تأسيس الغرب الإسلامي‏

- هشام جعيط المزيد...
262 /
55

لحقيقة عرقية اندثرت منذ زمن طويل. كذلك الشأن بالنسبة لعبارات" بروقنصولية"Proconsulaire و" البيزاسان"Byzacene التي انصهرت في بعضها في الوقت الراهن. فالبيزاسان العربي ليس مجرد سباسب، لكن على عكس ذلك كان مقر العاصمة و مركز إشعاع السلطة الإسلامية. و قد تجزّأ البيزاسان إلى مناطق منها الساحل و قمودة و قستيليا و غيرها، بمعنى أنها تجزأت حسب الاعتبارات الجديدة. فإذا فقد المغرب الأوسط (1) بنفس الطريقة تسمياته القديمة دون أن يحصل على بديل لها فهو على عكس ذلك لم يبرهن طيلة الفتح سوى عن سيولة كما هو في منطقة محرمة. في كلمة، فما لا يتيسّر دحضه هو أن الفضل في بعث المحاور الحيوية في البلاد من قبل العرب يعود فحسب لتجربتهم الذاتية. و بقدر ليس أقلّ ممّا تقدّم أثّر ذلك على تنظيم الجهات و هو ما سنراه عند تحليل إدارة المقاطعة. لذلك ننكبّ هنا على بعض الملاحظات حول اتساع مختلف أراضي الولاية من وجهة نظر الجغرافيا التاريخية.

عند ما بعث الإمبراطور موريس (582- 602 م) خطة حاكم إفريقية نتج عن ذلك تجميع فضاءات لا تعبّر في الحقيقة سوى عن القبول بالتراجعات البيزنطية أو عن عجزها عن ردّ الغزو العربي. بلا شك هناك دائما الرقم التقليدي غير الثابت أي ستة أو سبعة أقاليم، غير أنها كانت تشكل في جزء منها تبعيّة خارجة عن إفريقية (سردينيا، كورسيكا، الباليار، مدن إسبانية) (2). فعلا، لم يعد البيزنطيون يسيطرون من إقليم طنجة سوى على سبتيم‏Septem ، و في المقاطعة القيصرية اكتفوا بمنطقة شرشل‏Cherchell و بعض النقاط الساحلية، إلى حدّ أن الأراضي البيزنطية قطعت بلاد الشّلف أشلاء و ضمّت نوميديا و البروقنصولية

____________

(1) تقسيم المغرب إلى أدنى (إفريقية) و أوسط و أقصى هو بلا شك ظاهرة متأخرة.

(2) انظر قائمة جورج القبرصي التي قام بتحليلها ش. ديل، إفريقية البيزنطية، طبعة نيويورك، ج 2، ص 467 و ما تبعها.

56

و البيزاسان و امتدت على الشريط الساحلي الطرابلسي إلى حدّ لبدة.

فهل يتعيّن أن نلاحظ في هذا السياق أن جورج القبرصي كان متأكدا من ضمّ البلاد الطرابلسية و البنتابول من حاكم مصر (1)؟ علاوة على ذلك هل من الضروري أن نلاحظ أن جورج القبرصي كان مطمئنا على تبعية منطقة طرابلس و البنتابول لأبرشة مصر (2)، و هو على الأقل ما يتناقض من الوهلة الأولى مع الإخباريين العرب، كما يتباين مع منطق الأحداث‏ (3)؟

كانت النواة الأصلية لولاية إفريقية تتألف من البيزاسان (الساحل)، و البلاد الطرابلسية و البنتابول بحجم يتجاوز الأراضي البيزنطية القديمة من الشرق و الجنوب‏ (4)، دون أن يبلغه من الشمال. و بالفعل، فشل العرب مع عقبة و أبي المهاجر في اختراق نوميديا و ما بعدها، فمن جهة لم يقوموا بشي‏ء سوى محاولة غير مجدية و لا مؤكدة على قرطاج البروقنصولية، و من جهة أخرى فإن العملة و الأخبار كانت شكلية حول مسألة تبعية بلاد طرابلس لإفريقية و دوام هذه الوضعية طيلة فترتنا المعنية بالدرس‏ (5). فيما

____________

(1) كريستيان كوزتوا، «من روما إلى الإسلام»، المجلة الإفريقيةRevue africaine ، 1942، ص 37.

(2) ديل، م. س، ص 467.

(3) على سبيل البيان يقول ابن عبد الحكم: «كان ملكهم (البيزنطيين) يسمى جرجير و مملكته (تمتدّ) من طرابلس إلى طنجة»، فتوح، م. س، ص 84. هذه الفقرة لا أساس لها من الصحة، سوى ما يهم مقاطعة طرابلس التي انجرّ عن احتلالها من طرف العرب مناوشات مع فيالق الجيش البيزنطي. هناك خلط في السيادة و الاستقلال بعد انتفاضة جرجير أو عند عودة حاكم الكنيسة البيزنطي بعد الفتح العربي لمصر.

(4) حسب الروايات المصرية كان العرب قد تحولوا إلى فزّان و الساحل الليبي و أخضعوا بربر الواحات للرقّ: ابن عبد الحكم، م. س، ص 263. غير أن روبير برانشفيك أحاط هذه القضية بأكثر الشكوك هولا: «وثيقة عربية من القرن التاسع تهمّ فزّان»، المجلة الإفريقيةRevue africaine ، 1945، من ص 21 إلى ص 25.

(5) ووكر، الفهرس العربي- البيزنطي ..، م. س، ص 60. و اللوحات 10- 11. قام بإعادة صنع الفلوس الطرابلسية بأمر من موسى بن نصير بين 80 و 85 هجري؛ ابن العذاري، البيان، م. س، ص 71- 73- 77- 78- 79- 87.

57

يخصّ البنتابول، نعلم أن حسّان بن النعمان عيّن على خراج برقة إبراهيم ابن النصراني‏ (1)، لكن نجح عبد العزيز بن مروان في إدماجه مباشرة في مصر و عيّن على رأسه عاملا و هو المولى العتيق تاليد، ممّا أدّى إلى قطيعة مع حسان‏ (2).

و بقطعها عن البنتابول في حوالي 83 ه، عرفت الولاية في ذلك الوقت اتساعا مهما بداية من 86/ 705 بفضل موسى بن نصير الذي ارتقى في ذلك التاريخ إلى خطّة والي مستقل عن مصر. و باتساع تلو الآخر مع يسر مذهل في الانتشار، تضخّم فضاء الولاية ليتّسع من البروقنصولية إلى نوميديا فالمغرب الأوسط و الأقصى، و في 94 ه التحقت كامل إسبانيا بالولاية القيروانية. في ذلك الوقت تأسست" الولاية الكبرى" لإفريقية التي تجاوز حجمها الممتدّ من جبال البيريني إلى تخوم البلاد الطرابلسية، كلّ ما استحوذ عليه من قبلهم الرومان و من باب أولى و أحرى البيزنطيون، الذين لم يضمنوا أبدا كمّا و لا كيفا، ما بلغته بصفة خاصة الرقابة العربية التي انفردت بفاعلية حقيقية في كلّ هذه الربوع، مع الأخذ على الأقل بعين الاعتبار ما له علاقة بإمكانات العصر. و هكذا أيضا تجاوز المفهوم القانوني العبارة الجغرافية. غير أن هذا البناء الضخم لم يدم أكثر من ثلث قرن بتمامه: من 94 إلى 122 ه بالتحديد، و هو تاريخ اندلاع أكبر ثورة للخوارج التي ستؤدّي إلى قيام إمارات مستقلة.

____________

(1) ابن عبد الحكم، فتوح، م. س، ص 272؛ برانشفيك، «ابن عبد الحكم و غزو إفريقية الشمالية من قبل العرب»، حوليات معهد الدراسات الشرقية بالجزائرAnnales de l`Institut Oriental d`Alger ، ج 6، 1942- 47، ص 119؛ هوبكنز، المؤسسات الإسلامية بالمغرب في العصر الوسيط، لندن 1958، ص 32.

(2) ابن عبد الحكم، م. س، ص 4- 273؛ ابن العذاري، البيان، م. س، ص 19- 118، ينقل رواية حول حملة ضد إفريقية الأغلبية قادها العباس بن أحمد بن طولون حيث ظهر واضحا أن برقة كانت تابعة في ذلك الوقت (267 ه) لمصر، على عكس بلاد طرابلس التابعة على الدوام للقيروان. انظر كذلك ابن عساكر، التاريخ، م. س، ص 47- 146؛ و المقريزي، خطط، طبعة بيروت، ج 1، ص 227، و يعتبر أن برقة جزء لا يتجزأ منذ زمن بعيد من مصر.

58

تكوّنت مملكة برغواطة في سنة 127/ 741 (1)، و بعدها بسنتين في 129 انفصلت إمارة إسبانيا التابعة ليوسف الفهري عن القيروان و تأكد استقلالها الكامل في 137 هجري مع وصول الأموي عبد الرحمان بن معاوية (2). و عرف المغرب الأوسط تأسيس مدينة و إمارة سجلماسة في 140 ه (3)، و بعد عشرين سنة من هذا التاريخ تأسست مملكة تاهرت (161 ه) (4)، و أخيرا برزت المملكة الإدريسية الباهرة في 172 ه (5)، إذ تمزّق المغرب بصفة تدريجية، غير أن العامل الأوّلي الخوارجي لم يكن هو الوحيد، إنّما ساهم في الأزمة العامة الكبرى التي ضربت أسس الدولة الأموية. ففي 184 ه عند ما انتصب الأمير الأغلبي على العرش كان عليه أن يكتفي بإفريقية مماثلة لإفريقية البيزنطية (6) (البلاد الطرابلسية، تونس، و نوميديا)، بمعنى الجناح الشرقي للمقاطعة القديمة.

____________

(1) البيان، م. س، ص 7- 56.

(2) م. ن، ص 3- 62.

(3) ابن خلدون، تاريخ البربر، م. س، ج 1، 261.

(4) البيان، ص 196.

(5) م. ن، ص 3- 82.

(6) مع ذلك، ربّما قبل هذا التاريخ و بالتأكيد بعد أن وسّع الإمام الرستمي بتاهرت تأثيره على جبل نفوسة و على البلاد الطرابلسية و بعض المناطق جنوب البلاد التونسية كمطماطة و جربة و قستيليا حيث وصل إلى حدّ تسمية ممثلين أو عمّال من قبله. انظر حول هذا الموضوع ليويكي، «وثيقة إباضية»، مجلة فوليا أوريونتاليا، م. س، ص 184؛ نفس المصدر: «المؤرخون و أصحاب التراجم و الرواة الإباضيون- الوهبيون بشمال إفريقية من القرن الثامن إلى الرابع عشر»: مجلة فوليا أوريونتاليا، ج 3، 1961، 1 و 2، ص 14؛ الشماخي، كتاب السّير، القاهرة 4- 1883، الذي نقل عن مؤرخين سابقين لعصره منهم أبو زكرياء، فيحدّثنا في الصفحة 161 عن الاتفاق الحاصل بين عبد الوهاب و عبد اللّه بن إبراهيم بن الأغلب في 196 ه، فترك للأول مراقبة ميدان طرابلس من الجهة القارية. و في مدوّناته البيوغرافية، يبدو أن عديد الشخصيات قد مارسوا بصفة خاصة في القرن الثاني وظائف عامل على قابس، و قفصة، و نفوسة و غيرها. نحن نعطي للرواية الإباضية أقلّ بكثير من المصداقية من التي منحها إيّاها د. لويكي و سوف نرى عند دراسة المؤسّسات أن هناك أسبابا لاتباع الحذر العميق. غير أن الإشارات الحدثية أكثر وثوقا مما تؤديه التحديدات المؤسساتية و في المقابل فإن اتساع الرقابة الإباضية هو محتمل بل قد يكون أكيدا.

59

المؤسسات في حدّ ذاتها

في هذا الباب، هناك مجال لدراسة التنظيم العسكري و الإداري و القانوني. و لكن بما أن الوالي- العامل هو الذي يشرف على كامل جهاز المؤسسات و يمثل سيادة الدولة، فهو إذا عامل موحّد بين فروع التنظيم الثلاثة التي سنوليها في البداية اهتمامنا.

الوالي أو الأمير

في الجملة ليس هناك شي‏ء محلّي خصوصي لإفريقية، فوالي القيروان هو تقريبا مطابق في صلاحياته و في مهامه لوالي المدينة أو الكوفة.

من وجهة النظر التمثيلية، كان يحيّي بلقب" أمير"- و هو في الأصل قائد الجيش- فإذا توجه إليه موظفوه بقولهم «أصلح اللّه الأمير»، فإن لقبه يبقى ضعيفا جدا و يظهر بوجه شاحب أمام نوّاب المقاطعة و رجال الدين. إن تسمية وظائفه الرسمية تستحق بعض التدقيق: فعبارات والي و أمير متعاوضة (1) مع ثنائية في التمييز البروتوكولي و العسكري للقب أمير (2). و استعمل البلاذري عبارة عامل و هو يتحدّث عن حاكم القيروان، و هو نفس التعبير الذي استعمله ابن عبد الحكم، لكن في هذا الصدد هناك غموضا في اللغة (3). و بما أن اللفظ يتضمن معنى عون السلطة العمومية، فالأكيد أنها تنطبق على الوالي، أو بشكل أدق على‏

____________

(1) ابن العذاري، البيان، م. س، ص 48، 49، و غيرها: «سمي إسماعيل بن أبي المهاجر، فبدا أحسن أمير و أحسن وال».

قارن كذلك بالطبري، التاريخ، م. س، ج 6، ص 485: «وصل عثمان بن حيّان المرّي إلى المدينة كوال من قبل الوليد بن عبد الملك» ثم: «يدّعي محمد بن عمرو أن عثمان وصل المدينة كأمير».

(2) على قطع العملة لفظ أمير هو المتداول بانتظام: والكر، الفهرس، م. س، ص 41 و 60.

(3) هو في الواقع استعمال نادر، انظر: فتوح البلدان، م. س.، ص 233: «عند ما بلغ يزيد بن الوليد الخلافة لم يبعث إلى (إفريقية) أميرا».

60

مساعدي الحكّام في المقاطعات‏ (1).

يتنقّل الأمير في موكب و يقف الحضور عند دخوله في مكان ما.

حول هذه النقطة الأخيرة نستحضر طرفتين تسترعيان الانتباه‏ (2) لأنهما وردتا هنا في الظاهر لتوضيح حديث نبوي يدين الوقوف إجلالا لأهل الجاه.

و صياغة الطرفة و الحديث على تلك الصورة ليسا أقلّ دلالة عن هذا التقليد إذ يمثلان معارضة أوساط علماء الدين. هناك نقطة أخرى ذات دلالة:

يستقبل الوالي الوافدين عليه جالسا على" سرير" (3)، تماما مثل الخليفة بالذات، و عند ما يريد أن يشرّف أحدا، فيجلسه بجانبه. نجد نفس الشي‏ء في مصر و ذلك لأن الروابط مع إفريقية قديمة، كما نجد هذا التقليد بصفة متأخرة مع الأغالبة، غير أن الأمير العبّاسي كان يحظى بخدمة حاجب‏ (4).

و توفّر المصادر إشارات سريعة تحيطنا علما بأن الأمير كان محاطا بالحرس الشخصي أو حرس الشرف‏ (5)، الذي ينافس في ذات الوقت الشرطة، و الحرس هو المسؤول على أمن الأمير في القصر و خارجه.

يتصدّر هذا التعالي الرسمي" قصر الإمارة" و هو سكنى الحاكم الملاصق للمسجد الجامع من الجهة الجنوبية الشرقية و هو ما يمكّنه من الدخول مباشرة للصلاة دون المرور بالخارج.

____________

(1) ابن عبد الحكم، م. س، فتوح، ص ص 291- 293 و غيرها؛ البيان، م. س، ص ص 79- 87- 88 و ما بعدها؛ عبد العزيز الدوري، مادة" عامل" دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الثانية، ليدن.

(2) أبو العرب، طبقات علماء إفريقية، نشر بن شنب، الجزائر 1914، و تونس 1968، ص 46؛ النوباهي المالقي، تاريخ قضاة الأندلس نشره ليفي بروقنسال، القاهرة، 1948، ص 25، نفس المشهد حيث أن الأدوار تسند مرّة إلى رابح بن يزيد و إلى شخصية كبيرة من محيط الوالي العباسي، و مرة إلى ابن غانم و إبراهيم بن الأغلب، و الحديث هو ذاته في الطرفتين و يمكن أنه تمّ اختلاق هذه الروايات في فترة الولاة العباسيين في حين أن إكساء الروايات الصبغة الطريفة حصل في فترة لاحقة.

(3) البيان، م. س، ص 53.

(4) الكندي، ولاة، م. س، ص 67، يخبرنا عن وجود حاجب لدى حكّام مصر مسلمة و عبد العزيز بن مروان؛ ابن الرقيق، القسم 26، يؤكد الخبر.

(5) ابن عبد الحكم، فتوح، م. س، ص 288- 289.

61

لم يبق شي‏ء سوى الأسس القوية (1) للقصر البدائي، لكن ما يمكن أن نؤكده من خلال معاينة هذه البقايا التحت- أرضية التي لم يقع الكشف عنها جيدا و التي يمكن أن تكون بناية مهابة أنها كانت في المشرق محصّنة (2). فعلاوة على وظيفة الإقامة للحاكم و المقربين له و حرسه فإن القصر هو مركز الحكومة و الإدارة.

تتمّ تسمية الوالي بواسطة" عهد الخليفة" (3) المدوّن على سجل أو دفتر معترف به فيقدّمه المعنيّ بالأمر عند وصوله إلى القيروان إذا أقبل من الشرق، أو يصله بواسطة البريد إذا كان مقيما بإفريقية، و بمجرّد إلقاء نظرة على السجل يحيى بلقب أمير. في بعض الحالات يصل الأمير بصفة مفاجئة، خاصة إذا كان الوالي الجديد ينوي متابعة تجاوزات مالية لسابقه‏ (4). و زيادة عن انتفاضة الفهريين أخذت سلطة الولاية طابعا عائليا كالحال مع المهلبيين (151- 178 ه)، لكن دون الحصول على السلطة بصفة آلية و لا بإرث مباشر. من ذلك على سبيل البيان إذا كانت سلطة الخلافة محمولة بالضرورة على الإبقاء على الفرع المهلبي المنحدر من قبيصة في إفريقية خلال مدّة الاضطرابات، فلا يتنازل الخليفة في سائر الأوقات عن حقّه في تسمية الشخصية التي يختارها بنفسه. بهذا الشكل لم يستطع داود بن يزيد بن حاتم البقاء في السلطة بعد موت أبيه و تمّ تعويضه بروح بن حاتم‏ (5) إلى حدّ أنه بعد اختفاء هذا الأخير كان ولاء أهالي إفريقية قد تحوّل لابنه قبيصة، لكن الخليفة أمر بتعيين نصر بن حبيب‏ (6).

____________

(1) قمنا بزيارة المواقع الأثرية صحبة السيد عثمان جراد.

(2) نعلم أن قصر الإمارة بالكوفة كان محصّنا. من ذلك خاصة أنه بعد حروراء قام المختار ببناء سور من جهة مصعب بن الزبير في 67 ه، تاريخ الطبري، ج 6، ص 105- 106.

(3) انظر مثلا بالنسبة لحسّان بن النعمان: الكندي، ولاة، ص 74.

(4) كالحال مع عبيد بن عبد الرحمان السليمي، البيان، م. س، ص 50، الذي ينقل عن ابن الرقيق، التاريخ، مخطوط الرباط الورقة 19.

(5) البيان، ص 82.

(6) م. ن. ص 85.

62

و الوالي هو فعلا الماسك بالسيادة العمومية بكلّ أشكالها. فعندما بلغت إفريقية البيزنطية نهايتها، ظهر فيها صراع بين القائد العسكري و نائب المقاطعة المدني‏ (1)، في حين نجد أن مصر الإسلامية (2) قد عرفت بدورها في الغالب إلى جانب هذا و ذاك والي الحرب أو الصلاة و والي الخراج مع رفعة واضحة جدا للسلطة العسكرية على حساب السلطة المدنية، غير أن هذه الثنائية لم تتشكّل في أي وقت من الأوقات في إفريقية. لذلك فإن ما ذكره المالكي‏ (3) حول التعيين، في الفترة البطولية لحنش الصنعاني على الصدقات و الزكاة لا يعني أنه كان والي خراج مستقل. كذلك فإن إشارة ابن عبد الحكم تدقّق للمرة الأولى الصلاحيات المالية لوالي إفريقية، و هو ما لا يجب اعتباره مرجعية لتصحيح خطأ أو استثناء بل على العكس من ذلك يتعيّن اعتماده كتذكير أهمل فيما سبق للصلاحيات العادية للوالي‏ (4). فيقول ابن عبد الحكم أن «محمد بن يزيد تولى على حرب إفريقية و خراجها و صدقاتها».

فللوالي قبل كل شي‏ء مسؤولية عسكرية. و لا شك أنه يفوّض في هذا الميدان بالذات سلطاته لقوّاد ينتدبهم من الأرستقراطية المحلية من الأمويين أو من القادمين مع الجند في الفترة العباسية (5). لكن يكون قائد

____________

(1) ديل، إفريقية البيزنطية، م. س، ص ص 485- 487.

(2) الكندي، ولاة، م. س، ص ص 87- 89- 94- 95 و ما بعدها.

(3) رياض النفوس، ص 38؛ هوبكنز، الحكم الإسلامي في بلاد البربر في الفترة القديمةEarly Muslim Government in Barbary ,p .29 ، م. س؛ أبو العرب التميمي، طبقات، ص 26، يذكر حالة يحيى بن سعيد «عامل عمر بن عبد العزيز في الصدقة فحسب»، لكن على مدينة و مقاطعة تونس و ليس على كامل الولاية. و بادئ ذي بدء يبدو مفاجئا أن الخليفة يسمي مباشرة أعوانا محليين، لكن عمر كان بصفة خاصة يتدخل في شؤون المقاطعات. و بكل صفة، فهذه ليست سوى استثناءات لا يمكن لها أن تضع قناعاتنا محل سؤال، خاصة فيما يتعلق بوالي الخراج ذي السلطات الكبرى.

(4) فتوح مصر، م. س، ص 287.

(5) نجهل كل شي‏ء عن طريقة التعيين في القيادة العليا: القوّاد، أمراء الأخماس أو الأسباع، أصحاب الرايات. من الممكن أنها كانت تعود للوالي الذي كان عليه أن يختار ضمن دائرة ضيّقة. انظر حول هذا الموضوع: البيان، م. س، ص 53، 79. بالنسبة للعرفاء لا

63

القوى المسلحة بحق و يقود في الغالب بنفسه العمليات العسكرية (1). فلم يكن له حرية التصرّف في قرع طبول الحرب فحسب، إنما كان المسؤول على استتباب الأمن العام، و بحكم سلطاته الإرغامية و البوليسية فعلى كاهله واجب و إمكانية قمع كل عملية تخريبية أو من شأنها أن تسبّب المخاطر. لذلك فهو الذي يتحمّل المهام الجسام، يساعده في ذلك العرفاء، عند التنظيم المادي للجيش و السهر على انتشاره‏ (2).

قريبا من القطاع العسكري- إنّ ضمّ كلمتي حرب و صلاة في كتابة الحوليين ذو دلالات عديدة- يندرج الميدان الديني هو كذلك في صلاحيات الأمير. فالوالي ممثل إمام المسلمين و هو القائد الروحي للمجموعة الإسلامية في إفريقية، و هذه الأولوية لا يجادله فيها لا الفقهاء و لا القضاة، رغم أنه يحصل لهؤلاء معارضتهم له بدرجات متفاوتة في الميدان العملي. كذلك يجب على الوالي أن يؤمّ الصلاة الجماعية في المسجد الجامع، و بصفة عامة قد يكون له الإحساس بتحمّل مهام المحافظة على الدعوة و نشرها، و مقاومة كل الهرتقات و حركات الغلاة المتطرفين. و في هذا السياق ركّز إسماعيل بن أبي المهاجر (100- 101 ه) بطل نشر الدعوة الإسلامية كلّ انتباهه على أسلمة الأهالي الأصليين‏ (3). بداية من عبيد اللّه بن حبيب و خلال مدّة دامت زهاء خمسين عاما كان الشغل الشاغل للولاة ينصبّ على مقاومة المذهب الخارجي، سواء لأسباب سياسية أكيدة أو لأهداف دينية.

تمثّل الوظيفة القانونية العنصر الثالث في الداخل في تركيبة صفات‏

____________

شي‏ء يرجح حول إفريقية، لكن كما هو في المشرق لا بدّ أن هؤلاء كانوا يسمون و يعزلون من طرف الوالي كما أنهم كانوا خاضعين لسلطته عن قرب. انظر الصفحات اللاحقة المهتمة بالتنظيم العسكري.

(1) البيان، ص 58، 75، و غيرها.

(2) م. ن، ص 58.

(3) ابن عبد الحكم، فتوح، م. س، ص 287؛ المالكي، رياض النفوس، القاهرة، 1951، ص 75؛ البيان، م. س، ص 48.

64

الوالي. مبدئيا يؤدي الوالي هذا الدور بصفة كاملة سواء بصفة مباشرة أو عن طريق واسطة سواء الشرطة أو القاضي. و هذا الأخير ليس سوى ممثل للسلطة العمومية، غير أنه، بسبب موقعه الديني و نطقة التواصل بالخليفة منذ تعيينه، فإنه يخرج إلى حدّ ما عن مراقبة الوالي‏ (1). لكن سوف نرى أن هذا الأخير يمكن أن يعيّنه كما يمكن له عزله و ذلك حتى زمن العباسيين. و يتفرغ القاضي أساسا للعدالة المدنية التي يردف لها تطبيق إقامة الحدود. أما الوالي فإنه يسيطر على القضايا القمعية و الإجرامية، و كما هو في الشرق‏ (2) فعليه بلا شك أن يقوم بهذا العمل و ذاك، بمعنى أنه صاحب الكلمة الفصل في الشؤون السياسية (3) و شؤون الإعدام و القتل. و يكاد لا يحتاج في هذا الصدد سوى إلى ملاحظة ما يمكن أن يقوم به من مظالم في قراراته الحكومية، في كلّ مرة تدخل فيها عوامل سياسية في الحسبان، لأن الوالي يتمتّع في نهاية الأمر بشي‏ء مماثل لعبارةjus gladii أي حقّ السيف الرومانية، و هي تعبير يتراوح بين العدالة الصرف و مجرد امتلاك السلطة.

أخيرا، و بحكم وحدة سلطة الحكومة في إفريقية، يجد الوالي نفسه رئيس الإدارة. و سوف نرى بالتدقيق إمكانياته في الفعل و العمل من خلال تحليل كلّ قطاع إداري على انفراد. عموما لنقل أنه يتولى تعيين الوظائف العمومية، و يراقب المكاتب أو الدواوين و له اليد العليا على كل ما يتصل بالجباية: ضبط قيمة الضريبة، جمعها و تحويلها، الأمر بصرفها و استخدام المصاريف. بمعنى أنه يمتلك اختصاصات هامة في الجانب المالي.

صحيح أن هذه النقطة الأخيرة يمكن أن تؤدي إلى اختلاف لدى‏

____________

(1) انظر لاحقا في دراستنا هذه ما يتعلق بالجانب التنظيمي.

(2) قارن هذا بتصرفات حكّام العراق مثل الحجّاج: الطبري، تاريخ، ج 6، ص 202- 209.

انظر أيضا تيّان، تاريخ النظام القضائي في بلاد الإسلام، ليون، 1943، ج 2، ص 7- 405.

(3) رياض النفوس، م. س، ص 142.

65

المؤرخين. فيقول الدوري على سبيل المثال‏ (1) إن «الأمير يراقب العملة، و يضرب قطع الفضّة التي تحمل بصفة عامة اسمه»، كما يصرح حسن حسني عبد الوهاب أن ضرب الذهب و الفضة كان من اختصاصات الخليفة و يقوم الولاة بضرب العملة الصغرى النحاسية أو" الفلوس" و هي الوحيدة التي من حقهم أن يسجلوا عليها أسماءهم‏ (2). لكن هذين الرأيين يستحقان أن يكونا صالحين بقدر كبير. فنسجّل ضدّ الدوري أن الأمير لم يكن يضرب العملة الفضية فحسب- كحالة العراق و السلطات ما قبل الساسانية التي كان يسيطر عليها المعدن الأبيض- و لكن كذلك الذهب.

و على هذا الأساس، فإن أمير إفريقية أخذ في القرن الثامن الميلادي يضرب الدينار و نصف الدينار و ثلث الدينار (3). لكن لم تحمل العملة الفضية و الذهبية اسم الوالي المحلي‏ (4) إلّا بصفة استثنائية في القرنين الأوّلين للهجرة.

بينما نثمّن ما ورد عن ح. ح. عبد الوهاب من أن ضرب العملتين الثمينتين من طرف والي إفريقية و في المشرق كان شأنا عاديا في القرن الثامن. و هذا أمر طبيعي في بلاد كإفريقية كانت قديما بيد البيزنطيين و كان فيها الذهب المعدن السائد غير أنه لم يكن المعدن الوحيد. فالوالي كان يراقب العملة أيضا، و يسجّل اسمه و ذلك حسب توجيهات الحكومة المركزية، دون أن يكون بإمكان الوالي، على ما يبدو، إدخال تغييرات هامة كما سيؤول إليه الوضع لا حقا مع الأغالبة.

____________

(1) دائرة المعارف الإسلامية، ط 2، مقال" أمير".

(2) ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية، تونس 1965، ص 408؛ نفس المؤلف، «شاهد على الفتح العربي لإسبانيا»، المجلة التونسيةCahiers de Tunisie ، 1932، ج 10، ص 146.

(3) والكر، الفهرس، م. س، ص 54 و اللوحة 10.

(4) البلاذري، فتوح البلدان، م. س، ص 454، يخبرنا أن الحجّاج ضرب في 75 ه/ 694 م دراهم تسمى بغلية كتب عليها: «بسم اللّه. الحجّاج». انظر ما كتبه الأب أنستاز- ماري الكرملي في: النقود العربية، القاهرة 1933، ص 34- 45.

66

حصل الإحساس بشكل كبير بمراقبة الحكومة المركزية العملة في بداية حكم هشام (106 ه) عند ما ضرب بواسط كل القطع الموجهة للمقاطعات. و يملك ح. ح. عبد الوهاب في مجموعته الخاصة دينارات تحمل عبارة" مضروبة بإفريقية"، لكنها جاءت بالفعل من ورشات واسط، و هو ما يتيسّر فرزه مباشرة بواسطة القائمة المختلفة تماما من دينارات إفريقية التي ظهرت قبلها، و على عكس ذلك فقد كانت مماثلة لقطع باقي العالم الإسلامي‏ (1). فقد تكون حلقة واسط دامت إلى قيام العبّاسيين حيث نرى عبد الرحمان بن حبيب يضرب من جديد العبّاسيين حيث نرى عبد الرحمان بن حبيب يضرب من جديد الدراهم‏ (2)، لكن، يقوم الوالي بضرب العملة السائدة" الفلوس" (مفردها فلس) في الأماكن التي يكون له فيها مجال أوسع للحركة، فيذكر اسمه و ألقابه عليها (3)، و يذهب حتى إلى رسم صورته‏ (4).

تلك هي إذن العناصر الأساسية لسلطة الولاة. فهل أن هذه السلطة الهامة قابلة لتكريس نفوذها على أرض الواقع؟ هناك عوامل عديدة يمكن أن تساهم في إثارة أو كبح جماحها. على سبيل المثال فإن الشهرة الاجتماعية التي هي في الأصل نتيجة لهذه القوة- فالوالي يكون عادة علاوة على وظائفه الشخصية الأكثر ثروة و إحاطة في المقاطعة- يمكن أن‏

____________

(1) المقريزي، رسالة في النقود، ص 9؛ نفس المؤلف، كتاب المجاعات، ترجمة فيات، مجلةJESHO ، ج 5، 1962، ص 188.

(2) لافواLa Voix ، فهرس، م. س، ج 2، ج 8، ج 30. لاحظ ضرب الفضّة.

(3) والكر، الفهرس، م. س، ص 60، 61، 79، و اللوحة 41. بدأ أمراء إفريقية ضرب هذا الصنف من العملة بصفة مبكرة و نمتلك منها نماذج تعود لسنة 80 ه تحمل اسم حسّان بن النعمان، نفس المصدر، اللوحة 42، لكن والكر بالفعل بعد لافوا و لان- بول (كاتالوك مختلف العملات في المتحف البريطاني، لندن 1889، ج 4، ص 17)، له قراءة سيئة و منها تفسيراته المزاجية، التي تعيد ما قدّمه عالما المسكوكات السابقان. و قد وجدنا منها في متحف بارد و بعض الأصناف المحفوظة بشكل أفضل تعود لسنة 80 ه و تذكر جيدا اسم حسّان.

(4) عبد الوهاب، ورقات، م. س، ص 406، يصف فلسا ضرب بتلمسان عليه صورة من المحتمل أن تكون لموسى بن نصير، و هو ما يفيد علاوة على كل شي‏ء أن الورشات بالنسبة لهذا الصنف من العملة على الأقل كانت متنقلة أو قابلة لأن تكون كذلك.

67

تنقلب عليه فيها الأوضاع. صحيح أن عبارة السمعة الاجتماعية الأخيرة بقدر ما يمكن أن تشكل له دعامة و حافزا لتأدية القيادة فإنها كذلك معقدة جدا. فلا يمكن تقدير هذه السمعة فحسب بمطابقتها أكثر أو أقل لمثال أعلى معيّن (أن يكون شريفا منذ ولادته، أن يكون أصله قرشيا ... إلخ) فيمكن أن يمنح ذلك الحاكم شرفا مضاعفا إذا كان مندمجا اجتماعيا.

و بما أن هذا الحاكم يكاد يكون دائما قادما من الشرق، و يكون ضميره المستقلّ قد نما في إفريقية، فعلى عكس المشرق فإن مساندة العشيرة لا تعني له الكثير. يبدو أن المهمّ هو قدرة الوالي على خلق شبكة ممتدة من الموالي مع التمكّن من استعمالها (1). مثال ذلك موسى بن نصير و يزيد بن حاتم، فهذا الأخير من أصل عربي صريح و هو أرستقراطي أيضا، و الأوّل مولى. فقد تصرّف الاثنان لأكثر من نصف قرن كملوك أغنياء و كرماء جدا (2). و من الملاحظ أن إفريقية عرفت عددا كبيرا من الولاة الموالي‏ (3)، نذكر أبا المهاجر دينار، و موسى بن نصير، و محمد بن يزيد، و إسماعيل بن أبي المهاجر، و ابن الحبحاب‏ (4).

و عموما تتأتى الأخطار التي تهدّد سلطة الولاية سواء من العامة و المجتمع أو من السلطة المركزية بالذات. لذلك يأخذ الوالي بعين الاعتبار المقاومات أو الانسحابات التي تظهرها الأرستقراطية المحلية. و قد ظهرت خلال الفترة الأموية ثم بعد ذلك و بصفة متأخرة انتفاضات الجند المتمردين، هذا دون أن نتناول بالحسبان ثورات البربر التي كانت بكلّ بساطة تطرد الوالي من عاصمته و تخلف مكانه سلطة جديدة (5).

____________

(1) إن قراءة متمعّنة في البيان، م. س، تعطي مثل هذا الإحساس. انظر على سبيل المثال، ص 68، 69، 87، و غيرها، و في الفصول اللاحقة عند دراستنا للشرطة و الحرس.

(2) بالنسبة لموسى: البيان، ص 44؛ فيما يخصّ قصر يزيد المعروف: عبد الوهاب، ورقات، م. س، ص 131- 132.

(3) لاحظ دانّات‏Dennett ذلك من قبل: «الأسلمة الجزية في الإسلام المبكر»، كمبريدج، 1950،Harvard Historical Monographs ,XXII ، ص 39.

(4) البيان، م. س، ص 21، 22، 47، 51.

(5) بين 140 و 144 ه، ظهرت بالفعل حكومة انتقالية من الخوارج، فقد تصرّف أبو

68

يتمتّع الوالي في علاقته بالسلطة المركزية بقدر أقلّ من الحرية خلال الفترة الأموية منه في الفترة العباسية. فقد كبح فعلا الخلفاء في دمشق قوة كانت عاتية إلى حدّ كان من العسير معها مراقبتها بتعديد الإقالات‏ (1) أو النقل و تسليط نظام المحاسبة.

لقد تعرّض كثير من الولاة بهذا الشكل للتعذيب من طرف الذين خلفوهم. هؤلاء الذين لا يتردّدون هنا في إفريقية كما هو في المشرق في استخدام أساليب التعذيب من أجل استرجاع الأموال. فعند ما استدعى سليمان بن عبد الملك موسى بن نصير إلى الشرق اتهمه باختلاس 000، 300 دينار و أمر بتعذيبه إلى أن مات مهانا (2). كذلك كان نفس المصير لمحمد بن يزيد (97- 99 ه) الذي أمر يزيد بن أبي مسلم بتعذيبه فانهار و تمّ سجنه في ظروف رهيبة (3). و يختلط مع عمليات استعادة النفوذ الحقد الشخصي، فتلحق الأذى بالمقربين للوالي القديم بمن فيهم مواليه و عمّاله في الجهات و في الجباية. لقد تعرض النّصيريون للتنكيل و التقتيل فكان عبيد بن عبد الرحمان السّلمي (109- 114 ه)، يقبض على أعوان بشر بن صفوان فيكيل لهم التّهم و يعذّبهم‏ (4).

في الجملة، إذا كان اتساع هامش سلطة الوالي‏ (5) يسمح له بتجميع الثروة و تعيين رجاله في المناصب العليا، و مراقبة ولايته بشكل أفضل،

____________

الخطّاب كقائد في القيروان، كما أن عبد الرحمان بن رستم «بعث بالعمّال إلى مدن إفريقية و مقاطعاتها». الشمّاخي، السيرة، م. س، ص 130.

(1) بين 97 و 123 ه، في فترة 32 سنة كان هناك ثمانية ولاة أي بمعدل أربع سنوات من السلطة لكلّ منهم.

(2) البيان، م. س، ص 46.

(3) ابن عبد الحكم، فتوح مصر، م. س، ص 288.

(4) البيان، ص 50؛ انظر أيضا ابن الرقيق، المتوفر أخيرا، م. س، الورقة 19.

(5) تؤكد لنا دراسة ابن الرقيق في تحليلنا لدور الوالي، فينقل لنا رواية شاهد عيان، الورقة 19: «رأيت ذات يوم عبد اللّه بن الحبحاب يفحص دفتر العلف، و يملي رسالة، يعطي فيها الأمر في مكان آخر لإنصاف رجلين في خلاف». هذه لوحة يقدمها الوالي في تعدّد أوجه نشاطه كرئيس مباشر للإدارة و العدالة.

69

فإن الوضعية في العهد الأموي على الأقل ليست مثالا لعودة مهولة للأشياء.

التنظيم العسكري‏

نجمّع تحت هذا العنوان ثلاث مشاكل أساسية: الهياكل العرقية للجيش و تطوّرها عبر الزمن، ثم التنظيم الداخلي لهذا الجيش، و أخيرا تثبيته على أرض المغرب و توزيعه في ربوعها.

تستجيب تركيبة أقسام الجيش في العصر الأموي للمبادئ التالية:

يعتبر كل عربي مستقر على أرض مفتوحة جنديا، إلى حدّ أنه يمكن تحديد حجم الجيش بأعداد المهاجرين العرب إلى إفريقية (1). و بما أن جلّ العرب قدموا دون نيّة العودة و كانوا قد أسّسوا بيوتا في وطنهم الجديد الذي تبنّاهم، فنحن إزاء جيش استيطاني.

فعند ما استعاد حسّان بن النعمان عمليات الفتح، لم يكن قد بقي عربي واحد من الحملات السابقة. و من المحتمل أن يكون من بين الأربعين ألف مقاتل الذين صاحبوه من مصر (2)، عدد هام من المقاتلة قد تمّ انتدابهم من بين جموع الروّاد الذين شاركوا في الحملات السابقة.

نحن نعلم أنه رغم الحلقة الأليمة في مواجهة الكاهنة، كانت حملة حسّان هي النّاجعة. فقد أقرّت أغلب الجند، إلى حدّ أن فحص مصادر الطبقات أبرز قسما لا يستهان به من العائدين إلى مصر و المشرق‏ (3). و من الممكن أن يكون موسى بن نصير قد جلب معه بعض فيالق الجيش لكن لم يكن هناك منطقيا أي موجب ليقوم بذلك، بما أنه تمّ اجتثاث كل مقاومة

____________

(1) حول الجيش العربي بصورة عامة، انظر كلود كاهان، دائرة المعارف الإسلامية، ط 2، مادة" الجيش".

(2) مؤنس، فتح العرب، م. س، ص 237.

(3) أبو العرب، طبقات، م. س، ص 35- 36؛ المالكي، رياض، م. س، ص 84- 85.

هي حالات قليلة لكنّها ذات دلالات جزئية و التي عموما تعبّر عن مجموع العرب في إفريقية.

70

جدية. فقد جلبت حادثة كلثوم بن عياض فيلقا من الشاميين يعدّ 000، 12 رجل بقيادة بلج بن بشر القشيري‏ (1)، إضافة إلى عدد من المصريين يقارب ألفين أو ثلاثة آلاف رجل، و ذلك فيما أعدّه من حاجيات لمقاومة الخوارج بالمغرب. و بعد الهزيمة الشنيعة في وادي سبو (123 ه) هربت مقدمة الجيش من الشاميين لإسبانيا في حين عاد المصريون و الأفارقة لإفريقية (2).

و يبقى صحيحا، رغم أننا لا نمتلك سوى إشارة واحدة ضبابية و مبالغ فيها في ذات الوقت أوردها ابن القوطية (3)، أن قسما من الجند الشاميين تراجع كذلك إلى إفريقية، و استقرّ بها، و اندمج في تركيبة جيوش إفريقية. و ضمن هذا الجلب الخارجي، من البديهي أن يكون الجزء الآخر هم من بقايا جيش حسّان، لكن من الواضح أنه شهد تناقصا فيما بعد بسبب الهجرة إلى الأندلس. و على عكس ذلك و بسبب نسبة الإنجاب المرتفعة عند العرب المرتبطة بوضعهم كشعب منتصر، فيمكن أن نتكهّن أنه قد حصل ارتفاع داخلي في عدد الرجال القادرين على الخدمة العسكرية.

عرف العصر العبّاسي ارتفاعا معتبرا و متواترا لعدد الجيش في نفس الوقت مع تحوّلات في الهياكل العرقية. ففي 144 ه وصلت الفيالق الشامية- الخراسانية لابن الأشعث: 40000 رجل حسب قول الإخباريين، و في 155 ه (4) كان دور الشاميين- العراقيين- الخراسانيين لينفذوا إلى إفريقية مع يزيد بن حاتم‏ (5)، (من 50 إلى 000، 60 رجل). هذا الفيض من العناصر الشرقية المختلطة يخضع في‏

____________

(1) البيان، م. س، ص 296.

(2) البيان، ص 55؛ و ابن عبد الحكم، فتوح مصر، ص 296.

(3) تاريخ افتتاح الأندلس، بيروت، 1957، ص 41، يقول إن 000، 10 رجل تحوّلوا مع بلج إلى إسبانيا و 000، 10 آخرين عادوا إلى إفريقية حيث مكثوا.

(4) الكندي، ولاة، ص 131؛ و البيان، ص 72.

(5) ابن الأثير، الكامل، ج 5، ص 33.

71

الحقيقة لسيطرة عددية خراسانية، فهم، بمعنى الفرس، كانوا الدرع العسكري للنظام، لكن كان هناك كذلك عرب من المستقرين بخراسان، و بصفة خاصة من تميم‏ (1). فمن الوهلة الأولى لا نرى فحسب تسرّب العنصر الشرقي غير العربي و الذي سيلعب دورا سياسيا كبيرا في الجيش و في الحياة العامة في إفريقية، لكن سيختلّ كذلك التوازن القبلي. فلم يبق شي‏ء من الهيمنة اليمنية، و سوف تعوّض التميمية المجموعة المرادية الممثلة في قوّة كنفيديرالية للتميميين‏ (2). هناك أيضا ظاهرة خطيرة، فسوف نعاين حرفية في الجيش مطبوعة أكثر فأكثر بطابع التشرذم، و هي مجرد إعادة لنقلة حصلت في الشرق لكنها لن تعرف هنا في إفريقية سوى نتائج و خيمة، ذلك أن سوء الانضباط العسكري سيتفاقم في إفريقية بسبب بعد الولاية و كذلك لبعض العوامل الأخرى. من هذه العوامل يجب بدون شكّ اعتبار النقص الظاهر في الوحدة و اللّحمة بين الطبقات العسكرية المتعاقبة بحكم عامل الزمن و يعود كذلك لظروف سياسية عامة (تحوّل مفاجئ للسلطة، عداء الأفارقة للعباسيين) و كان عبد الرحمان بن حبيب هو الذي غرس هذا العداء، و كذلك يعود لقرارات خاطئة اتّخذها الأمراء و خاصة يزيد بن حاتم. هذا و إنّ الجيش القديم الإفريقي- الأموي الذي استطاع أن ينصهر بشكل نافع قد وقع تجميده و إقراره في مكانه. بالتالي، فإن الفكرة التي تحصل عند قراءة الوثائق هو شدّة البغض بين جيش ابن الأشعث و جيش يزيد بن حاتم.

و ملازمة لهياكل الأصول العرقية للجيش، لكن من وجهة أخرى،

____________

(1) اليعقوبي، كتاب البلدان، طبعة النجف 1957، ص 103؛ انظر ترجمة ج. فيات، القاهرة 1937، ص 34- 213. يقدم لنا في هذا الكتاب معطيات هامة تعود للربع الأخير من القرن التاسع بعد الميلاد- حوالى 263/ 876 حسب جورج مارسي، «المغرب في القرن التاسع، من خلال اليعقوبي»، المجلة الإفريقية، 1941،Revue africaine ، ص 40. غير أن هذه المعطيات يمكن أن تكون صالحة في القرن الثامن، ذلك فإنه عند ما يحدّثنا عن التميميين المقيمين في بلّيزما و في قلاع أخرى في منطقة الزاب، و التي تبدو عديدة، فبديهي أنه يتحدّث عن الجند المنحدرين من عهد السلالة العباسية.

(2) فندرهيدن‏Vonderheyden ، م. س، ص 7.

72

فتستحق مسألة انتداب البربر أن نتوقّف عندها: فمنذ البدايات الأولى للفتح مع عقبة بن نافع و أبي المهاجر، يمكن أن يكون قد التحق عدد من البربر الداخلين في الإسلام‏ (1) بصفوف الجيش العربي. و بهدف تهدئة الأوضاع استخدم حسّان نظام الرهائن و انجرّ عن ذلك اندماج الأتباع من البربر بدرجة عالية في الجيش؛ فتقول المصادر إنه انتدب فيلقين يتركب كل واحد من 000، 6 رجل، قدموا من مختلف القبائل البربرية (2). غير أن موسى بن نصير استخدم هذا النظام بشكل محتشم و أردف إليه نظام الولاء (تكوين مكثّف لروابط التبعية) و نجح بذلك في تضخيم جموع جيوشه‏ (3).

و نحسّ منذ البدء بشي‏ء من المفارقة (4)، كأن نرى هؤلاء البربر أعداء الأمس اللدودين يتسابقون لدخول جيش المنتصر عليهم، بمعنى الزحف نحو الجهاز الذي استرقّهم، و هو نفس الجهاز الذي حرّرهم:

فقد كان البربر يقومون بذلك لإعفائهم من الجزية فيتركون بأنفسهم مجالا من أجل جذبهم لطعم الغنائم. فقد كانت إذا مؤسسة الجيش في إفريقية وسيلة جبّارة لتحقيق الأسلمة. لذلك يتعيّن أن نضيف إلى الحاجة النظرية لاعتناق الإسلام كشرط لدخول الجيش، التأثير الحقيقي الذي يمكن أن‏

____________

(1) الإشارات الواردة في المصادر القديمة غامضة. كذلك لعلّ تأكيدات لحسين مؤنس تحتاج إلى تعديل، فتح العرب، م. س، ص 286 و ما بعدها. لنا مع ذلك إشارات واضحة و سريعة في هذا السياق عند ياقوت، معجم البلدان، م. س، ج 4، ص 420، و لا يذكر مصادره.

(2) ابن عبد الحكم، ص 271؛ البيان، ص 38؛ ابن الرقيق، الورقة السابعة؛ الدباغ و ابن ناجي، معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، تونس 1320 ه، ج 1، ص 61.

(3) الكتاب المنسوب لابن قتيبة، الإمامة و السياسة، القاهرة، 1904، ج 2، ص 105، يميّز جيدا بين جيوش الديوان و المتطوّعة و بربر القبائل. فالأول هم جند من العرب مسجّلون بشكل منتظم في ديوان الجند. أما الثانون فهم متطوّعون بصفة فردية، و الأخيرون فيالق جماعية. نلاحظ أن هذا المصدر مزوّد بمعلومات هامة حول إنجازات إفريقية زمن موسى بن نصير، و من الممكن أن يكون استعمل رواية عرّف بها النصيريون بالذات.

(4) ج. فلهاوزن، الدولة العربية و سقوطها، ترجمه إلى العربية م. ع. أبو ريدة، القاهرة 1958، ص 30- 229، يؤكد جيدا على الموقع الأصيل لإفريقية في هذا الميدان.

73

يمارسه الوسط العسكري العربي على الإيمان الحديث للداخلين في الدين الجديد. فقد تمّ بفضل هؤلاء البربر فتح إسبانيا و هو ما يؤكد نجاح سياسة الانفتاح على العالم البربري. لكن سرعان ما برزت مشاكل خطيرة، فتؤكد المصادر على حيوية مطالب الجند من البربر في المساواة و في توزيع الغنيمة و العطاء، و تنقل هذه المصادر الكيفية التي تصرّف بها الوفد الذي توجّه لهشام بن عبد الملك‏ (1). فلا يمكن في أي حال من الأحوال أن تكون ثورة الخوارج قد اندلعت في دائرة العناصر البربرية المسجلة في الجيش لأن هذه الثورة ستعتمد على احتجاجات الفلاحين و المدنيين لدفعهم الجزية. و بصفة عامة استندت هذه الثورة على الغضب الآخذ في الانتشار بين جموع البربر إزاء الابتزاز المتكرّر للجباية العربية. لكن من الممكن أن تكون هذه الثورة قد تأجّجت بصفة خصوصية و تأطرت لوقت طويل من طرف الأتباع القدامى من البربر. في هذه الحالة من البديهي أن هؤلاء قد هربوا من الجيش العربي و أن القيادات العربية فقدت بعد اندلاع الثورة ثقتها فيهم و لم تعد تنتدبهم تماما. و بداية من 122 ه، لم نعد نقرأ شيئا في المصادر حول دخول البربر إلى الجيش. لقد أصبح هذا العنصر معاديا. فمن وجهة نظر التاريخ العسكري، فإن الجيش العربي قد لفظ ما فيه من" بربرية"، إذا جاز التعبير.

هناك مجال ضمن هذا الباب لفحص التنظيم الداخلي للجيش و هيكلته في وحدات و طريقة المكافأة، إلى جانب التأطير و القيادة.

ففي القرنين الأوّلين للإسلام كانت في الشرق طريقة المكافأة المعتمدة بشكل عام أكثر من غيرها تتمثّل في العطاء (2)، أو منح نقدية توزّع دوريا على المقاتلة من قبل السلطة. ظهر العطاء إذا كمصاريف عادية من ميزانية الدولة. و يختلف هذا النظام عمّا كان يجري به العمل في‏

____________

(1) م. ن، ص 331؛ مؤنس، فتوح العرب، م. س، ص 291.

(2) دائرة المعارف الإسلامية، ط 2، مقال" عطاء"، لكلود كاهان.

74

الشام. و حسب بعض التحاليل الحديثة (1)، هناك إرث للنظام البيزنطي أقدم من‏Les themes . فالسمة الأقرب لخاصيات نظام استخلاص مستحقات الجند في الشام هو أن الجند يعيشون مباشرة من مداخيل الأقاليم- و هي خمسة في الجملة- المرتبطة (2) بمقاطعة الشام، دون أن تكون هناك مركزية مسبقة ثم إعادة توزيع من طرف السلطة العمومية. كلّ ما زاد على هذه المعطيات هو من قبيل الافتراضات‏ (3): لعلّ مجموعات الجند تتمتع ببعض الحقوق على عين‏

____________

(1) كوبال، حول بعض ملامح النظام العسكري الأموي، مجلة-Palestinskiy Spornig ,III /66 -a 659 ، تحليل بالفرنسية في مجلةArabica 2 ,0691 ، ص ص 9- 21. بالنسبة لكوبال، أصل الجند من العرب.

(2) البلاذري، فتوح، ص ص 137- 138؛ اليعقوبي، البلدان، نشر النجف، ص 82، لا يقدّم سوى وصف جغرافي؛ ورقات لقدامة بن جعفر، كتاب الخراج، دي غويه،B -G -A .VI ، ص ص 246- 247؛ د. سورديل، دائرة المعارف الإسلامية، ط 2، مقال" جند".

(3) يوجد إشكال دقيق بخصوص التأثيرات المتبادلة بين تنظيم" التيمات" البيزنطي‏(les themes) و بين تنظيم الجند في الشام في القرن الأول ه. فالتنظيمان يتشابهان في الظاهر، من وجهة الارتباط بالأرض، خلافا لما نجد عليه الأمر في العراق و مصر و إفريقية، و بالتالي طرح السؤال الآتي: هل أثّر التنظيم العسكري البيزنطي في الأناضول و الشام على تكوين مؤسسة الجند، أو العكس؟

لقد كتب الكثير من طرف الأوروبيين حول" التيمات" البيزنطية. فيقول‏Ostogorsky في كتابه‏Histoire de l`Etat BYzantin ترجمة فرنسية، باريس 1956، ص 124. إنّ هرقل هو الذي أرسى التّيمات «في تلك السنوات الشديدة (613- 619 م) التي انصبّ فيها الغزو السلافي- الأفاري على شبه الجزيرة البلقانية، و الغزو الفارسي على المقاطعات الشرقية من الإمبراطورية». و وضعت هذه التنظيمات الدفاعية في آسيا الصغرى (الأناضول) في الأماكن التي لم يحتلّها العدو. و في عهد أقدم كتب عن نفس الموضوع.Stein .5091 .Ch .Diehl في 1919 و أخيراBaynes ، 1952 الذي عنون دراسته هكذا:

" The Emperor Heraclius and the Military Theme System«, English History Review, 7691, p. 083 Suiv.

و بعض هؤلاء من المؤرّخين فكّروا في تأثيرات فارسية أو طورانية أو في تطوّر داخلي محض، لكن من البدهي أنّ الفتح العربي و تنظيماته لم يؤثر على النّسق الأصلي للتيمات، فهو موجود من قبل.

و مع هذا و على الرّغم من ملاحظات أوستروغورسكي‏Ostrogorsky ، ص 126، الذي خصّص هذا النظام بمقاطعة آسيا، فمن الأرجح أنه امتدّ إلى الشام فيما بين 628- 630

75

المكان، أو أن نفس نظام العطاء يكرّر مع فرق أساسي و هو أنه على مستوى الكورة و ليس على مستوى كامل المقاطعة. لكن، و في كلّ الحالات، يتأتى التباين الأساسي بين نمطي التنظيم العراقي و الشامي من عوامل اقتصادية و أخرى جغرافية (تفريق المجموعات في المقاطعات العسكرية، هو شأن عادي في حدّ ذاته).

كيف كان نظام المكافأة في إفريقية؟ من الوهلة الأولى، فإن فحص حالة إسبانيا المدروسة جيدا من قبل، ترجّح الكفّة لصالح نظام الجند.

فعلا في إسبانيا كان الجنود الغزاة يتقاسمون قسما كبيرا من الأراضي و يستقرّون فيها، فكان العرب يحصلون على الأراضي المنبسطة و الخصبة، فيما كان البربر يزاحون إلى الجبال الأقلّ ثروة (1)، لكن المصادر لا تحدّد لنا الوضع القانوني لهذه الأراضي الموزّعة على الجند، فهناك في نفس الوقت تشابه كبير مع الشام لا يمكن إنكاره. غير أن هذا التشابه سيتفاقم مع وصول فيالق جند بلج، إذ سيستقرون في الكور المجنّدة. و هذا الأمر كثر انتشاره لا سيّما مع انتصاب المؤسسات الأموية. ثم هل من المعقول تقاسم الرأي مع ليفي بروقنسال حول هذه المسألة بعد أن أطلق عليها عبارات ليست دائما في محلّها و تتعلق بمدى وجود نظام مكافأة بإسبانيا في المستوى المحلي: بالنسبة للكورة- يمكن‏

____________

- و 636 و أنّ العرب انتسخوه و حوّروه. و على كلّ، لماذا لم يستوح معاوية مثل هذا التنظيم من بلاد آسيا المجاورة؟

هذا ممكن أيضا. ذلك أنّ القرابة كبيرة جدا بين مؤسستي" التّيمات" و الجند و أنّ الجند ذو خصوصية كبيرة لو قارناه بالمؤسّسات العربية الأخرى. قد لا يعني هذا بالضرورة تأثيرا أو استلهاما من بيزنطة على الشام العربية، لأنّ وضع الثغر(marche) هنا و هناك و في أماكن أخرى وضع خاصّ قد يفرز مؤسّسات متقاربة. بل من الممكن أيضا أنّ النّسق العربي الجديد أثّر على التّنظيم البيزنطي المجدّد في أرمينيا و آسيا. عندئذ يكون وجدت محاكاة في اتجاه بيزنطة- الشام في لحظة أولى، و في اتجاه الشام- بيزنطة في لحظة ثانية.

(1) ليقي بروفنسال؟؟؟، تاريخ إسبانيا الإسلامية، م. س، ج 1، ص 87، و ج 3، ص 199- 200؛ الداودي، كتاب الأموال، قطعة نشرها عبد الوهاب و الدشراوي في مجموعةEtudes d`Orientalisme مهداة إلى ليفي بروفنسال؟؟؟، ج 2، ص 429- 428.

76

أن تكون مرتبطة بنوع من الرضا بالأرض‏ (1).

إذن رغم كل ما من شأنه أن يقرّب إسبانيا من إفريقية في عديد المجالات فإن نظام إفريقية كان يختلف عنها تمام الاختلاف. فلم تعرف إفريقية تقسيما لأرضها رغم أن الفقهاء يقرّون بأن وضعية الأرض في هذه المقاطعة تطرح عليهم لغزا (2)، فواضح أن ظاهرة في مثل تلك الأهمية لا يمكن أن تكون قد فاتتهم، هذا إذا كانت قد وجدت أصلا. و فعلا، تبقى تقسيمات الفقهاء هي وحدها المتّفق عليها: أرض عنو، أرض صلح، أراض أسلم أهلها (3). و المسألة الأخرى التي لا تقلّ دلالة هو أنه يبدو أن الفقهاء كانوا يعتبرون حالة إسبانيا هي بالتدقيق وضعية استثنائية (4).

فالمغرب في مجمله لم يعرف التنازلات العقارية- بالمعنى الواسع للكلمة- مقابل الخدمة العسكرية إلّا مع المرابطين. فنحن متفقون مع هوبكنز عند ما يؤكد على أن «هذا النمط الجيّد المعروف هو الذي تمّ اختياره بصفة متأخرة في المغرب» (5)، كذلك باتفاق مع سورديل نعتبر أن لفظ جند المعتمد في إفريقية كان للإشارة إلى مجموعات العسكر القادمة من الشرق مع الولاة العبّاسيين، ليأخذ معنى آخر خاصا جدا: معنى يفيد المجموعات الخاصة بالأمير (6).

____________

(1) تاريخ إسبانيا الإسلامية، م. س، ص 8- 69؛ ح. مؤنس، فجر الأندلس، القاهرة 1959، ص 55- 60.

(2) الداودي، م. س، ص 428.

(3) نجد هذا التقسيم لدى الداودي و لدى أغلب الفقهاء. على سبيل المثال الشيخ الفاسي، فقيه متأخر لكن ينقل الحلول القديمة لابن أبي زياد، الأجوبة الفاسية، مخطوط استعرناه شاكرين من الشيخ جعيط، و هو غير مرقم الصفحات. و أهمّ من هذه الإشارات ما ورد لدى سحنون: المدونة، القاهرة 1323، ج 11، ص ص 175- 199. انظر كذلك هوبكنز، م. س، ص 30.

(4) عبد اللّه بن أبي زيد القيرواني، النوادر و الزيادات، مخطوط الجامعة التونسية، 5192، ا، ص 340، و ما بعدها: «القول في أرض الجزية و الحكم في أرض الأندلس و التي قسمت و لم تخمّس».

(5) الدولة الإسلامية في العصر الوسيط.

(6) دائرة المعارف الإسلامية، ط 2، المقال السابق.

77

تتمّ مكافأة الجيش بإفريقية عاديا بالعطاء. و حول هذا الموضوع يمكن تعديد الأدلة بدون صعوبة (1). ففي العصر الأموي كانت الأجور تذهب للأغلبية الساحقة، و ربما لكافة العرب بإفريقية. على غرار مصر (2) و مقاطعات أخرى كانت عائلاتهم و أطفالهم تحصل على جرايات و على توزيع المؤن (الرزق). ثم صارت المنح مع الولاة العبّاسيين مرتبطة بالخدمة العسكرية الفعلية و التي كان يعفى منها كثير من عرب من موجات الهجرة الأولى. و في تلميح لابن القوطية، أثبت فوندر هايدن‏ (3) أن هناك ما يسمح بالاعتقاد بالفعل بتجميد العناصر القديمة من طرف يزيد بن حاتم، و هو الوالي الذي أعاد تنظيم الجيش بإفريقية. و قد تمّ خلال هذه العملية تركيز الجند القدامى الأمويين بوادي مجردة. و لا شك أنهم تمتعوا بأراض جماعية يمكن للدراسة التبونيرية ضبطها بدقة. لذلك نجد في خريطة ماطر هنشير أغالين‏ (4)، و هي تسمية تستمدّ جذورها من نسب بني عقيل فرع من عامر بن صعصعة و هي قبيلة مضرية (5). كما نجد على ورقة طبلبة جبل مهرين و هي قرية تحمل اسم مهرين‏ (6) الذي يذكّر بعشيرة مهرة و هي تشكيلة يمنية تمتّ بقرابة إلى قضاعة (7). و على نفس الورقة نذكر أيضا جبل الأنصارين و هو المكان المعروف بالأنصارين، كما نجد على ورقة أريانة الكلبين و لزدين‏ (8).

____________

(1) ابن عبد الحكم، فتوح، ص 288؛ ابن الرقيق، الورقة 23؛ البيان، ص 58؛ رياض، ص 122.

(2) في عهد مسلمة بن مخلد، نجد ذكر موظف خاص، مكلف بخطة في" الحالة المدنية" تتمثل في البحث عن المواليد الجدد و تسجيلهم في سجل العطايا: فتوح مصر، م. س، ص 146؛ المقريزي، الخطط، ص 167.

(3) ابن القوطية، م. س، ص 41؛ المغرب الشرقي، ص 79.

(4) خريطة تونس بمقياس 000، 50/ 1، رقم:F .XII .

(5) ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، القاهرة، 1962، ص 90- 292.

(6) خريطة رقم‏F .XIX .

(7) الجمهرة، م. س، ص 440.

(8) خريطة رقم‏F .XIII ، لزدين متأتية من الأزد و نعرف أنه قد مثّلهم عدد كبير بإفريقية، و هم ليسوا من الأصل البربري لزداي كما يظنّ ذلك بليغران. بصفة عامة فإن العشائر التي‏

78

و في ما يخصّ العطاء في العصر العبّاسي، فيتمثل التحديث الأساسي في تحديده للجند. غير أنه من الممكن اعتبار الدور السياسي لهذا العطاء، هذا علاوة على دوره الاقتصادي- الاجتماعي و انعكاساته على الحياة اليومية (1). و كان كلّ تقصير أو تأخير في صرف الأجور يؤدي إلى التحريض و الانتفاضات، و هو ما ينجرّ عنه تبعية مفرطة للسلطة كما للجيش في مواجهة إشكاليات النفقات.

لا نملك معلومات دقيقة حول تواتر توزيع المستحقّات. في إشارة لابن عبد الحكم يذكر أن يزيد بن أبي مسلم أمر في إجراء تنكيلي عبد اللّه بن موسى بن نصير الاستعداد لدفع" عطاء الجند" من ماله الخاص لمدّة خمس سنوات‏ (2)، و هو ما يحمل على الاعتقاد بأن صرف نفقات الجند كان سنويا. لكن هذا مجرد احتمال قد يكون ممكنا في أفضل الأحوال، و يسمح بافتراض ثقة كاملة في صحّة الألفاظ الصادرة عن هذا الكاتب. و يسيطر هنا اعتقاد أن هناك نسقا عاديا في التوزيع يتعدّى التوزيع الاستثنائي قبيل الخروج للغزو و الحرب، بشكل تسبقة أو محاباة (3).

و لتقدير نسب العطاء في إبّانها في إفريقية بحوزتنا جدول مقارنة مع الشرق و معطى قدّمه ابن الأثير متعلّقا بالجند الأغالبة في نهاية القرن الثاني الهجري. ففي المقاطعات الخاضعة لأحدية المعدن الفضي كالعراق، تتأرجح نسبة العطاء بين 200 و 1200 درهم في السنة للرجل الواحد، و يتقاضى أغلب المقاتلة بين 500 و 1000 (4). بينما في مصر حيث كانت‏

____________

- ترجع إليها تسمية هذه المواطن لا تعود إلى الزحف البدوي في القرن الحادي عشر ميلادي. فقد تمّ استقرار هؤلاء في إفريقية في نهاية العصور الوسطى، بينما نجد هذه العشائر مستقرة بكثرة في مصر في القرن الثامن ميلادي و نعلم أن العرب بإفريقية قد قدموا من تلك الربوع: فتوح مصر، م. س، ص 166.

(1) كان ابن فرّوخ يغلق دكانه عند ما يحصل الجند على العطاء: رياض النفوس، ص 122.

(2) فتوح مصر، م. س، ص 288.

(3) على غرار حنظلة بن صفوان في بداية القرن، البيان، ص 50.

(4) ك. كاهان مقال" عطاء" في دائرة المعارف الإسلامية، ط 2.

79

القاعدة النقدية الدينار الذهبي كان 000، 40 رجل يتقاضون أجورهم بصفة منتظمة: نعرف الأرقام التي تعود ل 000، 4 من بين كامل الجند بمعنى العشر من الممنوحين، فكان كل واحد منهم يحصل على 200 دينار (ما بين 2800 و 000، 3 درهم) بينما يحصل البقية على نسب أدنى‏ (1).

من خلال ما جاء عند ابن الأثير (2)، اندلعت سنة 196 ه/ 812 ثورة الجند بطرابلس و كان الوالي يومها عبد اللّه بن إبراهيم بن الأغلب فكان عليه أن يواجه هذه الثورة فانتدب البربر لقمعها و استمالهم بتوزيع العطاء يوميا. كان يقدّم كل يوم أربعة دراهم للفارس و درهمين للراجل، و هو ما يقارب قيمة ما بين 700 و 1400 درهم سنويا. و يمكن أن تكون هذه الأرقام قد تضخمت بحكم الظروف الخاصة التي كان يمرّ بها الأمير، لكن مع ذلك أصبح بحوزتنا معطى ثمين يدعّم المعطيات الأخرى التي نعرفها عن المشرق، و هي عناصر صالحة على الأقل إلى نهاية القرن الثامن الميلادي، إلى حدّ يكون من المشروع معه التأكيد على أن نسبة العطاء كانت تتراوح بين 000، 1 و 200، 1 درهم للفارس، و من 500 إلى 600 للراجل‏ (3)، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار الزيادات الظرفية التي أشرنا إليها سابقا.

و بالطبع المسألة في هذا الصدد لا تتعلق سوى بالنسب المتوسطة، فعلى غرار الشرق، يمكن أن نعثر على شطط في أعلى درجات السلّم و في أسفله.

يعود التصرف في أموال الجيش لديوان الجند و تتمثل مهامه الأساسية في تحيين قائمة المقاتلة. يساعد الديوان في إنجاز هذه المهام‏

____________

(1) حول هذا الموضوع بحوزتنا نصّ للمقريزي يتعلّق بالفترة الأموية.

(2) الكامل، م. س.

(3) أكّد الفحص الحديث لمخطوط لابن الرقيق ما توصلنا إليه. فقبل واقعة الأصنام، يكون حنظلة قد وزّع على جنوده 50 دينارا لكل منهم ثم قد يكون خفّض هذه النسبة إلى 30 أو 40 دينارا مع وصول الناس أفواجا للمعركة: الورقة 23، و يبدو لنا الرقم الأوّل موافقا للنسب العادية للرجّالة: 50 دينارا بمعنى من 500 إلى 600 درهم.

80

العرفاء، فيقومون بإحصاء المحاربين الراجعين إليهم بالنظر (من 40 إلى 10) (1)، و يتأكّدون من حضورهم الفعلي في القتال. و إذا كنّا لا نعثر في المصادر بشكل صريح على ذكر العرفاء في إفريقية فقد كانوا حاضرين في كافة المقاطعات الإسلامية الأخرى بما في ذلك مصر (2) (*). و من المفاجئ أن تكون إفريقية استثناء خاصة و أن سائر المؤسّسات الأخرى تعمل بصفة عادية. فهذه العرافات المفترضة، تؤمّن الصلة بين الإدارة و فيالق الجيش و تراقب الوضع المعنوي و النفسي للمقاتلة و تمارس في المناسبات شكلا من تأطير الجيش. فهذا العريف الموظّف هو كذلك جندي من النخبة يقع استدعاؤه للقيام بالمهام الدقيقة (3).

لا شك أن العامل الجينييالوجي هو السبب في تنظيم هياكل الجيش، فكما هو في مدن- المخيّمات العراقية (4)، فإن إفريقية قد تمتعت بعدد من" الأطر التعبوية"، و هي وحدات تقبل عليها المجموعات القبلية حسب الانتماءات، و تكون مدفوعة في اختيارها من قبل الإدارة، و لا تتّبع في كل مرة العشائر التي تربطها بها صلة الرحم.

____________

(1) الطبري، التاريخ، ج 6، ص 49، يتحدّث عن العرافات في الكوفة في بدايات الفتح، كانت تعدّ 43 رجلا

N. Fries, Das Heerswesen des Araber Zet der Omaijadennach Tabari, Tubingen 1291, p. 41

، فالعرافة تساوي 10 رجال.

(2) في 71 ه، بعث عبد العزيز بن مروان العرافات في مصر: الكندي، ولاة، ص 72؛ بالنسبة للبصرة، انظر العلي، التنظيمات الاجتماعية و الاقتصادية في البصرة في القرن الأوّل للهجرة، بغداد 1953، ص ص 97- 100.

* في الواقع، توجد إشارة صريحة لدى ابن الرّقيق الذي تعرّفنا عليه أخيرا، ورقة 23 حيث يذكر أنّ حنظلة عشية معركة الأصنام وزّع السّلاح على المقاتلة و أنّ عريفا ذكّره باسم أحدهم. قبل قليل، اعتمدنا فقط على البيان المغرب، ص 58، الذي يقصّ علينا نفس القصة لكنّها مبتورة من ذكر" العريف".

(3) فريز، م. س، ص ص 17- 18؛ ك. كاهان و العلي، مقال" عريف"، دائرة المعارف الإسلامية، ط 2. لتوزيع العطاء نعلم أنه كان يوزع بالكوفة لقادة الأسباع و لحاملي الرايات و يقومون في ما بعد بتوزيعها على العرفاء و هؤلاء يقومون بدورهم بتوزيعها على المقاتلة:

الطبري، ج 4، ص 49.

(4) ماسنيون، تفسير مخطط الكوفة،Melanges وMaspero ؟؟؟، القاهرة 1940، ج 3، ص 338 339.

81

و نجهل بالطبع كل شي‏ء عن تركيبة هذه الوحدات و كذلك تسمياتها:

أخماس‏ (1)، كما تدفعنا فقرة لدى ابن عبد الحكم للقبول بها، أو أسباع كما يمكن أن يثيره تنظيم الجيش بإفريقية و بالمغرب عامة في الحقبات المتأخرة مع الفاطميين‏ (2)، و المرابطين‏ (3)، و الحفصيين‏ (4). و يبدو جليّا أن الحلّ الثاني بمعنى الأسباع، هي أكثر احتمالا بحكم تواتر الإصرار و التكرار عليها في المصادر. فهذه الأطر المتحرّكة هي في ذات الوقت تقسيمات تكتيكية في المعارك تتقاطع مع مفاصل أخرى أكثر عسكرية منها كالصدر و الأجنحة. نجد على رأس هذه التقسيمات أمراء الأسباع أو الأخماس‏ (5) المنتمين لمجموعات عرقية مسيطرة على الوحدة، هذا إذا لم يقع فرضهم من قبل الأمير لقيمتهم الشخصية. بذلك يمكن أن نضبط الهرمية التالية في القيادة: الأمير أو والي المقاطعة، اثنين أو ثلاثة قوّاد يعوّضونه مباشرة و يمكن أن يفوّضهم مكانه في قيادة المعارك‏ (6)، يليهم قوّاد الوحدات المتحركة، ثم وحدات العشائر القبلية، و أخيرا العرفاء (7).

____________

(1) فتوح، م. س، ص 228، تتحدّث هذه الفقرة عن الحرس و تقول لنا إن يزيد بن أبي مسلم «و شم أيديهم و جعلهم أخماسا».

(2) القاضي النعمان، كتاب اختلاف الدعوة، مخطوط سينشره قريبا د. الدشراوي، و هو الذي أفادنا بهذه المعلومة.

(3) هوبكنز، م. س، ص 73.

(4) ر. برانشفيك، المغرب في العصر الحفصي، باريس 1947، ج 2، ص 91، نقلا عن ابن خلدون، العبر، ج 2، ص 449- 450، لكن لا نظن أنه" رقم الحظ السعيد" كما يرى برانشفيك بخصوص رقم سبعة.

(5) هذا على الأقل ما كان يجري في المشرق في نفس الفترة. هناك عدة مراجع منها الطبري و البلاذري، أنساب الأشراف، نشره غويتان القدس، 1936، ج 5، انظر على سبيل المثال ص 259.

(6) ذلك على سبيل المثال ما يمكن أن نستدلّ به من خلال الوصف الذي قام به ابن العذاري لمعركة السبو، البيان، ص 55.

(7) مارس هؤلاء القيادة كصغار الموظفين في الخدمة العسكرية في نفس الوقت الذي قاموا فيه بدور المعتمد في الجيش، لكنهم لم يمثلوا الإطار الأوحد بعد الأمير كما يؤكد ذلك ن. فريزDas Heereswesen ، م. س، ص 17: إذ يقول: «هناك مع ذلك مجال أن يتخلّل أصحاب الرايات هذه المجموعة».

82

و قد وقعت تحويرات خلال الفترة العباسية نجهلها جملة و تفصيلا، لكن عوّض هذا التأطير الإطار القبلي كما يقنعنا بذلك اليعقوبي عند قراءة وصفه للحاميات بإفريقية في عصر الأغالبة (1). بالنسبة للقيادة فقد اتبعت حرفية انغرست إذاك بعمق في الجيش. و قد كانت العائلات الكبرى تحتكر فعليا القيادة العليا في عهد الأمويين، على غرار الفهريين، و هذا يشكّل مصالح المحليين في مواجهة الحاكم الوارد عليهم من الشرق‏ (2).

و في العصر العباسي، كان القادة المهمّون عناصر من الجند، و هم مع ذلك في غالب الأحيان من التميميين‏ (3)، تماشيا مع سيطرة مجموعتهم القبلية. لكن المسألة الأساسية هي التأثير الذي نجح هؤلاء القادة في تحقيقه على الجند و توظيفهم لتحقيق طموحاتهم الشخصية. في هذا الصدد يبدو جليا أن العقلية المحلية تجاوزت الأطر القبلية و تقاطعت برؤية واضحة مع المصالح المهنية، فبدأت في السيطرة على العشائر و تسوية تفوّقهم العرقي: و ما الشخصنة و اللّا انضباط لدى القيادة سوى نتيجة لذلك‏ (4).

تفرض دراسة الاستقرار الجغرافي للجيش أن نعرّف مسبقا اتجاه الطريقة العسكرية العربية و ميولها المتعدّدة التي تتطور مع الزمن.

نعلم أن روما هيّأت و أنجزت فعلا طريقة دفاعية أساسية تعتمد على حدود الليماس. و لما تعودت بيزنطة على واقع فيه قدر أكبر من التهديد ضاعفت هذه النزعة و بعثت خطوطا دفاعية على ذات العرض معقدة في‏

____________

(1) كان الزحف على الزاب بصفة خاصة بقيادة مفرزات على النمط القبلي: البلدان، ترجمة فيات، ص ص 214- 215.

(2) البيان، ص 54: كان حبب بن أبي عبدة يقدّم نفسه كمدافع على أهل إفريقية ضد وقاحة الشاميين في معركة السبو.

(3) مثل: تمّام بن تميم التميمي و إبراهيم بن الأغلب.

(4) يظهر لفظ قواد بشكل متواتر في العصر العبّاسي ليشير إلى كبار القادة و لكن، حسب رأينا، ليست سوى إسقاط استذكاري. في بداية العصور الوسطى أخذت العبارة طنينا مغربيا خصوصيا و منه تسمية قائد و في الاستعمال الدارج قايد، أدمج في الفرنسية بلفظةcaid .

83

تفاصيلها كما أنها هشّة و مبعثرة في شكل تحصينات مشيدة و قصور مبنيّة بشكل متعجّل يعبّر بشدة عن الضغط البربري. أما من حيث الإدارة العسكرية، فكانت إفريقية البيزنطية منقسمة إلى أربعة أقسام ترابية:

البيزاسان، و البلاد الطرابلسية، و نوميديا، و موريطانيا، على رأس كل واحدة دوق يساعده عدد من الضبّاط و محاط ببيروقراطية هامة (1).

يحمل التنظيم العسكري العربي من جهته طابع جذوره: فقد انتصب بالفعل على أشلاء سحق شامل للبربر، و بالتالي على شعور بالأمن. و لعلّ هذا النظام الذي حظي زهاء ثلث قرن على الأقل بسند الرعية ليبقى في السلطة (86- 123 ه)، حتى يؤمّن بكل بساطة الحضور العربي، مع اتباع الحذر من جانب البحر للتّصدي لهجمات المراكب البيزنطية. و منه جاء التمركز في مواقع حضرية و عسكرية، باستثناء الرباطات البحرية بالساحل‏ (2) و التي تسيطر على المدن- المخيّمات من النمط العربي- الشرقي كالقيروان. إزاء الترييف العميق للنمط البيزنطي‏ (3) و إزاء عقمه الكبير و تعقيده، فإن النمط العربي يبرهن أنه أكثر بساطة و تركيزا و أفضل تناسقا مع الهيكل الإداري في الكور الذي فرض قيامه على أرضها.

في حوالي 120 ه/ 738 م، ظهرت تحويرات هامة. فقد أخذت الحملات على صقلية بعدا كبيرا (4) حيث وجّهت إفريقية نحو المتوسط

____________

(1) ش. ديل، م. س، ج 1، ص 126 إلى 137.

(2) منذ زمن يسبق بناء هرثمة بن أعين لرباط المنستير كان هناك رباطات صغيرة على البحر كما تفيد بذلك كتب الطبقات.

(3) ك. كورتوا يميل إلى رأي آخر: من روما إلى الإسلام، ص 39، إذا قبلنا بحصول تطور بين روما و بيزنطة لوسائل الدفاع في اتجاه توسيع كبير للحياة الحضرية، دون أن تدوم أشكال الحماية الحقيقية في الريف أكثر من ذلك و التي كانت تابعة بشكل كبير للبيزاسيوم (الساحل). انظر ش. ديل، م. س، ج 1، ص 185- 215؛ انظر كذلك خريطة المنشآت العسكرية بالساحل في نفس الجزء.

(4) بين 103 و 107 ه، قام بشر بن صفوان باختراق صقلية و جلب منها كثيرا من العبيد؛ البيان، ص 49، و في 123 ه، بلغ حبيب بن أبي عبدة أيضا صقلية، م. س، ص 53.

84

الغربي و الأوسط و أبرزت دور مدينة تونس‏ (1)، مما جعلها تطبع في ذات الوقت طريقة التنظيم بطابع هجومي. نتيجة لذلك فإن اضطرابات الخوارج التي اندلعت بعد زمن يسير تطلبت على عكس الأولى نزعة دفاعية في الوقت الذي تمّ فيه تحديد مركز العلّة في منطقة الزاب. انشقّت إذا الطريقة العربية إلى مستويين في التنظيم: مستوى أوّل ذي دور محلّي و هو مركز التجمعات العسكرية كطبرقة و باجة و قابس و قفصة ... إلخ حيث يظهر الجيش كقوة نظام عمومي تحت تصرّف نائب الوالي أو العامل، و مستوى ثان للتدخل العام في القيروان و تونس و الزاب و بلاد طرابلس. هكذا نجد أنه وقع التنسيق بصفة مختلفة في المقاطعات الأربع العسكرية البيزنطية، فاستوعبت الزاب العربية بلاد صطيف، و رغم أن تونس إنّما هي استحداث جديد إلّا أنها واصلت دور قرطاج. فلم يكن لهذه الطريقة بحقّ أن تثبت بهذا الشكل إلّا في نهاية الفترة العبّاسية و تحت دفع أحداث بعينها. فلنفحص المسألة بالتدقيق.

يرجع الفضل الكبير في الدور العسكري لتونس، لتأسيس حسّان بن النعمان ميناء إصلاح السفن (حوالى 82 ه)، و لكن لم تستطع هذه المنشأة أن تؤكّد وجودها إلا بعد 120 ه، كالحال عند ما تقدّم لنا المصادر على سبيل المثال شخص عبد الرحمان بن حبيب و هو يستند إلى جند هذه المدينة ليفتكّ السلطة (2) (127 ه). إلى ذلك الحدّ، تعتبر القيروان مركز جيوش إفريقية بدون منازع، و التي رغم تقلّص دورها، حافظت على أهمّ تجمّع للقوى العربية و كانت أحد أضخم الأوكار العسكرية. يذكر البيان المغرب على سبيل المثال أنه لما توجّه عمرو بن حفص من القيروان لمنطقة الزاب، كانت إفريقية قد" أفرغت من جنودها" (3). كذلك لمّا بعث الوالي فضل بن روح عاملا جديدا إلى‏

____________

(1) لعبت قليبية دور ميناء إرساء لصقلية أكثر من النوبة، البلدان، طبعة النجف، ص 10.

(2) ابن عبد الحكم، م. س، ص 300؛ البيان، ص 60، النويري، ترجمة سلاين البربر ...، ج 1، م. س، ص 364- 365.

(3) البيان، ص 75.

85

تونس، كان يتقدم موكبه" عسكر" القيروان الذي كانت له مواجهة دامية مع جيوش ابن الجارود (1). و أخيرا يتحدث نفس المصدر على" جموع من جيش" هذه المدينة و قوّادها. و إزاء شهادات المصادر، لا نستطيع سوى رفض الفكرة المنتشرة عند بعض المؤرخين لأسبقية عسكرية لمدينة تونس خلال العصر العبّاسي‏ (2).

بالنسبة لبلاد الزاب فقد كان موطن الاحتلال العسكري الضخم في كل عصر و زمان- هناك فعلا نلتمس تواصلا أكثر بين البيزنطيين و العرب، و قد استعمل هؤلاء الأخيرون المدن القديمة العسكرية البيزنطية بشكل كامل- لكن لم تستطع هذه المنطقة أن تنفرد بمسيرتها العسكرية قبل 144 هجري و بداية الحقبة العباسية. إلى هذا الحدّ تتعلق المسألة بتقسيم الجهة إلى مقاطعات عسكرية منسوخة على نمط الكور دون أن تكون هناك صلة بينها. و من المحتمل أن تكون محاولة توحيد هذه المقاطعة إلى قطبين تسهل مراقبتهما، ميلة في الشمال و طبنة في الجنوب، قد تمّت مع عبد الرحمان بن حبيب، إذ يحمل مثقال وزن زجاجي اسم وال بميلة (3) يرجع تاريخه إلى 127 ه. و إزاء كمائن الخوارج و انتفاضات قبائل المغرب الأوسط، تشكّل الزاب تدريجيا كسور يحافظ على سهول إفريقية و كمنطلق للزحف متخذا طبنة عاصمة للإقليم، و مستندا على عمر بن حفص و هو من دائرة قبلية جديدة. و فعلا إذا كان كلّ وال عباسي يصل إلى إفريقية يتحول مرغما إلى الزّاب مع جمع من الجيوش، فذلك بالضبط لأن المنطقة لا تستطيع أن تدافع عن نفسها بمفردها، غير أنها تمنح نقاط مقاومة يتعيّن دعمها. هذا الذهاب و الإياب سيترك منطقيا تأثيرات، من ذلك ظهر مع إبراهيم بن الأغلب في الربع الأخير من القرن‏

____________

(1) م. ن، ص 87- 88.

(2) نجد عرض هذه الفكرة مبسوطة عند فندرهيدن، م. س، ص 80، و الذي دافع عنه شفويا الأستاذ ح. ح. عبد الوهاب بحضورنا.

(3) ج. مارسي و ليفي بروفنسال، «رؤوس أقلام حول مثقال وزن زجاجي من القرن الثامن»، مجلة حوليات معهد الدراسات الشرقية بالجزائر، ج 3، 1934، ص 7.

86

الثامن الميلادي جيش الزاب الذي برهن عن قدرته على رفع قائده على رأس كامل ولاية إفريقية. نفس الشي‏ء بالنسبة للدور العسكري لطرابلس، فقد تضخّم إلى حدّ كبير سواء في علاقته بضرورات مقاومة الخوارج أو في مواجهته حركات التمرّد العديدة لجند الشمال، الذين تصدى لهم والي طرابلس كحامل لواء استتباب النظام. و كما سنرى لاحقا فإنّهم كانوا كما لو أنهم يتوجّهون إليه ليتولّى التحكيم، و هذا بلا ريب لأنه يستطيع الاعتماد على قوة عسكرية محترمة. لكن هذا يحملنا لفحص العلاقات بين السلطة المدنية و السلطة العسكرية التي سندرسها مع التنظيم الإداري.

عند ما ندمج المعلومات الواردة في البيان مع تلك التي يقدّمها كتاب البلدان لليعقوبي- فلهذا الأخير وصف قدّمه لفترة الأغالبة، يمكن حسب رأينا اعتماده للحقبة السابقة- يمكن أن نستخرج القائمة التالية للمناطق العسكرية العربية و مراكزها ثم مختلف الدوائر التي كانت على ما يبدو مندرجة ضمنها:

1. منطقة تونس العسكرية. المركز: تونس.

الدوائر: جزيرة شريك‏ (1)، مقر عسكري: (قليبية)؛ باجة (2) (باجة)؛ طبرقة (طبرقة (3))، صتفورة (صتفورة).

2. منطقة القيروان العسكرية. المركز: القيروان.

الدوائر: قمودة (مذكورة) (4)؛ قستيلية (توزر) (5)؛ قفصة (قفصة)؛ قابس (قابس) (6)؛ نفزاوة (بشري) (7).

____________

(1) نلاحظ أنه تمّ تصور فكرة الهرمية بين مختلف الدوائر العسكرية بالذات و مراكز الإشعاع مثل تونس، هي في مستوى الفرضية لا غير، ربما باستثناء الزاب.

(2) اليعقوبي، البلدان، ص 101، قد يكون المقر الإداري نوبة.

(3) البيان، ص 67.

(4) البلدان، ص 101، ترجمة فيات، ص 211، و مذكورة هي في ذات الوقت كمقرّ للكورة، لكنّ المنطقة مكتظة بالمدن و الحصون.

(5) م. ن، ص 102.

(6) م. ن، ص 99. من الممكن أن هذه المدينة كانت في الفترة التي تهمّنا تحت رقابة عامل طرابلس.

(7) و هي ليست" بشرة" كما قرأها ج. فيات، ص 213، بعد فندرهيدن، ص 51.

87

3. منطقة بلاد طرابلس. المركز: طرابلس.

الدوائر: فزّان (جرمة) (1)؛ زويلة؟

4. منطقة الزاب‏ (2) العسكرية. المقر: طبنة.

الدوائر: ميلة؛ بغايا؛ نقاوس؛ مكّارة؛ بللّزمة؛ سطيف.

الشرطة و الحرس‏

ظهرت الشرطة في ذلك الوقت كجهاز عسكري للنخبة قبل كل شي‏ء، و لدينا في مصادرنا بعض الإشارات النادرة فحسب، من ذلك أنه أثناء ثورة ابن الجارود في 178 ه، سمع الأمير الفضل بن روح دقّ طبول صاحب شرطته و قد جاء في هيئة عسكرية (3). و واضح أنه إذا كان تحت إشراف هذا الأخير جهاز شرطة، فقد استحوذ عليها بفضل خصائص سلطانه. لنا كذلك واحد يدعى طرهون رئيس شرطة محمد بن مقاتل العكي‏ (4). ففي إفريقية كما في غيرها يتمتّع هذا الجهاز بحظوة الإمساك بالنظام العام، بمعنى النظام القائم. و الشرطة أقرب للأمير من الجيش بالذات، فمهامها المحافظة على أمنه. و رئيس الشرطة شخصية مهمّة يمكن أن يكون في مرتبة ثانية بعد الوالي و يرتقي أحيانا بنفسه لهذه الرتبة (5). و لأداء دورها البوليسي تضمّ الشرطة أعوانا للنظام العام، و عسسا (6) و هم صنف من الرقباء يذكرهم أبو العرب عرضا ضمن سيرة رجاله القيروانيين. و في المقابل نجهل كل شي‏ء عن الهياكل الجهوية

____________

(1) البلدان، ص 96، يظن اليعقوبي أن فزّان تابعة لعامل برقة. بما أن من الممكن أن يكون ابن الأشعث (144- 148 ه) هو الذي أخضعها، فمن المشروع اعتباره في حكومة طرابلس. انظر برانشفيك: م. س، ص 23.

(2) البلدان، ص 102- 103.

(3) البيان، ص 87.

(4) م. ن، ص 90.

(5) على سبيل البيان كان نصر بن حبيب الرئيس القديم لشرطة يزيد بن حاتم بمصر و إفريقية، و قد فضّله على قبيصة.

(6) أبو العرب، طبقات، ص 49.

88

للشرطة و هل وجدت فعلا. و من المحتمل أن لدينا في هذا الصدد مؤسسة تقتصر على العاصمة و ضواحيها القريبة.

هناك تشابه بين الشرطة و الحرس لكن يبدو دور هذا الأخير أضيق.

نجد في هذا الجهاز حرس الشرف المدعو لإبراز هيبة السلطة، فمن مهامه الأساسية السهر على أمن الوالي الذي يصاحبه في تنقلاته و يحيط به في الجامع. هذا ما ذكر في المصادر من المعطيات القليلة التي تهمّ العصر الأموي. من الممكن أن يكون حرس إفريقية يدين بوجوده لموسى بن نصير الذي اجتاح هذه المؤسسة بمواليه البربر البتر إلى حدّ أنهم كانوا يظهرون كما لو أنهم كانوا حرسه الشخصي بحق. و قد واصل خلفاؤه من بعده انتداب البربر و ذلك إلى حدّ وصول يزيد بن أبي مسلم الذي كان على ما يبدو يتّبع الممارسات البيزنطية فوشم أيدي الموالي، و هو ما كلّفه حياته‏ (1). و قد برهنت هذه الانتفاضة جيدا على أن هؤلاء الحرس غير الشخصيين بإمكانهم الانقلاب على الحاكم بالذات. و من المحتمل أن بشر بن صفوان الذي يقدّم نفسه كناسف للتأثير النصيري بإفريقية قد تخلّص من هذا الجهاز. و نتيجة لذلك فإن انتداب هؤلاء الحرس كان يتم بين مواليهم و المخلصين لهم. هناك إشارة من ابن الأثير (2) حول أساليب حكومة المهلبيين تسمح، عكس البقية، على افتراض التبعية التي قد تكون اخترقت أجهزة الشرطة و الحرس.

التّنظيم الإداري‏

لقد حظيت إفريقية مثل كلّ الولايات الإسلامية، مباشرة بعد القضاء على المقاومة البربرية- البيزنطية و حتّى قبل استكمال الفتح بمؤسّسات إدارية. و قد ذكر ابن عبد الحكم أنّ حسّان بن نعمان هو «الذي دوّن‏

____________

(1) ابن عبد الحكم، م. س، ص 8- 289؛ البيان، ص 8- 49.

(2) عند ما سمّى الرشيد بعد موت يزيد بن حاتم، أخاه روح قال له: «عيّنتك مكانه لتحافظ على المخلصين له و على مواليه»، الكامل، ج 5، ص 85.

89

الدواوين و وضع الخراج على عجم إفريقية و على من أقام معهم على النّصرانية من البربر». و يعكس هذا الاستشهاد بكلّ وضوح تطبيق نمط التّنظيم الإداري العربي على إفريقية. و من الواضح أيضا أنّ إفريقية التي فتحت و نظمت مؤخرا ستعكس بالضرورة هذا التأخير بالنسبة إلى المشرق في تطوّر هياكلها الإدارية. بهذه الكيفية و منطقيا ستعيش بسرعة كلّ التغيّرات التي طرأت من قبل على الإدارة العربية بالشّرق. و أخيرا إذا كانت البنية الإدارية الإفريقية بالفعل تنظيما جهويا تابعا للحكم المركزي فهي تبدو أيضا، منظورا إليها من الدّاخل، بمثابة الإدارة المركزية التي تسوس مجالا إقليما واسعا قد يمتدّ، و يتقلّص حسب تطورات الجغرافيا التاريخية للمنطقة (1).

الإدارة المركزية

لقد كانت القيروان في العهد الأموي و خاصّة في العهد العباسي مركز الجهاز الإداري المسيّر. و يتكوّن هذا الجهاز، تحت إشراف الوالي، من ثلاث مؤسّسات: ديوان الجند و ديوان الرّسائل و ديوان الخراج‏ (2) و هو الأهمّ. هذه الدّواوين تمثل النواة الأساسية لهيكل الإدارة و تصدّرها هياكل أخرى: دار الضّرب و دار الرّزق و بيت المال. هذه الأجهزة لا يمكن التشكيك في وجودها لأنّ المصادر تؤكّد على ذلك‏ (3) و تشير إليها بصفة دقيقة كما تشير إلى وجود أجهزة أخرى من مثل ديوان‏

____________

(1) فتوح مصر و المغرب، م. س، ص 271.

(2) ع. الدوري، مقال" ديوان" في‏E .I /2 ، ج 2، ص 333- 341؛ الطّبري، تاريخ، ج 6، ص 179- 186؛ الجهشياري، الوزراء، ص 38.

(3) بالنسبة لديوان الخراج و صاحب الخراج، لدينا إشارات واضحة تتعلّق بالفترة الأغلبية اللاحقة مباشرة: البيان، ص 136. و النويري في طبعةDe Slane ، ص 404 و 440.

و يستحيل فهم كامل التاريخ العسكري لإفريقية في عهد الولاة إذا لم نفترض وجود ديوان الجند. بخصوص البريد: انظر البيان، ص 85، و بيت المال: نفس المصدر، ص 60.

أمّا دار الضرب فانظر: البكري، وصف إفريقية الشمالية، نشرDe Slane ، باريس، 1911، ص 22.

90

الصّدقات و الأعشار (1) و ديوان الطّراز (2)، لكنّها تصمت على عكس ذلك عن أجهزة ثانوية صغيرة لها وجود مثبت في الشرق بالأساس في العهد العبّاسي الأوّل: من مثل دواوين المكوس‏ (3) و النّفقات و المستغلّات و الخاتم. و نحن نرجّح بالرّغم من هذا الصّمت وجود هذه المصالح بإفريقية على الأقلّ في عهد المهلّبيين الذين طبعوا الآلة الإدارية الإفريقية بتجربتهم الشرقية و لأنّهم كانوا طموحين و راغبين في التأكيد على مرتبة عالية لسلطات الوالي و هيبته، و هذا ينطبق بالخصوص على يزيد بن حاتم الذي ظهر حقا بمظهر الأمير شبه المستقلّ.

و من الممكن أنّ بعض هذه الأجهزة استعملت في البداية الهيكل التّقني البيزنطي و بالتّالي أبقي على مقرّها في قرطاج، و نميل إلى هذا الاعتقاد خصوصا بالنسبة إلى دار الضرب و هي مؤسّسة هامّة جدا حافظ عليها العرب في شكلها الأصلي أكثر من ربع قرن‏ (4). لكنّا نتوقّف عند إشارة خاصة للبكري بخصوص سوق للضّرب في القيروان قرب القصر و الذي لا بدّ أنه أخذ اسمه من قربه من دار الضّرب‏ (5) التي تكون انتقلت إلى القيروان حيث حلّت بجوار القصر.

و قد يقال نفس الشي‏ء بالنسبة إلى منشآت أخرى، التي تعتبر ثانوية إلى حدّ ما مثل دار الرّزق: فهي في القيروان و لها محلّ خاصّ بها مثلما جرى عليه الأمر في الكوفة و البصرة. و دار الرّزق توزّع الحبوب على المقاتلة و عائلاتهم زيادة على العطاء النقدي الذي هو من شأن ديوان العطاء. و هذا الديوان كسائر الدواوين المركزية الأخرى مثل الجند

____________

(1) يذكر المالكي أنّ حنش الصنعاني كان أوّل من سمّي على رأس هذا الديوان: رياض، ص 38.

(2) نجد الآن قماشا مصنوعا من ديوان" طراز إفريقية" و كان مخصّصا لمروان بن محمّد:

انظر» Revon Guest Islamic Textiles «، في‏Pourlington Magazine ، 1932، ص 185؛ وG .Wiet ,L`exposition persane de 1391 ، ص 5.

(3) وجوده ثابت في مصرفي فترة ارتباط الولايتين: فتوح مصر، ص 135.

(4) محمّد الشّابي، مقال مذكور،Africa ، 1966، ص 188- 189.

(5)Description ، ص 22.

91

و الرّسائل و كذلك بيت المال ألحق بقصر الإمارة كما جرى عليه الأمر في أمصار المشرق و حسب التقاليد المعهودة آنذاك.

ما هي صلاحيات هذه الدواوين المركزية؟ فديوان الجند يهتمّ بإحصاء المقاتلة و توزيع الأعطيات عليهم و هو يتقاطع مع ديوان الخراج بصفة وطيدة لأنّ كلّ جهاز الفتح العربي و الاحتلال و الاستيطان قائم عليهما منذ أن أسّس عمر هذه المؤسّسات. فالعرب يمتصّون الضرائب من أهل الذمّة و المغلوبين و يوزّعونها على الجند من الفاتحين العرب في هذا المصر أو ذاك. و لم يحدث تغيير هام زمن معاوية و عبد الملك سوى بعض التصحيحات، لأنّ الفكرة الأساسية ما وراء ذلك هي الإبقاء على قوّة عسكرية ضاربة مستعدّة للجهاد و منعها من الذوبان في البلاد المحتلة و الانتشار. و هنا تلعب الدولة دور الوسيط فقط. هذا هو النسق العام للتنظيم الإمبراطوري الإسلامي و هو بالضرورة ينطبق على بلاد المغرب.

أمّا ديوان الرّسائل فهو إدارة الاتصال بالأعوان الجهويين كما بالإدارة الخليفية في دمشق ثم في بغداد و يمثّل سلطة المكتوب و الحرف في سياسة الإمبراطورية و دوره في الهيمنة على البشر. و هكذا يهتمّ ديوان الرّسائل بتحرير مراسلات الوالي مع الاحتفاظ بنسخ من كلّ الرّسائل المبعوثة.

و من الواضح أنّ في كلّ هذا التنظيم المهيكل يبرز ديوان الخراج كالجهاز- المفتاح لأنه مقام على تجميع المال في البلاد المفتوحة بصفة مستمرّة خلافا للغنيمة التي هي طارئة و مرتبطة بالعمليات العسكرية. و هذا الديوان لم يكن له فقط هدف تجميع الخراج على الأرض بحصر المعنى، و إنّما كان أيضا يأخذ الجزية على الرؤوس و أخيرا يجمع و يجلب ما تدفعه المجموعات المحلية من إتاوة جملية منجرّة عن عقود الصلح المبرمة.

فهو مسؤول عن الثلاثة أنماط من الضرائب المعهودة في الإسلام الفاتح الغازي الأوّلي. لكن بخصوص إفريقية و المغرب، تطرح مشكلة عويصة خاصة بماهية النظام الجبائي في هذه الرّقعة لما لازمه من ضبابية، و من هنا يأتي الجدل بين المؤرّخين.

92

لقد كتب الكثير عن النظام الجبائي الإسلامي بصفة عامّة، و ما زاده تعقيدا أنه انبنى على غزو و احتلال أي على مجتمع غير منسجم إثنيا و دينيا. و مفهوم الضريبة ذاته ليس إسلاميا، فالمسلم يدفع صدقة ليتزكّى دينيا، لكنّ المغلوبين يدفعون جزية و" هم صاغرون" جزاء بقائهم على دينهم و حماية المسلمين لحياتهم و ممارستهم لدينهم: هذه هي الفلسفة القانونية الأصلية و هذه هي جذورها الإسلامية، كما أنّ الدولة لم تتعال بعد على جماعة المسلمين الغزاة و إليهم بالأساس يرجع كلّ الفي‏ء لأنه حقّهم افتكوه بسلاحهم.

هذا هو الوضع القانوني الأصلي و مبرّراته العربية و الإسلامية، المأخوذة من قوانين الحرب في آخر المطاف. و قد تداخلت التقاليد العربية التي غلّفها الإسلام دينا و تنظيما مع وضع الاحتلال في بلدان خاضعة من قديم للجباية، بالخصوص لجباية الأرض و بأقلّ درجة لجباية الرؤوس في المدن أساسا. في الواقع، و تحت المظلّة الإسلامية و منطق الفتح، تمّ الاستمرار على التنظيمات القديمة. لكن من الواضح أنه ستحدث صدامات متى انتشرت الأسلمة لدى المغلوبين فارتفع حقّ الغلبة لأنّ الفتح الإسلامي لم يكن غزوا بحتا بالقوّة- مع أنه كان كذلك أيضا.

بل هو معتمد على الدين و منطلق من الدين في زاوية ما من المخيال الجماعي لدى الغالبين و المغلوبين. و هذه الصدامات ستحدث بصفة درامية في بلاد المغرب بسبب الأسلمة السريعة لقبائل البربر، و إذن لوجود تناقضات أصلية في الأساس.

و ما زاد الطين بلّة هو تعقّد تصنيفات الفقهاء من لدن أبي يوسف على الرّغم من قدمه و من شفافية النمط العراقي. و تجري هنا التساؤلات عن وضعية الأرض و الجباية كما أنّ المفاهيم تبقى ملتبسة: فالجزية مثلا تعني كلّ أصناف الجباية بما في ذلك الخراج و تعني كذلك الضريبة على الرؤوس و هي من ميراث الفرس و الرّومان. و الاختلاف يجري على الظروف التاريخية، ظروف الفتح، و على تمييز ما هو عنوة و ما هو صلح‏

93

و الصلح يعني الإتاوة الجملية لمدينة أو مقاطعة لم تقاوم الغزو بالقوّة و إنما استسلمت دون قتال و هو وضع مخفّف كثيرا ما وجد في إيران.

و بخصوص المغرب، باستثناء المدوّنة، فإنّ نصوصنا الفقهية متأخّرة و لا ندري على أيّة حال ما هي مصداقيتها على أرضية الواقع، لكن ليست بأيدينا وثائق (أرشيف) مثلما نجد ذلك في فرنسا الكارولنجية في نفس الفترة سواء أتت من الكنيسة أو من الدولة من مثل الCapitulaire de Villis أو وثائق ديرPaint Germais des Pres و غيرهما، كما أنّ العهد الفيودالي في أوروبا حفظ لنا عددا كبيرا من التعهدات و الوثائق بتسمية الCarta . من هنا أتت الصعوبات بالنسبة للمؤرّخ في تدقيق الوضع الجبائي و المالي و الاقتصادي في الإسلام الأموي و العباسي. و من هنا بقيت تصوّراتنا غامضة حتى بالنسبة للشرق و أكثر من ذلك بالنسبة للمغرب، و هو ما يفسّر اختلافات المؤرّخين المعاصرين.

فحسين مؤنس مثلا يستبعد تماما فكرة التطبيق العادي على أرض إفريقية لمؤسسة الخراج الإسلامية (1) و قد طبقت في كلّ مكان. أمّا محمد الطالبي‏ (2) فإنّه يعتبر مسبقا أيضا، على عكس المؤلّف السابق، أنّ الوضع القانوني لأرض الخراج انطبق على الأرجح على إفريقية سوى أنّ هذا النظام" أقحم دفع العبيد في الجباية العادية". و هذه النقطة الأخيرة لا تصحّ على أرض إفريقية بالمعنى المضبوط حيث الزراعة و المدن و إنّما إلى فترة معيّنة على المغرب الأوسط و الأقصى، و هذا في ظروف غير عادية و عابرة، و هي انطبقت أساسا سواء في الطفرة الأولى للفتح أو بعد ذلك على أرض" نوبيا"- مؤسسة البقت- أو على صحاري طرابلس و برقة و فزّان وسط قبائل الرّعاة الفقيرة. إنّما ظاهرة اغتصاب العبيد طبعت المجال الإفريقي فعلا بمتطلباتها، كما ستطبع فيما بعد و بصفة رهيبة بلاد السودان.

____________

(1) فتح العرب للمغرب، م. س، ص 273- 278.

(2)

»Rapports de l`Ifrqiya et de l`orient au VIII siecle«, Cahiers de Tunisie, 7, 9591, pp. 103- 203

.

94

و لئن وجدت اختلافات واضحة في الجباية بين الولايات الخاضعة للخلافة حسب ظروف الفتح و التركيبة الداخلية للبلدان‏ (1)، و لئن أكّدت بالتالي إفريقية على خصوصيتها هي أيضا، فلا يمكن لنا إلّا أن نعترف أنّ المخطّط الجبائي الإسلامي العام قد طبّق عليها و أنّ إفريقية خضعت بالأساس للضريبة العقارية أي للخراج.

إنّ النصوص التي بأيدينا قليلة و معلوماتها شحيحة، و إذا حدث أن وفرت لنا أخبارا، فهي غامضة و مرتبكة خلافا لما توفّره لنا المصادر بخصوص العراق و الشام و إيران التي هي قلب دار الخلافة في القرنين الأوّلين.

فالمؤلّف المجهول لكتاب الأخبار المجموعة (2) يذكر لنا أنّ الخليفة الأموي كان يؤتى له ب" جباية" إفريقية كل سنة، يحملها وفد متركّب من عشرة أعيان من البلاد يضمنون له بأغلظ الأيمان أنّ المقاتلة تحصّلوا على عطاءاتهم و الأطفال على أرزاقهم و أنّ هذا المال حلال و شرعي. و معروف أنّ الخليفة لا يأخذ من الجباية، و هذا منذ معاوية، إلّا ما تبقّى بعد المصاريف المحلية التي تستهلك أغلبها. إلّا أنّ هذا المصدر لا يتحدّث عن ماهية هذه الجباية: خراج أم جزية أم صدقات أو كلّ هذا جميعا.

و في زمن عمر بن عبد العزيز، يحكى لنا أن اثنين من الضامنين المبعوثين إلى الخليفة رفضا أن يمنحا ضمانهما و أحدهما إسماعيل بن أبي المهاجر، ممّا جعل الخليفة التّقي يعزل الوالي و يعوّضه بإسماعيل هذا. لكنّ الروايات الموجودة في المصادر المغربية أو الأندلسية المتعلّقة بهذه الفترة القديمة، لا يمكن أن تعتمد حرفيا. فهذه الرواية قد تدخل في تيّار كامل يقصد إلى التركيز على تقى عمر بن عبد العزيز و رعايته للمسلمين و ميله القوي إلى العدل و الإنصاف، كما ينزع على المستوى المحلّي إلى الإلحاح على تديّن إسماعيل بن أبي المهاجر الذي عمل على‏

____________

(1)Dennett ,Conversion and the Poll -tax ,p .21 .

(2) انظر: ص 22- 23.

95

نشر الإسلام في إفريقية. و تذكّرنا هذه الرواية بقصّة أبي الصّيداء و هي موجودة في الطبري‏ (1). أبو الصّيداء أيضا كان ضمن وفد أرسله والي خراسان إلى عمر بن عبد العزيز لضمان سياسته الجبائية و الاجتماعية، و هو أيضا رفض ضمانه و أدان هذه السياسة. و هكذا يبدو أنّ هذا المسلك لم يكن موجودا فقط بالنسبة إلى إفريقية بل و أيضا خراسان و هي، مثل إفريقية، نائية عن المركز و يصعب مراقبتها. و بالتالي فهذه القصّة قد تكون صحيحة، و إذا لم تكن كذلك فما يهمّ أنها تؤيّد خبر إرسال قسط سنوي من الجباية إلى الخليفة لا ندري مبلغه في هذه الفترة بالذات.

لكن لو نزلنا في محطّة الزّمان و توقّفنا في عهد هارون الرّشيد قبل انتصاب الإمارة الأغلبية في سنة 184 ه، يأتي نصّ للجهشياري- و يبدو أنه من منبع رسمي- ليمدّنا بالمبالغ القادمة إلى بغداد من مختلف الولايات. فيقول إنّ إفريقية كانت ترسل إلى بيت المال المركزي 13 مليون درهم و 120 بساطا. و هذا رقم هائل يفوق ما ذكر لنا عن جباية أرمينيا، و همذان و دستباء معا، و أصفهان و جرجان، و قد كانت إيران مقسّمة إلى مقاطعات مهيكلة. و إذا فكّرنا بأنّ الأراضي التي تدرّ الكثير لا تتجاوز إفريقية الجغرافية و الزّاب و طرابلس و عمل طنجة حيث الزّراعة و الحضارة، و أنّ مغرب الرّحّل الشاسع العميق ينفلت دون شك من الجباية المنتظمة- و هذا ما يفسّر غزوات النهب المطّردة إلى فترة متأخرة- يقوى تخميننا بأنّ هذا المبلغ مرتفع أو أنّ إفريقية كانت تحوي إمكانات اقتصادية محترمة، و هذا ما عرف عنها في العهد الرّوماني. و أخيرا فإنّ هذا المبلغ المذكور لا يمثّل إلّا بقيّة إنتاج الجباية بعد طرح المصاريف المحليّة و هي ضخمة في كلّ ما يتعلّق بالمقاتلة و الجيش.

إنّ الإشارة المرقّمة للجهشياري‏ (2) و الدقيقة تدمج إفريقية ضمن‏

____________

(1) الطبري، م. س، ج 6، ص 559؛ فلهاوزن، م. س، ص 284.

(2) الوزراء و الكتّاب، م. س، ص 281. و هذا قبل 184 ه. و قبل نكبة البرامكة لأن هذا التقدير قام به كاتب و قدّمه ليحيى بن خالد.

96

مجموعة ولايات دار الإسلام باعتبارها جزءا منها و وحدة تشبه الوحدات الأخرى بل وحدة مهمة نسبيا. و انطلاقا من هذا، فهي خاضعة بالضرورة إلى نفس الآليات الجبائية. لقد كانت إفريقية قطعا أرضا خاضعة للخراج‏ (1) مثلما تشهد على ذلك أيضا مصادر مختلفة كمدوّنة سحنون‏ (2) و فتوح مصر لابن عبد الحكم. هذه المصادر لا تقيم الدليل القاطع إذا ما أخذت منعزلة، أمّا إذا أدمجناها في نسق عام و فهمناها حقّ فهمها فإنها توصلنا إلى هذه القناعة.

هل يمكن الاعتماد على مصادر فقهية متأخّرة لتدقيق وضع إفريقية الجبائي، من مثل الدّاودي و ابن أبي زيد القيرواني و ملخّصه المتأخّر المغربي الفاسي‏ (3)؟ فهي تتحدّث عن أرض العنوة و أرض الصّلح أو أنّ أرض إفريقية كلّها أرض عنوة و هي الفكرة الغالبة، و يعني هذا أرض خراج و جزية. في هذه النّصوص يوجد دون شكّ جانب نظري و هي بعد ذلك متأخّرة زمنيا، لكنّ الجانب التاريخي الموروث عن القدامى و المسلّط على واقع كان موجودا لا يمكن الطعن فيه. و الكتب الفقهية أقرب إلى الماضي ممّا هي إلى حاضرها بالذّات، لأنّ الماضي يمثّل‏

____________

(1) لفظة" خراج" قد تعني الضريبة بالمعنى العامّ أو ضريبة الأرض خاصّة. كذلك،" الجزية" قد تعني نفس الشي‏ء أو بصفة خاصّة الضريبة على الرؤوس: دانات، مرجع مذكور، ص ص 12- 13.

(2) المدوّنة، ج 11، ص ص 175 و 200. سحنون يطرح أسئلة على ابن القاسم بخصوص" الخراج" دون الإشارة إلى وضع إفريقية و بصفة عامّة. إنّ أسئلة المدوّنة تتبع في بعض الأحيان عن كثب إشكاليات" أسدية" ابن الفرات، لكنّ سحنونا لا بدّ أنه اعتمد على تجربته الذاتية. و وسط مساءلات خيالية أو نظرية، نستشفّ أيضا مشاكل قد تطرأ في الواقع. فمثلا تحصل إجارات أراض خراجية أو أراضي" صلح". و ابن القاسم يعطي حلوله مستشهدا بما يجري في مصر، ص 175. و يمكن للمؤرّخ أن يرجع إلى المدوّنة شرط أن يحسن تأويل هذا الحوار بين الفقيهين في اتّجاه ما هو حسّي و واقعي من وراء الإمكانات الخيالية المطروحة.

(3) الأجوبة الفاسية تسترجع إشكاليات كانت قائمة زمن ابن أبي زيد و لعلّ هذا الأخير يرجع هو أيضا إلى سوابق قديمة. فتقول إنّ الجبال أراضي" صلح" و السهول أراضي" عنوة" أي خاضعة للخراج.

97

السابقة و القاعدة، و هذا نراه حتّى في كتاب الخراج لأبي يوسف حيث يرجع إلى تنظيمات عمر بن الخطاب بخصوص السواد في عهد الرشيد.

فالماضي يختلف حسب الزّمن: هو قريب نسبيا عند أبي يوسف و سحنون، و هو بعيد عند ابن أبي زيد، لكنّ المسافة في الحقيقة هي نفسها لأن هذا الماضي خارج عن الزمنية، منفلت عن قبضة التّطور، حامل للواقع الأصلي و للقاعدة معا.

الجباية تتنوع حسب الأصناف الاجتماعية: ففي إفريقية بقايا من الرّوم المزارعين و الحضر، و كذلك وفرة من الأفارق و هم كما ذكرنا آنفا بربر مترومينون و متمسّحون، مزارعون و مدنيون مستقرّون، و أخيرا هناك قبائل البربر الممتدة على كلّ أرض المغرب من رحّل و جبليين. إنّا لا نعلم شيئا عن ممتلكات الكنيسة و قد كانت شاسعة زمن الرّومان و الفندال و البيزنطيين و لا بدّ أنّ قسما منها بقي و آخر وزّع إمّا على الجند أو على رؤساء العرب كقطائع، و هذا ما حصل على الأرجح فيما يخصّ كبار الملّاكين البيزنطيين التي وزّعت، إنّما بقي وضعها كما هي، أي أرض خراج يقيم عليها الفلاحون من خدمة الأرض. كل المجال المنتظم كان يدفع الخراج و الجزية أو الصدقة بالنسبة للمسلمين، و قد فرضت عهود صلح على أهل الجبال من البربر، أي أنهم يدفعون نقدا أو عينا مبلغا جمليا حصل عليه الاتفاق عند الصلح. و كانت القبائل تلتزم بعدد من العبيد أو رؤوس الأنعام في أولى فترات تنظيم الولاية. و لم يكن هذا غنيمة، فقد توقفت المقاومة البربرية بعد هزيمة الكاهنة و أقحم النوميديون و أهل طنجة في مغامرة فتح الأندلس، و لا ندري هل وقع تدخّل عسكري في الأعماق الجنوبية للمغرب الأقصى على سبيل النهب و الغنيمة مثلا.

و هذا العالم غير المنتظم قد كان على الأرجح عالما وحشيا كما يقول ابن خلدون لم تمسسه الحضارات المتوسّطية فيما قبل. أمّا القبائل التي عرفها العرب من برقة إلى طنجة فقد أسلمت لأسباب جبائية و اقتصادية و اجتماعية و لأن العرب أشركوا عددا منها في الجهاد في الأندلس في‏

98

أعماق المغرب الجنوبية، و هذا ما سيحدث مشاكل لأنّ المفترض أنّ الأحكام القديمة تكون لاغية، و من الممكن أنّ إسماعيل بن أبي المهاجر (100- 101 ه) والي عمر بن عبد العزيز قد غيّرها و أوقف كذلك استيلاء العرب على ملكية أرض الخراج ملكية فردية كما حصل ذلك في الشرق‏ (1). و لعلّ الأسلمة ذاتها تمّت في عهد هذا الوالي.

و من الأرجح أنه وقع تراجع في مثل هذه السياسة في عهد الخليفة يزيد بن عبد الملك و أنّ الوالي يزيد بن أبي مسلم أراد إخراج البربر و الموالي الجدد من القيروان و إرجاعهم إلى مواقعهم الأصلية و لو كانوا مسلمين، و قد ذكر ابن الأثير أنّ هذا القرار كان سبب قتله من طرف الجند البربر (2). و جدير بالتذكير أنّ هذا الوالي اتّبع هنا مسلك سيّده الحجّاج الذي أطرد النازحين المتأسلمين من أهل السّواد و أرجعهم إلى قراهم لأسباب جبائية. و في نفس المنحى كان العمّال يحرّكون من وقت إلى آخر الممارسات القديمة من عهود جائرة و ابتزاز للعبيد في المغرب الأوسط و الأقصى و كأنّ المغرب ما زال أرض غنيمة لم يسلم بعد.

و ابتزازات الوالي عبيد اللّه ابن الحبحاب يجب أن تؤوّل في هذا المعنى.

فابن الأثير (3) يذكر أنّ العامل على طنجة عمر بن عبد اللّه المرادي «أراد أن يخمّس البربر المسلمين و ادّعى أنّهم في‏ء للمسلمين» أي غنيمة يأخذ السلطان خمسها كالمعهود. و يقول ابن العذاري «كذلك حدث أنّ عمر بن عبد اللّه المرادي، عامل طنجة و ما والاها، أساء السيرة و تعدّى‏

____________

(1) فلهاوزن، م. س، ص 285.

(2) ابن الأثير، الكامل، ج 4، ص 182، يؤكّد أنّ رغبة هذا الوالي في إرجاع البربر المتأسلمين إلى قراهم هي سبب قتله و هذا خلافا لما يذكره غيره من المؤرّخين من مثل ابن عبد الحكم، ص 288، و ابن العذاري ص 48. حيث يقولان إنّ سبب قتله هو قراره بوشم أيدي الحرس البربر، و قد بدا لهم ذلك إهانة لا تقبل. تفسير ابن الأثير أكثر معقولية لكنّ الحرس هم الذين قتلوه و ليس أعلاج البربر. من الممكن أنّ السّببين تضافرا في عملية القتل هذه.

(3) الكامل، ج 4، ص 223.

99

في الصدقات و العشر و أراد تخميس البربر» (1). و قد أثار الرجوع إلى هذه الوضعية القديمة كما هو متوقّع انتفاضة البربر في سنة 122 ه. و بعد مرور ثلاث عشرة سنة على هذا التاريخ رفض عبد الرحمان بن حبيب قبول أمر المنصور في إرسال العبيد البربر كاتبا إليه:

«إنّ إفريقية اليوم إسلامية كلّها و قد انقطع السّبي منها» (2)، و كان هذا سبب القطيعة بين عبد الرحمان و أبي جعفر.

إذن توقّف تيّار السّبي و إرسال العبيد بصفة مؤكّدة حوالى 137- 138 ه. و يجب أن نفهم أنّ الأسلمة الكاملة تمّت في هذا التاريخ و الأرجح أنها تمّت فيما قبل، في عهد هشام بن عبد الملك (105- 125 ه). و مشكلة العبيد هذه لا يبدو أنها كانت نتيجة غارات خالصة و عنيفة بعد زمن موسى بن نصير حيث وجدت بالفعل آنذاك و إنما نتيجة ابتزازات من طرف الحكم العربي و جشع مركز الخلافة، أي اعتبار البربر كأهل ذمّة و ليس كمسلمين و في بعض الأحيان كغنيمة حتّى في زمن السّلم. لعلّ هذا المشكل يفسّر أسلمة أغلبية البربر و ليس فقط النوميديين الأوائل من جماعة الكاهنة. و هذه الظاهرة، من وراء المسألة الجبائية، تسترعي الانتباه. ففي هذه الفترة لم يحصل إسلام العجم المغلوبين إلّا في خراسان في العهد العباسي طوال القرن الثاني و ليس في لحظة سريعة، فلم يسلم الفرس و لا النبطيون من أهل السواد و لا القبط في العهد الأموي و قليلا ما أسلموا في العهد العباسي الأوّل. ذلك أنّ البربر، خارج إفريقية بالمعنى المضبوط، كانوا قبائل رحّل لم يدخلوا في المسيحية قبلا و أنّ العرب، كما قلنا، أشركوا قسما كبيرا منهم في الجهاد. و هذا النمط من التركيبة الاجتماعية و الدينية سنجده فيما بعد عند الأتراك و التركمان و هم أيضا دخلوا في الإسلام بسرعة. أمّا الحضر، فيحافظون على ديانتهم و يقبلون بالجباية في كل بلاد الإسلام و هذا ما حدث في إفريقية، حيث‏

____________

(1) البيان المغرب، ج 1، ص ص 51- 52.

(2) البيان، ج 1، ص 67.

100

الرّوم و الأفارق و البربر الخارجون عن الإطار القبلي يدفعون دون شكّ الخراج و الجزية و يخضعون للقانون العام للجباية الإسلامية.

لقد ذكرنا مقولة ابن عبد الحكم بخصوص وضع الخراج على عجم إفريقية و على البربر المتمسّحين من طرف حسّان. و هي قولة صحيحة دون شك، لكنّ هذا التنظيم لم يرتكز و لم يتبلور إلّا حول سنة 100 ه. أو قبل ذلك بقليل، و تبقى مشكلة البربر في المغرب- و هو ما يلي إفريقية في اتجاه الغرب- مطروحة و غير واضحة إلى حدود ولاية عبد الرحمان بن حبيب باستثناء السوس الأدنى (طنجة). و رجوعا إلى مشمولات ديوان الخراج، فمن الواضح أنّ هذه الإدارة تتصرّف في الجزية على الرؤوس و إلّا لوجد ديوان خاصّ بها و من الممكن أيضا في الصّدقات و الأعشار و الرّزق. فهو جهاز الجباية بامتياز و له مراقبة شاملة لها. أمّا عن السكّة و ضرب النقود، فلا نعلم من يهتمّ بها، أهو صاحب الخراج أم بيت المال أم الوالي مباشرة، و لا بدّ على أية حال أنه وجد موظّفون خاصّون بها لتنفيذ الأوامر. و هذا ما كانت عليه بيت المال و هي مؤسّسة جدّ مهمّة، و المشكلة التي تطرح إزاءها هي هل كانت تجمّع كلّ الأموال المقبوضة من الضرائب أم القسم الذي يرجع للأمير بعد توزيع العطاء من طرف ديوان الجند و رؤساء الأسباع أو الأخماس و العرفاء.

فحسب التقليد و منذ زمن عمر، كان بيت المال يضمّ ما يرجع لمركز الخلافة من خمس الغنيمة و ما تبقى من الجباية بعد المصاريف المحليّة في زمن معاوية.

و يدير بيت المال موظّف مسؤول مغاير لصاحب الخراج، لكن تحت المراقبة المباشرة للأمير الذي كان يتصرّف فيه كما يشاء. و لنا شهادات على ذلك، منها ما ذكره ابن العذاري بشأن حنظلة بن صفوان في العهد الأموي‏ (1) و قد فتح بيت المال رأسا و أخذ منه المقدار اللازم‏

____________

(1) البيان، ج 1، ص 60:" العدول" ليسوا موظّفين ذوي خصوصية. المقصود أناس يستثاق بهم. يقول ابن الرّقيق: «أهل خير و دين»، ورقة 25.

101

لعودته إلى الشرق، لكن بحضور القاضي و «العدول» و المفهوم الأخير متأخّر زمنيا، كما ذكر لنا كتاب الأغاني أنّ يزيد بن حاتم المهلّبي، في العهد العبّاسي، أمر خازنه أن يعطي لابن المولى، الشاعر الذي مدحه، كلّ ما تحوي الخزينة عندئذ أي 000، 20 دينار (1). و واضح أنّ هذا المبلغ مبالغ فيه كثيرا ككلّ ما ورد في الأغاني بشأن الهبات للشّعراء حتّى في البلاط العبّاسي ذاته. إنّما هذه النادرة توضّح سيادة الوالي المطلقة على بيت المال و هذا ما يهمّنا، على أنّ المهلّبيين كانوا أشبه بالأمراء المستقلّين و مثّلوا النموذج الذي ستحتذيه الإمارة الأغلبية.

أمّا ديوان البريد فوظيفته الأصلية هي توجيه البريد الرّسمي إمّا داخل الولاية، بين الأمير و العمّال و القوّاد، أو بين الأمير و عاصمة الخلافة و العكس بالعكس. و هذه المهمّة أساسية في سياسة أيّة إمبراطورية شاسعة و متمركزة، و البريد الإسلامي مأخوذ عن السّاسانيين و له محطات و مراحل محدّدة تبلّغ الأخبار و الأوامر باستمرار و سرعة، فهو منتظم جدا.

و يقول لنا برانشفيك‏ (2) إنّ إفريقية استنسخته من المشرق و كان استعماله يتّسم بالجودة في هذه الفترة إلّا أنّه تلاشى فيما بعد، مثلا في العهد الحفصي، ربّما لتلاشي الإمبراطورية ذاتها. هذا الدّور الاتّصالي دور سياسي لأنه يربّط المركز بالأطراف و يرسّخ سيادة الدولة الإسلامية، و له دور سياسي آخر و حكومي و ليس بالإداري فقط، إذ إنّ صاحب البريد يتقمّص فعليا وظيفة المسؤول عن المخابرات، فهو عين الخليفة على الجهات، مثله كمثل" مبعوثي السلطان" في المملكة الكارولنجية أيّام" شارلمان"(missi dominici) . إلّا أنّ هؤلاء المبعوثين كانوا متفقّدين دوريين و كان صاحب البريد مستقرّا على الدوام في الولاية و لم يكن مراقبا فقط بل و أيضا يقيّم سياسة الوالي. فمثلا تدخّل صاحب البريد بمعيّة أهمّ القواد العسكريين لدى الخليفة لإعلامه بضعف الوالي‏

____________

(1) الأغاني، ج 3، ص 290.

(2)Hafsides ، ج 2، ص 65.

102

روح بن حاتم و الإشارة باستبداله و هذا ما حصل‏ (1). و من الأرجح إذن أن يكون صاحب البريد معيّنا مباشرة من الإدارة الخليفية و ليس من الوالي و إلّا فقد استقلالية رأيه.

و لعلّ صاحب البريد من قلّة المسؤولين في الجهاز الإداري البحت الذين يتمتّعون بهذه الخطة السياسية لكن يجب إضافة القوّاد العسكريين خاصّة في العهد العبّاسي، و من الممكن و إلى حدّ ما قاضي القضاة كما سنرى ذلك. أمّا بقيّة المسؤولين عن الجهاز الإداري فعملهم تقني ملتزم بآليات مجرّبة و دواليب تشتغل لوحدها، فليس لهم أي باع في أي قرار، و هم بعد تحت سلطة الوالي يعيّنهم و يعزلهم كما يشاء، لكنّ سلطة الوالي محدودة من فوق و محدودة بحكم المعايير الإدارية و إلّا انخرم كلّ شي‏ء.

من هذا الوجه، أمكن أن نقول إنّ هذه الإدارة" عقلانية" حسب تعابير ماكس فيبر خصوصا في العهد العبّاسي حيث قويت سلطة الوزير و الإدارة، و هذا خلافا لما روّج عن استبدادية الحكم الإسلامي و اعتباطيته." فالكتّاب" المسؤولون على الإدارة لهم خبرة و هناك تراتبية و كانت لهم أجور معيّنة، و هذا يجري عليه الأمر في إفريقية كما في مصر، لأنّ الولايات إنّما هي صورة مصغّرة عن الجهاز المركزي.

و لكلّ بيروقراطية قوّة مقاومة ذاتية و ازدادت هنا بكونها ورثت التقاليد البيزنطية السابقة و لكون الموظّفين في الأوّل من غير العرب و متضامنين و واعين لجدواهم.

هنا تطرح نفسها مشكلة التواصل و الانقطاع بين النّظام القديم و النظام الجديد. فمن جهة، أن طبق النمط العربي العامّ على البلاد، يعني أنّه سيكون مهيمنا و أنّ له المقام الأوّل، و من جهة أخرى، فقد احتفظ بالتقنيات المحلّية في تفاصيل العمل الإداري. و قد راعى سادة البلاد الجدد مراحل التحوّلات في تشغيل الموظّفين و كذلك في استعمال التعبير

____________

(1) البيان، ج 1، ص 85.

103

اللغوي الملائم. فقد اختير الموظّفون في البداية من بين من اشتغلوا مع البيزنطيين، غير أنّ كبار الموظّفين رحلوا عن البلاد و لم تتبقّ إلّا الأصناف السفلى: قسم منهم من الرّوم و قسم آخر من الأفارق. أمّا الأقباط فلا يبدو أنّهم اعتمدوا في الإدارة القيروانية على أنهم اشتغلوا في دار صناعة السفن بتونس‏ (1) و بالرّغم من العلاقات الخاصة التي كانت تربط إفريقية بمصر حيث فتحت أمامهم الدواوين‏ (2). و على خلاف مصر، سادت هنا اللّغة اللاتينية و ليست اللغة اليونانية في ديوان الخراج و دار الضّرب لأسباب تاريخية معروفة.

و استعمل العرب في مرحلة ثانية مواليهم المتأسلمين و المتعرّبين، و مفهوم المولى ليس هو مفهوم أهل الذمّة. فالموالي أقحموا في المدينة العربية- الإسلامية و دخلوا في القبيلة العربية المستوطنة، فهم كالعرب مع وضعية اجتماعية دنيا. و أوّل من بدأ استعمالهم في الجيش و الإدارة موسى بن نصير. و مع تقدّم عملية التّعريب الإداري الذي يبدو أنه تمّ حوالى 100 ه/ 718 م، لا شك أنّ العنصر العربي الخالص دخل الدّواوين، لكنّ أهل الذمّة من المسيحيين ما زالوا يستعملون، و لعلّه قلّل من عددهم. فلنا نصّ من المدوّنة، يتجلّى من خلاله أنّ القضاة كانوا يستعملون كتبة من أهل الذمّة في العهد الأغلبي الأوّل، و إذن فبصفة أحرى أن كانت الإدارة الجبائية تستعملهم‏ (3). و قد احتفظت لنا المصادر على الأقلّ باسم كاتب في ديوان الرّسائل و هذا في الثلث الأوّل من القرن الثاني للهجرة أي في العهد الأموي، و يدلّ لقبه الإفريقي أنه من الأفارق، فاسمه خالد بن ربيعة الإفريقي، يذكره البلاذري في فتوحه. و بالتالي من‏

____________

(1) ح. مؤنس، فتح العرب ...، م. س، ص 62- 261.

(2) الجهشياري، كتاب الوزراء، م. س، ص 34؛ المقريزي، خطط، ج 1، م. س، ص 175.

(3) المدوّنة، ج 12، م. س، ص 146. يقول ابن القاسم: «يجب منع استعمال أهل الذمّة في أحوال المسلمين». يعني هذا أنّ المشكل مطروح على مستوى كلّ الإدارة و ليس فقط على خطّة القضاء التي اتّبعت دون شك سلوك الإدارة.

104

الخطأ أن يقول هوبكنز: «إنّ أوّل كاتب وصلنا اسمه في بلاد البربر هو هذا عبد الملك المذكور آنفا ككاتب لإدريس الثاني» (1).

و ورد في طبقات أبي العرب أنه عرض على أبي زكريا يحيى بن سليمان الخرّاز الحفري (ت 237) أن يتولّى إدارة" ديوان إفريقية" (2)- و المقصود ديوان الخراج- لمعرفته بالحساب و علم الفرائض- و لا ندري بالضبط هل قبل أم رفض لأنه صار فيما بعد من رجال الدّين المرموقين.

و هو عربي كما يتبيّن جليا من اسمه، بل إن الكاتب الأوّل خالد بن ربيعة يقول عنه حسن حسني عبد الوهاب إنّه عربي و حتّى من الأشراف (الأعيان في هذه الفترة). و صحيح أنّ نسبة" إفريقي" في كتب المشارقة قد تنطبق على العرب المستقرّين بإفريقية. هذا ممكن تماما كما أنه ممكن أن يكون من الأفارق، من" سراة الموالي"، كما يقول ابن حبيب في المعبّر أي أولئك الذين لهم شرف في المجتمع و هم من الموالي.

و لقد كانت لخالد بن ربيعة علاقة بعبد الحميد بن يحيى المشهور بالكاتب، و كلّفه عبد الرحمان بن حبيب بتحرير رسالة المبايعة لمروان بن محمد (3)، و الأرجح أنه كلّف بحملها إلى دمشق حيث التقى صديقه عبد الحميد. أمّا الحفري، فوضعيته غير واضحة، و من الممكن أنه اشتغل مع الأغالبة لأنّ تاريخ ميلاده يبعث على الرّيبة، و من الأقرب أيضا و خلافا لما قلنا أن يكون مولى كما قد توحي بذلك مهنته كخرّاز. و على كلّ، حصل تعاون و تداول بين العرب و الموالي المعرّبين على خدمة الإدارة، و قد جذبوا إليها متى كانت لهم ثقافة الكاتب طوال القرن الثاني ليكونوا سندا للتعريب و مرتكزا لتعقّد الإدارة بمرور الزمن.

و ما يتضافر و يتماشى مع تعريب الموظّفين الكتبة هو تعريب العمل‏

____________

(1) هوبكنز، م. س، ص 11.

(2) أبو العرب، طبقات، ص 90.

(3) البلاذري، فتوح البلدان، ص 233؛ ح. ح. عبد الوهاب، ورقات، م. س، ص 152- 153.