تأسيس الغرب الإسلامي‏

- هشام جعيط المزيد...
262 /
105

الإداري ذاته أي الأداة اللغوية. فإذا كان ديوان الرسائل و ديوان الجند معرّبا أصلا، فالمشكلة تطرح نفسها بالنسبة لديوان الخراج- لاتّصاله بأهل الذمّة- و للعملة. و لدينا معلومات عمّا طرأ من تعريب في المشرق فقد كانت ثورة لغوية حقيقية: تمّ تعريب هذا الديوان في 78 ه. بالعراق و 81 بسوريا و 87 بمصر (1)، لكن لا نعلم شيئا فيما يخصّ إفريقية لصمت المصادر عن الأمر. مع هذا، فصحيح أن علم النقود يمكّننا من التّعرف عن مراحل تعريب العملة و بالتالي يمكن إسقاط هذه المراحل بحذر على ديوان الخراج بإعمال القياس. و قد بيّن هذه المراحل ح. ح.

عبد الوهّاب في دراسة قيّمة و متينة و نحن نتّبعه في استنتاجاته‏ (2). و هذه المراحل أربع: في الأولى، النقود مكتوبة كلّها باللاتينية مع الاحتفاظ برموز بيزنطية من مثل صورة الإمبراطور و جزء من الصّليب لكن أيضا مع وجود التصريح بالشهادة الإسلامية دائما باللاتينية. في مرحلة ثانية، حذفت بعض الرّموز البيزنطية، و في الثالثة فقط تظهر الكتابة بالعربية في الوسط مع الحفاظ على الكتابة اللاتينية على الأطراف (95 ه) و أخيرا، ابتداء من حوالى 100 ه/ 718 م نجد دنانير مكتوبة تماما بالعربية و بالضبط، لو اتّبعنا ووكر، في سنة 102 ه (3).

في الحقيقة، هذه ثورة ثقافية بالغة الأهمية أتت بقرار من عبد الملك في المشرق أوّلا، فهي تحرّر من التبعية بالنسبة لبيزنطة في مجال حيوي، كما أنّ تعريب الديوان تحرّر من سلطة الكتّاب الأعاجم.

و لم يعد يكفي للإمبراطورية الإسلامية أن تكون قوية عسكريا بل كان عليها أن تتركّز كإمبراطورية قائمة بذاتها مكتسبة للغة و إدارة و بالتالي لحضارة. و هذا ما تبّين أيضا في ما قام به عبد الملك و ابنه الوليد في‏

____________

(1) البلاذري، فتوح، ص 196؛ الجهشياري، الوزراء، ص 38؛ المقريزي، الخطط، ج 1، ص 175؛ النويري، نهاية الأرب في فنون العرب، القاهرة 1931، ج 8، ص 199؛ عبد العزيز الدّوري، مادة" ديوان" في دائرة المعارف الإسلامية، ط 2.

(2) ورقات، م. س، ص ص 400- 406.

(3)Walker ,Catalogue ,op .cit .,p .99 .

106

المجال المعماري، حيث برز أسلوب إسلامي أدمج التأثيرات الخارجية و تجاوزها في القدس كما في دمشق و المدينة. و إفريقية إنّما هي جزء من دار الإسلام فتحت بأخرة و ينطبق عليها قرار عام و خيار حضاري و إمبراطوري، أي تعريب النقود بدءا من 75 ه في المركز و تعريب الدواوين بدءا من 80 ه. و بالتالي، فالمسألة هنا مسألة زمنية و مسألة إمكانيات تقنية. فكان لا بدّ من تركيز هيكل إداري و أكثر من ذلك و شيئا فشيئا كان يجب على العرب و الموالي المتعرّبين أن يكتسبوا القدرات الفنية التي كانت بأيدي الرّوم و الأفارق و أن يتمّ تكوينهم و تثاقفهم.

و ليس من شك في أنّ الأسلمة و التعريب كانا متماشيين يدا بيد، فالموالي كانوا بالضرورة مسلمين و إلّا فلا ولاء، و كان من الطبيعي أن يتّبع تطور الإدارة نبضات الجسم الاجتماعي ذاته. على أنّ لا نشك في وجود عناصر من الروم و الأفارق حتّى ضمن عملية التّعريب حذقوا العربية و لم يدخلوا في الإسلام، لكنّها عناصر مرتبتها دونية تعمل تحت إمرة العرب. فمسألة تعريب الإدارة تعني قبل كل شي‏ء اكتساب الرّقابة على دواليب حسّاسة في سياسة البشر، و بالتالي الإمعان في الإمساك بزمام الأمور في مستوى الإمبراطورية كما في مستوى الولاية. و من الأرجح أنّ هذه العملية في إفريقية شجّعها وال مثل إسماعيل بن أبي المهاجر، هذا الوالي الذي تفخّم المصادر من شأنه، لكنّها ابتدأت قبل ذلك و انتهت بعده في 102 ه كما ذكرنا. فالمسألة مسألة سياسة عامّة، و كانت العملية بطيئة إلى حدّ ما، بالخصوص على مستوى المقاطعات الجهوية و لم تتمّ حسب رأيي قبل 110 ه.

ماذا كانت علاقة هذه الإدارة بالإدارة المركزية، في دمشق أولا ثم في بغداد؟ فهي إنّما إدارة محلّية، و لذا يمكن التساؤل عمّا إذا كانت هناك صلات بالمصالح المركزية أم أنّ الإدارة كانت تخضع لسلطة الوالي فحسب، علما بأنه مرتبط بالخليفة و إدارته. هنا، يجب أن نتوقّف هنيهة.

فالبيروقراطية الأموية ليست كالبيروقراطية العبّاسية، فالأولى كانت بسيطة

107

و الثانية أكثر تعقّدا لتكوّن جسم الكتّاب بصفة مهيكلة و لبروز وظيفة الوزير و هو رئيس الإدارة، و قد اتّسعت و تعمّقت هذه الوظيفة في القرن الثالث و فيما بعد، حتّى صار الوزير الرّكن الأساسي للدولة بعد الخليفة. ففي العهد الأموي، كان الولاة مستقلّين في إدارتهم و كانت الولاية بمثابة دولة محلّية و الدواوين لا صلة لها بمماثليها في دمشق سوى ديوان الرسائل، لأنّ الدواوين في العاصمة كانت تهتمّ بخراج و جند بلاد الشام. و كان يصعب مراقبة تصرّف الولاة في الجباية- و هي أهمّ شي‏ء- و من هنا أتت عمليات المصادرة و التّعذيب للولاة باعتبارها محاسبة من نوع خاصّ.

من الممكن أنه وجد بدمشق ديوان عامّ للجند، إذ تتكلم المصادر عن" الديوان" عامّة دون تعريف، و إذ نرى الخليفة يسقط من الديوان عناصر و أصنافا و يحوّر و يغيّر. إلّا أنّ ديوان الجند في تعامله اليومي يبقى جهازا محليا بالأساس، لصلته بمقاتلة هذا المصر أو ذاك. و إذا كان الوالي ملتزما بقانون قارّ لمبالغ العطاءات، فهو يتصرّف في توزيعها في حالات الطوارئ و حسب إمكانات بيت المال. و الوالي في ولاية ما- هنا إفريقية- هو رئيس الجيش قبل كلّ حساب. و لعلّ دور الوالي أهمّ في كلّ ما يتعلّق بديوان الخراج و بالجباية بصفة عامّة، و هي ليست مسألة إدارية تقنية فحسب و إنّما سياسية بالأساس لعلاقتها الوطيدة بالسّكان المغلوبين و بالبشر في ولاية انبنت أصلا على الفتح و تولّدت عنه.

الذي حصل في العهد العبّاسي الأول هو تشعّب أكثر و تنظيم أكبر للبيروقراطية المركزية و تغيّرات هامّة في الأساليب الإدارية أثّرت دون شك على العلاقات مع الولايات. و نحن نعلم من كتاب الوزراء للجهشياري‏ (1) أنّ ديوان الخراج في العاصمة شهد اختصاصا جهويا، و أنيطت بقسم منه الإشراف على الشام و مصر و إفريقية، و يعني هذا رقابة أكبر على مداخيل الجباية في الولايات. فكان ديوان خراج إفريقية، باتفاق مع الوالي، يرسل حسابات مدقّقة إلى العاصمة بخصوص‏

____________

(1) وزراء، ص 287.

108

المداخيل. بصفة عامّة و خلافا للعهد الأموي، كان البلاط العبّاسي يستهلك أموالا طائلة و يوزّع مبالغ هامّة على القوّاد و كلّ من يخدم الدولة.

أمّا بالنسبة لبيت المال، فلا نرى مدى ارتباطه بالبيت المال المركزي خلافا لما قاله لي تورنو بكونه تبعا لبيت مال دمشق ثمّ بغداد (1).

فقد بقي تحت تصرّف الوالي الذي يأخذ منه ما هو لازم للمصاريف المحلية و يرسل ما تبقّى إلى العاصمة.

هنا فقط تكمن العلاقة بين بيت المال المحلّي و بيت المال المركزي، لكن من الممكن أن قدّمت حسابات للمصاريف إلى الإدارة المركزية في الفترة العباسية.

ماذا تعطينا هذه اللوحة العامّة عن الإدارة الإفريقية؟ و أية صورة نستخرج من ذلك؟ إنّ تنظيم إفريقية مماثل تماما لتنظيم الولايات الأخرى داخل إمبراطورية حقيقية مندمجة. فهي مهيكلة و هي محتوية على الأجهزة الأساسية المعهودة، و لا نرى هنا أية خصوصية تطبع هذه الرّقعة. و ليس حتّى من الضروري أن تكون الإمكانات البشرية و المالية أصغر حجما ممّا كانت عليه في ولايات أخرى، باستثناء مصر و العراق و خراسان. إنّما كانت الولاية مقطّعة بين إفريقية- بما في ذلك طرابلس و الزّاب- و بين بقيّة المغرب الشاسع، عالم القبائل. فإفريقية، بالمعنى المحدود، كانت المركز و النّواة و المعتمد في الإدارة. لكن بالمعنى القانوني كانت تضم كلّ المغرب و أيضا الأندلس إلى حدود تكوّن الإمارة الأموية.

و يبدو واضحا أنّ الإرث البيزنطي لعب دوره في فترة أوّلية، ثم اختفى عند ما تعرّبت الإدارة. فأضحت الولاية بدواليبها، باللغة المستعملة و بالآليات التي تحكمها خاضعة للنموذج الإسلامي العامّ.

الإدارة الجهوية

بالرّغم من قلّة المعلومات في نصوصنا، و بالرّغم من أنّ هذه‏

____________

(1) دائرة المعارف، ط: 2، مادة" بيت المال" (القسم الخاصّ بالغرب الإسلامي).

109

المعلومات متأخّرة زمنيا أو أتت من جغرافيين من أصل عراقي، فإنّ الكورة هي التي تمثّل دون شك الوحدة الإدارية الأساسية في جهات الولاية. فابن خرداذبة يتحدّث عن كورة تونس‏ (1)، لكنّ اليعقوبي يستعمل كلمة" عمل" بخصوص باغايا (2)، و ابن العذاري الذي أخذ عن سابقيه من مثل ابن الرّقيق يذكر" كور" إفريقية (3).

و يبقى التنظيم الجهوي ضبابيا، لأنّا إذا قبلنا بهذه التركيبة من كور- و هو شأن العراق و ولايات أخرى- فما هي علاقاتها بالتقسيمات الأكبر من مثل الأعمال، و ما هي علاقات النظام الإداري الجهوي بالنظام العسكري؟

لقد حاول جورج مارسي أن يطرح بعض الأفكار اعتمادا على مسح اليعقوبي الجغرافي لإفريقية و هو يصحّ على عهد الأغالبة و لا يصحّ بالضرورة على عهد الولاة (4). لنفترض، مع هذا، أنّ ما هو أغلبي في حقل المؤسّسات، يمكن اعتباره إرثا للعهد السابق، و أنّ هذا ينطبق أساسا على أوّل عهد الأغالبة و آخر عهد الولاة عملا بقانون الاستمرارية في كل ما هو بنيوي.

إنّ جورج مارسي افترض وجود منطقتين إداريتين مختلفتين في القرن الثالث الهجري/ التاسع ميلادي: منطقة شرقية تتماثل مع البروقنصلية و" البيزاسان" أي شمال و جنوب تونس الحالية، و تكون تخضع لإدارة مدنية و جبائية يشرف عليها عمّال؛ و منطقة غربية تتماهى مع الزّاب (نوميديا القديمة) تكون منطقة حدودية عسكرية تحت إمرة ولاة.

لكنّ هذا المؤرّخ مرتبك بسبب إشارة النصوص إلى عمّال في منطقة الزاب هذه في مثل بغايا و سطيف. و من الواضح في رأينا أن يكونوا عمّالا

____________

(1) كتاب المسالك و الممالك، مترجم بالفرنسية بعنوان:Description du Maghreb et de l`Europe ، نشر الحاج صادق، الجزائر 1949، ص 16.

(2) البلدان، طبعة النجف الأشرف، ص 102.

(3) البيان، ج 2، ص 132.

(4)

G. Georges Marcais,>> La Berberie au IX 0 siecle d`apres el- Ya`qubi < <, Revue Africaine, 1491, pp. 35- 45.

.

110

على الكور و بالتالي عناصر جباية و إدارة، لأنّ بغايا و ستيف كانتا كورتين، أي وحدتين إداريتين، و إذا وجد وال عام و قد وجد فعلا بلقب أمير، فهو مشرف على الكلّ و له مهامّ عسكرية بالأساس كما سنوضّح ذلك.

من المعروف أنّ الإدارة البيزنطية (1) قسّمت مقاطعة إفريقيا (الإيكزاركا) إلى ستّ دوائر إدارية مدنية كبرى على رأسها" برازيداس"praesides و هم بمثابة العمّال:" البروكنصلار" و" البيزاسان" (مزاق) و طرابلس و نوميديا و موريطانيا الأولى (طنجة) و موريطانيا الثانية. لقد بقيت بعض هذه التقسيمات من مثل طرابلس و نوميديا و السوس الأدنى و السوس الأقصى، أمّا إفريقية ذاتها فلم تنشطر إداريا إلى شطرين شمالي و جنوبي. و تفتّتت هذه الأعمال الكبرى إلى كور، و اعتمدت الإدارة العربية على هذه الوحدة الصغيرة أكثر ممّا اعتمدت على التجمّعات الجهوية الكبرى التي قد تكون تستجيب إلى متطلّبات عسكرية أكثر ممّا تستجيب إلى متطلّبات جبائية أو إدارية محضة.

و حسب الأولوية التي تعطى إلى هذه أو تلك من المهامّ، يقع الاعتماد على التقسيم الكبير أو الصغير بالرّغم من التّمييز النّسبي بين العمل العسكري و العمل الجبائي في الفترة البيزنطية كما في الفترة العربية.

فللظروف إذن قولها في الأمر.

فالزّاب كان من أوّل عهد الفتوحات ثغرا عسكريا مهمّا (2): فهنا قتل عقبة، و هنا قامت المقاومة البربرية مع الكاهنة. و الوعي بالذّات و المقدرة على المبادرة التاريخية كان موجودا من زمن الرّومان، و هنا تكوّنت الممالك البربرية في عهد الرّومان ثم القندال و البيزنطيين‏ (3). لكنّ الممالك زالت و دخل أبناء الزّاب في دوّامة الفتوحات مع العرب،

____________

(1)

Charles Diehl, Afrique Byzantine, I, p. 011, II, pp. 3- 294

. إنّا لا نعتبر هنا صاردينيا.

(2) كما ذكرنا سابقا، لنا بأيدينا وزن من بلّور مؤرّخ ب 127 ه. نقش عليه اسم وال لميلة:

Ann. de l`Inst. d`Et. Orient d`Alger, III, 7391, p. 7

. (3)Chs .Courtois ,Les Vandales et l`Afrique .

111

و داست أقدامهم أرض الأندلس. إنّما بعد اندلاع الثورات الخارجية- البربرية، طغى الطابع العسكري على هذه المقاطعة دون أن تخبو الإدارة المدنية المرتبطة بكثرة المدن و السّكان.

لقد عيّنت شخصيات كبيرة كعمّال على الزّاب، و لفظة" عامل" مرنة قابلة للتكييف يمكن تطبيقها على مجرّد مجمّع للضرائب أو بالعكس على وال حقيقي ممتدّ الصلاحيات من مثل الفضل بن روح. بل أكثر من ذلك و في آخر لحظات هذه الفترة، كان إبراهيم بن الأغلب يحمل لقب" أمير الزّاب"، و لفظة أمير تعني في الوقت نفسه أوّلا القيادة العسكرية و بعد ذلك السّلطة الشاملة. و يبدو واضحا أنّ الرّشيد عيّنه في هذا المنصب مباشرة متجاوزا بذلك سلطة الوالي العكّي‏ (1). إنّما كان ابن الأغلب دائما تبعا للوالي العامّ، على الأقلّ نظريا، مع أنه كان يتصرّف إزاءه كالزميل و الند في الواقع. فهناك شي‏ء من الالتباس في هذه العلاقة بين والي إفريقية و والي الزاب و فوقهما الخليفة، أي بين الثالوث المتحكّم في مصائر البلاد بالمعنى الواسع و المؤسّساتي في آن واحد.

و لقد برزت في نفس الوقت طرابلس كملجأ للسلطة القيروانية المهدّدة آنذاك على الدّوام، إمّا في أوّل العهد العبّاسي من طرف الخوارج، و إمّا في آخر فترة الولاة من طرف الجند. و ممّا له معنى أنّ والي طرابلس في هذه اللحظة الأخيرة كان يموضع نفسه كالمدافع عن السّلطة الشرعية القائمة أي سلطة والي القيروان.

و ما له معنى أكثر أنّ الثوار من الجند كانوا يعتبرونه كذلك. فابن الجارود مثلا، قائد انتفاضة تونس، توجّه إلى والي طرابلس كي يستولي على السلطة الشرعية في القيروان مكان الوالي الذي أخرج منها.

يقول ابن العذاري‏ (2): «و في سنة 179، كتب ابن الجارود المتغلب على إفريقية إلى يحيى بن موسى و هو بإطرابلس أن: أقدم‏

____________

(1) البيان، ج 1، ص 92.

(2) م. ن، ص 88.

112

القيروان فإني مسلّم إليك سلطانها».

المهمّ هنا هو اللجوء إلى والي طرابلس كحامل ذي اعتبار للشرعية، و الشرعية هي البقاء في الطاعة- مفهوم مهمّ جدا- و من وراء و من فوق ذلك كلّه الخليفة. و كأنّ ولاية إفريقية، سياسيا و إداريا و عسكريا، في وضعها القانوني العامّ مهيكلة في تلك الفترة حول ثلاثة فضاءات و ثلاث سلط كبيرة: القيروان، و الزّاب، و طرابلس. أمّا رقعة طنجة- السوس الأدنى- فموجودة لكنّها بعيدة، و كذلك السّوس الأقصى و حتّى الأندلس قبل سنة 137 ه. فقلب الحضور العربي هي إفريقية الكبيرة، من الزّاب إلى طرابلس. و بالتالي، فسيكون لهاتين المقاطعتين قول في حسم مشكل انحلال السلطة السياسية بالقيروان و في إفريقية عامّة للأسباب التي ذكرناها، و بصفة خاصّة لأنّ الزّاب و طرابلس لهما قدرة على التدخل العسكري.

إلّا أنّ الزّاب هو الذي سيفرز مؤسّس الدولة الأغلبية، ذاك النمط الجديد في صياغة الإمارة المتماشي أكثر مع متطلّبات العصر، لأنّ الزّاب مكتسب لقاعدة اقتصادية أمتن ممّا هي عليه في طرابلس، و لأنّ موقعه وسط في المغرب يجعله قادرا على الإطلال على كلّ البلاد، و لأنّ له أيضا تاريخا ممتدّا في إفراز الممالك، و أخيرا لاكتسابه بصفته ثغرا لقوّة عسكرية عتيدة.

و لئن كانت الوظيفة العسكرية أساس و معتمد قادة هذه المقاطعات الثلاث الشاسعة، و الطاغية على قوّتهم و نشاطهم، فلهؤلاء الولاة أيضا مهمّة مراقبة العمل الإداري و الجبائي الذي ينشغل بالأساس على مستوى الكور و عمّالها. و إذا كان كبار الولاة في طرابلس و الزّاب يعملون تحت سلطة و إشراف والي القيروان في جميع مواطن شغلهم، فهذا الإشراف يقع في أعلى الهرم و ليس في التفاصيل و هو محدود على أرضية الواقع كما رأينا. فالكور تابعة مباشرة وكيلا لهؤلاء الولاة الثلاثة، و إذن فوالي القيروان لا يشرف بالفعل إلّا على كور إفريقية بالمعنى الضيّق أي تونس‏

113

الحالية. لكنّ الجباية العامّة المرسلة إلى بغداد، جباية الولاية الكبرى، يقع تجميعها و إرسالها في القيروان و تحت مسؤولية الأمير الأعلى. هنا تتمركز السلطة جليّا. أمّا بخصوص الحجج على هذا التّحليل المقدّم، فلنا وزن من البلّوز من الزّاب مؤرّخ في 127 ه، و هو قديم إذن، ترد فيه لفظة" والي" أي والي الزّاب بهذه التسمية الرسمية (1)، و لنا شواهد من زمن الإمام عبد الوهاب الرستمي عن تسمية السمح بن أبي الخطاب" كوال" على طرابلس و تحته عدد من العمّال على الكور، و لا بدّ أنّ عبد الوهاب اتّبع إجراءات قديمة.

و لنلخّص قولنا: ولاة المقاطعات الكبرى تطغى على مسؤولياتهم الصفة العسكرية، لكن في إفريقية بالذّات برز قوّاد للجيش مهنيون يعملون تحت إمرة الوالي و قد يثورون عليه حسب الظروف. إنّما لم تغطّ الوظيفة العسكرية لدى الولاة و لم تلغ أبدا الوظيفة الجبائية و الإدارية المفوّضة تحت رقابتهم لعمّال الكور. لكنّ هؤلاء كانوا أيضا، إمّا في بعض الأحيان و إمّا على الدّوام، متقمّصين في دائرتهم للسلطة العامة خصوصا في المدن- الثغور حيث يوجد حضور عسكري. أمّا كيف يقع اللّجوء للقوّة العامّة و هل كانوا يقودونها، فلا نعلم عن ذلك شيئا بالذّات.

فالكورة كانت قبل كل حساب تقسيما جبائيا و هكذا كانت تعتبر في مصر و غيرها من الولايات، كما أنّ العامل كان يسمّى في أوراق البردي‏ (2) والي‏

____________

(1) اليعقوبي، البلدان، ص 102؛ الشمّاخي، كتاب السير، ص 181. لكنّ الألفاظ التي يستعملها الشّمّاخي متأخّرة و غير دقيقة بخصوص المناصب و الجهات: مثلا" حوزة" طرابلس، أو" الخراج" على الأسواق (و هي المكوس) ص 146. و هو ينعت ابن الأشعث ب" عامل الجند"، ص 135، و كان أميرا و واليا. إنّ غياب الدقة في التعابير لدى الشّمّاخي لا يمنع من الاعتماد على مؤلّفه لاحتوائه على معلومات قديمة و مفيدة.

(2)

Grohmann,>> Probleme der arabischen Papyrus forschung < <, Archiv Orientalni, III, 2, aout 1981, p. 983

. يتحدّث عن عاملين مديرين للشؤون المالية و يعني صاحب الخراج أو، كما يقول، والي الخراج المزاحم لوالي الحرب أو الصلاة. لم يوجد مثل هذا المنصب بإفريقية.

و إذا كانت الكورة في الأصل تقسيما جبائيا، فعامل الكورة له أيضا مسؤوليات عامّة و ليست فقط جبائية.

114

الخراج، و صاحب الخراج، لكن قد يعني ذلك اختصاصا على مستوى جملة الولاية.

إنّما و كما نرى في رقاع أخرى من دار الإسلام، كان العامل الجهوي يمثّل الوالي على كلّ المستويات مع عمّال مختصّين بالخراج تحت إشرافه. هذا يظهر جليّا في كتاب البيان المغرب‏ (1) لابن العذاري حيث نرى، ملتصقة بهذا الحدث أو ذاك، الجوانب المتعدّدة لسلطة العامل و التي تبدو كسلطة كاملة. فمثلا نجد أنّ عامل كورة تبرقة- و هو سليمان بن زياد- يقود الحامية المحلية و يلبس السلاح كي يدافع عن السّلطة الشرعية. هنا تطرح نفسها مشكلة العلاقات بين ما هو عسكري و ما هو مدني على مستوى الكور. فنحن نرى، في آخر فترتنا، أنّ تمّام بن تميم، عامل تونس، أخذ قيادة انتفاضة للجند (2)، و نرى كذلك أنّ الوالي الفضل بن روح أرسل جيشا عتيدا إلى تونس تحت إمرة عامل جديد (3) لضرب ثورة ابن الجارود- و قد احتدم الجيشان فعلا-. و هكذا نتيقّن أنّ العامل يمثّل الوالي على جميع المستويات و بالخصوص على مستوى القيادة العسكرية، لكن نتساءل عمّا إذا لم يكن هؤلاء العمّال من أصل عسكري بحت أدخلوا في هذه الوظيفة في فترة قوي فيها دور الجيش و كثر فيها الاضطراب، فاحتيج إليهم و إلى مهاراتهم و اختلط دور العامل بدور القائد.

صحيح أنّ تونس كان لها دور عسكري ممتاز بإفريقية و أنّ من المعقول أن يكون عاملها عاملا عسكريا قبل كلّ حساب أي أن تطغى عليه هذه الصفة، و لا ندري هنا ما إذا كانت الجباية تبعا له أو تبعا لديوان الخراج بالقيروان، لكنّ توزيع العطاء يقع على عين المكان و هو أمر ذو أهميّة قصوى و بالتالي يستوجب أن يكون العامل متمكّنا من أموال‏

____________

(1) البيان، ج 1، ص 68.

(2) م. ن، ص 89.

(3) م. ن، ص 87.

115

الجباية. و أخيرا، إذا كان العامل يتقمّص الوظيفة العسكرية، فلا يمكن أن توجد في تونس ثنائية بين عامل عسكري و آخر مدني، فالسلطة كانت موحّدة في إفريقية كما في كامل المغرب- حتّى في السوس الأدنى حسب المصادر (1)- في جانبيها العسكري و المدني. و أن يكون العامل قائدا عسكريا ذا مهارة، فلا يعني ذلك أنّ الجيش كجسم متخصّص ابتلغ وظيفة العامل عن طريق قوّاد يمثّلونه و إلّا لما حصلت انتفاضات الجند. كلّ عامل يمثّل السلطة السياسية في مجملها، إنّما من بدء الوجود العربي في المغرب بل في كل دار الإسلام، ما هو سياسي، إضافة إلى الشرعية، يكون بالضرورة عسكريا أي قادرا على تولّي القيادة و هذا آت من ماهية عملية الفتح ذاتها.

مع هذا، في بعض الكور و في أوائل الفترة الأغلبية، نجد في مقاطعة واحدة مدينة لإقامة العامل و أخرى لإقامة القيادة العسكرية الجهوية أو على الأقلّ تضمّ الحامية (2). لكن في الجملة تلحظ في إفريقية الكبرى نفس التطوّر الذي حدث قديما في العهد البيزنطي‏ (3) تحت ضغط الظروف و تكاثر الثورات و هو أنّ" الدّوقات" (ج. دوق) نجحوا في انتزاع أغلب مهامّ الpraesides المدنيين، و يعني هذا غرس تفوّق الوظيفة العسكرية على الوظيفة المدنية.

و إذا كانت معلوماتنا منقوصة عن هذا التطوّر في مستوى الكورة، ففي مستوى الولاية و الولايات الكبرى التي تحت رعايتها، اتّضحت الأولوية العسكرية أكثر فأكثر و اعتمدت في تعيين الولاة و تنظيم السلطات.

____________

(1) ابن خلدون، العبر، ترجمة فرنسيةHistoire des Berbery ، ج 1، ص 237. يقول إنّ ابن الحبحاب وجّه ابنه إسماعيل ليحكم السوس و ما تلا هذه الكورة من الجهات.

(2) اليعقوبي، بلدان، ترجمة فيات‏Wiet ، ص 214.

(3)Ch .Diehl ,op .cit .,II ,p .894 .

116

جدول المناطق الإدارية في عهد الولاة

1- منطقة إفريقية بالمعنى المحدود (1). المركز: القيروان.

الكور أو المقاطعات/ المراكز تونس/ تونس‏

جزيرة شريك/ نوبة (2)

باجة/ باجة

صطفورة/ صطفورة

تبرقة/ تبرقة

القيروان/ القيروان‏

قصّودة/ مذكورة (3) أو القصرين‏

قسطيلية/ توزر

قفصة/ قفصة

قابس/ قابس‏ (4)

نفزاوة/ بشري‏

2- طرابلس. المركز: طرابلس‏

طرابلس/ طرابلس‏

____________

(1) نلحظ هنا شيئا من التماهي تقريبا بين التقسيمات المدنية و التقسيمات العسكرية، كما تراصّ شبكات الكور في إفريقية.

(2) و ليس نواتية كما قرأ ذلك غاستون فيات، البلدان، ص 210. انظر في هذا المقام:

R.

Brunschvig,>> A propos d`un toponyme tunisien: Nuba- Nubiya < <, Revue Tunisienne, 5391, pp, 941- 551.

(3) البلدان، ص 101؛ ابن رسته، كتاب الأعلاق النّفيسة، ص 349، ج 7،B .G .A ؛ عبد الوهاب، فصل مذكور>>Steppes Tunisiennes< < ,p .01 . لكن يوجد شك بخصوص" مذكورة" كمركز في هذه الفترة لأن اليعقوبي يقول:" و المدينة التي يقيم بها العمّال الآن هي مذكورة"، هذا في الفترة الأغلبية كما لو كان زمان لم يكن فيه هذا الأمر. أمّا البيان المغرب، فيعتبر أنّ" القصرين" هي مقرّ العمّال في عهد زيادة اللّه أي في أوائل الدولة الأغلبية.

(4) البيان، ج 1، في عدّة صفحات؛ الشمّاخي، كتاب السير، ص 128.

117

لبدة/ لبدة (1)

سرت/ سرت‏ (2)

فزّان/ جرمة

زويلة/ زويلة

3- الزّاب. المركز: طبنة (3)

ميلة/ ميلة

بغاية/ بغاية

سطيف/ سطيف‏

نقاوس/ نقاوس‏

مقّرة/ مقّرة

بللّزمة/ بللّزمة

4- السّوس الأدنى‏ (4). المركز: طنجة

5- السّوس الأقصى. المركز: طرقلة (5)

هذا الجدول إنّما هو محاولة للتّنميط و لا يمكن أن يعتبر استنباطا نهائيا. فالمعلومات تنقصنا لكي يكون منضبطا تماما و البعض منها مستقى من التنظيم الأغلبي في القرن الثالث هجري/ التاسع ميلادي أو يقع ذكرها ضمن وصف الأحداث السياسية. و الملاحظ أنّ الكور تتّخذ تسمية المدينة المركزية في الأغلب، و مثل هذا التّنظيم، نعني مدينة محاطة بترابها، نجده في إيران في نفس الفترة الإسلامية و هو إرث من‏

____________

(1) البيان، ج 1، ص 98.

(2) م. ن، ص 99، حيث يتحدّث عن" عمل" سرت؛ الشمّاخي، كتاب السّير ص 143.

يقول إنّ عمر بن يمكنن كان عامل أبي الخطاب على سرت.

(3) البلدان، ص 102: «و قصبة الزّاب هي طبنة حيث يقيم الولاة».

(4) البيان، ص 52.

(5) ابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان، ج 5،B .G .A ، ص 81: «حاضرة السوس الأقصى هي طرقلة»؛ نفس الشي‏ء لدى ياقوت، معجم البلدان، ج 6، ص 32: «قصبة السوس الأقصى».

118

الساسانيين؛ و بالتالي هنا يجب فحص الإرث البيزنطي اعتمادا على علم النقوش و النقود، علما بأنّ تغييرات مهمّة حصلت في الفترة الإسلامية.

و نلحظ أخيرا في هذا الجدول أنّ شبكة الكور متراصّة و أنّ السّلطة العربية منغرسة رامية بعروقها على التّراب الإفريقي، الشرقي منه بالخصوص، إذ لا نعلم إلّا القليل عن وضع المغرب الأقصى. و نلحظ كذلك شبه تطابق بين المناطق العسكرية (انظر الجدول) و المناطق المدنية.

التّنظيم القضائي‏

لقد سبق أن عالج هوبكنزHopkins بعض جوانب التّنظيم القضائي في إفريقية في عهد الولاة (1). و سنكمل هذا التحليل مع زيادة بعض التدقيقات.

منذ أكثر من قرن عاش الاستشراق فيما يخصّ دراسة القضاء الإسلامي الأوّلي على جملة من الأفكار غير مدعومة بكفاية و إن كانت على الأرجح قريبة من الواقع، و هذا من غولدتسيهر (2) إلى" شاخت" (3). و هذه الآراء متناقضة تماما مع نظرة التقليد الإسلامي إلى القضاء في العهد الأموي و العبّاسي الأوّل. و لهذا التّناقض أسباب منها أنّ المسلمين كانوا يعتبرون أنّ القضاة إنّما يقضون حسب القرآن و السنة، و المستشرقون، خاصّة شاخت، يرون أن لا وجود للسنّة و الحديث في القرن الأوّل الهجري و بالتالي فإنّ القضاة في أحكامهم كانوا يجتهدون حسب متطلّبات المجتمع و الدولة و كانوا إنّما موظّفين مفوّضين للقضاء و تابعين للخليفة و الولاة (4)، فهم إداريون قبل كلّ حساب.

____________

(1) هوبكنز، م. س، ص 112- 127.

(2)

J. Goldziher, Muhammedanische Studien, Halle, 0981, II, pp. 93- 04; E. Tyan, Histoire de l`organisation judiciaire ..., op. cit, II, pp. 3- 91.

(3)

J. Schacht, The origins of Muhammadan Jurisprudence, Oxford, 1591; Id., An Introduction to Islamic Law, Oxford, 4691, pp. 32- 72, 94- 65.

(4)J .Schacht ,An Introduction ... ,op .cit .,p .42 -52 .

119

و أكثر من ذلك يرى شاخت أنّ الفقه الذي برز في القرن الثاني و كذلك الأحاديث المتّصلة بالقانون هي نتاج و زبدة لمجهود قضاة القرن الأوّل أي ما يسمّى بjurisprudence . و الحقيقة أنّ هذه النظرية لا تعتمد على حجج كافية لأنّ لا نكاد نعرف شيئا عن اجتهادات القضاة الأمويين و ليست لنا باستثناء مصر (1) أعمال مونوغرافية عن الأمر. أمّا نظرية وضع الحديث في الثلث الأوّل من القرن الثاني الهجري فيعتمد فيها شاخت بالأساس على قراءة لكتاب الرّسالة للشافعي حيث يظهر الصّراع بين الفقهاء الأوائل المعتمدين على اجتهادات الفترة الأموية و بين أهل الحديث الجدد المعتمدين على تقنين جديد مغلّف في الحديث و آخذ منه سلطته. و قد طغى هذا التيّار في العهد العبّاسي الأوّل إلى درجة أن رأى مالك ضرورة تغليف أحكام فقهية قديمة في غلاف الحديث لكي يتماشى مع التيّار.

هذه النظرة ذات أهمية بالغة، لكنّها ليست مدعمة بكفاية، و هل يمكن ذلك؟ ما هو مهمّ من وجهة المؤسّسات و تاريخها أنّ القاضي كان يعيّن من الوالي أو الخليفة، في الكوفة مثلا و البصرة من بين الأشراف أو الأوساط القريبة منهم من مثل شريح، و نرى في تاريخ الطبري أنّ القاضي كان شخصية مرموقة في المجتمع الأموي لكن خاضعة للسلطة. و هكذا أمضى قاضي الكوفة مع كبار الأشراف و القوّاد على التّهمة الموجّهة من طرف زياد بن أبيه إلى حجر بن عديّ و أصحابه و المرسلة إلى معاوية.

بصفة أو بأخرى، كان القاضي مرتبطا إلى حدّ ما بالدّين لأنه مجبر أن يحكم بالقرآن و لو لم يوجد حديث و كان عليه أن يجتهد في سياسة العدالة. و دون شك و كما في كل المجتمعات، كان القضاء و العدالة من ركائز السلطة و الوجود الاجتماعي و أعني بالسلطة هنا مفهوما أدبيا لا قسريا مختلفا في أصله الجاهلي عن الحكم السياسي. القاضي كان حكما

____________

(1) أعمال‏Schimmel وBergotrasser على وجه الخصوص، لكن في فترات تالية.

120

في أصل وجوده، لكنّ ارتباطه بالسلطة السياسية جعلت أحكامه تنفّذ لكنّ الولاة غير مرتهنين دائما بها و لهم بعد ذلك دائرة قضائية ذات علاقة بالأمن العامّ و الجرائم و كلّ ما يمسّ الدّماء.

إذا كان القاضي في الولايات و في الفترة الأموية يعيّن من طرف الوالي، فقد حدثت تغيّرات في العهد العبّاسي و في القرن الثاني‏ (1)، إذ صار القاضي يعيّن من طرف الخليفة، فتحرّرت الوظيفة من رقابة الوالي و سلطته. هذه هي الصورة التي قدّمها الاستشراق، لكن صحيح أنّ القاضي في القرن الثاني صار شخصا مرموقا مقرّبا من الخليفة في المركز من مثل أبي يوسف و الرشيد و لعلّ له سلطة ممتدّة على كلّ الولاية و يستشار في القضايا المالية و العدلية كما يظهر من خلال كتاب الخراج، إذ يعتمد على سنّة الرسول و الرّاشدين‏ (2). و كبرت الوظيفة في القرن الثالث حيث غدا القاضي مسموع الكلمة في المسائل الدينية البحتة و اللاهوتية (مثال ابن أبي دؤاد و المأمون).

لكن ماذا عن إفريقية في فترتنا؟ إنّ فحص المصادر لا يمكّننا من الاتفاق مع نظرة شاخت أي التسمية من طرف الولاة في العهد الأموي و من طرف الخليفة في العهد العبّاسي. قد يكون هذا الأمر يجري على المركز أي العراق. في إفريقية نرى أنّ الولاة يقومون بتسميات القضاة و عزلهم في بعض الأحيان كما نرى الخلفاء في أحيان أخرى يقومون أنفسهم بالتّعيينات و هذا خلال الدولتين. فالمسألة إذن أبعد من أن تخضع لصورة مبسّطة، كما أنّ فكرة القطيعة بين العهدين تستحقّ التّعديل.

إنّ أوّل قاض على إفريقية عيّنه موسى بن نصير و هو أبو الجهم عبد الرحمان بن رافع التنوخي‏ (3). لكن فيما بعد عيّن عمر بن‏

____________

(1)J .Schacht ,op .cit .,p .05 .

(2) كتاب الخراج لا يعتمد كثيرا على الرأي، و إنّما فيما يخصّ تنظيم الجباية في السّواد عمّا قاله أو فعله عمر، و في غير ذلك على آثار الصحابة و أحاديث الرسول.

(3) المالكي، رياض النّفوس، ص 72.

121

عبد العزيز نفسه عبد اللّه بن المغيرة بن أبي بردة (1) و ليس الوالي إسماعيل بن أبي المهاجر. و بنفس الكيفية عيّن مروان بن محمد عبد الرحمان بن زياد في المرّة الأولى من قضائه و عيّنه أبو جعفر المنصور في فترته الثانية (2). لكن في المقابل و هنا في الفترة العبّاسية نسجّل عزل الوالي يزيد بن حاتم لقاضيين على الأقلّ هما عبد الرحمان بن زياد (3) و يزيد بن الطّفيل‏ (4) و تسميته ماتع الرّعيني‏ (5).

و يبدو أنّ ابن فرّوخ تحصّل على قضائه العابر من تعيين روح بن حاتم له‏ (6) و نفس الشي‏ء بالنسبة لخليفته ابن غانم.

و هكذا يتدخّل خليفتان أمويان في تعيين قضاة إفريقية (7) رأسا في حين أنّ ولاة من العهد العباسي لم يتردّدوا في تسميتهم و عزلهم، و هذا خلافا للصورة الاستشراقية التي قد لا تنطبق إلّا على المركز. و حقيقة الأمر أنّ إفريقية القرن الثاني كان لها وضع خاص و لا يمكن أن تمثّل كلّ دار الإسلام في هذا الصّدد، فهي بعيدة جدا و شاسعة، و الولاة المهلّبيون خاصة كان لهم هامش استثنائي من الاستقلالية، و أخيرا يجب استعمال مصادرنا المتأخّرة زمنيا بكثير من الحذر و الاحتراز. مع هذا، لا نرى موجبا في أن يختلق التقليد المغربي و قد جمّعه أبو العرب و المالكي مثل هذه التفاصيل و بهذه الكيفية.

و إذا كان هذا التقليد يريد أن يثبت شيئا تجاوزا للحقيقة التاريخية فهو أن ينسب للخليفة عددا كبيرا من تعيينات القضاة كي يرفع من شأن هذه الخطة و يعليها. فهذا التقليد تكوّن في العهد الأغلبي حيث برز وسط

____________

(1) المالكي، رياض النفوس، ص 82.

(2) م. ن، ص 102.

(3) م. ن، ص 102.

(4) م. ن، ص 111؛ أبو العرب، طبقات، ص 34.

(5) المالكي، رياض، ص 101.

(6) طبقات، ص 35؛ رياض، ص 118.

(7) و أيضا قاضي الجند من طرف هشام: رياض، ص 75.

122

علمي و فقهي متماسك و ارتفعت وظيفة القضاء إلى درجة أن صار مزاحما للإمارة في قيادة المجتمع، و بالتالي فقد يكون يجنح إلى خلق سوابق من عهد الولاة. و هذا ما لم يفعله، إذ نسب تعيينات كثيرة إلى الوالي. و نحن نعلم أنّ الرأي العام في القيروان و في أوائل العهد الأغلبي يمنح قيمة كبيرة لامتياز التسمية من طرف الخليفة نفسه. و نجد معلومة لدى أبي العرب و المالكي و كذلك النّباهي‏ (1) تفيد أنّ جدلا طرأ في القيروان في الوسط العلمي حول كيفية تسمية ابن غانم: هل هي صادرة عن الخليفة أم عن الوالي، و المقصود هنا الأمير الأغلبي على الأرجح. فأصدقاء القاضي ادّعوا للرفع من شأنه- و من الممكن لتركيز استقلاليته بالنسبة للأمير- أنه يدين بتعيينه للخليفة. غير أنّ القاضي كذّبهم و اعترف أنّ تعيينه يعود إلى الأمير- الوالي.

هل هذا يعني أنّ التقليد هنا اختلق هذه القصة لتعزيز سلطة الوالي في أوائل الفترة الأغلبية و الرّفع من صورته؟ هذا ممكن. لكنّ الجوّ العدواني تجاه الأمراء المحليين كان طاغيا على الأدب المنقبي في إفريقية و بالتالي فنحن نقبل بما ورد فيه بخصوص دور الولاة في تسمية القضاة إلى حدود آخر الفترة التي نبحثها.

أمّا فيما يخصّ توزيع المهامّ العدلية بين القاضي و الوالي، فلم تكن الأمور واضحة. قد وجد دون شك تنافس بين الاثنين خصوصا عند ما دوّن الفقه فقويت تطلّعات القضاة و مطامحهم. هكذا نشهد تلاميذ مالك في الفسطاط مثلا يتساءلون عمّا إذا كانت أحكام الوالي صالحة و صحيحة و هل كان من حقها أن تكون نافذة المفعول مثل أحكام القاضي‏ (2) حيث لا تعتمد على الشريعة بكفاية. و كما في الفسطاط لا بدّ أنّ والي إفريقية تمادى على ممارسة القضاء بنفسه في أحيان عديدة، بحيث تختلط علينا

____________

(1) طبقات، ص 44- 43؛ رياض، ص 147- 148؛ النباهي، تاريخ ...، ص 25، و هو يؤكّد أنّ التعيين تمّ بأمر من الرّشيد.

(2) المدوّنة، ج 12، ص 146.

123

الأمور فلا نعرف بالضبط ما يعود إلى الوالي شخصيا و إلى شرطته و ما يعود إلى القاضي و محكمته. يبدو- و قد ذكرنا ذلك من قبل- أنّ للوالي تعود القضايا السياسية و لو أنّ ما يجري في هذا الميدان الحسّاس لا يمسّ أبدا بالعدالة فهي أحكام اعتباطية دون محاكمة و تعود إليه أيضا قضايا الدّماء و غير ذلك من الجرائم، و للشرطة حقّ سجن المشبوه فيهم.

و يهتمّ القاضي من جهته بالقضايا المدنية من مثل الزّواج و الطلاق و الميراث و على الأرجح يقوم بتطبيق الحدود باستثناء القتل الذي يعود للوالي. و لا توجد في فترتنا هذه أيّة إشارة إلى صلاحيات القاضي بخصوص قضايا السوق التي سيمارسها صاحب السوق و المحتسب لاحقا، و نفس الشي‏ء بخصوص المظالم. من الأقرب أن وجدت هذه المؤسّسات من زمن المهلّبيين رغم ما تذكره المصادر من أنّ سحنون هو الذي دشّن الحسبة، لأنّ سحنون في رأينا لم يفعل سوى أن أعطى لهذه المؤسّسة نفسا جديدا و أخضعها لسلطة القاضي‏ (1). و نحن نعلم كذلك أنّ سحنون كان له صاحب مظالم تحت تصرّفه‏ (2) و أنه عبّر عن طموحه في الاستيلاء على جانب من حقل القضاء الاستثنائي التابع عادة للأمير من مثل مجال السياسة و مجال الدماء و هذا تحت غطاء مدّ كبير لمهامّه القضائية العادية (3) و بارتباط كلّ ذلك بهالته الشخصية إذ غدا الفقيه المشرّع هو القاضي المنفّذ و هي وضعية جديدة تماما.

لقد كان اللّقب الصحيح لقاضي القيروان هو" قاضي إفريقية" ما دام لم يوجد بعد في المغرب الإسلامي لقب" قاضي الجماعة" الذي يقول عنه النّباهي إنه لقب جديد لم يوجد في الماضي‏ (4). و نصّب عدد من القضاة المحلّيين في مراكز الكور، و كان يتمّ تعيينهم من طرف العمّال‏

____________

(1) رياض النفوس، ص 279.

(2) طبقات، ص 1.

(3) رياض، ص 276 و 82- 281.

(4) النباهي، تاريخ ...، ص 21.

124

المحليين‏ (1) لكنّهم يقعون تحت رقابة قاضي إفريقية و هم مجبرون على تطبيق أوامره و أحكامه‏ (2).

و توفّر لنا المصادر إشارات متفرّقة عن كيفية ممارسة القضاء في القيروان. فكان القاضي يقضي في الجامع الأكبر (3)، إلّا أنه قد يجلس للقضاء في بيته و هو ما لا يحبّذه الفقه و الفقهاء (4). و له خاتم شخصي تحت تصرّفه يختم به أحكامه‏ (5)، و ديوان أي سجلّ يرجع إليه و تسجّل فيه القضايا و الأحكام‏ (6)، و أعوان للتنفيذ و كتبة (7)، هذا على الأقلّ في آخر فترة الولاة و في عهد هارون الرشيد حيث انتظمت المؤسّسة القضائية و اشتدّ عودها في المركز و الولايات.

هل كان القاضي يتقاضى راتبا أو مكافأة من الإدارة على عمله هذا؟

الأقرب أنّ الأمر كان كذلك سواء بالنسبة لشخصه أو بالنسبة لموظّفيه، لأنّ منصبه كان منصبا إداريا متّصلا بالسلطة و أساسيا بالنسبة للمجتمع، و لأنّ كلّ من يقوم بدوره في المجتمع بما في ذلك الجندي يتقاضى عطاء. و نظرا لمهمّته العليا، لا بدّ أنّ الوالي كان يغدق عليه هبات‏ (8)، و كان يأخذ هدايا من متقاضيه.

و من الصّعب في هذه الفترة أن نعرف مدى استقلالية القاضي عن الجهاز الإداري، فقد حصلت تغيّرات بين خلافة عبد الملك و خلافة الرّشيد و اشتدّ عود العامل الديني و تكوّنت الشريعة شيئا فشيئا، و على كلّ‏

____________

(1) هذا ثابت في العهد الأغلبي:Vonderheyden ,Berberie ,op ,cit .,p .822 . في فترات لاحقة، نرى أن قضاة إفريقية يعيّنون القضاة المحلّيين، لكنّ الأمير يتدخّل في بعض الأحيان في التّسميات: هوبكنز، م. س، ص 124.

(2) المدوّنة، ج 12، ص 146.

(3) أبو العرب، طبقات، ص 33؛ المالكي، رياض، ص 111.

(4) المدوّنة، ج 12، ص 144.

(5) المالكي، رياض، ص 100.

(6) أبو العرب، طبقات، ص 34.

(7) المدوّنة، ج 12، ص 146.

(8) المالكي، رياض، ص 100، يؤكّد أنّ عبد الرحمان بن زياد لم يكن يقبل الهدايا.

125

الاستقلالية متوقّفة كثيرا على شخصية صاحب اللّقب. غير أنّه و مهما كان الأمر فإنّ القاضي معتبر كموظّف سام للسلطة و يعيّنه صاحب الحكم السياسي، فهو مرتبط شاء أم أبي بالنّظام القائم. رغم ذلك فإنّ قامته أكبر لأنّ الوظيفة العدلية تفترض الموضوعية و التّسامي عن الضغوطات و قدرا من النزاهة، و هي مرتبطة في الحضارة الإسلامية بسلطة الدّين أي القرآن ثم السنّة و الفقه أي بالمركّب دين/ علم. و لكلّ ذلك هيبة و احترام في نفوس النّاس.

و لذا، قد يحدث أن يفوّض له الأمير صلاحياته، كما يحدث في فترات الاضطراب و الفتنة أن يفرض سلطته على الجميع و في حالة شغور الحكم أن يظهر بمظهر زعيم الجماعة و المدافع عن حرمتها، كما فعل ذلك أبو كريب في سنة 139- 140 ه حيث أخذ قيادة المعركة ضد الخوارج على أبواب القيروان‏ (1).

إنّ وجود مثل هذا التقليد السياسي و العسكري ضمن القضاء الإفريقي يعود في جانب كبير منه إلى وعي حادّ عند هؤلاء بكونهم يتقمّصون سلطة روحية انبنت شيئا فشيئا. و هذا ما يفسّر الدّور الذي قام به بعد ذلك أسد بن الفرات، و هذا الدّور يطبع القضاء الإفريقي بصفة خاصّة و أكثر ممّا يجري عليه ذلك في الشرق. و دون شك، كان القضاة في القرن الثاني منخرطين في سلك العلم و مؤتمنين على و منفّذين للشريعة الإلهية.

و هكذا نتصوّر بسهولة أنّهم تأثّروا بتيار الزّهد و الورع الذي نحت الحساسية الدينية لزمانهم و فيما بعد زمانهم و أنه وجد نزوع، هنا كما في الشرق، إلى الهروب من القضاء إمّا تورّعا من الاختلاط بدنس السّلطة و إمّا كموقف خاصّ بفئة اجتماعية تصبو إلى زرع الهيبة في صدور الشّعب. و ترسّخت هذه النزعة في العهد الأغلبي، لكنّ جذورها كانت موجودة من قبل. و لقد مثّل فعلا ابن فرّوخ بامتياز هذا الموقف الإسلامي‏

____________

(1) المالكي، رياض، ص 107- 110: قاوم عاصم بن جميل.

126

في الفترة التي نبحثها (1). فكتب المناقب أخرجت لنا إخراجا مشاهد من هذا الموقف مفصّلة، لكنّ المادّة التاريخية الموجودة متأخّرة على الأرجح و وقع إسقاطها على الماضي، إلّا أنها تحوي جانبا كبيرا من الصحة.

لم يحفظ لنا أي شي‏ء عن أحكام القضاة(Jurisprudence) الإفريقيين في العهد الأموي، لكن إذا اتّبعنا نظرية شاخت، لا بدّ أنهم كانوا يعتمدون على القرآن في أسس التشريع، إنّما القرآن لا يجيب على كلّ المسائل التفصيلية التي تطرأ على الدّوام. و من الممكن أنهم اتّبعوا إلى حدّ ما القانون الرّوماني‏ (2) الذي كان طاغيا على إفريقية قبل الفتح كما حصل في الشام و في بيروت على الخصوص‏ (3). و لا بدّ أيضا أنهم اجتهدوا و استنبطوا أحكاما و أنّ هذه الأحكام صارت تراثا مشتركا، لكن لم يحدث في إفريقية أنّ هذه الأحكام غدت قاعدة للحديث أو للتشريع الفقهي. لقد تمّ هذا العمل في الكوفة وحدها حسب شاخت و في رأينا في المدينة أيضا حيث دور الفقهاء السبعة و الدور الأساسي لعمل أهل المدينة لدى مالك.

و هكذا بعد أن تمّ تكوين المذهبين الأوّلين- الحنفي و المالكي‏ (4)- الأكثر اتّصالا بالأصول الأوّلية للتقنين، و قبل أن يطغى الحديث على الفقه و يبتلعه، تقبّل الإفريقيون الحلول الشرقية للقانون، كما تقبّل البربر الفكر الخارجي البصري، أوّلا الفقه العراقي و ثانيا فقه مالك و أخيرا حلول سفيان الثّوري.

و لقد كان أسد بن الفرات حنفيا مالكيا، كما أنّ الأغالبة الأوائل‏

____________

(1) أبو العرب، طبقات، ص 35؛ المالكي، رياض ص 118؛ هوبكنز، م. س، ص 115 116.

(2)

P. Crone, Roman, provincial; J. Schacht, The Origins ..., op. cit., and Int. to Islamic Law, op. cit.

(3) بيروت كانت قاعدة لإنتاج القانون الروماني، و تمادى هذا التقليد في الإسلام حيث هناك برز الأوزاعي.

(4) شاخت لا يسمّيها مذاهب، حيث هذا المفهوم برز فيما بعد و إنّما المدرستين القديمتين معارضة بالشافعية و الحنبلية:The Origins ... .

127

شجعوا المذهب العراقي لقربه من الخليفة العبّاسي. لكن في فترتنا هذه- أي إلى حدود 184 ه.- لم يأخذ هذا المذهب أو بالأحرى هذه المدرسة شكله النهائي و كان بصدد التكوين مع أبي يوسف و بالخصوص مع الشّيباني و هما من تلاميذ أبي حنيفة و مالك في آن واحد، لكنّ" الأسدية" و هي سابقة عن المدوّنة اعتمدت عليهما. و كان مالك يدرّس في تلك الفترة- توفي 179 ه.- و انبثّ تلاميذه في مصر من أمثال ابن القاسم و اللّيث بن سعد، و قد بقيا وفيّين لشيخهما خلافا للشّافعي الذي رحل إلى مصر هو أيضا فكوّن مدرسة.

و قد كان تأثير مصر كبيرا في تقبّل المذهب المالكي في إفريقية، لما للبلدين من علاقات وطيدة منذ الفتح و بسبب القرب الجغرافي. و يروي النّباهي أنّ ابن غانم كان يرسل أسئلة إلى مالك بخصوص المشاكل الفقهية الشائكة، و كان هذا يجيب عن طريق ابن كنانة (1). و هكذا يبدو المغرب تابعا للشرق المركزي‏ (2) الذي أفرز المدارس الفقهية، مثله في ذلك كمثل كلّ ولايات الأطراف بما في ذلك مصر و خراسان.

لكنّ المصادر لم تحتفظ لنا بمحتوى الأحكام القضائية لا في الفترة الأموية كما ذكرنا و لا في الفترة العبّاسية. فوكيع بن خلف، صاحب كتاب أخبار القضاة لا يذكر شيئا عن إفريقية. حتى في العهد الأغلبي، حيث راجت المذاهب و استوعبت، لسنا ندري هل أنّ المدوّنة كانت في عرضها المطوّل للمسائل الممكنة- و حتى الخيالية على الأغلب- كانت تستعرض مشاكل واقعية طرحت نفسها على القضاة السابقين. و كلّ ما يذكر عن سيرة سحنون هي مواقف من السلطة و القوّاد- أي مناقب-

____________

(1) النباهي، تاريخ ...، ص 25. لا ننسى أيضا أنّ مدرسة مالك راجت في الأندلس اعتمادا على تأثير الإفريقيين و المصريين من ورائهم. و الأثر الكبير في الفقه المالكي هو واضحة ابن حبيب.

(2) يبدو ذلك بوضوح في كتب الطبقات المغربية: مثلا أبو العرب، طبقات، ص 34- 37؛ و المالكي، رياض، ص 115. و لا يذكر وكيع في أخبار القضاة، القاهرة 1950، شيئا عن إسهام قضاة إفريقية في إبداع القانون.

128

و ليست أحكامه القضائية؛ و المسألة في الحقيقة تستحقّ الاستقصاء و البحث المعمّق.

بخصوص أسماء القضاة و تواريخهم، ليست لدينا أيّة قائمة جاهزة من المصادر، إنّما يمكن تلافي هذا النقص بالاعتماد على كتب التراجم.

لقد ذكر هوبكنز بعض الأسماء و سنحاول إنجاز قائمة مكتملة.

قائمة قضاة إفريقية

أبو الجهم عبد الرحمان بن رافع التنوخي: تولّى سنة 84، توفي 113 (1).

عبد اللّه بن المغيرة بن أبي بردة (2): 100- 123 ه.

عبد الرحمان بن عقبة الغفاري‏ (3): 123- 129 ه.

عبد الرحمان بن زياد (4): 129- 132 ه.

أبو كريب‏ (5): 132- 139 ه.

عبد الرحمان بن زياد (6): (للمرّة الثانية): 144- 155 ه.

ماتع بن عبد الرحمان الرّعيني‏ (7): 155-؟ ه.

يزيد بن الطّفيل‏ (8):؟- 171 ه.

ابن فرّوخ‏ (9): 171- 171 ه.

____________

(1) يقول المالكي، رياض، ص 72، إنّ موسى بن نصير هو الذي عيّنه في سنة 80 و يتبعه هوبكنز في تورخته:Medieval ، ص 116. لكنّا لا نقبل بتولية موسى على إفريقية و المغرب قبل سنة 84. فتاريخ 80 ه. مغلوط إذن.

(2) المالكي، رياض، ص 81. عوّض في سنة 123 عند مجي‏ء كلثوم بن عياض.

(3) م. ن، ص 82.

(4) م. ن، ص 101- 102.

(5) م. ن، ص 101، 107 و 110.

(6) أبو العرب، طبقات، ص 32؛ المالكي، رياض، ص 102.

(7) الخشني، نشرة بن شنب، الجزائر 1914، ص 234؛ المالكي، رياض، ص 101.

(8) أبو العرب، ص 33؛ المالكي، رياض، ص 101 و 111.

(9) أبو العرب، طبقات، ص 35؛ الخشني، م. س، ص 235؛ المالكي، رياض، ص 114 و 118؛ النّباهي، تاريخ ...، ص 25.

129

- عبد اللّه بن غانم‏ (1): 171- 190 ه.

قاضي الجند

أبو سعيد جعثل بن هاعان‏ (2): 105- 115 ه.

خاتمة

إنّ الفتح العربي كان الحدث الأصلي الذي حرّك تحوّل إفريقية و المغرب من مصير تاريخي إلى مصير تاريخي آخر. و فترة الولاة أو الأمراء و هي في الحقيقة فترة اندماج المغرب في الإمبراطورية الإسلامية، هي التي غرست في الواقع هذا التحوّل مدّة قرن كامل (84- 184 ه) و وضعت له أسسه.

و يتّضح هكذا أنّ دراسة المؤسّسات هامّة جدا لأنها كانت إطار الفعالية الإسلامية و النظام الإسلامي الذي كان نظام دولة. و قد أهمل المستشرقون هذه الفترة إمّا بسبب شحّ المصادر و إمّا لأنهم أكّدوا على استمرارية الهياكل السابقة للإسلام كما فعلوا في الشرق. و لقد وضّحنا في هذا الباب التفوق الساحق للمؤسّسات العربية على الموروث البيزنطي.

أمّا عن تأثير الشرق فكثيرا ما وقع الإلحاح على ذلك من طرف المدرسة الفرنسية. و الحقيقة أنّه لم يوجد شرق و لا غرب أو قليلا ما وجد بالمعنى الجغرافي، إنّما مركز دار الإسلام كان في المدينة ثم في الشام ثم في العراق و ليس بصفته شرقا.

____________

(1) أبو العرب، طبقات، ص 43؛ الخشني، م. س، ص 235، و هو إذ يأتي على تورخة 171 ه، يخطئ في نظام تتالي القضاة؛ المالكي، ص 147؛ النباهي، ص 25. الذي يدقّق أنه مات قاضيا، لكنّه يخطئ في التورخة حيث يذكر سنة 179 ه.

(2) عيّنه هشام بن عبد الملك: رياض، ص 75. أمّا تاريخ وفاته، 115 ه، فنجده في معالم الإيمان، ج 1، ص 154. من الأرجح أنّ اسمه كان جعيل، مثل الشاعر، و أنّ اسم جعثل أتى من خطأ للنّاسخ. و زيادة على هؤلاء القضاة التّسعة في فترتنا، يذكر كتاب معالم الإيمان، اسم قاض عاشر هو أبو علقمة، مولى ابن عبّاس، ج 1، ص 163. و هذه المعلومة منفردة و غير مؤرّخة، كما أنّ منصب القضاء لم يكن ليسند إلى الموالي في القرن الأوّل.

130

و المؤسّسات الإسلامية أوجدت هناك و تأثّرت في فترة أولى بالموروث الفارسي و البيزنطي ثم تحرّرت منها بدءا من عبد الملك (65- 86 ه). و هي التي انتقلت إلى المغرب و شهدت فيه نفس التطوّر بإيعاز من المركز أي في سبيل التحرّر و كسب الاستقلالية عن الموروث البيزنطي. و هذا الموروث يصعب تقييمه و لا نعرف أين يبتدأ و أين ينتهي بالضبط. بخصوص الدواوين و الموظّفين المعتمدين فيها و تقنيات الإدارة و ضرب النقود و استعمال اللاتينية، وقع اعتماد هذا الإرث لمدّة ربع قرن ثم حصل تجاوزه و إلغاؤه. أمّا بخصوص المنشآت العسكرية و الإدارية، فقد وقع دمج أو تركيب، فاعتبر التقسيم البيزنطي إلى حدّ ما لكنّ العرب أدخلوا تصوّرهم الخاصّ لهياكل المغرب و طغى هذا التصوّر فأوجدت تقسيمات جديدة للمعطى الجغرافي.

إنّ الحضور العربي اخترق أكثر بكثير من الحضور الرّوماني الأرض المغربية. و بالمعنى المؤسّساتي، كان المغرب كلّه و الأندلس خاضعا لسلطة والي القيروان، فهذه المدينة الجديدة العربية المحضة باتت عاصمة مجال واسع جدا لفترة معيّنة على الأقلّ. من هنا جاءت أهمية الولاية بالنسبة إلى سلطان الخليفة على الرّغم من بعدها. و داخل هذا المجال- و قد رأينا ذلك- كانت إفريقية بجناحيها طرابلس و الزّاب قلب الحكم الإسلامي و الحضور العربي.

و هذا ما يفسّر الانشطار- و لو داخل الإسلام- و بروز سجلماسة و الأدارسة و الأمويين، و في نفس الوقت بقاء إفريقية وفيّة للخلافة حتى في دائرة استقلالها مع الأغالبة. لقد كانت لها إمكانات حضرية و اقتصادية و لها تاريخ، إنّما هيّأت هذه الفترة لتكوين الإمارة الأغلبية و أصبحت إفريقية قاعدة لتكوّن دول في المستقبل، لأنها كانت أرض السلطة دون منازع.

إنّ فترتنا كانت عهد إمارة اتّضحت أكثر فأكثر مع آخر العهد العبّاسي حيث برز شكل من الاستقلالية. بل إنّ إفريقية صارت البلد الحامل لإمارات متتالية تتأرجح بين التبعية و الاستقلال المقيّد.

131

قائمة ولاة إفريقية و المغرب‏

معاوية بن حديج: 45- 50 ه.

عقبة بن نافع الفهري: 50- 55 ه.

أبو المهاجر دينار و فوقه مسلمة بن مخلّد أمير مصر و المغرب كلّه: 55- 62 ه.

عقبة بن نافع (للمرّة الثانية): 62- 64 ه.

زهير بن قيس البلوي: 69- 76 ه؟

حسّان بن النّعمان: 78- 84 ه.

موسى بن نصير: 84- 96 ه.

محمّد بن يزيد: 97- 100 ه.

إسماعيل بن أبي المهاجر: 100- 102 ه.

يزيد بن أبي مسلم: 102- 103 ه.

بشر بن صفوان: 103- 109 ه.

عبيدة بن عبد الرحمان السّلمي: 110- 114 ه.

عبيد اللّه بن الحبحاب: 116- 123 ه.

كلثوم بن عياض: 123- 123 ه.

حنظلة بن صفوان: 123- 129 ه.

عبد الرحمان بن حبيب: 129- 137 ه.

فترة اضطراب: 137- 144 ه.

محمد بن الأشعث الخزاعي: 144- 148 ه.

الأغلب بن سالم التميمي: 148- 151 ه.

عمرو بن حفص بن قبيصة: 151- 154 ه.

132

- يزيد بن حاتم المهلّبي: 154- 171 ه.

روح بن حاتم المهلّبي: 171- 174 ه.

نصر بن حبيب المهلبي: 174- 177 ه.

الفضل بن روح بن حاتم: 177- 178 ه.

هرثمة بن أعين: 178- 181 ه.

محمد بن مقاتل العكّي: 181- 184 ه.

133

III الحياة الاقتصادية و الاجتماعية في إفريقية العربية القرن الثاني هجري‏

134

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

135

نعلم أن المدرسة الاستشراقية الفرنسية، قد اهتمت أساسا و إلى عهد قريب بالمجال المغربي. و نحن نعرف أعمال كلّ من جورج مارسي‏G .Marcais ، و روبير برانشفيك‏R .Brunshvig ، و روجي لوتورنوR .Le Tourneau ، و هي أعمال تواصلت مع أبحاث جيل جديد من المستعربين سواء كانوا فرنسيين أو تونسيين من ذوي الثقافة الفرنسية.

فنتج عن ذلك، في أيامنا هذه التغطية الكاملة تقريبا للعهد الإسلامي العربي البربري من تاريخ إفريقية عن طريق الأبحاث. غير أنه إذا ما وقع درس الفتح العربي نفسه من قبل المصريين، فإن فترة التحولات و التنظيم التي تلت الفتح بقيت معتّمة، لذلك أردنا هنا إكمال هذا النقص مع الإحالة على تحاليل منشورة في مواضع أخرى للحصول على أوسع تفاصيل.

إنّ ما يثير الاهتمام في الفتح العربي للمغرب، أنه كان طويلا، مضنيا و صعبا. هنا- على خلاف المشرق- حصل انهيار الهيمنة البيزنطية من الوهلة الأولى، غير أنّ هذا لم يؤدّ إلى الخضوع المباشر للبلاد. لقد قاومت بالفعل القوى المحليّة المنظمة بطريقة جيدة، طويلا و بضراوة.

و مع ذلك تبنّى جميع البربر تقريبا العقيدة الجديدة، و حدث أن قاوموا الهيمنة العربية من داخل الإطار الإيديولوجي الإسلامي. و هكذا يمكن القول إنّ تراجيديا الفتح و استقرار الإسلام بالقوّة ولّدا العالم البربري في اتّجاه مصيره التاريخي.

لقد كان الصانع الحقيقي لفتح إفريقية هو حسّان بن النعمان (76- 84 ه). غير أنّ إتمام الفتح تطلّب سنتين كاملتين من خليفته موسى بن نصير. فخرجت إفريقية في سنة 86 ه، من عهد الفتح المضطرب و البطولي لتدخل في طور التنظيم الذي اصطلح على تسميته ب «قرن‏

136

الولاة»، و قد تزامن هذا التحول الفعلي مع تغيّر الوضع القانوني تدقيقا.

سواء كانت إفريقية مجرّد مجال لخوض الجهاد، أو متمتّعة بالوضع القانوني لولاية بواليها و مدينتها- المعسكر انطلاقا من 55 ه، فإنها كانت في كل الأحوال تابعة لولاية مصر.

لقد كان والي الفسطاط هو الذي يعيّن و يخلع ولاة القيروان، و إليه يعود حقّ النظر في مسيرة جيش الفتح، و كان هذا الأمر يتمّ بمساعداته المالية و جنوده‏ (1). و كان هذا الخضوع يثقل كاهل إفريقية خاصّة و أن والي مصر عبد العزيز بن مروان المشدود بأهمية الغنيمة كان يفعل كل شي‏ء من أجل الزيادة في الضرائب. و من هنا حدث الصّراع بينه و بين حسّان مما أدى إلى خلع هذا الأخير. و لم يكن موسى سوى صنيعة عبد العزيز فكانت أفعاله الأولى مرآة لشدة طاعته‏ (2).

غير أن طبيعة الأمور، فرضت أن تحلّق إفريقية بأجنحتها الخاصّة إذ توفي عبد العزيز بعد قليل (86 ه/ 705 م)، فلم يتردد موسى لحظة في توجيه البريد مباشرة إلى الخليفة في دمشق، و من فوق والي الفسطاط الجديد عبد اللّه بن الخليفة عبد الملك نفسه الذي احتج و لكن دون جدوى. هكذا أخذت إفريقية مكانها كولاية تابعة مباشرة للخلافة، فتحصّلت في الجملة على الوضع القانوني لولاية مكتملة. أصبحت لها- بقوة القانون- رتبة موازية لبقيّة ولايات الإمبراطورية بما فيها مصر (3).

ما هو أهمّ أن نواتها الأصلية (تونس، منطقة طرابلس و بلاد الزاب) كانت تتسع بلا انقطاع على حساب المغربين الأوسط و الأقصى.

و هكذا أصبح لدينا في حدود 123 ه «ولاية إفريقية الكبيرة» التي كان مركزها القيروان حيث تتّخذ القرارات، غير أنها سريعا، و انطلاقا من‏

____________

(1) انظر دراستنا في:Studia Islamica ,XXVIII ,pp .77 -701 ، و خاصة ص 78- 81.

(2) ابن عبد الحكم، فتوح، م. س، ص 214؛ الكندي، ولاة مصر، م. س، ص 74؛ ابن عساكر، تاريخ، ج 4، م. س، ص 146- 147.

(3) الكندي، ولاة، ص 81 و 82.

137

الثورات الخارجية، بدأت تتفكّك إلى أن أصبحت لا تضم سوى جناحها الشرقي. و بالتدرج، نشأت الممالك الخارجية لبورغواطة (124)، و سجلماسة (140)، و تاهرت (161)، و أخيرا و في سنة 172 ه، برزت المملكة الإدريسية في المغرب الأقصى. و فضلا عن ذلك و انطلاقا من 129 ه، خرجت إسبانيا نهائيا عن سلطة القيروان لتنخرط في مصير مستقل عن الخلافة ذاتها. يعني أن النّواة الوفيّة و القارّة كانت إفريقية بالمعنى الدقيق، إذ كانت أرض السلطة العربية دون منازع.

تنظيم إفريقية العربية

ملخص ما سبق‏

حصلت إفريقية على مؤسسات عربية بحتة، لم تتأثر إلّا قليلا بالمؤسسات البيزنطية المتواجدة من قبل.

النظام السياسي‏

يمثل الوالي الأساس الذي انبنى عليه النظام العربي: فهو ممثل الخليفة الذي يجمع بين كل عناصر السّيادة، لأنه قائد الجيش، و إمام الصلاة، و رئيس الإدارة. و يمسك بيديه القضاء الرّدعي و الجنائي. و على خلاف ما حدث في إفريقية زمن البيزنطيين، و ما حدث في نفس الفترة في مصر الإسلامية، لم يوجد انقسام بين حاكم عسكري سياسي، و آخر إداري و جبائي. بدون شك، و بحكم ابتعادها لم يكن لإفريقية سوى وال واحد تعود إليه كلّ السلطة السياسية، و هو يسكن في القيروان في قصر الحاكم أو قصر الإمارة، و هو الذي مكّنت الحفريات الحالية من تحديد موقعه على الجانب الجنوبي الشرقي للمسجد.

و كان يحيط بالقصر حرس خاصّ، تكوّن لفترة من البربر البتر النصيريين، ثم من حلفاء الولاة المتتالين و مواليهم. و قد كانت تنقلاتهم محاطة بنوع من الأبهة، التي لم تكن تضاهي بالرّغم من ذلك أبّهة البطارقة

138

الشرقيين القدامى، أو حتى أبّهة قوّاد المعسكرات الرومانية، لأننا لا زلنا في فترة تسودها بساطة العرب البدائية.

لقد عرفت إفريقية اثنين و عشرين واليا منهم من كانوا ولاة كبارا مثل موسى بن نصير (84- 96)، و حنظلة بن صفوان (124- 129)، و عبد الرحمان بن حبيب (129- 137)، و خاصّة المهلّبي يزيد بن حاتم (155- 170) الذي أقام عهد سلم و إصلاح.

و في العهد الأموي، كان يقع اختيار الولاة عادة من بين الموالي‏ (1)، أي من صنف اجتماعي متدن، و على العكس من ذلك، تداول في العهد العبّاسي المهلّبيون لأكثر من ربع قرن على القيروان (151- 178)، و قد كانوا من كبار الأشراف المؤثّرين. و يمكن أن تقول نفس الشي‏ء بالنسبة إلى ابن الأشعث (144- 145)، و هرثمة بن أعين (179- 180). و مهما يكن من أمر، فقد كان لإفريقية و لمرّات متعدّدة، ولاة من كبار أعيان الدولة من الذين سبق لهم أن مارسوا وظائف عليا في المشرق، و هو ما يؤكّد اهتمام الخلفاء بإفريقية التي كانت تضاهي في أعينهم أحسن ولايات الإمبراطورية (2). و في حين أنه من النّادر أن يصل عربي من أصل إفريقي إلى رتبة وال، إذ كان إسماعيل بن أبي المهاجر (100- 101) استثناء، و إذا استطاع الفهريون السيطرة على السلطة لفترة تفوق عشر سنوات (129- 140)، و تأسيس سلالة مستقلة فعليا، فلأنهم كانوا- بالتدقيق- مغتصبين، استغلوا أزمة الدولة الإسلامية العامة، و قد انتهت تجربتهم الاستقلالية بالفشل، لذلك لا بدّ من انتظار نصف قرن آخر لتحلّق إفريقية بأجنحتها الخاصة بقيادة إبراهيم بن الأغلب (184 ه/ 800 م).

____________

(1) البيان، ج 1، ص 21، 22، 47 و 51.

(2) سيّر يزيد بن أبي مسلم زمن الحجّاج ديوان الرسائل، الجهشياري، وزراء، ص 42؛ و أدار عمرو بن حفص وظائف مهمّة في المشرق؛ البلاذري، فتوح، ص 234؛ و أخيرا كان هرثمة واحدا من كبار أعيان بلاط بغداد و كبار قوّاده العسكريين، وزراء، ص 207.

139

التنظيم العسكري‏

كان جيش إفريقية يتكوّن في الأصل من جنود مصريين أي من عرب مصر، ثم انفتح مع حسّان و موسى على البربر الذين تجنّدت من بينهم وحدات عسكرية إضافية (1)؛ و بمجي‏ء العبّاسيين، تغيّرت التركيبة العرقية للجيش كثيرا، إذ رافق ابن الأشعث سنة 144 ه، 40 ألف رجل، و في سنة 155 ه، وصل ما بين 50 و 60 ألف رجل مع يزيد بن حاتم‏ (2). و قد احتوت هذه الجموع البشرية الجديدة على نسبة مهمّة من العرب، غير أنّ الأغلبية الساحقة منها كانت تتكوّن من الخراسانيين. لقد وقع تسريح الجيش الأموي القديم على الأرجح فاستقرّ الجنود القدامى على الأرض في الشمال و الشمال الشرقي للبلاد، في الوقت الذي تدربت خلاله الجيوش الجديدة، الأمر الذي أدّى في نهاية فترتنا إلى تتالي التمرّدات العسكرية أكثر فأكثر.

خضع التنظيم العسكري إلى التصوّر الإسلامي الكلاسيكي، إذ كان الجنود يتقاضون أجورهم عن طريق العطايا (3)، التي كانت تدفع إليهم بطريقة منتظمة تقريبا، و يقدّر معدّلها بألف درهم بالنسبة إلى الفارس و 500 بالنسبة إلى الراجل. و كان يشرف على توزيعها «عرفاء» (4) في المستوى الصغير، و قوّاد وحدات التعبئة، الذين كان عددهم- على الأرجح- سبعة في العهد الأموي. و كان باستطاعة عمّال المقاطعات قيادة الفصائل المحليّة (5)، غير أن في الجملة كان للجيش قيادته الخاصة، و رؤساء حامياته و قوّاده.

و قد كان هؤلاء يجنّدون في العهد الأموي من الأرستقراطية المحلية

____________

(1) ابن عبد الحكم، فتوح، م. س، ص 272؛ البيان، ص 38؛ ابن الرّقيق، تاريخ، ص 64؛ معالم الإيمان، ج 1، ص 61.

(2) ابن الأثير، الكامل، ص 33.

(3) فتوح، ص 288؛ ابن الرّقيق، تاريخ، فوليو 23 و ص 119 بالنسبة إلى طبعة تونس؛ البيان، ص 58؛ رياض، ص 122.

(4) ابن الرّقيق، تاريخ، ص 119.

(5) مثال سليمان بن زياد عامل طبرقة، البيان، ص 68.

140

في حين كان الجيش يتكوّن من عرب إفريقية الأقوياء البنية، مثل حبيب بن أبي عبدة أو عبيدة، و ابنه عبد الرحمان، و خالد بن أبي حبيب و كان جميعهم فهريين. و في العهد العباسي كان قوّاد الجيش محترفين يختارهم ضبّاط الوحدات الجديدة القادمين من المشرق مثل أبو العنبر، و ابن الجارود، و تمام بن تميم و إبراهيم بن الأغلب.

استعمل جيش إفريقية خاصة في ردع الفوضى الداخلية، و لكنه شارك أيضا في غارات على صقلية (1) و سردانيا، و هي غزوات تهدف إلى جمع الغنيمة و الأسرى، أكثر منها عمليات عسكرية بتحديد المعنى.

لقد كانت إفريقية تتمتّع، بفضل دار صناعة تونس بأسطول تفرض عن طريقه هيمنتها البحرية على المتوسط الغربي الذي تحوّل إلى" بحيرة إسلامية".

أمّا بالنسبة إلى الجيش في الجهات، فإن مدينة القيروان و بحكم اعتبارها متخصّصة كحامية و معسكر، قد نجحت في المحافظة على دورها كأهم مركز للتجمّع على الأقل حتى اندلاع الانتفاضات الخارجية (122- 123 ه) (2).

غير أنه و بسرعة، تأكّد دور تونس التي أصبحت تنافس القيروان لأنها غدت نقطة الانطلاق للتمرّدات العسكرية (3). ثم في آخر فترتنا، جلبت بلاد الزاب التي كانت تعتبر منطقة عسكرية العديد من الجنود إلى مختلف حامياتها، مما أدّى إلى تكوين جيش بلاد الزاب، الذي استغل الخصومات بين القيروان و تونس و فرض قائده ابن الأغلب كشخصية أولى ثم كوال.

____________

(1) غارات دورية تترجم مطامع ثابتة، مثل غارات بشر بن صفوان بين 103 و 107 ه، و حبيب بن عبيدة في 123 ه: البيان، ص 49 و 53.

(2) البيان، ص 75 و 87- 88.

(3) فتوح، ص 300؛ البيان، ص 60؛ النويري في:De Slane ,Berberes ,I ,p .463 . بالنسبة إلى التمرّدات التي اندلعت في تونس: البيان، ص 74، 86 و 89؛ الرّقيق، ص 186، 188 و 205؛ ابن الأبار، حلّة، ج 1، ص 76 و 77.

141

في تفاصيل قيامهم العسكري، استطاع العرب أن يتبعوا النظام الدفاعي البيزنطي و يستغلوه، غير أنهم بسّطوه كثيرا. فقد أقاموا في أغلب الأحيان في حاميات و حصون قديمة مثل باغاي و باجة و قابس و لكن يوجد في أغلب الأحيان تطابق بين الأقاليم المدنية و مراكز الكور باستثناء التي كانت عسكرية منها. بالإضافة إلى ذلك عوّض ظهور المدن الجديدة مثل القيروان و تونس انحطاط مراكز عسكرية أخرى مثل سبيطلةSuffetula ، و تبسّةThevesta ، و قرطاج.

التنظيم الإداري‏

ذكر لنا ابن عبد الحكم «أنّ حسّان بن النّعمان هو الذي أنشأ الدّواوين، و فرض الخراج على عجم إفريقية و من أقام معهم على النصرانية من البربر» (1). تتجمّع إشارات عديدة لتدعم لنا هذه المعلومة التي أوردها الإخباري العربي، و تؤكد لنا على وجود إدارة إفريقية مشابهة من عدّة نواح لإدارات الولايات الإسلامية الأخرى. و تتكوّن هذه الإدارة من ثلاثة دواوين رئيسية: ديوان الجند، و ديوان الخراج، و ديوان الرّسائل.

و من المحتمل أن تكون هذه النّواة الإدارية المركزية مقيمة في قصر الوالي، و قد وقع مدّ نشاطها بمختلف الدواوين التابعة مثل ديوان البريد الذي كان في نفس الوقت وكالة استعلامات، و دار الضرب، و دار الرّزق، و أخيرا بيت المال أو الخزينة العامة. كانت الإدارة العربية في إفريقية أداة المحافظة على نوع من الهيمنة التي يعبّر عنها هي بدورها بالاحتلال العسكري و استغلال موارد البلاد المالية. فيؤخذ القسط الأكبر من الضرائب المحصّلة لدفع أجور العرب المستقرين و المتماهين مع الجيش، و قسط آخر على النفقات الإدارية، و يبعث ما يتبقّى و هو حوالى 13 مليون درهم في عهد الرّشيد إلى عاصمة الإمبراطورية. و يعني ذلك كلّ الأهمية

____________

(1) فتوح، ص 271. انظر أيضا مقالنا:Studia Islamica ,XXVIII ,pp .97 -701 .

142

المعارة للمشكل المالي الذي كانت انعكاساته علاوة على ذلك متعدّدة على التوازن الاجتماعي و كذلك على التطوّر الديني.

لقد وقع تطبيق الوضعية القانونية على أحفاد البيزنطيين أو الرّوم، و على الأفارقة سواء كانوا مزارعين أو حضريين مترومنين، و كذلك على قبائل البربر الذين حافظوا على العقيدة المسيحية، فأجبر كلّ هؤلاء على دفع الجزية على الرؤوس و الخراج على الأراضي. و مع ذلك، دخلت أغلبية البربر الذين كانوا يعيشون في الأطر القبلية إلى الإسلام مبكّرا.

و كان من المفروض ألّا يتحمّلوا سوى الضرائب المفروضة على العرب المسلمين عادة أي العشر على المحاصيل الزراعية و المنتوجات التجارية، و الزكاة على قطعان المواشي. و لا يبدو أنّ الوضع في إفريقية بتحديد المعنى كان أكثر تعقيدا بسبب ممارسة المخالفات و الابتزاز بشتّى أشكاله مثل التخميس المعمول به عشوائيا في الرّيف‏ (1). و تعني هذه العبارة الغامضة «أخذ الخمس» دون شك لصالح الدولة، غير أنه يصعب تحديد أشكالها بصفة ملموسة.

لا بدّ أن تكون الإدارة المركزية العربية قد ارتكزت في البداية، و في تفاصيل سير عملها على طرق البيزنطيين و موظفيهم، خاصة و أن اللغة المتعامل بها كانت اللاتينية. ثم إن التعريب اخترقها شيئا فشيئا. و إلى الكتّاب الأفارقة المختلطين بالموالي المستعربين و العرب تعود إقالة هؤلاء البيزنطيين و استبدالهم كلما ترسّخت اللغة العربية. و يمكن القول إن تعريب الإدارة على المستوى المركزي، قد وقع إنهاؤه في الثلث الأول من القرن الثاني (100- 130 ه).

لقد أشارت المصادر في هذه الفترة إلى وجود كاتب ذي قيمة هو خالد بن ربيعة الإفريقي الذي كان صديق الشهير عبد الحميد الكاتب و زميله‏ (2).

____________

(1) مثلا في ولاية ابن الحبحاب، الكامل، ج 4، ص 223؛ البيان، ج 1، ص 51 و 52.

(2) لدينا إشارة عن خالد بن ربيعة في البلاذري، فتوح، ص 233؛ ح. ح. عبد الوهاب، ورقات، ج 1، ص 151- 156.

143

فيما تبقى خوّل لنا علم النّوميات أن نتمثل بوضوح مراحل تعريب العملة (1): مرّت الدنانير على الأقل بأربع مراحل جمعت بين اللاتيني و العربي: الحروف الأولى من كلمات مسيحية بيزنطية و صيغ دينية إسلامية إلى أن اكتمل تعريبها في حدود سنة 100 ه (2). و قد تزامن هذا التاريخ مع المجهود الذي بذله الوالي إسماعيل بن أبي المهاجر لتعجيل أسلمة القطاع الاجتماعي غير العربي. أمّا الإدارة الجهويّة فقد أثّرت فيها سيرورة هذا التطوّر بأكثر بطء، بالرّغم من أنه تمّ الوعي بثقل السلطة المركزية للقيروان، بقوّة و في فترات التّأزم.

لقد كانت إفريقية بامتدادها على منطقة طرابلس و نوميديا- من بين كلّ الولايات- الأحسن إدارة. و بالرّغم من خضوعهم لوالي القيروان، كان لعمّال بلاد الزّاب و منطقة طرابلس، مع ذلك الكثير من الصلاحيات المدنية و العسكرية (3)، التي كانت تتطور بانتظام منذ اندلاع الثورات الخارجية. و قد تفتّت المجال التونسي بتحديد المعنى إلى كور (4) أو أقاليم يشرف عليها نواب ولاة يتمتّعون بكل صلاحيات السلطة العمومية، غير أن طابعها الجبائي كان من دون شك الأكثر بروزا.

التنظيم القضائي‏

من المؤكد أن الوظيفة القضائية، كانت في العهد الأموي شديدة الخضوع لممارسة السيادة العمومية، غير أنها مالت في النصف الثاني من القرن الثاني إلى تجاوزها (5). و مع ذلك واصل الوالي ممارسة القضاء

____________

(1)

Lavoix, Catalogue, pp. XV- XXXVIII; lane Pool, Catalogue of orient coins, IX, pp. 71- 32; Walker, Catalogue of the Arab- Byzantine and post Reform Umayyad Coins, Londres, 6591, n 341, 441, 541, 951, 461, etc.

. (2) بالنسبة إلى‏Walker ، ظهر الدينار الإفريقي المضروب باللغة العربية لأول مرة سنة 102 ه:Catalogue ... ,op .cit .,p .99 .

(3) البيان، ص 52، 68 و 89؛ ابن خلدون، البربر، ج 1، ص 237؛ ... إلخ.

(4) توجد الإشارة إلى لفظ كورة في البيان، ص 132.

(5)

Shacht, Introduction to Islamic Law, op. cit., p. 32- 72 et 94- 65; Hopkins, Medieval muslim government in Barbary, Londres, 0591, pp. 211- 721.

.

144

الرّدعي و الجبائي. و أسند إلى القاضي القضاء المدني، و القضاء الدّيني للحدود بالقدر الذي كان مطبّقا.

إذا حدث أن تدخّل الخليفة- في بعض المرّات- لتعيين القضاة في العهد العباسي أو العهد الأموي، فإنّ ما كان شائعا هو أن تعيين هؤلاء يعود إلى الوالي‏ (1). و بالرّغم من ذلك، فإن منصب القاضي الذي يعتمد في نشاطه على القانون الإيجابي المهيّأ خارج الدولة، و المأخوذ عن المذاهب المشرقية، لم يكن بناء على ذلك خارجا عن تدخلات الولاة و سلطانهم. على أنّ القاضي كان منذ ذلك الوقت أكثر من موظّف عادي، و حتى و إن كان موظفا فهو ذو اعتبار. و قد جسّد بعض هؤلاء القضاة المتمتّعين بهالة أخلاقية دون منازع، المجموعة الإسلامية التي قادوها في أوقات الأزمة مثل أبي كريب الذي يمثل أحسن مثال الشجاعة و حسّ المواطنة (2).

ما يجب أن نشدّد عليه، هو أنه مع توسّع مهامّ القاضي و نفوذه، و كلما غصنا في الزمن، وجدنا في عصر الولاة عناصر من شأنها أن تهي‏ء لقدوم كبار قضاد الأغالبة.

بحكم اندماجها المتأخر في المجال الإمبراطوري للخلفاء، كان لا بد لإفريقية أن يتأخر زمنيا قيام مؤسساتها. فكانت التنظيمات التي طبقت في هذه الولاية متناغمة و ناجعة في جملتها، إذ استجابت للتمشي العربي الشامل المحدث في الإطار المشرقي، إلّا أنّ هذه التنظيمات تفرض عليها أيضا التأقلم مع الظروف المحلية، و الاعتماد- لوقت ما على الأقل- على الإرث الروماني- البيزنطي الذي ظلّ مع ذلك تأثيره ضعيفا في الجملة. على خلاف المريطانيتين القديمتين، أثبتت إفريقية وجودها كنواة مركزية الأكثر تجسيدا للتنظيمات العربية. و في هذا المعنى، جاء المجهود الثابت و اللّافت للنظر للغزاة الجدد فيما يتعلق بقدرتهم على‏

____________

(1) المالكي، رياض، ص 72 و 111؛ أبو العرب، طبقات، ص 34 و 35.

(2) المالكي، ص 107- 110.

145

الاستفادة من التقاليد القديمة التي وقع الاعتماد عليها و دعمها من أجل جعل إفريقية وحدة جغرافية تأثرت بعمل الدولة الذي أشعّ فيها بعمق.

مجتمع إفريقية

الأسس الاقتصادية

نعرف أن اقتصاد إفريقية، كان يعيش في آخر فترة السّيطرة البيزنطية حالة انهيار نسبي‏ (1). و من البديهي ألّا يكون الفتح العربي بامتداده في الزمن و قسوته- على الأقل في التّو- بأكثر فائدة، خاصّة و أن سياسة الأرض المحروقة التي اعتمدتها الكاهنة، مثلت على ما يبدو الضربة القاضية لغابة الأشجار المثمرة في بلاد مزاق. و لا نستغرب في مثل هذه الظروف أن نرى بعض المؤرخين‏ (2) يعمّمون من خلال الأحكام التي أوردها ابن خلدون‏ (3)، ليعتبروا الفتح العربي مثل مرحلة أزمة حادّة، جاءت لتعمّق الوضع الداخلي الواهن منذ زمن طويل. و لكن عديد الشهادات الأثرية توحي لنا بتواصل النشاط الاقتصادي في مناطق ستعرف‏

____________

(1)Ch .Diehl ,Afrique Byzantine . غير أن الانهيار لا يمكن أن يمسّ سوى بلاد مزاق أين بدأ الأهالي يتحوّلون إلى رعاة. يستعمل‏Ch .Diehl ، في جدول دقيق، لفظة" أزمة".

(2) ذكر شارل ديل‏Ch .Diehl نفسه أن غابة الزيتون في بلاد مزاق بدأت تندثر من نهاية القرن السابع. أما جورج مارسي‏G .Marcais في:

La Berberie musulmane et L`Orient au Moyen Age, Paris, 6491, p. 67.

فيعيد تاريخ الانهيار إلى زمن أبعد، و هو النصف الثاني من القرن الثالث ميلادي، و بذلك يكون العصر الذهبي هو عصر الأنطونين و السافريين‏Les Antonins et les Serveres ، ص 77.

(3) «هكذا تقدم لنا هذه المنطقة الخضراء التي تمتدّ من طرابلس إلى طنجة غابة شاسعة، يعلو ظلها مجموعة من القرى المتلاحقة، فلم يعد يظهر منها سوى الخراب». البربر، ج 1، ص 212. غير أنه من البديهي أن الدمار الذي أحدثته الكاهنة و المحدود في الزمن لا يمكن أن يتجاوز بلاد مزاق و نوميديا الجنوبية. و لا يمكن أن يكون دمار هاتين المنطقتين بسبب اتساع هذا الدمار، الذي وقع تضخيمه ممّا يحيلنا على النظرة الميثولوجية للماضي.

146

لا حقا تراجعا مؤكدا مثل الوسط الغربي لبلاد مزاق‏ (1). في الحقيقة عرف اقتصاد إفريقية فترات قوّة و فترات أزمات، أوقات انهيار، و أوقات ازدهار؛ و يندرج عهد الولاة بعد التخريب الذي سببته عمليات الفتوح في السير نحو استعادة الازدهار.

إذا كنّا نفتقد إلى معلومات دقيقة حول الفلاحة، فيمكننا التأكيد على الأقل على أنها ظلت العمود الفقري للاقتصاد. فظلت منطقة السّهول الشمالية مخصّصة دائما لزراعة الحبوب و زراعة البقول المجتمعة مع تربية الماشية. و ساهم سهل القيروان، و بعض مناطق بلاد مزاق و نوميديا في نفس هذا النشاط الفلاحي أيضا. إلّا أن بلاد مزاق ظلت الميدان المحبّذ لغراسة الأشجار البقلية أو السّقوية خاصة. و في هذا السياق يوضح لنا مقطع من ابن عبد الحكم‏ (2) حالة الثراء التي كانت عليها إفريقية في الزمن الملحمي لبداية الفتوحات.

و يشهد هذا المقطع أيضا، بدون شك، و خاصّة- بسبب تاريخ تدوينه- على أهمية إنتاج الزيتون و الزيت في القرن الثاني الهجري/ الثامن ميلادي. إلى جانب غابات الزيتون، لا بدّ من الإشارة إلى وجود الأشجار المثمرة المتنوّعة في كامل بلاد مزاق بما في ذلك بلاد قمّودة.

نشير في الأخير إلى اجتماع غابات النخيل مع زراعة البقول في واحات قسطيلية.

نجهل بطبيعة الحال تطوّر الطرق الزراعية. فإذا ثبت عدم وجود تقدّم يستحق الذكر، فإنه لم يوجد في الجملة أيضا، على الأرجح انهيار.

لقد اقتصرت النصوص على التلميح و الإشارة إلى أهمية السقي، و تربية الماشية التي لا تقل أهمية، و التي تتدرج تربيتها من الشمال إلى الجنوب و في منطقة طرابلس.

____________

(1) ح. ح. عبد الوهاب:

»Les Steppes Tunisiennes pendant le Moyen Age«, Cahiers de Tunisie, II, 4591, pp. 5- 61

. (2) فتوح، ص 185.

147

يطرح الوضع القانوني للأرض على المؤرخ مشاكل دقيقة، فإذا ما اتبعنا الفقهاء كسحنون‏ (1) و الدّاودي‏ (2)، فإننا نتوصل إلى التفكير بأن أرض إفريقية كانت أرض عنوة فتحت بالعنف و اعتبرت بالتالي ملكا مشاعا للمجموعة العربية التي تمثلها الدولة. و مع ذلك توجد بعض المناطق التي صنّفها نفس هؤلاء الفقهاء كأراضي صلح تحكمها عهود استسلام، و أخرى كأراض أسلم عليها أهلها. بالرغم من أهمية هذا التصوّر فإنه يبقى تقليديا، و تبقى جدواه في كل الأحوال جبائية خالصة.

و مع ذلك، فإن الواقع الملموس يصعب تطويقه، خاصّة و أننا نجهل كل شي‏ء عن حجم مختلف أنواع الملكيّات و الوضع القانوني للمزارعين القدامى الذين يعانون بشكل أو بآخر من الارتباط بالأرض، و كذلك عن الأراضي التي منحت إلى القبائل البربرية التي أسلمت.

لقد استعادت الدولة الإسلامية مباشرة أملاك الإمبراطور و الأرستقراطية العليا لتعيد توزيع جزء منها على عناصر من الأرستقراطية العربية تحت تسمية «القطائع»، و بالتالي لم يقع مسّ هيكلة بعض الأراضي القديمة. و تخوّل لنا إشارات متعدّدة، تحيل خاصة على أسماء الأماكن، إلى التفكير، فضلا عن ذلك، أن يزيد بن حاتم والي القيروان بين 155 و 170 ه، بعد أن سرّح قسما من الجيش العربي الأموي، أقرّه في وحدات قبلية في وادي مجردة و في الوطن القبلي؛ و هذا ما تشهد عليه أسماء الأماكن التي حفظت لنا إلى أيامنا هذه مثل الأزدين (قبيلة الأزد)، و مهرين (مهرة) و كلبين (كلب) (3) .. إلخ.

لم يكن و لا يمكن أن يكون هذا القطاع من الأملاك العامّة العربية أو المستعربة إلّا خاضعا لضريبة العشر، إلّا أن هذا لا ينطبق على غالب‏

____________

(1) المدوّنة، ج 2، ص 175 و 200.

(2) كتاب الأموال و المكاسب، حوليات الجامعة التونسية للآداب، ج 4، 1967، ص 84- 100.

(3) نحيل على دراستنا التي نشرت في:Studia Islamica ,XXVII ,pp .87 -121 .

148

الأراضي. أمّا الفضاءات التي استولت عليها القبائل البربرية، و كانت مخصّصة عموما لنشاط الرّعي، فقد طبقت عليها جباية من النوع الإسلامي. و خضعت الأراضي الصالحة لزراعة الحبوب، و غابات الزيتون، و واحات النخيل إلى دفع الخراج. و قد بقي على هذه الأراضي أصحابها القدامى- روم، أفارقة، و بربر مستقرّون- دون معرفة كيفية تطوير العلاقات بين مالكي الأراضي و العاملين عليها. و يمكننا أن نتوقّع على غرار المشرق، أن التوجّه ظل تقليديا، و أن العرب طبّقوا في ميدان الضريبة العقارية المسؤولية الجماعية، و أنهم حافظوا- بالنسبة إلى الأرياف- جزئيا أو كليا، على التأطير الاجتماعي القديم.

في القطاع الصناعي، عرفت إفريقية في عهد الولاة تطوّرا نسبيا.

لقد وقع استخراج الثروات المنجميّة و استغلالها، بعد أن أهملها نوعا ما الرومان و البيزنطيون. هكذا كانت مناجم الحديد و الفضة و الرصاص في مجّانة محل استخراج ضخم منذ عهد الولاة الأمويين، مثلما لاحظ ذلك جورج مارسي بالاعتماد على المعطيات الأثرية (1). فضلا عن ذلك، عرفت صناعة الحديد و البلّور تطورا كبيرا مثلما تشهد على ذلك بقايا تعود إلى منتصف القرن الثامن الميلادي مثل معايير موازين من البلور (2).

إلى جانب الإرث القديم، كان للتأثير المشرقي الثري بالتقاليد الصناعية و الحرفية الأثر الواضح على إفريقية.

و يمكن اعتبار إنشاء حسّان بن النعمان لدار صناعة السفن بتونس حوالى 82- 83 ه، مظهرا من الإسهام الإيجابي للمشرق من الطراز الأول. و لضمان حسن سير دار صناعة السفن، قام حسّان بالفعل باستقدام 1000 شخص من أقباط مصر للمشاركة في تعليم اليد العاملة المحلية في صناعة السفن‏ (3). لدينا هنا مؤسسة ضخمة سيكون لها الدور

____________

(1)

La Berberie Musulmane et L`Orient au Moyen Age, op. cit., p. 97

. (2)

G. Marcais et Levi- Provencal, »Note sur un poids de verre du VIII siecle«, Annales de L`institut d`Etudes Orientales d`Alger, 7391.

. (3) ابن الرّقيق، تاريخ، ص 66.

149

الأساس في توسّع إفريقية البحري في المتوسّط، و كذلك في ازدهارها التجاري البارز.

تعود صناعة الأبسطة إلى آخر عهد الولاة، مع أنها تقليد محلّي قديم فلم يكن بإمكانها تجنّب التأثير المشرقي. و مقابل ذلك، مثّل إنتاج النسيج و القماش الرّفيع أمرا جديدا أوجدته حاجيات ديوان الطّراز، الذي كانت تبعث ورشاته في إفريقية بعيّنات مصنوعة خصيصا إلى الخليفة مروان الثاني بدمشق، و هذا ما تشهد به قطعة ما زالت محفوظة إلى أيامنا هذه‏ (1).

و أصبحت التجارة مع العرب أحد الأنشطة الأكثر ازدهارا في البلاد. فقد انتعشت الأنشطة التجارية و أعمالها في كل مكان استقرّ فيه الإسلام بالفعل. و كان في ذلك يعتمد على إحياء التقاليد القديمة مضيفا إليها أخرى جديدة. على الصعيد الجهوي، كانت التجارة تخضع كثيرا للإنتاج الفلاحي و الحرفي، بالقدر الذي تخضع فيه لهيكل الشبكة الحضرية و أمن الطّرقات. ففي أغلب المدن المهمّة نوعا ما، كانت تقوم علاقات بين ريفيي المناطق المحيطة و السكان الحضريين. و على صعيد العلاقات ما بين الجهات، كانت باجة فيما يتعلّق بإنتاج الحبوب، و توزر و قابس بالنسبة إلى إنتاج التمور تمثل مراكز الإشعاع التجاري. ذكر لنا في أوج القرن الثاني بالنسبة إلى تونس وجود سوق مجاور لجامع الزيتونة.

و قامت القيروان خاصة بحكم ارتفاع عدد سكانها و رفعة منزلتهم بدور جاذب على المستوى الجهوي و المحلي، و ذلك أكثر من أيّة مدينة أخرى. ففي هاتين المدينتين، نشأت الأسواق و تطوّرت في البداية بصفة عشوائية مثل سوق إسماعيل الأنصاري الذي أنشئ سنة 71 ه، بجوار الزيتونة مسجده الخاصّ، و سوق ابن المغيرة، و سوق بني هاشم.

و يحتمل أن يعود إنشاء السّوق المركزية إلى عهد هشام بن عبد الملك (105- 125) الذي أقيم على السّماط (2)، و هو طريق أوسط بجانب‏

____________

(1)

. G. Wiet, L`exposition Persane de 1391, op. cit., pp. 5- 53

. (2) البكري، المسالك و الممالك.

150

المسجد الجامع في الاتجاه الجنوبي الشمالي، و مكان الإنتاج الحرفي و التبادل التجاري في نفس الوقت. بعد ذلك، انتظمت الأسواق بدفع من يزيد بن حاتم (155- 170)، الذي جمّع المهن الحرفية و التجارية حسب الاختصاصات المعمول بها (1).

أمّا التجارة الكبرى فإنّ الحضور العربي لم يقلّصها بل أحياها. من المؤكّد أن الشريك المميّز في هذا المجال كان المشرق الإسلامي، غير أنه يمكن أن نتصوّر أيضا أن علاقات تجارية ربطت بين إفريقية و أوروبا عن طريق إسبانيا أو صقلية، فأصبحت القيروان خاصة سوق العبيد الكبرى، و ظلّ عنصر الرقيق البربري الأكثر انتشارا بعد الفتح بقليل و طيلة زمن طويل أيضا، إذ لا تتوانى الروايات على التأكيد على ميل المشارقة للنساء البربريات. و قد وقعت الإشارة، في القيروان نفسها، إلى النشاط التجاري الكبير الذي كان يقوم به إسماعيل الأنصاري الذي كان في نفس الوقت ناسكا تقيّا و تاجر عبيد، يبعث بقوافل إلى المشرق‏ (2).

و قد خوّلت الغزوات المتتالية على صقلية انطلاقا من 120 ه تنشيط هذه التجارة. و نحن نجهل إذا ما وقع إقامة المحطات التجارية المختصة في بضاعة العبيد في القرن 2 ه/ 8 م، هذه التجارة التي أصبحت في القرن 9 م، من فردان‏Verdun إلى القيروان، ثمّ المشرق مرورا بإسبانيا عنصرا من العناصر الأساسية للتجارة بين الغرب و الشرق. أمّا عن العلاقات التجارية التي تربط إفريقية بعالم بلاد السودان و التي يرجعها اليعقوبي إلى القرن 9 م، فقد ظلت في عداد الفرضيات فيما يتعلق بشأنها في عهد الولاة.

لا تقوم التجارة الكبرى مع المشرق على العبيد فقط، إذ كان يصدّر إليه أيضا الحبوب، و الزيت، و السّجاد، و أقمشة الطراز؛ بينما و في المقابل كانت إفريقية تستورد منتوجات رفيعة مثل الأقمشة و الأسلحة

____________

(1) البيان المغرب، ج 1، ص 38.

(2) رياض النفوس.

151

و التوابل الموجّهة إلى الطبقة الغنية و الحاكمة. و قد كانت هذه التجارة برية قوافلية خاصة، إذ كانت هذه القوافل عند انطلاقها من القيروان تتبع الطريق الساحلية (التونسية)، ثم تقتفي طريق منطقة طرابلس و تمرّ بالفسطاط لتنفذ في النهاية إلى سوريا و العراق. و كانت هذه القوافل تنقل معها خليطا من الحجيج من رجال العلم و المسافرين. و هكذا كانت العلاقات التجارية تقترن مع الاتصالات البشرية و الثقافية.

في الجملة، أرجع هذا النشاط التجاري المزدهر علاقات التضامن بين إفريقية و بقية فضاء إمبراطورية الخلفاء الأكثر عمقا. فمن مجال في أوج صعوده، و على خلاف الغرب المسيحي الرّيفي، أصبح فضاء يتمتّع باقتصاد نقدي أظهره توحّده كسوق واسعة تجلب إليها كل الكفاءات الجريئة.

الهياكل الاجتماعية

في الوقت الذي كان الفتح الإسلامي يفرض فيه نفسه كتوجه حضاري جديد، كان يقوم بتغيير اجتماعي مهمّ أيضا إذ امتزجت العناصر القومية و العرقية و الاجتماعية بتحديد المعنى و الدينية امتزاجا حميميا. فإذا كانت التراتبية الاجتماعية كثيرا ما تتفق مع التصنيف العرقي، فإن التضامن الواضح في الجملة و القوي بوجه الخصوص، يطفو في بعض الأحيان ليخلق عالما منفصل العناصر و مركّبا في نفس الوقت. فالاندماج بين العناصر القديمة و الجديدة ما زال بعيد المنال، و بالرّغم من ذلك، كانت القوى التي تعمل لتقريب الإثنيات شديدة العمق مثل اللغة العربية و الدين الإسلامي خاصة.

لقد برزت إفريقية إذن التي مثلت خليطا من الشعوب و القبائل، ككيان اجتماعي غير متجانس، فكان السكان القدامى، الممثلون بالروم و الأفارقة، و قبائل البربر و اليهود متفوّقين عدديا، غير أن العناصر الجديدة المتكوّنة من العرب و مواليهم الشرقيين و بصفة أقل الفرس، كانوا الأسياد

152

الممثلين للتأثير و القوّة الاجتماعيين البارزين.

حسب رأينا، لا يمكن أن يتجاوز عدد المستقرين العرب نهائيا في إفريقية الخمسين ألف شخص. و كانت أغلبية العرب القادمين في العهد الأموي من أصل مصري و سوري، غير أن ولاة العباسيين مثل ابن الأشعث، و يزيد بن حاتم اللذين واصلا استصحاب السوريين و المصريين، جلبا معهما خاصة عراقيين، و عربا من خراسان، و خراسانيين بحصر المعنى. و من بين العرب الذين قدموا مع العباسيين كان التميميّون أغلبية. و هو ما أدّى إلى القطع مع التوازن القديم الذي كان فيه اليمنيّون الأغلبية الساحقة، فقلب الوضع لصالح المضريين.

ظلّ العنصر العربي المنتشر في البلاد بحسب أماكن الحاميات، و الحاجيات العسكرية، حضريا أساسا. و في العهد الأموي مثلما هو الشأن بالنسبة إلى العهد العباسي، كانت مراكز التجمّعات الأكثر أهمية هي القيروان، و هي إنشاء عربي صرف، و تونس، و الزاب. من الطبيعي أن يستقرّ في عاصمة الولاية- و بحكم توجهاتها الأولية- عدد كبير يوجد فيه ممثّلون لأغلب المجموعات القبلية المعروفة، كلبيين، معافريين، و مجموعات من مزينة و جهينة، و التنوخيين و التجيبيين، و تيم ربيعة، و قيسيّين و تميميّين، دون أن ننسى الأرستقراطية الأنصارية- القرشية (1)، التي تحتل فيها عشيرة القرشيين الفهريين مكانة مميزة تعود إلى عدد أعضائها و حلفائها، و كذلك و من دون شك إلى رصيد العظمة المتراكم حول شخصية عقبة شهيد الفتح‏ (2). و قد اكتسبت هذه العشيرة، خارج‏

____________

(1) هذا ما يستنتج من الانتماء القبلي لشخصيات مذكورة في كتب الأخبار مثل ابن الرّقيق، ص 99- 139. و يعطي تحليل مصدر التراجم المناقبية مثل المعالم ذكر رقم 41 شخصية بالنسبة إلى طبقة الصحابة منهم 18 قرشيا، و 4 أنصار، و 17 عضوا من مزينة و جهينة، و 2 من الموالي، و وقع ذكر 26 اسما بالنسبة إلى الطبقة الثانية أو طبقة التابعين و هم 3 من الأنصار. و 2 من معافر (يمنيّين)، و التوزيع تقريبا متساو بين بقية القبائل. و نجد- بالنسبة إلى الطبقة الثالثة أو طبقة تابعي التابعين- بروزا واضحا للعناصر العربية الجنوبية (لخم، معافر، همدان، تجيب .. إلخ).

(2) جمهرة أنساب العرب، ص 177 و 178.

153

دائرة إشعاعها الاجتماعي، سلطة سياسية، إذ كان لبعض الفهريين سلطة مهمّة، حتى أن بعض المنتمين إليهم أسّس سلالة (1). و تركّزت في تونس و بلاد الزاب خاصة، مجموعات من الموجة الثانية (العهد العباسي)، سيطر عليها الإسهام التّميمي، و استقر مع ذلك، قسم من عرب الفترة الأموية المسرّحون في مجموعات على أراضي البروقنصلية القديمة.

إنّ التضامن، الذي كان يربط الإثنية العربية و يفرّقها في آن واحد، تعدّدت جوانبه إلى حد التقاطع و حتى التناقض في بعض الأحيان. لقد كان الإطار الأساسي للعرب في المجتمع هو العشيرة التي يمكن أن تنكمش و تتمطّط حسب الظروف. و خلال العشرين سنة الأخيرة من العهد الأموي، قوي الصراع بين القبائل، و برز الحقد بين الكلبيّين و القيسيّين.

و كان الصراع في إفريقية، دون شك، أقل سعة وحدّة مما كان عليه في المشرق، و مع ذلك فقد كان له وزن ثقيل على الحياة الاجتماعية و أكثر ثقلا على الحياة السياسية. غير أنه على العكس من ذلك، و حالما ظهر العنصر الدخيل، تكوّنت جبهة موحّدة من العرب المستقرّين قديما و المتأفرقين‏Africanises لتقذف به إلى الخارج، أو على الأقل لتحدث له مصاعب. و هو ما يشهد على العداء العميق الذي أظهره عرب البلاد هؤلاء إزاء الجيوش السورية- و هم عرب أيضا- و الذين أتوا لنجدتهم في سنة 123 ه. و يفسّر هذا العداء، فضلا عن ذلك، الشعور بالتعالي و الازدراء لهؤلاء المشارقة (2). و مع ذلك، فنحن نجهل تقريبا كل شي‏ء عن العلاقات التي يمكن أن يكون عرب الموجة الأموية قد أقاموها مع القادمين الجدد في العهد العباسي.

فالمصادر لا تشير إلى مصادمات، غير أنه من المؤكد أن القادمين الأوائل كانوا قد أبعدوا عن الوظائف العسكرية، و بتحوّلهم إلى الحياة المدنية العادية، انصهروا أكثر في البلاد، إلّا أنهم و بالرغم من ذلك‏

____________

(1) هو عبد الرحمان بن حبيب.

(2) البيان، ص 54.

154

لم يصلوا حدّ فقدان عروبتهم، كما أنهم لم يتخلّوا عن تكبّرهم كمنتصرين، إذ إن العرب القدامى و الجدد- و أمام المجموعات المحلية الأخرى- كانوا يشعرون بالتضامن فيما بينهم لأنهم كانوا متميّزين، و بما أنهم متميزون فهم مهددون دائما في سيطرتهم.

لقد كان العربي في البداية وحده الجندي فعلا، و كان الرجل الذي يقوم عليه مستقبل الحضور العربي، ثم شاركه في هذا الأمر- في وقت لاحق- عناصر غير عربية. و كان هذا العنصر العربي هو الذي يوفّر القادة السياسيين و الإداريين، و قادة الجيوش، و هو الذي يمسك بين يديه سواء مباشرة أو عن طريق الوساطة الجهاز الإداري. و كان العرب من الناحية الاجتماعية، يكوّنون أرستقراطية البلاد، غير أنهم يتفاضلون فيما بينهم حسب بناء تراتبي يفرّق بين أعضاء السلالات الحاكمة، و الأرستقراطية القرشيّة العتيدة، و الأنصار، و أشراف القبائل، ثم جموع العرب غير المعروفة.

لقد توصّل العرب بالرغم من قلة عددهم و فنائهم في الحروب، لا إلى المحافظة على خصوصيتهم دون الذوبان في الجموع المحيطة فقط، بل تمكنوا كذلك من تثبيت أنفسهم كنواة نموذجية في مجتمع إفريقية، إذ مثّل هؤلاء العرب مجموعة مهيمنة بلغتها و دينها و المثل و المبادئ التي ينشرونها (1). و فضلا عن ذلك لا يجب أن نضع موضع شكّ الخصوبة الطبيعية للعرب، و إذا ما وقع اعتبار ظهور أجيال من المولدين و الهجناء (أبناء العرب من نساء البلد)، بيولوجيا لصالح شكل من أشكال الانصهار، فإن هذا يعني تمديد العنصر العربي اجتماعيا و ذهنيا.

و في نفس المستوى الذي يحتله العرب الخلّص، لا بد من اعتبار الموالي المشارقة و الفرس، لأنهم مشاركون في الهيمنة.

لا بد من التفريق بعناية بين الموالي القادمين من الشرق و الموالي‏

____________

(1) عن نشر المثل العربية، انظر ح. ح. عبد الوهاب، ورقات، ج 1، م. س، ص 131- 163.