذ رسوم كمركية على ما يحضره القنصل لنفسه من البلاد العثمانية خاصة بنفسه، و كعدم منع الأجانب من إقامة بريد على حدته يحمل كتبهم و كتب من أحبّ من العثمانيين أن تحمل كتبه فيه. إلى غير ذلك من الامتيازات التي كانت كثيرا ما تقف حجرة عثرة

____________

(1) في الأصل: «مهاجري» فصحّحناها.

448

في سبيل تنفيذ أحكام القوانين العثمانية و تجحف بحقوق تبعتها.

و من أراد الاطلاع على صنوف هذه الامتيازات و أسبابها و تاريخ تخصيصها بالأجانب فليراجع ما كتبه فيها وطنيّنا الحلبي الكاتب البارع جميل بك النيال في كتاب ألفه باللغة التركية سماه «حقوق الدل» يستوعب ستمائة صحيفة فرغ من تأليفه سنة 1326.

وفود للقدس:

و فيها أوفد من حلب و غيرها وفود للقدس الشريف لحضور حفلة افتتاح الكلية التي نسبت إلى المرحوم السلطان صلاح الدين، و للاطلاع على قوات الدولة العثمانية هناك و انتظام أحوال جيوشها.

وصول جنود الألمان إلى حلب:

و فيها بدأت جنود الألمان تصل إلى حلب و منها إلى دمشق، و معهم من الأثقال و المهمات الحربية مالا يكاد يحصى، و كانوا ينزلون في حلب في بيوت و خانات استأجروها من ذويها و عاملوا الناس معاملة حسنة، و ربح منهم التجار أرباحا طائلة و قد مدوا كثيرا من التيول‏ (1) الناقلة للصدى المعروفة باسم التليفون، و نصبوا أداة التلغراف اللاسلكي في برية حارة الحميدية، و أكثروا من نقل مهماتهم و لوازمهم من الأسلحة الحربية و السيارات المعروفة باسم أوتوموبيل، التي كان البعض منها يحدث في سيره شبه زلزلة ترتجّ له الأرض و ترتجف منه الجدران و يتكسر البلاط. و كان المتأمل في جدّهم و حركاتهم و عددهم و كثرة مهماتهم لا يشك و لا يرتاب بأنهم لم يحضروا إلى هذه البلاد إلا بقصد الاستيلاء و الاستعمار لا بقصد المعاونة لحكامها الأتراك على أعدائهم.

إجلاء أمة الأرمن عن أوطانهم:

قال جمال باشا في مذكراته ما خلاصته: إنه يعتقد اعتقادا جازما أن الأرمن كانوا قد دبروا ثورة من شأنها تعريض مؤخرة الجيش التركي في القوقاز لأشد الأخطار لو وقعت،

____________

(1) أي الأسلاك. و الكلمة من عامية حلب، مفردها «تيل»، و سبق استعمال المؤلف للمفرد في حوادث سنة 1278 ه.

449

بل ربما أدت في ظروف خاصة إلى إبادته عن بكرة أبيه. و لذا اضطر الاتحاديون إلى نقل الشعب الأرمني بأسره إلى جهة أخرى بحيث يؤمن شره من أن يعرّضوا المملكة العثمانية للمحن و الخطوب الفوادح و يجلبوا عليها الطامة الكبرى، فيكون احتلال روسية لآسيا الصغرى بأسرها أول رزاياها.

ثم قال: أما ما وقع من الحوادث في خلال نفيهم فينبغي أن يعزى إلى الأحقاد المتغلغلة في نفوس الأتراك و الأكراد و الأرمن في أثناء سبعين عاما. و تبعة ذلك إنما تقع على السياسة الروسية التي حولت الشعوب الثلاثة- التي عاشت القرون الطويلة معا في صفاء و هناء- إلى أعداء ألدّاء و لا ينكر أن الفظائع التي جرت على الأرمن أثناء نفيهم في سنة 1915 م/ 1334 ه قد أثارت السخط الشديد، و لكن ما ارتكبه الأرمن في غضون ثورتهم على الأتراك و الأكراد لا يقل عنها قسوة بل يفوقها فظاعة و غدرا. ثم قال: و لم يكن فرار الأتراك من ديار بكر، من طريق حلب و أطنة إلى قونية، و من أرضروم و أزرنجان إلى سيواس من وجوه الروس، و الفظائع التي ارتكبها الأرمن ضدهم، بأقل سوءا و وحشية منه.

ثم قال: فلنفرض جدلا أن الحكومة العثمانية نفت مليونا من الأرمن من ولايات الأناضول الشرقية و أن زهاء 600 ألف منهم ماتوا أو قتلوا في الطريق أو سقطوا ضحية الجوع و التعب، فقد قتل ما يربو على مليون و نصف من الأكراد و الأتراك في ولايات طرابيزون و أرضروم و وان و بتليس، قتلوا على صورة تقشعرّ منها الأبدان بأيدي الأرمن عندما زحف الجيش الروسي على تلك الولايات.

ثم إن جمال باشا استشهد على صحة ما قاله بتقريرين مفصلين مسهبين مقدمين من ضابطين روسيين- ذكر اسمهما- و قد أوضحا في تقريرهما حوادث الاعتداء التي ارتكبها الأرمن ضد الأهلين الأتراك في ولاية أرضروم و ما جاورها، من مبدأ نشوب الثورة إلى أن استردت الجنود التركية قلعة أرضروم في 27 فبراير سنة 1918 م/ 1337 ه.

انتهى ما قصدنا إلى إيراده من مذكرات جمال باشا.

أقول: في هذه السنة (1333) بدأت تركيا بإجلاء الأرمن عن أوطانهم فكانت جالياتهم تصل إلى حلب زمرة تلو زمرة، كل زمرة منها تعدّ بعشرات الألوف. و قد أثرت‏

450

عليهم مشقات الطريق و لا سيما على فقرائهم الذين قطعوا المسافات الطويلة مشيا على الأقدام مدة شهرين و هم حفاة عراة، الأرض وطاؤهم و السماء غطاؤهم، لم يفلت منهم من مخالب الجوع و البرد إلا من قويت بنيته و أبطأت منيّته. و قد وصلوا إلى حلب كأشباح بلا أرواح، و كان أغنياؤهم ينزلون في البيوت، و فقراؤهم في القياصر و الأزقة و الشوارع حتى ملؤوا حلب و ازدحمت بهم الجوادّ (1).

و كانت الحكومة تبقي منهم الجالية في حلب أياما قليلة و تفرق عليها أقراص الخبز ثم تزجيها إلى جهات حماة أو إلى نواحي الزور و الجزيرة، فيموت الكثير منهم في أثناء الطريق جوعا و عطشا و حرا و بردا و غرقا. بلاء حلّ بهم جناه سفهاؤهم على ضعفائهم. و كان عرب البادية يأخذون منهم الأيامى‏ (2) و اليتيمات، و يتخذون الفتيات منهن زوجات لهم، و القاصرات خادمات و راعيات لمواشيهم، و كل واحدة منهن تدخل إلى مضاربهم يشمونها (3) بالزّرقة في وجهها و يديها تزيينا لها و تحسينا حسب أذواقهم. و كانت قافلة الجاليات منهم كلما خفّ منها القطين‏ (4) في حلب يأتي بدلها قافلة أخرى حتى ملؤوا الديار و غلت بواسطتهم الأسعار.

الجرب و حمّى القملة:

و فشا في المدينة و القرى التي مروا منها في ولاية حلب داء الجرب، فأصيب به ألوف من الناس، و مرض آخر سماه الأطباء حمّى القملة أو حمى التجمع و ربما سموه حمى التيفويد.

و كان المصاب بهذا المرض يعتريه في أوائله شبه صداع و زكام مدة ثلاثة أيام، ثم تشتد به أعراض الحمى يوما أو يومين فيسودّ لسانه و شفتاه و يلعثم في كلامه، ثم يسكت ليلة أو ليلتين و يموت. و كان جهة الصحية تشدد المراقبة على المصاب بهذه العلة الوبيلة، فكانت متى أحست بوجود مريض بهذا الداء تأخذه إلى مستشفاه الخاص به فيبقى فيه إلى أن يصحّ‏

____________

(1) القياصر: يراد بها هنا بيوت صغيرة من القصب و الأعواد المشبكة، و ما إليها و قد يستعمل فيها الصفيح. و الجوادّ:

جمع جادّة.

(2) النساء اللواتي لا أزواج لهن.

(3) من الوشم. و فعله: وشم يشم.

(4) أي القاطنون المقيمون.

451

أو يموت. و قد هلك بهذه الحمى من الحلبيين عدد غير قليل. أما من مات بها من الأرمن فهم كثيرون جدا و قد بلغت الوفيات منهم في اليوم الواحد في أقصى اشتداد هذا المرض زهاء مائة و عشرين نفسا.

و ما زال هذا المرض يفتك في الأرمن و الحلبيين و العساكر العثمانيين و باقي الأغراب في حلب إلى السنة الرابعة من سني هذه الحرب، و حينئذ خفت وطأته فقلّ عدد المصابين به و قلّت وفياتهم، و كان أكثرهم يبرأ منه غير أن آثاره ما زالت باقية في حلب إلى ما بعد انتهاء الحرب. على أن الأرمن بعد أن قل عددهم في حلب مدة سنة- و هي السنة الثالثة من سني الحرب- أعادت الحكومة في السنة الرابعة إلى حلب من كان منهم في جهات حماة و الزور، فازدحمت بهم حلب مرة ثانية و قدر عددهم- بعد دخول الدولة العربية إلى حلب- بنحو ستين ألف نسمة.

و في أثناء وجود جالياتهم في حلب كان الحلبيون على اختلاف مللهم يعطفون عليهم و لا يقصّرون بالإحسان إليهم، و قد اتخذ من نسائهم بعض المسلمين زوجات شرعيات، و منهم من اتخذ منهن خادمات لم يمسّوا شرفهن، بل بعض المسلمين استخدموا صغارهن و عنوا بتربيتهن كما يعتنون بتربية بناتهم.

غلاء البضائع الأجنبية:

و في هذه السنة بدأت البضائع الأجنبية ترتفع أسعارها حتى ارتفع سعر البعض منها عشرة أضعاف عما كان عليه قبل هذه الحرب، و ذلك كالسكّر و القهوة، و أنواع الحديد و القزدير، و جميع أنواع الأقمشة و الغزل، و العقاقير الطبية و البترول و المسكرات. و كان سبب هذا الارتفاع انقطاع ورود هذه المواد من البلاد الأجنبية لوقوف الحركة التجارية في البحار. و قد تنبهت أفكار بعض التجار لهذا الأمر فاحتكروا من هذه البضائع شيئا كثيرا و باعوه أخيرا بثلاثين أو أربعين ضعفا من ثمنه الذي اشتروه به، فكان ذلك سبب اعتنائهم.

و كان حظ تجار حلب من هذه الأرباح أوفر جدا من حظوظ تجار باقي البلاد السورية و غيرها. و حكمة ذلك أن حلب كان يوجد فيها من هذه البضائع قبل هذه الحرب مالا يوجد في غيرها، كأنها كانت لهذه البضائع مستودعا تستمد منه سوريا و الأناضول.

452

تصاعد أسعار الحبوب:

و في هذه السنة بدأت أسعار الحبوب تتصاعد في بعض الأقضية الغربية من ولاية حلب كأنطاكية و إسكندرونة و حارم؛ لأن المواسم في تلك الجهات كانت غير جيدة في هذه السنة، و بيع رطل الحنطة في أنطاكية باثني عشر قرشا بدل ثلاثة قروش.

حجز الغلّات:

و فيها وضعت الجهة العسكرية يدها على الغلّات في خانات حلب و منعت أصحابها من بيعها، فانقطع وارد الحبوب من القرى و غلت أسعارها و بدأ الفقير يحس بعضّ أنياب الجوع.

الجراد النجدي:

و فيها وصل إلى حلب بغتة نوع من الجراد لم يكن قبل معروفا في هذه البلاد، و سماه الناس جرادا نجديا. و هو شي‏ء كثير انتشرت جيوشه من أطراف الحجاز إلى أوائل بلاد الأناضول، فعم ضرره بلاد دمشق و فلسطين و حلب و أذنة. و قال بعضهم: إنه وصل إلى أزمير. أتى هذا الجراد على جميع ما في حلب و نواحيها و مفاوزها من الأعناب و التين و الزيتون و الفواكه و القطن و السمسم و الذرة و أنواع اليقطين و البطيخ، و أضرّ الأشجار ضررا عظيما لأنه كان يأكل ورقها ثم يتبعه بأكل لحائها، فكانت الشجرة تسقط ثمرتها ثم تجفّ و تصير حطبا.

و من عجيب أمر هذا الجراد أنه مخالف في نشوئه و غراسه جراد بلادنا. يغرس و ينقف مرة في كل شهرين غير متأثر بالشتاء و لا بالصيف، و هو يغرس في الأرض الصلبة و المفلوحة بين الزروع، بخلاف جراد بلادنا فإنه لا يغرس إلا بالأرض الصلبة و لا ينقف في السنة إلا مرة واحدة، يغرس في تموز و ينقف في نيسان، و لا يأكل النباتات المرة. و الجراد النجدي هذا يأكل كل نبات يمرّ به. و قد عدّت بليته هذه أول ضربة سماوية إذ لا دخل في إيجادها للحرب العامة.

453

هدم الحكومة المنازل في جادة السّويقة:

و فيها هدمت الحكومة الأماكن و المنازل التي على جانبي الجادة الآخذة من حمام الواساني في السويقة إلى منتهاها، تجاه الجادّة الآخذة إلى العقبة. و كان غرض الحكومة من ذلك توسيع هذه الجادة التي كانت ضيقة جدا مع أنها تعتبر من الجادات العمومية.

قدوم أنور باشا إلى حلب:

و فيها قدم إلى حلب أنور باشا، و جرى استقباله على صفة باهرة، و حضر لاستقباله من دمشق جمال باشا القائد العام، و أدبت لهما بلدية حلب مأدبة فاخرة أعدتها لهما في المكتب السلطاني‏ (1). و كان مع جمال باشا مفتي جيوشه و خطيبه المصقع الشيخ أسعد شقير، فتليت الخطب و أنشدت القصائد و قدمت البلدية إلى كل من أنور و جمال عباءة حريرة موشاة بالقصب الفضي، يستعمل نوع هذه العباءة نساء أكابر استانبول كالإزار ليلا. و كان تقديمهما عن يدي و قد سرّا منهما. و قدم أنور باشا للبلدية خمسين ذهبا عثمانيا وزعتها البلدية على فقراء حلب.

وفود من بلاد العرب إلى استانبول:

و في ذي القعدة من هذه السنة، و هي سنة 1333 أوفدت الحكومة إلى استانبول- من حلب و باقي البلاد الشامية العربية- وفودا ليستطلعوا على حصانة مضايق الدردنيل المأخوذ تحت حصار أساطيل إنكلترا، و ليتحققوا ما تجريه الدولة العثمانية في دفع هذا الحصار من الحزم و العزم، و ما تعده من المهمات و القوات الحربية، و ليظهر عظماء الدولة و كبار موظفيها إكرام أبناء العرب و حسن التفاتهم إليهم، نفيا لما كان شاع بواسطة سوء تدبير جمال باشا و غيره من جهلة الأتراك من أن الأتراك ينظرون إلى أبناء العرب بعين البغض و الازدراء، الأمر الذي نفّر عن الدولة قلب كل عربي. و قد دعيت لأن أكون من جملة هذا الوفد فاستقلت خوفا من مشقة الطريق. و كانت النفقة على هذه الوفود من أموال الدولة، و كل واحد من هذه الوفود أعطي خمسين ذهبا عثمانيا.

____________

(1) هو اليوم «ثانوية المأمون».

454

و كانت الوفود في استانبول محل حفاوة الوزراء و أعيان الدولة و أقيمت لهم المآدب الحافلة، و دعاهم السلطان محمد رشاد إلى مأدبته و أظهر لهم محبة العرب و حسن نيته بهم.

و لم يبق محل من الأماكن التي تصنع فيها أدوات الحرب أو تنسج فيها الأقمشة إلا و عرض على أنظار الوفود، و أشخصوا إلى جهة «جناق قلعة» ليطلعوا على حقيقة الحال و يتبينوا قوة الدولة و حصانة المواقع. و قد ألقوا هناك الخطب و شكروا القائد و الجنود و وعظوهم و حثوهم على الثبات، و نال بعض أفراد الوفود وساما و ساعة ذهبية ثم عادوا إلى أوطانهم و كلهم ألسن تتلو آيات الثناء على الدولة العثمانية و حسن حفاوتها بأبناء العرب و عظيم اهتمامها في مصانع الأسلحة و شدة حزمها في حرب أساطيل الإنكليز.

أخذ العسكرية أموال التجّار:

و فيها اشتدت حملة الجهة العسكرية على التجار في حلب لأخذ البضائع منهم كالمنسوجات و غيرها، تأخذها باسم التكاليف الحربية، البعض منها مصادرة بلا بدل و لا عوض، و البعض الآخر تأخذه بقيمة تعيّنها جمعية تسمى «لجنة المبايعة» و تعطي به وصلا.

هبوط أسعار الورق النقدي:

و في آخر هذه السنة بدأت الأوراق النقدية تهبط عن قيمتها الموضوعة لها. و سبب ذلك أن إدارة الدخان المعروفة بإدارة الريجي أصبحت في يوم من الأيام معلنة باعة الدخان بأنها لا تقبل منهم ثمن الدخان إلا نقودا فضية أو ذهبية. فشاع هذا الخبر بين الناس و حصل منه الارتياب في عاقبة الورق النقدي فهبطت أسعاره عشرين في المائة. ثم لم يزل يهبط مرة و يصعد أخرى حتى هبط في آخر سني الحرب ثمانين في المائة.

تكليف موظفي الحكومة التجار تبديل الورق بالنقود:

و مما ساعد على هبوطه أيضا أن كثيرين من ولاة الأمور كانوا يكلفون التجار أن يبدلوا لهم الورق النقدي بالنقود الذهبية رأسا برأس، و هم يعتذرون عن عملهم هذا بقولهم نحن مضطرون لذلك لأن العربان الذين نشتري منهم المواشي لا يفقهون حساب الورق و لا يقبلون أثمان مواشيهم إلا نقودا ذهبية. و هو اعتذار غير مقبول؛ من وجهين:

الأول: إذا كان قولهم هذا صحيحا فعلى الحكومة أن تدفع للعربان أثمان مواشيهم نقودا