المسائل السروية

- الشيخ المفيد المزيد...
112 /
53

و إن ثبت القول فالمعنى فيه أن الله تعالى قدر الأرواح في علمه قبل اختراع الأجساد و اخترع الأجساد ثم اخترع لها الأرواح فالخلق للأرواح قبل الأجساد خلق تقدير في العلم‏ (1) كما قدمناه و ليس بخلق لذواتها كما وصفناه.

و الخلق لها بالأحداث‏ (2) و الاختراع‏ (3) بعد خلق الأجساد (4) و الصور التي تدبرها الأرواح و لو لا أن ذلك كذلك لكانت الأرواح‏ (5) تقوم بأنفسها و لا تحتاج إلى آلات تحملها و لكنا نعرف ما سلف لنا من الأحوال قبل خلق‏ (6) الأجساد كما نعلم أحوالنا بعد خلق الأجساد و هذا محال لا خفاء بفساده.

الأرواح جنود مجندة

و أماالحديث‏

بأن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف‏

(7)

فالمعنى فيه أن الأرواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر (8) بالجنس و تتخاذل‏ (9) بالعوارض فما تعارف منها باتفاق الرأي‏

____________

(1) في «د»: في العلّة.

(2) في «د»: و الإحداث.

(3) زاد في «د»: فيه.

(4) في «ج» و «م»: الأجسام.

(5) «و لو لا أنّ ... الأرواح» ليس في «د».

(6) «خلق» ليس في «م».

(7) تقدّم تخريجه في أوّل هذه المسألة.

(8) في «ج» و «م»: تتناظر.

(9) في «ج»: و تتمنا ذلك.

54

و الهوى ائتلف و ما تناكر منها بمباينة في الرأي و الهوى اختلف و هذا موجود حسا (1) و مشاهدة (2).

و ليس المراد بذلك أن ما تعارف منها في الذر ائتلف كما يذهب إليه الحشوية و كما بيناه من أنه لا علم للإنسان بحال كان عليها قبل ظهوره في هذا العالم و لو ذكر بكل‏ (3) شي‏ء ما ذكر ذلك.

فوضح بما ذكرناه أن المراد بالخبر ما شرحناه و الله الموفق للصواب‏ (4)

____________

(1) في «ب» و «د»: حيا.

(2) في «ب» و «ج» و «د»: و مشاهد.

(3) في «ب» و «د»: لكلّ، و في «ج» في كلّ.

(4) و للشيخ المفيد (قدّس سرّه) كلام مفصّل في هذه المسألة الأخيرة مطابق لبيانه هذا، ذكره في شرحه لعقائد الصدوق، المسمّى: (تصحيح الاعتقاد)، انظر ص 63- 73 منه.

55

المسألة الثالثة ماهية الروح‏

ما قوله أدام الله تعالى علوه في الأرواح و ماهيتها و حقيقة كيفيتها و ما لها عند مفارقتها الأجساد و هل حياة (1) النمو و قبول الغذاء و الحياة التي هي في‏ (2) الذوات الفعالة هل هي معنى أم لا.

الجواب إن الأرواح عندنا هي أعراض لا بقاء لها و إنما عبد الله تعالى منها الحي حالا بحال فإذا قطع امتداد المحيا بها جاء الموت الذي هو ضد الحياة (3) و لم يكن للأرواح وجود فإذا أحيا الله تعالى الأموات‏ (4) ابتدأت‏ (5) فيهم الحياة التي هي الروح.

و الحياة التي في الذوات الفعالة هي معنى تصحيح العلم و القدرة

____________

(1) في النسخ: و هي حياة.

(2) (في) ليس في «م».

(3) في «ج» و «م»: الذي هو ضدّه.

(4) «الأموات» ليس في «م».

(5) في «ب» و «ج» و «د»: ابتدأ.

56

و هي شرط في كون العالم عالما و القادر قادرا و ليست من نوع الحياة التي تكون في الأجساد (1)

____________

(1) «في الأجساد» وقعت بعد (المسألة الرابعة) في «ب» و «ج» و «د».

57

المسألة الرابعة ماهية الإنسان‏

ما قوله حرس الله تعالى عزه في الإنسان أ هو (1) هذا الشخص المرئي المدرك على ما يذكره‏ (2) أصحاب أبي هاشم‏ (3).

أم جزء حال في القلب حساس دراك كما يحكى عن أبي بكر بن الإخشيد (4).

____________

(1) في «ب» و «د»: و هو.

(2) في «م»: ذكرناه.

(3) هو عبد السلام بن محمّد بن عبد الوهاب، أبو هاشم بن أبي عليّ البصري الجبّائي، و هو و أبوه من رؤساء المعتزلة، له آراء تفرّد بها، و تبعته فرقة من المعتزلة فسمّيت البهشمية نسبة إليه، توفّي سنة 321 ه.

الفهرست للنديم: 247، تاريخ بغداد 11: 56، الملل و النحل 1: 73، الوافي بالوفيات 18: 434.

(4) في «ب» و «ج»: الاحشار، و في «د»: الاخشار، و في «م»: الإخشاد. و هو: أحمد بن عليّ ابن بيغجور، أبو بكر بن الإخشيد، و رسمه هكذا بالياء و الدال المهملة كلّ من: النديم في الفهرست، و النجاشيّ في الرجال، و الذهبي في الأعلام، و قال ابن حجر: هو ابن الاخشاذ- بالمعجمة- و يقال له ابن الأخشيد، و كأنّ الشين ممالة، و هو من رؤساء المعتزلة و زهّادهم، و ضبطه الخطيب بالألف و الذال المعجمة، و جعله الصفدي: الاخشياد، بياء قبل الألف ثمّ الذال المعجمة توفّي سنة 326 ه و له ستّ و خمسون سنة.

الفهرست للنديم: 245، الرجال النجاشيّ: 402، سير أعلام النبلاء 15: 217،-

58

الجواب إن الإنسان هو ما ذكره بنو نوبخت‏ (1) و قد حكي عن هشام بن الحكم‏ (2) أيضا و الأخبار عن موالينا (ع) تدل على ما نذهب‏ (3) إليه و هو شي‏ء (4) قائم بنفسه لا حجم له و لا حيز لا يصح عليه التركيب و لا الحركة و لا السكون و لا الاجتماع و الافتراق و هو الشي‏ء الذي كانت تسميه‏

____________

- لسان الميزان 1: 231، تاريخ بغداد 4: 309، الوافي بالوفيات 7: 216.

(1) هذه النسبة إلى نوبخت، و هو أحد أجداد هذا البيت، و هم من الشيعة الإماميّة، كان لبعض متكلّميهم آراء خاصّة في بعض شعب الكلام و الفقه و الحديث، و منهم: أبو سهل إسماعيل بن عليّ النوبختي، شيخ المتكلّمين ببغداد، له احتجاج على الحلّاج، و له كتب كثيرة، و قد أدرك الإمام الحسن العسكريّ في وفاته و رأى الإمام صاحب الزمان (عج)، و قد سئل: كيف صارت السفارة لأبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم و ما اختاروه، و لكن انا رجل ألقي الخصوم و أناظرهم، توفّي سنة 402 ه. و منهم ابن أخته أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختي صاحب كتاب فرق الشيعة.

الأنساب للسمعاني 5: 529، رجال النجاشيّ: 63 ت/ 148، الكنى و الألقاب 1:

93، 154.

(2) هو أبو محمّد هشام بن الحكم الكوفيّ الشيباني، حدّث عن الإمامين الصادق و الكاظم (عليهما السلام)، و كان عالي المنزلة عندهما رويت له عنهما (عليهما السلام) مدائح كثيرة، برع في الكلام، ففتق الكلام و كان فيه حاذقا حاضر الجواب، له مناظرات عديدة نقل الكشّي بعضها في رجاله، و له كتب كثيرة، توفّي سنة 199 ه على الأظهر.

رجال النجاشيّ: 433 ت/ 1164، رجال الكشّيّ: 255 ت/ 475، الفهرست للنديم: 249، رجال العلّامة الحلّي: 178.

(3) في «ب» و «د»: أذهب.

(4) «شي‏ء» ليس في «م».

59

الحكماء الأوائل الجوهر البسيط (1).

و كذلك كل حي فعال محدث فهو جوهر بسيط.

و ليس كما قال الجبائي و ابنه‏ (2) و أصحابهما أنه جملة مؤلفة.

و لا كما قال ابن الإخشيد أنه جسم متخلخل‏ (3) في الجملة الظاهرة.

و لا كما قال الأعوازي‏ (4) أنه جزء لا يتجزأ.

و قولي فيه قول معمر (5) من المعتزلة و بني نوبخت من الشيعة على ما قدمت ذكره‏

____________

(1) الإنسان هنا هو المفهوم العقلي الكلّي الذي ينطبق على كل واحد من أفراده، و هذا الإطلاق مشهور بين الخواص.

و الجوهر يطلق على الذات الموجودة لا في موضوع، أي أنّه لا يحتاج في وجوده إلى شي‏ء يوجد به أو فيه. و الجوهر من حيث وجوده الطبيعي يقسم إلى قسمين: بسيط، و مركّب.

و له تقسيمات اخرى من وجوه اخرى.

انظر: تجريد الاعتقاد: 143، دستور العلماء 1: 198، 418، المقابسات: 259.

(2) الجبّائي: هو أبو عليّ محمّد بن عبد الوهاب البصري الجبّائي، أحد أئمّة المعتزلة و متكلّميهم، تفرّد بآراء فتبعه جماعة فسمّوا الجبّائية، ولد سنة 235 و توفّي سنة 303 ه.

وفيات الأعيان 4: 267، الوافي بالوفيات 4: 74. و ابنه: أبو هاشم الجبائي، تقدمت ترجمته في هذه المسألة.

(3) في «م»: متخلّل.

(4) في «ب»: الاعرازي، و في «ج» و «م»: الاعواذي، و لم أجده، و الظاهر لي أنّها محرفة من الأسواري، و هو من متكلّمي المعتزلة، و من شيوخهم، و قد وافق النّظام في معظم أقواله.

انظر: الملل و النحل 1: 60، الفصل لابن حزم 2: 183 و ما بعدها.

(5) هو معمر بن عبّاد- و قيل عمرو- السلمي، أبو المعتمر المعتزلي البصري، سكن بغداد، و ناظر النّظام، و له آراء انفرد بها عنهم، و تنسب إليه طائفة تعرف بالمعمرية. توفّي سنة 215 هجري.

الملل و النحل: 65، سير أعلام النبلاء 10: 546.

60

و هو شي‏ء يحتمل العلم و القدرة و الحياة و الإرادة و الكراهة و البغض و الحب قائم بنفسه محتاج في أفعاله إلى الآلة التي هي الجسد.

و الوصف له‏ (1) بأنه حي يصح‏ (2) عليه القول بأنه عالم قادر.

و ليس الوصف له بالحياة كالوصف للأجساد بالحياة حسب ما قدمناه.

و قد يعبر عنه بالروح.

و على هذا المعنى جاءت الأخبار أن الروح إذا فارقت الجسد نعمت و عذبت‏ (3).

و المراد أن الإنسان الذي هو الجوهر البسيط يسمى الروح و عليه الثواب و العقاب و إليه توجه الأمر و النهي و الوعد و الوعيد.

و قد دل القرآن على ذلك بقوله‏ يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏ (4) فأخبر تعالى أنه غير الصورة و أنه مركب فيها.

و لو كان الإنسان هو الصورة لم يكن لقوله تعالى‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏ معنى لأن المركب في الشي‏ء غير الشي‏ء المركب فيه‏ (5).

و لا مجال أن تكون الصورة مركبة في نفسها و عينها لما ذكرناه.

____________

(1) «له» ليس في «ج» و «م».

(2) في «م»: يصلح.

(3) الكافي 3- باب 91-: 244 ح/ 3، 4 و باب 92: 245 ح/ 1، 2، من لا يحضره الفقيه 1: 122 ح/ 35، مسند أحمد 2: 364، 6: 140، سنن ابن ماجة- كتاب الزهد- 2: 1423 ح/ 4262، سنن النسائي 4: 101.

(4) الانفطار 82: 6- 8.

(5) «فيه» ليس في «د».

61

و قد قال سبحانه في مؤمن آل يس‏ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي‏ (1) فأخبر أنه حي ناطق منعم و إن كان جسمه على ظهر الأرض أو في بطنها.

و قال تعالى‏ وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ‏ (2) فأخبر أنهم أحياء و إن كانت‏ (3) أجسادهم على وجه الأرض أمواتا لا حياة فيها

و روي عن الصادقين (ع) أنهم قالوا

إذا فارقت أرواح المؤمنين أجسادهم أسكنها

(4)

الله تعالى في أجسادهم التي فارقوها فينعمهم في جنته‏

(5)

. و أنكروا ما ادعته العامة من أنها تسكن في حواصل الطيور الخضر و

قالوا

المؤمن أكرم على الله من ذلك‏

(6)

. و لنا على المذهب الذي وصفناه أدلة عقلية لا يطعن المخالف فيها و نظائرها لما ذكرناه من الأدلة السمعية.

و بالله أستعين‏

____________

(1) يس 36: 26- 27.

(2) آل عمران 3: 169- 170.

(3) «كانت» ليس في «د» و «م».

(4) في «ب» و «د»: أسكنه.

(5) الكافي 3- باب 91-: 245 ح/ 6.

(6) الكافي 3: 244 ح/ 1، 6، 7.

62

المسألة الخامسة عذاب القبر

ما قوله أدام الله تأييده‏ (1) في عذاب القبر و كيفيته.

و متى يكون.

و هل ترد الأرواح إلى الأجساد عند التعذيب أم لا.

و هل يكون العذاب في القبر أو يكون بين النفختين‏ (2).

الجواب عن هذا السؤال قد تقدم في المسألة التي سبقت هذه المسألة (3).

و الكلام في عذاب القبر طريقه‏ (4) السمع دون العقل.

و قد

ورد (5) عن أئمة الهدى (ع) أنهم قالوا (6)

ليس يعذب‏

____________

(1) في «أ» و «م»: مدّته.

(2) «النفختين» سقطت من «د».

(3) في «ب» و «ج» و «د»: التي سبقها هذه المسألة. و الجملة ليست في «أ» و «م».

(4) في «م»: بطريق.

(5) في «أ» و «م»: روي.

(6) في «أ» و «م»: أنّه.

63

في القبر كل ميت و إنما يعذب من جملتهم من محض الكفر و لا ينعم كل ماض لسبيله و إنما ينعم‏

(1)

منهم من محض الإيمان محضا فأما سوى هذين الصنفين فإنه‏

(2)

يلهى عنهم‏

(3)

. و كذلك‏

روي‏

أنه لا يسأل في قبره إلا هذان الصنفان خاصة

(4)

. فعلى ما جاء به الأثر من ذلك يكون الحكم‏ (5) ما ذكرناه.

و أما كيفية عذاب الكافر في قبره‏ (6) و نعيم المؤمن فيه‏

فإن الأثر (7) أيضا قد ورد

بأن الله تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا في جنة من جنانه‏

(8)

ينعمه فيها إلى يوم الساعة فإذا نفخ في الصور أنشأ جسده الذي بلي في التراب‏

(9)

و تمزق ثم أعاده إليه و حشره إلى الموقف و أمر به إلى جنة الخلد فلا يزال‏

(10)

منعما ببقاء الله عز و جل-

. غير أن جسده الذي يعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا بل يعدل طباعه و يحسن صورته فلا يهرم‏ (11) مع تعديل الطباع و لا يمسه نصب في‏

____________

(1) في «م»: يتنعّم. في الموضعين.

(2) «الصنفين فإنّه» ليس في «م».

(3) الكافي 3- باب 88-: 235 ح/ 1- 3، 237 ح/ 8.

(4) الكافي 3- باب 88-: 136 ح/ 4.

(5) «من ذلك يكون الحكم» ليس في «م»، و في «ب» و «د» محلّها بياض.

(6) في «م»: الكفّار في قبورهم.

(7) في «أ» و «ج» و «م»: الخبر.

(8) «في جنّة من جنانه» ليس في «ب» و «د».

(9) «الذي بلى في التراب» محلّها بياض في «ب» و «د».

(10) «فلا يزال» محلّها بياض في «ب» و «د».

(11) في «م»: و لا يبدّل.

64

الجنة و لا لغوب‏ (1).

و الكافر يجعل في قالب كقالبه في الدنيا في محل عذاب يعاقب به و نار يعذب بها حتى الساعة ثم ينشأ جسده الذي فارقه في القبر و يعاد إليه ثم يعذب‏ (2) به في الآخرة عذاب الأبد و يركب أيضا جسده تركيبا لا يفنى معه‏ (3).

و قد قال الله عز و جل‏ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ‏ (4).

و قال في قصة (5) الشهداء وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏ (6) و هذا قد مضى فيما تقدم‏ (7).

فدل على أن العذاب و الثواب‏ (8) يكون قبل‏ (9) القيامة و بعدها و الخبر وارد بأنه يكون مع فراق الروح الجسد (10) في الدنيا (11).

____________

(1) اللغوب: التعب و الإعياء.

(2) في «م»: الذي فارقه في القبر فيعذبه به.

(3) انظر: الكافي 3: 245 ح/ 6، 251 ح/ 7.

(4) غافر 40: 46.

(5) في «د»: قضية.

(6) آل عمران 3: 169.

(7) تقدّم في جواب المسألة الرابعة، و قوله: «فيما تقدّم» ليس في «م».

(8) في «أ» و «م»: الثواب و العذاب.

(9) زاد في «أ» و «م»: يوم.

(10) في «أ» و «م»: و الجسد.

(11) الكافي 3- باب 88-: 235 ح/ 1- 18، سنن النسائي- كتاب الجنائز- 4: 97- 108.

65

و الروح هاهنا عبارة عن انفعال الجوهر البسيط و ليس بعبارة عن الحياة التي يصح معها العلم و القدرة لأن هذه الحياة عرض لا يبقى و لا يصح عليه الإعادة.

فهذا ما عول عليه أهل‏ (1) النقل و جاء به الخبر على ما بيناه‏

____________

(1) (أهل) ليس في «أ» و «ب» و «ج» و «د».

66

المسألة السادسة حياة الشهداء

ما قوله أدام الله تعالى تمكينه في قول الله تعالى‏ وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏ (1) أ هم أحياء في الحقيقة على ما تقتضيه الآية الشريفة أم الآية مجاز.

و هل‏ (2) أجسادهم الآن في قبورهم أم في الجنة.

فإن المعتزلة من أصحاب أبي هاشم يقولون إن الله تعالى ينزع من‏ (3) جسد كل واحد منهم أجزاء قدر ما تتعلق به‏ (4) الروح و أنه تعالى يرزقهم على ما (5) نطقت به الآية و ما سوى هذا من أجزاء أبدانهم فهي في قبورهم كأجساد سائر الموتى‏ (6).

____________

(1) آل عمران 3: 169.

(2) في «ب» و «ج» و «د»: و أنّ.

(3) (إن اللّه تعالى ينزع من) ليس في «ب»، و في «د» محلّها بياض، و في «أ» و «م»: إن اللّه تعالى يدع في.

(4) في «أ»: بها.

(5) (على ما) ليس في «ب»، و في «د» محلّها بياض.

(6) «سائر الموتى» وقعت بعد كلمة (الجواب) في «ب» و «ج» و «د».

67

الجواب هو ما قدمنا ذكره‏ (1) في المسألة السابقة (2) و قد ثبت‏ (3) ما فيه ببيان يستغني بوضوحه عن تكراره و إعادته.

فأما هذا المحكي عن أصحاب‏ (4) أبي هاشم فلأن المحفوظ عنه أن الإنسان المخاطب المأمور المنهي هو البنية (5) التي لا تصح الحياة إلا بها و ما سوى ذلك من الجسد فليس بإنسان و لا يتوجه‏ (6) إليه أمر و لا نهي‏ (7) و لا تكليف‏ (8).

و إن كان القوم يزعمون أن تلك البنية لا تفارق ما جاورها من الجسد فيعذب أو ينعم فهو مقال يستمر على أصلهم إذا كانت البنية التي ذكروها هو المكلف المأمور المنهي و باقي جسده في القبر.

إلا أنهم لم يذكروا كيف يعذب من يعذب‏ (9) و يثاب من يثاب‏ (10) أ في‏

____________

(1) «م»: ما قدّمناه.

(2) في «أ»: التي سبقت هذه المسألة. و في «ب» و «ج» و «د»: التي سبقتها لهذه المسألة.

(3) «و قد ثبت» ليس في «ب» و «ج» و في «د» محلّها بياض.

(4) في «م»: عن أبي هاشم، و في «ب» و «د»: بياض بقدر كلمتين.

(5) في «أ» و «د» و «م»: البيّنة.

(6) في «أ» و «م»: يوجّه.

(7) في «أ» و «م»: الأمر و النهي.

(8) في «م»: يتكلّف.

(9) في «ب» و «ج» و «د»: عذب.

(10) في «د»: و إثبات من اثبت، و في «ب» و «ج»: و يثاب من اثيب.

68

دار غير الدنيا (1) أم فيها.

و هل يحيا بعد الموت أو يفارق الجملة (2) في الدنيا فلا (3) يلحقه موت.

ثم لم يحك‏ (4) عنهم في أي محل يعذبون و يثابون.

و ما (5) قالوه من ذلك فليس به أثر و لا يدل عليه العقل و إنما هو مخرج‏ (6) منهم على الظن و الحسبان‏ (7) و من بنى مذهبه على الظن‏ (8) في مثل هذا الباب كان بمقالته مضطربا (9).

ثم إنه يفسد (10) قولهم من بعد ما دل على أن الإنسان المأمور المنهي هو الجوهر البسيط و أن الأجزاء المؤلفة لا يصح أن تكون فعالة.

و دلائل ذلك يطول بإثباتها (11) الكتاب‏ (12) و فيما أومأنا إليه منها كفاية فيما يتعلق به السؤال.

و بالله التوفيق‏

____________

(1) في «ج» و «م» أ في غير دار الدنيا.

(2) في «د»: في الجملة.

(3) «فلا» ليس في «م».

(4) في «أ»: يجد. و من هنا سقط في «ب» و حتّى بعض جواب المسألة الثامنة.

(5) في «ج» و «د»: و فيما.

(6) في «أ»: يخرج. و في «د» و «م»: تخرّج.

(7) في «أ»: النظر و الحساب، و الحسبان- بكسر الحاء-: الظنّ، و هو بالضمّ: التقدير الدقيق، و الأوّل أنسب في المقام.

(8) في «أ» و «م»: النظر.

(9) في «أ» و «م»: كان مقاله مضطربا، و في «ج» مظهر، و في «د»: بمقالته مضطرا.

(10) في «د»: الذي يفسد، و في «م» إنّه يفيد.

(11) في «أ» و «م»: و دليل ذلك يطول بإثباته.

(12) «ثمّ إنّه يفسد ... الكتاب» ليس في «ج».

69

المسألة السابعة حكم من قال بالجبر و جوز الرؤية

ما قوله حرس الله تعالى ظله‏ (1) في أصحاب الإجبار (2) من الإمامية ممن يعتقد الجبر و يثبت إرادة الله تعالى للمعاصي و الكفر و يجوز الرؤية على الله تعالى.

و هل يبلغ‏ (3) هذا القول منهم الكفر أم لا.

و هل يجوز صرف الزكوات إلى ضعفائهم أم لا.

الجواب أن المجبرة كفار (4) لا يعرفون الله عز و جل.

و من لا يعرف الله تعالى فهو خارج من‏ (5) الإيمان لاحق بأهل الكفر و الطغيان لا ينفعه عمل يرجو به القربة (6) إلى الله عز و جل و لا تصح منهم‏

____________

(1) في «أ» و «م»: أدام اللّه علوّه.

(2) في «أ»: الأخبار.

(3) في «م»: هل مبلغ.

(4) «كفّار» ليس في «أ».

(5) في «د»: عن.

(6) في «د»: يرجونه.

70

معرفة الأنبياء و الأئمة ع.

و من تعلق منهم‏ (1) بمذهب أهل الحق فهو منتحل له عن طريق الهوى و الإلف و المنشأ و العصبية (2) دون المعرفة به‏ (3) و العلم بحقيقته.

و من كان كذلك لا يحل صرف الزكاة إليه و من صرفها إليه فقد وضعها في غير موضعها و هي في ذمته حتى يؤديها إلى مستحقها من أهل المعرفة و الولاية (4).

و بالله التوفيق‏

____________

(1) في «ج» و «د»: و إن تعلّق بمذهب ...

(2) «المنشأ» ليس في «أ»، و في «م»: من طريق الهوى و المعصية.

(3) «به» ليس في «م».

(4) في «ب» و «ج» و «م»: و الولاء.

71

المسألة الثامنة (1) الاختلاف في ظواهر الروايات‏

ما قوله أدام الله تعالى نعماءه فيمن تندس‏ (2) طرفا من العلم و رفعت‏ (3) إليه الكتب المصنفة في الفقه عن الأئمة الهادية (4) (ع) فيها اختلاف ظاهر في المسائل الفقهية كما وقع الاختلاف بين ما أثبته الشيخ أبو جعفر بن بابويه (رحمه الله)(5) في كتبه من الأخبار المسندة عن الأئمة (ع) و بين ما أثبته الشيخ أبو علي بن الجنيد (رحمه الله)(6) في كتبه من المسائل الفقهية المجردة عن الأسانيد.

____________

(1) من هنا سقط من «أ».

(2) في «ب» و «ج» و «د»: سدد، و في «م»: سدله. و هما محرّفتان، و تندّس الخبر: تحرّى عنه.

(3) في «د» و «م»: و وقعت.

(4) في «م»: الهادين.

(5) هو محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ، شيخ الحفظة و رئيس المحدّثين، المعروف بالصدوق، له نحو من ثلاثمائة مصنّف، و هو استاذ الشيخ المفيد (رضوان اللّه عليهما)، ورد بغداد سنة 355 ه، و سمع منه شيوخ الطائفة و هو حدث السنّ، توفّي بالريّ سنة 381 ه، و قبره فيها مزار معروف قرب ضريح السيّد عبد العظيم الحسني.

رجال النجاشيّ: 389 ت/ 1049، تاريخ بغداد 3: 89، الكنى و الألقاب 1: 221.

(6) في «م» عليّ بن الجنيد، و هو محمّد بن أحمد بن الجنيد، أبو علي الكاتب الإسكافيّ، من أكابر علماء الإماميّة، و أدقّهم نظرا، متكلّم فقيه محدّث أديب، روى عنه الشيخ المفيد-

72

هل يجوز أن يجتهد (1) رأيه و يعول‏ (2) على ما هو الحق عنده و الأصوب لديه أم يعتمد على المسندات دون المراسيل.

الجواب أنه لا يجوز لأحد من الخلق أن يحكم على الحق فيما وقع فيه الاختلاف من معنى كتاب أو سنة أو مدلول دليل عقلي‏ (3) إلا بعد إحاطة العلم بذلك و التمكن من النظر المؤدي إلى المعرفة.

فمتى كان مقصرا عن علم طريق ذلك فليرجع إلى من يعلمه و لا يقول برأيه و ظنه فإن عول على ذلك فأصاب الاتفاق لم يكن مأجورا و إن أخطأ الحق فيه كان مأزورا.

و الذي رواه أبو جعفر (رحمه الله) فليس يجب العمل بجميعه إذا لم يكن ثابتا من الطرق التي تعلق بها قول الأئمة (ع) (4) إذ هي أخبار آحاد لا توجب علما و لا عملا (5) و روايتها عمن يجوز عليه السهو و الغلط.

____________

- و غيره، و قد حكي عنه القول بالقياس، و توفّي سنة 381 ه.

رجال النجاشيّ: 385 ت/ 1047، رجال العلامة الحلّي: 145 ت/ 35، الكنى و الألقاب 2: 26.

(1) في «د» يجهد، و في «م»: يحمد.

(2) في «م»: و يقول.

(3) زاد في «م»: لا يعمل به.

(4) إلى هنا سقط من «ب».

(5) في «ب» و «ج» و «د»: عملا و علما.

73

و إنما روى أبو جعفر (رحمه الله) ما سمع و نقل ما حفظ و لم يضمن العهدة في ذلك.

و أصحاب الحديث ينقلون الغث و السمين و لا يقتصرون في النقل على المعلوم‏ (1) و ليسوا بأصحاب نظر و تفتيش و لا فكر فيما يروونه و تمييز فأخبارهم مختلطة (2) لا يتميز منها الصحيح من السقيم إلا بنظر في الأصول و اعتماد على النظر الذي يوصل إلى العلم بصحة المنقول.

فأما كتب أبي علي بن الجنيد فقد حشاها بأحكام عمل فيها على الظن و استعمل فيها مذهب المخالفين في القياس‏ (3) الرذل‏ (4) فخلط بين المنقول عن الأئمة (ع) و بين ما قاله برأيه و لم يفرد أحد الصنفين من الآخر.

و لو أفرد المنقول من الرأي لم يكن فيه حجة لأنه لم يعتمد في النقل المتواتر من الأخبار و إنما عول على الآحاد.

و إن كان‏ (5) في جملة (6) ما نقل غيره من أصحاب الحديث ما هو معلوم و إن لم يتميز لهم‏ (7) ذلك لعدولهم عن طريق النظر فيه و تعويلهم على النقل خاصة و السماع من الرجال و التقليد دون النظر و الاعتبار.

____________

(1) في «م»: العلوم.

(2) في «م»: مختلفة.

(3) في «م»: و القياس.

(4) الرذل: الردي‏ء.

(5) في «م»: و اما كانت.

(6) في «ب» و «ج»: حمله.

(7) في «م»: له.

74

فهذا ما عندي في الذي تضمنته‏ (1) الكتب للشيخين المذكورين في الحلال و الحرام من الأحكام‏ (2)

فصل الموقف من الروايات المختلفة الظواهر

و للشيعة أخبار في شرائع مجمع عليها بين عصابة الحق و أخبار (3) مختلف فيها فينبغي‏ (4) للعاقل المتدبر أن يأخذ بالمجمع عليه‏ (5) كما أمر بذلك الإمام الصادق (ع) و يقف في المختلف فيه ما لم يعلم حجة في أحد الشيئين منه و يرده إلى من هو أعلم منه و لا يقنع منه بالقياس فيه دون البيان على ذلك و البرهان فإنه يسلم بذلك من الخطإ في الدين و الضلال إن شاء الله.

و قد أجبت‏ (6) عن كثير من الأخبار المختلفة في مسائل ورد (7) علي بعضها من نيسابور و بعضها من الموصل و بعضها من فارس و بعضها من‏

____________

(1) في «ب» و «ج» و «د»: تضمّنه.

(2) في «ب» و «ج»: و الفساد و الأحكام، و في «د»: و النساء و الأحكام.

(3) «و أخبار» ليس في «م».

(4) «فينبغي» ليس في «م».

(5) في «م»: عليها.

(6) في «ب» و «د»: أجيب.

(7) في «م»: ورد.

75

ناحية تعرف بمازندران‏ (1) تضمنت مسائل القوم المذكورين أخبارا تختلف‏ (2) ظواهرها في أنواع شتى من الأحكام.

و أودعت في كتاب التمهيد أجوبة عن مسائل مختلفة جاءت فيها الأخبار عن الصادقين (ع) و و بينت‏ (3) ما يجب العمل عليه من ذلك بدلائل لا يطعن فيها و جمعت بين‏ (4) معان كثيرة من أقاويل الأئمة (ع) يظن كثير من الناس أن معانيها تتضاد و كذا بينت اتفاقها في المعنى و أزلت شبهات المستضعفين في اختلافها.

و ذكرت مثل ذلك في كتاب مصابيح النور في علامات أوائل الشهور و شرعت‏ (5) طرقا يوصل بها إلى معرفة الحق فيما وقع فيه الاختلاف بين أصحابنا من جهة الأخبار.

و أجبت‏ (6) عن المسائل التي كان ابن الجنيد جمعها و كتبها إلى أهل مصر و لقبها بالمسائل المصرية و جعل الأخبار (7) فيها أبوابا و ظن أنها مختلفة في معانيها و نسب ذلك إلى قول الأئمة (ع) فيها بالرأي.

____________

(1) هي مقاطعة كبيرة في بلاد إيران، تعرف قديما بطبرستان، تقع على الساحل الجنوبي لبحر قزوين، فيها عدّة مدن كبيرة منها: آمل، و بابل، و گرگان.

(2) في «م»: و كلّ ذلك تتضمّن مسائل مختلفة جاءت فيها الأخبار عن الصادقين (عليهما السلام)، و للقوم أخبار تختلف.

(3) في «ج»: و أثبتّ، و في «م»: و أفتيت.

(4) «بين» ليس في «م».

(5) شرع: أظهر و بيّن.

(6) في «ب» و «د»: و أجيب.

(7) في «م»: للأخبار.

76

و أبطلت ما ظنه في ذلك و تخيله و جمعت بين جميع معانيها حتى لم يحصل فيها اختلاف فمن ظفر بهذه الأجوبة و تأملها بإنصاف‏ (1) و فكر فيها فكرا شافيا سهل عليه معرفة الحق في جميع ما يظن أنه مختلف و تيقن ذلك مما يختص بالأخبار المروية عن أئمتنا (ع) (2)

فصل أصناف أحاديث الأئمة

و في الجملة إن أقوال الأئمة (ع) كانت تخرج على ظاهر يوافق باطنه الأمن من العواقب في ذلك.

و يخرج منها ما ظاهره خلاف‏ (3) باطنه للتقية و الاضطرار.

و منها: ما ظاهره الإيجاب و الإلزام و هو في نفسه ندب و نفل و استحباب.

و منها: ما ظاهره نفل و ندب و هو على‏ (4) الوجوب.

و منها: عام يراد به الخصوص و خاص يراد به العموم و ظاهر (5)

____________

(1) في «م»: و بإنصاف قرأها.

(2) إلى هنا سقط من «أ».

(3) في «أ»: بخلاف.

(4) في «أ»: على مثل الوجوب.

(5) في «ب»: و ظاهره.

77

مستعار في غير ما وضع له حقيقة الكلام و تعريض في القول للاستصلاح و المداراة و حقن الدماء.

و ليس ذلك بعجيب منهم و لا ببدع‏ (1) و القرآن الذي هو كلام الله عز و جل و فيه الشفاء و البيان قد اختلفت ظواهره و تباين الناس في اعتقاد (2) معانيه و كذلك السنة الثابتة عن النبي ص فالعلماء على اختلاف في معنى كلامه (ع) فيها (3) و مع ذلك كله فالناس ممتحنون في الأخبار و سماعها فساه في النقل و متعمد (4) فيه الزيادة (5) و النقصان و مبدع في‏ (6) الشريعة متصنع لحسن‏ (7) الظاهر يقصد به إضلال العباد (8) و الله موفق للصواب‏

____________

(1) البدع: المبتدع، و هو الأمر الذي يفعل أوّلا.

(2) في «أ»: اعتداد.

(3) «فيها» ليس في «أ» و «م».

(4) في «ب» و «د» و «م»: و معتمد.

(5) في «م»: للزيادة.

(6) في «ب» و «د» و «م»: مبدع على، و في «ج» مدّع على.

(7) في «أ» و «ب»: بحسن، و في «م»: على الظاهر.

(8) في «ب» و «ج» و «د» و «م»: بإدخاله ضلال العباد و حجج اللّه تعالى.

78

المسألة التاسعة صيانة القرآن من التحريف‏

ما قوله أدام الله تعالى حراسته‏ (1) في القرآن أ هو ما بين الدفتين الذي في أيدي الناس أم هل ضاع مما أنزل الله تعالى على نبيه منه شي‏ء أم لا.

و هل هو ما جمعه أمير المؤمنين (ع) أم ما جمعه عثمان بن عفان على ما يذكره المخالفون.

الجواب لا شك‏ (2) أن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه‏ (3) كلام الله تعالى و تنزيله و ليس فيه شي‏ء من كلام البشر و هو جمهور المنزل.

و الباقي مما أنزله‏ (4) الله تعالى‏ (5) عند المستحفظ للشريعة المستودع‏

____________

(1) في «أ» و «م»: تمكينه.

(2) «لا شك» ليس في «ب» و «ج» و «د».

(3) «جميعه» ليس في «أ» و «م».

(4) في «م»: أنزل.

(5) زاد في «ب» و «د» و «م»: قرآنا.

79

للأحكام لم يضع‏ (1) منه شي‏ء (2).

و إن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله في جملة ما جمع لأسباب‏ (3) دعته إلى ذلك منها قصوره عن معرفة بعضه.

و منها: شكه فيه و عدم تيقنه‏ (4).

و منها: ما تعمد إخراجه منه.

و قد جمع أمير المؤمنين (ع) القرآن المنزل من أوله إلى آخره و ألفه بحسب ما وجب من تأليفه فقدم المكي على المدني و المنسوخ على الناسخ و وضع كل شي‏ء منه في محله‏ (5).

فلذلك‏

قال جعفر بن محمد الصادق (ع)

أما و الله لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمين كما سمي من كان قبلنا

(6)

____________

(1) في «أ» و «م»: يقع.

(2) أراد ما كان مثبتا في النسخ الأولى من تأويل لبعض الآيات، و سيأتي بيانه.

(3) في «أ»: أشياء، و في «م»: و الأسباب.

(4) في «ب» و «ج» و «د»: و منه ما شك فيه و منه ما عمد بنفيه.

(5) في «أ» و «ب» و «ج» و «د»: حقّه.

(6) تفسير العيّاشي 1: 13 ح/ 5- 6 بهذا النصّ: عن داود بن فرقد، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لو قد قرئ القرآن كما انزل لألفيتنا فيه مسمّين» و قال سعيد ابن الحسين الكندي عن ابي جعفر (عليه السلام) بعد مسمّين: «كما سمّي من قبلنا».

قال السيّد الخوئي: يعارض جميع هذه الروايات صحيحة أبي بصير المروية في الكافي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏- النساء: 59- فقال: «نزلت في عليّ بن أبي طالب و الحسن و الحسين (عليهم السلام)».

فقلت له: إنّ الناس يقولون: فماله لم يسمّ عليّا و أهل بيته في كتاب اللّه؟-

80

و قال (ع)

نزل القرآن أربعة أرباع ربع فينا و ربع في عدونا و ربع سنن‏

(1)

و أمثال و ربع فرائض‏

(2)

و أحكام و لنا أهل البيت كرائم‏

(3)

القرآن‏

(4)

____________

- قال (عليه السلام): «فقولوا لهم: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نزلت عليه الصلاة و لم يسمّ لهم ثلاثا و لا أربعا، حتّى كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هو الذي فسرّ لهم ذلك ...»- الكافي 1: 226/ 1- فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع تلك الروايات و موضّحة للمراد منها، و أنّ ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) في تلك الروايات قد كان بعنوان التفسير، أو بعنوان التنزيل مع عدم الأمر بالتبليغ.

قال: و ممّا يدلّ على أنّ اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يذكر صريحا في القرآن حديث الغدير، فإنّه صريح في أنّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما نصب عليّا (عليه السلام) بأمر اللّه و بعد أن ورد عليه التأكيد في ذلك، و بعد أن وعده اللّه بالعصمة من الناس، و لو كان اسم عليّ (عليه السلام) مذكورا في القرآن لم يحتج إلى ذلك النصب، و لما خشي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من إظهار ذلك. و على الجملة: فصحّة حديث الغدير توجب الحكم بكذب هذه الروايات التي تقول: إنّ أسماء الأئمّة مذكورة في القرآن، و لا سيّما أن حديث الغدير كان في حجّة الوداع التي وقعت في أواخر حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و نزول عامّة القرآن ...

البيان في تفسير القرآن: 231.

و سيأتي بيان الشيخ المفيد في هذه الروايات أنّها أخبار آحاد.

و له (رحمه الله) في كتابه (أوائل المقالات) ص 55 ما نصّه: إنّه لم ينقص من كلمة و لا من آية و لا من سورة، و لكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام) من تأويله و تفسير معانيه على حقيقة تنزيله.

و قد فصّل الكلام في هذا الباب الإمام البلاغي في مقدّمة تفسيره (آلاء الرحمن) ص 24- 29.

(1) في النسخ: قصص، و ما أثبتناه من المصدر.

(2) في «ب» و «ج» و «د»: قضايا.

(3) في النسخ: فضائل، و ما أثبتناه من المصدر.

(4) أخرجه بهذا النصّ العيّاشيّ في تفسيره 1: 9 ح/ 1، و أخرجه ثقة الإسلام الكليني في-

81

فصل لزوم التقيد بما بين الدفتين‏

غير أن الخبر قد صح عن أئمتنا (ع) أنهم أمروا بقراءة ما بين الدفتين و أن لا (1) يتعداه إلى زيادة فيه و لا نقصان منه حتى يقوم القائم (ع) فيقرأ للناس‏ (2) القرآن على ما أنزله الله تعالى و جمعه أمير المؤمنين (ع) (3).

____________

- الكافي- كتاب فضل القرآن، باب النوادر- 2: 459 ح/ 4 و ليس فيه «و لنا أهل البيت كرائم القرآن». و كلاهما عن أبي جعفر (عليهما السلام). قال العلّامة المجلسي: حديث موثق. مرآة العقول 12: 517. و ورد نحوه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكافي 2:

459 ح/ 2.

(1) «لا» سقطت من «د».

(2) «للناس» ليس في «ج» و «م».

(3) الحديث في الكافي- كتاب فضل القرآن، باب النوادر- 2: 462 ح/ 23، و ضعّفه العلّامة المجلسي في (مرآة العقول) 12: 523 ح/ 23، و انظر أيضا كتاب (التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف): 80.

و لكن الذي يؤيّد كلام المصنّف الحديث الحسن الإسناد الذي أخرجه الكليني عن الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ الناس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال (عليه السلام): «كذبوا، أعداء اللّه، و لكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد».

الكافي 2: 461 ح/ 13، مرآة العقول 12: 520 و يشهد له ما أخرجه الكليني أيضا-

82

و إنما نهونا (ع) عن قراءة ما وردت به الأخبار من أحرف تزيد على الثابت في المصحف لأنها لم تأت على التواتر و إنما جاء بها الآحاد و قد يغلط الواحد في ما ينقله.

و لأنه متى قرأ الإنسان بما خالف ما بين الدفتين قرر بنفسه‏ (1) و عرض نفسه للهلاك.

فنهونا (ع) عن‏ (2) قراءة القرآن بخلاف ما ثبت بين الدفتين‏ (3) لما ذكرناه‏

فصل‏ (4) وحدة القرآن و تعدد القراءات‏

فإن قال قائل كيف يصح القول بأن الذي بين الدفتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة فيه و لا نقصان‏ (5) و أنتم تروون‏

____________

- عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّ القرآن واحد، نزل من عند الواحد، و لكنّ الاختلاف يجي‏ء من قبل الرواة».

الكافي 2: 461 ح/ 12.

(1) غرّر بنفسه: عرّضها للهلاك. و زاد في «ب» و «ج» و «د»: مع أهل الخلاف، و اغرى به الجبارين.

(2) في «ب» و «د»: فمنعونا (عليه السلام) من.

(3) «غرّ بنفسه ... بين الدفّتين» ليس في «م».

(4) من هنا حتّى نهاية جواب هذه المسألة سقط من «أ».

(5) صرّح بهذا القول و انتصر له جلّ أعلام الإماميّة، و به تواترت تقريراتهم، و منهم- غير-

83

عن الأئمة (ع) أنهم قرءوا كنتم خير أئمة أخرجت للناس و كذلك جعلناكم أئمة وسطا و قرءوا يسألونك الأنفال و هذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس‏ (1).

قيل له قد مضى الجواب عن هذا و هو (2) أن الأخبار التي جاءت بذلك‏

____________

- الشيخ المفيد-:

الشيخ الصدوق (381 ه)، قال: اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله اللّه تعالى على نبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) هو ما بين الدّفّتين، و هو ما في أيدي الناس.

اعتقادات الصدوق- المطبوع مع شرح الباب الحادي عشر-: 93.

الشريف المرتضى علم الهدى (436 ه)، و شيخ الطائفة الطوسيّ (460 ه)، و الشيخ أبو علي الطّبرسي (548) قالوا: الصحيح من مذهبنا أنّ القرآن الكريم هو ما بين الدفّتين، و لم يطرأ عليه زيادة و لا نقصان.

انظر: تفسير التبيان 1: 3 مجمع البيان 1: 38.

العلّامة الحلّي (627 ه)، و قد سئل عن ذلك، فقال: الحقّ أنّه لا تبديل، و لا تأخير، و لا تقديم فيه، و أنّه لم يزد و لم ينقص و نعوذ باللّه من أن يعتقد مثل ذلك، فإنّه يوجب التطرّق إلى معجزة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) المنقولة بالتواتر.

أجوبة المسائل المهناوية: 121.

الشيخ زين الدين البياضي العاملي (877 ه): علم بالضرورة تواتر القرآن بجملته و تفاصيله، و كان التشديد في حفظه أتمّ، حتّى نازعوا في أسماء السور و التفسيرات، و إنّما اشتغل الأكثر عن حفظه بالتفكّر في معانيه و أحكامه، و لو زيد فيه أو نقص لعلمه كلّ عاقل و إن لم يحفظه لمخالفة فصاحته و أسلوبه.

الصراط المستقيم 1: 45.

(1) «و قرءوا: و يسألونك ... أيدي الناس» ليس في «م».

(2) «قد مضى ... و هو» ليس في «ج» و «م».

84

أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحتها (1) فلذلك وقفنا فيها و لم نعدل عما في المصحف الظاهر على ما أمرنا به حسب ما بيناه.

مع‏ (2) أنه لا ينكر أن تأتي القراءة (3) على وجهين منزلين أحدهما ما تضمنه المصحف.

و الثاني ما جاء به الخبر كما يعترف مخالفونا به من نزول القرآن على أوجه شتى.

فمن ذلك قوله تعالى‏ وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ‏ (4) يريد ما هو ببخيل.

و بالقراءة الأخرى و ما هو على الغيب بظنين يريد بمتهم‏ (5).

و مثل قوله تعالى‏ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ (6).

____________

(1) قال الإمام البلاغي في الردّ على رواية «و جعلناكم أئمّة وسطا»: إن ما روي مرسلا في تفسيري النعمانيّ و سعد من أن الآية: «أئمّة وسطا» لا بدّ من حمله على التفسير، و أنّ التحريف إنّما هو للمعنى. و دليله حديث أمير المؤمنين (عليه السلام): «نحن الذين قال اللّه: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً». و حديث الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى:

وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً: «نحن الأمّة الوسطى».

آلاء الرحمن: 27.

(2) في «أ» و «ب» و «د» و «م»: مع ما.

(3) في «م»: يأتي بالقرآن.

(4) التكوير 81: 24.

(5) تاريخ بغداد 4: 351، الدّر المنثور 7: 434 من حديث عائشة، و في الدّر المنثور 7:

435 عن ابن عبّاس و زرّ.

(6) التوبة 9: 100.

85

و على قراءة أخرى من تحتها الأنهار (1).

و نحو قوله تعالى‏ إِنْ هذانِ لَساحِرانِ‏ (2).

و في قراءة أخرى‏ (3) إن هذين لساحران‏ (4).

و ما أشبه ذلك مما يكثر تعداده و يطول الجواب بإثباته و فيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى‏

____________

(1) الكشّاف للزمخشري 2: 305، قال فيه: في مصاحف أهل مكّة «تجري من تحتها» و هي قراءة ابن كثير.

(2) طه 20: 63.

(3) في «م»: قرئ.

(4) الكشّاف 3: 72، تفسير الرازيّ 22: 74- 75، تفسير القرطبيّ 11: 216، و فيها:

قرأ أبو عمرو: «إنّ هذين لساحران» و رويت عن عثمان، و عائشة و غيرهما من الصحابة، و عن سعيد بن جبير و إبراهيم النخعيّ و غيرهم من التابعين، و من القرّاء: عيسى بن عمر، و عاصم الجحدري. و ذكروا لها ستّ قراءات، و أحصاها جميعا أبو جعفر النحّاس في (إعراب القرآن) ج 3: 43.

86

المسألة العاشرة في تزويج أم كلثوم و بنات الرسول ص‏

ما قوله أدام الله تعالى علاه‏ (1) في تزويج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ابنته من عمر بن الخطاب. و تزويج النبي ص ابنتيه زينب و رقية من عثمان‏ (2).

الجواب أن الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين (ع) ابنته من عمر غير ثابت و طريقه من‏ (3) الزبير بن بكار (4) و لم يكن موثوقا به في النقل و كان‏

____________

(1) في «م»: حرس اللّه مهجته.

(2) هكذا ورد هنا و في الجواب أيضا، و يوافقه ما ذكره أبو القاسم الكوفيّ المتوفّى سنة (352 ه) في كتابه (الاستغاثة) ص: 76.

و أمّا المشهور فزواجه من رقيّة أوّلا و توفيت عنده، ثمّ تزوّج من أمّ كلثوم، و كانتا قبل الإسلام عند عتبة و عتيبة ابني أبي لهب و فارقاهما بعد الإسلام و لمّا يدخلا بهما.

انظر: إعلام الورى 140- 141، و تراجم المذكورين في مصادرها.

(3) في «م»: و هو من طريق.

(4) هكذا أسنده أيضا ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 12: 106، و السيّد الجميلي في مناقب عمر بن الخطّاب: 233، و هو مطابق تماما للخبر الذي جاء في (الاستيعاب) و (أسد الغابة) و (الإصابة) بغير إسناد، عند ترجمة أمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين (عليه السلام).-

87

متهما (1) فيما يذكره و كان يبغض أمير المؤمنين (ع) (2) و غير مأمون فيما يدعيه على بني هاشم‏ (3).

____________

- و لكن ورد في الكافي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) من طريقين، أحدهما موثّق و الآخر صحيح الإسناد أنّه (عليه السلام) سئل عن المرأة المتوفّى عنها زوجها أ تعتدّ في بيتها، أو حيث شاءت؟ فقال: «بل حيث شاءت، إنّ عليّا (عليه السلام) لمّا توفّي عمر أتى أمّ كلثوم فانطلق بها إلى بيته».

و فيه أيضا في حديث حسن، عنه (عليه السلام) أنّه سئل عن هذا النكاح فقال: «ذلك فرج غصبناه»، و في حديث طويل بعده إسناده حسن يذكر تفصيلا أدق في معنى الحديث المتقدّم. انظر: الكافي- كتاب النكاح- 5: 346 ح/ 1، 2، كتاب الطلاق 6: 115 ح/ 1، 2، مرآة العقول 20: 42 ح/ 1، 2 و 21: 197 ح/ 1، 2.

(1) في «د»: مبهما.

(2) في «ب» و «ج» و «د»: من بغضه لأمير المؤمنين.

(3) الزبير بن بكّار: هو أبو عبد اللّه الزبير بن أبي بكر- و يسمّى بكّارا- بن عبد اللّه بن مصعب ابن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير بن العوام، صاحب النّسب، تولّى القضاء للمعتصم العباسيّ بمكّة، و توفّي و هو قاض عليها سنة 256 ه.

تاريخ بغداد 8: 467، وفيات الأعيان 2: 311.

قال ابن الأثير في (الكامل): انّ الزبير بن بكّار كان ينال من العلويّين، فتهدّدوه، فهرب منهم و قدم على عمّه مصعب بن عبد اللّه بن الزبير، و شكا إليه حاله، و خوفه من العلويّين، و سأله إنهاء حاله إلى المعتصم! فلم يجد عنده ما أراد، و أنكر عليه حاله، و لامه.

الكامل في التاريخ 6: 526.

و كان أبوه بكّار قد ظلم الإمام الرضا (عليه السلام) في شي‏ء، فدعا عليه فسقط من قصره فاندقّت عنقه. و كان جدّه عبد اللّه بن مصعب هو الذي مزّق عهد يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بين يدي الرشيد، و قال: اقتله يا أمير المؤمنين، فلا أمان له.

عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 224/ 1، الكنى و الألقاب 2: 291.

و كان عمّه مصعب بن عبد اللّه منحرفا عن عليّ (عليه السلام).

الكامل في التاريخ 7: 57.

88

و إنما نشر الحديث إثبات أبي محمد الحسن‏ (1) بن يحيى صاحب النسب‏ (2) ذلك في كتابه فظن كثير (3) من الناس أنه حق لرواية رجل علوي له و هو إنما رواه عن الزبير بن بكار. و الحديث بنفسه مختلف فتارة يروي أن أمير المؤمنين (ع) تولى العقد له على ابنته‏ (4).

و تارة يروي أن العباس تولى‏ (5) ذلك عنه‏ (6).

و تارة يروي أنه لم يقع العقد إلا بعد وعيد من عمر و تهديد لبني هاشم‏ (7).

____________

(1) «الحسن» سقط من «د».

(2) هو الحسن بن محمّد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد اللّه بن الحسين بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، أبو محمد، المعروف بابن أخي طاهر، النسّابة، له مصنّفات كثيرة. توفّي في شهر ربيع الأوّل سنة 358 ه، و دفن في منزله بسوق العطش.

قال فيه النجاشيّ: روى عن المجاهيل أحاديث منكرة، رأيت أصحابنا يضعّفونه.

و قال السيّد الخوئي: لا ينبغي الريب في ضعف الرجل و إن روى عنه غير واحد من الأصحاب.

رجال النجاشيّ: 64/ 149، معجم رجال الحديث 5: 133.

(3) «كثير» سقطت من «د».

(4) هذا هو ظاهر رواية أسد الغابة 5: 615، و الإصابة 4: 492.

(5) في «ب» و «ج» و «د» و «م»: يروى عن العباس أنّه تولّى.

(6) الكافي- كتاب النكاح- 5: 346/ 2 و إسناده حسن، و الاستغاثة: 92، 93. إعلام الورى: 204.

(7) الكافي- كتاب النكاح- 5: 346/ 2، الاستغاثة: 92، إعلام الورى: 204.

و في (الطبقات الكبرى) و (الاستيعاب) و (أسد الغابة) و (الإصابة) انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) اعتذر أوّلا بصغر سنّها، فقال الناس لعمر إنّه ردّك، فما زال يعاوده حتّى تمّ الأمر،-

89

و تارة يروي أنه كان عن اختيار و إيثار.

ثم إن بعض الرواة يذكر أن عمر أولدها ولدا أسماه زيدا (1). و بعضهم يقول إنه قتل قبل دخوله بها (2).

و بعضهم يقول إن لزيد بن عمر عقبا (3).

و منهم من يقول إنه قتل و لا عقب له‏ (4).

و منهم من يقول إنه و أمه قتلا (5).

____________

- و في رواية اخرى أنّه (عليه السلام) ردّ عمر بقوله: إني حبست بناتي لأولاد جعفر» فعاوده عمر فأجابه. الطبقات الكبرى 8: 463، الاستيعاب 4: 490، أسد الغابة 5:

615، الإصابة 4: 492.

(1) تاريخ الطبريّ 5: 61، الطبقات الكبرى 8: 463، الاستيعاب 4: 491، أسد الغابة 5: 615.

(2) قال المسعودي (346 ه) في ذكر أولاد عمر: كان له من الولد: عبد اللّه، و حفصة زوج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و عاصم، و عبيد اللّه، و زيد بن أمّ، و عبد الرحمن، و فاطمة، و بنات أخر، و عبد الرحمن الأصغر- و هو المحدود في الشراب و هو المعروف بأبي شحمة- من أمّ.

مروج الذهب 2: 321.

فلم يذكر أمّ كلثوم في امّهات أولاده، و إنّما كان له ولد اسمه زيد و كان هو و عبد اللّه و حفصة و عاصم و عبيد اللّه من أمّ واحدة، و لا خلاف في أنّ أمّ عبد اللّه و حفصة و إخوانهما هي زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح.

انظر: الكامل في التاريخ 3: 53.

(3) تهذيب تاريخ دمشق 6: 28.

(4) جمهرة أنساب العرب: 38، 152.

(5) أسد الغابة 5: 615، الإصابة 4: 492 و فيهما: أنّ زيدا أصيب و أمّه عليلة فماتا معا في يوم واحد، صلّى عليهما عبد اللّه بن عمر، قدّمه الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، و في (الطبقات الكبرى 8: 464): صلّى عليهما ابن عمر و خلفه الحسن و الحسين.

90

و منهم من يقول إن أمه بقيت بعده‏ (1).

و منهم من يقول إن عمر أمهر أم كلثوم أربعين ألف درهم‏ (2).

و منهم من يقول مهرها أربعة آلاف درهم.

و منهم من يقول كان مهرها خمسمائة درهم‏ (3).

و بدو هذا الاختلاف فيه‏ (4) يبطل الحديث و لا يكون له تأثير على حال‏

فصل تأويل الخبر

ثم إنه لو صح لكان له وجهان لا ينافيان مذهب الشيعة في ضلال‏

____________

(1) ثبت انّها قد شهدت وقعة الطفّ مع أخيها الإمام الحسين (عليه السلام)، و عاشت بعده، و لها في الكوفة بعد مقتل أخيها سيّد الشهداء (عليه السلام) خطبة شهيرة هي غاية في البلاغة و قمّة في البيان.

أثبته ابن طيفور (280 ه) في (بلاغات النساء): 34، و أبو حنيفة الدينوري (282 ه) في (الأخبار الطوال): 228، و الخوارزمي (568 ه) في (مقتل الحسين) 2: 37، و أبو منصور الطبرسيّ في (الاحتجاج) 2: 302، و ابن طاوس في (اللهوف في قتلى الطفوف): 67، و عمر رضا كحّالة في (أعلام النساء) 4: 259.

(2) تاريخ الطبريّ 5: 23، الطبقات الكبرى 8: 463، الكامل في التاريخ 3: 53، تهذيب تاريخ دمشق 6: 28.

(3) و في تاريخ اليعقوبي (2: 150): أمهرها عشرة آلاف دينار.

(4) في «ب» و «ج» و «د»: و بدو هذا الاختلاف و قليله.

91

المتقدمين على أمير المؤمنين ع. أحدهما (1) أن النكاح إنما هو على ظاهر الإسلام الذي هو الشهادتان و الصلاة إلى الكعبة و الإقرار بجملة (2) الشريعة.

و إن كان الأفضل مناكحة من يعتقد الإيمان‏ (3) و ترك‏ (4) مناكحة من ضم إلى ظاهر الإسلام ضلالا لا يخرجه عن الإسلام‏ (5) إلا أن الضرورة متى قادت إلى مناكحة الضال مع إظهاره كلمة الإسلام‏ (6) زالت الكراهة من ذلك و ساغ ما لم يكن بمستحب‏ (7) مع الاختيار.

و أمير المؤمنين (ع) كان محتاجا إلى التأليف و حقن الدماء و رأى أنه إن بلغ مبلغ عمر عما رغب فيه من مناكحته ابنته أثر (8) ذلك الفساد في الدين و الدنيا و أنه إن أجاب إليه أعقب صلاحا في الأمرين فأجابه إلى ملتمسه لما ذكرناه.

و الوجه الآخر أن مناكحة الضال كجحد الإمامة و ادعائها لمن لا يستحقها حرام إلا أن يخاف الإنسان على دينه و دمه فيجوز له ذلك كما يجوز له إظهار كلمة الكفر المضادة لكلمة الإيمان و كما يحل له أكل الميتة

____________

(1) «أحدهما» ليس في «ب» و «د».

(2) في «م»: بحلّيّة.

(3) «مناكحة من يعتقد الإيمان» ليس في «م».

(4) في «أ»: و المكروه، و في «ب» و «ج» و «د»: مكروه.

(5) في «ب» و «د»: الإيمان.

(6) «ضلالا لا يخرجه ... كلمة الإسلام» ليس في «د».

(7) في «أ»: بمحتسب، و في «ب» و «ج» و «د» و «م»: يحتسب، و كلاهما تصحيف.

(8) في «أ»: أثمر.

92

و الدم و لحم الخنزير عند الضرورات و إن كان ذلك محرما مع الاختيار (1).

و أمير المؤمنين (ع) كان مضطرا إلى مناكحة الرجل لأنه يهدده و يواعده فلم يأمنه أمير المؤمنين (ع) على نفسه و شيعته فأجابه إلى ذلك ضرورة كما قلنا إن الضرورة تشرع إظهار كلمة الكفر قال الله تعالى‏ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ (2)

فصل زواج بنات الرسول ص‏

و ليس ذلك بأعجب من قول لوط (ع) كما حكى الله تعالى عنه‏ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ‏ (3) فدعاهم إلى العقد عليهم‏ (4) لبناته و هم كفار ضلال قد أذن الله تعالى في هلاكهم‏ (5).

و قد زوج رسول الله ص ابنتيه قبل البعثة كافرين كانا يعبدان الأصنام أحدهما عتبة بن أبي لهب و الآخر أبو العاص بن الربيع‏ (6).

____________

(1) «و أمير المؤمنين (عليه السلام) كان محتاجا ... مع الاختيار» سقط من «ب» و «ج» و «د».

(2) النحل 16: 106، و الآية ليست في «ب» و «ج» و «د» و بدلا منها: حسب ما قدّمناه.

(3) هود 11: 78.

(4) في «أ» و «م»: عليهنّ.

(5) في «أ» و «م»: إهلاكهم.

(6) أبو العاص بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس بن عبد مناف، و أمّه هالة بنت خويلد-

93

فلما بعث ص فرق بينهما و بين ابنتيه فمات عتبة على الكفر و أسلم أبو العاص بعد إبانة الإسلام فردها عليه بالنكاح الأول‏ (1).

و لم يكن ص في حال من الأحوال مواليا لأهل الكفر و قد زوج من تبرأ من دينه‏ (2) و هو معاد له‏ (3) في الله عز و جل.

____________

- اخت أمّ المؤمنين خديجة (عليها السلام).

إعلام الورى: 140، أسد الغابة 5: 236.

(1) كان أبو العاص قد أبي أن يطلّق زينب بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين امره المشركون بذلك ليؤذوا به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فشكر له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك، ثمّ إنّه شهد بدرا مع الكفّار، و أسره المسلمون و بقي في الأسر حتّى بعث أهل مكّة في فداء أسراهم، فقدم في فدائه عمرو بن الربيع بمال دفعته إليه زينب بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، من ذلك قلادة لها كانت خديجة (عليها السلام) قد أدخلتها بها على ابي العاص، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إن رأيتم ان تطلقوا لها أسيرها و تردّوا عليها الذي لها فافعلوا» فقالوا: نعم. فلمّا أطلقه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) اشترط عليه أن يرسل زينب إلى المدينة، فعاد إلى مكّة و أرسلها إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة، فلهذا قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عنه: «حدّثني فصدقني، و وعدني فوفى لي». و أقام أبو العاص على شركه حتّى كان قبيل الفتح خرج بتجارة لقريش فغنمها المسلمون و أسروا بعض رجالها و فرّ أبو العاص ثمّ دخل المدينة ليلا مستجيرا بزينب، فخرجت إلى المسجد و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في صلاة الصبح فقالت: أيّها الناس قد أجرت أبا العاص ابن الربيع، ثمّ طلب الأموال ليردّها إلى أهلها، فاستأذن رسول اللّه المسلمين بردّها، فردّوها إليه فعاد إلى مكّة و أدّى إلى الناس أموالهم، ثمّ قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، و اللّه ما منعني من الإسلام إلّا خوفا أن تظنّوا بي أكل أموالكم، ثمّ قدم على رسول اللّه مسلما، فردّ عليه زينب بنكاحه الأوّل.

الاستيعاب- بهامش الإصابة 4: 525، إعلام الورى: 140، أسد الغابة 5:

237. الإصابة 4: 121، الكنى و الألقاب 1: 114.

(2) زاد في «م»: من بني أميّة.

(3) في «أ»: و قد زوّج من بني أميّة من هو يعاديه.

94

و هاتان بنتان هما اللتان تزوجهما عثمان بن عفان بعد هلاك عتبة و موت أبي العاص‏ (1) و إنما زوجه النبي ص على ظاهر الإسلام ثم إنه تغير بعد ذلك و لم يكن على النبي ص تبعه فيما يحدث في العاقبة هذا على قول بعض أصحابنا.

و على قول فريق آخر أنه زوجه‏ (2) على الظاهر و كان باطنه مستورا عنه.

و ليس بمنكر (3) أن يستر الله عن نبيه نفاق كثير من المنافقين و قد قال سبحانه‏ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ‏ (4) فلا ينكر أن يكون فيه‏ (5) أهل مكة كذلك و النكاح على الظاهر دون‏ (6) الباطن على ما بيناه‏

____________

(1) و كذا عن أبي القاسم الكوفيّ أيضا، قال: فبقيت زينب عند أبي العاص بعد ذلك مدّة يسيرة و مات عنها أبو العاص، ثمّ ماتت رقيّة عند عثمان، فخطب بعد موتها زينب فزوجها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منه.

الاستغاثة: 79.

و الذي عليه غيرهما أنّ زينب هي التي توفّيت أولا في سنة سبع و قيل ثمان للهجرة بعيد رجوع أبي العاص إليها، و بقي أبو العاص بعدها حتّى السنة الثانية عشرة للهجرة.

إعلام الورى: 140، الطبقات الكبرى 8: 34، الاستيعاب 4: 129، 312، أسد الغابة 5: 238، 468، الإصابة 4: 123، 312.

(2) في «م»: و فريق منهم على أنّه تزوّج.

(3) في «ب» و «ج» و «د»: و يمكن.

(4) التوبة 9: 101.

(5) «أن يكون في» ليس في «م».

(6) «دون» بياض في «د».

95

فصل للرسول خصوصية

و يمكن أن يكون الله تعالى قد أباحه مناكحة من ظاهره الإسلام‏ (1) و إن علم من باطنه النفاق و خصه بذلك و رخصة له فيه كما خصه في أن يجمع بين أكثر من أربع حرائر في النكاح و أباحه أن ينكح بغير مهر و لم يحظر عليه المواصلة في الصيام و لا في‏ (2) الصلاة بعد قيامه من النوم بغير وضوء و أشباه ذلك مما خص به و حظر على غيره من عامة الناس.

فهذه‏ (3) الأجوبة الثلاثة عن تزويج النبي (ع) لعثمان‏ (4) و كل واحد منها كاف بنفسه مستغن عما (5) سواه.

و الله الموفق للصواب‏

____________

(1) في «ب» و «ج» و «د»: تظاهر بالإسلام.

(2) «في الصيام و لا في» بياض في «د».

(3) في «أ» و «ب» و «ج» و «د»: في هذه.

(4) في «ب» و «ج» و «د»: و عثمان.

(5) في «م»: عن.

96

المسألة الحادية عشرة أصحاب الكبائر

ما قوله أدام الله تعالى رفعته‏ (1) في إخراج الله تعالى من ارتكب‏ (2) الكبائر من النار أو العفو عنه‏ (3) في القيامة عند المحاسبة.

و الشيخ الجليل المفيد أدام الله مدته يحتسب الأجر في إملاء مسألة كافية في هذا الباب حسب‏ (4) ما ثبت عنده عن الأئمة الهادية (ع) و يورد شبه المعتزلة فيه و يجيب عنها و يتكلم عليها بعبارته اللطيفة (5) حسب ما يحسم‏ (6) أشاغيب الخصوم في هذا الباب فقل متفضلا إن شاء الله‏ (7).

الجواب إن الذين يردون القيامة مستحقين العقاب‏ (8) و دخول النار صنفان‏

____________

(1) في «أ» و «م»: أدام اللّه توفيقه.

(2) في «أ» و «ب» و «ج» و «د»: يرتكب.

(3) في «أ» و «م»: و العفو عنهم.

(4) في «م»: على.

(5) في «م» بعبارة لطيفة.

(6) في «أ»: يحسم به، و في «د»: لهم، و في «م»: يحتسم.

(7) «فقل متفضلا» ليس في «م»، «إن شاء اللّه» ليس في «أ».

(8) في «م»: و يستحضرون العذاب.

97

أحدهما الكافر على اختلاف كفره و اختلاف أحكامهم في الدنيا (1).

و صنف أصحاب ذنوب قد ضموها إلى التوحيد (2) و معرفة الله تعالى و رسوله و الأئمة الهدى (ع) خرجوا من الدنيا من غير (3) توبة فاخترمتهم‏ (4) المنية على الحوبة (5) و كانوا قبل ذلك يسوفون التوبة و يحدثون أنفسهم بالإقلاع عن المعصية ففاتهم ذلك لاخترام المنية لهم دونه.

فهذا الصنف مرجو لهم العفو من الله تعالى و الشفاعة من رسول الله ص و من الأئمة الهدى (ع) و مخوف‏ (6) عليهم العقاب.

غير أنهم إن عوقبوا فلا بد من انقطاع عقابهم‏ (7) و نقلهم من النار إلى الجنة ليوفيهم الله تبارك و تعالى جزاء أعمالهم الحسنة الصالحة (8) التي وافوا بها الآخرة من المعارف و التوحيد و الإقرار بالنبوة و الأئمة و الأعمال الصالحات لأنه لا يجوز في حكم العدل أن يأتي العبد بطاعة و معصية فيخلد في النار بالمعصية و لا يعطى الثواب على الطاعة لأن من منع ما عليه‏

____________

(1) في «أ»: الذمّة.

(2) في «م»: أصحاب ذنوب من أهل التوحيد.

(3) في «أ» و «م»: بغير.

(4) الخرم: القطع، و اخترمته المنية: أخذته.

(5) الحوبة، بفتح الحاء المهملة و ضمّها: الإثم.

(6) في «أ» و «م»: و يتخوّف.

(7) في «د»: عذابهم.

(8) في «ب» و «ج» و «د»: جزاء أعمالهم الجنّة.

98

و استوفى ما له كان ظالما معبثا (1) و تعالى الله‏ (2) عن ذلك علوا كبيرا.

و بهذا قضت العقول و نزل الكتاب‏ (3) المسطور ثبتت الأخبار عن أئمة أهل بيت محمد (ع) و إجماع شيعتهم المحدثين‏ (4) العلماء منهم المستبصرين.

و من خالف في ذلك من منتحلي مذهب الإمامية فهو شاذ عن الطائفة (5) و خارق‏ (6) لإجماع العصابة.

و المخالف في ذلك هم المعتزلة و فرق من الخوارج و الزيدية

فصل أدلة بطلان القول بالحبط

و مما يدل على صحة ما ذكرناه في هذا الباب ما قدمنا القول في معناه في‏ (7) أن العارف الموحد يستحق بالعقول على طاعته و قربته ثواب دائما.

و قد ثبت أن معصية لا تنافي طاعاته و ذنوبه لا تضاد حسناته‏ (8)

____________

(1) في «م»: مبغيا.

(2) في «أ» و «ب» و «ج»: و اللّه تعالى، و في «د»: و اللّه يتعالى.

(3) في «ب» و «ج» و «د»: اقتضت العقول و الكتاب.

(4) في «ب» و «ج» و «د»: المحقّون.

(5) «عن الطائفة» ليس في «م».

(6) في «أ»: و مفارق، و في «م»: مفارق.

(7) (في) ليس في «أ» و «م». و في بعض النسخ: «من» بدلها.

(8) «و ذنوبه لا تضاد حسناته» ليس في «أ» و «م».

99

و استحقاقه الثواب.

و أنه لا تحابط بين المعاصي و الطاعات‏ (1) لاجتماعها من المكلف في حالة واحدة (2).

و أن استحقاق الثواب لا يضاد استحقاق العقاب إذ لو ضاده لتضاد الجمع بين المعاصي و الطاعات إذ بهما يستحق الثواب و العقاب و إذا ثبت اجتماع الطاعة و المعصية دل على استحقاق الثواب و العقاب‏ (3).

و هذا يبطل قول المعتزلة في التحابط (4) المخالف لدليل الاعتبار.

و قد قال الله عز و وجل‏ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (5).

و قال تعالى‏ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏

____________

(1) أصل الحبط في اللغة: هو أن تأكل الماشية شيئا يضرّها فتعظم بطونها فتهلك، فسمّي بطلان الأعمال بهذا لأنّه كفساد الشي‏ء بسبب ورود المفسد عليه. و حبط الأعمال عند من يقول به- من المعتزلة و من وافقهم- معناه: أنّ المعصية اللاحقة تحبط الثواب السابق، إمّا بشرط الموازنة- و هو قول أبي هاشم-، و إمّا لا بشرط الموازنة، و هو قول أبي عليّ الجبّائي.

و معنى الموازنة: أن يسقط من الاستحقاق الزائد ما يقابل الاستحقاق الناقص و يبقى الباقي، فلو كان أحد الاستحقاقين عشرة- مثلا- و الآخر خمسة، تسقط الخمسة من الزائد و تبقى خمسة. و أمّا على قول أبي عليّ فإن الاستحقاق الناقص يبطل كلّيا و يبقى الزائد.

تفسير الرازيّ 6: 38، مجمع البحرين- حبط- 4: 241.

(2) «لاجتماعها ... واحدة» ليس في «م».

(3) و على هذا القول أجمع الإماميّة، و وافقهم عليه الشافعي، و انتصر له الرازيّ في تفسيره.

انظر: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 193- 206، تجريد الاعتقاد: 303، الكشّاف للزمخشري 1: 259، تفسير الرازيّ 6: 36- 39، تفسير القرطبيّ 3: 48.

(4) في «م»: الحبط.

(5) الأنعام 6: 160.

100

لِلذَّاكِرِينَ‏ (1).

و قال تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (2).

و قال تعالى‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ (3).

و قال عز و جل‏ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لا نَصَبٌ وَ لا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَ لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏ (4).

و قال سبحانه‏ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ‏ (5).

فأخبر تعالى أنه لا يضيع أجر المحسنين و أنه يوفي العاملين أجرهم بغير حساب و أنه لا يظلم مثقال ذرة فأبطل بهذه الآيات‏ (6) دعوى المعتزلة على الله تعالى أنه يحبط الأعمال الصالحات‏ (7) أو بعضها و لا يعطي عليها أجرا.

و أبطل قولهم‏ (8) إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏.

____________

(1) هود 11: 114.

(2) النساء 4: 107.

(3) الزلزلة 99: 7- 8.

(4) التوبة 9: 120.

(5) آل عمران 3: 195.

(6) في «أ»: فبهذه الآيات تبطل.

(7) في «أ» و «م»: يحبط الأعمال بالسيّئات.

(8) «و ابطل قولهم» ليس في «م».

101

هذا مع قوله سبحانه‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ (1) فأخبر أنه لا يغفر الشرك مع عدم التوبة منه و أنه يغفر ما سواه بغير التوبة و لو لا ذلك لم يكن لتفريقه بين الشرك و ما دونه في حكم الغفران معنى معقول.

و قال تبارك و تعالى‏ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ‏ (2).

و هذا القول لا يجوز أن يكون متوجها إلى المؤمنين الذين لا تبعة بينهم و بين الله تعالى و لا متوجها إلى الكافرين الذين قد قطع الله على خلودهم في النار فلم يبق إلا أنه توجه إلى مستحق العقاب من أهل المعرفة و التوحيد.

و فيما ذكرنا أدلة يطول شرحها و الذي أثبتناه هاهنا مقنع لمن تأمله إن شاء الله.

و قد أمليت في هذا المعنى كتابا سميته الموضح في الوعد الوعيد (3) إن وصل إلى السيد الشريف الفاضل الخطير أدام الله تعالى رفعته أغناه عن غيره من الكتب في المعنى إن شاء الله تعالى‏ (4)

____________

(1) النساء 4: 48.

(2) الإسراء 17: 54.

(3) في «أ» و «م»: الوعد و الوعيد. و ذكره النجاشيّ و الطهرانيّ باسم (الموضّح في الوعيد). و لكنّ الشيخ المفيد سمّاه كما أثبتناه في رسالته في المتعة أيضا. انظر رجال النجاشيّ: 399، الذريعة 23: 267/ 8915.

(4) «رفعته ... إن شاء اللّه تعالى» ليس في «د»، و في «م» تقديم و تأخير بين ألفاظها.

102

فهرس المصادر

1- القرآن الكريم.

2- آلاء الرحمن في تفسير القرآن:

للإمام محمّد جواد البلاغي (1352 ه)- مطبعة العرفان- صيدا.

3- إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات:

للحرّ العاملي (1104 ه)- دار الكتب الإسلامية- ط 3.

4- أجوبة المسائل المهنّائيّة:

للعلّامة الحلّي (726 ه)- بالواسطة عن كتاب التحقيق في نفي التحريف.

5- الاحتجاج:

للشيخ أبي منصور الطبرسيّ (القرن السادس الهجري)- تحقيق السيّد الخرسان- مشهد 1403 ه.

6- أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم:

للمقدسي البشاري- تحقيق د. محمد مخزوم- دار إحياء التراث العربي.

7- الأخبار الطوال:

لأبي حنيفة الدينوري (282 ه)- تحقيق عبد المنعم عامر- دار إحياء الكتب العربية.

8- الاستغاثة:

لأبي القاسم الكوفيّ (352 ه)- ط 1-.