تاريخ بخارا

- محمد بن جعفر النرشخي المزيد...
194 /
55

«عاوختفر» و هو نهر عظيم للغاية، و يسمى السادس «سامجن» (1) و السابع «بيكان رود» (2) و الثامن «فراواز العليا» و هذا النهر ذو رساتيق كثيرة، و التاسع «فراواز السفلى» و يسمى كذلك «كام ديمون»، و يسمى العاشر «أروان» و الحادى عشر «كيفر» و الثانى عشر «رودزر» و هذا النهر يوجد فى رود شهر.

و لكل نهر ذكرناه رساتيق كثيرة و ماء غزير، و يروى أن كل هذه الأنهار حفرها الناس ما عدا نهر «عاوختفر» فإنه نهر طبيعى حفره ماؤه دون جهد من الأهالى هنالك. [و يسميه البخاريون الآن «رود نفر» (3)].

____________

(1) لم نعثر على هذا الاسم فى المراجع- و ورد فى معجم البلدان: «سانجن: بعد الألف الساكنة نون ساكنة أيضا و جيم مفتوحة و آخره نون، من قرى نسف [ج 5 ص 20]. و مدينة «نسف» من أهم مدن بخارى و تقع على بعد 150 كيلومترا جنوب شرق مدينة بخارى و تعرف الآن بقرشى‏(Karchi) و هى مسقط رأس علماء أجلاء (انظر تعليقنا بصفحة 63 حاشية 3).

(2) بيكان رود أو پيكان رود. بالباء الفارسية أو العربية.

( Beykan Rod, Peykan Rod )) Desm) Dict.: P. F (

(3) هذه العبارة موجودة بين قوسين [.....] فى نسخة مدرس رضوى و غير موجودة فى نسخة شيفر.

56

ذكر خراج بخارى و نواحيها

بلغ خراج بخارى ذات مرة فى أيام آل سامان و أمراء آل سامان مليونا و مائة و ثمانية و ستين ألفا و خمسمائة و ستة و ستين (566، 168، 1) درهما و خمسة دوانق و نصف دانق مع خراج «كرمينة».

و قد قل الخراج بعد ذلك فى كل ناحية (1) و غرقت بعض الضياع، فرفع السلطان الخراج عنها و عن الأماكن المغرقة أيضا. و قد آل بعضها إلى العلويين و الفقهاء فحط السلطان عنها الخراج كذلك و صار بعضها ضياعا سلطانية. و انمحى الخراج من الديوان، و ذلك كما حدث فى بيكند و كثير من الرساتيق الأخرى. و قد خرج خراج كرمينة عن عمل بخارى.

____________

(1) هذه ترجمة عبارة نص شيفر إذ يوجد بها (كم شده) أى قل، أما نص هذه العبارة فى نسخة مدرس رضوى فهى (و از بعد آن بهر طرف خراج شده) أى و بعد ذلك صار لكل ناحية خراج.

و هذا المعنى أنسب لأن الخراج المذكور كان خراج بخارى و كرمينة معا.

57

ذكر السور المسمى بسور كنپرك‏ (1)

يقول أحمد بن محمد بن نصر: إن محمد بن جعفر النرشخى لم يذكر هذا الفصل بهذا الترتيب، و لكنه ساق بعضه فى أثناء الكلام. و روى أبو الحسين النيسابورى فى خزائن العلوم أنه لما انتهت الخلافة إلى أمير المؤمنين المهدى‏ (2) أى أبى هارون الرشيد (3) و لم يكن أحد قط من خلفاء بنى العباس أورع منه، قلد إمارة خراسان كلها أبا العباس بن الفضل بن سليمان الطوسى سنة مائة و ست و ستين هجرية (782 م) و جاء هو إلى «مرو» (4) و أقام هنالك، فذهب إليه الوجوه و الأكابر و العظماء (5) و ذهب كبراء السغد (6) أيضا جملة إلى مرو للسلام على أمير

____________

(1) نص هذا العنوان فى نسخة مدرس رضوى: «ذكر ديوار بخارا كه مردمان آنرا ديوار كنپرك كويند» أى ذكر سور بخارى الذى يسميه الناس سور كنپرك.

(2) هو محمد المهدى بن المنصور بن محمد بن على بن عبد اللّه بن العباس- ثالث خلفاء العباسيين ولد سنة 127 ه (744 م.) و تولى الخلافة سنة 158 ه (774 م) و توفى سنة 169 ه (785 م).

(3) هارون الرشيد بن محمد المهدى السالف الذكر. خامس خلفاء العباسيين ولد سنة 148 ه (765 م) و تولى الخلافة سنة 170 ه (786 م) بعد أخيه موسى الهادى و توفى بطوس سنة 193 ه (808 م).

(4) مرو(Meru) : عاصمة من عواصم خراسان القديمة على نهر مرغاب‏(Morghab) و هى من أقدم المدن فى آسيا الوسطى، تقع على بعد 265 كيلومترا شمال شرق مشهد و 350 كيلومترا شمال هراة و 425 كيلومتر شرقى بلخ و 320 كيلومترا جنوب غرب بخارى و 435 كيلومترا جنوب شرق مدينة خيوه. و هى مدينة قديمة جاء ذكرها فى «زند آوستا» كما قام بتوسيعها و إعمارها الإسكندر المقدونى و أخلافه و سماها جغرافيو اليونان «مرغيابى» و يبدو أن هذا الاسم مركب من اسمى «مرو» و. «مرغاب» و تعرف أيضا ب «مرو شاهجهان». و هى مسقط رأس علماء و مشاهير كثيرين يلقبون بالمروزى نسبة إليها منهم الإمام أحمد بن حنبل و سفيان بن سعيد الثورى المحدث و غيرهما. [ش. سامى: قاموس الأعلام ج 6 ص 4267].

(5) ترجمة عبارة مدرس رضوى: فذهب إليه وجوه و أكابر و عظماء بخارى.

(6) السغد (الصغد): بضم أوله و سكون ثانيه و آخره دال مهملة، ناحية كثيرة المياه نضرة الأشجار متجاوبة الأطيار مونقة الرياض و الأزهار ملتفة الأغصان خضرة الجنان تمتد مسيرة خمسة أيام لا تقع الشمس على كثير من أراضيها و لا تبين القرى من خلال أشجارها و فيها قرى كثيرة بين بخارى و سمرقند و قصبتها سمرقند، و ربما قيلت بالصاد [الصغد]. [ياقوت، معحم البلدان ج 5 ص 86].

58

خراسان، و سألهم عن حال ولاياتهم، فقال أهل بخارى:

نحن فى نصب من كفرة الترك إذ أنهم يجيئون كل وقت فجأة و يغيرون على القرى، و قد جاءوا الآن من جديد و أغاروا على قرية «سامدون» و حملوا المسلمين أسارى.

فقال أبو العباس الطوسى: هل لكم من تدبير فأجريه؟

و كان هناك يزيد بن غورك ملك السغد فقال: أطال اللّه بقاء أمير خراسان، كان الترك فى سالف الأزمان فى الجاهلية يغيرون على ولاية السغد و كان بالسغد ملكة، فسورت السغد و أمنت ولاية السغد الأتراك. فأمر أبو العباس الطوسى المهتدى بن حماد بن عمرو الذهلى أمير بخارى من قبله أن يسور بخارى بحيث تكون جميع رساتيق بخارى داخل السور مثل سمرقند حتى لا تصل أيدى الأتراك إلى ولاية بخارى. فأمر المهتدى بن حماد هذا بأن يضرب هذا السور و توضع البوابات‏ (1) و أن يقام فى كل نصف ميل برج محكم.

و قد قام سعد بن خلف البخارى قاضى بخارى بهذا العمل حتى تم فى أيام محمد بن منصور بن هلجد بن ورق‏ (2) فى سنة 215 ه (830 م)، و كان كل أمير بعد ذلك يعمره و يحافظ عليه. و تحمل أهل بخارى مؤنة و نفقات طائلة، إذ كان يلزم فى كل عام كثير من الأموال و المسخرين حتى كان عصر الأمير إسماعيل السامانى (رحمه اللّه)، فأطلق سراح الخلق إلى أن تخرب ذلك السور و قال:

مادمت حيّا فأنا سور لبخارى، و قام بما تعهد به و كان يحارب دائما بشخصه و لم يدع الأعداء يظفرون ببخارى.

____________

(1) و توضع الأبواب فى كل فرسخ (نسخة مدرس رضوى).

(2) فى نسخة مدرس رضوى: محمد [بن يحيى بن عبد اللّه‏] بن منصور بن هلجد بن ورق.

59

ذكر ربض بخارى‏

تقدم أهل بخارى إلى أمير خراسان محمد بن عبد اللّه بن طلحة الطاهرين‏ (1) بواسطة أحمد بن خالد أمير بخارى قائلين: إنه يلزم لبلدنا ربض لنغلق الأبواب ليلا و نأمن اللصوص و قطاع الطريق. فأمر فبنوا ربضا فى غاية الجودة و الإحكام و أقاموا الأبراج و وضعوا الأبواب. و تم ذلك عام مائتين و خمسة و ثلاثين هجرية (849 م). و كان هذا الربض يعمّر من جديد كلما قصد عسكر بخارى.

و قد أمر أرسلان خان فى عهده بأن يبنى أمام ذلك الربض القديم ربض آخر بحيث أصبح كلاهما متصلا و محكما. و قد تخرب ذلك أيضا. و فى شهور سنة ستين و خمسمائة (1164 م) أمر الخاقان العادل العالم ركن الدنيا و الدين مسعود قلج طمغاج خان‏ (2) نور اللّه مضجعه فضربوا ربضا خارج الربض القديم و تخرب أيضا. و فى شهور سنة ستين و أربعمائة (3) (1067 م) استولى خوارزمشاه محمد بن السلطان تكش‏ (4)

____________

(1) هكذا فى نسختى شيفر و مدرس رضوى- و هو محمد بن طاهر بن عبد اللّه بن طلحة الطاهرى تولى الحكم بعد أبيه طاهر فى رجب 248 ه. (852 م.) و قتله عمرو بن الليث فى شوال 283 ه.

(896 م.).

(2) هو ركن الدين مسعود بن قلج بن طمغاج من ملوك آل أفراسياب فى ما وراء النهر تولى الحكم بعد أحمد خان و حكم بين 492- 496 ه. (1098- 1102 م.) و الظاهر أن بالنسخة خطأ أو سهوا فى تاريخ أمره بضرب ربض بخارى و هو كما ورد فى النسختين 560 ه

(3) فى نسخة مدرس رضوى سنة ستين و خمسمائة و أشير فى الحاشية إلى أن هذا التاريخ فى نسختى د، ت «ستين و أربع و خمسمائة» و مذكور بالكتاب فى ذكر بناء قلعة بخارى ص 25 أن خوارزمشاه محمد بن نكش استولى على بخارى سنة 604 ه (1207 م) و عمر القلعة ثانيا و قهر الختا.

(4) هو قطب الدين محمد بن تكش (تكين) و قد تولى فى 19 رمضان سنة 596 ه. (1199 م).

و هذا أيضا يدل على وقوع خطأ أو سهو فى التاريخ المذكور. و تسلسل ملوك الخوارزمشاهية و تواريخ توليهم كمايلى: 1- قطب الدين محمد بن أنوشتكين 491 ه (1097 م)، 2- أتسز بن قطب الدين 521 ه (1127 م.). 3- أيل أرسلان بن أتسز 551 ه. (1156 م). 4- سلطان شاه بن أيل أرسلان 558 ه (1162 م). 5- علاء الدين بن تكين بن أيل أرسلان 589 ه. (1193 م). 6- قطب الدين محمد الثانى بن تكين 596 ه. (1199 م.)- 7. جلال الدين بن قطب الدين 617 ه.

(1220 م.). (ش. سامى: قراموس الأعلام ج 3).

60

على بخارى و أمر ببناء ربض و فصيل‏ (1) و جدد كلاهما. [و فى سنة ست عشرة و ستمائة (1219 م) جاء عسكر التتار و استولى على المدينة و تخرب ثانيا] (2).

____________

(1) الفصيل حائط قصير أقل من الحصن و السور، ج فصلان [المعجم الوسيط].

(2) هذه العبارة التى وضعناها بين قوسين [...] أضيفت فيما بعد و ذلك بدليل أن محمد بن زفر لخص الترجمة سنة 574 ه (1174 م) و غزو التتار لبخارى كان سنة 616 ه (1219 م) كما هو مذكور هنا.

61

ذكر ضرب الدرهم و الفضة ببخارى‏

أول من ضرب الفضة ببخارى ملك كان اسمه «كانا بخار خداة» و كان ملكا على بخارى ثلاثين عاما، و كان يتاجر فى بخارى بالكرباس و القمح، فأخبروه بأنهم ضربوا الفضة بالولايات الأخرى، فأمر أيضا بأن تضرب النقود الفضية ببخاى من خالص الفضة و أن تنقش عليها صورته بالتاج و كان هذا فى زمان خلافة أمير المؤمنين أبى بكر الصديق‏ (1) رضى اللّه تعالى عنه. إلى أن كان عصر هارون الرشيد (2) فصار غطريف بن عطا أمير خراسان فى شهر رمضان سنة مائة و خمس و ثمانين (801 م). و كان غطريف هذا أخا لأم هارون الرشيد المسماة بالخيزران‏ (3) و هى ابنة عطا ملك اليمن من بلد يقال لها جرش‏ (4) و كانت قد أسرت فى طبرستان‏ (5) و أتوا بها من هنالك إلى المهدى‏ (6). فرزق المهدى منها بولدين أحدهما موسى الهادى و الآخر هارون الرشيد. و لما عظم أمر الخيزران جاء غطريف هذا إليها من اليمن و أقام معها فأعطاه هارون الرشيد خراسان. و فى ذلك التاريخ كانت‏

____________

(1) أبو بكر الصديق- عبد اللّه بن أبى قحافة: أول الخلفاء الراشدين 10- 13 ه/ 632- 634 م).

(2) 149- 193 ه (766- 809 م).

(3) زوجة المهدى العباسى، توفيت ببغداد سنة 173 ه (789 م) و كانت ملكة حازمة متفقهة، حزن عليها ابنها هارون الرشيد شديد الحزن و مشى فى جنازتها حافيا و عليه طيلسان أزرق و قد شد وسطه بحزام إلى أن صلى عليها و وضعها فى قبرها بمدافن قريش ثم تصدق عليها بمال عظيم، [الأعلام للزركلى ج 2 ص 375- 376].

(4) جرش- بالضم ثم الفتح و شين معجمة من مخاليف اليمن من جهة مكة [معجم البلدان ج 5 ص 85] و المخلاف الكورة و هى كالمديرية فى اصطلاح مصر الإدارى.

(5) طبرستان- بفتح أوله و ثانيه و كسر الراء [معجم البلدان ج 6 ص 17- 22].

و تعرف اليوم بمازندران‏(Desmaisons :Dict .Persan -Francais ,v .II ,p .635)

(6) المهدى- هو الخليفة محمد بن أبى جعفر المنصور بن محمد بن على بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب ثالث خلفاء بنى العباس، (158- 169 ه/ 775- 785 م).

62

فضة خوارزم‏ (1) قد راجت بأيدى الناس. و كان الناس يأخذون هذه الفضة عن غير رضا، و كانت فضة بخارى تلك قد خرجت من أيدى الناس فلما جاء غطريف ابن عطا إلى خراسان ذهب إليه أشراف و أعيان بخارى و قالوا له‏ (2):

لم تبق لنا فضة بالمدينة فليأمر أمير خراسان بأن تضرب لنا نفس السكة على نحو ما كانت فضة بخارى قديما، و ينبغى أن تكون الفضة بحيث لا يخرجها أحد من أيدينا و لا تخرج من بلدنا حتى نتعامل بها فيما بيننا، و كانت الفضة عزيزة فى ذلك التاريخ، فجمعوا أهل المدينة و طلبوا رأيهم فى هذا الأمر فاتفقوا على أن تضرب العملة الفضية من ستة أشياء هى الذهب و الفضة و المسك‏ (3) و القصدير و الحديد و النحاس، ففعلوا هكذا، و ضربوا تلك السكة القديمة باسم غطريف، أى الفضة الغطريفية.

و كان عامة الناس يسمونها غدريفى. و كانت النقود الفضية القديمة من خالص الفضة. و هذه الفضة التى ضربوها أخلاطا، جاءت سوداء فلم يأخذها أهل بخارى، فغضب عليهم السلطان، فكانوا يأخذونها مكرهين. و قوموا الستة دراهم الغدريفية بدرهم واحد من الفضة الخالصة و أخذ السلطان بهذه القيمة حتى راجت، و لهذا السبب ارتفع خراج بخارى لأن خراج بخارى قديما كان مائتى ألف درهم من الفضة إلا قليلا.

____________

(1) خوارزم‏(Kharezm) أوله بين الفتحة و الضمة و الألف مسترقة مختلسة ليست بألف صحيحة (خارزم) [معجم البلدان ج 3 ص 474]، أقدم إيالة فى آسيا الوسطى يرجع تاريخها السياسى إلى أقدم العصور قبل الميلاد، و هى منشأ الدولة الخوارزمشاهية التى قضى عليها چنكيز خان و أصبحت تابعة لخانات آلتون أوردو، حوالى 150 سنة. و فى أوائل القرن السادس عشر الميلادى وقعت خوارزم تحت حكم الشيبانيين ثم الفرس و منذ سنة 1558 م (966 ه.) عرفت أولا باسم عاصمتها «قيات» ثم «أوركنج» ثم «خيوه» إلى أن ألحقت بالاتحاد السوفييتى و وزعت بين جمهوريتين هما أوزبيكستان و تركمنستان السوفييتيتين و ذلك بعد هجوم الروس و خلعهم أميرها (خان خيوه) السيد عبد اللّه خان بهادر سنة 1924 م.

(1343 ه.)(Larousse de XXe .Siecle ,V .IV ,p .342)

(2) الترجمة اللفظية: و طلبوا منه.

(3) هكذا فى الأصل.

63

فلما ضربوا الغدريفى و راج الدرهم الفضى المقوم بستة دراهم غدريفية، ألزمهم السلطان أداء الخراج بهذا الغدريفى، فلما عز الغدريفى حتى صار كل درهم منه يعادل درهما من الفضة و لم يطلب‏ (1) السلطان الفضة، و طلب الغدريفى ارتفع خراج بخارى دفعة من مائتى ألف درهم إلا قليلا إلى مليون و ثمانية و ستين ألفا و خمسمائة و سبعة و ستين (567 و 068، 1) درهما غدريفيّا. و قد روى محمد بن جعفر أنه فى سنة كان المائتان و العشرون درهما من الفضة الخالصة تعادل خمسة و ثمانين درهما غدريفيّا. و يقول أحمد بن نصر إنه فى سنة اثنتين و عشرين (أى 522 ه- 1128 م) حيث ترجمنا هذا الكتاب، كان المائة درهم من الفضة الخالصة بسبعين درهما غدريفيّا، و الذهب الأحمر (2) كان المثقال منه بسبعة دراهم و نصف درهم غدريفية.

و قد حكى محمد بن جعفر أن هذا الغدريفى ضرب بقصر ماخك‏ (3) فى مدينة بخارى و كانت الفضة فى الدرهم الغدريفى أكثر من الأخلاط الأخرى، و قيل إنه كان فى كل درهم قدر (4) من الذهب، و يوجد فى كل عشرة دراهم من نصف درهم إلى أربعة دوانق و نصف دانق‏ (5) ذهب. و قد ضرب كل من آل سامان و الملوك الآخرين بعدهم فى بخارى كثيرا من الپشيزات العدلية (6)، و لم يذكر ذلك لأنه لم يكن فيه غرابة.

____________

(1) فى نسخة شيفر: بخواست أى طلب، و فى نسخة مدرس رضوى: نخواست أى لم يطلب، و هذا ما يتمشى مع السياق فأخذنا به فى الترجمة.

(2) فى نسخة شيفر: در شرع، أى فى الشرع. و فى نسخة مدرس رضوى: زر سرخ، أى الذهب الأحمر و هذا هو الأرجح.

(3) فى نسخة دانشكده معقول و منقول (كلية المعقول و المنقول) بطهران: ماخ.

(4) فى نسخة شيفر: يك چند: أى قدر- و فى نسخة رضوى: يك حبة: أى حبة. و الجملة التالية ترجح «قدر» بدون تحديد للوزن بالحبة.

(5) وزن يعادل ثمانى حبات. سدس وحدة كاملة، و يقال «شش دانك» أى ستة دوانق للوحدة الكاملة التى تعادل درهما واحدا. و دانق أيضا يعادل 4/ 1 مثقال.

( Desmaisons. Dict. Persan- Francais, v. I, P. 368 )

(6) جمع پشيز- و هو عملة صغيرة و رقيقة من النحاس الأحمر. (نفس المرجع).

64

ذكر ابتداء فتح بخارى‏

روى محمد بن جعفر: أنه حين أرسل معاوية عبيد اللّه بن زياد إلى خراسان عبر نهر جيحون و جاء إلى بخارى. و كانت ملكة بخارى سيدة [خاتون‏] لأن ابنها «طغشاده» كان صغيرا. ففتح عبيد اللّه بن زياد «بيكند» و «رامتين» و استرق كثيرين و أخذ أربعة آلاف من رقيق بخارى لنفسه، و كان هذا فى آخر سنة ثلاث و خمسين و أول سنة أربع و خمسين (672/ 673 م). فلما وصل إلى مدينة بخارى صف الصفوف و أقام المنجنيقات. فأرسلت الخاتون شخصا إلى الترك و طلبت منهم العون. و أوفدت شخصا إلى عبيد اللّه بن زياد و طلبت سبعة أيام مهلة و قالت إنى فى طاعتك و أرسلت إليه هدايا كثيرة. فلما لم يصل المدد فى هذه الأيام السبعة، أرسلت إليه الهدايا مرة ثانية و طلبت مدة سبعة أيام أخرى. فوصل عسكر الترك و تجمع آخرون و صار جيش عظيم، و خاضوا معارك كثيرة و هزم الكفار أخيرا و تعقبهم المسلمون و قتلوا كثيرين، و دخلت الخاتون القلعة و عاد أولئك العسكر (أى عسكر الترك) إلى ولاياتهم، و آخذوا (آى عسكر المسلمين) سلاحا و ثيابا و أدوات ذهبية و فضية و رقيقا و واحدة من خفى الخاتون مع جورب. و كان الجورب و الخف من الذهب المرصع بالجواهر. فلما قوموهما بلغا مائتى ألف درهم. و أمر عبيد اللّه ابن زياد بقطع الأشجار و تخريب الديار و تعرضت المدينة للخطر أيضا. فأرسلت الخاتون شخصا و طلبت الأمان، و تم الصلح على مليون درهم و أرسلت المال و أخذ (أى عبيد اللّه بن زياد) المال و عاد و معه تلك الأربعة آلاف من الرقيق. فلما عزل من إمارة خراسان فى سنة ست و خمسين (675 م) و صار سعيد بن عثمان‏ (1) أمير خراسان، عبر جيحون و جاء إلى بخارى. فأرسلت الخاتون شخصا و قالت: أنا على ذلك الصلح الذى عقدته مع عبيد اللّه بن زياد، و أرسلت بعض ذلك المال.

____________

(1) انظر تعليقنا عليه، حاشية 3 ص 665.

65

فإذا بعسكر السغد (1) و كش‏ (2) و تخشب‏ (3) قد وصلوا، و كان عددهم مائة و عشرين ألف رجل؛ فندمت الخاتون على الصلح و ما كانت أرسلته. فقال سعيد: أنا عند قولى، ورد المال و قال: لا صلح لنا. و عندئذ تجمع العسكر و وقفوا وجها لوجه و اصطفوا، فألقى اللّه تعالى الرعب فى قلوب الكافرين حتى عاد كل عسكر الكفار هؤلاء دون حرب، و بقيت الخاتون وحدها؛ فأرسلت مرة أخرى شخصا و طلبت الصلح و زادت المال و أرسلته جميعا. فقال سعيد: أنا الآن ذاهب إلى السغد و سمرقند و أنت على طريقى فيجب أخذ رهن منك حتى لا تأخذى على الطريق و لا تضايقينى، فأعطت الخاتون ثمانين شخصا من أمراء و دهاقين بخارى رهائن لسعيد. فرجع سعيد عن باب بخارى و مضى لطيته. و قد حكى أن هذه الخاتون كانت تعشق أحد غلمان زوجها و كان الناس يقولون إن طغشاده ابنها من ذلك الرجل، و أنها ألحقت نسب هذا الولد بزوجها و أن هذا الولد ليس من صلب بخار خداة. و قال جماعة من عسكرها نعطى ملكها هذا لابن آخر لخداة، يكون بلا شك ابن الملك. و علمت الخاتون بقصدهم هذا و أخذت تدبر لدفعهم عنها، فلما تم هذا الصلح مع سعيد و طلب منها رهنا احتالت الخاتون و أعطته هؤلاء القوم الذين كانوا قد دبروا هذه الفكرة رهائن، فتخلصت منهم و من سعيد كذلك. و يحكى أنه لما عقد سعيد الصلح مع الخاتون قال لها: يجب أن تخرجى للسلام علىّ، ففعلت الخاتون كذلك و خرجت للسلام عليه، فقال يجب أن تخرجى للسلام على كبرائى أيضا، فخرجت الخاتون للسلام على كل واحد من وجوه عسكره، و كان عبد اللّه بن حازم‏ (4) أحد

____________

(1) انظر تعليقنا بصفحة 55 حاشية 6.

(2) كش‏(Kasch) و تعرف الآن باسم «شهر سبز» أى المدينة الخضراء، مدينة بالتركستان قرب نخشب.(Desmaisons :v .3 ,p .33)

(3) نخشب بالفتح ثم السكون و شين معجمة مفتوحة و باء موحدة: مدينة بما وراء النهر و هو اسم ثان لمدينة «نسف» تعرف اليوم باسم «قرشى» و هى مسقط رأس علماء كثيرين منهم نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد النسفى المتوفى سنة 357 ه/ 967 م. صاحب العقائد النسفية، و أبو البركات حافظ الدين عبد اللّه بن أحمد النسفى من مشاهير لفقهاء المتوفى سنة 710 ه. (1310 م) صاحب كتاب الوافى و شرحه الكافى و كذا كنز الدقائق. [انظر معجم البلدان ج 8 ص 373].

(4) فى نسخة مدرس رضوى خازم بالخاء المعجمة.

66

وجوه عسكره، فأمر بإيقاد نار عظيمة فى خيمته، و كان واقفا و الجو فى غاية الحرارة، و كان عبد اللّه هذا رجلا أحمر، و قد احمرت عيناه من وهج النار أيضا، و كان رأسه من الكبر بحيث كانوا يشبهونه باليغارية (1)، و كان رجلا مهيبا فحمل السلاح و سلّ السيف و جلس، فلما دنت منه الخاتون فزعت منه، و فرت مسرعة و هى تقول: بيت-

لقد أحسن اللّه زينتك أيها الغلام ... جنبت عين السوء حتى لا تخالطك‏ (2)

حكاية: و يقول سليمان الليثى أيضا: إنه لما صالح سعيد الخاتون مرض ببخارى:

فجاءت الخاتون أيضا لعيادته و كان معها كيس مملوء بالذهب فأدخلت يدها فى الكيس و أخرجت منه شيئين و قالت: إننى أحتفظ لنفسى بواحدة لآكلها إذا مرضت، و أعطيك هذه الأخرى لتأكلها و تطيب، فتعجب سعيد قائلا: ما هذا الذى تقدمه الخاتون بهذا الإعزاز و الإعظام؟ فلما خرجت الخاتون نظر سعيد، فكانت تمرة تقادم عهدها، فأمر قومه فحملوا خمسة جمال بالتمر الطازج و حملوه إلى الخاتون، ففتحت الجوالات و رأت تمرا كثيرا، ففتحت الكيس و أخرجت تمرتها تلك و قابلتها بذلك التمر، فكان كالتى معها، فجاءت معتذرة و قالت ليس لدينا كثير من هذا الجنس و قد احتفظت بهاتين التمرتين سنوات طويلة من أجل المرض.

و حكى أن هذه الخاتون كانت امرأة حسناء و جميلة فعشقها سعيد، و لأهل بخارى فى هذا المعنى أغان كثيرة باللغة البخارية.

رواية: حكى أنه حين جاء سعيد إلى بخارى أتى قثم بن العباس رضى اللّه عنه‏ (3)

____________

(1) لعلها جمع أويغور، و الأويغور قبيلة تركية كانت منتشرة فى ماوراء النهر و كانت لهم حضارة و هم أول من كتب التركية. [شمس الدين سامى: قاموس الأعلام‏].

(2) خوبت آراست أى غلام ايزد .. چشم بد دور چه نياميزود.

(3) قثم بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشى الهاشمى- ابن عم الرسول عليه الصلاة و السلام كان فى عهد أمير المؤمنين على بن أبى طالب والى مكة، و برواية المدينة، و قصد سمرقند بصحبة سعيد بن عثمان بن عفان فى زمن معاوية حيث استشهد- و يروى أنه رضى اللّه عنه كان كثير الشبه بالنبى (عليه السلام) و يعرف ببخارى و فرغانه و بلاد تركستان باسم «شاه زنده» و له مزار بسمرقند يعرف بمزار «شاه زنده» أى السلطان الحى. [ش. سامى: قاموس الأعلام ج 5 ص 3602].

توفى رضى اللّه عنه سنة 159 ه (776 م) (الزركلى: الأعلام ص 29 ج 6).

67

قبر قم بن عباس (شاه زنده) ببخارى‏

68

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

69

إلى بخارى، فأكرمه سعيد، و قال: إننى أعطى كل شخص من هذه الغنيمة سهما و لك ألف سهم. فقال قثم رضى اللّه عنه: لا أريد غير سهم كحكم الشريعة، و بعد ذلك ذهب قثم رضى اللّه عنه إلى مرو و توفى هنالك، و قال بعضهم إنه توفى بسمرقند.

و اللّه أعلم.

و لما فرغ سعيد من أمر بخارى، ذهب إلى سمرقند و السغد و قام بحروب كثيرة، و كان النصر حليفه، و لم يكن بسمرقند يومذاك ملك، و أخذ من سمرقند ثلاثين ألفا من الرقيق و أموالا طائلة. فلما وصل إلى بخارى أرسلت الخاتون شخصا و قالت:

ما دمت قد عدت بالسلامة فاعطنا تلك الرهائن. فقال إننى لم آمنك بعد؛ فلتبق الرهائن حتى أعبر جيحون، فلما عبر جيحون أرسلت إليه ثانيا شخصا فقال: انتظرى حتى أصل إلى مرو، فلما وصل إلى مرو قال: انتظرى حتى أصل إلى نيسابور (1) فلما وصل نيسابور قال حتى أصل إلى الكوفة و من هنالك إلى المدينة. فلما وصل المدينة أمر الغلمان فحلوا السيوف و المناطق عنهم و أخذوا كل ما كان معهم من ثياب ديباج و ذهب و فضة جميعا، و أعطوهم الأكلمة (2) عوضا عنها و شغلوهم بالفلاحة. فضاقوا غاية الضيق و قالوا: أى هوان بقى لدى هذا الرجل لم يعاملنا به، لقد أخذنا أرقاء، و يكلفنا بالأعمال الشاقة، و ما دمنا سنهلك فى الهوان فلا أقل من أن نهلك بفائدة، فدخلوا بيت سعيد (3) و غلقوا الأبواب و قتلوه و أسلموا أنفسهم للقتل كذلك. و كان ذلك فى خلافة يزيد بن معاوية. و صار مسلم بن زياد بن أبيه‏ (4) أمير خراسان. و جاء إلى خراسان و من هناك كوّن جيشا و وصل إلى بخارى،

____________

(1) لمعرفة موقعها انظر حاشية 5 ص 96.

(2) جمع كليم معرب «كليم‏galim » الفارسية و هو نوع من البسط الصوفية الرخيصة. و يتخذ القرويون و الرعاة ببلاد خراسان من هذا الكليم ثيابا خشنة تقابل ما يعرف فى عامية القرى و أهل الصعيد بالبشت.

(3) سعيد بن عثمان بن عفان الأموى القرشى، توفى نحو سنة 62 ه (682 م) وال من الفاتحين نشأ فى المدينة و بعد مقتل أبيه و فد على معاوية فولاه خراسان سنة 56 ه (675 م.)، ففتح سمرقند و أصيبت عينه بها و عزل عن خراسان سنة 57 ه (676 م.)، و لما مات معاوية انصرف إلى المدينة فقتله أعلاج كان قدم بهم من سمرقند (خ. الزركلى: الأعلام ج 3 ص 151).

(4) مسلم بن زياد بن أبيه: يقال إن أباه أخ غير شرعى لمعاوية بن أبى سفيان و كان من سيوف الدولة الأموية و كبار ولاتها. و يعرف بزياد بن سميه كذلك، توفى سنة 35 ه (655 م.).

70

فرأت الخاتون ذلك الجيش و المعدات و عرفت أن بخارى لا تستطيع مقاومته، فأرسلت إلى طرخون ملك السغد و قالت: إننى أكون زوجة لك و تكون بخارى بلدك، و يجب أن تأتى و تكف يد العرب عن هذا الملك، فجاء طرخون فى مائة و عشرين ألف رجل، و جاء بيدون أيضا من التركستان مع عسكر كثير (1) و كانت الخاتون قد عقدت صلحا مع مسلم و فتحت الأبواب و أبواب القصر الخارجى أيضا. فوصل بيدون و نزل على الضفة الأخرى لنهر خرقان (خرقان رود)، فأخبروا مسلم بأن بيدون وصل، و أن الخاتون بايعته و أغلقوا أبواب المدينة. فبعث مسلم بن زياد بشخص إلى المهلب و قال: قل له يذهب و يرى هذا العسكر ما مقداره، و أن يعد ما يلزم للاستطلاع.

فأجاب المهلب‏ (2): لا يوفد مثلى فى هذه المهمة، أنا رجل مشهور، فأرسل شخصا إذا عاد سالما يخبرك الخبر اليقين و إذا هلك لا تظهر الهزيمة فى جيشك.

فقال مسلم لا بد و أن تذهب. فقال المهلب إذا كان و لا بد من ذهابى فأرسل معى رجلا من كل لواء و لا تخبر أحدا بذهابى، ففعل كذلك و أرسل معه ابن عمه؛ و ذهبوا معه ليلا، فاستطلعوا دون أن يعرف جيش العدو، فلما طلع النهار أدى مسلم بن زياد صلاة الفجر و التفت إلى الناس و قال: لقد أرسلت المهلب ليلة أمس للاستطلاع، ففشا الخبر فى العسكر و سمع العرب و قالوا: إنه أرسل المهلب ليصيب من الغنيمة أكثر منا و لو كانت الحرب قائمة لأرسلنا معه، فأسرع جمع بالركوب، و ذهبوا إثر المهلب حتى ضفة النهر، فلما أبصرهم المهلب قال: أخطأتم إذ قدمتم، كنت مستخفيا وها هم يأتون علانية و الآن يأخذ الكفار الجميع.

و أحصى المهلب المسلمين فكانوا تسعمائة، فقال: و اللّه لتندمنّ على ما فعلتم‏

____________

(1) فى نسخة شيفر: بيامد با اين لشكر، أى جاء مع هذا العسكر؛ و فى نسخة مدرس رضوى:

بالشكر بسيار بيامد: أى جاء بعسكر كثير. و هذه العبارة أنسب لتمشيها مع السياق فأخذنا بها.

(2) أبو سعيد المهلب بن أبى صفرة ظالم بن سراق الأزدى العتكى (7- 83 ه- 628- 702 م) أمير، بطاش، جواد، قال فيه عبد اللّه بن الزبير «هذا سيد أهل العراق»، ولد فى دبا و قدم المدينة مع أبيه فى أيام عمر و ولى إمارة البصرة لمصعب بن الزبير و فقئت عينه بسمرقند. ولاه عبد الملك بن مروان ولاية خراسان فقدمها سنة 79 ه (698 م) و مات بها (الزركلى: الأعلام ج 8 ص 260).

71

و عندئذ اصطفوا ورآهم طلائع عسكر بيدون فأسرع المسلمون بنفخ البوق و ركبوا جميعا فى آن واحد و اصطفوا، و حمل عليهم ملك الترك و عجز العرب. فقال المهلب:

لقد علمت أن هذا سيحدث، فقالوا و ما التدبير؟ قال: أسرعوا، فعادوا و أدركهم بيدون و قتل أربعمائة من المسلمين و فر الباقون حتى المعسكر، و طلع فجر اليوم التالى و عبر بيدون النهر و جاء إلى أمير ختن‏ (1) حيث كان بينهما نصف فرسخ، و نشبت المعركة، فتقدم المهلب و اشتدت الحرب و حمل الكفار و أحاطوا به، فصاح المهلب: أدركونى! فذهل مسلم و قال: هذه صيحة المهلب. و كان عبد اللّه ابن خودان آنذاك ماثلا أمام مسلم صامتا، فقال مسلم: ماذا حدث حتى لا تتكلم؟

فقال: و اللّه لو لم يخش المهلب الهلاك لما صاح، فلأركب و أعمل ما علىّ فإذا هلكت فإنى راض، و كان المهلب يصيح عند كل هزيمة. فقال مسلم: اصبروا ساعة.

و فى أثناء هذا طلب مسلم الخوان و أكل، فقال عبد اللّه خودان: أى وقت طعام هذا؟ أشبعك اللّه! .. لقد هلكت دون أن تدرى و لم تكن رجل حرب. فقال مسلم و ما التدبير الآن؟ قال: مر الفرسان أن يترجلوا و يذهبوا إلى ساحة الوغا، ففعلوا كذلك. و أسرع عبد اللّه بن خودان إلى المهلب، فكان المهلب فى ورطة شديدة، فقال انظروا خلفكم، فلما نظروا رأوا الرجال يأتون لنجدتهم فتشجعوا و أخذوا فى الوثوب و اشتدوا فى الحرب. و قتل بيدون فى أثناء ذلك فكبر المسلمون و انهزم الكفار كلية. و كان المسلمون يتعقبونهم و يقتلونهم حتى قضوا عليهم و أخذوا غنائم كثيرة و قسموها فى ذلك اليوم. فأصاب كل فارس ألفين و أربعمائة درهم.

فأرسلت الخاتون شخصا و طلبت الصلح فصالحها مسلم و أخذ أموالا عظيمة. فقالت‏

____________

(1) ختن: مدينة قديمة و مشهورة بالمسك و الجمال فى التركستان الشرقية، تقع على بعد 300 كيلومتر جنوب شرقى ياركند على ضفاف نهر ختن من روافد نهر تاريم. جميع أهاليها أتراك مسلمون كانت لها أهمية تجارية كبرى فى قديم الزمان لوقوعها فى طريق تجارى بين الصين و مدن آسيا الغربية و ظلت حينا إمارة مستقلة و حينا آخر تحت حكم الصين و فى عام 1290 ه (1873 م.) انضمت إلى إمارة التركستان الشرقية التى حررها من الحكم الصينى أتالق الغازى يعقوب بك، ثم استولى عليها الصينيون ثانية بعد أن استولوا على مدينة كاشغر، و لم تزل تحت حكمهم للآن كجزء من التركستان الشرقية المعروفة أيضا بالتركستان الصينية.

72

الخاتون: إنى أطلب إليك أن ترينى عبد اللّه بن حازم‏ (1) كما هو، فإنى، رأيته مرة و أغمى علىّ، و يبدو لى أنه ليس بآدمى. فاستدعى مسلم عبد اللّه بن حازم إلى مضيفته و أراه للخاتون. و كان يرتدى جبة خز زرقاء و عمامة حمراء، فلما رأته الخاتون سجدت و أرسلت إليه الهدايا إعجابا. و عاد مسلم مظفرا بغنائم كثيرة و ذهب إلى خراسان.

____________

(1) فى نسخة مدرس رضوى: خازم بالخاء المعجمة.

73

ذكر ولاية قتيبة بن مسلم و فتح بخارى و قسمة ما وراء النهر بين العرب و العجم‏

لما صار قتيبة بن مسلم‏ (1) أمير خراسان من قبل الحجاج‏ (2) جاء إليها و أخضع خراسان كلها، و تم على يديه فتح طخارستان‏ (3) و عبر جيحون سنة ثمان و ثمانين (706 م) و علم أهل بيكند (4) بذلك فحصنوا المدينة و كانت فى غاية المنعة. و كانوا يسمون بيكند قديما شارستان (أى المدينة الكبيرة) و سموها «شارستان روئين» أى المدينة الصفرية لاستحكامها. و خاض قتيبة حروبا عنيفة جدّا، و قد عانى المسلمون العجز مدة خمسين يوما و عاينوا المشاق و أعملوا الحيلة، و حفر قوم أسفل الجدار و البرج و نفذوا إلى حظيرة للدواب داخل السور و حفروا الجدار و أحدثوا ثغرة، و لم يكن المسلمون قد وصلوا إلى السور و نفذوا من الثغرة، فصاح قتيبة بأن كل من ينفذ من الثغرة أعطيه ديته و إذا قتل أعطيها لأولاده، حتى رغب كل واحد منهم فى الدخول و استولوا على الحصن.

____________

(1) قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحسين الباهلى- أبو حفص (49- 96 ه/ 669- 715 م) أمير فاتح من مفاخر العرب، كان أبوه كبير القدر عند يزيد بن معاوية و قد نشأ فى الدولة المروانية فولى الرى فى أيام عبد الملك بن مروان و خراسان فى أيام ابنه الوليد، و وثب لغزو ماوراء النهر فتوغل فيها و افتتح كثيرا من المدائن كخوارزم و سجستان و سمرقند و غزا أطراف الصين و ضرب عليها الجزية و أذعنت له بلاد ماوراء النهر كلها فاشتهرت فتوحاته و استمرت ولايته ثلاث عشرة سنة. و هو عظيم المكانة مرهوب الجانب، و مات الوليد و استخلف سليمان بن عبد الملك و كان هذا يكره قتيبة، فأراد قتيبة الاستقلال بما فى يده و جاهر بنزع الطاعة و اختلف عليه قادة جيشه فقتله وكيع بن حسان التميمى بفرغانة. [الزركلى: الأعلام ج 6 ص 28].

(2) الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفى (40- 95 ه- 660- 714 م) و هو أشهر ولاة بنى أمية و أشدهم قسوة و بطشا بمخالفيهم و قد أبلى فى إخماد الفتن و الفتوح بلاء عظيما و بنى مدينة واسط.

(3) طخارستان: بالفتح و بعد الألف راء ثم سين ثم تاء مثناة من فوق و يقال طخرستان، و هى ولاية واسعة كبيرة تشتمل على عدة بلاد و هى من نواحى خراسان و هى طخارستان العليا و السفلى. [ياقوت:

معجم البلدان ج 6 ص 31- 33]- ولاية كبيرة فى أعالى جيحون غربى بلخ (ياقوت).

(4) انظر تعليقنا بصفحة 34 حاشية 2

74

و طلب أهل بيكند الأمان، فصالحهم قتيبة على مال أخذه‏ (1) و أمّر عليهم و رقاء بن نصر الباهلى و توجه إلى بخارى.

فلما بلغ خنبون‏ (2) أخبروه بأن أهل الحصن تمردوا و قتلوا الأمير. فأمر قتيبة العسكر قائلا: اذهبوا و انهبوا بيكند فقد أبحت دماءهم و أموالهم. و سبب ذلك أنه كان فى بيكند رجل له بنتان جميلتان، فانتزعهما ورقاء بن نصر، فقال هذا الرجل:

إن بيكند مدينة كبيرة فلم تأخذ ابنتى من بين كل أهل المدينة؟ فلم يجبه ورقاء. فوثب الرجل و طعن و رقاء بسكين فى سرّته و لكنها لم تكن قاضية و لم يقتل.

فلما بلغ قتيبة الخبر عاد و قتل من كان فى بيكند من أهل الحرب جميعا و استرق من بقى، بحيث لم يبق فى بيكند أحد و خربت. و كان أهل بيكند تجارا و قد ذهب أكثرهم إلى بلاد الصين و الجهات الأخرى للتجارة،، فلما عادوا بحثوا عن أولادهم و نسائهم و أقربائهم و ابتاعوهم من العرب، و عمروا بيكند كذلك مرة ثانية. و قد قيل بأنه لم تكن مدينة تخرّبت كلها و بقيت خاوية ثم عمرت سريعا على يد أهلها أنفسهم إلا بيكند.

حكاية: يحكى أنه لما فتح قتيبة بيكند وجد فى معبد الأصنام صنما من الفضة يزن أربعة آلاف درهم، و وجد أوانى‏ (3) من الفضة، فجمعها كلها و وزنها فكانت مائة و خمسين ألف مثقال، و وجد حبتين من اللؤلؤ كل منهما كبيضة الحمام، فقال قتيبة: من أين أتيتم بهاتين اللؤلؤتين بهذا الحجم الكبير؟ قالوا: أتى بهما طائران فى منقاريهما، و ألقيا بهما فى بيت الأوثان هذا، فجمع قتيبة الطرائف و بعث‏

____________

(1) الترجمة الحرفية: فصالحهم قتيبة و أخذ مالا.

(2) فى بعض النسخ جيحون (حاشية مدرس رضوى) و خنبون بفتح أوله و بعد النون الساكنة باء موحدة و آخره نون: من قرى بخارى بما وراء النهر بينها و بين بخارى أربعة فراسخ على طريق خراسان.

ينسب إليها أبو القاسم واصل بن حمزة بن على بن نصر الصوفى الخنبونى أحد الرحالين فى طلب الحديث.

ياقوت: [معجم البلدان ج 3 ص 469].

(3) فى الأصل جام و معناها القدح أو الكأس و يستعمل أهل بخارى هذه الكلمة بمعنى الطبق فترجمناها بآنية لانطباقها على المعنيين.

75

بها مع هاتين الحبتين إلى الحجاج، و كتب رسالة بفتح بيكند و ذكر قصة هاتين الحبتين من اللؤلؤ فى الكتاب، فكتب الحجاج الجواب قائلا: علم ما ذكرت و ساورنى العجب من هاتين اللؤلؤتين الكبيرتين و ذينك الطائرين اللذين أتيا بهما، و أعجب من هذا سخاؤك إذ حصلت على مثل هذين الشيئين الفاخرين و بعثت بهما إلينا، بارك اللّه عليك‏ (1)، ثم بقيت بيكند خرابا سنوات طوالا (2)، فلما فرغ قتيبة من أمر بيكند ذهب إلى خنبون و شن حروبا و استولى على خنبون و تاراب‏ (3) و كثير من القرى الصغيرة، و ذهب إلى وردانة و كان هناك ملك اسمه وردان خداة خاض معه حروبا كثيرة. و مات وردان خداة أخيرا و استولى (أى قتيبة) على قرى كثيرة. و فى وسط قرى بخارى فيما بين تاراب و خنبون و رامتين تجمع عسكر كثير و أحاطوا بقتيبة، و أقبل طرخون ملك السغد بعسكر كثير و خنك خداة بجيش عظيم، و وردان خداة بجيشه، و قد استأجروا الملك كورمغانون ابن أخت فغفور الصين‏ (4) و كان قد جاء بأربعين ألف رجل ليناصروه‏ (5) فى حرب قتيبة و تجمعت الجيوش و اشتد الأمر على قتيبة و كان قتيبة و أصحابه فى حاجة إلى سلاح‏ (6)، و نادى قتيبة بأن لا يبعدوا الطليعة عنهم و أن لا يسرحوا العسكر، و قد ارتفعت لهذا قيمة السلاح بحيث صار ثمن الرمح خمسين درهما و المجن خمسين أو ستين درهما و الدرع سبعمائة درهم. و قال حيان النبطى لقتيبة: أنا أبحث ذلك بنفسى فأمهلنى إلى غد، فلما أصبح الصباح بعث حيان النبطى بشخص إلى ملك السغد و قال:

عندى نصيحة و يتحتم عليك أن نجتمع كلانا فى مكان واحد. فقال طرخون:

فليكن، متى نجتمع؟

____________

(1) هكذا فى الأصل- و فى القرآن الكريم: و باركنا عليه و على إسحق. آية 113 سورة الصافات.

(2) هذا يناقض ما تقدم بشأن سرعة تعمير بيكند.

(3) اسم قرية على بعد ثلاثة فراسخ من بخارى. [برهان قاطع‏].

(4) فغفور أو پغپور لقب ملوك الصين مثل قيصر لملوك الروم و كسرى لملوك الفرس.

(5) هذه ترجمة العبارة كما وردت فى الأصل الفارسى و نصها «تا أو را يارى دهند بجنك قتيبة» و المفهوم من سياق الكلام أنهم استأجروه ليحارب هو فى المقدمة و يعينوه بجيوشهم.

(6) نص العبارة الفارسية «بى‏سلاح» أى بدون سلاح.

76

فقال حيان: حين ينشغل العسكر بالحرب و تشتد المعركة. ففعلا كذلك، فلما حمى الوطيس قابل حيان النبطى طرخون و قال: لقد ذهب عنك الملك و أنت لا تدرى! قال: و كيف؟ فقال: نحن نستطيع أن نبقى هنا ما دام الجو حارّا، و الجو الآن بارد و قد آن لنا أن نرحل، و ما دمنا هنا فإن هؤلاء الأتراك يحاربوننا، فإذا ما ذهبنا من هنا يحاربونك لأن ولاية السغد مكان جميل و لا مثيل له فى الدنيا جمالا، فكيف يتركون لك السغد ليرحلوا إلى التركستان؟ و تبقى فى عناء و يأخذون ملكك. فقال طرخون: و ما حيلتى؟ قال: تعقد صلحا مع قتيبة و تعطيه شيئا و تظهر للترك بأنه قد وصل لنا جيش عظيم عن طريق كش و نخشب مددا من الحجاج، و تقول لهم إنى عائد ليعودوا هم أيضا؛ فإذا ما عقدت معنا الصلح و أخذت منا العهد لن نريد بك سوءا و لن نؤذيك و تخرج أنت من هذا العناء. فقال طرخون: لقد أحسنت نصحى، فلأفعل هكذا، سأعود الليلة. فلما أقبل الليل بعث طرخون بشخص إلى قتيبة و اصطلح و أرسل مالا قدره ألفا درهم و نفخوا فى البوق و ذهبوا، فقال الدهاقين و الأمراء ماذا حدث؟ فقال: حذار تنبهوا- فقد بعث الحجاج بعسكر عظيم من ناحية كش و نخشب ليأتوا من خلفنا و يحيطوا بنا، و إنى عائد إلى ولايتى. فبعت كورمغانون التركى بشخص و سأل الخبر فأخبروه بهذه الحالة، فنفخ هو أيضا فى البوق و عاد، و كانوا ينهبون الولاية و يمضون، فصرف اللّه تعالى هذا البلاء عن المسلمين. و قد بقى قتيبة فى شدة أربعة شهور لم تصل فيها أخباره هو و أصحابه إلى الحجاج، و كان قلب الحجاج مشغولا من هذه الناحية و كانوا فى المساجد يتلون القرآن و يقيمون الختمات‏ (1) و يدعون الدعوات، و عاد قتيبة و أصحابه إلى بخارى.

و كانت هذه المرة الرابعة التى جاء فيها إلى بخارى و حارب و أخذ الأموال و نهب جانبا من الولايات و قتل بعضا و أسر بعضا و استرقهم. فكان يذهب إلى مرو و يعود إلى ولاية بخارى حماها اللّه تعالى من جميع الآفات و البليات.

____________

(1) أى يقيمون المجالس التى يقرأ فيها القرآن من أوله لآخره، و يقال للمصحف بأكمله فى قرانا المصرية «الختمة» و يقرأ الريفيون كذلك القرآن كله فى بعض المناسبات و يقال فى ذلك إنهم عملوا ختمة أى سهروا ليلة قرأوا فيها القرآن من أوله لآخره و وزعوا الصدقات. و فى التركستان و أفغانستان و تركية و الهند و الحجاز يختم المسلمون القرآن فى ليالى شهر رمضان و هم يصلون صلاة التراويح و ذلك فى أيام معدودات و يسمى ذلك «ختم» أيضا.

77

ذكر فتح بخارى و ظهور الإسلام فيها

روى محمد بن جعفر: أن زوج الخاتون أم طغشادة قد مات، و كان ابنها الأمير بخار خداة صغيرا، و كانت هذه الخاتون تتولى الملك، و قد مر ذكرها مع عبيد اللّه بن زياد و سعيد بن عثمان بن عفان رضى اللّه عنهما، و فى كل مرة كان عسكر الإسلام يأتى إلى بخارى و يغزو فى الصيف و يعود فى الشتاء، و كانت هذه الخاتون تحارب كل من يأتى مدة ثم تصالحه.

و لما كان ابنها صغيرا فإن كل واحد من الأهل كان يطمع فى هذا الملك، و كان بخار خداة قد استولى على بخارى بالحرب، و كان أهل بخارى فى كل مرة يسلمون ثم يرتدون حين يعود العرب، و كان قتيبة قد حملهم على الإسلام ثلاث مرات ثم عادوا فارتدوا و كفروا. و قد حارب قتيبة هذه المرة الرابعة و استولى على المدينة و أظهر الإسلام بعد عناء كبير و غرسه فى قلوبهم و شدد عليهم بكافة الطرق. و كانوا يقبلون الإسلام فى الظاهر و يعبدون الأصنام فى الباطن. فرأى قتيبة من الصواب أن يأمر أهل بخارى بأن يعطوا نصف بيوتهم للعرب ليقيموا معهم و يطلعوا على أحوالهم فيظلوا مسلمين بالضرورة، فأظهر الإسلام بهذه الطريقة و ألزمهم بأحكام الشريعة و بنى المساجد و أزال آثار الكفر و رسم المجوسية، و كان يبذل فى ذلك جهدا عظيما، و يعاقب كل من قصر فى أحكام الشريعة، و بنى المسجد الجامع و أمر الناس بأداء صلاة الجمعة بما فى ذلك أهل بخارى فليجعل اللّه تعالى ثواب هذا الخير ذخيرة آخرته.

78

ذكر بناء المسجد الجامع‏

بنى قتيبة المسجد الجامع داخل حصار (حصن) بخارى فى سنة أربع و تسعين (712 م)، و كان ذلك الموضع بيت أصنام. فأمر أهل بخارى بأن يجتمعوا هنالك كل يوم جمعة، فكان يأمر بمناد كل يوم جمعة يقول: بأن كل من يأتى لصلاة الجمعة أعطيه درهمين. و كان أهل بخارى فى أول الإسلام يقرأون القرآن فى الصلاة بالفارسية، و لم يكونوا يستطيعون تعلم العربية. و حينما كان يحين وقت الركوع كان يقف وراءهم رجل يصيح فيهم «بكنيتا نكينت» (1) و حينما كانوا يريدون السجود.

كان يصيح فيهم «نكونيا نكونى» (2).

و قد ذكر محمد بن جعفر فى كتابه: أنه رأى مسجد بخارى الجامع و عليه أبواب ذات صور مكشوطة الوجه و قد ترك باقيها على حاله، و قال: إنى سألت أستاذى من وضع هذه الأبواب أولا؟ و كان هناك رجل معمر فقال: سبب ذلك أنه كان يقال قديما بأنه كان خارج المدينة سبعمائة قصر كان يقيم بها الأغنياء و كانوا أكثر تمردا و أكثر الناس تخلفا عن الحضور إلى المسجد الجامع، و كان الفقراء يرغبون فى الحصول على هذين الدرهمين، و لكن الأغنياء لم يكونوا راغبين.

و فى يوم جمعة ذهب المسلمون إلى أبواب تلك القصور ودعوهم إلى صلاة الجمعة و ألحوا، فكانوا (أى الأغنياء) يضربونهم بالحجارة من أسطح القصور، فدارت الحرب و تغلب المسلمون، و اقتلعوا أبواب قصورهم و جاءوا بها، و كان كل شخص قد نقش على تلك الأبواب صورة صنمه، فلما اتسع المسجد الجامع استخدموا تلك الأبواب فيه، و كشطوا وجوه الصور و تركوا بقيتها و أقاموها. و يقول أحمد بن محمد ابن نصر: قد بقى واحد من تلك الأبواب إلى اليوم فى ذلك الموضع الذى تنزل منه من السطح إلى باب المسجد الجامع حين تريد الذهاب إلى سراى أمير خراسان، فتترك الباب الأول و الباب الثانى من بقية تلك الأبواب، و أثر الكشط ما يزال ظاهرا عليه. و ذلك المسجد الذى فى داخل الحصار بناه قتيبة، و كان الناس يصلون فيه،

____________

(1، 2) هاتان العبارتان بلغة أهل بخارى، و مفادهما طلب الركوع و السجود كما يفهم من السياق.

79

فلما ازداد الإسلام، و كانت رغبة الناس فى الإسلام تزداد كل يوم، لم يتسع لهم ذلك المسجد إلى أن كان زمن الفضل بن يحيى بن خالد البرمكى‏ (1) حين صار أمير خراسان فى زمن هارون الرشيد، فتجمع أهل بخارى و اتفقوا فيما بينهم و أنشأوا مصرف‏ (2) الحصار و بنوا بين الحصار و المدينة المسجد الجامع سنة مائة و أربع و خمسين (770 م) و صلوا الجمعة فى مسجد الحصار الجامع. و حين بلى المسجد الجامع تعطل مسجد الحصار الجامع كذلك، و صار ديوانا للخراج، و لم يكن لأحد فى عمارة المسجد الكبير ما كان للفضل بن يحيى البرمكى من الأثر، و قد أنفق عليه مالا كثيرا و كان كلّ بعد ذلك يزيد فيه، حتى كان زمن الأمير إسماعيل السامانى (رحمه اللّه)، فاشترى دورا كثيرة، و زاد فى المسجد مقدار الثلث. و كان أول من أمر بقناديل فى المساجد فى شهر رمضان هو الفضل بن يحيى البرمكى هذا.

حكاية: روى أنه فى أيام الأمير السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل، حين دخل الناس المسجد الجامع فى يوم جمعة من شهر رمضان انهار عليهم المسجد دفعة و هلك فيه خلق كثير و أقيم العزاء فى جميع المدينة و أخرج بعضهم و ما يزال فيهم رمق، و كانوا يموتون بعد فترة. و كان بعض آخر مكسور الأطراف، و هلك خلق كثير فى عامة المدينة بحيث بقيت مدينة بخارى بعد ذلك خالية ثم صمد أهل المدينة و عاونهم كل من أتباع السلطان و قام بهذا العمل أبو ... (3) القاضى (رحمه اللّه)، حتى تم فى سنة واحدة، ثم تهدم مرة أخرى فى العام التالى و انهار كل من جانبى القبلة و لكن لم يكن أناس هنالك، فأعادوا عمارته. و قد أقام أبو عبيد اللّه بن‏

____________

(1) هو أبو العباس الفضل بن يحيى بن خالد البرمكى (147 ه- 193 ه (764- 808 م) أخو هارون الرشيد فى الرضاعة، قلد منصب الوزارة قبل أخيه جعفر البرمكى ثم عين واليا على خراسان بعد أن تولى أخوه الوزارة- اشتهر بالعدل و الجود فى خراسان و بنى فى مدينة بلخ مسجدا جامعا مكان بيت النار المسمى بنوبهار. سجنه هارون الرشيد مع والده يحيى بعد أن قتل أخاه جعفرا سنة 193 ه/ 808 م و مات فى السجن أثناء التعذيب. (قاموس الأعلام ج 5 ص 3414- لغات تاريخية و جغرافية ج 5 ص 204).

(2) مكان يتجمع فيه الماء الفائض (باركين-Barguin ).

(3) هكذا فى الأصل فى كلا النسختين.

80

الجيهانى‏ (1) المنارة من خالص ماله فى مدة خمس سنوات سنة ست و ثلثمائة (918 م) و كان وزير السلطان فى ذلك التاريخ.

و كان هذا المسجد الجامع متصلا بالحصار حتى آخر عهد إبرهيم بن طمغاج خان الذى تولى الملك و كان لطمغاج خان ابن آخر هو شمس الملك نصر بن إبرهيم‏ (2)، فقصد بخارى ثم دعم حصارها. و حارب شمس الملك على باب حصار بخارى، فكانوا يرمون الحصار بالسهام من فوق منارة المسجد الجامع، و قاسى أهل الحصار من ذلك. فأمر شمس الملك بقذف النار من الحصار و كان رأس المنارة من الخشب فاحترق و امتدت الحرائق إلى المسجد الجامع فاحترق أيضا، فلما استولى الملك شمس الملك على الحصار و استتب له ملك بخارى أمر ببناء المسجد الجامع ثانيا و بحفر خندق بين الحصار و بين المسجد، و بنوا رأس المنارة من الآجر، و أمر بإبعاد المقصورة و الدار التى بها المقصورة عن الحصار. و قد قدم كل من الأشراف‏ (3) و الأثرياء المعونة حتى تمت هذه العمارة، و كان حريق المسجد الجامع فى سنة أربعمائة و ستين (1067 م) و تم بناؤه سنة أربعمائة و واحدة و ستين (1068 م). و يقول محمد بن أبى بكر سمعت من الثقات أن هذه المقصورة و المنبر و المحراب التى فى بخارى أمر الملك شمس الملك بنحتها فى سمرقند و قد نقشت و أحضرت إلى بخارى. و كان المسجد قائما على هذه الصفة حتى أيام أرسلان خان محمد ابن سليمان فأمر بإبعاد المسجد الجامع عن الحصار حتى لا يحدث خلل كما حدث فى زمان شمس الملك.

و قد اشترى أرسلان خان بيوتا كثيرة فى المدينة و أمر بأن يهدم من المسجد الجامع ما كان قريبا من الحصار، و بهدم تلك المنارة التى كانت على مقربة من الحصار

____________

(1) فى بعض النسخ أبو عبد اللّه الحيانى: حاشية مدرس رضوى طبع طهران ص 59.

(2) توفى شمس الملك سنة 493 ه- 1099 م، انظر حاشية 2 ص 48.

(3) الأشراف ترجمة «خواجكان جويبارى» باصطلاح أهل بخارى. و لا يزال فى بخارى جماعة يسمون «خواجكان جويبارى» أى الأشراف الجويباريين يصلون أنسابهم بالحسين بن على رضى اللّه عنهما.

و كان ملوك و أمراء بخارى يصاهرونهم إلى وقت قريب. و كلمة (خواجه) بالفارسية أيضا معناها السيد و يلقب بها سادة القوم مثل (خواجه نظام الملك) و (خواجه عبيد اللّه أحرار) و (خواجه حافظ شيرازى) و غيرهم من أهل العلم و الشرف و الدين و الرياسة. و تنطق كلمة (خواجه) الفارسية (خاجه) بدون نطق الواو.

81

و إقامتها بالمدينة، فكانت فى غاية الفخامة و الجمال بحيث لم يكن مثلها فى أى مكان. و لما تمت و ركبوا رأسها و بقى قليل على تمامها أصابتها عين و انهارت المنارة على المسجد الجامع فانهدم ثلثه و تحطمت جميع الأخشاب المنقوشة و المخروطة، فأمر أرسلان خان مرة أخرى بإقامة المنارة، و بالغوا فى إحكامها و جعلوا رأسها من الآجر و بناها كلها من خالص ماله. و المسجد الجامع الذى أمر به أرسلان خان كان فى سنة خمسمائة و خمس عشرة (1121 م). و بالمسجد كله خمسة أروقة داخلية، و الرواقان المطلان على المدينة مع المنارة من بناء أرسلان خان و هذا الرواق الأكبر و المقصورة من بناء شمس الملك، و بين هذه رواقان داخليان منذ القدم، و الذى بقرب الحصار من آثار الأمير إسماعيل السامانى (رحمه اللّه). و قد بناه سنة مائتين و تسعين (902 م) و الآخر الذى فى ناحية بيت أمير خراسان من بناء الأمير الحميد نوح بن نصر بن إسماعيل السامانى فى سنة ثلثمائة و أربعين من هجرة النبى (صلى اللّه عليه و سلم) (951 م) (1).

____________

(1) هذا المسجد الذى وضع أساسه القائد العربى قتيبة بن مسلم سنة 94 ه (712 م) و منارته الرائعة التى تم بناؤها بأمر أرسلان خان سنة 515 ه (1121 م). يعتبران من أهم آثار بخارى الإسلامية.

و قد حول ذلك المسجد بعد الثورة البلشفية إلى متحف و مكتبة و وصعت أمامه تماثيل و سميت المكتبة (مكتبة ابن سينا).

82

ذكر مصلى العيد

لما بنى قتيبة بن مسلم المسجد الجامع كان داخل الحصار، و من داخل المدينة إلى تلك الأطراف يسمى ريكستان (أى الصحراء) فجعل ذلك الموضع مصلى العيد، و أخرج المسلمين فصلوا العيد (1) و أمر الناس بإخراج السلاح معهم لأن الإسلام كان ما يزال جديدا و لم يكن المسلمون فى مأمن من الكفار، و قد بقى لليوم سنة بأن كل صاحب سلاح يخرجه معه، و يسمون ذلك الباب باب سراى المعبد (2)، و قد كان هذا معبد خيل أمير بخارى‏ (3)، و قد أدوا صلاة العيد فى هذا المصلى سنوات طوالا، و لم يكن يتسع لهم فاشترى الأمير السديد منصور بن نوح بن نصر على طريق «سمتين» بساتين و حدائق نزهة بثمن كبير و أنفق فى ذلك أموالا طائلة و جعلها مصلى العيد و أمر بمنبر و محراب جميلين و بإقامة مبلغات‏ (4) يكبر عليها المكبرون ليسمع الناس. و كان من مصلى العيد إلى باب حصار بخارى مقدار نصف فرسخ، كان يمتلئ كله بالناس، و صلوا العيد هنالك سنوات طوالا و كان ذلك فى سنة ثلاثمائة و ستين (970 م) و كان ذلك المصلى موجودا إلى زمن أرسلان خان، فأمر أرسلان خان ببناء مصلى قرب المدينة حتى لا يتعب الناس، و إذا قصد المدينة عدو فى وقت ما لا يكون الناس غائبين عنها. و كان للملوك حديقة بباب إبرهيم تسمى شمس‏آباد، و كانت قد تخربت فاستعملت للفلاحة و قد أمر خاقان الترك‏

____________

(1) فى نسخة شارل شيفر طبع باريس 1892 «نماز كاه عيد كردند» و معناها أنشأوا مصلى العيد.

و فى نسخة مدرس رضوى طبع طهران «نماز عيد كردند» أى صلوا العيد، و هذا كما يبدو هو الصحيح الذى يتمشى مع السياق.

(2) الكلام غير متصل بما قبله و يبدو أن بعض العبارة سقط من الأصل.

(3) فى الأصل «و اين معبد الخيل أمير بخارا بوده است» و يبدو أن فى الأصل كلمة سقطت و لعله يقصد أن هذا المعبد صار إصطبلا لخيل أمير بخارى.

(4) جمع مبلغة و هى مكان مرتفع داخل المسجد يكبر عليه المبلغون خلف الإمام لإسماع المصلين.

83

بمنع ذلك كله و ضرب عليها أسوارا عالية و أقيم منبر و محراب من الآجر (1) و مبلغات للمكبرين و ذلك سنة خمسمائة و ثلاث عشرة من هجرة النبى (صلى اللّه عليه و سلم) (1119 م).

____________

(1) بنسخة مدرس رضوى عبارة «خشت نپخته» أى لبن، و فى نسخة شيفر «خشت پخته» أى آجر.

84

ذكر تقسيم مدينة بخارى بين العرب و العجم‏

يروى محمد بن جعفر عن حاتم الفقيه أنه لما جاء قتيبة إلى بخارى للمرة الرابعة و استولى عليها اصطلح على أن يدفع (أهل بخارى) للخليفة كل سنة مائتى ألف درهم و لأمير خراسان عشرة آلاف درهم، و أن يعطى للمسلمين نصف الدور و الضياع و علف دواب العرب و الحطب و ما ينفق. و أن يدفع ذلك من خارج المدينة أيضا.

و كان بالمدينة قصور و بعض الأحياء المتفرقة البعيدة عن بعضها البعض. و لما كان للرستاق و المدينة سبعة أبواب كان يسمى الباب الأول باب السوق؛ لأنه فى تلك الأيام لم يكن فى أى باب سوق قريبة من المدينة إلا بهذا الباب، و نحن نسميه باب العطارين، ثم قسم قتيبة المدينة، فمن حيث تدخل من باب العطارين‏ (1) إلى باب نون أعطاه لربيعة و مضر و الباقى لأهل اليمن، و حين تدخل المدينة، فأول محلة على يدك اليسرى يقال لها كوى رندان (أى محلة الفتّاك) و قد كان خلفها كنيسة المسيحيين، و هنالك مسجد يقال له مسجد بنى حنظلة و حين تدخل من باب المدينة يكون على يدك اليمنى محلة يقال لها محلة الوزير ابن أيوب بن حسان، و تسمى تلك المحلة أيضا كوى كاخ (أى محلة القصر)، و هذا الوزير بن أيوب كان قائدا من قواد قتيبة، و كان أبوه أيوب أميرا لبخارى، و هو أول من صار فى الإسلام أميرا لبخارى من قبل قتيبة بن مسلم. و كان أمراء بخارى دائما يقيمون فى محلة القصر هذه، و كانت هنالك سراى على حدة لأجل أمراء بخارى. و كان هناك دهقان يقال له «خينة» (2) و لما أسلم صار اسمه أحمد. و كانت محلة القصر كلها ملكا له و كان‏

____________

(1) نص العبارة فى نسخة مدرس رضوى «از آنجا كه از در عطاران اندر آيى تابدر حصار و از آنجا تا بدر نون مر ربيعة و مضر را داده بود» و ترجمتها: فمن حيث تدخل من باب العطارين (إلى باب الحصار و من هنالك) إلى باب نون كان قد أعطاه لربيعة و مضر.

(2) أشار مدرس رضوى فى حاشيته إلى أن اسمه فى بعض النسخ كدرخينه.

85

فى هذه المحلة قصر لهذا الدهقان يقيم فيه أمراء بخارى دائما، و قد خرج هذا القصر من بعده من يد صاحبه.

و فى سنة مائة و خمسين (767 م) أقام ورثة هذا الدهقان المسمى «كدره خينه» دعوى أمام أبى جعفر الدوانقى الذى كان خليفة (1) و أخرجوا القبالة، و كان حده الأول سور المدينة المتصل بسقيفة البقالين (چوبه بقالان)، وحده الثانى سور المدينة المتصل بسوق الفستقيين‏ (2)، و الحد الثالث طريق مستقيم يؤدى من باب نون إلى وسط المدينة، و من باب العطارين إلى باب نون جملة محلة واحدة و هى ربع المدينة و قد ذكروها فى هذه القبالة، و الألف دكان التى فى سوق بخارى‏ (3) و الخمس و السبعون قرية الخاصة بنهر بخارى و فراويز العليا التى أحدثت فى زمن الإسلام هذه كلها أقاموا بها دعوى أمام الخليفة و عرضوا القبالات و شهد الشهود، و أمر الخليفة بقيدها بالدفاتر و إحضارها إلى بخارى و قد استردوها جميعا. ثم إن أبناءهم بعد ذلك باعوها قطعة قطعة لكل شخص حتى تفرقت بأيدى الناس. و حين تعبر باب العطارين يأتى باب بنى سعد و مسجد بنى سعد، و كان حسن بن علاء السغدى رجلا عظيما، و كان له قصر فى المدينة فى غاية العظمة لم يكن مثله لأى ملك. و قد بنى محلة علاء بباب علاء و هو الذى بنى هذه الحظيرة. و قد غلت له هذه الحظيرة فى كل شهر ألفا و مائتى دينار، و كان له فى المدينة مستغلات.

حكاية: فى زمن حسن بن طاهر الذى كان أمير خراسان كان له وزير اسمه حفص بن هاشم، طمع فى أن يشترى هذه الأملاك منهم، و لم يبيعوها له فحبسهم لهذا السبب و أنزل بهم عقوبات كثيرة. و كان يستدعيهم إليه كل أسبوع مرة و يساومهم و عندما يأبون البيع يعيدهم إلى السجن و يأمر بالمزيد فى عقوبتهم حتى مضى على ذلك خمس عشرة سنة، قاسوا فيها العقوبة و العناء و لم يبيعوا أملاكهم، و ذات يوم استدعاهم حفص بن هاشم و قال: لقد انقضى عهد طويل و أنتم فى‏

____________

(1) هكذا فى الأصل. أى كان أميرا من قبل الوالى.

(2) المشتغلون بتجهيز الفستق (پسته شكنان).

(3) فى نسخة مدرس رضوى: «فى بخارى».

86

العقوبة، فماذا تلقون فى النهاية؟

فقال حسن بن علاء: نلقى واحدة من ثلاث: إما أن تموت أنت أو يموت سيدك أو نموت نحن! فأمر حفص يوم ذاك بالتشديد فى السجن و العقوبة، و لم يمض على هذا الكلام شهر حتى مات أمير خراسان و قامت فتنة و حطموا السجن وفر حفص بن هاشم و نهبوا داره و بقى حفص متواريا حتى مات و عاد حسن بن علاء مع إخوته إلى بخارى.

فإذا عبرت باب بنى سعد فهناك باب بنى أسد و كان هذا الباب يسمى فى الجاهلية (در مهره) أى باب الخرزة، و إذا خرجت من ذلك الباب و نزلت إلى النهاية فهناك سراى أمير خراسان و باب آخر يسمى (در كبريه) أى باب المجوس لأنه إذا خرجت من الباب يكون الحصار أمامك‏ (1) و قد تخربت هذه المحلة اليوم و يسمون تلك المحلة «فغسادره» و قد صارت الآن مدافن. و كانت بيوت العرب فى الأغلب بذلك الباب و هو أقوى الأبواب و له حزام كبير طوله ستون قدما، و تحت ذلك الحزام بيوت كثيرة، و قد بنى هذه العمارة أمير اسمه «سوناس تكين‏ (2)» و قبره فى هذا الموضع أيضا. و يوجد باب آخر يسمى «باب حقره» و كان السيد الإمام أبو حفص الكبير البخارى‏ (3) رحمة اللّه عليه يقيم بتلك المحلة، و قد رحل من بخارى إلى بغداد و تلمذ للإمام محمد بن حسين الشيبانى‏ (4) (رحمه اللّه)، و لم يكن‏

____________

(1) لعله يريد أن هذا الحصن كان للمجوس قبل الإسلام لأن أهل بخارى كانوا مجوسا و وثنيين كما مر بنا.

(2) بنسخة مدرس رضوى: سوناش تكين.

(3) الإمام أبو حفص الكبير من مشاهير فقهاء بخارى من تلاميذ الإمام محمد الشيبانى و قد شهد له بأنه كان أقدر تلاميذه، و كان معاصرا للإمام محمد بن إسماعيل البخارى، و ابنه أيضا من المشاهير و يعرف بأبى حفص الصغير.

ولد الإمام أبو حفص سنة 150 ه/ 797 م/ و توفى ببخارى، سنة 227 ه/ 841 م (قاموس الأعلام ج 1 ص 710).

(4) فى نسخة حسن و هو الصحيح- و هو الإمام محمد بن الحسن بن فرقد الشيبانى بالولاء الفقيه الحنفى (132- 189 ه/ 749- 804 م) صاحب كتاب الآثار، و الجامع الصغير فى الفروع و كتاب الحج و موطأ (الإمام محمد بن الحسن الشيبانى) (سركيس: معجم المطبوعات العربية و المعربة ص 1163).

87

أحد مثله فى الولاية و هو من جملة متأخرى بخارى و كان زاهدا و عالما أيضا و قد صارت بخارى بسببه قبة الإسلام‏ (1). و السبب هو أن أهل بخارى تعلموا و فشا فيها العلم و صاروا أئمة و علماء محترمين و كان هو السبب. و قد بلغ ابنه أبو عبد اللّه من العلم بحيث إنه حين كانت القافلة تعود من الحج، كان علماؤها يجيئون إلى الإمام أبى حفص و يسألونه فكان يقول لهم: إنكم آتون من العراق فلم لم تسألوا علماء العراق؟

فكان أحدهم يقول: لقد ناظرت علماء العراق فى هذه المسألة فلم يستطيعوا الجواب و قالوا لى: حين تصل إلى بخارى سل السيد الإمام أبا حفص البخارى أو أحد أبنائه عنها، و عندئذ كان (أى الإمام أبو حفص) يجيب عن هذه المسألة بالجواب الصائب. و كان السيد أبو حفص يختم القرآن مرتين كل يوم و ليلة مع أنه كان يعلم الناس العلم. و لما ضعف و هرم كان يختم القرآن مرة، و لما ازداد ضعفا كان يقرأ نصف القرآن حتى رحل عن الدنيا- تغمده اللّه بالرحمة و الرضوان.

حكاية: حكى أن يحيى بن نصر قال: كنت عند السيد أبى حفص و كان قد صلى الفجر و جلس و وجهه إلى القبلة و هو يقرأ شيئا، فلما طلعت الشمس فنظر، لم يكن القوم قد حضروا ليعلمهم، فنهض و صلى أربع ركعات قرأ فيها سورة البقرة و آل عمران و سورة النساء و سورة المائدة و لما سلم لم يكن القوم قد حضروا بعد، فنهض و صلى اثنتى عشرة ركعة و قرأ حتى سورة الرعد.

و قد روى محمد بن طالوت الهمدانى عن الفضل الخطاب أنه كان فى بخارى أمير اسمه محمد بن طالوت، قال يوما لوزيره «خشويه» يجب أن نذهب لزيارة السيد أبى حفص و ندركه، و كان خشويه هذا من عظماء بخارى و محتشما (2) فقال خشويه: لا ينبغى لك أن تذهب إليه، إذ حينما تذهب إليه لا تستطيع الكلام أمامه لهيبته، فقال لا بد أن أذهب. فذهب مع الوزير إلى السيد أبى حفص و كان يصلى فى المسجد، فلما سلم بعد صلاة الظهر دخل الوزير و قال لقد جاء الأمير فهل تأذن له بالدخول؟ فقال: نعم. و كان جالسا و وجهه إلى القبلة، و دخل الأمير و سلم‏

____________

(1) كانت بخارى تلقب بقبة الإسلام.

(2) معناها هنا رجل ذو مركز اجتماعى و منزلة كبيرة فى قومه.

88

و جلس، و لم يستطع أن يتكلم قط. فقال السيد رحمة اللّه عليه: ما حاجتك؟

فلم يستطع الكلام برغم ما بذل من جهد ليتكلم. فلما رأى خشويه الأمير (1) قال له:

كيف وجدت السيد أبا حفص؟ قال: كما قلت، بقيت متحيرا، ذهبت إلى الخليفة مرارا و تحدثت إليه و لم تمنعنى مهابة الخليفة من الكلام و هنا لم أستطع الكلام لهيبته‏ (2).

روى عن محمد بن سلام البيكندى، و كان زاهدا عالما، أنه قال: رأيت فى المنام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ببخارى فى سوق خرقان- و من أول كوى مغان (محلة المجوس) إلى كوى دهقانان (محلة الدهاقين) كان يسمى قديما سوق خرقان.

قال: رأيت الرسول مقتعدا نفس الناقة التى جاء ذكرها فى الحديث، و على رأسه عمرة بيضاء و قد وقف أمامه جمع غفير يهللون بمجى‏ء الرسول (عليه السلام)، و يقولون أين ننزل الرسول (صلوات اللّه عليه)، و عندئذ أنزلوه بمنزل السيد الإمام أبى حفص رحمة اللّه عليه، و رأيت السيد أبا حفص جالسا أمام الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) يقرأ كتابا. و أقام الرسول (عليه السلام) مدة ثلاثة أيام بمنزل السيد أبى حفص و هو يقرأ الكتاب و الرسول (عليه السلام) يسمع، و لم يرده قط فى هذه الأيام الثلاثة و استصوب كل ما قرأه.

و لم تبق دار السيد أبى حفص رحمة اللّه عليه اليوم، لأن الناس بنوا هنالك، و لكن بقيت آثارها و الصومعة أيضا باقية فى تلك الدار و هى مستجاب الدعوة (3) و كانت وفاته سنة سبع عشرة و مائتين (822 م)، و تربته فى الباب الجديد (دروازه نو) معروفة و هى مكان الدعاء المستجاب. و يسمى ذلك التل تل السيد الإمام أبى حفص، و هنالك مساجد و صوامع و بها مجاورون على الدوام و الناس يتبركون بتلك التربة،

____________

(1) العبارة فى المتن الفارسى نصها: چون أمير خشويه را ديد» و معناها: فلما رأى الأمير خشويه- و هذا خطأ واضح نبه إليه مدرس رضوى فى الحاشية حيث قال: و فى نسخة «چون خشويه أمير را ديد» و معناها: فلما رأى خشويه الأمير، و هذا أنسب.

(2) أى لهيبة أبى حفص.

(3) أى المكان الذى تستجاب فيه الدعوة.

89

و يسمون ذلك الموضع باب حقره‏ (1) (أى باب طريق الحق) لأن الناس كانوا يحملون الفتاوى هنالك إلى السيد أبى حفص رحمة اللّه عليه، و قد سموا الفتوى الحق و لهذا سموه «حقره» أى طريق الحق. و يسمون الباب السابع «در نو» أى الباب الجديد، بمعنى أنه آخر أبواب المدينة. و حين تدخل هذا الباب يكون مسجد القرشيين، على يدك اليمنى، و هو بقرب دار السيد أبى حفص. و يسمونه مسجد القرشيين، لأن مقاتل بن سليمان القرشى أقام هنالك، و مقاتل هذا هو مولى حيان و كان حيان مولى طلحة بن هبيرة الشيبانى. و كان حيان هذا رجلا عظيما و ذا قدر، و قد ذهب إلى خراسان و عقد صلحا بين قتيبة و طرخون ملك السغد فى وقت كان الكفار قد أحاطوا بقتيبة على باب بخارى، ثم إن حيان هذا نفسه بعث بعسكر إلى فرغانة فقتلوا قتيبة، و يسمون حوض حيان باسمه. و تربة قتيبة معروفة فى فرغانة فى ناحية رباط سرهنگ‏ (2) (أى رباط القائد) حيث يرقد فى قرية تسمى كاخ (أى القصر) و يذهبون إلى هنالك دائما من الولايات للزيارة. و كان عمره خمسا و خمسين سنة حين استشهد، رضى اللّه عنه‏ (3).

____________

(1) «حقره» مخفف «حق راه» أى طريق الحق.

(2) هذه الكاف الفارسية «ك» تنطق مثل الجيم العامية فى لهجة أهل القاهرة.

(3) استشهد قتيبة بن مسلم الباهلى سنة 96 ه- 715 م.- انظر تعليقنا بحاشية 1 ص 69.

90

ذكر آل سامان و نسبهم‏

لما صار أسد بن عبد اللّه القشيرى‏ (1) أمير خراسان جاء إلى خراسان و بقى هنالك حتى رحل عن الدنيا فى سنة مائة و ست و ستين (782 م).

و حكوا أنه كان رجلا صالحا كريما، و كان يتطلع إلى مواساة الأسرات الكبيرة القديمة و يحسن رعاية الأصلاء سواء من العرب أو من العجم.

و لما فرّ سامان خداة جدهم (أى جد آل سامان) من بلخ‏ (2) و جاء إليه (أى إلى أسد القشيرى) فى مرو، أكرمه و حماه و قهر أعداءه و أعاد إليه بلخ و آمن سامان خداة على يديه.

و يسمى سامان خداة لأنه بنى قرية و أسماها سامان‏ (3) فدعوه بذلك الاسم،

____________

(1) فى جميع النسخ القشيرى- و هذا خطأ بالتأكيد لأن أسد بن عبد اللّه هذا أخو خالد بن عبد اللّه ابن يزيد بن أسد بن كرز البجلى القسرى من أمراء بنى أمية المعروفين و كان من خطباء ذلك العصر، و قد ذكرت ترجمة حياته فى كثير من كتب التاريخ و التراجم، و ذكر و ضبط فى كل مكان «القسرى» و لا موضع للشك و التردد فى ذلك. و تولى خالد بعد إمارة الحجاز إمارة العراقين من قبل هشام بن عبد الملك و جعل أخاه أسدا خليفته فى خراسان. و بعد أن عزل كلاهما بعد مدة تولى أسد بن عبد اللّه إمارة خراسان مرة أخرى سنة مائة و ست عشرة (734 م.) و بقى فى إمارة خراسان حتى توفى فى بلخ سنة مائة و عشرين (737 م)- بناء على هذا يكون تاريخ مائة و ست و ستين الذى ذكر فى النص غلطا و صحيحه مائة و عشرون. [حاشية مدرس رضوى ص 69، 70].

(2) بلخ‏(Balkh) : من أقدم مدن آسيا فى شمال أفغانستان على بعد حوالى عشرة فراسخ جنوب نهر جيحون‏(Oxus) ، عرفت لدى اليونان باسم باكتره (باختر) عاصمة إقليم باكتريا(Bactriane) و اسمها القديم زرياسپ أو زراسپ و لقبت فى الإسلام بأم البلاد و (شهر إبرهيم) أى مدينة إبرهيم.

و تعتبر بلخ من أهم المناطق الأثرية فى أفغانستان و فيها مآذن و واجهات و أروقة للمبانى الأثرية التى كانت تضمها هذه المدينة التاريخية، و منها مبنى «نو بهار» الشهير الذى بنى قبل الميلاد و مبنى «باباقو» و «خواجه پارسا» و كذلك «أطلال عكاشة» التى تقع على مقربة من الباب الغربى لمدينة بلخ.

(3) سامان: آخره نون، قال الحازمى سامان من محال إصبهان ينسب إليها أبو العباس أحمد بن على السامانى الصحاف. و قال أبو عبد اللّه محمد بن أحمد البناء البشارى: سامان قرية بنواحى سمرقند إليها ينسب ملوك بنى سامان بما وراء النهر و يزعمون أنهم من ولد بهرام جور، و يؤيده أنهم يقولون: سامان خداة ابن جبا بن طمغاث بن نوشرد بن بهرام جور، و اختلفوا فى لفظ جبا على عدة أقوال فالسمعانى ضبطه جبا-

91

كما يدعى أمير بخارى بخار خداة. و لما رزق سامان خداة بغلام أسماه أسدا لمحبته إياه، و أسد هذا هو جد الأمير الماضى‏ (1) إسماعيل السامانى رحمة اللّه عليه.

و إسماعيل بن أسد بن سامان خداة. و كان سامان خداة من أبناء الملك بهرام چوبين (تشوبين) (2) و من ثم أخذ بلاط السامانيين يزداد رفعة كل يوم حتى بلغ ما بلغ.

و يقول أحمد بن محمد بن نصر إن محمدا بن جعفر قد روى فى كتابه عن محمد ابن صالح الليثى و أبى الحسن الميدانى أنه فى أيام أسد بن عبد اللّه القشيرى خرج رجل و دعا أهل بخارى إلى الإيمان، و كان أهل بخارى فى الأغلب أهل ذمة و يدفعون الجزية، فأجابه قوم و أسلموا، و كان طغشادة ملك بخارى، فغضب لأنه كان فى السر كافرا فكتب إلى أمير خراسان أسد بن عبد اللّه كتابا يقول فيه إنه ظهر ببخارى رجل يثير علينا الولاية و جعل قوما يخرجون علينا، و يقولون إننا أسلمنا و هم كاذبون، أسلموا بلسانهم و هم مشغولون بأمرهم ذاك (أى الكفر) فى سرهم، و يثيرون الولاية و الملك بهذه الحجة و لا يؤدون الخراج‏ (3)، و لهذا كتب أسد بن عبد اللّه إلى عامله شريك بن حريث و أمره بأن يقبض على هؤلاء القوم و يسلمهم لملك بخارى ليفعل بهم ما يشاء، و روى أن هؤلاء القوم كانوا فى المسجد يقولون جميعا بصوت عال: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و يصيحون:

وا محمدا و وا أحمدا، و كان بخار خداة (طغشادة) يضرب أعناقهم و لم يكن أحد-

____________

بضم أوله و الباء الموحدة، و ضبطه المستغفرى بالفتح و قال يروى بالتاء و يروى بالحاء و يروى بالخاء.

كذا قالوا ... و قال الفرغانى فى تاريخه حدثنى أبو للعباس محمد بن الحسن بن العباس البخارى أن أصلهم من سامان و هى قرية من قرى بلخ من البهارمة، و يمكن الجمع بين القولين لأن سامان خداة معناه المالك سامان، لأن خداة بالفارسية الملك فيكون أرادوا ذلك. ثم غلب عليهم هذا الاسم و ذلك كقولهم شاه أرمن لملك الأرمن و خوارزم شاه لصاحب خوارزم، و يقولون لرؤساء القرى ده خدا لأن (ده) اسم القرية (خدا) مالك، كأنه قال مالك القرية أو رب القرية. (ياقوت: معجم البلدان، طبع القاهرة سنة 1906 ج 5، ص 11، 12).

(1) فى نسخة «رضى» هكذا فى حاشية مدرس رضوى ص 70.

(2) بهرام چوبين (تشوبين) كان قائد كسرى أبرويز و قد ثار هذا القائد على كسرى ففر كسرى إلى الروم و استعان بهم على استعادة ملكه و تمكن كسرى من قتل بهرام الثائر عليه.

(3) الترجمة الحرفية: و يكسرون الخراج.

92

يجرؤ على الكلام فيشفع لهم، حتى ضرب أعناق أربعمائة شخص و صلبهم و استرق الباقين باسم أسد بن عبد اللّه و أرسلهم إليه بخراسان. و لم يرتد أحد قط من هؤلاء القوم عن الإسلام، و بقى من بقى منهم على الإسلام، و لم يثن أسد بن عبد اللّه هؤلاء القوم عن الإسلام. و لما مات طغشادة بخار خداة عاد هؤلاء القوم إلى بخارى. «و اللّه أعلم».

93

ذكر نصر بن سيار و مقتل طغشادة

مات أسد بن عبد اللّه فى نفس سنة مائة و ست و ستين (782 م.) (1) و جعل هشام بن عبد الملك بن مروان‏ (2) نصرا بن سيار (3) أميرا لخراسان و أرسل إليه منشورا فلما جاء إلى ماوراء النهر و حارب الأتراك و فتح فرغانة و شتّتهم عاد إلى سمرقند، فلما بلغها ذهب إليه طغشادة بخار خداة، و أكرمه نصر و احترمه لأنه كان خطب إليه ابنته. و كان طغشادة قد أعطاه ضياع خنبون العليا (4) التى تسمى «كاريك علويان» و لما جاء طغشادة إلى نصر بن سيار كان نصر بن سيار جالسا على باب داره و ذلك فى شهر رمضان وقت غروب الشمس، و بينما كان نصر بن سيار يتحدث مع بخار خداة جاء دهقانان من بخارى كلاهما من أقارب بخار خداة، و قد أسلما على يد نصر بن سيار، و كانا من أبناء العظماء فتظلما كلاهما لدى نصر بن سيار من بخار خداة و قالا لقد غصبنا بخار خداة قرانا، و كان و اصل بن عمرو أمير بخارى حاضرا هناك فطلبا الانتصاف منه أيضا و قالا بأن كلا هذين قد اتحدا و يأخذان أملاك الناس، و كان طغشادة يتحدث همسا فظنا أن طغشادة يطلب من نصر بن سيار أن يقتلهما، فعزما (على أمر) و قالا لبعضهما البعض: ما دام بخار خداة سيقتلنا فلا أقل من أن نشفى أنفسنا

ليت هندا أنجزتنا ما تعد* * * و شفت أنفسنا مما تجد

(5) و قال طغشادة لنصر بن سيار

____________

(1) فى هذا التاريخ سهو أيضا، و موت أسد بن عبد اللّه و إمارة نصر بن سيار كما سبق ذكره حدثا فى سنة مائة و عشرين (737 م.). [حاشية مدرس رضوى ص 71].

(2) الخليفة هشام بن عبد الملك بن مروان (71- 125/ 690- 743 م).

(3) و هو نصر بن سيار بن رافع بن حرى بن ربيعة الكنانى (46- 131 ه/ 666- 748 م) شيخ مضر بخراسان و والى بلخ ثم أمير خراسان بعد وفاة أسد بن عبد اللّه القسرى سنة 120 ه (737 م) مات بساوة سنة 131 ه (748 م) و هو ينتظر النجدة من بنى مروان.

(4) انظر تعليقنا عليه بحاشية 2 ص 70.

(5) الترجمة الحرفية «نطيب قلوبنا» و الجملة تفيد الانتقام فوضعنا ما يفيد ذلك بالعربية.

يقول جرير:

ليت هندا أنجزتنا ما تعد* * * و شفت أنفسنا مما تجد

94

بأن هذين اللذين آمنا على يديك أيها الأمير، لم يضعان الخناجر فى وسطيهما؟

فقال لهما نصر بن سيار: لم تضعان هذه الخناجر فى وسطيكما؟ فقالا بيننا و بين بخار خداة عداوة و لا نأمن على أنفسنا منه. فأمر نصر بن سيار هارون بن سياوش بحل الخناجر عن وسطيهما و تجهم لهما الأمير، فابتعد ذانك الدهقانان و دبرا قتلهما. و نهض نصر بن سيار للصلاة و أقامها و أم (المصلين) و أدى الصلاة. و كان بخار خداة جالسا على كرسى و لم يصل لأنه كان ما يزال كافرا فى سريرته. فلما فرغ نصر بن سيار من الصلاة دخل البيت و دعا طغشادة فزلقت قدم طغشادة على باب الدار و وقع فجرى أحد ذينك الدهقانين و طعن بخار خداة بسكين فى بطنه و مزقها، و لحق الآخر بواصل و كان ما يزال فى الصلاة فضربه فى بطنه بحربة، فلما بصر به واصل أسرع بضربه بالسيف و رمى رأس ذلك الدهقان و مات كلاهما فى آن واحد، و أمر نصر بن سيار بقتل ذلك الذى طعن بخار خداة بالسكين و حملوا بخار خداة فى الحال إلى داخل البيت، و أجلسه نصر بن سيار على و سادته و استدعى «قريحة» الطبيب و أمره بمعالجته- و كان بخار خداة يوصى و مات بعد ساعة، فدخل غلمانه و نزعوا عنه لحمه و حملوا عظامه إلى بخارى. و كان ملكا مدة اثنتين و ثلاثين سنة. و صلى نصر بن سيار على واصل بن عمرو و دفنه فى بيته، و أقام ابن‏ (1) طغشادة بخار خداة لبخارى و نصب خالد بن جنيد أميرا على بخارى. و اللّه أعلم.

____________

(1) فى نسختى شيفر و مدرس رضوى «بشر». و أشار مدرس رضوى فى حاشية ص 73 بأنه فى نسخة د «پسر» أى «ابن» و هذا أصوب. لأن بشرا اسم عربى و لم يكن مستعملا ببخارى وقتئذ.

95

ذكر شريك بن الشيخ المهرى‏

كان رجل من العرب قد أقام ببخارى و كان رجلا مبارزا شيعيّا، يدعو الناس إلى خلافة أبناء أمير المؤمنين على رضى اللّه عنه و يقول: لقد تخلصنا الآن من عناء المروانيين، فلا حاجة بنا إلى عناء آل العباس، و يجب أن يكون أبناء النبى خلفاءه، فاجتمع عليه خلق كثيرون، و كان أمير بخارى عبد الجبار بن شعيب، و قد بايعه و بايعه كذلك أمير خوارزم‏ (1) عبد الملك بن هرثمة، و أمير برزم‏ (2) مخلد بن الحسين، و اتفقوا و قبلوا نشر هذه الدعوة و حرب كل من يواجههم. فبلغ هذا الخبر أبا مسلم‏ (3)، فبعث زيادا بن صالح إلى بخارى فى عشرة آلاف رجل و أمره قائلا إذا وصلت إلى نهر آموى (جيحون) فتلبث و ابعث الجواسيس ليخبروك بأحوال شريك‏ (4) الخارجى، و لتذهب بحيطة إلى بخارى. و خرج أبو مسلم (رحمه اللّه) من مرو و عسكر على مرحلة من طريق آموى (جيحون) و جمع عسكره من كل جانب، و قال لزياد بن صالح أنا هنالك فإذا احتجت إلى عسكر فاخبرنى لأبعثه إليك، فجاء زياد إلى بخارى و عسكر، و عسكر شريك بن الشيخ بعسكر عظيم على باب بخارى و حالفه جميع أهل بخارى على حرب أبى مسلم‏ (5) و قاتلوا مدة سبعة و ثلاثين يوما، و لم يكن يوم قط إلا و كان الظفر لهذا الشيخ، و كان يقتل فى كل يوم و يؤسر كثير من عسكر زياد و ابن صالح حتى ذهب سليمان القرشى مولى حيان النبطى إلى‏

____________

(1) انظر تعليقنا بحاشية 1 ص 60.

(2) برزم‏(Berzem) اسم حصن على نهر آمو (برهان قاطع) (و ديميزون، ج 1 ص 280).

(3) انظر تعليقنا عليه حاشية 1 ص 25.

(4) آموى، آمو، آمو دريا، درياى آمو، آب آمو (جيحون): نهر مشهور فى آسيا الوسطى فى التركستان ينبع من جبال پامير(Pamir) و آلتاى‏(Altai) و يجرى على الحدود الفاصلة بين أفغانستان و جمهورية تاجيكستان الحالية ثم يتجه شمالا بعد مدينة ترمذ حتى يصب فى بحيرة آرال‏(Aral) يعرف باسم جيحون‏(Djeihoun) لدى العرب و باسم اوكسوس‏(Oxus) لدى اليونان القدماء و الإفرنجة.

(5) فى نسخة مدرس رضوى على حرب زياد بن صالح و أبى مسلم.

96

باب المدينة فى خمسمائة رجل، فخرج حمزة الهمدانى من مدينة بخارى فى مواجهته، و كان سليمان قد وضع أربعمائة رجل فى كمين و تقدم هو فى مائة رجل لحرب حمزة الهمدانى، فظن حمزة أن رجاله هذا القدر لا أكثر، فتقدم و حارب و خرج هؤلاء الأربعمائة رجل من الكمين و أهلكوا خلقا كثيرا و فر الباقون إلى داخل المدينة، و جاء قتيبة بن طغشادة بخار خداة فى عشرة آلاف رجل و أظهر علامة الجيش و التحم مع زياد بن صالح فى الحرب و أمر بفتح أبواب القصور، و كان على باب مدينة بخارى سبعمائة قصر، فأمر أهل القصور بإظهار علامة الجيش، و كان الناس فى هذه القصور أكثر من هؤلاء الذين فى المدينة، و لكن كان (العرب) فى المدينة مع أهلها و لم يكن فى القصور أحد من (العرب)، و أمر بخار خداة أهل الرستاق و أهل القصور بغلق الأبواب أمام عسكر شريك و عدم تقديم الطعام و العلف و أمر بحمل الطعام و العلف إلى معسكر زياد، و صعبوا الأمر على عسكر شريك بكل الطرق، حتى بقى العسكر فى ضيق و جاعوا، فلم تجد دوابهم العلف و عجزوا عن العمل، و تدبروا فصار الاتفاق على أن يزدادوا اقترابا من باب المدينة ليأتوا بالطعام و العلف منها، و يجعلوا المدينة خلفهم و وجومهم صوب الخصم، و يعاونهم من المدينة أيضا عسكر آخر. و لكنهم لم يستطيعوا الذهاب نهارا، لأن معسكر زياد و بخار خداة كان على الطريق فذهبوا ليلا حتى صاروا على فرسخ من المدينة، و علم زياد فخرج، و أخذ الطريق عليهم، و تقاتلوا قتالا شديدا و وقعت الهزيمة على عسكر زياد و بخار خداة فقال بخار خداة الصواب أن نحمل على ساقة الجيش‏ (1) لأننا إذا خرجنا قدامهم يهجمون على الموقع و يشتد الأمر علينا، فإذا ما حملنا على الساقة تكون مقدمتهم قد ألقت بنفسها فى المدينة، فيعودون على عجل و يقفون للحرب و تتحقق مصلحتنا. ففعلوا كذلك و بقيوا حتى ذهب بعضهم و من ثم حملوا على الساقة و أخذوا فى الحرب، و كانوا يحاربون و يذهبون، حتى وصلوا إلى «نوكندة» (2) فقال بخار خداة لزياد بن صالح: إن هؤلاء القوم جياع، و لم يروا العنب و الشمام‏

____________

(1) ساقة الجيش: مؤخرة الجيش.

(2) نوكندة: الكاف مفتوحة ثم نون ساكنة و دال مهملة (نوكند) من قرى سمرقند.

97

و لم يأكلوهما هذا العام، فحينما يصلون إلى «نوكنده» نتركهم حتى يشغلوا أنفسهم بالعنب و الشمام و تكون مقدمتهم بلغت المدينة و عندئذ ننقض عليهم. فلما وصلوا إلى نوكنده تفرقوا فى طلب العنب و الشمام و الفاكهة، و كانت مقدمتهم و صلت المدينة، و عندئذ هاجمهم بخار خداة و زياد و حملا عليهم و قتلا خلقا عظيما و انهزم الباقون، و فى أثناء ذلك سقط شريك بن الشيخ الذى كان صاحب دعوة هؤلاء القوم عن حصانه و قتل‏ (1). و نزل زياد بن صالح على باب «ماخ» (2) الذى يسمى الآن مسجد مغاك (أى مسجد الكهف) على ضفة النهر، و أمر بإضرام النار فى المدينة، و ظلت المدينة تحترق مدة ثلائة أيام بلياليها و أمر بأن ينادى بأن كل من يخرج يعطى الأمان. و كان زياد قد ترك العسكر بعيدا عن المدينة حتى يخرجوا، و فى هذه الليلة وصل ابن شريك و أحد كبار عسكره إلى باب المدينة، فقبض على كليهما و حملا إلى زياد فأمر بصلبهما. و جبن أهل المدينة و لم يخرجوا بهذا النداء.

و بعد ثلاثة أيام جاء زياد إلى باب المدينة و نزل بقصر بخار خداة الذى كان على باب الحصار بريكستان‏ (3)، و أمر بذهاب العسكر إلى باب المدينة و واصلوا الحرب ثانيا، و كانوا يحاربون و يكبرون فتهتز الأرض، و اشتدت المعركة و خرج بضعة أشخاص من الأعيان، و دار القتال بباب العطارين و قتل كثير من أهل المدينة، و أمر زياد بصلب كل من يؤسر من المدينة على بابها، و استولوا عليها آخر الأمر.

و حيما فرغ زياد من أمر بخارى ذهب إلى سمرقند و هنالك وقعت له حروب ثم ذهب إلى خراسان. و اللّه أعلم.

____________

(1) قتل شريك بن الشيخ المهدى سنة 133 ه (750 م) [الزركلى: الأعلام ج 3 ص 239]

(2) ماخ‏(Makh) بالخاء المعجمة- مسجد ماخ ببخارى و محلة ماخ بها و هو اسم رجل مجوسى أسلم و بنى (جعل) داره مسجدا. [ياقوت: معجم البلدان ج 7 ص 352].

(3) ك: هذه الكاف الفارسية تنطق مثل الجيم فى عامية أهل القاهرة.

98

ذكر خروج المقنع و أتباعه من المبيضة (1)

يقول أحمد بن نصر إن محمدا بن جعفر روى هذا الفصل فى كتابه و لكن رواه ناقصا و روى إبرهيم صاحب أخبار المقنع و محمد بن جرير الطبرى‏ (2) أن المقنع كان رجلا من أهل رستاق مرو (3) من قرية يقال لها «كازه» و كان اسمه هاشم ابن حكيم و كان يشتغل أول أمره بالقصارة (4) ثم اشتغل بتعليم العلم و حصل علوما من كل نوع و تعلم الشعبذة و علم النيرنجات و الطلسمات، و حذق الشعبذة و كان يدعى النبوة أيضا، و قضى عليه المهدى بن المنصور (5) فى سنة مائة و سبع و ستين هجرية (783 م) (6). و قد تعلم النيرنجات و كان فى غاية الذكاء. قرأ كتبا كثيرة من علوم الأولين و صار بارعا للغاية فى السحر، و كان اسم أبيه حكيما، و كان قائدا من قواد أمير خراسان فى زمان أبى جعفر الدوانقى و من أهل بلخ، و سمى المقنع لأنه كان يغطى رأسه و وجهه إذ كان فى غاية القبح، و كان رأسه أصلع و إحدى عينيه عوراء و كان دائما يضع على رأسه و وجهه قناعا أخضر (7). و كان هذا المقنع فى أيام‏

____________

(1) كان أتباع المقنع يرتدون الثياب البيضاء و يتخذونها شعارا لهم فعرفوا فى التاريخ باسم المبيضة (سفيد جامكان).

(2) هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبرى المؤرخ المفسر الإمام، ولد فى آمل بطبرستان سنة 224 ه/ 839 م. و استوطن بغداد حيث توفى بعد أن ترك آثارا خالدة سنة 310 ه/ 923 م.

(3) انظر تعليقنا بحاشية 4 ص 35.

(4) مهنة غسل الثياب و تبييضها.

(5) هو الخليفة محمد بن أبى جعفر المنصور بن محمد بن على بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب ثالث الخلفاء العباسيين (158- 169 ه/ 775- 785 م).

(6) فى كتاب الأعلام للزركلى ج 5 ص 29 مات سنة 163 ه/ 780 م. و كان ظهور المقنع سنة 161 ه. (777 م) كما ذكره الطبرى و الشهرستانى و غيرهما من المؤرخين.

(7) و فى بعض المراجع و منها ابن الأثير و ابن خلكان و الشهرستانى أن هذا القناع كان من الذهب على صورة وجه إنسان (راجع الأعلام للزركلى ج 5 ص 29).

99

أبى مسلم صاحب الدعوة قائدا من قواد خراسان و صار وزيرا لعبد الجبار الأزدى‏ (1) و ادعى النبوة و ظل هكذا مدة. و أرسل إليه أبو جعفر الدوانقى شخصا و حمله من مرو إلى بغداد، و سجنه سنوات. و لما أطلق سراحه بعد ذلك عاد إلى مرو و جمع الناس و قال: أتعلمون من أنا؟ قالوا: أنت هاشم بن حكيم. فقال أخطأتم! أنا إلهكم و إله العالم أجمع [ترب فوه‏ (2)] و قال أنا أدعو نفسى بأى اسم أريد، ثم قال أنا الذى أظهرت نفسى للخلق بصورة آدم ثم بصورة نوح ثم بصورة إبرهيم ثم بصورة موسى ثم بصورة عيسى ثم بصورة محمد- (صلى اللّه عليه و سلم)-، ثم بصورة أبى مسلم ثم بهذه الصورة التى ترون. و قال الناس: لقد ادعى الآخرون النبوة و أنت تدعى الألوهية. فقال: هم نفسانيون و أنا الروحانى الذى كنت فيهم ولى القدرة على إظهار نفسى بأى صورة أشاء. و كتب كتبا إلى كل ولاية و أعطاها لدعاته و كتب فيها: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من هاشم بن حكيم سيد السادات إلى فلان بن فلان، الحمد للّه الذى لا إله إلا هو إله آدم و نوح و إبرهيم و عيسى و موسى و محمد و أبى مسلم. ثم إن للمقنع القدرة و السلطان و العزة و البرهان، اتبعونى و اعلموا أن الملك لى [عليه اللعنة]- ولى العزة و الربوبية و لا إله غيرى [ترب فوه‏] و كل من يتبعنى له الجنة و كل من لا يتبعنى له النار» و أرسل دعاته إلى كل مكان و هو ما زال بمرو، و أضل كثيرا من الناس. و كان بمرو رجل من العرب اسمه عبد اللّه بن عمرو اتبعه و زوجه ابنته و عبر عبد اللّه هذا جيحون و جاء إلى نخشب و كش، و كان يدعو الخلق فى كل مكان إلى دين المقنع [عليه اللعنة] و أضل أناسى كثيرا و كان أكثرهم فى كش و رستاق كش، و كانت أول قرية دخلت دين المقنع و أظهرت دينه قرية فى كش‏

____________

(1) هو عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدى، أمير من الشجعان الأشداء الجبارين فى صدر العهد العباسى و لاه المنصور إمرة خراسان سنة 140 ه. (757 م.) فقتل كثيرا من أهلها بتهمة الدعوة لولد على ابن أبى طالب ثم خلع طاعة المنصور فوجه المنصور الجند لقتاله فأسروه و حملوه إليه فقطعت يداه و رجلاه و ضرب عنقه بالكوفة و نفى أهله و بنوه (ابن الأثير ج 5 ص 186- 187 و كذلك فى الأعلام للزركلى ج 4 ص 48).

(2) هذه العبارة تقابل فى العربية «فض فوه» و هى ترجمة [خاكش بدهن‏].

100

اسمها قرية «سوبخ» (1) و كان كبيرهم عمرو السوبخى‏ (2) فخرجوا و قتلوا أميرهم و كان رجلا و رعا من العرب، و قد دخلت أغلب قرى السغد فى دين المقنع و كفر كثيرون من قرى بخارى و أعلنوا الكفر. و قد عظمت هذه الفتنة و اشتد البلاء على المسلمين، فكانوا (أى أتباع المقنع) يقطعون الطريق على القوافل و ينهبون القرى و يكثرون التخريب‏ (3). و فشا خبر المقنع بخراسان، فأمر حميد بن قحطبة الذى كان أمير خراسان بالقبض عليه، ففر من قريته و ظل مختفيا حتى تبين له أن خلقا عظيما بولاية ماوراء النهر قد اعتنقوا دينه و أظهروه فأراد عبور جيحون، و كان أمير خراسان قد أمر الحراس بتوقيفه على شاطئ جيحون و كان مائة فارس يصعدون شاطئ جيحون و ينزلون باستمرار ليقبضوا عليه إذا عبر، فجاء إلى شاطئ جيحون فى ست و ثلاثين شخصا و صنع طوفا و عبر جيحون و ذهب إلى ولاية كش و أصبحت تلك الولاية تبعا له و مال الخلق إليه. و كان على جبل سام حصن فى غاية الاستحكام و به ماء جار و أشجار و زروع، و حصن آخر أقوى من هذا، فأمر بتعميره و جمع هنالك أموالا كثيرة و نعما لا تحصى، و أقام الحراس و كثرت المبيضة و عجز المسلمون فى أمرهم و بلغ الخبر بغداد، و كان الخليفة فى ذلك الوقت المهدى‏ (4)، فتضايق و بعث بعساكر كثيرة لحربه و أخيرا حضر هو نفسه إلى نيسابور (5) لدفع تلك الفتنة،

____________

(1) جاء فى حاشية مدرس رضوى نقلا عن معجم البلدان ما يأتى: شوبخ و شوبخى و سوبخ بضم الأول و سكون الثانى و بعدهما باء موحدة و خاء معجمة من قرى نسف (كش).

(2) فى نسخة مدرس رضوى عمر بدل عمرو.

(3) جاء فى نسخة مدرس رضوى بعد هذه الجملة مايلى: و كان سبب ذهاب المقنع إلى ماوراء النهر أنه لما فشا خبر المقنع بخراسان ... إلخ.

(4) المهدى- هو الخليفة محمد بن أبى جعفر المنصور بن محمد بن على بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب ثالث خلفاء بنى العباس حكم (158- 169 ه/ 775- 785 م).

(5) نيسابور معرب نيشاپور(Nischapour) و كذا نشاپور، مدينة مشهورة من مدن خراسان على بعد 90 كيلومترا من مدينة مشهد. اسمها القديم نيشاور أو نشاوور، عرفت لدى اليونان القدماء باسم «نيسا» أو «نيسوس» و إليها ينسب الإله «ديونيسوس». تم فتحها أيام عمر و عثمان رضى اللّه عنهما و أصبحت فيما بعد عاصمة للدولة الصفارية و مركزا هاما من مراكز العالم الإسلامى فكثر عدد مدارسها و ازدهرت فيها العلوم و الفنون كما ظهر منها علماء أجلاء نسبوا إليها فعرف كل منهم بالنيسابورى. [ش. سامى:

قاموس الأعلام ج 6 ص 4630، 4631].

101

المسجد الجامع و المنارة ببخارى‏

102

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

103

و كان يخشى فساد الإسلام و انتشار دين المقنع فى العالم أجمع. و دعى المقنع الأتراك و أباح لهم دماء و أموال المسلمين. و جاء من التركستان عساكر كثيرة طمعا فى النهب و نهبوا الولايات و كانوا يأسرون نساء و أبناء المسلمين و يقتلونهم. و قد ظهر فى بخارى لأول مرة جماعة المبيضة الذين كانوا من مبايعى المقنع و ذهبوا إلى قرية يقال لها «نمجكت‏ (1)» و دخلوا المسجد ليلا و قتلوا المؤذن مع خمسة عشر شخصا و قضوا على أهل القرية جميعا و كان ذلك فى سنة تسع و خمسين و مائة (775 م).

و كان أمير بخارى حسين بن معاذ، و كان من أكابر طائفة المقنع رجل من أهل بخارى اسمه الحكيم أحمد، و معه ثلاثة قواد آخرون اسم الأول «حشرى» و الثانى «باغى» و كان هذان من «كوشك فضيل»، و كان اسم الثالث «كردك» من «غجدوان‏ (2)»، و كان كل هؤلاء الثلاثة مبارزين و عيارين و عدائين و شطارا (3).

فلما قتلوا أهل القرية. و بلغ الخبر المدينة، اجتمع أهل بخارى و ذهبوا إلى الأمير و قالوا: لا بد لنا من محاربة هؤلاء المبيضة. فخرج حسين بن معاذ فى عسكره و قاضى بخارى عامر بن عمران فى أهل بخارى فى شهر رجب سنة تسع و خمسين و مائة (775 م) و ذهبوا حتى قرية «نرشخ» و يقال لها الآن «نراجق» و عسكروا أمامهم. و قال قاضى بخارى نحن ندعوهم إلى دين الحق و ما ينبغى لنا أن نحاربهم ثم دخل القاضى القرية مع أهل الصلاح ليدعوهم إلى دين الحق، فقالوا: نحن لا نفقه ما تقولون، و ازدادوا كل يوم كفرا، و لم يقبلوا نصحا، و من ثم اشتبكوا فى الحرب. و كان أول من حمل عليهم رجل من العرب اسمه نعيم بن سهل، حارب كثيرا و قتل عدة أشخاص و قتل آخر الأمر، و نزلت الهزيمة بالمبيضة و قتل منهم سبعمائة رجل و فر الآخرون و انقضى اليوم. فلما أصبح الصباح بعثوا رسولا و طلبوا الأمان و قالوا أسلمنا، فصالحوهم و كتبوا كتاب الصلح و اشترط المسلمون عليهم أن‏

____________

(1) هى بومسكت‏(Boumesseket) انظر حاشية 1 ص 39.

(2) غجدوان- بضم أوله و سكون ثانيه و ضم الدال و آخره نون من قرى بخارى (معجم البلدان ج 6 ص 268).

(3) ترجمة «طرّار» و كلمة طرّار تأتى بمعنى نشال و محتال و الشاطر هو المتصف بالدهاء و الخباثة و هذا المعنى أنسب فى هذه العبارة.

104

لا يقطعوا الطريق و أن لا يقتلوا المسلمين و أن ينصرفوا إلى قراهم و يطيعوا أميرهم. و أخذوا عليهم عهد اللّه و رسوله، و قد وقع جميع أعيان المدينة على كتاب الصلح. و لما رجع المسلمون رجعوا هم أيضا عن ذلك العهد، و اشتغلوا ثانيا بقطع الطريق و أخذوا يقتلون المسلمين و ينقلون المزروعات الخضراء النامية إلى حصن نرشخ، و اشتد الأمر على المسلمين.

فبعث الخليفة المهدى وزيره جبرائيل بن يحيى لحرب المقنع، فجاء إلى بخارى و عسكر على باب سمرقند ليذهب لحرب المقنع، فذهب إليه حسين بن معاذ و قال: أعنى على حرب المبيضة حتى إذا ما فرغنا من هذا الأمر نذهب معك لحرب المقنع، فأجابه جبرائيل و أخذ العسكر و ذهب حتى قرية نرشخ و أمر بحفر خندق حول القرية و عسكروا فى الخندق و أمر العسكر باليقظة حتى لا تخرج المبيضة و تغير عليهم ليلا، و حدث ما قال فخرجوا (أى المبيضة) أول ليلة و أغاروا عليهم و أحدثوا كثيرا من التخريب. فلما رأى حسين بن معاذ أمير بخارى الأمر كذلك بالغ فى ملاطفة جبرائيل و طلب إليه أن يبقى ببخارى و لا يذهب إلى كش‏ (1) حتى يتم هذا الأمر، فاشتبك جبرائيل فى الحرب و تحاربوا أربعة شهور متصلة صباح مساء و لم يكن يوم إلا و كان الظفر فيه للمبيضة، و حار المسلمون و تلمسوا الحيلة، فقال مالك بن فارم: أنا أدبركم فأمر بحفر أخدود من المعسكر حتى جدار الحصار و أرسل الرجال هنالك بالسلاح و أمر بتقوية كل ما يحفرون بالخشب و القصب و التراب و تغطيته حتى و صلوا إلى أسفل جدار الحصار و جعلوا ثغرة بمقدار خمسين ذراعا و قووها بالأعمدة، فلما حفر مقدار خمسين ذراعا ملأوه بالحطب و ألقوا فيه النفط و أضرموا النار لتحترق تلك الأعمدة و ينهار جدار الحصن، فلم تشتعل النار لأن النار يلزمها الريح لتشتعل. و لم يكن هناك تحت الحصن طريق للريح، فنصبوا المجانيق و صوبوها نحو ذلك البرج الذى ردم تحته و ألقوا الحجارة فحدثت ثغرة و تطرق الريح و اشتعلت النار و احترقت تلك الأعمدة و انهار مقدار خمسين ذراعا.

و وضع المسلمون فيهم السيف و قتلوا أناسا كثيرين و استأمن الباقون ثم تعاهدوا على‏

____________

(1) كش و تعرف الآن بشهر سبز مدينة بالتركستان قرب نخشب (قرشى).(Desmaison :V .3 ,p ,38)