تاريخ بخارا

- محمد بن جعفر النرشخي المزيد...
194 /
105

ما كانوا تعاهدوا عليه أولا، بأن لا يؤذوا المسلمين و أن يعودوا إلى قراهم و يبعثوا بكبرائهم إلى الخليفة و لا يحملوا معهم سلاحا. فتعهدوا بهذه الشروط، و خرجوا و عبروا الخندق و حملوا معهم السلاح خفية. و أودع جبرائيل كبيرهم حكيم لدى ابنه العباس قائلا؛ أنزله فى السرادق و اقتله خفية.

و امتثلوا أمره فحملوه إلى السرادق، و كانوا واقفين من بعيد، و ذهب جبرائيل إلى السرادق، فأرسل المبيضة «خشوى» الذى كان صديق «حكيم» و قال لجبرائيل:

نحن لا نذهب بدون «حكيم». و كان «خشوى» يلبس خفين جديدين، و بينما كان يقول هذا الكلام، جاء العباس بن جبرائيل و قال قتلت حكيما. فأمر جبرائيل بإنزال «خشوى» عن الحصان و قتلوه فى الحال. فصاح المبيضة و أخرجوا السلاح و دارت الحرب. و أمر جبرائيل بركوب العسكر جميعا و اشتبكوا فى الحرب و خاضوا معارك عنيفة أشد مما جرت، حتى هزموا مرة أخرى و قتل منهم (أى المبيضة) خلق كثير و فر من بقى. و كانت سيدة قرية نرشخ امرأة اسم زوجها شرف، و كان قائد أبى مسلم، و قد قتله أبو مسلم (رحمه اللّه) فأتوا بتلك المرأة إلى جبرائيل و كان معها ابن عم أعمى دنس و شرير للغاية، فقال جبرائيل لتلك المرأة: أحلى أبا مسلم.

فقالت: يعنون‏ (1) بأبى مسلم أبا المسلمين و هو ليس أبا المسلمين إذ أنه قتل زوجى.

فأمر جبرائيل بأن يشطروا هذه المرأة نصفين من وسطها، و قتلوا ابن عمها أيضا.

و ذهب «كردك» إلى المقنع و قتل «باغى» الذى كان منهم، فى الحرب أيضا.

و حمل جبرائيل رءوسهم إلى السغد ليكسر قلوب المبيضة فيها. و كان قد ولّى على أهل السغد أمير من نقباء المقنع اسمه سغديان فحالفه أهل السغد، و وقعت لجبرائيل حروب كثيرة مع أهل السغد. و أخيرا قتل رجل من أهل بخارى سغديان هذا، و تفرق هؤلاء القوم. و ذهب جبرائيل من هنالك إلى سمرقند و وقعت له مع الأتراك و المبيضة حروب كثيرة، و سار مع أمير خراسان معاذ بن مسلم حيث جاء إلى مرو سنة مائة و إحدى و ستين (777 م) و تجهز من هنالك و انحدر إلى صحارى آموى‏

____________

(1) الترجمة الحرفية: يقولون.

106

(جيحون). فلما بلغ بخارى جمع الدهاقين من أهل بخارى رجال الحرب فاجتمع خمسمائة و سبعون ألف رجل، فأمر معاذ بن مسلم بإعداد آلات حرب كثيرة، و أعد ثلاثة آلاف عامل بالقواديم و المساحى و الجرار و الفئوس و الصناع اللازمين فى الجيش من كل جنس و صنع المجانيق و العرادات، و يمم شطر السغد بأحسن تعبئة.

و كان بالسغد كثير من المبيضة و قد جاء كثير من عسكر الترك، و أتى أمير هرى (هراة) (1) بعشرة آلاف من الضأن من هراة و كان يحملها معه، فقال له معاذ ابن مسلم: الترك هنا خصومنا و هم على مقربة منا و هم شديد و الرغبة فى الخراف.

فاترك هذه الخراف ببخارى أو بعها لى لأقسمها بين العسكر، فلم يرض، فجاء قوم من الترك و أغاروا و استاقوا الخراف جميعا إلى مكان يقع بين «أربنجن‏ (2)» و «زرمان‏ (3)» فذهب العسكر فى إثرهم فقتل بعضهم و عاد بعضهم منهزمين، و ذهب معاذ بن مسلم إلى السغد و سمرقند و خاض حروبا كثيرة مع الترك و المبيضة

____________

(1) هرى و كذا هراة- مدينة هامة و عاصمة من عواصم خراسان فى شمال غرب أفغانستان الحالية على الساحل الشرقى من نهر «هرى» أو «هريرود» سماها الإسكندر المقدونى «الكساندريا آريانه» و قد ازدهرت هذه المدينة فى الإسلام و لا سيما فى القرنين الخامس عشر و السادس عشر الميلاديين فأصبحت من مراكز العلم و الفن. و منها خرج كثير من العلماء و الأدباء و أهل الفن يلقبون بالهروى منهم مولانا نور الدين الجامى و دولتشاه و مير خوند و حسين الواعظ الكاشفى، و من أبرز رجال الفن فى القرن التاسع الهجرى المصور كمال الدين بهزاد الذى يعرف برفائيل الشرق و هو الذى ترأس المجمع الفنى للكتاب بهراة ثم انتقل إلى تبريز حيث ترأس أيضا المجمع الفنى للكتاب و أصبحت له مدرسته الخاصة فى فن التصوير.

(2) أربنجن: بالفتح ثم السكون و كسر الباء الموحدة و سكون النون و فتح الجيم و آخره نون، بليدة من نواحى السغد ثم من أعمال سمرقند و ربما أسقطوا الهمزة فقالوا «ربنجن»- منها أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى الأربنجنى، كان فقيها حنفيّا مات سنة 369 ه (979 م) و غيره. [معجم البلدان ج 1 ص 176].

و جاء فى ج 4 ص 225 من نفس المرجع: ربيخن: بفتح أوله و ثانيه و ياء ساكنة و خاء معجمة و نون، و قيل (أربيخن) بليدة من صغد سمرقند.

(3) زرمان: بفتح أوله و سكون ثانيه و آخره نون، من قرى صغد سمرقند بينها و بين سمرقند سبعة فراسخ. عن السمعانى ... ينسب إليها أبو بكر محمد بن موسى الزرمانى .. إلخ [معجم البلدان ج 4 ص 385] و فى ديميزون: زرمان‏(Zarman) ، زارمان‏(Zarman) .

107

مدة عامين كان الظفر يواتيه تارة و يواتى خصمه تارة أخرى، و بعد العامين طلب إعفاءه، و صار المسيب بن زهير الضبى فى مرو أميرا لخراسان فى جمادى الأولى سنة مائة و ثلاث و سنين (779 م) و جاء إلى بخارى فى شهر رجب و كان أمير بخارى جنيد بن خالد، فأرسله أمير خراسان إلى خوارزم. و كان ببخارى قائد من قواد المقنع اسمه «كولارتكين» ذو عسكر و حشم خاض معه حروبا. و قد روى محمد بن جعفر أن خمسين ألفا من عسكر المقنع من أهل ماوراء النهر من الترك و غيرهم اجتمعوا بباب حصن المقنع. و سجدوا و تضرعوا و طلبوا منه المشاهدة فلم يتلقوا جوابا فألحوا و قالوا لن نعود حتى نرى طلعة مولانا. و كان له غلام اسمه «حاجب» فقال له المقنع قل لعبادى [ترب فوه‏] إن موسى طلب رؤيتى فلم أتجل إذ لم تكن له طاقة، و كل من يرانى لا يطيق و يموت فى الحال، فزادوا فى الضراعة و الرجاء، و قالوا: نريد الرؤية فإذا متنا فلا ضير. فوعدهم قائلا تعالوا فى اليوم الفلانى، لأتجلى لكم. ثم أمر النساء اللواتى كن معه فى الحصن و كن مائة امرأة من بنات دهاقين السغد و كش و نخشب يحتفظ بهن معه، و كانت عادته أنه حيثما كانت امرأة جميلة يرونها له فيأتى بها و يحتفظ بها معه و لم يكن معه فى الحصن غير هاتيك النساء و هذا الغلام الخاص. أما كل ما كانوا يحتاجونه من مأكول، فكان باب الحصن يفتح كل يوم مرة، و كان فى الخارج وكيل يعد كل ما يلزم فيطلبه الغلام و يدخله الحصن، ثم يغلق باب الحصن ثانيا إلى اليوم التالى. و لم يكن أحد قط يرى وجهه القبيح لأنه كان يضع على وجهه قناعا أخضر. فأمر هاتيك النسوة بأن تمسك كل منهن مرآة و تصعد إلى سطح الحصن و يجعلن كل مرآة مقابل الأخرى حين يقع نور الشمس على الأرض و يمسكن جميع المرايا و يجعلنها متقابلة دون تفاوت و كان الخلق قد تجمعوا، فلما سطعت الشمس على تلك المرايا امتلأ الفضاء نورا بانعكاسهما، و عندئذ قال للغلام قل لعبادى، بأن اللّه يتجلى بوجهه فانظروا، فنظروا فرأوا كل الدنيا ممتلئة بالنور فخافوا و سجدوا جميعا مرة واحدة و قالوا:

ربنا تكفى هذه القدرة و العظمة التى رأيناها و إذا نظرنا أكثر من هذا تنفطر مرائرنا.

و ظلوا هكذا ساجدين حتى أمر المقنع ذلك الغلام قائلا: قل لأمتى، ارفعوا رؤوسكم‏

108

من السجود فإن إلهكم راض عنكم و غفر خطاياكم، فرفع القوم رؤوسهم من السجود بخوف و فزع، ثم قال: أبحت لكم جميع الولايات و من لا يتبعنى فدمه و ما له و أولاده حلال لكم [ترب فوه‏]. و توجه هؤلاء القوم من هنالك للنهب و كانوا يفخرون على الآخرين و يقولون رأينا اللّه.

109

سبب هلاك المقنع‏

أقام سعيد الذى كان أمير هراة (1) بباب حصن المقنع مع عسكر كثير و بنى بيوتا و حمامات و أقام هنالك صيفا و شتاء. و كان بالحصن عين ماء و أشجار و زراعة و به خواصه (أى خواص المقنع) و قادة و جيش قوى. و كان بداخل الحصن حصن آخر على رأس الجبل و لم يكن لأحد قط سبيل إلى ذلك الحصن، و كان (المقنع) يقيم مع النسوة فى الحصن و كان من عادته أن يؤاكلهن كل يوم و يجلس للشراب و يشرب معهن. و مضى على حاله هذا أربع عشرة سنة، فلما ضيق أمير هراة عليه الخناق و تفرق جنده، فتح القائد الذى كان داخل الحصن بابه و خرج طائعا و اعتنق الإسلام و استولى المسلمون على القلعة، فعرف المقنع أنه لا يمكنه الاحتفاظ بالحصن الداخلى.

و روى محمد بن جعفر عن أبى على محمد بن هارون الذى كان من دهاقين كش أنه قال: كانت جدتى من جملة النسوة اللاتى استأثر بهن المقنع لنفسه و كان يحنفظ بهن فى الحصن. و كانت تقول: ذات يوم أجلس المقنع النساء للطعام و الشراب على عادته، و وضع فى الشراب سمّا و أمر لكل امرأة بقدح خاص و قال. إذا شربت قدحى فيجب أن تشربن جميعا أقداحكن، فشربن جميعا و لم أشرب أنا و أرقته فى طوقى و لم يدر المقنع بذلك، فهوى جميع النسوة و متن و أنا أيضا ألقيت بنفسى بينهن و تماوتت، و لم يعلم بحالى، ثم نهض المقنع و نظر و رأى كل النسوة ميتات، فذهب إلى غلامه و ضربه بالسيف و أطاح برأسه و كان قد أمر بإحماء التنور ثلاثة أيام فذهب إلى ذلك التنور و خلع ثيابه و ألقى بنفسه فيه و تصاعد الدخان، فذهبت إلى ذلك التنور و لم أر له أى أثر، و لم يكن أحد قط حيّا فى الحصن. و كان سبب‏

____________

(1) ذكر مدرس رضوى فى حاشيته ص 87 أنه ورد فى نسخة ما يأتى: «سعيد شخصى را كه أمير هرات بود بدر حصار فرستاد» و معناها: أرسل سعيد الشخص الذى كان أمير هراة إلى باب الحصار.

و سعيد هذا هو القائد سعيد الحرشى كما يذكره محمد بن جعفر فيما بعد.

110

احتراقه أنه كان دائما يقول: إذا عصانى عبادى أذهب إلى السماء و آتى من هنالك بالملائكة و أقهرهم، فحرق نفسه لهذا ليقول الناس إنه ذهب إلى السماء ليأتى بالملائكة و ينصرنا من السماء و يبقى دينه فى العالم. ثم فتحت تلك المرأة باب الحصن و دخل سعيد الحرشى و حمل الخزانة.

و يقول أحمد بن محمد بن نصر: إنه ما زال هؤلاء القوم فى ولايتى كش و نخشب و بعض قرى بخارى مثل «كوشك عمر» (أى قصر عمر) و «كوشك خشتوان» (أى قصر خشتوان) و قرية زرمان، و هم أنفسهم لا يعرفون شيئا عن المقنع، و هم على دينه و مذهبهم هو ألا يؤدوا الصلاة و لا يصوموا و لا يغتسلوا من جنابة و لكنهم أمناء، و يخفون كل هذه الأحوال عن المسلمين و يدعون الإسلام.

و يقال بأنهم يبيحون نساءهم لبعضهم البعض و يقولون بأن المرأة كالوردة لا ينقص منها شى‏ء قط إذا شمّت و حين يدخل رجل إلى امرأة للخلوة يترك علامة على باب البيت حتى إذا وصل زوج هذه المرأة يعلم أنها مع رجل فى البيت، فيعود. و حين يفرغ الرجل يدخل (أى الزوج) بيته. و كان لهم رئيس فى القرية يأتمرون بأمره.

حكاية ................ ...

................ .......

................ ...... (1)

____________

(1) رؤى حذف هذه الحكاية عند طبع الكتاب.

ارجع إلى ص 89 بالأصل الفارسى طبعة مدرس رضوى- طهران.

111

ذكر بداية ولاية آل سامان «رحمهم اللّه»

سبق أن ذكر قبل هذا أنه كان لسامان خداة ولد أسماه أسدا لمحبته لأسد بن عبد اللّه القشيرى‏ (1)، و كان لأسد أربعة أولاد: نوح و أحمد و يحيى و إلياس.

و لما خرج رافع بن الليث‏ (2) على هارون الرشيد (3) و أخذ سمرقند، بعث الرشيد هرثمة بن أعين‏ (4) لحربه. و قد حصن رافع سمرقند و عجز هرثمة فى أمره. و كان المأمون قد جاء مع الرشيد إلى خراسان لسبب هذه الحادثة، و كان قلب الرشيد مشغولا للغاية بهذا الأمر. فكتب المأمون إلى أبناء أسد و أمرهم بمعاونة هرثمة فى حرب رافع. و حمل أبناء أسد رافعا على عقد صلح مع هرثمة و صاهروا بينهما. و فرغ بال الرشيد من هذا الأمر، و كان يخشى أن يستولى رافع على كل خراسان. و قد رأى المأمون أن هذا الأمر (أى الصلح) حدث فى وقته تماما. و قد توفى هارون بطوس‏ (5) فى هذا السفر.

____________

(1) الصحيح هو أسد بن عبد اللّه القسرى، انظر حاشيتنا (1) ص 86.

(2) رافع بن الليث بن نصر بن سيار [توفى سنة 195 ه/ 811 م‏]، و هو ثائر من بيت إمارة و رياسة كان مقيما فى ماوراء النهر بسمرقند و ناب فيها أيام الرشيد العباسى و عزل و حبس بسبب امرأة و هرب من الحبس فقتل العامل على سمرقند و استولى عليها سنة 190 ه (805 م) و خلع طاعة الرشيد و دعا إلى نفسه و سار إليه نائب خراسان على بن عيسى، فظفر رافع، و توجه إليه الرشيد سنة 192 ه (807 م.) و انتدب لقتاله هرثمة نائب العراق فانهزم رافع سنة 193 ه. (809 م.). [الأعلام للزركلى ج 3 ص 36]

(3) هارون الرشيد بن محمد المهدى بن المنصور العباسى- [أبو جعفر]، خامس خلفاء العباسيين بالعراق (149- 193 ه/ 766- 809 م). (المرجع السابق)

(4) هرثمة بن أعين (توفى سنة 200 ه./ 816 م.)، كان والى أفريقيا و عين واليا على خراسان سنة 181 ه./ 797 م. من قبل الرشيد حيث حارب رافعا و انتصر عليه. [المرجع السابق‏]

(5) طوس: مدينة قديمة أسسها طوس بن نوذر، على بعد عشرين كيلومترا من مدينة مشهد بخراسان. كانت مركزا هامّا للثقافة الإسلامية، و قد خرج منها الإمام الغزالى و نصير الدين الطوسى و الشاعر الفردوسى. [قاموس الأعلام ج 4 ص 3021]

112

و لما صارت الخلافة للمأمون‏ (1) صار غسان بن عباد (2) أمير خراسان فأمره المأمون بأن يولى أبناء أسد بن سامان خداة، فأعطى كلا منهم مدينة هامة من مدن خراسان جزاء ما أسلف. و ولى غسان بن عباد نوحا بن أسد أميرا على سمرقند، و أحمد بن أسد أميرا بمرو، و كان ذلك سنة اثنتين و مائتين‏ (3) (817 م).

و لما عزل غسان من خراسان، صار طاهر بن الحسين أميرا لها و أقر لهم هذه الولايات، و خلع على نوح بن أسد الذى كان أكبرهم و كان يقيم بسمرقند حتى رحل عن الدنيا، فأخلفه أخاه أحمد بن أسد. و كان أحمد بن أسد هذا رجلا عالما ورعا، و كان يقيم بسمرقند إلى أن غادر الدنيا، فأخلفه ابنه نصرا بن أحمد ابن أسد. فلما جلس مكان أبيه وصل من الخليفة الواثق باللّه منشور أعمال ماوراء النهر باسمه فى يوم السبت غرة شهر رمضان المبارك سنة واحدة و خمسين و مائتين (865 م).

____________

(1) المأمون العباسى- عبد اللّه بن هارون الرشيد- [أبو العباس‏] (170- 218 ه./ 786- 833 م.). [الأعلام للزركلى‏]

(2) غسان بن عباد (توفى بعد سنة 316 ه./ 831 م). (أبو الفرج)، ابن عم الفضل بن سهل، ولى خراسان من قبل الحسن بن سهل ثم ولاه المأمون السند سنة 213 ه (828 م) [الأعلام للزركلى‏]

(3) فى نسخة شيفر «در سال دويست و نود و دو» أى سنة اثنتين و تسعين و مائتين، و فى نسخة مدرس رضوى «سال دويست و دو» أى سنة اثنتين و مائتين و هو الصحيح، لأن إمارة غسان فى خراسان كانت من سنة 202 إلى 205 ه./ 817- 820 م. و قد أشار مدرس رضوى فى حاشيته ص 90 إلى أنه أصلح هذا التاريخ من نسخة رمز إليها بالحرف (ت).

113

ذكر بداية ولاية الأمير الماضى أبى إبرهيم إسماعيل بن أحمد السامانى‏

أول السلاطين السامانيين، و كان فى الحقيقة ملكا جديرا و قمينا بالملك، و رجلا عاقلا عادلا رحيما صاحب رأى و تدبير، يظهر الطاعة دائما للخلفاء و يرى متابعتهم واجبة و لازمة. و فى يوم السبت منتصف ربيع الآخر سنة سبع و ثمانين و مائتين (900 م) أسر عمرا بن الليث فى بلخ و استولى على المملكة و تولى الملك مدة ثمانى سنوات، و قد لحق بجوار رحمة الحق فى سنة خمس و تسعين و مائتين (907 م) ببخارى عليه الرحمة و الغفران.

و قد ولد (1) بفرغانة فى شهر شوال سنة أربع و ثلاثين و مائتين (848 م) و لما بلغ السادسة عشر توفى أبوه، و قد رباه أخوه الأكبر الأمير نصر و كان يعمل فى خدمته. و لما جاء الحسين بن طاهر الطائى من خوارزم‏ (2) إلى بخارى فى ربيع الآخر سنة مائتين و ستين (873 م) وقعت بينه و بين أهل بخارى حروب و استولى على المدينة بعد خمسة أيام و اقتص من أهل بخارى فى المدينة و الرستاق‏ (3) و قتل أشخاصا كثيرين و أطلق (الجند) الخوارزمية فأخذوا فى السرقة و المصادرة و كانوا يسطون ليلا على المنازل فى مكابرة و يرتكبون الجنايات الجسيمة و يأخذون الأموال، فخرج أهل بخارى لحربه، و قتل أشخاص كثيرون و احترق ثلث المدينة، و لما تغلب أهل المدينة نادى بالأمان، و لما سمع الناس الذين كانوا قد تجمعوا و استعدوا للحرب بخبر الأمان تفرقوا و ذهب بعضهم إلى الرستاق. فلما علم الحسين بن طاهر أن الناس تفرقوا وضع فيهم السيف و قتل خلقا عظيما، فشغب الناس ثانيا و هزم الحسين بن‏

____________

(1) توجد كلمة «ولايت» بدل «ولادت» فى متن شيفر و مدرس رضوى، و قد أشار مدرس رضوى فى حاشية ص 91 إلى وجود كلمة (ولادت) فى إحدى النسخ و هذا ما يتمشى مع السياق و الحقيقة فأخذنا به.

(2) هذه الكلمة ترسم فى الفارسية هكذا و لكنها تنطق (خارزم) بحذف الواو المعدولة.

(3) نص العبارة الفارسية «و با أهل بخارا عذر شهر و روستا كرد» و السياق يرجح المعنى الذى ذهبنا إليه و الترجمة الحرفية لا تعطى معنى مفهوما فى العربية.

114

طاهر و تحاربوا طوال اليوم. فلما جن الليل أحكم غلق باب القصر، و كان الناس يحرسون باب القصر ليقبضوا عليه، و كان قد أخذ خراج بخارى كله و جميع الدراهم الغدرفية و أفرغها فى وسط الدار و كان يريد استبدالها بالفضة فلم يجد وقتا. و قد أحدث ثغرة بالجدار فى تلك الليلة و فر بأهله عاريا جائعا و ترك تلك الدراهم الغدر فية. و علم الناس بذلك فدخلوا الدار و نهبوا ذلك المال و اغتنى منه أشخاص كثيرون بحيث بقى أثر ذلك الغنى فى أعقابهم، و كان يقال فى المدينة «فلان غنى دار الحسين ابن طاهر» (1) و فر بعد ذلك‏ (2). و حدثت من بعده فتن أخرى و حروب كثيرة فيما بين أهل بخارى، فاجتمع أهل العلم و الصلاح من بخارى لدى أبى عبد اللّه الفقيه بن السيد أبى حفص الكبير (3) رحمة اللّه عليه و كان رجلا مبارزا فتدبروا معه أمر بخارى. و لم يكن بخراسان أمير، و كان يعقوب بن الليث‏ (4) قد استولى على خراسان قهرا. و كان رافع بن هرثمة (5) يحاربه‏ (6)، كما كانت بخراسان فتنة كذلك، و أخذت بخارى فى الخراب من هذه الفتن. فكتب أبو عبد اللّه بن السيد أبى حفص كتابا وجه به إلى سمرقند إلى نصر بن أحمد بن أسد السامانى، و كان أمير سمرقند و فرغانة و طلب منه أميرا لبخارى، فبعث بأخيه إسماعيل بن أحمد إلى بخارى. فلما بلغ الأمير إسماعيل كرمينة أقام هنالك بضعة أيام و بعث برسول إلى بخارى لدى الحسين بن محمد الخوارجى الذى كان أمير بخارى.

____________

(1) كما يقال فى أيامنا «فلان غنى حرب».

(2) هذه العبارة فيها تكرار، و كثيرا ما يشاهد هذا فى أسلوب الكتاب.

(3) انظر حاشية (3) ص 82.

(4) يعقوب بن الليث الصفار- (أبو يوسف) (توفى سنة 265 ه/ 879 ه) [الأعلام للزركلى‏].

(5) رافع بن هرثمة (توفى سنة 283 ه/ 896 م):

ولى خراسان من قبل محمد بن طاهر سنة 271 ه/ 884 م و استولى على طبرستان سنة 277 ه/ 890 م فى أيام الموفق العباسى، و لما ولى المعتضد عزله عن خراسان فامتنع و اتصل بالطالبيين و حشد جيشا احتل به نيسابور و خطب فيها لمحمد بن زيد الطالبى، فقاتله عمرو بن الليث الصفار، فانهزم رافع و قتل و أنفذ رأسه إلى المعتضد. (الأعلام ج 3 ص 36).

(6) فى نسخة مدرس رضوى يحاربه فى بخارى.

115

و كان رسوله يتردد مرارا جيئة و ذهابا إلى أن تم الاتفاق على أن يكون الأمير إسماعيل أمير بخارى و الحسين بن محمد الخوارجى خليفة له‏ (1). و قد خضع جنوده لهذا القرار، و أرسل الأمير إسماعيل بمنشور خلافته إلى الخوارجى مع العلم و الخلعة و طافوا بالخوارجى مع هذا العلم و الخلعة فى مدينة بخارى. و قد أظهر أهل بخارى ابتهاجهم و كان هذا فى يوم الثلاثاء، و فى يوم الجمعة تليت الخطبة باسم نصر ابن أحمد و أسقط اسم يعقوب بن الليث منها قبل مجى‏ء الأمير إسماعيل ببخارى و كان يوم الجمعة ذاك أول رمضان المبارك سنة ستين و مائتين (874 م).

و قد خرج ابن السيد أبى حفص الكبير رحمهما اللّه لاستقباله و معه أشراف بخارى من العرب و العجم حتى وصلوا إلى كرمينة، و أمر أبو عبد اللّه بتزيين المدينة، و قد ندم الأمير إسماعيل على مجيئه إلى بخارى لأنه لم يكن معه حشم كثير و كانت بخارى قد ثارت و قامت فتنة، و لم يكن يعلم سريرة أهل بخارى نحوه، فلما خرج أبو عبد اللّه بن أبى حفص و ذهب إلى كرمينة قوى قلبه و علم أن أهل المدينة لا ينقضون ما يعمله أبو عبد اللّه، فقوى عزيمته. و قد مدحه أبو عبد اللّه بمدائح كثيرة و شجعه، و لما أدخلوه المدينة عظموه و أكرموه، و أمر بأن ينثر أهل المدينة عليه كثيرا من الذهب و الفضة، و قد قبض الأمير إسماعيل على الحسين الخوارجى و بعث به إلى السجن و تفرق الغوغاء بقدرة اللّه تعالى.

____________

(1) أى نائبا عنه.

116

ذكر دخول الأمير إسماعيل بخارى‏

كان ذلك فى يوم الاثنين الثانى عشر من شهر رمضان المبارك سنة مائتين و ستين (873 م)، و بذلك هدأت المدينة، و تخلص أهل بخارى من العناء و استراحوا، و فى نفس هذه السنة جى‏ء إلى الأمير نصر بن أحمد بمنشور ولاية جميع أعمال ماوراء النهر من جيحون إلى أقصى بلاد المشرق من الخليفة الموفق باللّه‏ (1)، و قد قرئت الخطبة فى بخارى باسم الأمير نصر بن أحمد و الأمير إسماعيل و كان اسم يعقوب بن الليث الصفار قد سقط منها. و أقام الأمير إسماعيل ببخارى مدة، ثم ذهب بعد ذلك إلى سمرقند دون إذن من الأمير نصر، و استخلف على بخارى ابن أخيه أبا زكريا يحيى بن أحمد بن أسد. فلما بلغ «ريشخن‏ (2)» علم الأمير نصر، فامتعض لأن ذلك كان دون إذنه، و أمر باستقباله، و لكنه هو نفسه لم يخرج و لم يحتف به قط و أمر بإنزاله فى قلعة سمرقند حيث خصصوا له صاحب شرطة سمرقند، و ظل هكذا غاضبا عليه. و كان الأمير إسماعيل يذهب للسلام على غير ما كانت عليه العادة قبل ذهابه إلى بخارى، و جعل محمد بن عمر خليفة له، و كان الأمير إسماعيل يجى‏ء للسلام و يقف ساعة و ينصرف، و لا يقول له الأمير نصر أى كلمة، إلى أن انقضى على هذه الحالة ثلاثة عشر شهرا. فجاء بابن عمه محمد بن نوح و عبد الجبار بن حمزة للشفاعة، حتى أعاده إلى بخارى و جعل عصمة ابن محمد المروزى وزيره و الفضل بن أحمد المروزى كاتبا له. و خرج الأمير نصر مع جميع وجوه و ثقات سمرقند لوداعه. و فى هذه الأثناء التفت الأمير نصر إلى‏

____________

(1) الموفق باللّه (طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد)- أخو المعتمد على اللّه أحمد الخليفة العباسى الخامس عشر (256- 279 ه/ 869- 892 م) كان يدير أمور أخيه و لم يعتل إلى مسند الخلافة لوفاته مبكرا. [قاموس الأعلام ج 4 ص 3063 و ح 6 ص 4486]

(2) ريشخن (و فى بعض النسخ ريحن، رسخن) و فى معجم البلدان ج 4 ص 348 ريخشن- بكسر أوله و سكون ثانيه و خاء معجمة مفتوحة و شين معجمة ساكنة و نون: من قرى سمرقند- عن السمعانى.

117

عبد الجبار بن حمزة و قال: يا أبا الفتح، إن هذا الصبى الذى نبعت به ترى ما عسانا نرى منه؟ فقال عبد الجبار: لا تقل هذا فإنه عبدك [بشرط أن يعمل الأمير إسماعيل كل ما تأمر به و لا يخالفك أبدا. فقال إن ما أقوله هو الحقيقة.

فقال عبد الجبار، فبم حكمت إذن؟ فقال الأمير نصر: إننى أرى الخلاف و العصيان فى عينيه و شمائله‏] (1)، فلما وصل الأمير إسماعيل إلى بخارى، استقبله أهلها و أدخلوه المدينة بكل إعزاز. و كان أحد اللصوص قد جمع حوله الخلق، و تجمع من أوباش و فتّاك‏

من راقب الناس لم يظفر بحاجته‏* * * و فاز بالطيبات الفاتك اللهج‏

(2) الرستاق أربعة آلاف رجل، و كانوا جميعا يقطعون الطريق بين رامتين و بركد، و كادوا يقصدون المدينة. فبعث الأمير إسماعيل صاحب شرطته الحسين بن العلاء الذى بنى حظيرة بخارى و سمى حى علاء باسمه، لحرب هؤلاء اللصوص، و عاونه من أهل بخارى العظماء و الكبراء و ذهبوا و حاربوا و هزموا اللصوص، و انتصر عليهم الحسين بن العلاء و قبض على كبير اللصوص و قتله و أتى برأسه و قبض على جماعة منهم كانوا يعاونونه، فأوثقهم الأمير إسماعيل و بعث بهم إلى سمرقند. و لما فرغوا من هذه المهمة أخبر بأن الحسين بن طاهر عاد فجأة بألفى رجل إلى آموى (جيحون) و قصد بخارى فجمع الأمير إسماعيل من العسكر ما استطاع و ذهب لحربه، فأخبروه أن الحسين بن طاهر عبر جيحون بألفى رجل خوارزمى‏ (3)، فركب الأمير إسماعيل و خرج و تقاتلوا قتالا عنيفا و هزم الحسين ابن طاهر و قتل بعض عسكره و غرق بعض آخر فى النهر و أسر منهم سبعون رجلا.

و كانت هذه أولى الحروب التى خاضها الأمير إسماعيل. فلما أصبح الصباح استدعى الأسرى و أعطى كل واحد منهم ثوبا من الكرباس و ردهم. فذهب الحسين بن‏

____________

(1) العبارة التى بين القوسين [...] ترجمناها من نسخة مدرس رضوى، و هى غير موجودة فى نسخة شيفر.

(2) فتاك جمع فاتك، و هو الذى يركب ما تدعو إليه نفسه دون مبالاة، و فتاك ترجمة «رندان» الفارسية جمع «رند» و لها نفس المعنى.

يقول بشار بن برد:

من راقب الناس لم يظفر بحاجته‏* * * و فاز بالطيبات الفاتك اللهج‏

(3) خوارزمى نسبة إلى خوارزم و تنطق «خارزمى و خارزم»

118

طاهر إلى مرو و عاد الأمير إسماعيل إلى بخارى و نظر فى أمر المملكة. و علم أنه ليس له كبير شأن لدى كبراء بخارى و ليست له هيبة فى أعينهم و لن يعود عليه نفع من جمعهم حوله، فرأى الصواب أن يدعو جماعة من كبراء بخارى، و قال لهم:

يجب أن تذهبوا من أجلى إلى سمرقند و تتخدثوا إلى الأمير نصر و تعتذروا عنى. فقالوا:

سمعا و طاعة، و استمهلوه بضعة أيام و ذهبوا بعد ذلك.

و كانت هذه الجماعة أمراء بخارى قبل الأمير إسماعيل، و كان أبو محمد بخار خداة نفسه ملك بخارى، كما كان أبو حاتم‏ (1) اليسارى غنيّا للغاية و لم يكن يطيعه (أى يطيع الأمير إسماعيل) لكثرة ماله. فذهب عظماء بخارى مع هذين الرجلين‏ (2) و كتب الأمير إسماعيل إلى الأمير نصر ليوثقهم و يبعث بهم إلى السجن ليستطيع إدارة ملك بخارى. و فعل الأمير نصر هكذا و احتجز هؤلاء القوم مدة هنالك، حتى هدأت بخارى، فكتب الأمير إسماعيل مرة ثانية إلى الأمير نصر و طلبهم، و كان الأمير إسماعيل بعد ذلك يعاملهم معاملة طيبة و ينجز حوائجهم و يرى رعاية حقوقهم واجبا عليه.

و كان الأمير نصر بن أحمد قد فرض على الأمير إسماعيل كل سنة خمسماية ألف درهم من أموال بخارى، و وقعت له (أى الأمير إسماعيل) (3) بعد ذلك حروب و أنفق ذلك المال و لم يستطع إرسال شى‏ء. فبعث الأمير نصر بالرسل ثانيا يطلب المال، و لم يرسل (الأمير إسماعيل شيئا) (4) فظهرت بينهما لهذا السبب جفوة فجمع الأمير نصر العسكر، و بعث بكتاب إلى أخيه أبى الأشعث بفرغانة (5) و طلب إليه الحضور فى جيش كبير. و بعث بكتاب ثان إلى أخيه الآخر أبى يوسف‏

____________

(1) أشار مدرس رضوى فى حاشية ص 97 إلى وجود كلمة (أبو هاشم) بدل (أبو حاتم) فى نسخة رمز لها بحرف «د».

(2) هذه ترجمة العبارة الواردة فى نسخة مدرس رضوى أما ترجمة العبارة الواردة فى نسخة شيفر فهى (مع هذا الرجل).

(3، 4) أضيفت هذه العبارة للتوضيح و هى غير موجودة فى الأصل.

(5) انظر حاشية (1) ص 28.

119

يعقوب بن أحمد بالشاش‏ (1) ليجى‏ء بعسكره و يأتى كذلك بأتراك «استجاب‏ (2)» و جمع جيشا عظيما و من ثم اتجه إلى بخارى.

و كان ذلك فى شهر رجب سنة مايتين و اثنتين و سبعين (885 م). فلما علم الأمير إسماعيل أخلى بخارى و ذهب إلى فرب‏ (3) رعاية لحرمة أخيه. فجاء الأمير نصر إلى بخارى، فلما لم يجد الأمير إسماعيل ذهب إلى بيكند (4) و نزل هنالك، فاستقبله أهلها و نثروا عليه الذهب و الفضة و أخرجوا عطايا كثيرة. و كان بين الأمير إسماعيل و رافع بن هرثمة الذى كان وقتئذ أمير خراسان صداقة. فكتب إليه الأمير إسماعيل و طلب منه العون، فجاء رافع بعسكره. و كان نهر جيحون قد تجمد فعبر من فوق الجليد. فلما علم الأمير نصر بمجى‏ء رافع عاد إلى بخارى. و اتفق الأمير إسماعيل مع رافع على أن يذهبا و بأخذا سمرقند (5)، فبلغ هذا الخبر الأمير نصر فذهب إلى طوايس‏ (6) على عجل و أخذ عليهما الطريق. فسلك الأمير إسماعيل مع رافع طريق الصحراء، و كانت جميع رساتيق بخارى فى حوزة الأمير نصر و لم يكونا يجدان الطعام و العلف فى البادية. و كانت تلك السنة قحطا و اشتد عليهما الأمر حتى صار المنّ‏ (7) من الخبز فى عسكرهما بثلاثة دراهم، و هلك خلق عظيم‏

____________

(1) انظر حاشية (2) ص 22.

(2) استجاب (استيجاب-(Istidjab هكذا فى قاموس ديميزون. أما ياقوت فقد ذكرها كالآتى اسفيجاب- بالفتح ثم السكون و كسر الفاء و ياء ساكنة و جيم و ألف و باء موحدة: اسم بلدة كبيرة من أعيان ماوراء النهر فى حدود تركستان و لها ولاية واسعة و قرى كالمدن كثيرة ... و هى من الإقليم الخامس ...

و كانت من أعمر بلاد اللّه و أنزهها و أوسعها خصبا و شجرا و مياها جارية و رياضا مزهرة و لم يكن بخراسان و لا بما وراء النهر بلد لا خراج عليه إلا اسفيجاب لأنها كانت ثغرا عظيما فكانت تمفى من الخراج و ذلك ليصرف أهلها خراجها فى ثمن السلاح و المعونة على المقام بتلك الأرض، و كذلك ما يصاقبها من المدن نحو طراز و صبران و سانيكث و فاراب حتى أتت على تلك النواحى حوادث الدهر و صروف الزمان. [معجم البلدان ج 1 ص 230- 231]- و ذكرها مدرس رضوى بهامش نسخة أيضا «استيجاب» و الصحيح اسپيجاب بالباء الفارسية المثلثة و معربها اسفيجاب كما ذكر ياقوت.

(3) انظر حاشيتنا (1) بصفحة 21

(4) انظر حاشية (2) ص 34

(5) انظر حاشية (1) ص 18

(6) انظر حاشية (4) ص 27

(7) المن- وحدة قياسية للوزن مختلف فى تقديرها.

120

من عسكر رافع جوعا. و كتب الأمير نصر إلى ابنه أحمد فى سمرقند ليجمع الغزاة من سغد سمرقند، و لم يعط أهل الولاية علفا للأمير إسماعيل و قالوا إن هؤلاء خوارج و لا يحل نصرتهم. و كان الأمير نصر قد ضاق ذرعا بمجى‏ء رافع، فذهب الأمير نصر إلى كرمينة (1) و كانوا يجرون فى إثره، فنصح شخص «رافع» ا و قال له: لقد تركت ولايتك و جئت إلى هنا، فإذا ما اتفق الأخوان و حصراك بينهما فماذا تستطيع أن تعمل؟ فخاف رافع من هذا الكلام و بعث برسول إلى الأمير نصر و قال: إنى لم أجى‏ء للحرب بل جئت لأصلح بينكما. فاستحسن الأمير نصر هذا الكلام، و تصالحا على أن يكون أمير بخارى شخص آخر، و الأمير إسماعيل عامل الخراج، و لا تكون أموال الديوان و الخطبة باسمه، و يدفع كل سنة خمسمائة ألف درهم.

(و استدعى نصر بن أحمد و إسحق بن أحمد أيضا) (2) و خلع عليه و أسند إليه إمارة بخارى و رضى الأمير إسماعيل بذلك.

و عاد الأمير نصر و ذهب رافع أيضا إلى خراسان. و كان ذلك سنة ثلاث و سبعين و مايتين (886 م). فلما انقضى على هذه الحال خمسة عشر شهرا بعث الأمير نصر شخصا فى طلب المال، فأمسك الأمير إسماعيل المال و لم يرسله، و كتب الأمير نصر رسالة إلى رافع لأنه كان قد ضمنه، و كتب رافع أيضا كتابا إلى الأمير إسماعيل بهذا المعنى فلم يهتم الأمير إسماعيل، و جمع الأمير نصر العسكر مرة أخرى و كلهم من أهل ماوراء النهر و جاء أبو الأشعث من فرغانة و قصد بخارى مرة أخرى على النحو المتقدم و اتجه (أى الأمير نصر) إلى بخارى، فلما بلغ كرمينة جمع الأمير إسماعيل أيضا عسكره و ذهب إلى طوايس و دارت الحرب و اشتدت المعركة و انهزم إسحق بن أحمد إلى فرب فحمل الأمير إسماعيل حملة قوية على أهل فرغانة و انهزم أبو الأشعث إلى سمرقند، و أراد أهل سمرقند القبض عليه لأنه كان قد ترك‏

____________

(1) انظر حاشية (3) ص 27.

(2) هكذا فى نسختى شيفر و مدرس رضوى فى الأصل الفارسى و فيه لبس- و لعل صحيحه «و استدعى نصر بن أحمد إسحق بن أحمد أيضا و خلع عليه و أسند إليه إمارة بخارى و رضى الأمير إسماعيل بذلك».

و هذا ما يتمشى مع السياق.

121

أخاه و فر، فعدل أبو الأشعث عن سمرقند و جاء إلى ربنجن‏ (1) و أسر الأمير إسماعيل أحمد بن موسى بن مرزوق و بعث به إلى بخارى، و انهزم عسكر بخارى مرة أخرى، و كان الأمير إسماعيل ثابتا فى مكانه و قد بقى معه نفر قليل، و كان معه من المعاريف سيماء الكبير، فبعث الأمير إسماعيل بشخص و جمع كل من كانوا قد فروا من الغلمان و الموالى، و أعاد إسحق بن أحمد من فرب و خرج من مقاتلة بخارى أيضا ألف رجل و تجمع عسكر القرى‏ (2) و أعطى الجميع علوفة، و ذهب الأمير نصر إلى ربنجن و دبر أمر الجيش و عاد، و ذهب إليه الأمير إسماعيل مرة ثانية فى قرية «واز بدين» (3) و تلاقيا هنالك و تقاتلا، و فى يوم الثلاثاء الخامس عشر من شهر جمادى الآخرة سنة خمس و سبعين و مائتين (888 م) انتصر الأمير إسماعيل على عسكر فرغانة و انهزم أبو الأشعث، و كان الجيش كله قد انهزم، و بقى الأمير نصر فى نفر قليل و انهزم هو أيضا و صاح الأمير إسماعيل فى جماعة من الخوارزمية و أبعدهم عن الأمير نصر و ترجل عن جواده و قبل ركابه (أى ركاب الأمير نصر) (و كان سيماء الكبير غلام أبيهما و أخبر القائد الأمير إسماعيل، و بعث سيماء الكبير بشخص و أخبر الأمير إسماعيل بهذه الحالة، فترجل نصر بن أحمد عن الجواد و طرح نمرقة و جلس عليها و وصل الأمير إسماعيل و ترجل عن الجواد و تقدم و قبل النمرقة) (4) و قال أيها الأمير لقد كان حكم اللّه أن أخرجنى عليك و نحن نرى اليوم بأعيننا هذا الأمر بهذه الجسامة، فقال الأمير نصر: إننا لفى عجب من هذا الأمر الذى أتيت به، فلم تطع أميرك و لم تقم بأمر اللّه تعالى الذى فرضه عليك. فقال الأمير إسماعيل: أيها الأمير أنا مقر بأنى أخطأت و الذنب كله ذنبى، و أنت أولى بفضل التجاوز عن هذا الجرم الكبير منى و العفو عنى. و بينما كانا فى هذا الكلام‏

____________

(1) ربنجن، اربنجن، انظر حاشية (2) ص 100.

(2) فى نسختى شيفر و مدرس رضوى «لشكر قرى» أى عسكر القرى، و قد أشير فى حاشية مدرس رضوى ص 100 إلى أنه جاء ببعض النسخ «لشكر قوى» أى عسكر قوى أو جيش قوى.

(3) أشار مدرس رضوى فى حاشيته إلى أن هذه الكلمة وردت فى نسخة «د» (دادبدين).

(4) العبارة التى بين قوسين فى هذه (...) تكرار و لعلها رواية أخرى نقلت عن بعض النسخ دون إشارة لذلك.

122

إذ وصل أخوهما الآخر إسحق بن أحمد و لم يترجل عن الجواد. فقال الأمير إسماعيل: يا فلان! ألا تترجل لمولاك؟ و شتمه و احتد عليه، فترجل إسحق مسرعا و وقع على قدمى نصر و قبل الأرض و اعتذر قائلا: إن جوادى هذا جامح و لا يمكن الترجل عنه سريعا. فلما أتم هذا الكلام قال الأمير إسماعيل:

أيها الأمير- الصواب أن تعود إلى مقر عزك سريعا قبل أن يصل هنالك هذا الخبر و تثور الرعية فى ماوراء النهر. فقال الأمير نصر: يا أبا إبرهيم، أأنت الذى تبعث بى إلى مكانى! .. فقال الأمير إسماعيل: إذا لم أفعل هذا فماذا أصنع، و لا يليق بالعبد أن يعامل سيده غير هذه المعاملة و الأمر لك. و كان الأمير نصر يتكلم و الدموع تهطل من عينيه و يأسف على ما حدث و الدماء التى أريقت، ثم نهض و ركب و قد أمسك الأمير إسماعيل و أخوه إسحق بالركاب و أعادوه. و بعث (أى الأمير إسماعيل) بسيماء الكبير و عبد اللّه بن مسلم‏ (1) لتشييعه، فساروا مرحلة و أعادهما الأمير نصر و ذهب إلى سمرقند.

و يوم أن كان نصر بن أحمد أسيرا كان يتحدث إلى أولئك القوم كما كان يتحدث إليهم أيام أن كان أميرا جالسا على العرش، و كانوا وقوفا لديه لخدمته.

و قد توفى الأمير نصر بعد ذلك بأربع سنوات لسبع بقين من شهر جمادى الأولى سنة تسع و سبعين و مائتين (892 م) و أقيم الأمير إسماعيل خليفة له على جميع أعمال ماوراء النهر و أخوه الآخر و ابنه تابعين له.

و لما رحل الأمير نصر عن الدنيا ذهب الأمير إسماعيل من بخارى إلى سمرقند و أقام أود الملك، و أقام ابنه أحمد خليفة له و واصل الغزو من هنالك. و كان الأمير إسماعيل قد جاء إلى بخارى و بقى بها عشرين سنة حتى رحل أخوه عن الدنيا و فوّض إليه جميع ماوراء النهر. و لما بلغ أمير المؤمنين المعتضد باللّه‏ (2) خبر وفاة الأمير

____________

(1) فى نسخة شيفر (المسلم) و فى نسخة رضوى (مسلم).

(2) المعتضد باللّه- أحمد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد، الخليفة العباسى السادس عشر، ولد سنة 243 ه (857 م) و تولى الخلافة سنة 279 ه (892 م) و توفى سنة 289 ه (901 م).

123

نصر أعطى منشور عمالة ماوراء النهر إلى الأمير إسماعيل فى شهر المحرم سنة مائتين و ثمانين (893 م). و قد ذهب فى هذا التاريخ محاربا إلى «طراز» (1) و لقى عناء كبيرا، و خرج أمير طراز آخر الأمر و أسلم مع كثير من الدهاقين، و فتحت طراز و جعلوا كنيستها الكبرى‏ (2) مسجدا جامعا، و تليت الخطبة باسم أمير المؤمنين المعتضد باللّه، و جاء الأمير إسماعيل بغنائم كثيرة، و ملك سبع سنوات و كان أمير ماوراء النهر إلى أن عظم أمر عمرو بن الليث‏ (3) و استولى على بعض خراسان و أخذ فى الغزو. و قد طلب الأمير على بن الحسين من أحمد أمير الكوزكانية (4) المعونة، فلم يلق منه جوابا طيبا، فعبر جيحون، و جاء إلى الأمير إسماعيل ببخارى، فسر الأمير و خرج لاستقباله بالجيش، و جاء به إلى بخارى معززا مكرما، و أرسل إليه‏

____________

(1) طراز: بكسر الطاء و فتحها، مدينة قديمة تقع بقرب مدينة تسمى «يه سه» أو تركستان شمال طشقند (أى الشاش) على ضفاف نهر يسمى باسمها «طراز» و يعرف الآن بتحريف باسم نهر تالاس.

و قد عرفت طراز بعد الإسلام باسم «أوليا آتا» نسبة إلى أحد كبار الفاتحين و هو السيد شاه محمود بن عبد العزيز العلوى الملقب بأوليا قراخان الذى توفى سنة 280 ه. (893 م.) بطراز و دفن فيها و ضريحه يزار و يتبرك به، كما سميت طراز فى عهد السوفييت باسم «جمبول» بفتح الجيم و سكون الميم و ضم الباء و سكون الواو و اللام، و هى الآن مدينة تجارية هامة تتبع جمهورية قزاقستان. و قيل إنها (أى طراز) مدينة «فاراب» القديمة مسقط رأس الفيلسوف الإسلامى العظيم أبى نصر الفارابى، و علماء أجلاء مثل إسماعيل بن حماد الجوهرى صاحب «صحاح الجوهرى» و خاله أبو إبرهيم إسحاق بن إبرهيم صاحب «ديوان الأدب» فى اللغة. (انظر: معجم البلدان ج 6 ص 36 مادة طراز و ص 322 مادة فاراب) و الفقيه الشيخ هبة اللّه الطرازى. و تمتاز طراز بجمالها الطبيعى و آثارها العديدة و أهميتها الاستراتيجية و صمودها ضد غزوات المغول، و قد عانى المغول كثيرا من المشقات عند فتحها.

(2) يذكر النرشخى هنا (كليساى بزرك) أى الكنيسة الكبرى، كما يذكر معابد الفرس باسم بيت النار و هذا يدل على أن أهل طراز كانوا مسيحيين عند ما غزاها الأمير إسماعيل و فتحها، و من المعروف أن المسيحية النسطورية انتشرت فى تلك النواحى منذ القرن الرابع الميلادى.

(3) عمرو بن الليث الصفار- ثانى أمراء الدولة الصفارية (توفى سنة 289 ه/ 903 م.) ولى بعد وفاة أخيه يعقوب سنة 265 ه. (878 م) و أمره المعتضد العباس على أعمال أخيه كلها و هى خراسان و أصبهان و سجستان و الهند و كرمان [الأعلام للزركلى‏].

(4) الكوزكانية نسبة إلى كوزكان‏(Gozgan) و تعريبها جوزجان، ناحية كبيرة فى خراسان بين بلخ و مرو رود (قاموس الأعلام ج 4 ص 1851)، و هى الآن ولاية من الولايات الشمالية بأفغانستان تقع شرقى ولاية فاراب، و كانت جوزجان مسقط رأس علماء و أدباء كثيرين يلقبون بالجوزجانى منهم الحكيم أبو عبيد الجوزجانى من معاصرى ابن سينا.

124

نعما كثيرة، و ذهب على بن الحسين إلى فرب و بقى بها ثلاثة عشر شهرا، و كان الأمير إسماعيل يرسل إليه على الدوام بالهدايا و يعزه. و كان على بن الحسين يقيم هنالك إلى أن قتله ابنه فى الحرب. و قد كتب عمرو بن الليث إلى أبى داود أمير بلخ و أحمد بن فريغون أمير الكوزكانية و الأمير إسماعيل أمير ماوراء النهر و دعاهم إلى طاعته و وعدهم الوعود الحسنة، و قد ذهبوا إليه نزولا على أمره و قدموا الطاعة، فجاء رسول إلى الأمير إسماعيل و أعطاه رسالة و أخبره بطاعة أمير بلخ و أمير الكوزكانية (لعمرو بن الليث)، و قال أنت أولى بهذه الطاعة و أجل و أعرف بقدر السلطنة لأنك أمير. فأجابه الأمير إسماعيل بأن مولاك من الجهل بحيث يسوينى بهما و هما عبدان لى و سيكون جوابى لك بالسيف و ليس بينى و بينه غير الحرب، فعد إليه و أخبره ليعد وسائل القتال. فتشاور عمرو بن الليث مع الأمراء و الكبراء و طلب منهم العون فى أمر الأمير إسماعيل و قال: يجب أن نرسل إليه شخصا آخر و نحاسنه فى القول و نعده الوعود الطيبة، فأرسل إليه (أى إلى الأمير إسماعيل) جماعة من مشايخ نيسابور و من خواصه و كتب إليه رسالة قال فيها: و لو أن أمير المؤمنين (أى الخليفة) أعطانى هذه الولاية فإنى أشركتك فى الملك فيجب أن تكون عونى و تصفو لى حتى لا يجد أى واش سبيلا بيننا و تكون بيننا صداقة و اتحاد، و قد كان ما قلناه قبل هذا على سبيل رفع الكلفة و قد عدلنا عنه، فيجب أن تحتفظ بولاية ماوراء النهر التى تتاخم العدو و تعنى بالرعية، و قد منحناك هذه الولاية و لا نريد غير إسعادك و عمار بيتك و أسرتك. و بعث بنفر من معاريف نيسابور [و ذهب إلى أبيه و عاهده و أشهدهم على نفسه‏] (1) و قال: لا ثقة لنا بغيرك قط فيجب أن تثق أنت أيضا بنا و تعاهدنا لتستحكم بيننا الصداقة. و لما بلغ الأمير خبر عمرو بن الليث بعث (بجماعة) (2) إلى ضفة جيحون و لم يدعهم يعبرون و لم يأخذوا منهم ما كانوا جاءوا به و لم يحضروه (أى إلى الأمير) و أعادوهم صاغرين، فغضب عمرو بن الليث و شمر للحرب و أمر عليّا بن سروش قائده بأن يذهب مع الجيش إلى نهر آموى (جيحون) و يعسكر

____________

(1) هذه العبارة غامضة و قد ترجمناها كما جاءت فى النص و يبدو أن هنالك عبارة سقطت من الأصل.

(2) هذه الكلمة غير موجودة فى الأصل و أضفناها للتوضيح.

125

و لا يتسرع فى العبور حتى يأمره و أرسل فى إثره قائدا آخر اسمه محمد بن الليث فى خمسة آلاف رجل و قال له تشاور مع على بن سروش و أوقفوا الجيش، و كل من يأتى من هنالك مستأمنا أمنوه و أحسنوا إليه، و اصنعوا السفن و أرسلوا الجواسيس.

و كان عمرو بن الليث يرسل العساكر تباعا. و لما علم الأمير إسماعيل هرع من بخارى و معه عشرون ألف رجل و ذهب إلى شاطئ جيحون و بيّتهم‏ (1) فجأة و عبر جيحون ليلا، و علم على بن سروش فركب مسرعا و سلح الجيش و بعث بالمشاة فى المقدمة و دارت الحرب. و كان عسكر الأمير إسماعيل يقبلون من كل صوب و حمى الوطيس و تقهقر محمد بن‏ (2) على بن سروش و أسر هو كذلك و أسر كثير من معاريف نيسابور، و فى اليوم التالى أكرم الأمير إسماعيل جيش عمرو بن الليث و زودهم بالعلوفة وردهم جميعا إلى عمرو بن الليث. و قال كبار العسكر للأمير إسماعيل، إن هؤلاء الذين حاربونا حين أسرتهم خلعت عليهم و رددتهم، فقال الأمير إسماعيل: ماذا تريدون من هؤلاء المساكين، اتركوهم ليذهبوا إلى بلدهم فإنهم لن يعودوا أبدا لحربكم، و يثبطون الآخرين. و عاد الأمير إسماعيل إلى بخارى بكثير من الفضة و الثياب و الذهب و السلاح. و قد لبث عمرو بن الليث بعد ذلك عاما فى نيسابور محزونا و محسورا و مهموما و نادما و كان يقول: سأثأر بعد لعلى بن سروش و ولده. و لما علم الأمير إسماعيل بأن عمرا بن الليث يستعد للحرب جمع جيشه و زوده بالعلوفة و تفقدهم من كل جانب و أعطى العلوفة لمن يستحق‏ (3) و للنساجين جميعا، و كان هذا يشق على الناس، و كان يقول: سأحارب عمرا بن الليث بهذا الجيش.

و بلغ عمرا بن الليث هذا الخبر، فسر (أى الأمير إسماعيل) و كان على شاطئ جيحون، و جاء منصور بن قراتكين‏ (4) و پارش البيكندى من خوارزم إلى نهر آمويه (جيحون)، و وصل من ولاية التركستان و فرغانة ثلاثون ألفا، و فى الخامس و العشرين‏

____________

(1) أغار عليهم ليلا.

(2) محمد بن على بن سروش- هكذا فى نسختى شيفر و مدرس رضوى، و مما هو جدير بالذكر أن اسم على بن سروش و رد فى بعض الكتب على بن شروان.

(3) بنسخة مدرس رضوى: لمن يستحق و من لا يستحق.

(4) فى نسخة «د» قرتكنى- ذكره مدرس رضوى فى حاشية ص 105.

126

من ذى القعدة أرسل محمدا بن هارون مع مقدمة العسكر و خرج هو فى اليوم التالى و عبر جيحون، و جمع الجيوش فى آمويه (جيحون) من كل مكان، و ساروا من بخارى إلى مدينة خوارزم، و قد أخذوا أهبتهم حتى يوم الإثنين التالى، و اتجهوا من هناك إلى بلخ، و حاصر عمرو بن الليث المدينة و عسكر هو أمامها و أخذ العسكر و أحاط بالخندق و بقى عدة أيام حتى جاء الجيش و أحكم الأسوار و تظاهر أمام الناس بأنه رحل عن مدينتهم و أدخل السرور على قلوبهم، و أرسل الأمير إسماعيل عليّا بن أحمد إلى فرياب‏ (1) و أمر فقتلوا عمال عمرو بن الليث، و أتوا بكثير من المال، و أرسل الرجال من كل مكان فكانوا يقتلون رجال عمرو بن الليث و يأتون بالأموال و نزل الأمير إسماعيل بعليا باد بلخ‏ (2) و أقام هنالك ثلاثة أيام، و أنهض الجيش من هنالك و أظهر بأنه سينزل بالمصلى، و أمر فوسعوا ذلك الطريق. فلما رأى عمرو بن الليث الأمر كذلك حصن الأبواب فى ذلك الجانب و جعل العسكر يتقدمون إلى تلك الناحية و أقام المجانيق و العرادات هنالك، و وضع كمينا فى طريق المصلى و شغل مكان الجيش، فلما طلع الفجر غير الأمير الماضى‏ (3) الطريق و قصد باب المدينة من طريق آخر و نزل بجسر عطا (پل عطا)، فتعجب عمرو ابن الليث من هذا العمل و كان يتحتم حمل المجانيق أيضا إلى ذلك الجانب و بقى الأمير إسماعيل هنالك ثلاثة أيام و أمر فقطعوا المياه عن المدينة و أخذوا يهدمون السور و يقتلعون الأشجار و سدوا الطرق‏ (4) حتى كان صباح يوم الثلاثاء، فركب الأمير

____________

(1) فى نسخة مدرس رضوى «فارياب» و هى كما ورد فى معجم البلدان ج 6 ص 328:

«بكسر الراء ثم ياء مثناة من تحت و آخره باء، مدينة مشهورة بخراسان من أعمال جوزجان قرب بلخ غربى جيحون و ربما أميلت فقيل لها «فيرياب».

و هذه غير «فاراب» مسقط رأس الفارابى الفيلسوف المعروف و قد أشرنا إليها فى تعليقنا على «طراز» بصحيفة 117. و جدير بالذكر أنه توجد ضمن الولايات الشمالية بأفغانستان ولاية تسمى فارياب يحدها من الشرق ولايتا جوزجان و بلخ و من الغرب ولاية بادغيس.

(2) قرية من قرى بلخ.

(3) الأمير الماضى لقب الأمير إسماعيل السامانى.

(4) فى نسخة شيفر «و راهها راست كردند» أى قوموا الطرق. و فى نسخة مدرس رضوى ص 101 «راهها بست كردند» أى سدوا الطرق، و هذا أنسب.

127

إسماعيل فى خف من العسكر و قصد باب المدينة، فخرج عمرو بن الليث و دارت الحرب و حمى الوطيس، و انهزم عسكره (أى عسكر عمرو) و كان العسكر يطاردونهم يقتلون بعضا و يأسرون بعضا حتى و صلوا إلى بعد ثمانية فراسخ من بلخ، فرأوا عمرا ابن الليث مع خادمين، فر أحدهما و تعلق الآخر بعمرو بن الليث، فقبضوا على عمرو بن الليث، و كان كل واحد يقول أنا الذى أسرت عمرا بن الليث، فقال عمرو بن الليث: إن خادمى هذا هو الذى قبض علىّ؛ و قد أعطى عمرو ابن الليث ذلك الخادم خمس عشرة حبة من اللؤلؤ قيمة كل منها سبعون ألف درهم، فأخذوا تلك اللآلئ من ذلك الغلام. و كان القبض على عمرو بن الليث يوم الأربعاء العاشر من جمادى الأولى سنة ثمان و ثمانين و مائتين (900 م) و أتوا بعمرو بن الليث إلى الأمير إسماعيل، و أراد عمرو بن الليث أن يترجل فلم يأذن الأمير الماضى و قال: اليوم أفعل بك ما يعجب له الناس، فأمر فأنزلوا عمرا بن الليث بالسرادق و أرسل أخاه (أى أخ الأمير إسماعيل) لحراسته. و بعد أربعة أيام رأى الأمير (إسماعيل) (1) فسألوا عمرا بن الليث كيف قبض عليك؟ فقال: كنت أعدو فعجز جوادى، فترجلت و نمت و رأيت غلامين واقفين عند رأسى فجرد أحدهما السوط و وضعه على أنفى، فقلت ماذا تريد من رجل هرم‏ (2)؟، و أقسمت عليهما ألا يقتلانى فترجلا و قبلا قدمى و أمنانى، و أركبنى أحدهما جوادا و تجمع الناس و قالوا ما معك؟ فقلت معى بضع لآلئ قيمة كل منها سبعون ألف درهم و أعطيتهم خاتمى و خلعوا خفى من قدمى فوجدوا بعض الجواهر الثمينة و أدركنى الجيش و كان محمد شاه يمنع الناس عنى، و فى هذه الأثناء رأيت الأمير إسماعيل من بعد، فأردت أن أترجل فأقسم بروحه و رأسه ألا تنزل، فاطمأن قلبى، و أنزلنى بالسرادق و جلس معى أبو يوسف و احتجزنى، و حين طلبت الماء أعطونى ماء الورد و عاملونى بكل إعزاز و إكرام، ثم دخل عندى الأمير إسماعيل و لا طفنى و تعهد بألا يقتلنى و أمر أن‏

____________

(1) ليست فى الأصل و أضيفت للتوضيح. و يوجد بعدها فى نسخة شيفر «بفرمود تا بپرسيدند» أى أمر فألوا.

(2) الترجمة الحرفية «هذا الرجل الهرم».

128

يركبونى الهودج و يبلغونى المدينة مكرما و يدخلونى سمرقند ليلا بحيث لا يعلم أحد من أهلها، و اشترى الأمير إسماعيل خاتمى من الشخص الذى كان معه بثلاثة آلاف درهم‏ (1) و دفع ثمنه و أرسله إلىّ، و كان فص الخاتم من الياقوت الأحمر. و قال عمرو بن الليث: كان معى يوم المعركة أربعون ألف درهم نهبت فى الحرب، و كنت على جواد يقطع خمسين فرسخا، و قد سبق لى تجربته، فكان اليوم يسير بضعف بحيث رغبت فى الترجل عنه، و قد غاصت قوائم الحصان فى جدول فسقطت عنه و يئست من نفسى، فلما قصدنى هذان قلت لمن كان معى: اركب حصانى، فركبه و نظرت فكان يسير كالسحاب، فعرفت أن ذلك كان لإدبارى و ليس عيب الحصان.

و قال عمرو بن الليث للأمير إسماعيل: لقد أخفيت فى بلخ عشرة أحمال من الذهب، فمر بأن يأتوا بها فأنت أولى بها اليوم. فبعث الأمير إسماعيل شخصا و أتوا بها و أرسلها جميعا إلى عمرو بن الليث، و كلما ألحوا على الأمير إسماعيل (رحمه اللّه) لم يقبل (منها شيئا)، و وصل كتاب أمير المؤمنين إلى سمرقند بطلب عمرو بن الليث، و كان عنوان الكتاب مكتوبا هكذا: «من عبد اللّه بن الإمام أبى العباس المعتضد باللّه أمير المؤمنين إلى أبى إبرهيم إسماعيل بن أحمد مولى أمير المؤمنين» (2) فلما وصل الكتاب إلى الأمير إسماعيل حزن من أجل عمرو بن الليث، إذ لا يمكن رفض أمر الخليفة فأمر فجى‏ء بعمرو بن الليث إلى بخارى فى الهودج و لم يره الأمير إسماعيل وجهه خجلا و أرسل إليه شخصا قائلا: إذا كانت لك حاجة فاطلبها.

فقال عمرو بن الليث: يعنى بأولادى [و أوص من يحملونى بأن يحسنوا معاملتى‏] (3) ففعل الأمير إسماعيل هكذا و أرسله إلى بغداد فى الهودج، و حين بلغ بغداد سلمه الخليفة إلى صافى الخادم، و ظل فى القيد عند صافى الخادم حتى آخر عهد المعتضد، و بقى فى السجن عامين حتى قتل سنة ثمانين و مائتين (893 م) و لما بعث الأمير

____________

(1) فى نسخة شيفر (به درم) أى بثلاثة دراهم، و فى نسخة مدرس رضوى ص 108 «سه (هزار) درم» أى ثلاثة آلاف درهم و هو الأنسب.

(2) هذه العبارة وردت فى الأصل بالعربية.

(3) هذه العبارة المحصورة بين القوسين [...] موجودة بنسخة مدرس رضوى بين القوسين أيضا و غير موجودة بنسخة شيفر.

129

إسماعيل بعمرو بن الليث إلى الخليفة أرسل إليه الخليفة منشور خراسان و صارت كل البلاد من عقبة حلوان و ولاية خراسان و ماوراء النهر و التركستان و السند (1) و الهند و كركان‏ (2) تابعة له، و قد نصب على كل بلد أميرا، و أظهر آثار العدل و حسن السيرة، و كان يعاقب كل من يظلم الرعية، و لم يكن أحد قط من آل سامان أكثر منه سياسة، و مع أنه كان زاهدا لم يكن يحابى قط فى أمر الملك، و كان يطيع الخليفة دائما و لم يعص الخليفة ساعة طوال عمره، و كان يجل أمره كل الإجلال.

و قد مرض الأمير إسماعيل و ظل مريضا مدة و كان مرضه فى الأغلب من الرطوبة. و قال الأطباء بأن هواء جوى موليان رطب جدّا فنقلوه إلى قرية زرمان‏ (3) التى كانت من أملاكه الخاصة، و قالوا إن ذلك الجو أوفق له. و كان الأمير يحب تلك القرية و يذهب إليها كل وقت للصيد و كان قد أنشأ هنالك بستانا و ظل هناك مريضا مدة حتى توفى [....] (4) فى الخامس عشر من شهر صفر سنة خمس و تسعين و مائتين (907 م). و كان أميرا لخراسان عشرين سنة، و كانت مدة حكمه ثلاثين عاما (رحمه اللّه تعالى).

فقد صارت بخارى فى أيامه دار الملك (أى العاصمة) و جعلها كل أمراء

____________

(1) السند- بكسر أوله و سكون ثانيه و آخره دال مهملة بلاد بين الهند و كرمان و سجستان [ياقوت: معجم البلدان ج 5 ص 151- 152].

(2) كركان:(Gorgan) ولاية بشمال شرقى إيران بين خراسان و بحر خزر سماها قدامى اليونان هيروانى‏(Hyroanie) ثم عرب بجرجان و اشتهرت بين العرب بهذا الاسم و كذا توجد قريتان بهذا الاسم إحداهما بقرب فارس و ثانيتها بقرب كرمانشاه، هكذا فى معجم البلدان [ش. سامى: قاموس الأعلام ج 5 ص 3845] انظر أيضا حاشية (2) ص 125.

(3) زرمان: بفتح أوله و سكون ثانيه و آخره نون، من قرى صغد سمرقند، بينها و بين سمرقند سبعة فراسخ، عن السمعانى ... ينسب إليها أبو بكر محمد بن موسى الزرمانى. [ياقوت: معجم البلدان ج 4 ص 385].

(4) بين هذين القوسين بالكتاب توجد العبارة الآتية: «أوهم در آن باغ بود بزيركوزن بزرك» و ترجمتها: و كان هو أيضا فى ذلك البستان تحت الوعل الكبير. و هذه العبارة مبهمة و قد أشار مدرس رضوى فى نسخته أيضا إلى ذلك.

130

آل سامان حاضرتهم، و لم يقم أى أمير من أمراء خراسان قبله فى بخارى، و كان يتبرك بالمقام فيها و لم يكن يرتاح لأية ولاية سواها. و كان يقول حيثما وجد، بلدنا كذا و كذا- أى بخارى- و خلفه ابنه بعد وفاته و قد لقب (أى الأمير إسماعيل) بالأمير الماضى.

131

ذكر ولاية الأمير الشهيد أحمد بن إسماعيل السامانى‏

صار أميرا لخراسان و لقب بالأمير الشهيد، و كان يسير سيرة أبيه و يعدل و ينصف الرعية غاية الإنصاف. و كان الرعايا فى راحة و دعة، و ذهب من هنالك إلى خراسان و كان يتفقد مملكته، و قد فتح سيستان‏ (1) و كانت سيستان فى أيام الأمير الماضى باسمه و من هنالك جاء إلى بخارى .. و كان مولعا بالصيد، و قد ذهب إلى شاطئ جيحون للقنص و ضرب سرادقا و لما عاد من الصيد جاء رسول و أتى برسالة من أبى العباس أمير طبرستان و قرأ الرسالة: فكان مكتوبا بها أن حسينا بن العلاء خرج عليه و استولى على أكثر ولاية كركان‏ (2) و طبرستان‏ (3) و لا بد لى ضرورة من الفرار، فضاق صدر الأمير و اغتم غاية الغم و دعا و قال: يا إلهى إذا كان هذا الملك سيذهب عنى فأمتنى، و دخل السرادق، و كان المتبع أن يحتفظ كل ليلة بأسد على باب البيت الذى ينام فيه و يربط بسلسلة فكل من أراد دخول البيت يقضى عليه ذلك الأسد. و لما كان تلك الليلة ضيق الصدر شغل جميع خاصته فنسوا إحضار الأسد و نام، فدخل جماعة من غلمان الأمير و قطعوا رأسه يوم الخميس فى الحادى عشر من جمادى‏

____________

(1) سيستان معزبها سجستان: ولاية واسعة جنوبى خراسان يتبع نصفها الغربى اليوم إيران و نصفها الشرقى أفغانستان. كانت فى القديم مسقط رأس البطل الفارسى رستم بن زال و قد أقطعها له الملك كيكاوس.

و قد صارت سيستان (سجستان) بعد الإسلام منشأ كثير من العلماء و الأدباء يعرفون بالسجستانى أو السجزى (شمس الدين سامى: قاموس الأعلام ج 4 ص 2537 و 2760).

(2) كركان معربه جرجان، قال ياقوت: مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان و خراسان، فبعض يعدها من هذه و بعض يعدها من تلك. و قال الإصطخرى: أما جرجان فإنها أكبر مدينة بنواجيها و هى أقل نذى و مطرا من طبرستان و أهلها أحسن و قارا و أكثر مروءة من كبرائهم، و هى قطعتان إحداهما المدينة و الأخرى «بكر آباد» و بينهما نهر كبير يحتمل أن تجرى فيه السفن [دائرة المعارف للبستانى ج 6 ص 425، 426]. و فى قاموس الأعلام ج 3 ص 1776 «قصبة بقرب استراباد على نهر باسمها تقع فى الحدود الشمالية لإيران و جنوب شرقى بحر خوارزم ... و قد كتب لهذه المدينة عدة تواريخ منها تاريخ جرجان لأبى القاسم حمزة بن يوسف الجرجانى.

(3) انظر حاشية (5) ص 59.

132

الآخرة سنة إحدى و ثلاثمائة من الهجرة (913 م) و جاءوا به إلى بخارى و دفنوه فى قبر جديد و لقبوه بالأمير الشهيد، و اتهموا أبا الحسن بأنه بعث (هؤلاء الغلمان) و أتوا به إلى بخارى و صلبوه، و قد وجدوا بعض هؤلاء الغلمان الذين قتلوه فقتلوهم و فر بعضهم إلى التركستان.

و كانت مدة ولايته ست سنوات و أربعة شهور و خمسة أيام.

133

ذكر ولاية الأمير السعيد أبى الحسن نصر بن أحمد بن إسماعيل السامانى «(رحمه اللّه)»

لما فرغوا من دفن الأمير الشهيد، لقبوا ابنه نصرا بالسعيد، و كانت سنه ثمانى سنوات، و ولى وزارته أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الجيهانى، و صار قائده حمويه ابن على، و كانوا يسمونه «صاحب وجود خراسان». و كان شأن الأمير السعيد ضعيفا أول الأمر، و ظهرت الفتن فى كل مكان، و طلب عمّ أبيه إسحق بن أحمد البيعة فى سمرقند و بايعه أهلها، و خرج ابنه أبو صالح منصور بن إسحق فى نيسابور و استولى على بعض مدن خراسان، و قوى شأن إسحق بن أحمد فى سمرقند، فبعث الأمير السعيد بقائده حمويه بن على لمحاربته، فهزم (إسحق) و دخل الجيش سمرقند، فاستعد إسحق مرة أخرى و خرج معه أهل سمرقند و حاربوا حمويه فهزم أهل سمرقند، و خرج إسحق بن أحمد مرة ثالثة و أسر فى هذه المرة، و كان ابنه منصور بن إسحق فى نيسابور فتوفى، و صفت كل خراسان و ماوراء النهر للأمير السعيد و خطبوا له فى فارس و كرمان و طبرستان و كركان و العراق.

حكاية: فى سنة ثلاث عشرة (و ثلثمائة) (925 م) ذهب الأمير السعيد من بخارى إلى نيسابور و ترك خليفة (نائبا) فى بخارى من أتباعه اسمه أبو العباس أحمد ابن يحيى بن أسد السامانى. و فى هذا التاريخ شب حريق فى محلة «كردون كشان» و كان الحريق من العظم بحيث رآه الناس فى سمرقند، و قال أهل بخارى إن هذه النار نزلت من السماء، و قد احترقت هذه المحلة جميعا بحيث تعذر الإطفاء. و الخلاصة أن إخوته الآخرين خرجوا و أثاروا فتنا كثيرة، و فى النهاية فر أبو زكريا الذى كان أصل الفتنة مع نفر قليل و ذهب إلى خراسان صفر اليدين، و استأمن إخوته الآخرون فأمنهم الأمير السعيد و أحضرهم إليه حتى هدأت الفتنة.

حكاية: و فى أيام الأمير السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل شب حريق أيضا

134

فى بخارى فى شهر رجب سنة خمس و عشرين و ثلثمائة (936 م) و احترقت جميع الأسواق، و كانت بدايته من دكان طابخ هريسة (1) فى باب سمرقند حمل الرماد من تحت القدر و صعد به إلى السطح ليملأ به حفرة كانت على السطح‏ (2)، و كان بين الرماد جمرة و لم يكن يعرف، و حملها الريح و ألقى بها على سياج من الشوك، فاشتعل جميع السوق، و احترقت محلة باب سمرقند بأجمعها. و كانت النار تسير فى الجو كالسحاب و قد احترقت محلة «بكار» و سقيفات‏ (3) السوق و مدرسة «فارجك» و سقف سوق «كفشكران» (أى الإسكافية) و سوق الصيارفة و البزازين و كل ما كان فى بخارى بأجمعها حتى حافة النهر، و طارت شرارة فاشتعل مسجد ماخ و احترق جميعه و ظل مشتعلا ليلتين و يوما و حار أهل بخارى فى أمره و رأوا كثيرا من العنت إلى أن أطفأوه فى اليوم الثالث. و ظلت الأخشاب تحترق شهرا تحت التراب و خسر أهل بخارى أكثر من مائة ألف درهم و لم يستطيعوا أبدا بناء عمارات بخارى كما كانت.

و كانت سلطنة الأمير السعيد إحدى و ثلاثين سنة و كان ملكا عادلا أعدل من أبيه، و كانت شمائله كثيرة يطول شرحها إذا ذكرت جميعا، و حين رحل عن الدنيا تولى ابنه نوح بن نصر الملك.

____________

(1) الهريسة طعام يصنع من مسلوق لحم الخراف مع الحنطة و ضربهما معا بعد استخراج العظام حتى يصبحا كالعجين، و يفطر أهل بخارى على هذا الطعام فى الصباح بعد أن يضيفوا إليه الزبد. و يسمى هذا الطعام فى أفغانستان و التركستان «حليم» مع نطق الحاءهاء و ينطقها أهل طشقند خاء.

(2) من عادة أهل بخارى و التركستان أنهم يستعملون الرماد فى مل‏ء ما قد يحدث من شقوق أو حفر أو ما شابهها فى سطوح المنازل التى تكون مبنية من الطين و ذلك منعا لنفوذ ماء المطر.

(3) تصغير سقيفة بفتح السين.

135

ضريح الأمير إسماعيل السامانى ببخارى‏

136

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

137

ذكر ولاية الأمير الحميد أبى محمد نوح بن نصر ابن أحمد بن إسماعيل السامانى‏

تولى الأمير الحميد الملك فى أول شعبان سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة (943 م) و وزر له أبو ذر، و كان قاضى بخارى، و لم يكن فى زمانه أفقه منه، و كتاب «المختصر الكافى» من تصنيفه. و لما توفى الأمير السعيد استقل كل شخص بناحية، فخرج الأمير الحميد من بخارى و ذهب إلى نيسابور، و كان أبو على الإصفهانى أمير نيسابور، فأرسل فقبضوا عليه، و استصفى الولايات و بدد شمل المخالفين و أعطى نيسابور لإبرهيم سيمجور. و قال أبو على الإصفهانى فى نفسه: أنا مهدت له الملك و أعطى الولاية لآخر، و قال أبو على الإصفهانى لأبى إسحق إبرهيم ابن أحمد بن إسماعيل السامانى اذهب إلى بخارى و خذ الملك و حينما أكون معك لا يستطيع الأمير مقاومتك. فساق أبو إسحق العسكر و أظهر الخلاف، فعاد الأمير الحميد من نيسابور و توجه إليه أبو إسحق و وقعت بينهما الحرب و هزم الأمير و تقهقر إلى بخارى و تعقبه عمه أبو إسحق حتى بخارى، و فى جمادى الآخرة سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة (946 م) بايعه جميع أهل بخارى و قرئت الخطبة على جميع منابر بخارى باسم أبى إسحق. و تبين بعد مدة أن جنده أضمروا له الشر، و اتفقوا مع الأمير الحميد، و يعتزمون قتله، فنكص عن بخارى و ذهب إلى «چغانيان» (1) و أعطى الأمير الحميد قيادة الجيش لمنصور قراتكين و أرسله إلى مرو و قبض على علىّ بن محمد (2) القزوينى و أوثقه و أرسله إلى بخارى، و أخمد تلك الفتنة. و وقعت للأمير الحميد فى مدة ولايته حروب كثيرة مع كل طامع فى ملكه. و فى سنة إحدى و أربعين و ثلثمائة (952 م) صفت الولايات للأمير الحميد. و قد فارق الأمير الحميد الدنيا فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث و أربعين و ثلثمائة (954 م و كانت مدة ملكه اثنتى عشرة سنة.

____________

(1) چغانيان تنطق «تشغانيان»: اسم محلة فى سمرقند (برهان قاطع).

(2) فى بعض النسخ على بن أحمد القزوينى.

138

و يقول أحمد بن محمد بن نصر إن محمدا بن جعفر النرشخى ألف هذا الكتاب باسمه و فى أول عهده سنة اثنتين و ثلاثين و ثلثمائة (942 م)، و لم يذكر (النرشخى) فى كتابه كل ما كان فى عهد الأمير الحميد. و هذا هو ما تهيأ لنا كذلك بعد الأمير الحميد عن أحوال أمراء آل سامان بتوفيق اللّه تعالى.

139

ذكر ولاية [الأمير الرشيد أبى الفوارس‏] (1)

عبد الملك بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل السامانى- رحمهم اللّه تعالى لما رحل الأمير الحميد عن الدنيا بويع الأمير الرشيد، و كان فى العاشرة من عمره حين تولى الملك. و لما وصل خبر وفاة الأمير الحميد إلى الولايات طمع كل شخص فى ولاية، و كان قد بعث الأشعث بن محمد إلى خراسان و وقعت له فى هرى (هراة) و إصفهان‏ (2) حروب كثيرة، و استصفى الولايات. و بينما كان مشغولا بهذا الأمر و يحارب إذ سقط الأمير الرشيد عن جواده، و توفى فى نفس الليلة، و كان ذلك ليلة الأربعاء لثمانية أيام خلت من شهر شوال سنة خمسين و ثلثمائة (961 م) و كانت مدة ملكه سبع سنوات. و لما دفنوه ثار العسكر و تمردوا و طمع كل شخص فى الملك و ظهرت الفتن.

____________

(1) هذه العبارة [...] موجودة فى نسخة شيفر و غير موجودة فى نسخة مدرس رضوى.

(2) إصفهان: منهم من يفتح الهمزة و هم الأكثر (أصفهان) و كسرها آخرون (إصفهان) مثل السمعانى و أبو عبيد البكرى الأندلسى، (معجم البلدان ج 1 ص 269)- و هى من أكبر و أجمل و أقدم المدن الإيرانية و بها كثير من المساجد و المدارس الأثرية التى تزينها النقوش و الكتابات الخزفية المعروفة بالقيشانى «كاشى».

140

ذكر ولاية الملك المظفر أبى صالح منصور بن نصر بن أحمد بن إسماعيل السامانى‏

تولى الأمير السديد الملك و بايعه الجند و ظهر الوفاق بعد الخلاف الكثير و كانت بيعته يوم الجمعة [فى التاسع عشر من شهر شوال سنة خمسين و ثلثمائة] (961 م) (1).

و كان الاسفهسالار (أى القائد) البتكين فى نيسابور، حين بلغه خبر وفاة الأمير الرشيد، فقصد الحضرة للقبض على الأمير السديد، و بعث إليه الأمير السديد بجيش‏ (2)، فلما بلغ (البتكين) جيحون أراد العبور فلم يستطع لأن جيشا كبيرا كان قد وصل، و أراد العودة و الذهاب إلى نيسابور ولايته؛ و كتب الأمير السديد إلى محمد بن عبد الرزاق فى نيسابور بأن لا يسمح له بدخولها و علم البتكين فعرف أنه لا يستطيع الذهاب إلى نيسابور، فعبر جيجون و اجتازه‏ (3) و ذهب إلى بلخ و استولى عليها و أظهر التمرد، فبعث الأمير السديد بالأشعث بن محمد و خاض عدة حروب مع البتكين و أخيرا أخرج البتكين من بلخ فذهب البتكين إلى غزنه‏ (4) فتعقبه الأشعث بن محمد إلى غزنه و تحاربا هنالك كذلك، و انهزم البتكين أمامه مرة

____________

(1) هذه العبارة [...] مترجمة من نسخة مدرس رضوى لأن عبارة شيفر فيها لبس و غموض و نصها «و بيعت او روز آدينه بود و فوت او در ماه شوال بسال سيصد و پنجاه بود» و ترجمتها: و كانت بيعته فى يوم الجمعة و وفاته فى شهر شوال سنة خمسين و ثلثمائة.

(2) فى نسخة شيفر «كس فرستاد» أى أرسل شخصا.

(3) العبارة فى الأصل الفارسى «همچنان از آب جيحون و از آموى بكذشت» و ترجمتها الحرفية «و هكذا عبر نهر جيحون و آموى» و كلمة آموى هنا زائدة لأنها اسم آخر لنهر جيحون و قد وضعت فى نسخة مدرس رضوى بين قوسين دون تعليق.

(4) غزنه، بفتح أوله و سكون ثانيه ثم نون، هكذا يتلفظ بها العامة و الصحيح عند العلماء غزنين و يعربونها جرنه و يقال لمجموع بلادها زابلستان. [ياقوت: معجم البلدان ج 6 ص 289].

و يكتبها الأفغان حاليا «غزنى» بالياء و يتلفظونها و هى مدينة و ولاية هامة جنوبى غربى كابل على بعد 46 كيلومترا و تجاورها ولاية زابل. و معلوم أن غزنه كانت عاصمة للدولة الغزنوية التى أسسها سبكتكين مملوك البتكين و مركزا هاما للثقافة الإسلامية.

141

ثانية، و فر ثانيا إلى بلخ، ثم أمّنه الأمير السديد، فجاء إلى الحضرة بعد تمرد و حروب كثيرة.

و فى تلك الأيام بعث الأمير السديد بعساكر كثيرة إلى الولايات و استصفى المملكة، و لم يعد فى الولاية منازع، و استولى على ولاية الديلم‏ (1) و تصالح معهم على أن يعطوه كل سنة مائة و خمسين ألف درهم نيسابورية.

و رحل الأمير السديد عن الدنيا يوم الأحد فى السادس عشر من شهر المحرم سنة خمس و ستين و ثلثمائة (975 م).

و كانت مدة ملكه خمس عشرة سنة و خمسة أشهر. و اللّه أعلم.

____________

(1) الديلم، «ديلمان- كأنه نسبة إلى الديلم أو جمعه بلغة الفرس، من قرى أصبهان بناحية جرجان ينسب إليها أبو محمد عبد اللّه بن إسحاق بن يوسف الديلمانى.» [ياقوت، معجم البلدان، طبع القاهرة سنة 1906 ج 4 ص 186].

142

ذكر ولاية الأمير الرشيد أبى القاسم نوح بن منصور بن نصر بن أحمد بن إسماعيل السامانى‏ (1)

لما رحل الأمير السديد عن الدنيا يوم الأحد تولى ابنه الملك يوم الإثنين و بايعوه و صار أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الجيهانى وزيرا (له) ثم اعتذر لشيخوخته.

و مضت بعده مدة يومين أو ثلاثة أخرى و عندئذ صار الأمير محمد بن عبد اللّه ابن عزيز وزيرا، و ازدهرت شئون الملك. و كان أبو العباس تاش أسفهسالار الجيش، فعزل، و صار أبو الحسن محمد بن إبرهيم أسفهسالارا، فتمرد أبو العباس تاش و استولى على نيسابور، و ذهب الإسفهسالار أبو الحسن و ابنه على و أبو الحسن فائق الخاصة (2) إلى نيسابور و هزموه سنة سبع و سبعين و ثلثمائة (987 م)، و فر أبو العباس من نيسابور إلى كركان و ناصره على بن الحسن و أدخله كركان و لما رحل الإسفهسالار أبو الحسن محمد بن إبرهيم عن الدنيا فى آخر ذى القعدة سنة ثمان و سبعين و ثلثمائة (988 م) صار ابنه اسفهسالارا، و كرهه الأمير الرشيد من بعده (أى بعد وفاة أبيه) و عزله، و صار أبو الحسن فائق الخاصة اسفهسالارا، و ذهب إلى هراة و حاربه و فر منه فائق الخاصة و ذهب إلى مرو فى ذى الحجة سنة ثمان و سبعين و ثلثمائة من الهجرة (988 م) و قد ولى بعده أبو الحارث منصور بن نوح سنة و تسعة شهور، فسجنه البكتوزيون فى سرخس‏ (3) و خرج ملك آل سامان من أيديهم. «و اللّه أعلم».

«انتهى تاريخ بخارى»

____________

(1) لم يرد هذا الباب فى نسخة شيفر و ترجمناه من نسخة مدرس رضوى و هو آخر باب بها، و قد أشار مدرس رضوى فى حاشيته ص 117 بأن هذه الصفحة قد سقطت من نسخة باريس (شيفر) و أنها موجودة فقط فى نسخة رمز لها بحرف دال و هى نسخة «دانشكده معقول و منقول» أى كلية المعقول و المنقول.

(2) فى الأصل الفارسى «الفائق الخاصة».

(3) سرخس بفتح الأول و الثانى ثم خاء وسين ساكنتين اسم مدينة فى خراسان حوالى مرو.

[رضا قلى هدايت: فرهنك أنجمن آراى ناصرى طبع حجر 1288 ه 1871 م. أنجمن 12 مادة سرخس‏] ينسب إليها شمس الأئمة السرخسى صاحب مبسوط السرخسى و أبو محمد إسماعيل بن أحمد السرخسى الهروى المتوفى سنة 414 ه/ 1023 م. صاحب كتاب الكافى فى القراءات و غيرهما من العلماء و الفقهاء.

143

تذييل فى تاريخ السامانيين‏

144

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

145

تذييل فى تاريخ السامانيين‏ الآن و قد انتهينا من ترجمة كتاب تاريخ بخارى للنرشخى رأينا إتماما للفائدة أن نذيله بفصل فى تاريخ السامانيين نقله شيفر من كتاب «تاريخ كزيده» (الفصل الثانى من الباب الرابع) فيما نقله من نصوص فارسية أخرى ذيل بها النص الفارسى للكتاب المترجم.

و كتاب تاريخ كزيده تأليف حمد اللّه بن أبى بكر بن أحمد بن نصر المستوفى القزوينى المتوفى سنة سبعمائة و خمسين هجرية/ 1349 م. و قد ألفه للوزير غياث الدين محمد و أتم تأليفه فى حدود سنة سبعمائة و ثلاثين هجرية؛ 1329 م‏ (1).

و فيما يلى ترجمة هذا الباب كما جاء فى نسخة شيفر:

ذكر حمد اللّه المستوفى القزوينى فى كتابه «تاريخ كزيده» أمراء السامانيين على النحو التالى:

ذكر ملوك السامانيين‏

تسعة أشخاص مدة ملكهم اثنتان و مائة سنة و ستة أشهر و عشرون يوما. سامان من نسل بهرام چوبين (تشوبين) و نسبه: سامان خداة بن حسمان بن طغاث بن نوشرد بن بهرام چوبين‏ (2)، كان أجداده قبل الإسلام غالبا حكام ماوراء النهر، و بعد الإسلام تنكر الزمان لوالد سامان صاحب الجند فعمل جمالا، و لم يخضع علو جوهره لحرفة الجمالة، و ذات يوم سمع فى ضجة صاخبة هذين البيتين:

مهترى كربكام شير در است ...* * * رو خطر كن بكام شير بجوى‏

____________

(1) حاجى خليفة: كشف الظنون المجلد الثانى مادة «كزيده» ص 1474 طبعة وزارة المعارف التركية باستانبول سنة 1943 م.

(2) هذه الأسماء وردت فى كتاب «تاريخ كزيده» المجلد الأول طبعة إدوارد براون (لندن 1910 م.) ص 379 كالآتى: سامان بن خداه بن جسام بن طعّام بن هرمزد بن بهرام چوبين.

146

يا بزركى بناز و نعمت و كام ...* * * يا چو مردانت مرك روياروى‏

(1)

و معناهما:-

إذا كانت العظمة فى حلق الأسد،* * * فاذهب و خاطر و التمسها من حلق الأسد

فإما العظمة بالدلال و النعمة و التوفيق،* * * و إما ملاقاة الموت وجها لوجه كالرجال‏

*** فثارت رجولته بهذين البيتين و اشتغل بالعيارية، و بعد مدة استولى على مدينة أشناس، و صارت لابنه أسد بن سامان فى عهد الخليفة المأمون منزلة، فأسند إليه طاهر ذو اليمينين أعمالا، و ولى المأمون أبناءه من بعده إمارة الولايات، فأعطى سمرقند لنوح بن أسد، و فرغانة لأحمد بن أسد. و الشاش لإلياس بن أسد، و هراة ليحيى بن أسد، و كانوا يباشرون أعمال تلك الولايات إلى أن أعطى الخليفة المعتمد جميع الولايات لنصر بن أحمد سنة إحدى و ستين و مائتين؛ 874 م. و كان أرشد هؤلاء القوم.

و قد صار أخوه إسماعيل حاكم بخارى من قبله و بعد مدة أوقع المفسدون بين الإخوة فذهب نصر لحرب إسماعيل، و كان النصر لإسماعيل، و لكنه قبل يد أخيه الأكبر و قال: إنك ما زلت الأكبر و المخدوم، فإذا أمرت لى ببخارى أقوم بأعمالها و إلا فأنا مطيع لكل ما تأمر، فخجل نصر و استقر أمر بخارى لإسماعيل، و تولى نصر حكومة ماوراء النهر حتى مات سنة تسع و سبعين و مائتين (892 م)، و استتب جميع الأمر لإسماعيل، و جعل بخارى دار الملك (العاصمة)، و كان رجلا حكيما مهيبا تسطع آثار الملك من جبينه، فعمرت ولاية ماوراء النهر فى عهده، فلما تطاول بنو الليث، أمره الخليفة المعتضد فأطاح بهم، و أسند إليه الخليفة ملك بنى الصفار، و فى منتصف ربيع الآخر سنة سبع و ثمانين و مائتين (900 م)،

____________

(1) هذان البيتان للشاعر الفارسى حنظلة البادغيسى المتوفى سنة 220 ه./ 835 م. و كان من شعراء نيسابور فى عصر عبد اللّه بن طاهر. و تروى كتب الأدب الفارسى أن أحمد بن عبد اللّه الخجستانى من أمراء الصفاريين كان مكاريا، و قد سمع هذين البيتين فأثارا نخوته و رفعته همته بتأثيرهما إلى رتبة الإمارة.

[دكتور رضازاده شفق «تاريخ أدبيات إيران» طبع طهران سنة 1321 ه. ش./ 1942 م‏].

147

أطلق عليه فى بعض انحاء إيران اسم الملك، و بذل مساعى جميلة فى الخيرات و المبرات، و اجتهد فى العدل و الإنصاف. و قد سأل أحد العظماء فى عهده قائلا:

لقد كان الطاهريون أطهارا فى دينهم أخيارا فى عقيدتهم و عملوا كثيرا من الخيرات، و لا يوجد منها أى أثر ظاهر؛ و كان بنو الليث ظالمين جائرين، و لم يعملوا كثيرا من الخيرات، و هى كلها جارية. فما الموجب و ما الحكمة فى هذا؟ فأجاب:

لقد كان بنو الليث بعد الطاهريين، و لفرط الخبث الطبعى و الظلم الجبلىّ لم يجروا خيرات الطاهريين، و أبطلوها حرصا و طمعا، و استولوا على موقوفاتهم، و كان السامانيون بعد بنى الليث، فأقروا خيرات بنى الليث لحسن مروءتهم و طهر عقيدتهم و لم يطمعوا فيها، فلا جرم أن تلاشت تلك و جرت هذه- و الحكمة فى هذا هى أنه لا شك فى أن كلا من المحسن و المسى‏ء سيلقى جزاءه فى المحشر، و كل من عمل خيرا يجزى خيرا، ثم إن إحسان الذى أساء و أبطل الخير لخبثه، يكون إحسانا آخر للمسى‏ء يقدمه للمحسن إزاء بطلان عمل المحسنين، فإذا ما أجرى محسن آخر إحسان ذلك المحسن فإنهما يتساويان، و فى ذلك ثواب للثانى، فثواب المحسن الأول ثلاثة أمثال، و لا يكون للمسى‏ء أى ثواب، فيحملون هذا إلى الجنة و يصلون ذلك النار.

و قد ملك إسماعيل السامانى فى إيران سبع سنوات و عشرة أشهر و توفى فى الرابع عشر من صفر سنة خمس و تسعين و مائتين (907 م). و من أقواله (كن عصاميّا و لا تكن عظاميّا) (1).

و قد صار أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان ملكا بعد أبيه بحكم الوراثة، و كان راعيا للعلماء محبّا لهم، و كانت أكثر مجالساته للعلماء، و لهذا نفر منه الغلمان، و قد نقل المنشورات و الأحكام من اللغة الدرية (2) إلى العربية و حكم مدة خمس سنوات و أربعة أشهر، و قد بلغه يوما أخبار مثيرة من أنحاء ملكه، فقال‏

____________

(1) هذه العبارة وردت فى الأصل بالعربية.

(2) الفارسية الدرية هى فارسية البلاط نسبة إلى (در) أى الباب و المراد به باب السلطان أو بلاط الملك، و هى الفارسية الفصحى.

148

يا إلهى؟ إذا كنت قدرت أن تثور علىّ المملكة فابعث إلىّ بالموت قبل تلك الثورة و لا ترض مضايقة العباد. و كانوا يربطون كل ليلة على بابه أسدا حتى لا يدخل أحد داره خشية منه، فنسوا ليلة ربط ذلك الأسد، فدخل جماعة من الغلمان كانوا ينوون قتله و قتلوه فى الثالث من جمادى الآخرة سنة ثلاثمائة (912 م) ببخارى.

و كان الپتكين من جملة غلمانه، و لكنه لم يكن قد اشتهر بعد، فتولى نصر بن أحمد ابن إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان الملك بعد أبيه. فقتل جميع الغلمان الذين كانوا قد قتلوا أباه قصاصا منهم، و اجتهد فى العدل و الإنصاف، و عمل كثيرا من الخيرات، و بعد مدة ذهب لمشاهدة هراة، فحسنت فى عينه فنزل بها، و اشتاق أمراؤه إلى المرأة و الولد، و لم يكن الأمير نصر ينوى الرحيل إلى بخارى أو يسمح للأمراء بالذهاب إلى بيوتهم أو إحضار نسائهم و أطفالهم، فضاق الأمراء ذرعا و كان يخشى أن يخرجوا على الأمير، و كلما توسلوا بالأمراء المقربين لم تكن هناك فائدة، حتى أغدقوا على الرّودكى‏ (1) و أنشد هذه الأبيات فى وصف حسن بخارى و تشويق الأمير نصر للسفر إليها:

1-

نسيم جوى موليان‏ (2) يسرى‏* * * و عطر الحبيب العطوف ينفح‏

2-

و رمال نهر آمو مع خشونتها* * * تغدو حريرا تحت قدمى‏

3-

و يفيض ماء جيجون طربا بوجه الحبيب‏* * * فيبلغ حقوى جوادنا

____________

(1) أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الرودكى و أصله من رودك إحدى قرى سمرقند و كان إلى شاعريته حسن الصوت يعزف على البربط و هو أول شاعر بلغ الشعر الفارسى كما له على يديه و يسمونه أبا الشعر الفارسى و كان شاعر الأمير نصر بن أحمد السامانى و صاحب الحظوة فى بلاطه و أثرى من صلاته، توفى بين سنتى 329، 330 ه. (940- 941 م).

(2) محلة نزهة فى بخارى كثيرة الأمواه و البساتين و القصور (انظر النرشخى- تاريخ بخارى ص 47 ذكر جوى موليان و صفتها).

149

4-

فإن الملك مقبل ضيفا عليك‏* * *اسعدى يا بخارى و عيشى طويلا

5-

و السرو يمضى نحو البستان‏* * *الأمير سرو و بخارى بستان‏

6-

و القمر يسرى إلى السماء* * *الأمير قمر و بخارى سماء

*** فلم يكن للأمير نصر بعد هذا قرار حتى يتم قراءة الأبيات، و انطلق، بحيث ركب دون أن يلبس خفه، و أثرى الرودكى بفضل هذه الأبيات بإنعام الأمراء.

و وجد الأمير نصر ذات يوم شابّا و سيما يعمل فى الطين، و كان نور العظمة يسطع من جبينه، فسأل عن اسمه و أصله و أمنه- فقال: اسمى أحمد و من نسل بنى الليث. فرق الأمير نصر لحاله، و لاطفه و وهبه مالا، و زوجه بامرأة من أقربائه و بعث به أميرا على سيستان، و إمارة سيستان حتى الآن فى نسله‏ (2). و الأمير أبو إلياس الذى كان فى بداية أمره عيارا استولى على كرمان قسرا، و ملك فيها سبعا و ثلاثين سنة، و خرج عليه الأهلون لظلمه و قهروه و ولوا الملك ابنه اليسع، و فر ما كان الكاكى من بلاد الديلم و ذهب إلى خراسان، و أراد أن يستولى عليها

____________

(1) النص الفارسى:

1- ياد جوى موليان آيد همى‏* * * ... بوى يار مهربان آيد همى‏

2- ريك آمو با درشتيهاى أو* * * ... زير پايم پرنيان آيد همى‏

3- آب جيحون از نشاط روى دوست‏* * * ... خنك ما را تا ميان آيد همى‏

4- اى بخارا شاد باش و دير زى‏* * * ... شاه سويت ميهمان آيد همى‏

5- مير سرو است و بخارا بوستان‏* * * ... سرو سوى بوستان آيد همى‏

6- مير ماه است و بخارا آسمان‏* * * ... ماه سوى آسمان آيد همى‏

(2) أى حتى زمان المؤلف.

150

بالقوة. فندب الأمير نصر إسفهسالاره‏ (1) الأمير على فى عسكر لجب لحربه، و كان الأمير نصر يوصيه عند رحيله بأن يعمل كذا و كذا وقت المعركة، و كان وجه الأمير على يتجهم أثناء الحديث، و لكنه تحمل حتى أتم الأمير نصر كلامه، فخرج (اأى الأمير على) و كان داخل قميصه عقرب لدغه فى سبعة عشر موضعا، فأبلغوا الأمير نصرا هذه الحالة فقال: لم لم تتكلم قبل هذا- فقال: إذا تأوه العبد فى حضرة الأمير من لدغة عقرب و ترك الأمير فى أثناء الكلام، فكيف يتحمل فى غيبة الأمير و طأة السيف القاطع من أجله؟ فلاطفه الأمير نصر لهذا الكلام، فذهب الأمير على و قتل ما كان كاكى فى الحرب و هزم جيشه، و قال للكاتب إعرض حال ما كان كاكى فى حضرة الأمير بلفظ قليل و معنى غزير، فكتب الكاتب: (أما ما كان صار كاسمه) (2) و كان ذلك سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة (940 م). و قد حكم الأمير نصر مدة ثلاث و ثلاثين سنة و ثلاثة شهور حتى قتل فى الثانى عشر من رمضان سنة ثلاثين و ثلاثمائة (941 م).

و قد صار الأمير الحميد نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان ملكا بعد أبيه، و جرت بينه و بين عمه إبرهيم بن أحمد محاربات من أجل التنازع على الملك. و انتصر الأمير نوح فى النهاية و ملك إثنتى عشرة سنة و سبعة أشهر و سبعة أيام، و رحل عن الدنيا فى التاسع عشر من ربيع الآخر سنة ثلاث و أربعين و ثلثمائة (954 م)، و قد وصل الپتكين فى زمانه إلى الإمارة.

و تربع عبد الملك بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن سامان فى الملك بعد أبيه و ملك سبع سنوات و نصف سنة، و سقط فى الميدان أثناء عدو حصانه، و مات بذلك فى منتصف شوال سنة خمسين و ثلثمائة (961 م) و فى عهده تولى الپتكين إمارة خراسان و اجتمعت له أملاك لا حصر لها.

الأمير السديد منصور بن عبد الملك بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل ابن أحمد بن أسد بن سامان:- تشاور الأمراء بعد أبيه فى أمر الملك، و استأذنوا

____________

(1) اسفهسالار معرب (سپه سالار) الفارسية و معناها قائد الجيش أو أمير الجيش.

(2) هذه العبارة جاءت فى الأصل بالعربية.

151

الپتكين الذى كان أكبر الأمراء فيمن يختاره للملك، و لما كان منصور شابّا حدثا فقد رد الپتكين و اختار عمه، و قبل أن يصل رد الپتكين إلى الأمراء، و لوا منصورا الملك، و صار الپتكين لديه متهما. و كان الپتكين يتودد إليه بالتحف و الرسائل فلم يجد، و بعد ست سنوات استدعى الپتكين إلى بلاطه فعلم الپتكين بأن استدعاءه لا يبشر بخير، و لكنه ذهب مضطرّا، و فى الطريق تحدث مع الأمراء على سبيل الامتحان فى الخروج على منصور، فخالف الأمراء جميعا الپتكين و رعوا حق النعمة، فدعا عليهم و ودعهم و بعث بهم إلى الحضرة و مضى لطيته مع ثلاثة آلاف غلام و قصد غزنين (غزنه) فأحل الأمير منصور أبا الحسين سيمجور محله فى خراسان، و بعث به فى عشرة آلاف فارس لحرب الپتكين، و تقاتلوا معه على باب بلخ و انهزموا، و مضى الپتكين إلى غزنين، و لم يكن صاحب غزنين ليسمح له بدخولها، فحاصر الپتكين غزنين حتى سلموا المدينة صاغرين، و صار ملكا على غزنين. ثم عاد الأمير منصور فبعث بثلاثين ألف فارس لمحاربته فهجم عليهم الپتكين بثلاثة آلاف فارس و هزمهم و انصرف الأمير منصور عن قتاله. و اشتاق خلف بن أحمد السيستانى إلى زيارة الحجاز و أقام صهره طاهرا بن الحسين مقامه و ذهب إلى الحج و حين عودته لم يسمح له صهره بدخول المدينة، فلجأ خلف إلى الأمير منصور فأمده الأمير منصور بالعسكر فذهب خلف إلى سيستان بعسكر بخارى، فترك صهره المدينة و استولى خلف على سيستان و بعث بالجند إلى الأمير منصور فعاد طاهر بن الحسين و قاتل خلف و أخذ المدينة، فلجأ خلف ثانيا إلى الأمير منصور و أخذ العسكر، فلما وصل إلى سيستان كان طاهر قد مات و قام ابنه الحسين مقامه، و قاتل خاله. و لما ضاق ذرعا بعث برسالة إلى الأمير منصور و استأمنه ليذهب إلى حضرته و يلازمه، فأمنه الأمير منصور فترك سيستان لخلف.

و قد حكم الأمير منصور خمس عشرة سنة و قد أثر عنه العدل و الإنصاف و الخيرات و المبرات الكثيرة و توفى فى منتصف شوال سنة خمس و ستين و ثلاثمائة (975 م) و كان أبو على محمد بن البلعمى مترجم تاريخ ابن جرير الطبرى وزيره.

الأمير الرضى نوح بن منصور بن عبد الملك بن نوح بن نصر بن أحمد

152

ابن إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان: تولى الملك بعد أبيه و أراد أن يولى الوزارة أبا الحسين العتبى، فتشاور مع أبى الحسين سيمجور الذى كان أمير الأمراء، فأجابه بأن العتبى متحل بجميع مزايا الوزارة و لكنه شاب، و لا يحمد الشباب فى الوزارة، فخالفه الأمير نوح و أسند الوزارة إلى أبى الحسين العتبى، و انضبطت بكفايته شئون الملك على أتم وجه، و فى الحقيقة لم يكن وزير مثله فى بلاط أى ملك، و بهذا السبب اغبرت العلاقة بين العتبى و سيمجور، فسعى الوزير غاية السعى حتى وجد حسام الدولة تاش الذى كان من مماليك أبيه السبيل إلى الإمارة فى خدمة الأمير نوح، و أسند الحجابة إلى فائق. و تمرد خلف بن أحمد فى سيستان على الأمير نوح و امتنع عن أداء الخراج، فبعث الأمير نوح أيضا بابن أخته الحسين ابن طاهر لقتاله، و بعد المعركة لجأ خلف إلى قلعة أرك‏ (1) و حاصره الحسين بن طاهر، و ظل محاصرا سبع سنوات، و لم يلح النصر، و لهذا السبب نقصت هيبة السامانيين فى القلوب. و كان أبو الحسين سيمجوز يبدى الشماتة، فعزله الأمير نوح من إمارة خراسان، و فوضها إلى تاش، و بعث سيمجور لحرب خلف، فاتفق أبو الحسين سرّا مع خلف و قررا فى الظاهر أن يجلو خلف عن تلك القلعة إلى مكان آخر و يسلمها له، ففعلا هكذا، و كان أبو الحسين (سيمجور) يرى أن السبب فى انتقاص حرمته هو أبو الحسين العتبى، فاتفق مع فائق و بعثا بجماعة حتى قتلوه ليلا حين جاء لمدد الديلم من بخارى إلى خراسان، و امتلأت خراسان بالفتنة، و قامت الحرب و الفتنة فى كل مكان و أخيرا استقروا على أن تكون نيسابور لتاش و بلخ لفائق و هرى (هراة) مع قهستان لأبى الحسين سيمجور. و ذات يوم كان أبو الحسين سيمجور يباشر سرية فى بستان فمات وقت الإنزال، فصار ابنه أبو على أميرا فى مكانه، و ولاه نوح بن منصور إمارة خراسان، و جرت بينه و بين تاش حروب. و تحول تاش عن السامانيين بسبب عزله و قتل الوزير ابن العتبى، و لجأ إلى فخر الدولة الديلمى، فاحتفى به فخر الدولة و سلمه كركان‏ (2) و ذهب هو

____________

(1) أرك: مقر الحكم.

(2) تعريبها جرجان.

153

إلى الرى و ظل تاش حتى سنة تسع و سبعين و ثلاثمائة (989 م) حاكم كركان.

فلما توفى ثار الجرجانيون و انشغل الخراسانيون بالمقاومة و ظهرت فتنة عظيمة و جرى قتل عام. فبعث فخر الدولة إلى أبى على العارض لمعاونته، و قتل من الجرجانيين ثلاثة آلاف رجل كانوا رأس الفتنة، و لما ذهب تاش عن خراسان استقرت الإمارة لأبى على سيمجور، فخافه الأمير نوح و أعطى إمارة هرى (هراة) لفائق و جرت حرب بين أبى على وفائق، و انهزم فائق و أسرع إلى الحضرة فى بخارى دون إذن، فخشيه نوح و بعث يكتوزن و آبج الحاجب لحربه، و ذهب فائق بعد الحرب منهزما إلى بلخ و بقى هنالك مدة، فبعث أبو على سيمجور إلى الحضرة ببخارى، و ذكر حقوق خدمته على الأسرة السامانية و طلب إمارة خراسان، فقبل الأمير نوح ملتمسه، و أعطاه إمارة خراسان و ارتفع شأنه، و أصبح له شأن عظيم. فطمع فى الملك و تحول عن السامانيين و لجأ إلىّ بغراخان من نسل أفراسياب، و حرضه على طلب ملك السامانيين. و قرر أنه حين يستتب له الملك يعطى ملك خراسان لأبى على سيمجور، فتوجه بغراخان إلى بخارى و أرسل نوح آبج الحاجب فى جيش عظيم لحرب بغراخان، و قد وقع آبج أسيرا فى يد بغراخان و انهزم جيشه. فاضطر نوح بن منصور إلى استمالة فائق و استدعاه و أرسله لحربه، فاتفق فائق سرّا مع بغراخان، و عاد منهزما من سمرقند و تعقبه بغراخان إلى بخارى فلاذ نوح بن منصور بالفرار و ذهب إلى جرجانية، و كان المأمون بن محمد الفريغونى واليا عليها فاحتفى به و كذلك أو عبد اللّه الخوارزمى‏ (1). و لما جاء بغراخان إلى بخارى استقبله فائق و تمكن بغراخان على سرير بخارى، و بعث بفائق إلى بلخ، أما أبو على سيمجور فلم تتحقق له منه رغبة، و لم يظفر بأكثر من لقب إمارة الجيش. و قد طلب نوح بن منصور و هو فى خوارزم مددا من أبى على سيمجور، و كان يرجوه فى غير جدوى، إلى أن من اللّه عليه و أبلغه العرش دون مدد، و كان سبب ذلك أن بغراخان مرض و عزم على الرحيل إلى التركستان فمات فى الطريق، فجاء نوح بن منصور إلى دار الملك، فأراد فائق أن يزعجه قهرا فذهب إلى حربه، و انهزم فاتصل بأبى على سيمجور

____________

(1) تنطق فى الفارسية (الخارزمى) لأن هذه الواو معدولة تكتب و لا تنطق.

154

و اتفقا معا على حرب نوح بن منصور، و لما عادى الأمراء القدامى نوحا بن منصور كان من اللازم أن يتصل بغيرهم، فدعى الأمير سبكتكين فتوجه مع ابنه محمود إلى الحضرة ببخارى، و سارا لحرب فائق و سيمجور. و كان لدى الجانبين حشد كبير، و كان سيمجور وفائق من حيث الشوكة و رجال القتال أفضل، و لكن التوفيق كان حليف نوح بن منصور، و قد انصرف دارا بن قابوس عن سيمجور و توجه إلى نوح، فخافه أبو على سيمجور و انهزم، و لجأ هو وفائق إلى فخر الدولة الديلمى، فاحتفى بهما حفاوة الملوك، و ترك لهما جرجان، فأراد سيمجور أن يخرج على الديلم فى جرجان و يستولى عليها، و بهذه الطريقة يتحبب إلى نوح بن منصور، فمانع فائق و قال إن هذا لا يكون، و نذم عند الجميع. و أعطى الأمير نوح إمارة خراسان للأمير سبكتكين و لقبه بناصر الدين، و لقب ابنه بسيف الدولة، و كان ذلك فى سنة أربع و ثمانين و ثلاثة ثمائة (994 م). فذهب ناصر الدين سبكتكين إلى هرى (هراة) و سيف الدولة إلى نيسابور. فجاء أبو على سيمجور وفائق لحربه (أى لحرب سيف الدولة) و انهزم أمامهما و ذهب إلى أبيه، و ذهب كل منهما لحربهما من طريق و حاصرا أبا على سيمجور وفائقا و هزماهما، و فر سيمجور وفائق إلى قلعة كلاب‏ (1) و بعثا بشفيع إلى نوح بن منصور، فقال نوح بن منصور: ليذهب أبو على سيمجور إلى جرجانية (2) عند مأمون الفريغونى و يأت فائق إلى الحضرة، فلم يشم فائق ريح السلامة من أبى على سيمجور (3) فى تلك المفارقة، فقصد جرجانية فلما بلغ «هزار اسپ» قبض على أبى عبد اللّه خوارزمشاه‏ (4) و قتله و آل ملك خوارزم‏ (5) إلى مأمون، فكتب إلى نوح بن منصور و طلب أن يهبه دم أبى على سيمجور، فأجابه نوح إلى طلبه، و استدعاه إليه (أى أبا على سيمجور) ثم نقض عهده و قتله. و حرض فائق إيلك خان على قتال نوح بن منصور، فقصد

____________

(1) بضم أولها و تنطق كالجيم فى اللهجة القاهرية.

(2) جرجانية: قال ياقوت هى قصبة إقليم خوارزم و هى مدينة عظيمة على شاطى‏ء جيحون و أهل خوارزم يسمونها «كركانج» [دائرة المعارف للبستانى ج 6 ص 426].

(3) أى توقع له شرا.

(4، 5) تنطق فى الفارسية (خارزمشاه) و (خارزم) مع عدم نطق الواو.